تحميل رواية «زوجتي الشرقية» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حفل زفاف لم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن تحضره. قاعة فخمة تدل على مدى ثراء العائلة الفاحش. لم تكن تتوقع أن صديقتها الأجنبية التي تعرفت عليها عندما زارت مصر للمرة الأولى أن تكون من عائلة ثرية جداً لذلك الحد. عامان فقط بعد أن أصبحتا مقربتين، بعثت لها بطاقة دعوة زفاف المقيم في شرم الشيخ وتصبح وصيفة العروس. وصيفة عروس بعيدة عن الصخب، بعيدة عن العروس. خرجت من القاعة وهي تلتقط هاتفها لتطمئن والدها كل خمسة عشر دقيقة كما أخبرها. لم تعد طفلة بعد الآن، إنها في الرابعة والعشرون وما زال والدها يعاملها مثل...
رواية زوجتي الشرقية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
كان يراقب كل تفصيلة صغيرة، وكأنه يكتشفها للمرة الأولى.
تقابلت الأعين للحظات، لغة العيون بهما سحر خاص يكتشفه لأول مرة. بندقيتها خائفة، بل مرتعدة ومترقبة لأي خطوة سوف يتخذها.
أشاحت بعينيها للجهة الأخرى وهي تنهي ذلك الحوار الذي دار بلغة الأعين. أخفض بصره متابعاً حركة مرور قطرات الماء التي تهبط إلى عنقها ثم يختفي بين ثنايا صدرها. يقسم إنه يستمع إلى صوت نبضات قلبها التي تدوي بعنف بين قفصها الصدري. صدرها يعلو ويهبط بسرعة مهولة.
"لما تأخرتي يا عزيزتي؟"
هتفت بها الجدة وهي تقتحم الغرفة، تضرب بعكازها على الأرض. علامة الاندهاش اعتلت وجهها وهي ترى زين في الغرفة.
"أنت هنا؟ لقد كنت أظنك في غرفة المكتب."
أزاحته كرد فعل طبيعي وتقدم نحو الجدة متمسكاً بيديها.
"لقد انتهيت يا جدتي، هيا."
رمت ببصرها إلى زين الواقف عاري الصدر، صاحت بخبث.
"يبدو إنني قد قطعت عليكم لحظاتكم؟ أليس كذلك؟!"
تتمنى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها. علقت ببصرها نحوه لتجده يلتقط قميصه ويتوجه نحو الحمام دون أن ينبس ببنت شفة.
"هيا يا جدتي لننتظره بالأسفل."
هتفت بها وهي تحاول أن تبدو نبرتها هادئة، لكنها خرجت مهزوزة بعض الشيء وهي تبتعد عن مرمى أعين الجدة المتفحصة.
***
"يوسف."
هتف بها عمار بصوت جهوري ليسترعي انتباه ذلك الشارد. رمقه يوسف بتساؤل.
"خير."
جلس بجواره وهو يبذل بأقصى مجهوده أن ينتشله من الطريق اللاعودة.
"هيجي الخير إزاي وإنت بالمنظر ده؟ ما تفوق يابني شوية، الحياة مبتقفش عند حد."
ابتسم يوسف بتهكم وهو يلتقط علبة لفائف التبغ ويشعل واحدة.
"إلا ليان يا صاحبي."
توتر عمار وقلبه يزداد يقيناً من الكارثة التي ستحدث.
"يوسف فوق، اللي بتتكلم عليها دي إتجوزت. متتهورش يا يوسف وتندم على اللي هتعمله."
اتسعت عينا يوسف قائلاً بحده.
"وأنت فاكر إن أنا حيوان للدرجة دي يا عمار؟ أنا لا يمكن آذيها يا عمار، مقدرش. أنا بس كنت غبي وحيوان ودفعت تمن غبائي كويس."
"طب ليه سبت كل حاجة وجيت إسكندرية ليه؟"
هز يوسف رأسه بلا مبالاه وهو يطلق الدخان من جوفه.
"كنت فاكر إن كل ما هبعد هنسى وهبدأ حياة جديدة، بس افتكرت إن أنا غلطان."
ربت عمار على ذراع صديقه.
"طيب يلا قوم، الجو برد علشان مناخدش برد."
قام الآخر من مجلسه باستسلام وتفكيره منصب على بداية حياة جديدة. عليه أن ينساها وينسى الأخرى وسيسعى لنجاح ذلك.
***
ابتسمت بمشاكسة وهي تنظر إلى غرفتهم التي زينها آدم.
"يبدو أن حبيبي لا يضيع أي وقت."
سحبها من ذراعها ليضمها لصدره متمتماً براحة.
"لا وقت للفرار عزيزتي. ما فعله زياد تلك الأيام الماضية سأقوم بتعويضها. لا أريد سماع أي شيء صوت سوى نبضات قلبك."
دفنت برأسها إلى عنقه وهمست.
"أحبك كثيراً آدم."
ضمها آدم بحب وذراعيه تكبلان خصرها.
"وأنا أيضاً حبيبتي."
ابتعدت ليلي فجأة وكأنها استيقظت للتو من الكابوس.
"هل سيقضي حقاً زياد لمدة أسبوع في القرية؟"
هز رأسه بيأس ضارباً بكفه على جبهته.
"حقاً أنتِ لا تصدقين. سأقضي ليلتي بين الأوراق أفضل من جلستك. وداعاً."
مشت بعينيها عدة مرات وهي تراه يلتقط سترته من الفراش ويخرج من الغرفة بخطوات يتآكلها الغضب، لتركض خلفه وهي تحاول أن تلاحقه قبل أن يخرج من المنزل.
"آدم انتظر قليلاً."
صوت إغلاق باب المنزل جعلها تتوقف عن الركض، لتمتم بسخط وهي تدب بقدمها على الأرض.
"أنت الخاسر يا عزيزي. استمتع بسهرتك مع الأوراق، أما أنا فسأذهب لمشاهدة الحلقة الجديدة من المسلسل المفضل لدي."
توجهت نحو المطبخ وهي تقوم بعمل وجبة سريعة قبل موعد المسلسل.
لتهرع نحو التلفاز وتقوم بتشغيله وهي تمتم براحة.
"جيد، لقد بدأ."
فقدت بريق حماس متابعة المسلسل بسبب عدم وجوده، لتلتقط هاتفها وتبعث برسالة قصيرة عبر تطبيق الواتساب لآدم "عد أرجوك".
تهللت أساريرها وهي ترى تلك العلامة الزرقاء التي تعني بأنه قرأ الرسالة، لتجده يكتب شيئاً ثم يقوم بمسحه. انتظرت عدة دقائق طويلة مرت كالدهر لرده.
اعتصرت الهاتف بيديها وهي تمتم.
"حسناً يا آدم، أنت الجاني."
توجهت بخطوات راكضة إلى غرفة النوم لترتدي منامة قصيرة من اللون الأسود. مشطت خصلات شعرها الشقراء ووضعت أحمر شفاه صارخ.
"احذر يا عزيزي من النساء."
التقطت عدة صور مختلفة الأوضاع لترسلها له وابتسامة ماكرة تعتلي ثغرها. سيأتي بالتأكيد، سيأتي.
توجهت نحو الفراش وهي تعد الدقائق والثواني لمجيئه. دقائق ليست بالطويلة سمعت صوت باب إغلاق المنزل.
انتفضت من الفراش لتمسك بهاتفها وتعبث به بملل.
شهقت بفزع عندما أمسكها من عضدها، صائحاً بحنق.
"ما الذي تحاولين فعله ليلي؟ تبعثين بصور أقل ما يقال تجعلني أريدك وبشدة."
كانت تتأمله بملامح مشتاقة. سترته التي رماها أرضاً وقميصه الذي ترك إزاره الأعلى مفتوحاً وشعره المبعثر عكس حالته التي خرج بها. لاحت ابتسامة هادئة على ثغرها وهي تحتضنه بقوة هامسة بصوت خفيض.
"آسفة."
"لا عليكِ."
ثم تابع مضيقاً عينيه.
"آمل أنها ليست من إحدى خدعك، لأنني وقتها لن أرحمك إذا لفظتِ باسم زياد الليلة."
هزت برأسها وهي تهمس بتأكيد.
"لا يوجد زياد أو ليان الليلة."
"ولا غداً."
ضحكت باستماع وهي تعود برأسها للخلف قليلاً.
"ولا غداً."
ابتسم بظفر وهو يسقطها على الفراش لينعم بليلة هادئة مع تلك المجنونة التي سلبت عقله وقلبه.
***
قضت وقت العشاء وهي صامتة مع بعض الكلمات المقتضبة إذا وجهت لها الجدة الحديث لها. كانت تستمع إليه كيف يتحدث، طريقته في الحديث مع جدته. كانت شبه هائمة به وهي تستند بذراعها على ذقنها. لم يرفع ببصره نحوها ولم يوجه لها الحديث إطلاقاً. تنهدت بقلة حيلة. الطعام أمامها شهي لكن تشعر بملء معدتها. تشعر أنها دخيلة وهما يتحدثان في مواضيع لا تعلمها. يبدو أنهم يتحدثون عن ذكريات قديمة!
قامت من مقعدها وهي تبتسم بهدوء وعيناها مسلطة نحوها.
"لقد شبعت جدتي، سأصعد لغرفتي. مساء الخير."
نظرت الجدة إلى الطبق التي لم تمسه وهتفت.
"لم تأكلي شيئاً يا فتاة، هيا اجلسي."
اعتذرت بلباقة وصعدت إلى الغرفة لتهتف الجدة بأعين متفحصة إلى الذي يتناول بلا مبالاه.
"ما بها زوجتك؟"
"لا يوجد بها شيء."
اتسعت عيناها دهشة.
"ما كل ذلك البرود يا ولد، ستجعل الفتاة تهرب منك بجفائك هذا."
هتف بجمود وهو يمضغ الطعام غامزاً بإحدى عينيه.
"لا تستطيع أن تهرب مني يا جدتي."
ضيقت عيناها من حفيدها الذي يتحدث بثقة وغرور لتتنهد.
"عندما تنسحب الفتاة منك ببطء، لا تندم وقتها."
قامت من مقعدها ليقوم الآخر من مقعده وناولها العصا لتستند عليها.
"دعيني أقوم بإيصالك إلى غرفتك."
"ابتعد، أستطيع أن أذهب إلى غرفتي بمفردي. ألقِ نظرة على زوجتك، الفتاة ما زالت لم تتكيف مع الوضع بعد."
كان الحديث مرتكز نحو ليان وإعطاء النصائح له لكي ينعم بحياة زوجية رائعة.
صاح مندهشاً وهو يدثرها بالغطاء ويقبل جبهتها.
"يبدو أن ليان ستأخذ محلي من قلبك."
ابتسمت بمشاكسة.
"ولما لا، أليست تلك الفتاة من خطفت عقلك؟"
تجمد وجهها وهي ترى وجهه المتخشب وعدم ظهور أي تعبير على وجهه.
"أخبرني، هل اخترتها من عقلك أم من قلبك؟"
كانت تشير بيديها نحو رأسه والثاني نحو قلبه ليرد بجمود.
"وما الفارق إذاً؟!"
تهجمت ملامح الجدة ضيقاً وهتفت بسأم.
"هيا غادر إلى غرفتك، يبدو أنني أتحدث مع لوحة من الثلج."
ضحك باستمتاع وهو يعود تقبيل جبهتها مرة أخرى. دثرها جيداً ثم قام بإغلاق المصابيح وأغلق باب الغرفة بهدوء. وأرجله تتجه نحو غرفتهم!!
***
"ألم تنامي بعد؟"
صدح بها بتعجب وهو يراها أغلقت هاتفها للتو. من عبارتها العربية استنتج أنها تحدثت مع عائلتها.
"كلا، لقد كنت أطمئن على والدي."
لا تعلم لماذا لسانها أخبره مع من تتحدث. كانت من المفترض ألا ترد عليه. إنه لا يكترث بها إطلاقاً. ألن تحظى ولو بمحادثة معه؟ ألن يسمح لها!! راقبته وهو يلتقط ملابس عملية ويتوجه للحمام. عدة دقائق وهي تنتظره وداخلها يقيناً أنه لن يوجه ببصره نحوها. سمعت صوت الباب وهو ينفتح. راقبته بصمت حتى خرج من الغرفة.
أطلقت لعنة بين شفتيها.
لترتمي على الفراش وتضع الوسادة على وجهها وهي تمتم.
"أين حياتي السابقة؟ أريد استعادتها."
كانت تخشى أن تكون بمفردها بين أربعة جدران، لكن برغم وجود الجدة، لكنها ما زالت تشعر بالنقص.
نقص وجوده بجوارها. يطمئنها... يخبرها أن تظل صامدة قوية.
استسلمت إلى سلطان النوم وهي تجده هو ملجأها الوحيد حتى لا تُجن وهي تتحدث بكثرة مع حالها. بسببه هو بدأت تتحدث مع حالها كثيراً. اللعنة عليك يا زين الحديدي.
***
استيقظت عندما شعرت بأصوات حركة في غرفتها. هل عاد؟ ما الوقت الآن؟ فتحت جفنيها وهي تستند بظهرها على مقدمة الفراش لتجد فتاة جميلة ترتب الملابس وتضعها في الخزانة. قالت الفتاة باحترام.
"صباح الخير يا سيدتي. الفطار سيجهز بعد نصف ساعة."
عبثت بشعرها للخلف وفركت عينيها ببطء.
"صباح الخير."
قامت من مضجعها وهي تزفر بحنق. لقد جاء الصباح ولا تعلم أين هو؟ ماذا إن سألتها الجدة عنه؟ ماذا ستخبرها؟
انتبهت على صوت إغلاق الباب لتتنهد بيأس وهي تتوجه نحو الخزانة وإلتقطت أول شيء ظهر أمامها وتوجهت نحو المرحاض لكي تنعم بحمام دافئ وسط دوامة أسئلتها التي لن تنتهي.
***
كانت تراقب المنزل بانبهار. نزلت الدرج ببطء وهي تمشط المنزل بأعين فضولية. استوقفتها جدار يوجد به صور ضخمة. تبدو للعائلة!!
صور قديمة لرجل أقل ما يقال أنه جذاب وفتاة صارخة الجمال يحتضنان بعضهما بحميمية. ابتسمت في هدوء وهي تتابع تفحصها لباقي الصور.
صور أخرى لهم ولكن يوجد بينهما طفل رضيع.
هل هذا زين؟ اقتربت من الصور لكي تتفحص ملامحه بشكل أدق.
شهقة قوية جعلتها ترتد خطوات للخلف عندما سمعت صوت أنثوي من خلفها.
"يبدو إنكِ تريدين أن تتفحصي ملامحه وهو صغير."
التفتت للخلف لتري امرأة متفجرة في الأنوثة. بداية من ملابسها القصيرة التي تبرز معالم أنوثتها الطاغية إلى خصلات شعرها البندقية المصففة بعناية.
ابتسمت المرأة تحت نظرات ليان المتعجبة والمستنكرة لتمد يدها معرفة عن نفسها.
"أعرفك، أدعي آليا، ابنة عم زين."
تهللت أساريرها عندما علمت أن الفاتنة مجرد قريبة له. صافحتها بحبور.
"اعذريني، لكنني لم أراكِ أمس."
"أوه نعم، لقد جئت الصباح الباكر من لندن."
تفحصتها آليا بتتمعن. فتاة محجبة ذات ملامح ناعمة وهادئة.
أشاحت بعينيها وهي تنظر إلى الصور المعلقة على الحائط.
"أتتعلمين هذا الحائط يوجد به العديد من الذكريات؟ الصور جميعها ذكريات قديمة."
ابتسمت ليان ابتسامة هادئة وهي تستمع إلى حديثها.
"أتتعلمين يا ليان، اسمك مميز للغاية، لكن أليس ذلك الاسم غريباً؟"
"كلا، إنه اسم عربي الأصل يوجد به عدة معانٍ كثيرة، وأكثر معنى مقرب هو الرقة واللطافة."
ربتت آليا على وجنتيها.
"أنتِ فعلاً رقيقة كالفراشة ولطيفة للغاية. سنصبح أصدقاء."
أشارت بإحدى الصور الحديثة.
"هذه صورة حديثة التقطت لي أنا وأخي وزين. هذه الصور قبل أن يصبح أخي رباناً، والآن لا أراه سوى لقاءات قصيرة."
يبدو أنها أعادت عليها أوجاعها. نبرتها خفيضة مؤلمة بها لوع واشتياق. ربتت على كتفها وهتفت بمرح وهي تنتشلها من غمامة الحزن.
"هيا، إنه وقت الفطار قبل أن نستمع توبيخاً من الجدة."
ضحكت آليا بصخب.
"يبدو إنك لم تسلمي من الجدة ليلة أمس."
***
أسرعت بمعانقة والدها بعد عودته من سفره إلى القرية. اشتدت من معانقة والدها وهي تخبئ وجهها إلى صدره.
"متسافرش وتسيبني تاني، ماشي؟"
ابتسم أيمن بحنان وهو يطبع بقبلة على جبهتها.
"إن شاء الله."
ابتعدت في هدوء وسحبته إلى الأريكة وهتفت بفضول.
"يلا بقى احكيلي إيه اللي حصل هناك؟ انت وعدتني لما ترجع هتحكيلي."
انتظرت عدة دقائق أن يبدأ لكنها وجدته لم يتفوه بشيء. عيناه تجوبان وجهها ليهتف بهدوء مضيقاً عينيه.
"هقولك بس افهم الأول إيه اللي كان بيقوله حمدي ده."
اتسعت حدقتا عيناها زهولاً وهي تسب ذلك الحمدي والشهاب في آن واحد. الحقير، لقد أخبر والدها. حسابك عسير يا حمدي.
"تقصد إيه يا بابا؟"
رد بهدوء استدعى الشك في داخلها.
"كان بيسألني انت اتخطبتي ولا لأ. ولما سألته بيسأل ليه قال شافك انتِ وواحد وكنتم لازقين مع بعض بالمعنى الحرفي. أقدر أفهم مين ده وإيه اللي بيحصل من ورايا؟!"
أمسكت كف والدها وهتفت بصدق.
"يا بابا ده سيادة المقدم شهاب ابن عم ليان. أنا معرفش هو عمل كده فجأة ليه معايا؟ طول عمره ما وجهش كلام معايا إطلاقاً، بس بعد سفر ليان كل حاجة اتغيرت فجأة. تصرفاته، كلامه، وآخر حاجة لما اتفاجئت بيه تحت بيتي واتفاجئت أكتر وهو بيقول لحمدي إن أنا خطيبته."
غمغم أيمن بغموض.
"بس كده؟"
أسرعت تهز رأسها إيجاباً.
"آه والله يا بابا صدقني، هو ده اللي حصل."
"ماشي، نشوف حكاية شهاب ده إيه كمان."
بعث في قلبها الرهبة وهي ترى حديث والدها الغامض نحوه.
"هتعمل إيه يا بابا؟"
"أفهم الموضوع الأول، هو عايز إيه؟"
"بابا متقلقنيش."
ضيق أيمن عينيه وأردف بجمود.
"مقلقكيش!! ندي، في حاجة تاني مخبياها عليا؟"
هزت رأسها نافية.
"حالياً لأ. وبعدين برده عايزة أعرف إيه اللي حصل بالتفصيل الممل في السفر ده. عيلة إيه يا بابا اللي معرفش عنها حاجة؟"
تنهد بحرارة وهو يرجع بذاكرته للخلف قبل خمس وعشرين عاماً بالتحديد. قد حان الوقت لكي تعرف صغيرته ما حدث في الماضي.
***
"مس ورد، مس ورد، بصي الرسمة اللي رسمتها دي."
هتف بها إحدى الأطفال وهو يريها اللوحة التي رسمها.
قبلته بحنان وهي ترى ذلك المبدع الصغير رغم تخطيه السبع سنوات.
"هايل يا حبيبي، إيه الروعة دي؟"
لمعت عين الصغير بسعادة وهتف بحماس.
"بجد حلو يا مس ورد."
داعبت وجنتيه الورديتين وهي تنظر إلى اللوحة التي رسمها مرة أخرى.
مؤكدة له.
"حلو أوي يا عيون المس."
التقطت من حقيبتها نوع من الحلوى التي يعشقها وأعطتها له، لتراه يقفز ويسارع باحتضانها.
"أنا بحبك أوي يا مس."
همست بحنان بجوار أذنه.
"والمس بتحبك أوي يا محمد."
قفز الصغير يركض إلى غرفته وهو يخبر باقي الأطفال المقاربين في عمره بأنه أخذ حلوى.
سمعت صوت مديرة الملجأ وهي تربت على كتفها بحنو.
"ربنا يفرحك زي ما بتفرحي الأطفال."
شق ابتسامة ناعمة لاحت ثغرها لتتنهد براحة وهي تشعر بسعادة غامرة تملأ قلبها.
***
مر أسبوع قضته بصحبة الجدة وآليا، آسفة، علياء. اسمها عربي الأصل، والدها هو الآخر تزوج من فتاة بريطانية، ولكن للأسف حدث بينهم مشاكل وتطلقت وسحبت الأطفال إلى أحضانها.
خالد وعلياء اسمين عربيين، ولكن مع والداتهم وثقافتها المتحررة أصبحوا غربيين من الدرجة الأولى من الملبس وطريقة التحدث والمعاملة.
عادوا إلى أحضان أبيهم بعد أن أصبحا ناضجين يافعين. علياء فتاة تخطت الثاني والعشرين من العمر، والقبطان خالد يكبرها بعدة سنوات، يقضي حياته بالانتقال من بلد إلى أخرى.
كانت الجدة وعلياء ينطقون اسم خالد بصعوبة شديدة، يبدلون حرف الخاء بالكاف في كل مرة يتلفظون باسمه. تضحك بأستمتاع.
علمت حياة علياء وحياة الجدة وجزء من حياة خالد، ولكن هو لا تعلم عنه سوى القليل. القليل جداً، مع ذلك تظن إنه كافٍ لتلك الفترة. وكأنهم متعمدين ألا يتحدثون عنه سوى بعبارات مقتضبة.
والجدة التي توقفت عن سؤالها عنه، أين هو؟ ولماذا تأخر؟ اكتفت فقط بأن تقص عليها بعض المواقف الطريفة التي حدثت في حياتها.
جلست على فراشها وهي تتذكر بعد أن قام بتوصيلها إلى منزل الجدة، أصبحت تكاد تراه في وجبة الإفطار وتكون محظوظة جداً إن رأته قبل الخلود للنوم.
لا تعلم متى يأتي ومتى يذهب. وما ذلك العمل الذي يجعلها لا تراه سوى دقائق قصيرة.
نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط لتجد أن الساعة قد تخطت الثالثة صباحاً.
توجهت نحو الفراش وهي تشعر بالصداع الذي يفتك برأسها كلما شردت وتفكر به. رائع يا ليان، لقد أصبحتِ لا تفكرين بأحد سواه.
أغلقت جفنيها وهي تحاول أن تنام. تقلبت يميناً ويساراً وهي في كل حين تتأفف. أزاحت الشرشف لتتوجه نحو الشرفة.
سحبت نفساً عميقاً وزفرته على مهل. الهواء المنعش سيجعلها تتحسن. ابتسمت في خفوت وهي تتكأ على السور بذكريات قديمة.
مشاجرتها هي وأختها، تشتاق إليها بشدة.
على الرغم إنها تتحدث معهم يومياً إلا أن مكالمة الفيديو لا تكفيها.
انتبهت على سيارة تدلف إلى المنزل ولم يكن سواه. ترجل من السيارة ببطء وهو يتوجه نحو الداخل.
ستتحدث معه. تلك فرصتها الوحيدة قبل أن يعودا إلى لندن.
انتظرته أن يأتي للغرفة لكنه خيب ظنها. دلفت إلى الغرفة وهي تجلس على الفراش بقلب منتظر وعقل أوشك على الجنون.
ظلت تهز ساقيها بتوتر وهي تعد الثواني والدقائق ليأتي. هل رحل؟ كلا لم يرحل. لم تستمع إلى صوت السيارة بعد.
قامت من الفراش وهي تضع وشاحاً على رأسها وتذهب إلى غرفة المكتب.
امسكت بالمقبض وفتحت باب الغرفة بعنف وانفاسها تعلو وتهبط من الحنق والغيظ الذي يتآكلها. وجدته يريح بجسده على الأريكة مغمض العينين. وعندما وجدته عاري الصدر. عند تلك النقطة أدارت وجهها للخلف وتحدثت بنبرة هادئة رغم تلك النيران التي تعتلي في داخلها.
"أريد أن أتحدث معك والآن."
مغمض العينين ينعم براحة تستمر عدة ساعات قليلة ليواصل يوم الغد الحافل. تفاجأ من اقتحام أحدهم الغرفة دون أن يطرق الباب. وقبل أن ينفجر بغضبه وجدها هي. هل ما زالت متيقظة؟ انتظره لكي تتحدث معه؟
ابتسم بسخرية.
"التفتي وتحدثي معي، لن أتحدث مع عنقك."
جزت على أسنانها بغيظ رغم اشتعال وجنتيها من اللون الأحمر القاني. التفت إليه وهي تشيح بوجهها عنه.
"يجب أن نتحدث."
"في الغد."
هتف بها ببرود. لتشتعل غضباً وهي بدون وعي تتوجه نحوه.
"ليس في الغد، الآن! هل المناقشة معك تتطلب موعد؟"
قام من مجلسه وهو يقف قبالتها واضعاً كفيه في جيب بنطاله وعيناه تجوبان وجهها.
"وما الأمر؟"
"أخبرني، هل سأظل هكذا طول الوقت؟ لا أعلم عنك شيء ولا تتحدث معي كمثل الأشخاص الطبيعيين. تتركني مثل اا..."
دنا نحوها هامساً.
"مثل ماذا؟"
ارتدت للخلف عدة خطوات وهي تشعر برائحة عطره تتوغل إلى روحها. هذا يجعلها في حالة من اللاوعي ويجب أن تفيق. فهي أمامها فرصة للتحدث معه، فهو أمامها أخيراً.
أغمضت جفنيها وهتفت بكل ما يعتمل في صدرها.
"مثل الكرسي، أنت لا تفهم ذلك الشعور الذي يراودني. أشعر بأنني... آه، لا أعلم كيف أصفه لك. يوجد الكثير من الأشياء والتساؤلات بداخلي ولا أجد جواباً لأي منهم. أكتفي فقط بالظن أو التخمين. لقد تعبت حقاً، لقد تعبت. لا أريد أن أبقى هنا. سأرحل، سأعود بأدرجاي إلى القاهرة وأعدك أنني سأعطي مالك في أقرب فرصة ممكنة."
فتحت جفنيها لتشهق وهي تضع بكفها على شفتيها كأنها تحاول أن تكتم شهقتها قبل أن تصدر.
هيئته تلك لم تعهدها من قبل، يشبه كهيئة الملثمين أو قاطعي الطرق. زرقاوه عيناه البراقة اختفت وحل محلها ظلام دامس. شعره المبعثر بعشوائية على جبهته. انفعالات جسده الذي يتحكم بصعوبة وهي تراه يقبض بكفه بقوة حتى ابيضت سلمياته. بللت شفتيها وهي تشعر بالخطر يحوم حولها. عليها أن تهرب. الآن!
آكل المسافة الباقية بينما أرجع بجسدها للخلف ليرتطم ظهرها بالحائط. تنظر له برهبة وتجوس وخوف وفرصة النجاة انعدمت عندما هتف بغضب جعل جسدها ينتفض كلياً كالعصفور بين يدي طائر جارح.
"ماذا قلتي؟ هيا اسمعيني!!"
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيليا البحيري
لا أخاف من تلك النظرة هتفت بها ببرود شديد رغم تخبطات داخلها .. إنه فى ذروة غضبه وانتِ تخبرينه إنكِ لا تخشينه !! رائع عزيزتي إجعليه يصب بغضبه عليكي الآن
هيا اذهبي إلى غرفتك صاح بها ببرود ثلجي ... لا تعلم من أين يأتي به ! إبتعد عنها ويتوجه نحو الأريكة مرة أخرى .. اتسعت حدقتيها ذهولاً وهي تراه يريح بجسده على الأريكة مغمضاً جفنيه .. هل أنهي الحوار ؟! الحوار لم ينتهي بعد ..ضربت علي الأرض بقدمها بسخط وهي تخرج من الغرفة غالقة الباب بعنف خلفها ..لم يلقي بالاً بما فعلته .. أغلق المصباح بجواره لينعم بالنوم فغداً عليهم العودة إلى لندن
جهزت الخادمة حقائبهم .. احتضنتها علياء بعاطفية
- سأشتاق لكٍ يا ليان .. سأقوم بزيارتك عندما أعود من السفر
بادلتها ليان بابتسامة هادئة وهتفت بشقاوة
- ستذهبين إلي إيطاليا إنك محظوظة حقاً .. ولكن أن تكوني عارضة أزياء أليس متعباً
- بالطبع متعب لكن شيق للغاية سيقام حفلة في لندن الشهر القادم سأرسل لكِ الدعوة لا تتحججي بالعمل مثل زوجك
- إن شاء الله
تمتمت بها فى خفوت .. إدارت بعيناها نحو المكان وهتفت بتعجب
- ولكن أين جدتي ؟
همت علياء بالرد ليستمعا إلي صوت يأتي من الدرج
- انا هنا يا عزيزتي
قالت علياء بتعجب وهي تري الخادمة خلفها تتمسك بحقيبة السفر
- جدتي لمن تلك الحقيبة ؟
ضربت بعصاها علي الارض وهي تقول بسعادة
- لي بالطبع
- ولكن إلي أين ستذهبين يا جدتي ؟
ذلك الصوت كان صوت زين تلك المرة .. لتلتفت ليان وهي تراه خرج من غرفة مكتبه ويتوجه نحو جدته بخطوات هادئة
- سأذهب معكم بالطبع
ظهرت علامات التعجب والدهشة على معالم علياء والجمود على زين .. لتهتف علياء بدهشة
- ولكنكِ قلتي لا تحبين ان تسكني فى زحام المدينة ما الذي تغير الآن ؟
توجهت الجدة نحو ليان التي كانت تحاول فهم ما يحدث
- تغير لأن زوجة حفيدي جاءت سنتسلي انا والفتاة كثيراً
ثم أشارت للخادمة بصوت متلهف
- أسرعي يا كريستين أعطي الحقيبة للسائق
انصاعت الخادمة لأمرها وهي تحمل الحقيبة متوجه بها نحو الخارج .. هتفت الجدة وهي تلكز ذراع ليان الشاردة
- يا فتاة لا وقت للشرود الآن هيا اصعدي السيارة لنصل للمدينة في أقرب وقت
وما كان عليها سوى الإذعان والقبول .. توجهت للخارج هي الأخرى .. ما إن إبتعدت عن ناظريهم حتى قال زين بمكر
- ما الذي تنوين على فعله يا جدتي ؟
ضربت بعصاها علي الأرض وهي تمتم بسخط
- أنوي ماذا ؟ هيا هيا لنصعد إلى السيارة الوقت سيتأخر
وجه زين ببصره إلي علياء التي كانت تحاول كتم ضحكتها
- جدتي الله يعلم ما الذي يدور برأسها
لاحت ابتسامة لم تصل لشفتيه .. إبتسامة تهكمية ساخرة ليهتف بجمود
- حينما تصلي إلي إيطاليا هاتفيني
هزت رأسها بإذعان
- بالطبع
توجه إلي الخارج بخطوات رشيقة .. تتبعته علياء بنظرها حتي اختفى عن مرمى نظريها لتفلت الضحكة التي حبستها بداخلها وتمتمت وهي تضرب بكفوفها
- ااه يا جدتي
تشرب العصير باستماع تحت نظراتهم الساخطة لتمط شفتيها بتركيز
- يعني هي مش بترد على التليفون
ضم شهاب قبضه يديه وهو يحاول بأقصي قدر ألا يفتك بتلك المجنونة تبرم بسخط وهو يوجه ببصره نحو ورد
- انا قلت يا ورد ديه مش هتفيدنا سيبيني اخلص عليها
حاولت ورد أن تهدأ ذلك الذي سيقوم بأرتكاب جريمة الليلة
- اهدي بس يا شهاب
ثم تابعت وهي تلقي بنظرة معاتبة للأخري التي لم تكترث وهي تشرب العصير باستماع
- يا سارة اهدي اشويه احنا جايبينك لأنك إنتِ اكتر واحدة عارفة ندى
- ايوه بس كله بحسابه
هتفت بها سارة ببرود ليسحق شهاب أسنانه
- ويا تري الست سارة تحب نجبلها ايه
لمعت عين سارة وهي تصيح بحماس
- الكاميرا اللي هموت وأجيبها
قام شهاب من مجلسه صائحاً بانفعال
- لا ده انتي زودتيها اووي
قامت ورد من مجلسها هي الأخري وهي تسحبه للمقعد مرة أخرى
- اقعد بقي الناس بتتفرج علينا
زفر بحنق وهو يجلس على المقعد مرة أخري ..هتفت سارة
- عيد ميلادي بعد بكره
بدا الأمر لم يعد الاحتمال صاح بعنف وعيناه موجهه الى ورد
- شوفي علشان انا لو قتلتها مش هدفع الجزية .. انا بفكر في ايه وهى فين
عبست سارة لتقول بسأم
- تصدق أنا غلطانه إني بفكر أجيبهالك إزاي
هتفت ورد بفضول يتآكلها
- قصدك إيه يا سارة ؟
أجابت سارة بخبث وقد اهتدت إلي خطة ناجحة
- عيد ميلادي بعد بكره وديه الحاجة الوحيدة اللي هقدر أجيبها للبيت و بكده يقدر شهاب يتكلم معاها لو قلقانين علي موضوع بابا وماما فمتقلقوش من الناحية ديه
هتف بأعجاب صريح
- الماظات دماغك ديه ألماظات
عدلت ساره ياقتها وهتفت بزهو
- اومال ايه يا حضرة المقدم
ضيقت عينيها وهتفت بتحذير مشيرة بأصبع السبابة نحوه
- الكاميرا يا شهاب لو ملقتهاش بعد بكره إنسى تشوف البت
ضحكت ورد وهي تستمع إلي الشد والجذب بينهما .. يشبهان القط والفار كثيراً زادت أعينها دهشة وهي تستمع إلي سارة
- بس خد بالك يا حضرة المقدم لا تعمل حركة كده ولا كده ها هقفشك .. بيت إبراهيم طاهر وهيفضل طول عمره طاهر
أمسك شهاب بعبوة المناديل ورماها فى وجهها لتتفادها بسهولة وهي تبين له طرف لسانها
- مجتش فيا
ازاحت بخصلاتها للخلف لتنظر إلي الهاتف وهتفت بعبوس
- إنتوا جايبني علشان العصير بس فين الأكل
تلك المرة ورد التي هي التي قامت من مجلسها وعلامات الحنق بادية علي معالم وجهها لتفر سارة هاربة من الذين سيقومون بقلتها اليوم وتصيح برعب
- انا ماشية
ضحكت ورد بملء فيها على تلك المجنونة التي ركضت خارج المطعم تحت نظرات أعين الجميع منهم المتهجم ومنه المستنكر والأخر متعجب .. لتجلس على مقعدها وهتفت بأبتسامة هادئة
- ها قررت تقولها إيه ؟
تنهد براحة لأنه يوجد فرصة لمحادثتها .. أسيخبرها أنه يعشقها ولا يستطيع الحياة بدونها أم يجبرها ؟! لن يقدم بخطوة سوي أن يعلم منها سبب النفور منه .. تتجنبه و ترفض الحديث معه .. لن يظل مكتوف الأيدي المقابلة القادمة لن يتركها ترحل
ظن الزواج من ليان سيجعل جدته تهدأ .. لكنه كان مخطئاً
نقر بقلمه على سطح مكتبه الزجاجي وعيناه شاردتان نحو الفراغ .. الماضي يطرق بابه من جديد
كان في العاشرة من العمر عندما توفي والده ووالدته أثر حادث مؤلم .. جعله يفقد النطق لعدة أشهر .. رفض العيش مع عمه وانتقل للعيش مع جدته لعده أشهر ثم أخبرها أنه يرغب في الالتحاق بمدرسة داخلية .. رغم رفض الجدة وعمه إلا إنه كانت رأسه يابسة كما تقول جدته دائماً ..مرت السنوات ببطء حتى التحق بالجامعة .. حياته عابثة كمثل اى رجل غربي .. القيم والأخلاق التي غرسها أبيه وهو صغير قد دفنت ومُحيت منذ الأزل ..تولي إداره شركة أبيه بمساعدة عمه الذي دائما واقفاً بجواره يدعمه ويساعده ..إنه حتى الآن لا يصدق أنه تزوج .. وتزوج من ؟! .. فتاة شرقية .. يا لسخرية القدر !!
انتبه على صوت مساعده الخاص وهو يهتف بهدوء
- سيد زين
عاد ينقر بالقلم على سطحه الزجاجي .. ارجع بظهره للخلف
- ماذا ستيفن ؟
توترت معالم وجه ستيفن وهو يضع الصحف على مكتبه
- سيدي أظن أنك لم تقرأ الخبر بعد
إلتقط زين إحدي الصحف وهو ينظر بأعين فضولية .. اسودت عيناه مما بعث في قلب ستيفن الرعب .. يا إلهي ما الذي فعلته !!
ظل يقرأ العناوين بين الصحف ومعدل غضبه يزداد كأن وقوداً إقترب من شعلة نار جعلته يتوهج ويحدث حريقاً مهولاً " ما زالت علاقات رجل الأعمال مستمرة حتى بعد زواجه " .. "علاقة حميمة تربط بين رجل أعمال شهير و صحفية " .. " هل زواج رجل الأعمال زين الحديدي مجرد ستار لأستكمال علاقاته "
إزدر ريق ستيفن بتوتر وهو يلاحظ تشنج جسد سيده .. إنتفض بهلع عندما أزاح زين كل شيء على المكتب مصدراً ضجيجاً قويا
- اللعنة
همس بها زين وهو يرجع بخصلات شعره للخلف .. الصحفيون مستمرون في إزعاجه .. لن يتركوه وشأنه .. قال ستيفن بتردد
- سيدي هل نفعل مثل المرة السابقة ؟
هز برأسه نافياً .. استعاد هدوءه بعض الشيء وهو يذرع الأرض ذهاباً وإيابا هتف زين وهو يستعيد هدوءه بعض الشيء
- ليلة غد توجد حفلة للسيد ديفيد بمناسبة مرور مؤسسته عشرون عاما لقد بعث لي بطاقة دعوة منذ أسبوع هل زلت محتفظاً بها ؟
أومأ ستيفن برأسه إيجاباً
- نعم يا سيدي إنها معي
لاحت شبه إبتسامه لم تصل لثغره وهو يفكر كيفية التخلص من الصحفيين للأبد .. استند زين بجزعه على مكتبه الزجاجي .. سيضرب عصفورين بحجر واحد من جهة جدته التي لا تكف عن التذمر بجعل ليان تتعرف على الوسط المحيط ومن جهة أخرى الصحافة
ضحكت بملء فِيها وهي تستمع إلي موقف مضحك حدث مع زين عندما كان صغيراً .. لتبتسم الجدة وهتفت بصدق
- ضحكتك جميلة مثلك
غمزت ليان بشقاوة
- لكنكِ الأجمل جدتي
ثم تابعت بحماس وهي تصفق يديها
- لقد رأيت لعبة الشطرنج في مكتب زين .. ستلعبين معي وسأهزمكمطت الجدة شفتيها بعبوس
- كلا لا لست محترفة في لعبها
- تخشين الخسارة يا جدتي
لاحت ذكرى قديمة جعلتها تبتسم
- نعم أخشى الخسارة .. حفيدي زياد كان يهزمني في كل مرة ألعب معه
التصقت بجانب الجدة وهي تتسائل بفضول
- لكن لما جدتي ؟ تنادونه بزياد !
تنهدت الجدة بحزن
- لا اعلم حقا عندما توفي والده وإبنتي أثر حادث فظيع سبب له فقد النطق لعدة أشهر جعلني أصاب بالحزن والخوف والهلع من أن أفقد حفيدي وانا اراه كل يوم يذبل .. أتذكر في يوم كنت اناديه بزين لأجده يرد بعنف ويخبرني قولي لي زياد وليس زين
سعادتي وقتها وأنا أراه يتحدث معي بعد أن أصابني اليأس والإحباط جعلني أذعن لطلبه ولم أسأله لما ؟ خمنت إنه عندما أذكر أسم أبيه سيجعله ذلك يتذكر والداه لا أعلم هذا تخمين فقط
تجمعت الدموع متحجرة عند مقلتيها وهي تجد الجدة في اليومين عندما عادا إلى الشقة الفاهرة في لندن تخبرها عن حياة زين فى طفولته التي تعلمها قبل التحاقه بمدرسة داخلية ..تشعر بالأجواء التي غيم فيها الحزن والطاقة السلبية ترتفع كمعدل الأدرينالين في الجسم حينما يواجه الأنسان موقف يتعرض له لأول مرهاكتفت جمعت بعض المعلومات عنه وعن طفولته ولكن ما زالت ترغب فى المزيد .. الجدة أخبرتها كل ما تعلمه في طفولته السعيدة حتى ذلك اليوم المشؤوم .. تبدلت فيه ملامح طفل سعيد بقلب يصرخ بالحيوية بأخرى حزينة و قلب متآلم ..
شعور اليتم لن يشعر به آحداً سوي الذي فقد شخص عزيز علي قلبه ..عادت بذاكرتها إلي شهاب عندما توفت والدته .. كانت ما زالت طفلة صغيرة بالنسبة له .. كانت تخبره بوقاحة أن يتوقف عن المجىء لبيتهم .. كانت حمقاء ساذجة وقتها .. تنهدت وهي تطلق كل ما يعتمل فى مكنونها لتصيح فجأه وهي تتذكر شىء هام
- يا إلهي إن اليوم عيد ميلاد أختي كيف نسيت ذلك
ضربت بكفها علي جبهتها لتقوم من مجلسها علي الفور صاعده للطابق العلوي .. نظرت للساعة لتجدها السابعة مساءاً وبفرق التوقيت هناك الرابعة عصراً ..
أخذت الحاسوب الخاص بها من الغرفة لتهبط إلي الدرج بخطوات تسابق الزمن لتهتف الجدة برزانة
- علي رسلك يا فتاه
فتحت الحاسوب وهي تجلس على الأريكة مرة آخري .. عقلها لا يشغلها سوى زوجها .. زوجها بنبرة مستنكرة و تهكمية أصبحت الكلمة كتعبير ساخر
- كل سنه وإنتي طيبه يا حبيبتي وعقبال ميه سنه
قالتها بها عندما وجدت سارة ترد علي مكالمة الفيديو عبر تطبيق سكايب ... سمعت تذمر سارة
- لا كتر خيرك إنك لسه فاكرها
سترسلت بعيون مشاكسة
- ايه ده هو الجواز حلو كده يخليكي تنسي عيد ميلادي ولا القمر أبو عيون زرقا واكل الجو
تصاعدت حمرة وجنتي ليان مما جعل الجدة تهتف بتساؤل
- ماذا حدث يا جميلتي ليحمر وجهك مثل الطماطم الطازجة
هنا تساءلت سارة
- إيه ده ديه جده زين ؟
- ايوة
هتفت بها بهدوء لتصفق سارة يديها بمرح
- ايوه خلينا اشوفها
التصقت بجوار الجدة صاحت ساره باعجاب
- مين المزه دي ؟
أطلقت بعدها عدة ضحكات رنانة عندما زجرتها ليان بحدة لتتطالع الجده عبر الشاشة صورة فتاة النشاط والحيوية يملأ وجهها ... ملامحها تبدو قريبة نوعا ما لـ ليان
بخصلاتها الغجرية وبشرتها البرونزية المناقضة لبشرة ليان الخمرية
لكن الشخصيتان متناقضتان تماما .. الأولى خجولة والثانية تبدو نوعا ما جريئة وهي تتحدث مع ليان بلغة لا تفهمها وبالمقابل الأخري التي بجوارها أصبحت وجنتيها تشتعلان من الحمرةتبرمت الجدة بسخط
- توقفي يا فتاة لقد جعلتي زوجه حفيدي مثل حبتي الطماطم
تمتمت سارة
- هل جعلتيها في صفك يا ليان
إبتسمت ليان .. لتقوم سارة من الفراش وهتفت بغمز
- يوجد مفاجأه يا ليان
خرجت من الغرفة وسلطت بالكاميرا علي الأفراد الموجودين .. عائلتها موجودة .. والداتها و والدها و ورد وشهاب وندي وبعض صديقات سارة
- جميعكم هنا .. منذ متى يا شقية تجعليه في وقت مبكر للغاية
ردت سارة وهي تسلط الكاميرا علي وجهها وتلتصق بـ ندي
- اصل ندي هتسافر علي بليل علشان خاطر عيونها قدمته وخليته في العصر
نست أن الجدة تتابعها لتعدل لسانها وهي تهتف بالانجليزية
- إفتقدتك جداً يا ليان
لمعت عيناها فرحة وهي ترى الجميع سعيد ويضحك ويمرح بسعادة .. لا تعلم متى الدموع انحدرت نحو خديها .. قالت الجدة بمزاح وحزناً على تلك المسكينة
- لقد جعلتي الفتاة تبكي يا شريرة
اتسعت سارة عيناها صدمة و هتفت باستنكار
- أنا شريرة
ثم استرسلت بمزاح
- بل أنا زعيمة عصابة
أطلقت ضحكة مدوية بمرح جعلت الجدة تضحك وتزرف الدموع بسبب ضحكتها وشاركتها ليان
- توقفي يا فتاة عن تلك الضحكة .. سأموت بسببك
كانا يتحدثان بمرح لم ينتبهوا لقدومه .. بل هي تجاهلت ذلك الأمر .. علمت بوجوده بسبب عبق رائحته التي دغدغت أنوثتها العذرية .. أغلقت الحاسوب وهي تضعه جانباً
وجدته واقفاً بشموخ يليق به هتفت الجدة بتعجب
- زياد لقد أتيت مبكراً اليوم
نظر للساكنة التي بجواره تفحص ملابسها بسخرية بداية من فستان منزلي فضفاض وخصلات شعرها الذى جمعته على هيئة كعكة ليرد بجمود
- نعم سأكون في غرفة المكتب حتى موعد العشاء
تابعته الجدة بأعينها حتى غاب عن مرمى بصرها لتلكز التي بجوارها
- هل هذه ملابس ترتديها وانتِ أمام زوجك
تفحصت ملابسها برضي وهتفت ببلاهه
- ما به يا جدتي
- لا تغضبيني يا فتاة حرري شعرك الذي تخبئينه وملابس الجدة التي لا تتناسب مع عمرك
همست بتوتر وهي تفرك بيديها
- ولكن الحراس و الخا..
قاطعتها الجده
- الحراس لا يتجرؤن ويدخلوا المنزل وجميع من تعمل هنا نساء كما في منزل القرية
فضلت الصمت حتى لا تغضب الجدة .. هل تريديها أن تتزين وتصبح عروسا لذلك الجلف البارد .. ابداً لن ترتدي تلك الملابس التي خبئتها فى حقيبتها ..
عندما عادا إلى لندن إتجها إلي شقة فاهرة مكونة من طابقين .. الطابق الاول يوجد بها غرفة إستقبال و حجرة مكتبه العظيمة الضخمة المليئة بالكتب
ومطبخ بحجم شقه منزلهم عكس ذلك القصر فى القاهرة و المنزل فى القرية .. والطابق العلوي يحتوي على خمس غرف بحمام ملحق ..أصبحت فى ذلك اليومين تراه صباحاً ومساءاً .. يكتفي بعبارات مقتضبة وحديث رسمي كأنهم أغراب .. لا تعلم أين يقضي ليلته
غرفة المكتب تقريباً أو غرفة نوم آخري .. تشعر به عندما يأخذ ملابسه فى ساعة مبكرة جداً ثم يغلق الباب بهدوء خلفه ..الجدة تحاول جعلهم مقربين .. تسعي جاهداً في ذلك لكن لا فائدة .. تذكرت كل لحظة عندما يقترب منها بطريقة مباشرة أو ملتوية .. إذاً لم ابتعد عنها لم ينفرها بعدما أصبحت زوجته كأنه يهجرها .. هل هجرها ؟ هل هذا هو الهجر ؟! .. إنه لم يقترب منها حتي يهجرها .. الجدة تمزح معها لن تفعلها .. لن تتودد إليه .. لن تتزين ..لن ترتدى ملابس مغرية وإن أقيمت حرب العالمية الثالثة
لم تتوقع أن والداها عاش قصة حب عالمية كما تقرأها فى الروايات .. قضي والداها معظم طفولته ومراهقته وشبابه فى القرية ..
ترك القرية لاستكمال تعليمه في مصر وإلتحق بكلية الشرطة .. عائلة والداها من أهم عائلات فى القرية
قابل والدها والدتها بالصدفة. .. نظره .. لقاء .. حب .. زواجذلك الترتيب كأي قصة حب تقرأها لكن كبير العائلة رفض بالزواج فتاة من القاهرة .. و أمره بالزواج من ابنة عمه
ثار والداها ورفض لكن كبير العائلة لم يتزحزح عن قراره .. حاول أن يستميل معه بالعقل والهدوء ولكن كبير العائلة رأسه عنيده ..ووقتها ترك القرية وذهب إلى القاهرة وتزوج من والدتها .. وتزوجت ابنة عمه بعمها توفيق لينجبا ذلك السمج مروان
قصة حب مكتملة من الخارج عائلة سعيدة رزقهم بطفلة ولكن والدتها تركته في منتصف الطريق ورحلت .. وبعد خمس وعشرون عاما أخبرها أنهم سيعودون القرية مرة أخري
- ندى
أفاقت من شرودها على صوت سارة وهي تهتف بحماس حاملة في يديها الكاميرا
- يا بنتي تعالي اخدلك صورة من الكاميرا الجديدة اللي جبهالي شهاب
شهاب ااه .. تود أن تقتلع عيناه بسبب نظراته الماكرة التي يرسلها إليها وسط أعين الجمع .. نفت برأسها
- لا يا سارة مش عايزة
نظرت إلي الصالة التي وجدتها فارغة .. هل شردت لتلك الدرجة لعدم شعورها بالوسط المحيط !
- هما كلهم مشيوا
غمزت سارة بعيناها
- مشيوا يا جميل من زمان انتي اللي سرحانة .. ها حب اقتحم الباب وخلع الشبابيك
ابتسمت ندى علي مزاح سارة
- الله يكون في عونه اللي هياخدك
ارجعت سارة خصلاتها للخلف
- ومتقوليش ليه هيكون من بخته انه هيتجوزني وبعدين مفيش جواز غير بعد ما اخلص الكلية
- لا ده انتي مخططة بقي
هزت برأسها إيجاباً
- طبعا اومال
قامت من مقعدها وهتفت بوداع محضتنه إياها
- طب انا هبقي نمشي بقي علشان متأخرش علي بابا سلام
بعثت سارة بقبلة في الهواء وهي تراها تتمسك بمقبض الباب
- مع السلامة يا حلوة
أغلقت ندي الباب لتخرج سارة هاتفها من جيبها تعبث برسالة قصيرة ثم تضع بهاتفها مرة أخري في موضعه وظلت تصفر بسعادة متوجهه نحو غرفتها
نظرت إلي ملابسها في الخزانة وهي تنتقي ما يلائم الطقس .. لقد أخبرتها الجدة بعد العشاء أنها تريد أن تتجول
حاولت أن تؤجلها الصباح لكنها رفضت وصممت على رأيها .. إرتدت ملابسها وهبطت الدرج لتقول للجدة التي انتظرتها منذ نصف ساعة بدون اي علامات الضيق او الملل
- هيا جدتي
- معذرة إلي أين تذهبان
صاح بها زين وهو يجدهم متجهين نحو الخارج ، ردت الجدة بهدوء
- سنتجول انا وليان قليلا فى الخارج
هتف ببرود
- في الصباح جدتي الساعة الآن التاسعة مساءاً
أغمضت ليان جفنيها .. هل سيتحكم الآن متي يخرجون ومتى لا
- هي نصف ساعة فقط لا أكثر ولن نبتعد عن البناية كثيراً.. هيا جدتي
صاحت بها بجمود وقامت بفتح الباب الخارجي .. استندت الجدة بيديها على مرفق ليان
كان الهواء منعشاً في الخارج بالرغم من جلوسهم في الحديقة المقابلة للبناية على أوامر السيد زين أن يجلسوا هناك ويجعل حارسان يراقبوهم عن كثب
- ما الذي تفكرين به جدتي ؟
- اريد ان ارى طفلا لكما يا جميلتي
شهقت ليان واضعة يديها على ثغرها
- جدتي ما زال الوقت مبكراً
ضربت بعصاها على الأرض مزمجرة بحنق
- الوقت مبكر بالنسبة لكما ولكن انا لا وقتي شارف على الأنتهاء
ربتت على كف الجدة بحنو
- ادامك الله العمر جدتي
ظلت تتمتم الجدة ببعض العبارات الحانقة بصوت منخفض .. إبتسمت ليان في خفوت بالتأكيد موجهه لها ..فضلت الصمت وهي تستمتع بذلك السكون الذي يغلف المكان
- ندي من فضلك إسمعيني
توقفت عن السير عاقدة يديها على صدرها
- اتفضل قول
- مش هينفع وإحنا واقفين تعالي نقعد في مكان هادي
هزت رأسها نافية
- اسفه بس انا ورايا سفر بعد إذنك
أمسكها من عضدها مانعا إياها من الهروب
- ندى
نبرته وهو يناديها ذبذبتها .. لا تعلم كيف وافقت وأذعنت علي طلبه وهي تهز برأسها كالمسحورة بالموافقة
كان صباحاً مملاً نوعا ما .. صعدت لغرفتها وهي تختلي بعض الوقت .. الجدة نائمة منذ الظهيرة .. حتى بعد مهاتفه عائلتها تشعر بالملل ..أغلقت باب الغرفة وهي تزفر بحرارة .. تسمرت قدماها وهي تري علبة ضخمة تتوسط الفراش
إلتقطت ورقة صغيرة مكتوب بها خمس كلمات فقط " أريدك جاهزة في الساعة الثامنة "
جزت علي أسنانها بغيظ وهي تود أن تراه لتلكم وجهه الوسيم ذلك الذي يؤثر على سلامة قلبها
رمت الورقة بلا مبالاة على الارض وفتحت العلبة .. لتشهق بصدمة .. فستان أسود هل يمزح معها الآن !!
الفستان قبيح للغاية .. هل إمتلىء جسدها بعض الشىء
هتفت بها وهي تنظر إلى المرآه .. الفستان محتشم لكنه لا يخفي تفاصيل جسدها .. فستان قبيح والتي ترتديه أقبح
سخطت بجزع .. لن تذهب معه بذلك المنظر ابداً
لن يجبرها على الذهاب معه ..فتحت الجدة الباب وهي تتمتم بسخط
- يا فتاة منذ ربع ساعة اناديكى
توقفت لبرهة وهي تنظر إليها اتسعت عيناها و شفتيها إبتسامة راضية
- ما ذلك الجمال يا فتاة
إلتفت ليان يمينا ويسارا وكأنها تقيم جسدها
- اين الجمال التي تتحدثين عنه جدتي ذلك الفستان إما قبيح أو أنه لا يليق بي
هتفت الجده بابتسامه
- لا جميل للغاية يبدو زين هو من أهداه لكِ
- ولما ؟
- زين يحب الألوان الداكنة ولون الأحمر والأزرق
إرتفعت حاجبيها بدهشة
- أحمر وأزرق ولما هما بالتحديد ؟
تمتمت الجدة ببساطة
- الأحمر لأنه لون أنثوي صارخ والازرق لأنها تشبه حدقتي عيناه
هزت رأسها بلا مبالاة وهتفت بتساؤل وهي تبتعد عن أي محور خاص به لانها إن رأته تريد أن تزهق روحه بسبب ذلك الفستان
- إذا ما لون الحجاب الذي سأرتديه ؟
عقدت حواجبها بتفكير
- هل معك لون خزامي او وردي ؟ اتعلمين الخزامى يليق ببشرتك أكثر
- نعم عندي
تهللت أسارير الجدة
- رائع سأهاتف ليلي لكي تضع بعض المساحيق التجميل لتبدي فاتنة
- كلا جدتي لا يوجد داعي
ضربت بالعصا علي قدميها وهتفت بنبرة لا تقبل النقاش
- هيا جهزى أشيائك وسأهاتف ليلي
غادرت الجدة من الغرفة غالقة الباب خلفها .. لتشهق واضعة يديها على ثغرها .. يا إلهي ماذا تفكر الجدة ..هل تظن انه موعد ؟ تريديها أن تتزين له وترتدي ذلك الفستان القبيح !
كلا لن تذهب معه ليست هي كالبهيمة التي يجرها الراعي أينما شاء ووقتما شاء
إنتهت ليلي من وضع اللمسات الأخيرة على وجه ليان لتهتف
- لقد إنتهينا .. سأقوم بتصوريك
تمتمت ليان بتساؤل
- ولما ؟
- لأنني أصور كل فتاه بعدما أنتهي من لمساتي وبما أن يوجد العديد من الفتيات المحجبات تأتي إلي صالوني ربما أعرض عليهم الستايل الخاص بك من يعلم ربما تصبحين موديل للمحجباتهزت رأسها بتفهم ..لتهتف بتذمر ليان فهى منذ حوالي ثلاث ساعات رفضت ليلي ان تتطلع بوجهها إلي المرآه
- والآن هل لي أن أرى ماذا وضعتي علي وجهي
نفت برأسها نافية وهي تبحث بهاتفها عن طريقة حديثة للف الحجاب
- إنتظري تبقي فقط الحجاب سأحاول أن أفعل كما في الفيديو
امتنعت ليان وهي تشير بكفها
- دعيني أنا سأفعل والان هيا دعيني أنظر للمرآه
تأففت ليلى بضيق وهي تديرها إلي المرآة
- حسنا يا ايتها المزعجة
اتسعت أعين ليان صدمة وهي تنظر هيئتها الجديدة .. حقا مستحضرات التجميل غيرتها .. جعلتها فاتنة .. خصلاتها الفحمية المصفوفة بعناية ووجهها ! هل أصبحت جميلة لذلك الحد ؟ أم انها لا تعلم بذلك ؟!
هتفت ليلي غامزة بعيناها
- ما رأيك ؟
- رائع يا ليلي شكراً لكي
زفرت ليلي براحة وهي تغلق العلبة الخاصة بها ..نظرت إلى الساعة المعلقة على رسغها وهتفت
- يوجد نصف ساعة باقية على الموعد هيا اجهزي بسرعة حتى اقوم بتصويركهزت راسها بسرعة وهي تضع الحجاب علي رأسها بطريقة هادئة ولكن جذابة ..
- حسنا ما رأيك
هتفت بها عندما إنتهت وهي تنظر إلي ليلي التي كانت تتفحصها عن قرب
- رائع عزيزتي قفي عندك سأتي بالكاميرا
إلتقطت ليلي عدة صور لها .. هتفت ليان وهي تجد ألبوماً صور مفتوح موضعاً علي الفراش
- ما تلك الصور ؟
- اه إنه صور لأعمالي الجديدة ألقي نظرة
إلتقطت الالبوم بفضول وهي تقلبها بأعين مبتسمة لتشهق فجأه وهي تبعد الالبوم عنها
- يا إلهي أخبريني أن هذا ليس حقيقي
ضحكت ليلى بأستماع
- ماذا هل تخافين من الدم
انزعجت ليان وهي ترى ليلي لم تتوقف عن الضحك
- يا فتاه قلبي كان سيقف من الرعب .. ماذا سيكون رده فعلي وانا ارى شخص مقلع عيناه والآخر أحشائه تخرج من جوفه
ثم اشارت بصورة أخري
- وهذا الآخر الذي يشبه الزومبي
كانت ملامحها مقززة وهي تشعر علي وشك التقيؤ لتغلق الالبوم وتعطيها لها
هتفت ليلي
- ألم تسمعي عن الخدع السينمائية هذا هو يبدو حقيقياً أليس كذلك
- لكنك لم تخبريني من قبل عن ذلك الأمر
ردت بهدوء وهي ترجع خصلات شعرها الشقراء للخلف
- كنت أقوم به قبل زواجي ولكن كنوع من التسلية
انقطع حديث الفتاتان على صوت طرقات الباب .. دلفت الخادمة للداخل فور سماعها إلي صوت سيدتها
- سيدتي .. السيد زين ينتظرك بالأسفل
إرتفع معدل نبضات قلبها .. وهي تخشى الهبوط للأسفل ماذا ستكون ردة فعله .. هل سترى علامات السخط .. الإعجاب .. ام الجمود ؟!- هيا يا فتاة إهبطي للأسفل وأنا متأكده أنه سيطير بعقله
ظل يزرع الأرض مجيئا وذهاباً .. يكره التأخير وخصوصاً تأخير النساء
هتفت الجدة برزانة
- ما بك ؟
هتف بجمود به يشوبه الغضب وهو ينظر إلي الدرج
- لقد تأخرت ربع ساعة حتى بعد أن صعدت الخادمة لا أعلم ما داعي لكل ذ...
قطع عبارته وهو يراها تهبط من الدرج .. يتفحصها بهدوء وتمعن
حتى نزلت الدرج وأصبحت في مواجهته
إنتظرته أن يتحدث أو يبادر بشىء يفعله .. لكنه لم يفعل
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيليا البحيري
حفلة مملة للغاية. شعرت بالضجر وهي تراقب الجميع بنظرات جامدة. كل سيدة تبرع في إظهار مفاتنها، تشعر أنها في مسابقة للعري. ضحكت بتهكم وهي تراقبه على بعد مسافة قصيرة بينهم.
كانت منذ قليل بجواره يتحدث مع هذا وذلك في آن واحد، وحديثهم متمحور حول العمل.
انتبهت على صوت نادل وهو يقدم لها مشروبًا. هزت برأسها نافية وهي تعود مرة أخرى لمراقبته. وسيم بحلته السوداء، وسيم للغاية ولكن مشاعره باردة كحدقتي عينيه. يبتسم ويتحدث بلباقة وضحكته لا تصل لعينيه. غامض للغاية. غموضه يجعلها فضولية للتعرف عليه عن قرب. عيناها هائمتان به وهي تراقب حركة شفتيه صعودًا وهبوطًا.
هل أغرمت به؟ عقلها يتساءل بحيرة شديدة لتهز برأسها نافية. كلا كلا لم تقع. إنها منجذبة له. ليعاود عقلها هاتفًا: والانجذاب هو أول الطريق للحب.
كيف تحبه؟ عادت بذاكرتها للخلف قليلًا عندما هبطت من الدرج وأصبحت في مواجهته. رأت عينيه تلمعان بذلك البريق الذي ظنت أنه اختفى بعد الزواج. عيناه كانت جريئتان يتفحصها بوقاحة.
"إذا أنتِ هي سيدة ليان الحديدي."
انتبهت على صوت رجل لا تعلم كيف أصبح بجوارها. رجل طويل القامة، ملامحه غريبة للغاية بشعره الأشقر وعينيه الخضراوتين. يرتدي ملابس عملية ويوجد كارت صغير يحمل اسمه مثبت على جانبه الأيسر.
هزت برأسها إيجابًا.
"نعم."
ابتسم بعملية وهو يعرفها عن نفسه.
"أنا تيم وأعمل صحفي وقد جئت لكي أقوم بتغطية الخبر."
ابتسمت بهدوء عكس عقلها المتضارب بجنون. طريقة دخوله هكذا ويسألها أنها زوجة زين لا تطمئنها أبدًا.
"تشرفت بلقائك يا سيد تيم."
في كل حين والأخرى يراقبها. كانت تعبس وتتأفف طوال الوقت. انشغل لعدة دقائق مع أحد الأشخاص ليعود ببصره نحوها يراها تتحدث مع أحدهم. دقق بنظره للشاب ليجده أحدًا من الصحافة.
استأذن بلباقة للرجل الذي يتحدث معه وتوجه نحوها. سمعها تهتف وابتسامتها تتسع عندما اقترب منها.
"لا أصدق حقًا."
حمحم زين بجدية وهو يقاطع حديثهم. رمى ببصره للشاب ليرى عينيه لم تتزحزح عنها وكأن وجوده لم يقطع حديثهم. سلط ببصره للأخرى ليجدها هي الأخرى تنظر له بابتسامة ناعمة وأعينها البندقية تلمعان.
مد تيم يده مبتسمًا بهدوء.
"على كل حال، لقد تشرفت بمعرفتك يا سيدة ليان."
مدت يديها هي الأخرى وهي تصافحه تحت نظرات زين المبهمة.
"وأنا أيضًا تشرفت بلقائك."
غادر بهدوء. تابعه زين حتى اختفى عن مرمى بصره وعاد يسلط ببصره نحوها ليجدها تهم بالرحيل. أمسكها من رسغها وهتف بجمود.
"عن ماذا كنتما تتحدثان؟"
منذ متى يهتم هو؟ يبدو أنها جائتها الفرصة لكي تأخذ بثأرها.
"موضوع خاص لا يهمك، معذرة على الذهاب إلى الحمام."
أفلتت يديها من قبضته وغادرت بهدوء متوجهة نحو الحمام بخطوات مهرولة. لقد أغضبته. رأت حدقتي عينيه المظلمتين ترسل رسالة تهديد نحوها.
أخرج لعنة بين شفتيه وهو ينظر يمينًا ويسارًا إذا التقط الصحفيون بعدساتهم اللعينة أي شيء. سمع صوت ديفيد مرحبًا به.
"سيد زين، مرحبا بك. توقعت أنك لن تأتي لكنك أتيت ومسرور للغاية بمجيئك."
ثم استرسل بالحديث.
"ولكن أين هي زوجتك؟ أريد رؤيتها."
"ولما؟"
اتسعت عينا ديفيد دهشة وهتف بصوت مستنكر.
"بالطبع أريد أن أعلم من تلك التي قررت أن تجعلك تتجه نحو القفص الزوجي. أخبرني ابني بأنه رأي مساعدتك الشرقية هنا وسمعت إحدى الصحفيات يقولون بأنها هي زوجتك. اعذرني على فضولي، لكنك قد أعلنت للصحافة عن زواجك ولم تخبرهم عن زوجتك. ولكن هل ذلك صحيح حقًا؟"
رد ببرود.
"نعم، إنها هي. اعذرني، يوجد مكالمة هامة يجب أن أجريها."
"تفضل."
عيناه تبحثان عنها. اختفت منذ ربع ساعة ولا يراها حتى الآن.
الأنوار قد خفتت والموسيقى الهادئة توقفت عندما صعد ديفيد على المنصة ويلقي بعبارات رسمية. لم يلقي بالًا بالحفل. عقله مشغول بها. أين ذهبت؟!
سمع صوت تصفيق حار من الجميع عندما انتهى ديفيد من خطابه ونزل من على المنصة. لتعود الأنوار والموسيقى الهادئة تصدح بهدوء بين أرجاء المكان.
تنهد براحة عندما لمحها تقف منزوية بعيدة عن أعين الجميع. تقدم نحوها بخطوات غاضبة متوعدة.
"واللعنة، أين كنتِ؟"
انتفضت على صوته الغاضب. مسحت دموعها بكف يدها وهمست بصوت متحشرج.
"آسفة، لم أنتبه للوقت."
"ماذا حدث؟"
هل يسألها عن حالها أم هي تحلم؟ كلا ليان أفيقي من الشرود. إنه غاضب سيثور إن وجدك شاردة.
نفت برأسها وهي تشيح بعينيها عنه.
"لم يحدث شيء."
قبض بكفه على عضدها وهمس بخشونة.
"هل ضايقك أحد؟ هل أحد من الصحفيين ضايقوكِ؟"
نفت رأسها مرة أخرى.
"كلا كلا، لم يضايقني أحد."
"إذا ما الذي حدث؟"
تلعثمت وتلجلجت في الحديث ووجنتاها بدأت تشتعلان باللون الأحمر القاني. أخفضت برأسها للأسفل مجيبة في تلعثم.
"لقد أخبرتك من قبل، لا يوجد شيء."
صاح بنفاذ صبر.
"ليان."
زلزلتها تلك الكلمة. دبت قشعريرة لذيذة في أرجاء جسدها. هل اسمه أصبح جميلًا لهذه الدرجة أم أنها تتوهم؟
رفعت ببصرها نحوه مستعطفة إياه بالتوقف لإجبارها عن شيء لا تريد فعله. لكن عينيه تنتظر الإجابة وفورًا.
"عندما ذهبت للحمام رأيت شابًا وفتاة كانوا يفعلون..."
تركت كلمتها معلقة له لتخفض برأسها أرضًا مرة أخرى.
"يقبلون بعضهم."
أجابها ببساطة شديدة. يا إلهي، نطقها بسهولة كأنه شيء عادي؟ وهي كالحمقاء شعرت بضيق في التنفس لا تعلم أين مصدره؟ هل حضوره وقربه منها لذلك الحد جعلتها لا تأخذ نصيبًا كافيًا من الأكسجين؟ أم لأنها أول مرة تمر بذلك الموقف!
سمعته يضحك في خفوت. رفعت ببصرها نحوه لتجده يبتسم باتساع. هتفت بلا وعي وبغباء.
"أنت تبتسم."
"معذرة؟!"
أعادت ما قالته للتو وهي تلاحظ ابتسامته تختفي تدريجيًا، عاقدًا حاجبيه باستنكار أو سخرية لا تعلم؟
"هيا لنغادر، لقد ضجرت من تلك الحفلة."
وقبل محاولة لإجابته وجدت يشتد بكفه على عضدها ويتوجه إلى الخارج. شعرت أنها قد فقدت البصر بوجود فلاشات الكاميرا للصحفيين وأسئلتهم المتسارعة رغم عدم وجود رد. لولا كفه الذي تمسكت به بقوة كانت تصبح تائهة بين تلك العدسات اللعينة.
التقطت أنفاسها بصعوبة عندما صعدت السيارة بجواره، تشعر وكأنها كانت في سباق للماراثون. دقات قلبها تخفق بقوة.
وضعت براحة يدها على موضع قلبها.
هتف بتساؤل.
"ماذا حدث لكِ؟"
رغم فرحتها أخيرًا أنه يبادر بالسؤال عنها، إلا أنها عبست ملامحها بسبب نبرته الجامدة حتى في سؤاله عنها.
"لا شيء، لا شيء."
تمتمت في خفوت وهي ترمي ببصرها نحو النافذة.
.....................................
هل كانت تصدق أن شهاب يجلس على ركبتيه ويعترف بحبه لها أمام الجمع؟ وجنتيها كانتا مشتعلتان من الحمرة وهو يخبرها أنه يريدها زوجته، حبيبته، شقيقته. هزت رأسها بالإيجاب، وهي كالمغيبة عندما عرض عليها الزواج. أخبرها عندما تعود من السفر أنه سيتقدم لطلب يديها من أبيها.
أفاقت من شرودها عندما توقفت السيارة أمام أحد المنازل العتيقة. ترجلت هي ووالدها ليتوجها نحو المنزل.
وجدت عند مقدمة باب المنزل رجلًا يقارب عمر والده يهتف بحبور.
"يا أهلًا وسهلًا ومرحبًا، نورتوا البلد."
ابتسمت ندى في خفوت أمام الرجل البشوش، ليتابع وهو يأمر أحد الرجال.
"يا محروس، قوم طلع الشنط فوق لأوضهم. يلا ادخلوا جوه."
دلفا إلى الداخل. تعجبت من سكون المنزل. تنحنح توفيق بحرج.
"اعذروني، انتوا عارفين الساعة دلوقتي 1 بليل والكل نايم. هخلي محروس يجهز لكم العشاء على ما تغيروا."
نفى أمين بابتسامة هادئة.
"لا، إحنا تعشينا يا توفيق. إحنا يدوب نطلع نريح عشان تقابل ندى كبير العائلة الصبح."
بللت ندى شفتيها وهي تنظر لهم بأعين زائغة، تشعر بانقباض في قلبها لا تعلم ما سببه.
هدأت من روعها. يجب أن تمر الليلة على خير، فالحبيب قد اعترف بحبه، بل بعشقه لها.
...........................................
طالعتها الجدة بأعين متلهفة. ابتسمت ليان وهتفت بشقاوة.
"ماذا جدتي؟ يبدو وكأنك تنتظرين جوابًا من حبيب."
تذمرت الجدة وهي تضرب بعصاها أرضًا.
"هيا يا شقية، أخبريني ماذا حدث ليلة أمس."
"كانت عادية ومملة."
اتسعت عينا الجدة دهشة.
"مملة!! كيف ذلك؟ ألم..."
صمتت وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى. كانت الجدة تهمس بعبارات حانقة، جعلت ليان تتوجه نحوها وتجلس بجوارها.
أمسكت بكفها وهتفت بهدوء.
"جدتي، لا داعي للغضب. هو لا يقترب مني، لا يتحدث معي مثل أي شخص طبيعي. أتريدين أن أتوودد له وأغريه؟"
ردت الجدة بتصميم.
"إنه اختارك يا ليان لتكوني زوجته. اقتربي منه يا جميلتي، حاولي مرة واثنتين وثلاثة، لا تيأسي."
"ولما أنا من أفعل؟ قال لي تزوجيني وتزوجته. وإذا أجده يتحاشى وجودي وأنا زوجته."
زفرت الجدة بيأس وهتفت بضيق زائف.
"هيا هيا، لقد اقترب موعد عودة زوجك. ألقي بنظرة على الطعام واصعدي لغرفتك وغيري ذلك الثوب وإلا سأحرقه."
ضحكت ليان بملء فيها وهي تغمز بأحد عينيها.
"لن أغيره."
....................................
"مس ورد، مس ورد."
هتف بها صغيرها المشاغب وهو يحمل في يديه لوحة جديدة.
ابتسمت بإشراق وهي تنظر للوحته.
"جميلة جدًا يا حبيبي، برافو عليك يا فنان."
عبس الطفل ملامحه وهتف.
"بس كده، فين الشوكولاتة؟"
هتفت بمراوغة.
"عايزني ولا عايز الشوكولاتة؟"
اصطنع التفكير لعدة ثوانٍ ثم أجاب ببراءة.
"عايز الاتنين."
"الاتنين مرة واحدة!"
هز رأسه بالإيجاب، لتفتح حقيبتها وقامت بإخراج قطعة الحلوى وأعطتها له.
التقط الصغير الحلوى وقبلها من وجنتيها وركض مهرولًا نحو الداخل.
اتسعت ابتسامتها وهي تراه يرسل بقبلة في الهواء متوجهًا نحوها. انتبهت على صوت مديرة الملجأ.
"ربنا يفرحك يا حبيبتي زي ما بتفرحي العيال اليتامى ويجعله في ميزان حسناتك."
"ادعي لي كثير يا أستاذة منى."
ردت منى بابتسامتها البشوشة.
"بدعيلك يا بنتي في كل صلاة. متنسيش بكرة عيد ميلاد أمجد يا ورد، عايزين نعمل له مفاجأة."
"متقلقيش من الناحية دي، أنا مظبطة كل حاجة. أنا هستأذن وهمشي. مع السلامة يا أستاذة منى."
ودعتها منى وهي تدعي في سرها أن يوفق تلك الفتاة في حياتها، فورد أصبحت ذابلة تحتاج من يعتني بها. فالفتاة اسم على مسمى.
.............................
"هل من الممكن التحدث معك لبضع دقائق؟"
رفع بصره بتعجب وهو يجدها جلست على المقعد.
"أظن أنكِ فعلتِ."
بادرته بسؤالها قبل أن يهرب منها في كل مرة. إن كانت تشعر الجدة بالحنق والضيق فهي تشعر بالغضب.
"لماذا ابتعدت؟"
"معذرة، أنا لا..."
قاطعته بهدوء.
"لا تتحدث بمراوغة الآن يا سيد زين. سؤالي واضح للغاية، لماذا ابتعدت عني بعد الزواج؟"
قام من مقعده ليتجه ويجلس في مواجهتها، مجيبًا ببساطة.
"عيناكِ."
همست بتساؤل.
"لكن ما دخل ذلك بعيناي؟"
اقترب منها وهو يدنو بوجهه نحو وجهها.
"انظري جيدًا في المرآة، عيناكِ مرتعدة مذعورة كلما أحاول الاقتراب منكِ، كأنكِ تخشين إن لمستكِ. هل لتلك الدرجة تنفرين مني؟"
الأحمق الغبي، لعنته في سرها. ابتعد عنها لأنه شعر أنها تنفر منه. هل تخبره أنها لأول مرة تجرب ذلك الشعور؟ أنه أول رجل في حياتها؟ الوحيد الذي اقترب منها بدرجة مهلكة. اقترابه يجعلها في حالة من اللاوعي وبريق عينيه هذا الشيء الوحيد ما يقلقها.
ردت بجمود وعيناها مثبتتان على عينيه تخبره أنها ليست خائفة منه ولا تنفره.
"لكن ماذا عن تجاوزاتك لي قبل الزواج؟"
"اعتبريه مجرد اختبار."
هبت من مقعدها وهي تصيح بانفعال وقد فقدت آخر ذرة في عقلها.
"لا تتحدث بغموض، توقف عن هذا."
قام الآخر من مجلسه واضعًا كفيه في جيب بنطاله.
"لا أتحدث بغموض يا عزيزتي."
"لكنني زوجتك، أريد أن أقترب منك، أتعرف عليك عن قرب، لا أريد أن أعلم أخبارك من أي شخص سواك."
لا تعلم كيف وجدت قدماها تتجهان نحو مكتبه، لتفرغ كل ما يدور من الهواجس في داخلها أمامه غير مكترثة بما سيحدث. أفرغت ما في داخلها وهي تتنهد براحة كأنه حمل ثقيل انزاح من على صدرها.
"لن تتفهمين يا ليان، لن تفهمين."
همس بها في خفوت وهو يسند بجذعه على مكتبه، لتبادر وهي تجد لسانها يتحدث بعفوية.
"وهذا ما أريده، افتح لي قلبك وتحدث معي، أريد أن أشاركك في كل شيء، حزنك، آلامك، فرحك."
نظر إليها ببطء وكأنه يستشف حديثها، هل تكذب أم هي صادقة؟ زفر بحرارة وهو يبتعد.
"الوقت تأخر، اخلدي إلى النوم. آخر الأسبوع سوف أصطحبك إلى إحدى الحفلات الهامة."
لا تعلم متى التقطت المزهرية في يديها، لترميها على الأرض بقوة وهي صارخة.
"أنت بارد عديم المشاعر! إنني نادمة لأنني جئت وتحدثت مع لوح ثلج مثلك. أتعلم إنني نادمة أشد الندم على تلك الزيجة، لكنني سأصلحها يا سيد زين، لن أستمر معك. تبا لك وتبا لتلك الحفلات المزيفة مثلك."
أطلقت بكلماتها النارية في لحظة يأس. ندم على تصرفها الأرعن والعجيب ما في الأمر أنها لا تشعر بالندم أو بالشفقة. أغلقت الباب خلفها بعنف والصفحة أغلقت نهائيًا. أراحت ضميرها وهي قد قامت بمحاولتها الأخيرة للتودد إليه. إذا لا، لن تشعر بالندم بما ستفعله لاحقًا.
أغلق جفنيه وهو يتنهد بحرارة. لن تفهمه. إنه يخشى أن يتعلق، وإن تعلق بأحد فسيفقده.
هذا مبدأه: "لا تتعلق بأحد وإلا ستخسره." مبدأه غريب بعض الشيء ولكن كونه يبتعد أفضل من أن يقترب.
ولكنه لم يجد الراحة في البعد. إن اقترب سيحدث ما يخشاه. إن أخبرها بذلك في وجهها لن تفهمه وسـ تسأله هل تريد مني الاقتراب أم البعد؟ والإجابة مبهمة ولكن إلى متى سيصبح كتومًا؟ أصبحت الأعباء تزداد وتضغط عليه بقوة. لن يستطيع الصمود.
................................
ابتسمت بتكلف وهي تجلس على المقعد والجميع يشرع في تناول الفطور. كبير العائلة، الجد ذو ملامح صارمة رغم تخطيه الثمانين. العم توفيق وزوجته التي تنظر لها بازدراء بسبب ملابسها الفاضحة. هل ملابسها فاضحة؟ إنها ترتدي فقط بنطالًا ضيقًا قليلًا وتي شيرت. تعلقت عيناها بذلك السمج مروان الذي ابتسم لها بابتسامة مقتضبة. أشاحت بعينيها نحو والدها وقد ارتخت معالم وجهه. كان والدها يبدو قلقًا ويخشى إن حدث مشاحنات بين صغيرته وأبيه.
يجب عليها التوقف عن التفكير. تناولت اللقيمات بصعوبة وهي تشعر بنظرات زوجة عمها تحرقها.
................................
توجهت نحو المقهى بخطى واثقة. لم تعبأ بنظرات الجميع نحو ما ترتديه، المسمى بالحجاب. جلست على الطاولة وهي تنتظر وصول ليلي.
"وأخيرًا سمو الأميرة قررت التنازل وتقابل الشعب."
قالتها ليلى بطريقة مسرحية جعلت ليان تضحك.
"اجلسي يا فتاة، اجلسي."
أمسكت ليلي من عضدها.
"كلا، لن نجلس هنا. سأعرفك عن المجموعة العربية في لندن."
سحبتها ليلي وهي تتوجه إلى إحدى الأركان الجانبية في المقهى.
يوجد في الطاولة ثلاثة رجال وامرأتان.
رحبت ليلى بالجميع وهي تشير بيدها نحو ليان.
"مرحبًا يا شباب، لقد جئت لأعرفكم على العضوة الجديدة ليان."
"نعم، لقد تقابلنا سابقًا."
دهشت ليان من وجوده وهتفت بعدم تصديق.
"تيم؟ هل أنت أيضًا عربي؟"
نفى تيم رأسه وهتف بابتسامة هادئة.
"كلا، لكنني أحب التحدث معهم كليلى."
جلست على إحدى المقاعد بجوار السيدتين. قالت الأولى وهي تمد يديها نحو ليان.
"مرحبًا يا ليان، أنا أدعى جاسمين، أعمل كمحررة في الجريدة التي يعمل بها ذلك الشاب الأشقر."
ابتسم تيم بهدوء، لتستأنف ليلي وهي تشير بيدها نحو المرأة الأخرى.
"وهذه تدعى سلمى وهي تعمل ممرضة."
أشارت بيديها للرجل الذي يجلس بجوار تيم.
"وهذا كمال وهو صاحب ذلك المقهى."
كانت تهز ليان برأسها وهي تتعرف على الجميع. يبدو ودودين ولطاف للغاية. شعرت بالحنين للوطن عندما علمت بالرغم من أصولهم العربية إلا إنهم يتحدثون العربية بصعوبة شديدة، ما عدا كمال الذي تحدث بالعربية معها.
كمال من أصل عربي سوري، وجاسمين وسلمى من أصل مغربي.
همست ليلى في أذن ليان.
"كيف أتيتِ إلى هنا؟"
تمتمت ليان ببساطة.
"السائق قام بإيصالي إلى هنا وأخبرته أن لا ينتظرني فإنني قررت أخيرًا التجول والتعرف على المكان."
ردت ليلى بابتسامة.
"خير ما فعلتي يا فتاة، سنحظى بوقت ممتع معًا."
سمعت حنق جاسمين.
"ها قد بدأنا بطرق الأحاديث الجانبية."
ضحك الجميع وتابعت جاسمين.
"أتعلمين يا ليان، ليلي لم تتوقف بالحديث عنك ولو لمرة."
"حقا؟"
تمتمت بها ليان بتعجب، ليؤيدها تيم مجيبًا ببساطة.
"نعم، بعد عودتها من مصر لم تجلس مع أحد منا إلا ولم تتوقف بالحديث عنك. لا تقلقي، كانت تمدحك طوال الوقت."
ألقت ليان بنظرة جانبية إلى ليلي التي كانت تتصنع في النظر إلى الحوائط.
كانت صحبتهم رائعة، جميلة. لم تشعر بمرور الوقت إلا عندما نظرت الساعة لتجدها الخامسة مساءً. يا إلهي، لقد قضت خمس ساعات! ستثور الجدة.
"اعذراني، ولكن علي الذهاب الآن، لقد تأخرت."
هتفت جاسمين.
"سنراكِ غدًا، أليس كذلك؟"
هزت ليان برأسها إيجابًا لتخرج من المقهى. وجدت السائق واقفًا منتظرًا في الخارج. ما إن رآها حتى سارع وفتح الباب الخلفي هاتفا باحترام.
"تفضلي يا سيدتي."
صعدت السيارة بإذعان، ليهتف السائق.
"هل ستذهبين إلى مكان آخر يا سيدتي؟"
"كلا، عد للمنزل."
أذعن السائق لأمرها وانطلق بسيارته إلى المنزل. الأمر كان غريبًا. لقد أخبرت السائق ألا ينتظرها، لكنه رفض وظل في مكانه. بل الأغرب هو عندما خرجت من البناية وجدت حارسين يعترضان طريقها ويخبرانها أنهم لم يتلقوا أي تعليمات من السيد زين بأنها ستخرج للمنزل. زين كانت بمثابة الشعلة التي اقتربت من الموقد لتصيح في وجههم وتخبرهم أنها ستذهب إلى أي مكان تريده ولن تنتظر أي تعليمات من أحد ليصرح لها بالدخول والخروج.
وبالفعل، أوقفت سيارة أجرة ليسارع الحارس هاتفا بأن السائق ينتظرها. على الرغم من ضيقها وهي تشعر أنها ما زالت محاصرة في عرينها، لكنها مسألة أيام وستخرج.
........................................
كانت صداقتهم ممتعة. في كل ظهيرة تذهب إلى المقهى وتعود عند المساء. الجدة توقفت عن التحدث معها، يأست هي الأخرى من الحديث بلا فائدة.
خرجت من المقهى وهي تتوجه إلى السيارة. وقبل الصعود سمعت صوت تيم يصيح باسمها.
"ليان، انتظري."
نظرت إليه بتساؤل لتجده يعطي في يديها بطاقة.
"هذه بطاقة من أجل حفلة الجريدة، ستقام آخر الأسبوع، أي غدًا."
ردت بهدوء وإبتسامتها تزين ثغرها.
"كنت أود أن آتي، ولكنني للأسف لن أقدر. المرة القادمة."
"لا عليكي، إلى اللقاء."
لاحظت نظرات السائق المتفحصة لهم. أجابت وهي تلوح بيديها مودعة.
"إلى اللقاء."
صعدت إلى السيارة، لتتحرك السيارة متوجهة نحو المنزل.
...ً................................
"ماذا يفعل ذلك الحقير معها؟"
صاح بها بغضب تحت نظرات ستيفن الخائفة، فسيده أصبح مزاجه حادًا تلك الأيام.
أجاب ستيفن بتردد خشية أن يثور سيده.
"سيدي، طوال تلك الأيام تذهب بصحبة السيدة ليلي إلى المقهى."
مرر بأنامله على خصلات شعره بسخط. ذلك الصحفي الحقير اقترب منها.
التقط سترته وبعض المتعلقات الهامة وهتف بجمود.
"ألغِ مواعيد عملي اليوم وحوّل جميع الأوراق الهامة للسيد زيدان."
...................................
كانت ترتب ملابسها وتضعها في خزانتها وهي تدندن بأغنية رائجة في تلك الأيام. شهقت بفزع عندما وجدت الباب أغلق بعنف. التفت للخلف عندما التقطت أنفها رائحة عطره. عيناه سوداويتان وهيئته المرعبة وترتها. إنه في أشد حالات غضبه.
"ماذا تفعلين مع ذلك الحقير في المقهى؟"
"أتتجسس علي يا سيد زين."
أطاح بالمزهرية أرضًا وصاح بعنف وهو ما زال محتفظًا بالمسافة الفاصلة.
"لا تجاوبين سؤالًا بسؤال آخر. أخبريني ماذا تفعلين مع ذلك الصحفي."
ارتعدت أوصالها من هيئته الجديدة. ظنته بارد المشاعر، لا يضحك، لا يبتسم، لا يغضب. الذي أمامها يشبه هيئة قطاع الطرق.
ارتدت بظهرها للخزانة وهي تبتلع ريقها بتوتر. يجب عليها الحفاظ على هدوئها.
"معذرة يا سيد، ولكن ما دخلك؟"
"لأنني زوجك."
ضحكت ضحكة عالية وكأنها يجب عليها فعلها. ضحكتها ساخرة متهكمة.
"زوجي!! يبدو أن لوح الثلج قد تحدث الآن. أتعلم إن سمعتك جدتي وأن تتحدث وتثور ستقول إنك تغار عليّ."
صمتت قليلًا لتطالع معالم وجهه الجامدة. همست بأسف.
"لكن للأسف حظي سيء مع الرجال. أنت لا تغار يا سيد زين لأنك شخص بارد المشاعر، جبل ثلج لن يتزحزح مع أشد وأعتى العواصف."
وتابعت بنبرة تحذيرية هذه المرة.
"أنت لا دخل لك بي إطلاقًا، أفهمت؟ لا تتدخل في شؤوني، ليس لك الحق في التحدث معي مع الأشخاص الذين أقابلهم."
نبرتها كانت غضبًا وحنقًا. زادت شحنة الغضب لكلتيهما وهو ينظر إليها بنظرات متوعدة تهديدية.
"لن أسمح لكِ بأن تخرجي مرة أخرى مع ذلك الحقير."
همت بالحديث وهي سئمت من ذلك الوضع ليقاطعها صارخًا.
"اخرسي."
ارتجف جسدها على أثر كلمته. سحقت شفتيها بألم وهي تطأطأ رأسها للأرض.
"أتعلمين، كنت أود أن أعاقبك على علو صوتك في الحديث معي. لكنني في الوقت الحالي مشغول. تذكري، أنا لا أنسى ثأري أبدًا."
خرج من الغرفة صافقًا الباب بعنف لترتمي على الأرض وهي تبكي على حظها العاثر الذي أوقعها مع ذلك الرجل الغريب الأطوار.
...................................
أغلق باب مكتبه بعنف. أنفاسه تعلو وتهبط كأنه كان في سباق ماراثون. غضبه يغلي في عروقه. لم يستطع أن يصب بكامل غضبه عليها. كلماته أشبه بالسكين الذي يضغط على جرح لم يضمد بعد.
أخذ يسب ويلعن نفسه. يوجد حلين: يؤدبها أو... ترك كلمته معلقة.
ما الذي تفكر به يا زياد؟ رمى بجسده على الأريكة وهو يغلق جفنيه. الطريق صعب للغاية سواء قرر اللجوء إليه أو هي التي بادرت.
وماذا بعد يا زياد؟ أفق من حالتك تلك قبل فوات الأوان. ضميره يخاطبه مؤنبًا، قلبه يميل والعقل يرفض.
صراع نفسي بل أشبه بمعركة وتنتهي باللاشيء.
.......................................
"مرحبًا بك يا سيدة الحديدي، شكرًا على حضورك لهذا الحفل. كما تعلمين، إنه حفل خيري لجمع التبرعات لمساعدة اللاجئين والأطفال."
هتفت بها سيدة في الثلاثينات من عمرها بابتسامة عملية. بادلتها ليان الابتسامة بتكلف لتتابع السيدة.
"أنا أدعى سمانثا، منظمة هذا الحفل. بعد دقائق، سنبدأ بسماع أطروحات من الجميع لكي..."
"أأستطيع أن أشارك؟"
هتفت بها بهدوء وهي تلقي بنظرة جامدة إليه. نظراته ثاقبة، جامدة، متفحصة، مترقبة من وجود أي شخص يقترب منه. لا يعلم لماذا يفعل ذلك، لكن عقله يخبره ذلك لحمايتها من حديث الصحفيين. راقبها وهي تصعد للمنصة وتعرف على نفسها. وضعت اسم عائلته بجانب اسمها وهي ترسل رسالة تحدي له.
لاحت ابتسامة هادئة زينت ثغره. تستخدم اسمه. لا يعلم ما الذي تخطط على فعله.
انتبه على صوت أحد الأشخاص وهو يهتف.
"سيد زين."
التفت إلى الرجل وتمتم بهدوء.
"مرحبًا بك سيد ماكس."
"اعذرني على مقاطعتك لسماع خطاب زوجتك، ولكن يجب عليك التحدث في أمر هام."
أومأ برأسه بتفهم ليلقي ببصره على الحارس المنزوي بعيدًا عن أفراد الحفلة. انتبه الحارس على نظره سيده الحازمة، هز رأسه بهدوء ليلقي الحارس ببصره على حرم سيده منتبهًا، متيقظًا.
انتهت ليان من حديثها وهي تتحدث بلباقة.
"هذه هي فكرتي لمساعدة الأطفال، أرجو أن تنال إعجابكم."
سمعت تصفيقًا حارًا من الجميع. نزلت من على المنصة وابتسامتها تزداد اتساعًا وإشراقًا. لم تكن تتوقع أن ينظرون إليها بذلك الاحترام!! هل ذلك بسبب زين؟
حُوصِرت فجأة بين مجموعة من الرجال ليهتف أحدهم.
"أطروحتك رائعة يا سيدة ليان، سأخطط على تنفيذ أفكارها وستكونين من تتولى إدارة ذلك المشروع."
هتف رجل آخر.
"ستولد نجمة جديدة في عالم البيزنس."
كانوا لا يتركون لها فرصة في التحدث. لم تجد سوى أن تبتسم وهي تومئ برأسها. رمت ببصرها نحو موقع زين قبل الصعود للمنصة، لكنه اختفى كالزئبق.
تهكمت ملامحها. ماذا كانت تتوقع؟ أينتظرها ويراقبها وهي تتحدث ويصفق؟
لاحظت وجود الحارس الذي كان متأهبًا للتدخل. زجرته بعنف بنظرة واحدة لتجده ابتعد في هدوء.
ما زالوا يتحدثون وأوشكت برأسها على الانفجار.
اتسعت ابتسامتها على أحدهم وهو يلقي بدعابة وضحكت بصوت رنان.
صمت الجميع وهم يستمعون إلى زين الذي حضر فجأة.
"أعتذر، ولكنني يجب أن أتحدث مع زوجتي."
انفض الجميع من حولها. رفعت حاجبيها بتساؤل وتعجب.
"قضيتِ أمسيتك الرائعة بصحبة مع الرجال، أتمنى أن تكون الأمسية لطيفة."
كان يهتف بها بجمود بنبرة باردة.
لتجيبه بابتسامة خلابة.
"الحقيقة نعم، لقد كانت الحفلة رائعة جدًا معهم. لا يوجد لديهم أي صفة تدل على الغرور، كانوا لطفاء معي."
ليرد بسخرية.
"بالطبع سيكونون لطفاء بما إنك زوجة أهم شريك لهم."
جزت على أسنانها بغيظ شديد تود لو تصفعه ليفيق من ذلك الغرور. ولكنها غيرت ما دار في ذهنها لترد بابتسامة باردة.
"وإن كان، لكنهم يوجد لديهم إنسانية أستطيع أن أستغلها للأعمال الخيرية."
انتبهت على صوت أحد الأشخاص هاتفا.
"سيدة ليان، لقد سمعت بأطروحتك المذهلة وأظن أنه سيصبح لك مستقبل باهر في إدارة الأعمال."
اتسعت ابتسامتها وهي تهتف.
"سعيدة جدًا يا سيدي."
غمز الرجل لزين هاتفا بمكر.
"يبدو أنه ستولد سيدة أعمال بعد تلك الحفلة. مبارك لكِ يا جميلتي، أتمنى لكِ التوفيق."
ملامحه ثابتة باردة، ولكن رغم وجهه الجامد انفعالات جسده الداخلية توحي بغير ذلك، إنه ليس بارد المشاعر، بل إنه بركان على وشك الانفجار في أي لحظة.
يستمع طوال تلك الليلة المشؤومة عن نظرات إعجاب ونظرات متفحصة ونظرات خبيثة التي تمشط جسدها بذلك الفستان النبيذي اللعين الذي يظهر منحنيات جسدها بإثارة. لما لم يجعلها تغير ذلك الفستان اللعين؟ أو لم يصطحبها إلى تلك الحفلة؟ توقع أن لا تندمج مع تلك الحفلة رغم وجود الكثير من الأشياء التي تخدش حياءها.
عشرة دقائق فقط، بالثانية، تركها لكي يناقش مع أحد رجال الأعمال ليعود ويراها وسط تجمهر عديد من الرجال وهي وحيدة.
ابتسامتها الجذابة التي توزعها لكل رجل بسذاجة. لكن تضحك كف حقًا؟ إنها لم تفعل ذلك معه.
لمح العديد من النظرات المتفحصة على جسدها يتفحصونها برغبة وشهوة وهي كالبلهاء لا تعلم نظرات الرجال التي تحرقها.
ليزيد الطين بلة بعد الحفلة ذلك المعتوهه وهو يمتدح زوجته أمامه ثم ينعتها بالجميلة أمامه.
على الرغم من كونه غربيًا إلا أنه يشعر بدماء حارة تسير في أوردته. سحب ذراعيها نحو الخارج غير عابئ بالتي كادت أن تسقط من شدة هرولته.
ما إن رآه السائق حتى سارع بفتح باب السيارة ووجه سيده لا يبشر بالخير إطلاقًا.
قام بوضعها إلى الداخل عنوة لتتأوه بشدة وهي تهتف بغضب.
"أنت متخلف."
قام بالجلوس بجانبها وأغلق السائق الباب خلفهم ليسرع إلى خلف المقود وسيده يخبره أن يعودا إلى البيت بأسرع وقت.
وبعدها قام بإغلاق الزجاج العازل. لم يستمع إلى ما يحدث سوى همهمات. لم يعد يهتم بل ما شغل عقله هو بأقصر وقت الوصول إلى المنزل.
أمسكها من ذراعها بشراسة مزمجرًا.
"هيا قولي إن كنت جريئة كفاية، أعيدي ما سمعته بالإنجليزية."
حاولت أن تبعد ذراعها من يديه الغليظة لتهتف بحنق في محاولة بائسة للتحرر منه.
"ليست مشكلتي أنك لا تتحدث العربية. أبعد يدك عني."
في أقل من ثانية جذبها إليه لترتطم إلى صدره العريض.
أصبحت قريبة منه، لاول مرة بعد فترة من الهجر. نعم، ذلك الهجر الذي أصدره من زواجهم. تنظر إلى عينيه الزرقاء الصافية التي تحولت إلى قاتمة. أنفاسه الساخنة تخترق جلد عنقها حتى برغم الحجاب. لا تعلم حركته تلك داعبت أنوثتها.
لاول مرة يصبح بالقرب منها. متى كان قريبًا منها إلى ذلك الحد؟ آخر مرة حدث ذلك في بيت القرية.
تقسم أنها تستمع إلى صوت نبضات قلبه الصائحة بانفعال. لينعقد لسانها عن التحدث وتنظر إليه بصمود.
"إذاً يعجبك تلك النظرات الوقحة التي تتفحص جسدك وكأنكِ عارية أمامهم."
"أيها الوقح!"
هتفت بها بتلقائية لتشعر بالألم في ذراعها اليمنى من قوة قبضته لتتابع بحنق.
"ماذا يهمك إن كانا ينظران لي برغبة أم لا. أنت تعلم جيدًا ما الذي جعلني ارتبط بك، وأيضًا ما جعلني أوافق على تلك الزيجة الملعونة. لا أريدك أن تتدخل في حياتي، ليس من شأنك."
ليقاطعها بصيحة أخْرَسَتْها.
"بلى، من شأني أيتها الغبية، إنكِ ملكي، لي فقط."
"إنني لست سلعة حتى تخبرني أنني ملكك. أنا لست مل..."
ابتلع كلمتها في جوفه وهو يقبلها. لأول مرة كانت قبلته عاصفة هوجاء تحمل الكثير من المشاعر المتناقضة، ثم ما لبثت أن أصبحت هادئة، ناعمة، يقبلها بحميمة.
خانها جسدها من التحرر منه. لقد قبلها. انتهك عذرية شفتيها. كفيه الدافئتين تحيطان بوجنتيها وقبلاته المجنونة التي تنهك عذرية شفتيها.
أغمضت جفنيها وهي تحاول منع ذلك التأثير الذي يدغدغ أنوثتها برقة. تحاول منع صوتها الداخلي بأن تحيط عنقه وأن تبادله قبلته وتشاركه في جنونه. كانت صامتة وهو ما زال يوزع قبلاته على شفتيها.
مال على جانب أذنها وهو يهتف بحرارة.
"إنكِ ملكي يا ليان."
رواية زوجتي الشرقية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيليا البحيري
اتسعت عيناها صدمة، لقد قبلها. كانت تنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، لكن يقبلها وهما في السيارة وبعدها يخبرها أنها ملكه!
كلا. توقفت السيارة عن الحركة، إذاً وصلا للمنزل.
ترجلت من السيارة وأغلقت الباب بعنف وشياطين الدنيا تحوم حولها. كانت تنتظر زوجها يبثها بكلمات معسولة يعبر لها عما يجيش في صدره عن عشقه لها ثم يقبلها. لكن ذلك الزين، سبته في داخلها وهي تدلف إلى الشقة تحت نظرات الجدة التي ما زالت مستيقظة حتى ذلك الوقت.
"يا ليان، أخبريني ما بك؟"
تمتمت بحنق وهي تجز على أسنانها بغيظ متوجه نحو غرفتها.
"كلا جدتي، لم يحدث شيء. تصبحي على خير."
أغلقت الباب خلفها بعنف لتنتفض على أثره الجدة.
جعلت حجابها ورمته بعنف لتتطالع بوجهها في المرآه. تحسست شفتيها التي تورمت من أثر عناقه الساحق. أغمضت جفنيها وهي تعد للعشرة، لا تضمن نفسها إن رأته مرة أخرى ستنجرف بمشاعرها أم تكون له بالمرصاد؟
صاحت بعنف وهي تضرب بقدمها على الأرض متوجه نحو الحمام.
***
ما الذي فعله معها؟ يا إلهي، لم يكن مخططاً لفعل ذلك في الوقت الحالي. كل ما أراده هو إصمات شفتيها المغريتين.
أرجع برأسه للخلف مستنداً على الأريكة. ابتسم بسخرية وهو ما زال يتذكر عندما أخبرها أنها ملكه. ملكه فقط. تعبير قاتل حقاً.
طعم شفتيها ما زالت عالقة على خاصته. انتبه على صوت الباب ليعلق بنظره وهتف بهدوء.
"ماذا جدتي؟"
توجهت نحوه الجدة وجلست بجواره.
"لا يعجبني وضعكم يا زياد، أريد أن أراكم كأي زوجين طبيعيين. أنت لا تعلم كم أنا متلهفة لكي أرى ابنك قبل أن أموت."
لاحظت امتناعه عن الرد. تنهدت بيأس وهي تقوم من مجلسها.
"الفتاة تتسرب بين يديك يا زين."
نبرتها جامدة وهي تهتف باسمه، تقابلت أعينهما للحظات لتغادر وهي تطرق بعصاها أرضاً. وقد يئست من الحديث معهم. ستنتقل للخطة البديلة. ابتسمت بخبث وقد اهتدت إلى فكرة لتقربهم.
***
أسبوع ممل قضته في القرية. لا أحد يتحدث معها اطلاقاً سوى عمها توفيق. تظل زوجة عمها طوال الفترة ترمقها بنظرات مشمئزة. والجد ممتنع عن الحديث، لم تراه يتحدث معها كأنه يتجنبها ويتجنب النظر إليها. واليوم ستعود للقاهرة. بعثت برسالة قصيرة لشهاب وهي تخبره بعد عدة ساعات أنها ستصل للعاصمة.
صعدت هي وأيمن السيارة لتتحرك السيارة متوجه نحو العاصمة.
"قوليلي انبسطي."
ابتسمت ببلاهة.
"انبسطت لحد الملل."
تمتم أيمن ببساطة.
"إن شاء الله هنرجع وهنزورهم في فترة جاية."
اتسعت أعين ندى صدمة وأجابت.
"نروحلهم تاني، لا لا لا لا. أنا ما صدقت إن أحنا مشينا تقولى نرجع تانى. ده محدش فيهم بيوجه كلام معايا إلا عم توفيق."
تنهد أيمن بحرارة.
"أنا عارف يا حببتي، بس المرة الجاية هيكون موجود بنات خالة مروان ودول تقريبا قد سنك."
هتفت ببرود وهي تعبث بهاتفها.
"بنات خالته مروان يا بابا، أنا مش طايقة السمج ده فما بالك ببنات خالته."
تذمرت وهي تتحدث بصوت خفيض بعيداً عن مسامع والدها. لن تعود مرة أخرى، لن تعود. فتلك الأيام كانت أشبه بكابوس.
***
هتفت سميحة بقلق واضح بعد خروج الطبيب من غرفة العمليات.
"طمني يا دكتور بنتي مالها؟"
تنهد الطبيب بأسف.
"واضح يا فندم إنك متعرفيش مرض بنتك وخبته علي حضرتك. للأسف هي مريضة كانسر، وواضح إنها أهملت ومهتمتش بيه لحد ما إنتشر المرض في معظم جسمها."
هوت تلك الكلمات بمثابة صاعقة. ابنتها الوحيدة قرة عينيها سترحل وتتركها. مريضة بالسرطان ولم تخبرها. بكت بحرقة لتهمس بأمل.
"يعني مفيش علاج؟"
"للأسف العلاج مش هيأثر معاها المرحلة اللي وصلتلها متأخرة جداً."
لم تستكمل باقي حديث الطبيب لتسقط على الأرض فاقدة الوعي.
"فكما تدين تدان." عبارة من ثلاث كلمات فقط، لكنها قوية ومخيفة. ومع ذلك النفس البشرية بطبيعتها متمردة. شريط أعمالك السيئة تمر عليك في لحظة واحدة وكأنك تعيشها. دائما عقاب الرب أشد وأقوى من عقاب الإنسان.
***
شهقت بفزع وهي تنظر إلى ملابسها. أين ملابسها الفضفاضة؟ تورّدت وجنتاها من تلك الملابس المخجلة التي أمامها. إنها الجدة الوحيدة التي تفعل ذلك.
صاحت الجدة بهدوء وهي تقتحم غرفتها.
"ننتظرك أكثر من نصف ساعة ولم تأتي. تعلمين أن المواعيد أمر مقدس بالنسبة لي."
جيد أن الجدة قد جاءت إليها. أمسكت بمنامة حريرة وهي تهتف بضيق.
"ما ذلك يا جدتي؟"
تفحصت المنامة وردت ببساطة.
"منامة حريرة حمراء. ستبدين فاتنة بها."
"جدتي."
صاحت بها بسخط، لترمي بالمنامة في الخزانة. أشارت بأصبعها نحو الملابس.
"ألقي نظرة جدتي. كل تلك الملابس عبارة عن ملابس لا تخرج من باب الغرفة."
"جيد. ارتديهم. وكما أخبرتك لا يوجد أحد غريب هنا. كلنا هنا نساء والرجل الوحيد في المنزل هو زوجك."
زوجي.. زوجي.. زوجي. إنها لا تشعر بتلك الكلمة. لما لا تفهمها؟ هتفت ببرود.
"أتعلمين أمراً؟ لن أرتديهم أبداً. سأرتدي البناطيل والقمصان. احتفظي بالجلباب لكِ."
ضربت بعصاها أرضاً وهتفت بحده وهي تشير بيديها نحو إحدى المنامات.
"ارتدي ذلك الأزرق."
أزرق! كلا، سيعتبرها دعوة منها. تعلم تفكير الرجال. يكفي ما حدث البارحة. هتفت الجدة بقسوة لا يليق مع عمرها.
"دقائق وأراكِ ترتدي ذلك الثوب."
غادرت من الغرفة وقد زالت ضيقها وحل محلها ابتسامة خبيثة. لتهتف للخادمة.
"جهزي الفطار يا عزيزتي."
ضربت بقدمها على الأرض بيأس. الجدة تشبه زين. كلاهما وجهان لعملة واحدة. التقطت المنامة وهي تسحق شفتيها بغيظ مكتوم. أزرق جدتي أزرق. ظلت تلعن نفسها لأنها قامت بجلب تلك الحقيبة معها.
***
كان يتناول طعامه في صمت. رفع ببصره عندما رآها تتجه نحوهم. اتسعت عيناه دهشة. ما هذا الذي ترتديه؟
منامة زرقاء داكنة ذو حمالات رفيعة بالكاد يغطي مؤخرتها. وخصلات شعرها الفحمية قررت أخيراً أن تطلق سراحهم. جسدها يسير في نعومة مع خصلات شعرها. ألحان هادئة تعزفها جسدها ليشاركها خصلات شعرها في الرقص.
اللعنة. ما الذي تحاول فعله في ذلك الصباح؟
جلست بهدوء وهي تلقي الصباح، متحاشية النظر إليه. وجنتاها تزداد احمراراً. لم ترتدي تلك الأشياء من قبل. تشعر بعينه المصوبتين اتجاهها. أ تنظر إليه؟ كلا، كلا. لن تستطيع فعلها. نظرة عيناه كفيلة بجعلها تتصنم وتتخشب. إن أقترب منها. هل عيناه مثل المنوم المغناطيسي؟ يجذبك إليه ولا تشعر بشيء سوى أنك تنساق ورائه.
ابتسمت الجدة بظفر. لقد حققت مبتغاها ونجحت في المرحلة الأولى. يبدو أنها ستعود إلى الحيل القديمة.
راقب إحدى حمالات منامتها التي سقطت من على كتفها، لتكشف جزء ليس بهين من جسدها، وهي متحاشية النظر إليه ويبدو أنها لم تلاحظ ما حدث.
هب من مجلسه على الفور وهتف بجمود.
"سأذهب للعمل."
تابعت الجدة خروجه وكأنه يسابق الأشباح بأبتسامة خبيثة، لتلقي ببصرها نحو التي كانت تأكل بلا مبالاة لخروجه.
***
"كده يا ورد تخبي عليا؟"
هتف بها إبراهيم بوهن وهو يشعر بأنه يفقد ابنته.
ردت ورد ببسمة صغيرة تعتلي ثغرها.
"صدقني كان ده افضل حل."
احتضنتها سارة وهمست بوعيد للذي يعلم كل شيء وخبأ عنهم.
"بس أشوف شهاب ومش هسيبه في حاله."
"مس ورد، مس ورد."
ركض الصغير نحوها وهو يحتضنها. تلقته بين ذراعها وهتفت بتساؤل.
"إنت جيت إزاي وجيت مع مين؟"
"جيت مع ماما منى."
تعمقت ورد بنظرها إلى منى التي كانت واقفة عند مقدمة الباب.
"محمد أول ما عرف صمم إنه يجي."
هتفت بها مني بابتسامتها البشوشة، ليعود الطفل محدثاً.
"مس ورد إنت مش هتمشي وتسيبني مش كده؟"
تلعثمت في الحديث ولم تجد ما تقوله لترد سارة بمشاكسة.
"ما سارة موجودة."
"لا أنا عايز مس ورد علشان بعد كل رسمة بتديني شوكولاتة."
"مصلحجي حقير."
همست بها سارة في خفوت بعيداً عن مسامع مني، لتضحك ورد باستمتاع وهتفت وهي تربت على شعر الطفل.
"كله إلا محمد يا سارة، ده حبيبي من جوا."
تشبث الطفل بمعانقة ورد وأخرج لسانه مغيظاً سارة.
"شوفي الولد بيطلعلي لسانه."
هتف إبراهيم.
"يا بنتي سيبي الولد في حاله."
هزت رأسها نافية وهي تتعمد مشاكسة الطفل تحت نظرات مني الباسمة وورد المتألمة لأنها ستفتقدهم للأبد.
***
"توقعت عدم حضورك."
هتف بها تيم وهو يقوم من مقعده. جلست ليان على المقعد وهي ترد بأبتسامة هادئة.
"لقد تأخرت نصف ساعة فقط، ولكن أين الجميع؟"
"كمال منشغل في بعض الحسابات وجاسمين اعتذرت وسلمى ما زالت في مداومتها وليلى خرجت منذ قليل."
تمتمت بهدوء.
"إذا لا يوجد غيرنا."
"نعم، هل تريدين احتساء شاي أم قهوة؟"
"كلا كلا، أريد عصير برتقال."
كانا يتحدثان في شتى المواضيع لم ينتبهان لمرور الوقت. صاح تيم.
"يا إلهي لقد تأخرت نصف ساعة، سيوبخني المدير."
ردت ببساطة.
"هل عملك قريب من هنا؟"
"يبعد شارعين عن المقهى."
قامت من مجلسها و هتفت بحماس.
"جيد، طريقنا واحد. لقد رأيت محل للحلوى قريب من المقهي سألقي نظرة عليه."
خرجا من المقهي وسارت بجواره. كان السائق على وشك التقدم منهما والتحدث إلا أنها زجرته بعينيها وتابعت السير وكلاهما في وادي آخر. همست بعبوس وهي تقف أمام المتجر.
"إنه مغلق."
"أتعلمين يا ليان أنك تشبهين الأطفال."
عقدت حاجبيها وتساءلت.
"وهل هذا بمعنى جيد أم سيء؟"
حك ذقنه متمتماً ببساطة.
"لا، بالمعنى الجيد بالطبع. نادراً ما أقابل فتيات ما زلن يحتفظن ببرائتهن حتى رغم مصاعب الحياة."
لاحظت تغير نبرته، وعيناه تتفحصها بتمعن. نظرت للخلف لتجد السائق على بعد عدة خطوات بينهما.
"علي الذهاب الآن."
ابتسم تيم وهو يودعها. لتعود بخطواتها أمام المقهى. صعدت السيارة وهتفت بعنف.
"لا تفعلها مرة أخرى، أتفهم؟"
رد السائق بعملية.
"السيد زين هو من أخبرني."
صاحت بعنف.
"لا يهمني ما يقوله، لا تتجسس. أفهمت؟"
***
وضعت كوب القهوة على مكتبه. كان غارقاً في أعماله. تنهدت بيأس لأنه لم ينظر إليها. كل تلك الساعات التي قضتها في المرآه وهي تتزين له لن تذهب هباءاً.
استدارت نحوه وجلست على فخذيه هامسة بجانب أذنه.
"حبيبي."
سمعت همهمته لتمرمغ بوجهها نحو عنقه طابعه بقبلة هادئة جعلت جسده يتشنج. همس بخطورة.
"ليلى، حفاظاً على السلامة العامة، اذهبي."
همست بأغراء.
"وماذا سيفعل زوجي إن لم أذهب؟"
"سأقوم..."
باقي الكلمات وهو يتمعن إليها.
"تلك الأشياء لا تنفذ نظرياً."
شهقت بفزع عندما قام بحملها بين ذراعيه متوجها نحو غرفتهما لتطلق عدة ضحكات رنانة هاتفه بأغراء أنثى يليق بها.
"والعمل؟"
"يوجد شيء أهم من العمل عزيزتي."
***
تفحصت ملابسها وهي تتنهد بيأس. لقد قامت الجدة بإزالة باقي ثيابها. لم تترك الجدة أي شيء سوى تلك الثياب الفاضحة. أغلقت باب الخزانة بعنف لتتوجه نحو غرفة الجدة.
فتحت باب الغرفة لتجدها نائمة تغطي في نوم عميق. أو متصنعة النوم!
عادت لغرفتها مرة أخرى وهي تدور كالنحلة. الجدة نامت قبل موعد العشاء. قررت الجدة الهروب وعدم المواجهة.
نظرت للمنامة الزرقاء التي ارتدتها في الصباح. التقطتها ورمتها على الأرض بعنف.
ماذا ذنب المنامة؟ لا تعلم. فتحت الخزانة مرة أخرى وهي تبحث المنامة الأكثر احتشاماً. التقطت منامة سوداء وتوجهت نحو المرحاض.
خرجت وهي تجفف شعرها لترتمي على الفراش بوهن. لا تستطيع النوم. يجب التحدث معه عن ذلك السائق. لا تريد أحداً أن يتجسس ويراقبها؟ هل لتلك الدرجة لا يثق بها؟
اعتدلت في موضع الجلوس، تشعر بالملل حتى بعد عودتها. أمسكت بهاتفها لتهاتف ندي، لم تجيب عليه.
رمت بالهاتف وقررت النزول لغرفة مكتبه. ما زال الوقت باكراً لعودته. فتحت باب الغرفة بهدوء وجالت ببصرها حول المكان مرة أخرى.
مكتبة ضخمة توجد بها العديد من الكتب والتي ترجح بأنها أثرية. التقطت إحدى الكتب والتي تتحدث عن السياسة وتفحصتها بتعمق وعقل شارد.
"جيد إنكِ هنا."
صوته العميق ذبذبتها. أغلقت الكتاب وأعادته بهدوء إلى مكانه لتغادر من الغرفة غير مستعدة للحديث معه. أمسكها من عضدها وسحبها لصدره العريض لتشهق بفزع وهي تشيح بذراعه عنها.
"ابتعد."
"منذ بضعة أيام تخبريني بأن أقترب واليوم تقولين ابتعد."
همس بها بجانب أذنها ويداه أخذت طريقها إلى خصرها ليثبت بها بقوه. وجه أصبح قريب من وجهها. توردت وجنتاها وبدأ معدل الأوكسجين يقل تدريجياً. تستنشق زفيره الحار.
"دعني."
"لماذا يا ليان تقابلين ذلك الصحفي؟"
ردت بهدوء.
"إنه صديقي."
تأوهت بألم عندما غرس بأنامله على خصرها. هدر بعنف وانفاسه الهادرة تحرق جلدها.
"ليس صديقك يا ليان، ابتعدي عنه."
تشعر إنها على وشك فقدان وعيها. عقلها لا يصدق إنه اقترب منها. لكن أين تلك الفتاة الشرسة التي ستمتنع أن حاول لمسها؟ لم اختفت عندما حاصرها يهيبته وعبق رائحته تغلف روحها وتحطم حصون قلبها. يجبرها ويملي عليها وهي عليها السمع والطاعة. هتفت بضيق.
"وهل أنت ستملي عليّ من أقابلهم ومن لا؟"
"نعم، إن اضطررت لفعلها سأفعلها."
لذلك الحد كفى. أشاحت بذراعيه من على خصرها وهتفت.
"كلا يا زين."
"زياد."
همس بها بتصميم وهو يعيدها مرة أخرى إلى أحضانه ليتحسس بأنامله على خصلات شعرها الفحمية. همست بتعجب.
"ما بك؟ لما تغيرت؟"
"إنكِ غريبة حقاً. حينما ابتعدت تخبريني لماذا ابتعدت وحينما أقترب تتسائلين لماذا اقترب. قولي لي هل تريدينني أن أبتعد أم أقترب؟"
امتنعت عن الرد. لا تريد أن تتفوه بأي حماقة وهي بذلك قربه الذي طار بآخر ذرة من عقلها.
"ابتعدي عنه يا ليان."
هزت رأسها نافية وهي تزفر بحنق.
"كلا كلا كلا."
غرس بأصابعه على خصرها لتسحق شفتيها بألم، وهي تستمع لحديثه اللاذع.
"ماذا تريدين بقربه أخبريني. يبدو أن نظرات الرجال عليك تعجبك كثيراً. هل تريدين أن تلهث الرجال خلفك ها؟ هل يرضيكِ غرورك عندما يتفحصونك الرجال بشهوة ونظراتهم الحارقة تجردهم من ملابسك هيا أخبريني؟"
وردها كان صفعة قوية على خده الأيمن. لا تعلم كيف فعلت ذلك لكن حديثه طعنها. هل يظنها عاهرة؟
انكمشت حول نفسها وهي تراه يدفعها نحو الحائط ويحصرها بهيبته. تحاشت النظر إليه تستمع إلى صوت هدير أنفاسه التي تحرقها ومن المؤكد عيناه حالكتين. لقد صفعته. لا تعلم كيف يداها تجرأت على فعل ذلك؟ ولا تعلم كيف تجرأ على نطق تلك الأشياء المقززة أمامها. طعنها بدم بارد. عضت شفتيها السفلى بألم وهي تشعر بالمرارة الذي احتل فؤادها.
رفعت بوجهها لتقابل عيناه. ملامحه قاسية. نظرته أرعبتها. بعثت في قلبها الرعب والذعر. ارتجف جسدها وهي تراه ضرب بقبضته بالحائط بجوار أذنها، لتغمض جفنيها وهي تبتلع ريقها بتوتر.
"زين أنا..."
تلجلجت في الحديث، لتجده بدون سابق إنذار اختفى كالزيبق.
هرولت وهي تحاول بأن تلاحقه لتتجمد قدماها عندما سمعت إغلاق باب المنزل بعنف.
***
سمعت صوت طرقات على الباب بنغمة معينة لتهتف بصوت مسموع.
"ادخل يا شهاب."
فتح شهاب باب الغرفة وهو يتقدم نحوها حاملاً باقة من الزهور.
"انت كمان جايبلي ورد؟ لا أنا كده هتغر."
"أصل الورد ميجيش للورد."
ضحكت بمرح.
"طب خلي ندى كده تسمعك هتعلقك على باب بيتهم."
صمتت قليلاً وهي تتنهد بحزن.
"كان نفسي لو عندي وقت أكبر أشوف النونو اللي هيجي منك أو من ليان وأشوف سارة مين المجنون اللي هيتجوزها."
"يا ستي لو على سارة ف أنا أؤكد لك اللي هيتجوزها هتكون أمه داعيه عليه."
هتف بها بمرح لتعبس ورد بملامحها.
"إيه داعيه عليه؟ بالعكس ده ألف من يتمناها هتكون رزينة جداً في اختيار شريك حياتها."
رد بمزاح.
"إحنا قلبنا ولا إيه؟ مش من شويه كنتي بتقولي مين المجنون اللي هيتجوزها. عموما يا ستي حبيت أفرحك آخر الأسبوع هتقدم لطلب إيد ندى."
صفقت ورد يداها بمرح.
"بجد؟ ألف مبروك."
"حيلك حيلك حيلك. أنا بقولك لسه هقدم مش وافقوا."
هتفت بزهو وهي تغمز بعينيها بخبث.
"ايه يا حضرة المقدم؟ هو في حد يرفضك؟"
"ما هو ده اللي مخليني أقلق."
"متقلقش أنا واثقة جداً ومتفائلة. مش ندى وافقت خلاص المفروض تكون واثق وانت داخل."
ثم استطردت.
"بس أستاذة مني قالتلي إن في عصفورة بلغتها بمرضي."
رد باستنكار زائف.
"تقصديني أنا؟"
هتفت بتصميم و بنبرة مرحة.
"وهو في غيرك يا سيادة المقدم؟ بقلك إيه أفتح التلفزيون في مسلسل تركي جديد بدأ وعايزة ألحقه."
ضرب شهاب بكفوفه.
"ربنا يهديكم."
***
أصبحت الساعة الثالثة صباحاً ولم يأتي. لم يغلق لها جفن. كيف تغلق وهو ما زال في الخارج؟
تخشى مكروه أصابه. تخشى إن حدث له شيء. يقتحم في خلدها أسوأ تخيلات عنه.
تعيش في حالة التوتر، الترقب والانتظار. تريد أن تطمئن فقط بعودته وستذهب للنوم.
لم تشعر بمرور الوقت وهي ما زالت على نفس جلستها، كأن الزمن توقف للحظات. سمعت صوت فتح الباب وإغلاقه، لتجده أمامها. قفزت من فراشها وتوجهت نحوه هامسة بلوع.
"زين أنت... أنت بخير؟ حمد لله.. حمدلله."
ارتدت للخلف عندما خرجت من أنفاسه رائحة كريهة. وضعت كفها على شفتيها وهمست بصدمة.
"يا إلهي أنت أنت."
وقبل محاولة للفرار منه سحبها من خصرها لتصبح بين ذراعيه.
"هل لمسك أحد غيري؟"
تشعر بالنفور. يداها تتخذ طريق الدفاع. همست بحدة وأعينها تتسع بصدمة من... من وقاحته!
"زين هل جننت؟ ما الذي تقوله؟"
أرجع بظهرها للخلف حتى اصطدم ظهرها بالجدار. أنامله أخذت طريقها بالتحسس في شفتيها.
"أخبريني هل تذوق أحد تلك الشفتين غيري؟"
رمشت بعينيها عدة مرات وهي ما زالت غير مستوعبة ما يقوله! هل جن!!
"زيــن توقف."
"واللعنة أخبريني."
انتفضت على أثر صياحه. طأطأت برأسها أرضاً وهمست بصوت جاهدت في إخراجه.
"لا."
دنا بوجهه نحو وجهها. رفع بوجهها أمامه وهو عيناها تهربان منه وجسدها يتفاعل بنفور كرد فعل طبيعي من لمساته.
تحسس جسدها بنعومة. انتفضت كالمذعورة من أثر لمساته التي كانت بمثابة الشوك الذي يخترق جلدها.
"زين أنت ثمل توقف أرجوك."
أصمت شفتيها بسبابته هامساً بخطورة.
"لا وقت للحديث الآن."
ابتلعت ريقها بتوتر، وهي تنظر إلى عيناه. عيناه الداكنة الراغبة جعلتها تتوتر وتتصاعد حمرة وجنتيها.
لمس شفتيها للمرة الثانية، يقبلها بعمق. بنهم. بشوق لتذوقهما مرة أخرى.
عقله مشوش غير حاضر. ينساق إلى عقله المغيب بأنه يريدها ويمتلكها. لم يشعر بمحاولاتها البائسة في الابتعاد عنه. كان منغرساً في إرتواء نفسه قبل ارتواءها.
ابتعد لاهثاً وهو يراها تلتقط أنفاسها بصعوبة. جفنيها مغلقتين. يريد أن يعلم بتأثيره عليها.
"افتحي جفنيك."
همس بها أمراً. اشمأزت ملامحها وهي تستنشق أنفاسه المختلطة بالخمر. فتحت جفنيها أثر همسته الآمرة.
"زين ما تفعله خاطىء."
أقاطعها صارخاً بعنف.
"إنتي زوجتي."
انجذب خصلات شعرها برفق نحوه. عاد لتقبيلها مرة أخرى. لم يرتوي بعد. ما زال ظمآن يريد أن ينال شهد شفتيها كل مرة. قبلاته شرسة عنيفة متملكة. يقبلها وكأنه للمرة الأخيرة يقبلها.
حملها بين ذراعيه ليتوجها نحو الفراش، يسمع همساتها وهي تناديه بأسمه بين كل قبلة والأخرى. ما يجب عليها أن تناديه بأسمه بتلك الإثارة وهو يقبلها. دماء حارة وتدفق هائل يسري في أوردته. وهمساتها كهواء الربيع الرقيق.
أغلقت جفنيها وهي تكتم دموعها وتنتحب بصمت. هل تنال أول قبلة في السيارة والأخرى وهو ثمل. حظها العاثر أوقعها مع رجل جذاب وسيم غريب الأطوار.
استسلمت بيأس عندما زادت قبلاته جنوناً وهي تدمغ بعنقها وتعود مرة أخرى لشفتيها. لا تستطيع إيقافه. يفوقها جسدياً وإن كان ثمل. جسده يكبل جسدها ويمنعها من الحركة كالغريق الذي يتشبث بآخر ذرة أمل. لا تستطيع أن تبادله. لا تستطيع مبادلة عناقه الجامح وهو في تلك الحالة. إن بادلته ستشمئز من حالها أولاً قبل أن تشمئز منه.
يبتعد ويقترب مثل المد والجزر. لا تفهمه ولا تفهم نهجه. فتحت جفنيها وأتسعت أعينها صدمة وشل لسانها عن التحدث عندما سمعت تمزق ثوبها! مناماتها تمزقت وسط عناقه الملتهب.
رواية زوجتي الشرقية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيليا البحيري
كل شيء يجذبه إليها، لا يستطيع الابتعاد. تلك المنامة السوداء، برغم أنها تصل إلى كاحلها، لكنها ضيقة بطريقة استفزته، تبرز جميع مفاتنها بإغراء، بطريقة ألهبت رجولته، وهو ليس بقديس حتى يمتنع.
كونه ثملاً لا يعني أنه غير قادر أو لا يستطيع التمييز من بجواره. منذ مدة طويلة توقف عن الشراب، امتنع، ولكن لا يعلم لماذا قدماه أخذته إلى إحدى الحانات ليشرب. يريد أن ينسى! ينسى ماذا لا يعلم. ينسى أنها الوحيدة التي تجرأت وصفعته، ينسى أنها كانت مصدومة بل مصعوقة مثله. ظل يشرب... ويشرب وصور الصفعة لا تغادر مخيلته.
شعر بجسد امرأة تلتصق به وهي تهمس بأذنه ببعض العبارات الراغبة. اشمئز، ولأول مرة يشمئز. في حياته لم يبتعد عن امرأة راغبة به، لكن رغبته تغيرت، يريد الأخرى. دفعها عنه وهو يزجرها بعنف إن اقتربت منه مرة أخرى فإنه لن يرحمها.
اقترب منه الحارس وهو يخبره عليه بالعودة قبل مجيء أو الشعور بأحد من الصحافة بكونهم في إحدى الحانات. خرج متأففاً... لم ينسَ. شرب ليثمل، ومع ذلك لم ينسَ. هيئتها المتفجرة، صفعته... ارتعاشها منه... ثم قبلتهم.
عندما تذكر قبلتهم، احتاجته الرغبة في تذوقهم مرة أخرى، ويدور في ذهنه أهم سؤال ويجب عليه معرفته!!
ذهب لغرفتها ليراها تنتظره. نبرتها كانت تحمل اشتياقاً، خوفاً. ميزه، ميز كل شيء من نبرتها. كانت تخشى إن حدث له شيء. أخرج سؤاله والتي كانت بمثابة القنبلة في وجهها. يعلم أنها تزوجت بشخص آخر قبله، لكنه يريد أن يعلم أو يطمئن من شيء لا يعلم ما هو؟ لكن الاطمئنان هو الشعور إنها هي الوحيدة له.
نظر إلى مفاتنها المخفية تحت المنامة، ليعود مرة أخرى النظر إلى عيناها. تبكي!! كانت تبكي وتنتحب بصمت. يا إلهي ما الذي كان على وشك فعله. نظر لهيئته ليجد أنه ما زال يعتليها. جردها من منامتها وهو ما زال ببنطاله فقط.
سحبها من ذراعيها لتصبح في مواجهته. بداخله يريد البوح بآلاف الكلمات لكن عجز اللسان عن النطق. توقفت الكلمات كما توقفت تلك المعزوفة الهادئة التي كان يستمعها وهو بقربها.
"أنا... أنا..."
بتر عبارته. لن يستطيع قولها. لن يستطيع. طبع قبلة هادئة أعلى جبينها وهو يحتضنها. جسده يعبر عن الأسف، وقبلته تحمل الكثير والكثير ما لا يستطيع اللسان البوح به.
انتفض كمن لدغته حية وهو يحاول ألا ينظر إليها مرة أخرى. سيضعف. ولأول مرة يضعف أمام أنثى. هيئتها آلمته. نظر لثوبها الممزق بأسف. التقط قميصه وألبسها إياه وهي كانت كالقط الوديع تتابعه في صمت. دثرها بالشرشف ليخرج من الغرفة. دائما الهروب ليس حلاً، لكن حل مؤقت في الوقت الراهن.
فتحت جفنيها ببطء عندما شعرت بصوت باب الغرفة يفتح. لم يكن سواه. نظرت للساعة المعلقة لتجدها السابعة صباحاً. تصنعت النوم كما هو تصنع المبالاة.
قامت من فراشها وهي تتوجه نحو المرحاض. هيئتها مدمرة. شعرها أشعث، شفتيها ما زالت تحملان أثره، ترتدي قميصه.
أمالت بأنفها لتستنشق رائحة عطره. رائحة عطره الممزوج بعبق رجولته. رائحته زلزلتها، جعلت معدتها تتقلص ووجنتيها تشتعلان حمرة. جسدها طُبع بعبقه الرجولي. حاسة الأنف كانت كالرادار المتربص. جسدها يحمل بصمته.
خلعت القميص وحالة اللاوعي داهمتها. سبته في داخلها وهي تخفي بجسدها داخل المغطس. لا تستطيع لومه على ما فعله لأنه كان ثملاً. تلومه على فعله... لماذا شرب؟ ابتسمت بسخرية. ماذا كانت تتوقع؟ تتزوج بشيخ؟ كان عليها أن تأخذ حذرها من تلك النقاط. لكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب.
"انت اتجننت يا يوسف؟ بقولك البت شبهها تقول لي هو ده السبب اللي خلاك إنك تتقدم لها."
صاح عمار بغضب. صديقه تغير مائة وثمانون درجة. لا يعلم بماذا يفكر؟ وما هي طريقة تفكيره؟
رد يوسف بهدوء.
"ده بدل ما تقولي مبروك يا صاحبي."
انفجرت براكين داخلية محبوسة في داخله، ليجعل ذلك الشبه فاقد يفيق.
"بقولك فوق. هند غير ليان وليان غير هند. حتى لو فيه ملامح بسيطة تجمعهم ده مش معناه إن شخصياتهم واحدة وإن تفكيرهم واحد."
قام يوسف من مقعده وهو ينفض ملابسه من الأتربة.
"على العموم الخطوبة وكتب الكتاب يوم الخميس الجاي. ابقي تيجي."
واستدار مغادراً. عمار الذي ما زال واقفاً بسخط. توقف عن السير عندما سمع صوت عمار الجهوري.
"على فكرة ورد تعبانة، عندها كانسر."
زلزلته تلك الكلمة. شعر بفقد جميع حواسه. ليلتفت إليه وهو شبه مبتسم.
"عقاب ربنا دايما بيكون عادل يا صاحبي."
"ما بك؟ هل أنتِ بخير؟"
نطقها تيم وهو يراها ممتنعة عن الحديث وشاردة. نظرت للجميع وهمست في خفوت.
"نعم نعم بخير."
وكأن تلك الكلمة تطمئن حالها قبل اطمئنانهم.
"أعتذر ولكن يجب عليّ الرحيل."
ردت جاسمين بعبوس.
"لكنك جئتي منذ خمس دقائق."
"إنني متعبة. علي الرحيل."
استقامت ليلي من جلستها لتمسك بعضدها وهي تواكب في سيرها. همست بقلق وهما يتجهان خارج المقهى.
"ليان هل أنتِ بخير؟"
أومأت إيجاباً وهي ترد بكذب.
"نعم بخير. عليّ الذهاب."
انسحبت ببطء وهي تصعد للسيارة. حمحم السائق بجدية.
"سيدتي هل سنعود للمنزل؟"
"كلا.. تجول في الشوارع."
أذعن السائق لطلبها وبدأ التجول في شوارع لندن. كانت تراقب الطريق بانتباه حتى هتفت.
"توقف."
أوقف السائق السيارة لتخرج منه وهي تتجه نحو إحدى المقاعد البعيدة عن أعين الجميع.
اليوم كان مغيماً عكس باقي الأيام. رفعت بأعينها نحو السماء لتجد ضوء الشمس مختفياً بين الغيوم. سحقت شفتيها السفلى بألم لتبدأ وصلة البكاء التي جاهدت في إخفائها. علا صوت بكاءها يمس القلوب مما أثار ريبة السائق ليتوجه نحوها.
"سيدتي هل أنتِ بخير؟"
لم تسمعه. لم تسمع أي حرف ما قاله بل لم تراه من الأساس. طأطأت برأسها للأسفل وهي تضع كفها على شفتيها. أعاد السائق سؤاله عدة مرات لكن بدون فائدة. أخرجت جميع الشحنات السلبية المختزنة بداخلها لتدير بوجهها إليه هامسة بصوت مبحوح.
"هيا لنعود للمنزل."
"سيدي.. سيد زيدان يريد رؤيتك."
هتف بها ستيفن بعملية ليرد زين بجمود.
"ادخله."
خرج ستيفن من الغرفة، ليدلف رجل في منتصف الستينات ملامحه هادئة رزينة. هتف بترحيب وهو يعانق ابنه الآخر.
"مرحباً يا بني."
ابتعد زين وهتف بهدوء.
"أهلاً يا عمي. تفضل بالجلوس."
جلس زيدان على الأريكة ليجلس الآخر على الأريكة المقابلة وعيناه محدقتان نحو الفراغ.
حمحم زيدان بجدية.
"أراك شارداً وغير منتبه."
رد زين بهدوء.
"لا يا عمي. مشغول ببعض الأعمال ليس أكثر."
"أعلم أنك لا تحب التحدث في المواضيع الخاصة مع أحد وتحتفظ بها بداخلك ولكنني جئت حتى أخبرك أخيراً خالد سيأتي."
انتبه زين على حديث زيدان ورد بتعجب.
"حقاً؟ لم يخبرني بذلك عند آخر مكالمة."
"لقد هاتفته أمس، قال إنه سينهي تلك الجولة ثم سيعود للندن بضعة أشهر إجازة."
رد باقتضاب.
"جيد."
هتف زيدان بابتسامة مرحة.
"ولكن أخبرني كيف حال زوجة ابني، وكيف تسير حياتكم؟"
"بخير يا عمي."
قام زيدان من مجلسه وهو يلاحظ تمنع زين عن الحديث معه. لم يغيره الزواج. ظل كما هو.. كتوم وغامض. نظر زين إلى الباب الذي أغلق ثم عاد ببصره محدقاً نحو الفراغ. لا يصدق ما فعله ليلة أمس. سيظل يتذكرها طوال حياته ولن يقدر على مسح تلك الحادثة المشؤومة. تنهد بحرارة وهو يسند برأسه للخلف غالقاً جفنيه. لا يستطيع العمل. لا يستطيع التنفس بحرية. شيء يجثم صدره يضيق تنفسه. يشعر بالغرق... شيء يسحبه للأسفل نحو مكان مظلم إلى أعماق أعماق البحر. ولكن هل من منقذ؟
أخذ يخطو بخطواته نحو مكتب والداه. أبيه.. تلك الكلمة التي لم يشعر بها إطلاقاً.
"والله زمان يا سيد شهاب مشفتوش وشك. خير."
هتف بها عز بسخرية وهو يلقي بنظارته الطبية على سطح مكتبه.
"أنا قررت اتجوز."
قام عز الدين من مجلسه وهو يضع بكلتا يديه في جيب بنطاله.
"جميل جميل.. ومين بقي اللي قررت تتجوزها؟"
لاحظ نبرة والده المستنكرة. يجب عليه المحافظة على هدوئه حتى لا يفقد أعصابه. تحكم في أعصابه بصعوبة وهو يرد.
"إسمها ندي. أبوها بيشتغل لواء وهتقدملهم آخر الأسبوع."
هتف بعنجهية وسخرية.
"وانت بقي افتكرت أبوك دلوقتي ولا إيه يا حضرة المقدم؟"
يبدو أنه ما زال مصراً على أن يفقد أعصابه. رد ببرود رغم تلك الثورات الداخلية التي تعتمل صدره.
"أنا جيت علشان أبلغك. عايز تيجي أو متجيش انت حرة."
در عز الدين أمام ابنه.
"انت بتقل أدبك على أبوك."
اتسعت مقلتا شهاب بتعجب. باستنكار شديد قال.
"ابوك؟ إيه يا عز باشا انت ما صدقت ولا إيه؟ أنا جيت النهاردة وبديلك خبر علشان متسمعوش من الغريب. سواء جيت أو مجتش أنا هروح. عن إذنك بقى يا عز بيه علشان ما أكونش عطلتك على شغلك."
واستدار مغادراً الغرفة، تاركاً عز ينظر إلى فراغه بدهشة. قلبه يؤنبه على ما فعله لكن عقله لم يتزحزح يخبره أن ما فعله ليس بشيء طوال تلك الأعوام الكئيبة التي قضاها معه. يجب على والده أن يعلم أن ما غرسه سوف يأتي حصاده وها قد جني حصاده بعد سنوات من اللامبالاة والبعد وعدم الاهتمام.. فلا يلومه أحد على ما سيفعله أو ما صدر منه.
ارتشفت الجدة العصير وهي مستاءة. توقعت قدومها ستجعلهم يتقربون، لكن ما الذي حدث؟ مفترقان مبتعدان يعاملان بعضهما كالشخص الغريب. إذاً لماذا تزوجها؟ ما الذي جعله يتزوج وخصوصاً فتاة شرقية وهو سيعاملها بجفاء؟ لكن ما طمأنها نظرات حفيدها نحو تلك الشرقية الخلابة. نظرات عينيه تفضحانه برغم أقنعة الجمود والبرود الذي يغلف بها بوجهه. ستستمر في محاولتها حتى وإن تدخلت بالقوة. دافعها ليس لرؤية طفل لزين، دافعها هو رؤية حفيدها قد استقر في حياته وعمله، يكون محاطاً بزوجة تعشقه وتكوين نبتة عشقهم طفل يزيد من رابطتهم المقدسة وتجعلهم متعلقين به أكثر. متى سيأتي ذلك اليوم؟ هل سيأتي ذلك اليوم وهي ستكون على قيد الحياة أم ستظل ذكرى لهم. تنهدت بحرارة لتعود مرة أخرى ترتشف العصير وعقلها يعمل ويعمل حتى اهتدت لخطة ما لكن يجب عليها أن تتريث قليلاً.
"تتوقعي يا ماما مكنتش ممكن أشوف لحظة انهيارك."
هتفت بها ورد بابتسامة هادئة وهي تطالع ملامح والدتها المنكسرة. لتتابع بهدوء.
"سبحان الله بجد الشخص اللي مقدرتيش تساعديه وتديله فلوس علشان يتعالج هو أول شخص جالي. عارفة ده معناه إيه؟، وسبحان الله برده رغم إن إحنا معانا فلوس بس الفلوس مش هتقدر تخليني أعيش، ديه كانت زي قرصة ودن علشان كنت أفوق من اللي أنا فيه قبل فوات الأوان. ما ربنا عمره بيكره عبد من عباده يا ماما."
تريثت قليلاً لتوجه ببصرها إلى والدها.
"وحضرتك يا بابا، شفت آخر الطمع والجشع ممكن يودوا الإنسان فين؟ إنت عارف أنا مكنتش متخيلة في يوم من الأيام إن أنا أتكلم وأقول حاجات زي دي؟، حاسة إني شخص تاني غير اللي أنا أعرفها بس بقيت شخص نضيف من جوا قبل من برا. صدقوني أنا مش مرعوبة ولا خايفة من الموت. الموت طول عمره قريب مننا بس إحنا كإنسان بنتجاهلها أو بننساها وسط مشاغل الدنيا."
سحقت شفتيها بألم. يوجد شيء آخر لم تفعله. تريد فعله قبل أن ترحل. يجب عليها رؤيته ولكن أين هو؟
نزلت الدرج بخطوات مهرولة وهي لا تصدق الضيف الذي أتى إليها. وجدته جالس يحتسي القهوة ويتحدث مع الجدة بمرح والجدة ابتسامتها لم تفارقها. التفت الجدة إلى ليان وهتفت في حبور.
"ليان اجلسي يا بنتي وانظري ماذا فعل زوجك."
تعلقت عيناها بحمزة. لقد اشتاقت إليه. اشتاقت للتحدث بالعربية. اشتاقت لأهلها. اشتاقت لكل شيء.. حنين يدب في أوصالها للمرة الثانية وهي ترى حمزة يهتف بابنتي. حاولت التحكم في دموعها التي سقطت من السعادة.
"وحشتني جداً يا عم حمزة."
نبرتها خرجت واهنة ضعيفة وأعينها تتراقصان من السعادة.
"وانتي أكتر يا بنتي."
أكثر ما تكره الجدة هو البكاء. يجعلها تشرد في ماضيها المليء بالذكريات. زجرت ليان وهي تطرق بعصاها على الأرض.
"اجلسي يا فتاة. حمزة لم ينتهِ بعد."
جلست بجوار الجدة ليغمغم حمزة.
"كيف حالك؟"
"بخير."
لم يصدقها. كل شيء يجعله يستدعي الشك في داخله. هيئتها.. شحوب وجهها.. نظرات أعينها الزائغة. هم بالسؤال مرة أخرى ليجد الجدة تتحدث بحماس.
"هيا يا حمزة تابع وماذا حدث بعد ذلك؟"
"أنتِ تعلمين ذلك القصر لا يسمح زين بدخول أي امرأة. هنا كانت الشيء الصعب. لقد جعل الحراس هم الذين ينظفون المنزل."
ولانتبهت حواسها على حديث حمزة، ليتوقف عقلها قليلاً مفكراً.. قصر أي قصر؟ هل يقصد ذلك القصر في القاهرة؟ بالتأكيد هو لا يوجد منزل آخر. كانت متعجبة من عدم وجود خدم.
"معذرة على المقاطعة ولكن لما ذلك القصر لا تطؤه امرأة بقدميها؟"
رد حمزة ببساطة.
"لأنه قرر أن الفتاة الوحيدة التي ستدخل القصر هي زوجته."
هبت من مجلسها لتعلو نبرتها بضيق.
"يعني كنت تعلم منذ البداية يا عم حمزة؟ لما لم تخبرني؟"
ضربت بكفها على جبهتها وهي تسخر من غبائها.
"يا إلهي كم كنت مغفلة. كوني أعمل مساعدة لبضع أيام كانت لعبته. هل كنت للدرجة غبية؟!"
أدرك حمزة فداحة الأمر. نظر للجدة ليجدها كانت ترسل بنظرات محبطة وضيق في آن واحد. راقبها وهي تصعد للأعلى بخطوات تنفس عن نيرانها الداخلي.
"ماذا سيحدث برأيك؟"
رمقته الجدة بضيق وعبوس.
"أتعلم يا سيد حمزة لقد ضاعت جميع مخططاتي التي سأقوم بفعلها الأسبوع القادم."
كان يتحاشى النظر إليها في اليومين السابقين. ضميره يؤنبه والحادثة المشؤومة ما زالت تقتحم خياله. تنهد بحرارة محدثاً نفسه وماذا بعد؟ أين سنصل لذلك الطريق غير البارز أي علامة من علامات خط النهاية! خلل أصابعه على خصلات شعره بيأس. أغلق جفنيه متنهداً. ما زلنا في البداية يا صديقي. سحق شفتيه بغيظ زاجراً أي طريق بداية. لقد جعلتها تنهار باكية في طريق عام ولم تفعل لها شيئاً. لم تواسيها. لم تعبر لها عن أسفك. لقد تركتها. تخليت عنها. لن يكون له أي دافع إن طلبت منه الرحيل. سيكون لديها كل الحق. لن يستطيع ردعها.
صوت الجلبة الذي حدث في الخارج أيقظه من شروده. قام من مجلسه ليرى تلك الجلبة والتي حدثت لثاني مرة على التوالي في ذلك العام. وجدها اقتحمت الغرفة بعنف ونظرات أعينها لا تبشر بالخير وخلفها السكرتيرة التي تمتمت بعذر.
"سيدي أعتذر ولكن السيدة اقتحمت الغرفة."
وقاطعها زين ببرود.
"لا مشكلة. عندما تأتي دعيها تدخل للمكتب فوراً."
كان يراقب ستيفن ما يحدث عند مقدمة الباب. ليسحب السكرتيرة هاتفاً بعنف وهو يغلق الباب خلفه.
"هل جننتي يا إيم؟ تلك زوجة السيد."
صعقت إيم من حديثه لترد بتلعثم.
"يا إلهي هل هذا يعني أنني سأستلم ورقة طردي من العمل؟"
"صلي يا فتاة أن يكون مزاج المدير جيد. ولكنني لا أريد أن أطمئنك مزاج المدير متعكر هذه الأيام."
قذفت بعلبة المناديل في وجهها وهي ترد بحنق.
"هل هكذا تطمئنني يا رجل؟ اغرب عن وجهي."
حديث الأعين دائر بينهم. عيناه تلمعان كالنجوم المتلألئة في حضرتها، وتغيب في غيابها. كالقمر يصطحب معه النجوم وحينما يغادر فترحل معه النجوم. تشعر بالضيق أو الغباء. لقد خدعها.. إنه كان مخططاً مسبقاً بالزواج. إذاً لم لا يتحدث معها كأي رجل عادي؟ لتجيب: وهل هو رجل عادي؟ لن تفهمه أبداً. ستحتاج لوقت طويل لفهمه. لا تحاولي كثيراً فهم الرجل. ببساطة لأنه ليس لديه ما هو جدير بالفهم. إنما بالتفهم.
انتظرته بالمبادرة بالحديث. لكنه لم يتزحزح عن تأمل تفاصيلها بلهفة. يتحفظ ملامحها كأنها للمرة الأخيرة التي سيراها. حدقتا عينيه تهلكها.. تدمرها.. لا يحتاج إلى أي أسلحة ليخترق روحها. نظرة عينيه كافية فقط باقتحام روحها.
عقدت ذراعيها على صدرها وهتفت.
"أعترف حقاً أنني كنت حمقاء. ليس حمقاء فقط بل غبية. وأرفع قبعتي لك يا سيدي."
لماذا في كل مرة تحاول إخراجه عن إرادته. سيتفوه بالكثير من الحماقات والتي سيندم عليها مؤخراً. رد بكل عنجهية وهو يستدير للجلوس على مقعده.
"ليان توقفي. ليس لي وقت لذلك الحديث."
لا تعلم كيف يداها تجرأت على فعلها؟ أمسكت بكفه وسحبته إليها لتحيط بكلتا ذراعيها تتمسك بياقة قميصه هامسة.
"انظر إلى عيناي زين. تمعن في النظر إليه وأخبرني لماذا تزوجتني؟ لقد علمت من عم حمزة أن ذلك القصر لا تسمح لأي امرأة بالدخول إليه سواي.. لماذا يا زين؟ أخبرني."
ويداه كرد فعل طبيعي سحب خصرها لتلتصق بصدره. دنا نحو أذنها هامساً.
"كيف أتتك الجرأة على فعلها؟"
نبرته تحمل الكثير الكثير من المكر والخبث. أبعدت بذراعيها عن ياقة قميصه وأسندت بكفها على مرفقيه وهي تحاول إزاحة يديه الفولاذية. هدرت بحنق.
"ابتعد. ليس هذا وقت للمزاح."
"أنتِ التي اقتربتِ مني."
زفرت بأنفاسها أمام وجهه.
"يبدو أنك ستفعل كل مرة ستتجاهل حديثي وتتطرق إلى مواضيع جانبية."
أشاح بذراعيه عن خصرها وهتف بجمود.
"ليان ليس هذا وقت للحديث."
وإجابتها كانت عنيفة.
"إذاً أخبرني إلى متى سأنتظر؟ يوم.. اثنان.. أسبوع.. شهر.. عام؟"
سكنت للحظات وبسخرية تابعت.
"وهل تتوقع مني أنني سأنتظر مثلاً؟ كلا."
استدارت للخلف متوجه نحو الباب لتغادر. خرجت وهي صافقة الباب خلفها بقوة. الغيظ والحنق يتآكلها. تريد التنفيس. كبت داخلي تريد إخراجه. وجدت عامل النظافة يجر بصندوق القمامة. لاقت تلك الفكرة استحساناً لتدمر الأرضية لكن ما ذنب العامل. زفرت بحنق وهي تعدل مسارها متوجه نحو المصعد.
حدث ما توقعه. لم يجد الرد ككل مرة. لما هي لا تحاول فهمه؟ يود قص لسانها الذي يتفوه بالكثير من الحماقات والتراهات الذي يزعجه. أرجع بخصلات شعره للخلف ويداه الأخرى موضوعة على خصره. أخرج لفظ خارج من شفتيه ليتوجه إلى النافذة الزجاجية. نظر إلى المحيط حوله. كل شيء ساكن لا يقارن بالضجيج الذي بالأسفل. كذلك هو ساكن بارد عكس الثورات الداخلية التي تحدث في داخله.
تنحنح شهاب في حرج لأنه جاء بمفرده. والداه لم يأتي وهذا كان متأكداً منه. تقلقه نظرات أيمن المتفحصة والثاقبة وكأنه عدو هجم على بيته. ورغم من ذلك هتف بهدوء مقرراً قطع تلك الصمود.
"أهلاً يا بني."
"أهلاً بك يا فندم."
لا يستطيع نطق عمي الآن!! سحب نفساً عميقاً ليزفره على مهل.
"أنا جئت اليوم علشان أطلب بنت حضرتك الآنسة ندى."
"بس متأخذنيش انت جاي لوحدك."
وهذا يقاطعه شهاب.
"أمي توفت من وأنا صغير ووالدي."
صمت قليلاً لا يعلم ما الذي عليه قوله. رد أيمن وهو يرفع عنه الحرج.
"ندى حكت لي كل حاجة. بس ده ميمنعش اني منساش اللي عملته في بنتي قدام الناس كله يا سيادة المقدم."
طأطأ رأسه في حرج ليغمغم بثقة.
"صدقني يا فندم كان تهور مني. كنت عايش في حالة من اليأس والإحباط. كنت بتعلق على مقدار أمل ولو صغير إن ندى تكون حاملة ذرة بسيطة من المشاعر ليا. أنا مش هتكسف و مش وقاحة مني إني أقول لحضرتك إن ندى هتبقى أمي وأختي وصاحبتي قبل مراتي. أنا لقيت في ندى صفات نصي التاني."
شهاب يشبه كثيراً عندما كان في عمره. ذكره بأيام شبابه وهو كان يتقدم لخطبة حبيبته. هذا الشاب عاشق متيم بابنته التي كبرت أمام ناظريه وهو لا يصدق أنها أصبحت عروس يتقدم إليها الشبان لأخذها. تنهد أيمن وهو يهتف بجمود.
"أنا آسف يا سيادة المقدم. طلبك مرفوض. ابن عمها تقدم لطلب إيديها قبلك وأنا وافقت وهي بمثابة خطيبته حالياً وحضرتك عارف طبعاً حديث الرسول "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"."
تلك ليست بمثابة الصدمة بل الصاعقة التي أفقدت جميع حواسه. نظر إلى أيمن بذهول ودهشة. هل يمزح معه؟ ليس هذا وقت للمزاح الآن. كان يتحدث بهدوء وجدية. سحب بصره ناحية الباب ليجدها قد أسقطت صينية تقديم المشروبات على الأرض، وهرعت نحو الداخل.
"انظروا ماذا جلبت."
صاحت بها ليلي وهي تتقدم للطاولة الخاصة بهم. نظرت إلى أعينهم الفضولية والمتسائلة. أخرجت التذاكر من حقيبتها وصاحت بمرح.
"حفلة. تذاكر للمغني إيد شيران."
صاحت سلمى وجاسمين بسعادة وصفقت جاسمين بمرح.
"يا فتاة أنتِ رائعة. سأقبلك."
قبلت جاسمين وجنتي تحت نظراتهم.
"متى الحفل؟"
"الأسبوع المقبل. هيا استعدوا سيكون اليوم حافل."
علق تيم بصره بليان ليهتف بتساؤل.
"هل ستأتي؟"
غمغمت في خفوت.
"بالطبع. لما لا."
ابتسم وعيناه تلمعان بوميض خافت. لاحظتها. هزت رأسها نافية من تلك الأفكار التي تراودها. أصبحت تتخيل أشياء لا تمت للواقع بصلة. تنهدت بحرارة وهي تتابع حديث جاسمين وليلي المرح وكيف سيقضيان اليوم بأكمله في الخارج وتيم يحدق بها بهدوء.
أمسك بقنينة العطر وهو ينظر إلى هيئته في المرآة. أسبوع مر على ذلك اليوم. ابتلع غصة في حلقه بصعوبة. لماذا دائما تسير حياته في الطريق الخاطئ؟ لماذا يرحل الجميع من حوله؟ كيف فعل والداها ذلك؟ لقد طعنه بدم بارد. قذف قنينة العطر نحو المرآة ليسمع صوت مدوي والمرأة تهشمت إلى قطع صغيرة على الأرض. ماذا فعل في حياته ليستحق ذلك العقاب؟ أولاً والدته.. ثانياً والداه.. ثالثاً صديقته ورد تعيش باقي حياتها بالطول وبالعرض. وأخيراً حب حياته نـدي.
ارتمى على الأرض وهي يشد خصلات شعره بقوة حتى كاد أن يقتلع من جذوره. أسيستسلم وهو يراها ستكون بين يدي رجل آخر يلمسها؟ رجل آخر يلمس حبيبته؟ كلا. لن يقدر. لن يتحمل. دماء حارة تسير في أوردته. دماء رجل شرقي متملك لحبيبته. وماذا عنها هي؟ هل ستوافق؟ هل ستقبل وترضى؟ والسؤال يبقى هل سيحارب أم سيستسلم؟
كانت وسط المئات من المعجبين. تسمع صيحات المعجبات بهمهمات لم تفهمها. نظرت إلى ليلي وسلمى وجاسمين لتجدهن أطلقن صيحات وصراخ عالي عندما بدأ العزف. نظرت للحارسين اللذان على مقربة منها بتهكم لتعود ببصرها مرة أخرى إلى المغني.
اقترب تيم وهو يعلو بصوته بالقرب من أذنها بسبب صوت الضجيج.
"أراكِ لست مستمتعة عكس باقي الفتيات."
"كلا. لكن صراخ الفتيات صم آذاني."
ما زال على نفس مقربته ولم يبتعد.
"هل تريدين الخروج؟ الحفلة ما زالت في بدايتها."
علقت بنظرها لـ ليلي التي وجدتها توجه بصرها نحوهم ويبدو أنها سمعت حديثهم برغم الضجيج.
"هيا بنا."
صاحت بنبرة عالية نحوه. وفي أقل من الثانية اختفت هي وتيم. نظر الحارسان لبعضهما بتوتر لاختفائها كالزئبق. لن تكون رد فعل سيده هينة.
هدر زين بعنف وهو يوبخ الحارسان.
"هل أنتم حمقى وأغبياء؟ تركتوها تبتعد عن أنظاركم وذلك الحقير معها."
أطرقا الحارسان برأسهما أرضاً. هتف الحارس الأول بتوتر.
"سيدي كانت تحت أنظارنا ولكن اختفت فجأة. الحفلة كان يوجد بها آلاف الأشخاص. كانت بمثابة إبرة في كومة قش."
تلك المبررات كانت سخيفة للغاية. ازداد غضبه تفاقماً.
"واللعنة عليكم. هل أنا أدفع المال لتخبرني بتلك التراهات؟"
"اذهب الآن. لن يغلق لك جفن حتى أراك وجدتها. أفهمت؟"
هز الحارسان رأسهما إيجاباً. ليصيح زين بغضب وأعين مشتعلة كالجمر.
"والآن اغربوا عن وجهي."
غادرا الحارسان وهما يلتقطان أنفاسهما بصعوبة شديدة. مهمة البحث صعبة. ضرب بكفه على المكتب وهو يسب ويلعن.
"اللعنة."
تتعمد دائما أن تثير حنقه بمصاحبة ذلك الصحفي. لقد صبر بما فيه الكفاية على ذلك الغبي. جلس على المقعد وهو ينتظر على أحر من الجمر اتصال الحارسان. الدقيقة تلتها الساعة والساعة تلتها عدة ساعات. لا يعلم كمية لفافات التبغ التي أحرقها. نظر إلى الساعة التي أصبحت الثانية عشر صباحاً. رنين هاتفه قطعه من شروده. التقط هاتفه ليسمع حارسه بأنها عادت إلى المنزل بسيارة أجرة. ألتقط جميع أشياءه متوجهاً للبيت وعيناه تحملان وعيد وغضب.
أغلقت باب غرفتها في هدوء لتخلع حجابها والكنزة العلوية وترميهم على الأرض بلا اكتراث. تقدمت نحو المرآة وهي تنظر إلى هيئتها في المرآة. عضت شفتيها السفلى بألم وهي تنظر إلى عنقها.
شهقت بقوة عندما سمعت صوت إغلاق الباب بعنف. التفت للخلف وهي تطالع إلى ملامحه الشرسة. كان يتفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها. نظرات عينيه الزرقاء أصبحت قاتمة. أيعني ذلك أنها في مرحلة الخطر؟ قشعريرة خفيفة رجت كامل جسدها. تطلعت إليه بثبات رغم انهيارها داخلياً لتستمع إلى حديثه القاسي.
"واللعنة. ما تلك العلامات التي على عنقك؟"
كانت تنظر إلى عينيه القاتمة بثبات شديد لتهتف بلا مبالاة.
"ليس من حقك."
تابعت بجمود وهي تحرر خصلات شعرها.
"كأنك لا تعلم ما تلك العلامات؟"
شهقة عالية خرجت منها عندما أمسكها من رسغها ودفعها بقوة نحو الحائط. نظرت إليه بارتعاد شديد. إنه في أشد غضبه. نظرات عينيه تحرقها. انفعالات جسده بالكاد يسيطر عليها بصعوبة ليهتف بصوت جليدي.
"من ذلك اللعين الذي فعل ذلك؟"
"ليس من شأنك."
وياليتها نطقت بتلك الجملة ليغرس بأصابعه على خصرها. سحقت شفتيها بألم. لم تعد تتحمل أكثر. أطلقت تأوهاً خافت وسقطت عبرات من جفنيها. هتفت بضعف.
"اترك يدي."
لم يعد يكترث بآلامها. كل ما كان مسلط بصره على تلك العلامات التي تزين عنقها. إنها علامات من أثر قبلات تزين بشرتها!! يريد أن يقتل ذلك الرجل اللعين الذي قام بفعل ذلك لزوجته؟ ولكن أين هي؟ تركته يفعل ذلك؟ جال ببصره مشاهد مقززة بين اللعين المجهول بأحضان زوجته. كان يضغط على ذراعها بقوة غير منتبه لتلك المسكينة التي تسحق شفتيها مرة أخرى حتى لا تصدر أي شهقات مؤلمة. قام بفك إزار قميصها رغم محاولاتها البائسة لمنعه ولكن كيف بإمكانها المقاومة أمام أسد جريح. نظر إلى العلامات الحمراء المزينة عنقها نزولاً إلى صدرها. احتقن وجهه وقرب وجهه إلى وجهها حتى بات لا يذكر أي مسافة بينهم.
"حذاري يا ليان. لا تقومي باختبار صبري."
ابتسمت بتهكم رغم آلام ذراعها لترد بلا مبالاة.
"وماذا ستفعل؟ هل ستقوم بصفعي؟ أم تقوم بضربي؟!"
دنت قرب شفتيه هامساً.
"أم ستقوم بأخذ حقوقك بالعنف؟"
لم يهتز جفنيه بل صاح بجمود.
"وهل كنت تتوقعين أن أقوم بأخذ حقوقي منكِ بالغصب؟"
مال أمام أذنيها هامساً.
"أم اعتبرها دعوة منكِ."
نظرت إليه بحنق شديد رغم اشتعال وجنتيها بالحمرة من حديثه الجريء. لم يتغير أبداً. ما زال كما هو. وقح، جذاب، وسيم. ازدادت ضربات قلبها عندما قام بطبع قبلة خفيفة على وجنتيها. لا تجرؤ على فتح عينيها. انحبست رئتيها عندما شعرت أنفاسه تلفح صفائح وجهها. إنه قريب لحد اللعنة. لم تشعر بآلام ذراعها أمام قربه المهلك. فتحت جفنيها لتجده يتطلع إليها بمكر وابتسامة تعتلي ثغره.
"يبدو أنني حطمت آمالك."
زفرت بحنق.
"أبعد يديك اللعينة على ذراعي."
وبلا وعي صرخت بوجهه.
"ماذا تريد مني ها؟ قل لي ماذا تريد مني؟ لا تريد أن تراني سعيدة. هل تريد أن تراني ذليلة مكسورة ضعيفة يا زين الحديدي. لكن كلا لن يحدث ذلك. سأحب رجلاً غيرك يهتم بي ويحبني وأكون أنا من أول مسؤولياته يا سيد زين."
"من ذلك اللعين؟"
نظرت إليه بصدمة. لم يهتم بأي ما قالته. أعاد سؤاله للمرة الأخيرة لتهمس في خفوت.
"كلا. لن أقول لك."
حرر ذراعها وقام بضم قبضته وضرب بالحائط جاعلاً إياها تنتفض بقوة وهي تضم جسدها محاولة بائسة في بث نفسها بالأمان. لتجده يسحبها من قميصها المفتوح ويقربها منها ونظراته لا توحي بالخير.
"هل ذلك الشاب الأشقر اللعين أم رجلاً غيره؟ قولي لي من ذلك اللعين الذي فعل ذلك؟!"
رواية زوجتي الشرقية الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيليا البحيري
جلست ليلي على المقعد المقابل وهتفت:
- ها قد وصلنا للصالون الخاص بي، لا أعلم لما فعلتي كل ذلك.
كنا بعد الحفل ذهبنا مباشرة للصالون.
أرتشف القهوة ببطء، ردت بهدوء وهي تضع الكوب بين يديها:
- يجب علي فعل ذلك لتضليلهم، هذه هي الطريقة الوحيدة لعدم معرفة زين لخطواتي.
لا تعلم كيف تفكر تلك الحمقاء ولا تعلم ما الغرض لفعلها ذلك.
ضيقت عيناها وهي تهتف بنبرة مستنكرة:
- أتعلمين ماذا سيحدث لتيم؟ هل هو كبش فداء يا ليان؟
عضت شفتيها السفلى بأسى وهي لا تعلم كيف وصلت لتلك الحالة.
زفرت بحرارة وهي تعود مرة أخرى ترتشف القهوة:
- إنني حزينة حقًا، أعلم أن زين سيثور بعض الشيء لأنه يكرهه ويكره الصحفيين بشكل عام.
ثم استرسلت وتغيرت نبرتها الضعيفة بنبرة أخرى جادة حازمة:
- والآن لنتحدث في موضوع هام وحساس للغاية يا ليلي، أريد منك وعدًا ألا تخبري بأحد ما سأقوله.
اتسع بؤبؤ ليلي، وهتفت بفضول:
- يا فتاة أخبريني، لقد أصبحت فضولية.
صمتت لبرهة وهي تطالع نظرات ليلى الثاقبة:
- يا الله ماذا سأخبرها؟ تعلم تفكير ليلي المنحرف، لكنها الوحيدة التي ستساعدها.
أطرقت برأسها أرضًا وهي تعبث بكوب قهوتها، هتفت بخجل وبدأت وجنتها تتصاعد بالحمرة:
- هل تستطيعين أممم عمل تلك العلامات على العنق، تعلمين ما أقصد!
اتسعت عينا ليلي ذهولاً، لم تتوقع أبدًا ولم يجل بخاطرها هذا الشيء.
توقعت شيئًا آخر، ومع ذلك لم تمتنع إطلاقاً من إطلاق كلماتها التي تحتوي بين طياتها الكثير من الخبث والمكر:
- يا ماكرة، ماذا الذي تريدين الوصول إليه بسبب تلك الأعمال؟
زجرتها ليان ببعض العنف وتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها بدلاً أن تخبرها:
- ليلي توقفي، هذا أمر جاد للغاية لا يتحمل المزاح، هل تقدرين على فعلها أو لا؟
أرجعت ليلي خصلاتها الشقراء للخلف وهتفت بزهو:
- بالطبع أستطيع فعلها، أتعلمين لقد فعلتها من قبل لآدم لكي يتزوجني.
لم تسمع لذلك التصريح من قبل، كانت منذ بداية علاقتهم تخبرها أن حبيبها لم يقدم لطلب يديها على الرغم من سنوات معرفتهم لم يتجرأ لقولها.
غمزت بمكر:
- وتقولين أنني أنا المحتالة.
ردت ليلي:
- أعلم، أعلم. لم أجد شيئًا آخر لأحرك ذلك الساكن أمامي، لقد أخرجته من شعوره وتحول إلى رجل متملك لمحبوبته. أصبح في كل ليلة يسألني من ذلك الرجل الذي تجرأ ولمسي وأنا أجيبه بكل برود لا دخل له لأن ذلك الرجل سيتزوجني. رأيته لأول مرة عيناه تشع غضبًا وأخبرني أنني الوحيد الذي سيتزوجك، وفعلاً قد تزوجنا. لكن ما دافعك أنتِ لفعلها؟
تنهدت ليان وهي تضغط على شفتيها:
- جدتي، أفعل ذلك بسبب جدتي. أتتذكرين الأسبوع الفائت تلح علي في كل مرة أن نصبح أنا وزين زوجين. لا أعلم كيف الجدة تجرأت على قول ذلك أمامي. حاولت في كل مرة أن أعدلها عن ذلك القرار ولكن رأسها يابسة، فلم أجد سوى ذلك الحل المؤقت.
وسؤالها كان بمثابة القنبلة في وجهها:
- وماذا عن زوجك؟
هزت رأسها نافية وبنبرة واثقة:
- كلا، لن يراه بالطبع. عند رحيله في الصباح سأذهب لجدتي وأرتدي أي شيء يبرز عنقي حتى تهدأ.
ضحكت ليلي باستمتاع وهي ترد بمشاكسة:
- أيتها المخططة، منذ متى أنتِ تفكرين بكل هذا الخبث والمكر؟
زفرت ليان بقلة حيلة:
- هيا ليلي، سيتأخر الوقت. أريد العودة للمنزل بأسرع وقت ممكن.
قامت ليلي من مقعدها لتأتي بحقيبتها وتعود مرة أخرى لديها هاتفة بحزم:
- لكن صدقيني إن رأى زين لن يحدث خير إطلاقًا، وخصوصًا أن آخر ما قابلته اليوم هو تيم.
شعور من الندم والقلق يساورها كلما تذكر زين، لكنها مضطرة على فعلها. منعت ذلك الصوت الداخلي الذي أمرها بالتوقف عن فعل تلك الحماقات وتواجه، لكنها جبانة.. جبانة للغاية.
- اصمتي وابدأي، لماذا أنتِ متشائمة لذلك الحد؟ قلت لكِ لن يراه، سأزيله عند المساء.
عقصت ليلي شعرها وهتفت:
- حسنًا، حسنًا. سأعطيكِ كريمًا لإزالته.
قضت عدة ساعات وليلي تعمل بجهد حتى هتفت وهي تبتعد زافرة براحة:
- وأخيرًا لقد انتهيت. صدقيني لن يشك أحد إنها مزيفة.
تطلعت ليان إلى المرآة برضى، هتفت بامتنان:
- أشكرك يا ليلي.
ثم تساءلت بقلق خوفًا إن سرق الوقت:
- كم الوقت الآن؟
أجابت بلا مبالاة وهي تنظر للساعة المعلقة على رسغها:
- الحادية عشرة مساءً.
اتسع بؤبؤ بندقيتها بهلع:
- يا إلهي، لقد تأخرت.
قامت من مقعدها وهي تلتقط حجابها. أمسكتها ليلي من رسغها بقوة لتجلسها:
- انتظري نصف ساعة ليجف ذلك الجزء الأخير وسأبعث بسيارة أجرة إلى منزلك.
ابتسمت بسعادة، فليلي هي الوحيدة التي تهون عليها كل الضغوط التي تمر بها.
- ليلي حقًا شكراً لكِ.
ردت ليلي بضيق زائف:
- لا يوجد شكر للأصدقاء يا حمقاء، ولكن طمئنيني ما سيحدث غدًا.
***
سردت له ما حدث، كل شيء، لم تترك شيئًا. لتلمع عيناها هامسة بصوت متحشرج:
- لقد اكتشفت في التو واللحظة كم أنت تثق بي يا سيد زين.
ابتعدت عن حصاره وهي تتجه عدة خطوات نحو الفراش. التقطت حقيبتها وهي تخرج بعلبة صغيرة. وضعت جزءًا على مكان إحدى العلامات، فركتها قليلاً لتحتفي العلامة وأصبعها صبغ باللون الأحمر.
- وهذا لزيادة التأكد إن كنت لا تصدقني.
خانتها دموعها لتنحدر إلى وجنتيها. ارتمت على الأرض وهي جالسة كالقرفصاء، دفنت بوجهها بين راحتي يديها.
- والآن أرجوك أخرج.
لبى ندائها وهو يخرج صافقًا الباب بقوة. صوت شهقاتها أخذ وتيرته في العلو. كتمت شهقاتها حتى لا يستمع أحد. قامت من على الأرض وهي تزيل العلامات الباقية وتتوجه نحو الفراش. ارتمت بضعف وهي تغلق جفنيها.
***
أخذ يزرع الأرض مجيئًا وذهابًا، يسب ويلعن غباءه. تلك الغبية تخبره أنه لا يثق بها؟ يخشى عليها إن حدث لها شيئًا. مجتمعها مختلف، الأفكار مختلفة. مجتمعها الشرقي هنا لا أساس لوجوده. سيجرحها أحد بسبب دينها ومعتقداتها.
إنها ما زالت جديدة في ذلك المجتمع الغربي. خلل بأصابعه على خصلات شعره، فرك عيناه بإرهاق ليجلس على الأريكة بثقل.
كان حتمًا سيجن بل طار آخر ذرة عقل عندما وجد تلك العلامات من رجل آخر غيره. كان ردودها المستفزة تجعله يوشك على قتلها. كلا ليس هي فقط، بل حاول شخص الاقتراب من إحدى ممتلكاته.
عاد لشروده مرة أخرى ليتذكر حديثها، ستحب رجلًا غيره، يهتم بها ويحبها وتكون هي أول مسؤولياته.
عاد وكرر الجملة مرات عديدة، ستحب رجلًا غيره!!
اللعنة، لقد أخبرته بطريقة ملتوية أنها تحبه!! لم ينتبه لتلك الكلمة، كل ما ركز ببصره عليه تلك العلامات على عنقها.
لسانها يحتاج لقص لعدم التفوه بتلك الترهات. قبل البدء في شيء، عليه أولًا أن يتخلص من ذلك الصحفي الأحمق.
***
بين اليقظة والنوم، تتقلب يمينًا ويسارًا. شعرت بصوت فتح الباب. لم يكن سواه. علمت بسبب وجود عبق رائحته التي غلف المكان بأكمله.
توجه نحو الفراش وهو يلتقطها بين ذراعيه. دفن وجه بين خصلات شعرها وهمس:
- أعلم إنكِ ما زلتِ متيقظة.
لم تقدر على النظر إليه. بلعت ريقها بتوتر وهي تراه يربت على خصلات شعرها. لقد فاجأها اليوم.
- وأعلم أنكِ واقعة في حبي. أتعلمين أخشي فقدانك بشدة يا ليان. أنتِ لا تعلمين ما الذي فعلتيه بي عندما دخلتي حياتي قلبتها رأسًا على عقب.
مرّت قليلاً ويداه تضمان جسدها بقوة، يتنفس عبق رائحتها.
- أعطيني القليل من الوقت يا ليان.
توقعته أن يتركها، لكن ما زالت يداه مكبلتين. تعترف، نعم واقعة في حب ذلك البارد. وأخبرته بدون وعي منها ودون أن تعلم عواقب ما قالته. يريد القليل من الوقت، حسنًا ستعطيه القليل من الوقت. لا يوجد أمامها سوى الصبر.
غلبها النعاس فجأة لتنام ورأسها موضوعة على مضخته الثائرة. لا تريد أن يكون حلماً، لا تريد أن يكون هلوسات أو يصور لها العقل شيئًا. تمنت وترجت أن يكون كل شيء حقيقي.
لاحظ انتظام تنفسها لينحني نحو شفتيها يسرق قبلة تمناها في أحلامه. قبلته طالت وأصبحت عميقة متطلبة. يحاول الابتعاد وألا يتهور، لكن لم ينصاع لذلك. أصبح شغوفًا بها، فهي داؤه ودواؤه.
ابتعد لاهثًا وهي يتحسس بأنامله شفتيها ليعود مرة أخرى في عناق جامح لا يريدها أن تستيقظ. شل جسده عن الحركة عندما وضعت أحاطت يداها بعنقه وهي تضمه إليه.
يراودها دائمًا في أحلامها، يأتيها كل يوم دائمًا يسرق شفتيها في قُبلة تذوب بها روحها. لكن تلك المرة تشعر بها حقيقة ليس حلماً. نبهت بجميع خلايا جسدها للأفاقه.
اتكأت بجذعها على الفراش تلتفت يمينًا ويسارًا، لكن لا أثر لوجوده. اختفى كالزيبق. تحسست بأناملها لشفتيها. لتهب من فراشها على الفور منتفضة وهي تتجه نحو المرآة.
شعرها أصبح أشعث، عنقها أصبح يحمل بصمته، لقد دمغ وصك ملكيته على جسدها. يا إلهي لم يكن حلماً؟ لقد كان حقيقة.
لن ترى الجدة أي شيء، ستموت من الخجل إن جعلتها ترى أي شيء.
***
نظرت إليهم الجدة بمكر وخبث. ليان التي تتحاشى النظر إليها.
- ما بكِ يا صغيرتي؟ الجو حار اليوم، اخلعي ذلك الوشاح على عنقك.
سقطت الشوكة على طبقها وهي تنظر إلى زين من جهة ومن جهة أخرى إلى الجدة. نظراتهم تلمعان ببريق ملئ بالمكر وابتسامة هادئة.
- كلا جدتي، أشعر بالبرد قليلاً.
ضحكت الجدة باستمتاع وهي ترى وجه ليان الذي اصطبغ بالحمرة.
- يبدو أنكِ طوال الليل لم تنامي.
هبت من مقعدها على الفور، لن تستطيع سماع تلك الكلمات المخجلة. ركضت نحو الدرج وهي تختبئ بين نظراتهم الماكرة.
عادت ببصرها نحو الذي يأكل بهدوء.
- كيف تسير الأحوال يا زياد؟
رد باقتضاب وهو يشرب كوب الماء:
- على ما يرام جدتي.
دنت منه هامسة:
- إذا متى ستأتيان بطفل صغير؟
رفع ببصره مستنكرًا. منذ عدة سنوات تلح عليه بالزواج والآن لن تتركه حتى يأتي طفل.
- جدتي.
تمتمت بتساؤل وخيبة أمل ظاهرة على معالمها.
- ماذا؟ ألم يحدث شيئًا البارحة؟
- يوجد لدي عمل، معذرة على الذهاب.
قام من مقعده وهو يلتقط سترته متوجهًا للخارج. نظرت الجدة للدرج ثم نحو باب المنزل.
هامسة:
- إهربا بقدر ما تشاءان، لكنني لن أترككما.
صاحت للخادمة لكي تأخذ بالاطباق إلى المطبخ. قامت من مقعدها وهي تضرب بعصاها مصطنعة التفكير.
- والآن ما هي خطتنا القادمة؟
***
- جيد أنكِ أتيتي اليوم. أخبريني ماذا حدث البارحة؟ هل علم زين؟
هتفت بها ليلي عندما سحبتها من يديها إلى حمام السيدات.
وضعت ليان بإصبعها على شفتيها وهمست:
- اششش، اخفضي صوتك، ستقومين بفضحي.
لم تعبأ ليلي بكل شيء لتتابع بفضولية:
- لم يغلق جفنا منذ ليلة البارحة. ها أخبريني.
تمتمت بضيق:
- لقد رأى زين.
اتسعت عينا ليلي دهشة لتهتف بثقة:
- اللعنة، كنت أعلم ذلك.
مطت شفتي ليان بضيق:
- هذا لأنك فتاة متشائمة.
أغلقت باب الحمام الخارجي لعدم دخول أحد ويقتحم خلوتهما. زجرتها بضيق وهي تعود مرة أخرى:
- اصمتي ها، وماذا حدث بعد ذلك؟
تمتمت ليان ببساطة:
- توقع أنه من تيم.
كتمت شهقتها وهي تضع كفها على شفتيها، لتمتم بعدم تصديق:
- يا إلهي، سنقول الآن لتيم وداعًا.
هزت ليان رأسها نافية وهي تبرهن وتطمئن نفسها قبل طمئنتها:
- لن يحدث شيء له، لقد كان غاضبًا وثائرًا.
رفعت ليلي حاجبها باستنكار وأردفت:
- هل تراهنيني؟
- ليلي توقفي.
بأعين متفحصة ومترقبة هتفت:
- أنتِ لا تعلمين زين، عندما يقول شيئًا فأنه سيفعله.
صمتت قليلاً وهي تستوعب حجم الكارثة التي بها.
لتعود مرة أخرى وهي تردف بثقة زائفة:
- لكنه علم أنها مجرد خدعة وتيم لم يكن الليلة السابقة.
هتفت ليلي بثقة:
- ألم تقولي لي أنه يكرهه ويكره الصحفيين؟
غمغمت في خفوت:
- نعم.
- لذلك سيفعلها.
تعلم أن زين يستطيع فعلها، لكن الأمر كانت خدعة فقط. تمتمت بشك:
- هل أنتِ متأكدة؟
وبنبرة واثقة أجابت:
- مائة بالمائة عزيزتي.
بلعت ريقها بتوتر، لا تعلم ما مصدر الثقة التي تأتي بها ليلي. هدأت من روعها وهي تفتح صنبور المياه وضعت بقطرات المياه على وجهها. لن يحدث شيء، لقد كان منفعلًا وغاضبًا، لكنه لن يفعلها.
***
طرقت باب غرفته وفتحتها هاتفة بابتسامة:
- أيها الأشقر، المدير يطلبك.
ترك ما في يده وقام من مجلسه يهتف بضيق زائف:
- تعلمين اسمي أليس كذلك؟ إذاً توقفي عن مناداة ذلك اللقب.
ضحكت جاسمين وهي تنظر إلى معالم وجهه الحانقة:
- ليست مشكلتي أنك أشقر، والآن اذهب إلى مدير التحرير يريدك الآن.
مط شفتيه بعبوس وأردف بتساؤل:
- منذ متى المدير يطلبني؟
تأففت بضيق:
- هلا توقف عقلك قليلاً عن التخمين، لن ينتظرك المدير النهار بأكمله ولن أضيع وقت استراحتي معك. سأذهب للمقهى، هل تريد أن أجلب لك شيئًا؟
تمتم بابتسامة راضية:
- كلا، شكرًا لك.
توجه نحو غرفة المدير، طرق الباب عدة طرقات متتالية، ليستمع صوت المدير الجهوري وهو يأذن له بالدخول.
- سيد ويليام، لقد طلبتني.
هتف بها بعملية وهو يتوجه نحو مكتبه:
- اجلس من فضلك.
غمغم بها بهدوء، جلس تيم بأعين مترقبة وشيء داخلي يخبره أن هناك خطأ.
- لقد خدمت الجريدة عدة سنوات وأظن قد حان الوقت لتنتقل وترتقي إلى جريدة أفضل.
اتسعت أعين تيم ذهولاً، الجريدة قررت الاستغناء عن خدماته. صاح بانفعال وهو يهب من مقعده:
- ماذا؟ سيدي أنا عملت في تلك الجريدة منذ ثمانِ سنوات. هل في ليلة وضحاها قررت الاستغناء عني؟
رد المدير ببرود وعملية:
- أعلم يا سيد تيم، لذلك قررنا بوضع مكافأة لك لنهاية خدمتك معنا.
ابتسم تيم بسخرية وتهكم. مكافأة نهاية خدمة! ما تلك المزحة؟
خطى بخطوات ينفث عنها النيران نحو الباب. أمسك بمقبض الباب ليرحل قبل أن يلقي بكلمات لاذعة أمام أحد. سمع صوت المدير يهتف بعملية:
- وأظن عليك التوقف يا تيم العبث مع رجال الأعمال.
إذا هو الذي فعلها. لم يكن سواه زين الحديدي، لقد استخدم سلطته وقوته لطرده من العمل. همس بوعيد: لم ننتهي بعد يا سيد زين. لم تنتهي المعركة بتلك السهولة، لست بخصم ضعيف حتى أجر أذيال الخيبة والاستسلام من أول جولة.
***
عدة أيام كانت ممتنعة الخروج من غرفتها، تأكل بصعوبة تتجنبه. كلما حاول الحديث معها تتحجج بالنوم.
طرق باب غرفتها ودخل بهدوء.
- سميرة من فضلك عايز أتكلم مع ندى شوية.
أومأت بإذعان. وضعت بالصينية على الطاولة وهتفت بحزن على حالة ندى:
- حاضر.
أغلقت سميرة الباب خلفها، ليجلس على الفراش وهو يهتف بهدوء:
- إيه هتعملي زي كل مرة، عايزة تنامي؟
وقاطعته بتوسل وهي تشد الشرشف حول جسدها:
- بابا من فضلك أنا عايزة تعبانة وعايزة أنام.
صاح بغضب وانفعال من هيئة صغيرته الجديدة:
- متبقيش جبانة وواجهيني، من إمتى بتتهربي من مشاكلك؟
هتفت بهدوء وهي تنظر إلى عينيه:
- بابا إنت قلت لي اتجوزت إنت وماما إزاي؟
ضيق عينيه وفهم ما ترمي إليه ابنته:
- إيه اللي دخل ده في موضوعنا؟
ضحكت بوجع وهي ترد:
- مش ملاحظ أنه فيه تشابه ما بينا بس فيه اختلاف في العمر والشخصيات. يعني حضرتك والداك رفض إنك تتجوز واحدة من القاهرة وإنت برضو رفضت.
يعلم ما تحاول ترمي إليه، هل ستكرر ما حدث منذ خمس وعشرين عامًا؟
- ندى عايزة توصلي لإيه؟
تطلعت إلى ملامحه المتوترة وأجابت ببرود خارجي عكس تلك النار التي تحرقها:
- ولا حاجة متقلقش. أنا مش هعملها، مش ههرب. بالعكس أنا مستنية إنك تحكي لي موضوع مروان، هل ده ليه حكاية بموضوع سفرنا للبلد؟ إيه هو الجد قرر يربط بنت ابنه علشان متبعدش عنه ولا إيه؟
لا تعلم كيف انقشع برودها، تحول برودها إلى انفعال غاضب وصوت متهكم:
- ندى إهدي واعرفي إنتي بتقولي إيه.
صاح والداها بانفعال. التقطت أنفاسها وهي تنظر إليه بألم:
- ما أنا هادية يا بابا، أنا كل اللي مستغرباه لما قولت لك أنه جاي رحبت، بسم لا تفاجئ بأنه تقول في وشه إنها في حكم المخطوبة. مقولتليش ليه يا بابا؟ مأخدتش رأيي ليه زي ما بنعمل زمان قبل كل مرة؟
تريثت قليلاً وهي تنظر إليه، تحتاج إلى تبريرات. دائمًا تشيح ببصرها عنه. تجمعت العبرات نحو مقلتيها وهتفت بجمود:
- بعد إذنك يا بابا أنا محتاجة أنام.
***
اليوم اصطحبها إلى حفل مفاجئ، حفلة بسبب وجود صفقة مشتركة بين شركة زوجها وشركة أخرى. تكره النفاق والمجاملات. يداه كانت محاطة بخصرها طوال الوقت، لم يجعلها تبتعد عنه مقدار إنش واحد.
شردت في وقت الظهيرة عندما جاء تيم وأخبرها أنه طرد من عمله. لم يتفوه بأي شيء آخر، كانت عيناه فقط تحملان نظرات الاتهام لها أنها هي السبب.
آلمتها تلك النظرة، لم تستطع الجلوس معه أكثر وعيناه تحملان تلك تقتلها.
عادت إلى المنزل لتتفاجأ بوجود صندوق كبير مخملي الملمس. وكارت صغير يخبرها أن تتجهز عند المساء.
تكرر المشهد مثل المرة السابقة، استدعت ليلي والجدة كانت جالسة معهما طوال الوقت تنظر لها بابتسامة هادئة.
نزلت الدرج بخطوات بطيئة لتجده في أبهى حلة. هيئته خطفت أنفاسها. قلبها يقرع كطبول الحرب.
ما فاجأها وآثار دهشتها أنه قبل جبهتها أمام نظرات ليلى والجدة. تغير معاملته أثار دهشتها، تخشى أن يكون هذا هدوء ما قبل العاصفة.
أفاقت عندما شعرت بصوته يهمس بجانب أذنها. صوته الرجولي ورائحة عطره دمرتها. ستخبره أن يتوقف وضع تلك الرائحة.
- انتظريني خمس دقائق وسآتي.
انصاعت وهي تهز برأسها. حالة من الهذيان واللاوعي أحاطتها.
توجهت نحو الحمام لكي تنتعش وتفيق من تلك الحالة.
نظرت إلى المرآة لا تعلم لم ابتسامتها اليوم متسعة، أعينها تلمعان ووجنتيها متوردتان.
خرجت من الحمام وهي تنظر يمينًا ويسارًا. تبحث عنه. اتسعت ابتسامتها بعد فترة من البحث عنه. كان يتحدث مع رجل بعملية شديدة.
ابتسامتها اختفت، لتصعق من هول ما رأته وهي ترى امرأة فائقة ومتفجرة الأنوثة بذلك الفستان الناري الذي يحدد أدق تفاصيل جسدها تعانق زين بحميمية وشفتيها تتجه نحو خاصته أمام أعين الجمع!!
رواية زوجتي الشرقية الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيليا البحيري
استدارت بوجهها للخلف. لن تستطيع أن ترى تلك الوقاحة أمام مرمى بصرها. تناولت أحد العصائر الموضوعة على الطاولة لتتوجه إلى مكان أكثر هدوءاً.
لا تعلم كيف الوقت مر عليها وهي تنظر نحو الفراغ. يوجد شيء خطأ! يوجد شيء غير مكتمل في الصورة. تسعى جاهداً لمعرفة ذلك الجزء المفقود منها ولكن بلا فائدة.
استدارت للخلف لتتفاجأ بوجود الحارس أمامها وهو يتمتم براحة:
- سيدتي أنتِ هنا.
هزت رأسها إيجاباً وهي ترد بتعجب:
- نعم، هل يوجد مشكلة؟
- كلا، تفضلي. السيد زين كان يبحث عنك.
توجهت معه وهي تسير بخطوات بطيئة للغاية حتى وصلت إلى المرآب. كان يضع بكلتا كفيه في جيبي بنطاله ويتكئ بجزعه العلوي على السيارة. وما إن رآها حتى استقام وهتف:
- أين كنتِ؟
غمغمت في خفوت:
- كنت في ركن هادئ، لم أتحمل الضجيج.
لم تمنع عيناها من تفحص وجهه إن كان يوجد به أي آثار من تلك الحقيرة. توقفت عن التمعن في وجهه عندما تقابلت أعينهم للحظات. عيناه كانت متسائلة.
ابتسمت في خفوت وهي تطأطأ برأسها للأسفل وتصعد السيارة. لا تريد أن يفهمها بأي شكل خاطئ. لا تريد أن تدمر أي شيء. لا تريد أن تسأله عن تلك الفاتنة. قلبها سيتألم. سيؤلمها أكثر إن أخبرها أنها من الماضي. لذلك عزمت أنها لن تسأله أبداً عن الماضي.
***
إجتمع الجميع ما عداه كعادة كل يوم. ما بين المزاح والضحك. رغم مرور وقت قصير على معرفتهم إلا أنها تشعر أنها تعلمهم منذ وقت طويل للغاية. نظرت للمقعد الفارغ بشرود. لم يأتي منذ أسبوعين. ما الذي يريد أن يوصله لها؟ أنها السبب؟!
هتفت بتساؤل:
- أين تيم؟
تطلعت إلى نظراتهم الحائرة، لترد جاسمين بلا مبالاة:
- يبحث عن العمل.
- لقد مر أسبوعان ولم يجد وظيفة! لكن هذا لا يمنعه للمجيء.
صاحت بها بتعجب، لتتولى ليلي الرد عن جاسمين:
- ليان.. تيم يمر بفترة سيئة. تعلمين أن عمله كان يعتبر كالشغف بالنسبة له. ولكن الآن كونه عاطلاً وتغير الروتين الخاص به يجعله مشوشاً وغير متزن. سيأتي في الغد أو بعد الغد. لا تقلقي، تيم قوي، أليس كذلك جاسمين؟
نطقتها بحماس زائف وهي تغمز لجاسمين. بللت جاسمين شفتيها وهمست مؤكدة:
- بالطبع، لا تقلقي.
- يا بنات، لم أخبركم ماذا حدث بعد أن أخبرني أنه يطلب رقمي.
ذلك الصوت الذي خرج من فم سلمى جعلها تصمت وهي تطالع أعين ليلي وجاسمين الهاربة.
كانت تتحدث سلمى بسعادة بسبب وجود شخص أبدي إعجابه بها. لم تستمع إلى باقي التفاصيل لأن عقلها كان شارداً من جهة زين ومن جهة أخرى تيم. ماذا فعل زين له؟
***
ظلام دامس يعم المكان ولا يوجد بصيص نور في أنحاء شقته بأكملها. استطالت لحيته بشكل شنيع وهيئته أصبحت كهيئة إنسان يعيش في الغابة. انعزل عن الجميع. لم يكن يريد أن يصبح سلبياً بتلك الدرجة لكن قواه قد خارت. قلبه توقف عن الحياة. يعيش أيامه بالطول والعرض، حتى أصبح لا يعلم كم الساعة الآن وما هو اليوم.
قام من مقعده عندما سمع صوت رنين جرس على الباب متواصلاً. أمسك المقبض وفتح الباب بأعين ناعسة.
- واخيراً، فينك يا عم من الصبح.
نطقتها سارة بشقاوة وهي تشيح بذراعه الذي عرقلها من الدخول. جالت ببصرها إلى المنظر الكارثي وشقته التي أصبحت كمدخنة قطار قديم لا يفعل شيء سوى تغطية المكان بالأدخنة. سعلت بقوة وهي تمتم بسخط:
- ايه ده، إنت بتشرب ولا بتستحمي سجاير؟
أزاحت الستائر المغلقة ليبدأ الضوء بالتسلل للداخل. استنشقت هواء الصباح بانتعاش.
- علفكرة أنا جيت قبل محاضراتي علشان هتوصلني بعربيتك للكلية بتاعتي.
جلس على المقعد وهو يلتقط لفافة من التبغ وهتف بخشونة:
- سارة، أنا مش ناقص صداع. لو في حاجة مهمة جاية تقوليها قولي، غير كده إتفضلي.
تمتمت بضيق وهي ترمي بحقيبتها على الطاولة:
- حيوان وغبي وهتفضل طول عمرك كده معندكش ذوق. عقاباً بقي هننزل نفطر ونروح.
صاح بغضب وهو يرمي باللفافة في المطفأة التي امتلأت ببقايا السجائر:
- سارة، لمي لسانك.
- يلا قوم كده ظبط نفسك وإحلق البتاع ده، عشان عايزاك في موضوع مهم.
نطقت بها بتقزز وهي تشير بأصبعها نحو لحيته التي جعلتها تشعر أنها تشاهد أفلام من العصور الوسطى.
تنهد شهاب بضيق وهو يقوم:
- بس صدقيني مش هرحمك لو اكتشفت أن فيه موضوع تافه نزلتني عشانه.
عضت شفتيها السفلى تكتم ضحكتها بصعوبة. تطلعت إلى وجهه الغاضب وهيئته التي شبيه بالهنود الحمر. يحتاج فقط إلى فرو أي حيوان وسيكون مريع.
***
جلس على المقعد بتأفف شديد وكما توقع، تلك الصغيرة تتحدث في مواضيع لا تخصه بصلة. تحدثه عن كليتها وإختباراتها ثم تنتقل إلى مواقف طريفة وهو حتى الآن لا يعلم لماذا أذعن لطلبها.
- يا شهاب، ركز بس، اسمع النكتة دي هتعجبك والله.
هتفت بها سارة وهو تتمسك بصعوبة في محاولة عدم الضحك. ارتشفت الماء ببطء وحمحمت بجدية عندما رأت نظرات شهاب التي تحرقها.
- مرة فيه واحد حب واحدة، بس للأسف الواحد محاربش عشان يكسب حبه. معندهوش لا جرأة ولا شجاعة عشان يكمل. إنسحب من أول معركة. المهم بقي، تفتكر دي نهاية حكايتهم؟ أقدر أقول أه ولأ في نفس الوقت. أقول لأ علشان الواحد ده أنا متأكدة إنه هيرجع تاني يكمل معركته ومش هيسيبها إلا لما يفوز. وأقول أه علشان الواحدة دي اللي بيحبها هيكون كتب كتابها آخر الأسبوع.
أظلمت عيناه فجأة وهب من مقعده على الفور.
- إهدي بس يا عم، أنا لسه مخلصتش.
أزاح بيديها عن ذراعه وهتف بقسوة:
- سارة، سيبيني دلوقتي.
بنبرة مستعطفة هادئة قالت:
- يا شهاب، لو سمحت، الإنسان وقت غضبه ممكن يعمل تصرف يندم عليه طول حياته.
جز على أسنانه بغيظ:
- إنتِ مش عارفة إنتِ قولتي إيه! بتقوليلي كتب كتابها آخر الأسبوع. خلاص هي كمان استسلمت ووافقت ولا هي كانت عارفة وموافقة؟
- شوفت أهو ده أنا اللي خايفة منه. غضبك وتهورك ممكن يضيعوك في لحظة. إهدي بس واسمعني.
***
تلألأت الدموع من مقلتيها وهمست بفرح:
- بجد متعرفيش بتوحشوني قد إيه.
مسحت سارة دموعها وابتسمت:
- اضحكي، ده إنتِ لسه كلمتيني إمبارح.
- وحشتوني جداً.
عبست سارة بملامحها وهتفت:
- خلاص، إنزلي مصر.
تلعثمت ليان:
- بس أنا يادوب هكمل شهر.
رفعت سارة حاجبها باستنكار:
- لا والله. المهم طمنيني نينا واللي واكل الجو عاملين إيه؟ مرتاحة هناك؟
- تمام، نينا بتسلم عليكِ، وكويسة تمام ومرتاحة والدنيا ماشية تمام.
تنهدت سارة براحة:
- بس متنسيناش ها، حاولي تنزلي مصر علشان بجد وحشتينا. يلا بقي سلام علشان ألحق محاضرات بكرة.
أغلقت الحاسوب وتنهدت بضيق. والدها ووالدتها دائماً يخبرانها متى ستعود؟ كيف ستعود وبالكاد مضى شهر بمفردهم. هي أيضاً تشتاق لهم وبقوة ولكن كيف ستكون ردة فعله إن أخبرته أنها تريد العودة إلى موطنها. علاقتهم تحتاج إلى المزيد من الوقت وبالكاد هي تخطت العقبة الأولى من حياتها.
رنين هاتف من رقم غريب جعلها تتساءل صاحب ذلك الرقم. وضعت الهاتف على أذنها وهتفت بتساؤل:
- مرحبا؟
صوت ضجيج من الخط المقابل وصوت فتاة تهتف بصوت عالٍ بالكاد التقطت الحروف من أذنها:
- ليان، لقد اشتقت لكي. لحظة... لحظة، لا تخبريني أنك لا تعلمين من أنا.
صوتها ليس غريباً، ولكنه مميز. هتفت بابتسامة:
- علياء.
ضحكت علياء وهي تصعد السيارة:
- آليا، نعم إنها أنا. أريدك أن تعلمي أنني قد عدت إلى لندن. في الصباح سآتي للمنزل لكي أدردش معك.
رغم غرابة الأمر هتفت:
- حسناً.
أجابت علياء بمرح:
- رائع، سأقابلك غداً.
أغلقت هاتفها ووضعته جانباً. نظرت للساعة المعلقة على الحائط لتجدها الثانية عشر. لم يأتي إلى الآن!!
سحبت الشرشف وتدثرت جيداً. أغمضت جفنيها لأن غداً سيكون يوم حافل للغاية.
***
صعد إلى غرفتها، بل غرفتهم في الحقيقة. آخر مرة شعر بدفء جسدها عندما أخبرها أنه يحتاج لوقت. توقع أن ترفض أو تثور لكنها وافقت. لا يعلم إذا كانت موافقتها بعد يأس أم أنها كانت تنتظرها. فتح الغرفة بهدوء ليجد الظلام يغلف المكان. خلع حذائه وألقى سترته جانباً. فك أزرار قميصه العلوية وتوجه نحو الفراش. سينام بجوارها الليلة بضع ساعات فقط ثم سيقوم حتى لا تستيقظ هي على غفلة. لا يعلم لماذا يخشي أن تستيقظ وتراه كلص الذي يخشى أن يراه الضابط.
سحب جسدها نحوه. وضع بيديه على خصرها ودفن بوجهه في عنقها. رائحتها تجعله يشعر بالراحة والطمأنينة. هي مصدر سلام آمن لداخله. لم يكن يعلم أن صاحبة أعين البندقيتين ستجعله يشعر بتلك الراحة بعد كل تلك السنوات الماضية المؤلمة.
"دائماً هناك شخص يكسر قوانينك التي وضعتها دون أن تستطيع منعه."
ردد العبارة بابتسامة هادئة ليشدد من معانقة جسدها نحوه وهو يهتف بعبارات مطمئنة. لن ترحل... لن ترحل... لن يدعها ترحل.
***
- إنك تمزحين، لما لم تذهبي إلى تلك الحقيرة وجذبتيها من شعرها؟
صاحت بها ليلي بانفعال أمام نظرات ليان المتألمة. تأففت بضيق عندما رأت محاولة ليان الفاشلة في أن تتحكم في دموعها.
- اتركي دموعك يا فتاة، أنتي تغارين عليه إذاً لما لم تذهبي وتلتصقي به؟ لماذا هربتي؟
انهارت ليان وصورة تلك الحية لا تغادر أبداً من خيالها.
- لا أعلم، كنت أخاف بشدة. أنتي لم تريها، تلك كانت فاتنة، أما أنا كنت كـ...
- واللعنة، اصمتي.
تريثت ليلي قليلاً وهي تنظر إلى حالة ليان المتدمرة أمامها.
- أنتِ جميلة للغاية لكن ينقصك الثقة.
انهارت ليان لتمسح دموعها بكفيها كالطفلة الصغيرة.
- تقولين هكذا لتواسيني، أنت لا تعلمين كيف كانت تلك الجذابة الحقيرة بذلك الفستان.
ضربت ليلي بكفها على جبهتها هزت رأسها يائسة.
- حسناً، هذا لن ينفع.
تريثت قليلاً وقالت ببعض الأسف:
- ليان، أنا آسفة على قولها ولكنك غبية، أتعلمين لو كنت مكانك كنت اقتلعت خصلات شعرها ثم أمسكته من ذراعه وقبلته بدلاً منها.
اعترضت ليان هاتفه:
- ليلي، لم أقل أنه قبلها بل هي التي كانت قريبة من شفتيه. لا أعلم إن قبلته أم لا؟
ارتفع حاجبا ليلي باستنكار:
- معذرة، ولكن مشكلتك في القبلة فقط وليست أنها هاجمت بجسدها عليه.
تنهدت ليان وزفرت بقلة حيلة:
- حسناً، أعلن راية الاستسلام. أكره أن تقبله امرأة ولو من وجنتيها وأكره أن تحتضنه امرأة وأكره أن تقترب منه أي امرأة وأكره إن ابتسم لأي امرأة ولو بابتسامة باردة وأكره جميع العاملات معه في الشركة. هل أنتي سعيدة الآن؟
اتسعت ابتسامة ليلي بحالمية:
- إنك ذائبة به يا فتاة مثل السكر الذي يذوب في القهوة.
- أعلم، ولكن هل هذا يجعلني أفرح أم أتوتر؟
- بالطبع تفرحين، أين التوتر؟
مطت شفتيها بعبوس:
- حقاً لا أعلم.
همت ليلى بالحديث ليقاطعهم صوت ذكوري يهتف بهدوء:
- مرحبا يا فتيات.
وبصوت واحد متعجب ومستنكر قالتا:
- تيم.
جلس تيم على مقعده المخصص وهتف بابتسامة هادئة:
- يبدو أنكم لا تريدون رؤية وجهي.
نفت ليلي رأسها وهبت من مقعدها:
- كلا كلا، لقد تفاجأت قليلاً. سأذهب إلى كمال وسآتي فوراً.
تطلعت ليان إلى ليلي حتى اختفت عن مرمى بصرها. هتف تيم بابتسامة هادئة:
- كيف حالك ليان؟
- كيف حالك أنت؟
غمغم في خفوت:
- جيد نوعاً ما.
ردت باستنكار:
- نوعاً ما؟!
- نعم، كما تعلمين، أنا شبه عاطل عن العمل. حتى الآن لم تقبل أي جريدة توظيفي، وصاحب الشقة يريد أجرته وإلا سيقوم بطردي. لا أعلم كيف تلك الأشياء حدثت في ليلة وضحاها.
سترسم ابتسامة بلهاء، لا يوجد غير ذلك. تعلم أن زوجها فعل ذلك ولكن ما هو السبب؟
- سيكون كل شيء بخير.
رد بيأس:
- أتمنى ذلك حقاً.
***
عادت للمنزل لتجد الجدة وعلياء يتسامران بمرح وصوت ضحكات تنفلت من بين شفتي علياء. حمحمت بهدوء:
- مساء الخير.
صاحت الجدة:
- مساء الخير، هيا تعالي.
تقدمت نحوها وجلست على الأريكة. اتسعت ابتسامة علياء:
- جيد أنكِ أتيتِ، كنت سأذهب بعد قليل. غداً سيكون حفلة لمصممي الأزياء، وطبعاً ستكونين أنتي حاضرة.
عضت شفتيها السفلى بإحراج:
- لكن...
قاطعتها بنبرة حاسمة:
- كلا كلا، سأقوم بعمل عرض لي غداً. لن أسمح بوجود أي اعتذارات. لقد أخذت موافقة زين بصعوبة.
حثتها الجدة على الموافقة:
- اذهبي يا ليان.
ردت بتوتر:
- لكنني لن أندمج.
تعلم جيداً ما يجول في خاطر ليان. ابتسمت في حبور:
- لا تقلقي، ستحضرين عرض الأزياء وإن شعرتِ بالضجر في الاحتفال بعد العرض ارحلي.
استسلمت بيأس من محاصرة علياء التي لا تقبل الرفض:
- حسناً.
صفقت يداها بمرح:
- رائع، حسناً تجهزي، أريدك أول الحاضرين غداً خلف الكواليس.
أومأت ليان رأسها بإيجاب لتسترسل علياء:
- جيد، حسناً سأذهب أنا، إلى اللقاء.
***
"لا تقع في الحب... لأن أي شيء يقع ينكسر."
أصبحت تلك مقولتها المفضلة. ماذا فعلت بالحب وماذا أضاف لها؟ مجرد الوجع والحزن وانشطار قلبها.
عضت شفتيها السفلى بألم وهي تتطلع إلى هيئتها في المرآة. إنها عروس. تلك الليلة التي حلمت بها أن تكون مع حبيبها شهاب. ولكن أين حبيبها؟ اختفى كالزئبق. هاتفت سارة لتكون الوحيدة من تساندها وتدعمها في حالتها. ولسانها يردد دائماً: سامحك الله أبي، تريدني أن أتزوج بذلك السمج مروان!
اقتحمت سارة خلوتها وهتفت:
- يلا يا عروسة، المأذون جاه.
غمغمت بانزعاج وهي ترى اللامبالاة على وجه سارة:
- سارة، أنا مش عارفة إنتِ جايبة كل البرود ده من فين.
مطت سارة شفتيها بعبوس:
- يعني أنا أصوت وأعمل عزا ولا إيه؟
أوصدت عيناها بألم. لا مجال للتراجع الآن، ستتزوجه.
- شهاب عرف؟
بللت سارة شفتيها بتوتر، وهي ترى نظرة الأمل في أعين ندى.
- الصراحة، أه.
سمعت صوت والدها وهو يأمرها بالخروج. تحجرت الدموع عند مقلتيها. شعرت بيد سارة التي تطمئنها. سارت بجوار سارة بخطوات بطيئة إليهم. في كل خطوة تخطوها تشعر أن روحها تنسحب من جسدها.
***
حفلة كأي حفلة مملة، لكن المختلف أن عدسات الصحفيين تلتقط الصور في كل ثانية. عارضات أزياء ممشوقات القوام، مصممين عالميين يتحدثون أمام أعين العدسات بابتسامة متكلفة. كان زين محقاً لعدم موافقته للذهاب إلى تلك النوع من الحفلات. على الرغم أن كل تلك الحفلات كئيبة، لكن تلك شعرت أنها على وشك الاختناق. وستفعل مثل كل مرة، تبتعد عن أعين الجميع وتراقب زوجها عن كثب.
سمعت صوت خطوات كعب عالٍ يتوجه نحوها، ورائحة عطر أنثوي صارخ وصل إلى أنفها. استدارت بجسدها لتقابل امرأة أقل ما يقال أنها خرجت من إحدى الصحف الخاصة بالموضة. دققت النظر إليها قليلاً، ذلك الوجه لم يغب عنها. أين رأتها؟ أي حفلة رأتها؟
اتسعت عيناها دهشة. إنها تلك الحقيرة صاحبة الفستان الناري. هل تسحبها من شعرها كما قالت ليلي؟
- انظري جيداً يا عزيزتي، أين أنتِ وأين هو. يجب عليكِ معرفة الفارق بينكما جيداً.
بهتت للحظات وهي تستمع إلى تلك الشقراء الفاتنة وهما منزويان بعيداً عن الأشخاص. استرسلت الشقراء بسخرية:
- أنا حقاً لا أعلم كيف بعد مرور كل ذلك الوقت لم يتركك مثلما يفعل مع باقي النساء.
امتنعت عن الرد، لتنظر الشقراء إلى تلك الساكنة المتجمدة أمامها متنهدة بحزن:
- لا أريد أن أحطم آمالك يا عزيزتي، ولكن هذا هو زين الحديدي. لا تستطيع أي امرأة الصمود أمام كتلة الوسامة والجاذبية. لديه طرقه الخاصة ليجعلك أنتِ تتمنين أن تصبحي بفراشه وليس هو.
اتسعت حدقتي ليان بصدمة. ضحكت ليان بسخرية:
- رائع حقاً، كل يوم أكتشف به صفة جديدة تجعلني أصاب بالدهشة.
غمغمت الشقراء:
- هذا هو زين الحديدي عزيزتي. ولكن كون أنه ظل معك تلك الفترة الطويلة يوجد احتمالين فقط.
تطلعت ليان للشقراء وهي تحثها على متابعة الحديث لتسترسل الشقراء بسخرية:
- إما إنه لم ينم معك وهذا احتمال مؤكد بنسبة تسعون بالمائة، أو أنه قرر أن يمضي حياته معك وهذا احتمال ضعيف جداً. لأن زين لا يوجد في قاموسه الحب أبداً. لذلك لا تنخدعي إذا عاملك بلطف.
الوقحة... تلك الحقيرة كيف تجرؤ وتتحدث معها هكذا؟ إنها تتحدث معها بأريحية عن ذلك الموضوع المخجل وهي المسكينة كلما تتذكر قبلاته تخجل وتبدأ وجنتيها بالاحمرار.
جزت على أسنانها بغيظ لتلك الوقحة أمامها:
- كفى، لا أريد أن أستمع لهرائك أيتها الوقحة.
ضحكت الشقراء باستمتاع وهي تنظر إلى تورد وجنتين ليان:
- أووه عزيزتي، إنك خجلة من حديثي هذا؟ لقد تأكدت فعلاً أنه لم ينم معك.
- قلت توقفي.
ابتسمت الشقراء بمراوغة:
- حسناً حسناً، سأتوقف. ولكن تذكري شيئاً واحداً، لا تكوني حمقاء إن جال بعقلك الأخرق ذلك أن تهربي منه أو مثلاً تمنعيه من أخذ حقوقه الزوجية. لأنه بلا شك سيأخذها منك يا عزيزتي وأيضاً ستكونين مستمتعة بين ذراعيه الدافئتين. زين يستطيع فعل ذلك بسهولة.
حقاً يكفي هكذا. الحقيرة ما زالت تتحدث معها بأريحية نحو موضوع تخجل حتى أن تفكر به وبكل وقاحة تقول بطريقة غير مباشرة أنها نامت معه في الفراش، ليست هي وحدها بل العديد من النساء أيضاً.
وبدون أي مقدمات تحركت من مكانها فوراً واتجهت نحوه بنظرات متوعدة له.
سارت بقدمين تقسم أنها ينفث عنها النيران. وجدته يحادث أحداً ويبدو أنهما مشغولان بسبب عدم ملاحظتهم لوجودها. قاطعت حديثهما بجمود وبابتسامة دبلوماسية:
- عذراً سيدي، لمقاطعتك ولكنني أريد أن أتحدث مع زوجي لدقيقتين.
ابتسم الرجل وهو يومئ رأسه ثم تحرك بهدوء مبتعداً عنهم.
رفع أحد حاجبيه بتساؤل. مطت شفتيها بعبوس:
- لقد مللت من تلك الحفلة السخيفة، أريد العودة إلى المنزل. الآن.
توقعت أن يرفض ويطلب منها الانتظار قليلاً. بل حدث العكس تماماً، في دقيقتين وجدت نفسها في السيارة والسائق يقود متحركاً نحو المنزل.
ظل حديث الشقراء يدور في ذهنها بطريقة لم تستوعبها لتسقط دموعها بأريحية بعد أن حمدت ربها أنها لم تبك أمام تلك الحقيرة. تمتمت بسخط:
- أنا فعلاً غبية.
- ماذا قلتي؟
تطلعت إليه بغضب وهتفت باشمئزاز غير واعية أنها تتحدث بالعربية:
- أنا إزاي كنت عمياء للدرجة دي.
أمسكها زين من ذراعها وصاح بجمود:
- اهدئي وعودي إلى رشدك واخبريني ما الذي حدث لكِ؟
أشاحت بكفيه عنها وبنبرة مشمئزة قالت:
- أنا لم أعد أتحملك يا زين، ابتعد يداك النجسة عني.
نظر لها بذهول وهي تعيد تهذي بكلمات عربية لم يفهمها. صاح بصرامة:
- كُفى عن هذيانك هذا! واحمدي ربك أنني مررت ما فعلتيه ذلك اليوم.
- أنا لست أهذي، وثم لماذا طردت ذاك الشاب؟ لقد أصبح متسولاً في الشوارع لا مأوى لديه ولا عمل، وكل ذلك بسبب سطوتك.
أظلمت عيناه. أما زالت تتحدث معه بعد ما حدث؟ نار داخلية جعلته يلتهم. أمسك فكها بقسوة:
- وما زلتِ تقابلين ذلك اللعين! كيف أتتك الجرأة للتحدث معه مرة أخرى بعد ما فعلتيه؟
لقد قلب الطاولة ببساطة وبسرعة لم تستوعبها. إنه على وشك أن يتهمها!!
- أنت تعلم جيداً السبب، كما أنني لست عاهرة لكي أقوم بتلك الأشياء المشينة وأنا لم أقم بعمل شيء مشين لأعاقب عليه.
ثم تابعت بسخرية غير مبالية لآلامها:
- بل أنت يجب عليك أن تخجل من نفسك عما تفعله. تلك الوقحة تخبرني بإنجازاتك العظيمة مع النساء. إنها حتى لا تخجل من نفسها وهي تتحدث بكل ثقة أنها نامت بجوارك.
ازدادت شهقات بكائها لتضربه بكف يديها على صدره بقوة جعله يترك فكها ويتراجع للخلف قليلاً.
- أنا أكرهك بشدة يا زين، أكرهك بشدة، لا أريدك في حياتي أبداً.
أمسك كفيها بيد واحدة وصاح بانفعال:
- توقفي عن هرائك الآن، إننا لسنا في المنزل.
- لا يهمني أين نحن. أنا لا أطيق وجودك بجانبي.
ثم استرسلت بحسم:
- طلقني.
كتمت شهقتها وهي تضع كفها على شفتيها. لم تريد أن تنطق بذلك. كيف أخبرته أنها تكره؟ كيف فعلتها تخبره أنها تكره ولا تريد رؤيته مرة أخرى ولا تطيق رؤيته في حياتها؟
تلك المخادعة الحقيرة لقد جعلتها تنطق بما لا تريده. هل حقاً قالت طلاق؟ تريد الانفصال عنه وقد بدأت الحياة بينهما تسير بشكل شبه طبيعي؟
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيليا البحيري
"وما أسوأ الندم على أشياء لم نفعلها، وكلمات لم نقلها لأحباب فرّقتنا عنهم الحياة، أو الموت.
"
التمعت عيناها بالدموع وأخفضت برأسها للأسفل.
- زين أنا آسفه. أنا لم أقصد.
قالتها بأسف شديد.
إبتسم بسخرية وهو يشيح ببصره نحو النافذة.
- وإن قصدتي.
سحقت شفتيها بألم. كلماته كالخنجر الذي طعن قلبها. هي التي سببت له ذلك الألم. تود لو أن لسانها قد إبتلع وإلا ما نطقت بتلك الكلمات.
- سيدي إلي أين سنذهب؟
قالها السائق بتوتر وهو يراقب الجو المشحون. لم يغلق السيد النافذة الفاصلة بينهما مثل كل مرة. إستمع إلي كل كلمة وكل حرف وهو يتخذ موضع الصمت.
رفع زين ببصره إلي السائق وهتف بجمود.
- إخرج من السيارة. أنا سأقود ولا تجعل احد يتبعني.
- ولكن سيدي.
- إخرج.
صاح بنبرة آمره غاضبة جعلتها تترتعش من مجلسها. أطلقت العنان لدموعها الحبيسة. وضعت كفها على شفتيها وهي تراقب نظرات السائق المذعورة.
فر السائق من مقعده ليترجل من السيارة ويتوجه نحو المقود.
التفت برأسه للخلف ونظر للتي انكمشت حول نفسها.
- أنتِ.
رفعت ببصرها نحوه. تحولت عيناه للسواد. يا إلهي ما الذي فعلته؟!
أشار بعينيه نحو المقعد المجاور. أذعنت لطلبه علي الفور وتجلس بجواره.
كان يقود بسرعة عالية. صوت سيارته تشق الأجواء الساكنة حولها. لن تكذب. لن تتصنّع اللامبالاة.
إنها خائفة عليه. كانت من المفترض أن ترفض وهو بتلك الحالة. أغمضت جفنيها وهي تتلو ببعض الأدعية أن يكون بخير. ألا يحدث شيء له ولا لها.
فتحت جفنيها عندما سمعت صوت مكابح السيارة التي أصدرت صريراً عالي للأرض.
حمدت ربها أنها إرتدت حزام الأمان وإلا لتحطمت رأسها.
نظرت للمكان حولها بريبة. كل شيء مظلم. لا يوجد بصيص للنور سوى مصابيح سيارته الأمامية التي شقت عتمة الظلام.
- إنزلي.
هتفت بتوتر وقلبها ينبض بالهلع. هل سيتركها هنا في ذلك المكان؟! كلا لن يفعلها.
- زين أنا.
قاطعها بخشونة وهو يضرب على المقود بنفاذ صبر.
- واللعنة قلت انزلي.
بلعت كلماتها في جوفها لتترجل من السيارة بيأس. ترجل هو الأخر وتقدم أمام سيارته ليتكئ بجزعه العلوي وعيناه تحدقان نحو الفراغ.
صوت أنفاسهما المضطربة هو الشيء الوحيد الذي شق ذلك السكون.
تقدمت نحوه كالطفل الصغير الذي ينتظر عقاب والداه.
قرر قطع السكون وهو يهتف بجمود وعيناه ما زالت تحدقان نحو الفراغ.
- أتعلمين وضعتي في داخلي مقدار ذرة أمل حتى أفتح لكِ جوارحي في الوقت المناسب. ولكنك متعجلة. وحقا أظن قد حان الوقت.
أسرعت بوضع اصبعها على شفتيه وهمست بألم.
- زين من فضلك.
أشاح بأصبعها بعيداً، وأراح بذراعيه على مقدمة السيارة.
- زين أم زياد ليس هناك فرق. أنا شخص واحد. أخبرت المقربين مني أن ينادوني بذلك الأسم لأنه يجعلني أشعر بالقوة.
دي علمني الكثير في تلك الحياة حتي برغم كوني صغيراً والكثير من الأشياء لم أفهمها، إلا إنني استوعبتها عندما كبرت.
تريث قليلا وهو يزفر بحنق. إسترسل وهو ينظر إلي ملامحها المتألمة.
- هل تعلمين ذلك البيت في القاهرة أقسمت أنه لن تطئه أي إمرأة سوي زوجتي. هل تعلمين لماذا؟ لأنني أخبرت والداي عندما كنت صغير أن الفتاه التي تستحق أن تكون لي هي الوحيدة التي لها الأحقية بدخول المنزل. زواجنا كان غريب أعلم. لم أكن أريد منك الذهاب ونعم كانت خطة مني. لكنني فعلتها علي يأس من أن ترحلي وتبتعدي عني.
جذبها فجأه نحو صدره ضم جسدها بقوه من خصرها لتلتهم شفتيها وهي تحاول منع صدور أي شهقة مؤلمة. ستتحمله. ستتحمل غضبه. ستتحمل كل شيء إلا البعد والفراق. وتيرة أنفاسها تسارعت عندما لمس وجنتيها.
إرتفعت معدل الحمرة في وجنتيها. عندما بدأت يداه تكتشف منحنيات جسدها.
- هل تعلمين لما ابتعدت كلما اقترب منكي. كل شيئ في جسدي يطالبك بأن تكوني زوجتي. لكنني تحملت وبذلت مجهودا شاقا حتى آتي لكِ بصورة مشرفة لأستحقك ياليان.
دفن بوجهه نحو عنقها وإستنشق عبق رائحتها الذي أرسل إلي خلايا جسده الراحة.
همس بخشونة.
- لأنك وردة لا أريد تلويثك. حياتي ماضي القديم الأسود لا أريده أن يدمر حاضري ومستقبلي معك.
احتضنته بقوه وهي تكبل بذراعيها نحو عنقه.
- زين أنا نادمة حقاً على ما تفوهت به.
رد بجمود وانامله لم ترحم جسدها ولو لثانية. اصطبغ وجهها باللون الأحمر القاني لما يفعله لها وجسدها الذي يستجيب لكل لمسة منه.
- أتعلمين يقولون أن الأنسان في حالة غضبه يقول بالحقيقة التي يخفيها بين طياته.
انقشعت تلك الغمامة الوردية. لتهوي على أرض الواقع المؤلم.
نفت برأسها وهمست بصوت مستعطف.
- زين.
قاطعها بوضع اصبعه على شفتيها وهتف بألم.
- آسف. لقد جعلتك توقفي حياتك لأجل رجل لا يستحقك و يخشى الأعتراف بما يجيش في صدره.
لا تعلم كم مرة عليها أن تستعطفه. كلماته تدمرها. تؤلمها. تعلم أنها المخطئة. لكن يعطيها فرصة واحدة. فرصة واحدة فقط لتصلح تلك الأشياء المدمرة.
- من فضلك كلامك يؤلمني.
- ولكن ليس مثل قلبي المتألم ليان.
طالع إلي شفتيها برغبة. تلك المرة لن يتنازل وإن كانت قبلتهم الأخيرة. سينساق إلى رغبته. لن يسرق شفتيها مثل المرة السابقة. ولن يسرقها وهو ثمل. سيسرقها وهو واعٍ.
إلتقط شفتيها بين شفتيه ليسرق أنفاسها بداخله. بعثرها ولملمها في لحظات.
أصبحت بين يديه كمعزوفة هادئة يُتقنها.
لأول مرة تجردت من خجلها. ستبوح بالكثير ما لا تستطيع لسانها قوله.
لفت ذراعيها حول عنقه وهي تطالب بالمزيد. تخبره أنها تريده كما هو يريدها.
لن تهتم بماضيه. حاضرها ومستقبلها أصبح ملكه هو.
تهدجت أنفاسها مع أنفاسه.
أخرجت مشاعرها كالبركان الهائج. التقطه بين يداه.
أخذا أنفاسا طويلة وكأنهما في سباق للعدو.
- أخبريني كيف تشعري بقبلتي؟
اقشعر جسدها عندما سمعت صوت سحاب فستانها. ما الذي يفعله؟ هل هذا هو وقت والمكان المناسب لما سيفعله؟
- زين.
عاد سؤاله للمرة الثانية. ولكن نبرته الحازمة كانت تريد جواباً.
- واللعنة قولي لي كيف تشعرين بقبلتي.
لا تعلم كيف نطقتها. كيف تخلت عن ذلك الخجل والحياء الذي يزينها.
- جسدي كان يرتجف وشفتاي ترغب بالمزيد.
أغمضت جفنيها وتقوس ظهرها عندما لامس أنامله ظهرها العاري.
دنا نحو أذنها وهمس بخشونة.
- أتعلمين أنا أشعر بقدر ثلاث أضعاف شعورك. لكنني كنت أكبت ذلك الصوت الذي يخبرني بأن أمتلكك. لكنني تأخرت.
تنهد بحرارة. ليغلق سحاب فستانها مرة أخرى.
سمع همسها.
- زين من فضلك اسمعني.
- تقولين ماذا يا ليان. لقد قلتي ما بداخلك.
صمت لعدة لحظات. ليحيط بوجهها بين كفيه ولفح أنفاسه أمام صفحات وجهها.
- انا اسف ليان.
سحبت ياقتي قميصه نحوها مزمجرة بغضب.
- لن ترحل. لن تبتعد عني. هل هذا ما تفعله الهروب؟
صدقني لن أسمح لك بالابتعاد عني. أبداً.
التمعت عيناها بالدموع وبدأت بالنواح كالطفلة الصغيرة التي تنشد بعودة والدتها.
- كنت يائسة مدمرة. أتعلم الصمت هو أصعب عقاب فعلته لي. هناك الكثير من الهواجس التي اقتحمت عقلي. إعذرني حقا علي كل كلمة قلتها. كنت أشعر بك عندما تحتضنني وتنسحب قبل استيقاظي. وحديثي عن تيم كان.
قاطع حديثها صائحاً بقسوة.
- هل ما زلتي تنطقين بأسمه؟
ردت برجاء.
- أرجوك دعنا ننهي ذلك الأمر الآن قبل غداً.
غمغم بعنف.
- انتي لا تعلمين ذلك الحقير.
- لقد كنت أدافع عنه بدافع الإنسانية ليس أكثر.
غبية. نعم غبية تلك الفتاة.
زفر بحنق.
- ليان لا تتفوهي بأي حماقة.
- زين إنظر إلي عيناي. لا يوجد رجل غيرك يملأ حياتي حتى برغم صمودك وبرودك.
أبعد بكفها عنه وصاح بجمود وهو يشير نحو السيارة.
- هيا ليان لقد تأخر الوقت.
تنهدت بيأس. لا يوجد شيء ستقوله بعد الآن. نفذت كلماتها وانتهت حروفها. ابتلعت غصة مريرة في حلقها.
جرت بأذيال الخيبة ورائها. لتصعد السيارة معه. ستتركه الآن يأخذ وقته وستعود مرة آخري تتحدث معه. لم ينتهي حديثهم بعد. لن تتركه يأخذ قراره بمفرده.
.............................................
نظرت إلي السمج مروان بابتسامة مقتضبة. هزت ساقيها بتوتر وهي لم تسمع إلي آي شيء مما قاله المأذون.
ذلك الشهاب حتماً إن رأته ستقتله بيديها. كلا أولاً ستحتضنه ثم تضربه وأخيراً تقتله.
لاقت إستحسناها تلك الفكرة. لكن ليأتي أولاً.
رنين جرس متواصل مُلح جعلتها تنظر برهبة إلي سارة.
ربتت سارة علي ظهرها وهتفت.
- انا هروح افتح.
هل آتي؟ هل تحققت أمنيتها فجأه؟ هل سمعتها جنية الأمنيات؟
نظرت إلي باب الصالون بترقب منتظرة الطارق. لما تأخرت سارة كل ذلك الوقت؟
أخفضت برأسها للأسفل وهي تفرك يداها بتوتر. لا لن يأتي. كان يستطيع أن يأتي قبل ذلك.
- مساء الخير يا عمي. أنا آسف بس ندي مش هتتجوز غيري.
لتلت أساريرها عندما علمت صاحب ذلك الصوت. رفعت ببصرها نحوه وهي ترسل رسالة عتاب له.
طمئنها بنظراته يخبرها أنها له. لن تصبح غيره.
قام مروان من مجلسه وغمز بعينيه لشهاب.
- طب أستأذن أنا وألف مبروك يا عريس.
طلعت ندي لوالدها بتعجب ليقابلها غموض من الأخر. نقلت بصرها إلى سارة التي نفت برأسها عدة مرات. هل تلك مزحة أم خدعة من والداها؟
- نعم أنا مش فاهمة حاجة.
قالتها بتعجب وهي ترمق والداها بنظرات متفحصة. ليجيب مروان بشقاوة.
- لا ديه قصه طويلة جداً هيقولها سيادة اللواء.
غمغم أيمن بخشونة.
- إقعد يا ولد إنت رايح فين أومال مين هيشهد علي العقد؟
رفع مروان يديه باستسلام ورد بمزاح.
- آسف يا سيادة اللواء أنا هطير علي الشغل علطول.
كان الحديث دائر بين مروان وأيمن والباقي اتخذ دور المشاهد. وأول من قرر التحدث هو المأذون الذي تنهد بيأس.
- يا جماعة ورايا عقد قران غيركم بعد ساعة. مين العريس؟
صدح أيمن بثقة وهو يرفع إحدى رجليه على الأخري.
- إبدأ يا مولانا. العريس شهاب عز الدين.
..........................................
عند عودتها أصبح الجو مغيم. لا تعلم كيف انقلب حال الطقس في غضون ساعات. أسندت بجذعها العلوي على الشرفة.
خطف نظرها نور قوي مفاجئ في السماء. تلاها صوت الرعد.
الذي جعلها ترتعد من صوته القوي. تأملت السماء لتجد السحب تشابكت مع بعضها جعل ضوء القمر يختفي. انهمر المطر على زجاج مصاحباً البرق.
ارتعش جسدها من صوت الرعد الذي كان أقوى من المرة السابقة. احفظه لي يا الله.
تمتمت بدعاء لذلك الذي غضب وامتنع عن دخول المنزل وأيضا أغلق هاتفه حتى لا تستطيع الوصول إليه. تعلل بوجود بعض الأعمال العالقة. همست بسخرية "لا يريد أن يرى وجهك".
حتى الآن لا تصدق ما قالته له. أين كان عقلها قبل أن تتفوه بتلك الكلمات المخجلة.
صوت رقع أقدام تأتي على مسافة بعيدة استرعت انتباهها. هل آتي؟
تسارعت بالخروج من غرفتها للتوجه نحو ذلك الصوت.
تهللت أساريرها عندما وجدته أمامها. هتفت بلوع.
- زين أنت بخير؟
ركضت نحوه غير عابئة إن كان سيحتضنها أم لا. ارتد للخلف عدة خطوات أثر جسدها المندفع نحوه تحت نظراته المتعجبة.
- هل زلتي مستيقظة لذلك الوقت؟ إنها الآن الثالثة صباحاً.
طبعت عدة قبلات هادئة على وجنتيه. كالأم التي إشتاقت لرؤية ابنها بعد شهور طويلة من الفراق.
- حمدلله أنك بخير.
ابتلع ريقه بتوتر. تلك القبلات بمثابة شعلة لن تخمد. تأججت مشاعر ما بداخله. همس بخشونة.
- ليان.
لاحظت تشنج عضلات جسده. إبتعدت عنه بألم.
- أرجوك لا تفعلها مجددا ابدا. لا تترك المنزل وأنت غاضب. لا تقود السيارة وأنت غاضب ولا تغلق هاتفك. أرجوك من فضلك. لا تعلم مع تلك الأجواء في الخارج راودتني أشياء سيئة للغاية.
حاوط وجهها بين كفيه وهمس بطمأنينة.
- إهدأي.
اللمعت بندقيتها بألم ورغم أنه أمامها لكن بدأت نوبتها في البكاء.
- لا تفعلها زين أرجوك. إن كنت تريد معاقبتي أفعلها. لكن أبدا ليست بتلك الطريقة.
اعتصر جسدها بين ذراعيه. كان جسدها ينتفض بين الحين والآخر.
- حسنا اهدئي اهدئي أنا أمامك بخير.
حملها بين ذراعيه وتوجه بها نحو غرفتهم.
لفت ذراعيها نحو عنقه ودست برأسها علي صدره براحة.
وضعها علي الفراش ولكن يديها أبت أن تبتعد. أزاح ذراعيها ببطء ودثرها بالفراش جيداً. وتوجه نحو الخارج.
.............................................
أمسك بكلتا كفيها وتنهد براحة.
- مبروك عليا يا مراتي.
توردت وجنتيها عندما طبع قبلة علي كفيها. لا تصدق أنها زوجته. بل كلاهما لم يصدقان أنهما أصبحا زوجين.
عبست ملامحها لتزيح بكفيها عن خاصته وصاحت بحنق.
- لأ. إستني بس الأول أنا مأخدتش حقي منك.
رفع حاجبه باستنكار وهو يراها تتخذ موضع الهجوم. أحاط بجسدها بذراعيه وهمس بخشونة.
- ورايا حاجات أهم من كده.
اقشعر جسدها وازدادت وتيرة أنفاسها في العلو والهبوط.
ردت بعبوس.
- لا يا سيادة المقدم الأول لازم تدفع تمن.
ضمت كفها وضربته علي صدره بقوه. أطلق تأوه خفيض ليمسك كفها وصاح بدهشة.
- إيدك يا مفترية.
- تستاهل.
رفع حاجبه وتمتم بمكر.
- طيب خليكي عارفة إنتي اللي بدأتي.
ردت ببساطة وهي تعقد ذراعيها على صدرها.
- ولا يهز فيا شعره.
انفلتت منه عدة ضحكات وغمز بإحدى عيناه بشقاوة.
- يا واد يا جامد بس متقلبيش بقي زي الكتكوت المبلول بعد شوية.
بللت شفتيها بتوتر وهي تراه يتقدم نحوها كالفهد الذي سينقض على فريسته. حاولت إخراج صوتها واثق لكنه خرج مهزوز بعض الشيء.
- ايه هتعمل ايه؟
ضم خصرها نحوه ومال على أذنها هامساً بنعومة.
- حاجه كان نفسي أعملها لما كشفنا البواب.
عضت شفتيها السفلى بإحراج.
- شهاب اهدي كده بابا بره.
قاطعها بخشونة وغرس بأنامله على خصرها بتملك.
- وإنتِ مراتي.
وزع قبلاته المتناثرة علي عنقها وجهها وأي مكان تصل إليه شفتيه. تأوهت بضعف.
- شهاب.
اللعنة ما كان يجب عليه فعلها الآن. زفر انفاسه الحارة علي عنقها ورد بخشونة.
- عيونه.
جاهدت في إخراج حروفها جيداً وهي تنظر إلي الباب مغلق عليهم.
- شهاب بجد بابا بره وومكن سارة تدخل في أي لحظة.
زمجر بخشونة.
- اهدي بقي مكنتش بوسة.
إلتقط شفتيها بوحشية والتهمها التهاما. لم تعد تقاومه فقد شل حركتها وأجبرها على فقد السيطرة والتحكم. انهارت دفاعاتها في وحشية قبلاته واستسلمت باحتياج وحب وشوق لم تخفيهم فلم تعد عندها مقدرة. أبعد شفتيه ليتحدث بهمس يقطر رغبة.
- بحبك.
التقطت أنفاسها بصعوبة وهمست بدون وعي.
- وأنا كمان.
هم بأن يعود أن يلتقط شفتيها مرة آخري. ما زال يريدها الآن أضعافاً. إبتعدت عنه بخجل وارتباك عندما إستمعا الى صوت سارة.
- يا نهار أسود اللي بتعمله ده يا شهاب قلة الادب ديه بتحصل في بيت اللواء.
سحب ندي مرة أخري إلي ذراعيه. خبأت برأسها في صدره وهي بقدر الإمكان تبتعد عن نظرات سارة الثاقبة.
- ســارة.
صاح بها شهاب بغضب وهو يلهث بصعوبة. توردت وجنتي سارة من الخجل رغم محاولاتها عدة مرات أن تظهر كالجماد. حمحمت بجدية.
- سيادة اللواء عايزك بره.
فرت هاربة من الغرفة. ليتمتم شهاب بسخط.
- هادمة اللذات.
...............................................
- رائع جميعكم مجتمعون. لمن النميمة اليوم؟
صاحت بها ليان بابتسامة عابثة وهي تجلس علي مقعدها. فنادراً ما تجتمع الفتيات معاً.
ردت جاسمين بحماس.
- قرر تيم أن يفتتح متجر ولكن ينقصنا بعض المال. لذلك كل واحد منا سيساعده.
تيـم هو سبب مشاكلها مع زوجها. يصبح زوجها كالطوفان بمجرد أن يسمع اسمه.
إزدر ريقها بتوتر وهمست.
- رائع.
صفقت ليلي يدها لتجذب انتباه الجميع.
- حسنا يا فتيات تبقي المكان فقط.
ردت ليان ببساطة.
- لقد رأيت متجر معروض للبيع على بعد شارعين.
وضعت جاسمين بقلمها على الطاولة.
- تقصدين متجر إدوراد. كلا هذا الرجل بغيض للغاية.
قامت ليان من مجلسها وهتفت بحماس زائف.
- حسناً يا فتيات عمل موفق لكم. يوجد لدي موعد.
صاحت سلمى متسائلة.
- إلى أين؟
- سنذهب أنا وعلياء للتسوق.
غمزت ليلى وبنبرة خفيضة قالت.
- لا تنسي تلك الثياب المثيرة لزوجك.
إلتقطت بعلبة المناديل وقذفتها على وجه ليلى متمتمه بحنق.
- وقحة.
ضحكت الفتيات بمرح لتضرب ليان بقدمها علي الأرض وتخرج من المقهي لتصعد للسيارة وتأمر السائق أن يتوجه إلي إحدي المتاجر.
....................................
- يا فتاة أين جئتي بكل تلك الصحة؟
قالتها ليان وهي ترتمي علي فراشها بوهن.
- لا أشعر برجلي سامحك الله يا علياء.
جلست علياء بجوارها وتمتمت ببساطة.
- لقد ذهبنا فقط إلي سبع متاجر.
تأوهت بضعف وهي تشعر بتحطم عظامها.
- ده انتى مفترية.
لم تفهم علياء ما قالته بالعربية لكن خمنت أنها تسبها. سحبتها علياء من ذراعها وهتفت بحماس.
- هيا هيا قومي وإتدري ذلك الفستان الأبيض الذي اخترته لك.
ترددت قليلاً.
- لكنه قصير وأنا.
قاطعتها علياء صائحة وهي تخرج الفستان من الحقيبة البلاستيكية وتضعه على فخذ ليان.
- هل قلت لكِ أنكِ سترتدينه في الخارج. إنه لمناسبة خاصة لكِ ولزوجك.
ختمت عباراتها بغمزة. احتقن وجهها من الخجل والحنق.
- هل أنتِ وليلي قد إجتمعتما عليّ؟
- قومي هيا يوجد لدي جلسة تصوير بعد ثلاث ساعات.
ضربت ليان على الأرض بحنق وهي تمتم بعبارات حانقة لتغلق باب المرحاض بقوة جعلت علياء تضحك بقوة على تذمرها.
الثواني تبعتها الدقائق وما زالت ليان في الداخل. هزت برجليها بتعجيل وبين الحين والآخر تعلق بصرها نحو باب المرحاض.
هبت علياء من على الفراش وصاحت بأنبهار وهي تتطلع إلى هيئة ليان التي تبدو غير مألوفة عليها.
- تبدين فاتنة.
تقدمت نحو المرآه وظلت تتفحص الفستان بغير رضي.
- لا تبالغي لست جميلة يا علياء.
- زياد.
لم تكن تنتظر ذلك الرد من علياء. تعلقت ببصرها نحو باب الغرفة لتجده أمامها. عيناه لامعتان رغم تخشب جسده.
إلتقطت علياء حقيبتها وهمست.
- جدتي تحتاجني سأذهب.
سمع صوت غلق الباب خلفهم ليتقدم نحوها عدة خطوات مدروسة. جال ببصره نحو المكان لتسارع هي.
- آسفه على منظر الغرفة الفوضوي. دقيقتان فقط و أرتب الغرفة.
سارع بأمساك عضدها وجذبها نحوه لترتطم بصدره العريض. إرتفع معدل نبضات قلبها صاحبها إرتعاشة لذيذة عندما وضع ذراعه على خصرها.
اختلطت انفاسهم. أغمضت جفنيها بأستمتاع من تلك اللحظة التي ربما لن تتكرر في الأيام القادمة.
فتحت جفنيها ببطء عندما شعرت أنامله تمتد إلي سحاب فستانها.
كان في طريقه إلى غرفة جدته تشنج جسده عندما رأي هيئتها تلك المتفجرة الأنوثة. تأججت أنفاسه ببطء وهو يراقب منحيات جسدها الغض الذي أبرزه الفستان بصدر رحب.
كان يسير كالمسحور نحوها. خصلات شعرها الغجرية كان لها دور هام في بعثرته. إنفجرت براكين في داخله لن تخمد أبداً إلا بطريقة واحدة.
- زيـــن.
تأوهت بصوت خافت وهي مثل كل مرة دائما تنطق بأسمه في لحظات خاطئة. لن تتعلم أبداً.
ألا تنطق إسمه بتلك الإثارة أبداً.
رواية زوجتي الشرقية الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيليا البحيري
توقفت حركة عقارب الساعة، توقف الزمن لعدة لحظات، ليظلّا يتأملان بعضهما بعيون مشتاقة شغوفة.
لم ترمش عيناها ولو لثانية، تريد أن تشبع عينيها وهي تتأمل ملامحه الجذابة بعشق.
ابتعدت عنه ببطء وهي تزيح ذراعه المثبتة خلف ظهرها، لتنحني نحو الأرض وهي تلتقط الأكياس الملقاة بإهمال على الأرض والباقي على الفراش.
انتهت بوضعهم في الخزانة لتلتفت نحوه، لتجده ما زال متخشبًا في مكانه، فقط حدقتا عينيه تتحركان بجرأة على فستانها.
ازدرقت ريقها بتوتر، وهي ترى تحول حدقتي عينيه إلى لون داكن.
وأخيرًا وجدته يتحرك، لكن مهلًا! لما يتقدم نحوها؟ هل ستظل ثابتة في مكانها أم تتراجع؟
قدماها خانتاها، بدلاً من الثبات، ارتدت للخلف. كل خطوة يخطوها نحوها ترجع للخلف بخطوات متعثرة، حتى اصطدم جسدها بالخزانة. وقبل أي محاولة للابتعاد، وجدته يحاصرها وهو يسند بكلتا ذراعيه على جانبي جسدها.
لاحظت ابتسامة هادئة تعتلي ثغره، وعيناه قد انزاح لونها الداكن لتعود إلى حالتها الطبيعية.
اصطدم بجسده عن عمد نحو جسدها، المسافة تلاشت كليًا، يوجد إنشات قصيرة تفصل بين رأسيهما.
تسلل دفء جسده إلى جسدها، صاحبته تلك الارتعاشة اللذيذة. تعلم حالتها التي يرثى عليها في كل مرة يقترب منها بحميمية.
"ماذا؟"
حمدت ربها عندما أخرجت من جوفها عدة حروف متشابكة.
"جسدك."
رد بهدوء وهو يشدد على كل حرف. باتت تتنفس أنفاسه الهادرة على صفحات وجهها.
"نعم؟"
"جسدك يحجب عني فتح الخزانة."
توقفت تلك المعزوفة الهادئة التي تتطرب أذنها ويرقص قلبها باستمتاع ونشوة، ليخرج صوت نشاز حاد.
امتعضت ملامحها وهتفت بابتسامة صفراء تزين ثغرها.
"آسفة."
جسده لم يتحرك مقدار إنش، انتظرته أن يبتعد لكنه أبى ورفض الانصياع.
رفعت حاجبها بتعجب وقررت استعمال نفس كلمته.
"جسدك."
"ما به؟"
"أظن أنك ملتصق بي بعض الشيء."
نفخت وجنتيها بضيق زائف، لتتسع عيناها دهشة من رده.
"بل كليًا عزيزتي."
كانت مخطئة، إنه لم يكن يوجد مساحة فاصلة بينهما، بل كان يوجد إنشات بينهم.
شفاههم على وشك أن تتحد معًا، لكنه قرر التمنع عن فعلها. لمس بأنامله على وجنتيها ثم إلى كفها العاري، نهاية إلى خصرها.
أغمضت جفنيها وهي تشعر بقشعريرة تدب كامل جسدها. يلعب على أوتار أعصابها جيدًا، خبير جدًا في جعلها تنسى من هي؟ وأين؟ وما الذي كانت ستفعله؟ تشعر بفقد ذاكرة مؤقت، نعم هذا هو الذي يفعله لها.
غمغم بخشونة وهو يداعب بأنامله على عنقها.
"ما الذي تحاولين إرساله لي بذلك الثوب؟"
ما زالت مغلقة جفنيها وهي ترد بتلعثم.
"كنت أجربه فقط."
رفع بصره من عنقها إلى جفنيها المغلقين، لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه ليتمتم بمكر.
"والمنامة الزرقاء هل كانت تعتبر دعوة؟"
فتحت حدقتي عينيها بتوسع وزمجرت بعنف.
"كف عن وقاحتك!"
"لم أحصل على جوابي بعد."
رده كان هادئًا عكس الثورات الداخلية التي تحدث له. بمجرد أن تذكر تلك المنامة الزرقاء وعندما تدلت إحدى حمالاتها على كتفها، أغمض جفنيه بقوة وهو يحاول أن يظل هادئًا. باردًا.
"زين."
سمعت همسها الملح والمصر عليه. فتح جفنيه ليقابل بندقيتها اللامعتين. انحدر بنظره نحو عنقها ثم إلى جزء ليس بالهين الذي يكشف حنايا صدرها. راقب صعود وهبوط صدرها بدون ملل. أشاح عينيه سريعًا عندما ألح جسده بشيء يود فعله.
جسده يوافق ومنتظر إشارة من عقله، لكن عقله رافض. من المفترض أن يكون غاضبًا منها، كلا إنه غاضب بالفعل!
"توقف."
صاح ببعض العنف وهو يسمع همسها باسمه. كان ضعيفًا وناعمًا مثل بنيتها الضعيفة وبشرتها الناعمة. ما الذي تفعله تلك المرأة به؟!
رمشت بأهدابها الطويلة عدة مرات وهي تلاحظ تشنجات جسده وشفتيه التي كانت تود أن تقول شيئًا، لكنه بتر عباراته.
"ماذا؟"
"لا تنطقي اسمي بتلك النبرة أبدًا، وإلا صدقيني سأفعل أشياء أتوق لفعلها الآن."
هتف بها بحنق شديد ليهرب منها قبل أن يخونه جسده على فعل أشياء لن يندم عليها سوي لاحقًا.
نظرت إلى شبح طيفه وهي تجده يتمتم ببعض الكلمات الحانقة لتبتسم بخجل وهي تتوجه إلى المرحاض.
***
كان يجلس على الطاولة ويرتشف قهوته بتلذذ. وضع جريدة الصباح على الطاولة عندما وجدها تقدمت نحوه وهي تفرك عينيها بنعاس.
"صباح الفل يا عروسة."
ابتسمت بعشق له. سبت نفسها وهي تتذكر كل كلمة حمقاء تفوهت بها أمامه وهي في أشد حالات غضبها.
"بابا."
نطقتها بأسف شديد وهي تطرق برأسها للأسفل. ليبتسم أيمن بحنو.
"ارفعي وشك كده خليني أشوفك."
تلمعت عيناها بالدموع لتهمس بأسف ورأسها ما زال مطرقًا للأسفل.
"أنا آسفة على اللي قولته."
قام أيمن من مقعده ليتقدم نحوها وهو يربت على ظهرها بحنو شديد.
"نمتی كويس؟"
هزت رأسها إيجابًا.
"تمام الحمد لله."
رفعت بوجهها لتقابل عيناه الحانية. همت بالحديث عن شيء لكنها وأدتها. لم يغب أيمن عن نظرتها المترددة وهتف.
"عينيكي بتسأل، قولي."
جالت بعينيها يمينًا ويسارًا وهي لا تعلم كيف ستسأله.
نظفت حلقها وهي تهتف بعبارات ليس لها صلة.
"احم... احم... بابا... يعني أنت عارف."
تحدث بجدية وهو يحثها على الجلوس.
"اقعدي يا ندى."
أذعنت لطلبه وهي تجلس بأعين متلهفة ومترقبة. تريد أن تعلم كل شيء. هل كانت تلك لعبة من والدها أم ماذا؟
ضيق أيمن عينيه وهو يتفحص تلك المرتبكة أمامه.
"أنتي كنتي فاكرة إنّي ممكن أجوزك لشخص مش متقبلاه أصلاً، بس ده برضه مش معناه الموضوع كان لعبة. فعلاً جدك طلب إيدك من مروان لما سافرت أول مرة، بس أنا وقتها رفضت وقلتله إن فيه عريس اتقدملك."
سارعت بمعانقته وهي تخبئ وجهها في تجويف عنقه. كيف كانت غبية هي لتتوقع أن والدها سيجبرها على فعل شيء لا تتقبله. اشتدت من معانقة أبيها بقوة ليربت والدها على ظهرها بحنو.
ابتعدت عنه وهتفت بشقاوة.
"يا حبيبي يا بابا! علشان كده أمه مكنتش طيقاني لما جيت."
عبس ملامح أيمن ليزمجر بغضب.
"بنت!"
نفخت وجنتيها بضيق لتصحح كلمة "أمه" مع ابتسامة عريضة مزيفة.
"والدته. آسفة يا سيادة اللواء."
رنين هاتفها يصدر من غرفتها جعلها تقوم من مجلسها وتتوجه نحو غرفتها لتعود بعد ثوانٍ إلى والدها الذي هتف بعبارة واحدة.
"هو؟"
هزت رأسها إيجابًا.
"آه هو."
انتهى رنين الهاتف قبل محاولتها لرد اتصاله. عقد أيمن ذراعيه على صدره وصاح بجمود وخشونة وكأن أمامه ضابط وليست ابنته.
"قول له الكلام ليه وقته. مش معني إنه بقى جوزك يبقى تنسي أبوكي. لسه ملوش أي حكم عليكي طول ما أنتِ قاعدة معايا."
أدت التحية العسكرية باحترام.
"علم وسينفذ يا سيادة اللواء."
ضحك أيمن على تلك الشقية ليلتقط مفاتيحه من على الطاولة.
"طيب أنا هنزل الشغل، خدي بالك من نفسك."
"حاضر يا بابا."
توجهت معه نحو الباب لتحتضنه بامتنان وما زالت تشعر بالحرج والخجل منه. ودعته بابتسامة ناعمة لتغلق الباب خلفها وهي تتنهد براحة.
صوت هاتفها الذي أعلن عن وجود رسالة استرعى اهتمامها.
فتحت الرسالة لتتوقف أنفاسها لمدة ثوانٍ.
"لو أنّ الحب كلمات تكتب لانتهت أقلامي، لكنّ الحبّ أرواح توهب، فهل تكفيك روحي؟"
تلتها رسالة قصيرة. "معرفتش أكتب كلام شاعري فسرقتها."
بعد ثانيتين تلاها رسالة أخرى. "بحبــك." ليختتم بوضع قلب أحمر نابض.
اتسعت ابتسامتها ليتراقص قلبها فرحًا من مجرد كلماته. تنهدت براحة والطمأنينة تغلف روحها لتتوجه نحو غرفتها.
لا تصدق أنها أصبحت زوجته. يوجد بينهما رابط مقدس ومتين. ارتسمت ابتسامة عاشقة وهي تتمتم.
"مجنون."
لا تعلم كيف أصابها سلطان النوم بمجرد أن وضعت رأسها على الوسادة. كأنها تختبر هل هذا مجرد حلم أم أنه حقيقة؟
***
لاحظت الجدة الأوضاع الهادئة بينهما. رغم كونهما صامتين، لكن تحسنت الأوضاع عن الأيام السابقة. سيتخطيان المصاعب لأنهما قطعا جولة طويلة، ولكن تبقى القليل فقط. انتهى عملها لذلك ستعود بأدراجها للقرية.
ارتشفت العصير بتلذذ وهي تستند على سور الشرفة.
"سأعود غدًا إلى القرية."
سألتها ليان بتوجس.
"لما جدتي؟"
ردت الجدة باشتياق وما زالت رائحة عبق منزلها عالقة في أنفها.
"لقد اشتقت إلى منزلي."
عبست ليان بحزن وهي تتمسك بكف الجدة.
"سأكون بمفردي يا جدتي."
لا تريد رحيل الجدة في الوقت الحالي. تحتاج إليها برغم تلك الأشياء الصبيانية التي تفعلها معها، لكن الوحدة ستقتلها. زين يذهب في الصباح الباكر ويعود في وقت متأخر. حتى برغم ذهابها إلى المقهى، لكنها تجلس عدة ساعات قليلة لتعود وتجلس مع جدتها أو تتحدث مع عائلتها أو ندى.
غمزت الجدة بخبث.
"زوجك معك، أظنه سيجعلك تنسيني لفترة."
"جدتي!"
صاحت بها بيأس وهي تنفخ وجنتيها بسأم. لن تتوقف الجدة أبدًا عن الحديث بذلك الأمر المخجل. لانت نبرتها وهي تهمس بعذوبة.
"سأشتاق إليكِ جدتي."
"وأنا أيضًا عزيزتي."
احتضنتها ليان بقوة وحنان لتربت الجدة على ظهرها بحنو.
"ضعي زوجك أمام نصب عينيك يا ليان."
تمتمت بهدوء.
"حاضر جدتي."
ابتعدت ليان قليلاً وهي تطالع الجدة باشتياق. لاحظت الجدة وجود شيء يتحرك. تعلقت أنظارها نحو الداخل لتجد زين قد عاد وعلى بعد خطوات منهم. ابتسمت بمكر وهي تغمز بعينيها لـ ليان.
"وأريد أن أرى حفيدًا لي قريبًا."
"جدتي!"
ردت بإصرار يائس وهي تشدد على كل حرف يخرج من جوفها. لتتلتمع أعين الجدة بمرح وهي تلاحظ تورّد وجنتي ليان.
"ماذا؟ إنني لا أطلب شيئًا مستحيلاً."
تمتمت بصوت خفيض. ستلقي اللوم عليه أيضًا وليست هي بمفردها. هل تظن الجدة أنها رافضة؟
"زين غاضب مني بعض الشيء."
"أعلم، لكنه لا يقدر على أن يشيح بعينيه عنكِ ولو للحظة."
تعلقت أعين ليان نحو الداخل لتجده يحتفظ بمسافة لخلوتهما وشفتيه ترتسم ابتسامة دافئة.
"أرأيتي؟"
لكزتها الجدة على مفرقها بشدة، لتمنع حديث لغة الأعين بينهما. هزأت ليان رأسها إيجابًا لتتنهد الجدة براحة وهي تشعر أن مهمتها قد انتهت بنجاح برغم أنها كانت ستشد شعرها منذ عدة أيام. ربما وجود علياء سهل الأمر عليها!!
"أتمنى لك حياة سعيدة مع زوجك، ولا تنسي أريد زيارة كل آخر شهر. هل هذا واضح؟"
تعجبت ليان من تغير نبرة الجدة من لينة إلى حازمة في ثوانٍ. ردت بإيماءة.
"نعم جدتي واضح."
نسيم هواء بارد لفحهما، لتقشعر بدن الجدة.
"هيا لندخل، لقد شعرت بالبرد."
"هيا جدتي."
أمسكت ليان مرفق الجدة بهدوء وهما متوجهتان نحو الداخل. هزت رأسها بإيماءة بسيطة نحو الواقف في مكانه ولم يبرح إنشًا واحدًا وكأنها تحية. ليرد الإيماءة بابتسامة هادئة. هل يبتسم؟
نعم، إنه يبتسم. ليست ابتسامة مزيفة ولكنها ابتسامة تخبرها "أشكرك على حسن معاملتك لجدتي".
تقلصت عضلات وجهها بضيق واختفت ابتسامتها. وهل هي خادمة أو جليسة حتى يشكرها؟ إنها زوجته.
نفضت رأسها بيأس وتلك الأفكار الحمقاء تراودها. لتخرس عقلها قائلة: "إنه لم يتفوه بشيء. مجرد ابتسامة. هل ستحلل ابتسامته على هواها؟"
***
جالسة على الأريكة بضجر. أمسكت بهاتفها لعدة دقائق وهي تحاول أن تجد شيئًا يسليها حتى قدوم زوجها، لكنها للأسف لم تجد. انتقلت إلى التلفاز. اتكأت بذراعها على مسند الأريكة ويديها الأخرى تقلب القنوات بسرعة فائقة.
انتبهت على صوت آدم وهو يحتضنها من الخلف.
"ليلى."
واستدارت حتى تصبح في مواجهته. جلست على ركبتيها حتى تصبح مقاربة لطوله. همست بصوت مغري.
"حبيبي، لقد اشتقت لك."
ازدرق آدم ريقه بتوتر وهو ينظر إلى عينيها الناعستين ثم إلى ثوبها الفاضح الذي أبرز منحنيات جسدها بسخاء. سأل ببلاهة.
"هل أنتِ بخير؟"
انكمشت ملامح ليلي للعبوس. ضربته بقوة على صدره وهي تزمجر بغضب.
"لا وقت للمزاح يا آدم."
ضحك باستمتاع وهو يراها تضربه بخفة في أنحاء متفرقة في جسده. كبل يديها الاثنتين وأرجعهم خلف ظهرها وهو يتمتم بهدوء.
"لقد مر أسبوع ولم أسمع منكِ أي شيء يتعلق بـ ليان أو زياد."
حاولت أن تنفلت من قبضته لتصيح بيأس من محاولاتها الفاشلة من التحرر منه.
"إنني مخطئة حقًا. ابتعد."
رغم محاولاتها اليائسة للتحرر، حرر يدها وسحبها من خصرها وغمغم في خفوت.
"لقد كنت أمزح."
مَطّت شفتيها بعبوس.
"مزاحك ثقيل."
همس بجانب أذنها بنبرة دغدغتها.
"لقد اشتقت لك حبيبتي."
"وأنا أيضًا."
لفت ذراعيها حول عنقه لتدفن بوجهها بين ثنايا عنقه. ابتسم بعشق نحو مجنونته. يعترف أنه أصبح مجنون ليلى.
وزع بقبلات متناثرة على عنقها، يعلن أنه يريدها. كانت ستنساق خلفه لولا أنها صاحت بضيق.
"إنني قلقة من تيم، لقد تغير كثيرًا، لا أعلم ما به."
تنهد بيأس. لقد حطمت تلك المعزوفة الهادئة. ابتعد عنها وهو يخلل أصابعه على شعره بجزع.
"حقًا هذا كثير يا ليلى. منذ متى وأنتِ تعينين مسؤولة لحل مشكلات الجميع؟ يا ترى من بعد تيم لكي أستعد نفسيًا؟!"
راقب انفعالاته الثائرة بعدم فهم وهو يذرع الأرض مجيئًا وذهابًا يسب ويلعن نفسه ومن حظه العاثر.
عقد ذراعيها على صدرها وهمست بحنق زائف.
"غليظ حقًا. قلبي الحنون والطيب هي مشكلتي."
هدأت ثورته وانفعاله. سحب نفسًا عميقًا وزفره على مهل. ليعود ببصره إلى منامتها الحمراء الصارخة. تلمعت عيناه برغبة وهتف بخشونة.
"يجب عليكِ أن تدفعي غرامة الآن."
ردت بتعجب وهي تعلم ما الذي يدور في عقلها.
"ماذا؟ غرامة!! هل نسيت ليلة أمس؟!"
توجه نحوها ليحملها بين ذراعيه دون أدنى معارضة منها وهتف بنبرة ذات معنى.
"لقد قلتيها بنفسك ليلة أمس، وليس الآن."
سار عدة خطوات متوجهًا نحو غرفتهم، لتستمع ليلي إلى صوت هاتفها لتهمس.
"آدم انتظر الهاتف."
هز برأسه نافيًا وهو يركل بقدمه ليغلق باب غرفتهم متوجهًا نحو الفراش.
"كلا لن أدعك."
***
رمت جاسمين بهاتفها على الطاولة وصاحت بحنق.
"اللعنة! ليلى لا ترد على هاتفها منذ الأمس. كانت تعلم أننا سنذهب للمتجر اليوم."
تمتمت ليان ببساطة وهي ترتشف العصير المنعش برغم الأجواء الباردة.
"يبدو أنها مشغولة."
امتعضت ملامح جاسمين باستياء.
"كيف سأفعل ذلك بمفردي الآن؟ كيف سأرتب البضائع؟"
تساءلت ليان وهي تتابع ارتشاف عصيرها بلا مبالاة.
"أين سلمى؟"
"إنها الآن في دوامها، لن تنتهي إلا مساءً وأنا أخذت الإذن لمدة ساعتين من المدير البغيض."
صمتت قليلاً لتلمع عيناها بحماس.
"لما لا تأتي وتساعديني؟"
توقفت عن ارتشاف العصير، لتسعل بقوة وهي تأخذ نفسًا عميقًا.
"أنا!! لا لا."
غمزت جاسمين إحدى عينيها وهي تلح بإصرار.
"مجرد ساعتين فقط، سنرتب البضائع وسنذهب."
تلعثمت في الرد. إن علم زين أنها ما زالت تذهب إليه سيقتلها بالتأكيد. ستقام الحرب العالمية الثالثة.
"لكن!!"
علمت جاسمين الموضوع الشائك بين تيم وزوج ليان من ليلي لتهتف بهدوء وثقة.
"أنا وأنتِ فقط. تيم أعطاني المفتاح وقال إنه لن يأتي اليوم."
توسلاتها بنبرة طفولية جعلت ليان تبتسم.
"هيا، أول مرة أطلب منك طلب صغير."
وافقت على مضض وهي تدعو في سرها أن يمر اليوم بخير. لكنها لا تعلم أنها حفرت القبر بيديها!
***
توجه نحو المشفى بخطوات هادئة. قلبه يطرب فرحًا لما أصبح عليه الآن. لقد حدد موعد زواجه. يجب أن تكون أول من يعلم بذلك الخبر المفرح.
فتح باب غرفتها وعلى وجهه ابتسامة ناعمة سرعان ما اختفت وانقبض قلبه وهو يرى الغرفة هادئة لا يوجد بها أحد والفراش منظم. ابتلع ريقه بتوتر وأسوء السيناريوهات تقتحم عقله.
هدأ من روعه وهو يقول إنها بخير. ربما أخطأ في عنوان الغرفة. عاد ببصره نحو اللوحة المعلقة على الغرفة ليجد أنها الغرفة الصحيحة.
استند على الحائط ومعدل نبضات قلبه تتسارع. استوقف ممرضة وهتف بلهفة.
"لو سمحتي، هي فين الممرضة اللي في أوضة ٤٠٧؟"
غمغمت الممرضة في خفوت.
"تقصد مريضة السرطان."
قاطعها بلهفة وعيناه تجوبان تعبير وجهها الجامد.
"أيوه، هي فين؟"
مَطّت الممرضة شفتيها وأجابت بعملية بحتة.
"البقاء لله يا أستاذ... اتوفت الصبح."
غادرت وهي تتوجه نحو موقعها، ليهوي شهاب على الأرض. أرجله لم تتحمل الصدمة. لسانه شل عن الحركة بل عقله كليًا رفض تلك الفكرة. كيف رحلت؟ لم لا لم تنتظر قليلاً ليأتيها بالخبر الذي انتظرته. لمعت عيناه بألم وهو يقوم من على الأرض متوجهًا نحو منزلها.
"رحيلك يا ورد علمني أنّ كل شهقة فرح يتبعها صوت صامت يقول لو كنتي معي لاكتمل الفرح. رحمك الله يا أختي."
***
"ها قد أوشكنا على الانتهاء، على كل الأحوال شكراً لكِ."
هتفت بها جاسمين وهي تضع الصندوق الثقيل على الأرض. تهدجت أنفاسها من فرط المجهود الذي بذلته اليوم.
تمتمت ليان بابتسامة بسيطة.
"لا مشكلة، أخبريني، أراكِ مهتمة بتيم كثيرًا، ما الأمر يا فتاة؟"
اشتعلت وجنتا جاسمين من غمز ليان الماكرة لترد بتلعثم.
"نحن أصدقاء."
رفعت ليان حاجبها بعدم تصديق.
"فقط؟"
"نعم، أصدقاء فقط."
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتي ليان وهي تراقب نظرات جاسمين الزائغة.
"سأحاول أن أصدق."
صوت ذكوري ذو بحة مميزة ينتشلهم.
"مساء الخير يا فتيات، لقد أحضرت عصيرًا طازجًا لكما."
اعتدلت جاسمين في جلستها وهتفت بتلعثم.
"تيم؟ هل أتيت؟"
حك تيم خصلات شعره وتمتم ببساطة.
"نعم، شعرت أنها إهانة لي وأنا أترك امرأتين هنا وأنا جالس بمفردي. قلت لأتي ونساعد بعضنا قبل افتتاح المتجر."
علق ببصره القابعة خلف جاسمين ليحمحم بجدية.
"مرحبا ليان."
"أهلاً."
خرج صوتها خافت. يجب عليها الرحيل الآن قبل أن تحدث كوارث في المنزل.
صوت رنين هاتف جاسمين الذي أعلن على وصول رسالة قطع الصمت المغلف حولهم.
صاحت جاسمين بحنق وهي تضع هاتفها مرة أخرى في جيب بنطالها.
"اللعنة! ذلك المدير البغيض. سأقتله. يخبرني إن لم آتي خلال عشر دقائق سيخصم مرتبي."
رد تيم بابتسامة هادئة.
"لا مشكلة، اذهبي."
"ولكن يوجد خمس صناديق."
قالتها وهي تشير إلى الصناديق خلفها. ضحك تيم وهتف.
"سأفعلها أنا. اذهبي قبل أن يخصم مرتبك وتخبريني أنا السبب في ذلك."
احتضنته بقوة وتمتمت بامتنان.
"شكرًا يا رجل."
ابتعدت فجأة عنه. اللعنة، ما الذي فعلته!! في حياتها لم تقترب منه ولم تحتضنه. خرجت من المتجر مسرعة وهي تذهب من أجل إنقاذ مرتبها الذي سيتعرض للخصم وستفكر لاحقًا بما فعلته معه.
راقبته ليان بابتسامة هادئة لتتقابل عيناها مع تيم.
"أشكرك حقًا يا ليان على مساعدتك."
هتف بها بامتنان وهو يقدم لها عصيرًا من الليمون المنعش.
شكرته في هدوء ثم أخذت تدقق إلى المتجر وعينيها تلمع بسعادة.
"المتجر رائع يا تيم، مبارك لك."
"شكرًا لكِ يا ليان. خذي راحتك، سأقوم بغلق المصابيح حتى أعود لكِ لنغادر والصناديق سأرتبها في الغد."
أومأت برأسها له لتجده يبتعد عنها ذاهبًا إلى الباب الخلفي. ظلت ترتشف العصير بتلذذ حتى قامت بشرب آخر قطرة. وضعت الكوب على إحدى الجوانب وبعد عدة ثوانٍ أصبح المكان معتمًا لا يوجد سوى ضوء خافت على باب المتجر. انتظرت عدة ثوانٍ لمجيئه لكي يأتي لكنه لم يظهر حتى الآن!!
ظلت تنادي عليه ليقابلها عدم الرد من الآخر. لا تعلم لما أصبح رأسها ثقيل بعض الشيء. أغمضت جفنيها لعدة لحظات وبدأ رأسها يصبح أثقل. رفعت يدها تضغط بخفة على رأسها في محاولة يائسة لتخفيف ذلك الألم الحاد.
فتحت جفنيها عندما شعرت بأنفاس تلفح أمامها. أصبحت رؤيتها مشوشة لتهتف بضعف.
"أهذا أنت يا تيم؟"
"نعم."
ارتدت للخلف بحركة لا إرادية عندما شعرت بيديه تعانق ذراعها لتهتف بضيق وهي تفرك جبهتها.
"توقف يا تيم، أنت تعلم أنني لا أحب ذلك."
ثم تابعت بضعف وهي تشعر أن رأسها سوف ينفجر من الألم.
"رأسي سوف ينفجر."
ابتسم بخبث وظفر وهتف بنبرة لم تعهدها من قبل.
"لا تقلقي، دقيقتان فقط ولن تشعري بأي ألم."
لم تستوعب حديثه بسبب ذلك الألم، ولكن شعرت بالرعب يدق قلبها لتهتف بتوجس وهي ترتد إلى الوراء حتى تصل للباب.
"ماذا وضعت في العصير؟"
ابتسم باتساع وهو يراها تتراجع إلى الخلف ليتقدم نحوها ببطء.
"مجرد مخدر يا عزيزتي."
أخذت ترجع إلى الوراء حتى شعرت بالباب خلف ظهرها لتمسك بالمقبض وتحاول فتح ذلك الباب اللعين. لتجده مغلقًا!!
معدل ضربات قلبها يزداد عندما شعرت يديه تتحسس جسدها بشهوانية. يداها شلت عن الحركة وبدأ جسدها يسترخي. نظرت له بذعر عندما دنا نحوها وقام بفك حجابها ليتساقط شعرها بانسياب على ظهرها. نظر إلى شعرها بإعجاب شديد وبدأت ملامحه تزداد رغبة.
تنهد براحة وما زالت يديه تتحسس منحنيات جسدها بشهوة ورغبة عارمة. وهي كالمسكنية تبكي بقهر وبدأت تعلو أصوات شهقاتها. قام تيم بمسح دموعها بأنامله ليهتف بتلذذ بعد أن تذوق طعم دموعها بين شفتيه.
"إنها لذيذة مثلك."
أخذ يتحسس وجهها بنعومة شديدة يستشعر بشرتها الناعمة الدافئة حتى وصل إلى شفتيها. أخذ يتحسس شفتيها وقد نفذ آخر صبره.
"لا تعلمين كم أتوق لتذوق تلك الشفتين!"
جسدها أصبح رخوًا ليشدها من خصرها نحو صدره. أغلقت جفنيها بعد مصارعة رهيبة بينها وبين ذلك المخدر. أسقطت دمعة حارة قبل أن يغشى عليها وهي تعلم أنها ستخسر أهم شيء تحافظ عليه المرأة الشرقية. ستخسر عذريتها بين يدي ثعلب وثقت به منذ البداية. وقلبها يصرخ مناديًا زوجها. زين!!
رواية زوجتي الشرقية الفصل العشرون 20 - بقلم سيليا البحيري
يشعر لأول مرة بالقلق الذي يساوره منذ أن تزوجها.
قلقه يزداد عندما تذهب لمقابلة ذلك اللعين.
يشعر بالخوف عليها.
نظرات ذلك اللعين على زوجته لا تطمئنه على الإطلاق.
وهي كالحمقاء تتخذه صديقاً لها.
غبية لا تعلم نظرات تلك الرجال عندما يرونها.
جمالها الشرقي وطباعها الشرقية يجعل الرجال الغربيون يلتفون حولها.
وكأنها حلوى مغلفة يتهافت عليها الأطفال.
وهي المغفلة تقول انها لا تمتلك أي صفات للجمال.
حمقاء.
غبية لا تعلم أنها امرأة فاتنة.
تعلم أنه يضع لها رجالًا لمراقبتها.
كلما تذهب إلى أصدقائها ولا تتفوه بشيء.
منذ متى وهي تصادق رجالًا؟
يعلم عنها أدق تفاصيل حياتها.
مصادقة الرجال خط أحمر.
لماذا تغيرت عندما تزوجته؟
أهذا انتقام منها أم تمرّد؟
كاد عقله أن يجن بسبب تصرفاتها غير المعودة والتي سوف تجعل قلبه يتوقف عن النبض.
تتصرف تصرفات هوجاء وحمقاء.
وهي لا تعي ما مقابل ما تفعله.
وذلك تيم سوف يقتله يومًا ما إن لم يتوقف عن ملاحقة زوجته.
وهي تدافع عنه.
حتى دون مراعاة مشاعره وأنه زوجها.
هل لتلك الدرجة عمياء؟
وهي تصفه أنه بارد المشاعر مثل رجال الغربيين.
غبية بل مشاعره تتقاذف كحمم بركانية وغيره شرقية تتآكل وتنهش قلبه.
يكفي لذلك الحد، سيقوم بوضع ذلك التيم بآخر البلاد.
ولكن قبل ذلك سينتقم منه.
أشد انتقامًا على كل ليلة مؤرقة سببها له.
يزداد غضبًا عندما يعلم أنها تقابل ذلك الأحمق.
بل كاد أن ينفجر أمامها ويلكم وجهها الناعم.
"سيد زين."
انتبه على صوت مساعده وهو يخبره أن الاجتماع سيبدأ بعد دقيقتين.
توجه إلى غرفة الاجتماع وما زال عقله مشغولًا بالأخرى.
مجرد بعدها عنه يجعله نصف عقل.
وبحضورها يفقد عقله بأكمله.
رنين هاتف قطع ذلك الاجتماع.
وهو يلتقط أذنيه وهو يستمع إلى آخر شيء من الممكن أن يتوقعه.
زوجته ذهبت إليه مرة أخرى غير عابئة بتهديداته.
وذلك الأحمق الذي عينه يخبره أنها ذهبت لمتجره وقد طال وجودها.
بل أن مصابيح المتجر أُغلقت.
ويسأله أيفقد الأمر أم لا؟
إن كان يغضب ويثور فقط عندما يتقابلان في إحدى المقاهي.
فماذا عن مكان منعزل وهما بمفردهما؟
سيقتل ذلك التيم حتمًا عندما يراه.
خرج من شركته بسرعة لم يتوقعها.
ولم يبالي بالعملاء ونظراتهم المندهشة.
ولا حتى بمساعده الذي كان يحاول لحاق سرعته الفائقة.
وخلال دقائق فقط وكاد أن يتسبب بالعديد من الحوادث بسبب سرعته الفائقة التي تخطت الـ 200.
وصل إلى المتجر بأعين قاتمة وانفعالات جسده التي توحي بالغضب.
بل بركانًا على وشك الثوران وهو يخرج سلاحه الذي يحتفظ به دائمًا.
دلف إلى ذلك المتجر.
هوى قلبه عندما وجدها متكومة على الأرض مغشيًا عليها وحجابها ملقى وملابسها الممزقة.
وذلك التيم ملقى على جانب آخر.
برغم كل الكدمات والدماء التي تنزف من كل مكان في جسده إلا أنه محتفظ بنظرة شيطانية موجهة له.
ارتفعت أقصى درجات غضبه وقلبه توقف عن النبض لعدة ثوانٍ.
وعقله يصور له صورًا لا يريدها أن تكون حقيقة.
يريد أن يستيقظ من الكابوس.
ولكنه بدا واقعيًا عندما رأى أحد الرجال يهاتفه ويتحدث بنبرة مقلقة.
وهو يلاحظ سيده الذي سيقوم بارتكاب جناية الآن له وللملقى على الأرض وهو ما زال يبتسم.
وحديث الأعين دائر بينهما.
"سيدي."
هتف بها وهو بالكاد يستطيع الوقوف أمامه.
ليوجه زين ببصره نحوه ونحو التيم بنظرات أرعبت الحارس.
وهو يوقن أن الليلة لن تمر مرور الكرام.
وستنتهي بموت أحدهم أو كلاهما.
---
جالسًا لا يشعر بالذي بجواره.
منفصل عن العالم كليًا.
عيناه مرتكزتان نحو الفراغ.
كان يوجد قدر صغير لشفائها.
رحيلها عن العالم بتلك الصورة المؤلمة سبب له فتح جرح ظن أنه التئم.
رحيل والدته منذ أن كان صغيرًا يتبعها الآن رحيل شقيقته الصغرى.
ومن التالي يا ترى؟
عقله يفكر وهو يعلم الإجابة.
لن ترحل ستظل معه هي الوحيدة التي ستدفعه للاستمرار على الحياة.
ساعات جالسًا بدون أن تشتكي له أي عظمة.
انسحب المعظم عائدين إلى المنزل.
من يربت على كتفه بشفقة ومن يواسيه؟
ومن يسأل عنه وما صلته بالمرحومة؟
استمع لردود عجيبة من بعض الرجال.
من قال إنه حبيبها ومن قال إنه خطيبها.
ما ذلك الهراء؟
لا يحتاج شفقة من أحد.
لم يطلبها منهم من الأساس.
إن كانوا يظنون أن تلك النظرات المشفقة سيجعلهم يشعرون بتحسن.
كاذب بل تلك النظرة تجعلك تشعر بسكاكين تنغرز نحو قلبك المحطم.
يود أن يلكم أولئك البغضاء.
هل جاءوا للعزاء أم فضح عورات الجميع؟
ألا يوجد احترام للميت؟
بدل أن يتحدثوا مثل النساء يدعوا لها بالرحمة والمغفرة ثم ينطلقوا بإدراجهم للمنزل.
شعر بيد ناعمة تربت على كتفه.
التفت ببصره لصاحبة اليد.
غمغمت ندى بحزن على حالته.
"شهاب."
دفء عيناها كانت كالدواء.
اللسان عجز عن الحديث ولكن ماذا عن العيون؟
انتفض فجأة من مجلسه لتتراجع ندى على أثرها.
هدر بصوت جامد.
"ندى بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي جابك!"
رغم ضيقها التي سارعت بأختبائه وكتمته بسبب حالته.
ردت بصوت خافت.
"كنت بطمن عليك."
لو كان في وضع آخر ومكان وزمان مختلف كان اعصرها بين أضلعه.
جاهد في إخراج نبرته هادئة لكن خرجت عنيفة بعض الشيء.
"برضه ميحصش تيجي هنا. كنتِ رنيتي عليا."
عقدت ذراعيها على ظهرها وردت بجفاء.
"مش بترد على موبايلك. طنط عاوزاك ف..."
بترت عبارتها عندما شعرت بتخشب جسد شهاب وأعينه تقدحان منها الشرر.
"الحيوان ده اللي إيه اللي جابها؟"
استدارت للخلف لترى من ذلك "الحيوان".
بللت شفتيها بتوتر لتسارع بإمساك عضده قبل أن يندفع الأسد نحو الفريسة.
"شهاب اهدي من فضلك مش عايزين مشاكل."
زمجر بغضب وعيناه تندلع فيهما حريق هائل وهو يراه يقترب منه.
"الحيوان ده هقتله."
"البقاء لله."
تمتم بها يوسف بألم وهو يمد يده نحو شهاب ثم إلى والد ورد.
ضحك شهاب بسخرية مما أثار انتباه الجالسين بجواره.
"يااه انت لسه فاكراها؟ لا بجد كتر خيرك يا أستاذ يوسف. انت عارف انت أحقر إنسان شفته على الأرض."
ابتسم يوسف برسمية.
جز على أسنانه بغيظ مكتوم.
"من فضلك اتكلم بأسلوب أحسن من كده."
عادت ضحكات شهاب مرة أخرى.
وبصوت غاضب.
"هو أنا لسه قلت حاجة؟ عارف اللي سبتها ديه بجد خسارة إنها تموت. كان المفروض تبقى انت مكانها لأنك إنسان *** وأحقر منك مشوفتش. ديه كانت في وقت مرضها تسألني عنك وانت بخير ولا لأ وانت ولا هامك. أكيد عرفت مرضها زي ما عرفت موتها. مجتش زورتها ليه؟ مخففتش عنها ألمها ليه وهي طول الوقت بتسألني هيسـامحني يا شهاب على اللي عملته؟ هيجي مش كده؟ هيجي ويقولي أنا سامحتك. مش عايزة منه حاجة غير يقولي أنا سامحتك. كنت كل يوم أستنى إذا كنت هتشرف يا بيه ولا لسه. ومع الأيام بطلت ما تسأل عرفت الإجابة. مرضتش حتى تبصلي وماتت ومات آخر ذرة أمل معاها."
تحولت النغمة الصاخبة المزعجة إلى نغمة حزينة كئيبة.
أخفض والد ورد رأسه للأسفل بحزن على فقدان زهرته.
أغمض شهاب جفنيه بألم لتربت ندى على كتفه هامسة.
"شهاب."
نبرتها تخبره توقف.
اهدأ.
لكن نيرانه لم تخمد بل زادت اشتعالًا عندما سمع رده.
"كنت هاجي بس إن..."
"يوسف."
صوت أنثوي انتشل من المعركة التي ستحدث بين شهاب ويوسف.
والجميع متخذ وضع المشاهدة وكأنهم يشاهدون مسرحية هزلية.
اتسعت عين ندى دهشة من صاحبة الصوت ورددت ببلاهة وهي لا تصدق من أمامها.
"ليان!!"
---
فتحت جفنيها ببطء وهي تسترجع آخر ما حدث معها قبل أن يغشى عليها.
عدة لقطات جرت أمام عينيها لما حدث لتنتفض من فراشها على الفور وكأن عقرب لدغها.
تنظر حولها بتوتر للمكان.
إنها في منزلها.
في غرفتها.
كيف؟
هل كانت تحلم بحلم مزعج أم ماذا؟
شهقت بفزع عندما قابلتها زوج من الأعين القاتمة التي تعلم جيدًا لا تظهر إلا في أشد حالات الغضب.
لتزحف للخلف بحركة تلقائية وهي تجده يتقدم نحوها واضعًا يديه في جيبي بنطاله.
ارتطمت ظهرها بمقدمة الفراش لتجده يميل نحوها وأعين تتطلعان إليها بنظرة نارية جعلتها ترتعش من مجلسها.
"لماذا يا ليان؟"
عضت شفتيها السفلى بألم وهي تنكمش حول نفسها أكثر وأنفاسه الهادرة تحرقها تلسع بشرتها.
لتبكي بقهر وهي تحتضن بكفها على وجهها وصوت شهقاتها يأخذ وتيرته في العلو.
لم يتأثر إلى منظرها المزرى.
ولا صوت شهقاتها التي تدمي القلوب.
هتف بغضب وهو يمسكها من خصلاتها بقوة آلمتها.
"هيا أخبريني لما فعلتي ذلك؟ لقد حذرتك لمرات عديدة أن تبتعدي عنه. ولكن كيف وعقلك الغبي يرفض أي شيء أقوله. انظري إلى أين وصلتي بسبب عقلك المتهور!"
ابتعد عنها وكأنها أصبحت ملوثة أو شيء معدي يمنع الاقتراب منه.
قال ببرود.
"حقًا كفى لقد سئمت."
توقفت عن البكاء وصوت شهقاتها التي ترتفع تصمتها بكفيها.
تطلعت إليه بصدمة وبخوف شديد.
وهي تطمئن قلبها أن ما حدث لم يكن سوى كابوس.
كابوس مزعج يؤرق مضجعها.
هتفت بتوجس وبصوت جاهدت أن يخرج من جوفها.
وهي تتطلع إليه.
بشرته شاحبة كالموتى.
وجهه المرهق كأنه لم ينم منذ أيام وشعره الأشعث.
وانفعالات جسده التي يتحكم بها بصعوبة وهو يضغط على كفه بقوة حتى ابيضت سلمياته.
"ماذا تقصد؟"
"أنت تعلمين ماذا أقصد جيدًا. يا مدام!"
قالها بسخرية شديدة.
وهوى قلبها ذعرًا وهي تجده خرج من الغرفة صافقًا الباب بقوة جعلتها تنتفض من مكانها.
أغلقت جفنيها بيأس وكأن آخر شيء يبقيها على الحياة رحل وتركها تتعذب بمفردها.
نار تأكلها عن عدم معرفة ما حدث لها.
هل خسرت شرفها حقًا؟
الشيء الوحيد التي تحافظ عليه الفتاة الشرقية قد أضاعته بسبب غبائها.
أول مرة ينطق مدام لتسقط دمعة حارة.
أخذت تلتفت حول تنظر إلى أي شيء حاد.
لتتعلق عيناها نحو المرآة التي تهشمت.
قامت من على فراشها وكأنها منومة مغناطيسيًا تتجه نحو إحدى شظايا المرآة.
التقطتها من الأرض وقد حددت مسارها الأخير للحياة.
لا يوجد شيء آخر يجعلها تظل على قيد الحياة بعد أن خسرته.
زيــن!!
---
ما زال يعيد تفكيره ما تفوه به أمامها.
ما كان عليه أن يبدو قاسيًا وباردًا معها.
وسط انفجار بكائها كان قلبه يدعوه أن يحتضنها بذراعيه ويبث داخل أذنها بعبارات تطمئنها.
ولكن ذلك العقل اللعين كان صامدًا لم يتزحزح عن التراجع ولو لثانية.
سيذيقها بعض العذاب مثلما فعلت.
إن كان في بداية الأمر يتعامل معها ببرود وتجاهل.
سوف يجرحها مثلما جرحته بدم بارد.
ولكن للقلب رأي آخر.
أفاق من شروده على صوت صراخ الخادمة من الطابق العلوي ليدرك أنه قادم من غرفته.
انتفض من مكانه وقلبه سوف يأتي بسكتة قلبية بسببها.
دلف إلى الغرفة ليجدها ملقاة على الأرض والدماء تتدفق من رسغها.
توقف عقله عن التفكير كليًا.
وجسده تيبس عن الحركة.
لا يعلم كم من الوقت مر عليه وجسده وحدقتا عينيه متسعتان بذهول.
بصدمة.
وجسده المتخشب رافض أي استجابة لعقله الذي عاد مرة أخرى بعد ثوانٍ من حالة الصدمة.
تقدم نحوها ببطء شديد عكس ثورانه الداخلي.
ليجثو ببطء حاملاً إياها بين ذراعيه القويتين.
ولا يعلم كيف في ثوانٍ قليلة وضعها داخل السيارة ويسرع نحو المقود.
وبأقصى سرعة انطلق نحو المشفى.
وكأن الذي كان متيبسًا منذ قليل لم يكن هو الذي يركض ويعدو وكأنه يسابق الريح.
---
كانت محظوظة للمرة الأولى لنجاتها.
كانت تبكي بصمت وهي تنظر إلى قطعة القماش الملفوفة حول رسغها.
لماذا جعلها تبقى على قيد الحياة؟
لما أنقذها؟
رغم حالة الاكتئاب الذي بداخلها إلا أنها متيقنة بداخلها أنه حارسها الشخصي.
رغم العديد من الرجال الذين كلفهم لحراستها ولو على بعد مسافة إلا أنها تشعر بالاطمئنان في حضوره وإن كان توجد مسافات بعيدة.
في داخلها يقين أنه أنقذها في المرة السابقة مثل اليوم.
لا تتجرأ على سؤاله.
يكفي عيناه الكفيلتان بإخرسها.
وإن لم يطمئنها فهي المتهورة.
رفضت الانصياع إليه منذ البداية.
لتتحمل نتيجة خطئها وتهورها.
جسدها يئن من الوجع.
تشعر بالآلام رهيبة في عظامها.
تأوهت بألم عندما عدلت من وضع جلوسها لموضع أكثر راحة.
انتفضت على صوت صفع الباب.
تعـلقت بعينيها نحو بتلهف.
باشتياق.
تدعوه أن يضمها إلى صدره.
يطمئنها ويزيل الهواجس اللعينة التي تؤرق مضجعها.
ساكنًا كالجماد يراقب أعينها المتوسلة التي لا ترحم قلبه.
ليهتف بسخرية.
"ماذا يا مدام؟ هل قررتِ حقًا الانتحار؟ هل توك أدركتِ حجم الأضرار والخسائر التي ارتكبتيها؟"
أغمضت عينيها بألم.
لن يكف عن كلامه الذي ينخر قلبها ولو قليلًا.
يكفيها ما ارتكبته بسبب تهورها.
شهقت بألم عندما وجدته يقبض على عضدها لتتوسل بألم.
"دعني أرجوك."
"كلا لن أدعك ليان. أقسم لك أنني سأقوم بأخذ ثأري منك."
ارتعـد وجسدها يرتعش خوفًا وهي تراه يوصد باب الغرفة وهو يطالعها بتلك النظرات التي تربكها ولم تستطع فك شفراتها حتى الآن.
فك أزرار قميصه ويرميه أرضًا وهو يهتف ببرود.
"ها قد حان الوقت لأخذ ثأري!!"
"زيـاد!"
هتفت بها بهمس وتوسل عيناها تفيضان ألمًا وقهرًا.
تصلب جسده من الاسم.
تنهد بألم وقد غير مخططاته بمجرد نطق اسم شخص عزيز على قلبه "والداه".
"أحببتك من كل جوارحي ليان. كنتِ أنتِ هي الشعاع الأمل لإصلاح حياتي الفاسدة. اخترتك زوجتي وأنا واعٍ كنت مخطئًا. بسبب بعدي وجفائكي عنكِ لن ألقي باللوم عليكي. كنتِ تنتظرين من الحديث معك. أبي مصري الأصل من أثري العائلات في مصر درس في جامعة لندن وهدفه فقط الحصول على الشهادة. لكن لم يكن في الحسبان أن يلتقي بأمي ويقع في حبها. بعد انتهاء الجامعة تقدم أبي لطلب يديها لكن جدي رفض أن يتزوج امرأة أجنبية ليست من نفس معتقداتهم ولا ديانتهم. لكن ذلك لم يجعل أبي يتراجع ولو للحظة وتزوج أمي رغم رفض جدي وعاشا في لندن. وحمزة كان في مثل عمر أبي برغم أنه كان يعمل سائقًا لجدي سافر مع والدي لكي يكون بجواره. صلة الصداقة بين حمزة وأبي كانت متينة وقوية. جئت أنا لأكون نبتة عشقهما. أمضيت فترة طفولتي حتى سن العاشرة و تعرفت على أختي الصغيرة ليلي. كانت جارتنا في المنزل المقابل لنا. أمي كانت تعشق مصر وكل شيء يخص بها. لم يكن هناك جدال في الديانة كوني مسيحيًا أو مسلمًا. لم تعترض علي كوني مسلمًا. كانت مختلفة حقًا عن جميع نساء الغرب."
صمتت لعدة لحظات وهو يرفع بصره نحوها ليجدها تتابع حديثه باهتمام ودموعها تنزل بصمت.
استرسل وهو ما زال يفتح صفحات ماضيه.
"قرر أبي أن نذهب لمصر زيارة لجدي. كان وقتها مريضًا ويلفظ أنفاسه الأخيرة. أمي كانت متحمسة لأنها للمرة الأولى التي ستزور مصر وتتعرف على عائلة أبي. وبالفعل ذهبنا وأقمنا في إحدى الفنادق المتوسطة. عندما زرت جدي كنت خائفًا أن يرفضني لكن منذ أن رآني ابتسم وتمتم بكلمات عربية لأبي لم أفهمها."
ضحك بسخرية على حاله.
"غريب حقًا أليس كذلك؟ من المفترض أن أكون أتحدث بالعربية. لكن للأسف أبي كان مشغولًا في عمله وأمي أيضًا حتى يكسبا لقمة العيش. أما أنا حينما أعود للمدرسة أذهب لمنزل ليلي حتى يحين موعد مجيء والدتي."
ما زال يقلب في دفاتره القديمة وينفض التراب وكأن الأحداث التي يحكيها حدثت أمس.
"منع جدي المال من أبي لمدة تسع سنوات. كان يعاقبه أو يختبره لا أعلم. بعد عدة أيام ذهبنا إلى القصر في مصر. قصر جدي في الأصل. وتوالت الأيام حتى جاء اليوم المشؤوم. وقتها أمي أخبرتني أنها ستذهب مع أبي للعيادة حتى تتأكد من وجود أخ أو أخت في المستقبل. فرحتي لم تسعني لن أكون بمفردي. كنت أفكر حين عودتهم ماذا سأفعل إن كانت فتاة هل ستلعب معي كرة القدم أم ستجبرني على ألعاب الفتيات؟ وقلت ربما يكون صبي. انتظرت كثيرًا مجيئهم ونمت وأنا أنتظرهم حتى جاء صباح اليوم التالي. جاء عمي زيدان وأخبرني بطريقة غير مباشرة أنهم توفوا أثر حادث. فقدت النطق أثر الصدمة. لقد توفوا عائلتي ثلاثة أفراد. اليتم شعور مؤلم حقًا. قررت العودة إلى قرية جدتي وإستمريت لشهور وجدتي كانت تحاول التحدث معي لكنني لم أكن معها. كتمت دموعي في داخلي. الآلام والجرح الذي سببه قلبي لقد دفنته. وحينما نطقت كانت أول كلمة اسم والدي زياد. جدتي كانت سعيدة أبلغت عمي زيدان ليأتي. عدت للمدرسة مرة أخرى في لندن وعمي وجدتي معي. لم أتقبل الوضع حين عودتي من المدرسة أرى عائلة زملائي في انتظارهم في ساحة المدرسة. لن تصدقي وقتها كمية نصل الحادة التي طعنت قلبي. قررت الانتقال إلى مدرسة داخلية حتى لا أشعر بالنقص مثل أي طفل. نكون متساوين في كل شيء. رفض عمي وجدتي لكن ذلك لم يمنعني أن ألتحق بمدرسة داخلية. كرست سنواتي في الدراسة حتى التحقت بالجامعة."
وهنا بدأت نقطة التغير في حياتي.
"أطلقت كل شيء. فعلت كل شيء. مثل الشخص الجائع إذا نظر إلى وليمة طعام. شربت. كونت علاقات نسائية لا تحصى بعدد شعيرات رأسي حتى بدأت لا أذكر أسماءهن. حتى جاءت بيث."
اتسعت عيناها دهشة هل هذه حبيبته؟ هل أيضًا توفت؟
التقط أنفاسه وهو لا يصدق أنه يفتح لها مذكرات حياته في ذلك الوقت.
"كنت في المرحلة قبل الأخيرة وهي في عامها الأخير وهي الوحيدة التي امتنعت عن وجود علاقة بيننا. أصبحنا أصدقاء توغلت إلى. استطاعت أن تخرج زين القديم الطفل اليتيم. شعرت أنها ستكون مثل والدتي. شعرت أنه الحب. لكنها كانت ماكرة لئيمة مخادعة. كانت تأخذ جميع أخباري وعلاقاتي بالنساء لتنشرها في جريدتها. الحقيرة كانت صحفية وفضحتني على جميع جرائد لندن. تخيلي ما كتبوه عني وكل السنوات الجهد والتعب لشركة عمي وهي تأخذ طريقها للمجد والشهرة لحظة ثوانٍ ستتحطم. تلقيت الصدمة الثانية. الأولى كانت من رحيل عائلتي والثانية التي اعتبرتها حبيبتي. وقررت أن أبذل جهدي أستعيد شركة عمي وها نحن الآن من شركة إلى ناطحة سحاب ومن أكبر مؤسسة للتجارة العالمية. محوت صفحة بيث من حياتي وقررت عدم فتح قلبي مرة أخرى لأحد وعدم الثقة بأي امرأة. حتى وجدت ليلي تعلن عن سفرها لمصر. مصر التي اعتبرتها خط أحمر بالنسبة لي بسبب ما حدث. لم تستمع إلي ندائي وذهبت حاولت مهاتفتها لليوم التالي لكن وجدت هاتفها مغلق. ذعرت إن تكرر لها ما حدث لعائلتي. وقتها بعثت برجال حتى يبحثوا عنها واستمرت ليلتان وأنا أقول هل رحلت ليلي التي كانت بمثابة أختي الصغيرة. حمدت ربي حينما هاتفتني وأخبرتني عن العائلة الكريمة التي ضيفوها في منزلهم. هنا توقفت لعدة لحظات هل يوجد شخص يدخل بيته للغريب؟ وحين عودتها لم تسلم وهي تحدثني عنكِ في كل مرة. وعن والداك. شعور بالحنين والأسرة الدافئة فتح جرحًا جديدًا لقلبي. رأيت صورة لك بالصدفة مع ليلي وأنتم أمام الأهرامات. عيناكِ الدافئتان هي التي جذبتني إليكِ. قلبي أرادك لكن عقلي قال توقف ستجرح مرة أخرى. وبقيت في صراع لوقت طويل. لن أفعلها لن أنجذب مرة أخرى لفتاة. لا أريد أن أتسبب بجرح ثالث. ولكن قلبي لم يتأثر. عامان وكل ليلة أراكِ بين أحضاني وتتلمسين شعري بنعومة كما كانت تفعل والدتي. زواج ليلى في مصر جعلني متحيرًا أذهب أم لا وفي النهاية ذهبت وبداخلي يخبرني شيء سيء قادم لي. رغبتك وأنتِ تريدين عمل لقاء صحفي معي هي النقطة الاتصال بيننا. أما الباقي فأنتِ تعرفينه. صفقة العمل. زواجنا الذي لم أكن أتوقعه. أنا آسف ليــان."
ابتعد عنها على الفور لا يريد أن ترى ضعفه الذي يمقت.
التقط قميصه من الأرض وارتدى في عجالة وتركها بمفردها.
كتمت شهقتها بكفيها وهي تنتحب بمرارة.
فصاحب أول دقة يتركها بمفردها بعد أن أخبرها بما يجيش في قلبه.
اعترف بحبه لها والأوان قد فات.
---
فتح شهاب الصندوق الذي أخبرته محاسن أنها ترسله لشهاب إن ماتت ورحلت.
وجد عدة أظرف ومكتوب بها اسم كل شخص مقرب في حياتها.
والدها، والدتها، عم إبراهيم، سعاد شهاب، ليان، سارة، وأخيرًا يوسف.
كان على وشك أن يحرق الظرف لكن يد ندي منعته.
هدر بغضب وهو يركل بقدميه في الهواء.
"كتبت له رسالة للحيوان ده."
"شهاب اهدي من فضلك. أظن هو كمان المفروض ياخد رسالته."
جز على أسنانه بغيظ.
"ولا بيقولك كان هيجي يضحك على نفسه ولا عليا وطلع البيه خاطب ولأ وكمان مين واحدة شبه ليان."
امتنعت ندي عن الرد.
محق في كل كلمة.
لن تجادله الآن.
وجدته يفتح الظرف الخاص به لتنسحب بهدوء وتجعله يختلي بنفسه.
---
يريد أن يسحقها بين ذراعيه.
هتفت باسم زياد لأول مرة.
اسمه وهي تناديه يوجد به سحر عجيب.
أخبرها حياته منذ طفولته حتى مقابلتهما معًا.
عاد فتح قلبه للمرة الثانية أمامها هي.
ولكن ما فائدة ما قاله أمامها؟
فكل شيء أصبح تحصيل حاصل.
استقل سيارته ليتوجه بها نحو الذي أطفأ شعلة زوجته.
حبيبته.
ترجل من السيارة في إحدى المستودعات ليهرول الحارس نحوه.
"سيدي."
"أين هو؟"
عيناه غائمتان.
نار داخلية تجري بأوردته.
سيحرقه.
يقسم أنه سيفعلها.
توجه إلى الداخل ليجدا جثة ما زالت على قيد الحياة.
فتح جفنيه بألم وما إن وجده حتى ابتسم بمرارة.
"أهلاً بالسيد زين. حقًا أشكرك على ضيافتي لي."
دنا نحوه وهو يمسك من تلابيب قميصه الممزقة هاتفا بنبرة شيطانية.
"لن أرسلك إلى ربك بتلك السهولة يا ***."
"مهما فعلت يا زين فإن ما ستفعله بي لن ينسيك ما حدث."
رغم آلام جسده والدماء التي تسيل من جبهته إلا أنه يريد أن يرى انكساره.
ضعفه.
"أتعلم رغم أنني لا أحب الفتيات الشرقيات ولكن ما إن رأيت زوجتك حتى أصبحت مهوسًا بها. لقد كنت أتخيلها وهي نائمة بجواري. أدفن وجهي في عنقها ورائحتها المسكرة ستجعلني أذوب بها. جسدها الناعم وعيناها الدافئتان وشعرها الذي تخيلته آلاف المرات ولكن ما إن رأيته حتى فتنت به."
ظل يستمع إليه دون أن يعقب والبركان على وشك الانفجار لا محالة.
نظر له تيم بسخرية وهو يطالع وجهه الذي بدأ يصطبغ باللون الأحمر واضطرابات جسده خير دليل أنه سيفـتك به.
"يبدو أنها أيقظت بك دماء الرجال الشرقيين. هنيئًا لها."
أخذ يلكمه في وجه وجميع أنحاء جسده.
وهو يبتسم في خفوت.
سحبه من تلابيب قميصه وصاح بتوعد وعيناه ينطلقان منها شرر الغضب.
"أقسم لك أني سأجعلك تندم على ما فعلته معها وما تفوهت به."
والآخر كان كالمغيب وهو ينظر له بابتسامة يستفزه بها.
"لم أندم ولو للحظة يا رجل عندما كانت بين ذراعي."
كان الحارس يتابع ما يحدث بقلق.
وعندما وجد سيده يخرج سلاحه يشهره نحو رأس الملقى أرضًا.
اتسع أعين الحارس ذعرًا.
"سأقتلك يا تيم!"
ودوى صوت طلقة نار واستقرت نحوه حتى عم الصمت للمكان.