تحميل رواية «زوجة ولد الأبالسة» PDF
بقلم هدى زايد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سار جنبًا إلى جنب دون إصدار أي صوت. اليوم تحديدًا كان الجد غامضًا بعض الشيء. جلس على المقعد المجاور لمقعد القيادة، شارد الذهن. إن حدث ما توقعه هذا يعني أنه خسر كل شيء. وإن طلب العكس منه هذا يعني أنه خسر جولة ولكن لم يخسر الحرب. عليه أن يخدعه، فالحرب خدعة ولكل معركة قوانينها الخاصة. كان يختلس النظر له كلما سنحت له الفرصة. حدثه أكثر من مرة ولكن الجد في عالم آخر. توقف فجأة عند المزرعة. ناداه أكثر من مرة وما زال شاردًا. هزّه بشار في كتفه برفق وقال: – جدي أنت بخير؟ نظر الجد لحفيده وقال بشرود: – ها؟ ف...
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الأول 1 - بقلم هدى زايد
سار جنبًا إلى جنب دون إصدار أي صوت.
اليوم تحديدًا كان الجد غامضًا بعض الشيء. جلس على المقعد المجاور لمقعد القيادة، شارد الذهن. إن حدث ما توقعه هذا يعني أنه خسر كل شيء. وإن طلب العكس منه هذا يعني أنه خسر جولة ولكن لم يخسر الحرب. عليه أن يخدعه، فالحرب خدعة ولكل معركة قوانينها الخاصة. كان يختلس النظر له كلما سنحت له الفرصة. حدثه أكثر من مرة ولكن الجد في عالم آخر. توقف فجأة عند المزرعة.
ناداه أكثر من مرة وما زال شاردًا. هزّه بشار في كتفه برفق وقال:
– جدي أنت بخير؟
نظر الجد لحفيده وقال بشرود:
– ها؟ في حاجة يا بشار؟
رد بشار باسمًا وقال:
– واضح إني جبتك من آخر الدنيا. قُل لي، ما لي فيك؟ إيه اللي جالك كام يوم كده مش على معانا في الدنيا ودايمًا شارد؟
حرك الجد رأسه وقال:
– والله يا ولدي ما أخبر فيني إيه؟
سأله بشار بقلق:
– جدي تحب نروح لدكتور يشوف فيك إيه؟
أجابه الجد قائلاً:
– لا يا ولدي، أنا زين والحمد لله.
تابع بجدية:
– هم بينا اتأخرنا على الناس.
رجل بشار ثم سار من أمام السيارة متجهًا لباب السيارة. ساعد جده في الترجل. عبر البوابة الإلكترونية. كاد أن يتجه بشار نحو مكتب المزرعة لكنه استوقفه قائلاً بخفوت:
– اصبر يا ولدي، الضيوف وصلوا.
نظر بشار تجاه الساحة التي تركض فيها الجياد ثم عاد ببصره وقال بضيق:
– إيه اللي جاب الراجل ده هنا يا جدي؟
– صبرك بالله يا ولدي. الراجل جاي يشتري خيل لعياله وإحنا عندنا مزرعة خيول، يبقى هو جه المكان الصح.
– يا جدي، فؤاد القصاص ده راجل واعر جوي جوي وعمره ما بيجي الخير من وراه. ولا أنت نسيت؟
– ومين نسي يا ولدي؟ بس أنا ليا غرض معين في دماغي. صبرك أنت بس وأنا هشوفه هيعمل إيه.
– على راحتك يا جدي، بس أنا أخلّصت ضميري.
ابتسم ما إن أقبل عليه فؤاد وابنته خديجة. تبادلا التحية ثم توجهوا لغرفة المكتب. وثب عُمر ابن عم بشار ما إن اقتحم جده والضيوف المكتب. وقف حذاء بشار تاركًا الجد يحل محله خلف. جلس وقال بابتسامة بشوشة:
– عجبتك المُهرة يا خديجة؟
ردت خديجة قائلة بنبرة محبطة:
– آه يا عمو الحاج، عجبتني.
سألها الجد حسان باسمًا:
– إيه عمو الحاج دي يا بتي؟ قولي يا جدي أنتِ كيفك كيف بنات ولادي.
اكتفت خديجة بالابتسامة شديدة التكلفة. لاحظ عليها حزنها فسألها بفضول:
– مال الجمر حزين ليه؟
وكأن هذه القشة التي تعلقت بها خديجة. نظرت له وقالت بعفويتها الشديدة:
– يرضيك يا عمو الحاج أبقى جاية وعاوزة الحصان الأسود ومتفقة مع بابي عليه ويجي الأستاذ عُمر بكل قلة ذوق اللي في الدنيا يقول لي لأ، اختاري غيره! هو أنا بشحت؟ ما بابي ها يدفع تمنه.
رد عُمر مدافعًا عن حاله وقال بنبرة مغتاظة:
– أولًا أنا الدكتور عُمر مش الأستاذ. ثانيًا بقى الحصان ده بالذات لأ و…
ردت خديجة مقاطعة عُمر بنفاذ صبر:
– وليه لأ؟ هو أنا عندك مشكلة مع كلمة مبروك عليكي.
– لا إله إلا الله يا بت الناس. الحصان ده مش للبيع من أساسه!
سأله الجد حسان وقال بهدوء:
– هي اتحددت على إنهي حصان يا عُمر؟
أجابه عُمر وهو يشير بيده تجاه ابن عمه الذي يتابع المناقشة في صمت تام إلى أن وصل إلى مسامعها اسم حصانه:
– قصدها يا جدي على ضي حصان بشار.
– لا، حصاني لا. عندك المزرعة مليانة من خيرات الله، لكن حصاني لا.
التزمت خديجة الصمت ما إن تحدث والدها بهدوء قائلاً باعتذار:
– خلاص يا جماعة. ما كناش نعرف إن الحصان ده تبعك يا بشار يا ولدي.
تابع بهدوء وقال:
– وأنتِ يا ديجا يا بتي اختاري الحصان اللي يعجبك.
ردت خديجة بنبرة خافتة:
– شكرًا، مش عاوزة حاجة. يلا عشان نمشي.
نظر الجد للأحفاد وقال بنبرة معاتبة:
– مرتاحين كده؟ أهي ست البنات هاتسيب لكم المزرعة بالحصان. يا قليل الرباية منك له.
تابع الجد باعتذار وقال:
– متزعليش يا ست البنات، روحي مع بشار واختاري اللي يعجبك.
– ما أنا قلت اللي عجبني وأنتم رافضين. وبصراحة بقى ما عندكمش خيل حلوة.
ضحك الجد وقال بعتاب:
– أباي عليكِ وعلى زعلك الواعر ده. كده تقولي عنا كده؟ إحنا أحسن مزرعة في البلد كلها.
رفعت خديجة أكتافها بحركة عفوية وقالت بعناد:
– برضه مش حلوين ومش هخلي أصحابي يجوا عندكم.
– لا دي كده خسارة كبيرة جوي، ما نقدرش نتحملها.
تابع الجد قائلاً بجدية:
– معاها يا بشار يا ولدي. خليها تختار اللي على كيفها. وأنت يا عُمر جهز لها الورق على ما تختار الحصان. وخليك في المكتب التاني لحد ما أنادم عليك.
– حاضر يا جدي.
خرج ثلاثتهم. توجه عُمر للمكتب بينما أشار لها بشار بيده وقال:
– اتفضلي يا ست هانم. بس بعدي عينك عن حصاني، أنا بحذرك أهو.
***
داخل حجرة المكتب الخاصة بالجد.
كان يستمع لمبررات فؤاد المعتادة عليها منه. لم يقاطعه أو يعارضه حتى انتهى تمامًا. ارتشف رشفات سريعة ومتتالية من قهوته. وضع القدح على سطح المكتب الزجاجي وقال بهدوء:
– كل حديثك ده بسمعه منك كل أربع سنين يا فؤاد. وجه اليوم اللي أقول فيه خليها لينا المرة دي.
رد فؤاد بفزع وكأنه لدغ للتو وقال:
– معلش يا حاج حسان، ده مستحيل يحصل. أنا محتاج الدورة دي.
– ما تنزل مع ولد ولدي عادي والصالح منكم. الناس هتختاروا.
– يا حاج حسان، أنا وأنت والبلد كلها تعرف زين إن بكلمة منك مين ياخد الدورة الانتخابية.
– ليه يا ولدي؟ أنا لا محافظ ولا عمدة. أنا يا دوب راجل حابب يخدم أهل بلده.
تنفس فؤاد بعمق وقال:
– طلباتك يا حاج حسان. قل لي على طلباتك وأنا تحت أمرك.
– الأمر لله وحده يا ولدي. أنا جلت لك اللي عندي. أنا قررت بشار ولد ولدي ينزل الانتخابات دي.
رد فؤاد بعصبية وقال:
– عشان كده رجعته البلد. عاوزاه يخدم أهله وناسه. أنت يا حاج عارف إني محتاج الدورة دي ومع ذلك منشف راسك.
– خلصت ولا لسه؟ عنيدك حدّث ماصخ كيفك.
تنهد فؤاد بهدوء ثم قال باعتذار حتى لا يخسر كل شيء دفعة واحدة:
– حقك عليّ يا حاج، بس أنا واخد على خاطري منك. كيف يعني كده بين يوم وليلة كده بشار ياخدها مني؟
رد الجد وقال بعتاب:
– ما أنت خدتها خمس مرات وكل مرة تقول هتساعد أهل البلد. لا بتساعد أهل البلد ولا حتى بنشوفك في البلد غير قبل الانتخابات.
– مشاغل يا حاج، ربنا يعلم مشاغلي كد إيه في مصر.
هدر الجد بصوت غاضب قائلاً:
– مصر واللي بييجي منها لا بيسر القلب ولا بيريح العقل.
ختم حديثه قائلاً:
– خلاصة الجول إن أنا عنيدي. الحل.
– خير يا حاج؟
– بتك خديجة.
– مالها يا حاج بتي؟
– تاخد حد من ولاد ولادي ويبقى دي تمن الدورة دي.
هدر فؤاد بصوته كله وقال بعصبية:
– لا يا حاج، كيف دي؟ أبيع بتي عشان إيه؟ والله ما يحصل أبدًا. بتفكر كيف أنت؟
– خلاص يبقى تنزل الانتخابات وأهل البلد هي اللي هاتحكم بيناتكم مين هو الصالح ليها.
– يا حاج بتي صغيرة على بشار.
– هي عندها كام سنة؟
– دي بكرة هتكمل الخمسة وعشرين. دي لسه صغيرة.
– خلاص تاخد عُمر. أهو أصغر من ولد عمه.
– برضه كبير عليه.
رد الحاج حسان وقال بهدوء حد الاستفزاز:
– بسيطة. نسيب العروسة تختار بنفسها بكرة.
– يا حاج حسـ…
رد الجد مقاطعًا فؤاد وقال بجدية وهو يقف عن مقعده:
– خلص الحديث لحد كده وبكرة هنكون عندك يا فؤاد. نعرف رأي العروسة.
***
فكِ التكشيرة دي بقى إيه؟ مجبوض عليكِ إياك!
قالها بشار وهو يقف أمام خديجة الواقفة أمام ساحة الجياد، لكنها لم تمتثل لأمره تمامًا. رفعت كتفيها قائلة بحزن مصطنع:
– أنا مش زعلانة وملكش دعوة بيا لو سمحت.
نظر نظرة سريعة حوله وقال باستعطاف وهو يخرج هديته الموضوعة داخل علبة مخملية من اللون الأحمر القاتم.
– طب مش عاوزة تشوفي هدية حبيبك؟
لاحت ابتسامة مترددة على ثغرها ثم قالت بنبرة معاتبة:
– حبيبي اللي استخسر فيا حصانه؟ ودلوقتي بيضحك عليا بحتة خاتم دهب؟
– كنوز الدنيا كلها تحت رجليكِ يا نبض قلبي مش بس حصاني!
أردف بشار عبارته وهو ينظر لخديجة نظرة عاشق أرهقه العشق ويتوق شوقًا لمعشوقته. لم تستطع أن تصمد أمام عبارته المغازلة لها. تناولت منه الهدية سريعًا قبل أن يراهم أحد الأعين المتناثرة داخل المزرعة والتي ترصد كل حركة ويعلم بها جده الحاج حسان الدهشوري. تنحنح وقال بجدية:
– خابر اللي هاجوله ده ها يزعلك مني، بس أنا رايد نصبروا هبابة كمان، وبعدها هاحدد جدي في موضوعي.
ردت خديجة قائلة بضيق:
– تاني يا بشار؟ تاني؟ تأجيل تاني؟ أنا تعبت من كتر التأجيل. بقالنا سنتين ما بنعملش حاجة غير التأجيل.
– خابر إني بقيت ماصخ وياكِ في موضوع التأجيل ده، بس صراحة ربنا مش عاوز حاجة تتم من غير رضا جدي.
سألته خديجة بعصبية قائلة:
– أيوه، وأنا هفضل لحد إمتى تحت رحمة جدك يوافق ولا لأ؟
أجابها بشار بذات النبرة وقال:
– وليه الغلط ده عاد؟ ما قلنا هنصبروا هبابة.
وضعت خديجة يدها في خاصرتها وقالت بعناد:
– وإن قلت لأ؟
رد بشار بنبرة أهدأ من ذي قبل قائلاً:
– خابر إنك تعبتي من الانتظار، بس صدقيني مافيش حاجة في يدي أعملها. أنا بس شايفه اليومين دول مشغول في كام حاجة كده، وكل ما أجاي أفتح وياه الموضوع تحصل حاجة تخرب الدنيا. اصبر عليا بس هبابة عشان خاطري. عنيدكِ يا ديجا.
تنهدت خديجة بنفاذ صبر ثم نظرت له وقالت بنبرة لا تقبل النقاش:
– بكرة بابي عامل حفلة عيد ميلادي وأنتم أكيد معزومين. لو ما جتش وطلبتني منه يا بشار، اعتبر المرة دي بجد كل اللي بينا انتهى.
سارت بخطواتها الواسعة والسريعة عائدة وهي تتذكر هديته. فتحت له كفه ثم وضعتها دون أن تكترث لأعين جده وقالت:
– هديتك متلزمنيش لحد ما نحط النقط على الحروف.
غابت عن المكان متجهة حيث مكتب المزرعة. ولجت المكتب بعد أن طرقته. طلبت من والدها أن تغادر المكان. نظر الجد لها نظرات متفحصة ثم قال بفضول:
– ها يا عروستنا، اخترتي مُهرة غير الحصان؟
نظرت لبشار الذي ركض خلفها لعله يلحق بها ويحاول تخفيف همها وحزنها بسببه. ثم عادت ببصرها للجد وقالت:
– أنا قلت لبشار على الحصان اللي عجبني وهو معاه فرصة لبكرة ويرد عليا.
وقف فؤاد عن مقعده مصافحًا الحاج حسان ثم غادر المكان وقلبه يكاد أن ينشطر لنصفين. أما ابنته فكانت في عالم آخر شاردة الذهن. كيف سمحت لقلبها أن تضعه بين يديها. سقطت دمعة من عينيها لكن سرعان ما منعتها أن تنساب على وجنتها. وضع والدها يده على كفها وقال بقلق:
– أنتِ زينة يا بتي؟
– آه يا بابي، ما تقلقش. أنا بخير والحمد لله.
– طب تحب تروحي لأمك ولا تاچي وياي على البيت التاني؟
– لا، لا. أنا هروح لماما من فضلك يا بابي. مخنوقة ومحتاجة أتكلم معاها شوية.
– على كيفك يا بتي.
***
داخل منزل الحاج حسان.
كانت جالسة على الأريكة تضع طلاء الأظافر بعناية فائقة بينما كانت شقيقتها تُنهي المحرم الورقي الذي تكتب عليه بخيوط الحرير عبارة تعايد فيها خديجة. طلبه منها جدها وها هي تفعل ما طلبه بطيب خاطر ورضا نفس. ولج الجد وهو يتنحنح بصوته. اعتدلت حُسنة في جلستها دون أن تكترث لحجابها الملقى على كتفيها. هوى بجسده حذائها وقال بغضب مكتوم:
– كام مرة ها أجول لك استري نفسي و غطي شعرك.
– في إيه يا جدي؟ ما أنا مستورة أهو وحجابي على شعري أهو.
– شعرك كله باين. استري حالك ربنا يسترِك دنيا وآخرة.
تنهدت حُسنة بضيق وقالت:
– حاضر يا جدي. حاجة تانية؟
– لا.
ابتسمت وجيدة وهي تقف عن المقعد متجهة نحو جدها بخطواتها المتعثرة قليلًا وقالت:
– اتفضلي يا جدي المنديل اللي طلبته مني وعليه كمان اسم خديجة، يارب يعجبك.
تناول منها المحرم الورقي وقال بابتسامة واسعة:
– يسلم يدك يا جلب جدي من جوا. ربنا يرضاكِ ويرزقك الصحة والستر والزوج الصالح.
مالت وجيدة ببصرها قليلًا ثم ردت بخفوت:
– اللهم آمين يا جدي.
ردت حُسنة وقالت بنبرة معاتبة:
– كل دي دعوات لـ وجيدة وأنا إيه؟ الحديث العفش وبس صح!!
ابتسم لها وقال:
– ربنا يهديكِ يا بتي.
ردت بنبرة حزينة قائلة:
– وه!! ليه مجنونة أنا إياك!! لا يا جدي رايدة دعوة زينة زي وجيدة.
– اعملي أنتِ كيف ما وجيدة بتعمل وانتِ نور عيني.
بسطت يدها وقالت بابتسامة واسعة:
– طب هات بقى.
– أجيب إيه؟
– هات فلوس عشان أشتري حاجات لزوم الحفلة بتاعت خديجة.
– مين قال إنك رايحة؟
– وه أنت ها ترجع في كلامك إياك؟
ضربها الجد وقال بجدية مصطنعة:
– استحشمي يا بت، إني جدك. عيب كده.
– طب يا جدي، أنا رايدة أروح الحفلة عشان خاطري يا جدي. أنا ها أطق من القعدة بوظي في بوز الحيطان كده.
– ما خيتك أهي قاعدة وعمري ما سمعتها بتشتكي.
– أنا مالي ومال خيتي يا جدي. أنا رايدة أشم نفسي هبابة وأفك عن حالـ…
– اجعدي في البيت. ما عندناش حريم تطنط في البيوت. حفلات إيه؟ إحنا بتوع حفلات إحنا!
أردف عُمر عبارته وهو يلج من باب البيت. تأففت حُسنة على إثر صوته الذي ينم عن الغيرة القاتلة.
ابتسم الجد لهذا المشهد وانتظر رد حفيدته الذي بات يحفظه عن ظهر قلب. كزت على أسنانها وقالت:
– وأنت مالك يا أنت؟ كان حد قالك إني باخد منك الإذن؟ أنا نفسي مرة واحدة بس ما تتدخلش بيني وبين جدي.
رد الجد بنبرة أهدأ من ذي قبل قائلاً:
– خابر إنك تعبتي من الانتظار، بس صدقيني مافيش حاجة في يدي أعملها. أنا بس شايفه اليومين دول مشغول في كام حاجة كده، وكل ما أجاي أفتح وياه الموضوع تحصل حاجة تخرب الدنيا. اصبر عليا بس هبابة عشان خاطري. عنيدكِ يا ديجا.
تنهدت خديجة بنفاذ صبر ثم نظرت له وقالت بنبرة لا تقبل النقاش:
– بكرة بابي عامل حفلة عيد ميلادي وأنتم أكيد معزومين. لو ما جتش وطلبتني منه يا بشار، اعتبر المرة دي بجد كل اللي بينا انتهى.
سارت بخطواتها الواسعة والسريعة عائدة وهي تتذكر هديته. فتحت له كفه ثم وضعتها دون أن تكترث لأعين جده وقالت:
– هديتك متلزمنيش لحد ما نحط النقط على الحروف.
غابت عن المكان متجهة حيث مكتب المزرعة. ولجت المكتب بعد أن طرقته. طلبت من والدها أن تغادر المكان. نظر الجد لها نظرات متفحصة ثم قال بفضول:
– ها يا عروستنا، اخترتي مُهرة غير الحصان؟
نظرت لبشار الذي ركض خلفها لعله يلحق بها ويحاول تخفيف همها وحزنها بسببه. ثم عادت ببصرها للجد وقالت:
– أنا قلت لبشار على الحصان اللي عجبني وهو معاه فرصة لبكرة ويرد عليا.
وقف فؤاد عن مقعده مصافحًا الحاج حسان ثم غادر المكان وقلبه يكاد أن ينشطر لنصفين. أما ابنته فكانت في عالم آخر شاردة الذهن. كيف سمحت لقلبها أن تضعه بين يديها. سقطت دمعة من عينيها لكن سرعان ما منعتها أن تنساب على وجنتها. وضع والدها يده على كفها وقال بقلق:
– أنتِ زينة يا بتي؟
– آه يا بابي، ما تقلقش. أنا بخير والحمد لله.
– طب تحب تروحي لأمك ولا تاچي وياي على البيت التاني؟
– لا، لا. أنا هروح لماما من فضلك يا بابي. مخنوقة ومحتاجة أتكلم معاها شوية.
– على كيفك يا بتي.
***
داخل حجرة المكتب الخاصة بالجد.
كان يستمع لمبررات فؤاد المعتادة عليها منه. لم يقاطعه أو يعارضه حتى انتهى تمامًا. ارتشف رشفات سريعة ومتتالية من قهوته. وضع القدح على سطح المكتب الزجاجي وقال بهدوء:
– كل حديثك ده بسمعه منك كل أربع سنين يا فؤاد. وجه اليوم اللي أقول فيه خليها لينا المرة دي.
رد فؤاد بفزع وكأنه لدغ للتو وقال:
– معلش يا حاج حسان، ده مستحيل يحصل. أنا محتاج الدورة دي.
– ما تنزل مع ولد ولدي عادي والصالح منكم. الناس هتختاروا.
– يا حاج حسان، أنا وأنت والبلد كلها تعرف زين إن بكلمة منك مين ياخد الدورة الانتخابية.
– ليه يا ولدي؟ أنا لا محافظ ولا عمدة. أنا يا دوب راجل حابب يخدم أهل بلده.
تنفس فؤاد بعمق وقال:
– طلباتك يا حاج حسان. قل لي على طلباتك وأنا تحت أمرك.
– الأمر لله وحده يا ولدي. أنا جلت لك اللي عندي. أنا قررت بشار ولد ولدي ينزل الانتخابات دي.
رد فؤاد بعصبية وقال:
– عشان كده رجعته البلد. عاوزاه يخدم أهله وناسه. أنت يا حاج عارف إني محتاج الدورة دي ومع ذلك منشف راسك.
– خلصت ولا لسه؟ عنيدك حدّث ماصخ كيفك.
تنهد فؤاد بهدوء ثم قال باعتذار حتى لا يخسر كل شيء دفعة واحدة:
– حقك عليّ يا حاج، بس أنا واخد على خاطري منك. كيف يعني كده بين يوم وليلة كده بشار ياخدها مني؟
رد الجد وقال بعتاب:
– ما أنت خدتها خمس مرات وكل مرة تقول هتساعد أهل البلد. لا بتساعد أهل البلد ولا حتى بنشوفك في البلد غير قبل الانتخابات.
– مشاغل يا حاج، ربنا يعلم مشاغلي كد إيه في مصر.
هدر الجد بصوت غاضب قائلاً:
– مصر واللي بييجي منها لا بيسر القلب ولا بيريح العقل.
ختم حديثه قائلاً:
– خلاصة الجول إن أنا عنيدي. الحل.
– خير يا حاج؟
– بتك خديجة.
– مالها يا حاج بتي؟
– تاخد حد من ولاد ولادي ويبقى دي تمن الدورة دي.
هدر فؤاد بصوته كله وقال بعصبية:
– لا يا حاج، كيف دي؟ أبيع بتي عشان إيه؟ والله ما يحصل أبدًا. بتفكر كيف أنت؟
– خلاص يبقى تنزل الانتخابات وأهل البلد هي اللي هاتحكم بيناتكم مين هو الصالح ليها.
– يا حاج بتي صغيرة على بشار.
– هي عندها كام سنة؟
– دي بكرة هتكمل الخمسة وعشرين. دي لسه صغيرة.
– خلاص تاخد عُمر. أهو أصغر من ولد عمه.
– برضه كبير عليه.
رد الحاج حسان وقال بهدوء حد الاستفزاز:
– بسيطة. نسيب العروسة تختار بنفسها بكرة.
– يا حاج حسـ…
رد الجد مقاطعًا فؤاد وقال بجدية وهو يقف عن مقعده:
– خلص الحديث لحد كده وبكرة هنكون عندك يا فؤاد. نعرف رأي العروسة.
***
فكِ التكشيرة دي بقى إيه؟ مجبوض عليكِ إياك!
قالها بشار وهو يقف أمام خديجة الواقفة أمام ساحة الجياد، لكنها لم تمتثل لأمره تمامًا. رفعت كتفيها قائلة بحزن مصطنع:
– أنا مش زعلانة وملكش دعوة بيا لو سمحت.
نظر نظرة سريعة حوله وقال باستعطاف وهو يخرج هديته الموضوعة داخل علبة مخملية من اللون الأحمر القاتم.
– طب مش عاوزة تشوفي هدية حبيبك؟
لاحت ابتسامة مترددة على ثغرها ثم قالت بنبرة معاتبة:
– حبيبي اللي استخسر فيا حصانه؟ ودلوقتي بيضحك عليا بحتة خاتم دهب؟
– كنوز الدنيا كلها تحت رجليكِ يا نبض قلبي مش بس حصاني!
أردف بشار عبارته وهو ينظر لخديجة نظرة عاشق أرهقه العشق ويتوق شوقًا لمعشوقته. لم تستطع أن تصمد أمام عبارته المغازلة لها. تناولت منه الهدية سريعًا قبل أن يراهم أحد الأعين المتناثرة داخل المزرعة والتي ترصد كل حركة ويعلم بها جده الحاج حسان الدهشوري. تنحنح وقال بجدية:
– خابر اللي هاجوله ده ها يزعلك مني، بس أنا رايد نصبروا هبابة كمان، وبعدها هاحدد جدي في موضوعي.
ردت خديجة قائلة بضيق:
– تاني يا بشار؟ تاني؟ تأجيل تاني؟ أنا تعبت من كتر التأجيل. بقالنا سنتين ما بنعملش حاجة غير التأجيل.
– خابر إني بقيت ماصخ وياكِ في موضوع التأجيل ده، بس صراحة ربنا مش عاوز حاجة تتم من غير رضا جدي.
سألته خديجة بعصبية قائلة:
– أيوه، وأنا هفضل لحد إمتى تحت رحمة جدك يوافق ولا لأ؟
أجابها بشار بذات النبرة وقال:
– وليه الغلط ده عاد؟ ما قلنا هنصبروا هبابة.
وضعت خديجة يدها في خاصرتها وقالت بعناد:
– وإن قلت لأ؟
رد بشار بنبرة أهدأ من ذي قبل قائلاً:
– خابر إنك تعبتي من الانتظار، بس صدقيني مافيش حاجة في يدي أعملها. أنا بس شايفه اليومين دول مشغول في كام حاجة كده، وكل ما أجاي أفتح وياه الموضوع تحصل حاجة تخرب الدنيا. اصبر عليا بس هبابة عشان خاطري. عنيدكِ يا ديجا.
تنهدت خديجة بنفاذ صبر ثم نظرت له وقالت بنبرة لا تقبل النقاش:
– بكرة بابي عامل حفلة عيد ميلادي وأنتم أكيد معزومين. لو ما جتش وطلبتني منه يا بشار، اعتبر المرة دي بجد كل اللي بينا انتهى.
سارت بخطواتها الواسعة والسريعة عائدة وهي تتذكر هديته. فتحت له كفه ثم وضعتها دون أن تكترث لأعين جده وقالت:
– هديتك متلزمنيش لحد ما نحط النقط على الحروف.
غابت عن المكان متجهة حيث مكتب المزرعة. ولجت المكتب بعد أن طرقته. طلبت من والدها أن تغادر المكان. نظر الجد لها نظرات متفحصة ثم قال بفضول:
– ها يا عروستنا، اخترتي مُهرة غير الحصان؟
نظرت لبشار الذي ركض خلفها لعله يلحق بها ويحاول تخفيف همها وحزنها بسببه. ثم عادت ببصرها للجد وقالت:
– أنا قلت لبشار على الحصان اللي عجبني وهو معاه فرصة لبكرة ويرد عليا.
وقف فؤاد عن مقعده مصافحًا الحاج حسان ثم غادر المكان وقلبه يكاد أن ينشطر لنصفين. أما ابنته فكانت في عالم آخر شاردة الذهن. كيف سمحت لقلبها أن تضعه بين يديها. سقطت دمعة من عينيها لكن سرعان ما منعتها أن تنساب على وجنتها. وضع والدها يده على كفها وقال بقلق:
– أنتِ زينة يا بتي؟
– آه يا بابي، ما تقلقش. أنا بخير والحمد لله.
– طب تحب تروحي لأمك ولا تاچي وياي على البيت التاني؟
– لا، لا. أنا هروح لماما من فضلك يا بابي. مخنوقة ومحتاجة أتكلم معاها شوية.
– على كيفك يا بتي.
***
داخل منزل الحاج حسان.
كانت جالسة على الأريكة تضع طلاء الأظافر بعناية فائقة بينما كانت شقيقتها تُنهي المحرم الورقي الذي تكتب عليه بخيوط الحرير عبارة تعايد فيها خديجة. طلبه منها جدها وها هي تفعل ما طلبه بطيب خاطر ورضا نفس. ولج الجد وهو يتنحنح بصوته. اعتدلت حُسنة في جلستها دون أن تكترث لحجابها الملقى على كتفيها. هوى بجسده حذائها وقال بغضب مكتوم:
– كام مرة ها أجول لك استري نفسي و غطي شعرك.
– في إيه يا جدي؟ ما أنا مستورة أهو وحجابي على شعري أهو.
– شعرك كله باين. استري حالك ربنا يسترِك دنيا وآخرة.
تنهدت حُسنة بضيق وقالت:
– حاضر يا جدي. حاجة تانية؟
– لا.
ابتسمت وجيدة وهي تقف عن المقعد متجهة نحو جدها بخطواتها المتعثرة قليلًا وقالت:
– اتفضلي يا جدي المنديل اللي طلبته مني وعليه كمان اسم خديجة، يارب يعجبك.
تناول منها المحرم الورقي وقال بابتسامة واسعة:
– يسلم يدك يا جلب جدي من جوا. ربنا يرضاكِ ويرزقك الصحة والستر والزوج الصالح.
مالت وجيدة ببصرها قليلًا ثم ردت بخفوت:
– اللهم آمين يا جدي.
ردت حُسنة وقالت بنبرة معاتبة:
– كل دي دعوات لـ وجيدة وأنا إيه؟ الحديث العفش وبس صح!!
ابتسم لها وقال:
– ربنا يهديكِ يا بتي.
ردت بنبرة حزينة قائلة:
– وه!! ليه مجنونة أنا إياك!! لا يا جدي رايدة دعوة زينة زي وجيدة.
– اعملي أنتِ كيف ما وجيدة بتعمل وانتِ نور عيني.
بسطت يدها وقالت بابتسامة واسعة:
– طب هات بقى.
– أجيب إيه؟
– هات فلوس عشان أشتري حاجات لزوم الحفلة بتاعت خديجة.
– مين قال إنك رايحة؟
– وه أنت ها ترجع في كلامك إياك؟
ضربها الجد وقال بجدية مصطنعة:
– استحشمي يا بت، إني جدك. عيب كده.
– طب يا جدي، أنا رايدة أروح الحفلة عشان خاطري يا جدي. أنا ها أطق من القعدة بوظي في بوز الحيطان كده.
– ما خيتك أهي قاعدة وعمري ما سمعتها بتشتكي.
– أنا مالي ومال خيتي يا جدي. أنا رايدة أشم نفسي هبابة وأفك عن حالـ…
– اجعدي في البيت. ما عندناش حريم تطنط في البيوت. حفلات إيه؟ إحنا بتوع حفلات إحنا!
أردف عُمر عبارته وهو يلج من باب البيت. تأففت حُسنة على إثر صوته الذي ينم عن الغيرة القاتلة.
ابتسم الجد لهذا المشهد وانتظر رد حفيدته الذي بات يحفظه عن ظهر قلب. كزت على أسنانها وقالت:
– وأنت مالك يا أنت؟ كان حد قالك إني باخد منك الإذن؟ أنا نفسي مرة واحدة بس ما تتدخلش بيني وبين جدي.
رد الجد بنبرة أهدأ من ذي قبل قائلاً:
– خابر إنك تعبتي من الانتظار، بس صدقيني مافيش حاجة في يدي أعملها. أنا بس شايفه اليومين دول مشغول في كام حاجة كده، وكل ما أجاي أفتح وياه الموضوع تحصل حاجة تخرب الدنيا. اصبر عليا بس هبابة عشان خاطري. عنيدكِ يا ديجا.
تنهدت خديجة بنفاذ صبر ثم نظرت له وقالت بنبرة لا تقبل النقاش:
– بكرة بابي عامل حفلة عيد ميلادي وأنتم أكيد معزومين. لو ما جتش وطلبتني منه يا بشار، اعتبر المرة دي بجد كل اللي بينا انتهى.
سارت بخطواتها الواسعة والسريعة عائدة وهي تتذكر هديته. فتحت له كفه ثم وضعتها دون أن تكترث لأعين جده وقالت:
– هديتك متلزمنيش لحد ما نحط النقط على الحروف.
غابت عن المكان متجهة حيث مكتب المزرعة. ولجت المكتب بعد أن طرقته. طلبت من والدها أن تغادر المكان. نظر الجد لها نظرات متفحصة ثم قال بفضول:
– ها يا عروستنا، اخترتي مُهرة غير الحصان؟
نظرت لبشار الذي ركض خلفها لعله يلحق بها ويحاول تخفيف همها وحزنها بسببه. ثم عادت ببصرها للجد وقالت:
– أنا قلت لبشار على الحصان اللي عجبني وهو معاه فرصة لبكرة ويرد عليا.
وقف فؤاد عن مقعده مصافحًا الحاج حسان ثم غادر المكان وقلبه يكاد أن ينشطر لنصفين. أما ابنته فكانت في عالم آخر شاردة الذهن. كيف سمحت لقلبها أن تضعه بين يديها. سقطت دمعة من عينيها لكن سرعان ما منعتها أن تنساب على وجنتها. وضع والدها يده على كفها وقال بقلق:
– أنتِ زينة يا بتي؟
– آه يا بابي، ما تقلقش. أنا بخير والحمد لله.
– طب تحب تروحي لأمك ولا تاچي وياي على البيت التاني؟
– لا، لا. أنا هروح لماما من فضلك يا بابي. مخنوقة ومحتاجة أتكلم معاها شوية.
– على كيفك يا بتي.
***
على الجانب الآخر من نفس المكان.
كان عُمر يستمع لجده. حديثه كان غامضًا بعض الشيء. انتهى من سرد حكايته مع فؤاد القصاص. ثم سأله بجدية مصطنعة:
– أنت مش هتبطل حركاتك دي؟ مالك أنت ومال بت عمك؟
رد عُمر دون أن يخجل من جده وقال بنبرة عاشق:
– أحبها يا جدي. جلبي متشعلج فيها. جلبي من يوم طل على جلبها ومراضيش يرجع لصدري من تاني. بيجل لي والله ما راجع غير وهي مرتك.
رد الجد باسمًا:
– وه!! استحى على حالك. إني جدها.
– يا جدي، أنا كمان طمعان في كرمك يا جدي. تجوزهالي وطلباتها كلها مجابة.
رد الجد بنبرة مغتاظة:
– طلباتها صعب تحجج يا ولدي.
– ليه يا جدي؟ هي مش من حقها كيف باقي البنات تكون أمها جارها؟
– الحديث ده كنت ممكن أوافق عليه لو كانت ليلة وخلاص. إنما دي رايدة أمها تاچي تجعد هنا ويبقى كيف ما مرت عمك ليها.
– وإيه العيب في كده؟ ما هي كانت مرته و…
هدر الجد بصوته وقال بعصبية:
– المصراوية ما هتتدخلش داري طول ما إني عايش في الدنيا. ولا واحد فيكم هايتچوز من مصر تاني واصل. إحنا ناخد اللي من توبنا، اللي تطبع بطباعنا مش اللي تعمل علينا بت الحسب والنسب وهي ولا تسوى. لما أبقى أموت ابقوا اعملوا ما بدلكم.
– ربنا يطول لنا في عمرك يا جدي.
– يطول ولا يقصر مبقاش فارقة كتير.
رد بتذكر وقال:
– صح، فينه بشار من وقت ما خرجنا من المزرعة وهو مختفي؟
– ما أخبرش يا جدي.
سأله الجد بمكر:
– ما جالكش بت فؤاد القصاص اختارت إنهي فرس؟
أجابه كاذبًا:
– لا، قال بعدين هاجل لك وما جاليش.
– عُمر، متأكد من حديثك دي؟
– كيف ما أنا متأكد إني جعد جدامك يا جدي.
– ماشي يا ولدي، روح أنت دلوقتي ولو شفت بشار خليه ييجي. أنا رايده ضروري.
– حاضر يا جدي. طب وبالنسبة لـ جوازي يا جـ…
قاطعه الجد بعصبية وقال:
– جوازك من حُسنة مش ها يتم. دي بعيد عن أحلامك.
رد متسائلاً بنبرة متعجبة:
– ليه يا جدي؟ ليه كده؟ أنا رايدها وهي ريداني وها هتجوزها ولو إيه اللي حصل.
– يبقى جول على حالك يا رحمن يا رحيم. بت المصراوية مش ها تتجوزها إياك تكون نسبت حالك يا واض؟ ولا نسيت إنك ساعدتها تكمل علامها.
– وفيها إيه يا جدي؟ ما هي كيف البنات. وبعدين ما وجيدة متعلمة و…
وقف الجد عن مقعده وهو يدب بعكازه على الأرض وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
– جفل على الحديث الماصخ ده دلوقتي يا عُمر وشوف فين ولد عمك غار فين داهية دي.
ولج بشار وقال بهدوء:
– أنا هنا يا جدي.
جلس الجد من جديد على مقعده وقال بتساؤل:
– فينك من وقت ما خرجنا من المزرعة؟
رد بشار بنبرة هادئة قائلاً بحزن دفين:
– موجود يا جدي. خير؟
ساد الصمت في المكان إلا من ضجيج أفكارهم.
أوزع الجد نظراته بين بشار وعُمر. دام الصمت لبضعة دقائق وقال:
– بكرة هنروحوا عند فؤاد القصاص، بس هنروحوا نطلبوا يد بنته.
نظر عُمر لبشار. بينما نظر لجده وقال بتوجس من حديث الجد:
– لمين يا جدي؟
صمت الجد لبرهة ثم قال بجدية:
– لـ عُمر ولد عمك. بارك له يا بشار.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثاني 2 - بقلم هدى زايد
رد بشار بتساؤل وهو يشير بسبابته على صدره قائلاً:
– طب وأني يا جدي؟
ابتسم الجد حسان وقال بهدوء مريب:
– ها تتجوزي بت عمك.
سأله بشار وقال بدهشة:
– كيف ديه دول كيف خواتي.
أجابه الجد قائلاً:
– ها جوزك حسنة بارك لواد عمك يا عمر.
هدر عمر بصوته الجهوري قائلاً بغضبٍ جم:
– الله في سماه اللي ها يجرب لها ليكون نهايته على يدي لو فاكرني طيب وضعيف يبجى غير فكرتك عني.
ابتسم الجد وقال بهدوء:
– ناخدوا رأي العرايس ونشوفه رأيهم إيه؟
– مافيهاش رأي ديه حسنة ليّ وأني ليها!
رمقه الجد حسان رمقة ساخطة متسائلاً بنبرة حادة قائلاً:
– أنت بتتحداني يا واض أنت؟
أشاح عمر بيده غير مباليًا بنظرات جده أو سؤاله وقال بعدم اكتراث:
– سميها كيف ما تحب المهم ما حدش هياخد حسنة مني.
بينما هدر بشار بغضبٍ جم قائلاً:
– عاوزها توهوج بعد عن اللي في راسك ديه يا جدي بزيادة لحد كده حسنة لعمر ومش لحد تاني واصل.
سأل الجد حفيده وقال:
– وخديجة بت القصاص لمين يا بشار؟
أجابه بشار بنبرة جادة:
– ليّ يا جدي ارتاحت كده؟
وقف الجد وقال بغضبٍ مكتوم:
– عشقتها يا بشار؟ فكرتني نايم على ودني ومش عارف باللي بيدور حوالي، عشقتها يا بشار!!
رد بشار بنبرة مرتفعة لأول مرة وقال:
– أيوه عشقتها ورايدها تبجى مرتي، عيب ولا حرام يا جدي؟
عاد الجد حسان بجسده للخلف مستندًا على ظهر المقعد وقال بهدوءٍ تام كأنه تبدل تمامًا:
– كل واحد منيكم يروح على أوضته والصباح رباح.
رد عمر بعدم فهم قائلاً:
– كيف يعني؟
– مخابرش كيف تروح اوضتك يا داكتور؟
رد عمر بنبرة مغتاظة قائلاً:
– أني خابر اروح كيف اوضتي لكن اللي مش خابره هو ها تعمل إيه في جوازي من حسنة.
وقف الجد حسان من خلف مكتبه، وهو يطرق بعكازه أرضًا، وقف بين أحفاده وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
– لو كان ديه طلبك أني موافق.
اتسعت أعين عمر بسعادة غامرة إلى أن تابع الجد حديثه قائلاً:
– بس عندي شرط واحد وبعدها مبروك عليك بت عمك.
– موافق يا جدي.
– اصبر على رزقك يا ولدي، مش يمكن الشرط ما يعجبكش؟
تبدل ملامح عمر في ثوانٍ وراح يقول بتوجس وهو ينظر لابن عمه ثم عاد ببصره لجده الذي يحمل بين صمته المريب وهدوئه الكثير والكثير:
– خير يا جدي إيه هو الشرط ديه؟
– أني ها جوزك حسنة، بس أمها ما تعرفهاش تاني واصل ولا تحضر لها فرح ولا غيره، لو حسنة وافقت يبجى أنت اللي تحدد معاد الفرح بنفسك.
رد عمر بغضبٍ جم قائلاً:
– أنت خابر إن ديه مش ها يحصل واصل، وعشان كده قلت موافق؟ ليه يا جدي كِده هي مش أمها ونفسها تفرح بيها برضك؟
رد الجد على سؤال حفيده بسؤالاً آخر قائلاً:
– رايد تفرح عروستك وتجهر بت عمك؟ نسيت إياك اللي عملته بت عمك إن كنت نسيت فأني لا وإن كنت رايد تفرح عروستك وتدخل عليها أمها اللي كانت سبب كسر بت عمك وعجزها أني لادب.
حسان عكازه أرضًا وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
– اللي عندي قلته خلاص، رايد تفرح وتاخد بت عمك يبجى أمها ما تعرف لبلدنا طريق واصل يا إما كده يا إما مافيش جواز منها ونفضوا ها سيرة من الموال اللي مابينلوش نهار ديه!!
ترك عمر جده وهو يتمتم بكلمات غاضبة، تاركًا بشار يعرف هو الآخر مصيره، وقف واضعًا كف فوق الآخر ناظرًا لجده بينما نظر الجد له وقال بتساؤل:
– فيك إيه عاد بتتطلع لي كده ليه خدني تصويرة احسن؟
– مستنيك يا جدي تجول ها تنفس ميتا عشان اتنفس؟
– بتتمسخر عليّ يا واض أنت؟
– لا بس اللي بتعمله ديه حرام، لا شرع ولا دين يجولوا إنك تتحكم فينا كده، إني ينفع اروح وأطلب يدها من أبوها وأتجوزها في الوقت اللي شايفه مناسب لي.
ابتسم الجد وقال بسخرية:
– ومعملتش كده ليه؟
رد بشار قائلاً بنبرة حزينة:
– جلت يا واض جدك في مقام أبوك الله يرحمه ما ينفعش تاخد خطوة من غير رضاه عليك.
رد الجد حسان بنبرة معاتبة لا تقل حزنًا عن نبرة حفيده وقال:
– لكن ينفع تروح كيف الجرع تمد لبر وتتجوز من الأغراب وبت عمك لحمك ودمك موجودة؟
تنهد بشار بعمق ثم قال بنبرة صادقة:
– والله يا جدي ما بيدي، قلبي هو اللي عشقها هي القلوب عليها سلطان قمان وأنا مش دريان؟
– لا معلهاش سلطان بس نجدورا نغير وناخد اللي توبنا.
– يا جدي مادها البت ما كيف بنات عمي، وعايشة معانا واحنا اللي مربيينها نسيت إياك أما كانت تاجي في باطك وتشكي لك؟
رد الجد حسان متجاهلاً كل هذه الثرثرة قائلاً بنبرة مقتضبة لا تقبل النقاش في قراره:
– اللي عندي قلته خلاص، خديجة مش ليكو هتاخد بت عمك جلت إيه؟
رد بشار بعصبية وقال بإصرار:
– جلت لا يعني لا.
نظر له الجد وقال بإبتسامة جانبية:
– كده ماشي يا بشار على راحتك يا ولدي.
***
يعني إيه يعني أمي متحضرش فرحي، أنت موافق على الكلام دا يا عمر؟
اردفت حسنة عبارتها متسائلة بعدم فهم تحكمات الجد التي تعدت طاقة تحملها، نظرت للسماء وهي تستمع لرجاء عمر وتوسلاته والتي على ما يبدو أنها لن تنتهي اليوم قررت أن تغادر المكان قبل أن تفقد أعصابها أكثر من ذلك، دفعته في صدره بقوة وهي تتجاوزه قائلة بغضبٍ جم:
– ابعد عن وشي دلوقتي يا عمر ارجوك.
ركض خلفها حاول أن يلحق بها لكنها كانت سريعة لدرجة أنه شعر بأنها في سابق الركض وتريد أن تحصل على المركز الأول، ولج غرفته يبدل ملابسه، نزع قميصه عنه وقبل أن ينزع بنطاله وصل لمسامعه طرقات سريعة ومتتالية، هرع تجاه الباب وجدها تبكي ظن أن سبب بكائها قرار الجد، لكنها توسلته وهي تقول من بين دموعها:
– الحقني يا عمر.
– في إيه يا حسنة حصل إيه؟
– ماما يا عمر تعبانة وفي المستشفى واختي بتقولي إنها محتاجة عملية أنا لازم اروح لها دلوقتي يا عمر ارجوك.
ربت على كفها وقال بحنو وحب:
– حاضر اهدي أنتِ وأني ها أتصرف روحي البسي خلجاتك بسرعة.
ركضت حسنة لغرفتها تبدل ثيابها على عجلة دموعها تنساب على خديها، وضعت حجابها على رأسها هبطت الدرج بخطوات واسعة وسريعة استوقفها الجد قائلاً:
– على فين كده إن شاء الله يا حسنة؟
استدارت حسنة بجسدها كله تجاه الجد سردت له ما حدث ظناً منها أنه سيقبل لأن الأمر بديهي وهذه المريضة هي والدته وليست شخصًا غريب عنها، رفع الجد ذقنه لأعلى قليلاً وقال بجمود:
– اطلعي أوضتك واوعاكِ تخرجي منها لحد ما آجل لك!
ردت حسنة بنبرة مرتعشة قائلاً باستفهام:
– كيف ديه يا جدي بجل لك أمي في المستشفى بين الحيا والموت!
رفع الجد إصبع الشهادة وقال بصوته الجهوري:
– الله في سماه لو جاكِ خبر موتها نفسه ما هتطلِ في وشها، الست دي ملناش صالح بيها واصل.
هدرت حسنة بصوتها المرتفع قائلة بنبرة غاضبة:
– الحديت ديه تجوله لما هي تتدخل دارك مش لما أقول لك أمي بتموت؟ أنت إيه يا أخي جايب الجبروت ديه من فين؟
صفعها الجد صفعة مدوية جعلتها تفقد توازن جسدها لتسقط أرضًا، نظرت له نظرات تتطاير منها الشر والغضب، ثم نظرت لعمر الذي وقف في وجه جده يدافع عن حبيبته معارضًا تصرفات الجد، أمر الجد الجميع بالمكوث في غرفهم وعدم الخروج منها مهما كلفهم الأمر.
***
في الثالثة فجرًا كان عمر يقف على اعتاب باب غرفة حسنة، طرقها بخفة ثم حدثها بخفوت حتى لا يسمعها أحد، لم يصل أي صوتٍ من الداخل، طرق مرة أخرى قبل أن يفتح باب الغرفة عن آخرها، بحث بعينه في كل زاوية داخل الحجرة، ما إن وجدها فارغة، اتجه نحو الفراش الوثير جذب الخطاب وقرأ ما كتبته، لقد هربت ولن تعود للبيت ثانيةً، كور عمر الورقة في قبضته هرع نحو باب البيت استقل سيارته، حاول أن يجدها وهو يمني نفسه بأنها لم تستطع الوصول لمحطة القطار، لم يكن يدري أنها استقلت الرحلة المتجهة للقاهرة منذ ساعة وأكثر.
وصل إلى محطة القطار وعلم أن الرحلة السابقة تحركت منذ أكثر من ساعة هذا يعني أنها في طريقها للعودة، دس يده في جيب حلته ليخرج هاتفه ضغط على زر الاتصال انتظر ردها لكنها لم تجيب، كرر اتصاله مرة أخرى قامت بالرد عليه وبداخلها يحثه أنه يريد أن يعرف أين هي ليصل إليها، قررت أن تعطيه له فرصة أخيرة عله يستطيع الوصول إليها ضغطت على زر الإجابة، قبل أن ترد وجدته يتحدث بعصبية شديدة ويتوعد لها هو نفسه لا يعرف ما الذي قاله، ضغطت على زر القفل ثم أغلقت الهاتف نهائيًا، وهي تغلق عيناها تاركة لدموعها العنان، تنحنحت ثم حدثت نفسها بجمود وهي تكفكف دموعها شاحت بوجهها تجاه النافذة، تشاهد الطريق تعرف أن ما فعلته يعني قطع آخر خيط بينها وبين عمر، حتى جدها الذي يد لها ويعطي لها المال بكثرة لن يعود ذاك الجد.
هي لا تعرف إن كانت ستعود من جديد للصعيد أم لا ما فعلته سوف يجعلها علكة في فم زوج والدتها الذي لا يريد أن يرى وجهها من الأساس.
***
على الجانب الآخر وتحديدًا في منزل فؤاد القصاص كانت زوجته الثانية جالسة على المقعد حذاء زوجها تتناقش معه حول أمر خديجة وزواجها من بشار، بينما كان زوجها لا يريد النقاش في الأمر من الأساس، يرفض هذه الزيجة رفضًا باتًا حتى وإن كان يريد أن يضحي بمكانته وسط المجتمع الذي جاءه بشق الأنفس.
كان يفرك كفيه في بعضهم البعض وهو ينفث لفافة التبغ بشراهة، كلمات زوجته لم تعجبه ولن يمتثل لتلك الأوامر ما حيا، كانت تثرثر حتى نفذ صبره وثب من فوق مقعده وقال بحدة:
– لا مش هاجوز بتي لولد الابالسة ديه، ديه ملعوب منهم عشان يضغطوا عليّ أني خابر أعيبهم والا عيب جده ديه زين.
تأففت زوجته من إصراره العجيب وتعنته الشديد الذي لا توجد له مبرر من وجهة نظرها، ارتسمت ابتسامة مزيفة على ثغرها متسائلة بكل ما أوتيت من هدوء أعصاب قائلة:
– الا عيب إيه بس يا فؤاد يا حبيبي!! الموضوع وما فيه إنه هو عاوز يمد العلاقات بينا للنسب مش أكتر.
رد فؤاد بعصبية مفرطة قائلاً:
– ريداني ابيع بتي إياك؟ الله في سماه ما حصلت ولا هايحصل طول ما أني على وش الدنيا ديه.
دام الصمت لعدة دقائق ثم قررت زوجة فؤاد أن تلقي بآخر حجر نرد لديها قائلة باقتراح:
– طب إيه رأيك لو نطلب احنا كمان حد من بناته لابنك خالد؟
نظر لها نظرة يائسة منها ومن تفكيرها العقيم، بينما ردت هي بعصبية واضحة:
– ما هو أنت تعمل حسابك إنك مستحيل تتنازل عن عضوية المجلس لو إيه اللي حصل أنا عملت المستحيل عشان نوصل للمكانة دي ما تجيش أنت بعد السنين دي كلها وتقول بكل برودة أعصاب لأ مش هينفع!!!
تنهد فؤاد بعمق ثم قال بنبرة هادئة عن ذي قبل:
– عاوزاني اروح لولدي وأجل له أنا ها جوزك؟ ديه أني مارضيت أجول كده مع البنت ها عملها مع الواد وهو بقى راجل ملو هدومه!!
كانت زوجة فؤاد تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا، تفكر في حلًا يرضي جميع الأطراف، كلما طرقت بابًا أوصده زوجها في وجهها، لم يعد أمامها سوى أن تضحي بابنها ليتزوج من ابنة عائلة الدهشوري رغم تعنتها الشديد حين عرض عليها زين من قبل قررت أن توافق عليه ليوافق، جلست مرة أخرى على المقعد حذاء زوجها وقالت بهدوء:
– زين ابنك كان عاوز يتجوز بنت من بنات الدهشوري وأنا كنت رافضة بس بما إن مافيش قدامنا حل تاني يبقى أنا موافقة.
هدر فؤاد بعصبية قائلاً:
– هو أنتِ خلاص مبقاش عنيدكِ حل غير الجواز!!
ردت على سؤاله بسؤال آخر قائلة:
– عندك أنت حل غيره؟
– أيوه بلاها منها الدورة ديه من أساس...
قاطعته زوجته قائلة بعصبية:
– لو فاهم إنك لو اتنازلت عنها المرة دي هتشوفها تاني تبقى بتحلم بشار اللي أنت بتقول عليه ولد الابالسة دا مستحيل يسبهالك عشان كده ماعنديش أدنى استعداد إني اتنازل عن العضوية دي ولو إيه اللي حصل.
تابعت حديثها قائلة:
– ياريت تهدأ كده وتعرف أني بفكر لمصلحتك قبل أي حاجة.
سيطرة تلك الأفعى على فؤاد بكلماتها المعسولة طالعها بنظرات تنم عن قلة الحيلة وتشتته في جمع حبل أفكاره، تنهد ثم قال بتساؤل قائلاً:
– ولدك رايد مين من بنات الدهشوري وجيدة ولا حسنة؟
ردت بنبرة تلمؤها السخرية وهي تقول:
– ملقتش إلا العرجة دي وأديها لابني طبعًا لاابني عاوز حسنة.
تابعت بنبرة مختنقة من تلك الحرباء التي خطفت عقل ابنها من النظرة الأولى حين رآها في مزرعة جدها:
– هي صحيح لا مستوى ولا جمال بس أنا هاعرف إزاي أرفع من مستواها وأخليها تعرف تتعامل مع الطبقات الاستقراطية.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغر فؤاد قائلاً:
– خلاص وافق جدها وناقصنا بس كيف تعلميها تبجى الطبقات.
اكتفت زوجته بإبتسامة جانبية تخبره عن ثقة امرأة تعرف كيف تتحدث ومتى، ارتشفت قهوتها في هدوءٍ تام تخطط كيف تحصل على أكبر قدر من الإفادة لديها إن أخبرت ابنها بموافقتها على هذه الزيجة.
***
في منزل والدة خديجة كانت جالسة تستمع لابنتها التي على ما يبدو أنها فقدت عقلها كيف يمكنها أن تخبرها بأن قلبها يميل لذاك الإبليس الملعون، صرخت ورفضت الزيجة ولأول مرة توافق زوجها منذ فترة طويلة في قراره، لم تكن تعلم خديجة ما دار داخل مكتب عمر بالمزرعة أثناء زيارتها الأخيرة، ذلة لسان من والدتها كشفت لها حدث، وعلى إثره تعلقت خديجة بهذا الأمل لكن فرحتها لم تدوم طويلاً وقرر والديها إعلان رفضهما التام لهذه الزيجة جلست على حافة الفراش طالبة من والدتها أن تعطيها سبباً كافياً لهذا التعنت الشديد لكن والدتها ترضي فضولها بل زادته وتصاعد عنان السماء حين قالت بإصرار شديد:
– لا يعني لا والله لو ولد الأبالسة ديه آخر راجل في الدنيا وها تفضلي من غير جواز يبجى أفضل كده أحسن.
ردت خديجة بعصبية مكتومة وهي تقف عن حافة الفراش آخذة الغرفة ذهابًا وإيابًا:
– نفسي أعرف ليه كلكم مصممين إن بشار شخص مش كويس ورافضينه.
تابعت بنبرة مغتاظة قائلة:
– طب لما هو مش كويس زي ما الكل بيقول ليه في بين بابا وبينه مصالحة مشتركة بملايين مش جنيه ولا اتنين؟
تنهدت والدة خديجة وهي تنظر لابنتها نظرات يائسة تعلن من خلالها عن فشلها الذريع في إقناع ابنتها بالتنازل عن بشار الدهشوري كشريك لها في حياتها القادمة.
دام الصمت لثلاث دقائق كاملة قبل أن تكرر تلك المسكينة سؤالها على والدتها التي رفضت أن تخبرها ما تعرفه.
غادرت والدة خديجة غرفة ابنتها تاركة إياها في حالة يرثى لها، هل فقدت الأمل في أن تجتمع مع الشريك العمر لا تعرف لكن الشيء الوحيد الذي تعرفه هو أنها لن تتنازل عن أحد أهدافها في الحياة، أي بشار الدهشوري هو أكبر أهدافها.
نظرت نظرة سريعة على الهاتف الموضوع أعلى الكومود وجدت اسمه ينعكس على شاشة هاتفها، لم يهدأ منذ الصباح الباكر يريد أن يعرض عليها ما حدث ويتناقش معها كما يفعل دائما، تنهد بعمق لا تعرف لماذا تشعر بالحيرة الآن، انقطع صوت رنين الهاتف.
شاحت بيدها بتأفف وهي تسب نفسها مرة وتعلن حالها ألف مرة.
***
عاد عمر منكساً الرأس، يجر خلفه خيبات الأمل لا يعرف ماذا يفعل ليفعل، الهدوء الذي يتظاهر به يتناقض تماماً مع نيران الغيظ والغضب التي تتأجج بداخله، كان يمني نفسه أن يكون جده نائماً حتى لا يراه بهذه الحالة، ما أن وطأ قدمه داخل البيت وجد جده يهدر بصوته الغاضب بكلمات لاذعة يسبه من خلالها، ظناً منه أنه ساعدها على الهروب، حاول أن يبرر له أخطائها لكن الجد كان يبادله ذات النظرات الغاضبة التي ينظرها عمر، تركه الجد حسان دون أن يستمع لباقي حديثه، سار تجاه السيارة وهو يهتف بصوته الجهوري على بشار الذي كان يجلس في حديقة المنزل، وثب عن المقعد متجهًا نحو العائلة سأل عن سبب تجمعهم في هذا الوقت المتأخر من الليل، أمره أن يذهب معه للقاهرة الآن، عندما سأله عمر عن سبب الذهاب أجابه الجد حسان قائلاً:
– خلص دورك لحد هنا يا دكتور عمر الباقي أني ها أعمله لحالي.
استقل الجد حسان السيارة على المقعد المجاور لمقعد القيادة في انتظار حفيده الذي صعد ليبدل ملابسه، صعد عمر على الفور ليخبر ابن عمه عن كل شيء حتى يخبره بكل خطوة يخطوها أو يحاول مساعدة حسنة.
خرج بشار أخيرًا بسيارته من منزل العائلة متجهًا للطريق الصحراوي المؤدي إلى القاهرة دام الصمت ما يقارب الثلاث ساعات، صف بشار سيارته عند المقهى وقال بهدوء:
– ادخل يا جدي نشربوا حاجة الطريق لسه طويل.
ترجل الجد دون أن ينبس ببنت شفه، جلس على المقعد في انتظار النادل بأن يأتي بالقهوة المرة خاصته، بعد مرور عدة لحظات تابع فيها بشار شرود الجد وهدوئه المريب قرر أن يقاطعه حتى يعرف ما الذي ينوي فعله، فرغ فاه بشار لكن التزم الصمت حين أشار الجد له بالصمت التام، ضغط على زر الفتح وهو يقول بنبرة جامدة:
– أهلاً يا سيادة النايب.
كان بشار ينظر لجدته الذي لم يبرح نظرات حفيده الزائغة حين أردف اسم حبيبته، لاحت ابتسامة خبيثة على جانب شفاه الجد، رد على الجهة الأخرى وقال بهدوء مريب اعتاد عليه بشار وكل من يعامل الجد في مثل هذه المواقف ضغط على زر السماعة الخارجية وقال وهو ينظر لحفيده:
– قول جلت إيه تاني يا سيادة النايب عشان الصوت موصلش زين؟
رد فؤاد القصاص بهدوء مكرراً كلماته قائلاً:
– جلت إن كنت رايد خديجة لبشار ولدي رايد حسنة بت ابنك يا حاج.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثالث 3 - بقلم هدى زايد
ابتسمت ابتسامة خبيثة على جانب شفاه الجد، رد على الجهة الأخرى وقال بهدوء مريب اعتاد عليه بشار وكل من يعامل الجد في مثل هذه المواقف. ضغط على زر السماعة الخارجية وقال وهو ينظر لحفيده:
– جول جلت إيه تاني يا سيادة النايب عشان الصوت موصلش زين؟
رد فؤاد القصاص بهدوء مكررًا كلماته قائلاً:
– جلت إن كنت رايد خديجة لبشار ولدي، رايد حسنة بنت ابنك يا حاج.
سأله الجد بفضول:
– ولدك مين فيهم يا فؤاد؟
أجابه فؤاد قائلاً:
– ولدي زين، وأنت خابر ولدي مليح يا حاج. راجل وها يصونها. جلت إيه؟
دامت الصمت للحظات قبل أن ينهيه الجد حسان وقال بابتسامة واسعة:
– وأني في انتظارك في العشية يا سيادة النايب، وربنا يقدم اللي فيه الخير.
سأله فؤاد قائلاً:
– اعتبر دي موافقة يا حاج؟
رد الجد حسان قائلاً:
– جول إن شاء الله يا فؤاد، متتأخرش عليّ.
ختم حسان آخر كلماته وعيناه ما زالت معلقتان على عيني بشار الذي لم يعد يفهم شيئًا. تناول الجد قهوته في صمت مطبق، بينما سأله بشار بنبرة تغلفها الحيرة وقلة الحيلة في ذاك الجالس أمامه وقال:
– نفسي أفهم أنت بتعمل كل ده ليه؟ في إيه بيدور في راسك؟
– كل خير يا ولدي. بت عمك جالها عريس زين، نجول لا؟
– أيوه نجول لا، وألف لا. نجول إن عمها رايدها وهي ريداه. نجول إن الدنيا كلها تعرف ده.
– عمها خرج عن طوعي. ساعدها تهرب من هنا، ودلوقتي رايدني أجوزها له! دي نجوم السما أقرب له مني.
تنفس بشار بعمق وهو يقول بنبرة أهدأ من ذي قبل قائلاً:
– يا جدي الله يرضى عنيك، ما تخربهاش علينا وجوزهم لبعض.
وقف الجد بهرجلة مما جعل مقعده يسقط من خلفه وهو يقول بغباء مكتوم:
– الله في سماه ما ها يحصل طول ما إني عايش على وش الدنيا دي. كلكم بتدوروا على حالكم، ومحدش يكلف خاطره يدور على الغلبانة اللي رجليها عجزت بسبب كيد الحريم.
رد بشار بهدوء قائلاً:
– يا جدي حرام عليك، أنت بتدخل الأمور في بعضها ليه؟ مال عمر وحسنة باللي عملته أمها يا جدي؟
رد الجد حسان قائلاً بغضب:
– ذنبها اللي ذنبها بقى.
هم بينا.
عاد الصمت يحل محل الغضب الذي كان يسيطر على كلاهما. تابع سيره دون أن يحدث جده أو يعارضه في شيء. الأمر من الأساس لا يتحمل كلمة واحدة من الطرفين.
صدح رنين هاتف بشار المكان. دس يده في جيبه ليخرجه، وجد اسم خديجة يضيء شاشته. تنهد بضيق.
الآن فقط تكرمت عليه وقررت الاتصال!
ألهذه الدرجة لا يمثل عندها أي رابط قوي تغفر لأجله ما بدر منه من غضب وذلة لسان؟
ترك الهاتف يصدح لعدم قدرته على الرد الآن.
ترجمت خديجة عدم رده في الحال تجاهلاً منه، فقررت أن ترد هذا التجاهل هي أيضاً. وضعته على خاصية عدم الإزعاج حتى لا يحاول الاتصال بها.
في القاهرة.
الساعة الآن الثالثة عصراً. كانت حسنة تقف على أعتاب باب غرفة العمليات في انتظار خروج الطبيب وسط أخواتها وزوج والدتها.
كان القلق والذعر يسود المكان. حالة والدتها متأخرة للغاية، وعلى ما يبدو أن البتر هو آخر حل سيلجأ إليه الطبيب. ظلت تجوب الممر ذهاباً وإياباً وهي تمتم بكلمات هامسة تناجي ربها أن ينجو بأمها ويلطف بها. كانت تنظر لشاشة هاتفها بين الفينة والأخرى. لم يهدأ عمر من الاتصالات والرسائل، التحذيرية منها والمستعطفة أحياناً. قلبها يكاد ينفطر عليه.
قررت أن ترسل له رسالة كتبت فيها وهي أناملها ترتعش من فرط خوفها:
(ماما يا عمر تعبانة أوي، والدكتور بيقول إن الغرغينة منتشرة في رجليها، وإن عملية البتر ها تتعمل. أنا تايهة مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين؟ محتاجة لك جنبي أوي بجد.)
مرت لحظات حتى وصلت رسالتها إليه. فتحها وهو يأكل أنامله من فرط توتره بأنها تمتنع عن الرد. قرأ بعينيه سريعاً ما كتبته ونبضات قلبه تتسارع بتناقض مع تلك الجلسة التي يجلسها خلف مكتبه بالمزرعة. كتب كلمات كثيرة مواسية لها ووعد بأن يصل إليها خلال ثلاث ساعات. وبعد أن كتب لها أنه سيأتي بأول طائرة بدلاً من السيارة، قبل أن يضغط على زر الإرسال، فرغت البطارية. ضرب على سطح المكتب الزجاجي فانكسر الزجاج وجرحت يده.
وضعه على وصلة الشاحن وبدأ اتصاله بشركات الطيران. قام بحجز أول طائرة ستقلع للقاهرة والتي خلال ساعتين على الأكثر. وثب من مقعده، بعد أن جمع أوراقه خرج ونسي أمر هاتفه، أو لم يكترث له ما دام هو ذاته سيكون معها خلال ساعات قليلة.
عودة إلى القاهرة.
خرجت والدتها من غرفة العمليات بعد أن بُترت ساقيها حتى أعلى الركبة. أصبحت طريحة الفراش، لم تعلم أن تم بتر ساقيها حتى الآن. كل ما تعرفه أنها سوف تخضع لعملية جراحية بسيطة لتنظيف جرحها.
استفاقت من المخدر وأصبحت تشعر بكل شيء يدور حولها. علمت ما حدث ما إن ولج الجد حسان وخلفه بشار. ابتسم ملء شدقيه وهو يطالعها بشماتة واضحة وضوح الشمس.
لم تصدق حسنة ما رأته أمام عينيها. كانت والدتها تكاد تموت كمداً من فرط حزنها وجدها يحدثها بشماتة قائلاً:
– رجليكِ اتقطعت؟ مبروك يا أم حسنة.
تابع حديثه مردفاً بنبرة حزينة ليس عليها بل على حفيدته التي نالها ما نال والدة حسنة دون أي ذنب تقترفه.
– جيتي تكيدي ضرتك بنت الحسب والنسب عشان أنتِ الجديدة وأفعالك اللي متفرجش عن إبليس واصل. في حاجة كنتي رايداها تكسري رجليها وتخليها ترقد في السرير.
بس ربنا حط بتها مكانها في اليوم ده ورجليها هي اللي اتكسرت. وياريتها جات على الكسر وبس، لا دي اتقطعت.
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يظهر الشماتة في عينيه وبين كلماته حين قال:
– بس عشان ربنا اسمه الحكم العدل، اتقطع رجليكِ الاتنين.
ردت حسنة بنبرة مغتاظة من حديث جدها وهي تتوسله بأن يتوقف عن ذكر ما حدث في تلك الليلة الملعونة، ليس شفقةً على والدتها بل تعاطفاً مع تلك المسكينة التي لم تفعل شيئاً في حياتها سوى الخير لكل من حولها.
تعلم أن والدتها جانية وليست مجني عليها، ولكن بالنهاية هي والدتها حتى وإن كانت كافرة فالله عز وجل أمرنا بالطاعة لهم والدعاء بالهداية. كانت والدتها تستند برأسها على كتف ابنتها التي هدّرت بصوتها قائلة بصراخ:
– بزيادة يا جدي لحد كده الله يرضى عنيك، أني قلبي واجعني لحال…
هدّر الجد حسان مقاطعاً إياها بصوت مرتفع ونبرة تملؤها الغيظ والغضب الشديد قائلاً:
– اقفلي خشمك واصل. أنتِ حسابك وياي كبير قوي. الله في سماه ما هاعدي اللي جرى ده كده.
ختم حديثه قائلاً بابتسامة ارتسمت على ثغره وتنحنح وحدثها بنبرة آمرة:
– فزي جومي عنيدنا. حديث كتير وحاجات أكتر أهم من قطع رجلي أمك.
كادت أن تتحدث لكن يد والدتها منعتها. نظرت لها وقالت برجاء:
– روحي يا بنتي روحي، وكفاية لحد كده. ده مهما كان جدك.
نظرت حسنة لـ والدتها الحزينة ودموعها تنساب على خديها. ربتت والدتها على كفها وهي تحثها على الخروج من المشفى والعودة مع جدها.
وقفت حسنة أمام جدها وقالت بصوت مختنق ونبرة تملؤها الغيظ الشديد قائلة بوعيد:
– أنا بكرهك وبتمنى لك الموت، وها يجي اليوم اللي هاخد حقي وحق أي حد قهرته في حياتك.
لم تتلق ردًا سوى صفعة على خدها ونظرات تملؤها الغيظ والحقد. قبض على رسغها وقال بوعيد:
– امشي جدامي يا تربية الحريم. ها أستنى منكِ إيه غير كده. امشي جدامي!
ردت حسنة بنبرة مختنقة قائلة بصوت مرتفع:
– ربنا ياخدك ويريحنا منك. ربنا بياخد عيالك واحد ورا التاني وسايبك أنت تقهر فينا مخابرش ليه!
تدخل بشار قبل أن يقتل الجد تلك المتهورة التي قامت بسبه علناً أمام مرأى ومسمع الحاضرين، محاولاً فك قبضة جده وهو يقول برجاء:
– عشان خاطري يا جدي بزيادة لحد كده. نبقى نتحدث في البيت وحدين.
نزع الجد حسان يده من يد حفيده ونظراته ما زالت موجهة نحو تلك الحرباء التي تتلون كوالدتها تماماً. غادر الغرفة ومن المشفى بأكملها. كان بشار يحاول أن يهدئ من غضب ابنة عمه حتى لا تدمر ما تبقى لديها في مكانة قلب الجد. أم هي فلا تكترث لأيهم بعد الآن وعلى رأسهما عمر الذي أخبر الجد بفرارها وبمكانها في المشفى. من منهم يعلم بوجودها هنا إلا هو؟ أين هو؟ لماذا لا يرد على رسائلها؟ ألهذه الدرجة لا يعشقها ويريد أن يتخلص منها؟ حسناً، ستفعل كل ما بوسعها لتنفيذ ما رغبته.
بعد مرور يومين.
كان من أصعب الأيام على الجميع، وتحديداً عمر الذي فشلت جميع محاولاته ومحاولات والدته في إقناع حسنة بعدم اشتراكها في ما فعله الجد، لكن لا حياة لمن تنادي. بل ووافقت على زين القصاص نجل فؤاد القصاص. تمت الخطبة رغم أنف عمر الذي كان الثور الهائج.
الشيء الوحيد الذي منعه عن ارتكاب جريمة قتل ذاك اللعين هي حسنة حين قالت صراحة أمام الجميع لا تريده ولا ترغبه في رؤيته.
تم تحديد حفل الزفاف يوم الخميس. كانت وجيدة تبتسم بين الفينة والأخرى حين تتذكر أختها غير الشقيقة والعشاق يتوسلونها لترضى. كم تمنت أن تحظى برجل واحد يكن لها كل حياتها وتكن هي حياته. لم تبخل في يوم من الأيام وهي ترفع أكفها للسماء تناجي ربها بأن يرزقها زوجاً صالحاً. مثلها كمثل الفتيات وتعيش حياة طبيعية بعيداً عن السخرية التي تلازمها طيلة حياتها. انتهت من صلاة الفجر ثم التقطت مسبحتها وبدأت تستغفر ربها. طرقات خفيفة قبل أن تأذن للجد بالدخول. ولج وعلى وجهه ابتسامة واسعة، الوحيدة التي يرى منه الطيبة والحنان. أما باقي الأحفاد فلهم وجه آخر لا يعرفه.
طبع على رأسها قبلة حانية ثم جلس مقابلها وقال:
– صباح الخير يا بنات.
– صباحك كيف الفل يا جدي. خير اللهم اجعله خير. ضحكتك هتطلع منك، كل ده عشان حسنة وافقت على زين القصاص؟
رد الجد بابتسامة واسعة وقال:
– حسنة مين؟ وست العرايس منورة الدنيا كلها.
عقدت ما بين حاجبيها قائلة بنبرة متعجبة قائلة:
– قصدك مين يا جدي؟ ما هي حسنة هي العروسة؟
احتضن الجد خديها بين كفيه المجعدتين وقال بسعادة غامرة تشع من عينيه وترى بوضوح:
– أنتِ يا ست العرايس كلها. مبروك يا جلب جدي من جوا. جالك عريس زينة الشباب كلها. والله تعالي في باطي، تعالي يا جلب جدي.
ضمها لحضنه وهي ما زالت على حالتها تلك، داهشة مما يتحدثه الجد. ربتات خفيفة تشعر بها على ظهرها، كلمات ومباركات وهي ما زالت لا تفقه شيئاً عن الأمر.
خرجت من حضنه وقالت بتساؤل وعيناها لا تبرح عيناه قائلة:
– مين العريس ده يا جدي؟ ويعرف اللي فيّ ولا لأ؟
اختفت الابتسامة من على شفتيه لكن سرعان ما رسمها من جديد بأخرى متكلفة. ربت على كتفها وقال:
– ده خالد. والله فؤاد القصاص شافك يوم ما جه هنا بأهله وطلب يدك. النهار ده.
كررت سؤالها عليه قائلة بنبرة جاهدت في أن تجعلها خالية من أي حزن أو انكسار:
– ويعرف خالد يا جدي بإني…
رد الجد حسان مقاطعاً بنبرة متدعثمة قائلاً بجدية مصطنعة:
– هملي حديدتك الماسخة دي وافرحي بقى. هو خالد ده غريب عننا؟ ده احنا اللي مربينه وهـ…
ردت وجيدة مقاطعة جدها قائلة بابتسامة متكلفة قائلة:
– إني أكبر من خالد يا جدي، لا مش كده. إني…
– بكفاية حديدت ماسخ جلت. إني ها أصلي الفجر قبل الشروق، وأنتِ انعسي هبابة عشان تقدري تجابلي عريسك العصار. هايجي هو وأهله يتغدوا معانا.
غادر الجد قبل أن يستمع ردها حتى. أما هي فكانت الأفكار تجوب في رأسها ولا ترحمها أبداً. عجزت عن الوصول لإجابة واحدة منطقية غير الذي قالها جدها. فلم تجد.
مددت جسدها على الفراش وهي ترخي جفنيها، لعلها تحصل على قسط من الراحة بعد القنبلة الموقوتة تلك.
في عصر اليوم نفسه.
كانت وجيدة جالسة مع خالد في حديقة المنزل. الصمت يسود المكان إلا من ضجيج أفكارهم. علمت أنه مجبر عليها. لا تعرف ممن؟ لكن الذي تعرفه وجيدة أن قلبها لا يكذب نهائياً. قررت أن تبتر الصمت قائلة بهدوء:
– رايدة أعرف مين اللي أجبرك عليّ؟
رد خالد وقال بنبرة متعجبة قائلاً:
– أفندم؟
غيرت سؤالها وقالت بابتسامة واسعة بشوشة تليق بوجهها الملائكي:
– عندك كام سنة يا أستاذ خالد؟
رد خالد قائلاً:
– ثمانية وعشرين سنة. وأنتِ؟
ردت بابتسامة صافية قائلة بتصالح مع النفس:
– لم أجده مع الآخرين الذي عاشرتهم لسنوات.
– عندي ثلاثين سنة وماشية في الواحد وتلاتين.
– كام؟!!
– تلاتين!
تابعت بنبرة مختنقة استشعرها في نبرتها وهي تحاول إخفائها قدر المستطاع:
– إني قايمة برجل ونص كيف الناس ما بتقول. رجلي مبتورة يعني.
من الواضح إن جدي مكانش صريح وياك من البداية. فـ حبيت إني أصرحك والقرار يرجع لك في النهاية. رايد تكمل ولا تفضل مفصوب عليّ باقي حياتك؟
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الرابع 4 - بقلم هدى زايد
ردت بابتسامة صافية قائلة بتصالح مع النفس:
– عندي تلاتين سنة و ماشية في الواحد و تلاتين.
– كام؟!!
– تلاتين!
تابعت بنبرة مختنقة استشعرها في نبرتها وهي تحاول إخفائها قدر المستطاع:
– أني قايمة برجُل و نص، رجلي مبتورة يعني.
من الواضح إن جدي مكانش صريح وياك من البداية، فـ حبيت إني أصارحك والقرار يرجع لك في النهاية. رايد تكمل ولا تفضل مغصوب عليّ باقي حياتك؟
لجمت الصدمة لسان خالد الذي شعر بأن نيرانًا تتأجج صدره. كيف يحدث هذا؟ ألهذه الدرجة هو لا يحبه والده؟ فتاة ثلاثينية تكبره بعامين، وحاول أن يتقبل تلك الصدمة. أما ساقها التي بُترت، كيف يتقبلها؟ لم يشعر بحاله عندما وقف عن مقعده بـ هرجلة أسقطت المقعد من خلفه. اعتذر قائلاً:
– عن إذنك، عندي شغل كتير.
نظرت وجيدة لمقعده الملقى أرضًا وكأنه قلبها الذي انشطر لنصفين، وقالت بشبح ابتسامة:
– اتفضل يا أستاذ خالد، ربنا يوفقك إن شاء الله.
عبر خالد البوابة المؤدية لباب البيت، ثم ألقى التحية على الجالسين وغادر المكان. كانت تحركاته سريعة لدرجة أنها لو بيده لركض قبل أن يقبض عليه أبيه ويعقد قرانه عليها، معللًا بأن هناك الكثير من المصالح المشتركة بينهما تحتم على ذلك.
اعتذر فؤاد وغادر خلف ولده الذي حتمًا أصيب بالجنون. خطواته كانت خطوات متعثرة، حاول أن لا يظهرها أمام أفراد العائلة حتى لا يسخرون منه.
وطأ الجد قدميه داخل الحديقة وهو يهتف باسمها قبل أن يصل إليها. وقفت أمام جدها بكل ما أوتيت من قوة وتماسك في مثل هذا الظرف الذي تتعرض إليه بشكلٍ مستمر. سألها بعصبية فأجابته قائلة:
– جلت له يا جدي الصراحة، كنت واضحة وياه. كيف كيف اللي عمله عملته وخرجوا ومرجعوش تاني واصل.
رد الجد بعصبية قائلاً:
– جلت لك جبل سابج، إني جلت له على كل حاجة. بتتحدد أنتِ ليه؟
هدرت وجيدة بعصبية وهي تبتلع مرارة حلقها قائلة:
– بكفاية لحد كِده يا جدي، بكفاية بقى. كل مرة أقول بكرة يزهج ويشيل الحديث ده من راسه. لا بكرة بياجي ولا أنت بتشيله من راسك.
رد الجد بنبرة أهدأ من ذي قبل ما أن استشعر نبرة حشرجة بدأت تظهر في حلقها:
– حقك عليّ يا بتي. والله ما كان حد قاصدي. خلاص شوفي اللي يرضيكِ يا بتي وأني أعمله.
جلست على المقعد بعنف وهي توجه له حديثها بنبرة آمرة ودموعها لا تنفك أبدًا وهي تقول:
– اللي يرضيني صح إن إني اختار الراجل اللي ها أتزوجه.
تابعت وجيدة وهي تبتلع مرارة حلقها قائلة:
– يرضى بيا كيف ما إني راضية بحالي. لكن نضحكوا على الناس وبعد الجواز يتفاجأ يبقى لا والف لا. ما بُني على باطل فهو باطل.
جلس الجد حذائها يسترضيها ويمسد على ظهرها بحنان بالغ وهو يقول:
– حاضر حاضر يا ست البنات ويا ستي وتاج راسي.
ضمها لصدره وقال باعتذار مبالغ فيه تمامًا كـ تصرفاته معها:
– خلاص حقك عليّ. والله ما عدت أزعلك واصل يا بتي. ياجي العريس وجت ما ياجي ولا حتى ما يجيش. المهم رضاكِ.
عنيت لك الكلمات وهذا الندم الشديد لا يتناسب تمامًا مع هذا الموقف. ما الذي جعل جدها يتغير بهذه السرعة؟ الوضع بالنسبة لها بات غير مفهوم تمام.
❈-❈-❈
ليه يا خالد يا ولدي عملت في وجيدة كده؟ ليه أحرجتها وسط أهلها؟ حرام عليك كسرت بخاطرها، ليه كده؟
أردفت والدة خالد تساؤلاتها التي هطلت فوق رأس ابنه كالأمطار الغزيرة. بينما هو كان يجوب المكان ذهابًا وإيابًا. من فرط غضبه لو كان الأمر بيده لصرخ كالأطفال على ما رأته عيناه. كيف يصل بوالده الأمر أن يزوجه من فتاة تكبره بثلاثة أعوام تقريبًا. لم يكن الأمر هذا فحسب، بل ما زاد الأمر سوءًا أنها فاقدة لساقها اليسرى.
كانت خديجة تتابع ما يحدث في صمتٍ تام. كلمات والدتها كانت معارضة تمام لردة فعل أخيها، لذلك فضلت الصمت. أما هو فكان شخصًا آخر لا تعرفه أيًا منهما. صرخ ودمر كل ما طالته يده. غادر الردهة قبل أن يفقد عقله أكثر من ذلك. ولج حجرة، هوى على المقعد بعنف وهو يزفر بضيق.
لا يعرف على من يثور أكثر، والده الذي دائمًا يدعس عليه، أم زوجة أبيه تلك الأفعى التي لن تهدأ حتى ينتزع روحها من صدرها. أو تلك مبتورة الساق كما نعتها. سرعان ما تمتم بكلمات الاستغفار عن هذا اللقب. رغم معرفته بهذه العائلة، إلا أنهم ما زالوا غامضون. لا يبحون بكل أسرارهم.
مد يده، فك رابطة عنقه بتأفف. تنهد من بين أنفاسه المسموعة. كيف يخرج من هذه الأزمة بأقل الخسائر؟ هل يوافق بالزواج من هذه الفتاة أم يرفض ويضحي بمنصب رئيس مجلس الإدارة الذي وعده به والده؟ ذاك المنصب الذي سعى إليه كثيرًا حتى كاد أن يرفع راية الاستسلام. ليظهر من جديد ومضة الأمل في شكل وجيدة الدهشوري.
جلس يعيد حساباته من جميع الزوايا حتى قرر أن يوافق ويحاول الانفصال عنها بعد ذلك. كلما حاول أن يقتنع بالفكرة ويتقبلها، يرفضها من جديد مع صرخة عالية رافضًا هذا الهراء.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أسابيع.
داخل غرفة عمر كان هادئًا، شاردًا، ولم يحرك ساكنًا. ولجت والدته حاملة بين يدها قدحًا من القهوة. وضعته على سطح المنضدة الزجاجي. منذ تحديد موعد زفاف حسنة، وهو على هذه الحالة كأنه يدبر لشيء غاية في الخطورة.
تناول منها قدح القهوة وقال دون أن يرفع بصره لها:
– متحاوليش ياما، ماهايعرفش حاجة واصل.
سألته بابتسامة حانية قائلة:
– هو مين ده يا ولدي؟
أجابها بذات الابتسامة وقال:
– اللي بعتاه يستجوبني.
رفع بصره لها وقال:
– أنتِ ناسيه مين علمني شغل العفاريت ده.
كادت أن تتحدث لكنه رد بنبرة ساخرة:
– صح إني دكتور، بس برضه فاهم في شغل الجن ده زين. خليه يبعد عنه عشان ميتأذيش. هو مش ها يجيله أزيد من اللي جاله.
ردت والدته وقالت بعصبية شديدة:
– يبقى أنت اللي جلت له يجول كده عشان معرفش اللي بيدور في راسك، صح مش كده؟
أجابها بما لم تتوقعه قائلاً:
– أيوه صح.
– يا ولدي إني خايفة عليك. جدك واعِر، واعِر جوي. سيبك من حسنة، هي مش ليك. بكرة أجوزك ست ستة.
نظر لها عمر نظرة تغلفها الانكسار. لو كان الأمر بيده لبكى في حضن والدته، لكنه قرر التماسك والتظاهر بالقوة قدر المستطاع.
خرجت والدته من غرفته متجهة نحو مكتب الجد. فرحة الجد اليوم ليس لها مثيل، فاليوم تقدم خالد لخطبة حفيدته. لكن رفضته تلك العنيدة المتمردة على ظروفها، لتخبر الجميع بأن لديها كامل الحق أن تمارس حريتها في الرفض والقبول.
كان يستند بذقنه على ظهر يده المجعدة والتي تحاوط تلك الجمجمة المخيفة والتي يشبهها البعض بأنها رأس الشيطان.
– بَعد عن ولدي يا حسان، بَعد عن عمر. إني بجولك أهو. كأن قلبك مش قاعد يا وهيبة. بتجولي حسان كده من غير خشى ولا حيا. طب راعي إني أني عمك، يعني في مقام أبوكِ الله يرحمه.
– أنت لا كنت ولا هتكون كيف أبويا. إني أبويا كان شيخ جامع. إنما أنت ولد إبليس كيف كيف بشار. إني عايش في البيت ده عشان ولدي، لكن لو ولدي جرى له حاجة، الله في سماه ما أرحمك. وهافتح عليك طاقة جهنم الحمرا يا أبو وجيدة. فاكرها وجيدة يا حسان؟
كانت مواجهة نارية من الدرجة الأولى. قررت من خلالها وهيبة أن تضرب بنصف أسرار الجد حسان. الوضع بات يزداد سوءًا. قررت أن تحذره. هذه المرة وفي المرة القادمة ستضرب بالأخضر واليابس عرض الحائط.
لم يتوقع الجد أنها تجرأت لهذه الدرجة. لم يعرف أحد شيئًا عن ابنته وجيدة، تلك التي راحت ضحيته. ذكرته بأكثر الأشياء التي يريد أن ينساها بل ويمحيها من دفاتر الحياة.
وثب عن مقعده بغضبٍ جَم. نظراته تكاد تحرقها في مكانها، لكنها لم تبالي. بادلته نفس النظرات، بل والأكثر منها حدة.
دام الصمت لثوانٍ معدودة قبل أن تلقي في وجهه قنبلة جديدة كانت تتدخرها لوقتها المناسب، وها هو أتى وقتها المناسب. نظرت نظرة سريعة اخترقت ذاك الجدار القابع خلفه، وقالت بابتسامة واسعة:
– لساك بتحن لأيام زمان يا حسان. لساك رايد تروح لها. جَننتك بت الأبالسة مش كده؟ روح لها يا حسان، يمكن لما تروح لها ترجع كيف ما كنت.
تابعت بتذكر ساخرة:
– أيوه أيوه صح. هتروح لها كيف وهي بقت كوم تراب. معلش يا حسان، ربك رايد يحرق جلبك على كل حاجة غالية عليك. إلا وجيدة يا أبو وجيدة، كانت الجوهرة اللي على حجرك اتكسرت من بعيدها يا حسان. بجيت كيف اللي ندهته النداهة. معذور يا نضري، ما هو الضنا غالي برضه.
ضغط حسان على عكازه، كاد أن ينفجر في وجهها، لكنه يعلم أن هذا الانفجار لن يجدي نفعًا مع تلك الأفعى. على ما يبدو أنه أخطأ حين تركها على قيد الحياة. حسنًا يا وهيبة، لن يحدث كثيرًا. لم يتجرأ أحد على تهديدك، وأنتِ فعلتيها. لذلك لا مانع من ممارسة حق من حقوق البشر وهي حرية التعبير. أما أنا حسان الدهشوري، لن أكون علكة في فمك مدى الحياة. سوف أنتهي أولًا من بشار، وثم بعد ذلك أتفرغ لكِ. ولكن لا بأس أن نلهو سويًا كما كنا نفعلها منذ زمن.
انقلبت عيناه فجأة وهو ينظر لباب الحجرة الذي أوصده بطرفة عين. ثم نظر لها وقال بصوتٍ مألوف يعرف صاحبه جيدًا. وفجأة وبدون سابق إنذار قال:
– بكفايا لحد كده يا وهيبة.
لم تهتز وهيبة والدة عمر بتلك النبرة التي ترعب أي بشر عدا هي. انقلبت عيناها مختلطة باللون الأحمر القاتم، ثم هدرت بصوتٍ يقشعر له البدن. حدثته بنبرة آمرة بأن يتراجع عن وهيبة وإلا فصل رأسه عن جسده.
في غرفة بشار كان هادئًا باسمًا. وقف عن مقعده متجهًا نحو الطابق الأرضي بخطواته الواثقة. اتجه نحو باب الحجرة الخاصة بجده. وضع يده على المقبض الحديدي. كاد أن يفتح باب الغرفة، لكن منعه شخص يشوبه كثيرًا. لم يحدثه بشار، اكتفى برمقة جعلته يتراجع معتذرًا له وهو ينحني قليلًا وقال:
– آسف يا سيدي.
فتح باب الحجرة ليجد وهيبة وحسان ينحازان بجانب بعضهما البعض. انحنى كلاهما احترامًا لبشار. تفاجأ الجد بصفعة مدوية على خده جعلته يهوى على المقعد خلفه. نظر بشار لـ وهيبة وجدها تنحني مرةً أخرى وهي تعتذر منه مرارًا وتكرارًا. لم يتقبل هذا الاعتذار. مد يده التي طالتها رغم ابتعاده عنها، ضغط على رقبتها حتى كادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. بدأت عيناها تنقلب. كانت تخرج من فمها لعابها. فجأة وبدون أي مقدمات ولج عمر. هدر بصوته الجهوري. منعه بشار بيده الأخرى.
استغل الجد انشغال بشار في ضرب عمر. تمتم بكلماتٍ جعلته يصرخ حتى كاد أن يتمزق جلده. الوضع الذي آل إليه كان غاية في الصعوبة. سقط أرضًا متكومًا حول نفسه عاريًا تمامًا. يومًا كـ والدته أمه.
بسم الله الرحمن الرحيم. خير اللهم اجعله خير.
أردفت خديجة كلماتها من بين أنفاسها المسموعة. كانت تضع يدها فوق صدرها. حاولت البحث عن كأس المياه. دقائق معدودة حتى بدأت أنفاسها في الانتظام من جديد.
مدت يدها تجاه هاتفها الذي صدح في أرجاء الغرفة. ضغطت على زر الإجابة وقالت بنبرة حانية:
– الو. أيوه يا بشار، عامل إيه يا حبيبي؟ بشار أنا عاوزة أشوفك. لأ دلوقت عشان خاطري يا بشار. أيوه يا بشار، نفس الحلم بيكرر معايا ومش عارفة ليه. بشوفك كده. بشار أبوس إيدك صارحني، أنت ليه بيقول عليك ابن أبالسة؟ طيب عشر دقايق ونتقابل هناك. سلام.
مكالمتها اليوم كادت تكون الأخيرة إن لم يمتثل لأمرها ويتقابل معها اليوم. كزت على شفتيها السفلى. ترددت في بادئ الأمر. لا تعرف ما فعلته صواب أم خطأ. تنهدت بعمق ثم غادرت الغرفة بعد أن بدلت ملابسها.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا.
صف بشار سيارته عند أحد المنازل المتهالكة. نظر لها وقال بهدوء:
– ادخلي يا ديچا.
نظرت ديچا حولها والرعب يسيطر عليها. ابتلعت لعابها ثم قالت بتساؤل:
– انزل فين يا بشار؟ أنت مش شايف المكان عامل إزاي؟
سألها باسمًا:
– خايفة؟
أجابته بنبرة مرتجفة:
– طبعًا خايفة.
سألها بشار قائلاً بنبرة حانية:
– كيف تخافي وأني جارك؟ أوعاكِ تخافي من أي حاجة وأني وياك.
تابع حديثه قائلاً:
– لو رايدة تعرفي عني كل حاجة، يبقى لازم تدخلي الدار دي. ومش بس كده، تقدمي لأهل الدار عهد الأمان.
سألته بنبرة متعجبة:
– أهل الدار؟ وعهد أمان؟
ختمت سيل التساؤلات قائلة:
– ده البيت فاضي وتقريبًا قرب يقع. ما ظنش حد فيه أصلاً.
فتح بشار الباب ثم اتجه نحوها. فتح لها وساعدها في الترجل. نظرت للبيت. عادت ببصرها له حين قال بابتسامة واسعة:
– إني بشار الدهشوري، ولد الأبالسة.
ثم نظر لها. مد يده ليعانق يدها. صعد ثلاثة درجات. ظنت أنه سوف يضع المفتاح داخل المزلاج، لكنها تفاجأت بالباب يفتح له دون أدنى مجهود منه.
تشبثت بذراعه والرعب يملأ قلبها. نظرات زائغة توزعها في المكان. نظر لها بشار وقال بابتسامة واسعة:
– كيف زوجة ولد الأبالسة تخاف كده؟
نظرت له ديچا بنظرات داهشة. سألته بنبرة متعجبة قائلة:
– إحنا مش متجوزين لسه يا بشار.
ابتسم لها وقال:
– أنتِ في عالمنا اتجوزتي. وده عش الزوجية.
اقترب منها خطوة مقابل الخطوة التي تراجعتها خوفًا منه. حاول أن يحدثها لكنها رفضت أن تستمع له. تساقطت دموعها على خديها. ما إن كشف عن صدره، لم تكن تعلم أنه يخفي كل هذا وأكثر. ليتها لم تطلب منه كشف الحقيقة. صرخت حتى شعرت أن أحبالها الصوتية تأذت. العجيب أن صوتها لم يغادر فاها. هي تشعر فقط أنها تصرخ، لكن أين ذاك الصوت لا تعلم.
ضمها بشار لحضنه مغمضًا عيناه وهو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة بالنسبة لها. كانت تنتفض تحاول الفرار، لكن عناقه لها كان قويًا. قويًا لدرجة أنها تشعر بعظامها تئن. أرخت جفنيها أخيرًا واستسلمت له. غابت عن الوعي لبرهة. تساقطت رأسها للخلف. لم تشعر بقدميها. حملها بين ذراعيه. غادر البيت متجهًا لمزرعته. وضعها على فراش. أزاح خصلات شعرها عن وجهها الملائكي. تركها قبل أن يفقد صوابه مع تلك الجميلة الناعمة. سار تجاه النافذة يتابع الحركة بالخارج.
– بشار.
قالتها ديچا وهي تستعيد وعيها. التفت لها. جلس مقابلتها. نظر لعينها وقال بنبرة حانية:
– كيفك دحين؟
أجهشت في البكاء ما أن تذكرت كل شيء. ضمها لحضنه، مربتًا على ظهرها بحنو وحب. أخرجها من حضنه حين قالت:
– أنت مين وإيه اللي بيحصل ده وإزاي كنت كده وبقيت كده وأنا حصل لي إيه؟
جفف بشار دموعها وقال بهدوء:
– ها تعرفي كل حاجة. أنتِ رايدة تعرفيها بس واحدة واحدة عشان مخك يستوعب. بس رايد منكِ وعد واحد بس.
– وعود تاني يا بشار؟
– هو وعد واحد وآخرهم والله.
– وعد إيه؟
– اللي ها أقوله لكِ عليه ده يفضل سر بيننا ومحدش يعرفه مين ما كان يكون.
– حاضر. ممكن بقى تقولي أنت مين بالظبط وإيه اللي أنا شفته ده؟
سكت مليًا ثم قال:
– جدي كان رايد يأذيكِ.
– إزاي يعني؟
– جدي فتح لك الرؤية وكل اللي حصل ده مكانش حلم ولا حتى كابوس. دي حقيقة بس جت لك كيف الحلم. وأني جفلت لك الرؤية دي في البيت القديم.
– جدك بيعمل معايا كده ليه وأنا ذنبي إيه في كل ده؟
– جدك بيضغط عليّ إني يا ديچا. رايدني أرجع كيف ما كنت وأني مرضيش. عشان كده فتح لك الرؤية. رايدك تشوفيني كده عشان تسبيني.
– أنت كنت بتعمل وجدك عاوزك ترجع له تاني؟
لجمت الصدمة لسان بشار. لم يكن يتوقع أنها سوف تسأله عن أكثر الأشياء التي يود أن ينساها. إن سرد لها لن تغفر له، وإن امتنع عن الكلام سيتحدث جده، وهو لا يعرف مالذي سوف يتحدثه على وجه التحديد. ابتلع لعابه وقال:
– إني كنت بشتغل في الموضوع وأني صغير مكنتش واعي إن دي حرام. بس جدي كان بيقول إنه حلال.
سألته ديچا بنفاذ صبر قائلة:
– اللي هو إيه؟
أجابها بهدوء قائلاً:
– كنت شغال مع الشيخ المرعي.
اتسعت عيناها ما إن نطق ذاك الخبر باسم ذاك اللعين. سألته بصوتٍ مرتفع:
– أنت كنت شغال مع الشيخ المرعي في الجن والأعمال؟ كنت بتسحر للناس يا بشار؟
سكتت برهة ثم قالت بصراخ وهي تنظر له بأعين دامعة:
– ولا كنت بتعاشر الستات اللي كانت بيجوا عشان يخلفوا؟
ابتلع بشار لعابه وقال بهدوء:
– الاثنين يا ديچا.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الخامس 5 - بقلم هدى زايد
اتسعت عيناها ما إن نطق ذاك الأخبر بإسم ذاك اللعين، سألته بصوتٍ مرتفع:
– أنت كنت شغال مع الشيخ المرعي في الجن والأعمال؟ كنت بتسحر للناس يا بشار؟
سكتت برهة ثم قالت بصراخ وهي تنظر له بأعين دامعة:
– ولا كنت بتعاشر الستات اللي كانت بتيجي عشان يخلفوا؟
ابتلع بشار لعابه وقال بهدوء:
– الاتنين يا ديچا.
درت بصوتها كادت تجزم أن أحبالها الصوتية تأذت، دفعته في كتفه وكانت دموعه تنساب على خديه. قبض على معصمها برفق ليخبرها باقي حديثه قائلاً:
– افهمي قصدي يا ديچا، قصدي إن الاتنين جابوهم لي وعرضوهم عليّ وأني رافضتهم، بس حاولت أمثل عليه إني بعملهم، والله العظيم ما بكذب.
ابتسمت بتهكم من بين دموعها وقالت بنبرة ساخرة:
– لا والله! ومنتظر مني إيه إني أصدق الكلام الأهبل ده! واحد تاني دجال بيحلف بالله إنه مابيكدب.
تابعت بصراخ قائلة:
– وهو أصلًا كل حياته كدب وخداع!
كادت أن تخرج من غرفة المكتب لكنه منعها. حاولت أن يقترب منها، كانت تبتعد عنه نافرة.
لمسته تلك بتقزز، رفعت سبابتها نصب عينيه قائلة بصراخ:
– ما تقربش مني يا حيـوان.
رد بشار بنبرة متحشرجة قائلاً:
– حاضر حاضر يا حبيبتي.
كزت على أسنانها وقالت بتحذير واضح:
– ما تقوليش الكلمة دي، أنا بكرهك.
– حجك تعملي فيّ كيف ما تحبي.
تابع بنبرة صادقة وهو يقترب منها، استشعرتها عندما نظر بعينيه التي اختلطت بالدموع وقال:
– والله العظيم ما لمست أي ست، والله العظيم ما كنت في يوم كيف ما بتجولي عليّ إني دجال. أنا كنت بكدب عليه عشان يحل عني، إني كنت عنيدي. وجتها عشرين سنة، يعني كنت عيل صغير.
ضربت بكفيها على كتفيه وقالت بصراخ:
– عشرين سنة وعيل صغير إزاي يا بشار؟ ولما أنت عيل صغير جدك أخدك للستات ليه؟ أنت كنت راجل وقتها في نظر الكل، جدك يا يابيه متجوز عنده سبعتاشر سنة وخلّف بعدها على طول، وتيجي تقولي إنك أنت عندك عشرين سنة وصغير؟ طب اديني أنت عقلك أفكر بيه يمكن أرتاح وناري تبرد.
لم يمنعها عن دفعاتها المتتالية في كتفه، تجاهلها تمامًا، لم يكترث لأي شيء إلا إبتعادها عنه. اقترب منها حد الالتصاق، تناول كفها وقال:
– أحب على يدك يا خديجة، أوعاكِ تهملني لحالي. إني عملت كل اللي عملته ده عشان خاطرك، متزيدش عليّ وتهملني لحالي.
كانت تلتوي بين أحضانه حتى تتفلت منه، لكنه أمسكها بأعجوبة. وبحركة مباغتة منها استطاعت أن تخرج من حضنه قائلة:
– ارجوك يا بشار، أنت سيبني في حالي، أنا قرفانة حتى أبص في وشك.
انتابته حالة من الجنون حين اعترفت له باستيائها بما يدور داخلها. اقترب منها وقال:
– إني مجدرش أستغنى عنيكِ يا خديجة، أحب على يدك متبعديش عني. إني جلتلك عشان تساعديني كيف ما وعدتني، إني الحمد لله تُبت، والله العظيم تُبت عن كل حاجة تغضب الله ورسوله، رايدك تكـ...
قاطعته بصفعة مدوية على خده الأيسر. مال وجهه قليلاً، نظر لها بأعين مليئة بالدموع وتسأل بنبرة متحشرجة قائلاً:
– ليه كده يا خديجة؟ إني كنت صريح وياكي من البداية.
– فين الصراحة دي ها؟ فين؟ أنت قلت لي إمتى بعد ما خلص جدك كشف كل حاجة؟ افرض ما كانش جدك كشف لي حاجة كنت هتقول؟
– طبعًا لأ.
– أحيانًا الكذب في حاجات خطيرة بيبقى أهون من الصراحة.
تنفست بعمق وهي تصدر حكمها بعد صراع طويل بينها وبين حالها قائلة:
– طلقني يا بشار.
– لا مجدرش أعملها، أنتِ متعرفيش إني عملت إيه عشان أكتب اسمك على اسمي.
– مش عاوزة أعرف، ارجوك كفاية بقى كفاية! أنا مش عارفة إزاي بابا وافق عليك وهو عارفـ...
سكتت مليًا ثم تسألت بنبرة مختنقة إثر الدموع:
– هو بابا كمان كان معاكم في الموضوع ده يا بشار؟ رد عليا ساكت ليه؟ بابا كان معاكم بالغصب ولا بالرضا؟ اضحك عليا وقول بالغصب بس أوعى تقول كان راضي إنه يشارك في القرف ده!
– بكفاية لحد كده يا خديجة، النبش في اللي راح مش هيفيد بحاجة.
لم تستمع لنصيحته تلك وتسألت من جديد فيما لا يقوى على مواجهته حين قالت:
– أنت إيه اللي خلاك تغير رأيك في الشغل ده؟ ليه مبقتش معاهم؟
أجابها بإجابة مبهمة لها عدة تفسيرات لم تشفِ فضولها وقال:
– عشانك.
تنهدت بنفاذ صبر وقالت بعصبية مفرطة:
– قلت لك بطل تضحك عليا وتقول عشاني.
– والله العظيم عشانك بطلت كل ده عشانك.
– إزاي؟
– لو جلت لك إزاي هاتكرهيني بزيادة.
– قال يعني أنا دلوقتي واقعة في هواك! انطق وقول إزاي.
– جدي جابك البيت القديم وجالي اكـسر عين فؤاد القصاص ببته.
– وأنت عملت إيه؟
– عملت كيف ما طلب مني.
– قصدك إيه؟ قصدك إني أنا سـلمتك نفسي من غير ما أحس؟ أنت اغتـصبـتني يا بشار؟
– إني كنت رايدك تبجي مرتي.
كادت أن تتحدث بعصبية لكنه توسل لها وقال برجاء:
– أحب على يدك يا ديچا، اسمعيني للآخر وبعدها اعملي اللي يجي على بالك. المهم تسمعي زين.
هنا تحديدًا كانت تريد أن تسمعه جيدًا، على ما يبدو أنها ستظل مهمتها معه دائمًا، المستمع الجيد. نظرت له حين كفكف دموعه المنساب وهو يبتلع لعابه، ثم نظر لها وقال بنبرة تغلفها الصدق:
– والله العظيم، والله العظيم، والله العظيم، كل اللي هاجوله ده حصل ومافي حاجة غيره هي اللي حصلت.
تنهد بعمق ثم قال:
– إني أول مرة شفتك فيها مكنتش صدفة ولا حاجة، ولا كانت مشكلة كيف ما كنتِ فاهمة على ركنة عربية. إني لما شفتك وقتها كان باقي لي عشر شهور أراقبك ليل نهار، بتروحي فين وبرجع امتى، كل تحركاتك كنت عارفها بأمر من جدي. جدي كان إبليس، الله يعلنه. جالي عنيكِ حديث كتير عفش، وجالي إنك صيدة سهلة. كل ده مكانش بيهمني ولا فارق وياي. إني أصلًا كنت عارف مين أنتِ وأمك تبقى مين. أمك هي الحاجة الوحيدة اللي شافعة لك عن جدي وجته.
تنهد ثم قال:
– أمك كانت حبيبة أمي، الله يرحمها، وصاحبتها الروح بالروح. جلت كيف أمك تبقى بت الأصول تربي عفش كده في حاجة غلط؟
ردت خديجة بنبرة ساخرة قائلة:
– يعني قعدت شهور تعمل عني تحريات وتعرف إمتى داخلة وإمتى خارجة، ولما عرفت إن ماما صاحبة مامتك قلت بس في حاجة غلط مش كده؟ لا منطق برضو!
تنهد بشار وقال برجاء ونبرة أهدأ من ذي قبل:
– اسمعيني زين يا ديچا، الموضوع مش كده.
– اومال إزاي؟
– إني كنت مكلف ناس يحطوكِ تحت المراقبة، والناس دي تبع جدي، الله يلعنه، وكانوا بيوصلوا لي المعلومات اللي هو رايدني أعرفها وبس.
– وبعدين؟
– إني عشقتك ومعرفتش أمشي في الطريق ده تاني. واصلًا...
أطلقت تنهيدة طويلة تعبر عن نفاذ صبرها من ثرثرته. وقفت عن الأريكة وقالت:
– أنت شكلك مش عاوز تتكلم وتقول الحقيقة وعمال تجيب كلمة من الشرق على كلمة من الغرب، وأنا بدأت أمل منك بجد.
توسل لها وقال بنبرة صادقة:
– خلاص والله هاتكلم جد، بس رايدك تسمعي زين وتعرفي إني بتكلم صح وبقول الحق.
– أنا اللي هحدد إن كلامك صح ولا لا. اتفضل قول.
– أبوكِ وجدي تـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
– الشيخ المرعي كان بيساعدهم في فتح المقابر بتاعة الفراعنة.
اتسعت عيناها عن آخرهم وهي تستمع لباقي حديثه حين قال:
– وحصل بينهم خلافات كاتيرة في فترة من الفترات. جـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
– جـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
– جـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
– جـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
– جـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل السادس 6 - بقلم هدى زايد
قال زين بما لم تتوقعه:
– ده بيتك يا روح زين. عاوزة تدخليها ولا لأ؟ حاجة تخصك. أنا شخصيًا ضيف في مملكتك.
لجَمَت الصدمة لسان حُسنة. كادت أن ترد، لكنها تفاجأت به يحتضنها وهو يقول بابتسامة واسعة:
– إنما إيه القمر دا بس ها؟ متجوزة ملكة جمال العالم يا ناس؟
خرج من حضنها وقال:
– ممكن حبيبي ما يزعلش نفسه النهار ده. لأ، مش النهار ده بس. طول ما أنا موجود وربنا مديني عُمر، حبيبي ما يزعلش.
داعب خدها الأيسر بأنامله، ثم قام بطرقعة من يده وقال بابتسامة واسعة:
– حبيبي يشاور بس يشاور، ويزعل اللي يعجبه. وأنا ألمّ من ورا البلاوي وأقول: حبيبي يعمل اللي هو عاوزه.
طالعته حُسنة بنظراتٍ داهشة من ردة فعله. لم تكن تعلم أنه يعشقها لهذه الدرجة. لقد أفسد عليها خطتها في الفرار منه. بعد انتهاء حفلة الزفاف، كانت تريد أن تضع حدًا للجميع، وعلى رأسهم هو.
ملّس بإبهامه على خدها مرورًا بشفتاها المزينة بالحُمرة. مال بجذعه قليلًا ليُطبع أولى قُبلاته على شفتاها وهو مغمض العينين، وعقله يسبح في عالم الحُب والرومانسية الحالمة. شعرت بالنفور من تلك اللمسة. ابتعدت على الفور. عقد ما بين حاجبيه وهو يتابع حركتها تجاه الفراش الوثير. تنحنح بحرج مما فعلته. حاول أن يمرر الموقف مبررًا بأنها ليلتها الأولى في كل شيء.
سار نحوها وهو يقول:
– أنتِ لسه زعلانة؟
استغلت تلك النقطة لصالحها وقالت بنبرة مقتضبة:
– أيوه زعلانة ومعاوزش أتحدت وياك. هاملني لحالي. أنا مش كد المجامل يا ود القصاص يا بن الحسب والنسب.
وقف أمامها ثم عانق كلتا يداها بين كفيه وهو يخبرها ببطءٍ شديد عن سعادته التي لو طال يوزعها على العالم بأسره لن يتوانى في فعلها ما حيا. نظر بأعين ناعسة بالعشق في خاصتها وقال:
– أنتِ مقامك أغلى مني أنا شخصيًا. أنتِ متعرفيش أنا عملت إيه عشان تبقي مراتي. عارفة كلمت مين عشان تبقي نصيبي؟
سألته حُسنة بفضول، محاولة الهروب من معانقة أنامله لأنامله بهذا التملك، قائلة:
– كلمت مين؟
أجابها زين بابتسامة واسعة تكشف عن نواجذه وقال:
– كلمت ربنا. قلت له كل اللي في قلبي. قلت له: يارب أنا عاوزها تبقى مراتي. كل حاجة حوالينا بتقول إننا مستحيل نكون ليا. يارب اجعلها نصيبي وسهل لي الأمر.
ختم حديثه بتساؤل قائلًا:
– عارفة حصل إيه؟
– إيه؟!
– ربنا يسير لي أمري وتحلت وكأن مكنش في أي مشكلة أساسًا.
تابع بتذكر وقال:
– أنا نسيت أديكِ هدية فرحنا.
سألته حُسنة بتعجب:
– هدية في الفرح؟ غير اللي جبتهم!!
أجابها بابتسامة واسعة وهو يقف خلفها. وضع القلادة ثم قال:
– اللي جبتهم كانت شبكتك وأنتِ اخترتيها. إنما دي هديتي أنا. ذوقي.
مال بجذعه وهو يضمها برفق، ملاصقًا خده الأيسر بخدها. نظر لصورتهما المنعكسة ثم قال باسمًا:
– اخترتها تنور رقبتك زي ما اخترتك كده تنوري حياتي.
ثم عنقها بقُبلة ناعمة بالكاد تشعر بها. شعورها بالنفور يزداد كلما اقترب منها. فشلت جميع محاولاتها في أن تغضب وتثور حتى لا يقترب منها، لكنه يفسد لها جميع خططها بكلماته الناعمة تارة، وبأفعاله تارة أخرى.
للمرة الثانية تركته وابتعدت عنه. لا يجد أي مبرر لهذا الهروب وهذه حدة النفور التي تتعمد إظهارها. للمرة الثانية يجد لها مبررًا. تنحنح ثم قال باقتراح:
– إيه رأيك لو نغير الفستان وننزل نـ…
ردت مقاطعة بنبرة مرتفعة قائلة:
– أيوه أيوه أيوه. دلوه بس عرفت شغل المحالسة ديه كان ليه؟ رايد تمشي كلمة أمك عليّ؟ رايد تنصرها عليّ وأعمـ…
اقترب خطوة تلوى الأخرى. احتوى ذراعيها بكفيه وقال بابتسامة واسعة محاولًا تهدأتها:
– مين قال كدا بس يا ست البنات الحلوين. أنا كل اللي عاوزه منك إنك تكوني مرتاحة في الحركة.
تابع بنظرة سريعة لكنها كانت متفحصة لجميع تفاصيل فستانها. أخبرها بطريقة غاية في الروعة عن عيوب ومميزات ردائها الأبيض.
ردت بنبرة أهدأ من ذي قبل وقالت بتأييد لحديثه دون أن تشعر:
– إني خابرة إن الفستان كبير جوي عليّ. بس أني بالعند في جدي عشان أغلى حاجة في المحل.
وضع أنامله أسفل ذقنها ليرفع وجهها العابث وقال بابتسامة خفيفة لكنها بشوشة:
– حبيبي باين عليه هايتعبني معاه وشكله عنيد أوي. عمومًا على قلبي زي العسل.
تابع زين بجدية قائلاً:
– ده لا اختيارك ولا اختيار ماما. ده اختياري أنا. شفته في أتيلييه وتخيلتك فيه. اشتريته وأنا بدعي ربنا من كل قلبي تكوني أنتِ صاحبة نصيبه. والحمد لله ربنا حقق لي الأمنية دي.
ختم حديثه بصوتٍ هادئ ونبرة تملؤها التوسل:
– عشان خاطري يا حُسنة ما تكسريش فرحتي في اليوم ده.
طالعته حُسنة بنظرات حائرة لا تعرف ماذا تفعل لتفعل. كل ما يحدث حتى الآن بإرادته. نفذ لها جميع أوامرها حتى وإن رفض لها أمر، برر سبب رفضه الحنان الذي يتمتع به معها. لا تعرف إن كان مجرد ستار لما هو أسوأ، أم هي طبيعته بالفعل. بالنسبة لها، لا يهم ما هي طبيعته. كل ما تفكر فيه الآن، كيف تتخلص من هذه الزيجة. تركها تبدل الفستان بآخر من اختياره.
بعد أن رفضت مساعدته، الوضع بالنسبة لها جديد عليها وعليه أيضًا. حسنًا، سوف تمرر اليوم حتى تستطيع جمع شتات أفكارها من جديد.
❈-❈-❈
في الطابق الأرضي، حيث العريس الصامت الذي على ما يبدو أنه أجبر على هذه الزيجة. بينما كانت العروس تشعر بأنها داخل غرفة مظلمة لا تعرف كيف ولجتها ولا متى. السؤال كان يتكرر في ذهنها دائمًا: لماذا تقدم لخطبتها ما دام لا يريدها؟ لم تتحكم في لسانها وسألته عن السبب. وقبل أن يجيبها، أتى بشار وبارك لهما.
كان المنقذ من وجهة نظره. أما هي، قررت أن لا مفر من المواجهة الآن أو بعد قليل. لابد أن تحدث.
كان بشار يتحدث مع خالد متسائلًا عن خديجة التي لم تظهر حتى الآن. أخبره عن مكانها. تركه يذهب لزوجته وعاد هو لعروسته. جلس من جديد متجاهلًا الصمت السائد بينهما، محاولًا التأقلم مع الحياة الجديدة التي اختارها لنفسه.
بعد مرور نصف ساعة، هبطت حُسنة متأبطة ذراع زين، وعلى سلالم الدرج مجموعة من العازفين متراصين على الجانبين. كشفت ابتسامته العريضة عن نواجذه، بينما تحلت زوجته بشبح ابتسامة. الوضع من الخارج غاية في الروعة والجمال، ومن الداخل مزيف، حزين، ومؤلم للبعض. برر زين أن ما تفعله حُسنة خجل ليس إلا. بينما هي تريد عُمر، تشتاق له، تذوب عشقًا فيه. ليتها لم توافق على هذه الزيجة من الأساس. كان عُمر واقفًا متخشبًا كالتمثال. ماذا يفعل ليفعل؟ الوضع خرج عن سيطرته. شعوره بالحزن والقهر، قلة الحيلة جعلته يثور، يفعل أشياء لم يفعلها من قبل. نظر لجده الذي يبتسم لانتصاره في معركة كاد أن يخسرها، لكن قبل انتهاء الجولة بدقائق معدودة.
مد عُمر يده مصافحًا زين مباركًا له على الزواج.
ابتسم له ابتسامة باهتة ثم قال بمرارة:
– مبروك يا عريس.
نظر لها وقال بنبرة تعلمها جيدًا، بل وتشعر بها أيضًا:
– مبروك يا عروسة.
عاد ببصره وقال بجدية، مفجرًا قُنبلته الموقوتة قائلاً:
– خلي بالك منها كيف ما كنت أنا مخلي بالي. أصلها كانت خطيبتي وحبيبتي وأنا كنت حبيبها. بس هي اختارتك أنت على إيه معرفش!!
تغيرت ملامح زين وهو يكُز على أسنانه بغيظٍ شديد. كادت تجزم حُسنة أنها صوت طحن أسنانه اخترق مسامعها. أطبقت على جفنيها بقوة ما أن هدم ذاك العُمر ما حاولت بنائه. كشف ما كانت تخفيه وحاولت إنكاره حين سألها زين. قرر زين أن يلتزم الصمت حتى الانتهاء من حفل الزفاف. نظر لزوجته ثم عاد ببصره لعُمر وقال بابتسامة واسعة:
– هاخلي بالي حاضر.
تابع زين ساخرًا قائلاً:
– وأنت كمان خلي بالك.
سأله عُمر قائلاً:
– من إيه؟
أجابه زين قائلاً:
– منها. ما هي بنت عمك وزي أختك.
احتقنت الدماء في عروق عُمر، ونظراته لا تبرح نظرات ذاك الزين التي لا تختلف نظراته عنه في شيء، بل تزداد حدة وغضبًا مكتومًا.
تدخل على الفور خالد ما إن طلبت منه وجيدة أن ينقذ الموقف. وقف بينهما وقال بابتسامة واسعة ما إن رأى عُمر يقترب من أخيه ليضربه:
– في إيه يا عُمر؟ مالك واقف كده كيف ما يكون بت عمك؟ بس هي العروسة؟ أختها زعلانة منك. تعال معي سلم عليها.
رفع عُمر سبابته وقال بتحذير واضح:
– حظك كيف اسمك بس. صدقني مش كل مرة. وراجع لك تاني.
حرك زين رأسه وقال بابتسامة واسعة:
– اجري العب بعيد يا شاطر. ومتنساش تتعلم إن اللي بيقول ما بيعملش.
كاد أن ينفلت من محاصرة خالد، لكنه نجح في إبعاده عن مساحة زين المخصصة للجلوس فيها. فك أزرار حلته السوداء ثم جلس على الأريكة البيضاء. دام الصمت بينه وبين عروسته لأكثر من خمس دقائق كاملة. وقف الاثنان وسط الحديقة لأداء أولى رقصتهم.
وضعت يدها حول رقبته، بينما هو حاوط خصرها. نظر بعينيه المظلمة في خاصتها، تبادل النظرات بين العتاب واللوم. صمت لبرهة قبل أن تسأله بنبرة تملؤها الحزن الدفين:
– بتبص لي كده ليه؟
رد زين بنبرة متخاذلة استشعرتها في صوته وهو يقول:
– مُعجب؟ إيه بلا ش؟ ابقى مُعجب بمراتي؟
ابتسمت له ابتسامة شديدة التكلف قائلة:
– بس ديه مش نظرة إعجاب. ديه عتاب ولوم.
لفها حول نفسها جاعلًا ظهرها ملاصقًا لصدره، ثم قال:
– نظرتي فيكِ عمرها ما خيبت أبدًا. دايمًا بقول عنك ذكية. ودلوقتي اثبتي كلامي.
تابع وهي تدور حول نفسها قائلًا:
– كان نفسي إحساسي يطلع غلط، بس للأسف إحساسي عمره ما كدب عليا أبدًا.
عادت من جديد تحاوط رقبته وهي تقول:
– إني وافقت عليك بكامل إرادتي. محدش يجدر يغصبني على حاجة.
سألها بحزنٍ دفين قائلاً:
– وتفتكري دا شكل واحدة موافقة على عريسها بكامل إرادتها؟ طب أنا هكدب عينيا وقلبي وإحساسي وهمشي ورا كلامك. فين فرحتك بأكتر يوم بتستناه كل بنت؟
تأطأت رأسها عاجزة عن الإجابة. ابتسم لها وهو يميل بجذعه قليلًا ليحدثها بنبرة حزينة هامسًا بجانب أذنها قائلاً:
– لو حابة تمشي مع جدك بعد الفرح وبعد ما الناس تمشي، أنا ما عنديش أي مانع. القرار قرارك لحد اللحظة دي.
ردت بسرعة وبدون أدنى تفكير، وبداخلها عناد يفوق حبها لعُمر. نظرت لزوجها ثم نظرت لذاك المسكين الذي كاد أن ينفجر من فرط غضبه الشديد. عادت ببصرها وقالت بعناد:
– لا، رايدة أكمل وياك يا زين.
ابتسم بإنكسار ثم حدثها برجاء قائلاً:
– يبقى على الأقل احترمي وجودي يا بنت الناس. وبلاش نظراتك لي بين اللحظة والتانية. أنا مش غبي عشان أعدي شغل العند اللي بينك وبينه. بعد الفرح لينا كلام تاني مع بعض.
ختم حديثه قائلاً بمرارة في حلقه:
– كلام بعيد عنه وعن نظراتكم لبعض.
عاد وجلس مكانه في ذات الوقت الذي عاد فيه خالد مع زوجته. كانت الرقصة بينهما لا تنعم بالحب والرومانسية في نظر وجيدة. كانت تظن أن أختها تستمع لأفضل وأعظم كلمات الحب الذي بات يحفظهم زين عن ظهر قلب. أما خالد، فكان تبريراته لهذا الصمت العجيب أنه لا يعرف تلك الكلمات وأن انشغاله في العمل جعله أكثر عملية. ربما يكن حديثه في جزء من الصدق، إلا أن باقي حديثه عبارة عن أكاذيب وليست كذبة واحدة.
في نهاية حفل الزفاف، طلب المصور الفوتوغرافي التقاط بعض الصور منها العائلية ومنها الرومانسية. انتهى خالد ووجيدة من التقاط الصور أولًا ثم غادروا المكان عائدين إلى عش الزوجية بمنزله الجديد المنفصل عن عائلته. وبقي زين مع حُسنة يأخذ عدة صور في أماكن مختلفة، أفضل من خالد بناءً على تعليمات والدته. كانت والدته تقف جوار المصور تأمره ماذا يفعل على وجه التحديد. أشارت للعروسين قائلة بنبرة حانية لولدها الوحيد:
– زين حبيبي، الصورة هتنزل في كل الجرايد الرسمية. خلي بالك.
انتهت الصور المخصصة للجرائد والمجلات وأتى دور الألبوم الذي سيحفظ به. بدأ المصور يأمره بالأوضاع التي يتخذها زين وحُسنة لهذه الصور. انتهى بعد قرابة الثلاث ساعات من التصوير المتواصل. ودع العروسان جميع العائلة. كاد أن يغادر زين الحديقة متجهًا لغرفته الجديدة بالمنزل، لكن والدته استوقفته قائلة بسعادة:
– حبيبي كبر وبقى عريس. ماشاء الله. مبروك يا روح ماما.
ابتسم لها وقال:
– الله يبارك في حضرتك.
أشارت بيدها آمرة الخادمة قائلة:
– هاتي الظرف الأبيض اللي هناك ده يا زينب.
ذهبت الخادمة وعادت كالبرق في سرعته. وضعت الظرف في يد سيدة المنزل وغادرت.
نظرت لابنها وقالت:
– دي هدية بسيطة مني ومن بابا يا روحي. سافر اتبسطت وعيش حياتك. متشغلش نفسك بأي حاجة.
نظر زين لوالدته متسائلًا بفضول وهو يفتح الظرف:
– إيه دا يا ماما؟
طالعها ثم عاد ببصره لتذاكر الطيران. وجدها رحلة طويلة لمدة شهر كاملًا، لكنها لعدة أماكن مختلفة كان يريد أن يذهب إليها، لكنه لا يجد الوقت المناسب لانشغاله في العمل. نظر لحُسنة ثم قال بحزنٍ دفين:
– هدية جميلة يا ماما. تسلم إيدك. بس أعتقد إننا مش هنسافر دلوقتي. مش مخطط إني أسافر خصوصًا في الوقت ده.
– ليه يا كدا يا روحي؟ ده شهر العسل بتاعك.
– معلش يا ماما، محتاج أرتب كام حاجة قبلها. من فضلك سيبيني على راحتي. عمومًا يمكن أسافر لأي بلد من دول، بس مش دلوقتي.
تعجبت والدته من حديثه. نظرت لحسنة ثم عادت ببصرها لابنها الذي بدا عليه الحزن ونظرات الانكسار. فرغت فاها لتتحدث، لكنه قاطعها محتضنًا إياها، وهو يربت على ظهرها بحنانٍ بالغ. غادر الحديقة برفقة زوجته. صعدا سلالم الدرج حيث حجرته. توقف أمام بابها وهو يشير بيده قائلاً:
– اتفضلي يا عروسة.
ولجت حُسنة وخلفها هو. كانت تنظر بأعين داهشة في أنحاء الغرفة المزينة بالورود والبالونات الحمراء دليلًا عن الحب. استقر بصرها على الفراش الوثير المزين أيضًا بالورود الحمراء. التفت نحو اليسار حيث يجلس زين على المقعد. سارت بهدوء ما إن طلب منها أن تأتي وتجلس على المقعد المجاور.
دام الصمت لحظات قبل أن يقول:
– طبعًا، أنا معرفتش أتكلم معاكِ براحتي.
فرغت فاها لتتحدث، لكنه قاطعها قائلاً برجاء:
– ارجوكِ يا حُسنة اسمعيني للآخر. وأي حاجة حابة تقوليها يبقى لما يجي دورك في الكلام، عشان أنا عندي كتير أوي.
صمت برهة قبل أن يستعيد هدوئه الظاهري وقال:
– لحد ما كنا تحت وقبل جدك وعيلتك كلها تمشي، كان القرار بإيدك ولكِ حرية الاختيار في إنك تمشي أو تفضلي. لحد ما قررتي تفضلي، بقى القرار قراري أنا في إني أدوس على كرامتي وأعمل نفسي مش شايف النظرات أو الصح واللي المفروض يحصل وننفصل بكل الهدوء اللي في الدنيا، بس لأن يهمني سمعتك. قررت أدوس على كرامتي وتفضلي معايا، وبعدها كل واحد يروح لحاله.
ختم حديثه قائلاً بجدية:
– بعد شهر من دلوقتي اعتبري نفسك حرة ومالكيش دعوة بأي حد يقدر يتكلم معاكِ. أنا متكفل بكل شيء. ده غير حقوقك كلها هاتوصلك على داير مليم.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل السابع 7 - بقلم هدى زايد
- بعد شهر من دلوقتي اعتبري نفسك حرة وملككيش دعوة بأي حد يقدر يتكلم معاكي. أنا متكفل بكل شيء.
- ده غير حقوقك كلها هتوصَّلِك على الداير مليم.
- اعتبريها هدية طلاقك. تصبحي على خير يا عروسة.
بخطوات واسعة وسريعة خطاها زين تجاه المرحاض ليبدل ملابسه، بينما هي جلست تبكي على حظها الذي جعلها تظلم من لا ذنب له فيما يحدث بينها وبين عُمر.
بعد مرور نصف ساعة.
خرج زين من المرحاض، اتجه نحو الفراش، جذب بعض الأغطية والوسادة، قام بفرشها على الأرض ثم مدَّد جسده. أرخى جفنيه متجاهلًا زوجته وكأنها سرابًا.
بعد أن تأكدت أنه غط في نومٍ عميق، دخلت المرحاض لتبدل ثيابها. ما هي إلا ثوانٍ معدودة وصرخت بصوتها متأوهة إثر السقوط.
انتفض من نومه، تمتم بالبسملة، رفع الدثار عن جسده. بحث عنها حتى علم أنها داخل المرحاض.
طرق الباب وقال بصوتٍ عالٍ:
- حُسنة، أنتِ كويسة؟
ردت حُسنة متأوهة قائلة:
- لا، وجعت على رجلي معرفش أقوم.
- طب افتحي الباب.
ردت بعصبية ما إن قال بعدم تركيز إثر لهفته:
- أقوم كيف؟ بقول لك معرفش أقوم والباب مقفول.
أشار بكفيه قائلاً باعتذار:
- خلاص، معلش ابعدي بس شوية عن الباب وأنا هـ...
نفذت ما قاله لها، وفي اللحظة المناسبة انفتح الباب بقوة بعد أن كسره زين.
جثا على ركبته وقال بقلق بادئ على ملامحه:
- فيكِ حاجة؟
- رجلي واجعاني جوي.
بسط يده وقال بهدوء:
- طب هات إيدك واسندي عليّ.
ردت حُسنة بتأفف من حديثه قائلة:
- بقول لك مجدرش أقف عليها، تجولي اسندي عليّ!!
اتجه نحو ساقها، بدأ برفع ذيل الفستان. هدرت بصوتها قائلة:
- إيـــه! هاتعمل إيه أنت؟
أجابها بهدوء:
- هاشوف رجلك، جايز تكون لا قدر الله فيها كسر.
ربتت بيدها على كفه مانعة إياه قائلة بعصبية:
- لا ما فيهاش، أني بس مجدرش أدوس عليه. بعد يدك عني، ولا لقيتها حاجة.
رد زين بهدوء قائلاً:
- ياستي، والله العظيم أبداً بس كنت حابب أطمن عليكي مش أكتر.
تحاملت حُسنة على نفسها لتقف، ولكن كادت أن تسقط مرة أخرى. لحق بها في آخر لحظة. حذرها قائلاً:
- خلي بالك الفستان طويل وأنتِ كل شوية هتقعي بالشكل ده.
- مش دي اختيارك!
- أيوه اختياري، بس برضه مافيش حد بيـ... فستان بالطول ده في الحمام.
دفعته في كتفه وهي تبتعد عنه قائلة:
- قصدك إيه؟
رد موضحًا بنبرة صادقة:
- مش قصدي حاجة، أنتِ اللي فهمتي غلط. عمومًا أنا ممكن أفضل هنا لحد ما تغيري فستانك براحتك. برا وبعدها ناديني.
- فكرة زينة برضه، خلاص هقعد اهني لحد ما أنادم عليك.
- حاضر.
خرجت من المرحاض، ثم التفتت بسرعة قائلة بتحذير:
- أوعاك تبص كده ولا كده، أني بأقول لك أهوه.
ابتسم لها زين وقال ساخراً:
- لا متخافيش مش هبص، هاغض بصري.
بعد مرور أكثر من نصف ساعة.
عادت إلى المرحاض بعد أن نادته أكثر من مرة. وجدته في سباتٍ عميق متكوم حول نفسه إثر برودة المكان.
هزته في كتفه برفق قائلة بهدوء:
- زين، قوم يا زين أنا خلصت.
استيقظ بصعوبة بالغة وهو يضيق حدقتاه. نظر لها وقال بتساؤل:
- عاملة إيه دلوقتي؟
ردت بلهجة قاهرية قائلة باعتذار:
- الحمد لله أحسن. أنا آسفة إني نيمتك هنا، بس الفستان خد مني وقت شوية.
- ولا يهمك، هو أنا اللي راحـ...
أردف زين جملته ثم بترها ما إن وصل إلى مسامعه لكنتها القاهرية التي تبدلت في ثوانٍ.
رفع بصره وقال بتساؤل:
- أنتِ بتتكلمي قاهري عادي؟ اومال إيه حكاية الصعيدي ده؟
ابتسمت ولأول مرة منذ بداية اليوم وقالت:
- أنا عشت طول عمري في القاهرة وجيت هنا من حوالي سنتين أو تلاتة. جدي أمرني أتكلم صعيدي زيهم هنا عشان بيكره القاهرة واللي منها.
سألها بفضول قائلاً:
- ليه؟
رفعت كتفيها وقالت بعدم معرفة:
- مش عارفة، وبصراحة ما يهمنيش أعرف. بس أنا اتكلمت كده لأن عُمر كان هو اللي بيعلمـ...
بترت حديثها من تلقاء نفسها ما إن وجدته تبدلت ملامحه في ثوانٍ. تنحنحت ثم قالت باعتذار قبل أن تغادر المرحاض بلكنة صعيدية:
- أني آسفة، مكانش قصدي. تصبح على خير.
عادت تتحدث الصعيدية، لا تعرف إن كانت تتحدث بهذه اللكنة لأنها تذكرها بحبيبها أم لأنها اعتادت عليها.
غادر هو الآخر المرحاض دون أن يرد على اعتذارها بالقبول أو الرفض. مدَّد جسده على الشرشف الموضوع أرضاً. لم يحصل على النوم سريعاً كما توقع، ظل يفكر فيما يحدث. هل أخطأ من البداية أم أنه فعل الصواب.
بينما هي كانت تبكي، لا تعرف إن كان إثر ألم ساقها أم اختيارها الذي أوقعها في رجل طيب القلب.
رفع زين رأسه عن الوسادة ليعرف مصدر الصوت.
سألها بهدوء قائلاً:
- حُسنة، أنتِ بتعيطي؟
ردت حُسنة بنبرة متحشرجة إثر بكائها وقالت:
- أيوه.
اعتدل في جلسته ناظرًا لها نظرة متعجبة قائلاً:
- ليه مالك؟ هي رجليك لسه بتوجعك؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب. قالت بمرارة:
- رجلي وجلبي وكل حاجة فيّ بتوجعني.
صمت برهة وهو يطالعها بيأس ظناً منه أنها تتحدث عن حبيبها. لكنها تابعت حديثها قائلة:
- اليوم اللي بتستناه كل بت في الدنيا وبتستنى تشوف فرحة أمها، أني كنت بطولي يومها.
وقف زين من على الأرض متجهًا نحو البراد الصغير الموضوع في أحد الأركان. قام بفتحه ثم جذب قنينة الماء. سألها وهو يسير تجاهها قائلاً:
- صحيح يا حُسنة، فين أهلك؟ أقصد يعني ليكِ إخوات، ماتك عايشة ولا لأ؟
ردت حُسنة بحزنٍ دفين وهي تتناول منه كأس المياه الباردة:
- أمي عايشة وأني أكبر أخواتي من أمي، بس جدي منه لله حرمني منها.
أجهشت في البكاء ما إن تذكرت تفاصيل حياتها. جلس على حافة الفراش مقابلتها. ساعدها في أن تتجرع رشفات المياه بهدوء قائلاً بهدوء:
- اشربي وبلااش تعيطي. اهدي واحكي لي لو حابة.
تناول منها كأس المياه ووضعه جنباً. عاد ببصره سريعاً عندما بدأت سرد جميع تفاصيل حياتها منذ أن تزوج والدها بوالدتها بالقاهرة وحتى اليوم الذي وافقت فيه على الزواج منه. لن ينكر حزنه الذي اعتراه قلبه عندما ذكرت حكايتها مع عُمر، ناهيك عن الابتسامة التي ارتسمت تلقائياً عند ذكر كل حدث يربطها به.
❈-❈-❈
في شقة خالد الجديدة التي اتخذها عُش الزوجية.
كان جالساً في الردهة حتى ساعات الليل المتأخرة. فك رابطة عنقه ثم أزرار أكمام قميصه. ومازال يشعر بالاختناق. نظر في ساعة يده للمرة المئة بعد الألف. الوقت يمر وهي مازالت في غرفتها، لا يعرف إن غلبها النعاس أم تنتظر دخوله.
قرر أن يلج ويتحدث معها بعد أن رتب كلماته ونسقها لخامس مرة على التوالي. طرق الباب ثم ولج. وجدها مازالت على هيئتها، فستانها ومساحيق التجميل التي وضعتها. ولأول مرة في حياتها، كل شيء كما هو.
سار بخطواته الهادئة. جلس على حافة الفراش مقابلتها. كانت تبتسم في وجهه في انتظار مباركته التي لم تحصل عليها حتى هذه اللحظة. لكنه قرر أن يدلو بدلو من الماء شديدة البرودة فوق رأسها وهو يقول بأسف:
- وجيدة، أني مش قادر أجرب لك. بحاول أجيب لك بس مش قادر أتخطى موضوع بتر رجليكِ دي. أنتِ ما فيكيش غلطة، لكن سبحان الله موضوع رجليك دي مخليني غافل عنيكِ.
نظر لها وحدها، تحافظ على ثباتها الانفعالي بشكلٍ عجيب. مازالت تحتفظ بابتسامتها وهي تخبره بمرارة في حلقها محاولة السيطرة على حزنها وفرحتها التي دمرها له:
- والله يا خالد أني اللي ما خابرة، أنت جـ... س ملتك إيه؟ ما هو دي اللي قولته لك من زمان. لكن أنت بعيد عنك بيمشي في عروقك مياه ساجعة. وبعدين يعني، أني ذنبي إيه دلوه؟ ما فهمتش؟ عاوز تتطلقني يعني ولا إيه حكايتك؟
سألها بنبرة مغتاظة قائلاً:
- أني ما فهمتش، جايبه منين البرود اللي فيكِ دي؟
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أنت عاوز إيه أنت دلوه في يومك اللي مش معدي ده؟ عاوزة أنام، أني بقوم بدري.
- أنتِ دلوه زعلانة مني؟
- لا.
- ليه؟
- هو إيه اللي ليه؟ هزعل منك ليه؟ ما أني كنت حاسة إن دي ملعوب منك، بس لما جيتني وفضلت تلف ورايا كيف الحية، جلت جايز يكون فعلاً معجب. ادي له يا بت فرصة.
رد خالد بنبرة صادقة:
- والله العظيم أني ما شايف فيكِ عيب واصل.
تابع بخجل قائلاً:
- غير بس رجليكِ دي. صراحة ربنا ما عارف أشوفك كاملة.
ردت وجيدة بمرارة قائلة وهي تقف عن حافة الفراش لتنزع وشاحها الأبيض:
- الكامل لله وحده يا خالد، وأنت مش غلطان. الغلط غلط أني من الأول.
استدارت بجسدها كله متسائلة بجدية:
- جُل لي يا خالد، ناوي على إيه بالظبط؟
صمت لبرهة بينما هي تابعت فك وشاحها الأبيض بعصبية مكتومة ويدها المرتجفة التي يراها واضحة وضوح الشمس. لا يعرف ما الذي فعله بها أو بنفسه. وقف عن حافة الفراش مد يده ليساعدها. ابتعدت قليلاً عنه ثم قالت بهدوء يستتر خلفه غضب شديد:
- من فضلك يا خالد، أني هعرف كيف أساعد حالي. أني محتاجة منك إجابة واحدة، أنت دلوجه ناوي تعمل إيه؟
رد متسائلاً بهدوء:
- اللي يرضيكِ هعمله.
حركت رأسها علامة الإيجاب. قالت بحدة وصرامة:
- زين، طالما جيت للي يرضيني، يبقى اللي يرضيني هو إني ما أبقاش على ذمتك ليوم واحد بعد النهار ده.
رد خالد بعصبية قائلاً:
- كيف دي؟ رايدة الناس تتحدث عليكِ، إياكِ؟
هدرت بصوتها قائلة بعصبية:
- ملكش صالح، أني متكفلة بحديث الناس وأعرف أتعامل معاهم زين. قدام خيارين: يا تطلقني، يا أسيب لك الدنيا وأرحل. وبرضه هاتطلقني. جلت إيه؟
اقترب خالد منها محاولاً تقبيل رأسها وهو يعتذر لها مراراً قائلاً:
- حقك عليّ يا بت الناس، أني غلطان.
ابتعدت قبل أن يشرع في تقبيلها، محذرة إياه بنبرة حادة من بين دموعها المختنقة داخل مقلها:
- بعد عني. إياك تجرب لي، وإلا والله العظيم أسيب لك البيت وأرحل.
تراجع خطواتين للخلف ثم قال بهدوء:
- خلاص بعدت. زين كده، أهدي بجى عشان أعرف أتحدث وياكِ.
- جُول اللي عندك وخلِّصني.
- مش طالب منك كتير، هو شهر استلم رئاسة الإدارة في شركة أبوي وبعدها كل واحد يروح لحاله. زين كده.
- أني قَومَان عندي شرط.
رد خالد بحاجب مرفوع قائلاً:
- أني فاكر أني جلت إنه طلب، مش شرط!!
ابتسمت بتهكم وقالت:
- أنت تطلب كيف ما تحب، لكن أني أشترط عليك دي حجي ومالكش الرفض. يعني من الآخر كده، طلعت نزلت هاتوافق غصب عنك.
- خير، إيه هو الشرط ده؟
- من هنا لحد الشهر ما يخلص، ما لكش عندي حاجة. تعمل حاجتك كلها بنفسك وتزيد عليهم كمان أكلك تعمله لحالك. من الآخر كده، كأنك عايش في بيت أبوك.
- في بيت أبوي كان في اللي يخدمني.
- يبقى تجيب اللي يخدمك. أني مش خدامة حد. أني ست أي دار تدخله. جدي كان بيقول لي يا ست السرايا، مش على آخر الزمن هايجي واحد كيفك يقل لي اغسلي واطبخي.
- ماشي يا وجيدة، حاجة تاني؟
- أيوه، الأوضة دي أوضتي دلوه. تلم كل هدومك وأي حاجة تخصك وتنجلها على أي أوضة تعجبك. واعمل حسابك من دلوه ولحد الشهر ما يخلص، لا تسألني رايحة فين ولا بعمل إيه، حتى السلام ما عاوزهاش منك واصل.
- وه! ودي تبقى عيشة دي؟
- سميها كيف ما تحب. أني مش همشي غير اللي جَلته. عجبك ولا لأ؟
- عجبني يا وجيدة، أني أقدر أقول غير كده؟
تابع بنبرة مغتاظة وهو يلملم متعلقاته قائلاً:
- هقول إيه، ما أنتِ بت أبالسة!!
وصل لمسامعها سبابه لها ولعائلتها. ردت بنبرة تحذيرية مبطنة يعرفها رجل يعلم ببواطن الأمور حين قالت:
-چر شكلي عشان تاني أسلط أتباع جدي عليك وما تنامش الليل.
رفع كفه وقال بخوفٍ مصطنع قائلاً:
- لا، وعلى إيه. ربنا يجعل كلامنا خفيف عليكم وعلى أتباعكم.
❈-❈-❈
و دي كل حكايتي يا زين، من طأطأ لـ سلام عليكم. لا كدبت في حاجة ولا خبيت عنيك حاجة واصل.
أردفت حُسنة عبارتها وهي تنظر لزوجها الذي لا يعرف لأي شعور عليه أن يشعر به تجاهها. شعر بغصة مؤلمة في حلقه. لقد كسرت فرحته بهذه الحكاية. يا ليتها لم تسرد وهو لم يسأل من البداية. عجز لسانه عن نطق كلمة بعد ختام حكايتها. اكتفى بشبح ابتسامة حزينة على شفتيه. كانت تنتظر منه أي ردة فعل على حديثها، لكنه فاق كل توقعاتها. تركها تمدد جسدها على الفراش الوثير، وهو نام على جنبه الأيسر على الأرض. اغرورقت عيناه بالدموع لاعترافها بعشقها لرجلًا غيره. سرعان ما كفكف تلك الدمعة المتمردة على خده. أما هي، تعالت شهقاتها ما إن شعرت بحماقتها مع رجل لم يفعل لأجلها سوى كل ما هو جميل. إن تحدث الآن ستعلم أنه يبكي، وإن تجاهل بكاءها الذي يمزق نياط قلبه، ستفهم الأمر خطأ. عليه أن يدعس على كرامته وكبريائه كما فعل من قبل معها ويهون عليه.
تنحنح قبل أن يحدثها بصوتٍ مختنق قائلاً:
- مالك بس يا حُسنة زعلانة ليه؟
- زعلانة عشان زعلتك من غير قصد والله.
- مبين بس اللي قال لك إن زعلان؟
- شكلك دلوه بيجول كده.
تحامل على نفسه مستنداً بذقنه فوق ظهر يده وقال بإبتسامة مزيفة:
- يا ستي، أنتِ عاوزة تزعليني بالعافية، ما هو أنا تمام والحمد لله أهو.
تابع بمرارة قائلاً:
- ثم أنا مبسوط إني أخذت مساحة أكبر من اللي كنت واخدها وعرفت عنك حاجات كتيرة كنت بتمنى أعرفها من زمان.
سألته بنبرة متحشرجة قائلة:
- يعني أنت خلاص مش زعلان مني؟
أجابها بتأتأة وقال:
- خالص. مبسوط.
تابع بجدية وهو يعود لنومته تلك، حتى لا ترى الحزن في عينيه:
- على العموم، أنا هريحك من كل ده بعد شهر. وفات من الشهر ده يوم، يعني باقي لكِ معايا تسعة وعشرين يوم. حاولي تبقي مبسوطة فيهم عشان أحس بجد إني عملت لك حاجة كنت نفسي أعملها وإحنا مع بعض.
ردت بابتسامة واسعة قائلة:
- يعني بعد تسعة وعشرين يوم هابقى حرة.
- اه.
تابعت بتساؤل قائلة بحزن:
- طب وأنت هتعمل إيه في حياتك بعد كده؟
أرخى جفنيه وقال بابتسامة باهتة:
- زي ما كنت بعمل من قبلك.
ردت حُسنة قائلة بامتنان:
- أنت طيب جوي يا زين.
ابتسم وقال بحزنٍ دفين:
- وأنتِ أحسن واحدة عرفتها يا حُسنة. تصبحي على خير.
تنهدت بارتياح شديد ما إن ختم حديثه معها.
كادت أن ترخي جفنيها لتغط في نومها بسعادة. وجدت اسمه يضيء شاشة هاتفها. رفعت رأسها عن الوسادة. نظرت نظرة سريعة وجدت زين في سباتٍ عميق. هكذا ظنت، لكنه مازال يعيد حساباته من جديد. التقطت الهاتف وهي ترفع الدثار عن جسدها. سارت حافية القدمين تجاه غرفة تبديل الملابس.
قامت بالرد عليه. تحدثت ما يقارب العشر دقائق كاملة. ختمت حديثها بعصبية مفرطة:
- أنت السبب في اللي إحنا وصلنا له ده يا عُمر، ما تجيش دلوه وتقول إني السبب.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثامن 8 - بقلم هدى زايد
تنهدت بارتياح شديد ما إن ختم حديثه معها.
كادت أن ترخي جفنيها لتغط في نومها بسعادة.
وجدت اسمه يضيء شاشة هاتفها.
رفعت رأسها عن الوسادة، نظرت نظرة سريعة وجدت زين في سباتٍ عميق.
هكذا ظنت، لكنه مازال يُعيد حساباته من جديد.
التقطت الهاتف وهي ترفع الدثار عن جسدها.
سارت حافية القدمين تجاه غرفة تبديل الملابس.
قامت بالرد عليه، حدثته ما يقارب العشر دقائق كاملة.
ختمت حديثها بعصبية مفرطة:
– أنت السبب في اللي احنا وصلنا له ديه يا عُمر.
ما تچيش دلوجه وتجول أني السبب.
عُمر جلت لك خلاص أني ست متچوزة راعي ديه.
يعني إيه ما استفزكش ديه الحجيجه!
بص ولد الحلال أنت ابن عمي وعلى عيني وراسي.
بس قمان أني متچوزة والنهاردا ليلة فرحي على غيرك.
افهمها بجى.
ديه آخر مرة تتصل بيا اهنى.
تنهدت بعمق ما إن وجدت العصبية لا تفيد معه في العناد، عنصر مشترك بينهما.
قررت أن تغير دفة الحوار عله يغلق الهاتف ويتركها.
ابتسمت وقالت من بين أسنانها:
– طب يا حبيبي اني هابجى اشوفك بعدين.
مرتاح كِده، اجفل أنت دلوجه و نبجى نرتبوا سوى نتجابل كيف؟
التفتت ما إن نجحت خططتها، وجدت زين يقف على أعتاب باب الحجرة.
رفعت الهاتف وهي تقول بتردد:
– ديه ديه.
قاطعها زين قائلاً:
– أنا صحيح محترم إنك بتحبيه وبيحبك.
بس أنتِ كمان لازم تحترمي وجودي وتعرفي إن اللي بيحصل دا مايصحش مع واحدة متجوزة وخصوصًا يوم فرحها.
راعيني شوية زي ما براعيكِ، ولا إيه؟
استدار بجسده كله عائدًا من حيث أتى.
لكنها استوقفته قائلة بنبرة صادقة:
– زين والله العظيم ما في حاچة من اللي بالك فيها.
أني بس كنت رايدة أساسيه عشان يجفل الخـ…
ضرب زين المرآة المجاورة له دون أن يكترث لجرح يده، فجرح قلبه أشد آلام.
هدر بصوته وقال بغضبٍ مكتوم:
– في حاجة اسمها منردش ولا نقفل احنا الخط ونحطه في الحظر.
ابتسم بمرارة قائلاً:
– دا لو احنا عاوزين نعمل كدا يا حُسنة.
سارت تجاه المرحاض لتأتي بعلبة الإسعافات الأولية بعد أن ضمضت جرحه بقطعة من القماش الأبيض التي مزقته من منامته.
تركها وعاد لمكانه وبداخله نيـ ـران تُشعل عالمًا بأسره.
جلست على ركبتها أمامه ثم قامت بفتح علبة الإسعافات الأولية.
بدأت بالمطهر، لكنه جذب يده من يدها وقال بمرارة:
– أنا هعرف اعالج جرحي بنفسي يا حُسنة.
سبيني من فضلك.
وقفت حُسنة عن الأرض متجهة نحو فراشها.
على ما يبدو أن هذه الليلة لن تمر مرور الكرام.
لقد ختمها عُمر بتصرفاته تلك.
مددت على جنبها الأيسر.
كادت أن ترخي جفنيها، لكن معاودة اتصال عُمر لم تجعلها تعرف للنوم طريق.
كادت أن ترد عليه، لكنها تذكرت ما حدث منذ قليل.
ضغط بكل ما أوتيت من قوة على زر القفل، ثم وضعته داخل قائمة المحظورات.
اعتدلت في جلستها، وهي تخبرها بما فعلته عله يغير نظره عنها:
– هو رن عليّ تاني بس أني حطيته في الحظر كيف ما جلت لي.
انتظرت منه أي رد على جملتها تلك، لكنه قابل ما فعلته بالصمت التام.
كان يضمض جرحه ولا يعرف أي جرح بالتحديد يجب عليه تضمضه أولًا.
الشرود الذي انتابه فجأة جعله يتبدل تمامًا.
أما هي فكانت غير التي هي عليها الآن.
عادت تمدد جسدها على الفراش، تتنفس بصعوبة بالغة، تشعر بضيق في التنفس.
هذه الحالة دائمًا تحدث لها وقت غضبها.
❈-❈-❈
في منزل الجد حسان، كان جالسًا حتى الساعات الأخيرة من الليل.
لقد شرد بشار عنه أصبحقوَ بزوجته.
علما إنه في طريقه للمصالحة وإعادة المياه لمجاريها.
بدأ بشار يُشكل خطرًا عليه.
التخلص منه هو أفضل الحلول.
المشكلات التي صنعها في العمل ليست بالهينة على الجد.
اليوم جاءه اليقين، يجب عليه التخلص من حفيده وإلا انتهى أمر الجميع.
صعد الجد على سلالم الدرج بخطواته الواثقة.
بيده عكازه واليد الأخرى هدية باهظة الثمن تليق بالملك بشار.
بشار في عالمه مُلقب بالملك، توج منذ عدة سنوات كمسؤول عن جميع شئون المملكة.
تم تأهيله وترتيب كل شيء لهذا اليوم.
وعليه أن يختار إما زوجة من بني البشر أو زوجة من بني الجن.
وليست أي زوجة، بل الملكة ذاتها تريده زوجًا لها.
رفض كل المغريات التي وضعت أسفل قدميه.
فكان القرار سهلًا وبسيطًا وواضحًا.
كان بشار في سباتٍ عميق حين دخل الجد حسان بهدوئه المريب.
طالعه بنظرات تملؤها الحـ ـقد والغضب.
ضغط على عكازه العاج ذو الجمجمة الشيطانية الموضوعة أعلاه، ضغط حتى ابيضت أنامله إثر انقطاع الدماء فيه.
توعد له وها هو ينفذ وعيده.
فرغ الحقيبة الجلدية مما كانت تخفيه.
تحركت الحية بسرعة في بادئ الأمر، ثم بدأت تخطو بهدوء وحذر.
لم تكن وجهتها سرير بشار الذي أحبته في منامه.
كان يعلم الجد أنها لكن تتجه بهذه السرعة تجاه حفيده.
ابتسم ابتسامة شديدة التكلف ثم قال هامسًا:
– الحية ديه كيف بت القصاص التنين واحد.
التنين اتسحبوا عشان يوصلوا لك ويتكنوا منيك ويخلوك تشرد عني.
لو ربنا بيحبك يبجى الحية ها تخلص عليك النهاردا.
مكنش يبجى أنت وحظك يا ولد الأبالسة.
خرج الجد تاركًا الحية تقترب بهدوء مريب من فراش بشار.
الذي فتح عينيه فجأة بدون أي مقدمات وكأن أيقظه أحدهم بجانب أذنه.
رمق الأفعى التي كادت أن تقترب منه.
توقفت فجأة ثم أشار برأسه تجاه الباب.
استدار وكأنها تعي ما يقوله، خرجت ولم تفعل له شيئًا.
تنهد بعمق شديد وهو يقول بوعيد:
– ماشي يا چدي حسابنا بعدين مش دلوجه.
كِده اللعب بجى على المكشوف.
❈-❈-❈
أنت مين؟
تسألت خديجة بنبرة فضولية عن ماهية ذاك الصغير الذي تجاوز السادسة من عمره بأشهر قليلة.
نظر لها وقال بصوت رقيق حاول عدم إظهاره ليظهر أكثر خشونة لكنه فشل.
وضع يده على صدره وقال:
– أني چبل.
أنتِ خديچة؟
ردت بإيماءة من رأسها وقالت بهدوء لكن نبرتها تغلفها القلق:
– أيوه أنا خديجة.
فين بشار يا جبل؟
أشار الصغير تجاه الجبل الذي يقف على مسافة ليست بالكبيرة تجاهه ثم قال:
– في الچبل ورايد يشوفك.
تعالي وياي عشان نطلعوا الچبل.
نزعت خديجة يدها برفق من يده جبل، وعلامات الخوف ترتسم على وجهها.
بلعت لعابها وهي تقول:
– بليل كدا أخاف.
خلينا بالنهار أحسن.
ابتسم جبل على خوفها الواضح كوضوح الشمس.
عانق أنامله في أناملها وقال:
– ما فيش أحسن من الليل.
احنا هنوصلوا جبل الشمش ما تشرق بهبابه.
طب هو ليه مبيردش على تليفوناتي؟
بشار رايدك تطلعي الچبل.
تعالي وياي.
بعد مرور أكثر من ساعة ونصف تقريبًا، وصلت أخيرًا خديجة إلى كهف صغير لكنه مُعد لكل شيء تقريبًا لا ينقصه شيء سوى الأشخاص.
قرر أن يتلاعب الصغير بأعصابها حتى يأتي من كلفه بهذه المهمة الهامة ويعلم منه لماذا طلب منه الفرار من أبيه أيضًا.
– أنا خايفة.
– متخافيش أنتِ وياي في أمان بعيد عن بشار.
بس أنت قلت هاتوديني لبشار وسمعت كلامك.
فين بقى بشار؟
بشار في البلد وأنتِ كان لازم تبعدي عنه.
أنتِ كِده في مكان أحسن.
أنت ازاي تضحك عليا أنا عاوزة انزل الجبل.
هتساعدني و لا انزل لوحدي؟
صدقيني أنتِ كِده أمان ليكِ.
أوعاكِ تفكري تهربي.
الديابة هتأكلك.
أنت عارف ممكن اعمل فيك إيه؟
أنا ممكن أموتك ولا تجدري تعملي حاجة.
اجعدي اهنى بجى لحد ما الكابير ياچي ويشوفك.
كابير مين؟
كابير الچبل وصاحب المكان ديه اللي هو مين يعني؟
أني كابير الچبل يا خديجة.
استدارت خديجة لذاك الصوت المألوف الذي تعرفه جيدًا.
هرولت نحوه، عانقته بقوة شديدة.
بادلها ذات العناق وهو مغمض العينين.
مسد على ظهرها بحنان بالغ وهو يهمس بجانب أذنها:
– اتوحشتك الكام ساعة اللي فاتوا دول يا ديچا.
خرجت من حضنه وقالت بتساؤل دون أن ترد على حديثه الرومانسي:
– أنت صاحب المكان دا؟
طب ازاي؟
– أيوه أني كابير المكان اهني وأني اللي طلبت من چبل يچيبك لحد اهنى.
تعبتينا لحد ما چيتي يا ديچا.
المكان ديه محدش يعرفه غيري أني وچبل.
ودلوجه أنتي ملي عينك منيه زين عيشي فيه على كد ما تجدري عشان كلتها يومين وتودعي الدنيا دي كلتها.
عقدت ما بين حاجبيها وقالت بنبرة متعجبة قائلة:
– يعني إيه هودع الدنيا كله.
تابعت بذعر:
– أنت ناوي تـ ـقتلني!!!
ابتسم بشار حتى كشفت الابتسامة عن نواجذه.
أعاده لمكانه المخصص، وضع رأسها عند يسار صدره.
ربت بخفة على خصلات شعرها ثم قال:
– دا أني أجـ ـتل روحي ولا حد يخدش فيكِ خدش صغير.
رفع ذقنها بأنامله وقال:
– أني ناوي أبعد عن اهني يا حبيبتي.
هنبعدوا ونعيشوا حياة چديدة لا فيها چدي ولا فيها ابوكِ.
فيها أني وأنتِ وبس.
تابع بتذكر قائلاً:
– وجبل ها يكون ويانا.
رد جبل مقاطعًا حديث عمه معارضًا هذا القرار وقال:
– أني ما هروحش وياك في حتة.
أني ها فضل اهني لحد ما اعرف چتت ابوي فين؟
نظرت خديجة بتعاطف له ثم نظرت لـ بشار الذي يتعامل معه بحدة وصرامة وهو يقول:
– أنت ها تهمد ولا أچاي أعلمك الأدب.
ابوك راح كيف اللي رحوا وأنت من اهنى ورايح ملكش صالح بشغل الإثارات ولا حتى الشيخ المرعي ديه فاهم ولا لا؟
رد جبل وقال بإعتراض:
– لا ما فهامش.
أني هاروح أدور على ابوي.
ترك بشار يد خديجة متجهًا نحو ذاك الصغير الذي لا يهاب شيئًا.
دائمًا يذكره بنفسه في الصغر، لكن جبل يفوقه في العناد والتحدي.
قبض على الصغير من مؤخرة رأسه وقال بتحذير واضح وصريح:
– اسمع بجى لما أجلك شغل جلة الأدب ديه ماعاوزش اشوفه اهنى تاني.
وأنت هتجعد اهنى كيفك كيف البُلغة اللي في رجلك ديه.
تتجهت خديجة بدورها وتتدخلت محاولة فض النزاع بين بشار وذاك الصغير الذي يتشاجر مع عمه ولا يهابه.
نجحت في إبعاده عنه ثم وضعت جبل خلف ظهرها وقالت:
– خلاص بقى يا بشار مش كدا.
جبل عيل صغير مش فاهم حاجة.
رد جبل وهو يخرج من خلف ظهرها وقال بنبرة مغتاظة:
– عيل إيه أني راچل كيفي كيفه بالتمام.
تابع بجدية لم تتوقعها منها حين قال:
– لو أني عيل كيف ما بتجولي عمي طلب مني ليه ااچيبك اهنى على الچبل.
ابتسمت له وهي تتبادل النظر مع زوجها الذي حاول إخفاء شبح الابتسامة التي ارتسمت على ثغره.
ردت خديجة بعتذار وقالت:
– حقك عليا يا سي جبل.
احنا آسفين مكنتش عارفة إنك عيل صغير.
رد جبل بنبرة مغتاظة قائلاً:
– تاني ها تجول عيل يا ست.
أني راچل مش راچل أني ولا مش راچل؟
داعبت خديه بحنان بالغ ثم قالت بنبرة هادئة:
– راچل وسيد الرجالة يا چوس.
سألها جبل بعدم فهم قائلاً:
– مين چو ديه؟
أجابته خديجة بهدوء قائلة:
– أنت اسمك چو دلع جبل.
إيه مش عجبك؟
رد جبل بابتسامة مزيفة وقال قبل أن يغادر المكان:
– لا دلع ماصخ.
– أنت ياواد يا جبل تعال هنا.
– هملي لحاله دلوجه يا ديچا رايد اتحدد وياكِ.
– خير يا بشار.
صمت برهة قبل أن يفجر قـ ـنـ ـبلته الموقوتة في وجه خديجة:
– أني هاكتب چبل باسمي واسمك يا ديچا وها نهربوا برا البلد.
ردت خديجة بنبرة متعجبة قائلة:
– نهرب ليه ومن مين؟
وازاي نكتب جبل باسمنا ونمحى وجود أبوه وأمه من حياته!!
رد بشار بجدية قائلاً:
– چبل ما يعرفش لأمه طريج من بعد أبوه طلقها وأبوه مات تحت البيت اللي كان بيحفر فيه يعني ملوش حد غير ربنا وإحنا.
هدرت خديجة بصوتها قائلة:
– أيوه ودا مبرر يعني إننا نمحي تاريخ حياته!!
استدارت بجسدها وهي تضع يدها على مقدمة رأسها.
عادت تنظر له ثم قالت بصراخ:
– أنت كدا ها تعمل خلط نسب يا بشار.
سألها بشار بعدم استيعاب قائلاً:
– خلط نسب إيه بس يا ديچا.
دي مجرد ورقة عشان نعرفوا نطلعوا من البلد!!
أجابته بغضبٍ جـ ـم:
– اه وبعد كدا ها نعمل إيه؟
مش هايبقي محتاج يعيش حياته زيه زي أي طفل.
مش من حقه يتعلم.
افرض خلفنا احنا وجبنا بنت ها تبقى اخته ومحرمة عليه في الورق.
ولا بنت عمه محللة يتجوزها؟!!
– أني مفكرتش في ديه كله.
أني كل اللي فكرت فيه إن ناخدوا ونهربوا من اهني!!
– نهرب، نهرب، نهرب إيه كل شوية نهرب ليه عاملين جريمة ولا قاتلين حد؟
احنا قانونًا مفيش أي نتحبس عشان احنا عاوزين نسيب البلد ونمشي لا أكتر ولا أقل!!
– هنروحوا فين يعني؟
– أي حتة.
صمت بشار لبرهة مفكرًا في حل بديل.
نظر لها ثم قال بهدوء:
– أني عندي حل ماعرفش ها يعجبك ولا لا.
– يا سيدي قول وخلصني.
– أني چدي أبوه أمي الله يرحمها شيخ جامع كبير.
هو يبجى اخو چدي حسان بس من أبوه.
ومستحيل چدي يجي على باله إننا رحنا هناك.
ردت خديجة وقالت:
– طب ما ساهلة اهي.
معقدها على نفسك ليه بقى!!
نظرت له بتوجس قائلة:
– الك وشك قلب ليه كدا؟
– أصل چدي حر ج له الدار جبل كِده بس و الله العظيم ما كنت معاه وجتها.
لكن چدي سالم ما يعرفش كِده واحفاده واعرين جو.
سألته بعدم فهم قائلة:
– واعرين ازاي يعني؟
أجابها بشار وقال:
– اللي ظابط في الدخلية واللي دكتور.
وأصغرهم كان زميل عُمر في الكلية وجدي سالم منعه يتحدد وياه.
تفتكري ها يجبل بينا؟
صمتت خديجة عاجزة عن الحديث بعد هذا الكم من المصائب الذي يقع فوق رأسها دون هوادة.
آنارت مصابيح الأفكار فوق رأسها.
نظرت له وقالت:
– لقتها.
احنا نروح ونطلب منه السماح وأنا هاطلب منه يخليني معاه في البيت أنا وجبل.
سألها بنبرة مغتاظة وقال:
– طب وأني؟
أجابته بهدوء:
– أكيد ها تبقى معانا بس لازم الأول امهد له إننا فعلا ملناش ذنب.
ولو مش موافق خالص نسيب عنده جبل أمانة لحد ما نلاقي مكان ونرجع ناخده.
وأهو على الأقل جبل هناك ها يبقى في أمان أكتر مننا.
ما هو أكيد جدك مش ها يسيبك بـ الساهل كدا.
❈-❈-❈
في عصر اليوم التالي، كانت حُسنة جالسة في غرفة الضيوف حذاء زوجة عمها.
وعلى يسارها زوجها زين الذي يحاول الابتسام رغم حزنه الدفين.
كانت والدة عُمر توصيه عليها مراسم زائفة وطقوس لا يعرفها.
لكن عليه أن يتظاهر بالسعادة حتى لا يثير الشك.
نظر زين في ساعة يده وقال باعتذار:
– أنا مضطر أستأذن.
عندي كام حاجة كدا مهمة.
نظرت حُسنة له وقالت بنبرة متعجبة:
– ها تخرج دلوجه؟
– اه كام حاجة كدا هاخلصها و ابقى ارجع بليل.
ضغطت على يده وقالت من بين أسنانها بصوت بالكاد أن يكون مسموعًا:
– ماينفعش كِده.
عريس ليلة صباحيته يخرج ويسيب عروسته.
الناس ها تجول إيه؟
رد زين بذات الصوت وقال:
– مش لما نبقى عريس وعروسة الأول.
تبقي تقولي كدا وبعدين ناس مين دول اللي ها يتكلموا؟
داعب خدها قبل أن يغادر الغرفة وقال:
– ساعتين بالكتير مش هتأخر.
سلام يا عروسة.
غادر زين غرفة الضيوف ومنها إلى بهو الفيلا حيث والديه كان يحتسيان القهوة.
طبع قبلة خفيفة على خد والدته وقال:
– أنا خارج يا ماما.
عاوزة حاجة؟
سألته بنبرة متعجبة قائلة:
– على فين يا حبيبي؟
أجابها كاذبًا:
– عندي مشوار مهم.
– زين يا حبيبي ماينفعش عريس يخرج تاني فرحه.
– ماما هو حضرتك متفقة مع حُسنة عليا ولا إيه؟
ردت والدته بنبرة صادقة قائلة:
– لا والله يا زين بس حقيقي ما ينفعش تخرج النهاردا مهما كان شغلك مهم.
عروستك أهمل.
أول مرة يشعر بأن والدته تتحدث عن الجائز وغير الجائز.
ابتسم بمرارة ثم قال:
– حاضر يا مش هتأخر.
أنا مش هابعد عن الفيلا.
تابع بكذب قائلاً:
– بيني وبينك عامل مفاجأة لحُسنة بكرا ها تتبسط منها.
ويرد بابتسامة خبيثة و قالت:
– طب ما تعرفني يا حبيب ماما يمكن اساعدك؟
عجز عن الرد.
نظر لها ثم قال بكذب:
– أصلها زعلانة مني من امبارح وبحاول اصالحها وهي مش راضية.
قلت اروح اشتري لها حاجة وراجع.
– طب يا حبيبي روح ومتتأخرش.
بعد مرور خمس دقائق، وقفت الخادمة المسؤولة عن تنظيف الغرف.
همس بجانب أذن سيدتها تسرد لها ما حدث بين حُسنة ووالدة عُمر قائلة:
– وست حُسنة قالت لها أنا كرامة جوزي من كرامتي ولا يمكن أقبل إن أي حد يدوس له على طرف.
قولي لابنك يشوف نصيبه مع حد تاني.
وأم عُمر قالت لها أنا معرفش هو عمل كدا ليه بس اوعدك تكون آخر مرة يا حُسنة.
سألتها والدة زين قائلة:
– وبعدين؟
أجابتها الخادمة:
– بس يا ستي دا كل اللي حصل.
– طب امشي روحي شوفي شغلك.
عادت الخادمة سريعًا قائلة:
– ستي أنا لقيت دا جنب السرير بتاع سيدي زين.
ارميه يا ستي ولا لي لازمة؟
تناولت والدة زين قطعة القماش المختلطة بالدماء.
نظرت إليها طويلًا وهي تتذكر ذاك الجرح الذي ضمضه ابنها.
ابتسمت بمكر وهي تخبر خادمتها قائلة:
– دا لازم احطه جوا عيونه يا فاطمة.
تابعت بنبرة آمرة:
– روحي أنتِ دلوقتي و خلي عينك مفتوحة على حُسنة.
خليكِ وراها زي ضلها.
– حاضر يا ستي.
❈-❈-❈
في منتصف نفس اليوم، كان عُمر يجوب المكان ذهابًا إيابًا.
يحاول أن يصل إليها لكنها قررت غلق صفحته كما قالت لوالدته.
رفعت سماعة الهاتف على أذنها في انتظار رد زوجها.
حاولت مرة تلو الأخرى حتى قام بالرد عليها.
ردت بلهفة قائلة:
– الو أيوة يا زين، زين في حاجة عاوزة أقولك علـ….
الو.
انقطع الاتصال بينها وبين زوجها.
على ما يبدو أن فرغ شاحن هاتفه.
حاولت الاتصال أكثر من مرة لكن دون جدوى.
تنهدت بعمق ثم قررت أن تخبر شقيقتها قائلة بصراخ:
– عرفي عُمر إن اللي بيعمله ديه مش هايفيد بحاجة واصل يا وجيدة.
ايوة هو اهني وزين مش اهني.
رايد يخرب عليّ الله في سماه.
ها جتـ ـله ولا يغمض لي جفن.
اتصلي عليه خلي يغور يا وجيدة.
بعد مرور أكثر من ساعة تقريبًا، أتى الجد حسان بعد مكالمة طويلة بينه وبين والد زين.
جلس يستمع لحديثه وبداخله نـ ـيـ ـران تأجج عالمًا بأسره.
لكنه تظاهر بالعكس.
كما أنه كذب عليهم بأنه هو من طلب من حفيده أن يذهب لابنة عمه.
لكن لم يقبل أحدهم بهذا الحديث.
هدر الجد بصوته قائلاً بغضب:
– عني إيه الحديت الماصخ اللي ها تجوله د مرتك ديه يا فؤاد؟
– مرتي ما غلتطتش يا حاچ حسان.
ولدي مدخلش على حُسنة وعُمر كان خارچ من عنيدها الساعة تلاتة الفجر وولدي مسافر والكاميرات تشهد بديه.
هو لو جلت لك إن ولدك مدخلش على مرته عشان هو اللي معيوب وهي جاعدة وياه عشان العيش والمـ…
– إيه الحديت الماصخ ديه.
ولدي زينة الرچالة ولو هو كيف ما بتجول كِده كان اتجوز ليه من الأول؟
اني بتي مش معيوبة.
وإن كان على عُمر فأني اللي بعته ليه.
بعته ليها وهي جابلته بقميص النوم يا حاچ حسان.
خلي حديتك حج كيف ما متعود منك.
و مين جالك إننا ناس تعرف الحج.
اللي يشتغل شغلاتنا يا فؤاد مايعرفش الحج.
اللي بتعمله مرتك ديه كيد حريم بعد أنت عنيه.
وإن كان على بتنا فهي كيف الشمعة المنورة.
– معلش يا حاچ حسان.
احنا نجـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل التاسع 9 - بقلم هدى زايد
حاولت حُسنة أن تتملص من بين أيديهن لكن لم تستطع فعل هذا، فالنساء تفوق قوة جسدها.
مدت والدة زين يدها لتقبلها حُسنة وتطلب منها العفو، لكن رد حُسنة غير المتوقع بصقت في وجهها ثم ركلتها بقدمها في معدتها.
اتسعت أعين والدة زين عن آخرهم وهي تأمر النساء بصراخ بفعل ما أمرتهن به.
قامت إحدى النساء بإبعاد ساقيها عن بعضهما البعض.
صرخت حُسنة حتى شعرت أن أحبالها الصوتية تأذت، ولكنها نجحت في ركل إحداهن قبل أن تشرع إحدى السيدات بنزع سروال منامتها عنها.
دفعت حُسنة المرأة بقدمها، تركت المرأة ساق الأخيرة وهي تتأوه.
نجحت في الفرار من قبضة النساء بأعجوبة.
نهضت من الفراش بهرجلة متجهة نحو باب غرفتها، كادت أن تسقط على الأرض لكنها مشت على أربعة في سرعة شديدة.
خانها ساقيها عند باب الحجرة.
فتح بابها زوجها زين، تشبثت في قدمه وقالت برجاء من بين دموعها المنهمرة على وجنتها:
– الحجني يا زين، الحجني.
لجمت الصدمة لسان زين الذي لم يستوعب حتى الآن ما يحدث داخل حجرتهما.
حاول أن يساعدها في النهوض لكنها فقدت الوعي داخل صدره.
هدر بصوته الجهوري قائلًا:
– إنتوا عملتوا فيها إيه بالظبط؟
ردت والدته بنبرة حزينة ودموع مزيفة قائلة:
– حُسنة حبيبتي كانت تعبانة، حُسنة يا زين طلعت ملبوسة وعليها جن عاشق.
سألها بنبرة متعجبة قائلاً:
– جن عاشق؟
أومأت له برأسها علامة الإيجاب.
وقالت بكذب:
– أيوه يا حبيبي، جن عاشق بسبب وقفتها قدام المرايا كتير والستات دول كانوا بيحاولوا يساعدوها.
نظر زين لـ حُسنة، وجد جزعها السُفلي شبه عارٍ على فخذيها، خدوش إثر محاولاتها في الدفاع عن نفسها.
نظر لوالدته وقال:
– وهو الجن العاشق يحاول يقلعها هدومها اللي تحت يا ماما برضو؟
ردت بنبرة متلعثمة قائلة:
– أنا أنا كنت بحاول.
حملها زين بين ذراعيه متجهًا نحو الفراش.
قام بطرد النساء من الحجرة.
دثرها جيدًا ثم نظر لوالدته وقال بتساؤل:
– إيه اللي حضرتك عاوزة تعملي بالظبط؟
ردت والدته بتساؤل ونظراتها لا تبرح خاصيته وقالت:
– الهانم مفهمة جدها إنك مش راجل وإنك بتترعش من امبارح بليل.
ابتسم زين ابتسامة مزيفة وقال:
– أيوه أنا من امبارح بترعش فعلاً، أنتِ بقى زعلانة ليه؟
اتسعت أعين والدته عن آخرهم وهي تتلقى رده غير المتوقع.
حركت رأسها قائلة بدهشة:
– زين حبيبي أنت مُدرك أنت بتقول إيه ولا هي أصلًا قالت عليك إيه؟ قالت عليك مش راجل فاعم يعني مش ابني أنا مش راجل!
زفر زين بابتسامة ساخرة وهو يشير تجاهها وقال:
– وهو أسيب مراتي مع أمي وأبويا اللي المفروض مطمن عليها وهي معاهم وأرجع ألاقيها بالمنظر البشع دا كده؟ هي ها تقول عن ابنك أنتِ راجل!!! ردي يا ماما فين الأمان اللي المفروض مراتي تحسه بعد كدا؟
ردت والدته بنبرة ذاهلة وقالت:
– لا يمكن تكون زين اللي أنا ربيته، لا يمكن البنت دي أكيد عاملة لك حاجة مش ممكن تكون طبيعي أبداً.
ختمت حديثها قائلة:
– فوق يا بيه الهانم جابت عشيقها في بيتك الساعة تلاتة الفجر.
ابتسمت زين وقال بهدوء حد الاستفزاز:
– اتصلت عليا وقالت لي، قلت لها يا مرحب بي في أي وقت.
في مساء اليوم التالي، دخل غرفة زين وحُسنة.
تكوّرت حُسنة حول نفسها مستندة برأسها على طرف الفراش، ودموعها منسابة على خديها، تبتلع مرارة حلقها بصعوبة بالغة.
جلس زين جوارها وهو يمد يده له بكوبًا من العصير الطازج.
نظرت له والدموع تشوش على الرؤية لديها.
نظرة التعاطف التي رمقها لها زادت من انكسارها.
دفعت كأس العصير بعيدًا عنها وهي تقول بصراخ:
– معاوزش منك حاجة، معاوزش منكم كلكم حاجة، منكم لله ربنا ينتقم منكم بحق حرقة جلبي واللي حصُل فيّ.
حاول أن يقترب منها لكنها فلتت من هذا الاقتراب كالمجذوبة.
دفعت كل شيء بيدها ليتهشم بالجدران.
كان يسير بخطواتٍ هادئة تجاهها.
وقف أمامها وقال بهدوء كسابق عهده:
– خلاص خلصتي تكسير؟
– أيوه وناري لسه ما بردتش.
– ولا ها تبرد صدقيني.
خطى خطوة كنوع من الاختبار لردة فعلها، ما أن وجدها هادئة قرر الإقتراب أكثر.
مد يده وجفف دموعها قائلاً:
– والله ما حد غلطان في الموضوع دا كله غيري أنا عشان كنت فاكر إني سايبك في بيتي وبيتي يعني الأمان كله، واللي عملته أمي كسر كل حاجة حلوة بيني وبينها.
أنا ها أنفذ لك رغبة يا حُسنة وها نعيش في مكان تاني.
ردت حُسنة قائلة بوعيد:
– وإني مش هامشي من اهني جبل ما آخد حاجي.
اقترب زين خطواتين ليقف أمامها مباشرةً.
رفع ذقنها بأنامله وقال بهدوء:
– والله لاخد لك حقك من كل واحد اتسبب في إن تنزل دمعة واحدة من دموعك الغالية دي، سيبي لي أنا الموضوع وبكرا تقولي زين قال.
نظرت له بأعين مليئة بالدموع والقهر.
حركت رأسها علامة النفي وقالت بمرارة:
– جلبي محروق جوي جوي يا زين، كسروني جوي وذلوني ولاد الأبالسة دول.
وضع رأسها على يسار صدره لتستمع دقات قلبه وهو يخبرها بنبرة هادئة تتناقض مع تلك النيران المتأججة داخل صدره وقال:
– حقك عليا أنا آسف، صدقيني لو كنت أعرف من الأول مكنتش خلتهم يعملوا كدا فيكِ.
في نفس الوقت، داخل منزل والدة خالد.
كانت وجيدة جالسة حذاء والدة خالد ترتشف القهوة في هدوء تام.
علمت بولادة خديجة وبشار، فرحت لهما وباركت لهما الزواج.
كما علمت ما حدث لـ حُسنة، كانت تريد الذهاب لكن اعتذر زين وطلب منها الانتظار حتى عودتهما من إحدى المدن الساحلية.
شردت قليلاً في اللاشيء.
جلس حذاؤها خالد وهو يتناول قدح القهوة عن سطح المنضدة الزجاجي.
كاد أن يرتشف لكنها منعته قائلة:
– بَعد يدك.
رد خالد بفزع من صوتها العالي:
– خضتيني يا وجيدة، في إيه؟
– في إنك ها تمد يدك على الجهوة بتاعتي، جوم اعمل لك واحدة.
– وه! الحديث ديه في بيتنا مش اهني أمي قاعدة عيب كده!
ردت وجيدة وقالت بجدية وهي تتحدث أمام والدته:
– أمك خابرة كل حاجة وأني مش خدامة حد، جوم اعمل لحالك واحدة.
غضبا وخيرها:
– وكيف ما بتخدم روحك هناك اخدم روحك مكان ما تروح.
ابتسمت والدة خالد وقالت بسعادة:
– والله لو كنتِ عملتي غير كده كنت جلت عليكِ خايبة جدعة يا بتي، اديه فوق دماغه يمكن يفوق من الدباب اللي راكب مخه ده.
رد خالدة وقال بنبرة مغتاظة:
– خليكِ محضر خير ياما الله يرضى عنيكِ.
ردت بشماتة قائلة:
– طول عمري محضر خير يا ولدي، أنت بس اللي ولد حلال وتستاهل.
على العموم اللي يجي على الولايا حرام، وكفاية وجيدة جات عليك بالجوي.
انغمز الاثنان في ضحكاتهن بينما غادر خالد المكان وهو يركل بقدمه المنضدة.
استوقفته والدته متسائلة بفضول:
– على فين كده يا ولدي؟
رد بنبرة مغتاظة قائلاً:
– هاعمل فنجان قهوة ياما.
بعد مرور عشرة أيام أخرى، حضرت وجيدة حفل زفاف نجل أحد رجال الأعمال الذي يتعامل معهم زوجها.
لم تكن تعلم أن وجودها هام بالنسبة لـ خالد، ليس لأكتمال الوجهة الاجتماعية، بل لأن وجوده يفرق معه.
هو يشعر بأن هناك علاقة قوية بينها وبين الله، ما أن يطلب منها أن تدعو له لم تُرده يومًا.
والعجيب أن الله يستجيب لدعائها، يشعر بأنها أقرب إلى الله أكثر منه.
كانت جالسة تشاهد المدعوين للحفل وهي تستغفر ربها بين الفينة والأخرى.
همس خالد بالقرب من أذنها قائلاً:
– مش عاجبك الجو ولا إيه؟
ردت بذات النبرة قائلة:
– دي منبع الذنوب يا جدع!
– خلاص هبابة ونمشي، اتحملي شوية وافردي بوزك ده.
امتثلت وجيدة لطلب زوجها، بدأ يحثها على الإنسجام لكنها لم تستجيب لهذه الجلسة حتى أتى الدكتور خليل البيومي.
شاب تجاوز الخامسة والثلاثين تقريبًا لم يسبق له الزواج، يعمل طبيب علاج طبيعي.
كما أنه فتح صرح طبي متخصص في الأطراف الصناعية.
أخيرًا وجدت وجهتها.
كانت وجيدة تستمع لحديث الدكتور خليل بإهتمام كبير، ما يصفه يتطابق عليها.
بدأت تندمج مع الجلسة بسرعة فائقة عكس بدايتها.
لاحظ هذا التغير زوجها خالد.
كانت تسأل وهو يجيب.
انتهت الجلسة الطبية على حد قول تلك الجميلة الجالسة حذاء خليل.
وقف عن المقعد متجهًا نحو المائدة المخصصة للطعام.
تناول الصحن بهدوء وقبل أن يختار ما يريده استوقفته وجيدة قائلة:
– أني خابرة إني واجعت لك دماغك بحديثي بس أني رايدة أسألك آخر سؤال وبعدها هاريحك مني واصل.
ابتسم لها خليل وقال:
– متقوليش كده، اتفضلي تحت أمرك.
– الأمر لله وحده، بصي أني عندي بتر في رجلي وكنت رايدة أجيب الجهاز اللي بتجول عليه ده، تجدر تجولي هايكلفني كد إيه؟
– هو بصي هي مش بتتحسب كده، دي قصة طويلة محتاجة شرح.
– كيف يعني؟
– يعني البتر بدأ منين وبقالو قد إيه وهل بيحصل لك التهابات مستمرة ولا لا، دا غير طبعًا محتاجين مقاسات الرجل بالظبط عشان نقدر نشتري الجهاز.
سكت مليًا ثم قال ضاحكًا:
– شفتِ اهو أنا بقى اللي وجعت لك دماغك بكلامي الكتير.
ردت وجيدة قائلة بعفوية:
– لا بالعكس والله، أني محتاجة أتحدد في كل حاجة تخصني، محتاجة حد يكون فاهم اللي فيّ ويساعدني على الأفضل.
دس خليل يده في جيب بدلته ليخرج بطاقة التعريف خاصته وهو يقول:
– دا الكارت بتاعي فيه كل تليفوناتي وعنوان العيادة، حتى حسابي على الفيس بوك موجود.
عندك اتواصلي مع السكرتارية بالطريقة اللي تريحك وحددي معاهم معاد نتكلم فيه عن كل حاجة باستفاضة.
– أني متشكرة جوي يا دكتور خليل بس رايدة أسألك سؤال، هو الجهاز يتكلف كام؟
– هي أنواع وزي ما قلت لك كل جهاز ولي تفاصيله ومقاساته، يعني في جهاز من الشركة المصنعة يكلفني جنيه وجهاز تاني مليون جنيه، ودا مش عشان الجودة على قد ما هو عشان الأطراف الصناعية ليها مميزات وعيوب وحاجات كتير مش حابب أوجع دماغك بيه.
ردت وجيدة بامتنان قائلة:
– أني مش عارفة أشكرك كيف، ربنا يجعَل تعبك ده في ميزان حسناتك.
– متشكر يا أستاذة؟
– وجيدة اسمي وجيدة الدهشوري.
– أهلاً وسهلاً، وأنا خليل البيومي صديق خالد القصاص لو تعرفي؟
– معرفوش، كيف ديه جوزي؟
– بجد؟
– إيه مستغرب ليه؟
– أصل أنا لما قابلته قالي إني مش متجوز أساسًا!!
كادت أن ترد عليه لكن دخول زوجها المفاجئ بتر الحديث المتبادل بينهما.
وقف يستمع لسؤال صديقه بهدوء ظاهريًا:
– إزاي يا راجل ماتقولش إنك متجوز؟ كدا اتفاجئ منها إنها مراتك؟
رد خالد وقال:
– وأنت سألتني ميتا آخر مرة؟
عقد خليل ما بين حاجبيه وقال بتفكير:
– مش فاكر بس تقريبًا من ست شهور سنة تقريبًا، مش فاكر الصراحة.
ابتسم له وقال بهدوء:
– إحنا متجوزين من عشر أيام بس يا خليل.
ابتسم خليل وقال بهدوء:
– مبروك، ربنا يخليكم لبعض.
– تسلم، عقبال لك كده إن شاء الله.
– متشكر يا خالد، بس أنا حاليًا مبفكرش في الجواز، مش ناوي أتجنن زيك الصراحة. عن إذنكما.
استدارت وجيدة قائلة بتساؤل:
– أنت كيف تحرجه كده؟
– فين الإحراج ده؟
– هو ساب لك المكان ومشى من تحت جلة زوجك؟
– أني مش جليل الزوج، أني هبقى جليل الرباية صح لو ما مشيتش جدامي دبوجه علي دارنا.
ردت وجيدة بنبرة مغتاظة قائلة:
– أنتِ فعلاً جليل الزوج.
جلست وجيدة تنسج عقلها عدة مشاهد وهي بجهازها الجديد، غمرتها السعادة والخوف معاً.
تواصلها مع الدكتور خليل كان شبه يومي، بدأت تشعر أنه يستغل هذا الأمر ويتحدث معها.
حتى خالد بدأ يشعر بهذا الأمر، على الرغم أنه يعلم جيدًا أخلاقها.
إلا إنه بداخله غيرة حاول إخفائها، لكنها استشعرتها من بين طيات حديثها تارة وتصرفاته تارة أخرى.
اليوم هو عطلة خالد، كان يشاهد التلفاز وهو يتناول شطيرة الجبن.
جلست حذائه وقالت بتردد في بادئ الأمر وهي تقول:
– أني عندي معاد الساعة خمسة مع الدكتور خليل.
نظر لها ثم نظر حوله وهو يشير بسبابته على صدره وقال:
– بتحددتي معاي أنا؟
– اومال الحيطان! أيوه أنت مش أنت جوزي برضك!
– طب الحمد لله إنك خابرة إني جوزك.
ده من كتر الكسفة اللي باخدها منكِ كل لحظة والتانية رحت اتأكد من الجسيمة بتاعت الجواز.
بصيت؟
– بصيت فين؟
– خانة الزوج بتأكد إني جوزك.
– ليه؟
– ديه أني خدت كمية وأنت دخلك إيه مخدهاش بواب عمارتنا.
صدحت ضحكاتها المكان وهي تنظر لذاك المسكين الذي بدأ يتناول من جديد وجبته.
مدت يدها لتتناول الذرة المقرمشة، ضربها على ظهر يدها وقال:
– بعدي يدك عن حاجاتي، الحاجة ديه أني تعبت لما عملتها وتاجي أنتِ كده بالساهل وتأكليها؟
– طب خلاص ها بجى أعمل لك وياي بعد كده.
– وعد ولا فض مجالس عشان تأكلي الفشار؟
– جلت لك وعد خلاص.
– حيث كده ابجي اعملي أنتِ الغدا بكرا، أني طلعت الفروجة تفك.
لمرة الثانية رنت ضحكاتها المكان.
نظرت له ثم قالت بنبرتها الساخرة:
– وقُمان عرفت إن الفروجة بتخرج جبلها بيوم! والله واتعلمت الطبخ يا خالد.
– البركة فيكِ يا أختي، علمتني اللي أمي فشلت في طول عمرها.
– عشان تعرف.
بستنحت وهي تعتدل في جلستها ثم قالت:
– المهم خلينا في المهم دلوه.
– وإيه هو المهم؟
– معادي عند الدكتور خليل بكرا وأني ها روح.
السرد خالد مقاطعاً:
– لا أفيهاش مروح، أني هاحدد وياه معاد وبعد كده نروحوا سوا.
ردت وجيدة بنبرة مغتاظة:
– كيف ديه يعني؟ الراجل مسافر السبوع الجاي ودي آخر معاد ليه في العيادة اهني في الصعيد وبعدها ها يدلي مصر.
– ملكيش صالح أنتِ، أني هعرف كيف آخد منه معاد جوي بجى اعملي فشار.
– مش عاملة.
رد خالد بنبرة مغتاظة وهو يدفعها تجاه المطبخ قائلاً:
– والله يا باردة لـ تجومي تعملي الفشار، الفيلم بدأ وأنتِ كلتي وحدك.
يا ترى راح فين لحد دلوقتي؟
أردفت "خديجة" سؤالها وهي تجوب غرفة المكتب ذهابًا وإيابًا.
نظرت في ساعة معصمها، وجدتها الساعة الخامسة عصرًا.
ثرت أن تصعد غرفتها تحضر حالها قبل أن يأتي.
انتفضت ما إن وجدته جالسًا في الغرفة.
عبر البوابة الحديدية ثم البوابة الداخلية للمنزل دون أن يشعر به أحد.
وضعت يدها على صدرها متمتمة بكلمات معاتبة قائلة:
– خضتني يا بشار.
رد بشار دون أن يرفع بصره قائلاً:
– شفتِ عفريت إياك؟
اغتاظت خديجة من هدوئه حد الاستفزاز وقالت:
– بقلك إيه بقى، أنت تقعد وتفهمني كده باللتي هي أحسن.
– أفهمك إيه؟
– أنت بتتحول كده إزاي؟ بتدخل وتخرج ومحدش بيشوفك؟ تبقى قاعد وتعرف مين بيخبط على الباب، أنت فعلاً زي ما قالوا؟
– هما مين وقالوا إيه؟
– إنك ملبوس وعليك بسم الله الرحمن الرحيم اللهم احفظنا يعني عليك شديد؟ ولا أنت خفيت من الجن بسم الله الرحمن الرحيم.
رد بشار بجدية مصطنعة محاولاً كبح ضحكاته وقال:
– أني مكنتش راضي أتحدث وياكِ في الموضوع ده، بس طالما عرفتي يبجى حقك تعرفي أني مخاوي و…
ردت خديجة بفزع قائلة:
– مـ إيه؟
تابع باقي حروفها قائلاً:
– مخاوي مخاوي واللي عليا شديدة شديدة جوي جوي، ومن ساعة ما اتجوزتك وهي جالبة عليّ وبتجولي لو مخلتش مرتك تجلك كيف ما كنت بجلك هتكون نهايتها على يدي.
– يعني إيه؟
– يعني تجولي يا سيدي وتاچ راسي الفطور جاهز يا خديجة.
ردت خديجة وقالت:
– إيه؟
رد ببطء قائلاً:
– جاهز.
سألته خديجة قائلة بإبتسامة مزيفة قائلة:
– هو أنت محدش قالك إن دمك خفيف لدرجة مزعجة؟
أجابها بذات الإبتسامة وقال:
– كتير يجي مية واحدة.
ردت بنبرة باسمة قائلة:
– خليهم مية وواحدة اللي هي أنا.
تابعت بنبرة تحذيرية:
– متحاولش تستفزني عشان أنا زعلي وحش.
سألها بفضول:
– أوحش من نعمات؟
ردت سؤاله بسؤال آخر قائلة بنبرة متعجبة:
– مين نعمات؟
– مرتي القديمة، أنتِ بتنسي ولا إيه؟
– تحب العزا يكون في الشارع ولا المندرة عند جدك؟
لا خليه في الاستراحة أصل ديه المكان المفضل عند نعمات، ديه بجالها أيام بتحضر لليوم ده.
– يوم إيه؟
– يوم موتك بقى.
– رك عشان خدتني منكِ يا حبيبتي.
– خليني نتكلموا جد شوية.
– قول يا حبيبي.
بصي يا بت الناس، أني واحد ربنا عطاه كل حاجة في الدنيا مال وجاه وحسب ونسب وحاجة كده ملهاش وصف، أيوه أني نرجسي ومتكبر ومغرور وحاجة كيف ما الكتاب جاله.
– وهو مين دا اللي قال؟
– الكتاب!!
– هو الكتاب قال إنك نرجسي ومغرور؟
– أيوه وقال قُمان إني متكبر.
– أيوه والمطلوب مني إيه يعني؟
– تاخدي كام وتفردي وشك ده وندلوا تحت تجولي فيا أشعار ملهاش آخر.
– 300 جنيه.
– أنت أكيد اتجننت، أنا آخد رشوة منك؟
– 350 والـ 50 دي اعتذار رسمي مني.
– لا مستحيل.
– 400 جنيه وده آخر كلام.
– تبقى بتحلم، أقل من ألف جنيه لا أنت جوزي ولا أنا أعرف.
– اتفاجنا؟ افردي بقى يا خبيبي لما ننزل تحت.
– ابجى اتخصم منكِ خمسين جنيه حج التكشيرة.
– ترجع الخمسين واقل لك قدامهم يا بيشو ادي خمسين جنيه عشان حببتي تجودي من عنادك.
– بشاااار.
– بجوا مية وخمسين جنيه عشان جلِ اسمي من غير سيدي وتاچ راسي، افضلي أنتِ كده لحد ما يبجوا متين جنيه.
– عودي نفسك إنك جدامهم ملكيش حس ولا رأي وأنا وبس.
– الأمر الناهي.
– دا مقابل إيه إن شاء الله؟
– مقابل ميت جنيه لكل احترام هتظهري جدام الناس، ولما نطلعوا نتحاسب عليه.
– أو افرض كلتهم عليا.
– ابجي اعمل ما بادلك وأنتِ بتشتري زبون دايم مش مجرد واحد كده وخلاص.
رنت ضحكة خديجة ما إن ختم بشار حديثه.
كاد أن يقترب منها لكن سرعان ما صدح صوت صرخات هزت الجدران.
هرع تجاه الباب قام بفتحه متسائلاً عن السبب، اتسعت عيناه ما إن وجد جبل…
يتبع.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل العاشر 10 - بقلم هدى زايد
سألت خديجة سؤالها بنبرة تملؤها الفضول، بينما رد بشار بنبرة مرحة وهو يشرح لها كل شيء:
– مقابل ميت جنيه لكل احترام ها تظهري قدام الناس، ولما نطلعوا نتحاسب عليهم.
– وافرض كلتهم عليا؟
– ابقي اعملي ما بادلك، وانتِ بتشتري زبون دايم مش مجرد واحد كده وخلاص.
انتهت ضحكة خديجة. ما إن ختم بشار حديثه حتى كاد أن يقترب منها، لكن سرعان ما صدح صوت صرخات هزت الجدران. هرع تجاه الباب وقام بفتحه متسائلًا عن السبب. اتسعت عيناه ما إن وجد جبل يرتجف بشدة إثر كلمات التحصين التي يُلقيها عليه الجد سالم. هرع نحو ابن أخيه متسائلًا بلهفة وقال:
– حصل إيه يا جدي؟! ماله جبل، ما هو كان كيف الحصان دلوقت!
لم يرد الجد سالم بل واصل ما بدأه. كان جبل في حالة يرثى لها. حاول الجد السيطرة على الوضع، لكن تدخل بشار ومساعدته أتت في الوقت المناسب. بدأ جبل يسحق فكيه بقوة شديدة. شاهدت خديجة ما يحدث وهي تضع كفها على فاها والدموع تنهمر من مقلها. هل هذا ما كان يعاني منه بشار في الصغر، أم مر بأسوأ من ذلك؟ تساؤلات عديدة كانت تدور في ذهنها، ولم تجد لها حلًا.
بعد مرور أكثر من ساعة ونصف تقريبًا.
أراح بشار ظهره للخلف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة. الأذكار والتحصين الذي ذكرهما مع الجد كانت حلًا مؤقتًا لذاك المسكين الذي وقع في ذات الفخ الذي وقع فيه عمه، بل وأشد قسوة.
نظر لجده وقال بتوجس:
– خير يا جدي، بتبص لي كده ليه؟
– مستني.
– مستني إيه؟
– مستني أعرف رايد توصلوا أنت وجدك لـ فين يا بشار.
رد بشار وقال بنبرة صادقة:
– والله العظيم يا جدي، أني ما ليا أي علاقة بجد حسان، واصل ويشهد عليّ ربنا.
تابع بتساؤل قائلًا:
– عنروح بعيد ليه؟ أني بعمل إيه دلوقت مش بصلي الفرض في وقته، وقائم بشتغل وياك في الأرض والمزرعة؟ جل لي بقى ليه لساتك بتشك فيا؟
رد الجد سالم بعد برهة من الصمت:
– المسكين ده وجع في الأذى.
رد بشار متسائلًا بعدم فهم قائلًا:
– قصدك إيه يا جدي؟
أجابه الجد بهدوء:
– الواد ده دخلت عليه لقيته فاتح المندل، ولما زعقت وياه وجلت أذكر الله، زعق فيا وكان هيضربني.
اعتدل بشار في مكانه ليجلس بأريحية وقال بهدوء:
– قصدك إنه؟!
أومأ له الجد علامة الإيجاب. بينما سألت خديجة بعدم فهم من بين دموعها المنسابة على خديها وقالت:
– ماله جبل يا جدي؟
رد الجد بنبرة متأثرة مما آل إليه ذاك الصغير، بعد أن راقبه الجد جيدًا وعلم خطواته متى يخرج وإلى أين!
– كنت شاكك من الأول إنه مش طبيعي، واتأكدت من ده عشية لما طلبت منه يجي يصلي ويانا.
– وبعدين؟
– اتأجل إنه بيلعب مع العيال وإنه هايجي بعدين.
– سيبته وفضلت أراقبه لحد ما سمعته بيتحدت مع واحدة رايدة تعرف مين سرقها، جالها إنه هايفتح المندل، فزيت فيه، الولية هربت وهو فضل كيف الصنم. بعدها عطيته ميه مجرى عليها قرآن وأذكار، شربها وفضلت يجيب اللي في بطنه، عرفت دُغري إنه راكبه حاجة. جلت لازم أتحرك.
ابتسمت خديجة وقالت بإمتنان:
– أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا جدي، حقيقي. كان نفسي أقابلك من زمان، يمكن تكون حياة بشار تكون أحسن من كده.
رد الجد وقال:
– كل شيء يا بتي بأوانه. الحمد لله إن جبل لساته صغير، يمكن يتعب في الأول عشان يتعالج، لكن كفاية إنه ها يكبر ويربى في دنيا نضيفة غير اللي كان فيه.
ردت خديجة بإبتسامة متكلفة:
– عندك حق.
❈-❈-❈
في شقة (وجيدة وخالد)
داخل المطبخ، تحديدًا. كان يقف خالد يُنهي وجبة الغداء خاصته. ظل يتجول المكان ينظف هنا وهناك، كما علمته زوجته. عفوًا، حذرته. كان المهرج الذي يتجول في المكان ويصنع حركات بهلوانية ليجبرك على الضحك، لكنه لا يريد أن يضحكك. هو يصنع وجبته فقط.
وقفت على باب مطبخها تشاهدهُ في شماتة مما يحدث له. حاولت كبح ابتسامتها، لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل الذريع.
توقف خالد فجأة وقال بنبرة مغتاظة:
– ضحكيني وياكِ عشان نفسي أضحك!
تنحنحت وقالت بجدية مصطنعة:
– فين الضحك ده؟
رد خالد وقال:
– اللي أعرفه عنك ما بتحبيش الكذب، فـ ليه دلوقتي بتكذبي؟
ردت وجيدة وقالت بجدية:
– ماشي، عندك حق. جل لي يا خالد، أنت في كلية تجارة كيف اتعرفت على خليل وهو دكتور؟
وقف خالد أمامها يطالعها بنظرة علمتها جيدًا. تنحنحت ثم قالت بتلعثم:
– ده مجرد سؤال فضولي مش أكتر. رايد تحكي ماشي، مش رايد خلاص، نقفل على الموضوع عاد.
رد خالد بهدوء وهو يستدير بجسده كله تجاه الصحن ليسكبه ثم قال:
– خليل صاحبي من زمان. أمي كانت رجليها اتكسرت وركبنا لها شرايح ومسامير، وبعدها احتاجت لعلاج طبيعي، وخليل هو الدكتور اللي كان بيعمل لها العلاج ده.
تابع بهدوء وهو يمدح فيه قائلًا:
– الشهادة لله، هو راجل وجدع وعمر العيبة ما طلعت منه و…
استدار ليُكمل حديثه، لكنه توقف من تلقاء نفسه حين وجدها تردد بخفوت والإبتسامة تزين ثغرها قائلة:
– فعلاً خليل جدع قوي جوي.
سألها بنبرة تملؤها الغيرة حين ذكرت اسمه وعلامات السعادة ترتسم على وجهها:
– في حاجة يا وجيدة؟
أجابته بتلعثم وهي تلج المطبخ وقالت:
– ما فيش حاجة، ها يكون فيه إيه يعني؟ أني جاية بس أعمل وأكل ليّ عندك، مانع؟
تابعه وهي تتحرك بتوتر ملحوظ. على ما يبدو أن الأمر تطور مع زوجته، أم هو الذي ينظر للأمر من زاوية أخرى لا يعرف. غادر المطبخ تاركًا إياها تعد الطعام بهدوء. زفرت ما بريئتيها وهي تتنفس الصعداء. حمد لله على أنه لا يلاحظ اهتمامها الزائد بالدكتور خليل.
صدح رنين هاتفها معلنًا عن رسالة نصية. هرولت بخطواتها المتلعثمة وجذبت الهاتف من فوق سطح المنضدة الزجاجي. فتحتها وقرأتها بأعين مليئة بالسعادة، ولأول مرة يراها في هذه الحالة. قطم قطعة من الشطيرة بغيظ مكتوم. جلست على المقعد وبدأت تكتب ردًا لرسالة خليل. كان خالد يحدثها، لكنها لم تنتبه له. كرر حديثه للمرة الثالثة أو الرابعة ولم تعطه أي اهتمام. وقف عن المقعد بغضب شديد علها تنتبه له، ولكن لا حياة لمن تنادي.
نظرت جنبًا وقالت قبل أن تكتشف ذهابه منذ فترة ليست بالطويلة:
– خير يا خالـ…
نظرت لطعامه ووجدته كما هو. تحاملت على نفسها ثم اتجهت نحو غرفته. طرقتها بهدوء وولجت بعد أن أذن لها. تنحنحت وقالت بتساؤل:
– ما جيتش كده من غير ما تقول إنك ماشي، أنت كنت بتتكلم وياي؟
رد بنبرة مقتضبة:
– لا.
– طب أني كنت حابة أروح لـ حسنة، جتنا من شرم الشيخ عشية وزين كان عازمنا.
– دريت ومليش مزاج أروح.
– على كيفك، أروح أنا.
– كده لحالك؟ طب خدي إذن راجل الكرسي اللي في البيت.
ردت وجيدة بنبرة جادة تذكره فيها بما حدث من قبل:
– أني فاكرة إن أني جلت لك قبل كده إني أخرج وقت ما أحب وأدخل وقت ما أحب.
رد خالد بصوته الجهوري وهو يضرب بكفه على الجدار قائلاً:
– دي لما تكوني متجوزة واحدة صاحبتك مش متجوزة راجل وشايلة اسمه. جلت ما فيش خروج يبقى ما فيش زفت خروج.
التزمت الصمت. ما تصاعد الأمر بينهما لصراخ وشدة في الحديث، غادرت المكان دون أن ترد على أوامره بكلمة واحدة. كان يظن أنها ستتناقش في الأمر كسابق عهدها معه، لكن التزامها الصمت جعله يهدأ تمامًا.
بعد مرور أكثر من ساعة.
وقف أمام غرفتها، طرقها، ثم ولج بعد أن أذنت له. تنحنح وهو يقول:
– قومي غيري خَلقاتك عشان هنتأخروا على العشا.
نظرت له ولم ترد. سمح لنفسه بالدخول دون أن تأذن هي. جلس على حافة الفراش بعد أن مال بجذعه ليطبع قبلة خفيفة فوق رأسها وقال بنبرة مرحة:
– حاطة زيت تموين في شعرك ولا إيه؟
ابتسمت ابتسامة شديدة التكلف ولم ترد على مزحته. داعب خدها وقال:
– فكِ التكشيرة دي بقى.
– اعتذري لي الأول وجل حجك عليّ.
أردفت وجيدة جملتها دون سابق إنذار. نظرت له وجدت تقلص عضلات وجهه تخبره بعدم رغبته في ذلك. لم تكترث لهذا الوجه العابث وكررت جملتها قائلة:
– اعتذر لي كيف ما بعتذر لك لما أغلط، ودي ما ها تعيبكش، أصل دي ها ترفعك في نظري أكتر وأكتر.
رد خالد وقال بمشاكسة:
– جلت خلاص، متزهقش عليّ بجلعك دي، وأني قائم ها أجلع عليكِ كيف ما بتعملي.
– مستكبر تقول حجك عليّ؟
– لا.
– طب قولها.
– وبعد كده تستغلي ضدي.
– أنت خابر زين إن دي لا يمكن يحصل أصلًا. أني رايدة لما حد فينا يغلط يعتذر، دي لا عيب ولا حرام.
وضع خالد راحة يده على مؤخرة رأسها ثم قرب جبهتها ولثمها برفق، وهو يقول:
– حجك عليّ، متزعليش مني يا ست البنات، زين كده؟
ردت بابتسامة انتصار قائلة:
– أيوه زين.
تابعت باعتذار هي الأخرى:
– وأنت كمان حجك عليّ عشان ضايجتك ومردتش عليك لما سألتني.
طالعته بنظرات ناعمة لم تفهم مغزاها، أو تعمدت تجاهلها. اقترب خالد شيئًا فشيئًا، كانت تشعر بأنفاسه تنعكس على وجهها. حاولت أن تبتعد عنه، لكنه منعها من ذلك بطريقته. اقترب منها. لم تكن أولى محاولاته. على ما يبدو أنه بدأ يتولد بينهما تلك المشاعر العاطفية التي تأتي بعد الزواج كما قالت له والدته. لثم جانب فمها بهدوء شديد، تبعتها شفتاها بالكاد تشعر بهذه القبلات. فرغ فمه لتتحدث، لكنه لم يمهلها هذه الفرصة بل قام باستغلالها على أكمل وجه.
دار بداخل عقلها الكثير من التساؤلات. هل توافق على إتمام هذا الزواج أم تنفصل عنه؟ وقبل أن تجد إجابة هذه التساؤلات، وجدت نفسها تبادله قبلاته وكأنها كانت في انتظاره منذ البداية. صدح رنين الهاتف، لكنها لم تستطع الرد بسبب يد خالد التي منعتها، ثم قام بإلقائه أرضًا عندما علما أن المتصل خليل البيومي. إذًا هو يغار عليها كما فهمت. توقف لحاجتهما للهواء. نظرت له وقالت من بين أنفاسها المسموعة:
– ليه كسرت التليفون ده غالي؟
رد عليها وهو يمرر بإبهامه على شفتيها وقال:
– أني عندك أغلى صح يا وجيدة؟
نظرت له وقالت بنبرة تملؤها العتاب واللوم:
– كيف مجلس الإدارة كده، ما هو أغلى عني اللي كلها كام يوم و تستلمه صح؟
ابتسم بجانب ثغره وفجر قنبلته الموقوتة قائلًا:
– أني اتنازلت عنه من عشرين يوم لزين.
نظرت له وتساءلت بدهشة:
– بتجول إيه؟
أجابها بهدوء:
– بحبك يا وجيدة.
خالـ….
كفى ثرثرة. حتى الآن لم يعد لديه قدرة على التحمل. منذ البداية وهو يشعر تجاهها بارتياح، ثم تحول لإعجاب ومنه إلى حب. كان عليه أن يتأقلم مع تلك الساق المبتورة، حاول مرارًا وتكرارًا حتى نجح في هذه الخطوة. وقبل أن يعترف، دخل في حياته صديقه خليل البيومي. دخل دون قصد، لكن وجوده أكثر من اللازم غير مرحب به في حياة خالد. وعلى خالد أن يخبر زوجته بما يجول في صدره، وعليها بدورها أن تختار الأصلح لحياتهما سويًا.
لقد صدقت والدته حين قالت:
لولا التفاهم لتدمرت العلاقات. وعليك يا ولدي أن تخبر شريكك بأنك تريد أن تنعم بسلام معه، فهذه أبسط أمنياتك.
❈-❈-❈
في غرفة حسنة وزين.
مازالت تمكث مع والدته في نفس المكان، لن تخرج بهذه البساطة. وقفت أمام النافذة تشاهد الطريق. نظرت لساعة معصمها، وجدتها العاشرة والنصف مساءً. مازالت أختها لم ترد على هاتفها حتى. زين لم يهدأ في اتصالاته التي تأمره بها زوجته. عادت إليه وقالت:
– كلم أخوك خالد تاني، اتأخروا جوي.
نظر زين في ساعة معصمه وقال:
– حسنة، ما أعتقدش إنهم هايجوا أساسًا. الساعة قربت على حداد.
جلست حذائه وقالت بعصبية:
– يبقى قوم البس ونروح إحنا.
– إزاي بس يا حسنة نروح من غير معاد؟
– ده بيت أخوك وخيتي، معاد إيه اللي بيتحدد عليه؟!!
وضع زين الجريدة جنبًا وقال بهدوء:
– يا حسنة، الذوق والاتيكيت بيقول كده.
ردت بنبرة ساخرة وهي تحاول تقليده:
– الاتيكيت بيجول كده. بجل لك إيه، أني اللي أعرفه لما أحب أروح مكان أروحه، غير كده لأ.
رد زين بنفاذ صبر متسائلًا:
– وافرض بقى طلعوا نايمين ولا خرجوا، ناكسف نفسنا عشان حضرتك بتحبي تروحي المكان من غير إذن؟
ردت بعصبية متسائلة:
– أنت عاوز إيه أنت دلوقتي؟
عاد يقرأ الجريدة من جديد وقال:
– مش عاوز حاجة. اعملي اللي يعجبك.
نظرت له بضيق وهي تتنفس بغضب مكتوم.
وضع مجددًا الجريدة جنبًا ثم قال بتساؤل:
– عاوزة إيه بس؟ متزعليش نفسك كده.
ردت بضيق وهي تضع يدها أسفل خدها:
– عاوزة أخرج أشم هوا.
ابتسم لها وقال بهدوء:
– وهو عاوزة يخرج يشم هوا؟ يروح لخالد أخويا برضه؟
– أعمل إيه يعني؟ أني أعرف حاجة غير هم؟ وجلت لأ.
– طب قومي البسي ونتفسح في أي مكان.
– جد يا زين؟ بتتكلم جد والله؟
– آه والله، فيها إيه يعني؟ قومي يلا.
تابع برجاء:
– بس معلش منتأخرش عشان عندي شغل الصبح بدري ومحتاج أنام بدري.
ردت حسنة قائلة بإحباط:
– لا، وعلى إيه بلاها منها الخروجة دي، أصل…
– ليه بس؟ أنا بقول لك نخرج ونقضي ساعة برا ونرجع بدري. أنا مش مانع.
– لا، أصلها ملهاش لازمة الساعة دي، الوقت اتأخر أساسًا.
رد زين بابتسامة واسعة:
– خلاص يا ستي، متزعليش نفسك. بكرة هحاول أرجع بدري ونخرج نقضي السهرة برا.
تابع بنبرة تغلفها الحزن:
– ودي تبقى هدية الطلاق. ما هو خلاص فاضل عليه عشر أيام بس، وتبقي حرة.
ترددت الإبتسامة على شفتاها وهي تعود بجسدها للخلف. ساد الصمت بينهما حتى قررت أن تنسحب من المكان متجهة نحو الشرفة تتابع الطريق.
في مساء اليوم التالي.
كان زين يحاول الاتصال بـ حسنة، لكنها لم تجيب. حاول أكثر من مرة حتى قامت بالرد عليه. رد بلهفة قائلًا:
– فينك يا حسنة؟ قلقاتيني عليكِ. طب قربتي تخلصي ولا لسه قدامك كتير؟ تمام، ما فيش مشكلة. الساعة بتاعتك دي أنا بقيت حافظاها. عمومًا، أنا فاضل أقل من عشر دقايق وأكون عندك. مع السلامة.
أنهى مكالمته وهو يتابع في مرآة السيارة التي تراقبه. لاحظ خروجها منذ أن خرج من الشركة وحتى هذه اللحظة. توقف فجأة، قـ طع عليه مجموعة من الرجال الملثمين. حاولوا جذبه من السيارة عنوة. تشاجر معهم، لكنهم كانوا أكثر عددًا وقوة. بدأ الرجال في تهشيم عظامه مما جعله يسقط أرضًا وهو يتأوه إثر الضربات العنيفة التي تلقاها منهم.
وقف شداد، كبير هذه المجموعة، وقال:
– الدكتور عمر بيقول لك المرة دي جيت سليمة. المرة الجاية بموتك، وبيقول لك خلي بالك، لأن كلها عشر أيام ويرجع اللي خدته منه.
غادر شداد تاركًا زين يسعل بشدة وهو يزحف على بطنه ليصل إلى هاتفه عله يجد من ينجده. وقبل أن يصل إليه، فقد الوعي.
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة ساعات كاملة.
خرج الطبيب من غرفة العمليات. وقفت حسنة أمامه بلهفة من بين دموعها:
– خير يا دكتور؟
– خير إن شاء الله. متقلقوش، الحمد لله اطمنا إن ما فيش نزيف داخلي ولا أي إصابات خطيرة. كل الحكاية شوية كدمات في أماكن متفرقة في الجسم، وكسر في الرجل والإيد.
ردت والدته من بين دموعه وقالت:
– أقدر أشوف ابني إمتى يا دكتور؟
– ساعتين بس وتقدروا تشوفوا، ويا ريت بلاش كلام كتير.
– حاضر.
أتت وجيدة برفقة خالد، الذي، ولأول مرة، ترَ زوجة أبيه لهفته على أخيه بهذا الشكل. وقفت أمامه وقالت من بين دموعها:
– ابني بيروح مني يا خالد. زين أخوك بيروح مني، والسبب حسنة. ابوس إيدك خليها تبعد عنه هي وعمر.
رد خالد بابتسامة مترددة وقال:
– أهدي يا أم زين، إن شاء الله خير. كيفه هو دلوقتي؟
على الجهة الأخرى من نفس المكان، كانت حسنة تشكو حالها لأختها وقالت:
– شايفة بتجول إيه الحيزبونة دي؟
– اعذريها يا حسنة، ولدها وقلبها ومحروجة عليه برضو.
ردت حسنة وقالت بنبرة مغتاظة:
– وهو مش جوزي إياك؟
تابعت بعناد قائلة:
– طب بالعند فيها، مش ها أطلق دلوقتي وها أقعد على جلبها لحد ما تموت بغيظها. توريني بقى ها تعمل إيه؟
ردت وجيدة بابتسامة واسعة قائلة:
– الظاهر إن زين أمه داعية له في ليلة القدر، والظاهر كمان إن ربنا بيحبه قوي.
– اتمسخري عليّ يا أختي. زين والله لأعرفها إن الله حق. تصبر عليّ بت الحسب والنسب دي.
بعد مرور ساعتين.
استفاق زين من نومه وهو يشعر بالألم يعصف برأسه. جسده كله مغطى بالضماد الأبيض والكدمات أسفل عينيه وبعض الأماكن المتفرقة من الجسم. نظر لـ حسنة وقال بخفوت، لكنها استطاعت تفسير ما قاله:
– مش هاسيبهم.
التفتت بجذعها وقالت بهدوء وهي ترتب له خصلات شعره الطويلة:
– مين دول؟
– عمر.
سألته بدهشة قائلة:
– هو اللي عمل فيك كده؟
أجابها بإيماءة علامة الإيجاب. نظرت له وقالت باعتذار:
– معلش يا زين، والله لأخد لك حقك منه. صبرك بس عليا.
– ششش. أنا لسه إيدي ما اتقطعتش عشان واحدة ست تاخد لي حقي.
– طب اهدأ دلوقتي وبعدين نتحدثوا في الموضوع ده. الدكتور قال الحديث هايتعبك.
أرخى جفنيه محاولًا أن ينال قسطًا من الراحة ليتأهل لما هو قادم. أما هي، قررت أن تذهب إلى ذاك العمر لتوقفه عند حده. كان في انتظارها. ابتسم ما إن ولجت والغضب والشر يتطاير من عينيها. وقف، وقبل أن يتحدث، قامت بصفعه صفعة مدوية. تحسس مكان صفعتها وقال:
– لدرجة إيه أني زعلتك؟ كنت فاكر إن لما أخلصك منه ها تفرحي عشان هنرْجع لبعض تاني؟
ردت بابتسامة حاولت فيها قدر المستطاع استفزازه، وفي الحقيقة هي لم تفشل نهائيًا في استفزازه دائمًا:
– أنا بقيت لزين خلاص. بقيت مراتي شرعًا وقانونًا. رضيت ولا عنك ما رضيت. أنا شايلة اسمه. كنت فاكرة إن حبك ليا ها يخليك تبقى سعيد لسعادتي.
هدر عمر وقال بصراخ:
– أدبتي في عقلك ولا إيه؟؟ افرح إن راجل لمسك، خد حاجة كانت حقي في يوم من الأيام، حاجة حرمت نفسي منها في الحرام عشان تبقى حلالي، ولما قرب الوقت بقت لغيري؟
ردت حسنة بهدوء حد الاستفزاز:
– انساني يا عمر، انساني عشان ما فيش بديل تاني. أنا مش ليك، ولو حتى زين طلقني، أني مش ليك يا عمر. في الأول كنت صعبان عليّ، دلوقتي جرفانة منك ونفسي أجتلك، بس يا خسارة، ها أدخل السجن في حاجة متستاهلش.
سألها عمر بهدوء قائلاً:
– خلاص خلصتي حديثك الماسخ ده ولا لسه في حاجة في قلبك؟
طالعته بنظرات ساخطة، بينما هو تجاهل هذه النظرات وقال:
– اسمعي بقى يا حلوة، أنتِ ليّ سوى كان برضاكِ أو غصب عن عينك، وأني ما بتنازلش عن حاجة تخصني غير بمزاجي، وأني لسه مزاجي فيكِ. يعني تقدري تقولي كده أني وأنتِ كيف القط والفار. روحي لجوزك دلوقتي، وصدقيني لو حاولتي تستفزيني تاني ها تبقى بموته هو وعلى يدك.
ابتسمت له وقالت بعناد:
– وأنا هافضل في ضهره لآخر العمر، وهو حبيبي وسندي و ضهري. ولو فكرت تقرب منه يا عمر، يبقى بموتك.
هدر عمر بصوته الجهوري قائلاً:
– حسنة! بكفاية لحد كده!!
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوعين كاملين.
التزم فيهم زين الصمت ولم يتحدث بكلمة واحدة بعد خروجه من المشفى واستكمال علاجه في البيت. حاولت حسنة أن تتأسف، لكن لا يفيد ما تفعله. لم يعد يحدثها كما كان يفعل. اليوم، أصعب يوم مر عليها معه.
كان اليوم هو موعد فك الضماد من يده وساقه. تمر الدقائق وكأنها دهر على زين. على ما يبدو أن الطبيب يتفق مع ذاك العمر. كانت حسنة واقفة بجوار والدته تشاهد ما يفعله الطبيب بزوجها. وانتهى أخيرًا من فك آخر جزء من الضماد الإسمنتي ذو اللون الأبيض. وثب زين عن المقعد غير مبالٍ بتعليمات الطبيب الذي لم يكمل تحذيراته بعد. هرولت حسنة محاولة إيقاف زوجها، لكنه لم يبالِ لهذا التوسل. قفز بين سلالم الدرج بسرعة فائقة عبر البوابة الداخلية ومنها حيث سيارته. استقلها ثم أمر الحارس بأن يفتح له، لكنه لم يمتثل لأوامره بعد أن حذرته والدة زين.
ضغط على المكابح بقوة شديدة ثم اندفع تجاه البوابة ليصدر عنه هذه الدفعة كـ سـ ـرها.
استقلت حسنة السيارة الجديدة التي ابتاعها لها زين وطلبت من السائق الذي عينه لها قائلة:
– خليك وراه يا عم جمال، يمكن نلحقوا.
– حاضر يا بتي، ربنا يستر زين، وأني عارفه ما هيسكتش أصلًا غير لما ياخد حقه.
كانت تحاول الاتصال به، لكنه لا يرد على جميع الاتصالات، سواء كانت منها أو من والدته. حتى والده لم يرد عليه. تأزم الوضع أكثر من ذي قبل.
بعد مرور وقت قصير.
استطاع سائق حسنة أن يسير على نفس الطريق الذي يسير فيه زين. نظرت له عبر النافذة وهتفت بصراخ عله يتوقف، لكنه لم ينظر لـ شيء سوى صورة عمر الذي سخر منه وفعل به ما فعله.
وصل أخيرًا إلى المزرعة التي يجلس فيها الجد حسان وأحفاده. دفع الباب بقدمه وهو يهدر بصوته الجهوري حتى برزت عروقه قائلًا:
– عمــــــر يا دهشــــوري.
ابتسم عمر لسقوط زين في الفخ الذي نصبه له من البداية. تنهد وهو يصطنع الجدية قائلًا بتساؤل:
– خير، من ينادمني كده؟
نظر الجد بذات الإبتسامة الخبيثة وقال:
– تفتكر إنه يا عمر؟
كاد أن يرد عليه، لكن دخول زين المفاجئ بعد أن تهجم عليه، وقبل أن يقف عمر من خلف مكتبه، قام بلكمه في وجهه أكثر من مرة. لم يمهله الوقت ليرد أو يتساءل عن السبب، بل جذبه زين من ياقة قميصه ثم قام بسحبه خلفه كالبهائم. ألقى بجسده وسط المزرعة ثم بدأ بركله في بطنه. جلس على بطنه بعد ذلك وقام بلكمه عدة لكمات.
وقف بشار يشاهد ما يحدث في ساحة الحرب الذي صنعها زين. كاد أن يفض النزاع، لكن عكاز الجد منعه وهو يقول بابتسامة واسعة:
– سيبه. عمر اللي بدأ وعمر اللي لازم ياخد القصاص. إحنا محدش ياخد علينا أصلًا.
– يا جدي، ولدنا اللي غلطان. عيب اللي عمله كده.
– ولدنا يغلط كيف ما يحب واحنا نداري على غلطه قدام الناس، لكن بينتنا ندي فوْق دماغهم.
مد زين يده في جانبه ليخرج سلاحه الناري، وقال بنبرته الواثقة من بين أنفاسه المسموعة:
– الراجل بيتعرف من أفعاله، والراجل اللي بجد بيعمل ما بيقلش، ولا يأجر رجالة ياخدوا حقه.
وقفت حسنة أمام زين وقالت بتوسل من بين دموعها:
– أبوس إيدك يا زين، والله ما يستاهل تضيع نفسك عشانه. سيبه عشان خاطري.
زحفها جانبًا وتابع حديثه قائلًا:
– اتفرجي على حبيب القلب وهو بيموت قصاد عينك.
قام زين بإطلاق الرصاصة لتستقر داخل صدر عمر الذي لم يتوقع كل هذا من البداية. تحامل على نفسه متكئًا على جذعه بعد أن قام بجذب السكين الصغير، قام بتوجيهها نحو زين. استقر في ظهره. ابتسم عمر قبل أن يغمض عينيه وقال بخفوت:
– أني أرجل من عيلتك كلها يا زيـ….