تحميل رواية «زوجة ولد الأبالسة» PDF
بقلم هدى زايد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سار جنبًا إلى جنب دون إصدار أي صوت. اليوم تحديدًا كان الجد غامضًا بعض الشيء. جلس على المقعد المجاور لمقعد القيادة، شارد الذهن. إن حدث ما توقعه هذا يعني أنه خسر كل شيء. وإن طلب العكس منه هذا يعني أنه خسر جولة ولكن لم يخسر الحرب. عليه أن يخدعه، فالحرب خدعة ولكل معركة قوانينها الخاصة. كان يختلس النظر له كلما سنحت له الفرصة. حدثه أكثر من مرة ولكن الجد في عالم آخر. توقف فجأة عند المزرعة. ناداه أكثر من مرة وما زال شاردًا. هزّه بشار في كتفه برفق وقال: – جدي أنت بخير؟ نظر الجد لحفيده وقال بشرود: – ها؟ ف...
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هدى زايد
قاطعت حُسنة نفسها وهي تقول بقلق شديد:
- يا نهار أبيض أنا إزاي مأخدتش بالي إن جدي هو اللي رد على تليفونها أربع مرات في الأسبوع كدا. فعلاً مرات عمي ماتت وأكيد هو السبب ورا اختفائها!
ردت والدة زين متسائلة قائلة:
- ها تعملي إيه؟
- هاكلمه وأعرف منه هي فين.
ردت والدة زين باسمة:
- وأنتِ فاهمة إن جدك بالسذاجة؟
- اومال ها أعمل إيه؟
دام الصمت لثوانٍ قبل أن تفكر في حلٍ عبقري.
طرقعت أناملها وهي تقول بهدوء:
- لاقيتها.
- هي إيه؟
- أنا هرن عادي على تليفونها ولو رد هو ها أقول بعزيها وكدا ولو قال حاجة تاني غير اللي قالها ليكِ يبقى ساعتها نشوف هنتصرف إزاي.
بدأت والدة زين في تنفيذ خطتها التي رسمتها للتو. ظلت تحاول مرة تلو الأخرى حتى جاءها الرد. تحدثت بشكلٍ طبيعي؛ حتى لا تلفت الانتباه، لكن تحذيرات الجد دبّت في أوصالها الرعشة والخوف حين قال:
- جولي لـ حُسنة بعدي عن أم عمر لو رايدة السلام لنفسك. جولي لها بلاش تنبشي في القديم عشان محدش هيتأذي غيرها.
من فرط خوفها ألقت بهاتفها أرضًا، تشبثت في والدة زين وبدأت تتلعثم في كلماتها. لقد نجح الجد في إيصال رسالته المحذرة لهن. حاولت أن تستجمع شجاعتها وهي تسألها بذعر قائلة:
- هو هو عرف عرف إزاي إننا بنتكلم؟
تساءلت والدة زين وهي تلملم أغراضها بخوفٍ شديد:
- أنا ها أمشي مش قادرة.
- لا استني معايا أنا خايفة.
- وأنا مرعوبة أكتر منك.
- طب اتصلي على زين يجي لنا.
هدأت صرخاتهن واهتزت أجسادهن إثر قرع ناقوس الشقة.
طرقت زين الباب وهو يسأل بقلق:
- حُسنة مالك في إيه؟
هرولت حُسنة تجاه الباب، قامت بفتحه وهي تحمل جواد بن أختها. وضعته بين ذراعيها وقالت بتلعثم:
- امسك جواد اعصابي مش قادرة تتلم على بعضها وخدنا وخلّينا نمشي من هنا بسرعة.
نظر زين لها بنظراتٍ متعجبة بينما تمتم بخفوت:
- ماما!!
ردت حُسنة بنبرة مرتجفة وهي تخبره قائلة:
- مرات عمي مطلعتش ميتة ومدفونة في البقيع. دي دي دي.
هرولت والدته مقاطعة حُسنة بذعر تحثه على الخروج من الشقة على الفور وهي تقول بتلعثم:
- يلا يا زين يلا خليني نمشي بسرعة.
- في إيه يا جماعة مالكم؟
بعد مرور ساعتين.
داخل شقة خالد بالقاهرة كانت تستمع حُسنة لحديثه ونظرت الدهشة والذهول لا تبرح وجهها. وقفت عن مقعدها وقالت:
- يعني هي ماتت فعلاً؟
رد خالد بعدم اكتراث:
- مخبرش والله يا حُسنة بس الله يرحمها. وجيدة جالت إن جدك ورا اختفائها كيف ربنا وحده اللي يعلم.
رد زين بتساؤل:
- طب هو ها يعمل كدا ليه يعني يا خالد؟
- عشان كانت مانعة عمر يشتغل مع جدّه. واللي دريت بـ كِده إن حارس المدافن جاله إن في ناس جت يدفنوا واحدة وكانت تصاريح الدفن وياهم لحد ما حصل اللي حصل.
سألته حُسنة بنبرة فضولية قائلة:
- وإيه اللي حصل يا خالد؟
أجابها بهدوء رغم ضيق صدره لذكر هذه التفاصيل لأنه عرفها عن طريق زوجته:
- حارس المدافن سمع حس حد بيستنجد وراح عند المجبرة وفجأة مات.
ختم حديثه قائلاً:
- ناس يقولوا من الخوف وناس تانية يقولوا دي ماتت مخنوق.
سأله زين بعد فهم:
- أيوه بردو إيه اللي خلاك ربطت إن الست اللي ماتت واندفنت دي تبقى والدة عمر؟
أجابه بهدوء:
- عشان لما النيابة طلبت تشوف التصريح اللي جاله عنها مرت الحارس وعياله لاقوا التصريح ولا الجثة نفسها. بس لقوا سلسلة عليها اسم وجيدة.
استكملت حُسنة حديث خالد قائلة بشرود:
- وطبعًا الناس فكرت إن دا اسم الست اللي كانت موجودة. بس اللي ها يسمع عن القصة هيعرف إن دي واحدة تبع بيت الدهشورية صح؟
تابعت حُسنة وهي تضرب بكف على الآخر:
- السؤال المهم بقى فين هي جـ ـثة مامت عمر؟
رد خالد على سؤالها بسؤالٍ آخر قائلاً:
- والسؤال الأهم والأهم يا حُسنة ليه عمر بعت لك رسالة عشان تتجمعوا وهو خابر زين إن أنتِ ما ها ترجعيش الصعيد تاني واصل. وليه ما اتحددتش في التليفون مثلاً؟ ليه رسالة مكتوبة؟
عقدت ما بين حاجبيها قائلة بدهشة:
- قصدك يا خالد؟
ابتسم وقال بهدوء:
- قصدي إن ديه كان فخ من جدك. ولما فشلت محاولته الأولى بعت اللي يحرّج شجاعتك.
هوت حُسنة على مقعدها وفاها فارغاً إثر الصدمات التي تتساقط فوق رأسها واحدة تلو الأخرى.
نظر لها زين وقال برجاء:
- حُسنة عشان خاطري كفاية لحد كدا بقى. خلينا نرتاح من كل اللي بيحصل حواليّنا دا.
- طب فين مامت عمر؟ عايشة ولا ميتة؟
رد خالد بهدوء:
- صدقيني يا حُسنة إجابة سؤالك حاولت الله يرحمها تدور عليها جابلك وكانت هي ضحيتها. بعدي عن الشر وغني له. ربي ابن أختك وعيشي مع جوزك. كل ديه ما هيفيدش بحاجة واصل.
❈-❈-❈
كبر يا جبل وبقيت راجل. قالها الجد حسان وهو ينظر لـ جبل. لقد مرت الأعوام كالبرق في سرعته. اليوم زيارة جبل لجده، تلك الزيارة السرية الوحيدة التي يفعلها دون علم بشار. إن علم بذلك لجعل لحياته لونًا آخر لا يود أن يعرفه وينبذه من العائلة الجميلة تلك.
ابتسم جبل له وقال بهدوئه المعتاد:
- لساتك كيف الأسد يا جدي. كيفك وكيف حالك؟
- حالي مبقاش هو الحال يا ولدي. جُل لي كيفه بشار وكيف بنته؟
سأله جبل بهدوء ظاهري وقال:
- جُل يا جدي رايد إيه من عمي وبنته.
رد الجد على سؤاله بسؤالٍ آخر وقال:
- عشقتها يا جبل؟
لم يرد جبل على سؤال جده، لكنه عاد من جديد لمكره وقال:
- جُل لي يا جبل أبوك مات كيف؟
- البيت اتربطج عليه يا جدي.
زفر الجد ضاحكاً ثم قال بنبرة خبيثة:
- والله وعرف بشار كيف يضحك عليك يا جبل. بس معلاش ما هو عمك برضك ورايد مصلحتك.
- مصلحة إيه؟
- تبقى خدام تحت رجليه. بس عمي بيعتبرني ولده يا جدي. اطلع أنت منيها. وحتى لو عاملني خدام أني راضي.
رفع الجد حسان كفيه المجعدتين وقال:
- اديني طلعت يا خويا. عجبال ما تطلع أنت منيها.
سكت لبرهة ثم قال بهدوء:
- الدم الدم يا ولدي هو اللي ها يبرد النار اللي في صدري.
- دم إيه يا جدي؟ رايد تاخد تارك من مين إذا اللي عملوا كِده ماتوا خلاص.
- سيبك يا جبل من الحديث ديه دلوقت. وجل لي بن عمك بشار بقى عندها كَم سنة كِده؟
رد جبل بابتسامة خفيفة:
- خمسة وعشرين سنة خمس شهور وعشرين يوم وخمس ساعات.
- وه لدرجة دي حاسب لها سنها؟
- طبعًا يا جدي مش خيتي واتولدت على يدي.
سأله الجد حسان وقال:
- خيتك برضك يا جبل؟
رد جبل على سؤاله بسؤالٍ آخر وقال:
- أنت بعت لي ليه يا جدي دلوقت؟ أنت خابر زين إني باجيك من ورا عمي عشان ما ياخدش على خاطره مني. وخابر كمان إن أني بوصل رحمي وبس. الله يرضى عنيك تهملني لحالي بجى.
حرك حسان رأسه وقال بهدوء:
- حاضر يا ولدي ها أهمل لك لحالك. بس جاوبني على سؤال واحد وبعدها روح لحالك.
- خير يا جدي؟
- بن عمك بشار.
- مالها يا جدي؟
- رايد أشوفها. آخدها في باطي. أشم فيها ريحة بشار يا جبل.
رد جبل بصوت مرتفع قائلاً:
- لا مستحيل يحصل ديه. أنت خابر زين إن الطلب ديه من رابع المستحيلات يحصل.
- عشان خاطر يا ولدي مرة واحدة. ما أنت اهو بتيجي وبتطل عليّ من وقت للتاني وبتروح في أمان الله.
- أني غيرها. أني خابر ألاعيبك ديه ومش هتتخيل عليّ. إنما هي لا. هي ما ها تيجي هنا وايه لو إيه اللي حصل.
هبط شبل على سلالم الدرج بخطواته الواثقة والإبتسامة الخفيفة تزين ثغره. وقف أمام جبل بعد أن تناول يد جده وطبع قبلة هادئة عليها ثم عاد ببصره وقال:
- ما تخليها تيجي يا جبل. واهي تاخد بحقنا أنا وجدك.
رد جبل وهو يكز على أسنانه بغيظٍ شديد وقال:
- ابعد أنت عن الحديث ديه يا شبل. أني وجدي بنتحدت ويا بعضنا. خليك بعيد أحسن يا شاطر.
اقترب شبل وقال بإبتسامة واسعة:
- مش شبل الدهشوري اللي يبعد عن حاجة رايدها غصب عنيه. أني أبعد عنها بمزاجي.
دب الجد حسان وقال بإبتسامة بتباهي:
- زمان كنت بقول بشار هو ولي العهد. بس دلوقت أقدر أقول بكل فخر واعتزاز إن شبل عمر الدهشوري هو ولد الأبالسة بحق.
تنفس جبل بعمق وهو ينظر لكلاهما نظراتٍ ذات مغزى. سار شبل بخطواتٍ واثقة تجاه المقعد الوثير وهو يرفع عباءته السوداء على كتفيه. هوى عليه ثم وضع ساق فوق الأخرى. قام بإشعال لفافة التبغ. سحب نفسًا عميقًا منها ثم قام بإفراغه في سقف البهو. عاد ببصره وقال باسمًا:
- تاخد لك سيجارة يا جبل؟
رد جبل بهدوء:
- لا الحمد لله صايم.
- صايم ليه؟
- عشان النهار ده أول يوم رمضان. ولا أنت رمضان ما جاش عندك؟
لم يرد شبل على سؤاله واكتفى بسحب نفسًا عميقًا وكرر نفس العملية. نظر له وقال بنبرة متعجبة:
- يا أخي والله الواحد ما خابر كيف يتحملك ويتحمل يطل في سحنتك العفشة دي كيف. أني لولا الحشيش ده مكنتش أتحملك دقيقة واحدة.
- ربنا يهديك يا شبل.
رد شبل بإبتسامة واسعة قائلاً:
- لا قل ربنا يطول في عمر بشار لحد ما الوشوش تتجابل من تاني.
تابع بتذكر قائلاً:
- صحيح هي بنت عمك اسمها إيه؟
رد جبل بإبتسامة واسعة وقال:
- سبحان الله يا أخي اسمها على اسم المرحومة أمك شمس. وهي فعلاً شمـ.....
لم يكمل جبل عبارته بسبب قبضة شبل له. كان يكز على أسنانه بقوة شديدة. كاد أن يجزم جبل أن وصل لمسامعه صوت طحن أسنانه وكأنها تفرم داخل ماكينات. بحركة مباغتة منه استطاع وبجدارة أن يسيطر عليه ويصبح هو مركز القوة. لم تدوم السيطرة طويلًا ليعود شبل المسيطر. كان الجد يتابع بإبتسامته التي كشفت عن نواجذه. كاد أن ينهي حياة جبل لكنه تركه في اللحظة المناسبة وهو يخبره من بين أنفاسه:
- الظاهر إن أمك كانت بتحبك. كانت روحك ها تطلع في يدي بس مش مشكلة. المرة الجاية فكر فكر بس كيف تضايجني وأني أريحك من الدنيا كلها.
هدأت أنفاس جبل قليلًا. نظر لجده وقال:
- بعد عن بن عمي يا جدي. شمس ما هتدخلش هنا واصل ودي آخر مرة هدخل فيها هنا.
غادر جبل بخطواته الواسعة والسريعة. بينما استوقفه شبل قائلاً بنبرة مرتفعة وهو يشعل لفافة تبغ جديدة:
- ابقى خد الباب في إيدك ومتنساش تقول لـ بشار يجهز التوب الأبيض لبنته.
ختم حديثه بوقاحة لم يتحملها جبل حين قال:
- يا تدخل جبره يا أدخل عليها أني.
عاد جبل وقام بضرب شبل. تحول البهو من جديد لساحة معركة. ظل يكيل له اللكمات دون رحمةً ولا شفقةً. ألقى شبل بجسده بعيدًا عنه بغيظٍ شديد. اعتلاه وبدأ يرد له ما سدده جبل. كان الجد يشاهد ما يحدث في صمت. لقد نال شبل التعب. وقف وهو يشاهده وقال بنبرة محذرة:
- جلت لك جبل سابج محدش ها يزحك من تحت يدي مصدجتـ...
- شبل بكفاية لحد كده.
هدر بها الجد حسان مانعًا حفيده من إطلاق رصاصة الرحمة. قام بإطلاقها ولكن بالقرب منه وقال:
- المرة الجاية في صدرك يا جبل.
ابتسم الجد حسان وقال بحزن مصطنع:
- هو ده يا ولدي اللي رايد يوصله بشار. بشار رايد يخليكم تجعوا في بعض. رايد يكمل اللي معرفش يعمله زمان.
تابع بنبرة مغتاظة وقال:
- بس لا إن كان نجح زمان فـ مش ها يعرف يعمل ديه دلوقت.
لم يعقب جبل على حديث الجد بكلمة واحدة. اكتفى بالمغادرة من المنزل وهو يسب حاله مرة ويلعن قلبه الطيب الذي يصدق الجد دائمًا ألف مرة. ما زال شبل يقف مكانه لا يتحرك قيد أنملة يتوعد لذاك الأحمق الذي تجرأ وقام بضربه. شعر بسائل دافئ ينساب على جانب ثغره. مسحه بظهر يده قبل أن يصل إلى ذقنه. وصل لمسامعه حديث جده وهو يحثه على الانتقام من بشار وليس جبل. فجبل الذراع الأيمن ليس إلا. التفت له وقال بغيظٍ شديد:
- والدرع ده لازم يتـ ـقطع يا جدي. ورحمة أمي وأبي ما هسيبه لحاله واصل.
وقف الجد حسان عن مقعده وقال بهدوء ومكر:
- همل جبل دلوقت. حسابه معايا أنا.
وضع يده المجعدة على كتف حفيده وقال:
- حضر حالك أنت هاتروح تقعد في دار أبوك اليوم اللي مستني بجالك كتير خلاص جه يا ولدي.
تابع الجد حديثه وقال:
- خلاص الحج جرب. كل واحد منا ها ياخد حجه من بشار. يا شبل تار أبوك يا ولدي بيجرب. وتار بنتي وجيدة بشار حرّق قلبي على أغلى تنين ولساته عايش في الدنيا يظلم ويحرج في الخلق كيف ما يحب.
التفت شبل لجده وقال بوعيد:
- متقلقش يا جدي حجك وحق كل واحد أذاه بشار ها يرجع. وحياتك ما ها يعرف ينام الليل من حرقة جبله على كل حاجة غالية عنده. وأولهم جبل.
رد الجد بضيق وهو يقول:
- لا جلت لا. بعد عن جبل. ملكش صالح بيه واصل. اقتل واسرج وانهب واعمل ما بدا لك في بشار واللي منه. بس متجربش على جبل.
نظر شبل لجده وقال بشك:
- ليه؟ اشمعنى جبل اللي مرايدنيش أجرب له؟
يتبع
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هدى زايد
ركضت خلفه من جديد، ما إن طبع قُبلة فوق رأسه. حاولت أن تستوقفه، لعله يرد عليها، لكن دون جدوى. ما تفعله ذهب هباءً.
نظرت لزوجها الذي رفع الجريدة سريعًا، متحاشيًا النظر لها. ذهبت إليه، أزاحت الجريدة، وقالت بجدية:
- تعرف إيه يا زين؟ أنا معرفوش.
- ولا أي حاجة خالص.
- زين!
- من غير زين، هو يبقى يحكي لك. أنا كل اللي أعرفه إنه مش عاوز يتجوز.
- ما هو كلنا عارفينه. أنا عاوزة اللي جوه الصندوق.
وقف زين متحاملًا على نفسه، وهو يقول بجدية مصطنعة:
- يااه يا حسنة، بتحبي تعملي من الحبة قبة. أنا مش عارف حاجة. اسألي بنتك ولا ابنك، ماهو كلهم أسرارهم مع بعض.
وقفت مقابلته، وقالت بشك:
- ولادي ما يعرفوش ربع اللي أنت تعرفه عن جواد يا زين. اعترف وقول جواد بيحب مين؟
نظر لها بأعين مليئة بالعشق، وسألها بنبرة هادئة لا تخلو من الحنان البالغ:
- هو أنتِ حلوة كدا ليه النهاردة؟
ردت بعتاب قائلة:
- يا سلام، لسه واخد بالك دلوقتي؟
- أيوه فعلًا، لسه واخد بالي. أنا باين عليا لازم أغير نضارتي عشان ما بقتش أشوف كويس.
- زمان كنت بتشوفني بقلبك.
رد زين بميرة صادقة، وهو يجعلها تتوسط صدره قائلًا:
- ولسه بشوفك بقلبي يا قلبي. ربنا يخليكي ليا ولا يحرمني منك أبدًا.
- الله الله يا سي بابا، كدا في نهار رمضان عادي؟
أردفت أسما سؤالها وهي تخرج من غرفتها، مصفقة لوالديها بحرارة، والابتسامة لا تفارق شفتاها.
بينما رد زين بجدية مصطنعة قائلاً:
- دا جبران خاطر يا بنتي. ربنا يجعلك من جابرين الخواطر لا كسريها.
نظرت حسنة له، وقالت بحزن طفولي:
- جبر إيه يا زين؟ جبر خواطر بقى؟ آخرتها جبر خواطر!! ماشي يا سيدي، شكرًا.
رد زين بنظرة معاتبة لابنته، وقال:
- عجبك كدا يا هادمة اللذات ومفرقة الجماعات.
تابع بنبرة حائرة قائلاً:
- أنا مش عارف، لما الشياطين كلها متسلسلة دلوقتي، أنتِ بتعملي إيه؟
ردت أسما بنبرة حزينة قائلة:
- شكرًا يا سي بابا، كل دا عشان تراضي ماما. شكرًا.
- لا يا روحي، متزعليش. كنت بهزر معاك.
- خلاص، صالحني.
- ما أنا صالحتك أهو، وقلت لك حقك عليا متزعليش. عاوزة إيه تاني؟
- كدا صلح ناشف. ما ينفعش. أنا عاوزة صلح من أبو ألف أو ألفين ده، عارفه؟
رد زين قبل أن يغادر الردهة:
- ولا عمري سمعت عنه. اسألي مامي كدا عنه، على ما أشوف حاجة ومش راجع لك.
***
- حلوة الفرسة دي يا عمر. بكم؟
سأل جواد سؤاله، وهو يتحسس رقبة المهرة البنية. ابتسم عمر، وهو يستدير بجسده كله مقتربًا منه، ثم قال:
- مش هتبطل تسأل عن تمنها واصل، كأنك متعرفش إنها مش للبيع؟
- يا جدع، أنا صاحبك. اكرمني.
ساعده في الترجل من على ظهرها، ثم امتطأ هو قائلًا:
- صاحبي أكرمه في عشا، في نومة، في سِجارة.
تابع باسمًا، وهو يقترب من عنقها، محاوطًا إياه بين ذراعيه قائلًا:
- إنما أكرمك في زينة يبقى لأ. صاحبي واللي يتشدد له قُمان.
أومأ جواد رأسه علامة الإيجاب، قائلًا بوعيد:
- ماشي يا عمر، ابقى وريني مين ها يدعمك في مقابلة الخميس ويقول عنك ألف من يتمناك.
رد عمر بثقة حد الغرور قائلًا:
- إني مش محتاج مساعدتك يا حبيبي. ساعد حالك.
ختم حديثه قائلًا:
- إني وأبويا اتفجنا إننا نزوركم الخميس عشان نحدد معاد كتب الكتاب والفرح قُمان.
- والفرح كمان! شجاعتك مقوية قلبك.
تابع عمر بغطرسة مرفوع الرأس:
- أومال، إيه؟ انت فاكر إيه؟ إني الدكتور عمر بشار الدهشوري.
ضحك الاثنان بصوت عالٍ. سار جنبًا إلى جنب، تبادل أطراف الحديث في عدة موضوعات. مر أكثر من ثلاث ساعات عليهما. اجتمعوا حول مائدة الطعام عند اقتراب موعد آذان المغرب. لحظات، ثم انطلق صوت المدفع يليه صوت الأذان. تمتم عمر بخفوت دعاءه قبل أن يروي ظمأه، ناجى ربه بأن يمرر هذه الأيام سريعًا ليتمم زيجته على خير.
روى ظمئه أخيرًا، ثم شرع في تناول وجبته.
كان جواد يتناول طعامه بسرعة شديدة، على غير العادة. نظر له عمر، وقال بنبرة متعجبة:
- على مهلك يا بوي، في إيه؟ كأنك آخر ذاك.
بلع جواد لقيماته بسرعة، وهو يخبره بهدوء:
- معلش يا عمر، أصل مستعجل.
- على إيه؟
- كنت عاوز أبوك في حاجة كدا. معادّي معاه في الجامع. هنصلي المغرب سوا.
عقد عمر ما بين حاجبيه، وقال:
- حاجة إيه دي؟
وقف جواد عن مقعده، وهو يتناول آخر قطعة من ورق العنب، وقال:
- بعدين يا عمر، بعدين.
عاد والتقط قطعة أخرى، وقال بتلذذ:
- مش قادر يا أخي، اختك عليها ورق عنب ملوش زي.
رد عمر، وقال بنبرة مغتاظة:
- يا أخي، چامز وكُل كيف الخلج، مش كِده؟ وبعدين روح لابوي.
- لا لا، خلاص الحمد لله شبعت. أمشي أنا بقى، ونتقابل تاني بكرة. بس عندي عشان خالتي عاملة لك أكل عسل زيها. سلام.
***
بعد مرور يومين.
الساعة الثالثة فجرًا.
كان يسير بين المقابر، يلتفت حوله بين الفينة والأخرى، حتى وصل لنفس المكان الذي يتقابل فيه مع رجاله بشكلٍ يومي. رفع عباءته السوداء على كتفيه. ألقى بلفافة التبغ أرضًا، قبل أن يتناول كيسًا قماشيًا ذو اللون الأسود. كشف عن ما بداخله، ووجد تمثالًا من الذهب الخالص. ألقى نظرة تقييمية سريعة، أعاده لرجاله مرة أخرى، وقال:
- التمثال ده مش أصلي.
- كيف ديه يا كابير؟ ديه من مجبرة الـ...
حدجه شبل نظرة حادة، نكس رأسه أرضًا، وهو يقول بذعرٍ شديد:
- عدم مؤاخذة يا كابير، اللي تؤمر بيه يمشي.
رد بنبرة مقتضبة، وقال:
- مشوا دلوقتي، ونتقابل بعد يومين كِده.
- حاضر يا كابير، تؤمر بحاجة تانية؟
- لا، هنتقابل يوم الخميس كيف دلوقتي بالتمام، وتجيبه الصناديج كلها المرة الجاية.
التقط التمثال مرة أخرى من الرجل، وقال بنبرة ساخرة:
- مش مصخوت وتجولوا ديه اللي لاجينه.
تركهم قبل أن يستمع لردهم، يفعل ما يحلو له وقت ما أراد، تجارته الخاصة التي رفضها الجد حسان، وقام بمقاطعتها فترة طويلة، لكن إصرار شبل كان أكبر منه، فقرر العودة لها من جديد.
و في أثناء طريقه للعودة، استوقفته يد من حديد، قابضًا على ساقه اليسرى. لم يُنكر الخوف الذي دب في أوصاله. نظر للأسفل، ووجد عباءة سوداء ترفع عن الجسد. اتسعت عيناه عن آخرهما، ما إن وصل لمسامعه صوت يشوبه صوت فحيح الأفاعى:
- اوعاك يا شبل تخرج من اهني، جبل الشمس ما تُشرق.
ما إن انتهت تلك العبارة، استدار بجسده، وجد ما لم يتوقعه. كاد أن يسأل أحدهم، لكنه تفاجأ بفتح أحد القبور التي على ما يبدو خصصت له. لم يكن هو ساكنها الأول، القبر به جثث عديد، وواحدة كانت هذه ليلتها الأولى. لم يركض أو يتحرك قيد أنملة. كل ما فعله اقترب، حتى باتت الوجوه تتقابل وجهًا لوجه. فرغ فاه ليتحدث، لكن صوت العجوز جعل الجميع يركعون أمامه. تحول المشهد من خوف وقلق داخلي لحدة وقوة ظاهرية. ركل الأرض بقدميه، وهو يهدر بصوته الجهوري. لم يتجرأ أحدهم على رفع بصره. نظر جنبه، وجد ربطات العجوز، والابتسامة الواسعة لا تفارق الأفواه.
***
قرع الناقوس، وقبل أن تسأله الخادمة عن صفته، تجاوزها وهو يبعدها عنه بطريقة لاذعة، وكأنها شيئًا يخشى التقرب منه ويؤذيه. هدرت الخادمة بصوتها محاولة منعه، لكنه لا يبالي. جلس على المقعد بأريحية، وضع ساقه فوق الأخرى، ثم قال:
- روحي نادمي على بشار، وجولي له سيدك شبل جِه، ورايدك في حاجة خصوصي.
كادت أن ترد عليه، لكن صوت شمس منعه من ذلك. أشارت لها بالعودة لمطبخها، وهي تقول:
- روحي أنتِ يا شوقية.
دس شبل يده في جيب جلابه، أخرج لفافة تبغ، ثم قام بإشعالها. نفثها في سقف البهو. عاد ببصره لها، وقال:
- جولي لـ شوجية تعملي فنجان قهوة عشان جعدتنا مطولة يا قمر.
تجاهلت شمس أوامره، وتساءلت بنبرة مغتاظة قائلة:
- مين أنت؟
- إني شِبل عمر حسان الدهشوري.
ابتسمت بسخرية قائلة:
- حصلنا الرعب والتهديد. اتفضل اطلع برا بقى. ما تجولي اتفضل جواه قلبك أحسن، أحسن الجو برا رصا ص.
- والمفروض إني أضحك مثلًا يعني؟
- لا، أبكي عليك وعلى اللي جابك.
- أنت قليل الأدب، واللي جابني ده ها يعلمك الأدب. قلت أمشي اطلع برا.
- روحي يا شاطرة، نادمي على بشار، وجولي له سيدك شِبل الدهشوري رايدك تسلمه نص الدار. بابا ملوش أسياد، وإن كان أنت ليك أسياد، فـ دا يدل على إنك كـلـب ليهم. عمومًا، ده بيتك ومش ها نقدر نمنعك منه، بس اللي أقدر أقوله، بلاش تلعب بالنار عشان متلسعكش يا شاطر.
- شمس اطلعي فوق، وكفاية لحد كِده، وسيبنا أنا وواد عمك لوحدنا.
قالها بشار بعد أن تصاعدت المشاجرة بين شمس وشبل. صعدت على الفور ما إن أمرها أبوها بذلك. ظل يتابعها بنظرات غاية في الوقاحة، محاولًا استفزاز بشار، الذي فهم من نظراته تلك ماذا يقصد. عاد ببصره له، وقال:
- بنتك دي يا بشار؟
رد بشار باسمًا، متجاهلًا وقاحة شبل:
- أيوه يا شِبل، بتي.
رد شبل ساخرًا:
- ونعمة التربية. طلعالك جليلة ترباية، أحسنت واللهِ.
تنهد شبل، قبل أن يخرج ورقة من جيب جلابه، ألقاها في وجه بشار، وقال:
- ديه صورة من عقد الدار، إني شريك في الدار ديه.
تناول بشار الورقة من على الأرض، وقال بهدوء دون أن ينظر فيها:
- خابر ديه من زمان يا شبل، وخابر إنك تمت السن القانوني من زمان، ويحج لك تستلم نصيبك في أي وقت.
تابع بهدوء، وهو يخرج دفتر الشيكات، وقال:
- ديه شيك على بياض يا شبل، حط فيه الرقم اللي تحبه، من جنيه لمليون، وأني موافق.
وضع بشار الشيك نصب عينيه، وقال:
- شوف حابب تتنازل عن الدار ميتا، وأني أشتري منك.
تناول شبل الشيك منه بعجرفة، نظر فيه، ثم أخرج دفتر شيكاته خاصته، وقال بوقاحة:
- ديه شيك في متين جنيه، تمنها.
تابع موضحًا مغزى حديثه، وقال:
- تمن بتك شمس يا بشار. تديني بتك، أديك الدار.
- خرج بتي من موضوعنا يا شبل.
- يبقى أنت قُمان تخرج الدار من موضوعنا.
- كيف إذا كان الدار ده هو موضوعنا أساسًا.
- لا، إحنا عندنا ييجي مليون حاجة غير الدار. يا بشار، تار أبويا، جمرة قلب أمي على موت أبويا، وحر ج عمتي وجديدة، ووجع قلب جدي اللي كل يوم يزيد عن اليوم اللي قبله.
رد بشار بهدوء:
- يا ولدي، والله العظيم اللي حصل زمان ده كان غصب عني، ويشهد على كده ربنا.
وقف شبل عن المقعد، وقال بعصبية ما إن وصل لمسامعه صوت القرآن الكريم الذي دوى في المكان:
- إني ماشي دلوقتي، وراجع، بس المرة الجاية رجوعي ها يكون غير.
نظرات بشار له كانت متفحصة. علم من خلال هذه النظرات أنه سار في نفس الدرب الذي سار فيه هو من قبل، ولكن على ما يبدو أن شبل يعاني من شيئًا أقوى بكثير. استدار ما إن هتف بشار قائلًا:
- شبل، جدك واعر، ومعرفش يعمل مع أبوك حاجة. جدك حسان إبليس.
ابتسم شبل، وقال:
- وإني ولدهم.
تابع بتذكر:
- صح، ابجى جول لـ جدك إني جدي زعلان منه واصل، كان نفسه يفطر ويانا كيف كل سنة.
ختم حديثه قائلًا:
- يلا، تتعوض السبوع الجاي كيف ما جالنا.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هدى زايد
رد الجد كاذبًا وقال:
- دي بتاعت المرحومة أمك يا حبيبي، خدها حجك.
- شكرًا يا جدي.
كاد أن يجلس ليرتشف ما تبقى من قهوته، لكن الجد حثه على المغادرة قائلًا:
- امشي يا ولدي دلوكه، زمان بشار بيدور عليك.
- بيدور عليّ ليه يا جدي؟
ابتسم شبل وقال بتباهٍ وهو يضع ساقًا فوق الأخرى:
- أصل إني ولعتها بينكم وجلت له على كل حاجة، يلا بالشفا.
- وليه كده يا شبل؟ ليه تعرفه إني باجي هنا ليه؟
- الصراحة مضايج منك ووشك العكر ده ما طايجهوش، فجلت له يمكن يطلع راجل ويجيلك بدل ما أنت قاعد في الدنيا كده لا شغلة ولا مشغلة وعامل لي فيها شيخ.
كاد أن ينقض عليه، لكن يد الجد منعته وقال بهدوء لتُحتوى الموقف:
- امشي دلوكه يا جبل وسيب لي شبل، إني هتفاهم وياه.
صعد بشار على سلالم الدرج وهو يهتف بصوت مرتفع:
- شمس يا شمس.
خرجت شمس من غرفتها وقالت بقلق:
- خير يا بابا، في إيه؟
خرجت خديجة في نفس الوقت متسائلة بذات النبرة:
- خير يا بشار، في إيه؟
وقف بشار وقال بنبرة محذرة:
- أوعاكِ أشوفك برا الدار، فاهمة؟
- ليه يا بابا؟ في إيه؟
- جلت أوعاكِ وخلاص، يبقى تنفذي الكلام من غير أي اعتراض.
- روحي أنتِ دلوقتي يا شمس، كملي اللي بتعملي يا حبيبتي.
غادر بشار المكان بعد أن فقد السيطرة على أعصابه، بحث عن هاتفه. وقفت خديجة تشاهده في حالة من الدهشة والذهول. سألته عن سبب هذه العصبية، فأجابها قائلًا:
- جبل اللي كنت بقول ولدي التالت اللي ما خلفتوش يضربني في ضهري!
- اهدأ بس وكلمني براحة كده، في إيه؟
رد على سؤالها بسؤال آخر قائلًا:
- فين ولدك؟ فين عمر؟
ردت بهدوء، علها تفهم منه شيئًا:
- ابنك في المزرعة، ما أنت عارف إنه بيجي متأخر الفترة دي.
ظل يجوب الغرفة ذهابًا إيابًا وعلى أذنيه هاتفه النقال، لم يرد على مكالماته. هدر بصوته قائلًا بعصبية:
- ولدك ما يردش على التليفون ليه؟
- اهدأ يا بشار، مش كده. أكيد بيصلي أو بيمر على الخيل، ما هو في شغله وأنت عارف ده.
اتجه نحو خزانة الملابس وقال:
- إني خارج.
- دلوقتي؟
- أيوه دلوكه، عندك مانع؟
- يا حبيبي اهدأ بس كده، أنا سمعت كلام شبل وكل ده مجرد حركات عشان يوقع بينك وبين جبل.
- جبل فعلًا بيروح لـ جدي، ودي إني متأكد منها.
- وحتى لو بيروح له يا بشار، ما هو ده جده بردو.
- أنتِ جايبة البرود ده منين؟
- يا بشار، جبل بيحاول يفهم دماغ جده عاوزة توصل لإيه و...
بتر حديثها قائلًا بصوتٍ مرتفع وهو يلطم بيده على صدره:
- كنت إني عرفت ما إني كنت في عبه ليل نهار، وفي الآخر حصل إيه!!!
غادر بشار الحجرة بل البيت بأكمله. استقل سيارته متجهًا نحو المزرعة الخاصة به، بينما خرجت شمس على الفور متجهة نحو مكتب جبل للسياحة، الذي يبعد عن المنزل ما يقارب الساعة تقريبًا.
شبل عمر حسان الدهشوري.
ثلاثين سنة معروف بخط الصعيد في بلده. شبل هو الشخص الوحيد اللي لازم يكون معانا لأنه من أهم الشخصيات المؤثرة في البلد.
أردف هذه العبارة التعريفية رجل تجاوز الأربعين من عمره، كان يشير بيده تجاه شاشة مثبتة على الجدار تعكس صورة شبل وهو يمتطي إحدى الجياد، وعدة صور أخرى في أماكن مختلفة.
رد أحد الجالسين وقال بأدب:
- أيوه يا فندم، بس شبل ده اللي عرفته عنه بعد المعلومات اللي جت لي. ما فيش حاجة حرام إلا وعملها! يعني أعتقد ده هيشوه وجهتنا هناك مش العكس.
رد الرجل بإصرار مستميت قائلًا:
- بالعكس، ده هو ده اللي لازم ناخده لصفنا. شبل بإشارة واحدة من صباعه الصغير، يخلي البلد والبلاد اللي حواليّها تنتخبنا ومش بس كده، ونفوز باكتساح كمان.
تابع حديثه قائلًا:
- ده غير إنه في عداء شديد بينه وبين بشار الدهشوري، اللي هو في مقام عمه.
ختم حديثه قائلًا:
- وكلنا عارفين مين هو بشار الدهشوري وعلاقته بأهل بلده عاملة إزاي. سوى دخل الانتخابات أو لأ، هو بيخدمهم من زمان وله شعبية كبيرة هناك، يعني جايز جدًا يكسب بالمحبة دي. عشان كده أنا شايف إن أكتر حد هيخدمني وينفع يكون وجهتنا هناك.
- بس حضرتك مش شايف إن طلباته كتير أوي؟
- حارق شوية آه، بس تاخد من تحت إيده شغل نضيف. دي الداخلية بنفسها بتعمل له حساب.
وقف عن مقعده وقال بأمر:
- شبل الدهشوري لازم يكون دراعنا اليمين في الصعيد. شبل لو طلب نجمة من السما تتوافر له في الحال. ده الفانوس السحري ولازم نستغله قدر الإمكان، مفهوم؟
ردد الجميع في آنٍ واحد:
- مفهوم يا أفندم.
في منزل حسنة، وتحديدًا داخل غرفتها، كانت جالسة على الطرف الآخر من فراشها والجهة الأخرى زوجها. تبادلت معه أطراف الحديث حول تفاصيل خطبة ابنتهما أسما. ضحك زين وقال بنبرة هادئة:
- فضلت أقول لك النصيب غلاب، مسمعتيش كلامي. حد يصدق إنك بتحضري لخطوبة بنتك من عمر اللي قلت عليه مستحيل يخطبها لو إيه اللي حصل؟
- عندك حق يا زين، بس أعمل إيه؟ بنتي متعلقة بي وروحي فيها، أعمل إيه بقى؟ أهد سعادتها عشان خايفة من جدي يأذيها عشان هي هتدخل بيت بشار.
- مش قلت لك إنها مجرد أوهام في دماغك. جدك لو عاوز يأذي حد كان أذى من زمان، مش لسه ها يستنى السنين دي كلها.
تنهدت حسنة بعمق وقالت:
- أعمل إيه بس يا زين؟ ولادي وخايفة عليهم، أنا اتأذيت منه كتير، وأذى بيوجع. مش عاوزة حد من عيالي يتطولهم نفس الأذى ده. ده مش بعيد أروح فيها.
رد زين بهدوء قائلًا:
- سيبك من كل ده وقولي رأيك إيه لو عمر صمم يكتب زي ما جواد بيقول؟
ردت حسنة وقالت بسعادة قائلة:
- رأيي؟ وهي دي عاوزة رأي بردو يا زين؟ بنتي حبيبتي كبرت وهتتجوز، ده يبقى يوم المنى. عقبال أخوها وجواد.
ختمت حديثها قائلة:
- والله لمجرد التفكير بس بحس براحة نفسية، ما بالك لو فعلاً جوزتهم كلهم. هعمل إيه؟
تابعت بتذكر قائلة:
- صحيح، كلمت أخوك خالد عشان يحضر الاتفاق أحسن يزعل؟
رد زين وقال بهدوء:
- كلمته وعرفته كل حاجة، وقلت له إن احتمال كبير بشار يتكلم عن الكتابة، فـ قالي إنه ها يحضر بس لما يزور وجيدة الأول.
لاحت ابتسامة حانية على ثغر حسنة وهي تقول بحنو واشتياق:
- واللهِ في الخير خالد لسه فاكر وجيدة وبيزور رغم كل السنين دي. واحد غيره كان نسيها بعد ما اتجوز وخلف. لا ده لسه فاكرها وسمى كمان على اسمها. في حب كده في الدنيا.
نظر زين لها وقال باسمًا:
- لو على الحب والمخلصين، فـ هما كتير الصراحة. عندك أنا مثلًا، رغم النكد اللي بعاني منه بسببك أنتِ وأسما، لسه بحبك بردو.
نظرت حسنة له وقالت بتحذير:
- زين!
رد زين قائلًا بخوفٍ مصطنع:
- لا خلاص، نكد أسما بس. أنتِ زي العسل.
وصلت أخيرًا، ولكنها تسمرت محلها ما إن وجدت شبل يستقل سيارته وجبل معه. لمحها بطرف عينه لكنه تظاهر بالعكس حتى لا يلفت نظر بنت عمها ويثير الشك. ما رتب له يحدث بالدقة، مع الخدمات الجليلة التي قدمتها الصدفة له. قاد سيارته تجاه منزله وخلفه شمس ظنًا منها أنه لا ينتبه لها.
بعد مرور ساعة أخرى، صف شبل سيارته جنبًا ثم ترجل منها وخلفه جبل. الإبتسامة لا تفارق شفتاه. توقف فجأة على أعتاب باب المنزل الخارجي وقال:
- ادخل أنت يا جبل، هاشوف الرجالة رايدني في إيه وجاي.
أومأ له جبل دون أن يرد على حديثه بكلمة واحدة، عبر البوابة الداخلية ما إن فتحت له إحدى الخادمات. تسأل بنبرة منزعجة قائلًا:
- رايد مني إيه تاني يا جدي؟ بعت لي شبل ليه؟
قالها جبل وهو يقف أمام جده حسان الذي تعجب من وجوده للمرة الثانية. سأله بهدوء حتى لا يثير الشك بداخله:
- فين شبل يا ولدي؟
رد جبل وقال:
- ما خبرش، جالي هايشوف الرجالة رايدة منه إيه وراجع.
هتف الجد حسان على حارس المنزل بعد أن قال لـ جبل أنه يريد مصالحته ليس إلا. كذبة جديدة من اختراع الجد ليغطي على أفعال ذاك الشبل. أتى الحارس وقلبه ينتفض بداخله وقال:
- خير يا كبير؟
- فين سيدك شبل؟
رد الحارس بتلعثم:
- خرج، خرج يا كبير.
رد جبل وقال بنبرة متعجبة قائلًا:
- خرج كيف؟ وهو كان لسه واقف معايا!
رد الحارس بكذب:
- ما هو بعد ما حضرتك دخلت هو خرج، والله.
وقف الجد عن مقعده الوثير متجهًا نحو الحارس الذي يرتجف بداخله من نظرات ذاك العجوز. وقف مقابلته وقال من بين أسنانه:
- شبل بيهبب إيه يا حمدان؟
نكس حمدان رأسه وقال بتلعثم:
- ما خبرش يا كبير، لما ييجي أسأله.
كاد أن يتحدث، لكن سؤال جبل جعله يعود لمقعده من جديد. وتظاهر بخبر وجوده هنا وهو يقول:
- تعال يا جبل، تعال يا ولدي. إني خابر إنك لسه زعلان مني. إني وشبل متزعلش. شبل ولد عمك وهمه مصلحتك يا ولدي.
على الجانب الآخر من نفس المكان، اتجه شبل نحوها. استند بمرفقه على نافذة السيارة وقال:
- هو الجميل مجدرش على بعدي فـ جه ورايا لحد هنا بنفسه.
فرغت فاها لتتحدث، لكنها تفاجأت به يضع محارم ورقية بها بعض قطرات المخدر. حاولت نزعه لكن دون جدوى. نظر حول ليتأكد من عدم وجود أحدهم. قام بفتح السيارة وحملها بين ذراعيه. أتى على الفور حارس البوابة الخارجية، قام بفتح أحد الغرف الخلفية وساعده في نقلها. وقف بجانب الفراش وقال من بين أنفاسه المسموعة:
- أخفي العربية بسرعة. جبل ما يخرج، جبل ما يخرج. وحسك عينك تجيبي سيرة لحد عن وجودها هنا. حتى جدي ما يعرفش، مفهوم؟
رد الحارس وقال بخوف:
- مفهوم يا كبير.
أمره بالخروج، بينما توقف هو لحظات قبل أن ينزع عنها وشاحها الأسود. بدأ في فك أزرار كنزتها الرمادية. دس يده أسفل قميصها القطني وتحسس جسدها. كانت في سباتٍ عميق. حين نزع عنها جلبابه، ألقى به أرضًا. مال بجذعه على شفتاها وبدأ يرتوي من رحيقها. لم يكتفِ عند هذا الحد أو يحترم نهار الشهر الفضيل، بل تلك القبلة جعلته يريد المزيد. مرر لسانه على شفتاه. مال بجذعه قليلًا ممسكًا بمؤخرة رأسها برفق. همس بجانب وجهها وأنفاسه الساخنة تلفح خدها الأيسر قائلًا:
- أنتِ جميلة قوي. جمال ده خسارة في جبل. الجمال ده المفروض إني وبس اللي أملكه.
تقابلت عيناه المظلمتان مع شفتاها الوردية. مرر أنامله وقال بنبرة خافتة تملؤها الرغبة:
- الجمال ده خسارة يندفن من غير ما أرتوي منه. لو بيدي كنت عملت وياكي كده وأنتِ واعية لي، كانت هتبقى أحلى بكتير يا بت بشار.
تلامست شفتاه خاصتها برفقٍ وهو مغمض العينين، عاد يتلذذ من رحيقها كيفما شاء. سمح لنفسه بأخذ أشياء لم تكتب له. ترك رأسها بعنف بسيط، ثم نزع كنزته القطنية وهو يسب جده سبابًا لاذعًا. نظر لها وقال بهدوء:
- ما حدش ها يحوشك عني يا بت بشار. أنتِ النهاردة ليا وبس. هاخد حقي فيكي وبعدها يعملوا ما بدالهم.
لم تشعر بأي شيئًا يحدث حولها، كل ما قاله لم يصل لمسامعها، فهي في سباتٍ عميق. نظر لها ثم بدأ يوزع قبلاته على وجهها وعنقها. لم يستمع لذاك الصوت الذي بداخله وهو يحذره. حاول نفض تلك الأصوات لكن دون جدوى. جلست على ركبتيه من جديد وهو يشاهد انعكاسات لمساته. ابتسم بانتصار. قبض على آخر شيء يفصله عن جسدها بالكامل وقام بتمزيقه. عاد ليأخذ حقوقه منها كما يدعي...
بعد مرور أكثر من ساعة تقريبًا، كان يرتدي ملابسه من جديد وزفراته لا تتوقف أبدًا. نظر لها ولملابسها. أعاد كل شيئًا كما حاول أن لا يقترب منها مجددًا، لكنه لم يستطع مقاومة كل هذا الجمال. ما زالت تحت تأثير المخدر الذي وضعه للمرة الثانية على التوالي. وضع يده أسفل مؤخرة رأسها وقال بخفوت:
- فيكِ إيه زيادة عن الحريم اللي عرفتهم؟ ليه مش عارف أرتوي منك؟
نظرات متفحصة لجسدها جعلته يفشل في مقاومة تلك الكرزتين التي تبدل لونهما إثر ما فعله بهما. عاد يُشبع رغباته المحمومة في امتلاكها من جديد. إن فشل في كبح جماحه مرة لن يستطيع هذه المرة. الوضع بالنسبة له يصعب السيطرة عليه.
تركها بعنف بسيط وعاد لنزع ثيابه من جديد. لن يتركها إلى أن يرتوي منها حد النخاع. اعتلى وجهها له وقال بصوتٍ أجهش وهو يربت على صدره:
- يا أنا يا أنتِ يا بت بشار الليلة دي ها نشوف مين فينا اللي ها يقدر على الثاني...
داخل المقابر، الساعة الثانية بعد منتصف الفجر، كان شبل يسير بحذرٍ وهو يلتفت يمينًا ويسارًا. استوقفه صوت مألوف بالنسبة له. جثا على ركبتيه وقال بنبرة خافتة:
- في إيه؟
- بعد عن هنا لو رايد النجاة.
- قصدك إيه؟
- قصدي حسان ما هيبسكش كده بالسهل.
- وأنتِ تعرفي جدي منين؟
رفعت جذعها العلوي كاشفة عن وجهها المحترق. اتسعت عينا شبل عن آخرها ما إن كشفت عن هويتها بعد مرور تلك الأعوام. لجمت الصدمة لسانه برهة قبل أن يقول بتلعثم وما زالت الدهشة تسيطر على وجهه:
- مش معقول! مين أنتِ؟ هي أنتِ كيفها بالتمام. أنتِ و...
على الجانب الآخر، وصل بشار إلى مزرعة ابنه. ولج بخطواتٍ واسعة وسريعة. بحث في غرفة مكتبه وفي غرفة الكشف، حتى الساحة التي يضع فيها الجياد لم يجده. قرر أن يسير بخطواته تجاه جواد عمر. نهر من الماء على الأرض. اقترب بخطوات بحذر وترقب. قلبه يخبره أن جده نجح في ما يريد أن يصل إليه. وجد عمر ملقى أرضًا والماء تملأ المكان من حوله. هدر بصوته الجهوري قائلًا:
- عُمـــر يا ولدي.