تحميل رواية «زوجة ولد الأبالسة» PDF
بقلم هدى زايد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سار جنبًا إلى جنب دون إصدار أي صوت. اليوم تحديدًا كان الجد غامضًا بعض الشيء. جلس على المقعد المجاور لمقعد القيادة، شارد الذهن. إن حدث ما توقعه هذا يعني أنه خسر كل شيء. وإن طلب العكس منه هذا يعني أنه خسر جولة ولكن لم يخسر الحرب. عليه أن يخدعه، فالحرب خدعة ولكل معركة قوانينها الخاصة. كان يختلس النظر له كلما سنحت له الفرصة. حدثه أكثر من مرة ولكن الجد في عالم آخر. توقف فجأة عند المزرعة. ناداه أكثر من مرة وما زال شاردًا. هزّه بشار في كتفه برفق وقال: – جدي أنت بخير؟ نظر الجد لحفيده وقال بشرود: – ها؟ ف...
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هدى زايد
مد زين يده في جانبه ليخرج سلاحه الناري وقال بنبرته الواثقة من بين أنفاسه المسموعة:
– الراجل بيتعرف من أفعاله، والراجل اللي بجد بيعمل ما بيقلش ولا يأجر رجالة ياخدوا حقه.
وقفت حُسنة أمام زين وقالت بتوسل من بين دموعها:
– أبو س ايدك يا زين، والله ما يستاهل تتضيع نفسك عشانه، سيبه عشان خاطري.
زحفها جنباً وتابع حديثه قائلاً:
– اتفرجي على حبيب القلب وهو بيموت قصاد عينك.
قام زين بإطلاق الرصاصة لتستقر داخل صدر عُمر الذي لم يتوقع كل هذا من البداية. تحامل على نفسه متكئاً على جذعه، بعد أن قام بجذب السكين الصغير، قام بتوجيهها نحو زين. استقر في ظهره. ابتسم عُمر قبل أن يغمض عينيه وقال بخفوت:
– أني أرجل من عيلتك كلها يا ز…
بُترت باقي كلماته فاقداً للوعي. كما جثا زين على ركبتيه كاتماً تأوهه بين فكيه. في أقل من ثانية كانت حُسنة تحاوط خصر زوجها وصرخاتها تدوي المكان خوفاً مما هو قادم. هرع بشار تجاه ابن عمه، جثا على ركبتيه وقال برعب:
– جوم يا عُمر، جوم يا حبيبي، ليه بتعمل في روحك كده؟
هدر الجد حسان بصوته الجهوري وقال:
– اقفل الباب يا ولد.
تابع بنبرة آمرة قائلاً:
– حد ينادي على الدكتور صفوت.
جوامختم حديثه قائلاً بتحذير:
– اوعاك أشوف ولا أسمع إن حد عرف باللي حصل هنا.
واصل.
بعد مرور نصف ساعة، كانت حُسنة واقفة أمام جدها تهدر بصوتها وتقول بحدة:
– يعني إيه تقول للدكتور تسيب زين ويخلص لعُمر الأول؟
حدجها الجد بنظرات ساخطة ثم قال:
– اكتمي يا بت ومسمعش حسك.
واصل.
ردت حُسنة بنبرة محذرة قائلة:
– أنا هقلب عليكم الدنيا وأعرف أهله اللي حصل، يا عيلة ما عندهاش ضمير.
صفعها الجد حسان صفعة مدوية وقال:
– ها أقول إيه؟ ما أنتِ فاچرة كيف اللي خلفتك بالتمام.
اتسعت عينا حُسنة غير واعية لما يحدث الآن. لقد صفعها ووصفها بالعاهرة تمام كأمها. غلت الدماء في عروقها وتصاعد الأدرينالين في مخها. نظرت له وقالت بحكمة رجل يعرف ببواطن الأمور:
– أنا لو زي أمي يا حسان بيه كنت عرفت وجيدة اللي حصل وليه أمي اتطلقت. لتكون فاكرني بت هبلة ومش عارفة شغل الأبالسة اللي داير عليها.
– لا فوق وأعرف أنت بتتكلم مع مين. دا أنا حُسنة والأجر على الله. يعني أنت واللي يتشدد لك بإشارة من صباع رجلي الصغير تروحوا ورا الشمس. أنا لو ساكتة فـ أنا ساكتة بمزاجي، لكن اللي يقرب من جوزي أقسم بالله أمحيه من وش الدنيا.
ابتسم لها ابتسامة ماكرة وهو يتسأل بهدوئه المعتاد:
– عشقتِ ولد القصاص يا حُسنة؟ عرف يضحك عليكِ صح؟
اقترب منها خطوتين بينما هي تراجعت مقابلهم ثلاثة خطوات. التصق ظهرها بالجدار والرعب يدب في أوصالها. احتوى رقبتها بكفه المجعد وقال:
– أوعاكِ تفكري إن إني بتهدد، إني آكلك وأبلع وراكِ بكوبية قهوة وأحلف إن إني معرفش حد بالاسم ده.
ختم حديثه قائلاً:
– لا وأجيب شهود.
خرج بشار من غرفة المكتب بعد أن اطمئن على زين وعُمر. هرع نحو الجد وحاول فك قبضته من حول رقبتها وهو يقول:
– بكفاية لحد كده يا جدي، بكفاية بقى!
ترك الجد حسان يده وقال بنبرة آمرة:
– أنتِ ها تفضلي هنا وها نبعت لفؤاد القصاص يجي ياخد ولده وبعدها نطلبوا الطلاق.
– وأنا مش موافقة.
– غصب عينكِ إني كلمتي تتنفذ.
نظر الجد لبشار وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
– البت دي تترمي في الدار مطلعش منها واصل لحد ما زين يطلقها وتوفي عدتها، بعدها عُمر يكتب عليها وأح…
عقدت حُسنة ساعديها أمام صدرها وقالت بنبرة محذرة لكنها مبطنة، والجد يعلمها جيداً:
– أنا عاوزة أروح مع جوزي يا وجيدة، ودا عشان بحر الدم ما يتفتحش أكتر من كده.
سارت بخطواتها الواثقة، وقفت أمامه وقالت:
– ودا لمصلحتك صدقني. أنا بخاف عليك يا أبو وجيدة. ها قلت إيه؟
طالعها الجد بنظرات نارية، ثم عاد ببصره لحفيده بشار وقال:
– خليها تغور من هنا، وأني بعدين أتحدد وياها.
غادر الجد بخطواته التي لا تتناسب مع عمره، بينما كانت حُسنة تتبختر في مشيتها وهي تخبر الجد قبل أن يغادر:
– ربنا يخليك لينا يا أبو وجيدة، دا العشم برضه.
تابعت حديثها بنبرة ساخرة لكن بين طياتها وعيد. لحقه تهديد حين قالت:
– راجعة لك عشان نتحاسب يا جدو.
❈-❈-❈
في شقة خالد ووجيدة، كانت تطهي الطعام لشخص واحد. لم تصنع لزوجها أي طعام. منذ تلك الليلة التي لم يكتمل فيها زواجهما وعادت الأمور أسوأ من ذي قبل. لقد ردت له الصاعين صاعين. ثأرت لنفسها حين اتهمته بأنه ليس الرجل المناسب لها. هي نفسها لا تعرف لماذا فعلت هذا. كان كل شيء يسير بشكل طبيعي حتى تحدثت بطريقة لاذعة لا يتقبلها أي رجل في محله.
ظنت أنه يسألها لماذا هذا ويعتذر لها في النهاية، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن. تركها تأنب حالها على ذلة لسانها، بل إهانتها له.
نظرت لساعة الحائط وجدت أنه على وشك الوصول من عمله الذي بات يجلس فيه أكثر من اللازم. أطفأت الموقد وبدأت في سكب وجبتها. تحاملت على نفسها متجهة نحو المائدة، وضعت الطعام ثم جلست على المقعد. كادت أن تأكل لكن دخوله قطع عليها تناولها.
ابتسمت له عله يبتسم، لكنه تبادل بابتسامة شديدة التكلف. نظرت للصندوق الذي يحمله بين يده ولم تعلق على شيء. جلس على المقعد المقابل وبدأ في تناول وجبته التي ابتاعها قبل عودته. إن كان هذا مشهد تمثيلي فهم ممثلون صامتون. تنحنحت وجيدة وقالت بهدوء:
– النهار ده معادي مع الدكتور خليل عشان الجهاز الجديد وكنت رايدة أمشي بدري شوية عشان الحج العيادة.
مضغ لقيماته بهدوء شديد وقال:
– روحي مطرح ما تحبي، إني برا حساباتك أصلاً.
سألته بنبرة حزينة قائلة:
– لسه زعلان مني؟
رد على سؤالها بسؤال آخر وقال:
– مين إني؟ والله ما زعلان، أنتِ عندك حق، مش إني الراجل اللي ينفعك جايز يكون…
ردت وجيدة مقاطعة بهدوء:
– إني عارفة إني كنت غبية في تصرفي ده بس صدقني إني كان قصدي أوجعك كيف ما أوجعتني مش أكتر.
ابتسم لها بمرارة وقال:
– وجعك وصل وخدتي حقك، زعلانة ليه؟ أعتقد إنك لازم تفرحي، أنتِ خدتي بتارك مني وقدرتي تردي حقك مش كده؟
– إني آسفة يا خالد واللهِ ما كان قصدي واصل.
– ما تعتذريش يا بت الناس، الموضوع انتهى خلاص وصدقيني مأ زعلان منكِ واصل. إني بس زعلان على حاجة تانية.
سألته بفضول وقالت:
– حاجة إيه دي؟
أجابها بهدوء:
– خسرت صفقة كبيرة قوي وكانت ها تنجلني نجلة تانية واصل.
ردت قائلة:
– أحسن.
نظر لها ولم يعقب على شماتتها. كنها ردت مصححة نيتها قائلة:
– مش قصدي والله يا خالد، إني قصدي إن أنت بتتعب وتشقى وفي الآخر تعبك كله بيروح لحد تاني واصل. ليه كده يا واد الناس؟
– قصدك إيه؟
– قصدي إنك تفتح شركة جديدة، مش شرط يا سيدي شركة، كفاية مكتب صغير.
– بعد ما كنت مدير تنفيذي في شركة أبوي أبقى صاحب مكتب صغير!!
ردت شارحة وهي تقف عن المقعد وتلملم بقايا الطعام:
– الصغير مسيره يكبر يا خالد، وبعدين ما أنت ياما اشتغلت ورجعت بيتك الفجر والآخر خدت إيه؟ ولا حاجة. لكن لما تتعب وتشقى في مالك هتلاقي تعبك ده بعد كده ولعيالك من بعدك.
حمل باقي الصحون وسار خلفها بنفس خطواتها البسيطة وبدأ يحدثها عن الفمرة التي ألقاها في ملعبه. ولج المطبخ خلفها وقال:
– أيوه بس المكتب هياخد وقت كبير على ما الناس تعرفه!
ردت وجيدة بنبرة تحفيزية قائلة:
– بالعكس، مين قال كده؟ أنت ليك ما شاء الله علاقات كتيرة قوي وزينة مع الناس تقدر تعمل كل ده وأكتر في بحر سنة بالكتير.
بدأت الفكرة تروق له وهو يؤكد على حديثها قائلاً:
– سنة إيه؟ بالعكس بعلاقاتي دي هتبقى في ست أشهر بالكتير. دي غير الدعاية اللي ها أعملها في كل مكان.
– شفت بقى لما بتفكر بتعمل شغل زين إزاي؟
– إني من بكرة الصبح ها أمشي في إجراءات المكتب وأفتحه.
رد بتساؤل قائلاً:
– بس هافتح المكتب ده فين؟
– افتحه في حتة زينة وتكون الرجالة بتدب فيها عشان يتشهر بسرعة.
اتسعت عيناه فرحاً وقال:
– هنا؟
سألته وجيدة بعدم فهم وقالت:
– هنا فين يا حبيبي؟ معلش ما أخدتش بالي.
أجابها خالد بهدوء قائلاً:
– هنا يا وجيدة، في شقتي.
ردت موضحة بسبابتها قائلة:
– قصدك شقتي إني يا جلب وجيدة، إني مش أنت!
ردت خالد بجدية مصطنعة وقال:
– أنتِ مش طالبة الطلاق من كام يوم؟
اقتربت منه محاوطة خصره وقالت:
– دي من كام يوم يا حبيبي، ميبقاش جلبك أسود كده. دي شقتنا ومش ها اسمح لحد يبعدني عنها واصل، ولا حتى أنت.
رفع ذقنها بأنامله وقال:
– دلوقتي بقيت كده ليه؟
ردت بابتسامة واسعة ونبرة ناعمة:
– طول عمرك يا حبيبي.
حاول خالد فك يدها المحاوطة لخصره وقال بجدية مصطنعة:
– إني مش قادر أنسى اللي حصل من كام يوم. بعدي عني، وإن كان على الشقة إني أبقى أجيب لك غيرها.
تشددت في ضمتها له ووضعت رأسها على يسار صدره ثم قالت:
– بس بقى عشان مش قادرة أسامح حالي على حديثي وياك من يومها. يلا قل لي بحبك.
عاد برأسه للخلف وهو يطالعها بنظرات متعجبة تبدو شهية وجميلة، لكن عنادها سيظل حائلاً بينهما. عاد برأسه مسنداً بذقنه فوق خاصتها متنهداً بعمق، حدثها عن ما يجيش في صدره من خوف وقلق، تلك الأيام القادمة التي لا يعرف ما الذي سيحدث فيها.
عادت المياه لمجراها بين خالد ووجيدة ولم يتحدث أحدهم عن الماضي، فهو لا يحبذ هذا النوع من العتاب حتى لا تفتح أمور لا يحمد عقباها.
❈-❈-❈
في مساء نفس الليلة، جلس بشار أمام جده ليخبره بما يكمن في قلبه. طالعه في هدوء عجيب. على ما يبدو أن الجد جسده مع بشار وعقله في تهديدات حُسنة. هتف عدة مرات بخفوت قائلاً:
– جدي، يا جدي.
– في إيه يا بشار؟
– رحت فين؟ بكلمك من الصبح وأنت مش معايا واصل.
رد الجد بضيق ظاهر على ملامح وجهه وقال:
– معلش بس راسي فيها مليون حاجة.
سأله بشار وقال:
– خايف من حُسنة مش كده؟
نظر الجد لحفيده ولم يرد عليه، بينما تابع بشار قائلاً:
– ما تخافش يا جدي، حُسنة لو كانت رايدة تتحدت كانت عملتها من زمان. دي مجرد تهديد خايب مش أكتر.
دب الـ جـد عكازه وقال بغضب:
– وإني متهددتش.
تابع بوعيد قائلاً:
– صبرك عليّ يا حُسنة، بكره تعرفي كيف ترفعي عينك في أسيادك. معلش الصبر حلو برضو.
سأله بشار بجدية عله يعرف ما يدور برأس الجد وقال:
– ناوي على إيه يا كبير؟
رمقه الجد وقال بابتسامة ماكرة:
– ها تعرف كل حاجة في وقتها يا بشار.
تنحنح ثم عاد من جديد لسؤاله:
– كيفه جبل؟
رد بشار وقال:
– لسه تعبان.
– وجدك سالم كيفه؟
– زين يا جدي، بس لسه بيشك فيّ.
– حقه يا ولدي، اللي شافه منا مش شوية. أنت بس خليك كيف ما أنت مبين للناس كلها عداوتنا وحاول على كده ما تقدر ما تجيش المزرعة.
– ليه؟
– النهار ده حُسنة شافتك ودي حاجة مهمة بالنسبة لها وها تستخدمها ضدك مليح.
– والعمل؟
– سيب لي حُسنة، إني ليا تصرف تاني و خليك أنت في بيت جدك سالم اليومين دول، ووقت التنفيذ أنت خابر ها تعمل إيه زينا.
ابتسم الجد وقال بتباهي:
– الأسياد فرحانين برجوعك يا بشار، والشيخ المرعي مكنش مصدق روحه.
ختم حديثه قائلاً بهدوئه المريب:
– مبروك حبل مرت.
تبدلت ملامح بشار وقال بضيق:
– عرفت كيف؟
ضحك الجد وقال:
– إحنا بنعرفه الطالع والمكشوف، مش ها نعرفه إن مرتك سقطت قبل كده وحبلت تاني؟
ختم حديثه وقال:
– سقوط مرتك كانت جرصة ودن من الأسياد. خلي بالك يا بشار، إحنا لينا عيون في كل مكان.
وقت ما تفكر تجل ويانا ها تكون أنت ومرتك واللي في بطنها في خبر كان.
❈-❈-❈
داخل غرفة خديجة وبشار، كان شارداً فيما دار اليوم من أحداث سريعة ومتلاحقة. نظرت له خديجة ثم قالت بابتسامة واسعة وهي تضع يدها على باطنها:
– الظاهر يا شمس يا حبيبتي إن بابا في عالم تاني ومش فاضي لنا خالص.
انتبه لندائها للمرة الخامسة وهو يقول باعتذار:
– بتنادي يا ديجا، معلش كنت سرحان شوية.
– لا دا واضح إن مش معايا أساساً. مالك في إيه؟
بلع بشار لعابه وقال:
– ديجا، إيه اللي يخليكِ تزعلي مني وتبعدي عني؟
ردت على سؤاله بسؤال آخر وقالت:
– وأعمل كده ليه أصلاً إذا كان كل حاجة بتزعلنا من بعض بعدنا عنه.
تابعت بهدوء وهي تنظر له:
– إلا إذا كنت رجعت لشغل الدجل والشعوذة من تاني يا بشار؟
طالعته بينما هو حاول التهرب من نظراتها. أعادت وجهه لها وكررت سؤالها قائلة بتوجس:
– اتكلم يا بشار وصدقني ها أقف جنبك زي ما بعمل دايماً. رجعت للعالم ده تاني؟ قول إن جدك غصب عليك، لكن مستحيل تكون رجعت له بمزاجك؟ ساكت ليه؟ رد واتكلم.
فرغ فاه بشار ليعترف لكنه توقف فجأة وعيناه تتسع عن آخرها. نظرت خديجة خلفها حيث ينظر بشار. كادت أن تصرخ لكنه منعها وقال بهدوء:
– أوعاكِ تصرخي، أوعاكِ يا خديجة.
رفع الدثار عن جسده متجهًا نحو الباب. وضع يده على المقبض الحديدي وحاول فتحه لكنه لا يعرف، وكأن يد من حديد هي الممسكة به.
ابتعد قليلاً وتنفس بعمق وهو مغمض العينين. فجأة انفتح الباب وكأن شيئًا لم يكن. خرج من الغرفة ليصدم بما هو أسوأ. لقد سيطر الجد حسان على بيت الجد سالم وبدأت المعركة المنتظرة. كان الجد سالم وأحفاده جالسين في بهو البيت يحاولون السيطرة لكن دون جدوى. نظر له الجد وقال:
– وحدك يا بشار اللي تقدر تردهم. اقرأ يا بشار.
حررهم يا بشار يا ولدي.
نظر بشار ليد زوجته المتشبث به وهي تحثه على فعل ذلك لانقاذ الجميع. لقد وقع في الاختيار. إما أن يحرر بيت الجد سالم بأحفاده وينتصر الشر كعادة حسان، أو يقبل بحر ق أسياده وطردهم من المكان قبل معرفة محل جثة وجيدة وانتشالها من قبرها.
ماذا يفعل؟ هزته خديجة في كتفه ليعود من شروده بعد تدمير البيت بالكامل. حسم أمره وهو يقول:
– سيبهم يا جدي ياخدوا اللي هما عايزينه.
سأله الجد سالم بذهول:
– أسيبهم ينبشوا في الجبور؟
تراجعت خديجة وهي ترى بأم أعينها زوجها يعود من جديد لما كان يفعله من قبل. وضعت يدها على فاها، بلعت لعابها بصعوبة بالغة. نظر لها بشار وحاول أن يقترب منها لكنها رفضت وقالت:
– اياك تقرب لي يا خاين العيش والملح. طلقني وإياك تحلم في يوم إنك بنتك ولا ابنك لأنك متستاهلش تكون أب. كفاية عليك طاعة الأسياد اللي أنت واحد منهم…
بُترت باقي حديثها بعد أن حدث هزة أرضية جعلت الجميع يتحركون من أماكنهم. حاول بشار مساعدة خديجة قدر المستطاع. هدرت بصوتها كله قائلة:
– إيه اللي بيحصل ده؟ في إيه؟ عليا ساكت ليه؟
قم فهمني أنا فين وأنت مين وإيه جبنا هنا؟
بشار بشار.
هزته وهي تردد من بين دموعها قائلة:
– بشار، إيه الدم اللي في صدرك ده؟ بشار رد عليا، ساكت ليه؟ بشـ….
يتبع….
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هدى زايد
لم يمتثل لأمرها واقترب ليحدثها، لكنها لم تستمع لحديثه بل صفعته صفعة مدوية ثم قالت:
– اخس على القلب اللي حبك وحلف يكون معاك رغم كل بلاويك السودا. طلقني وإياك تحلم في يوم إنك بنتك أو ابنك، لأنك متستهلش تكون أب. كفاية عليك طاعة الأسياد اللي أنت واحد منهم.
بُترت باقي حديثها بعد أن حدثت هزة أرضية جعلت الجميع يتحركون من أماكنهم. حاول بشار مساعدة خديجة قدر المستطاع.
هدرت بصوتها كله قائلة:
– إيه اللي بيحصل دا؟ في إيه؟ عليا ساكت ليه؟ قوم فهمني أنا فين وأنت مين وإيه جبنا هنا.
بشار.
هزته وهي تردد من بين دموعها قائلة:
– بشار، إيه الدم اللي في صدرك دا؟ بشار رد عليا ساكت ليه؟ بشـ...
كادت أن تهزه مرة أخرى لكن يد الجد سالم منعتها من ذلك. جثا على ركبتيه مناديًا على أحد أحفاده ليساعده في رفع بشار عن الأرض.
لم تعد شيئًا، هل هو يساعده لأنه الطيبة من شيمه أم لأن بشار يستحق المساعدة.
عاد لوعيه بعد مرور عشر دقائق كاملة. جلس متربعًا وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة. نظر لجده وقال بنبرة منهكة:
– الشيخ المرعي مات.
اتسعت أعين الجد بسعادة وقال:
– عرفت كيف؟
أعطى بشار كأس المياه لحفيد الجد ثم قال:
– لسه مبلغني دلوقتي.
بلع لعابه وقال:
– كده استحالة جدي يعرف مكان الجبر وينبش فيه إلا بمساعدة أسياده، ودول خلاص اتحبسوا ومحدش هيعرف يخرجهم.
وضع الجد سالم يده على كتف بشار وقال بسعادة:
– عفارم عليك يا بشار يا ولدي، هو ده اللي أنا منتظره منك. راجل صح وكده كلمتك.
تابع بقلق وقال:
– أنا خايف عليك يا ولدي، أنت كده خنت العهد وده عقابه كبير قوي عندهم.
ردت خديجة من بنبرة مرتعشة وقالت:
– يعني إيه؟ يعني ممكن بشار يجرا له حاجة؟
ابتسم لها بشار ابتسامة شديدة التكلف وقال كاذبًا مطمئنًا إياها:
– محدش هيقدر يعمل لي حاجة، أنا حبستهم كلهم.
ردت بحزن دفين:
– طب والجرح اللي في صدرك دا من إيه؟
رد الجد قائلاً:
– دي محاولة منهم عشان يرجع عن الطريق اللي هو ماشي فيه، والحمد لله ربنا ستره.
تابع الجد وهو ينظر لبشار:
– اسمع يا ولدي، أنت مش هتسيب الدار دي، هتفضل ويانا وقيمان جبل. هنعالج أخوك وهيعيش حياته كيف باقي البشر.
رد بشار وقال:
– معلش يا جدي، مش حابب أسبب لك أذى، أنا هاخد أخويا ومرتي ونمشي من هنا.
رد أحد أحفاد الجد وهو يمد يده تجاه بشار وقال باسمًا:
– حط يدك في يدنا ونحارب الشر ونجضي عليه. قوم يا شيخ بشار داوي أخوك وخلي بالك منه، ده أمانة ربنا هيسألك عليها يوم الدين.
نظر بشار لزوجته التي أومأت برأسها علامة الإيجاب. ساعدته في النهوض ليضع يده في رجب الذي يكبره بعامين. تحامل على نفسه رغم الألم التي يشعر بها في جسده.
نظر للجد وقال بأدب:
– بعد إذنك يا جدي، ها روح لـ جدي حسان.
تحامل الجد على نفسه وقال بهدوء وحكمة:
– خابر يا ولدي، رايد تروح له بس صدقني كده زين، البعد هو الحل الأصلح للكل، على الأقل في الوقت ده.
– طب وعمر ولد عمي ها سيبه كده لـ شيـ ـطانه؟
تنهد الجد وقال بابتسامة بشوشة:
– عمر عاجل وهيعرف الصح من الغلط. اللي كان متسلط عليه كان شديد قوي، وأهو راح مع اللي راح.
نظرت خديجة للجد وقالت بعدم فهم:
– أنا مش فاهمة حاجة خالص يا جدي، إيه اللي حصل وماله عمر؟
ابتسم لها وقال:
– معلش يا بتي، جدرك تدخلي في عالم متعرفيش عنه حاجة واصل.
تابع موضحًا:
– عمر وجع ضحية جديدة لـ حسان. فضل واره لحد ما كان عاوز يعمل فيه كيف اللي عمله في بشار.
نظر الجد لبشار وقال بامتنان:
– بس بشار ولد حلال وعرف ده وقرر يساعده.
عادت لعدم فهمها للأحداث من جديد. تنهدت ثم قالت:
– يعني طول الفترة اللي فاتت دي عمر مكنش هو عمر اللي نعرفه؟ وجده كان مسيطر عليه بتصرفاته؟
رد الجد وقال بهدوء وحكمة:
– مش بالضبط كده، بس عمر كان ماشي في سكة اللي يروح ما يرجعش منها واصل.
تنحنح رجب وقال بأدب:
– بعد إذنك يا جدي، رايد أغير لـ بشار على جرحه قبل ما يتلوث.
رد بشار وقال بامتنان:
– متشكر يا رجب، إني زين، ده جرح سطحي.
ردت خديجة بتساؤل يتخلله الخوف:
– هو أنت كده يا بشار حبست بسم الله اللهم احفظنا العفاريت والجن في البيت هنا؟ احنا كده مش هنتأذى؟
ضحك الجد وقال باسمًا:
– متخافيش يا بتي، البيت متحصن بآيات الله. وبعدين بينا وبينهم عالم تاني واصل، يعني لو حد فتح لهم يبقى بشار.
رد بشار وقال بنبرة حزينة لكن حاول تغييرها:
– أو جدي يقدم قربان من دمي عشان يجددوا العهد معاه ويساعدوا في فتح المجبرة.
تغيرت ملامح الجد لكن سرعان ما عاد لثباته الانفعالي وقال بمرح مصطنع:
– متقلقش يا ولدي، جدي حسان عشان يعمل اللي بتجول عليه ده محتاج حد تاني زي الشيخ المرعي، وأظن إنه ما معاهملش ده دلوقتي.
رد بشار وقال:
– تبقى متعرفش أخوك زين يا جدي.
– للأسف يا ولدي، خابره زين وربنا وحده اللي قادر يخلصنا من شره ده.
❈-❈-❈
داخل غرفة حُسنة وزين.
كانت جالسة على المقعد المقابل للفراش تستمع لتساؤلاته العديدة وترد بكل صدق.
ابتسمت له وقالت بهدوء:
– أنا مش مجبرة أبرر لك ولا أحلف لك عشان تصدقني، بس أنا فعلًا معرفش مين جال كده لعمر. حاجة تانية، كيف أنا ها كلمه كده وأنا مش ضايجة أبص في خلقته من يوم اللي حصل؟
رد زين على سؤالها بسؤال آخر وقال:
– وهو ده السؤال اللي بسأله لنفسي كل شوية، إزاي حُسنة توعدني بحاجة وترجع فيها؟
ردت حُسنة مقاطعة زين قائلة:
– اسمعيني يا زين، أنا مش واحدة لامؤاخذة كيفها تعشق الرجالة ومش هاكذب عليك وأقول إن عمر ده مكنش في بالي ولا كنت هأحبه. أبقى كدابة على نفسي وعليك برضه.
تابعت موضحة مغزى حديثها:
– بس برضه تصرفات عمر في الفترة الأخيرة كانت نابعة من قلبه المحروق على حبيبته اللي عنادته واتجوزت غيره. يعني في نظري عمر معذور.
طحن زين على أسنانه وهو يستمع لمبرراتها لحبيبها السابق أو الحالي لم يعد يعرف بعد كل هذه التصريحات. بينما هي تابعت حديثها قائلة:
– ده ما يمنعش إنه غلطان من ساسه لراسه كيف ما بيقولوا. أنا بعدته أكتر من مرة عني، وعليك كان كل ما يجي هنا كنت بتعرف، ولما كان بيتكلم في التليفون من رقم غريب كنت بعرفك. ودي لأني مش واحدة خاينة، دي لأني بحافظ على اسمك اللي أنا شايله دلوقتي.
ختمت حديثها وقالت:
– شوف رايد تعمل إيه وأنا مستعدة وقيمان متنازلة عن كل حقوقي، لأنها ببساطة مش من حقوقي.
نظر لها زين وقال بمرارة:
– أنتِ عاوزة إيه؟ وصدقيني ها عمله وأنا راضي من كل قلبي، حتى لو طلبتِ الانفصال، وده حقك طبعًا، لأن الحب مش بالعافية وأنا مقبلش على نفسي إني أجبرك على حبك ليا.
وقفت حُسنه عن المقعد بـ هرجلة مما جعل المقعد يسقط أرضًا وهي تقول:
– أنا عاوزة أطلق عشان أنت مش رايدني، والحب مش بالعافية كيف ما بتقول، ولا أنا قايمة أقبل على نفسي أتذل لك عشان تحبني يا ولد القصاص.
ختمت حديثها قائلة:
– مرتاح كده؟
سارت بخطواتها الواسعة والسريعة تجاه النافذة. وقفت تتنفس بسرعة شديدة وكأنها تعرج إلى السماء. نظرت له ثم عادت ببصرها للنافذة. الابتسامة لا تفارق شفتاه بعد شبه الاعتراف الذي قدمته له أثناء جلسة المصارحة التي دارت بينهما. اتجهت نحوه وقامت بضربه في كتفه ليتأوه بصوت مرتفع، لكنها لا تبالي لصرخاته تلك التي تصدر من بين ضحكاته. لا يفشل في استفزازها. غادرت الغرفة بأكملها بعد أن ثأرت لنفسها منه على طريقتها. حاول أن يستوقفها لكنها رفضت وبشدة.
❈-❈-❈
في شقة وجيدة وخالد.
كان خالد ينهي آخر إجراء بينه وبين الشريك الجديد الذي قرر أن يشاركه في المكتب. كان خالد يشعر بـ سعادة لا توصف. جلست وجيدة على المقعد بهدوء بعد أن تناولت دوائها. وضعت القهوة الساخنة وهي تستمع لسؤال زوجها:
– رجليك كيفها دلوقتي؟
– الحمد لله أحسن شوية.
ترك ما بيده وقال بهدوء:
– اكشفي رجليك كده خلينا نشوفها. حكم إني خابرك زين كلمة الحمد لله عنيدة في الحلوة والمرّة.
ترددت في كشف ساقها خجلًا وخوفًا من ردة فعله، لكن إصراره كان أكبر من هذا الخجل. كشفت عن ساقها بتردد في بادئ الأمر، إلى ساعدها هو بعد تركه للحاسوب النقال.
قام بفرد ساقها وبدأ يفحص الساق المبتورة جيدًا. عاد ببصره لها وقال:
– إيه ده يا وجيدة؟ رجليك متلهبة قوي قوي. من إيه كده؟
ردت بتوتر من ردة فعله وقالت:
– ها أقولك بس متزعجش.
– قولي.
– الجهاز الجديد هو اللي عمل فيا كده، ولما اتصلت على الدكتور خليل قالي أروح له العيادة.
رد خالد بتساؤل:
– وإنتي مرحتيش ليه؟ وليه متكلمتيش وياي؟
ابتسمت بتردد وقالت:
– ما هو أنا كنت مشغولة وياك في حكاية المكتب الجديد دي، وبعدين الصراحة كده إني مستحية أكشف رجلي لـ خليل.
تنهد خالد بعمق ثم قال بغضب مكتوم:
– مستحية تكشفي رجليك على دكتور؟ ماشي، لكن ربنا خلق مكانه مليون دكتورة نفس تخصصه. كان في عقلك يا أم مخ تخين.
– خلاص بقى يا خالد، أنا غلطانة إني جلت لك.
رد خالد بهدوء عن ذي قبل وقال:
– طب معلش حقك عليّ. بعد كده تعرفيني وأنا ها تصرف، بس متسيبش حالك كده.
ردت بنبرة حزينة قائلة:
– حاضر.
جلس حذائها وقال باعتذار:
– خلاص متزعليش مني، والله اتضايقت لما لقيتك كده وإنتِ بتهملي في روحك عشاني.
توسدت صدره بعد أن دفعها بهدوء لتضع رأسها يسار صدره. ردت بذات النبرة الحزينة:
– اعمل إيه يعني؟ جوزي بيحضر لأهم مشروع في حياته، أشغله أنا بـ جلعي دي؟
ربتات خفيفة على رأسها تبعها كتفها وقال:
– ملكيش صالح أنتِ على قلبي كيف العسل. بعد كده ها تزعلي مني واصل يا وجيدة.
نظرت له وقالت بابتسامة بشوشة:
– ربنا يخليك ليا ولا يحرمني منك واصل.
تغيرت نبرتها فجأة وهي تقول بتذكر:
– صح، مش هتروح لأخوك زين؟
سألها خالد بنبرة متعجبة:
– هو أنتِ يا بت ملبوسة؟ إيه الجنان ده؟ تبقي هادية ورومانسية وفجأة كده تهبي مني؟
أجابته بمزاح:
– أيوه، ما أنا بت أبالسة كيف جدي.
تابعت بحنين:
– والله اتوحشته قوي، أبقى آخد حُسنة ونروح له سوى.
– وماله، روحي كيف ما تحبي، بس ترجعي بدري. بحب لما أدخل بيتي ألاقيكِ منورة فيه.
توسدت صدره وهي تغلق عيناها براحة ثم قالت:
– حاضر يا حبيبي، اللي تشوفه.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع كامل.
لم يحدث شيئًا جديد يذكر سوى تغير حالة حُسنة. لم تعد تتحدث كالسابق مع زين. تصرفاتها تغيرت تمامًا. أكثر ما يثير الدهشة في نفس زين ما رآه في أحد الليالِ. قرر أن يسأل وجيدة لعله تعلم شيئًا وتساعده فيما يحدث لزوجته. أما حُسنة، قررت كشف ألاعيب جدها، بمعنى أدق، كشفت ما يحاول إخفائه الجد طيلة الأعوام الماضية.
جلست وجيدة في بهو المنزل الخاص بمنزل زين تستمع إليه بعد أن غادر خالد ليحدث والده قليلًا. حثته على الحديث قائلة:
– اتكلم يا زين، أنا سامعاك زين.
تنحنح زين وقال بحرج:
– مش عارف أقول لك إيه بس يا وجيدة، بس حُسنة متغيرة أوي الأيام دي.
سأله بعدم فهم وقالت:
– كيف يعني؟
صمت لبرهة قبل أن يجيب على تساؤلاتها التي هطلت عليه كالمطر:
– دايما بتكلم نفسها. في علامات في جسمها زي خربشة كده. لما سألتها قالت لي مش عارفة.
نظرت وجيدة له وقالت:
– وبعدين؟
صمت عاجزًا عن التحدث في أسراره الخاصة بينه وبين حُسنة. كانت وجيدة على علم بكل هذه التفاصيل عدا الموعد الذي وضعه زين للانفصال. حاولت رفع الحرج عنه وقالت:
– أنا خابرة العلاقة بينك وبين حُسنة وصلت لفين كمل، وأنا هأفهم. عاوز تقول إيه؟
بلع لعابه وقال:
– لما عمر بعت لي الناس إياهم، بلغوني رسالة في ما معناها إن عمر عارف كل حاجة، وحتى معاد انفصالي منها إمتى. لما سألت حُسنة قالت لي إنها متكلمتش معاه، وأنا واثق من ده، لأنها عمرها ما خبت عني حاجة. بس اللي أنا مستغرب له حاجة تاني خالص.
– حاجة إيه؟
– حُسنة ليه كل يوم بليل من يوم انضربت بالسكينة وهي بتكلم نفسها؟ ودايما تقول لحد ابعد عني.
ردت وجيدة وقالت:
– ما يمكن بتحلم ولا حاجة يا زين؟
رد زين وقال:
– دي بتتكلم وهي صاحية يا وجيدة.
عجز عن الحديث، لكنه قال بالنهاية:
– وجيدة، في تفاصيل مش عارف أتكلم فيها وفي نفس الوقت مش لاقي حد ثقة غيرك يساعدني.
ردت وجيدة وقالت بتفهم:
– طب يا زين، أنا ها أكلم أختي وأشوف الحكاية دي. لو اتكلمت وياي في الموضوع ده يبقى أنا هسألها براحتي وأفهم منها. عن إذنك.
– اتفضلي.
في غرفة حُسنة.
جلست تقلب بين صفحات المجلة بملل كبير. ولجت وجيدة بعد أن طرقت الباب وأذنت لها شقيقتها بالدخول. هرعت نحوها ضمتها لحضنها وقالت بابتسامة واسعة:
– اتوحشتك قوي قوي يا وجيدة.
– وأنا كمان اتوحشتك قوي قوي.
جلستا على حافة الفراش وقالت:
– اقعدي، عاوزة أتكلم معاكِ في كلام مهم.
– وه! اتجلب لسانك يعني جدي لو شافك بتتكلمي مصري هيزعلك.
ابتسمت حُسنة بجانب ثغرها وقالت:
– وأنتِ لسه بتقولي له يا جدي؟
سألتها بنبرة متعجبة قائلة:
– أومال أقول إيه يعني يا حُسنة؟
أجابتها بابتسامة قائلة:
– تقولي له يا باب.
ردت وجيدة ضاحكة:
– ما هو أبويا برضه، مرحناش بعيد.
– لا يا وجيدة يا حبيبتي، هو فعلاً أبوك.
– يعني إيه؟
– يعني أنتِ بنت جدي يا وجيدة، أقصد أنتِ عمتي، أخت أبويا، مش أختي أنا.
لجمت الصدمة لسان وجيدة، غير مدركة ما يحدث أمامها. هل ما تتحدث عنه حُسنة هو صحيح أم لا. بينما تابعت حديثها قائلة:
– تحبي أقولك رجلك اتبترت إزاي يا وجيدة؟
ردت وجيدة ذاهلة:
– أنتِ بتتكلمي صح يا حُسنة؟
ردت حُسنة بنبرة صادقة استشعرتها وجيدة وهي تقول:
– والله العظيم بتكلم جد، وجد الجد كمان. أنتِ بنت جدي حسان. عارفة ليه جدي طرد أمي من الصعيد ومش راضي يرجعها؟
سألتها وجيدة بشرود:
– ليه؟
أجابتها حُسنة قائلة:
– عشان اكتشف حقيقته القذرة. جدك.
تابعت بنبرة ساخرة مصححة لها اللقب:
– قصدي أبوكِ كان راجل له نجاسة وزنيات. عرف على واحدة راقصة أكلت بعقله حلاوة. اتجوزها عرفي وجاب لها شقة بره البلد وحملت فيكِ. قالت له يكتب عليها شرعي عشان يثبت نسب الطفل اللي في بطنها، بس هو رفض. سابها تموت بعد ولادتك، كانت تعبانة ومحتاجة مستشفى. رماها زي الكلـ ـبة من غير أكل ولا ميه وأخدك وكتبك على اسم ابنه وقال يربيكِ بدل ما مراته اللي هي أمك المزيفة مبتخلفش. في الوقت ده أمي كانت عايشة في البيت وعرفت. قالت مجرد تهديد إنها ها تفضحهم لو عملوا كده، بس حسان كان ملعون وقدر غصب على بابا يطلقها وكانت حامل فيـ...
ختمت حديثها بنبرة مغتاظة والغضب والشر يتطاير من عينيها قائلة:
– خافت تقول إنها ولاحسن يقتلني. كل ده عشان محدش يكشفه. كنت عارفة من زمان.
بلعت لعابها بغصة وقالت:
– مش أنا بس، أنا وعمر وحتى بشار، كلنا كنا عارفين حقيقته القذرة وساكتين عشانك أنتِ. أنتِ الملاك والحسنة الوحيدة في حياة حسان، وهو يستحق الموت.
كانت وجيدة تشعر بالأرض تميد من تحتها. كادت أن تفقد الوعي بعد هذا الكم من الاعترافات. وضعت يدها فوق رأسها وقالت:
– بكفاية يا يا حُسنة، بكفاية لحد كده.
هدرت حُسنة وقالت بصوتها المرتفع:
– لأ مش كفاية، لا مش ها أسكت كيف زمان. والله لأفضحه في كل مكان. لو فاكر إني ها أسكت تاني يبقى بيحلم. أنا مش ها أسيب جوزي لقمة سهلة في عيلة الدهشوري. وعرف حسان وعمر اللي ها يفكر يقرب لزين هيلاقيني أنا في وشه. وعليا وعلى أعدائي.
قررت وجيدة أن تغادر المكان. لم تعد تتحمل ما حدث. ما زالت حُسنة تتحدث وتصرخ وتتوعد للجميع بأن تثأر لزوجها، بينما هي كانت في حالة يرثى لها.
❈-❈-❈
في ساعات الأخيرة من الليل.
كانت حُسنة في فراشها تشعر بأنفاس ساخنة بالقرب من رقـ ـبتها. الفراش دافئ رغم عدم وجود زين الذي كان يقف أسفل المياه المتدفقة. لاحت ابتسامة خفيفة وهي مغمضة العينين محاولة تحريك رقـ ـبتها بدلًا بالغ. تمتمت بخفوت:
– بس بقى يا زين.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هدى زايد
حاولت أن تلتفت للجهة الأخرى لكن وجدت يد من حديد تقبض على خصرها. حاولت فكها في بادئ الأمر ظنًا منها أنه يشاكسها، لكنها صرخت بصوتها حتى شعرت بأن أحبالها الصوتية تأذت.
خرج زين من المرحاض على عجل، مكتفيًا بالبنطال البيتي، وجسده يقطر مياهًا دافئة. اتجه نحوها، جلس على حافة الفراش، فـ ارتمت في حضنه وقالت بتلعثم:
– الحقني يا زين، في واحد كان هنا دلوقتي، والله العظيم كان هنا في السرير.
نظر لها نظرة متعجبة ثم قال بهدوء:
– مين دا بس يا حسنة، ما فيش حد يا حبيبتي.
ردت بنبرة صارخة:
– إزاي بس، والله العظيم كان هنا، بيقول لي إنه عاوزني.
سألها بهدوء ظاهري:
– عاوز إيه يا حسنة، قولي؟
بلعت لعابها وقالت:
– عاوزني، والله العظيم قالي إنه عاوزني أنا، كنت فاكرة إنك أنت اللي نايم جنبي.
تابعت بخوف وذعر:
– طب حط ايدك هنا، هتلاقي لسه السرير دافي، كأن حد كان لسه فيه.
تحسس زين مكان يدها وقال:
– السرير متلج يا حسنة.
وقعت عيناه على رقبتها المختلطة بالإحمرار، وكأنها كانت تمارس الحب معه، وهذه آثار تلك الليلة. شكوكه بعد هذه الليلة تحولت لحقيقة.
طلبت منه أن يبقى بجانبها هذه الليلة.
– مالك يا زين، بتبص لي كدا ليه؟
– تعالي ننام يا حسنة، عشان شكلك تعبانة ومحتاجة ترتاحي.
– أنا مش مجنونة يا زين.
سحبها لحضنه وقال بنبرة صادقة:
– عارف يا حسنة، بس اللي بيحصل لك دا حد له يد فيه.
– يعني إيه؟
– يعني بكرة لازم نعرف مين معانا ومين علينا.
نظر لها ثم ربت ربتات ناعمة على وجهها وقال بنبرته الحانية:
– نامي وارتاحي يا حبيبتي، وبكرة نشوف الحكاية دي.
اقتربت منه متشبثة في رقبته، هتفت برجاء وهي مغمضة العينين:
– ما تسبنيش يا زين، خليك معايا، طول ما أنت جنبي بحس بأمان.
أرخى جفنيه وهو يسند برأسه على رأسها. حاول أن يأخذ قسطًا من الراحة لبدء أولى جولاته في صباح الغد.
بعد مرور ساعة تقريبًا.
استيقظت حسنة من نومها متجهة نحو المرحاض. ولجت ولم تنتبه لوجود ذاك الشبح. كادت أن تقضي حاجتها إلى أن خرج من الجدار جسد بدون رأس، تبعها جسد برأس ولكن بلا ملامح. كادت أن تصرخ، لكنها استطاعت وبقوة بالغة أن تركض. خرجت من المرحاض وهي تبكي من فرط خوفها. هتفت بعد أن عجزت ساقيها سير شبرًا واحدًا.
استيقظ زين وجدها ملقاة أرضًا. تمتم بالبسملة وهو يرفع عنه الدثار وقال:
– مالك يا حسنة، في إيه، إيه وقعك كده؟
ردت بذعر وهي تقبل يده وكادت أن تقبل ساقه قائلة:
– أبوس إيدك يا زين، أبوس رجلك، خلينا نمشي من هنا، أبوس رجلك، أنا مرعوبة، في ناس شكلها غريب بتخرج من الحيطة.
ربت زين على وجهها وقال بنبرة حانية:
– حاضر يا حبيبتي، حاضر، هعمل لك اللي أنتِ عاوزاه، قومي معايا نرتاح شوية، والصبح نمشي من هنا خالص.
ردت حسنة قائلة بذعر:
– لا، مش عاوزة أنام في الأوضة دي، مش عاوزة الأوضة دي، أنا خايفة.
كادت أن تكمل حديثها لكنها هدرت بصوتها ما إن وجدت إحداهن تشير بيدها بأن تأتي إليها.
– اهي يا زين، الست اللي بقول لك عليها، اهي.
استدار زين نصف استدارة للمكان الذي تشير إليه زوجته، لكنه يجده هادئًا خاليًا من أي شيء. نظرت لمكان آخر وبدأت تشير على شيء آخر. على ما يبدو أن حسنة ترى أشخاصًا من عالم آخر، لكن تُرى من الذي فعل بها هكذا؟
حاول مساعدتها في النهوض لكنها رفضت، مبتعدة عنه بطريقة منفرة. ما الذي حدث لها؟ لماذا تفعل هكذا معه؟ هل أصابتها لوثة عقلية، أم ما تراه يجعلها تنفر منه؟
هدأت تمامًا بطريقة متناقضة لحالتها التي كانت عليها منذ قليل. اتجهت نحو فراشها وتدثرت. حاولت أن تحصل على النوم، تاركة زين في حالة من الدهشة والذهول.
غادر الغرفة بعد أن جذب هاتفه الموضوع على الكومود. تراقصت أنامله على أزرار هاتفه المحمول في انتظار ردًا من وجيهة. لكن دون جدوى. زفر بإحباط بعد أن علم من أخيه أن حالتها النفسية لا تسمح لها بالتحدث مع أحد.
شاح ببصره بعيدًا مفكرًا في الحل البديل. وضعت والدته يدها على كتفه وقالت بنبرتها الحانية:
– حبيب ماما، صاحي ليه لحد دلوقتي؟
استدار لها وعلى ثغره ابتسامة باهتة بالكاد تراها. عقدت ما بين حاجبيها وقالت بتساؤل:
– للدرجة دي زعلانين من بعض؟
– لا يا ماما، حسنة ملهاش علاقة، دا موضوع في الشغل مش أكتر.
سألته والدته بنبرة حانية:
– ومن إمتى زين حبيب ماما بيهمه الشغل، ولا حتى بيدخل أمور الشغل في الحياة الشخصية؟
– مخنوق ومحتاج اتكلم مع حد براحتي عشان أعرف أعمل إيه؟
تابع بنبرة متحشرجة والمرارة تملأ حلقه:
– أبقى أنتِ الحد الثقة دا يا ماما وترجعي زي زمان بير أسراري، ولا أدور على حد غريب.
لم تتحمل والدة زين هذا الكم من العتاب المبطن بين حديث ولدها. جذبتـه لـحـضـنـها، مررتـه على ظـ ـهره بحنان بالغ. أخرجته. حدثته بنبرة حانية تملؤها الصدق وهي تـحـتـوي وجهه بين كفيها وقالت:
– عمري ما أخون ثقتك فيا يا حبيبي، قول لـ بير أسرارك كل حاجة.
نظر لها بنظرة تملؤها الامتنان ثم قال:
– شكرًا يا ماما.
سـحـبـته من يده ثم أجلسته على الأريكة الخشبية وقالت:
– خير يا حبيبي، مين اللي مزعلك؟ احكي لي.
نظر لها طويلًا ثم قال بتردد:
– حسنة يا ماما.
– مالها؟
– أنا نفسي مش عارف مالي.
– يعني إيه؟
أطلق تنهيدة طويلة تعبر عن ما يجيش بصدره. انتظرت والدته حتى يفصح عما بداخله. سكت مليًا ثم قال:
– كانت كويسة وكل حاجة تمام، فجأة كدا من عشر أيام بس انقلب حالها.
– إزاي؟
– بتشوف خيالات غريبة، بتدخل الحمام وتجري زي المجنونة، كل دا كنت مفكرها مجرد أوهام مش أكتر، لحد ما شفت بعيني.
سألته والدته بفضول:
– شفت إيه؟
– بتقول إن السرير دافي كاني موجود فيه وأنا أصلًا بكون برا أو الحمام، في علامات في رقبتها وجسمها.
ردت والدته بنبرة متعجبة قائلة:
– علامات إزاي يعني، خربشة قصدك؟
– الأول كانت خربشة، لكن بقالها يومين علامات من نوع تاني.
تنحنح ثم قال:
– كأننا كنا مع بعض و…
– تمام، فهمتك.
– وحاليًا مش طايقاني ولا طايقة حتى وجودي معاها في نفس المكان.
ردت والدته قائلة بابتسامة:
– يا زين يا حبيبي، دا دلع بنات، وهي عروسة جديدة، جايزة بتحب تعرف غلاوتها عندك.
تابعت بغمزة من عينيها قائلة:
– حاول متبقاش عنـ ـيف، جايز دا…
– ماما، أنا وحسنة لسه متجوزناش بشكل رسمي، أقصد يعني أنا وهي لسه بُعاد عن بعض في الجزئية دي تحديدًا.
سألته بتوتر قائلة:
– ليه يا حبيبي؟ دا أنت بقالك شهر وزيادة، أنت حاسس إنك تعبان ولا حاجة؟
– ماما، أنا الحمد لله كويس وكويس جدًا، بس الموضوع إن حسنة مكنتش بتحبني، ومع الوقت قربنا عاطفيًا، وبصراحة مش مستعجل في الحاجات الباقية، لأن عاوز أكسب قلبها.
ردت والدته بتساؤل:
– طب مجربتش تروح لدكتورة خبيرة علاقات؟ جايز تفهم من حسنة إيه اللي مزعلها منك.
– والـ ـعلامـ ـات اللي في جـ ـسمها وحكاية الخيالات اللي بتشوفها والسرير الدافي رغم غيابي، كل دا محتاجة بردو خبيرة علاقات؟
تنهدت والدته وقالت بهدوء:
– مش عاوزة آخدك لحتة تانية، رغم إني متأكدة إنك منتظر مني دا، بس يا ابني يا حبيبي، مش حاجة تحصل لنا نقول جن وعفاريت، أنت متعلم وبلاش تمشي ورا الـ ـخـ ـزعـ ـبلات دي.
– يعني كلامي صح؟ فعلًا دي حركات جن؟
– جايز، وجايز مجرد تهيؤات، بس خلينا نمشي في الطريق النفسي الأول، لأن 90% من الحالات دي مجرد حالات نفسية.
– كنت ممكن أتفق معاكِ في الموضوع دا لو جدها وعيلتها ملهمش في الحاجات، لكن بعد اللي أنا شفته بعيني مستحيل أتجه لحاجة غير اللي في دماغي.
– وإيه اللي في دماغك؟
– أنا لازم أخلي بشار يشوف حسنة، هو اللي ها يعرف يساعدها.
– تمام، مافيش مشكلة، اعمل كدا، بس بردو خلينا نمشي للطريق التاني وهو العلاج النفسي.
– هامشي في، بس أتأكد الأول من بشار إن حسنة مش عليها حاجة.
تنهدت بهدوء ثم قالت برجاء:
– زين، ممكن أطلب طلب.
– اتفضلي يا ماما.
– هو ينفع ما تقربش من حسنة لحد ما نتأكد إنها تمام؟
– ليه؟
– بصراحة خايفة عليك يا حبيبي، ياريت يا زين تحاول تبعد عنها.
رد زين بابتسامة شديدة التكلف وقال:
– ريحي نفسك يا ماما، هي حاليًا مش طايقة تشوف وشي، مش إني أقرب منها.
❈-❈-❈
داخل غرفة عمر.
يشعر بالضيق لأنه خان عهده مع حبيبته. لقد لمس أحداهن، عفوًا، إحداهن هذه من المفترض أنها زوجته، متى، كيف، وأين لا أحد يعلم. فجأة وبدون سابق إنذار أتى بها لبيت العائلة وأعلن زواجه بشكل رسمي. حدثت الكثير من المشكلات بسبب زواجه السري، ورفضت والدته الاعتراف بهذه الزيجة لأن الزوجة لا أحد يعرفها. لكن إحقاقًا للحق، تبدو في نظر والدة عمر الحمل الوديع، تلك المسكينة لا تعرف للسعادة عنوان. تزوجت بهِ بعد فترة تعارف لم تتجاوز الشهر. أوهمها بالحب، وعندما علمت أنه لا بد له أن يتزوج لأن أحد شروط جده حسان ليسخر له الجان في خدمته، شعرت بالإشمئزاز والنفور من حالها قبل حاله.
كانت جالسة في انتظار يمين الطلاق الذي طلبته بعد معرفة كل شيء. أما هو، فـ كان الصمت هو حال لسانه. قررت أن تنبهه بوجودها، لعله ظن أنها خرجت. هتفت بهدوئها المعتاد:
– أنا موجودة هنا يا عمر، على فكرة، ممكن بعد إذنك ترمي يمين الطلاق.
رد عمر بنبرة تنم عن الضيق وقال:
– يا بت الناس، اغزي الشيطان وشيلي موضوع الطلاق ده من راسك.
ردت زوجته بحدة لأول مرة يراها في حديثها:
– الشيطان ده يبقى أنت، من ساعة ما دخلت في حياتي وأنا مش عارفة أنا بجري وراك ليه وبسمع كلامك زي الهبلة.
رد عمر بصوته الهادئ كـ طباعه وقال:
– عشان بتحبيني يا شمس.
وثبت من مكانها متجهة نحوه وقالت بنبرة مرتفعة:
– بقول لك طلقني يا عمر.
– مش هاطلقك يا شمس.
تابع وهو يربت على خدها بهدوء نوعًا ما:
– واهدي بقى يا شمس، اهدي، عشان اللي في بطنك ده مالهوش ذنب في دبادك دي.
أزاحت يده بابتسامة صفراء وقالت:
– ملكش دعوة باللي في بطني يا عمر، أنا وهو ها نعرف نمشي حياتنا من غيرك، طلقني أحسن لك ما أفضحك في كل مكان وأعرفهم إن الدكتور المحترم طلع دجال وبتاع عفاريت.
رد عمر وهو ينظر للسقف وقال بنفاذ صبر:
– اللهم طولك يا روح.
سألته شمس بنبرة ساخرة وهي تدفعه في كتفه قائلة:
– إيه متعصب ليه يا حبيبي؟ مش دي الحقيقة؟
تابعت بنبرة تحذيرية وقالت:
– والله يا عمر لـ أفضحك يا بتاع حسنة.
رد عمر بابتسامة واسعة في محاولة منه لإغاظتها وهو يضرب بكفه على باطن الآخر وقال:
– والله لـ أتزوج عليكِ واحدة أجمل منك ومن نكدك ده، وتفضل ترقص لي ليل نهار، وأقضي عندها ليلة وعندك ليلة، وتكيدِك يا بومة، وأبقى قولي يا بتاع الحريم كلها بقى، مش حسنة بس.
نظرت حولها باحثة عن أي شيء تهشم به رأسه اللعين، فلم تجد، فقررت أن تصرخ بدلًا من قـ ـتلـ ـه، فهو لا يستحق أن تزج بنفسها في السجن من تحت رأسه.
طرقت والدته الباب ثم ولجت لتفض النزاع اليومي بينهما وهي تقول:
– في إيه يا ولاد؟ بكفاية لحد كده زعيج، الناس ها تتفرج علينا.
نظرت شمس لها وقالت بتحذير:
– قولي لابنك يطلقني بدل ما أروح في داهية.
ردت والدة عمر وقالت بعتاب:
– كده يا شمش يا بتي، وأنا اللي بقول عليكِ عاقلة برضه.
– دي مستشفى المجانين ها تقفل ويفتحوا عنيها.
تابع وهو يداعب خدها قائلاً:
– روحي كده بلاش وجع دماغ أحسن لك يا شمس، قصدي يا بومة.
ضمتها والدة عمر وهي تضرب ولدها بخفة قائلة:
– ضربة في إيدك بعد يدك عنها يا واد، أنت ده كيف العسل.
– عسل أسود وأنتِ الصادقة يا ماما.
دفعت والدة عمر ولدها تجاه زوجته ليعتذر لها بدلًا من إغاظته المستمرة لها. رد عمر على حركة والدته وقال بمرح:
– ده بومة يا ماما وبتدور على النكد بمنشار.
دفعته شمس في صدره وقالت بنبرة مغتاظة:
– مش عايزة مصالحة من حد، وابعد كده لو سمحت، أنا لسه مصممة على الطلاق أصلًا.
أشار بسبابته وقال:
– خليكِ شاهدة عشان لما أصفخها كف يجيب ملامح وشها يبقى عندي حق.
– صح، وأنا أروح فين؟ ومكانتها في قلبك طبعًا مش متحمل لي كلمة، يا بتاع حسنة.
رد عمر وقال بهدوء حد الاستفزاز:
– وبتاع شمس برضه، وقريب ها يبقى عندي واحدة تخلعني وترقص لي، مش كيفك كيف البومة.
وه وه وه، إيه ده؟ عيال أنتوا ولا دكاترة كبار وفاهمين؟ وأنا اللي بقول على ولدي عاقل طلع كياد.
أردفت والدة عمر عبارتها وهي توزع نظراتها بين ابنها وزوجته. أشارت برأسها تجاه عمر وقالت بنبرة آمرة:
– يلا يا عمر، حب على راس مراتك وراضيها.
– هاخد على كده يا ماما.
– تاخد يا حبيبي، طول ما أنا عايشة يحق لها تتخلع كيف ما تحب، يلا يلا بلاش نكد عشان اللي بطنها. أنا هاطلع وأسيبك تراضيها، لو سمعت لكم حس هاجي وأعرفكم مقامكم زين.
خرجت والدة عمر من الغرفة كما قالت، بينما حاول ابنها أن يحتـ ـضـ ـن زوجته قائلاً بنبرة حانية كسابق عهده معها:
– متزعليش، حقك عليّ، خابر إن اللي عملته وياك كان عِفش، بس أنتِ ليكِ مكانة في قلبي.
ردت شمس قائلة بنبرة تملؤها الحزن:
– كان نفسي أبقى في قلبك كله، كان نفسي تحبني ربع حبك لـ….
قاطعه عمر وهو يقول بنبرة صادقة:
– حقك تزعلي مني، لكن أنا رايد أعرفك حاجة، القلوب بيد ربنا، ومش معنى إني ما حبيتكِ قبل الجواز يبقى بكرة كده، ولا العياذ بالله.
رفع ذقنها بأنامله وقال بنبرة صادقة استشعرتها في صوته:
– يشهد عليّ ربنا، معزتك في قلبي كيف، ومين عالم، ما يمكن ربنا يكتب لنا مشاعر حلوة ويا بعضنا، كفاية إن ربنا اختارك من وسط كل الحريم دي كلها وكتبك تبقي نصيبي بعد ما كنتِ مجرد دكتورة بتساعدني في المزرعة.
سألته بنبرة معاتبة قائلة:
– يعني مش ها تتجوز عليا؟
– والله لو ها تخلعيني وترقصي لي، يبقى نجفل على موضوع الجواز ده.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هدى زايد
رفع ذقنها بأنامله و قال بنبرة صادقة استشعرتها في صوته:
– يشهد عليّ ربنا معزتك في قلبي، كيف و مين عالم ما يمكن ربنا يكتب لنا مشاعر حلوة ويا بعضنا. كفاية إن ربنا اختارك من وسط كل الحريم ديه كلها وكتبك تبجي نصيبي بعد ما كنتِ مجرد دكتورة بتساعدني في المزرعة.
سألته بنبرة معاتبة قائلة:
– يعني مش هاتتجوز عليا؟!
رد عليها بنبرة ماكرة و قال:
– والله لو هاتخلعيني وترقصي لي، يبقى نجفل على موضوع الجواز ده.
سألته سؤالًا لم يتوقعه منها في الوقت الحالي، لكن على ما يبدو أنها تريد أن تطمئن قلبها:
– طب وحُسنة مش هاتفتكر ترجع لها؟
اختفت الابتسامة من على شفتاه، لكن سرعان ما تبدلت بأخرى شديدة التكلف و قال بمرارة:
– خلاص، كل واحد مننا راح لحال سبيله.
سألته بمرارة و هي تقول:
– كان ممكن أصدقك لو ما اختفتش ابتسامتك ولا حتى الحزن اللي ملى عينك. بس للأسف، كل حاجة فيك بتأكد إني مجرد فترة مؤقتة في حياتك.
أجابها بابتسامة باهتة، لكن نبرة صوته كانت صادقة بكل كلمة قالها:
– مش هكدب عليكِ وأقول إني بحبك، لا، لسه موصلتش للمرحلة دي. لكن خليني أقول فيكِ راحة ما حستهاش ويا حد قبل كده.
ختم حديثه قائلًا برجاء:
– عشان خاطري يا حُسنة، حاولي تنسيها شوية.
ردت بابتسامة مريرة و هي تنظر له، أومأت برأسها علامة الإيجاب، وقالت:
– حاضر يا عُمر، هنسى إني اسمي شمس، وعشان خاطرك هحاول أصدقك إن حُسنة انتهت من حياتك.
نظرت له بخذلان و قالت:
– شفت هي سهلة إزاي؟!
كادت أن تفر من بين أحضانه، لكنه شدد على ضمته لها و قال باعتذار:
– حقك عليّ، إني آسف. أنتِ ست البنات، ولا حد يقدر يقول غير كده.
لقد فاض بها الكيل لتبكي، وينتهي هذا الدور الذي تحاول رسمه على الجميع، دور المرأة القاسية التي لا يفرق معها تلك التراهات، وأن زوجها كان لديه حبيبة سابقة لا يشغل بالها.
ربما هي بهذه الحساسية بسبب هرمونات الحمل التي تجعلها تشعر بألف شعور في الدقيقة.
❈-❈-❈
بعد مرور يومان.
أتى بشار بمفرده بعد استدعاء من زين على وجه السرعة. علم بكل شيء يحدث لها، على ما يبدو أن الجد حسان أطلق شـيـ ـطاين الجن عليها. قرر أن يحتفظ بهذا السر لنفسه. وأخيرًا، وبعد طول انتظار، تقابلت معه. جلست على المقعد مقابلته. كان يحدث في أحاديث جانبية، عن العائلة تارة، وعن وجيدة التي كشفت لها سر الجد تارة. قاطعته بنبرة هامسة و هي تطرق على سطح المنصة الزجاجي قائلة:
– ابعد عنها يا بشار.
نظر بشار لـ زين آمرًا إياه بالخروج من الغرفة لأن ما سوف يحدث قد لا يناسبه. رفض زين التحرك من الغرفة قيد أنملة. تابع بشار ما يفعله بهدوءٍ تام. بدأ يتمتم بكلماتٍ خافتة. لم تتأثر حُسنة في بادئ الأمر. حاولت التظاهر بالجمود وهي تتطلعه بنظراتٍ ساخطة.
وقف بشار ثم سار بخطواته الهادئة في أنحاء الغرفة. سقطت اللوحة تتبعها المزهرية. بدأ يظهر علامات تفسر له بأن الحجرة محاطة بكم لا يستهان به في نظره. صرخت حُسنة مهددة ذاك المـ لـ عون بكلماتٍ لاذعة. تغيرت طبقة صوتها بأخرى غليظة، وعلى ما يبدو أنها لرجل يعرفه جيدًا. قرأ ما تيسر من القرآن والأذكار المحصنة للبيت والنفس. خلال ساعة متواصلة من القراءة، سكنت حُسنة تمامًا. تكورت حول نفسها شاحبة الوجه، غير قادرة على رفع يدها لتتناول كأس المياه حتى.
ساعدها زين في روي ظمأها وهي تستمع لابن عمها حين قال:
– حُسنة، أوعاكِ تروحي لجدك دلوقت، وأوعاكِ تهملي قراءة القرآن الكريم. وصلاتك حافظي عليها يا بت عمي.
سألته بنبرة منهكة قائلة:
– مين عمل فيني كده يا بشار؟
أجابها بجدية:
– خلاص يا حُسنة، اللي راح راح. إحنا ولاد النهاردة.
ردت بيدها قائلة بنبرة متحشرجة:
– لا، أنا ولاد أبالسة يا واد عمي، وحقي مش هأهمله.
رد بشار بنبرة مرتفعة قائلاً:
– بكفاية لحد كده يا بت الناس، بكفاية بجى. طلعي حالك من اللعبة دي. أنتِ كده هاتخليها تتوحوح.
نظر لـ زين وقال بتحذير:
– أوعاك تخليها تهمل الدار الفترة دي بالذات. العين مترصدها، وجدي مش ها يعدي اللي عملته ليها بالساهل.
تابع بنبرة أهدأ من ذي قبل وقال:
– اهدي يا بت عمي، وحقك ها يرجع لك في وقته، متخافيش. سلام عليكم.
كاد أن يذهب، لكنها استوقفته قائلة:
– مين عمل فيّ كده؟
تجاهل سؤالها للمرة الثانية على التوالي. أجاب على سؤالها قائلاً:
– عُمر؟
نظر بشار لـ زين ثم عاد ببصره لها وقال:
– عُمر مظلوم يا حُسنة.
هدرت بصوتها قائلة:
– اومال مين؟
رد بهدوء قائلاً:
– إجابة سؤالك مش هاتفيدك بحاجة، بالعكس هاتضرك. بعدي عن جدي وأذاه.
تركتها تنادي للمرة الخامسة أو السادسة، لم تعد تعرف هذه المرة كم كان عددها. هدأت قليلًا ثم نظرت لـ زوجها وقالت بعصبية مفرطة:
– فيك إيه؟ بتبص لي كده ليه؟
رد زين قائلًا بهدوء:
– مافيش حاجة يا حُسنة، مافيش. بس الظاهر إنك السبب قبل أي حد في أذى نفسك. ربنا يهديكِ لنفسك وينور لك بصيرتك قبل فوات الأوان.
❈-❈-❈
زفرت بحرقة ما بداخلها، دموعها لا تنفك أبدًا.
حاولت جمع شتاتها والسير خلف الخيط الذي تركته لها أختها أو ابنة أخيها، لم تعد تعلم بأي لقب عليها المناداة.
مكث خالد معها خلال هذه الفترة، محاولاته في التخفيف عنها وتجاوز تلك المرحلة غاية في الصعوبة حقًا. ما عرفه منها خلال الفترة الماضية كان فوق توقعاته وطاقة تحمله.
وضع على سطح المنضدة قدحان من القهوة وقال بنبرة هادئة:
– بكفاية بكي بجى يا وجيدة، ما هايفيدش بحاجة واصل.
نظرت له بنظرة إنـ سـ كار وقالت:
– كيف يعني؟ بين يوم وليلة تكتشف إن لا أبوك هو أبوك، ولا أمك هي أمك، ولا حتى جدك الحتة الحنينة في حياتك يبقى هو جدك. يطلع في الآخر أبوك.
تابعت بمرارة وهي تحاول أن تستوعب ما عرفته حتى الآن متسائلة:
– أيوه، يعني جدي...
توقفت مصححة اللقب وقالت بابتسامة مريرة قائلة:
– قصدي أبوي كان رايد عُمر أو بشار يتجوزني، كيف بجى!!!
تنهد خالد وقال بشفقة وعطف:
– ما هي حُسنة جالت لك إن الكل خابر السر وأنتِ ال….
هدرت بصوتها المرتفع وهي تجوب الحجرة ذهابًا وإيابًا قائلة بصراخ:
– إني الوحيدة اللي كنت كيف الأطراش في الزفة، إني الوحيدة اللي فاهمة إن جدي بيميزني في المعاملة عشان موضوع رجلي، طلع بيعمل كده عشان إني بنته وبنت واحدة رجاسة!!!
وقف خالد محاولًا تهدئتها وهو يحتوي ذراعيها بين كفيه وقال:
– بكفاية يا وجيدة، بكفاية لحد كده، صحتك حرام عليكِ.
أجهشت وجيدة في البكاء وهي تؤمي برأسها يمينًا ويسارًا قائلة بمرارة:
– ياريت ربنا ياخدني ويريحيني من العذاب اللي إني فيه ده، ياريـ….
بُترت باقي حديثها بعد أن شعرت بدوار شديد عصف في رأسها، فقدت الوعي وسقطت أرضًا.
حملها خالد متجهًا بها نحو الفراش، ثم اتجه نحو أحد العطور. بدأت تعود للوعي من جديد.
فتحت عيناها شيئًا فشيئًا، نظرت له وجدته يتوسلها قائلًا:
– عشان يا وجيدة، انسي اللي فات، وخليني نبدأ ويا بعض حياتنا بعيد عن جدك.
عاد يصحح الجملة قائلاً:
– ولا أبوكِ ده.
ابتسمت بجانب ثغرها ابتسامة شديدة التكلف وقالت:
– شفت، أديك اهو مش فاهم هو أبوي ولا جدي. أومال أني أعمل إيه؟
ربت بحنانٍ بالغ على خدها قائلًا:
– ولا حاجة يا حبيبتي. نعملوا كيف ما بشار عمل، نبعدوا عن الشر والأذى ونعيشوا حياتنا كيف باقي الخلق.
سألته بمرارة قائلة:
– طب و إني وأمي اللي معرفلهاش اسم دي، ورجلي اللي انـ جـ ـطعت وأني صغيرة، والـ….
أجابها بنفس النبرة وقال:
– النبش في القديم مش ها يفيد ولا ها يريح. لو كان بيريح كنت أنا بنفسي نبشت فيه. هملي حياتك القديمة وخليكِ معاي أنا وبس. اعتبريني إني أبوك وأخوك.
تابع بمرح لتخفيف الحزن من عليها قائلًا:
– وخيتك لو تحبي كمان، هو صحيح ها يبقى ست عفشة، بس مش بطالة برضك.
ابتسمت ابتسامة عريضة وهي تضع رأسها على يسار صدره. ربت بخفة على خدها وقال باسمًا:
– أيوه كده يا حبيبتي، ابتسمي، خلي الدنيا تنور من جديد.
اختفت الابتسامة تلقائيًا ما إن حدثته بنبرة لا تبشر بالخير أبدًا حين قالت:
– حاضر يا خالد، هنبدأ من جديد وعلى نضافة كمان.
رفع خالد ذقنها لتتقابل نظراته المتسائلة بـ عتمة عيناها. حرك رأسه قليلًا حين قال:
– ناوية تعملي إيه يا وجيدة؟
ابتسمت وقالت بهدوء ظاهري تعجب له وتقين بأنها سوف تفعل شيئًا يفوق توقعاته:
– ما تخافش يا خالد، أنا بس هشوف حسان الدهشوري.
– وبعدين؟
– بعدين دي كلنا هنعرفها في وقتها المناسب. ولحد ما يجي اليوم ده، طلع حالك أنت من الليلة دي، عشان دي شغل ولاد أبالسة على حق.
لم يعد يعرف ما الذي يجب عليه فعله. هل يحدثها وينهاها عن ما يدور في رأسها أم يخبر بشار وعمر لتوخي الحذر؟
على ما يبدو أن هذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأن هذه الهزة التي حدثت داخل وجيدة هي الهزة الأرضية التي تأتي قبل البركان.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع كامل.
تعافت حُسنة صحيًا بشكلٍ كبير. كانت والدة زين تتابع حالتها الصحية لأجل ولدها الذي أوصاها بأن تعاملها معاملة حسنة. في حقيقة الأمر، لا يوجد بداخلها كره لها، كل ما في الأمر أنها لا تتناسب مع المستوى الاجتماعي الذي تعيش فيه والدة زين. ولكن ما دام ولدها يريدها، إذا عليها أن تتجاوز هذه الحقيقة المرة بالنسبة لها وتعامل بشكلٍ أفضل. ظنت حُسنة أن هذه مجرد هدنة وضعتها والدته، لكن بطريقة غير مباشرة، قررت أن تبحث في دفاترها القديمة وتعلن عن السر الذي عرفته بطريقة الصدفة. فالصدفة خدمتها أكثر من مرة منذ مجيئها هذا البيت.
إن لم تصبح المسيطرة على حماتها وأفراد هذا البيت، فوجودها يعني لا فائدة منه. ربما تكون أصابت الهدف وربما لا، لكن لا مانع من زعزعة الاستقرار.
تقابلت مع شقيقتها وحدثتها عن ما يدور برأسها. هدرت وجيدة محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قائلة:
– أوعاكِ يا حُسنة، حرام عليكِ. دي ولية، واللي ييجي على الولايا عمره ما يكسب واصل.
ابتسمت بجانب ثغرها وقالت:
– وه، لساتك طيبة وكيف ما كنتِ؟ فكرتك ها تبجي كيف أبوك حسان.
اكتفت وجيدة بالصمت، بينما ردت حُسنة باعتذار وهي تقترب منها قائلة:
– معلش، مش قصدي، بس إني متغاظة منه ونفسي أفش غلي في أي حد.
ردت وجيدة بعقلانية وقالت:
– الصح بيقول ستر الله من ستر، والولية تابت، يبقى ليه نفتحوا الدفاتر القديمة عشان إيه؟ عشان نشمتوا؟ اللهم لا شماتة. وبعدين، مين قال لك إن إني بنت حسان؟ يمكن شرعًا إني بنته، لكن قانونًا لا، ولا يشرفني أبقى بنته.
نظرت لها حُسنة وقالت:
– الهدوء ده بيطلع من وراه بلاوي. إني خابرة زين كيفك كيف عُمر.
تابعت بنبرة تعلمها وجيدة جيدًا حين أتى اسمه. ظلت تتحدث حتى استوقفتها متسائلة:
– إني شايفة نظرة كده مش ولا بُد، خير إن شاء الله؟
تابعت وجيدة بصوتٍ هادئ ونبرة تملؤها التحذير قائلة:
– زمان كنت بقول يا حُسنة، عُمر واد عمك وبيحبك وأنتِ بتحبي. دلوقت بقول حافظي على بيتك يا بت أبوي، عشان زين راجل صح، ولو طال يجيب لك نجمة من السما ما هيقصرش واصل. وبيحبك يا حُسنة.
– إني كمان بحبه يا وجيدة، ده كيف السكر بيخلعني ويجلي لي ستي وتاج راسي اللي نورت دنيتي وبقت في حياتي شيء أساسي.
– وه، وأنتِ هتقولي له إيه على كده؟
– هقول له بحبك صح، لما تطرد أمك من الدار، يا تجيب لي دار غيرها، وأبقى راسي براس أمك في الدار والشركة.
– وقال إيه على كده؟
– جالي: بس دي أمي. جلت له: إني ولا أمك يا زين.
– جالي: أنتِ ياروحي طبعًا. وفي الآخر عرفت إنه بيلعب علينا إحنا الاتنين وطردني أنا وأمه من الشركة، وجال مافيش حريم بتشتغل.
– والله عَال يا يا حُسنة! علمتي زين يحكي صعيدي.
– أيوه، وهو علمني، ونصر أمه عليّ. والله ما هعديها على خير، بنت الحيزبونة دي إني يا هي.
– حُسنة، عن إذنك بجى يا وجيدة، عشان سيدي زين جه ولازم أقوم أحضر له الغدا.
ردت ضاحكة وهي تقف عن حافة الفراش وقالت:
– لا خليكِ، إني اللي هامشي، زمانه خالد على وصول، هبقى أكلمك في التليفون أطمن عليكِ.
❈-❈-❈
بعد مرور يومان.
كان زين يلج غرفته بخطواته الواسعة والسريعة باحثًا في خزانته عن سلاحه الناري. على ما يبدو أن لن يهدأ أحدهم حتى تُزهق روح كلاهما وتستدل الستار على حياة الاثنين.
ولجت حُسنة تتحدث بنبرة مرتفعة مانعة زوجها من ارتكاب جريمة جديدة. لم يُجدِ الرجاء والتوسلات نفعًا. هدرت بصوتها قائلة:
– اللي رايد تقتله ده يبقى أخوك الكبير.
رد زين بابتسامة ساخرة وقال:
– والله على أساس إن كده خلاص مش هبطل آخد حقي منه؟
تابع زين بضربة من يده على الجدار وقال:
– البيه دمر لي المشروع الجديد، تعب وشقى خمس سنين راح في غمضة عين يا ست هانم.
وقفت حُسنة مقابلته وقالت بصوت لا يقل حدة وغضب قائلة:
– مش هو عُمر مظلوم؟ صدقني يا زين، مش هو.
سألته بمرارة في حلقه قائلًا:
– ياااه، للدرجة دي مش قادرة تنسي البيه حبيب القلب؟
أجابته وهي تقترب منه قائلة بنبرة صادقة استشعرها في حديثه وهي تحتـ ـضن كفيه:
– والله ولا فارق لي، ومافيش حبيب في قلبي غيرك يا زين، بس ليه نظلمه؟
ربت زين على كتف حُسنة وقال:
– اطلعي أنتِ منها يا حُسنة، أنا هعرف إزاي آخد حقي من عُمر.
هدرت بصراخ قائلة:
– أنت كده بتـ ـقتل أخوك يا الكبير يا زين! حرام عليك، بكفاية دم لحد كده بجى.
نظر لها زين بدهشة وذهول شديد. حرك رأسه وقال بعدم استيعاب:
– أنتِ بتقولي إيه يا حُسنة؟
ردت حُسنة بهدوء حد الاستفزاز قائلة:
– بجول إن أنت ود عمي يا زين، مش بس جوزي، بجول إن أنت وعُمر اللي كل يوم والتاني بتـ ـضر بوا عشاني، يبقى أخوك من لحمك ودمك الكبير.
هدر زين قائلًا بصوت مرتفع:
– مستحيل! أنتِ عارفة ده معناه إيه؟
– عارفة.
– عرفتي منين و…
ردت بهدوء شديد قائلة:
– صدقني يا زين، الأسئلة الكتيرة ملهاش لازمة، لأنها هاتفتح في أبواب ربنا وحده يعلم هاتتجفل كيف. بكفاية لحد كده خراب.
حرك زين رأسه وقال بذهول شديد:
– مستحيل، مستحيل ده يكون حقيقي.
تابع بتساؤل كالمجذوب:
– مين قالك؟ عرفتي إزاي؟
رفعت حُسنة الهاتف نصب عيناه بعد أن ضغطت زر التشغيل ليستمع لما هو أسوأ من حقيقته الجديدة. على ما يبدو أن والدته كانت مساعدة إبليس، وهو أصبح ابن إبليس، لتصبح حُسنة بالنهاية زوجة ولد الأبالسة.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هدى زايد
صدقني يا زين، الأسئلة الكتيرة مالهاش لازمة لأنها هتفتح أبواب ربنا وحده يعلم هتتجفل كيف، بكفاية لحد كده خراب.
حرك زين رأسه وقال بذهول شديد:
– مستحيل، مستحيل دا يكون حقيقي.
تابع بتساؤل كالمجذوب:
– مين قالك؟ عرفتي إزاي؟
رفعت حُسنة الهاتف، نصب عيناه بعد أن ضغطت زر التشغيل ليستمع لما هو أسوأ من حقيقته الجديدة. على ما يبدو أن والدته كانت مساعدة إبليس، وهو أصبح ابن إبليس، لتصبح حُسنة بالنهاية زوجة ولد الأبالسة.
***
كانت والدته جالسة في بهو الفيلا مع والده يحتسّان القهوة المسائية. هدر بصوته الجهوري وهو يهبط سلالم الدرج. نظرت والدته له بنظرات متعجبة، وسألته بهدوء:
– مالك يا زين يا حبيبي؟ فيه إيه؟
رد على سؤالها بسؤال آخر قائلاً بصوت مرتفع:
– صحيح، عُمر يبقى أخويا الكبير؟
ابتسمت بتهكم وهي تضيق حدقتها، محاولة التظاهر بالصدمة وعدم الاستيعاب، وهي تقول:
– إيه التخاريف دي يا زين يا حبيبي؟ إزاي يعني؟
ضرب زين بيده على صدغه وقال بمرارة في حلقه:
– أنا اللي بسأل حضرتك. عقلي أنا اللي مش قادر يستوعب إن أنا أبقى أخو ألد أعدائي.
احتوت كفيها بين راحتيه وقال برجاء ونبرة تملؤها الانكسار:
– أبوس إيدك يا ماما، ريحي قلبي وقولي إن اللي عرفته دا مش حقيقي. قولي إن عُمر مش أخويا وإن كل دا مجرد أوهام.
وضع والده قدح القهوة على سطح المنضدة وقال بهدوء ونظراته لا تُبرح تلك الماثلة أمامه:
– طول ما أنت ماشي كيف الحمار ورا بت الدهشورية، هتبقى كده وزيادة. بس أني عاذرك برضك، ما هو أنت حبيت واللي بيحب بيبقى كيف الحمار ماشي ما يفهمش حاجة. واصل، أني عندي شرط قبل ما أقول لك الحقيقة.
استدار زين تجاه والده بهدوء ظاهري يتناقض مع تلك النيران المتأججة بداخله، وقال:
– اتفضل يا بابا.
أشار فؤاد القصاص تجاه زوجة ابنه وقال:
– ترمي اليمين على بت الدهشورية كنوع من رد الاعتبار لأمك.
رد زين بعصبية مفرطة وقال:
– بابا، إيه دخل حُسنة في الكلام دا؟ وأنا بقول لحضرتـ...
وقف والد زين وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
– أني جلت اللي عندي خلاص.
تنهد زين وهو مغمض العينين، ثم فتح بصره وهو يضع شرطه مقابل شرط أبيه:
– طب يا بابا، أنا حابب أسمع الأول اللي حضرتك هتقوله، وبعدها أنا اللي هقرر إيه اللي يناسبني وأرد اعتبار أمي بالطريقة اللي ترضيك طبعًا.
نظرت والدة زين لزوجها رافضة أن يفصح عن ما حدث في الماضي، لكنه تجاهل نظراتها المتوسلة وقال بغضب مكتوم وهو يقف بجوار زوجته داعمًا لها كما يفعل دائمًا في مثل هذه المواقف.
***
خروج متواصل، هدوء مريب، وغضب مكتوم. كل هذا وأكثر داخل بشار الذي كاد أن ينفجر من فرط غيظه الشديد بسبب تصرفات ابنة عمه التي تجاوزت الحدود الموضوعة لها.
ظل يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، وعلى أذنه هاتفه المحمول يستمع لكل كبيرة وصغيرة حدثت في منزل حُسنة. أسبوعان كاملان مرا عليها لا تعرف عن زوجها أي شيء، منذ خروجه مع والده لخضوعه لتلك التحاليل الوراثية التي تثبت صحة اتهامات حُسنة من عدمها.
هدر بشار بصوته الجهوري قائلاً:
– وأنتِ كيف تتحدتي في حديث ملكيش صالح بيه؟ تنقذي مين وتهببي إيه؟ عليكِ وعلى دماغك السم دي!
وقفت خديجة جوار بشار وهي تربت على كتفه قائلة:
– براحة يا حبيبي، ضغطك هيعلى.
لم يستمع زوجها لطلبها وقال بصوت مرتفع:
– بكفاية لحد كده يا حُسنة. أني الغلطان اللي عرفتك شغل أمه زمان.
ختم حديثه ساخرًا منها وقال:
– مبروك عليكِ الطلاق. رجوع زين ما هيكون سهل أصلًا، وبكرة تجولي يا ولد عمي جالها.
أغلق الهاتف في وجهها بغضبٍ جَمّ، بينما هي عادت لمحاولاتها الفاشلة للوصول إليه. تنهدت بعمق وهي تنظر لإحدى المجلات الخاصة بالموضة والجمال. التقطت إحداهما وبدأت تقلب بين صفحاتها بملل شديد.
طرقات خفيفة ثم ولج بعدها. وقفت والسعادة تضيء وجهها، أقبلت نحوه لكنه وضع كفه مانعًا إياها من الاقتراب بحميمية، والتي كانت ستفعلها ولأول مرة. يا له من تعيس الحظ حين أرادت الاقتراب، ابتعد هو.
وقف زين مقابل حُسنة يطالعها لآخر مرة قبل أن يخبرها بقراره الأخير. وضع بينهما ورقة، تناولتها منه وعلى وجهها نظرات الاستفهام. سألته بنبرة متعجبة قائلة:
– إيه دا؟ دي ورقة التحاليل بتاعتك؟
رد زين بجمود وقال:
– لا، دي ورقة طلاقك.
تابع وهو يضع ورقة أخرى صغيرة وقال:
– ودا شيك في جميع مستحقاتك المادية. اعتبريها هدية طلاق.
نظرت حُسنة بجمود، لا تعرف من أين أتت به، لكنها اعتادت على أن ينشطر قلبها ولا تبكي. سألته بنبرة متهمة قائلة:
– سمعت كلام أبوك؟
شاح بوجهه تجاه النافذة ثم عاد ببصره لها وقال بهدوء ظاهري:
– أنا سمعت كلام العقل. وأعتقد بعيدًا عن اللي حصل، أنا كنت متفق معاكِ على الانفصال. مفرقتش بقى، سبنا بعض بسبب مين؟
أومأت له برأسها علامة الإيجاب، وتقول بمرارة في حلقها:
– عندك حق.
تابعت بعدم اكتراث وهي ترفع إحدى الأوراق وقالت:
– مش محتاجة لفُلوسك.
ألقاها في وجهه، بينما هو أرخى كفيه وهو عاقدًا ساعديه خلف ظهره. ثم رفعت وثيقة الطلاق وقالت بمرارة:
– دي بس اللي تفرق لي، ومش محتاجة منك غيرها. ربنا يوفقك مع واحدة تقدرك وتسعدك.
خطت بخطواتها الواثقة تجاه باب الغرفة، وضعت يدها على المقبض الحديدي. وقبل أن تفتح الباب، استوقفها دون أن يستدير:
– حُسنة، نسيتِ لمي هدومك.
ابتسمت ابتسامة شديدة التكلف وقالت دون أن تستدير:
– ابقى اتبرع بيهم.
فتحت الباب بغضب مكتوم، خرجت من الحجرة متجه نحو سلالم الدرج. هبطت وهي مرفوعة الرأس شامخة لا تهتز. لم تتأثر ظاهريًا بهذا الانفصال. كادت أن تتجاوز والديه، لكن صوت فؤاد القصاص استوقفها قائلاً بشماتة:
– لو كان زين عمل غير كده، كنت جلت إنه مش ولدي. صح؟ خروجك من الدار دي يعني خروجك من الجنة.
نظرت له وقالت بابتسامة واسعة:
– الجنة بتاعتك دي، الله الغني عنها. خروجي من هنا يعني نجاتي من عالم قذر. سوى كنت أو حسان الدهشوري.
هتف زين باسمها محاولًا فض المشدة الكلامية بينها وبين والده. نظرت للأعلى لتستمع إلى كلماته الأخيرة قبل أن يأمرها بكل هدوء للخارج، قائلاً:
– من فضلك، كفاية لحد كدا، واتفضلي مع السلامة.
كزت على أسنانها بغيظ شديد، لم تكن تعلم أنه سينصر والديه بهذه الطريقة. غادرت المكان دون أن تلتفت خلفها. ما إن عبرت البوابة الداخلية وجدت السائق الذي عينه زوجها. عفوًا، سابقًا. أن تتقبل الأمر وتعلن هزيمتها. استوقفها قائلاً بأدب:
– زين باشا أمرني أوصل حضرتك لأي مكان تحبي.
ردت حُسنة بنبرة مغتاظة قائلة:
– قول للباشا بتاعك إني مش محتاجة لخدماته من بعد النهاردة.
تركته يحاول معها مرة أخرى لكنها رفضت وبشدة. سارت بخطوات هادئة وهي مطأطأة الرأس، لا تعرف إلى أين تذهب. تبادر في ذهنها وجيدة، لكنها تذكرت سفرها للقاهرة لمواصلة إجراءات الطرف الصناعي.
لم يعد أمامها سوى العودة لبيت حسان الدهشوري. توقفت سيارة الأجرة عند منزل الجد. أمرت حارس البيت أن يدفع له أمواله.
ولجت، وقبل أن تطرق الناقوس، وجدته جالسًا على مقعده الوثير يسند بذقنه على الرأس الشيطانية المثبتة على عكازه. ابتسم لها وقال بشماتة:
– طلجك ولد القصاص؟ مبروك، زين ما عمل يا حُسنة.
تابع بشماتة واضحة وضوح الشمس قائلاً:
– والله طلع راجل، ولو عمل غير كده كنت جلت إنك ساحرة له.
ابتسم ملء شدقيه وقال:
– ما أنتِ بت أبالسة وتعمليها.
ضحك حتى اهتز جسده. وطأت قدم، وقبل أن تطئ الأخرى منعها قائلاً:
– على فين؟
– هدخل داري.
أشار حسان بيده المجعدة للخلف وهو يقول:
– دي كان زمان قبل ما تبجي مرات زين القصاص.
تابع بشماتة واضحة قائلاً:
– قصدي اللي رماكِ بطول دراعه ونصر أبوه وأمه عليكِ.
تبدلت ملامحه كما تتبدل السماء الصافية بأخرى ملبدة بالغيوم، وقال:
– امشي برا، وأوعاكِ تخطي خطوة واحدة وتدخلي الدار دي تاني أصلًا.
سألته حُسنة قائلة بدهشة وذهول شديد:
– بتطردي حفيتدك في نص الليل؟
رد الجد حسان بملامح لا تنم سوى الشر وهو يدب بعكازه قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش:
– وأقتل أبوي لو عصى أمري. امشي لبرا بدل ما أخلي الحريم ترميكِ للكلاب السكك.
بصقت حُسنة على جدها وهي تسبه سبابًا لاذعًا. استدار لتبحث عن طريق جديد تقضي فيه الساعات الأخيرة من الليل. خرجت من المنزل بأكمله، سارت بخطواتها الهادئة وكأنها عجوز لا تستطع الحراك.
استوقفها عُمر وهو يتساءل بلهفة قائلاً:
– حُسنة! كيفك وإيه مخرجك الساعة دي؟
رفعت حُسنة بصرها وجدت حبيبها السابق، وبجانبه زوجته شمس تضع يدها على باطنها المنتفخ قليلًا إثر الحمل. ابتسم شبح ابتسامة وهي تقول:
– كيفك أنت يا عُمر؟ أني راجعة داري.
سألها بنبرة مغتاظة وقال:
– دلوه! وحدك! وفين البيه جوزك؟ سايبك وحدك ليه؟
بلعت غصتها بمرارة وهي تناجي ربها ألا تسقط دموعها أمامه. تنحنحت ثم قالت:
– زين طلقني، وجدك طردني.
لجمت الصدمة لسان عُمر، والتزمت شمس الصمت لحين الوصول لبيتها. بينما هو قال باستفهام:
– متى حصل دا؟ وإيه اللي حصل؟ وليه جدي طردك من الدار؟
ردت بسرعة قبل أن تشير لسيارة الأجرة وقالت بلكنة قاهرية قائلة:
– ما تشغلش بالك يا عُمر، بس بشار كان على حق. عمومًا، أشوف وشك على خير.
هبط عُمر من سيارته ووقف مقابلتها بعد أن استقلت سيارة الأجرة وقال:
– أنا ما فهمتش حاجة أصلًا. رسيني يا حُسنة، عمل فيكِ إيه ولد القصاص ده؟
صرخة داخلية حين ذكر اسمه. بلعت لعابها بمرارة ثم قالت بابتسامة باهتة:
– كل خير يا عُمر.
تابع بجدية قائلاً:
– اطلع على محطة القطر يا اسطى.
رد عُمر بلهفة قائلاً:
– هتعاودي مصر تاني؟ لا، أدلي وإني هاخلي جدي يدخلك البيت، ولو ما رضاش أني هاجيب لك أحسن شقة وتعيشي فيها، بس تعاودي مصر تاني.
لم يعجبها تلك النبرة. لو كانت محل شمس لدمرت العالم من أجل حبيبها. قررت أن تضع حدًا له قائلة:
– روح لأم عيالك يا عُمر. اتأخرت عليها. ربنا يحفظها لك وتقوم بالسلامة. خلي بالك منها، هي أولى باهتمامك ده. سلام يا بن عمي.
أمرت السائق للمرة الثانية. تحرك السائق في طريقه لمحطة القطار. أما عُمر عاد لزوجته، بدأ يسرد لها ما حدث. لو لم تحدثها وأخبرها بما حدث لفعلت ما لا يحمد عقباه. لكنه كان أذكى رجل عرفته في حياتها. وصلا أخيرًا لحجرتهما.
بدأ يتساءل عن السبب. عقله لا يهدأ عكس ملامحه التي تظهر لها أن الأمر لا يعنيه.
دام الصمت لأكثر من ساعة كاملة. ظن أنها في سبات عميق. نظراته لهاتفه كطفل صغير يود شيئًا ويخشى عقاب أمه. مد على جانبه الأيسر يتأمل ملامحها.
ملس على بشرتها الناعمة. فتحت عينيها وهي تقول بمرارة:
– اطلبها واطمن عليها يا عُمر. اطلبها وطمن قلبك اللي مش عارف ينام ويغمض له جفن.
طالعها بنظرات حائرة. رغم تصريحها له بالاتصال، إلا أنه لم ينفذ ما قالته له. قرر أن يحدث عن ما يجيش في صدره قائلاً:
– أبقى كداب لو جلت مش قلقان عليها، وأبقى أناني لو سمعت كلامك وحددتها في التليفون. أنتِ مرتي وكرامتك من كرامتي. لو محافظتش عليها قصاد الناس يبقى أني مبحكيش.
ردت شمس بمرارة قائلة:
– طب ما هو أنت مش بتحبني يا عُمر. إحنا مش هنكدب على بعض.
ابتسم لها وهو يسند بباطن كفه على رأسه وقال:
– بس على الأقل بنحاول، وعدينا مرحلة زينة جوي جوي. مش هاجي بعد دي كلها أتهاجاه وأدوس عليكِ. وكـ...
كاد أن يكمل حديثه لكن رنين هاتفه الذي صدح في المكان. استدار بوجهه تجاه الكومود، التقطه ثم وضع نصب عينيها وقال:
– بشار ولد عمي.
ابتسمت لمصارحته في كل خطوة يخطوها. رفعت كتفها وقالت بدلال:
– وأنا ماسألتكش.
– شوف إزاي جال يعني. الفضول ما كانش هيفوت من عينها.
– طب رد كده، ها يضايقك؟
كاد أن يرد لكنه تجاهل المكالمة وقال:
– لا، اتخانقنا النهار ده، وتلاقي عايز يراضيني.
عقدت ما بين حاجبيها متسائلة بنبرة متعجبة:
– اتخانقتوا ليه؟ إنتوا طول عمركم مع بعض، وبشار بيعاملك زي أخو.
– لا، دي عركة كده تافهة كيفه. بكرا هتلاقي جالي وراضاني.
– أنا مش فاهمك، ليه عاوزة يجي لك هنا؟ مصمم على كده بقالك فترة.
رد بكذب وقال:
– رايد أصالحه على جدي. ولو جلت له كده هيجلب عليّ كيف ما عمل النهار ده كده.
***
داخل عربة القطار، كانت حُسنة تفكر فيما حدث لها. لا تعلم أن هناك عين ترصدها. كانت شاردة في اللاشيء.
أما الرجل الذي يتخفى في جلباب أسود ووشاح من نفس اللون، رد على هاتفه وقال:
– بقى لنا ساعة وزيادة في القطر، لا وحدها. حاضر، اللي تشوفه. ساعتك هكون كيف ضلها، وبعدها ها نفذ اللي جلت عليه. ماشي، مع السلامة يا كايد.
أغلق الهاتف ثم دسّه في جيبه وعاد يدعي النوم. أما هي فغلبها النعاس بالفعل. الوقت يمر والمسافة طويلة، لم تصل بعد. ضاق صدرها من كل شيء. قررت أن تعود للنوم على المسافة الطويلة تنتهي وتصل للقاهرة.
***
في صباح اليوم التالي، كانت والدة حُسنة تصنع لابنائها شطائر الجبن قبل ذهابهم للمدرسة. كانت تتحرك على المقعد المتحرك الذي حصلت عليه بمساعدة أحد فاعلي الخير الذي رفض عدم ذكر اسمه.
بينما كانت حُسنة تضع يدها أسفل خدها، نظرت لها والدتها وقالت بتساؤل:
– مالك يا بت؟ مضايقة ليه؟
– ياما، بقولك اطلقت، اطلقت. وبتسألي زعلانة ليه؟
– يا أختي، بركة.
– الله يبارك فيكِ يا ياما. ارتاحتي دلوقت؟
– يا بت يا عبيطة، بكرة يرجع ويردك. هو يقدر يستغنى عنك؟
– يا أما، بعد كل اللي قلته دا، وعرفتي عنه، بتقولي يرجعني؟ إيه الثقة دي؟
ردت والدتها قائلة بنبرة واثقة وهي تغلق الباب بعد خروج آخر أولادها:
– هو بيحبك. لما عمل كدا، عمل مش عاوز المشكلة بينك وبين أمه تكبر.
ردت حُسنة بعصبية قائلة:
– بقى أنا راضية؟ ضميرك ده كلام، أنتِ نفسك مقتنعة بيه أصلًا؟
– الصراحة، لا.
– ولما هو لا، بتقولي ليه حرقة دم وخلاص؟
– يا أختي، بشوف حل وبحاول أصبرك.
– ما تصبرنيش، خليني في اللي أنا فيه.
– قولي لي يا بت، هو جدك قالب عليكِ ليه؟
ردت حُسنة قائلة بنبرة مغتاظة قائلة:
– عشان قلت لوجيدة إنها عمتي مش أختي.
– يالهوي! هو أنتِ اتسحبتي من لسانك وقلتِ!
– آه، وهو سلطهم عليا.
– هما مين دول يا بت؟
لم ترد حُسنة على سؤال والدته. استطرد بتعب شديد:
– أنا ها قوم أريح لي شوية. أنا منمتش، والطريق مرمطني.
لوت والدتها فمها وهي تقول بحسرة:
– عيني عليكِ يا بنتي، طول عمرك شقية وصابرة. ولما اتجوزتي، جوزك مرمطك عشان خاطر أمه. يلا الله يسامحه.
وقفت حُسنة عند باب الحجرة وقالت بتذكر:
– صحيح، ياما. مبروك على طلاقك أنتِ كمان.
تابعت بنبرة ساخرة:
– ابقي فكريني نكتب على باب الشقة: شقة المطلقات.
ردت والدتها بنبرة حانية:
– بكرة ربنا يحنن قلبه عليكِ وترجعيه لبعض يابنتي، وتعيشي زي باقي البنات.
بعد مرور ساعتين، استيقظت حُسنة على صوت ناقوس الباب.
نهضت من فراشها، فتحت الباب وجدت رجلًا ماثلًا أمامها. سألته بهدوء قائلة:
– خير، مين حضرتك؟
رد الرجل وقال:
– دا بيت حُسنة طه، حسان الدهشوري؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب، وقالت:
– أيوه، أنا. خير في إيه؟
أشار الرجل وقال:
– اتفضلي استلمي.
– إيه دا؟
– هتعرفي بعدين. من فضلك امضي.
وقعت حُسنة على الورق، وما إن غادر الرجل، بدأت تفتح الظرف بجوار أمها. قرأته بعينيها ثم تنهدت بإحباط وهي تقول:
– بدأنا بقى وجع القلب.
– في إيه يا حُسنة؟ ومين اللي بعت لك الجواب؟
– دا عُمر.
– وعاوز إيه؟ عُمر مش اتجوز خلاص؟
– بيقول إن لازم نتجـ...
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل السادس عشر 16 - بقلم هدى زايد
استيقظت حسنة على صوت ناقوس الباب.
نهضت من فراشها، فتحت الباب وجدت رجلًا ماثلًا أمامها.
سألته بهدوء قائلة:
– خير، مين حضرتك؟
رد الرجل وقال:
– دا بيت حسنة طه حسان الدهشوري؟
أومأت برأسها علامة الإيجاب، وقالت:
– أيوه أنا، خير في إيه؟
أشار الرجل وقال:
– اتفضلي استلمي.
– إيه دا؟
– ها، تعرفي بعدين، من فضلك امضي.
وقعت حسنة على الورق، وما إن غادر الرجل بدأت تفتح الظرف بجوار أمها. قرأته بعينها، ثم تنهدت بإحباط وهي تقول:
– بدأنا بقى وجع القلب.
– في إيه يا حسنة، ومين اللي بعت لك الجواب؟
– دا عمر.
– وعاوز إيه عمر؟ مش اتجوز خلاص؟
– بيقول إن لازم نتجمع.
– تتجمعوا ليه بقى إن شاء الله؟ هو الواد دا مش متجوز وجاي له عيل في السكة؟
تابعت بشك قائلة:
– بت يا حسنة، الواد عمر دا هو السبب في طلاقك، ولا أنتِ اللي السبب؟ ما حكيتيش لي؟
ردت حسنة بنبرة متأففة قائلة:
– مش هو يا ماما السبب، أنا اللي كنت السبب، ها أقولها لك للمرة الكام عشان تصدقي!
سألتها والدتها بنبرة ساخرة قائلة:
– أومال بيبعت لك جوابات ليه يا عنيا؟ وتجمع إيه دا اللي تتجمعوا؟
تنهدت حسنة بعمق وهي تقول:
– ريحي نفسك يا ماما، ما فيش في دماغي حاجة من اللي في دماغك دي، أنا خلاص لا أنفع للحب ولا غيره.
تابعت بنبرة حزينة قائلة:
– أنا يا ماما اللي خرّبت على نفسي، أنا اللي عشان أشيل تهمة من على واحد مظلوم وما يروحش في الرجلين، كشفت سر بقاله سنين وما حدش يعرفه، إن حقيقته إيه ولا لأ.
اختتمت حديثها بندم قائلة:
– يا ريتني سمعت كلامك يا بشار واحتفظت بالسر لنفسي، ما كانش حصل اللي حصل. زين عشان يرد اعتبار أمه زي ما أبوه قال، داس على قلبي أنا.
سألتها والدتها بفضول قائلة:
– هو زين كان بتاع أبوه وأمه يا بت يا حسنة؟
ابتسمت حسنة ابتسامة باهتة وهي تتذكر مواقفها معه، وهي تقول:
– زين لا بتاع أبوه ولا أمه، ولا حتى مراته. زين كان راجل بجد، كان بيوزن الأمور بالعقل والحكمة، ويشوف الصح فين ويعمله. وعشان يرد اعتبار أمه، داس على قلبي أنا. أنا عاذراه، هو معاه حق، واحدة قالت كدا على أمه وطلعت كدابة، تقعد على ذمته تاني ليه؟
ردت والدتها بنبرة متعاطفة قائلة:
– عيني عليكِ وعلى بختك يا بنتي، حبيتِك رجالة كتيرة، بس محدش فيهم يعرف قيمتك صح.
تابعت بجدية قائلة:
– ها تروحي الصعيد تاني وأنتِ لسه جاية منه؟
ردت حسنة بهدوء وهي تعتدل في جلستها وقالت:
– مش ها أروح في حتة، أنا خلاص قطعت علاقتي بالناس دي. أنا ها قعد هنا أشوف حالي وأشوف هبدأ من تاني إزاي.
اقترحت والدتها عليها قائلة:
– اطلبي ورثك في أبوكِ، هو آه جدك الله ينتقم منه ها ياخد نصه في بطنه، بس أهو أحسن من ما فيش.
حركت حسنة رأسها حركة بلا معنى ثم قالت:
– ورثي إزاي بس يا ماما؟ وبابا ميت قبل أبوه وكمـ…
ردت والدتها مقاطعة قائلة:
– ومين قال لك إن أنا بتكلم عن ورث طه في مال أبوه يا عبيطة!!
سألتها حسنة باستفهام قائلة:
– أومال أنتِ بتتكلمي عن إيه بالظبط؟
أجابتها والدتها بجدية قائلة:
– جدك سالم.
– مين جدي سالم دا؟
– جدك سالم دا أخو جدك حسان، الله ينتقم منه، بس من أبوه.
– ودا علاقته إيه بالورث بس؟
– علاقته يا قلب أمك إن أبوكِ، الله يرحمه، اشترى منه البيت اللي هو قاعد وكتبه باسمك بيع وشراء.
– وأنتِ عرفتي الكلام دا إزاي؟
لوحت والدتها بشفتيها وقالت بحسرة:
– ما هو دا كان شرطي عشان أأمن مستقبلك بعد اللي عرفته عن جدك وأبوكِ. قالي أعمل لك إيه عشان ترجعي لي أنتِ وبنتي؟ قلت له اكتب لبنتك البيت الجديد عشان لو حصل لك حاجة تبقى بنتي تلاقي حاجة. قامت كتب نص البيت والنص التاني بتاع جدك سالم.
نظرت حسنة لوالدتها وقالت بنبرة متعجبة قائلة:
– وأنتِ عرفتي الكلام دا كله إزاي؟
سألتها والدتها بنبرة مغتاظة قائلة:
– أنتِ عبيطة يا بت ولا غبية؟ بقولك كان شرطي على أبوكِ عشان أرجع له.
تابعت بنبرة حزينة حاولت إخفائها وهي تقول:
– أيام ما كان لي خاطر عنده، وبدلع على حسّه وأطلب اللي أنا عاوزاه وهو يقول لي حاضر، زيك كدا مع زين.
ختمت عباراتها قائلة بحسرة قائلة:
– عيني على بختي وبختك يا بنتي، ما لناش حظ في جوازاتنا.
قررت حسنة أن تتجاهل حسرات والدتها، والتي على ما يبدو أنها لن تنتهي هذا اليوم. وقفت عن الأريكة متجهة نحو حجرتها الجديدة. الشقة بأكملها لا تتماثل مع المرحاض الذي كان بغرفتها.
على كلٍ، لا يهم ما كانت فيه وما آلت إليه في الأوان الأخيرة، عليها أن تتأقلم من جديد على وضعٍ جديد كُتب عليها.
❈-❈-❈
على الجانب الآخر، وتحديدًا داخل حجرة زين، كان ممددًا في فراشه ناظرًا لسقف الغرفة. من يراه يظن أنه يعد النجوم المنقوشة عليه، لكن في حقيقة الأمر هو يعيد ذكرياته معها.
ولجت والدته ولم يشعر بدخولها. كانت تتألم من داخلها لرؤية فلذة كبدها يعاني من فراق حبيبته في صمت. لو كانت تعلم أن الأمور سوف تجعله هكذا، لتوسلته ألا يفعل ما فعله مع حسنة.
مسحت بيدها على كتفه بحنو وهي تقول بنبرة حانية:
– حبيب ماما، مش ها يروح شغله النهار ده ولا إيه؟
انتبه أخيرًا لوجودها في غرفته. اعتدل في جلسته وقال:
– معلش يا ماما، مش هقدر أروح النهار ده، سهران طول الليل وما نمتش كويس.
– على كيفك يا حبيبي.
كادت أن تغادر غرفتها، لكنها تراجعت وهي تقول بهدوء:
– ارجع لها يا زين، أنا مسامحة في حقي، طالما ربنا نصرك.
رد زين بنبرة مختنقة قائلاً:
– لأ يا ماما، مش هرجع لها. هي مش بس إهانتك أنتِ لوحدك، أنا كمان يا ماما أهانتني. داس على كل حاجة حلوة عملتها لها ونسيت قدمت لها إيه، وداس على شرفك بمنتهى الوقاحة.
ردت والدة زين وقالت باعتراض، ولأول مرة تأخذ صف حسنة:
– لا يا زين، متظلمهاش، هي كانت بتحاول تمنعك.
– تـقــتـل حد ملوش ذنب.
سألها زين بنبرة ذاهلة وهو يطالعها بنظراتٍ تملؤها الدهشة:
– حضرتك بتدافعي عنها!!
أجابته موضحة:
– أنا بقول الحق. أنا اللي يحب ابني قيراط، أحبه أربعة وعشرين، ويشيل ابني في عينه، أحطه جوه قلبي. وهي بأمانة الله، عمرها ما خانتك ولا طعنتك في ضهرك، يبقى أحاي عليها ليه؟ بالعكس، دي كانت بتحاول تمنعك عن شر.
ختمت حديثها قائلة بهدوء:
– أنا مش ها أنكر إن أنا مختلفة مع حسنة من ناحية المستوى اللي هي كانت فيه، ولا الحياة الجديدة اللي كانت مش عارفة تتعود عليها، بس خليني أقول كلمة حق: وهي حافظت عليك وعلى اسمك طول ما هي كانت مراتك. عشان كدا بقول لك ارجع لها، لأنها تستحقك بجد.
ربتت على كتفه وقالت بحنو وحب:
– ربنا يهديك يا حبيبي وترجعوا لبعض. أنا كل أملي في الحياة أشوفك مبسوط مع الإنسانة اللي يختارها قلبك.
غادرت قبل أن تستمع لرده الذي يحاول إثباته، رغم مخالفة قلبه لهذه القوانين الجديدة التي وضعها.
لقد اختار لـ قلبه العذاب. الأمر بالنسبة له غاية في الصعوبة، كيف يمكنه أن يتأقلم على العيش بدونها؟
اللعنة واللعنة ألف مرة على من تتدخل بينهما ليدمر هذه العلاقة الجميلة التي كانت في بداية ظهورها. تُرى من الذي فعل فيهما هكذا؟
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع.
لا شيء جديد يذكر، ما زال زين يمكث في بيته طيلة الفترة الماضية. لم يعجبه والده هذا الأمر، لقد كان قاسيًا عليه. لم تكن هذه المرة الأولى التي يراه بهذه القسوة، ولن تكون الأخيرة.
ولج فؤاد القصاص غرفة زين يطالعه وهو نائم. لقد تغير كثيرًا منذ ذلك اليوم الذي انفصل فيه عن زوجته. ألهذه الدرجة تؤثر عليه؟ ألهذه الدرجة تتحكم فيه؟
لقد خرجت الأمور عن السيطرة إذًا.
نظر حوله، وجد كأسًا من الماء. قبض عليها بغيظ شديد.
ألقاها في وجهه. سحب شهيقًا طويلًا وكأنه يغرق. ظل يسعل بشدة وهو ينظر لوالده الذي قال بجمود:
– لو ها تفضل كِده كيف الحريم في الدار، وأني أشتغل وحدي في الشركة، جول وعرفني عشان أدور لي على راجل من رجالتى يشيل الحِمل عني.
التقط زين أنفاسه بصعوبة بالغة. ما إن هدأ سعاله قليلًا، نظر لوالده وقال:
– أنا تعبان يا بـ….
هدر والده بصوته الجهوري وقال:
– وطول ما أنت حابس نفسك كِده كيف الحريم، ها تتعب بزيادة. فز، جوم شوف شغلك كيف الرچالة، وحط يدك في يد أخوك وكبر شغلكم.
رد زين وقال بطاعة:
– حاضر يا بابا.
استدار والد زين تجاه باب الحجرة. وقبل أن يغادر قال بتحذير:
– لو خرجت من أهني وأنت لساتك نايم، رجوعي المرة الچاي مش هايعدي كِده واصلًا.
– رجع و اجـتك عشان إني ولاد رچالة مش حريم.
أومأ زين له علامة الإيجاب. ما إن خرج والده من الغرفة، نهض من الفراش. اتجه نحو المرحاض. نظر لصورته المنعكسة في المرآة ليجد نفسه تبدل مئة وثمانون درجة منذ ذلك اليوم الذي قرر أن يُخرجها من حياته. لقد طالت لحيته أكثر من اللازم، وخصلات شعره أيضًا.
بحث بعينه عن ماكينة إزالة الشعر. استقر ناظريه على أحد الأرفف. مد يده ليجذبها. بدأ في تشذيب لحيته وتصفيف خصلات شعره الطويلة. انتهى بعد عشر دقائق تقريبًا.
قام بفك حزام الرداء ثم أسقطه أرضًا قبل أن يضع قدماه في حوض الاستحمام. وقف أسفل المياه المتدفقة فوق رأسه وهو مغمض العينين. زفر بهدوء ليبعد المياه عن فاه.
عشر دقائق أخرى قضاها في الاغتسال. خرج من المرحاض متجهًا نحو غرفة تبديل الملابس.
كاد أن يجذب القميص الأبيض، إلا أن سقطت عيناه على منامته القنطية في الجزء المخصص لـ حسنة. كانت ترتديها بشكل دائم.
اتجه نحوها، التقطها بين كفيه، قربها من أنفه ليشتم رائحتها. أرخى جفنيه محاولًا استعادة جميع ذكرياته معها. ضحكاتها، غنجها، ودلالها.
الذي كان يُهلك له عقله وروحه معًا.
قرع ناقوس العقل لينذره بأن الضعف ليس من شيمه، وعليه أن يتجاوز تلك المرحلة من حياته حتى يستطيع العيش بدونها ما تبقى من عمره. يا لها حمقاء توغلت بين ثنايا قلبه وتشبثت معلنة أنها ملكة متوجة على عرشه.
❈-❈-❈
بشار، بابا تعبان بقاله فترة وعاوزة أروح أزوره وأطمن عليه. زعلان مني عشان ما بسألش عنه خالص.
أردفت خديجة عباراتها وهي تجلس جوار. وجهه الذي كان ينفث سحابة الدخان في السماء. وضع لفافة التبغ في المنفضة وهو يقول بهدوء:
– مش رايد أزعلك منيّ، بس كان اتفجنا إن نبعدوا عن أي حاجة تجيب لنا وجع دماغ، وأبوكِ الوجع ذات نفسه.
لكزته في كتفه برفق ثم قالت بحزن طفولي يليق بها وهي تقلب شفتاها:
– اخس عليك يا بشار، ها أزعل منك بجد. وبعدين أنا بابا يا حبيبي، بيخاف عليا أكتر منك، وهو ما يهمش في الدنيا دي كلها غير راحتي.
تنهد بشار بعمق وقال بهدوء:
– مش حابب خروجي دلوقت وأنتِ تعبانة كده. اصبري شوية لما تشمي نفسك شوية.
ردت بابتسامة باهتة وقالت:
– ها يحصل لي إيه يعني يا بشار؟ أكتر من إن خسرت ابني ولا بنتي للمرة التانية.
شاحت بوجهها بعيدًا عنه محاولة حبس الدموع في مقلتيها، بينما هو لف وجهها له وقال للمرة المئة بعد الألف:
– جلت لك يا بت الناس، لو رايدة الخلفة، سبيني لأن هما ما هيسبونيش لحالي واصلًا.
توسدت خديجة صدره وهي تقول بأسى:
– مش ها أسيبك يا بشار، أنت قدري وأنا قدرك. مش ها أسيبك حتى لو ربنا ما كتب لنا الخلفة، يبقى دا قدرنا.
ربتت خفيفة على رأسها تبعها قُبلة خفيفة على خصلات شعرها الطويل. رفعت بصرهاله وقالت بابتسامة واسعة على أمل أن يوافق:
– ها أروح بقى عند بابا؟
حرك بشار رأسه علامة النفي وقال بعناد:
– برضك لا، ها تفضلي في حضني أحسن من أبوكِ.
خرجت من حضنه وقالت بحزنٍ مصطنع وهي تقف عن المقعد:
– طب إيه رأيك بقى؟ ها أروح وبالعند فيك، هاتناول لفافة تبغ جديدة.
وقال بجدية مصطنعة:
– ابجي وريني ها تعمليها كيف يا نعمات، وأنا عايش.
عادت له واضعة يدها في خصرها وقالت بدهشة وذهول:
– بقى أنا نعمات؟ ها؟ ماشي، إيه رأيك بقى؟ ها أروح يعني ها أروح، ولا أقلب لك نعمات بحق وحقيقي؟ ما أنا مرات بشار ابن الأبالسة كلهم.
رفع بشار كفيه وقال باستسلام:
– خلاص يا كابيرة، الكلمة كلمتك والرأي رأيك.
ابتسمت بانتصار وقالت:
– أيوه كدا اتعدل هـ….
قاطعها بعد أن جذبها من معصمها لتسقط بين ذراعيه. فلتت صرخة منها على إثر حركته المباغتة لها. طالعها وهو يحاصرها قائلاً:
– جلتِ راح فين بجى؟
رفعت خديجة إصبع الشهادة وقالت بتحذير وهي مغمضة العينين:
– بشار، والله العظيم لو ضربتني على قفايا، ولو الحركات اللي بتـ…
لم تُكمل خديجة تحذيراتها التي ألقاها بشار عرض الحائط، حلت صرخاتها محل الضحكات، ثم عادت الضحكات تسيطر من جديد على الأجواء. تلك المشا كسات التي تدور بينهما كانت هي الشيء الوحيد الذي يخرجها من حالتها تلك.
في عصر اليوم التالي، عبرت خديجة البوابة الرئيسية لمنزل والدها. شعرت بقبضة في قلبها لم تشعر من قبل. تمتمت بالبسملة وهي…
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل السابع عشر 17 - بقلم هدى زايد
عبرت خديجة البوابة الرئيسية لمنزل والدها، شعرت بقبضة في قلبها لم تشعر بها من قبل.
تمتمت بالبسملة وهي تحاول جاهدة تجاهل هذا الشعور.
استقبلتها زوجة أبيها بالابتسامة والترحاب. تبادلتا العناق والقبلات. نظرت لها وسألت بغمزة من طرف عينيها:
– الجميل زعلان ليه؟ بابا ولا زين مزعلينك؟
ابتسمت لها ابتسامة شديدة التكلف قبل أن تؤمي برأسها علامة النفي ثم قالت بكذب:
– لا أبدًا يا ديجا. اتفضلي، فؤاد نفسه يشوفك من زمان.
استوقفتها خديجة بجدية قائلة:
– استني بس، مالك في إيه؟ شكلك مرهق وتعبان، مين مزعلك؟
لم تتحمل والدة زين تساؤلات خديجة التي هطلت عليها كالمطر وقالت:
– زين يا ديجا، زين ها يروح مني.
– ها يروح إزاي؟ احكي لي حصل إيه بعد انفصاله عن حسنة؟
– مبقاش هو زين اللي أعرفه، دايمًا سرحان ومهموم. أتكلم معاه في شغل ولا خروج يقولي تعبان مش قادر. أقترح عليه يسافر رفض، قال في شغل كتير متراكم عليا. ولما أقوله روح شغلك يقولي مليش نفس. باباكِ حاطه في دماغه اليومين دول وضغط عليه بزيادة أوي، وأنا مبقتش عارفة أعمل إيه مع دا ولا دا.
– طب معلش متزعليش نفسك، زين نفسيًا مش أحسن حاجة وباباه أنتِ عارفاه كويس، ما بيحبش يشوف حد من ولاده ضعاف. أنا ها أشوف زين وأتكلم معاه وأخرجه من اللي هو فيه.
– ياريت يا ديجا، يبقى جميل، مش ها أنساه العمر كله.
– جميل إيه بس، دا أخويا. عن إذنك بقى، أحسن بابا واحشني ونفسي أشوفه.
– اتفضلي، وأنا ها أخلي البنات تحضر الغدا.
في الطابق الثاني،
كانت خديجة جالسة مقابل والدها الذي يطالعها بنظرات متفحصة قبل أن يسألها بفضول:
– ديجا فيكِ مالك كده؟ بتبصي في وشي كده كيف ما يكون رايدة تقولي حاجة وخايفة؟
ردت خديجة قائلة بنبرة كاذبة:
– بابا، أنا مستحيل أرجع مع اللي اسمه بشار ده لو فيها موت.
يسألها بفزع قائلاً:
– ليه يا بتي؟ حصل إيه؟ عمل فيكِ إيه؟!
ردت خديجة قائلة بهدوء وهي تراقب تعابير وجه والدها:
– بيقول على حضرتك مشارك جده والشيخ المرعي فـ….
رد والدها مقاطعاً بسرعة وغضب مكتوم:
– كدب جوزك ده، كداب، وأني لا ليا إثارات ولا أعمال!!
سألته خديجة قائلة بهدوء:
– ومين قال إنه قال عنك كده؟ هو قال إنك مشارك في المستشفى الخيري الجديدة اللي بتتعمل في أول البلد!!
تنحنح والدها وقال بتلعثم:
– أني برضه….
ولحت الخادمة وقطعت عليهم حديثهم وهي تقول بأدب:
– لامؤاخذة يا ست هانم، الكبير بيقول حضري حالك عشان هتمشوا.
استدارت خديجة للخادمة وقالت بنبرة متعجبة:
– بشار هنا؟
– أيوه، وهو في العربية تحت.
توقفت خديجة وقالت بهدوئها المعتاد:
– طب يابابا أنا همشي وأبقى أرجع لك بكرة أطمن عليك.
– أنتِ مش قلتي مستحيل تمشي معاه؟ إيه اللي جرا؟
– بابا من فضلك، دا جوزي ومليش إلا هو. وربنا ما يحرمني منه ولا يحرمه مني يارب.
– خديجة، أنتِ زينة ولا فيكِ حاجة؟ أوعاه يكون بيضربك يابتي!
– بابا، بشار ده أحسن واحد في الدنيا، أنت إزاي تقول كده؟ أنا لا يمكن أقبل إنك تقول عليه كده.
مالت بجذعها لتضع قبلتها على خده الأيسر وقالت بنبرة ناعمة:
– سلامتك يا بابا، ألف سلامة.
– الله يسلم يا بتي.
رفع سبابته نصب عينيها وقال بتحذير واضح:
– خلي بالك من حالك، أوعاكِ تقولي مش هروح لأبويا ليشمِت فيّ عشان بشار. أنتِ بتي والنور اللي بشوف بيه، إن ما شالكيش في نور عينه، أخـ ـدله أنا نور عينه دي.
ابتسمت خديجة وقالت بنبرة حانية:
– بشار يا بابا طيب وحنين، ورغم كل اللي مرينا بيه لسه بيحبني. وكفاية عندي إنه عارف إني إجهاضي المتكرر هايخلي خمس سنين من غير خلفة، ومع ذلك مكمل معايا.
رد والدها وقال بصوت هادئ ونبرة تملؤها الشر:
– بَعدي عن بشار لو رايدة الحَبل والخلف. بَعدي عنه جبل فوات الأوان يا بتي.
ردت خديجة بنبرة لا تقل عن نبرة والدها وقالت:
– محدش ها يقدر يبعدنا عن بعض. هايفضل معايا وأنا هفضل معاه. بشار لو بعد عنه ها تاكلوا، وأنا وقتها ها أدمركم.
– ارجعي لعقلك يا خديجة وفكري كيف العمر ها يعدي عليكِ وها تبجي كيف الأرض البور لا زرع ولا حصاد.
لقد مزق والدها قلبها لأجزاء بعد وصفها بالتعبير المجازي. يا ليته لم يخبرها بحقيقة الأمر. الوضع لا يتحمل أي أعباء جديدة. غادرت قبل أن تستمع تكملة الحديث القاسي الذي تجاوز الحدود.
استقلت السيارة وحاولت أن تتظاهر بالجدية المصطنعة وكأن لم يحدث شيء منذ قليل.
– افردي بوزك ده.
قالها بشار وهو يداعب خدها الأيسر. نزعت يده قبل أن تصل إليها وقالت بنبرة مغتاظة:
– ملكش دعوة ببوزي أنا وهو واخدين على بعض وسوق، وملكش دعوة بيا.
رد بشار متسائلاً بنبرة متعجبة:
– واخدين على بعض كيف ده؟ وشك جرب يطق منكِ!!
هدرت بصوت مرتفع قائلة بنبرة محذرة:
– بشاااار، من فضلك سبني في حالي وبطل بقى ترمي عيون في كل حتة كده. أنا تعبت.
– يعني خابرة إني براقبك، مش كده؟
– طبعًا.
– زين، مادام أنتِ خابرة ده، بشتمي فيا ليه قدام أبوكِ؟
– لأ، أنا بعبر عن رأيي. وبعدين إيه أبوكِ دي؟ اسمها باباكِ.
– بجلك إيه؟ أني تعبان ورايد أشم شوية هوا.
– طب كويس، أنا كمان زهقانة وعاوزة أشم هوا. خدني معاك.
– خدك ربنا. أخـ ـدك فين؟ أدلي خليني أمشي أشوف صحابي.
– واللهِ ده ظلم، أنت تخرج وتشوف صحابك وأنا قاعدة كده طول اليوم وشي في وش الخيطان.
– لا خلاص، متزعليش، هاخدك معايا.
– بجد؟ أنا كنت عارفة إني مش هاهون عليك. ربنا يخليك، ربنا يبارك فيك، أنت راجل بجد.
– بس قبل ما أمشي، أدلي هاتي بدلة رقص والصاجات. أنتِ ترقصي وأني أطبلك، وآخر الليل نلم النقطة. زين كده؟
– ياخي نقطة لما تشيلك يا بارد! وربنا لأروح لبابا وأعرفه البهدلة اللي مبهدلهاني دي وأعرفك مقامك يا قليل الذوق أنت.
– هو إني لو صفخت كف دلوجت ها يجولوا عليّ راجل ولا هيجولوا راجل بيأدب مرته؟
– لأ، ها يقولوا عليك مش محترم عشان بتضرب واحدة ست.
– وهي فين الست دي!! دي أنتِ ستة أشهر جليلة عليكِ. مشي يابت الناس من هنا، يلا، وجعتي راسي.
– ماشي، ماشي يابشار، واللهِ لأقول لجدك سالم على بهدلتك دي ليا وأعرفه بتعمل إيه في بنات الناس.
– تاني هتجول بنات تان؟
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا، وصلا بشار وخديجة إلى منزلهما. كررت خديجة عبارات التوسل والرجاء عله يوافق بأن يصطحبها معه، لكن إصراره بأن يذهب بمفرده يجعلها تتيقن من ظنونها وذهابه لعائلته والعبث معهم من جديد.
خرج الجد وهو يميل برأسه قليلًا نحو سيارة بشار متسائلاً بفضول:
– بتعمل إيه يا بشار؟
ابتسم له وقال بهدوء:
– ما فيش يا جدي، بتحايل عليها عشان تاجي معايا وهي بتقول لأ.
– ليه يابتي؟ اخرجي معاه. أنتِ من بجالك ياما خرجتيش من الدار.
رد بشار وقال بسرعة قبل أن ترد هي:
– متتعبش حالك يا جدي، نشفت ريقي وياها، أصلها بتقول إنها بتحب الدار، بتجول بتحس نفسها ست، مخابرش كيف!!
– لآخر مرة يا خديجة، جلبي هسألك. تاجي معايا ولا تفضل في الدار؟ ررر. أني ما يهمنيش إلا راحتك يا حتة من جلبي.
ردت خديجة بإصرار رغم تحذيرات بشار المبطنة وقالت بعناد:
– لأ، هفضل معاك يا حبيبي. هو أنا ليا بركة غيرك؟ ربنا يخليك ليا ويحفظك ليا، قادر يا كريم.
أومأ لها وقال بهدوء قبل أن يترجل من السيارة:
– على كيفك يا ديجا. خليكِ فاكرة إن أني جلت لك خليكِ بعيد.
ردت عليه وهي تتشبث بذراعه قائلة:
– مش ها أسيبك تروح لهم برجليك. رجلي على رجلك، منين ما تروح مش ها أسيبك تتضحي بنفسك.
وقف بشار مقابل جده وبدأ يحدثه بهدوء وهو يحاول أن يتجاهل نظرات زوجته له:
– حاول تاخدها يا جدي، ما رضيش تتدلي من العربية.
رد الجد سالم وقال بهدوء وحكمة:
– مراتك وخايفة عليك يا ولدي. أني أهو راجل وخايف من مروحك له وحدك.
– لازم أروح يا جدي، لازم نتجمعوا كيف ما عمر قالوا. مين جالك إن عمر هو اللي بعت لك الرسالة دي؟
سأل رجب سؤاله وهو ينضم للحديث الخافت ونظراته لا تبرح السور الخلفي للمنزل. رد بشار وقال بنبرة متعجبة:
– قصدك إيه؟
أومأ رجب برأسه تجاه السور وقال بنبرة محذرة:
– أوعاك تبص وراك عشان أعرف أخرج مراتك من العربية.
– في إيه يا جدي؟ رد يا رجب.
رد الجد سالم وقال بهدوء ظاهري كي لا يثير البلبلة في المكان:
– بعتهم يا ولدي، بعت رجـ ـالته. والمرة دي مش ها هجوم على الدار، دي سيطرة.
– خديجة في العربية. جدي مش جاي يسيطر على الدار، جدي جاي ينفذ تهديده ويقتـ ـلها!
قالها بشار وقلبه يكاد يقفز من مكانه. حاول الجد السيطرة عليه وهو يقبض على كفه بقوة وقال بهدوء:
– اهدأ يا ولدي، اهدأ. رجب ها يخرجها، متجلجش.
ربت رجب على كتف بشار والابتسامة تكشف عن نواجذه وقال:
– متخافش يا بشار، أني هاخدها بعيد عن هنا.
استوقفه بشار دون أن يستدار، حتى لا يثير الشك في داخل من يراقبه وينتظر اللحظة الحاسمة لقتـ ـله. تشبث بكف رجب كمن يغرق ويريده أن ينقذه من الهلاك:
– استنى يا رجب، لو ركبت العربية ها يعرفوا إني فهمتهم. احنا لازم نعملوا حاجة تشغلهـ….
بُتر بشار عباراته وعيناه لا تبرح محل جبل الذي بدأ يثير الفوضى. خرجت الأحصنة متجهة حيث الرجال الملثمين. ما فعله لم يفعله سوى رجل يعرف جيدًا متى يتعامل مع الآخرين. خرجت خديجة وعيناها لا تبرح ذاك الصغير المختل من وجهة نظرها وهو يساعد الجياد على الهرب من محبسها. ابتسم بشار وهو يستمع لحديثها فأمرها بهدوء:
– روحي عنيده يا ديجا، خليه يوقف اللي بيعمله ده.
نفذت خديجة أمر زوجها ظناً منها أنها المسيطرة على ذاك العنيد. ما إن وصلت إليه وقبل أن تحدثه، مد قدمه لتتلعثم في خطواتها وتسقطت أرضًا. ولج جبل وأوصد الباب الحديدي، وقبل أن تسأله عن سبب ركلته تلك، دوت رصـ ـاصات الأسلحة النارية من كل مكان. وضعت يدها على صدغيها وهي تناجي ربها بأن يمر الوقت بسلام وتخرج إلى بشار. ثوانٍ معدودة واستمعت لطرقات سريعة ومتتالية. فتح جبل الباب وساعد رجب في إدخال الجد سالم رغمًا عنه. هرعت نحوه وقالت بتوسل:
– أبوس إيدك يا رجب، عاوزة أشوف بشار. أشوفه بس أطمن عليه.
رد رجب وقال بغضب مكتوم:
– مش وقته دلوقتي يا خديجة.
تابع بنبرة محذرة قائلاً:
– أوعاكِ تخرجي يا جدي، أوعاكِ لو إيه اللي حصل، فاهم؟
رد الجد سالم بغضبٍ جم قائلاً:
– رايدني أفضل هنا كيف الحريم والعيال الصغيرة وأنت وبشار في النار وحدكم!!
– اسمع الكلام يا جدي، وجودك برا في الوقت ده خطر عليك. مش ها ينفع أسيب بشار وحده كتير كده. هملني الله يخليك.
خرج رجب محاولًا تفادي تلك الرصـ ـاصات الغادرة. استند بظهره على الجدار وهو ينادي بصوته الجهوري. لم يستمع الرد المتوقع من بشار. كرر ندائه ثلاثة مرات قبل أن يسير بخطوات حذرة تجاه الجهة اليسرى من المنزل.
هبط ثلاث درجات بعد أن نادى عليه. أتى كالبرق في سرعته ووقف أمام بقعة كبيرة من الدماء يسأل بـ ـلهـ ـاث:
– حسان مش ناوي يجيبها لبر واصل؟ وم كل مرة محاولاتنا ها تنجح يا واد عمي.
حرك بشار رأسه علامة الإيجاب وقال:
– المرة دي عندك حج يا رجب. الظاهر إن ما فيش أحسن من المواجهة.
جثا رجب على ركبته وتناول قلادة ذهبية تحمل اسم (وجيدة) وبجانبها قطعة صغيرة من القماش على ما يبدو أنه قطعة من الملابس الداخلية لإحداهن. كاد أن يفتحها رجب لكن منعه بشار قائلاً:
– أوعاك تعمل كده. الحاجة دي باينها عمل وشكله واعر جوي.
نظر رجب له وقال بهدوء:
– يبجى جدي لازم يشوفها.
بعد مرور عشر دقائق، جلس الجد سالم على الأريكة بعد أن قرأ ما تيسر من القرآن الكريم والأذكار. قام بفتح الأوراق وهو يتمتم بخفوت لكن كلماته واضحة يفهمها كل من في المجلس:
– الله لا يسامحك يا حسان، حتى بتك وبت ابنك مسلموش منك!! الله لا يسامحك يا خوي.
سألته خديجة بملامح متأثرة من كلماته تلك وهي تحاوط كتف جبل بين كفيها قائلة:
– إيه اللي حصل يا جدي؟
أجابها وهو يفرغ محتويات القماشة وقال:
– حسان عامل لبتـ ـه وجيدة وحسنة أسحار. رايد حسنة تمرض وتموت وحسنة تتـ ـطلق من جوزها.
ردت بخفوت قائلة بخوف وفزع:
– لُطفك بينا يارب.
تابعت بفضول قائلة:
– عرفت إزاي؟
أشار الجد بـ ـيده المجعدة وقال:
– مكتوب يا بتي على الصور دي. مش بس كتب على الصور دي، كاتب على عضمة العجل.
سألته بهدوء قائلة:
– وهو كده خلاص يا جدي؟ العمل اتفك؟
رد الجدي وقال:
– أيوه يا بتي، بس لساته بيحارب وراهم. لساته رايد بنته.
ردت خديجة بنفاذ صبر من تلك القصة:
– ما تخلوا ياخده يا جماعة، بتحاربوا ليه؟ يمكن عاوز يحط بنته في قبر ويترحم عليها؟ هو أب بردو و أكيد قلبه محروق على بنته؟
ابتسم رجب ابتسامة ساخرة وهو ينظر لـ بشار ثم عاد ببصره لها وقال:
– اللي بتجولي عليه أب ده عاشر بنته وهي ميتة وسجد لإبليس ولف على لسانها سحر أسود وهو بيغسلها ودفنها هنا.
صدمات متتالية تهطل عليها كالمطر وهي لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله حتى تصدق ما قاله رجب للتو. ازدادت ريقها وهي ترفع عينها في أعين بشار الذي يشعر بالخزي والعار من أفعال جده. طأطأ رأسه خجلاً منه.
بينما تابع الجد حديث حفيده قائلاً:
– وجيدة بت اخويا حسان كانت من مرته الله يرحمها. جاته بعد شوية وعطش كيف ما بيجولوا. فارت وبجيت زينة الصبايا. كان عمرها عشرين سنة يوم ما أمها ماتت. كانت روحها في أمها وأبوها كان روحه فيها. بيحبها صح. كان نفسها تشوف أمها ولو مرة واحدة بس. وهو كان يشوفها كده وجلبه بيتـ ـقطع عليها. ويوم الأربعين بتاع أمها جه هو والشيخ المرعي وبدوا يعملوا جلسة تحضير أرواح. هي عرفت جـ ـنـ ـانـ ـه. عرضتهم وحاولت تصرخ عليّ وجتها عشان الحجها، بس كان أبوها خبطها على راسها. طبت ما تتفيها ولدي. وفي اللحظة دي الشيخ المرعي الله يلعنه في كل كتاب جاله يكمل شغلهم وحفر تحت الدار.
صمت الجد سالم لبرهة قبل أن يكمل حديثه قائلاً بنبرة مرتعشة إثر البكاء:
– حسان كان كل اللي يهمه وجتها الإثارات وبس. كان لازم يفتحوا المجبرة، وعشان يعملوا كده لازم يستعينوا بالأبالسة ودول واعرين جوي جوي. عمل وياهم عهد، وإلا يفض العهد ده يبجى حكم على حاله بالموت.
هاج الجد سالم ولاول مرة بالبكاء وكأنه طفل صغير. لم يتحمل سرد ما تبقى من حكاية الجد حسان فتولى رجب سرد الجزء الأسوأ حين قرر الشيخ المرعي فعل الفاحشة مع وجيدة ابنة حسان حتى يسخر الـ ـجـ ـان. لقد فقد ما تبقى من عقل وقلب بعد موت ابنته. ختمت حديثه قائلة بهدوء:
– كل ده جدي ما حضروش. اللي شافت الحكاية دي أم عمر وجات حكت لجدي وأمرته يمشي من الدار وعشان يحافظ على حاله. وبعدها حصل اللي الكل مكانش يتخيله ولا حتى في أحلامه.
سألت خديجة بنفاذ صبر ودموعها لا تتوقف أبداً:
– حصل إيه تاني؟ في إيه تاني؟ لسه الناس دي مفكرتش تعمله؟
رد بشار ولم تتوقعه منه:
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدى زايد
أجهش الجد سالم بالبكاء، وكأنه طفل صغير. لم يتحمل سرد ما تبقى من حكاية الجد حسان، فتولى رجب سرد الجزء الأسوأ.
حين قرر الشيخ المرعي فعل الفاحشة مع وجيدة ابنة حسان، حتى يسخر الجن. لقد فقد ما تبقى من عقل وقلب بعد موت ابنته.
ختم حديثه قائلًا بهدوء:
– كل ده جدي ما حضرش اللي شافته الحكاية دي أم عمر وجت حكت لجدي وأمرته يمشي من الدار وعشان يحافظ على حاله. وبعدها حصل اللي الكل مكانش يتخيله ولا حتى في أحلامه.
سألت خديجة بنفاذ صبر ودموعها لا تتوقف أبداً:
– حصل إيه تاني؟ في إيه تاني لسه الناس دي مفكرتش تعمله؟
رد بشار وقال:
– حاجة ما تتوقعهاش.
قالت وجيدة:
– جدي حسان هو اللي قطع رجل وجيدة بت عمي، اللي في الأساس بنته من رجاصة في الموالد.
انهارت خديجة بعد استماعها لهذا الكم من الاعترافات التي لا حصر لها. وضعت رأسها بين كفيها وقالت بصراخ:
– كفاية أبو س ايديكم كفاية، مش قادرة أسمع أكتر من كده. أنا قررفت من نفسي ومنه ومش قادرة أستوعب أكتر من كده.
نظر رجب إلى بشار ثم قال بجدية:
– لازم تسمعي وتعرفي كل حاجة عشان الفترة الجاية اللي جاي واعر جوي وحسان ما هيخليش فرصة غير لما يستغلها زين. ولازم أنت وجبل تمشوا من هنا.
نظرت إلى جبل الذي تبادل معها في نفس الوقت تلك النظرة المذهلة. عادت ببصرها له وقالت باستفهام:
– نمشي نروح فين؟
رد رجب وقال:
– في مكان أمان بعيد عن هنا ومتحصن. الفترة الجاية الهجوم بقى كيف المطر. الأول كان مجرد رسايل، لكن دلوقتي الضرب في المليان. وأنتِ وجبل نقطة ضعف بشار. وطول ما إنتوا هنا محدش هيعرف يحمي الدار دي.
ردت خديجة بنبرة متحشرجة قائلة:
– وأنا مش هاسيب بشار لوحده أبداً. إنتوا ممكن تبعدوا جبل، لكن أنا لأ. فاهم يا بشار؟ أنا لأ.
***
داخل غرفة عمر وشمس. حدثها عن كل شيء حدث في حياته. عرفت الصغيرة والكبيرة. كم أسعدها هذا الشيء ولأول مرة تشعر بأنها زوجته حقاً. بدأت تتناقش معه في أموره الشخصية. كان يستمع لها، يعارضها ويوافقها أحياناً. تلك هي الحياة الزوجية بالفعل. ليست الحياة الأولى التي كانت تعيشها. مازال يعشق حسنة، مازالت بداخله. وعلى ما يبدو أنها لن تخرج إلا بخروج روحه من جسده.
جلس في شرفة حجرته يطالع حركة النجوم. الابتسامة الخفيفة التي تزين ثغره تعلمها زوجته جيداً. هو الآن يفكر فيها، يريدها تحديداً بعد انفصالها عن زوجها. ولجت الشرفة وبين يدها قدحان من القهوة. وضعتهما على سطح المنضدة الزجاجي وهي تقول:
– اتجوزها يا عمر. اتجوزها وحقق حلمك اللي بتحلم بيه بقالك كتير.
استدار بجسدها لها وهو يقول بنبرة حانية:
– لساتك بتفكري في الموضوع ده يا شمس؟
تابع بنبرة صادقة وهو يتناول يدها بين كفيه وقال:
– والله العظيم أني ما هينفع أعمل كده مع الإنسانة اللي نورت لي حياتي.
تحسس باطنها المنتفخ إثر الحمل وقال:
– وأم ولي العهد شبل الصغير؟
ردت شمس بقهر قائلة:
– بس أنت لسه بتحبها يا عمر. تنكر ده؟
أومأ برأسه علامة النفي وقال بكل صدق:
– لا، بس كمان مجدرش أنكر حبك ليا وأدوس عليه كيف الحمار. كل حاجة بتاخد وقت وأنتِ صبرتي كتير. كملي جميلك معايا للآخر.
ردت شمس بنبرة ناعمة قائلة:
– حاضر يا عمر. هأفضل معاك للآخر.
ابتسم ملء شدقيه وقال:
– يحضر لك الخير يا أم شبل. يا بلاص العسل أنتِ.
تذمرت لمغازلته تلك التي تبغضها وهو يتعمد إغاظتها. ضحك على ملامحها المغتاظة وقال وهو يداعب خديها:
– اضحكي كده بلاش التكشيرة دي يا أم شبل.
ردت شمس قائلة بتساؤل:
– لسه بردو عاوز تسمي شبل؟
– أيوه عشان يبقى هذا الشبل من ذاك الأسد.
– يا سلام يا أسد.
– مش عاجبك ولا إيه؟
ردت بعناد وهي تقف عن مقعدها وتقول:
– لا مش عاجبني. واعمل حسابك أنا أمه وأنا اللي بتعب، يبقى أنا اللي اسمي.
سار خلفها وقال بعدم اكتراث لما تخبره به وقال:
– ابقى سمي اللي بعد كده دي خلاص. نزل باسمه شبل عمر الدهشوري.
– لا.
– وأني جلت أيوه.
ردت بعناد طفولي قائلة:
– طب والله ما أنا مولدة الشهر ده.
هاضحك عمر وقال بجدية مصطنعة:
– أيوه أيوه عشان نبقى كيف الجاموسة وتبجـ...
كاد أن يكمل مشاكسته لكنها لم تتركه في حاله وحاولت ضربه بكل ما أوتيت من قوة. احتواها بين ذراعيه مقيداً حركتها، طبع على خدها قبلة عميقة وقال بسعادة حقيقية استشعرتها من بين طيات حديثه:
– والله ليا كتير ما ضحكت من قلبي كده. ربنا يخليكِ ليا يا سبب فرحتي وسعادتي.
وضع يده على باطنها وقال:
– ويجيب شبل بالسلامة.
توسدت صدره برأسها وقالت وهي مغمضة العينين:
– ويخليك ليا يا عمر وتنور حياتي دايمًا.
***
بعد مرور يومان.
ولجت وجيدة ولأول مرة منذ زواجها منزل حسان. لم تعد تعرف ماذا تقول له، أبي أم جدي؟ المواجهة ولا أي شيء بديل سواها بعد اليوم. جلست وانتظرت مجيء عمر الذي ذهب إلى القاهرة منذ يومين لمقابلة حسنة. كانت جالسة على المقعد تتمتم بكلمات خافتة، حتى أتى بشار.
جلس جوارها وقال بهدوء:
– عمر لسه برا؟
– أيوه.
– فين جدك؟
ردت ساخرة وقالت:
– قصدك أبوي؟
سألها بشار بهدوء قائلاً:
– ناوية على إيه يا وجيدة؟
ردت وجيدة بابتسامة ماكرة وقالت بشرود:
– كل خير يا واد أخوي، كل خير.
ولج حسان من باب المنزل والابتسامة الخبيثة تزين ثغره. قال بترحاب شديد:
– يا مرحب يا مرحب. الحبايب كلهم اهني منورين يا ولاد.
وقفت وجيدة تبعها بشار. ابتسمت له وقالت بهدوء مريب:
– ده نورك يا بويرد.
حسان بنبرة حانية:
– طالعة من خشمك كيف السكر. كنت مستنيكِ ليا كتير جوي يا وجيدة.
جلست من جديد وقالت:
– كل آذان وله وجهته يا بوي.
تابعت بتساؤل قائلة:
– قل لي لياتك بتحرب ورا حسنة ليه؟
– ملكيش صالح.
– لا ليا. دي خيتي. قصدي بت أخوي.
– جلت لك اطلعي منها الحكاية دي.
سأل بشار بعدم فهم وقال:
– في إيه يا جماعة؟ مالها حسنة؟
ردت وجيدة وقالت بنبرة غاضبة:
– جدك بعت لها ناس يولعوا في شقته.
رد بشار وقال بذهول:
– أنتِ بتجولي إيه؟ وناس مين دي اللي راحت؟
أجابته وجيدة قائلة:
– بعت لها رجالة سرقوا منها دهبها وفلوسها وبهدلوا أمها العاجزة. وياريت وقف لحد كده وبس، ديه سلط اتباعه يولعوا في الشقة وكل اللي كانوا فيها ماتوا.
اتسعت أعين بشار وقال بخوف وقلق:
– طب وحسنة جرى لها إيه؟
ردت وجيدة قائلة بهدوء:
– حسنة وابن اختها بخير. ودي لأنهم كانوا عند الدكتور. لو كانوا في البيت كان زمانهم راحوا ويا اللي راحوا.
– أنتِ بتجولي إيه؟ وعمر هناك بيعمل إيه؟ هو السبب في ده؟ ما تفهموني في إيه بالظبط؟
ردت وجيدة قائلة بهدوئه الذي لم يتغير حتى هذه اللحظة وقالت:
– عمر راح ياخد عقد نص الدار بتاع جدك سالم.
وقف بشار عن مقعده وقال بغضبٍ جم:
– دار إيه وعقد إيه اللي بتتكلمي عنيه؟ أنتِ خابرة بتجولي إيه!!
ابتسم حسان وقال ولأول مرة ليعلن عن وجوده:
– لو حد تاني حكى لي إن أنتِ وجيدة بنتي، مكنتش صدجت. خابر إنك دريتي بكل حاجة بس مكنتش متوقع تبجي كيفي كده. ذريتي كان لازم تتسلم مني العهد.
رد بشار وقال:
– عهد إيه اللي بتتحدوا عنيه ده؟
نظر له الجد حسان وقال:
– عهدنا يا بشار، عهدنا اللي أنت خنته وشردت عننا. واني جلت وماله، خلي يا واد يشق طريقه. ما هو لساته شاب ورايد يفرح بالدنيا كيف العيال الصغيرة.
سألها بشار بدهشة وذهول شديد:
– أنتِ بجيتي وياهم يا وجيدة؟ ردي عليّ.
أجابه عمر ويلج من البوابة الداخلية وقال:
– سيبك من وجيدة وجل لي يا بشار، كيف قادر تضحك علينا كلنا كده؟ كيف قادر تكون بالوشين؟ كيف قادر تبجى الخير والشر وياي بعض؟
استدار بشار وقال بتساؤل:
– قصدك إيه؟
رد عمر وقال بنبرة غاضبة:
– قصدي إنك لساتك وياه جدك حسان وبترسم على جدك سالم. لساتك بتحرب ورا حسنة وإن اللي حصل ده كله من تحت راسك.
رد بشار بنبرة مرتفعة وعدم استيعاب قائلاً:
– أنت بتجول إيه!! مين يا أبو مخ تخين جالي الحديث العفش ده؟
وقفت وجيدة عن مقعدها وقالت بنبرة حادة وهي تتجه نحو الدرج:
– بشار مظلوم يا عمر. اللي عمل كده حسان.
رد عمر وقال بصوت مرتفع:
– وهو ساعده على كده.
– ابدًا والله العظيم ما حصل.
تابع بشار وهو يطرق بأنامله على رأس عمر وقال:
– يا واد فكر بديه مرة في حياتك. أني بعدت عن كل الجرف دي وماشي بما يرضي الله. إيه اللي هايخليني أرجع له تاني؟
رد عمر وقال:
– عشان ما بيعيش لك عيال يا بشار. رايد تجدد العهد عشان مراتك تحبل وتخلف صح؟ ولا أنا غلطان؟
رد بشار بنبرة تملؤها الصدق:
– غلطان يا واد عمي. أني حد الله بيني وبين الحرام بكل أنواعه. وإن كان على العيال، طالما ربنا كاتب لي أخلف هاخلف غصب عن الكل. ولو مش رايد يبقى خلاص. ولو مين بالذي ما هيعرفش يعملها.
وقفت وجيدة عند سلالم الدرج الأخير وقالت:
– الصح بيقول إن الجزاء من جنس العمل. وحسان عمل كتير ولساته ناوي يعمل أكتر. وعشان كده الأوضة دي لازم تولع باللي فيها وهو جواها.
وقف الجد حسان عن مقعده وقال بصراخ كالمجذوب:
– اوعاك تعملي كده يا وجيدة. كده بتفتحي طاقة جهنم الحمرا يا بتي. احجني.
هرع بشار وعمر في محاولة منهما لمنع وجيدة التي لا تعرف فداحة ما تفعله ولا النتائج المترتبة على فعل ذلك. خرجت شمس من غرفتها وقالت بعدم فهم:
– في إيه يا جماعة؟ مالكم واقفين كده ليه؟
تابعت بدهشة:
– عمر أنت رجعت إمتى؟
حاول بشار فك يد وجيدة المقبضة على الثقاب والبنزين لكنه لم يفلح. زجرخا بنظرات غاضبة وقال:
– سيبي يا وجيدة. اللي بتعملي ده أكبر غلط. ولو على الحرج ميبقاش كده. سيبي بجول لك.
– لا يا بشار مش هاسيب. أنت مش حاسس بالنار اللي جوا قلبي من اللي عمله فيا حسان. سبني خليني أحرق جلبه كيف حرق قلبي على حياتي.
رد بشار وهو يكز على أسنانه ومحاولاته في فك يدها لا تتوقف أبداً:
– سيبي بجى يا وجيدة. جلت لك كده أكبر غلط.
حاول عمر أن يتدخل وهو يقول بغضبٍ جم:
– لساتك معاه يا بشار؟ لساتك شغال في السحر والشعوذة كيف ما جلت؟ أني بنفسي اللي هاحرق.
حرك بشار يد وجيدة وقال وهو يدفع عمر في كتفيه للخلف:
– يا عم اهمد بجى.
لم يكمل حديثه بسبب قوة دفعته لابن عمه وصديق عمره الذي سقط للتو على سلالم الدرج. ظل يتدحرج حتى وصل إلى الدرجة الأولى. ارتطم مترأسه بطرف السور الحديدي. هرع بشار نحو عمر ورفع رأسه عن الأرض وقال بتوسل:
– احب على يدك. جوم يا عمر. جوم يا واد. هي أول مرة نتعارك ويا بعضنا؟
هرع الجد حسان نحو حفيده، جثا على ركبته ثم جذبه بيده المجعدتان وقال بنبرة مرتعشة:
– جوم يا عمر. جوم يا ولدي. جوم احب على يدك.
مازالت شمس واقفة محلها والصدمة والذهول يسيطران على ملامحها. بينما كانت وجيدة تتابع ما تفعله. ظلت تنثر قطرات البنزين على كل أرجاء الغرفة. دموعها تتساقط ولسانها لا يتوقف بالسب والقصف في والدها وكل من تبعه. وصل لأنف الجد حسان رائحة الاشتعال. تجاوز جسد عمر وصعد سلالم الدرج بخطوات مرتعشة. وقبل أن يصل إلى باب الغرفة، وجد الباب يوصد بشكل تلقائي.
وجيدة بالداخل، استدار تجاه الباب لتجد أشباح تتحرك في المكان. ظلت تردد ما تيسر من القرآن ودموعها تنساب على خديها. نظر الجد حسان لحفيده بشار وقال بصراخ:
– الحقني يا بشار. بتي هتروح مني. الحقني يا ولدي. احب على يدك.
نظر بشار لجده ثم نظر لصديق عمره وقال بنبرة متحشرجة إثر البكاء:
– جوم يا صاحبي. جوم يا حبيبي. جوم حط يدك في يدي ونبني من جديد كيف ما كنت رايد. جوم يا حبيبي والله إني مظلوم. يشهد عليّ ربنا يا حبيبي إني تبت عن الطريق دي. جوم عشان تربي ولدك كيف ما بتحلم.
***
بعد مرور يومين.
في المشفى بالقاهرة.
وقف زين أمام حسنة ويده داخل سرواله. يشيح ببصره يمينًا ويسارًا وهو يقول بمرارة في حلقه:
– كنت فاهم إني ظلمتك وإنك لسه فعلًا بتحبيني زي ما بتقولي. لكن بعد اللي عرفته اتأكدت إنك بتروحي للي يدفع أكتر.
سألته حسنة بنبرة مستفسرة قائلة:
– وإيه بقى اللي أنت عرفته عني؟
زفر ضاحكًا وقال بمرارة:
– كتير أوي يا حسنة. كتير. مصايبك طلعت كتير جدًا. بعتي نفسك لعمر وليا. وما خفي كان أعظم.
– بجد والله؟ ومين بقى فهمني إنك رخيصة وبتبيع نفسي؟
– سيبك من اللي قال لي وخليني في كشف حساب المستشفى ده. عمر يدفعه بأي وجه حق؟
جذبته من يده وقالت بنبرة مغتاظة قائلة:
– وأنت مالك يدفعه ليه ولمين؟ أنت كان ممكن تسألني سؤالك ده لو لسه على ذمتك. وكان من حقك وقتها تعرف كل حاجة. لكن دلوقتي لأ ومليون لا. عشان لا بقيت أنا مراتك ولا على مكتوبة على اسمك. عمر يدفع لي أبيع نفسي كل ما دا ملكش فيه.
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هدى زايد
خرجت الممرضة من غرفة الحضانات و قالت بسرعة قبل أن تعود:
– إحنا محتاجين رعاية الطفل، حالته حرجة و بيموت.
اتجهت حُسنة و قالت بلهفة متسائلة:
– رعاية؟ أومال إنتوا إيه و فين هي الرعاية دي؟ انطقي بسرعة!
ردت الممرضة بسرعة موضحة:
– ده قسم الحضانات و ابنك محتاج رعاية، الحال بتسوء كل يوم عن اليوم اللي قبله. اتحركي بسرعة.
تحركت حُسنة ما إن تركتها الممرضة. حاول زين إيقافها لكنها لم تستمع إليه. استوقفها جاذبًا إياها من ذراعها قائلًا:
– استني عندك. فهميني هنا مين ابنك ده و منين و إزاي أصلًا؟
ردت حُسنة بصراخ من بين دموعها قائلة:
– ابعد عني بقى. كفاية. روح لحالك و سيبني في حالي. أنا مش عاوزاك ولا عاوزة منك حاجة. خليني ألحق ابني قبل ما يروح مني.
للمرة الثانية على التوالي نطقت بكلمة "ابنها". كيف، أين، ومتى؟ تُرى من هو والده؟ هو لم يلمسها خلال الفترة التي قضتها في منزله.
خرجت من المشفى و هي تكفكف دموعها بكم جلبابها. رفعت هاتفها على أذنها و قالت بصراخ:
– جدك رجع يلعب معايا تاني يا بشار و أنا مش هاسكت. جدك ده دمر كل حاجة بحاول أبنيها. و دلوقتي جه الدور على ابني. كله إلا ابني يا بشار، سامع؟ كله إلا ابني.
وصل إلى مسامعها صوته المختنق إثر البكاء و هو قال:
– و وجيدة و عُمر ماتوا يا حُسنة. أخويا و صاحبي و نور عيني اللي بشوف بيها مات يا حُسنة. حبيبي و حبيبتك ماتوا يا حُسنة.
ردت حُسنة بعدم استيعاب و قالت:
– أنت بتقول إيه؟ إيه التهريج ده؟ بلاش هزارك البايخ ده و تكدب عليا عشان أعدي اللي حصل ده بالساهل كدا.
وأوصدت الهاتف في وجه بشار. وسرعان ما ضغطت على لوحة المفاتيح بأنامل مرتعشة.
رفعت الهاتف على أذنها مرةً أخرى ثم قالت:
– أنا مش هاسيبك يا حسان. أنا هدمرك زي ما دمرتني. و قبر بنتك مش هرحمه يا أبو وجيدة. سامع؟ مش هرحمه. وحضر نفسك عشان اليوم اللي بقالك خمسة و عشرين سنة بتستناه جه خلاص. و القبر هيتفتح و بدل ما تخرج وجيدة هتدخل لها أنت. و بكرا تقول حُسنة قالت.
وصل إلى مسامعها وصراخه وقهرته و هو يقول بصوتٍ حزين:
– بناتي التنين راحوا يا حُسنة. و عُمر راح يا حُسنة. بشار جابهم. بشار جاب ولادي يا حُسنة.
تابع بوعيد و هو يكفكف دموعه و قال:
– بس لا مش هاسيبك يا بار. و لو كنت في سابع أرض، هاجيبك و هاخد حقي منك. هربي شبل على كره ليك. هاخلي مش شايف حاجة غير الانتقام منك. و أنتِ بكرا اللي تجولي چدي جالها يا حُسنة.
أغلقت حُسنة الهاتف في وجه جدها. دارت حول نفسها باحثة عن زين الذي أتى على الفور.
كانت كالمجذوبة و هي تبحث عن هاتفه و تقول بعدم استيعاب:
– اتصل لي بـ خالد بسرعة. خليني أسمع صوت وجيدة. هات تليفونك يا زين بسرعة.
رد زين و هو يبحث عن هاتفه و نظراته لا تبرح مقلتيها:
– مالها وجيدة؟ في إيه يا حُسنة؟
كانت أنامله تتراقص بتوتر ملحوظ، وأنفاسه تتسارع بشكلٍ مريب. وضع زين الهاتف على أذنه و قبل أن يحدث أخيه، جذبت منه الهاتف و قالت بنبرة متلعثمة:
– أيوه يا خالد. اديني وجيـ….
لم تكمل حُسنة طلبها. سقط منها الهاتف و كلمات خالد المتحسرة تتردد على مسامعها. نظرت لـ زين الذي هزها برفق لتعود لوعيها لكنها سقطت أرضًا فاقدة للوعي. نظر زين تجاه باب المشفى و قال بصراخ:
– دكتور بسرعة. حد يلحقني بدكتور بسرعة.
ما إن انتهى من ندائه لطاقم المشفى حتى أتى أحد الأطباء و الممرضين. تم نقلها و عمل اللازم لها. كان زين يقف في غرفة الطوارئ لا يعرف ما الذي حدث. أتاه اتصالًا من والدته التي أخبرته فيه عن كل شيء حدث.
بعد مرور ساعة تقريبًا.
استعادت حُسنة وعيها بشكلٍ و أصبحت قادرة على التحدث لكنها فضلت الصمت. شردها جعل زين يحترم حضرة تلك الذكريات التي أتتها بغتة. هبطت الدموع من مقلها على خديها بغزارة. اقترب بمقعده الحديدي و قال بنبرة متوسلة:
– حُسنة عشان خاطري بلاش دموع. ادعي لها بالرحمة.
ردت حُسنة متسائلة بنبرة ذاهلة و قالت:
– أدعي لها!! أدعي لها إزاي و هي اللي كانت مغرقاني بدعواتها!!
بسطت حُسنة يدها و قالت من بين دموعها بمرارة:
– دي كانت فاتحة لي دراعتها و بتعاملني أختها. كانت الحضن الحنين اللي برمي فيه لما أعوز أتكلم. دي ياما شالت عني مصايب عشان حسان ما يعرفش و يبهدلني.
نظرت له و قالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء:
– قل لي يا زين أترمي في حضن مين و أحكي له اللي واجعني؟ مين هيحبني زيها و ينصحني زيها؟
بلع زين لعابه و دموعه تتزاحم في مقلته و تأبى البقاء. كم هو أحمق في الوقت الذي يجب عليه احتوائها شرعًا لا يجوز. حدثها بنبرة حانية و قال:
– عشان خاطري يا حُسنة. كل ده ملوش أي داعي. هي دلوقتي بين إيدين اللي أحن مني و منك عليها. ادعي لها بالرحمة.
تابع بجدية و قال:
– أنا لازم أسافر الصعيد. لازم أكون جنب خالد. لازم أحضر الجنازة.
رفعت الدثار عن جسدها ثم قامت بفك المحلول المثبت على ظهر يدها. بينما هو استوقفها قال:
– أنا جاية معاك.
– رايحة فين و أنتِ تعبانة؟ خليكِ هنا.
تابع بتساؤل و الفضول يقوده:
– حُسنة مين البيبي اللي في الحضانة؟
ظنت أنه لن يحصل على إجابة أو تثور لعدم مناسبة سؤال كهذا لكنها ردت بأعين دامعة و هي توضح حقيقة الرضيع و من بين كلماتها العتاب و اللوم الشديدان:
– ده ابن اختي. جت غضبانة من جوزها، ولدت و هي عندنا و حصل حريقة في الشقة. متحملتش و ماتت. مش بس لأ، هي و أمي و اخواتي الصغيرين. مفضلش غير ابنها. كنت واخده عشان عنده الصفرا. رجعت البيت لاقيت النار ما سبتش حتة سليمة في البيت. الحكومة معرفتش توصل للسبب و الطب الشرعي قال ماس كهربائي.
ختمت حديثها بنبرة مختنقة قائلة:
– بس أنا و أنت و العالم كله عارفين إن حسان هو السبب.
احتوى يدها بين كفيه، حدثها و هو مطأطأ الرأس ناظرًا ما تحتوي يده قائلًا:
– عارف إن كل واحد فينا غلط. غلط شكل. بس ربنا غفور رحيم. تعالي نبدأ صفحة جديدة ما يكونش فيها لا جدك و لا أي حد من الماضي. صفحة فيها أنا و أنتِ و بس.
ردت حُسنة و قالت بمرارة:
– و المسكين اللي جه الدنيا لقى أمه ماتت و أبوه مسألش عنه لحد دلوقتي رغم إنه عارف إنه اتولد؟
اقترب زين منها خطوة ليقف أمامها مباشرةً و قال بنبرة صادقة استشعرتها في حديثه حين:
– أنا أبوه و أنتِ أمه. و حياتنا حياته.
حركت حُسنة رأسها علامة النفي و هي تقول من بين دموعها:
– كلكم كدابين. محدش حنين لا غليا و لا ابني. كلكم بتقولوا هتبقوا دنيتي و في الآخر بتضحكوا عليا و تمشوا. مش هاسيب ابني يشوف نفس اللي حصل لي منكم.
كاد أن يقترب منها لكنها ابتعدت و ساءت حالتها. ظلت تصرخ و هي تنادي باسم وجيدة.
علها تنجدها من بين براثن أضغاث الأحلام تلك. لكنها فقدت الوعي و هي تنتظر رد شقيقتها.
❈-❈-❈
مدام شمس، ما هو قولك فيما قاله المدعو بشار الدهشوري، و إنه هو قاتل المجني عليه الدكتور عُمر الدهشوري؟
صاحب العبارة المحقق الذي كان جالسًا على مقعد حديدي و بجانبه كاتب يدون كل ما يسمعه. كانت شاردة لا تسمح لدموعها بالنزول مهما كلفها الأمر، فالبكاء لم يأتي دوره بعد. بلعت لعابها بعد أن كرر المحقق سؤاله. نظرت له و قالت:
– محصلش.
سأله بهدوء قائلًا:
– هو إيه بالظبط اللي محصلش؟
ردت شمس بهدوء و هي تتحسس باطنها المنتفخة إثر الحمل. ما إن شعرت بركلة جنينها:
– بشار ما قتلش عُمر.
– اومال إيه اللي تقدري تحكي لي اللي حصل وقت مقتل الدكتور عمر؟
– عُمر كان جاي من برا و عارف إن بشار هنا. سلم عليه و طلع يغير هدومه عشان يقعد معاه براحته. بيطلع على السلم و هو نزل تاني. رجله خانته زيه بالظبط.
سألها المحقق بمكرٍ قائلًا:
– زي بشار مش كدا؟
أجابته بحكمة و دهاء قائلة:
– لأ. جسمه هو اللي خانه. مقدرش يسيطر على حركة عفوية من رجله.
رد المحقق و قال بضيقٍ مكتوم:
– طب بشار بيقول إن عُمر تشابك معاه عند السلمة الأخيرة فوق و كان بيحاول يولع في الأوضة بدل المجني عليها وجيدة الدهشوري. و إن بشار”زقه عشان يبعد عنه و مكنش قصده يقتله؟
ابتسمت بجانب فاها و قالت بمرارة:
– مش بشار اللي قتل عُمر. مش بشار.
– اومال مين؟
– نصيبه و عُمره. نصيبه و عمره يروح مني قبل ما يفرح بابننا. راح مني زي ما كل حاجة حلوة راحت مني. الموت أخده مني و ساب لي ذكريات.
أردفت شمس عبارتها بقلبٍ مقهور. حاولت أن تصمد حتى آخر لحظة. لكن ضغط ذاك الماكر الذي يتلاعب بالأسئلة ليوقعها في الخطأ و يجبرها على الاعتراف هو الذي أودى بها لحافة الانهيار. الوضع بات غاية في الصعوبة.
أمر الطبيب المحقق بأن يغادر الحجرة لأن الحالة لا تسمح كما أخبره من قبل.
الحالة التي يمر جميع أفراد العائلة جعلته ينتظر لأيام لا يعرف كم عددها. لكن حتما سيضع كلمة النهاية على هذه القضية. كان بشار داخل محبسه يناجي ربه بأن يخلصه من هذا العذاب الذي يحيطه من كل اتجاه.
استند برأسه على الجدار و هو يتمتم بكلماتٍ معاتبة لنفسه تارة و يدعو لـ عُمر تارة أخرى.
غلبه النعاس على حالته تلك، بدأ صورة عُمر تظهر شيئًا فشيئًا و هو يتسأل بنبرة معاتبة قائلًا:
(ليه كده يا صاحبي ليه؟)
رد عُمر بنبرة مقهورة و هو يهز جسده المتكور حول نفسه قائلًا:
– غصب عني يا حبيبي والله غصب عني. معقول برضك أني أأذي روحي؟
على ما يبدو أن بشار أصابته الحمى بدأ يهذي كثيرًا قائلًا بتوسل:
– ارجع يا عُمر و أني أحرق الدار كلها مش الأوضة. ارجع يا حبيبي، ارجع يا سندي و ضهري في الدنيا.
جثا الحارس الخاص بالحبس و قام بوضعه على جبين بشار ليتحسسه. رد بشفقة و عطف:
– لا حول و لا قوة إلا بالله. ديه كيف النار.
حرك رأسه و قال بنبرة متعاطفة:
– مين كان يصدق إنك تجتل صاحب عمرك يا بشار يا ولدي. صحيح احرس من عدوك مرة و من صاحبك ألف مرة.
استدار الحارس لصديقه و قال بجدية:
– قول للبيه المأمور. إنه المتهم بشار چاته حمى و لازم له دكتور جبل ما يموت.
– يموت لا عالجوه. اصرفوا ما يهمكوش من جنيه لمليون بس بشار يعيش. رايده حي.
أردف الجد حسان عبارته و هو يقف عن مقعده داخل غرفة مأمور القسم. من يراه يظنه يتلهف لمعالجة حفيده حتى لا يخسره. لكن في حقيقة الأمر هو يريده لـ يأخذ حقه بطريقته الخاصة.
❈-❈-❈
خلاص يا عُمر أنا سجلت لك نص البيت و بكدا يكون ملكك. مطلوب مني حاجة تاني؟
أردفت حُسنة عبارتها و هي تضع بين يدي عُمر الأوراق التي تثبت ملكيته لنصف منزل الجد سالم. ابتسم و قال بهدوء:
– كان نفسي يبجى مهرك يا حُسنة. بس الظاهر إن مفيش نصيب و ربنا كاتبك تكوني بت عمي و بس.
– عُمر ارجوك كفاية كلام في الموضوع. مراتك مش عاوزها تزعل مني. هي ما شاء الله عليها هادية و رقيقة و متفهمة. بلاش تخليها تتدوس على نفسها أكتر من كدا.
أومأ عُمر برأسه علامة الإيجاب و قال بنبرة صادقة تلمؤها الاشتياق:
– عنيدك حج. هي رقيقة و كيف النسمة. والله ربنا عطاني نعمة هي شمس و فعلا كيف الشمس منورة حياتي.
ابتسمت حُسنة و قالت:
– ربنا يخليهالك و تفرح بابنك. أسيبك بقى عشان الحق أدفع مصاريف المستشفى.
عادت حٌسنة من بئر ذكرياتها الأخيرة التي جمعتها مع عُمر. ذاك الشاب الوسيم الذي وقع على أعتاب قلبها و قال لها أريدك زوجةً. لكن تعنتها الشديد و إصرارها على أن تبقى لغيره جعله يريد أن يفعل أي شيء ليبقى جوارها.
ابتاع منها نصيبها في بيت الجد سالم و هو يعرف حق المعرفة أن من المؤكد الجد حسان لن يمرر هذا الحدث مرور الكرام. لكنه لا يبالي.
ارتـمت برأسها للخلف و تذكرت سؤالها له حين وضع النقود بين يدها و قالت:
– مش خايف جدي يقف قصادك يا عُمر و تخسر كل حاجة؟
نظر لها و قال بأعين مليئة بالحسرة و القهر الشديدان:
– ما فيش خسارة كيف خسارتي ليكِ. الدنيا كلها في كفة و عشقي ليكِ في كفة تانية. واصل.
ردت حُسنة بنبرة معاتبة و قالت:
– يا عُمر من فضلك متخلنيش أندم إني لجأت لك و كلمتك عشان تساعدني.
يرد عُمر و قال بنبرة عاشق لم يتجرع من العشق سوى مرارته:
– غصب عني يا حُسنة. حطي نفسك مكاني. ليل نهار أعد الليالِ عشان تبقي نصيبي. و يوم ما أقول خلاص بجيتي ليّ. رحتِ لغيري.
يختم حديثه قائلًا بمرارة في حلقه:
– الدنيا جسيت عليّ جوي يا حُسنة. كنت ماشي كيف العيل الصغير فيها. لا ليّ دعوة بحد و لا بعرف حد. شغلي الشغال. ميتا أتجوزك. فجأة ييجي چدي و يجول لا نصيبك في الدنيا دي تتعذب و بس.
ردت حُسنة بهدوء و قالت:
– بالعكس يا عُمر. مافيش أحسن من نصيبك. ربنا رزقك بـ شمس و ابنك اللي جاي في السكة. و أظن مافيش أحسن من كدا عوض من ربنا.
صمت مليًا ثم قال بمرارة:
– ها تصدقي لو جلت رغم كل محاولات شمس المستميتة عشان تاخد جلبي فشلت فشل ذريع. مش عارف أحب بعدك.
– عمر ارجوك أنـ…
قاطعه عُمر تحذيره تحذيرها المعتاد للمرة المئة بعد الألف و هو يخرج ما يجيش بداخله و كانه جبل جاثم على صدره:
– ارجوكِ أنتِ يا حُسنة. بكفاية بجى. ليه مش عاوزة تحسي بيا؟ خابر إن بابنا اتجفل و مافيش في رجوع. لكن اني چوايا كاتير كاتير جوي يا حُسنة. يمكن ديه المرة الأخيرة اللي هاشوفك فيها.
– بعد الشر عليك. ليه بتقول كدا؟
– جلبي بيجول لي إن في حاجة ها تحصل. إيه هي مخابرش. أني كل اللي طالبه منكِ يا حُسنة إن منين ما اچاي على بالك تدعي لي ربنا يجمعني بيكِ في جنته. چايز ملناش نصيب في الدنيا بس في الآخرة ربنا ها يجبر بخاطري. هو بشر الصابرين و أني صبرت كاتير كاتير جوي يا حسنة.
أجشهت بالبكاء و هي تعود من بئر تلك الذكريات التي لا ترأف بها. و على ما يبدو أنها لن ترأف بها اليوم. تعال صوت نحيبها و هي تدعو له. نار تأجج بصدرها. ظلت تصرخ حتى أتى الطبيب و وضع الإبرة الطبية و قام بحقن ورديها بالمهدئ علها تأخذ قسطًا من الراحة.
يتبع….
رواية زوجة ولد الأبالسة الفصل العشرون 20 - بقلم هدى زايد
جلبي بيجل لي إن في حاجة ها تحُصُل، إيه هي مخابرش. أني كل اللي طالبه منكِ يا حُسنة، إن منين ما يجي على بالك تدعي لي ربنا يجمعني بيكِ في جنته. جايز ملناش نصيب في الدنيا، بس في الآخرة ربنا ها يجبر بخاطري. هو بشر الصابرين، وأني صبرت كتير كتير جوي يا حسنة.
أجهشت بالبكاء وهي تعود من بئر تلك الذكريات التي لا تترأف بها، وعلى ما يبدو أنها لن تترأف بها اليوم. تعالي صوت نحيبها وهي تدعو له. نارٌ تأججت بصدرها، ظلت تصرخ حتى أتى الطبيب ووضع الإبرة الطبية وقام بحقن ورديها بالمهدئ، علها تأخذ قسطًا من الراحة.
بعد مرور ثلاث أيام كاملة من التحقيقات المكثفة، لم تصل النيابة إلى الأدلة الكافية، فتم حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة. خرج بشار في حالة يرثى لها، وكأنه مجذوب أو شحاذ، ملابس غير مهندمة ولحية طويلة وكثيفة وشعر معشش يختلط به بعض الأتربة إثر نومه على الأرض. كانت زوجته في استقباله. ما إن ولج من باب منزل الجد سالم، عانقته بقوة، بينما هو بكى كالطفل الذي فقد والدته في الزحام، والآن فقط وجد ضالته.
حاولت تهدئته وهي تخرجه من حضنها، حدثته من بين دموعها وقالت بمرارة:
– أنت مستحيل تأذي نملة، مش صاحب عمرك وابن عمك دا غصب عنك.
رد بذهول وقال بغصة مؤلمة:
– غصب عني؟ كيف!!!
رد الجد سالم وقال بعقلانية:
– وحد الله يا ولدي واطلع اتسبح وغير خلجاتك، الجنازة بعد صلاة العصر، يا دوب نلحق.
نظر له بشار وكأن عقله لا يستطيع ترجمة تلك الإشارات. عاد ببصره لزوجته التي بدأت تقوده حيث غرفتهما بالمنزل لتبدأ أولى المهام الصعبة بالنسبة لها.
بعد مرور نصف ساعة.
كان الجد ورجب في انتظار بشار الذي أتى بخطوات متثاقلة. وقف أمامهم وقال بنبرة ساخرة والدموع لا تفارق عيناه منذ ذلك اليوم:
– اقتل القتيل وامشي في جنازته!!
استقل الجد وجواره بشار، بينما أشار رجب لرجاله وقال بتحذير ونبرة لا تقبل النقاش:
– عاوز عينكم ديه تبجى مفنجلة كيف السبع في الليل، النملة ما تدخلش الدار ولا تخرج طول ما إحنا برا، مفهوم؟
رد الرجال وقالوا في آنٍ واحد:
– مفهوم يا كابير.
أشار رجب لمجموعة من الرجال وقال:
– انتوا تعالوا معايا وسلاحكم يبجى جاهز لأي حركة غدر، وانتوا تحوطوا الدار من كل ناحية، واللي ها يسيب مكانه يدفن روحه بدل ما أجي أنا وأعملها.
بعد مرور عشر دقائق.
وصل الجد سالم مع أحفاده بشار ورجب. كانوا في انتظار جثامين عائلة الدهشوري. كانت البلدة بأكملها خلف عمر ووجيدة، ليس خوفًا من الجد حسان بل حبًا فيهما. النساء تبكي والرجال تتسابق على حمل التابوت. لم يوافق خالد على أن يترك تابوت زوجته طيلة هذه المسافة. كلما خطى خطوة تذكر شيئًا جمعه بها، تذرف دموعه فيحاول مسحها قبل أن تنسدل على خده. وصلوا أخيرًا إلى المقبرة. انضم بشار ليشاركهم مراسم الدفن بعد أن انتهوا من صلاة الجنازة.
رفع الجد حسان عكازه وقال بنبرة لا تقبل النقاش محذرًا حفيده:
– بعد يدك عنهم، اوعاك تجرب لهم، ديه مش أمر ديه تحذير أخير، بعد عنهم أحسن لك.
رد الجد سالم وقال بهدوء لبشار:
– تعال يا ولدي تعال، جاريحك.
الجد حسان وقال بإبتسامة لا تتناسب مع الموقف أو المكان، لكنه يعرف بغريب الأطوار، فهذا من الطبيعي لديه:
– روح لجدك يا بشار، روح واسمع حديثه، يمكن تكون آخر مرة تسمع حديثه فيه.
نظر الجد الرجال في البدء بالدفن. تساقطت دموع بشار وهو يرى صديقه يلج مثواه الأخير وهو مكتوف الأيدي. نيرانٌ متأججة داخل قلبه، يريد أن يلمسه لآخر مرة قبل أن يغلق الباب. رأى طيفه يجوب المكان وابتسامته لا تفارق شفتاه كسابق عهده. مد بشار يده وقال بخفوت:
– متروحش يا صاحبي، خليك وياي، أنا محتاجك يا صاحبي. خنت العهد اللي بيننا ليه؟ أنا عملت لك إيه عشان تروح وتهملني لحالي يا صاحبي؟ رد عليا، على فين كده!!
ربت الجد سالم على كتف بشار وقال بأسى:
– ما دائم إلا وجه الله يا ولدي.
بدأت الناس تغادر المكان بعد دفن الجثامين، حتى بقى الجد سالم وأحفاده. سار بشار بخطوات هادئة وكأنه عجوز لا يستطيع الحركة بخطوات أسرع من هذه. سقط على ركبتيه ثم وضع رأسه على الجدار، طرق بيده بخفة قائلًا بخفوت:
– قوم يا صاحبي، كلهم مشوا، قوم بقى التمثيلية خلصت خلاص.
نظر الجد سالم لحفيده رجب وقال:
– إحنا لازم نعمل له حاجة يا ولدي، بشار كده عيروح مننا.
قال رجب:
– متقلقش يا جدي، ها يبقى بخير بس هو محتاجه يومين كده ويبقى تمام.
عاد رجب ببصره مرةً أخرى، وجد بشار يكفكف دموعه بطرف جلبابه وقال:
– أنا أهو بقيت راجل وما أبكيش، قوم يا صاحبي.
قرر الجد التدخل وهو يقول بهدوء:
– قوم يا ولدي كده حرام.
رد بشار:
– واللي بيحصل ده مش حرام؟
رد الجد:
– يا ولدي لكل أجل كتاب، ومحدش عارف اللي ها يموت بعد كده؟
رد بشار:
– هو ربنا بيعمل معايا كده ليه؟ خد الطيبين مني و...
رد الجد وقال بعقلانية وهو يربت على كتفه بحنو وحب:
– كل نفس ذائقة الموت يا ولدي، واللي عمره بيخلص بيمشي. إحنا كلنا أموات ولاد أموات، ولا نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ختم حديثه وهو يحثه على الوقوف قائلًا بنبرة حانية:
– قوم الله يرضى عنيك يا ولدي، قوم المشوار لسه هيبدأ.
وقف بشار مع الجد وعيناه لا تبرح قبر صديق عمره ورفيق الدرب. لم يتأثر بموت وجيدة قدر ما تأثر بموت عمر، ربما لأنه هو من تسبب في موته. عاد للبيت مرة أخرى وهو يجر خيبات الأمل خلفه، كان يظن أن كل ما يفعله مجرد أضغاث أحلام وقريبًا سيعود لوعيه، لكن كلما مر بين الناس يستمع لهمزات هذا وذاك أنه هو قاتل ابن عمه ولم تستطع الشرطة إثبات ذلك.
ولج غرفته وارتمى بجسده على حافة الفراش، أرخى جفنيه محاولًا أن يفصل نفسه عن العالم المزيف ويعود لعالمه الحقيقي مع عمر. كم تمنى أن يبقى كما حدثته خديجة لأن قلبها يخبرها بأن تلك الليلة الملعونة لن تمر مرور الكرام. حدث ما تنبأت به ووقع في الفخ وندم أشد الندم.
***
داخل شقة فارهة بمدينة القاهرة، جلست حسنة مع ابن أختها غير الشقيقة، تطعمه الحليب الصناعي الذي ابتاعه لها زين قبل أن يعود الصعيد لحضور مراسم الدفن. كان الصغير يتضور جوعًا. ملست بأناملها على خده الأيسر وهي تتذكر ذاك المشهد الحالم الذي عاشته مع زين قبل مغادرته حين حمل الرضيع بين يدها وقال بنبرة حانية:
– أنا جبت له كل حاجة ممكن يحتاجها واللبن كمان، جبت لك حاجات تكفي أسبوع.
وضع الصغير بين يدها ثم قال بنبرة هامسة حتى لا يوقظه:
– خلي بالك، هو أكل وتمام، مش هايصحى قبل ساعتين. أنا ها أمشي وابقى أرجع بعد يومين.
نظرت له وقالت بإمتنان:
– تعبتك معايا يا زين، من يوم ما شوفتني وأنا بوقعك في مشاكل دايمًا.
رد زين بنبرة حانية وهو يجلس على الطرف الآخر من الأريكة وقال:
– ياريتك تتعبيني كده على طول يا حسنة.
تابع بتوتر ملحوظ وقال:
– أنا عارف إن لا ده وقته ولا مكانه، بس أنا عاوزك ترجعي لي يا حسنة.
كادت أن ترد لكنه منعها قائلًا:
– فكري يا حسنة، خدي وقتك في التفكير. هرجع الأسبوع الجاي وأعرف ردك، ويا ريت تبقي موافقة. إحنا ملناش غير بعض يا حسنة، أنا بحبك وأنتِ بتحبيني، واللي حصل غلط مننا إحنا الاتنين وأنا بدأت بالصلح.
وقف زين عن مقعده وقال بهدوء قبل أن يغادر:
– هرجع لك الأسبوع الجاي وأتمنى توافقي وترجعي تنوري بيتي وحياتي كلها.
قبل أن يستمع لردها، انتشلها من بئر ذكرياتها صوت الرضيع وهو يتمطع في نومته. ابتسمت رغم أحزانها، النظر في وجه ملائكي كهذا يسر عينيها. وضعته برفق جوارها على الفراش، مدت بجانبه وهي ترخي جفنيها، تريد الحصول على قسط من الراحة قبل أن تبدأ يومًا جديدًا لا تعرف كيف يبدأ ولا من أين ينتهي.
***
بعد مرور أسبوعين.
شعرت شمس بألم المخاض، كانت تتألم في نومها. دموعها التي تنساب على خديها لا تعرف إن تنسدل حزنًا على حبيبها أم من فرط آلامها التي تزداد دقيقة تلو الأخرى. فتحت الضوء الخافت وهي تنادي باسم زوجها عله يجيبها كعادته:
– يا عمر قوم، أنا بولد، قوم يا عمر هات الشنطة اللي حضرناها سوا ويلا نروح المستشفى، يلا يا حبيبي.
لم يرد على ندائها. نظرت بجوارها وجدت مكانه فارغًا، منامته التي كان يرتديها قبل سفره هي فقط الموضوعة محله. ردت بنبرة متحشرجة إثر البكاء وقالت:
– ليه كده يا عمر، ليه؟ وعدتني تفضل جنبي، رحت ليه يا حبيبي وسبتني لوحدي!
التقطت هاتفه وقامت بالاتصال على بشار الذي كان في سبات عميق. نظر للشاشة وجد اسم عمر، انتفض من نومه وهو يردد بخفوت:
– عمر!
للحظة ظن أن ما كان يمر به أحلام مزعجة والآن فقط استيقظ منها. ضغط على زر الإجابة وقال بصوتٍ يملؤه الفرح:
– أيوه يا حبيبي.
تبدلت الابتسامة الواسعة لوجوم وظلام حالك ما أن وصل لمسامعه صوت شمس المعاتبة له وهي تقول:
– اخس عليك يا بشار، هان عليك تاخده مني ليه كده؟ دا حتى عمر كان بيحبك وبيقول عليك أخوه، هي دي الأخوة؟ تقتله!
حرك بشار رأسه بعنف وهو لا يتحمل صوتها المعاتب له. بكاؤها يمزق نياط قلبه. تساقطت دموعه على خديه ثم قال بنبرة صادقة:
– والله العظيم ما كان قصدي يا شمس، والله ما خابر عملت كده كيف! لو بتوجعي على حبيبك مرة، أنا بتوجع عليه ألف مرة. أنتِ عارفاه امبارح، لكن أنا وهو وعينا لقينا بعضنا كتف في كتف بعض.
صرخ بصوته المختنق وهو يضرب بيده على صدره وقال:
– نار في صدري ها تموتني يا شمس، مقدرش أطفيها. بعده عني كسرني وجهرني أكتر من موت أخوي اللي من أمي وأبويا.
نزعت خديجة من يد بشار الهاتف وهي تضمه لصدرها، لقد عانى كثيرًا وما زال يعاني بسبب فراق عمر. أوصدت شمس الهاتف في وجهه، تعرف أن على حق بل كل الحق، لكن لا تعرف ماذا تفعل لتهدأ نيران قلبها المتأججة.
ازداد آلام المخاض وبدأ جنينها يركلها بقوة وكأنه يريد أن يأتي لهذه الدنيا ليوقف معها ويخفف عنها موت أبيه.
نقلت شمس للمشفى بعد أن ساءت حالتها. كان الجد حسان يسند برأسه على رأس عكازه الشيطانية في انتظار سماع أي خبر يطمئنه. حتى الآن لم يخرج الطبيب. عائلة شمس لم يأتي منها سوى والديها وهم كبار السن. كانت شمس ابنتهما الوحيدة، وزواجها من عمر أكبر عائق واجهته مع عائلتها الصغيرة، لكنها انتصرت بالنهاية.
جلست والدتها تقرأ القرآن الكريم ووالدها يذكر اسم الله، بينما كان حسان يشعر بالاشمئزاز لما يدور في المكان. خرجت الممرضة ومعه الصغير وهي تقول:
– ولد زي القمر.
وقف الجد حسان متجهًا نحو الممرضة، تناوله منها وقال بلهفة:
– هو زين؟
ردت الممرضة وقالت:
– اهو بين إيدك، اطمن.
ردت والدة شمس بلهفة قائلة:
– المهم يا بنتي أمه عاملة إيه؟
نكست الممرضة رأسها وقالت بنبرة حزينة قبل أن تعود مرة أخرى:
– ادعوا لها بالرحمة، القلب ما تحملش وماتت.
صرخت دوّت المكان تحسرًا على وفاتها المنية. بينما غادر حسان وهو يحمل الرضيع محدثًا نفسه قائلًا:
– ملناش مكان اهني يا ولدي، اللي راح راح خلاص.
***
فتحت حسنة باب الشقة وعلامات الحزن تكسو وجهها. لقد سئمت من الأخبار السيئة، الوضع بالنسبة لها أصبح لا يطاق حقًا. نظرت لتلك الماثلة أمامها وجدتها والدة زين. طالعتها طويلًا ثم قالت بنبرة جادة:
– اتفضلي، ولو إن البيت مش قد المقام.
ولجت والدة زين والإبتسامة الخفيفة تزين ثغرها الوردي. جلست على أقرب مقعد بجانب الباب وهي تقول بهدوء:
– اقعدي يا حسنة، عاوزة أتكلم معاكِ كلمتين.
جلست حسنة وهي تقول بضيق:
– خير؟
ردت والدة زين بإبتسامة بشوشة:
– كل خير يا حسنة.
صمتت برهة قبل أن تتابع حديثها قائلة:
– ارجعي لزين يا حسنة.
ردت حسنة:
– مين اللي بيقول ارجعي لزين حضرتك؟
قالت والدة زين:
– أيوه أنا يا حسنة، أنا ما يهمنيش في الدنيا دي كلها غير إني أشوف ابني سعيد، وهو سعادته معاكِ يبقى ليه لا.
تابعت موضحة بنبرة صادقة:
– حسنة، أنا ما عنديش مشكلة شخصية معاكِ، أنا كل اللي مضايقني منك إنك بس داخلة تفرضي سيطرتك، ومش هكدب عليكِ وأقول إنك أنتِ البنت اللي كنت راسمها في خيالي لزين، بس كفاية أقولك إن اللي يحط ابني في عينه أحطه جوا قلبي، وأنتِ عاملتي ابني بما يرضي الله، وهو بيحبك وأنتِ كمان بتحبيه.
ردت حسنة بغطرسة وقالت:
– أنا مبحبش حد.
ابتسمت لها وقالت بمرح:
– طب عيني في عينك كده.
ردت حسنة بنبرة معاتبة وقالت:
– وهتفرق في إيه، بحبه ولا لا؟ ما هو طلقني وخلاص.
قالت والدة زين:
– ينفع ترجعوا لبعض عادي يا حسنة، متكبريش الموضوع، ارجعي لبعض قبل العمر ما يجري منكم ومتلحقوش تعيشوا أحلى أيامكم.
ردت حسنة قائلة بجدية:
– موافقة، بس بشرط.
قالت والدة زين:
– اؤمري.
قالت حسنة:
– ابني يفضل معايا، ده ملوش حد غيري.
ابتسمت والدة زين وقالت بنبرة حانية:
– وهو ده شرط برضه؟ ده أمر مني ليكِ أنتِ وزين إن جواد يفضل معانا.
وقفت حسنة عن مقعدها متجهة نحو والدة زين محتضنة إياها بقوة، والسعادة لاول مرة منذ ما حدث تنير وجهها. نظرت لها وقالت بجدية مصطنعة:
– اتصل على زين يجيب المأذون والشهود؟
أومأت لها برأسها علامة الإيجاب وقالت:
– أيوه.
قالت حسنة:
– حلو، نكتب الكتاب ونعمل حفـ..
ردت حسنة مقاطعة إياها قائلة:
– حفلة لا، معلش إحنا هنكتب ولما تعدي السنة على وجيدة نبقى نتجوز.
قالت والدة زين:
– أيوه يا حسنة، بس سنة كتيرة أوي يا حبيبتي.
قالت حسنة:
– ما هو برضه ما ينفعش أتـجوز وأعمل حفلة وأختي بقالها أسبوعين ميتة!!!
قالت والدة زين:
– في دي عندك حق، إحنا نعمل حل وسط.
قالت حسنة:
– إزاي؟
قالت والدة زين:
– نكتب الكتاب عادي بدون أي مراسم، وزين ياخدك وتتفسحوا شهر عسل، أو خلينا نسميها تغيير جو بسبب اللي حصل ده.
قالت حسنة:
– برضه لا، هو كتب كتاب وبس، خلي شهر العسل أو خلينا نسميها تغيير الجو اللي بتقولي عليه ده بعدين، لكن دلوقتي كفاية كتب الكتاب بس.
سألتها والدة زين بفضول قائلة:
– يعني هترجعوا عادي من غير أي حاجة؟ ولا هاتصبري لحد ما يعدي فترة؟
أجابتها بهدوء قائلة:
– لا، زين يجيب المأذون نكتب ونرجع لبعض، لكن لا سفر ولا حفلات، بصراحة مليش نفس، أنا لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب أي صدمة من الجداد.
ردت والدة زين قائلة:
– صحيح معرفتيش حاجة عن والدة عمر؟
رفعت حسنة كتفيها قائلة بنبرة حزينة:
– كل اللي سمعته إنها توفت بعد ما جالها خبر عمر، الله يرحمه وادفنت في البقاع في السعودية.
تابعت بتأثر قائلة:
– ماتت من حسرتها على ابنها، أنتِ متعرفيش عمر ده كان إيه بالنسبة لها.
ردت والدة زين بنبرة هادئة قائلة:
– مش عارفة ليه يا حسنة، إن الست دي ما ماتتش، وإن اختفائها وراه سر كبير.