تحميل رواية «ظلمها عشقا» PDF
بقلم فرح صالح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - جلست فوق فراشها تضم ركبتيها الى صدرها تضع يديها على أذنها بقوة في محاولة منها لإبعاد تلك الأصوات الآتية إليها من الخارج وقد إمتزجت أبواق السيارات مع الاغاني الشعبية تصاحبها زغاريد النساء تعبيرا عن فرحتهم وسعادتهم بهذا الزفاف. كانت الاصوات كطعن سكين حاد يمزق قلبها بلا رحمة أو هوادة .. كانت كالمخالب تشق صدرها ثم تنهش قلبها من داخله ثم تدعسه بقسوة بينهم ثم تلقى به أرضاً فتتركها بعدها جسدا بلا روح.وكلما حاولت صم تلك الأصوات عنها ازداد جسدها ارتجافا كمن يحارب في معركة خاسرة، ونعم هي بخسارة ، فا...
رواية ظلمها عشقا الفصل الأول 1 - بقلم فرح صالح
جلست فوق فراشها تضم ركبتيها الى صدرها تضع يديها على أذنها بقوة في محاولة منها لإبعاد تلك الأصوات الآتية إليها من الخارج وقد إمتزجت أبواق السيارات مع الاغاني الشعبية تصاحبها زغاريد النساء تعبيرا عن فرحتهم وسعادتهم بهذا الزفاف. كانت الاصوات كطعن سكين حاد يمزق قلبها بلا رحمة أو هوادة .. كانت كالمخالب تشق صدرها ثم تنهش قلبها من داخله ثم تدعسه بقسوة بينهم ثم تلقى به أرضاً فتتركها بعدها جسدا بلا روح.وكلما حاولت صم تلك الأصوات عنها ازداد جسدها ارتجافا كمن يحارب في معركة خاسرة، ونعم هي بخسارة ، فاليوم قد خسرت حب وحلم وصباها الى الأبد، حلم طالما تمنته برغم علمها باستحالة تحقيقه، لكن. ظلت دائما تلك الشعلة الضعيفة من الأمل الموجودة بداخل قلبها تخبرها يوما بعد يوم انه لها، وسوف تحدث معجزة يوما ما ويصبح لها، لتتوهج هذه الشعلة بداخلها يوما بعد يوم لتصبح نورا ساطعا يملئ قلبها وجعلها تتوهج معه رغما عنها، لكن تأتي رياح الحقيقة لتطفئ شعلة أملها هذه وتطفئها معها ، فاليوم زفافه على غيرها ، وقد اختار من تناسبه مكانا وحسبا ونسبا وأصبح ملكا لغيرها وليس لها الحق بعد الآن حتى بأن تحلم به ،، فقد أتى يوم زفافه ليمحو كل دعاء وصلاة قد قامت بهم يوما حتى لا يكون لغيرها...آاااااااه ، صرخت بتلك الآهه بدون صوت، اخرجت معها كل ألامها ووجعها الذي يمزقها، تشيع دموعها المنهمرة عشقها الذي ادماها وادمى قلبها.. فتحت مصراع نافذتها بشق بسيط تطل من خلاله بعينيها مشوشة الرؤية بسبب دموعها لكن اسرعت تمحيها بعيدا حتى تتشرب صورته وهو بكامل اناقته وجسده المتناسق فارع الطول المحكم داخل بذلة سوداء، واقفا بجانب سيارته يفتح بابها مساعدا عروسه على الترجل منها بهدوء ومراعاة لتقف بجواره بفستان زفافها ناصع البياض مبتسمة بسعادة يشع وجهها بالفرحة وهي تتطلع إليه. ارتجف جسدها كما لو اصابته الحمى ترتعش معه يدها التي تمسك بالنافذة حتى كادت ان تفلت منها تشعر بدقات قلبها تزداد ارتفاعا وهو يتصارع داخل صدرها كما لو كان يريد القفز من محبسه والذهاب اليه مرتميا أرضاً تحت قدميه متوسلا.. عندما ارتسمت على وجهه تلك االابتسامة والتي طالما عشقتها، تلك الابتسامة التي كانت تمضي معظم وقتها خلف نافذتها تراقبه بشغف حتى تلمحها على وجهه تتمنى داخلها لو يخصها بها ولو لمرة واحدة ، ولكن حتى هذه لم تعد من حقها حتى تمنيها. وقفت مكانها تتابع ما يجري بعيون أصبحت بلون الدم في وجهها الشاحب لا تكتفي من المشاهدة حتى سحبت فجأة من بين يديها النافذة ثم اغلقت بعنف يتبعها صوت شقيقتها تأنبها ولكن بصوت مشفق = كفاية كده حرام عليكي، هتموتي نفسك. لم تجيبها بل ارتمت في حضنها تبكي قد انهار سد دموعها تطلق رغما عنها آااااه متألمة تكتمها في احضان شقيقتها والتي اخذت تربت فوق ظهرها بحنان تهمس بكلمات مهدئة تعلم انها دون جدوى لكنها كل ما في استطاعتها قائلة بصوت مشفق حنون = بكرة هتنسيه صدقيني ده حب مراهقة ولعب عيال، بكرة هتضحكي كل ما يجي في بالك وتقولي ايه الهبل اللي كنت فيه ده. رفعت وجهها تنظر الى شقيقتها بتضرع تسالها بصوت لاهث متقطع من اثر بكاءها = بجد يا سماح، بجد هيجي يوم واقدر انساه، هيجي يوم والوجع اللي في قلبي ده يخف. جذبتها سماح الى احضانها مرة أخرى ثم اغمضت عينيها ثم اغمضت عينيها تقاوم دموعها هي الاخرى التي تهدد بالانهمار.. تمرر كفها فوق خصلات شعر شقيقتها قائلة بصوت متحشرج حاولت اظهاره ثابت وواثق = طبعا يا قلب اختك، وبكرة تقولي سماح قالت، انتي لسه صغيرة وبكرة تحبي وتتحبي وتعيشي حياتـ.... تشبثت بشقيقتها تهتف بصوت متألم مجروح تقاطعها كأن تصورها لما تقوله شقيقتها يقتلها = لااا، انا مش عايزة احب غيره، ولا عايزة غيره يحبني ولا يكون من نصيبي، انا مش عاوزة ده مش عاوزه ده يا سماح. ازداد صوتها هياجا وصراخا في اخر كلماتها فلم تجد معه شقيقتها حلا لتهدئتها سوى أن تطاوعها موافقة بكلمات أخدت تهمهم بها رغم علمها انها كلمات ووعود جوفاء لن تتحقق بعد ما صار الليلة._______رجعتلكم برواية جديدة بـ نوعية جديدة زهقنا بقى من البدل والجو ده .. مشوقة جدا واحداثها روعة 🥹اتمنى تعجبكم ومتبخلوش بلايك وشير علشان توصلكوا وتستمر 😊 .. هنزل كل يوم فصل 🌹
دلفت داخل الغرفة الخاصة بها مع شقيقتها تهتف بلهفة وعجالة
: بت يا فرح الحقى.. عندى ليكى خبر بمليون جنيه
لم تعيرها شقيقتها اهتماما تظل على وضعها مستلقية فوق الفراش وهى تضع احدى الوسائد فوق راسها
لتقترب منها سماح هاتفة بغيظ وهى تدفع بالوسادة بعيدا عن رأسها
:عاملة نفسك نايمة...بقولك قومى يابت...لو سمعتى الخبر هاا....
قاطعتها فرح تتقلب فوق الفراش الى الجانب الاخر تهمهم بصوت يغلبه النعاس
: سبينى وحياتك ياسماح انا مصدقت ماما تنام علشان انام انا كمان شوية.
تراجعت سماح بعيدا عنها قائلة ببطء وبكلمات ممطوطة
:طيب.. براحتك.. انا بس حبيت اقولك.. ان صالح ابن الحاج منصور... طلق مراااته.
فور ان نطقت بكلماتها الاخيرة حتى هبت فرح جالسة فى الفراش متسعة العين بصدمة تهمس قائلة
: انتى بتقولى ايه؟!
ابتسمت سماح بسماجة تتحرك بأتجاه الباب قائلة
: اللى سمعتيه... نامى بقى... ده لو عرفتى.
ثم تحركت تهم بالخروج بعدها من الغرفة لكن فرح اسرعت بالنهوض وهى تتعثر بالاغطية تتجه نحوها بلهفة ممسكة بذراعها ضاغطة فوقه بقوة توقفها وهى تسألها بصوت متحشرج وكلمات متعثرة
:مين قالك ....ط...لقها ...ليه...حص..ل.. ايه!
هزت سماح كتفيها دلالة عن عدم معرفتها قائلة
:معرفش بس مرات خالك لسه جايه من هناك وبتقولى طلقها ومن يومين كمان و متعرفش ليه امه مرضيتش تقول.
ارتعشت اناملها يخف ضغطها من فوق ذراع سماح تشعر بارتفاع حرارة جسدها فجأة ثم تفر من جسدها دفعة واحدة وهى تتراجع الى الخلف متعثرة بعيون متسعة مصدومة لتهتف بها سماح محذرة حين رأت حالتها تلك
:بقولك ايه مش هنعيده تانى ....طلق مطلقش ميهمناش ....انا قلت اعرفك قبل ما تعرفى من برة ...غير كده تفوقى.
لكنها تنهدت تهز رأسها بأستسلام حين وجدتها مازالت على حالها تصم اذانها عن حديثها تقف مكانها كتمثال متجمد لايسمع ولا يرى فتتنهد مستسلمة تلوى شفتيها بتبرم تهمهم بكلمات حانقة وهى تتحرك بأتجاه الباب مغادرة تغلقه خلفها تاركة الاخرى تقف مكانها بقلب يرتجف بين اضلعها ووجه شاحب لاتدرى اتسعد بهذا الخبر ام تخشاه لانه سيعيد من جديد احياء امال استطاعت قتلها يوم ان علمت بخبر زواجه باخرى... حين وقفت بسنوات عمرها وصباها السابعة عشر تشاهد من نافذتها فارس احلامها يزف الى تلك التى تناسبه...تلك الفتاة التى وجد بها ما لن تكون هى يوما عليه واختارها لتكون زوجة له.
ليلتها اخذت تقنع قلبها فى محاولة لتهدئة النيران المستعيرة به وتسكين الامه بانه لم يكن سوى حب مراهقة سيزول مع الايام وستنسى ... وستأتى اوقات بعدها وستضحك وتمزح فيها حين يمر بخاطرها... وستنساه وستنسى حبها هذا له.
وقفت مكانها تتذكر كل ما اخذت تحدث به نفسها يومها وهى تجلس فى غرفتها بعد ان قضت ليلة زفافه كاملة بقلب نازف وعيون انهكها البكاء....
لكنها لم تكن سوى اوهام اقنعت نفسها بها لأكثر من سنتين محاها فى لحظة خبر طلاقه وانفصاله عن زوجته ...لتجد نفسها فى نهاية الامر ورغماً عنها يتوهج قلبها بالامل ويحيى بداخلها مرة اخرى رغم كل ما قالته.
************
بعد انتهاء العزاء وانصراف المعازين تجمع عدد من رجال الحارة المعرفون بعلو بشأنهم وهيبتهم وحكمة قرارتهم داخل صوان العزاء تتركز اعينهم على ذلك الجالس فوق مقعده يحاول رسم الطيبة والمسكنة فوق ملامحه يناقضها طابع ملابسه الغير ملائم لحدث وفاة شقيقته واهتمامه الزائد بمظهره حد المبالغة بقميصه الاحمر زاهى وقد ارتدى معه بنطال ناصع البياض وحول عنقه سلسال من الذهب يكمل بها مع الخاتم الموجود فى بنصره هيئته والتى لاتدل على سنوات عمره والتى تجاوزت الاربعين ببضع سنوات وهو يتحدث بصوت خفيض يتصنع الالم به
:كلام ايه اللى بتقولوه ده يا ناس...دول بناتى قبل ما يكونوا بناتها وانا اللى مربيهم من يوم ما ابوهم مات وجم قعدوا عندى.
تبادل الرجال النظرات فيما بينهم ثم استقرت على من يعدونه كبيرهم فى انتظار كلمته ليزفر الحاج منصور الرفاعى بقوة قائلا بصوت جاد وحازم النبرات
:يعنى يا مليجى هتتقى الله فيهم...واللى كان بيحصل ايام المرحومة مش هيحصل تانى؟
رفع مليجى رأسه سريعا يهتف بتأكيد ولهفة
:طبعا يا حاج...دول بنات الغالية وفى عنيا...واى حاجة تحصل منى فى حقهم يبقى حسابى معاك..واللى تقوله ساعتها هيبقى سيف على رقبتى.
:لا يا عايق.....من هنا ورايح حسابك هيبقى معايا انا...وياويلك منى لو فكرت تزعل واحدة منهم
ارتعدت فرائص مليجى هو يحاول ابتلاع غصة الخوف فى حلقه والتى كادت ان تهلكه حين تعال هذا الصوت الحاد قوى وواضح النبرات من ذلك الجالس منذ بدء الحديث مراقبا اياه بصمت متحفز وعينيه لا تفارقه كعين صقر يستعد لانقضاض على فريسته دون رحمة يصدح صوته محذرا بتلك الكلمات جاعلا من جميع الحضور يهمهم استحسانا بعدها ليدرك مليجى انه وقع بين ايدى من لا يرحم وهالك لا محالة ان اخلف بوعده هذا.
****************
**بعد مرور شهر على تلك الاحداث**
وقفت "سماح" على باب غرفتهم تصرخ فى وجه شقيقتها الصغرى بغيظ
: ما تخلصى يازفته... خلينا نخرج من هنا قبل ما خالك المعدول مايجى وينفض جيوبنا ونقضيها مشى زاى كل يوم.
لم تعيرها "فرح" اهتماما وهى تقف بقامتها المتوسطة الطول ترتدى جونلة طويلة فوقها قميص بهت لونه من كثرة مرات غسله تتطلع فى المرآة امامها بعينيها دخانية اللون وهى تعدل من وضع حجابها والتى تخفى خلفه خصلات شعرها بلونها العسلى قائلة ببرود وعدم اكتراث
: خلصت اهو... وبعدين مستعجلة على الغلب اووى ياختى.
اقتربت "سماح " منها تمضغ علكتها ببطء قائلة
: لا مش مستعجلة ولا نيلة... بس نار الشغل ولا جنته ياختى عاوزين نخلع قبل ما يجى.... ويلا اخلصى بقى خلينا.....
قطعت حديثها ترهف السمع حين تعالت اصوات رجالية حادة من الخارج لتهتف بحماس وسعادة وهى تسرع ناحية النافذة
: الحقى خناقة فى الحارة... يا ترى مين كده على الصبح.
فتحت النافذة تتطلع الى خارجها بفضول سرعان ما تحول الى ذهول وهى تهتف
: الحقى يابت... ده المنيل خالك هو اللى بيتخانق مع المعلم ابراهيم.
نفضت فرح رأسها بعدم اكتراث ثم انحنت تبحث عن حذائها اسفل الاريكة فتعال صوت سماح تهتف بفرحة مستمتعة
: يااااختى..... ده صالح كمان دخل فيها... وجايب خالك من قفاه.
توقفت فرح عن الحركة متجمدة حين استوعب قلبها قبل عقلها كلمات شقيقتها تتوسع عينيها بلهفة وفرحة وهى ترفع راسها من اسفل الاريكة سريعا وبدون احتراس فتصطدم بحافتها بقوة جعلتها تتأوه متألمة لكنها تجاهلت المها تخرج من اسفلها سريعا ثم تقفز فوق الاريكة تزاحم شقيقتها فى مكانها حتى تلقى بنظرة الى الخارج هى الاخرى بقلب يتراقص شوقا وعيون تهفو للمحة منه لتراه واقفا بجسده الصلب فارع الطول وشعره قاتم السواد وملامحه الخشنة التى تنطق بالرجولة مميزا عن الباقى من رجال الحارة بملابسه والتى رغم بساطتها الا انها تنطق بالاناقة الشديدة.
فوقفت تتابع حديثه وحركاته بعيون منبهرة لامعة تنسى العالم وكل ما يحيط بها حتى نكزتها شقيقتها بعنف فى ذراعها تجز فوق اسنانها هامسة من بينهم بحنق محذرة
: اتلمى... الحارة كلها واقفة تحت... حد ياخد باله منك يا حلوة.
ارتبكت ضاغطة فوق شفتيها بقوة ملتفتة اليها تهمس بخجل
: وانا عملت ايه دلوقت... مانا واقفة اتفرج زيى زيك اهو.
التفت سماح ناحية الخارج مرة اخرى قائلة بحدة
: اتفرجى ياختى.... انا مش عارفة اخرة الفرجة دى ايه... مش كنا خلصنا منه الموضوع ده...ادينا رجعنا للفرجة اللى لا بتودى ولا بتجيب.
شحب وجهها من اثر كلمات شقيقتها حين ذكرتها بحقيقة لطلما حاولت الهروب منها فقد صدقت فلم يتغير شيئ سوى عودة هذا الامل الاحمق مرة اخرى ليزدهر به قلبها دون قدرة او حيلة منها برغم جميع محاولاتها لأيقافه ونهر نفسها عليه.
عاودت الالتفات مرة اخرى الى المشهد الدائر فى الحارة لكن هذة المرة بعيون شاردة حزينة لاترى شيئ غافلة عما يجرى فيه حين صرخ خالها مليجى بتوتر
: يا صالح باشا... انا قاعد فى حالى... هو اللى مش طايقنى على قهوته.
اسرع المعلم ابراهيم موجها حديثه لصالح الواقف لفض الاشتباك بينهم بعد استغاثة المعلم ابراهيم به قائلا استهجان
: يا صالح يابنى... ده قاعد رائم الرايحة والجاية بعنيه اللى يندب فيهم رصاصة دول ولما جيت اكلمه فى حسابه... عمل الشويتين بتوعه زاى كل مرة عليا.
ابتعد مليجى من اسفل ذراع صالح الموضوعة فوق كتفه ملتفتا اليه يهتف رافعا كفيه بأستهجان وبطريقة مسرحية
: شوفت يا صالح باشا... عرفت بقى ان الليلة كلها معمولة ليه .. علشان القرشين اللى عليا لقهوته.
زفر صالح بنفاذ صبر ملتفتا الى المعلم ابراهيم قائلا بصوته الاجش ذو النبرة المميزة
:خلاص يا معلم ابراهيم.... حساب مليجى عندى المرة دى كمان.... وحقك عليا انا.
هز المعلم ابراهيم رأسه قائلا باحترام مربتا فوق كتفه
: ولا حق ولا حاجة يابنى.... وكتر خيرك معلش دوشناك معانا.
ابتسم صالح له قائلا بهدوء
: ولا يهمك يامعلم... حصل خير احنا ولاد حتة واحدة.
كرر المعلم ابراهيم عبارات شكره وامتنانه قبل ان يغادر الى قهوته بعد ان رمى مليجى بنظرة احتقار ونفور لترتسم فوق شفتى مليجى ابتسامة سمجة هاتفا بتهكم له
: متشكرين اوووى يامعلم ابراهيم... متشكرين اوى ياخويا.
لكن سرعان ما اختفت ابتسامته تلك عن وجهه سريعا حين هتف صالح باسمه بلهجة تحمل من الصرامة ما جعل الدماء تجف فى عروقه فيلتفت اليه ببطء وتوجس وقد اقترب منه ينكزه فى صدره باصبعه قائلا ببطء وعينه تنطق بالتحذير قبل شفتيه
: مليجى... شوف من الاخر كده... دى اخر مرة هدخلك فى حاجة... فاحسن ليك تمشى عدل... الا وربى يا مليجى محد هيعدلك غيرى.. وانا نبهتك اهو .
هم مليجى ان يجيبه لكن قاطعه صالح بخفوت ضاغط فوق حروف كلماته بحنق
:شوف انا على اخرى منك ..فحاول متجبش اخر صبرى عليك ...علشان صدقنى مش هيعجبك اللى هيحصل.
ثم تحرك مغادرا تاركا مليجى يقف فى وسط الحارة ينظر فى اثره للحظات قبل ان يتحدث قائلا بصوت خافت مرتعش
: ماله ده هو حد داس له على طرف...كل ما يشوف خلقتى يقولى امشي عدل.... وهو فى حد ماشى عدل اليومين دول.
*********************
سارت مع شقيقتها داخل الحارة فى طريق عودتهم من عملهم فى احدى محلات بيع الملابس تستند عليها تسير بصعوبة وقد تمزق حذائها واصبح لايصلح للسير به قائلة بتبرم وهى تتلفت حولها خجلا
: عجبك كده قلتلك اصلحه قبل ما نروح قلتى
هيتحمل لحد البيت....افرضى بقى حد شافنى بمنظرى ده دلوقت... هيبقى ايه العمل؟!
ابتسمت سماح قائلة بسخرية مرحة
: حد مين اللى شايلة همه .. ما كل الحارة شافتك... ولايمكن تقصدى حد بعينه.
ارتبكت تهتف بها بحدة
:تقصدى ايه بكلامك ده بالظبط يا ست سماح.
سماح بجدية وهى تربت فوق انامل شقيقتها الممسكة بساعدها ناصحة بهدوء
:مقصدش يا قلب اختك...بس انا بقول يعنى كفيانا تعليق فى حبال دايبة...وحب مراهقة اهبل هتضيعى عمرك علشانه وهو ولا حاسس بيكى.
التوت شفتى فرح بمرارة قائلة بهمس مؤنب
:انا فاكرة ان ده برضه نفس كلامك ليا من سنتين واكتر...وهو مطلعش هبل ولا لعب عيال هنساه زاى ما قلتى ياست سماح.
التفتت لها سماح هامسة بحنان تحاول ايصال كلامها باقل قدر ممكن من الم لها
:عارفة انك لسه بتحبيه...وعارفة انه مطلعش وهم ولا لعب عيال...بس مش ليكى يا فرح...مش من نصيبك ولا هيكون ياختى...ياريت تفهميها بقى وتعرفى اننا هوا عايش فى الحارة ...لا بنتشاف ولا بنتسمع ولا حتى بتحس بينا.
شعرت بحرقة القلب وكسرته تملئها رغم ان حديث شقيقتها ليس بالجديد عليها فطلما سمعته منها طيلة سنتين مروا عليها بألم واوجاع دهر كاملاً الا انه فى كل مرة يحدث بها آلام لا قدرة لها على تحملها كأنها تسمعها أول مرة.
تنهدت بألم تنحنى برأسها ارضاً متظاهرة بالاهتمام بحذائها حتى تدارى تلك الدموع والتى ملئت عينيها حتى حجبت عنها الرؤية تماما فلم ترى تلك القطعة الخشبية القديمة ولا ذاك المسمار الصدأ بها لتطئ بخطواتها فوقها فتدوى صرختها المتألمة حين نفذ المسمار من خلال حذائها المهترىٔ الى قدمها كخط من النار اصابها.
لتهتف سماح تسألها جزع عما بها فأجبتها بكلمات متقطعة متألمة لتنحى سماح ارضا حتى تطمئن على ساقها بلهفة وقلق فى تلك الاثناء كان قد اقتربت منهم احدى نساء الحارة تتسأل هى الاخرى عما حدث فاستقامت سماح سريعا ثم تقوم بأسنادها موجهة حديثها للمرأة قائلة بهلع
:رجليها دخل فيها مسمار...وحياة عيالك يام رجب تسنديها معايا لحد البيت.
لطمت المرأة صدرها مستنكرة تهتف بها
:بيت!..بيت ايه اللى تروحه.. دى لازم الاول نطلع المسمار من رجليها قبل اى حاجة..
ثم تكمل وهى تتحرك من جوارهم الى الجانب الاخر من الطريق هاتفة بحزم
: استنى هنا وخليكى مسنداها وانا هروح اجيب كرسى من محل انور ظاظا نقعدها عليه علشان نطلع من رجليها المسمار.
وبالفعل كانت قد ذهبت دون ان تمهل لسماح فرصة للرد ولم تغب سوى ثوانى معدودة كانت فى اثناءها تجمع عدد من اهل الحارة حولهم كلا يتساءل عما حدث حتى اتت ام رجب تهرول ومن خلفها انور يرتسم القلق الشديد على وجهه حاملا لاحدى المقاعد بين يديه يضعه ارضا وهو يهتف موجها الحديث الى فرح بصوت قلق ملهوف
:مالك يا ست البنات الف سلامة عليكي .. ايه حصل؟
تجاهلته فرح وهى تتحرك متألمة بمساعدة شقيقتها للجلوس فوق المقعد تتساقط دموعها الماً رغما عنها ليهتف انور بحدة فى الجمع حولهم
:جرى ايه يا خوانا ما كل واحد يروح لحاله....ملهاش لازمة الوقفة دى حوليها.
ثم وبدون مقدمات انحنى جالسا على عقبيه امام ساقها المصابة يمسكها بين كفيه ويضعها فوق ساقه
لتصرخ به بصوت حاد رغم الضعف به
:انت بتعمل ايه ابعد ايدك عنى..
قاطع انورحديثها قائلا بصوت متحشرج لاهث
:متخفيش ياقمر...دانا بس هخرجلك المسمار ومش هتحسى بحاجة.
اخذت تحاول الفكاك من قبضته المحكمة حول ساقها وهى تشعر بانامله تتسلل خفية فوق بشرة ساقها تتلمسها بحركة بطيئة اصابتها بقشعريرة النفور ترفع نظراتها الى شقيقتها مستنجدة بها فأسرعت سماح تحاول طمئنتها ظنا منها ان سبب رعبها ورفضها هذا خوفا ورهبة من الالم المحتمل لسحب المسمار من قدمها.
لكنها لم تستسلم بل اخذت تحاول جذب قدمها بعيدا عن يديه ولمساتها المنفرة رغم كل محاولات جميع من حولها اثناءها عن هذا.
******************
جلس فوق مكتبه داخل المحل الخاص بتجارتهم (مغلق لبيع الاخشاب) يحاول التطلع فى احدى الملفات امامه لكنه كان من بين حين واخر يتطلع الى ساعته زافر بقلق حتى تخلى اخيرا عن محاولة التركيز تاركا القلم من يده ثم يهم بالنهوض ليتوقف عن الحركة معاودا الجلوس مرة اخرى حين دلف من الباب صديقه المقرب عادل والذى هتف مبتسما بمرح فور رؤيته له
:صالح ابن الحاج منصور...اللى مابقاش بيسأل على حد....فينك ياعم كده مختفى.
تراجع صالح فى مقعده يهتف به هو الاخر بمرح
:لاا حوش ياض انت اللى مقطع السؤال ع
ليا اووي.
اقترب عادل جالسا فوق احدى المقاعد امامه قائلا بتبرم مصطنع
:هى اختك سيبالى فرصة اسال عن حد...دى مخليانى ماشى الف حوالين نفسى.
ابتسم صالح قائلا بسخرية مرحة
:انت لسه شوفت حاجة...دى لسه بتسمى عليك....اتقل التقيل جاى ورا.
تنهد عادل بطريقة مسرحية قائلا بحزن مصطنع
:لااا لو من اولها كده يبقى مش لاعب...دول ياعم ليهم دماغ لوحدهم وبيقلبوا فى ثانية .. ومتعرفش ليه وازاى ولا علشان ايه.
تبدلت ملامح صالح فورا للوجوم تمحى عن شفتيه ابتسامته المرحة يكفهر وجهه بشدة فلا يخفى عن صديقه تبدل حاله ليصمت فورا يلعن نفسه لعدم المراعاة فى حديثه.
لكن شعر بوجود ماهو اكثر من هذا فيسأله بعدها بقلق واهتمام
: مالك يا صالح.... حالك مش عجبنى.... هو حصل جديد.
تطلع اليه صالح بعيون شاردة غير مقرؤة التعبير ليهمس له عادل بصوت متردد قلق
: لسه برضه اهلك بيكلموك ترجعها؟
اغمض صالح عينيه بارهاق زافرا بحرقة كانه يحاول اخراج نيران صدره معها يهز راسه له بالايجاب ليغمم عادل من بين انفاسه لاعنا بحنق ..
قبل ان يسأله بحرص بعدها وبصوت خرج رغما عنه متعاطف مشفق رغم علمه بكره صديقه لهذا منه
: تحب تحكيلى ونتكلم هنا... ولا تجى نخرج نشم هوا و....
فتح صالح عينيه فجأة يظهر داخلهم القوة والتصميم وقد تبدل حاله فورا قائلا بقسوة وحدة
:لاااهنا...ولا هناك....مفيش حاجة مستاهلة كلام .
ثم اعتدل فى جلسته يمسك باحدى الدفاتر امامه يتظاهر بالتطلع به قائلا بخشونة متعمدة
:خلص انت بس وقول كنت جاى ليه...علشان ورايا شغل.
تجاهل عادل قسوته وحدته تلك فهو يعلم ان ما يمر به صديقه ويثقل كاهله تحت وطأته ليس بالهين حتى على اعتى الرجال لذا تدارك الامر سريعا هاتفا بمرح ممازحا
:براحة ياعم....مش لما تطلبلى حاجة اشربها الاول... ولا اقولك ابعت هات اكل علشان انا جعاان.
رفع صالح رأسه متطلعا اليه ليكمل عادل بحدة مصطنعة ووجهه متجعد يشيح بيده
:اخلص يا جدع يلاا بقولك جعااان.
ابتسم صالح هازا راسه بالموافقة تنفرج اسارير وجهه استجابة لمزاح صديقه قبل ان يتعال صوته مناديا لاحد العاملين لديه والذى استغرق بعض الوقت قبل يلبى النداء يأتى مهرولا مجيبا اياه بلهاث ليسأله صالح بحدة
:ايه يا سيد بيه...كنت فين كل ده؟
اجابه سيد العامل سريعا
:كنت على اول الحارة بشوف اللمة اللى هناك دى ليه..
صالح ساخرا وهو يتراجع فى جلسته باسترخاء لظهر مقعده
:حلو اوى.... وياترى جنابك عرفت بقى اللمة دى ليه!
اقترب سيد يهتف بتأكيد ومعرفة
: اااه... دى البت بنت الست لبيبة الله يرحمها الظاهر دخل فى رجليها حاجة وواقفة تعيط والحارة ملمومة هناك عليها.
توترت الاجواء فور نطقه لتلك الكلمات يعتدل صالح فى جلسته بتوتر واضطراب جعل عادل يسرع برميه بنظرة محذرة استجاب لها على مضض وهو يتراجع فى مقعده مرة اخرى لكن هذه المرة بجسد متحفز قلق ليلتفت عادل الى العامل يسأله بصوت اظهره عادى النبرات غير مهتم
:بت مين فيهم يا سيد اللى اتعورت..الكبيرة ولا الصغيرة!
اسرع سيد يجيبه بحزم سعيدا باهتمامهم بمعرفة الاخبار منه
:البت الصغيرة...الظاهر جزمتها اتقطعت ودخل فى رجليها مسمار وواقفة هى و .....
قطع حديثه بغتة يتطلع نحو صالح بدهشة واستغراب حين وجده ينهض فورا من مكانه يتجه الى الخارج مغادرا بخطوات سريعة متلهفة يعقبه عادل والذى اخده يناديه محاولا ايقافه او اللحاق به.
ليهمس سيد بحيرة فور غيابهم
:غريبة دى هو ماله كده اتخض عليها زاى ما تكون من باقية اهله ولا تهمه فى حاجة...
ليكمل بعدها هازا راسه بتاكيد وحزم
: لاا بس هو كده طول عمره.... جدع وبيخاف على غلابة الحارة... ربنا يديله على اد نيته وطيبته.
*********
كان قد وصل الى مكان تجمهر الاهالى فى اقل من دقيقتين ليتسمر مكانه حين رأها تجلس فوق احدى المقاعد وهى تبكى متألمة تجاورها شقيقتها الباكية هى الاخرى لكن ما جعل الدماء تتأجج بثورة فى شراينه وتثور معاها ثأئرته هو رؤيته لذلك الاحمق الجالس اسفل قدميها ممسك بها بين يديه انامله تتلمسها بتلك الطريقة فلم يدرى بنفسه سوى هو يتحرك ويقوم بدفعه بقسوة بعيدا عنها ليسقط انور بعدها جالسا ارضا بعنف يرفع وجهه بخشية ورعب نحوه حين هدر صوته به بغضب اعمى
:انت بتهبب ايه ياجدع انت...ابعد ايدك عنها.
توتر انور يتطلع اليه قائلا بتلعثم واضطراب
:ابدا ياصالح باشا دانا...دانا كنت بطلع لها المسما...
انحنى عليه يهتف به بأستنكار غاضب وهو يكاد يفتك به لولا ذراع عادل والذى اسرع بالوقوف حائل بينهم يدفعه بعيد عنه بصعوبة
: بتعمل ايه؟!.... سمعنى كده تانى حلاوة صوتك...مسمار ايه اللى بطلعه فى وسط الشارع ده.
اخذ عادل يدفعه الى الخلف بعيدا عن انور الساقط ارضا والمرتعب من رؤية صالح بكل هذا الغضب امامه تتعال همهمات المتابعين للموقف من حولهم بفضول حتى نجح اخيرا عادل اخيرا فى ابعاده بعد ان همس بعدة كلمات مهدئة له ..
لكنه التفت بعدها بوجهه الحانق وعينه التى تطلق الشرر ناحية تلك الجالسة تتابع ما يحدث بعيون متسعة بذهول لا يخلو من الانبهار.
وقد توقفت دموعها تماماً كانها لم تكن يسألها بحدة وخشونة
: وانتى كمان ازاى تسبيه....
صمت عن اكمال كلمات كادت ان تفلت منه رغما عنه يضغط فوق اسنانه بحنق وقد وعى للتجمهر من حولهم يكمل بدلا عنها كلمات لم تكن اقل حدة او غضبا ينفث بها عن عما يعتمل بداخله
: مش تاخدى بالك انت كمان... ازاى المسمار ده دخل رجلك.
تبدل حالها فورا نطقه كلماته بنبرة الاتهام تلك تمحو فورا عنها حالة الانبهار وفرحتها برؤيتها له محتلا مكانها غضبها الشديد كأن احدهم قد عبث بأزرار تحكمها تهتف به هى الاخرى بصوت حانق متشدد غير عابئة بمن حولهم
: انت بتزعقلى ليه؟! هو انا كنت قاصدة يعنى ولا كنت قاصدة ادخله فى رجلى علشان تزعقلى كده!
التفتت سماح شقيقتها حولهم تتطلع الى الجمع بتوتر قبل ان تنحنى عليها تنكزها خفية هامسة لها بحرج
: اتلمى يخربيتك... انتى هتزعقيله وسط الحارة.
لم تعيرها فرح اهتماما تنظر اليه بتحدى وقد التمعت عينيها بشدة تتطاير شرارت غضبها كالبرق فى سماء عاصفة نحوه وقد وقف مكانه يتطلع اليها كالمصعوق حتى تعال صوت سماح تهتف بنبرة معتذرة حرجة فى محاولة لتدارك الموقف
: معلش ياسى صالح... حقك عليا يا خويا.... هى بس بتهبل من الوجع اللى فيها...
التفت ببطء اليها بعيون شاردة مذهولة وهو يطبق على شفتيه حتى اصبحا كخط رفيع دليل على محاولته التحكم فى ذاته لكن حين اتت على ذكر المها نفض عنه حالة الذهول تلك موجها الحديث الى عادل وهو يشير ناحية المقعد قائلا بحزم
: شيل الكرسى قصادى من الناحية التانية... خلينا نوديها الصيدلية.
اسرع عادل لتنفيذ ما قاله بينما هو يقترب منها من الناحية الاخرى لتتملل فى جلستها باضطراب حين شعرت به قريباً منها وقد تسللت اليها رائحة عطره لتخطف نبضة من قلبها وتتسابق انفاسها ولكن لم يكن هذا بشيئ مقارنة بما اصابها حين تقابلت نظراتهم وهو ينحنى نحوها يهمس لها بصوت خفيض للغاية فى اذنيها وصل اليها كرفرفة الفراشة فى رقته
: والله وكبرتى يا فرح...كبرتى وبقيتى تعرفى تردى و تاخدى حقك...
التفتت نحوه وعينيها متسعة ذهولا مما سمعته لكن فوجئت به تراه وقد عادت صفحة وجهه بيضاء خالية من التعبير كأنه لم يهمس لها بشيئ حتى ظنت انها تخيلت كلماته تلك لها وقد انحنى حاملا لمقعدها من ناحيته بوجهه متجمد بعد ان هتف بصوت امر بالجمع الملتف حولهم بأن يذهب كلا الى طريقه ليسرعوا فى التلبية الا شخص واحد وقف ببطء ينفض عن ملابسه الغبار العالق بها وعينيه تتابع ذهابهم وهى تطلق سهام غيرته نحوهم.
************
: يخرب بيتك ويخرب بيت جنانك يافرح يابنت امى وابويا...
نطقت سماح بكلماتها الحانقة تلك موجهة اياها الى شقيقتها الجالسة فوق اريكة داخل شقتهم متواضعة الاثاث تمدد قدميها المصابة امامها وهى تزم شفتيها بحزن وندم لتكمل سماح غير عابئة بحالتها تلك
: انتى اكيد عقلك ساح... ولا ضرب منك... بقى مش كفاية اللى عملتيه فيه ادام الحارة.... لاااا رايحة تكملى عليه وعلينا فى الصيدلية كمان !
صرخت فرح بطفولية بها
: مانتى عارفة انا بخاف من الحقن اد ايه... وهو مصمم يخلينى اخد الحقنة.
سماح بصراخ هى الاخرى مستنكرة
: هو يا حبة عينى لا صمم ولا ليه ذنب... دى الدكتورة اللى قالت كده... وهو خاف عليكى وخلاها تدهالك بعد ما فضحتينا صويت زاى العيال الصغيرة وهو بيخرج من رجلك المسمار.
ضمت فرح شفتيها معا بحزن هامسة
: زمانه بيقول عليا ايه دلوقت....وانا اللى كنت بتمنى اليوم اللى هيكلمنى فيه بعد ما كبرت كده وبقيت البت العاقلة.
قاطعتها سماح تلوى شفتيها يمينا وشمالا قائلة
:بلا نيلة عليكى ياست العاقلة.. قولى ياختى زمانه مابيقولش عليكى ايه....قال وبتحبيه قال.
زمت اكثر شفتيها حزناً وقد ارتفعت غصة البكاء تخنقها من اثر حديث شقيقتها لكنها تجاهلتها تهمس متألمة بصوت مختنق حزين
:متفرقش كتير بقى.... هو كده ولا كده عمره ما هيشوف غير فرح العيلة الهبلة اللى كانت بتيجى مع امها علشان تخدم..يبقى ليه الزعل بقى.
**********
تقدم بخطوات سريعة غاضبة الى داخل محل عمله ووجهه شديد الاحتقان يلاحقه عادل محاولا تهدئته قائلا بمهادنة
:براحة ياصالح محصلش حاجة لكل ده.
التفت اليه سريعا قبل ان يتوجه الى مقعده يصرخ بغضب لم يعد يستطع احكام السيطرة عليه بعد الان
:محصلش حاجة؟ انت مش شوفت ابن ال****كان قاعد وماسك رجليها ازى و ....
لكن قاطعه عادل سريعا عن اكمال حديثه وهو يهتف مناديا لسيد العامل الواقف يتابع ما يحدث بفضول واهتمام شديد
:سيد ...روح هات القهوة بتاعتى انا وصالح من عند المعلم ابراهيم وتعالى.
تغضن وجه سيد امتعاضا لطلبه وعدم قدرته على معرفة الباقى من حديثهم قائلا برجاء
:طيب ما اعملها ليكم هنا يا استاذ عادل وبلاها مرواح للقهوة.
تجمد وجه صالح يلتفت اليه ببطء قائلا بهدوء ماقبل العاصفة
:والله عال انت كمان هتشربنى على مزاجك ولا ايه ياسيد بيه.
اخذ سيد بهز رأسه نافياً بخوف يتلعثم بكلمات غير مفهومة قبل ان يسرع بالمغادرة بتلهف وخطوات سريعة حتى خرج تمام ليلتفت عادل ثانياً الى صالح هاتفا به باستنكار
:فى ايه ياجدع انت ماتهدى كده ..هتفرج علينا الخلق
جز صالح فوق اسنانه حنقا وعينيه تضيق بنظراتها يفح من بين انفاسه غضباً
:هو انا كده مش هادى ...دانا المفروض كنت جبته من قفاه وعرفته شغله ادام الحارة كلها ابن ال***ده
بقى الكلب قاعد تحت رجليها وبيلمسها ويقولى بطلع المسمار.
خبط فوق المكتب الخشبى بكفيه بقوة شديدة احدثت شرخ فى لوحه الزجاجى لكنه لم يعيره اهتماما يكمل بقسوة
: المسمار ده بقى انا اللى هحطه فى فى عينه ابن ال*** بعد ما اكون كسرت له ايده اللى اتجرأ ومدها عليها
صمت ينهج بعنف وصدره يرتفع وينخفض بسرعة عينيه تلتمع بشراسة ليسرع عادل فى محاولة تهدئته قائلا بهدوء ورفق
:خلااص طلعت اللى جواك ...حلو اووى اهدى بقى وبلاش فضايح ...صوتك هيلم الناس علينا
زفر صالح بقوة يغمض عينيه للحظات قبل ان يلقى بجسده فوق المقعد قائلا بخفوت وقد عاوده بعضاً من تعقله
:غصب عنى يا عادل ...اول مرة احس بكده ...كأن ستارة حمرا ادام عنيا من ساعة ما شوفت المنظر ...سبحان من صبرنى انى امسك نفسى لحد ما اطمن عليها
ابتسم عادل يجلس هو الاخر قائلا بسخرية مرحة
:لاا كنت ماسك نفسك اووى ياض ...ده انت كنت هتخنق البت كذا مرة فى الصيدلية ...ده غير جنان اللى جابوك وانت عاوز تطلع على محل انور تدغدغه
هتف صالح بعتاب حانق
:يعنى هو انت سبتنى ...دانت لزقت فيا ولا اللزقة بغرا لحد ما جبتنى هنا ...عيل غتت صحيح
هتف عادل مستنكراً
:متشكر يا رجولة ...لا كنت اسيبك تعمل اللى فى دماغك ...علشان الحارة كلها تسأل ليه وعلشان ايه وتبقى لبانة وحدوتة.
تغيرت ملامح عادل للجدية وهو يكمل قائلا بهدوء
:بجد يا صالح ...لازم تهدى شوية ...ومتنساش اننا فى حارة كلامها كتير ....وانت لسه مطلق من مفيش...ولا نسيت كلامنا قبل كده.
سكنت ملامح صالح يرتفع الحزن داخل عينيه يزيح الغضب من طريقه وهو يهمس بصوت مرتعش اجش
:لاا متخفش مش ناسى ..يمكن بس النهاردة لما ردت عليا مشفتش فيها فرح العيلة بنت سبعتاشر اللى انا .....
اغمض عينيه يستنشق الهواء بقوة الى داخل صدره هو يتراجع الى ظهره مقعده صامتا لعدة لحظات احترمها عادل دون مقاطعة منه قبل ان يقول يكمل بألم وصوت جريح
:بس متخفش ياصاحبى ... وان كان زمان صعب .. فدلوقت بقى من المستحيل.
♕ ظلمها _ عشقاً ♕
رواية ظلمها عشقا الفصل الثاني 2 - بقلم فرح صالح
وقفت الحاجة انصاف في وسط مطبخها تتابع الإعداد لوليمة الغذاء المقامة استعدادًا لحضور أهل خطيب وحيدتها ياسمين. ألقت بعدة تعليمات للفتاة العاملة لديها بشأن الطعام، ثم تحركت ناحية الطاولة في جانب المطبخ. جلست خلفها كريمة زوجة مليجي العايق وقد انهمكت في إعداد الخضروات المتراصة أمامها.
جلست بجوارها وقامت بالمساعدة قائلة بإرهاق:
"شكلي هأندم إني ما سمعتش كلام البت ياسمين وجبت طباخ بدل البهدلة دي."
رفعت كريمة وجهها تبتسم ببشاشة قائلة:
"ولا هتندمي ولا حاجة. هو في أحلى من عمايل إيدك ونفسك في الأكل برضه."
تنهدت انصاف بحزن قائلة:
"والله يا كريمة ما كان وقته ولا ليها لازمة، بس هعمل إيه في بنتي ودلعها."
"ومالها بنتك بقى يا ست ماما؟"
قالتها شابة في أول العشرينات، متوسطة الجمال، بتدلل. وقفت أمامهم تضع قناعًا للوجه أخضر اللون وترتدي إحدى القمصان البيتية زاهية اللون.
لتجيبها والدتها قائلة بحنق:
"مدلعة يا عين أمك، ودماغك رايقة، ومش على بالك حد غير نفسك."
نظرت ياسمين باضطراب ناحية كريمة، والتي تصنعت الانشغال بما في يدها من أعمال. قبل أن تتحدث قائلة بحرج وابتسامة مصطنعة:
"ماما يا حبيبتي، أظن إننا خلصنا كلام في الموضوع ده من يومين، فملهاش لازمة نفتحُه تاني."
انصاف باستهجان وصوت حزين:
"موضوع إيه اللي اتقفل؟ بقى مين عاقل يا ناس يقول أعمل عزومة وهيصة وأنا ابني لسه مطلق من شهر وقلبه لسه مكسور."
ضربت ياسمين الأرض بقدميها حنقًا تهتف وقد تناست وجود كريمة:
"ومين قال برضه إني كمان مفرحش؟ المفروض إن خطوبتي كانت من شهر وحكمتوا عليا بعد اللي حصل إني ألبس الشبكة على الساكت. كمان مش عايزاني أعزم أهل خطيبي؟!"
لم تعر انصاف لغضبها أدنى اهتمام قائلة بعبوس واستهجان:
"ما هو ده اللي كان ناقص، نعمل خطوبة كمان."
صرخت ياسمين بغضب:
"وأنا مالي بكل ده؟ ولا هو طلاقه ده هيجي على دماغي؟ بعدين هو موافق وقالي اعملي اللي انتي عايزاه."
تنهدت انصاف بحزن تهمس:
"هو طول عمره كده يا قلب أمه. حزنه وفرحه جواه محدش بيحس بيه."
ثم التفتت إلى ياسمين قائلة بعتب:
"يبقى إحنا نحس على دمنا ونراعي ده، مش نعيط وندبدب في الأرض عشان يتعمل لينا اللي عايزينه. ده خطيبك كان عنده دم عنك ومكنش موافق يجي لا هو ولا أهله."
لوحت ياسمين بيدها بلامبالاة تبتسم بسماجة:
"وهو وافق في الآخر وجاي. واللي عايزاه حصل. ممكن بقى نقفل على الموضوع ده؟ وتقولولي هتعملوا ليهم غدا إيه؟"
هنا، أسرعت كريمة تجيبها بابتسامة بشوش تعدد لها أصناف الأطعمة المعدة. لتصرخ ياسمين بعدها باستهجان ورفض:
"بس كده؟ إيه ده؟ وده بقى اللي بتعملوه من الصبح؟"
صرخت بها انصاف هي الأخرى تلقي بالسكين من يدها قائلة بحنق:
"آه يا شملولة، هو ده اللي بنعمله من الصبح مش عاجبك؟ شَمِّري إيدك واعملي معانا بدل ما انتي واقفة تتأمري علينا. واندهي مرات أخوكي هي كمان تساعد معانا."
ضغطت ياسمين فوق شفتيها قائلة بحرج مصطنع:
"لا مش هينفع، أنا أصلي هاخد سمر ونروح نجيب كام حاجة من بره. بس أنا عرفت أجيب لكم مين يساعدكم. ثواني وراجعة."
ثم خرجت سريعًا من المطبخ. لتزفر انصاف بقلة حيلة تدمدم من بين شفتيها بحنق. جعلت كريمة تبتسم لها قائلة بتسامح:
"معلش يا ست انصاف، صغيرة برضه ونفسها تفرح زي البنات."
هزت انصاف رأسها بالموافقة، ولكن كانت عينيها تنطق بالحزن والأسف على ما أصبحت عليه صغيرتها من أنانية وحب الذات. وقد ساعدت هي ووالدها في هذا عندما أفرطوا في تدليلها حتى صارت لا تبالي بأحد سوى نفسها فقط.
***
"مالك يا بت قاعدة كده ليه وضاربة بوزك شبرين؟"
تساءلت سماح وهي تتثاءب خارجة من غرفتها، حين وجدت فرح جالسة فوق الأريكة بالية الفرش بوجه مكفهر غاضب ينذر بهبوب عاصفة.
لتجيبها قائلة بحدة:
"البيه خالك كلمني من شوية وعاوزني أروح بيت الحاج منصور."
قطعت سماح تثاؤبها الثاني تهتف بحدة وقد اتسعت عينيها ذهولاً:
"نعم؟ تروحي فين؟ وليه؟"
صرخت فرح بغيظ وعينيها تشتعل غضباً:
"هيكون ليه يا فالحة يعني؟!"
ضاقت عيني سماح تضغط فوق أسنانها حنقاً:
"هو هيشتغلنا تاني ولا إيه؟ مش كنا خلصنا منه موضوع الخدمة في بيوت الحارة ده."
تنهدت فرح بحزن قائلة:
"خلصنا إيه؟ واللي بتعمله مرات خالك من يوم موت أمك ده يبقى اسمه إيه يا فالحة."
زفرت سماح لا تجد ما تجيبها به، تسألها بتوتر:
"طب وإنتي رديتي عليه بإيه؟"
أسرعت فرح تجيبها بحنق وحدة:
"قلت لأ طبعًا... وزعقت معاه كمان في التليفون."
سماح باضطراب وقلق:
"ليه يا فرح؟ كنتي روحتي وخلاص. أهو دلوقتي هييجي يطلع عيننا."
صرخت فرح مستنكرة:
"بتقولي إيه انتي كمان؟ أروح فين؟ ها أروح فين يا سماح؟"
اقتربت سماح منها تجلس بجوارها قائلة بأسف وحزن:
"عارفة يا قلب أختك، بس هنعمل إيه ده حكم القوي علينا. أهو دلوقتي ييجي يفتح صوته ويلم الشارع علينا ويفضحنا."
فرح وهي تلقي بهاتفها من يدها بجوارها قائلة بحدة:
"يعمل اللي يعمله، أنا مش رايحة في حتة. طب زمان كنت بعمل كده وبروح مع أمك بس كنت عيلة وبفرح لما بروح هناك. إنما دلوقتي كبرت ومبقاش ينفع. ومن يوم اللي حصل رجلي ما خطتش هناك حتى لو مع أمك يبقى أروح تا..."
قطعت حديثها بغتة حين تعالت طرقات عنيفة فوق الباب الخارجي يعقبها صوت رجولي أجش يهتف بغضب:
"افتحي الباب يا بت منك ليها. افتحوا لكسره على دماغكم يا ولاد الـ..."
لطمت سماح وجنتيها تهمس برعب وهلع:
"مش قلتلك. أهو جه وجايب فضايحه معاه."
لم تعر فرح صرخاته اهتماماً تجلس مكانها هادئة، بينما أسرعت سماح ناحية الباب تفتحه سريعاً.
ليدلف مليجي بجسده الضخم وملابسه ذات الألوان الصارخة مكفهر الوجه غضباً وهو يوجه الحديث لفرح قائلاً بخشونة:
"ما بتفتحيش الباب ليه يا بت إنتي؟ أنا مش واقف بخبط من بدري."
أجابته فرح ببرود قائلة:
"وأفتح ليه؟ ما أنت معاك مفتاح. ولا مكسل تطلعه وتفتح زي ما أنت مكسل تعمل حاجات تانية كتير في دنيتك."
احتقن وجهه بشدة وهو يندفع نحوها صارخاً بشراسة:
"تقصدي إيه يا بنت الـ *** إنتي."
أسرعت سماح بإمساكه من ذراعه توقفه بصعوبة قائلة بهلع تحاول تهدئته:
"متقصدش يا خالي، والله متقصد حاجة."
سأل مليجي فرح بحدة وغضب متجاهلاً محاولات سماح إيقافه:
"وإيه حكاية مش رايحة دي يا عين أمك؟ إنتي تقومي تلبسي حالا وعلى بيت الحاج منصور. وما أشوفش وشك تاني إلا مع مرات خالك. فاهمة ولا لأ؟ قومي فزي يلا."
وقفت فرح على قدميها قائلة بتحدي:
"مش رايحة في حتة. وأظن ده اللي قلتهولك في التليفون."
هم مليجي بالانقضاض عليها مرة أخرى لتسرع سماح قائلة بتوتر ورجاء:
"معلش يا خالي، أصل رجليها دخل فيها مسمار ومش هتعرف تمشي عليها. أنا بقول يعني لو أروح أنا مكانها."
التف إليها مليجي يهتف بعند وإصرار:
"لا يا حيلة أمك. أنا قلت هي يبقى هي وكلامي هو اللي هيمشي."
صرخت فرح بحرقة رافضة:
"وأنا قلت مش رايحة يعني مش رايحة. إيه إنت ما بتفهمش؟"
انقلب حال مليجي فوراً يحتقن وجهه غضباً وقد انتفخت عضلات صدره كأنه يستعد لمعركة حامية. يدفع سماح للخلف بعنف لتسقط أرضاً صارخة بألم، وبينما يتجه هو فوراً ناحية فرح يجذبها من خصلات شعرها بقوة حتى كاد أن يقتلعها بين أصابعه. ثم يهوي فوق وجنتها بلطمة عنيفة جعلتها ترى ضوءًا ساطعًا أغشاها للحظة تصرخ متألمة. وهو يقوم بهز رأسها بعنف قائلاً بشراسة وقسوة:
"لسانك بقى طويل يابنت ال*** وبقيت عينيك قوية عليا. وحشتك علقة زمان ولا إيه؟"
رماها أرضًا بقسوة صارخًا:
"ورحمة أمك يا فرح، إن كلامي ما اتسمع لأكون عامل الليلة عليكِ وعلى المحروسة أختك حفلة ضرب للصبح. ومافيش مانع لما مرات خالك وعيالها ينوبهم من الحب جانب هما كمان."
اللمعت عيناه وهو يبتسم بشراسة ثم يضع حذاءه فوق قدمها المصابة يدعسها بعنف يكمل دون شفقة بدموعها وصرخاتها المتألمة:
"شكلي بقالي كتير ماروقتش عليكم ونسيتوا مين هو مليجي العايق ياغجر."
اندفعت سماح نحوه تدفعه بعيدًا عنها وهي تصرخ برعب وتذلل:
"خلاص هتروح. ابعد بقى عنها. ابعد يا مفتري."
ثم جلست بجوارها تحتضنها بين ذراعيها بحماية ليبتعد عنهما باصقًا عليهم باشمئزاز قبل أن يغادر يغلق خلفه الباب بعنف ارتجت له جدران المنزل. فتصرخ فرح بعد خروجه باكية بحرقة:
"روح ربنا ياخدك يا بعيد ونرتاح منك."
أخذت سماح تهمس لها بحنان كلمات مواسية بينما انهارت هي باكية بدموع القهر تهمهم بكسرة:
"إمتى بقى نرتاح منه؟ هو إحنا عملنا إيه عشان ربنا يعاقبنا كده يا سماح؟"
أخذت تكرر كلماتها تلك تنهار باكية تشاركها سماح هي الأخرى البكاء حزنًا على مصيرهم الأسود وما يعانوه بسبب ذلك الوحش وأفعاله السوداء.
***
كان يجلس أمام محله الخاص لبيع قطع غيار السيارات مراقبًا حركة نساء الحارة المارة. لا يترك امرأة تمر من أمامه دون أن تلتهمها عيناه بشهوة وفجور. حتى لمح مليجي يسير مسرعًا وهو يدمدم لنفسه بغضب ليناديه عاليًا. فينتبه مليجي إليه تتبدل ملامحه فورًا للفرحة وهو يسرع في اتجاهه بتلهف. حتى وقف أمامه يلقي بتحية خانعة قائلاً:
"مرحب يا برنس الحارة. أمرني أي خدمة."
ابتسم أنور غرورًا وزهوًا من كلماته قائلاً:
"عوزك تبقى تعدي عليا بعد المغرب كده. في مصلحة وعاوزك فيها."
تهلل وجه مليجي بفرحة يفرك كفيه معًا قائلاً:
"تحت أمرك يا برنس. بس إيه مفيش تحية حلوة منك كده زي بتاعت امبارح."
هز أنور رأسه بالإيجاب غامزًا بعينه بخبث وهو يمد يده داخل جيبه يخرج منه لفافة صغيرة مغلفة يمدها نحوه قائلاً:
"فيه يا مليجي. وأحلى من بتاعت امبارح كمان."
خطفها مليجي من يده بتلهف وهو يقبل كفه، قائلاً بتذلل:
"تسلم لي يا برنس الحارة كلها. والله ما أنا عارف أقولك إيه على كرمك ده كله معايا."
ابتسم أنور وهو يتراجع في مقعده قائلاً ببطء وصوت مغرٍ يعد بالكثير:
"ولسه يا عايق. ده أنا هغرقك وهيبقى كل يوم من ده. بس توافقني على اللي عاوزه منك."
أسرع مليجي يجيبه بتأكيد وحزم:
"موافق على كل اللي تأمر بيه. ده أنا خدامك يا برنس."
انتفخ أنور زهوًا زفيرًا ببطء وراحة وعيناه تلتمع بداخلها بريق النصر. وقد أصبح قاب قوسين من هاجس أصبح يسرق منه النوم في لياليه وجعله يتلظى بنيران شوقه ولهفته بسببه.
***
تسمرت قدميه عند مدخل منزلهم لحظة رؤيته لها، يراها تصعد درجات الدرج ببطء. يصله تمتمتها الخافتة بكلمات سريعة، لكنه علم منها بمدى غضبها وحنقها. مما جعله يبتسم وهو يتقدم نحوها بخطوات هادئة حتى أصبح يجاورها تمامًا. يسألها بصوت متهكم ساخر:
"يا ساتر كله ده... مكنتش أعرف إن زيارتك لينا مضايقاكي أوي كده."
شهقت متفاجئة حين وصلها صوته تتراجع إلى الخلف دون حذر حتى كادت أن تسقط من فوق تلك الدرجتين لولا أن أسرع نحوها يقوم بالإمساك بها سريعًا يجذبها إليه بتلهف يقربها منه بحماية. لتتسلل إليها رائحة عطره الرجولي فتغمض عينيها مستمتعة وهي تتشربها داخل صدرها لتنسيها العالم وأين ومن هي حتى. تقف مرتجفة بين ذراعيه في عالمها الحالم به وبقربه. حتى أتاها صوته القلق يناديها ليسحبها إلى واقعها مرة أخرى. تشعر به كدلو ماء يلقى فوقها ينبهها إلى حالها. فتسرع بالابتعاد تجذب نفسها بعنف بعيدًا عنه بحركة عنيفة كانت لعينيه كاتهام منها له باستغلال الوضع. ليتباعد عنها هو الآخر قائلاً بحدة وخشونة يكمل حديثه السابق كما لو كان لا شيء قد حدث:
"ومدام مضايقة كده... تعبتي نفسك وجاية ليه من الأساس."
شعرت بحرارة الحرج تكتنفها من طريقته الحادة معها لتسرع قائلة هي الأخرى بحدة ودون تفكير:
"مكنتش جاية على فكرة. بس أمك هي اللي بعتت مع خالي عشان..."
تراجع صالح يستند إلى الحائط خلفه مبتسمًا ببطء وعيناه ترمقها بنظرة ساخرة قائلاً:
"أمك! هي بقى اسمها أمك؟! مش المفروض كبرتي وبقيتي تعرفي تتكلمي إزاي."
ازداد توترها وحرجها تدرك بأنها تستحق منه سخريته هذه ردًا على سخافة ردها عليه. لذا. فضلت الصمت والصعود هربًا منه ومن هذا الحديث الحرج معه. فتسرع بصعود الدرج باضطراب وتعجل غافلة عن إصابة قدميها. لكن ما أن وطأت قدمها فوق الدرج حتى شهقت بقوة وهي تنحني عليها تمسك بها تعض فوق شفتيها بألم تلعن خالها داخل عقلها وما تسبب به من زيادة آلام لقدمها. لكنها أسرعت بإظهار التماسك والثبات على ملامحها حين سألها صالح بقلق ولهفة وهو ينحني نحو قدمها هو الآخر:
"هي لسه رجلك وجعاكي؟ هو العلاج معملش نتيجة ولا إيه؟"
أبعدت فرح قدمها عن مرمى يده تعتدل واقفة تجيبه بارتباك وهي تتراجع بعيدًا عنه:
"لأ... هي بقت كويسة خلاص. ممكن بقى لو سمحت تتفضل تطلع أنت. أنا مش عاوزة أعطلك."
اعتدل صالح ببطء بوجه هادئ غير مقروء التعبير. لكن نظرات عينه كانت بعيدة عن الهدوء أميال. جعلتها تزدرق لعابها متوترة تشعر كأنها تحت المجهر. وهو يتحدث بهدوء متهكم:
"ما أنا كنت طالع بس قلت خليني وراكي أسندك أحسن ما تندلقي من على السلم زي زمان."
هنا شعرت بأن قدرتها على تحمل تهكمه الدائم عليها تكاد أن تنهار. وقد ارتفعت غصة البكاء تكاد تخنقها ودموعها تنتظر منها السماح حتى تنفجر من عينيها. وهي تدرك مقصده وحين أراد تذكيرها بمرات سقوطها المتعددة حين كانت تلهو فوق درابزين الدرج هنا مع شقيقته في صغرها وهرولته نحوها مهدئًا لها بكلمات حنون رقيقة تنسيها الألم وهو يداوي جروحها في كل مرة. لكن الآن وبعد أن انتهت هذه الأيام. أسرعت تجيبه بغضب أصبح سلاحها المعتاد أمام هجومه الدائم عليها في كل مرة يراها فيها قائلة:
"لأ شكراً. مش محتاجة حد يسندني. أنا مبقتش صغيرة عشان أقع من على السلم تاني."
تراجع صالح متفحصًا لها بدقة. تعالت معها دقات قلبها كقرع الطبول. تقف مكانها ثابتة وهو يرمقها بنظراته تلك. ثم فجأة تعلو عينيه نظرة ساخرة قائلاً لها ببطء وتهكم:
"لأ ماهو واضح ياست فرح. يا كبيرة."
قالها ثم استدار فورًا يصعد الدرج سريعًا تاركًا إياها خلفه تلعن نفسها ألف مرة على غباء قلبها الأحمق وحضورها إلى هنا مرة أخرى حتى ولو كانت تحت ضغط من خالها. تهمس لنفسها ضاغطة فوق شفتيها بحنق:
"عجبك كده يا أختي... أهو رجعنا تاني لقديمه عشان يتريق عليكي بلسانه اللي عاوز..."
قطعت كلمتها زافرة بقوة تمنع نفسها عن إتمام جملتها ثم تكمل بعدها بندم:
"لأ بلاش ميهونش عليا برضه ده مهما كان صالح. قال وأنا اللي بقول لنفسي كبرتي يا بت يا فرح وبقى ليكي هيبة. ادامه. بلا نيلة عليكي على رأي أختك سماح."
أخذت تدمدم لنفسها بكلمات غير مترابطة حانقة وهي تصعد الدرج ببطء حتى وصلت أخيرًا إلى الباب الخاص بشقة والديه. تصمت فجأة شاهقة بصدمة حين وجدتـه يقف أمام الباب مستندًا فوق الحائط المجاور له عاقدًا ذراعيه فوق صدره. وهو يرمقها بنظرة كسولة تعدل فورًا بقامتها ترسم فوق ملامحها الجدية قائلة وهي تشير ناحية جرس الباب المجاور لرأسه:
"ممكن لو سمحت ترن جرس الباب."
هز كتفه بلا مبالاة يشير برأسه ناحية الجرس العالي نسبيًا عليها. يحدثها بنبرة صوته العميقة الأجش وقد تسللت داخلها تذيبها وتذيب قلبها عشقًا رغم التهكم بها. وهو يهز كتفه بلا مبالاة قائلاً:
"رنيه إنتي. أظن إنك كبرتي وتعرفي ترنيه لوحدك ولا إيه؟"
اتبع حديثه بالتحرك للجانب لكنه لم يغير من وضعية وقوفه. فتقدمت بخطوات مرتعشة تصعد الدرجات المتبقية تقف أمامه وعينيها تدور بينه وبين الجرس القريب منه بتوجس وخشية. ثم تنفس بعمق وهي تتقدم من مكان وقوفه ببطء تتطلع في عينيه برهبة. قابلها هو بابتسامة ساخرة أصبحت ضحكة عالية صاخبة تردد صداها في المكان. حين انتفضت تلتف حول نفسها تهرول هاربة وهي تهتف بتلعثم واضطراب:
"مش عاوزة. أنا هروح بيتنا. ابقى... قول لأمك... إني..."
لم تكمل حديثها بل أسرعت تهبط درجات السلم تتعثر في خطواتها. يطاردها صوت ضحكته وقد تردد صداه ليس في المكان فقط بل داخل قلبها أيضًا. فتتسارع ضرباته كأنها على وشك الإصابة بنوبة قلبية. ولكن هذه المرة ليس من تأثير جاذبيتها عليها بل حرجًا واستحياء من حمقها. ولكن ماذا هي بفاعلة. فليس بيدها حيلة. فأمامه دائمًا تصبح طفلة حمقاء متسرعة تسبقها أفعالها قبل تفكيرها.
رواية ظلمها عشقا الفصل الثالث 3 - بقلم فرح صالح
عارفة لو مش هتبطلي ضحك هقوم أجيبك من شعرك.. أنا بقولك أهو.
صرخت بها فرح بغيظ وصوتها مختنق بالبكاء، تحاول إيقاف شقيقتها عن الضحك، لكن سماح لم تستجب لها، بل زادت نوبة الضحك التي أصابتها حتى أصبحت تستلقي فوق ظهرها وهي تمسك بمعدتها.
لتنهض فرح من جوارها تهتف بها باكية: أنا غلطانة إني حكيت لكِ حاجة أصلاً.. ما تبقيش تسألينى عن حاجة تاني علشان مش هرد عليكي.
اندفعت إلى غرفتها بخطوات سريعة غاضبة، تدخلها متجهة إلى فراشها، تلقي بجسدها فوقه شاهقة بالبكاء.
لتتبعها سماح مقتربة منها وهي تزيح دموع الضحك عن عينيها قائلة بصوت ما زال أثر ضحكاتها به: طب قومي متزعليش، خلاص مش هضحك تاني.
لم تتحرك فرح من مكانها، تستمر في بكائها.
فتهتف بها سماح مدافعة عن نفسها: ما هو انتي يا فرح برضه عليكي عمايل، ولا شغل العيال والفروض يعني إنك كبرتي عليها.
اعتدلت فرح جالسة وهي تصرخ بغضب وطفولية: هو إيه حكاية كبرتي النهاردة معاكم.. هو يقول لي كبرتي، وإنتي تقولي لي كبرتي.. وكله شغال ضحك عليا.
جلست سماح جوارها تربت فوق كفها برفق قائلة بحنان: طب خلاص بقى متزعليش.. أنا بس مستغربة اللي حكيتيه.. مش ده خالص صالح اللي كل الحارة تعرفه وعارفة هيبته وشدته.
تنهدت فرح تضم شفتيها في محاولة لتوقف عن البكاء قائلة: وأنا كمان بقيت مستغربة.. من وقت ما خلصت مدرسة وهو قلبه معايا.. وبعد ما كان بيكلمني ويضحك في وشي ويهزر، بقى كل ما يشوف خلقتي يزعق لي يتريق عليا.. لحد ما اتجوز، وبقيت أنا اللي بهرب حتى لو شفته ولو صدفة.
هزت سماح رأسها بحيرة قائلة: والله أنا بدأت أشك إنه...
صمتت عن إكمال حديثها، تعقد حاجبيها بتفكير شاردة للحظات.
لتتوقف فرح عن البكاء خلالها تهزها من كتفها بعدما طال صمتها تسألها بلهفة: إنه إيه؟ انطقي.. لو فهمتي حاجة فهميني.
نفضت سماح عنها حالة الشرود، ناهضة عن الفراش قائلة بحزم: مفيش حاجة ولا بتاع.. إحنا هنعملها فيلم.. قومي يلا فزي من مكانك اغسلي وشك.. وشوفي هنقول إيه لخالك لما يجي يا فالحة.
ارتمت فرح بجسدها فوق الفراش تعاود الاستلقاء مرة أخرى وهي تدفن رأسها أسفل الوسادة قائلة: يعمل اللي يعمله.. والله مانا راجعة هناك تاني ولو قتلني حتى.
نهضت سماح من جوارها تعقد حاجبيها بشدة هامسة بقلق وتوتر وقد أيقنت أن هذا اليوم لن يمر عليهم بخير وسلام أبداً: ما هو ياريت على قد قتلك انتي بس.. دي هتبقى حفلة قتل جماعي لينا كلنا النهاردة.
دخل إلى الشقة الخاصة بوالديه وما زالت بقايا ضحكته مرتسمة فوق شفتيه، يتلاعب بالمفاتيح الخاصة به بين أصابعه وهو يدندن لحناً سعيداً من بين شفتيه، متجهاً ناحية والده الجالس فوق أريكة يتابع التلفاز باهتمام وتركيز.
ولكن توقف ملتفتاً إليه بدهشة قائلاً بتعجب سعيد: خير يا صالح.. بقالي كتير مشفتكش فرحان كده.. لا وبتغني كمان؟!
جلس صالح بجواره يمازحه بمرح: لدرجة دي يعني كنت قالبها غم علشان تستغرب لما أضحك يا حاج!
هز والده كتفه قائلاً بسعادة: أكدب عليك وأقولك لأ.. بس مش مهم، المهم إن الضحكة رجعت تنور وشك تاني.
هتف بعدها يكمل وعينه تلمع بأمل ورجاء: قولي إن سبب ضحكتك وفرحتك دي.. إنك خلاص وافقت ترجع مراتك وهتفرح قلبي وقلب أمك..
تبدل حاله تماماً فور أن نطق والده كلماته تلك، يكفهر وجهه بشدة وعينيه تتقاذف بداخلها الشرارات كالبرق، يتخشب جسده بشدة وهو يفح من بين أنفاسه قائلاً بصوت غاضب: لأ.. وياريت يا حاج نقفل على السيرة دي.. ومتفتحيهاش معايا تاني.
توتر الحاج منصور في جلسته وهو يرى تغير حال ولده للنقيض بتلك السرعة، يهمس بقلق مبرراً: متزعلش مني يا ابني.. أنا بس عايز أطمن عليك وأشوفك متهني ومراتك كمان بنت ناس و...
توتت شفتي صالح بمرارة شارداً عن الباقي من حديث والده، تتدافع داخل عقله مشاهد شهوره الأخيرة مع ما يسميها والده بابنة حلال حتى.
توقفت عند مشهده الأخير معها قبل طلاقهم مباشرة، عندما وقف مكانه يتطلع إليها وهو يراها تتحدث في هاتفها بسخرية دون أن تشعر حتى بوجوده، وكلماتها كانت كالحمم تنهمر فوق رأسه وسمعه دون رحمة، حين استمع إلى صوت ضحكتها المنتصرة السعيدة، قبل أن تكمل حديثها بخبث وتعالٍ أصابه بالنفور منها والغثيان.
فتقدم خطواته ببطء وهدوء، رغم ما يمر به من مشاعر غاضبة تجعله يرد تحطيم أرجاء المكان فوق رأسها، ملتفاً حول مقعدها حتى أصبح أمامها مباشرة، لتشهق هالعة تلقي بهاتفها أرضاً صارخة باسمه، وقد كسى وجهها الشحوب من حضوره المفاجئ.
تفرك كفيها معاً بتوتر وقلق، ثم حاولت التقدم منه تهم بالحديث، لكنها توقفت مكانها مرة أخرى حين رأت عينيه تنهيها عن هذا، فقد كانت نظراته لها شديدة القسوة والبرود.
فأخذت تحاول مرة أخرى التحدث بصوت حاولت إظهاره طبيعياً، لكن خرج رغماً عنها مرتجفاً متلعثماً قائلة: دي.. دي أميمة أختي.. كنت بكلمها عن.. عن...
صمتت بأضطراب تحاول البحث وإيجاد كلمات تسعفها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن توقف عقلها عن العمل حين وجدته يتحرك من مكانه متقدماً منها ببطء.
تنكمش فوق نفسها رعباً ظناً بأنه سيقوم بضربها كما تستحق، لكنها صدمت حين وجدته يجلس فوق المقعد بكل هدوء قائلاً بصوت رغم هدوئه إلا أن به شيء مظلم غاضب: لا مش محتاج تقوليلى كنت بتقولها إيه.. أنا سمعت كل حاجة ومفيش لزوم أسمعه تاني.
ازداد توتر جسدها وهي تفرك كفيها معاً مرة أخرى بأضطراب وقلق، سرعان ما تحول إلى صدمة وذهول، تنهار قدماها أسفلها لتسقط أرضاً بقوة، تحرق الدموع عينيها حين قال بصوته البارد الجاف رغم الوحشية في عينيه وشراسة ملامحه: انتي طالق يا أماني.. طالق.
كلمات قالها وليس نادماً عليها أبداً، أنهى بها أشهر من العذاب لن يعيدها مهما حدث، فيكفيه شعوره الآن بالارتياح والسكينة منذ أن قالها لها، بعد ظلام وعذاب كادوا أن يقضوا عليه بلا رحمة.
أفاق من تلك الدوامة التي ابتلعته بداخلها مثل كل مرة يقومون فيها بذكرها أمامه.
تنتبه حواسه على صوت شقيقته المتذمر وهي تقاطع حديث والده معه الشارد هو عنها قائلة: بابا انت لسه متصلتش بمليجي علشان يبعت البت فرح؟!
التف إليها الحاج منصور قائلاً بتأكيد: لا اتصلت بيه.. وقالي هيبعتها حالا.
زفرت ياسمين هاتفة بحنق: طب ليه الهبابة دي مجتش لحد دلوقتي..
هدر صالح ناهراً إياها بحدة وغضب: ياسمين.. لمي لسانك واتكلمي عدل.
توترت ياسمين قائلة بأرتباك: أنا آسفة يا صالح.. أنا مقصدش و...
لكنه قاطعها بخشونة يسألها: بعتي لفرح ليه.. عايزها في إيه؟
هزت ياسمين كتفيها قائلة بعدم اهتمام: هعوزها في إيه يعني.. كانت هتيجي تساعد معاهم في المطبخ.. العادي بتاعها يعني.
نهض صالح عن مقعده بعنف وهو يهتف بها محذراً بحدة: أنا مش قلتلك اتكلمي عدل.
ضربت ياسمين الأرض بقوة قائلة بعبوس: في إيه يا صالح.. هو أنا قلت إيه غلط دلوقتي.. مش دي شغلتهم.
أتى تعنيفها هذه المرة من الحاج منصور، وقد هتف بها غاضباً وبصوت حاد: بنت يا ياسمين احشمي نفسك واتكلمي عدل.. دول جيرانك يعني زي أهلك ومش معنى إنهم بيجوا يساعدوا أمك في حاجة يبقى تتكلمي عنهم كده.. فاهمة ولا لأ؟
زفرت ياسمين حنقا وهي تضرب الأرض بقدمها مرة أخرى اعتراضاً منها على حدتهم معها، ثم اندفعت مغادرة المكان سريعاً وهي تدمدم بكلمات حانقة.
ليل تلتفت الحاج منصور بعدها إلى صالح زافراً بنفاذ صبر قائلاً: البت دي خلاص دلعنا فيها....
صمت عن حديثه هازاً رأسه زافراً بقلة حيلة.
ليحدثه صالح بهدوء قائلاً: فرح جت بس رجعت تاني روحت.. أنا قابلتها وأنا طالع.
هتف الحاج منصور قلقاً: خير روحت تاني ليه؟
أجابه صالح وهو ينحني يستعيد مفاتيحه والتي ألقى بها فوق المنضدة عند دخوله قائلاً بصوت عادي النبرات: أبداً.. رجليها كانت دخل فيها مسمار وبتوجعها فروحت علشان مقدرتش تكمل.
هاهز الحاج صالح رأسه استحساناً قائلاً: كده أحسن برضه.. والله البنت دي إن كان هي ولا أختها بنات جدعة ومحترمة وأنا بعتبرهم زي ياسمين أختك بالظبط.
هز صالح رأسه ببطء موافقاً له، وجهه صفحة بيضاء لا تظهر عليه تأثره بذكر اسمها أمامه ولا ضربات قلبه الخافقة بجنون وهو يتذكرها بين ذراعيه منذ قليل، يتحدث قائلاً بهدوء وثبات شديد: أنا طالع شقتي لحد ما الضيوف تيجي.. تأمرني بحاجة يا حاج.
اتسعت عيني الحاج منصور قائلاً: هتطلع دلوقتي؟! مش هتستنى نكمل كلامنا؟
أغمض صالح عينيه زافراً محاولاً الهدوء، وقد عاوده شعوره بالاختناق والغضب مرة أخرى، قبل أن يتحدث قائلاً برجاء وصوت أوضح أنه أصبح على الحافة: يا حاج أبوس إيدك.. قفل عليه الموضوع ده.. وإن كان على ضحكتي أوعدك مش هتشوفها على وشي تاني بس بلاش سيرتها قدامي مرة تانية.
أنهى حديثه ثم استدار مغادراً دون أن يمهل والده الفرصة لحديث آخر عن هذا الموضوع، والذي أصبح يفر هارباً منه ككابوس مميت خانق لأنفاسه.
تبختر مليجي في خطواته، يلقي بالسلام هنا وهناك وهو في اتجاه محل أنور ظاظا حسب الموعد المحدد بينهم.
يدلف إلى داخل المحل هاتفا بتذلل لأنور الجالس فوق مقعده يمرر أنفاس أرجيلته عبر صدره مستنشقاً إياها بأستمتاع ولا مبالاة: أنا جيت أهو يا برنس.. تأمرني.. كنت عايزني في إيه؟
أشار إليه أنور بيده ناحية الكرسي الآخر ليسرع مليجي بالجلوس فوقه وهو يتطلع إليه بفضول وترقب، منتظراً لعدة لحظات استغرقها أنور في إنهاء أرجيلته قبل أن يتركها من يده قائلاً: شوف يا مليجي من غير كلام كتير.. أنا عايز أنسبك.
تهلل وجه مليجي بالفرحة، تشع عينيه وهو يهتف بلهفة: ده يوم المنى يا سي أنور.. إحنا نطول.. بس مين فيهم سماح ولا..
قاطعه أنور سريعاً قائلاً بلهث وعينيه تنطق بالشوق: الصغيرة.. يا مليجي.. أنا عايز الصغيرة.
لوى مليجي شفتيه بابتسامة خبيثة مدركة قائلاً ببطء: قلتلي بقى عينك من البت فرح...
ثم اقترب منه يكمل بصوت يتراقص جشعاً: بس ياترى بقى هتقدر على مهرها يا برنس؟
أجابه أنور سريعاً وبصوت ملهوف: اللي تطلبه يا مليجي من جنيه لمليون بس فرح تبقى ليا وبتاعتي النهاردة قبل بكرة.
تراجع مليجي للوراء يرسم على ملامحه التردد والحيرة قائلاً: بس اااا.. طيب وحريمك الاتنين هيوافقوا على الجوازة دي.
عقد أنور حاجبيه بشدة قائلاً ببطء محذراً: وهما هيعرفوا منين يا مليجي... بقولك إيه صحصح معايا كده!!
اتسعت عيني مليجي بإدراك قائلاً: تقصد إنك عايز البت في جوازة عرفـ...
قاطعه أنور سريعاً قائلاً بتأكيد: أيوه... زي ما فهمت كده بالظبط وأنا شاري ومستعد لكل طلباتها.
عقد مليجي حاجبيه قائلاً بصوت قلق متحير وقد اختلف الأمر تماماً في حساباته: بس كده الوضع اختلف.. والبت ممكن تعصلج ومترضاش ساعتها...
هب أنور من مقعده واقفاً بعنف أسقط أرجيلته أرضاً بدوي عالٍ صارخاً فيه بشراسة كأنه لم يحتمل مجرد تصور أن يتم رفضه من قبلها: بت مين يا عايك اللي تقول لأ وترفضني.. اصحى وفوق شوف انت بتتكلم مع مين.. دانتم شاحتين الحارة يا عايك ولا نسيت.
توتت شفتيه نفوراً يكمل باستعلاء وصوت محتقر وهو يرى تململ مليجي في معقده متوتراً: مفكر مين يرضى يناسبك ولا يحط إيده في إيدك ويتجوز بنات اختك دول.. فوق انت وبنت اختك يا عايك وبلاش اللون ده عليا من أولها كده.
أسرع مليجي يحاول تهدئته ترتجف فرائصه أمام غضب وعنف أنور المشتعل أمامه قائلاً بأرتباك وخنوع: براحة بس يا برنس... الكلام أخذ وعطى.. أنا بقول يمكن.. يمكن مش أكتر.
جلس أنور فوق مقعده مرة أخرى يضع ساقاً فوق أخرى هاتفاً بتعالٍ وحدة: مفيش يمكن ولا بتاع.. البت ليا وبتاعتي وكله بتمنه ولا إيه؟!
هز له مليجي رأسه بالموافقة تظهر أسنانه الصفراء في ابتسامة جشعة خبيثة حين أتى على ذكر الثمن قائلاً بتأكيد وحزم: خلاص وماله يا برنس اللي تأمر بيه وطالما كله بحسابه يبقى البت متغلاش عليك.. وهو كله جواز وشرع ربنا.
شعر أنور بعد حديثه هذا باطمئنان نفسه وخفقات قلبه تتراقص فرحاً وسعادة، فأخيراً ستصبح له.. من ملكته وأطارت النوم من عينيه وفعلت به ما لم تفعله أنثى من قبلها، فبرغم تعدد زيجاته وعلاقاته المتعددة لم تستطع أنثى خطفه وخطف قلبه كما فعلت هي، كلما رآها تغدو أمامه يمني نفسه بالصبر حتى تطالها يده، لكن لم يعد للصبر مجال بعد الآن، قد حدث ما حدث ورأى في عيون غيره شيئاً مماثلاً لما في قلبه نحوها وإن لم يكن أكثر.
ظلت كما هي على حالها منذ أن تركتها سماح، لا يتحرك لها ساكن، تدس رأسها أسفل الوسادة، يظن من يراها أن داخل سبات عميق، لكنها كانت بعيدة كل البعد عن النوم وراحته.
وقد أخذت تقيم لنفسها محاكمة قاسية داخل عقلها، كانت فيها القاضي والجلاد، تلعن وتسب غبائها كلما تذكرت كل ما حدث بينهم، فهي في يوم واحد فقط أظهرت نفسها أمامه كحمقاء متسرعة لا تناسب أفعالها سنوات عمرها التاسعة عشر أبداً، وليس مرة واحدة لا لا بل مرتين، كأنها تأكد عليه فكرته عنها.
لذا ظلت تبكي بحرقة وبشهقات مكتومة تتذكر ما حدث مراراً وتكراراً دون كلل منها.
حتى تعالى صوت رنين هاتفها الملقى بجوارها، فنهضت بهمود هامسة بصوت متحشرج من أثر بكائها وهي تمسك بالهاتف ظناً منها أنه خالها: تلاقيه بيتصل علشان يعرف أنا لسه ماوصلتش هناك ليه.. بس والله مانا رايحة ويحصل اللي يحصل.
ضغطت زر الإجابة تضع الهاتف فوق أذنها هاتفة بحدة وصوت يغلب عليه البكاء: شوف بقولك تاني أهو.. مرواح هناك مش رايحة.. وعاوز تيجي تموتني تعال والله يبقى ارتحت وريحتني من العيشة السودا دي.
عقدت حاجبيها بحيرة حين قابلها الصمت من الطرف الآخر للحظات، قبل أن تتسع عينيها ذهولاً وصدمة، وفمها والذي فغرته على اتساعه حين وصل لها صوت رجولي تحفظه عن ظهر قلب يعيث الفساد داخل صدرها، ترتعش كالمحمومة وهو يحدثها قائلاً بصوت هادئ أجش مميز: واضح إن زيارتنا تقيلة أوي على قلبك بس مش لدرجة الموت يعني.
ازدردت لعابها تهمس بصعوبة وبأنفاس متلاحقة تحاول التأكيد من هوية المتصل رغم تيقنها منها بقلبها قبل عقلها، لتأتي إجابته فتمحو أي شك لديها حين أجابها بخفوت جعل من صوته أكثر جاذبية: أنا صالح يا فرح.. كنت عايز... عايز أقولك متزعليش مني لو كنت ضايقتك النهاردة...
أسرعت بهز رأسها تنفي حديثه هذا كما لو كان يراها، لا تستطيع شفتيها أن تنبس بحرف خارجها، وكما لو عقد لسانها، تسمعه وهو يكمل بتأكيد وحزم لها: ولو خالك بيجبرك إنك تيجي بيتنا غصب عنك.. فانا هتكلم معاه النهاردة وصدقيني مش هتحصل تاني.. بس المهم إنك متزعليش.
همت بالحديث بعد حلت العقدة عن لسانها، لكنه لم يمهلها الفرصة يغلق الهاتف بعد أن ألقى عليها بسلام سريع، ليسقط الهاتف من بين أصابعها هامسة بذهول وعدم تصديق: صالح مين؟! صالح بتاعنا.. بيتصل بيا أنا.. يقولي متزعليش.
صرخت بسعادة وهي تنهض من الفراش تجري إلى باب غرفتها تخرج منه صارخة تنادي سماح: بت يا سماح مش هتصدقي اللي حصل دلوقتي حالا ومين اللي...
صمتت عن إكمال حديثها فور أن رأت خالها يدلف من الباب الخارجي، يتخشب جسدها من الخوف والذعر وهي تراه يتجه نحوها، ولكنه صدمها حين قام يجذبها إلى صدره يحتضنها بقوة تحت أنظار سماح وطفليه المصدومة هاتفاً بفرحة وسعادة طاغية: أهلاً بحبيبة خالها ووش السعد والهنا علينا كلنا.
اتسعت حدقتاها تتبادل مع شقيقتها النظرات المصدومة تسألها من خلالها عما يحدث، لتهز سماح كتفها بحيرة تجيبها.
لتتراجع إلى الوراء تخلص نفسها من بين ذراعيه تسأله بحيرة مرتابة: وده اللي هو إزاي يعني.. ومن إمتى الكلام ده؟
اقترب منها مليجي يفح من بين أنفاسه بتمهل وصوته يحمل خبث العالم كله: من هنا ورايح يا قلب خالك.. ده انتي وأختك عندي بالدنيا و....
لم تستطع فرح تمالك نفسها وقد أدركت أن وراء حديثه هذا أمراً لن يعجبها، لذا هتفت به بتوتر: بقولك إيه يا خالي.. هات من الآخر كده.. وقول وراك إيه بصراحة ومن غير لف ولا دوران.
عريس يا بت اختي... جايلك عريس هيعيشك ويعيشنا في عز وهَنا.
قالها مليجي وعينيه يزداد لمعانها الجشع ووجهه ينطق بالسعادة كمن ملك كنوز الأرض، ليسود بعدها صمت حاد يشع الجو من حولهم بالتوتر والاضطراب، وقد حدق به الجميع بصدمة، لكن مليجي تجاهل صدمة وجوههم وهو يكمل قائلاً لفرح بلهث طمع: عريس يا بت يا فرح إنما إيه عمر اللي خلفوكي ما يحلموا بيه.. الظاهر أمك دعت لك قبل ما تموت يا بت.
أنهى حديثه ثم أسرع بجذبها له مرة أخرى يحتضنها، غير مدرك لجسدها المتصلب ولاملامح وجهها النافرة بالكره له، أما عينيها فقد أظلمت بشدة كعاصفة هوجاء تستعد لإطاحته به فوراً ودون تردد.
رواية ظلمها عشقا الفصل الرابع 4 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ الرابع ♡
♕ ظلمها عشقاً ♕
داخل شقة حسن الرفاعى الشقيق الاكبر لصالح جلست زوجته سمر تتحدث فى هاتفها وعلى وجهها يرتسم الملل وعدم الاهتمام وهى تستمع الى محدثها من الطرف الاخر لعدة لحظات قبل ان تنهى المكالمة زافرة بعدها بضيق وتأفف قائلة
:ياساتر دانتى عليكى رغى ..لا وكمان عبيطة فكرانى هعملك حاجة ..هو انا هبلة دانا ما صدقت خلصت منك.
نهضت واقفة تتحرك من مكانها فى اتجاه غرفة النوم تفتح بابها وهى تهتف بحدة فى زوجها المستلقى فوق الفراش نائما
:شوفت ياحسن الهانم عاوزة منى ايه؟
فز حسن فزعا من الفراش يهتف بتبرم وضيق
:فى ايه ياسمر فى حد يصحى حد كده ..وهانم مين اللى بتصحينى كده علشانها..
تقدمت منه جالسة بجواره وهى تلوى شفتيها بسخرية هاتفة
:الهانم مرات اخوك ..اقصد طليقته بتكلمنى عوزانى اساعدها واخليك تكلم صالح علشان يرجعها تانى.
استلقى حسن مرة اخرى فوق الفراش مضجعا على جانبه قائلا بصوت يغلبه النعاس
:طب ودى فيها ايه.. انا فعلا كلمت ابويا علشان يكلمه يرجعها.
هبت سمر وافقة وعيونها جاحظة بذهول صارخة
:قلت له ايه؟! انت عاوز تشلنى يا حسن ولا عاوز تموتنى بدرى ولا ايه حكايتك بالظبط!
انحنت فوقه تنكزه بعنف حين وجدته يغمض عينيه متجاهلا لها تكمل غاضبة
:انت هتنام قوم هنا كلمنى ..الا والله اخليها ليلة سودا عليك.
نهض فورا جالسا فى الفراش بوجه شاحب وهو يتحدث بلتعثم واضطراب
:ليه بس كل ده ياسمر .. ايه اللى حصل لكل ده!
انفجرت فيه صارخة وهى تقترب بجسدها منه
:بتسألنى ايه اللى حصل لكل ده .. دانا هتشل منك ومن برودك..
جلست بجواره تنكزه قائلة بغيظ
:انا يا راجل انت مش مفهماك وقايلة ليك اياك تكلم صالح ولا ابوك بخصوص الموضوع ده.
هز حسن رأسه بالايجاب قائلا بخفوت
:حصل .. بس انا صالح صعبان عليا يعيش كده وحدانى .. ده اخويا برضه يا سمر.
زفرت سمر ببطء تحاول تهدئة انفعالاتها قبل ان تحدثه وكأنها تحدث طفلا تحاول اقناعه بعمل ما
:طبعا ياحبيبى اخوك وحبيبك كمان .. بس انت كمان متنساش برضه عيالنا ومستقبلهم .. وبعدين هو احنا كان لينا يد فى اللى حصل ولا كان لينا دخل فيه .. ده كله قدر ونصيب ومش عيب اننا نستغله لمصلحتنا ولا ايه ياحبيبى!
شعرت برفضه لكلماتها وهى تراه يعقد حاحبيه معا يهمهم بأعتراض
:بس يا سمر انا مش عاوز ...
اسرعت فورا تغير من سياستها معه تتبع فورا اخرى لم تخيب امالها ابدا فى اخضاعه لرغبتها وهى تهمس له بنعومة
:مش عاوز ايه ياحبيبى!
... هو انا عمرى قلتلك حاجة مش فى مصلحتك ..ولا فى حد بيخاف عليك ادى.
قالتها وهى تقترب منه ممررة اطراف اصابعها على صدره ببطء واغراء تنظر اليه تغويه بنظرات عينيها وبالفعل تتسارع انفاسه تزداد خشونة استجابة لها وهو يقترب منها هو الاخر يهز رأسه لها بالنفى كالمغيب قبل ان يجذبها بين احضانه بلهفة يستلقى بها فوق الفراش لتنطلق منها ضحكة انثى سعيدة منتصرة باحكامها السيطرة على زوجها كما تبغى وتريد.
*****************
دفعته بعيدا عنها بعنف ثم وقفت مكانها تتطلع اليه بذهول ممزوج بالغضب والشراسة لكنه لم يبالى لها بل وقف بثبات امامها تتسع ابتسامته الخبيثة اكثر مع ازدياد بريق الجشع فى عينيه فى انتظار ردها لتثيرها حالة الثقة هذه به فتنفض عنها ذهولها وهى ترفع حاجبها بتعجب تهتف به بحدة ساخرة
:عريس ! عريس ايه يا عايق .. هى من امتى الحدادية بتحدف كتاكيت .. وبعدين مدام من طرفك يبقى يغور.
تحفز جسد مليجى فى وقفته وقد احتقن وجهه بشدة من ردها اللاذع عليه حتى صار شديد الاحمرار يهم بالانقضاض عليها لكنه اسرع بتمالك نفسه سريعا يدرك ان غضبه لن يكون له تأثيرا هذه المرة ويجب استخدام اللين والتروى ان اراد النجاح فيما يريد لذا اسرع يمحو عن وجهه امارات الغضب يتنفس بعمق عدة مرات قبل ان يلتفت الى سماح الواقفة بقربهم تتابع ما يحدث ذاهلة فى محاولة لاقناعها وكسبها الى طرفه
:طب اسمعينى انت يابت ياسماح مدام بنت ال*** مش راضية تفهم ولا تسمعنى واسألينى مين العريس!
سماح وهى تربت فوق كتفه وبصوت مستعطف
:حاضر يا خالى ... حاضر .. مين هو العريس؟؟
:ظاظا ..انور ظاظا ..صاحب محل الـ....
قالها مليجى بتلهف وفخر كما لو كان يعلن عن اسم احد الملوك ..
لكن جاءت صرخة فرح وسماح المستنكرة لتقاطعه عن اكمال حديثه هاتفتين معا فى وقت واحد
:بتقول مين؟!....انور ظاظا مين؟
ابتسم مليجى لهما ابتسامة سمجة ثقيلة قائلا
:انور ظاظا ياعين امك منك ليها ..ايه هو فى حد يتوه عنه.
ازدردت سماح لعابها بصعوبة ثم حدثته بصوت خافت متردد
:بس ده ... متجوز اتنين يا خالى ...ومفيش واحدة منهم هترضى بكده!
توتر مليجى وهو يتهرب بنظراته بعيدا عنها قائلا باضطراب وتردد
:لا ماهو ... يعنى ..مفيش واحدة منهم هتعرف بالجوازة من الاساس.
عقدت فرح حاجبيها بحيرة تسأله متوجسة
:وده اللى هو ازى بقى ؟
ابتعد مليجى عنهما معطيا ظهره لهما وهو يلوح بيده قائلا سريعا ودون اكتراث
: من الاخر كده الجوازة هتبقى عرفى .. والراجل مستعد يتقلها بالدهب وهيدفع فى الجوازة من جنيه لـ....
جحظت عينى سماح وفرح ذهولا وصدمة فلم تتصور احداهما يوما ان يكون بكل هذه الدنائة برغم كل عيوبه والتى لا تخفى احد..
لذا هنا ولم تستطع فر ح الصمت تشتعل عينيها بالشراسة تسرع ناحيته صارخة بغضب اعمى
:ده على جثتى لو حصل.. فاهم ..مش كفاية معيشنا فى هم ولاهف شقانا ..كمان عاوز تجوزنا غصب وتقبض تمنا.
التفت لها مليجى يندفع هو الاخر ناحيتها صارخا
:يعنى ايه كلامك ده يابنت ال*** انتى؟
وقفت امامه تتطلع اليه وعينيها وملامحها تنطق بالتحدى والاصرار
:اللى سمعته ..وده اخر كلام عندى.
هدأت ثورة غضبه بداخله حين رأى هذا المزيج من التحدى والاصرار له منها يعلم بانه سوف يخسر امامها المعركة ان ظلا كلا منهما على تحديه لاخر لذا اسرع ينتهج طريقة اخرى دعى بداخله ان تفلح معها يضع فوق وجهه قناع من الهدوء والمصابرة واخذ يحاول اقناعها باللين وبصوت متوسل
:يابت اعقلى ومضيعيش الفرصة دى من ادينا ...خلينا بقى نقب على وش الدنيا ونعيش .. ولا عجبك نفضل طول عمرنا يتقال علينا شحاتين الحارة.
لم يجد منها استجابة وقد صمت اذنيها عن حديثه تقف كما هى امامه بعزمها واصرارها لا يهتز لها جفن ليحبط بداخله فلا يجد امامه سوى ان يلتف الى سماح مرة اخرى يحدثها هى لعلها تصغى اليه وتحاول اقناعها معه
:كلمى اختك ياسماح وعقليها ..مش يمكن انت كمان المعلم انور يشوفلك جوازة حلوة مريحة زى دى وتشوفى حالك انتى كمان.
همت سماح بالرد عليه لكنه اسرع قاطعها قائلا بتلهف
:شوفوا انا هسيبكم تاخدوا وتدوا كده مع بعض..وهروح انا عند انور اكلمه واشرط عليه يكتبلها كمان شقة ملك ..اه اومال ايه هو فى زى فرح ولا حلاوة فرح فى الحارة كلها.
وبالفعل اعقب حديثه بالتوجه ناحية الباب مغادرا على الفور دون ان يمهلم فرصة للرد لتقف فرح بعد خروجه تتطلع الى الفراغ بشرود وتفكير اخرجها منه صوت سماح القلق وهى تسألها
:هتعملى ايه فى المصيبة دى .. خالك عامل زى اللى لقى عضمة واستحالة يسيبها من ايده.
لم تجيبها فرح بل تحركت سريعا باتجاه الاريكة تختطف من فوقها عبائتها السوداء والطرحة الخاصة بها ثم تسرع فى اتجاه الباب هى الاخرى لتهتف بها سماح باضطراب
:رايحة فين يابت كلمينى ..
التفتت اليها فرح قائلة بحدة
:رايحة افرج الحارة على خالك والعضمة بتاعته ومبقاش فرح اما خليت اللى ما يشترى يتفرج عليهم.
ثم خرجت تغلق الباب خلفها بقوة تاركة سماح تلطم وجنتيها بكفيها هامسة رعب
:نهار اسود عليكى يافرح ..هتودينا كلنا فى داهية بجنانك ..ده قليل اما خالك عجنك ادام الحارة كلها.
وقفت مكانها تنظر حولها بتيه وقلة حيلة حتى اتسعت عينيها فجأة بأدراك فتسرع هى الاخرى تخطتف عبائتها من داخل الغرفة ثم تسرع فى اتجاه الباب وهى تهتف بحزم
:هو مفيش غيره اللى يقدر يلم الليلة دى كلها ..انا هروح له ويحصل اللى يحصل بعدها.
****************
كان الحاج منصور يجلس مكانه منذ ان تركه ولده ناظرا امامه شاردا فى افكاره حتى انتبه على صوت زوجته الحنون وهى تجلس جواره تسأله بقلق
:مالك يا حاج خير ..قاعد مسهم كده ليه يا خويا.
زفر ببطء قائلا بصوت مثقل بالهموم
:صالح يا حاجة مش عجبنى حاله ..خايف يمر العمر بيه وحدانى لا انيس ولا جليس معاه
زفرت انصاف هى الاخرى وقد علت فوق ملامحها الهموم هامسة بحزن
:طول عمره ياقلب امه حظه قليل ..حتى لما ربنا رزقه ببنت الحلال وقلت خلاص ربنا هيهدى سره واشوفه متهنى حصل اللى حصل وملحقش يتهنى يا حبة عينى.
التفت اليها الحاج منصور سائلا اياها بصوت قلق قائلا
:طب والحل يا حاجة هنقعد كده ساكتين واحنا بنشوفه كده؟
هزت انصاف راسها هامسة بقلة حيلة
:واحنا فى ادينا ايه نعمله ..ده حتى موضوع مراته مش مستحمل حد فينا يفتح معاه كلام فيه.
صمت منصور يهز رأسه موافقا على حديثها صامتا للحظات قبل ان يهتف وقد شع وجهه بالامل
:يبقى مفيش ادمنا غير عادل ..هو الوحيد اللى بيسمع له واللى هيقدر يقنعه يرجعها.
تهلل وجه انصاف بالفرح تهم بالرد عليه لكن اتى صوت صالح الجاف مقاطعا لها قائلا
:ريحوا نفسكم منى ..لا عادل ولا غيره هيقدروا يقنعنى بحاجة انا مش عاوزها.
هبت انصاف تهتف به بلوم وهى تلتفت اليه بفزع
:كده يا صالح تخضنى كده..؟
تقدم للجلوس بجوارها مقبلا جبهتها بحنان قائلا برقة
:حقك عليا ياحاجة ..بس ياريت بلاش كلام فى موضوع ميت ..لو بتحبونى فعلا وعاوزين مصلحتى بلاش منه الكلام فيه.
همت انصاف تجيبه برجاء لكن قاطعها منصور يهز رأسه بأستسلام قائلا بحزن وهو ينظر الى زوجته يرى بداخل عينيها حزن مماثلا
:خلاص يا حاجة ..هو ادرى وعارف ايه اللى يريحه ..احنا كل اللى يهمنا راحته.
ابتسمت انصاف بضعف مستسلمة تقبل وجنته صالح بحنان تتبعها بدعاء من القلب ابتسم هو بفرحة له يسود الصمت بعدها للحظة قبل ان ينهض صالح قائلا
:هنزل انا اشوف الشغل ماشى ازى ..لحد ما حسن يصحى والضيوف يوصلوا.
القى عليهم السلام مغادرا تتبعه نظراتهم الحنون ودعواتهم له ولكن ما ان قام بفتح الباب حتى طالعه وجه سماح الجزع تهتف به برجاء وتوسل
:الحقنى يا سى صالح ..ابوس ايدك تعال معايا نلحق البت فرح.
توترت كل خلجة من خلجات جسده فورا ان سمع اسمها يسأل سماح بجزع وخوف يشق صدره
:مالها فرح يا سماح ..انطقى!
صرخ بكلمته الاخير حين وجد التردد يسيطر عليها لتهب سماح هاتفة فورا تقص عليه ماحدث بكلمات سريعة
:خالى عاوز يجوزها لانور ظاظا عرفى ..وهى راحت ليهم المحل مصممة لتفرج عليهم الحارة هو وخالى ...
لم يستمع للباقى من حديثها فقد توقفت تماما جميع حواسه تفور بداخله براكين بحممها تغذيها و تشعلها سماعه لكلمة زواجها بأخر وان هناك غيره ارادها له فتعمى غيرته عينيه بعصبة سوداء من العنف والغضب وهو يزيح سماح من طريقه يهرول فوق الدرج مختفيا عن انظارها فى لمح البصر.
***************
:البت مش موافقة وبهدلت الدنيا يابرنس لما عرفت انها جوازة عرفى
قالها مليجى لانور وهو يتظاهر بالاسف واقفا فى انتظار عاصفة انور الغاضبة مستعداً لها بكلمات اعدها طويلا للفوز باكبر قدر ممكن من المكاسب من تلك الزيجة ..
لكن ولصدمته وجده ينهض على قدميه بكل هدوء متقدماً منه وهو يبتسم بثقة وعينه تلتمع بالاعجاب قائلا بصوت متحشرج
:كنت عارف انها مش هتوافق ..اللى زى فرح استحالة ترضى بجوازة فى السر ولو من مين .. دى بت حرة ودمها حامى .. قطة حلوة وبتخربش.
فغر مليجى فاه بذهول وانور يكمل بلهفة وأبتسامة سعيدة فرحة
:انا عاوزك تطمنها وتقولها انى هتجوزها واعمل لها اكبر فرح اتعمل فيكى ياحارة ...وشقة تمليك بأسمها ..والمؤخر اللى تقول عليه والشبكة اللى تشاور عليها تيجى فى الحال ..
:وايه كمان يا ظاظا ...
تقدمت فرح الى الداخل ببطء وعينيها تطلق سهام التحدى نحوه.
لتتراقص نبضات قلبه بسعادة ونشوة فور ان رأها تقف امامها يمرر نظراته الشرهة عليها ببطء جعلها تشعر بقشعريرة النفور والتقزز تمر من خلالها لكنها وقفت بثبات امام نظراته تلك تتظاهر بالبرود قبل ان يسرع هو قائلا بتلهف لاهث بعد عودة عينيه الى وجهها
:واللى تأمرى بيه يا ست البنات ..مالى كله تحت اشارة منك ..بس انتى تقولى ااه.
تقدمت منه بهدوء وابتسامة صغيرة ملتوية فوق شفتيها جعلته هو الاخر يبتسم بثقة وقد ظن بأنه قد ملكها حتى اصبحت فى مواجهته لتختفى عنه تلك الابتسامة يحل مكانها غضب عاصف شرس حين قالت له بتأكيد وببطء شديد كما لو كانت تحدث شخص اخرق بطيئ الفهم
:برضه مش موافقة يا ظاظا .. ولو جبت ليا مال قارون كله ورميته تحت رجلى برضه مش موافقة.
تقدم مليجى منها صارخا بحنق وهو يجذبها من ذراعها بعنف وقسوة
:ليييه يا بنت ال*** ما الراجل هيكتب عليكى رسمى يبقى ليه بقى العند يا بنت ال****
تركهم انور غافلا عنهم شاخصا بعينيه للخارج نحو ذاك الاتى من بعيد مسرعا بوجه الغاضب وجسده المتحفز يقف يتابع تقدمه باهتمام عالما الى اين وجهته تحديداً وبدون شك لذا ضغط فوق شفتيه يفح من بينهم قائلا لميلجى
:انا بقى عارف ليه يا مليجى ..بنت اختك بترسم على تقيل اووى.
التفت اليه مليجى وفرح ينظران اليه بعد فهم وهما يشاهدنه يخرج من محله بعدها هاتفا بسخرية وتحدى
:اهلا بصالح باشا ..هى الاخبار لحقت توصلك وجاى تنقذ السنيورة منى ولا ايه ؟!
تجاهل صالح سؤاله الساخر يسأله هو بهدوء متحفز وغضب مكبوت
:فرح فين يا انور؟
اشار انور بأبتسامه ساخرة ناحية باب محله وقد خرجت فرح منه ببطء يرتسم الخوف فوق ملامحها قائلا بتهكم
: موجودة يا كبير وسليمة كمان.
اشار صالح برأسه بحزم لفرح الواقفة تتطلع نحوه بذهول لتأتى اليه مسرعة ودون لحظة تردد واحدة تختفى خلف ظهره بحماية ليكمل انور تحركه غيرته حين رأى ماحدث بصوت متهكم مغلول
:متقلقش عليها اووى كده ..هو احنا نقدر نمس حاجة بتاعتك وتخصك.
كان فى تلك الاثناء قد تجمهر عدد كبير من اهالى الحارة لمتابعة ما يحدث بفضول ومعهم سماح والحاج منصور والذى هدر بغضب وحدة به
:انور.. اتكلم عدل .. وبلاش كلامك الملاوع ده.
فتح انور يده بطريقة مسرحية يصرخ هو الاخر بحدة
:انا اللى ملاوع ياحاج ..ولا ابنك اللى مستغفلنا كلنا وداير يلف ويدور على البت الغلبانة دى ويضحك على عقلها بكلمتين وياعالم حصل ايه تانى.
ما ان انهى حديثه حتى هجم عليه صالح مزمجرا يكلل له الشتائم والضربات القاسية حتى ارتطمت قبضته بوجهه سمع معها صوت تحطم انفه ليسقط ارضا ووجهه قد اختفت ملامحه من شدة دمائه النازفة يلحقه مليجى راكعا بجواره حتى يساعده على النهوض وهو يهمس بحيرة وفزع له مستغلا تجمهور الاهالى حول صالح فى محاولة لابعاده بصعوبة عن انور حتى لا يفتك به
:ايه اللى بتقوله ده يا برنس ..انت ناوى تفضح البت فى الحارة ولا ايه.
انور هامسا له هو الاخر
:ملكش دعوة انت ..امشى معايا على الخط بس.
لينهض بعدها بصعوبةو ببطء وهو يشير ناحية فرح الواقفة بعيون مرتعبة ووجهه شاحب يحاكى وجوه الموتى تتابع ما يحدث وسماح بجوارها تحتضنها بحماية بين ذراعيها قائلا بصوت جهورى غاضب تعمد ان يصل الى جميع الحضور
:الحلوة بطلبها للجواز على سنة الله ورسوله ترد تقولى ده بعيد عن شنبك ..ده صالح لو عرف هيعلقك على باب الحارة ..ادام خالها وبعين. بجحة اد كده ..حصل كلامى ده يا مليجى و. لالا .
ارتعش مليجى بتوتر وجهه يتفصد عرقا بغزارة و عينيه تتلاقى بعينى صالح المشتعلة بالغضب وهو يعافر لتحرر من الايدى الممسكة به مجيبا بخفوت وتلعثم
:هاا ..اه حصل يا برنس حصل.
صرخت فرح تنفى حديثهم الكاذب تسرع فى اتجاه صالح وقد تجمد مكانه بعد كلمات مليجى المؤكدة تهتف به بتضرع وحرقة
:والله ما حصل يا صالح ..دول كدابين ..صدقنى والله ما حصل.
اقترب انور من صالح بخطوات واثقة يطمئنه الجمع المتجمهر حولهم وعلى اهبة الاستعداد للوقوف كحاجز امان له من غضب وثورة صالح قائلا بتلذذ وسخرية
:قولى بقى ..لما عيلة تقول الكلام ده يا صالح باشا يبقى اكيد فى حد مالى دماغها بكلام فارغ وشاغل البت بيه.
احتقن وجه صالح تنفر عروقه المحتقنة بالدماء يهم بالهجوم عليه مرة اخرى وقد تعال صوته بالشتائم وهو يحاول التحرر حتى يستطيع الفتك به ليتراجع انور الى الخلف بجزع حتى كاد ان يسقط ارضا بظهره خوفا وارتعابا منه..
لكن اتى صوت الحاج منصور الرفاعى ليعلو فوق جميع الاصوات يجمده مكانه وقد ساد الصمت ارجاء المكان وهو يقول بقوة ونبرات حازمة
:ومين قالك انه كلام فارغ ولا ضحك على العقول يا انور...
وقف بكل هيبته ووقاره يكمل وهو يتطلع بثبات وقوة فى كل العيون الفضولية المحدقة به حتى توقفت عند ولده بجسده المتجمد ونظراته المتسألة يطالبه بعيون مترجية ان يوافقه على ماهو ات قائلا بعدها بكل هدوء وجد
:صالح طلب منى اطلب له ايد فرح من كام يوم ..وانا كنت هكلم مليجى النهاردة بعد ما اهل خطيب ياسمين يمشوا ..بس مدام الحارة كلها واقفة وسامعة..
التفت الى مليجى الواقف مصدوم متسع العينين قائلا بصوت قوى جهورى قصد به ان يسمع كل الحضور بطلبه
:يا مليجى .. انا يشرفنى اطلب ايد فرح بنت اختك لابنى صالح على سنة الله ورسوله ..قلت ايه؟
حانت من مليجى التفاتة متوجسة ناحية انور الشاحب بشدة قبل ان يزدرد لعابه بصعوبة وبصوت خرج منه خافت متلعثم اجاب
:ده..يوم ..المنى ..ياحاج ..هو احنا نطول.
علت التهانى من رجال الحارة ومعها ارتفعت زعروطة فرحة سعيدة من سماح وهى تحتضن فرح المنهارة باكية تبارك لها بكلمات تتراقص فرحا لكنها كانت كالاصم عنها وعينيها معلقة فوق صالح الواقف بجمود ووجهه كتمثال من حجر بلا مشاعر وهو يتلقى التهانى ممن حوله قبل ان تحن منه التفاتة نحوها تلتقى عينيه بعينها لترتعش رعباً حين رأت بهم عنف وشراسة اسد مأسور داخل محبسه شعرت بهذا كله موجها اليها .... فقط هى دون غيرها.
*************
:صالح فين يا حاجة
سأل الحاج منصور زوجته بلهفة فور ان دلف الى داخل شقتهم لتجيبه بقلق وتوتر
:طلع شقته اول ما وصل ... هو ايه اللى حصل يا حاج مع ظاظا و صالح ماله حاله مقلوب ومتغير ليه؟
تنهد منصور بحرقة وهو يتجه ناحية الباب قائلا
:لما انزل ابقى احكيلك اللى حصل .. بس انا هطلع له دلوقت اتكلم معاه كلمتين.
هزت رأسها بالموافقة وهى تتوجس خشية ان يكون قد اصاب ولدها شيئ يتأكلها القلق عليه وهى تتجه الى مطبخها بخطوات بطيئة هامدة لتقابلها كريمة تسألها بقلق
:طمنينى يا حاجة حصل ايه .. طمنينى على البنات ينوبك ثواب فيا.. حكم انا خايفة انزل او اروح المنيل يزعقلى ولا يضربنى.
ربتت انصاف فوق كتفها بحنان قائلة
:متخفيش ..محصلش حاجة ..الموضوع شكله اتلم والحاج لما ينزل هيطمننا.
تنهدت كريمة براحة لم تستطيع انصاف مشاركتها اياها ففى داخلها وبقلبها كأم تدرك بحدوث خطب ما لولدها قلب من حاله وموازينه لتهتف فى داخلها مستعطفة وهى تناجى الله
:الطف بيه يارب ..كفاية اللى هو فيه.. هومش ناقص ولا حمل وجع تانى.
وقد صدق حدثها فقد كان يدور داخل شقته كأسد جريح تحطم يده كل ما تطاله بعنف وغضب اعمى تتصاعد وتيرة انفاسه بعنف ينهج بعنف وحدة يشعر بحرارة جسده كما لو كان داخل الجحيم لا يستطيع تصديق ماحدث حتى الان وهو يقف مغلول الايدى يرى نفسه ينقاد الى ما حاول طويلا الهرب منه ..كيف حدث ماحدث...
وكيف وقف هو صامتا موافقا عليه ..كيف ستكون كيفية التصرف فيما هو ات ..كيف.. وكيف ..وكيف.
اسئلة اخذت تنهش عقله بلا رحمة ولا هوادة لا يجد منها فرارا يدور فى ارجاء المكان يجذب خصلات شعره بعنف لعله يهدء تلك النيران المشتعلة برأسه حتى تعال صوت جرس الباب ليسرع بفتحه يعلم جيدا هوية الطارق يفتحه بعنف وهو يهتف بحرقة والم بوالده الواقف امامه واحساسه بالذنب يقتله
: ليه يابا كده ...ليه ؟!
لم ينتظر اجابة من والده لسؤاله بل اندفع الى الداخل بخطوات متعثرة ثقيلة كما لو كان فى حالة سكر يتبعه منصور بعد اغلق الباب خلفه بهدوء مقتربا منه ببطء يربت فوق كتفه بحنان قائلا بندم واسف
:كنت عاوزنى اعمل ايه يابنى وسمعة البت الغلبانة دى هتبقى غنوة وحدوتة على لسان الحارة كلها بعد ما خالها أمن على كلام الكلب ده ادامهم كلهم .. مقلتش ادامى غير الحل ده اعمله.
اغمض صالح عينيه زافرا بقوة قائلا بصوت خافت متألم
:طب و انا يابا مفكرتش فيا ... مفكرتش انى هعيد حكايتى مع امانى تانى لو الجوازة دى حصلت ... انى هكشف وجعى لاخر واحدة كنت عاوزة تعرف واعري حرجي لها وانكسر ادمها.
اتسعت عينى منصور بأدراك يهتف مذهولا.
:صالح وهو انت بتحب فر...
قاطعه صارخا بحرقة يفرغ من داخله كل ما كان كاتما له داخل قلبه حتى انهكه احتفاظه به طوال هذه السنين كلها
:ايوه بحبها ... من وهى بنت سبعتاشر وانا بحبها ... اتجوزت غيرها علشان بحبها ... لقت واستحالة هرجع مراتى تانى لذمتي علشان لسه بحبها .. بحبها .. بعشقها ... قلبى عمره ما دق غير ليها هى ..بس مش هتجوزها وده برضه علشان بحبها ..فاهم يابا ولا لا.
منصور بلهفة وعينيه تلتمع بالدموع حسرة على ولده وما يعانيه من كل هذه الالام
:طيب ليه يابنى مدام بتحبها ..مش يمكن دى اللى تصونك وتقدرك وتبقى...
قاطعه صالح وارتعاشة الخوف تطال صوته رغم محاولته الظهور هادىء قوى
:وياترى بقى هنعرفها الحقيقة ولا هنسيبها على عماها.
توتر منصور عينيه تتهرب من تحدى نظراته له ليبتسم صالح ابتسامة ساخرة منكسرة قائلا بتهكم
:كنت عارف انه لا .. لا انا ولا انت هنقدر نقول الحقيقة .. علشان كده بقولك لا يا حاج الجوازة دى لا يمكن تحصل ابداً.
اغروقت عينيه بالدموع تتساقط رغما عنه لتغرق وجنتيه وهو يهمس بتحشرج وقلب يأن بألم
:استحالة اعرى روحى ليها ...مش ممكن اعرفها اني ... عقيم مش بخلف .. واني طلقت امانى بسبب كده..
_________________________
الحقيقة التفاعل سيء جدا جدا جدا وده هيخليني أوقف نشر الرواية..
لايك وشير للفصل علشان أستمر.
إذا الفصول وصلت لـ1000 لايك هنزل بكرة فصلين..
وإذا فضل كده مضطرة أوقف النشر..
قلة التفاعل بتسبب رفض الفصل وعدم قبول نشره. 💔
رواية ظلمها عشقا الفصل الخامس 5 - بقلم فرح صالح
مر يومان عليه وهو يعيش داخل صومعة اختلقها له عقله حتى يعيد عليه فيها كل ما مر به، يذكره بأوجاعه كطرف سكين حاد ينغزه بقسوة كلما وجد في قلبه لين أو شوق لتنفيذ رغبة والديه منه بأن يترك لنفسه الفرصة مرة أخرى للسعادة والتجربة، لعله خير له هذه المرة، لكن يقف عقله له بالمرصاد في كل لحظة ضعف منه.
مثلما يفعل به الآن وهو جالس فوق مقعده في محل عمله، غافلاً عن كل المحيط به، وبيده سيجارة تناساها بين أنامله وهو يعاني مرة أخرى داخل ذكرى من عدة ذكريات لأيام قاسية عاناها مع زوجته، أخذت تهاجمه الآن دون هوادة، رغم محاولاته نفضها بعيد، لكنها أخذت تهاجمه بشراسة حتى استسلم لها أخيراً.
يتذكر حين نهض من فراشه، ثم يسير باتجاه الباب بخطوات بطيئة متثاقلة، يعلم ما بأنتظاره ككل يوم تقريباً، وقد صدق حدسه حين وجدها تجلس في مكانها المعتاد، كأنها أصبحت تجد متعتها حين يراها بحالتها تلك، تستلذ بتعذيبه وجلده بحقيقة أصبح لا يجد مفراً منها، والفضل لها في هذا.
ليزفر بقوة، يمرر كفه فوق وجهه بقوة قبل أن يقترب منها ببطء، يراقب وجهها شديد الاحمرار وعينيها المنتفخة من أثر بكائها، يراهن نفسه بأنها لم تتحرك من مكانها، تجلس على حالها هذا منذ استيقاظها حتى تضمن رؤيته لها وقت استيقاظه، ليقف مكانه زافراً أنفاسه، ولكن هذه المرة ببطء وهدوء هو في أمس الحاجة له، قبل أن يتحدث إليها قائلاً بهدوء، لكن أتى صوته مرتجفاً رغماً عنه:
"تانى يا أمانى... آخرته إيه بس اللي بتعمليه فيا وفيكي ده يا بنت الناس!"
لم تجبه، بل تعالت شهقات بكائها أكثر، كأنها كانت في انتظار حديثه هذا لها حتى تبدأ في نوبتها المعتادة.
فاقترب منها جالساً في المقعد المقابل لها قائلاً بصوت حزين متوسلاً:
"كفاية أبوس إيدك بقى وارحميني... انتي على الحال ده من يوم ما عرفنا... انتي كده بتموتيني بالبطيء."
رفعت عينيها المتورمة، تسمح أنفها الأحمر بمنديلها قائلة بحدة وقسوة لا تتناسب مع مظهرها ولا بدموعها المنهمرة تلك:
"أنا اللي بموتك بالبطيء... ليه خير... اومال لو أنا اللي فيه عيب ومش انت كنت هتعمل..."
صرخ بها يوقفها عن باقي حديثها المهين له قائلاً بغضب وقسوة:
"اخرسي خالص متكمليش... إيه فاكرة إيه... هفضل متحمل منك كده لحد امتى!"
تجعدت ملامح وجهها حزناً وهي تنكمش على نفسها خوفاً، هامسة بانكسار أجادت صنعه، تلعب به على وتر شعوره بالذنب ككل مرة:
"بقى كده يا صالح بتزعلي... مش متحمل مني كلمتين أفضفض بيهم عن نفسي..."
لكنه هذه المرة قد فاض به الكيل ولم يعد يحتمل المزيد منها، يتحشرج صوته وتتوحش نظرات عينيه، يضغط فوق أسنانه بغضب هامساً:
"علشان كلامك بقى سم وعيشتنا مع بعض بقت نار بتحرقني وبتحرقك... ومبقاش ليها غير حل واحد بس..."
شحب وجهها، تتوسع عينيها خشية وقد علمت بما هو آتٍ من حديثه، لذا أسرعت تحتضنه بقوة صارخة برجاء حتى توقف كلماته تلك:
"لاا... يا صالح علشان خاطري... أنا آسفة مش هتكلم تاني كده بس بلاش تقولها وحياة أغلى حاجة عندك..."
زفر بقوة، يغمض عينيه محاولاً تهدئة غضبه ونفوره منها والذي أصبح يزداد يوماً عن يوم بتصرفاتها وكلماتها الجارحة التي كانت تطفئ بها كل يوم شيئاً من صبره عليها واحتماله، وهي تقتل به إحساسه كرجل دون كلل منها أو تردد، يمنع نفسه عن تلك الخطوة المصيرية معها، ظناً منه بأنها ستراعي بعد ذلك في تعاملها معه، لكن هيهات ظنه هذا وهو يراها تعود لممارسة هوايتها المفضلة وخلق جو من الدراما المأساوية بينهم يوماً بعد آخر، أصابه بالبرود والنفور من التواجد معها في مكان واحد، يغيب في عمله قدر الإمكان هرباً منها ومن حياتهما معاً.
حتى سمعها تتحدث إلى شقيقتها في إحدى الأيام، قد فسرت بروده هذا معها على أنه استسلام منه لها، ثم أخذتتباهى زهواً في حديثها بما تفعله معه وكيف أنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تملكه وجعله خاتماً بأصبعها كما أرادت منذ البداية، لينهي في لحظة كل شيء بينهم دون تردد، ناطقاً بتلك الكلمة التي كانت له كالتحرر من جحيم ظل به لأشهر يتحمل فيها أفعالها وتقلباتها كلها لإحساسه بالذنب نحوها وأنه كان سبباً في حرمانها من نعمة تتمناها كل امرأة.
لذا لا يمكن أن يعيد الماضي مرة أخرى... لا يمكنه أن يعاني تلك الأوجاع مرة أخرى... ليس عندما تكون هي المعنية هذه المرة بالأمر... لن يحتمل أن يرى في عينيها ما رآه في عيني غيرها عندما علمت بالأمر.
لذا... نهض بحزم يجمع أشياءه من فوق المكتب سريعاً، يغادر وعلى وجهه الإصرار والتصميم، فقد حسم أمره وحان الوقت لإنقاذ نفسه من السقوط في تلك الدوامة وإنهاء أوجاعه وأنين قلبه، وإلى الأبد، ولا سبيل لهذا سوى القيام بأمر واحد لا مفر منه.
***
جلست حول المائدة تتلاعب بطعامها بشرود ووجه شاحب وعيون مسهدة، لتربت زوجة خالها بحنو فوق كفها قائلة:
"كلي يا فرح... وسبيها لله... كله هيتم بأمره وإذنه."
صدحت ضحكة غليظة قاسية من مليجي وهو يخرج من غرفته لا يرتدي سوى ملابسه الداخلية، يهتف بعدها بسخرية وتهكم:
"اتعلفي يا أختي يمكن تعجبي عريس الغفلة... اللي ما حد شاف وشه لا هو ولا أبوه من يومها."
نهضت فرح واقفة تهتف به بعنف وحدة وهي تتجه ناحية غرفتها:
"البركة فيك وفى فضايحك... وهو فيه عاقل يفكر ييجي يحط إيده في إيدك ويناسبك."
ثم توجهت إلى غرفتها فلا طاقة لها لمجادلة أخرى معه، يكفيها ما حدث بينهم من قبل وتلك المشاجرة والتي وإن انتهت ككل مرة بتطاوله بالضرب عليها، لذا تركته وأغلقت الباب خلفها بعنف ارتجت له أركان الشقة.
ليصرخ بها غاضباً:
"ارزعي يا أختي الباب... ماهو ده اللي بأخده منكم... جتك القرف انت وأختك في ساعة واحدة."
ثم التفت إلى زوجته ينهرها بحدة:
"جرى إيه ياعين أمك... انتوا قاعدين تتسمموا ومش عاملين حسابي ولا إيه... فين الأكل يا ولية."
نهضت كريمة سريعاً قائلة بتخبط:
"لا يا خويا أزاي... الأكل جاهز ومتحضر... ثواني ويكون قدامك."
ثم أسرعت ناحية المطبخ تختفي بداخله، تتعالى بعدها صوت طرقات فوق الباب الخارجي، ليهتف مليجي في ولده الصغير بخشونة:
"قوم ياض افتح الباب... تلاقيها المعدولة التانية رجعت."
ثم رفع كوباً من الماء إلى شفتيه يرتشفه، لكنه عاود بصقه فوراً بقوة حين هتف طفله بلهفة:
"ده عم صالح اللي جه يا بابا."
نهض فوراً يعدل من وضع ملابسه، يسرع في اتجاه الباب هاتفا بترحاب وتذلل:
"أهلاً يا صالح باشا... أهلاً بكبيرنا وابن كبيرنا... اتفضل."
دلف صالح إلى الداخل يمد يده نحوه ملقياً بالسلام، قائلاً بعدها بهدوء:
"كنت عاوزك يا مليجي في كلمتين... بس قبلها لو أمكن إني أقعد مع فرح دقيقتين... يبقى كتر خيرك."
فغر مليجي فاه مذهولاً، فلاول مرة في حياته يتم احترامه والاستئذان منه في أمر ما، لذا أسرع بنفض ذهوله هاتفا بغبطة واعتزاز:
"طبعاً... دانت تأمر يا صالح باشا... البيت بيتك يا حبيبي."
ثم صاح منادياً لفرح بغلظة وبصوته الأجش عدة مرات، حتى ارتفع صوتها بقوة تصيح من الداخل:
"ارحمني بقى عاوز إيه تاني... دي كانت ساعة سودا يوم ما طلبوني منك للجواز."
فتحت الباب تظهر من خلاله وهي تكمل بحدة وعنف:
"ريح نفسك بقى أنا مش عاوزاها أصلاً الجوازة دي."
مَطَّت حروف آخر كلماتها، تتسع عينيها بصدمة حين رأته واقفاً أمامها بكل هيبته يتطلع إليها، وابتسامة ملتوية صغيرة فوق شفتيه جعلتها تخفض عينيها عنه أرضاً بارتباك، وهي تهمهم من بين أنفاسها حانقة، تلعن نفسها وخالها كعهدها في كل مرة تراه فيها، قبل أن يصيح مليجي ملتفتاً إلى صالح قائلاً:
"شوفت يا صالح باشا أهي على الحال ده من ساعة الحوار اياه... مش طايقة حد منا يكلمها كلمة، ومفيش على لسانها اللي عاوز أقطعه غير الكلمتين دول."
ثم أشار ناحية غرفة جانبية قائلاً بترحاب:
"اتفضل انت يا خويا في أوضة الجلوس... نورتنا والله... البيت نور."
دلف صالح إلى داخل الغرفة، لكن ليس قبل أن يرمقها بنظرة ارتجفت لها أوصالها، لاحظها مليجي هو الآخر ليبتسم لها بشماتة مشيراً لها وهو يهمس:
"ادخلي يا أختي العريس عاوزك في كلمتين، وابقي وريني بقى هتقولي له إيه في اللي سمعه منك ده؟!"
شعرت بدموع الخيبة تحرق عينيها، ترتفع الغصة بحلقها تكاد تخنقها، وهي تتطلع في عينيه الشامتة، تهمس له هي الأخرى بحرقة:
"ينتقم منك ربنا يا شيخ... على كل اللي بتعمله فينا ده... انت إيه شيطان."
ثم دلفت سريعاً إلى داخل الغرفة دون أن تمهله الفرصة للرد، تقف جامدة مكانها حين رأت صالح يقف وقد أعطى ظهره لها ووجهه ناحية النافذة، يضع يديه في جيبَي بنطاله للحظات ساد فيها صمت كان قاتلاً بالنسبة لها، وهي تقف خلفه تفرك كفيها معاً باضطراب، حتى انتهت قدرتها على التحمل.
لتهمس تناديه بصوت خرج منها مرتعش، فيأتي حديثه دون مقدمات أو يلتفت نحوها، قائلاً بهدوء شديد بعث في داخلها الاضطراب أكثر:
"أنا كنت جاي النهارده علشان عايز أتكلم معاكي كلمتين..."
صمت، زافراً بقوة وهو يخفض رأسه ينظر أرضاً، ترى عضلات ظهره مشدودة بتوتر كأنه يعاني صعوبة في إيجاد تلك الكلمات حتى يلقيها عليها... كلمات أدركتها من توتر جسده دون أن ينطق بها، فليس من السهولة على من هو في مثل أخلاقه وشهامته أن يقوم بجرح الآخرين أو يصيب كرامتهم بمقتل، لذا أوجدت له العذر، تشعر بالشفقة عليه أكثر من حالها هي، وهو يلتفت إليها ببطء، يضع أنامله بين خصلات شعره، قائلاً باضطراب:
"شوفي يا فرح... أنا لولا الظروف و..."
"أنا كنت عاوز أقولك يعني إني..."
التفت مرة أخرى موالياً ظهره لها، زافراً مرة أخرى، لترتعش شفتيها وهي تضمها بشدة حتى تمنع نفسها من أن تجهش باكية، قلبها يهفو له ويرق لحاله المضطرب، لذا قررت أن تريحه من معاناته تلك، هامسة بصوت مرتجف متحشرج:
"الموضوع مش مستاهل كل ده... أنا خلاص فهمت انت عاوز تقول إيه..."
زفر صالح ببطء يلتفت إليها، مرتفعة على شفتيه تلك الابتسامة الصغيرة ثانياً، ولكن ما جعل قلبها يرتجف بتخبط بين جنباتها هي تلك النظرة بعينيه، وقد رأت للحظة الانكسار والألم بهما، لكن سرعان ما اختفت فوراً قبل حتى أن تتمكن من التحقق مما رأته، فقد حل مكانهم سريعاً نظرة عنيفة مشتعلة، قائلاً ببطء:
"ما افتكرش يا فرح إنك فهمتي حاجة، ولا هتفهمي إنه مش سهل عليا اللي بعمله هنا دلوقتي... أنا... أنا..."
أغمض عينيه، زافراً بقوة، تخرج الحروف من فمه كأنها نار تكويه، لا يجدها بالسهولة كما كان يتخيل قبل حضوره إليها، لذا فتح عينيه سريعاً قائلاً بحزم وهو يتحرك من مكانه ينوي المغادرة المكان فوراً:
"انسى إني جيت هنا من الأساس... انسى أي حاجة اتقالت، أنا همشي."
مر من جوارها سريعاً، لكن أوقفه عند الباب متجمداً صوتها حين صرخت به بحرقة غاضبة، وقد قررت أن تلقي هي في وجهه الكلمات بعد أن رفض أن ينطقها، كما لو كانت لا تستحق منه تعبه أو اهتمامه، في حين كانت هي تقف مكانها بقلبها الأحمق تختلق له الأعذار ترفق بحاله:
"طبعاً يا صالح باشا هنساها متقلقش... وهو زيها زي الكلمتين اللي اتقالوا من كام يوم... إحنا أساساً اعتبرناهم كده من ساعتها... كلمتين في الهوا واتقالوا."
قست نبراتها، تكمل قائلة بسخرية وتهكم:
"ماهو مش معقولة صالح باشا هيرضى بالبت فرح بنت لبيبة ولا يناسب خالها مليجي العايق... بس عاوزة أقولك اللي رفضته انت في غيرك شاري وراضي بيه كمان."
شعرت بحاجتها لكلماتها الأخيرة تلك كرد اعتبار لها، أرادته أن تعلم ويدرك جيداً أن هناك من يريدها وراضياً بها برغم كل ما قالته سابقاً.
شهقت بفزع حين عاد إلى مكانها في لمح البصر، كأعصار غاضب شرس يمسك بذراعها بعنف بقبضته ضاغطاً بشدة فوقها، وهو يفح من بين أنفاسه بنبرة باردة قاسية:
"وده بقى مين يا ست فرح إن شاء الله اللي يبقى شاري... تقصدي أنور ظاظا مش كده... انطقي..."
صرخ بها لترتجف وهي تتلعثم بارتباك، تحاول إظهار نفسها ثابتة لا تخاف منه ولا من غضبه المنبعث من عينيه، يكاد يحرقها بلهيبه:
"أقصد اللي أقصد... أظن ده ما يهمكش... ولا مش مصدق... إن ممكن حد..."
قطعت حديثها ترتجف خوفاً كأرنب محاصر، حين اقترب بوجهه منها على حين غرة منها، أنفاسه تلف وجهها كالنيران المحرقة، يهمس ضاغطاً فوق أسنانه بغيظ وهو يقربها منه رغم مقاومتها الواهنة:
"بنتي انتي... مطلعيش جناني عليكي... واتكلمي معايا عدل."
هرب اللون من وجهها، يتركه شاحباً من الرعب، لكنها أجابته بشجاعة زائفة، ترفع عينيها في وجهه قائلة بصوت مرتعش:
"أنا مش بت... ولو سمحت سيب إيدي... ومن هنا ورايح انت اللي تتكلم معايا عدل... فرح العيلة بتاعت زمان اللي كنت بتخوفها وتتريق عليها كل ما تشوف خلقتها خلاص كبرت وبقيت آنسة... انت بقى مش عاوز تشوف ده انت حر."
ترك ذراعها ببطء، يتراجع إلى الوراء وهو يمرر عينيه فوقها بتمهل جعلها ترتبك، فتشعر بهم كخط من النار يلامس بشرتها، ترتسم ابتسامة باردة فوق شفتيه قائلاً بسخرية:
"كان نفسي أشوف فرح اللي بتتكلمي عنها دي قدامي دلوقتي، يمكن كانت أمور كتير اتغيرت... آه ممكن تكوني كبرتي من بره زي ما بتقولي."
ثم أشار بسبابته ناحية رأسه، يكمل ببطء وأسف:
"بس هنا أظن لااا... لسه بدري أوي علشان ده كمان يكبر... سلااام يا فرح يا كبيرة."
أنهى حديثه، يغادر المكان سريعاً بعد أن ألقى بتحيته المتهكمة تلك، لتقف مكانها بعد أن تركها، ترتفع حرارة وجهها حتى أصبح مشتعلاً كالجمر من أثر إهانته لها، وككل مرة تتواجه فيها معه، يملأها شعور بالهزيمة وكسرة القلب كإحساس أصبح ملازماً لها منذ أن وقعت كالمغفلة في عشقه وهواه.
***
"وآخرتها إيه معاكي يا سمر؟ هتفضلي قاعدة القاعدة دي كأن ما ليكي حد ميت؟"
تخبطت سمر فوق فخذيها بعنف، تهتف بحدة وعصبية في زوجها حسن، ليتراجع إلى الخلف خوفاً منها قائلاً:
"ابعد عن وشي الساعة دي يا حسن، أنا فيا اللي مكفيني."
اقترب منها ببطء وخشية قائلاً:
"يا حبيبتي اهدى... مانها قلتلك استحالة صالح همشي الجوازة دي... وهو عرف أبويا بده."
لم تعره اهتماماً، تهمهم بذهول واستنكار:
"بقى أنا أخلص من الست أماني تطلع لي فرح؟ هو أنا ناقصة يا ربي بلاوي... دانا مصدقت الجوازة الأولانية اتفشكلت بعد ما طلعت روحي... أقوم أخبط في جوازة تانية."
جلس حسن بجوارها فوق الأريكة يسألها بتوتر وخشيّة من انفجار نوبات غضبها فيه كعادتها:
"وانتي السبب في فشكلة جوازة صالح الأولانية إزاي؟ مش اللي حصل ده بسبب إن أماني مرضيتش تكمل مع صالح لما عرفت إنه مش بيخلف؟"
التفتت إليه سريعاً تحدق به كما لو كان مجنوناً، صارخة:
"انت عبيط يا حسن؟ أماني بتعشق التراب اللي بيمشي عليه صالح... وكانت مستعدة تعيش العمر كله معاه، ولا تفرق معاها حكاية الخلفة دي خالص."
تجعد جبين حسن بعدم فهم، يهمس بارتباك متسائلاً:
"طيب ليه بقى اتطلقوا لما هي بتحبه!"
تراجعت سمر إلى الخلف تشير بسبابتها ناحية صدرها قائلة بفخر:
"بسببي أنا... ماهو أنا مكنش ينفع أعدي الفرصة دي من غير ما أستفيد."
حسن بقلق وريبة منها:
"عملتي إيه بالظبط يا سمر؟"
ابتسمت ابتسامة صفراء، تلتفت إليه قائلة ببراءة مصطنعة وقد اختفى غضبها تماماً وهي تتلاعب بأزرار قميصه قائلة بزهو:
"أبداً... أماني من يوم ما دخلت البيت هنا وهي تموت من الغيرة بسبب حبك ومعاملتك ليا... أنا بقى نصحتها شوية نصايح بعد ما التحاليل ما ظهرت وعرفنا إن العيب من أخوك بخصوص موضوع الخلفة."
سألها حسن ببطء وفضول:
"النصايح دي إيه بقى؟ ماهي أكيد مكانتش نصايح لما تبقى نهايتها إنهم اتطلقوا."
أطلقت ضحكة غنج ودلال وهي تقترب من شفتيه تهمس فوقهم:
"أبداً يا قلب سمر... النصايح دي يمكن تنفع مع حد زيك انت... إنما مع واحد زي صالح بتيجي بالعكس زي ما شوفت كده بالظبط."
عقد حاجبيه مرة أخرى بعدم فهم، يهمس بصعوبة:
"مش فاهم برضه... يعني انتي قلتي لها تعمل إيه بالظبط؟"
تراجعت عنه بعنف، تنظر أمامها بشرود وعينيها تلتمع بالغل والحقد، قائلة باستمتاع:
"تكسره... تذله... تحسسه كل يوم بنقصه... مرة ورا مرة هيبقى زي الخاتم في صباعها الصغير تبيع وتشتري فيه."
نهض حسن واقفاً يهتف بغضب وعصبية:
"يعني انتي تقصدي إن ده اللي بتعمليه معايا يا سمر؟!"
نفضت عنها شرودها، تنهض واقفة هي الأخرى، تسرع في إصلاح خطئها وقد نسيت للحظة إلى من كانت تتحدث، تسرع بالاقتراب منه تلتصق به وهي تتلمس صدره قائلة برقة ونعومة:
"لاا طبعاً يا حبيبي... ده اللي أنا فهمته ليها علشان تصدقني وتعمل اللي أقولها عليه... دانت روحي وقلبي يا حسن... وبعدين هو أنا يعني عملت كده عشان مين... مش عشانك انت يا قلب سمر من جوه."
ارتفعت داخل عينيه نظرة عدم تصديق، يرتجف صوته يسألها بخوف وعدم ثقة:
"بجد يا سمر بتحبيني؟"
احتضنته بقوة، تهتف بتأكيد وحزم، لكن كانت عينيها باردة برودة الثلج:
"طبعاً يا قلب وروح سمر... دانت ابن خالتي وأبو عيالي... وحياتي ودنيتي كمان."
استرخى حسن بين ذراعيها متنهداً براحة، ترتفع ابتسامة فرحة فوق شفتيه وهو يزيد من احتضانه لها، متشبثاً بها كالطفل الصغير، لتزيد مع كل ضمة منه لها البرودة بعينيها، تكسو وجهها ابتسامة صفراء سعيدة.
***
كانت تسير مع شقيقتها في طريق عملها صباحاً بوجه زاد شحوباً وعيون مرهقة، بعد أن قضت طوال ليلة أمس في البكاء المرير، تواسيها سماح بكلمات أصبحت على سمعها كأسطوانة تالفة، وهي تعيد عليها تكرار أقوالها المعتادة... بأنه لم يكن من نصيبها... وأن ما حدث كان خطأ منذ البداية... وما فعله صالح كان لمصلحتهما معاً، ومع كل كلمة منها يزداد بكائها معها، حتى أتى الصباح أخيراً، لتنفض معه كل أمل لها في عشق هذا الرجل، يكفيها ما حدث لقلبها منه، لذا لن تجلس في انتظار وجع جديد يقضي على ما تبقى منها.
تنهض تستعد ليوم عمل جديد بعد تغيبها ليومين عنه، جلست فيهما بداخل المنزل على أمل زيارة منه... نعم قد حدثت في النهاية، لكن لسبب آخر غير ما تمنته، تتحمل بعدها همزات ولمزات خالها الساخرة منها طوال الليل.
لذا ها هي تسير هرباً إلى عملها وملجأها في الوقت الحاضر، شاردة عن ثرثرة شقيقتها، حتى انتبهت من شرودها على صوت إحدى جاراتهم توجه الحديث إلى جارة أخرى، تهتف بصوت عالٍ ساخر:
"شوفي يا أختي البت وقدرتها ماشية ولا على بالها شر... صحيح عشنا وشوفنا بنات آخر زمن."
حينها توقفت شقيقتها تلتفت نحوها، هاتفة بحدة وعنف فيها:
"تقصدي مين بكلامك ده يا أم إبراهيم؟!"
لوت أم إبراهيم شفتيها بسخرية، هاتفًة هي الأخرى:
"مقصدش حد يا حبة عيني... بس لو على راسكم بطحة يبقى مبروك عليكم."
تقدمت سماح منها تسألها بخشونة وحدة:
"جرى إيه يا ولية انتي بطحة إيه اللي على دماغنا... ما تتكلمي عدل على الصبح."
جذبتها فرح من ذراعها، هاتفة بها بحزم تمسك بذراعها حتى توقفها:
"خلاص يا سماح... انتي هتعملي عقلك بعقلها."
تقدمت منهم أم إبراهيم هي الأخرى، تصفق بكفيها معاً ثم تشيح بهما، هاتفًة بشراسة:
"ومتعملش عقلك بعقلي ليه يا أختي... مش من مقامك يا سنيورة ولا مش من مقامك... إيه خلاص حطيتهم في العالي وبقاش في حد مالي عنيكم يا بنات لبيبة."
جذبتها السيدة الأخرى تتراجع بها للخلف، وهي تهتف ساخرة بلؤم:
"هدي نفسك يا أم إبراهيم... دول خلاص ضهرهم بقى محمي... ما هي بنات قادرة بصحيح وبتعرف تقع واقفة... عيني على بناتنا وحسرة عليهم عبط وعاملين زي القطط المغمضة."
انحنت سماح بغضب، تخلع حذائها ثم ترفعه عالياً في وجوه من تجمع من الأهالي على أصواتهم، رغم محاولات فرح لتهدئتها ومنعها، لكنها وقفت وسطهم هاتفة بغلظة وشراسة:
"شوفوا يا حارة *** اللي هيجيب سيرتي ولا سيرة أختي على لسان حد *** فيكم... هو ده بقى ردي عليكم."
وهمت بالهجوم عليهم، لكن أتى هتاف صالح المنادي لها بحزم ليوقفها مكانها، متقدماً منهم بهدوء تحت الأنظار المتوترة للواقفين جميعاً، لحظة ظهوره يسأل سماح بصوت هادئ عما حدث، لكن عينيه كانت معلقة فوق فرح باهتمام، ولكنها تهربت من نظراته تنظر في جميع الاتجاهات إلا اتجاهه هو، وبعد أن قصت عليه سماح ما حدث...
التفت بحدة وتجهم إلى أم إبراهيم المضطربة، والتي أسرعت تنكر ما حدث سريعاً، هاتفة بمسكنة وحزن:
"والله يا صالح يا ابني ما حصل... دول سمعونا بنتكلم على حتة في المسلسل بتاع بالليل، واخدوا الكلام على نفسهم... إحنا برضه ولاد حتة واحدة... ودول زي بناتي مش كده يا أم خالد يا أختي."
أسرعت تستنجده بجارتها الأخرى، والتي أسرعت مؤيدة لحديثها بحزم، وهي تربت فوق صدرها قائلة:
"طبعاً أومال إيه... دول زي بناتنا وأمهم كانت حبيبة... حقك علينا يا سماح يا حبيبتي لو كنتي خدتي على خاطرك منا."
ثم التفتت إلى صالح تبتسم برجاء وارتباك:
"ده شيطان يا سي صالح ودخل بينا وراح لحاله خلاص... وإحنا خلاص هنمشي يا خويا وحقكم علينا مرة تانية."
ثم جذبت صديقتها بقوة تهرولان معاً هرباً من المكان، فينفض الجمع فوراً هو الآخر بعد أن هتف بهم صالح بحزم ليفرقهم:
"يلا يا أخونا كله يروح لحاله... ملهاش لازمة الوقفة دي."
ثم التفت إلى فرح وسماح مشيراً لهم بالسير أمامه قائلاً بهدوء:
"يلا تعالوا أوصلكم... بدل بهدلة المواصلات و..."
هتفت فرح تقاطعه بحدة قائلة وعينيها ثابتة فوقه بشجاعة:
"لاا شكراً مش عاوزين... وبعدين إحنا واخدين على بهدلة المواصلات مش جديدة علينا يعني... اتفضل انت روح مشوارك مش عاوزين نعطلك."
اقترب صالح منها هاتفا بحدة ونفاذ صبر:
"ولو قولت لا مين هيجبرني... انتي مثلا!"
وقفا يتطلعان إلى بعضهما بتحدٍ وشراسة، كما لو كان في وسط الحارة اثنين من المصارعين يتنافسان على الفوز، لكنها لم تكن مصارعة جسدية، بل كانت صراع بين إرادتين، أخذا وقد أخذ كل منهما يحاول فرض إرادته على الآخر، تلقي أعينهما بسهام التحدي كلاً نحو الآخر، حتى أتت نحنة سماح هامسة بعصبية متلعثمة تحاول فض هذا الاشتباك المربك لها:
"أنا بقول إيه... يعني... انت تروح تشوف مصالحك يا خويا... وأنا آخدها ونطلع على أول الحارة... ونركب أي حاجة تودينا الشغل... مش كده يا فرح... آه كده يلا بينا بقى."
جذبت شقيقتها بصعوبة من مكانها المتسمرة به كالوتد، تسير معها مغادرة فوراً، بينما وقف هو خلفهم، تطلق عينيه نحوها نظرات حادة باردة، شعرت بها كسهام تخترق ظهرها من الخلف، وهي تسير ببطء بعيداً عنه، وقد شعرت بمعدتها تتلوى بعصبية رغبةً في التقيؤ من شدة توترها، بعدها ان غادرتها شجاعتها الزائفة أمامه، تتركها ضعيفة مرتعشة تسير بخطى متعثرة، وقد بدأت ساقيها بالارتجاف، فتهمس لشقيقتها بصوت مستعطف ضعيف:
"سماح... أنا عاوزة أقعد حاسة إني مش قادرة أمشي."
شدت سماح على يدها قائلة بصوت خافت مؤكد:
"اجمدي بس الخطوتين دول... نعدي محل ظاظا بعدها هقعدك."
هزت لها رأسها موافقة، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، حين خرج أنور من محله كما لو كان بانتظارهم، مقترباً منهم بسرعة ليوقفهم بوجهه اللزج قائلاً:
"يا صباح الخير على ست البنات... أنا واقف هنا من الصبح مستني الجميل يهل عليا."
لم تجد فرح القدرة في نفسها على نهره أو إيقافه، تترك أمره لشقيقتها والتي صاحت به بحدة:
"بقولك إيه يا معلم أنور إحنا متأخرين على الشغل... ف وحياة أبوك سيبنا نعدي من غير عطلة."
ابتسم أنور بخبث وهو يفرك كفيه قائلاً:
"أنا بس قلت أرمي الصباح... وأكرر كلامي من تاني..."
رفعت فرح نظراتها المتسائلة له، فيكمل بشوق وتلهف، عينيه معلقة بعينيها بتيه ولوعة:
"أنا شاري يا فرح... شاري ومش بايع زي غيري... ومستعد أبيع روحي عشانك... بس انت قولي آه."
همست من بين أنفاسها قائلة بقرف:
"هو لحق خالي يبلغك؟!"
أنور بأنفاس متهدجة وعينيه تلتمع بشهوة أصابتها بالنفور والتفزز:
"خالك بلغني عشان عارف إني الوحيد اللي هعرف أقدرك وأقدر جمالك."
همت بالرد عليه بحدة لتفرغ كل إحباطها وحزنها عليه، لكن وجدته يرفع أنظاره إلى ما خلفها، هامساً بتوتر وهو يتحرك متجهاً إلى محله بخطوات متعثرة، قائلاً بتخبط ونبراته مرتعبه:
"نبقى نكمل بعدين... أصل ورايا حاجة كده هخلصها و..."
اختفى داخل محله ومعه الباقي من حديثه، لتلتفت إلى سماح تسألها بابتسامة تعجب ساخرة:
"ماله ده... حاله اتقلب كده ليه؟!"
أشارت سماح برأسها خلفها وعينيها تتسع رعباً قائلة:
"بصي وراكي وانتِ هتعرفي ماله... هو نهار مش فايت أنا عارفة."
التفتت فرح سريعاً لتتسع عينيها هي الأخرى بذهول ممزوج بالخوف، وهي تراه يمر من جوارهم وملامحه تنطق بالشر والإجرام، متجاهلاً لهم تماماً، يدلف إلى داخل محل أنور، يغيب داخله ما هي إلا عدة لحظات، حتى تعالت أصوات تحطيم وصيحات عالية، أعقبها صرخة أنور المتألمة بشدة، ثم يسود الصمت التام بعدها.
لتهمس فرح بخوف وقلق سائلة سماح المرتعبة بجوارها:
"بنت هو قتله ولا إيه؟!"
وقبل أن تجيبها سماح، خرج صالح بهدوء من المحل، يرجع خصلات شعره إلى الوراء، ثم يعدل من وضع ملابسه، قبل أن يرفع وجهه متحتقناً بالغضب، منقبض الملامح، وعيون تطلق الشرَر نحوها، صارخاً بها:
"اخفي انجري على البيت... وما أشوفش وشك إلا بالليل وأنا جاي وجايب المأذون."
فغرت فاها بصدمة وعينيها تكاد تخرج من محجريهما، ليصرخ بها مرة أخرى بحدة وهو يتقدم منها عدة خطوات مهددة:
"هتتحركي ولا أجلك أنا و..."
أسرعت سماح تجيبه وهي تجذبها بسرعة قائلة بتلعثم وخوف:
"هتحرك يا خويا هتحرك... بس انت وحياة الغالي عندك ما تعصب نفسك."
همست سماح لفرح وقد وقفت مكانها ذاهلة، قائلة لها بارتعب:
"اتحركي يا أختي... خلينا نمشي من ادامه... وأوعي تبصي ناحيته... الراجل باينه اتجنن ونفسه يصوّر له قتيل هنا وبلاش يكون انتي..."
كانت فرح تسير معها كالمغيبة، قلبها يتراقص فرحاً، يتغنى الباقي من جسدها طرباً بكلمات ظنت أنها من وحي خيالها، لتسأل سماح بهيام وذهول:
"بنت هو اللي سمعته منه ده حقيقي ولا ده قلبي الأهبل وبيضحك عليا."
أخذ قلبها يصرخ لها بالإجابة فرحاً سعيداً، تتراقص خطواتها على أنغام دقاته، تلقي بهمسات عقلها الخائفة عرض الحائط، وقد أخذ يتوسلها حتى لا تنقاد خلف هذا الأحمق المسمى بقلبها، لكنها تجاهلته، فيكفيها الآن لحظة سعادتها تلك، ولتلقي بأي شيء آخر عرض الحائط.
رواية ظلمها عشقا الفصل السادس 6 - بقلم فرح صالح
جلست سماح تضغط شفتيها معا في محاولة منها لمنع نفسها عن الانفجار بالضحك وهي ترى شقيقتها تقف أمام الخزانة الخاصة بملابسها تعبث بمحتوياتها تتفحص هذا وترمي ذاك وهي تتحدث بعصبية وتوتر:
"لااا بس برضه أنا ما كانش ينفع أوافق على كلامه كده على طول.. علشان ما يقولش يعني إني هتجنن عليه وما صدقت إنه خلاص هيتجوزني."
وافقتها سماح بصوت مختنق بالضحك:
"عندك حق كان لازم برضه."
رفعت فرح إحدى الفساتين أمام ناظريها تتطلع له بتركيز واهتمام قائلة:
"آه طبعًا أومال إيه.. هو أنا فعلاً هموت عليه وهتجنن من الفرحة بس مش لازم يعرف ده يعني وكمان...."
هنا لم تستطع سماح المقاومة طويلاً لتنفجر ضحكاتها بصوت عالٍ صاخب حتى أصبحت تستلقي بظهرها فوق الفراش تمسك بمعدتها وجسدها كله يهتز وبشدة بسببها لتلتفت إليها فرح تضيق عينيها وهي تضغط فوق أسنانها غيظاً هاتفة:
"تصدقي إنك عيلة رخمة.. بقيتِ تاخديني على قد عقلي يا سماح."
جاهدت سماح حتى تتمالك نفسها تنهض بصعوبة وتقف على قدميها متجهة إليها وصوتها أجش من أثر ضحكاتها تهتف بمرح ساخر:
"هو أنا بس اللي باخدك على قد عقلك يا قلب أختك.. ده كله بقى عارف إنه ده الحل الوحيد معاكي. ده حتى صالح بقى عارف علاجك إيه.. عيني عليه ده هيشوف أيام سودا معاكي."
صرخت بها فرح مستنكرة وهي ترميها بقطعة الملابس التي بيدها لتصيبها في وجهها بقوة هاتفة:
"ليه يا أختي بقى.. والله ما في حد في عقلي.. ولا عمره هيلاقي واحدة تحبه زي ما أنا بحبه."
تغيرت ملامح سماح فوراً تشع بالحنان تبتسم لها برقة وهي تمد أناملها ترجع خصلات شعرها إلى خلف أذنيها قائلة بجد:
"طبعاً يا بت.. ده صالح ده أمه دعيت له علشان كده رزقه بواحدة زيك تعوضه خير عن جوازته الأولانية وتحطه جوه عينيها."
خيم فوراً على أجواء الغرفة التوتر بعد كلماتها تلك يفسح لنفسه المجال بها بعد الجو المرح ومزاحهم يعكر صفحة وجهه فرح الحزن عند لحظة ذكر شقيقتها لزواجه السابق ترفع عينيها وقد غشاها القلق والخشية إلى شقيقتها هامسة بكل مخاوف قلبها إليها بصوت مرتعش خائف:
"بس أنا خايفة ياسماح.. خايفة يكون لسه بيحبها.. خايفة أكون جوازة اضطراري ليها علشان الظروف واللي حصل.."
أسرعت سماح تمسك بكفيها بين يديها مؤكدة بصوت حازم قوي:
"بطلي عبط.. تفتكري صالح من اللي ممكن يعملوا حاجة مش عاوزاها.. ولا ظروف تتحكم فيه.. بعدين ماهو بقاله شهر وزيادة سايب مراته مرجعش ليها ليه؟.. ده لو كان عاوز يرجع..."
حدقت فرح في عيني شقيقتها تنشد الطمأنينية منها لتهز لها سماح رأسها قائلة بهدوء:
"رمي كل حاجة ورا ضهرك.. وافرحي بحلمك اللي كلها كام ساعة ويتحقق.. متخليش حاجة تعكر عليكي فرحتك بيه.. وكفاية إنك هتبقي مراته وإنتي وشطارتك بقى تخليه يحبك زي ما بتحبيه وأكتر كمان."
ابتسمت بحنان تكمل بتأكيد والحب يشع من نظراتها:
"وأنا متأكدة إنه مش هيحبك بس.. لا ده هيعشق التراب اللي هتمشي عليه لما يفهمك ويعرفك كويس."
شعر الحب والامتنان لها على وجه فرح تسرع وترتمي في أحضانها تهتف بحب وسعادة:
"ربنا يخليكي ليا.. مش عارفة من غيرك أنا كنت هعمل إيه."
احتضنتها سماح هي الأخرى هاتفة بنبرات مختنقة بالبكاء والعاطفة:
"ويخليكي ليا.. هتوحشيني يا بت وهيوحشني الخناق معاك."
ظلت بين أحضان بعضهما بصمت كان أبلغ من أي حديث وكلمات.. تستمد كلا منهما الأمان والحب من الأخرى حتى ابتعدت سماح تمسح عبراتها قائلة متصنعة الحزم والجدية:
"كفاية كلام بقى ويلا تعالي نشوف هتلبسي إيه.. الناس زمانها على وصول."
ابتسمت فرح تمسح عبراتها هي الأخرى تهز رأسها لها بالموافقة ليمضي الوقت بهما بعدها في البحث عن ثوب لائق حتى تنهدت فرح باحباط وهي تلقي بقطعة ملابس أرضاً قائلة:
"مفيش حاجة نافعة.. كله باهت وقديم ومينفعش."
تنهدت سماح هي الأخرى تعقد حاجبيها بتفكير للحظات لتهتف بعدها قائلة بحماس وهي تنهض واقفة سريعا:
"بس لقيتها أنا.. هكلم البت نجلاء ونقولها على فستان شبكتها وهي بت جدعة مش هتقول لأ."
قطمت فرح شفتيها غير واثقة للحظة قائلة بعدها بقلق:
"بس مش هياخدوا بالهم إني لابسة فستان شحاتة."
سماح وهي تمسك بغطاء شعرها الملقى فوق الفراش تضعه سريعاً عليها تتجه ناحية الباب قائلة بحزم:
"وهما هيعرفوا منين.. بصي أنا هخطف رجلي ليها أحسن وأروح لها.. هي زمانها خلصت شغل وروحيت وساعة زمن وأكون عندك."
فتحت الباب تهم بالخروج لكنها توقفت بغتة تلتفت إلى فرح محذرة إياها بشدة:
"بت أوعي تخرجي من الأوضة لحد ما أرجع وأبعدي عن طريق خالك خالص الساعة دي.. إنتي شايفة أهو العفاريت بتتنطط قدامه من ساعة ما عرف الخبر.. خلي يومك يعدي على خير."
ثم ألقت لها بقبلة في الهواء خرجت بعدها مسرعة لتنفذ فرح تحذيرها فتظل جالسة في أمان غرفتها للحظات لم تدُم طويلاً فقد علا فجأة صوت صراخ زوجة خالها يصاحبه أصوات تحطم للأواني بضجيج شديد جعلها تهب فزعاً من مكانها تسرع للخروج من غرفتها تتسمر على بابها حين وجدت زوجة خالها ساقطة أرضاً وهي تبكي بحرقة وقد تبعثر من حولها بقايا الطعام وخالها يقف مشرفاً فوقها يهم بصفعها ووجهه محتقن شديد الغضب..
لكن توقفت يده في الهواء يلتفت إلى فرح فور أن شعر بوجودها وقد أصبح غضبه كله وجهاً إليها صائحاً بصوت ثقيل غير مترابط:
"أهلاً بالعروسة.. أهلاً ببنت ال**** الفقر اللي ضيعت عليها وعليا لقمة طرية كانت هتشبرقنا طول العمر."
لم تعير فرح لغضبه اهتماماً تسرع إلى كريمة الملقاة أرضاً وهي تبكي متألمة تنحني عليها بحماية صارخة فيه بغضب وحرقة:
"حرام عليك عملت لك إيه علشان كل يوم والتاني تبهدل فيها كده."
ترنح مليجي للخلف وقد أخذ يشيح بيده بحدة قائلاً بكلمات متعثرة تحمل أثر سكره:
"صوتك ما يعلاش عليا يابنت ال****.. ولا تكوني فاكرة عريس الغفلة هيقدر يحميكي مني.. دانا... دانا..."
أخذ يكرر كلمته الأخيرة وهو يتمايل في وقفته بعدم ثبات حتى كاد أن يسقط أرضاً فأنتهزت فرح الفرصة لتنهض كريمة على قدميها سريعاً هامسة لها:
"اجري استخبي في أوضة العيال بسرعة."
أمسكت كريمة بيدها تجذبها معها هامسة برعب وصوت مرتجف:
"تعالي معايا لحد ما يغور ولا ينام بدل ما يعمل فيكي حاجة.. ده مش حاسس بنفسه."
وافقتها فرح تتحرك معها بسرعة باتجاه الغرفة لكن ما أن دخلتها كريمة حتى جذبت يد فرح منها وتعالى معها صرختها المتألمة بعد أن جذبها مليجي من خصلات شعرها للخلف يلفها إليه بعنف ثم يهوي على وجنتها بلطمة قاسية صارخاً بشراسة:
"رايحة فين يا بنت ال****.. دانا هعمل على أمك حفلة ضرب النهاردة.. وهو نفرح العريس بكام ضلع مكسور.."
لطمها لطمة أخرى أشد قسوة وعنف جعلتها تصرخ عالياً وقد أطاحت بها الضربة للجانب لتصطدم رأسها بحافة الطاولة بقوة سقطت بعدها أرضاً مغشياً عليها لتصرخ كريمة جزعة تهرع إلى فرح الملقاة أرضاً لا حول لها ولا قوة تلتقطها بذراعيها صارخة بهستيريا باسمها وحين لم تجد منها استجابة رفعت وجهها إلى مليجي تصرخ به بحرقة:
"قتلتها يا ظالم... قتلتها يا مفترى.. روح ربنا ينتقم منك."
جفت الدماء من وجهه وقد اتسعت حدقتاه رعباً ترتعش أوصاله هو يرى وجه فرح وقد غطته الدماء وجسدها الهامد بين ذراعي زوجته ثم أخذ ينظر حوله بفزع واضطراب بحثاً عن مهرب قبل أن يهرول مسرعاً ويقوم بفتح الباب الخارجي مغادراً فوراً دون لحظة تردد واحدة لتشق صرخة كريمة الملتاعة عنان السماء مستنجدة.
معقولة يابا هتوافقه على جنانه ده؟
رفع منصور الرفاعي رأسه ببطء يتطلع إلى ولده الأكبر حسن بصرامة وقد جلسوا جميعاً داخل المكتب الخاص به في الطابق الثاني في محل عملهم قائلاً:
"جنان إيه اللي بتتكلم عنه يا حسن.. هو شرع ربنا يبقى جنان؟!"
نهض حسن على قدميه هاتفا بحدة قاسية:
"آه.. لما يبقى من بنت اخت العايق يبقى جنان.. حد فيكم فكر مليجي هيذل فينا إزاي لما يعرف هو ولا بنت اخته إن صالح مش..."
فزع الحاج منصور من مقعده هو الآخر صارخاً بغضب باسمه ليوقفه عن الباقي من حديثه يتوتر وجه حسن بعدها لكنه لم يستسلم يكمل بعدها وقد أخذ يتلعثم بكلماته قائلاً بارتباك:
"يابا أنا خايف على صالح.. إذا كان بنت الحسب والنسب باعت واشترت فيه وفينا لما عرفت.. مابالك بقى بتربية مليجي العايق هتعمل فيه إيه لما تعرف."
كان صالح أثناء حديثهم يتكئ على مقعده يتطلع نحو أخيه وهو يدخن سيجارته ببطء يوحي مظهره الخارجي بالراحة وعدم مبالاته بما يدور من حديث لكن بداخله كان كالعاصفة الهوجاء وكلمات شقيقه القاسية تثير به الفوضى العارمة وهي تبعثر أشلاء قلبه ينتزع مع كل كلمة يتفوه بها قطعة منه يشعر كأنه بالجحيم وهو يقود معركة شرسة مع نفسه حتى لا ينهض من مقعده ويخرسه بأكثر طريقة قد تريحه في تلك اللحظة وهي بتسديد لكمة إلى فمه عنيفة بعنف غضبه ليصمته بها فوراً عن الحديث..
لكنه جلس كما هو يحدق به ببرود شديد أصاب حسن بالارتباك أكثر بعد أن التفت إليه يحدثه بصوت مستعطف مترجى:
"اسمع كلامي يا صالح.. بلاش منه الموضوع ده.. وبعدين إنت مش قلت مش هتتجوزها إيه حصل بقى وغير رأيك؟!"
نظر صالح إلى طرف سيجارته المشتعلة يجيبه بهدوء وصوت غير مبالي:
"ده حاجة متخصكش.. ليه وعلشان إيه دي بتاعتي أنا."
جف حلق حسن توتراً من لهجة أخيه التي يعلم جيداً أنه حين يستخدمها فقد وصل إلى حافة صبره لكنه لم يتراجع يزدرد لعابه بصعوبة وهو يسأله ببطء وفضول:
"طب هتعرفها قبل كتب الكتاب ولا..."
عند هذا الحد ولم يعد بأمكانه الصبر أو السيطرة على غضبه بعد الآن يهب من مقعده مواجهاً لشقيقه بهدير قوي جعله يتراجع للخلف وهو يرتعش فزعاً قائلاً:
"حسن لحد هنا وخلص الكلام.. قلتلك دي حاجة ماتخصكش.. ثم اقترب منه وعينيه تثبته بنظراتها الحادة القاسية جعلت وجه حسن يتصبب عرقاً حين نكزه صالح في صدره بسبابته قائلاً بنبرة تحذيرية صارمة:
"ويكون في علمك فرح لو عرفت من حد قبل ما تعرف مني أنا مش هعديها وأعرف إن دي بالذات هيكون لها حساب تاني خالص ممكن أنسى فيه إننا أخوات من الأساس."
شحب وجه حسن بشدة يزدرد لعابه مرة أخرى ولكنه هذه المرة وجده جاف كأنه يقف في صحراء قاحلة وعينيه تتطلع له بارتعب وهو يرى أخيه ولاول مرة في حياتهم معاً يتحدث إليه بكل هذا العنف والصرامة ليهمس بتوتر واضطراب:
"بقى كده ياصالح من أولها كده.. طيب ياسيدي براحتك وكلامك وصلني كويس أوي يا عم.. ومبروك عليك جوازة الهنا."
ثم التفت إلى والده قائلاً بحدة في محاولة لحفظ ماء وجهه أمامهما:
"بس لامؤاخدة بقى يابا.. أنا مش هحضر أي حاجة تخص الجوازة دي.. لا أنا ولا مراتي."
ثم تحرك فوراً مغادراً دون أن ينتظر لحظة أخرى برغم نداء والده له والذى التفت إلى صالح بعدها قائلاً بأسف ورجاء:
"حقك عليا أنا ياصالح.. متزعلش منه.. كل الحكاية إنه قلقان وخايف عليك."
توت شفتي صالح بسخرية بتهكم قائلاً:
"لاا كان واضح أوي خوفه في كلامه يابا.. بس للأسف قلقه وخوفه مش عليا وإنت عارف ده كويس."
نكس الحاج منصور رأسه أرضاً وقد أدرك ما يقصده صالح جيداً فلم يستطع الإنكار يشعر بالخزي من ضعف ولده البكر أمام زوجته وتسلطها وقد أصبح أمراً لا يخفى عن أحد متنهداً بعمق قبل أن يتحدث قائلاً في محاولة لتغيير مجرى الحديث والذي أصبح يصيبه بالهم والعجز:
"أنا هطلع أشوف أمك حضرت اللي قولتلها عليه ولا لسه.. وبالمرة أكلم المأذون.. وإنت شوية وحصلني."
أومأ صالح رأسه له موافقاً ليقترب منه منصور مبتسماً بحنان يربت فوق وجنته بحب وعينيه تشع بالفرحة قائلاً:
"مبروك ياصالح.. صدقني يابني أنا الدنيا مش سايعاني من الفرحة النهاردة."
أحنى صالح رأسه يرفع كفه إلى شفتيه مقبلاً إياه بحب واجلال قائلاً:
"ربنا يخليك ليا يا حاج.. وأنا كفاية عندي أشوف الفرحة دي في عنيك."
قاطعهم صوت يحاكي الزغرودة ارتفع في المكان لكنها بصوت رجالي يعقبها صوت عادل الساخر قائلاً:
"ده يوم المنى يا عم صالح إننا نخلص منك ونفرح فيك.. ولا إيه يا عم الحاج!"
ضحك الحاج منصور وعينيه تلتمع بالسعادة قائلاً:
"طبعاً ده يوم المنى عندي أفرح بيه.. وخصوصاً إنه هيتجوز بفرحة قلبه ولا إيه!"
غمز منصور لصالح بخبث ليهتف عادل بصدمة وذهول قائلاً:
"حلاوتك.. وهو إنت عرفت أبوك إنك واقع لبوزك فيها من بدري ولا إيه!"
اتسعت عيني صالح له محذراً ليكمل عادل دون أن يبالي بنظراته قائلاً لمنصور يسأله بمرح وخبث:
"طب وقال لك بقى إنه من عبطه راح اتجوز غيرها علشان كان فاكر نفسه كبير عليها وإنها عيلة صغيرة مينفعش يفكر فيها.. بس أهي لفت لفت ووقع ليها برضه على بوزه."
التفت منصور إلى صالح مذهولاً وقد رآه يحني رأسه خجلاً وتوتر كطفل صغير مذنب لتتسع ابتسامة منصور السعيدة قائلاً بحنان ورفق:
"لا ما قالش الحتة دي.. بس أهو أديني عرفت منك وزي ما قولت عبيط بقى هنعمله إيه!"
هلل عادل فرحاً يلكم الهواء بسعادة جعلت صالح يرفع له نظراته متوعداً ليحرك عادل حاجبيه له مغيظاً يهم بالحديث قبل أن تدوي صرخة سيد العامل ينادي من أسفل بلهفة وجزع:
"يا حاج منصور.. يا سي صالح.. الحقوا بيقولوا مليجي العايق قتل فرح بنته اخته وهرب."
لا يعلم كيف قادته قدماه إلى منزلها وقد كان مغيب الفكر ومتجمد الشعور كأن روحه غادرت جسده منذ أن وصل إليه الخبر لا يستطيع التصديق مصدوماً بأن يقسو عليه قدره إلى تلك الدرجة ويختطفها منه بعد كل معاناته تلك فقد كانت ساعات وستصبح ملكاً لقلبه أخيراً وتنير حياته ببهجة وجودها بها.
تجتاح جسده البرودة فتجمد أطرافه يرتعد قلبه بين جنبات صدره وهو يصعد درجات الدرج سريعاً حتى توقفت خطواته أمام بابها وقد امتلئ المكان بجمع غفير من الناس أخذت يديه تفرقهم بعنف حتى يستطيع الوصول لها ليتخشب جسده فوراً حين وجده خالياً من وجودها فاخذت عينيه تدور في الأرجاء بلهفة ورعب بحثاً عنها يلتفت إلى إحدى النساء يسألها بارتجاف رغم خشونة صوته وحدته:
"حصل إيه.. فين فرح؟!"
لوت السيدة شفتيها بشفقة تشير ناحية إحدى الغرف قائلة:
"هناك يا خويا مع الدكتور.. المخفي خالها ضربها في دماغها فتحها وهرب اللي يتشك في قلبه بدري."
لم يقف ليستمع للباقي من حديثها يهرع ناحية الغرفة يفتح بابها فوراً دون استئذان تهفو روحه لمحة منها حتى يطمئن قلبه الملتاع عليها.
يرتجف بقوة حين وجدتها عينيه أخيراً يراها تستلقي فوق الفراش برأس مضمد ووجه شاحب وبجوارها زوجة خالها الباكية وعدد من نسوة الحارة المتابعات لحديث الطبيب باهتمام لكنه توقف عن الحديث لحظة دخوله يتطلعون إليه بذهول وفضول لكنه تجاهلهم جميعاً نظراته تتعلق بها وهو يناديها بصوت خرج منه أجش ملهوف لتتململ في رقدتها تحاول الجلوس باعتدال في الفراش باضطراب بينما أسرعت كريمة ناحيته هاتفة بلهفة وصوت باكي:
"شفت يا سي صالح المفتري عمل إيه... كان هيموت البت ويضيعها في شربة مية."
ابتسم الطيب ببشاشة متجهاً إليه هو الآخر قائلاً بصوت مطمئن:
"مش لدرجة دي يا ست أم أمير دي خبطة بسيطة وعدت على خير."
مد الطبيب بيده إلى صالح هو يلقي بالسلام يسأله عن حاله لكن الأخير تشبث بها ضاغطاً فوقها بقوة كأنه ينشده الاطمئنان وهو يسأله بخوف:
"يعني فرح كويسة.. مفيش فيها حاجة؟"
هز الطبيب رأسه بالإيجاب يهتف بحزم وقد أدرك خوفه وتفهمه جيداً:
"طبعاً بخير وزي الفل.. دول يدوب غرزتين مش هياخدوا كام يوم ويتفكوا.."
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة بشوش يكمل يربت فوق كتف صالح الواقف وعينيه معلقة عليها لا ترى أحد غيرها هي فقط باهتمام ولهفة جعلت الهمهمات تتعالى بين النسوة المتابعات لما يحدث بحقد وغيرة:
"أنا سمعت كمان إن كتب كتابكم كان النهاردة.. فمفيش داعي خالص إنكم تأجلوا لو تحبوا.. هما يومين راحة وهتبقى زي الفل."
هتفت كريمة تأكد بحزم ولهفة:
"يومين.. تلاتة.. عشرة براحتها خالص.. دي أنا أخدمها بعنيا.. وإن كان على كتب الكتاب لما تقوم بالسلامة خالص."
كانت هي جالسة مكانها كالمسحورة مشدوهة بنظراته لها لا تستطيع التركيز أو الاهتمام بشيء مما يحدث حتى لو كان الحديث عن حالتها الصحية كل حواسها معلقة عليه فقط لذا اتسعت عينيها ذهولاً وصدمة وصوته يهز جميع حواسها انتباها له حين قال بحزم وشدة وبصوت لا يقبل بالمجادلة أو النقاش:
"زي ما الدكتور قال مفيش حاجة هتتأجل.. وإن كان على يومين الراحة هيحصل... بس وفرح مراتي وفي بيتي."
بعد أن ألقى قنبلته المدوية تلك تم كل شيء في لمح البصر من استعدادات صارت على قدم وساق من تعليق الزينة لتشع بأنوارها المبهجة في أجواء الحارة حتى فستان الزفاف تم إحضاره مع مستلزماته بصحبة إحدى الفتيات للقيام بأي تعديلات قد يحتاج إليها أما عن زينة وجهها فقد قررت وضعها بنفسها بمساعدة من سماح بعد حضورها وتجاوزها صدمة ما حدث مؤيدة لقرار صالح هي الأخرى بحسم تسألها فرح بعدها في عزلة غرفتهم لما فعلت هذا لتجيبها سماح وهي تمسك بكفيها بشدة لتشعر بارتجافة جسدها من خلالهما وهي تتحدث قائلة والخوف يعلو نبراتها:
"كده أحسن.. خالك عمره ما هيرتاح إلا لو عمل مصيبة فشكل بيها الجوازة وطول ما إنت مش في بيت صالح وفي حمايته مش هيرتاح ولا هيريحنا وقليل لو ما عمل مصيبة تانية من مصايبه ويا عالم هتعدي ولا لأ."
أغرورقت عينيها بالدموع يتجشرج صوتها تكمل:
"والحمد لله إنها جت على قد كده.. والنهاردة جوازتك مش جنازتك."
احتضنتها سماح بعدها بقوة كانت أبلغ لها من أي حديث آخر بينهم تسرعان في إتمام كل شيء بعدها ليتم انتقالها من منزل خالها لمنزله بعد عقد القران فوراً تصاحبها إليه نسوة الحارة ومعهم والدته الحاجة انصاف..
والتي أخذت تصفق وتهلل بالغناء معهم تمسك بيدها برفق حتى الجمع المنتظر من رجال الحارة أمام باب منزله لكنها لم ترى أحداً منهم وقد خطف قلبها قبل عينيها شخصاً واحداً فقط يقف معهم بكل وسامته وهيبته مبتسماً لها وهو يمرر نظرات عينيه الولهة عليها مقترباً منها ببطء..
تعالى معه نبضات قلبها بصخب ويتورد خديها خجلاً حين انحنى عليها مقبلاً جبينها ببطء ونعومة تنحدر شفتيه برقة نحو أذنيها يهمس بصوت أجش وانفاسه تدفئ بشرة عنقها:
"مبروك.. يافرحة قلبي وكل مناه."
ارتجفت تشعر بالضعف في قدميها حين شعرت بلهيب أنفاسه على بشرتها كالنيران تشعلها تتسابق أنفاسها وهي تجاهد حتى تتماسك بعد كلماته الهامسة تلك تراه يتراجع عنها ببطء تاركاً قلبها بحالة مبعثرة وانفاس مقطوعة لا تصدق أذنيها ما سمعته تنسبه فوراً وخوفاً على سلامة عقلها لاشتياق قلبها لكلمة منه فاختلقت لها أكاذيب مستحيلة.
لكن غاب عن عقلها فوراً أي تفكير شاهقة بذهول حين رفعها بين ذراعيه يحملها بينهم يتجه بها إلى داخل المنزل ثم يصعد الدرج بسرعة هامساً لها وابتسامة سعيدة تزين ثغره غامزاً بخبث:
"فاكرة زي زمان.. ولو تحبي كمان أخليك ترني الجرس أنا معنديش مانع.. بس المرة دي جرس شقتنا أنا وإنتي مش جرس حد تاني إنتي ما بقتيش عيلة صغيرة.. إنتي بقيتي مراتي وعروستي."
اشتعل وجهها خجلاً تلف بذراعيها عنقه تختبئ بوجهها عن عينيه بنظراتها المشتعلة في حنايا عنقه.. لترتفع عالياً ضحكته الأجش الرائعة لكنها لم تغضبها هذه المرة.. بل تركتها مرتجفة سعيدة.. يهلل قلبها فرحاً بما تشعر به بين ذراعيه كأنها تحلق في سماء السعادة والفرحة تدعو الله أن تظل دائماً داخل غيمة سعادتها إلى الأبد ولا يعكر صفوها شيئاً أبداً.
رواية ظلمها عشقا الفصل السابع 7 - بقلم فرح صالح
وقفت تحمل بين يديها طيات فستانها.
يتطلع نحوه بتوتر واضطراب وهو يقوم بأغلاق الباب خلف المهنئين من عائلتهما.
يرتجف جسدها بترقب حين التفت اليها ببطء.
على وجهه ابتسامة كسول جعلتها تتلفت حولها باضطراب هربا من نظراته المحدقة بها.
تشعر بقلبها يتقاذف بنبضاته داخل صدرها وهى تراه يقترب منها وعينيه تنبض بالحياة وشغف جعل ساقيها كالهلام لا تقوى على حملها.
لكنها حاولت تمالك نفسها تتحدث بخفوت وبكلمات متلعثمة:
"هو ..فين .. هو ...انا...."
انحنى عليها هامسا بنعومة اصابتها برجفة لذيذة:
"انتى ايه ؟! .. قولى."
اخفضت عيونها عنه تضغط شفتيها خجلة تفر من عقلها كل الاجابات لرد على سؤاله.
لكنها عادت ورفعتها نحوه ببطء حين ناداها هامساً بأسمها بصوته وقد اصبحت تعشق حروفه الصادرة من بين شفتيه.
يحدثها برقة:
"فرح .. عاوز اطلب من حاجة."
اسرعت تهتف بلهفة تجيبه وعيون عاشقة:
"اطلب اى حاجة .. ومن عيونى."
التمعت عينيه عليها هامسا بصوت حار منفعل:
"عاوز نبتدى حياتنا بالصلاة انا وانتى."
انفرجت ملامحها بالسعادة تهز رأسها بالايجاب هامسة بصوت يكاد يسمع من شدة خجلها:
"انا كنت هطلب ده منك .. علشان كده انا اتوضيت قبل ما البس."
امسك بكفيها بين يديه يسألها:
"طيب لو عاوزة تغيرى فستانك الاول ..."
اسرعت تجيبه بلهفة وصوتها يتردد بالامل:
"لا كنت عاوزة لو ممكن يعنى اننا.."
هز رأسه لها وابتسامة متفهمة تزين ثغره ليمضى بهم الوقت بعدها فى تأدية صلاتهم.
تجلس بعدها خلفه بفستان زفافها تحنى رأسها بخجل وهو يضع كفه فوقه تستمع الى صوته الرخيم وهو يقوم بالدعاء.
تحبس انفاسها بعد انتهائه مقترباً منها مقبلاً لجبينها برقة قائلا:
"مبروك يافرح .. نورتى بيتك وحياتى."
لم يسع قلبها فرحتها وهو يلقى على مسمعيها كلماته تلك كأنها ملكت الدنيا وما فيها.
تهز رأسها له هامسة بخجل شديد وارتباك:
"مبرو..وك يا ... صاالح."
وقف واوقفها معه قائلا بصوت اجش مرتجف:
"تعرفى .. دى اول مرة اعرف ان اسمى حلو اوى كده لما سمعته من شفايفك."
شهقت بخفوت وعدم تصديق تغمض عينيها هامسة بضعف:
"لا وحياتك مش كده .. وواحدة واحدة عليا ..انا كده ممكن اروح فيها."
تعالت ضحكة صالح المرحة عالية ترتفع عينيها اليه تتأمله بوله وعشق.
ليسألها ومازالت بقايا ضحكته فوق شفتيه يهمس بخبث:
"بقى كده ؟! اومال هتعملى ايه لو انا عملت كده."
ظللت عينيها نظرة تسأول سرعان ما اختفت شاهقة حين لف خصرها بذراعه يجذبها اليه.
وفى غمضة عين كان ينحنى على شفتيها يــ"قبلها بشوق سنوات قضاها فى تمنى تلك اللحظة ناسيا كل شيئ وهو يضمها اليه يشعر كأنه ملك العالم بين يديه حين لامسه دفء جسدها يـ"قبلها بالحا وتلهف..
لم تجد هى امامه سوى بالاستجابة له.
كالمغيب تبحث اصابعه باصرار عن سحاب فستانها وقد اصبح عائقا امام سيل مشاعره الجارف هادرا بقوة حين سحبه لاسفل شاعرا نعومة بشرتها تحتها يزيحه بلهفة حتى مقدمة صدرها كاشفا عن بشرة كتفيها..
لكن اتت ارتجافة جسدها الشديدة ومعها شهقتها المصدومة كشمس ساطعة بددت غيمة مشاعره التى احاطت به.
ليجبر نفسه على التراجع بعيدا عنها برغم صعوبة فعله ذلك.
يمرر عينيه عليها فيرى حالتها المبعثرة يدها تتمسك بمقدمها ثوبها وقد كسى الاحمرار وجهها تتوسع حدقتيها .. وهى تتطلع اليه بذهول ممزوج بالخوف.
استطاع رؤيته ليكون كصفعة حادة له ؛ فأخذ يتنفس بعمق يحاول تهدئه ثورة المشاعر التى تجتاحه.
ثم ينحنى عليها سريعا يحملها بين ذراعيه متجاهلا ارتجافتها يتجه بها ناحية غرفة النوم يدلف معها الى الداخل يضعها ارضابحرص.
لتبتعد عنه هى خطوة للخلف وجهها شاحب قلق هزه بعمق.
لكنه اسرع بالامساك بيدها يقربها منه هامسا بنعومة:
"حقك عليا انا عارف انى خوفتك .. انا عاوزك متخفيش منى ابدا ..انا .."
زفر بقوة لا يجد ما يستطيع به وصف تلك الحالة التى اصابته.
فلاول مرة يفقد السيطرة على نفسه ومشاعره.
لذا رفع انامله يمررها فوق وجنتيها بحنان حاول به تدارك ما حدث بينهم منذ قليل سائلا:
"تحبى اساعدك تفكى حجابك وتغيرى هدومك."
علم بخطأ ما تفوه به يلعن نفسه عندما ارتجف جسدها مرة اخرى تهز رأسها على الفور بالرفض.
ليزفر مرة اخرى يشعر بقلة حيلته معها كأنه غر صغير لم يختبر الحياة الزوجية من قبلها.
فلهفته وشوقه لها جعلوه عديم الصبر .. شديد التوتر والاضطراب.
لذا اسرع قائلا:
"طيب انا هسيبك تغيرى براحتك .. وهروح انا اجهز لينا العشا."
هتفت فرح باعتراض تحاول التحرك رغم تمسكها بصدر فستانها:
"لااا خليك .. وانا ثوانى وهغير وهجهز كل حاجة ."
ابتسم لها برقة يخرج هاتفه ومتعلقاته من داخل جيب بنطاله يضعهم فوق طاولة الزينة.
اتبعهم بالجاكت الخاص ببذلته يلقى به فوق الفراش مشمرا عن ساعديه قائلا:
"لاا خليكى براحتك .. انا هجهزه وانتى خلصى وحصلينى ."
هزت رأسها بالموافقة ببطء ليتحرك ناحية الباب.
لكنه توقف قبل مغادرته يلتفت لها يناديها لتتوسع عينيها منتبهة.
ليكمل بصوت اجش مرتجف:
"فرح .. متتأخريش عليا .. علشان انا موت من الجوع."
خرج بعدها فورا من الغرفة يغلق خلفه بهدوء بعد ان تبعث نظرته التى ارسلها لها قبل مغادرته داخل قلبها الفوضى.
وقد ادركت من وميض عينيه انه لم يكن يقصد بكلماته الاخيرة الطعام ابدا.
جلست سماح مع كريمة فى انتظار حضور الحاج منصور فقد ابلغهم بحاجته لتحدث معهم فى احدى المواضيع.
تنظران الى بعضهم بتوتر وارتباك وقد سادت الاجواء التوتر والارتباك.
بعد عدة محاولات من الحاجة انصاف لكسر الحدة فى تعامل ابنتها معهم ببعض المزحات .. الا انها استسلمت اخيرا للصمت تنظر من بين حين والاخر اليها باستنكار خفى.
حتى تجاهلت ياسمين تتطلع نحوهم برود وتعالى تعتدل فورا فى جلستها باحترام حين دلف والدها يصحبه عادل.
تختفى عنها ملامح الضجر فورا يحل محله الاهتمام والحماس.
لكن سرعان ما احتقن وجهها حنقا حين توجه والدها الى سماح يسألها بهدوء بعد جلوسه هو عادل قائلا:
"سماح يابنتى .. انتى لسه شغالة فى محل ابو نور لسه مش كده."
هز سماح رأسها له بالايجاب قائلة:
"ااه ياعم الحاج .. لسه شغالة هناك .. خير فى حاجة."
تبادل الحاج منصور وعادل نظرة متفهمة قال بعدها:
"طيب قولك ايه انى جيبلك شغلانة احسن منها وقريبةمن هنا ومش هتحتاجى فيها مواصلات ولا حاجة واد مرتب ابو نور مرتين.."
تهلل وجه سماح تنظر الى كريمة بفرحة قبل ان تهتف بلهفة:
"اقول موافقة طبعا يا عم الحاج."
ابتسم منصور يسألها بمرح:
"طب مش تعرفى الشغلانة فين الاول.."
هتفت انصاف مؤكدة بحزم:
"ما هى عارفة يا حاج انك بتعتبرها زى ياسمين واستحالة هتقولها حاجة مش فى مصلحتها"
هزت سماح رأسها بحماس مؤكدة كلمات انصاف.
ليتحدث عادل هذه المرة قائلا لها بهدوء:
"الشغلانة اللى بيتكلم عليها الحاج دى ياسماح هتبقى معايا فى المكتب بتاعي."
اتسعت عينى سماح دهشة يؤيد منصور حديث عادل قائلا:
"عادل ناوى ان شاء الله من الشهر الجاى يفتح مكتب ليه للمحاماة فى بيت اهله يعنى خطوتين وهتكونى هناك."
هبت ياسمين وافقة تقاطع حديثهم سألة عادل بحدة:
"طب والمكتب التانى هتعمل فيه ايه؟!"
هز عادل كتفه قائلا بهدوء رغم غضبه من طريقتها فى سؤاله:
"هقفله .. الايجار فى المنطقة دى عالي اووى .. وانا ليه شقتين فى بيت اهلى مقفولين على الفاضى قلت استغلهم افيد."
ضربت ياسمين قدميها بالارض صارخة بأستياء:
"لا طبعا مش ممكن تعمل كده .. علشان الشقتين دول هيتباعوا وهنشترى بتمنهم شقة لينا بره الحارة خالص."
نهض عادل على قدميه يكسو وجهه الوجوم والحدة:
"ومن امتى الكلام ده يا ياسمين .. انا مش فاكر انى لما خطبتك قولت انى هعمل كده."
صرخت ياسمين رغم محاولات والدتها تهدئتها:
"مش مهم انت تقول .. انا عاوزة كده وده اللى هيحصل."
صرخ الحاج منصور يوقفها عن الحديث بغضب ناهرا لها بحدة وعنف:
"اخرسى يا قليلة الرباية ... كلامك ايه اللى عاوزة تمشيه .. ايه ملكيش حاكم ولا كبير."
تغضن وجه ياسمين تحاول منع نفسها عن البكاء كطفلة صغيرة لم تنال مرادها تنفجر بالبكاء رغم محاولاتها.
حين هتف والدها بها يكمل بغضب شديد:
"امشى اخفى ادخلى جوه .. مش عاوز اشوف خلقتك .. وحسابى معاكى بعدين."
تركت ياسمين المكان فورا وصوت بكائها يتعالى اكثر.
ليزفر الحاج منصور بقوة يلتفت الى عادل بأحراج قائلا:
"حقك عليا يابنى .. بس انت عارف دلع البنات وعامايلهم"
هز عادل رأسه له دون معنى لكن ملامحه كانت تنطق بالكثير والكثير.
لتشعر سماح بالأسف والاحراج لما حدث امامهم.
لذا اسرعت بلمز زوجة خالها خفية تنهض بعدها فورا قائلة بتلعثم لانصاف المحتقنة الوجه حرجا:
"نقوم احنا علشان الوقت اتاخر .."
لكن هتف الحاج منصور يوقفها بحزم وتأكيد:
"تقوموا تروحوا فين احنا هنتعشى سوا الاول ونكمل كلامنا .. ولا ايه يا حاجة!"
هتفت انصاف مؤيدة له لكن اسرعت سماح وكريمة بالرفض فى وقت واحد تعتذران بكلمات سريعة غير مترابطة.
تكمل سماح بعدها وهى تلقى بنظرة ناحية عادل الصامت بوجوم قبل ان تلتفت الى منصور قائلة بحزم:
"وبخصوص الشغل انا موافقة يا عم الحاج .. شوف حضرتكم تحبوا من امتى وانا اظبط اموري."
هز الحاج منصور رأسه استحسانا يتمم بعدة كلمات عن قيامهم بترتيب عدة امور ومن ثم سيبلغها عن موعد البدء بالعمل.
لتستعد سماح وكريمة بعدها للمغادرة رغم محاولات منصور وانصاف عدولهم عن ذلك ..
يخبرهم منصور بعد امتثاله لهم بذهابهم معه ليقوم بتوصليهم.
لكن اتى رفض عادل الحازم قائلا:
"لا خليك انت يا حاج .. انا كده كده مروح و هوصلهم فى سكتي."
انصاف بجزع وذهول:
"هتمشى ليه يابنى دلوقت مش قلت هتتعشى معانا !"
اسرع عادل يعتذر بخفوت لكنه صوته كان يهتز بغضب مكبوت شعروا به بين نبراته رغم محاولاته اخفائه:
"معلش ياحاجة سامحينى .. يلا يا جماعة علشان اوصلكم."
اشار الى سماح وكريمة لتنهض كل منهم تحمل صبى بين ذراعيها.
ليسيرع ناحية سماح وقد كانت تحمل الابن الاكبر النائم بين ذراعيها ؛ لحمله عنها ثم يغادر فورا بعد القائه بسلام سريع تتبعه سماح وكريمة بعد قيامهم بتوديع منصور وانصاف.
ليهتف منصور بعد مغادرتهم بحدة وغضب:
"عجبك عمايل بنتك يا انصاف .. عجبك كلامها مع خطيبها بالشكل ده ادام الناس الغرب."
مطت انصاف شفتيها اسفة تثتأثر الصمت لاتجد ما تدافع به عن وحيدتها.
تعلم جيدا ان هذا الامر لن يمر مرور الكرام فمن بمثل شخصية عادل لن يقبل بماحدث او يقوم بتمريره.
لذا اخذت تدعو الله ان يأتى بعواقبه سليمة.
انتهت من اعداد نفسها تتطلع الى نفسها فى المرآة تبستم بسعادة وهى تلف جسدها قائلة:
"ربنا يخليكى ليا يا سماح الفستان طلع يجنن .. اه هو مش غالى بس اهو احسن من الهلاهيل اللى عندى."
توقفت مكانها تضغط شفتيها باسنانها تكمل بعدم يقين وقلق:
"بس يا ترى هيعجبه .. هو مش قميص نوم زى كل العرايس ما بتلبس .. بس والله حلو برضه."
اخذت نفس عميق تهدىء قلقها وتوترها به ثم تحركت للخروج من الغرفة.
لكن ما ان فتحت بابها حتى تسمرت مكانها تجد نفسها وجها لوجه معه يقف امامها يهم بطرق الباب.
تتسارع انفاسها من النظرة التى رأتها بعينيه يلتمع وميض الرغبة بها ونظراته محدقة تمر فوقها ببطء حتى استقرت على وجهها.
يتقدم ببطء للداخل خطوة فتراجعت هى امامها خطوة اخرى للخلف حتى اصبحا فى منتصف الغرفة مرة اخرى..
وببطء شديد كأنه يختبر ردة فعلها مد يده نحوها يتلمس مكانه جرحها خلف خصلات شعرها المنسدلة يسألها برقة:
"جرحك اخباره ايه ؟ لسه بيوجعك."
هزت له رأسها بالنفى تشعر بلمسات انامله تعبث بخصلات شعرها اخذا خصلة منهم بين اصبعين ينحدر بهم فوقها حتى تركها يتلمس بدلا عنها طرف صدر ثوبها يهمس بصوت متحشرج:
"جميل اووى الفستان ده عليكى."
هتفت بحماس تشع عينيها بالسعادة والفرح:
"بجد عجبك .. ده ذوق سماح على فكرة هى اللى اخترته وكمان..."
حبست انفاسها صامتة بحدة فورا حين هبطت رأسه نحوها بتمهل شديد.
ليهمس فوق شفتيها عند توقفتها عن الحديث يسألها بحنان:
"وايه كمان كملى .. عاوز اعرف ذوقك سماح كان فى ايه تانى!"
ضغطت شفتيها معا يتجمد جسدها بتوتر من شدة قربها منها.
لتكتمل الصورة بجذب لجسدها المتخشب برقة شديدة اليه يلف خصرها بذراعه يهمس فوق اذنيها بنعومة ولين:
"لااا ... انا كده هبدء اشك انهم ضحكوا عليا وجوزنى فرح العيلة اللى بتخاف منى مش الكبيرة اللى قلت عليها ليا .. يرضيكى اطلع عبيط وبيضحك عليا !"
انطلقت رغما عنها منها ضحكة مرحة حين وصلها مقصده.
تخفض عينيها بعدها باستحياء وخجل بعدما اصبحت انفاسه حادة ثقيلة تلهب بشرة عنقها حين تلمستها شفتيه ببطء وتروى تشعر معها باختفاء توترها واسترخاء جسدها بين ذراعيه.
حين هبط فوق شفتيها مقبلا لها ببطء واستكشاف تسلم له قيادة مشاعرها سامحة له بان يأخدها بعيدا الى جنة عشقه.
فطلما حلمت بها لتسقط رويدا رويدا فى غيمة وردية صنعتها لمساته لها كالمغيبة..
لكن اتى رنين صوت هاتفه المزعج ممزقا للحظاتهم سوا.
وبرغم تجاهل صالح له لكن الحاح المتصل جعلها تتوجس خشية هامسة له بضعف ورجاء تحاول ابعاده عنها:
"صالح رد على التليفون .... ليكون حصل عندنا حاجة او خالى رجع تانى."
ابتعد عنها ببطء وصدره يتعالى بانفاس خشنة حادة يظهر على وجهه الضيق.
لكن منطقها جعله لا يستطيع الرفض لذا اسرع ناحية الهاتف يمسكه يتطلع به وهو يتمتم بحنق لاعنا.
لكنه..
صمت فجأة يتجمد جسده بشدة وهو ينظر الى هاوية المتصل كالمصعوق.
لتهتف به بخوف وقلق تسأله:
"مين يا صالح؟"
لم يجيبها بل ظل واقفا كما هو كأنه لم يسمعها.
تتسمر عينيه فوق شاشة هاتفه لتهتف به هذه المرة بصوت يغلبه البكاء تتوسله:
"رد عليا ياصالح .. مين بتصل علشان خاطرى !"
رفع لها رأسه ببطء لتشهق تقفز بهلع للخلف حين حدق بها وقد اضيئت عينيه ببريق عاضب عاصف واظلمت تعبيراته.
يتطلع لها للحظات مرت كدهر عليها لم يقل شيئ خلالها.
بل غادرا الغرفة على الفور بعدها بخطوات سريعة وخطوط جسده متوترة صافقا الباب خلفه بعنف.
ارتجف جسدها له تعتصر قلبها بقسوة قبضة الخوف والهلع.
لكنها اسرعت بتمالك نفسها تسلل خلفه سريعا خارجة من الغرفة تحاول عدم اصدار صوت بخطواتها مرتعشة.
تتلفت حولها بتخبط حتى علمت من اين طريقها قلقة من علمه بقيامها بالتصنت على محادثته ولكنها لم تستطيع المقاومة ..
فيجب ان تعلم من هو محدثه تخشى ان تكون شقيقتها قد حدث لها مكروه وهى او زوجة خالها ويقوم هو بأخفاء هذا عنها.
لذا تقدمت بقلب حاولت بث الشجاعة به حتى توقفت خلف احدى الجدران.
حين وصلتها همهمت صوته غير المفهومة لها تدرك من توتر عضلات ظهره واصابعه التى اخذ يمرر فى شعره بعنف يشعثها انه فى اقصى درجات محاولاته للسيطرة والتحكم فى غضبه.
فاخذت تحاول التقاط اى شيئا من الحديث الدائر حتى ارتفعت حرارة جسدها بشدة ثم تفر منه دفعة واحدة تتركها متجمدة فى مكانها يتصاعد الغثيان لحلقها.
وهى تسمعه يتحدث بلين ولطف بعد ان زفر زفرة عميقة من اعماق صدره قائلا:
"خلاص يا امانى اهدي ملهوش لازمة عياطك ده .. اللى حصل حصل .. والظروف حكمت بده .. يبقى تهدى وبلاش تعملى فى نفسك كده."
حانت منه التفاتة ناحية مكان وقوفها لتسرع بالتوارى خلف الجدار تستند عليه لشعورها بارتجاف قدميها.
لكنها اسرعت بتمالك نفسها تفر من المكان حين شعرت بتقدم خطواته ببطء من مكان وقوفها وهو يستمع بأنتباه لمحدثته.
تغلق الباب خلفها بهدوء وبطء تسمح لجسدها واحلامها اخيرا بالانهيار والتحطم.
: الله يخربيتك ياعايق .. على بيت بنت اختك .. بقى انا انور ظاظا يكون ده حالى!
تطلع مليجى الجالس ارضا فى احدى الشقق المملوكة لانور ظاظا يتطلع نحوه باضطراب وخشية.
وقد اخذ يجوب ارض الغرفة يحمل بين يديه كأس من الخمر وقد اذهبت بعقله تماما فاخذ يهذى المرارة فى صوته:
"بقى حتة العيلة دى .. تفضل صالح عليا ..لييه فيه ايه احسن منى .. دانا كنت هعيشها ملكة ..!"
ثم التفت الى مليجى يهتف به بغضب ووحشية:
"كله منك انت لو مكنتش ضربتها .. كان هيبقى فيه امل تبقى ليا .. مش تنام فى بيته حضنه الليلة .. دانا هطلع روحك فى ايدى النهاردة …"
انقض عليه يحاول الفكاك فيه لكنه تعثر بطرف السجادة ساقطا ارضا.
ليهب مليجى من مكانه هاتفا بفزع:
"انا مالى انا يا برنس .. البت كده او كده مش عوزاك وكانت رافضة .. وانا لما ضربتها كان علشان توافق عليك."
تسطح انور على ظهره ارضا يغمض عينيه بأرهاق للحظات يفكر بكلماته قبل ان ينهض بتعثر وعينيه حاقدة مغلوله.
يهمس:
"عندك حق يا مليجى .. كده او كده كانت رافضة .. علشان كده ورحمة امى لندمها واحرق قلبها على عريس الغفلة ومبقاش ظاظا اما حصل."
اتسعت عينى مليجى ذعرا يهتف بأرتعاب شديد:
"لاا يا برنس مفيناش من الدم .. انا مليش فى الطريق ده …"
رمقه انور باحتقار وتقزز:
"عارف يا ....* انك ملكش غير فى ضرب النسوان."
ضيق مابين حاحبيه بتركيز يكمل ببطء وخبث:
"علشان كده العملية دي عاوزة فوقة ودماغ مصحصة علشان نمخمخ لها تمام ومظبوط."
صرخ مليجى فزعا بداخله دون ان يجرؤ على اصدار صوت حتى ولو ضعيف.
يتقاذف صدره رعبا يعلم ان الايام القادمة لن تمر على خير لاعنا بحرقة ابنة اخته وصالح ومعهم انور والظروف التى اوقعته فى تلك المصيبة..
رواية ظلمها عشقا الفصل الثامن 8 - بقلم فرح صالح
بجسده كجمرة النار وعيونه المظلمة وقف يحدق في حروف اسمها الظاهرة فوق شاشة هاتفه. فبرغم تجاهله لرسائلها طيلة اليوم، وهي تتوسله فيها تارة وتهدده تارة أخرى، لكنه لم يتوقع أن تكون بتلك الجرأة والجنون وتقوم بالاتصال به بمثل هذا الإلحاح في هذا التوقيت. لعن نفسه لعدم قيامه بإغلاق الهاتف.
لكنه خشي عودة مليجي وقيامه بشيء يستدعي تدخله وقتها، لذا لم يجد أمامه حلاً وقد طفح به الكيل سوى بالرد عليها ووضع الأمور في نصابها الصحيح معها. تحرك مغادرًا الغرفة، متجاهلاً نداء فرح الملهوف له لمعرفة هوية المتصل.
وقف بعدها بجسد مشدود، وأصابعه تضغط فوق الهاتف بعد أن ضغط زر الإجابة، يهتف بها بحدة وغضب:
"أتجننت خلاص يا أماني؟ وكمان بتتصلي بيا في وقت زي ده!"
ساد الصمت من طرفها لحظة قبل أن تجيبه بصوت مرتعش خائف، كأنها صدمت لهجومه العنيف عليها:
"غصب عني.. مقدرتش أستحمل وكان لازم أكلمك."
ضغط صالح على أسنانه يفح من بينهم، وصوته يحمل الوحشية والقسوة رغم محاولاته للسيطرة:
"أنا ماسك نفسي عنك طول اليوم، وإنتي عمالة تبعتي في رسائلك الـ... وأقول معلش، هتعقل وتفوق للي بتعمله. وآخرها بتهدديني يا أماني تيجي هنا وتفضحيني!"
هتفت أماني به بحرقة وألم، تحشرج صوتها بالبكاء:
"كنت عايزني أعمل إيه وأنا شيفاك بتضيع مني وبتكون لواحدة غيري.. أنا بموت يا صالح، بموت.. خايفة أنام مصحاش من كتر الوجع اللي في قلبي."
زفر بقوة، يضغط فوق جسر أنفه بقوة، قائلاً لها بصوت هادئ لين، لعله يبث به بعض التعقل داخل عقلها:
"خلاص يا أماني اهدى، ملوش لازمة عياطك ده.. اللي حصل حصل.. والظروف حكمت بده.. يبقى تهدي وبلاش تعملي في نفسك كده."
لكن زادت حالة الهياج لديها بعد رده الهادئ هذا عليها، صارخة به بجنون وغضب:
"ده كل اللي عندك تقوله ليا؟ اهدى وبلاش أعمل في نفسي كده!"
التف حول نفسه، يشعر بحاجته للحركة قبل أن يقوم بركل وتحطيم شيء ما، هامساً بحدة وعيون مظلمة من شدة غضبه:
"صوتك ما يعلاش عليا، فاهمة ولا لأ.. اقفلي يلا... أنا اللي غلطان إني رديت عليكي من الأساس."
توحش صوتها تهتف بغل تعميها نار غيرتها:
"إنت رديت مش عشان سواد عيوني ولا خوفك عليا.. لااا، إنت خفت مني أنفذ تهديدي وأجي لعروستك أعرفها إحنا اتطلقنا ليه.. عشان كده لازم تسمع كل اللي عندي."
تجمد جسده، يقبض بأصابعه بقوة فوق ظهر إحدى الكراسي حتى ابيضت مفاصله، يسمعها تتحدث إليه بخبث ساخر:
"طبعًا مصدوم إني عارفة ومتأكدة إنك خبيت عليها.. عشان تعرف بس إن محدش قادر يفهمك أدّي.. بس عندك حق تخبي عليها، وجعتك ما هي مش ملاك ونازل من السما عشان ترضى بوضع زي ده."
سرعان ما انخفض صوتها بمرارة يغلبه البكاء وهي تكمل:
"بس عارفة، هي برضه مسكينة وبتصعب عليا.. وهي هتضيع عمرها معاك على أمل كداب، يا عالم هيحصل ولا لأ.. وفي الآخر المطلوب منها يا إما ترضى وتعيش عمرها كله من غير ما تسمع كلمة ماما.. يا إما تحن عليها وتطلقها.. في الحالتين هي الخسرانة، وهو كله في الآخر لحكم الظروف."
صالح بصوت بارد برودة الجليد، لا يظهر تأثره بكلماتها، وقد كانت كلمة منها كفيلة بأن تهدم جبلاً:
"خلصتي كلامك خلاص؟"
أماني بصوت مهزوم خافت، لكنه يحمل السم بين طياته:
"أيوه يا صالح خلصت.. ومبروك عليك الجوازة الجديدة.. بس يا رب تخلف ظني وظنك وتطلع أجدع من غيرها، مع إن ما أظنش ده هيحصل."
أغلق الهاتف ببطء، ملقيًا به فوق المقعد، عينيه تلمعان ببريق مظلم مخيف، شفتيه مضمومتان بقوة، وجسده متصلب يقاوم السقوط في حجيم أضرمت نيرانه فيه من جديد، يتشبث كالغريق حتى لا تجذبه ألسنة لهبه للسقوط بداخله.
لكن، وبرغم جميع محاولاته، لم يستطع المقاومة طويلاً، وقد عاودت لطمه حقيقة تجاهلها عن عمد، قد ألقى بها خلف ظهره متجاهلاً عواقبها تلبية لنداء قلبه العاشق المتيم بها وتوسل روحه ولهفتها لقربها. لكنها عادت الآن لتضربه بسوطها اللاهب تنهشه دون رحمة أو رأفة به.
***
مر عليها الوقت وهي مازالت حبيسة تلك الغرفة، تخشى الخروج منها مرة أخرى، تحارب إحباطها وآلامها بعد رؤيتها لأسوأ مخاوفها في هذا الزواج تتحقق أمام عينيها.
برؤيتها ضعفه وحنينه لزوجته الأولى، وهرعه دون لحظة تردد واحدة للحديث معها في ليلة زفافهما ومحاولة تهدئتها بصوته الحنون المراعى، نبذًا خلفه عروسه المصدومة وقد ملأتها خيبة الأمل والانكسار.
لتظل مكانها تشعر بالاختناق يحكم قبضته فوق صدرها، فلأول مرة ومنذ دخولها تلك الغرفة، أخذ يلح عقلها عليها بسؤال قاسٍ طعنها بوحشية وهي تتطلع فيما حولها: "هل تكون هذه غرفته مع زوجته الأولى؟ هل ستقضي ليلتها فوق فراش شاركته غيرها فيه يومًا؟!"
تغلغل الألم صدرها، وقد ارتفعت في غصة بكاء في حلقها تخنقها، لكنها لم تستطع التمتع برفاهية البكاء الآن، تلعن نفسها لقبولها بهذا الوضع، وقد أغشى عشقها له عيونها وجعلها تتنازل عن أبسط حق لها في هذه الزيجة.
تنهدت بألم، وعيناها تدور فوق أثاث الغرفة كأنها تحاول إنكار ما أدركته الآن، هامسة بصوت موجوع:
"ده ما هنش عليه يغير الأوضة عشاني حتى.. معقولة لدرجة إني قليلة عنده؟"
جلست فوق إحدى المقاعد بجسد هامد مهزوم، تتطلع أمامها بعيون مصدومة تملأها الدموع. للحظات كانت كالدهر عليها، ثم فجأة تبدل حالها فورًا، تجذب نفسًا عميقًا داخل صدرها وهي تنهض واقفة، تهتف بعزم وكبرياء برغم دموع الإهانة التي تلمع بها عيونها:
"لاا، وحياة غلاوته عندي ما يحصل، ولا هيمس مني شعرة لو اللي في دماغي ده صحيح.. أنا مش قليلة ولا عمري هكون، ولازم يفهم ده كويس."
توجهت نحو الباب، يحركها شعورها بالغضب والإهانة وتجاهله لوجودها، تفتحه ثم تتجه خارجه بخطوات صامتة سريعة، تبحث عنه بعينيها في أرجاء المكان وهي تحارب دموعها الخائنة المطالبة بالتحرر. تتوقف بغتة مكانها بتجمد حين وجدته يجلس فوق إحدى المقاعد، يستند بمرفقيه فوق ساقيه، محني الرأس وكتفيه متهدلين بشدة، كأنه تحت وطأة ثقل هم شديد. لا تعلم لما زاد رؤيته بهذا الشكل من وهج غضبها وطعم الخسارة بحلقها كالعلقم، تعميها غيرتها بعد أن أدركت من المسؤول عن حالته تلك ولماذا.
لذا هتفت به دون مقدمات بحدة وعنف:
"شوف بقى، أنا استحالة هنام في الأوضة دي.. واعرف كمان إنك مش هتمس مني شعرة طول ما الأوضة دي موجودة."
مرت لحظة صمت قاتلة بعد حديثها المندفع هذا له، وقفت خلالها تتملل في وقفتها وهي تهيئ نفسها لاستقبال ردة فعله مهما كانت على ما قالته. تطول بهم لحظات الصمت.
حتى اتسعت عيناها برهبة واضطراب بعدما رفع أخيرًا عينيه ببطء إليها، دون أن تتحرك في جسده عضلة أخرى، يحدق بها بنظرات ثابتة جعلت البرودة تسري في عروقها، تجمد الدماء بها وهي تتابع مرتجفة نهوضه البطئ من مكانه، متقدمًا نحوها بثبات. لتزدرد لعابها بصعوبة وهو ينحني عليها، تتقابل نظراته بعينيها دون أدنى تعبير بهما، ووجه قد من حجر، هامساً بصوت جليدي:
"الشقة عندك واسعة.. والمكان اللي يريحك نامي فيه.. تصبحي على خير."
ثم غادر فورًا، تاركًا لها خلفه شاحبة مترنحة، تشعر بالدوار يلفها، وقد تلقت لتو أعنف ضربة لكبريائها الأنثوي، فرده البارد اللامبالي هذا كان أشد إيلامًا وقسوة عليها من إجابته لاتصال طليقته منذ قليل.
***
لم يغمض لها جفن منذ أن تركها تجلس فوق إحدى المقاعد بجسد مرهق وعيون تتساقط دموعها بغزارة تغرق وجنتيها، حتى غلبها الإرهاق والنعاس أخيرًا، تسقط نائمة مكانها دون حراك حتى الصباح.
وبعدما اخترقت تحركات وأصوات قربها غيمة نومها تبددها، لتنهض تتأوه بألم وهي تحاول أن تمسد باناملها عضلات عنقها المتيبسة بشدة. تتأوه بألم، لكن أتى صوته الحازم مناديًا لها من خلفها، فتوقفت حركاتها، تلتفت إليه سريعًا، ليكمل وقد وقف بكامل ملابسه أمامها يمسك بعلاقة مفاتيحه، قائلاً:
"أنا نازل.. وعندك الفطار جاهز في المطبخ."
ثم تحرك متوجهًا ناحية الباب، يكمل بصوته البارد غير المبالي:
"وبعد كده ابقي نامي في أوضة... الأطفال."
تحشرج صوته وتباطأ في كلمته الأخيرة، لكنها لم تنتبه وهي تسرع ناهضة، تجري خلفه تسأله بلهفة وارتباك:
"إنت رايح فين الصبح كده؟!"
التفت لها بوجه خالٍ من التعبير:
"نازل الشغل.. في طلبية هتوصل المخازن ولازم أكون موجود هناك حالا."
انتهت قدرتها على التحمل والتظاهر بالقوة واللامبالاة، تسأله بصوت مرتجف حزين:
"صالح، إحنا اتجوزنا امبارح بس.. مفكرتش شكلي هيبقى إيه لما الناس تشوفك نازل كده الصبح بدري يوم الصباحية؟"
زفر بحدة، هاتفا بنزق وخشونة:
"يقولوا اللي يقولوه، محدش ليه حاجة عندي.. بعدين مش المفروض أقعد جنبك في البيت عشان كلام الناس وأنا ورايا شغل."
أومأت له بوجه شاحب، حاكي وجوه الموتى، تضم جسدها بذراعيها، تتراجع للخلف خطوة، هامسة:
"عندك حق، شغلك برضه أهم.. مع السلامة."
تركته فورًا تهرع من أمامه بعد أن تتعالى شهقات بكائها بصوت كان كغمد سكين في صدره. تلحقها قدماه فورًا ودون لحظة تردد منه بخطوات سريعة، متجاهلاً نداء عقله له ألا يفعل. فقربه منها كالخطر جسيم، يلغي كل ما اتخذه من قرارات ليلة أمس. تمسك يده من خصرها، يلفها له بقوة، ثم يجذبها إلى صدره لتدفن وجهها به، تبكي بشدة وانهيار، يرتج جسدها من عنف شهقاتها.
فتوتر جسده بشدة، يلعن نفسه من بين أنفاسه، يهمس لها بعدها بكلمات مهدئة معتذرة، وأنامله تربت فوق خصلات شعرها بحنان حتى هدأت شهقاتها أخيرًا، ليسألها بخفوت وبصوت أجش وهو يزيد من ضمها إليه:
"أحسن دلوقتي؟"
هزت رأسها بالإيجاب، ووجهها مازال مدفونًا في صدره، وأناملها تتشبث بقميصه من الخلف.
ليحدثها بصوت رقيق هادئ، شعرت معه كأنها طفلة مشاغبة يحاول تهدئتها:
"طيب تعالي اغسلي وشك.. وافطري."
تجمد جسدها مبتعدة عنه بأنف محمر وعيون منتفخة، يتلطخ وجهها بآثار دموعها، تهتف به بغضب وتذمر:
"مش هغسل حاجة.. ومش هفطر.. وبطل تعاملني على إني عيلة صغيرة قدامك."
التوت شفتي صالح، قائلاً بسخرية متهكمًا من نفسه:
"ماهو لو كنت شايفك غير كده كانت أمور كتير اتحلت ما بينا.. أولهم جوازتنا دي."
اتسعت عينيها متألمة، تتطلع إليه مشدوهة، هامسة:
"عندك حق.. ماهو مفيش واحدة كبيرة وعاقلة ترضى بجوازة عارفة من أولها إنها كانت غلط.. حتى أبسط حقوقها فيها محصلتش."
ضغطت شفتيها معًا تمنع ارتعاشتهما، تكمل:
"بس إيه يعني.. ماهي برضه عيلة غلبانة وهتفرح بجوازة وشقة مكنتش تحلم بيهم حتى لو مش ملكها من الأساس."
اتسعت عيناه ذهولاً من إساءتها لفهم كلماته وإشارتها مرة أخرى وتوبيخها الخفي له عن إهماله تغيير غرفة نومهم قبل زواجه بها، كأنه تعمد فعل هذا. يهم ليشرح حقيقة الأمر لها، لكن أتى صوت جرس الباب قاطعًا أي حديث بينهم. ليزفر صالح بنفاذ صبر وحدة، يلتفت ناحية الباب، قائلاً:
"مين اللي هيجي لنا بدري على الصبح كده؟!"
ثم التفت إليها، عينيه تدور فوق ملامحها الحزينة للحظات، قبل أن يتحدث إليها بهدوء:
"ادخلي اغسلي وشك وغيري هدومك على ما أشوف مين.. بلاش حد يشوفك كده."
اللمعت عيناها بالتحدي، ترميه بنفس كلماته منذ قليل:
"اللي يشوف يشوف، محدش ليه حاجة عندي."
كز صالح فوق أسنانه، ينحني عليها قائلاً من بينهم ببطء وتحذير، جعلها تتراجع للخلف عنه، تتسع عينيها بخشية وخوف:
"لو مش عاوزاني أعاملك زي العيلة الصغيرة زي ما بتقولي.. يبقى تنجري تسمعي الكلام وتدخلي الأوضة ومتخرجيش منها إلا لما أندهلك.. فاهمة؟"
أسرعت بهز رأسها بالإيجاب، تفر من أمامه تختفي داخل غرفة النوم في لمح البصر. ليقف هو يتابعها، يهز رأسه بابتسامة صغيرة مرحة حتى اختفت عن أنظاره، ثم ذهب في اتجاه الباب لفتحه. تتسع عينيه بذهول لمرأى أخيه وزوجته يقفان أمامه، قبل أن تدوي من سمر زغرودة طويلة قائلة بفرحة لم تصل لعينيها:
"مبروك يا صالح، مبروك يا خويا."
أفسح لهما صالح الطريق للدخول بوجه متجهم، مرحبًا بهم بجمود. لتسرع سمر قائلة بعد دخولهم وعينيها تدور بحثًا في المكان:
"أومال العروسة فين عشان نبارك لها؟"
أجابها صالح وهو يوجههم لغرفة الاستقبال قائلاً:
"اتفضلوا.. ثواني وجاية حالاً.. ازيك يا حسن، وحشتني يا راجل."
قالها صالح بتهكم، موجهًا الحديث لشقيقه الصامت منذ لحظة دخوله، ليجيبه حسن بضيق قائلاً:
"الحمد لله بخير... مبروك يا صالح."
أسرعت سمر تعتدل في جلستها، قائلة بحزم:
"أنا عارفة إنك زعلان مني أنا وحسن، بس وحياتك عندي يا خويا.. إحنا والله فرحانين لك من قلوبنا.. وربنا يجعلها جوازة الهنا عليك.. ومتطلعش زي اللي قبلها أبداً يارب."
نكزها حسن بمرفقه بقوة، لتشهق، ضاغطة فوق شفتيها بإحراج، تنظر ناحية صالح متظاهرة بالأسف والخجل. لكن تطلع نحوها صالح بهدوء، لكن ظلمة ووحشية عينيه جعلتها تشحب بشدة، تسرع قائلة بمرح مصطنع في محاولة لتدارك الأمر:
"جرى إيه يا خويا، إنت مش هتنده العروسة نسلم عليها ولا إيه؟"
نهض صالح من مقعده قائلاً:
"هقوم أناديها تسلموا عليها عشان عاوز أنزل ورايا شغل."
شهقت سمر مستنكرة بحدة قائلة:
"شغل؟! شغل إيه اللي عاوز تنزله يوم صباحيتك ده؟ إنت عاوز الناس تتكلم ولا إيه؟"
توقف صالح يلتفت ببطء، تتطلع عينيه نحو شقيقه بخيبة أمل وأسف للحظات، فأحنى حسن رأسه حتى كادت تلامس ذقنه صدره من شدة خجله وارتباكه، قبل أن يغادر صالح المكان مسرعًا دون الرد عليها.
لتهتف سمر بحسن بعدها قائلة وابتسامة شامتة فوق شفتيها:
"جدع إنك قلتله إنك تعبان ومش هتنزل الشغل الفترة الجاية."
حسن ونظراته تتبع شقيقه بحزن وتذمر:
"تعبان فين بقى.. وأنا طابب عليه زي القضا المستعجل الصبح كده.. يعني خلاص لازم نطلع لهم في وقت زي ده!"
سمر وهي تنكزه بحدة:
"اسكت إنت مش فاهم حاجة.. ما أنا كان لازم أطلع وأشوف بعنيا عروسة الهنا عملت إيه بعد مكالمة أماني امبارح لأخوك."
حسن بنزق وهو يعتدل جالسًا:
"وده هتعرفيه إزاي بقى؟!"
ابتسمت سمر بخبث هامسة:
"لاا، ما أنا هعرف يعني هعرف.. ويا رب تكون أماني عرفت تطينها صح على دماغهم ليلة امبارح."
***
"إنت مش بترد على تليفوناتى ليه يا عادل من امبارح؟"
زفر عادل بقوة، يرجع للخلف إلى ظهر مقعده قائلاً:
"عشان لو كنت رديت عليكى كنت هقولك كلام مش هيعجبك منى يا ياسمين."
جلست ياسمين في فراشها تصرخ به بعصبية، عاقدة حاجبيها بعبوس:
"ليه.. عشان إيه كل ده.. عشان قلتلك مش عاوزة أسكن في شقة في الحارة؟!"
صرخ عادل بها هو الآخر، عينيه تطلق شرار الغضب:
"لاا، مش عشان كده يا ياسمين.. وإنتِ عارفة كويس إنتِ عملتي إيه."
تنهدت ياسمين، تقلب عينيها بملل قائلة:
"طب خلاص يا سيدي متزعلش.. بس إنت عارف أنا مبحبش حد يقولي لأ على حاجة عاوزاها."
عقد عادل حاجبيه يسألها ببطء وهدوء ما قبل العاصفة:
"يعني إيه بقى كلامك ده مش فاهم؟!"
ياسمين وهي تتطلع إلى أظافرها تهز كتفها بلا مبالاة قائلة:
"يعني أنا متعودتش حد يرفض ليا طلب.. وأظن أنا من حقي أحدد هعيش فين ومع مين يا عادل."
عادل بصوت بارد:
"طيب ولو قلت لأ يا ياسمين مش هعمل اللي طلبتيه.. ولا هسيب بيت أهلي أبدًا؟"
احتقن وجهها من رده البارد عليها، لكنها أجابته بغرور وثقة من يملك الورقة الرابحة:
"يبقى ساعتها أقولك كل شيء قسمة ونصيب.. وتعالى عشان تقعد مع باباه وتنهي كل حاجة معاه."
ساد الصمت من طرفه فترة طويلة، ليدب الخوف في قلبها، تختفي ثقتها وهي تناديه بعدم يقين. ليأتي صوته بعدها قائلاً:
"خلاص يا ياسمين، اللي تشوفيه.. وماشي كلامك."
ارتفعت نظرة غرور في عينيها، تنشق شفتيها ببسمة انتصار، ولكن سرعان ما اختفت فور أن سمعته يكمل ببرودة شديدة وحسم:
"بلغي عم منصور إني جاي بعد المغرب.. وزي ما قولتي كل شيء قسمة ونصيب."
أغلق المكالمة من طرفه بعد حديثه فورًا، فاخذت تتطلع إلى الهاتف بعيون مصدومة وفم مفتوح ذهولاً. فلم تكن تتخيل أن يكون رده عليها حاسمًا وبهذه السرعة. فما قالته لم يكن سوى تهديد فارغ منها في الهواء، لم تريد به سوى الضغط عليه حتى يرضخ لتنفيذ طلبها. ترتجف رعبًا مما هو آتٍ وهي تفكر كيف ستبلغ أباها وصالح بما حدث الآن، فلو قتلوها بعد علمهم بما فعلته وقالت سيكون قليلاً عليها من وجهة نظرهم.
***
دلف إلى داخل الغرفة، تتسمر قدماه حين وجدها تقف أمام المرآة تحاول وضع القليل من الزينة على وجهها، ليهتف بها بحدة:
"إنتي بتعملي إيه... متحطيش أي هباب من ده على وشك."
رمت القلم من يدها بحدة فوق طاولة الزينة، تلتفت له هاتفة بغضب ومازال الإرهاق والاحمرار ظاهر في عينيها:
"يعني عاوزني أطلع لضيوفك بوشي عامل كده؟"
اقترب منها ببطء، وفوق شفتيه ابتسامة أذابتها رغماً عنها، ونظراته المحدقة بها والتي تنبض بالحياة أذابت قلبها، تتقاذف نبضاته بشدة في صدرها حين انحنى عليها يهمس برقة ونعومة أذابت الباقي منها:
"ومالك كده.. ما إنتِ زي القمر أهو."
أغمضت عينيها ترتجف بقوة وهي تشعر بشفتيه تلامس وجنتيها برقة، ثم يعتدل ببطء، عينيه تتطلع في عينيها بشغف لم يستطع السيطرة عليه، هامساً:
"ده يمكن حتى إنتِ أحلى منه كمان."
شعرت كأنها تمسك النجوم وتطفو فوق غيمة وردية صنعتها كلماته لها، لكن سرعان ما اختفت بعد أن نهرت نفسها لسقوطها تحت تأثير سحره عليها، يحل بدلاً عنها أخرى عاصفة محملة بالصواعق.
فقد سئمت تلاعبه بها وتقلبّه الدائم معها من البارد إلى الساخن والعكس، لذا دفعت بكفيها في صدره تدفعه بقسوة تبعده عنها، هاتفة بغضب وعصبية:
"طب ابعد كده عشان أنا خلاص قربت أجيب آخري."
تحركت ناحية الباب بخطوات غاضبة، لكن أوقفها صوت المتسائل بجدية رغم الابتسامة على شفتيه:
"وإيه هو آخرك بالظبط يا فرح؟"
أجابته بهدوء دون أن تلتفت له ويدها فوق مقبض الباب تمسكه بقوة:
"صدقني، أنا نفسي مش عارفاه.. بس متأكدة إنه لو حصل ساعتها مش هيعجبك ولا هيعجبني."
***
جلس أنور ومعه ثلاثة من الرجال مفتولي العضلات في إحدى المقاهي، يهتف بهم بتحذير وحدة:
"عاوز ضرب موت، مش عاوز في جسمه حتة سليمة. ولو ممكن كمان خبطة مطوة تجيب أجله يبقى حلو أوي."
هز إحدى الرجال رأسه برفض قائلاً بصوت أجش غليظ:
"لاا يا معلم، ضرب المطاوي ده ملناش فيه.. عاوزة علقة موت ماشي، لكن نزف دمنا لأ."
أنور بغلظة هو الآخر ووجه مستنكر:
"لاا راجل ياض.. ده على أساس دمه اللي هيسيح من الضرب ميبقاش تنزيف؟!"
نفخ من أنفه بغيظ وإحباط، يكمل بعدها موافقًا على مضض:
"ضرب ضرب.. المهم يتعجن فيها وعلى الأقل يقعد فيها سنة في الفرشة مدغدغ.. مين عارف مش يمكن يخلص في أيديكم وتبقى جت من عند ربنا."
همهم الرجال له بالموافقة، ليدخل أنور يده داخل جيب بنطاله، يخرج منه رزمة من الأوراق المالية، يدفعها ناحيتهم، اختطفوها منه بعيون جشعة وأيادي متلهفة. فيهتف لهم بحزم:
"مش بوصيكم، عاوزة علقة موت.. مش عاوز أمه نفسها تعرفه من كتر الضرب اللي هياخده."
اللمعت عيناه بالغل، يكمل هامسًا بحقد وغيرة تأكله:
"وتبقى تفرح بنت الـ**** بجوازة الهنا وعريس الغفلة وهو راجع لها مفيش في جسمه حتة سليمة."
رواية ظلمها عشقا الفصل التاسع 9 - بقلم فرح صالح
خرجت يتبعها هو الآخر في اتجاه غرفة الاستقبال.
لتنهض سمر فور رؤيتها تهتف بترحاب وابتسامة سعيدة مبالغ فيها فوق شفتيها:
"أهلاً بالعروسة القمر... مبروك يا فرح، ألف مبروك يا حبيبتي."
همست لها فرح بالشكر، تتقبل منها قبلاتها على وجنتيها، قبل أن تمد يدها إلى حسن بالمصافحة وهي تتلقى منه تهنئة مرتبكة.
يعاودا الجلوس مرة أخرى، فتسألهم فرح بحرج وتلعثم:
"تحبوا تشربوا إيه؟"
أسرعت سمر تهتف بلهفة، تقاطع رد حسن الرافض قائلة:
"أي حاجة من إيدك يا حبيبتي تبقى حلوة."
هزت فرح رأسها مغادرة إلى المطبخ.
لتهتف سمر من ورائها، تنهض عن مقعدها للحاق بها:
"استني، أجي معاكي عشان أساعد..."
أوقفها صالح بحزم، يشير لها بالجلوس مرة أخرى، قائلاً باقتضاب:
"خليكي إنتي يا سمر، متتعبيش نفسك... أنا هروح أساعدها."
جلست سمر مكانها بإحباط، تتطلع له تلوّي شفتيها بغل بعد مغادرته، وهي تتحدث إلى حسن الجالس على جمر من شدة إحراجه:
"أخوك عاوز يروح يساعدها... شفت العز والهنا اللي فيه بنت لبيبة."
اقترب منها حسن هامساً بارتباك وإحراج:
"قومي يا سمر بينا نمشي، شكلنا بقى زفت، متزودهاش أكتر من كده."
نكزته بقوة، تهتف به بحدة من بين أسنانها:
"اقعد مكانك، متتحركش... استنى نشوف عرسان الهنا عاملين إيه مع بعض، يمكن ناري تهدى شوية."
في أثناء ذلك، كانت فرح تقف في المطبخ تنظر حولها بارتباك وتخبط.
ليقترب منها صالح مشيراً ناحية الخزانة، قائلاً بهدوء:
"الكاسات موجودة عندك في الضلفة دي... والعصاير في التلاجة... ولو عاوزة تعملي شاي..."
أخذ يشير لها على أماكن الأشياء، تتبعه هي إشاراته بارتباك وتوتر.
قبل أن تتحرك ناحية إحدى الخزائن، تفتحها، تتطلع بداخلها بتركيز، ثم وقفت على أطراف أصابعها حتى تستطيع أن تطال الأشياء بداخلها، لكنها فشلت.
لتزفر بإحباط.
أتبعها شهقة فزع حين شعرت به خلفها ملتصقاً بها، هامساً في أذنها بنعومة شديدة:
"تحبي أشيلك أرفعك عشان تعرفي تطولي الرف؟"
أغمضت عينيها، تهز رأسها بقوة رافضة.
فيتنهد أسفاً قائلاً:
"خسارة... من زمان معملتهاش وقولت يمكن يعني..."
قطع كلماته حين التفتت إليه بحدة، تدفعه بقوة قائلة برفض ووجه ممتعض:
"شكراً... قولت مش عاوزة."
تراجع للخلف، يرفع بكفيه أمامه بحماية وقلق مصطنع، قائلاً بصوت ممازح:
"خلاص آسف... وهسكت واقف أتفرج وأنا مؤدب خالص أهو."
اقتربت منه تفح من بين أسنانها غيظاً، خشية أن يسمعها ضيوفهم بالخارج:
"هتقف تتفرج على إيه؟! إيه مش هعرف أعمل عصير لضيوفك... اتفضل اخرج اقعد معاهم... مش عاوزة حد معايا هنا."
اتسعت بسمته وعيناه تلتمعان بشدة، وهو يمرر نظراته فوقها ببطء شديد.
استقبلته هي ببرود مصطنع، قبل أن يهز رأسه موافقاً، يتحرك من مكانه مغادراً.
لتزفر براحة، تلتقط أنفاسها بعد خروجه، تتطلع إلى الخزانة مرة أخرى باهتمام وتركيز.
خرجت بعد حين تحمل صينية التقديم وفوقها الكؤوس.
فليسارع واقفاً يحملها من بين يديها، قائلاً بتلقائية وبصوت حنون:
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
رقص قلبها بسعادة من تأثير كلمته، والتي شعرت بها نابعة من قلبه، وهي تخرج منه بين شفتيه بتلك العفوية.
تمر الزيارة بعد ذلك سريعاً، بعد عدة محاولات من زوجة أخيه لفتح عدة مواضيع للحديث، أغلقها صالح بحزم.
لتنهض بعصبية، يتبعها حسن زوجها.
بعد مرور عدة دقائق مرت على فرح عصيبة، وهي تحاول رسم ابتسامة سعيدة فرحة فوق شفتيها.
تنهض معهم لتودعهم حتى باب الخروج، بعد أن أعلن صالح عن خروجه معهم هو الآخر.
يلتفت لها تحت مراقبة وعيون سمر الحاقدة، يضع كفه خلف رأسها يجذبها إليه.
تحدق به بذهول، وهو ينحني على جبهتها يقبلها برقة، يودعها.
يتطلع إلى عينيها بحنان، بعدها قائلاً:
"سلام يا فرح... خلي بالك من نفسك، ولو احتاجتي حاجة كلميني... وأنا إن شاء الله هرجع على ميعاد الغدا عشان نتغدى سوا."
هزت رأسها موافقة، وهي ما تزال متسعة العيون، لكن هذه المرة بفرحة وسعادة رغماً عنها.
فيبتسم لها برقة وحنان قبل أن يغادر.
تغلق خلفه الباب، تستند عليه بأنفاس متلاحقة سريعة، هامسة:
"هتجننيني معاك يابن انصاف... وهاجي في مرة وقلبي هيوقف من لعبك بيا وعمايلك دي معايا."
***
أنهت محدثتها، تلقي بالهاتف، ثم أخذت سمر تجوب أرض المكان، وهي تفرك كفيها بغل وغضب، صارخة في زوجها الممسك بهاتفه، يتطلع إليه غير مبالٍ بثورة غضبها، وهي تهتف:
"عجبك أخوك وقلة ذوقه؟ إيه خايف على ست الحسن مننا أحسن هناكلها."
دمدم حسن بصوت هامس متذمر:
"أهي هتيجي على دماغي زي كل مرة... وهتطلع غلها عليا."
لم تنتبه له سمر، تكمل والغيرة تتأكلها:
"ولا شوفت وهو بيبوسها إدمنا ولا كأننا واقفين... إلا عمري ما شفته عملها مع أماني... هي البت هبلته ولا إيه... قال وأنا اللي طالعة أشوف مكالمة أماني نيلت إيه معاهم ليلة امبارح."
التوت شفتي حسن بسخرية، يتراجع للخلف في مقعده، قائلاً:
"واضح إنها ولا كان ليها أي تأثير... إنتي مش شفتي كانوا عاملين إزاي إدمنا!"
التفتت إليه تتسع عيناها، تحدق به كما المجنونة، تضغط شفتيها غيظاً.
فيسرع لإصلاح كلماته، قائلاً باضطراب وقلق:
"بس لو إنتي شايفة حاجة تانية غير كده... أنا معنديش مانع."
تجاهلته، تجلس فوق المقعد، عاقدة بين حاجبيها بتفكير للحظات، قائلة بعدها:
"لأ بس سيبك من اللي كان إدمنا واللي قلته دلوقتي لأماني... البت فرح شكلها مش مظبوط، كأنها معيطة، وقلبي بيقولي إن مكالمة أماني قامت معاهم بالواجب امبارح."
توترت ملامح حسن، هامساً بارتباك خشية منها ومن رد فعلها على ما سيقوله:
"بقولك إيه يا سمر... ما خلينا في حالنا... وهما في حالهم ونسيب الدنيا وزي ما تيجي تيجي."
تطلعت ناحيته بشراسة، وقد تملكتها الغيرة يعميها حقدها، تصرخ به:
"آه عاوزاني أقعد وأحط إيدي على خدي زي جنابك ما بتقول وأسيب أخوك يتجوز ويتهنى وكل حاجة تضيع مننا ياسى حسن... تصدق أنا غلطانة أصلاً إني بفكر فيك وفي مصلحتك."
هتف بها هو الآخر بعصبية، وقد تملك منه الغضب لإصرارها الغريب هذا على تخريب حياة شقيقه:
"مصلحة إيه اللي بتتكلمي عنها بس... في الأول والآخر صالح ليه حق زيه زيي في ورث أبويا سوا خلف ولا مخلفش!"
حدقت سمر به ذهولاً، فلأول مرة ترى منه هذا الجانب واندفاعه الغاضب دافعاً عن شقيقه، لذا أسرعت لتدير الدفة للجانب الآخر، والذي نادراً ما يخطئ معه.
تبتسم له بحب، وهي تخاطبه بهوادة ولطف، كما لو كان طفلاً صغيراً:
"يا حسن يا حبيبي افهمني... أنا بعمل كل ده عشانك إنت و عشان بحبك وعاوزاك أحسن راجل في الدنيا... أخوك لو عدت السنة دي عليه من غير علاج زي ما الدكتور فهمنا، انسى إنه يخلف ولا يبقى ليه وريث، يعني كل حاجة عنده بعد عمرين طوال هتبقى ليك ولولادنا."
تنهد حسن، يظهر على وجهه الرفض وعدم اقتناعه بحديثها.
لتسرع بالنهوض من مكانها، تجلس بجواره، مقتربة منه ببطء بحركات مثيرة لعوب، تعلم تأثيرها جيداً عليه، قائلة بصوت مغرٍ:
"يعني يا قلب سمر وعيونها من جوا، تهدي كده ونفكر مع بعض هنعمل إيه في اللي جاي سوا."
ازدرد حسن لعابه بصعوبة، وعيناه معلقتان فوق شفتيها، وقد مرت طرف لسانها فوقها ببطء.
قائلاً بصوت متحشرج:
"بس صالح..."
وضعت سبابتها فوق شفتيه، تنهي الباقي من كلماته، هامسة ببطء واقناع:
"هو إحنا هنعمل فيه حاجة لقدر الله... ده إحنا هنشيله في عنينا وولادنا هيبقوا ولاده... ولا إيه يا حبيبي!"
هز حسن رأسه لها موافقاً، كالمغيب، وهو لا يدري عن أي شيء أتت موافقته تلك.
لتبتسم سمر بانتصار، هامسة له بهدوء مؤكدة عليه:
"يبقى تسيب مراتك حبيبتك تلعبها صح... وهو شهر واحد بس وهتلاقي فرح خارجة هي كمان من هنا بتعيط جنب أختها أماني."
***
وقف يتابع سير العمل بعيون شاردة وعقل مغيب، لا يشغله تفكيره سوى ضحكتها ولمعة عينيها الذائب عشقاً بهما.
ترتفع زاوية شفتيه بابتسامة صغيرة حين تذكر عينيها المتسعتين ذهولاً حين انحنى عليها يقبل جبينها برقة، يحدثها بعدها، غير عابئ بنظرات شقيقه ولا زوجته المراقبة له.
لا يهتم بشيء سواها... وقد صدرت عنه حركته تلك كبادرة اعتذار منه لها.
فليس من ذنب ما يحدث معه من تذبذب في مشاعره، تقلبه من الساخن إلى البارد في تعامله معها، يؤلمه رؤيته تعاسة ودموع عينيها، كما يؤلمه أكثر أن يكون هو المسؤول عن تلك الدموع.
لكن ما بيده حيلة، فهو لا يستطيع إطلاق العنان لمشاعره، سامحاً لها بالتحرر من قيدها، فتكون كسيف مسلط إلى عنقه.
حين تعلم بما يخفيه عنها، يخاف بل يرتعب من ردة فعلها عند معرفتها بحقيقة تجاهله قلبه عمداً، حين خشى خسارتها مرة أخرى أو أن تصبح لغيره يوماً.
يعلم بأنانية فعله، ولكن أليس كل عاشق بأنانٍ، وهو عاشق لها حتى النخاع، وسيظل دائماً وأبداً يهواها بكل جوارحه.
تنهد بحرارة، يرفع سيجارته إلى شفتيه، ينفث بها عن نيران صدره، لكن توقفت حركته في منتصف طريقها، عاقداً حاجبيه بشدة، مراقباً وقد توقفت سيارة أمام المحل مباشرة.
يخرج منها خمسة أشخاص مفتولي العضلات، ويرتسم على وجوهم الشر والإجرام.
يقترب أحدهم من إحدى العمال لديه يسأله شيئاً، أشار بعدها العامل ناحيته.
ليعتدل في وقفته منتبهاً، وهو يرى اقترابهم منه.
يسأله أحدهم بصوت جهوري خشن:
"إنت صالح الرفاعي؟!"
هز صالح رأسه له بالإيجاب، يجيبه بصوت هادئ.
ليقترب منه هذا الشخص، يهتف بغلظة:
"عندي ليك رسالة من حد عزيز وبيحبك... بيقولك مبروك عليك جوازة الهنا يا عريس... وده بقى نقطة ليك."
وفجأة اندفع هذا الشخص بجسده الهائل، رافعاً قبضته مزمجراً ناحية صالح، والذي أدرك نيته فوراً.
ليسارع بتخطي ضربته مائلاً إلى الجانب الآخر، مبتعداً عن قبضة هذا الضخم.
والذي أسرع، وهو وشخص آخر، بتطويقه من الجانبين، ثم يأتي ثالثهم من أمامه ويقوم بلكمه في معدته بقوة وعنف.
تأوه لها صالح بشدة، لكن لم يمهله الرجل الوقت، وهو يعاجله بضربة تلو الأخرى.
يسود المكان حالة من الهرج والمرج، وقد حاول العاملون لدى صالح التدخل.
لكن قام الباقي من الرجال بإشهار أسلحة بيضاء في وجوههم لمنعهم من ذلك.
وفي تلك الأثناء، كان صالح حاول الفكاك من قبضة المعتدين عليه، ليرتكز بمرفقيه على الرجلين المطوقين له من الجانب، رافعاً قدميه معاً ويدفعهم بعنف في صدر من يقوم بضربه من الأمام، فيسقط مرتطماً بالأرض بعنف.
ثم يلتفت إلى الشخص على يمينه، ناطحاً له برأسه بضربة عنيفة، تراجع لها هذا الشخص للخلف هو الآخر، تنحل قبضته من حول ذراع صالح الممسك به.
ثم يلتفت إلى الآخر، يعاجله بلكمة قوية.
تدور بينهم معركة طاحنة، تدخل بها الجميع، تتطاير معها ألواح الخشب والكراسي.
وقد تجمع العديد من أهل الحارة في محاولة لمساندة صالح، والتي صارت الأمور لصالحه.
حتى عاجله أحد البلطجية بضربة من سيف عملاق ممسك به، حاول صالح إيقافها قبل أن تصل لرأسه، معترضاً طريقها بساعده.
ليشق نصل السيف طريقه في لحمه بضربة قاسية، صرخ لها صالح متألماً، تنبثق الدم منه بغزارة.
ثم عاجله بضربة أخرى في أسفل ساقه، سقط لها صالح أرضاً.
فيهرع أهل الحارة ناحيته في محاولة لإنقاذه، استغلها الآخرون وهرعوا من المكان فوراً هاربين.
***
"إنتي اتجننتي ولا إيه حكايتك بالظبط يابت إنتي!"
صرخت بها سماح بحدة وعنف في شقيقتها الباكية، تتنهمر دموعها فوق وجنتيها وملامحها الحزينة.
لكن لم يوقف هذا سماح، بل أكملت بغضب:
"بقى في واحدة عاقلة تقول لجوزها كده ليلة دخلتهم!"
رفعت فرح وجهها البائس بعينيها الحمراء وأنفها المتورم من أثر بكائها، تهتف هي الأخرى بصوت مرير محطم:
"كنتي عاوزاني أعمل إيه بعد ما أسمعه بودني وهو بيكلمها بحنينة ويقولها معلش متزعليش... ولما أعرف إنه حتى مهنش عليه يغير أوضة النوم... هاا كنتي عاوزاني أعمل إيه ردي عليا."
صرخت بكلماتها الأخيرة بانهيار وألم، جعل قلب سماح يرق لها.
لتجذبها إلى صدرها، تحتضنها بحنان، قائلة برفق:
"لو أنا مكانك... كنت هكلمه وأسأله وأعرف منه كل حاجة... مش أروح أرمي دبشة أطربق بيها الليلة على دماغي ودماغه."
فرح بصوت مختنق تقاطعه شهقات بكائها:
"مقدرتش يا سماح... نار وقادت في قلبي لما سمعته بيكلمها... أنا بموت يا سماح... ياريت كان فضل حلم بعيد ولأني أعيش معاه وهو قلبه مع غيري."
انهارت تبكي شاهقة بحرقة، يهتز جسدها كله بين أحضان شقيقتها.
لتتنهد سماح، قائلة بصوت متعقل هادئ، حاولت به تهدئتها:
"يابت بطلي عبط... وهو لو قلبه معاها كان طلقها من الأول ليه... ولو عاوز يرجعها ما كان قدامه بدل الفرصة عشرة... وبعدين ليه متقوليش إنه اضطر يرد عليها!"
رفعت فرح رأسها ببطء، تمسح دموعها بكفيها، تتطلع إلى شقيقتها، تنصت للباقي من حديثها باهتمام، تتطلع إليها بأمل يهفو له قلبها.
لتهز سماح رأسها بتأكيد، تكمل:
"أيوه صدقيني... وهو لما لقى واحدة رخمة بترن عليه في وقت زي ده، أكيد قلق ورد عليها عشان يعرف عاوزة إيه... وطبعاً زمانها عملت الشويتين بتوعها خلتها تصعب عليه وكده... عادي يعني يا فرح."
تلمعت عيني فرح بإشراقة أملها، تتوقف دموعها فوراً.
لكن سرعان ما غيمت سحابة من الحزن عليهم مرة أخرى، تسألها بخفوت:
"طب وأوضة النوم... صعبت عليه يغيرها هي كمان؟!"
مدت سماح طرف إصبعها تزيح الباقي من دموعها، قائلة بحزم تغلفه الرقة:
"فرح... افتكري جوزكم تم إزاي وفي وقت قد إيه... ده حتى إحنا نفسنا ملحقناش نجيبلك كام هدوم تدخلي بيهم... عاوزاه هو يغير أوضة نوم في يوم وليلة!"
ابتسمت في وجهها، تربت فوق كفها، تكمل بحنان:
"استهدي بالله يا فرح... ومتخربيش على نفسك وفكري قبل ما تتكلمي وبلاش شغل الدبش بتاعك اللي هيوديكِ في داهية ده."
تلمعت عيني فرح، تنطق بعشقه الذائب قلبها به قبل لسانها، هامسة:
"بحبه يا سماح... بحبه... وهو مش راسي معايا على حال، شوية يرفعني لسابع سما وشوية يرميني لسابع أرض، لما هيجنني معاه."
تنهدت سماح، تهز رأسها صامتة للحظات، قبل أن تسألها بهدوء:
"طيب كمليلي بقى عملتي إيه بعد ما سابك بعدها...!"
تنهدت فرح بحزن، تقص عليها ما حدث بعدها، تستمع إليها سماح بعيون متسعة متحمسة، وبابتسامة بلهاء تزين ثغرها، حتى أتت على ذكر خروجها لاستقبال شقيقه وزوجته.
لتلتوي شفتي سماح بامتعاض:
"أنا عمري ما حبيت اللي اسمها سمر دي ولا برتاح لها."
أومأت لها فرح هي الأخرى برأسها، مؤكدة على كلماتها، قائلة بنفور:
"ولا أنا كمان بحبها ولا برتاح لها، فاكرة كانت بتعمل إيه معانا لما كنا بنيجي هنا مع أمك...!"
هزت سماح رأسها بالإيجاب، تهتف بعدها بحدة وجسد متحفز:
"أوعي تكون كلمتك وحش ولا عملت معاكي حاجة ضايقتك بنت ال*** دي؟"
فرح بابتسامة ونظرة عاشقة فخورة:
"وهي تقدر وصالح واقف... ده مخلهاش عارفة تفتح بوقها بكلمة طول القاعدة لحد ما قامت هي وجوزها وهو كمان نزل معاهم على طول بعدها."
أحنت رأسها هامسة بخجل وارتباك:
"بس باس راسي قدامهم قبل ما يمشي وقالي إنه هيرجع على الغدا عشان نتغدى سوا."
ضحكت سماح بفرحة وسعادة، تنكزها ممازحة:
"طيب عاوزة إيه أبقى... زما الراجل بيصالحك أهو."
ابتسمت فرح بسعادة خجلة، شاردة لوهلة، قبل أن تهتف بنبرة مستنكرة:
"ده بيعمل كده ياختي عشان كانوا واقفين... هو في عريس ينزل يوم صباحيته...!"
صرخت سماح بنفاذ صبر، تنهض من مكانها، صارخة باستياء:
"لأأأ ده إنتي مليكيش حل، أنا هقوم قبل ما يجرالي حاجة بسببك... الله يكون في عونه صالح."
أمسكتها فرح بلهفة، توقفها، قائلة برجاء:
"خليكي معايا شوية متسبنيش لوحدي... لحد ما صالح يرجع ونتغدى سوا."
هزت سماح رأسها رافضة، تنهض وتنهضها معها، قائلة:
"لأ كفاية عليكي كده... أنا هنزل عشان ألحق الشغل وهبقى أجيب مرات خالك والعيال ونيجيلك تاني."
تحركوا معاً ناحية الباب الخارجي، قبل أن تتوقف سماح، غامزة بمرح خبيث:
"وابقي جربي تلبسي القميص اللي جباه معايا النهاردة يمكن عقدتكم تتفك... واعقلي يا أم مخ صغير وافرحي وفرحي جوزك."
حضنتها فرح بقوة وحب، بادلتها إياه سماح هي الأخرى، قبل أن تمد يدها تفتح الباب، تهم بالخروج.
لكن سمعتهما مكانهما صرخات الحاجة إنصاف، تأتي من ناحية الدرج، وهي تصرخ بلوعة وخوف:
"ابني... ياحسن... الحق أخوك ياحسن هيموتوه ولاد الكلب."
قفز قلب فرح ذعراً داخل صدرها، حين أدركت من المعنى بصراخها، تندفع فوراً من الباب، تتخبط بخطواتها على الدرج، وهي تهرول فوقه إلى أسفل، تتبعها سماح وإنصاف.
وفي لمح البصر كانت بالخارج، تتجه قدماها كالمغيبة ناحية محل عمله، لتتوقف مصدومة، ترتعش رعباً، حين طالعها المشهد من حولها.
فقد جلس صالح أرضاً، مغمض عينيه بقوة من شدة الألم، يشعر كما لو قد شقت ساقه وساعده لنصفين، يتفصد جبينه عرقاً.
حين ساعدوه الأهالي على النهوض حتى يتوجهوا به إلى المشفى، لا يفهم من الحديث الدائر بينهم شيئاً، فقد كان مغيباً عنه من شدة الألم.
حتى شقت صرختها الملتاعة الهاتفة باسمه وصرخات والدته الحارة.
فتعيد له الانتباه، يتوقف مكانه، ملتفتاً خلفه ببطء، فيراها تهرع إليه بملابس المنزل، ولا يغطي شعرها شيئاً، وخلفها والدته وسماح بملابس المنزل.
ليهتف بها بحدة رغم الضعف والألم بصوته، مشيراً لها بيده:
"ارجعي على البيت... امشي اطلعي على فوق حالا."
تسمرت مكانها من الحدة في أمره، وعيناها تتطلع إليه برجاء أن يدعها تطمئن عليه.
بينما تهتف والدته بجزع، وهي تهرع له باكية بحرقة وعيونها فوق جروحه بصدمة، تحتضنه بشدة.
ليطمئنها بصوت حنون هادئ، ثم يلتفت إليها يبتسم بضعف لها، يطمئنها هي الأخرى بصوت ثقيل مرتجف.
وقد وقفت تبكي بانهيار أمامه، قبل أن يطلب منها العودة إلى المنزل مرة أخرى بحزم، وعيناه تدور فوقها.
ولكن حين وجدها ما تزال تتطلع إليه وهي على حالتها من الصدمة والانهيار، التفت إلى سماح الواقفة خلفها مصدومة هي الأخرى، يهتف بها:
"خُديهم يا سماح واطلعوا... أنا كويس مفيش فيا حاجة... اطلعوا بلاش وقفة الشارع دي."
هزت سماح رأسها، تمسك بفرح المنهارة من البكاء، وعينيها معلقة عليه، تحاول إعادتها معها إلى المنزل.
لكن شهقت فرح بالبكاء بحرقة، وهي تناديه مرة أخرى بتضرع وخوف.
فحاول رسم ابتسامة أخرى ضعيفة، هامساً لها بطمأنينة وعيناه ترق في نظراتها لها:
"اطلعي يا فرح معاها، أنا كويس متقلقيش... وكلها دقايق وهكون هنا... اطلعي يلا واسمعي الكلام."
أنهى حديثه، يرفض رافضاً قاطعاً توسل والدته بالذهاب معه.
ثم يدخل بعدها بصعوبة إلى السيارة التي أحضرها أحد الأهالي لنقله للمشفى.
تتابعه هي، تنهمر من عينيها الدموع بغزارة، وقد سحق قلبها الهلع عليه.
تسيطر عليها حالة من اللاوعي والصدمة، فلم تقاوم سماح وهي توجهها ناحية المنزل، تسير معها بجسد غادرته الروح، بعد أن هرعت خلفه، ولن ترد لها إلا بعودته إليها سليماً.
***
مر عليهم الوقت كأنه دهراً كاملاً، حتى حانت أخيراً لحظة عودته من المشفى في وقت متأخر من الليلة.
يصحبه والده وعادل وشقيقه حسن، بعد أن هرعوا خلفه فور علمهم بما حدث.
وها هي تجلس بجواره فوق الفراش، بعد ذهاب الجميع لتركه حتى يخلد للراحة.
بعد سقوطه فوراً في النوم، رغماً عنه من تأثير الأدوية المسكنة لجراحه، قبل حتى مغادرتهم.
أما هي، فلم تستطع النوم، تظل في مكانها مراقبة له بقلق، خوفاً أن يحدث له شيء أثناء نومها، برغم طمأنة الجميع لها بأن إصابته لم تكن بتلك الخطورة الظاهرة بها.
لكنها لم تستمع سوى لحديث قلبها، تظل جواره حتى تطمئن من سلامته بنفسها.
تمرر أناملها بنعومة في خصلات شعره، تنحني ببطء عليه، تقبل جبهته بنعومة، هامسة بارتجاف تخنقها عبراتها:
"بقى كده يا صالح تعمل فيا كده وترعبني عليك... إن شاء الله كنت أنا ولا إني أشوفك كده قدامي... ويا رب ما يتوجع قلبي عليك أبداً."
نزلت بشفتيها تلثم وجنته برقة، تهطل دموعها فوقها رغماً عنها.
فتمد يدها ببطء حتى تزيحها برفق ورقة، لكن شهقت بذهول حين قبضت أصابع يده السليمة فوقها، يجذبها إلى شفتيه، يضغطها فوقهم بقوة، يقبلها.
ثم يفتح عينيه ببطء، هامساً بتحشرج والرقة في ملامحه:
"بعد الشر عليكي... وعلى قلبك."
ارتجفت بتوتر، تحاول الابتعاد عنه بارتباك، وقد اشتعلت وجنتيها خجلاً وحرجاً.
لكنه أسرع يوقفها، بدس كفه خلف رأسها، تمسك بخصلات شعرها، يجذبها إليه دون أن يمهلها الفرصة لاعتراض.
يقبلها بلهفة ونفاذ صبر، فلا تستطيع أن تقاومه، تسلم له بجميع حواسها للحظات مرت كالنعيم عليهم.
حتى ابتعدا أخيراً ببطء عن بعضهما بأنفاس ثقيلة حادة.
يحدق بها بعيون مظلمة من شدة عصف المشاعر به، زافراً بعمق، وهو يلف ذراعه السليمة حولها، يجذبها لصدره، يضمها إليه، هامساً برجاء مرتجف:
"خليكي جنبي يا فرح... خليكي في حضني عشان خاطري الليلة ومتسبنيش."
هزها طلبه بشدة، وصوته يتسلل إلى كيانها، يزيح أي اعتراض لديها.
لتضم جسدها إليه، ترفع وجهها نحوه مبتسمة بخجل، تهز رأسها له ببطء موافقة.
ليزيد من ضمها إليه، يغمض عينيه براحة واسترخاء، كمن وجد سكينته في قربه منها.
يستسلم مرة أخرى للنوم، استسلمت له هي الأخرى بعد لحظات قضتها في تأمله والتشبع من إحساسها بوجودها بين ذراعيه.
***
في المحل الخاص بأنور ظاظا، أمسك هاتفه متحدثاً بصوت حاول السيطرة عليه، هامساً بقلق وتوجس:
"يعني إيه مش إنتوا... أومال مين اللي عمل كده؟!"
صرخ هذه المرة بشدة، غير عابئ أن يصل صوت للأهالي بالخارج:
"إنت مش قلت هتنفذ النهاردة... بقى مين دول لو مش تبعكم!"
أغمض عينيه بنفاذ صبر، قائلاً بعصبية:
"متعرفش مين... طيب متقدرش تعرف لي مين اللي عملها؟"
هتف بنفاذ صبر واستهجان:
"لأ برضو... طب اقفل... اقفل بدل ما أطلع قرفي عليك."
أغلق الهاتف، عاقداً حاجبيه بتفكير وتوتر:
"لما مش هما اللي عملوها... أومال مين... مليجي مثلا!"
أصدر من فمه صوت يدل على النفي، يكمل بتأكيد:
"لأأ مليجي ملوش غير في ضرب النسوان... مهما كان اللي عملها في ده قلبه ميت ومغلول أوي من صالح، وأنا بقى مش هرتاح إلا لما أعرف هو مين...!"
رواية ظلمها عشقا الفصل العاشر 10 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ العاشر ♡
مد يده يتلمس المكان بجواره مفتقداً دفء جسدها والذى ظل يحيط بجسده طيلة ليلتين قضاهم كأنه فى النعيم لم تدخر هى خلالهم جهداً او طاقة لاهتمام والعناية به استغلها هو احسن استغلال مستمتعا بوجودها وقربها منه يدمن كافة تفاصيلها حتى نوبات غضبها اصبح لها عاشقاً.
يتحين الفرصة لاثارتها وهو يتدلل عليها كطفل صغير مزعج وعلى وجهه أبتسامة تزين ثغره يتلذذ برؤيتها وهى تستشيط منه غضبا تكاد تضرب الارض بقدميها حنقا لكنها تسرع بالسيطرة على نفسها ببسمة مغتصبة على شفتيها ثم تقوم بعدها على الفور بتنفيذ طلبه
ابتسم بنعومة ينهض ببطء عن الفراش يسير ناحية الباب بخطوات ثقيلة تعيقها اصابته لكنه اصبح افضل كثيرا عن ذى قبل وقد تحسنت حالته شيئا فشيئا.
تحرك فى ارجاء الشقة باحثاً عنها بعينه المتلهفة والمشتاقة لها حتى وجدها اخيرا تمسك بقطعة من القماش بيدها تمررها فوق قطع الخشب بهمة ونشاط وهى تدندن لحن غنائى غافلة عن وقوفه مراقبا لها مستغلاً انشغالها عنه لمراقبتها والتأمل فى حركة جسدها اثناء تحركاتها المحمومة فى العمل عينيه تشتعل فوقها وهو يراها تحاول الوقوف فوق اطراف اصابع قدميها حتى تطال المرآة لتنظيفها فينحصر عنها ثوبها كاشفا عن ساقيها حتى فوق ركبتيها فسقط على الفور اسيرا لها تقوده قدميه دون ارادة منه يتحرك نحوها بخطواته البطيئة حتى اصبح خلفها تماما..
فينحنى عليها هامسا فى اذنيها وانفاسه تداعب بشرتها بنعومة فى حركة اصبح يعشقها
:بقى كده تقومى وتسبينى نايم لوحدى ..احنا متفقناش على كده.
شهقت بفزع تلتفت له وهى تمسك بصدر ثوبها تدفعه للامام والتفل بداخله عدة مرات فى حركة تدل على شدة اجفالها قائلة بلهاث
:اخص عليك يا صالح ... فى حد يخض حد كده؟
غمز لها وعينيه تلتهمها بنظراتها قائلا بخفوت عابث
:سلامتك من الخضة يا بطة .. بس برضه انا زعلان منك علشان سيبانى لوحدى.
اخفضت عينيها بعيدا عن نظراته تتورد وجنتيها قائلة بتلعثم والارتباك
:انا قولت اقوم اوضب الشقة واجهزلك الغدا علشان تتغدى على طول اول ما تصحى.
هز رأسه لها موافقا يسألها ببطء وبنبرة عادية امنة
:طيب يا ترى خلصتى ولا لسه ادامك كتير ؟؟
رفعت وجهها اليه بسرعة وتلهف تشير بيديها ناحية المرآة خلفها قائلة
:اه خلصت .. لسه بس أدامى المراية دى .. وحالا اجهزلك الغدا.
ابتعد عنها خطوة للخلف يلقى بنظرة اخرى متأملة لساقيها قائلا ببطء وصوت مغوي
:خلاص يبقى ارفعك واشيلك علشان تعرفى تطوليها وتخلصى منها بسرعة .
تسارعت انفاسها تشتعل وجنتيها من شدة خجلها وتأثير نظراته عليها تجيبه بسرعة تناديه معاتبة بصوت لهاث
:صااالح .. علشان خاطرى .. بطل كل ما تكلمنى تقولى اشيلك دى انا مش عيلة .. وبعدين انا اصلا ثوانى وهخلص .
ضغط شفتيه معا يهز رأسه بخيبة امل وأسف مصطنعين قبل ان يقترب منها بغتة لتشهق مرة اخرى وهو يلف خصرها بذراعه يجذبها له ثم ينحنى عليها يعض وجنتها برفق هامسا بصوت اجش مثير
:لااا ماانا مش هقدر استنى كتير على الغدا وبقول اكلك انتى بقى ونخلص..
ودون ان يمهلها فرصة واحدة للاعتراض رفعها فورا بين ذراعيه يضمها الى صدره يسير بها ناحية غرفة نومهم بصعوبة جعلتها تفيق من دوامة المشاعر التى اجتذبتها تصرخ به باعتراض
: لااا .. لااا صالح نزلنى مش هينفع .. رجلك ودراعك كده ها.....
توقف بها عينيه فوق شفتيها هامسا لها بحزم رغم الارتعاشة بصوته
:حاجة واحدة بس دلوقت اللى ممكن تخلينى اسيبك وانزلك ..
سألته بعينيها عما تكون ليقترب بشفتيه من شفتيها يهمس فوقهم
:انى اقع ميت حالا .. غير كده استحالة حاجة تبعدنى عنك.
شهقت بفزع تدفن وجهها فى عنقه وهى تضم نفسها بقوة اليه تهتف بجزع
:بعد الشر عليك .. متقولش كده تانى على نفسك.
ابتسم بحنان هامسا بجدية رغم تسارع دقات قلبه وارتجافه شوقا لها
:خلاص لو مش عوزانى اموت منك حالا .. متقوليش ليا لا.
رفعت رأسها بعيد عن عنقه تنظر اليه من خلف جفونها نصف المغمضة وهى تمرر اصبعها فوق قماش قميصه تومأ له ببطء ليلقى برأسه للخلف يصيح بأبتهاج وسعادة كأنه ملك العالم بين يديه لتعاود دس وجهها فى عنقه مرة اخرى بخجل وهو يسير بها ناحية غرفة النوم يغلق بابها خلفهم ليبدء معها رحلتهم الى النجوم يقودها بكل ما يملكه من صبر وتمهل يستمتعان بكل لحظة بها معا .
*******************
: ماتلفيش ودورى عليا ..انتى اللى عملتيها يا امانى..
صرخت سمر فى الطرف الاخر بتلك الكلمات وقد احتقن وجهها بشدة عروق عنقها اصبحت نافرة غضبا حين اجابتها امانى ببرود وملل
:انتى مزهقتيش من النغمة دى بقالك يومين شغالة عليها..
ثم تغيرت لهتجتها فورا للحدة تكمل
: وبعدين مالك متأكدة كده ليه ياست سمر ان انا اللى عملتها .. وحتى لو انا ليكى عندى ايه؟!
ضغطت سمر فوق اسنانها تفح من بينهم بحنق
:بقى كده يا امانى .. بتقوليلى انا الكلام ده وانا اللى كنت بساعدك علشان ترجعيله ؟!
اهتز صوت امانى بالبكاء رغم القسوة به حين صرخت قائلة
: ااه يا سمر انا اللى عملتها ارتاحى بقى .. كنتى عاوزاتى اعمل ايه وانت كل يوم والتانى بتحرقى دمى ان البيه عايش حياته ومتهنى مع العروسة الجديدة.
زفرت ببطء تكمل بمرارة
:وبعدين متخفيش عليه اوى كده .. واديكى بتقولى انه قاعد فوق من ساعتها مع عروسة الهنا منزلش من شقته..
سمر بابتسامة صفراء تقوم بوضع الملح فوق حراج امانى تلهبه لعلها تخرج منها بالمزيد من تلك الافعال المتهورة قائلة بلهجة مدروسة لا توقعها فى الخطأ
:هو من ناحية كويس فهو كويس وبخير وزى الفل..الظاهر ياامانى الرجالة بتوعكم كانو من ورق ومنفوخين على الفاضى.
اتسعت ابتسامتها تلمتع عينيها بشامتة وهى تكمل و تزيد من وضع الوقود فوق النيران
:لاا وايه كمان كده المحروس اخوكى ضاع.. لو صالح ولا الحاج عرفوا بلى هببتوا ده.. اى شغل تانى ليه مع صالح هيبقى ابعد من شنبه .
اجابتها امانى بغموض
:متخفيش استحالة هيجى فى دماغهم ان حد من طرفنا اللى عملها ..وخصوصا بعد اللى هيحصل وهتشوفى ده بنفسك.
عقد سمر حاجبيها بعدم فهم متسائلة بحيرة
:وده هشوفه فين ان شاء الله بقى؟!
لم تجيبها امانى بل اطلقت ضحكة ساخرة مجلجلة ثم تلقى بعدها بسلام مائع عليها قائلة
:يلا سلام ياسمر دلوقت..اشوفك قريب يا حبيبتى.
اغلقت الهاتف فى وجهها دون ان تمهل لسمر فرصة للرد وقد توجست ملامحها وهى تلقى بهاتفها بشرود ثم اخذت تفرك كفيها بتوتر وقلق تحاول فهم ماتقصده تلك الحية بحديثها الاخير فقد اصبحت تصرفاتها غامضة خارجة عن المألوف لكنها لن تعترض فهى فى كل الاحوال تخدم لصالحها لذا لن تحاول ايقاف اى كان ما تنتويه...
اخرجها عن افكارها صوت رنين جرس الباب لتتحرك لفتحه هاتفة بحنق
:هيبقى يومك هباب لو طلع انت ياحسن ومكسل تفتح بمفتاحك.
فتحت الباب تهم بالصراخ على الطارق لكنها توقفت ذاهلة تتطلع باستغراب الى ياسمين ووجها الشاحب وهالات عينيها السوداء التى تدل على عدم النوم قبل ان تنفجر بالبكاء ترتمى فى احضان سمر مستنجدة بها قائلة
:الحقينى يا سمر .. عادل عاوز يفسخ الخطوبة ... وبابا وصالح لو عرفوا هيموتونى.
قلبت سمر عينيها تكاد تصرخ حنقا فهى ليست فى مزاج لتحمل نوبات هسترية ياسمين ولا تدللها الان فيكفيها ما حديثها منذ قليل من تلك الغبية الاخرى..
لكنها جذبتها معها الى الداخل وهى تتمتم بكلمات مهدئة مللة تجلسها فوق الاريكة ثم تجلس بجوارها تسألها بهدوء
:اهدى كده يا ياسمين وفهمينى واحدة واحدة ايه حصل بينكم خلى عادل عاوز يعمل كده!
استنشقت ياسمين الهواء بقوة تحاول الكف عن البكاء قبل ان تقص عليها ماحدث حتى وصلت الى الجزء الخاص بحادث صالح فتعاود البكاء بقوة مرة اخرى قائلة
:بعد ما وصل صالح لما خرج من المستشفى حاولت اكلمه واعتذر له بس هو صدنى وقالى ان ملهوش لازمة الكلام بينا .. وان اول ما صالح يقف على رجله ويطمن عليه هيكلمه هو بابا وينهى كل حاجة .
نظرت الى سمر شاهقة بالبكاء تتضرع اليها قائلة
:اعمل ايه يا سمر .. بابا وصالح لو عرفوا بلى قلته وعملته معاه هيموتونى فيها.
هزت سمر كتفها بعد اكتراث قائلة بتأكيد تتخلله الشماتة
:بصراحة ليهم حق هو فى واحدة تقول الى قولتيه ده .
هتفت بها ياسمين بحنق وغضب رغم بكائها
:يا سلام ياختى .. مانت بتقولى لحسن اللى اصعب من كده .. اشمعنا انا بقى..!
تراجعت سمر فى جلستها للخلف تلوى شفتيها بامتعاض وخيبة امل قائلة
:لااا .. ما هو حسن اخوكى ده ملهوش زى ... منزلش منه نسخ كتير فى السوق.
عقد ياسمين حاجبيها بعدم فهم لا تدرى اهى تمدح ام تذم زوجها لكنها اسرعت بنفض رأسها بعدم اكتراث تتجاهل حديثها تسألها برجاء
: طيب هاا قوليلى اعمل ايه .. صالح وكلها كام يوم وهيقوم ويرجع لشغله مش هستنى لما جرحه يخف انا عرفاه .. وخايفة عادل يقوله كل حاجة بعدها .. يعنى مفيش ادامى كتير .
صمتت سمر تنظر امامها بشرود وتفكير لبرهة صمتت خلالها ياسمين على امل ان تجد لها الخلاص اثنائها قبل ان تلتمع عينى سمر بظفر وانتصار تلتفت لها قائلة
:لقيت لك الحل .. بس لو حصل هيبقى ليا عندك حلاوتى .. اتفقنا.
فقزت ياسمين فى جلستها هاتفة بلهفة
:وانا موافقة على اى حاجة تعوزيها ... بس متخليش عادل يسيبنى ولا يفسخ الخطوبة.
اومأت سمر لها ترسم على ملامحها براءة مزيفة طيبة مصطنعة قائلة
:حيث كده اتفقنا ... وهو انا عندى اغلى منك يا بنت خالتى يا حبيبتى علشان اخاف عليه ولا على مصلحته.
اقتربت منها ياسمين والتى جلست تعطيها انتباهها كله بينما سمر تبخ السم فى اذنيها من خلال كلماتها ترتسم امارات الذهول فوق ملامحها حتى انتهت اخيرا لتهتف بها كالمصعوقة
: يخربيت عقلك دانتى شيطان .. جات فى دماغك الفكرة دى ازاى..!
ابتسمت سمر ساخرة قائلة
:لاا ياختى موجودة من زمان وعمرها ماخيبت .. انتى بس اللى عبيطة.
ياسمين وهى تلوك شفتيها متوترة تسألها بقلق
:وتفتكرى هتدخل على عادل لعبتنا دى ..ولا هيكشفنا وتبقى مصيبة تانية على دماغى.
وضعت سمر قدمها فوق اخرى تهزها
بملل قائلة بلا مبالاة
:لا متخفيش عمرها ما خيبت معايا..ومتجربة كذا مرة وعن ثقة.
نهضت ياسمين من مقعدها فورا تومأ لها رأسها بالموافقة قائلة بتعجل
: يبقى خلاص اتفقنا .. شوفى هنفذ امتى وانا جاهزة .. وربنا يستر والدنيا متتقلبش على دماغى اكتر ماهي.
جلست سمر تتطلع اليها مبتسمة بثقة وتأكيد قائلة
:متخفيش طول مانتى ماشية ورا سمر عمرك ماتخسرى أبداً .
***********************
تمللت فى غفوتها حين شعرت به يتحرك فى الفراش جالسا به ثم يقوم بأشعال احدى سجائره تفتح عينيها تتطلع اليه خفية لتجده يستند بظهره الى لوح الفراش رافعا ذراعه خلف راسه ينظر امامه يتأمل فى سحابة الدخان المتصاعد من سيجارته بشرود وتفكير عاقدا حاجبيه بشدة وقد ساد الصمت والوجوم الغرفة بعد لقائهم العاصف واشتعال اجوائها بعواطفهم.
ليسقط قلبها هى تراه بحالته تلك وقد تبدل حاله تماما عن منذ قليل حين اخذها الى عالم لم يكن به احدا سواهم عالم لم تتمنى الذهاب اليه سوى معه هو..
عالم كان فيه معها المراعى الحنون شغوفا بكل تفاصيلها لم يترك لها فيه الفرصة لفعل شيئ سوى بجعلها تلهث من شدة عصف المشاعر بها مستجيبة له بكل جوارحها حتى سقطت اخيرا غافية فوق صدره من شدة الارهاق.
لكن ماذا حدث له بعدها خلال هذه الدقائق التى قضتها غافية .. هل ندم على ما حدث بينهم ... هل هاجمته ذكرى مشابهة لما حدث بينهم ولكن مع اخرى سبقتها الى حبه وعشقه على هذا الفراش أيضاً...؟
تجمد جسدها حين هاجمتها فكرة اخرى كانت كطعنة سكين فى قلبها ... تتسأل داخلها مرتعشة بأرتعاب ان كان يقوم الان بعقد مقارنة بينهم داخل عقله فكانت فيها الخسارة امام من سبقتها.
لم تحتمل سوداوية افكارها تلك طويلا وقد اخذت تستنزفها كالعلقة كلما سلمت لها لذا اسرعت تعتدل هى الاخرى فى الفراش تسحب الشرشف لتغطى به جسدها قبل ان تنسحب منه سريعا وبحركات متعثرة لكن استوقفها صوته المتفاجئ وهو يمسك بذراعها حتى يوقفها متسائلا
:رايحة فين يافرح.؟!.
لم تلتفت له تجيبه هامسة بتلعثم
:هقوم علشان ... علشان...
صمتت لبرهة وقد توقف عقلها عن العمل لا تجد سبب لنهوضها تخبره به..
استغلها هو ليطفأ سجارته ثم يسحبها اليه ببطء ورقة فلم تقاومه تعاود الاستلقاء مرة بوجه متجمد وجسد متخشب مرر وهو نظراته فوقها بأدراك يلاحظ تجمدها هذا لينحنى عليها ببطء يحتضن شفتيها بشفتيه برقة ونعومة سرعان ما اصبحت قبلات شغوف متلهفة محى بهم اى افكار سوداء قد راودتها عنه سحبت انفاسها منها..
قبل ان يبتعد عنها ببطء شديد وعينيه المظلمة من شدة عصف مشاعره تتعلق بعينيها الملتمعة هامسا لها بنعومة اذابتها
:مش عاوز اسمع كلمة علشان دى تانى .. انتى مش هتقومى من هنا وتسبينى خالص .. وبعدين انا عندى ليكى حاجة عاوز ادهالك .. اتفقنا!
بانفاس لاهثة وقد اشتعلت وجنتيها خجلا اومأت له ليفرك انفه بأنفها مداعبا لها قبل ان يبتعد عنها ينحنى للطرف الاخر يفتح الخزانة الصغيرة بجانب الفراش يخرج منها علبة من القطيفة السوداء ثم يعود اليها مرة اخرى
وقد اعتدلت جالسة تتطلع نحوه بفضول وهو يقوم بفتحها امام عينيها والتى اتسعت بانبهار اعجاباً امام تلك القلادة ذات العقد الذهبية المتراصة بجوار بعضها بشكل هندسى رائع سرق قلبها فورا لتهتف بسعادة وفرحة
:دى علشانى انا يا صالح؟!
ابتسم لها بحنان يقترب منها يلثم وجنتيها ثم يقوم بعقد القلادة حول عنقها وهو يهمس بتحشرج وعينيه تشع بالسعادة لرؤيته فرحتها بهذه الطريقة من اجل هديته لها قائلا
:طبعا ليكى انتى ومن اول يوم فى جوازنا وهى فى الدرج هنا مستنياكى...
يكمل بتحشرج ونظراته تحوم فوق ملامحها بشوق
:اخترتها علشانك انتى وبس ... يا فرح.
حبست انفاسها يتراقص قلبها بدقاته المتسارعة داخل صدرها بغبطة وسعادة طاغية ولكن ليس بسبب هديته تلك ولكن تأثيرا بكلماته ونطقه لاسمها كانه ترنيم عشق تذوب شفتيه لها.
لذا لم تفكر طويلا ترفع يدها تحيط وجنته تتلمسها بحنان وعينيها معلقة بعينيه كالمسحورة وهى تقترب منه ببطء ثم تنحنى على شفتيه تقبله برقة تغمض عينيها بنشوة وهى تتنفس انفاسه داخل صدرها .
التى اخذت بالتسارع هى الاخرى فى استجابة سريعة لها يقود بعدها قبلتهم مستلما زمام الامور بينهم بعد ذلك للحظات اذابتهم تختطف منهم الانفاس للحظات طوال ممتعة بينهم قبل ان يقوم ودون ان ينهى قـ*بلتهم
بلف خصرها بذراعه يرفعها الى جسدهيحتضنها فوقه متأو**هاً بقوة لايمهلها الفرصة لاى اعتراض وهو يخطفها مرة اخرى داخل عالمهم وغيمتهم الوردية.
**********************
:هنعمل ايه يا حاج .. ابنك لو عرف انهم جايين مش هيسكت وقليل لو ما ساب البيت ومشى
زفر الحاج منصور وملامحه وجهه مهمومة قائلا بحزن
:مش عارف يا حاجة .. بس اديكى شوفتى اهو .. مش نافع معاهم حاجة ومصممين يجوا يطمنوا عليه.
صمتت انصاف تضغط شفتيها وهى تهز رأسها للجانبين بقلة حيلة تخبط فوق وركيها بكفيها لعدة مرات وهى تفكر بحل للخروج به من تلك المعضلة قبل ان تلتفت اليه هاتفة بلهفة
:خلاص ياحاج احنا ولا كاننا نعرف حاجة ولا نجبله سيرة .. ولما يجوا اهو كلها كام دقيقة يقعدوهم ويمشوا .. وممكن كمان نخليهم هنا ميطلعوش فوق عنده خالص.
هتف منصور استحسانا لكلامها
:صح كده يا حاجة .. ولو سألوا عن صالح .. هنبقى نفكر فى اى حاجة نقولها و الست وابنها ياخدوا واجبهم ويمشوا .
هزت انصاف راسها موافقة لا ينعكس على وجهها قلقها الكبير بداخلها تشعر ان تلك الزيارة لن تمر مرور الكرام ليزيد زوجها توترها حين قال بعبوس ورفض
:والله ياحاجة مانا مرتاح للزيارة دى ولا كان وقتها خالص .. بس هنقول ايه!
انصاف بوجه شاحب وصوت قلق
:ادعى بس ياحاج انها تعدى على خير .. حكم انا عينى الشمال بترف ودى عمرها ما خيبت معايا ابدا .. وقلبى بيقولى الزيارة وراها كتير.
*************