تحميل رواية «ظلمها عشقا» PDF
بقلم فرح صالح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - جلست فوق فراشها تضم ركبتيها الى صدرها تضع يديها على أذنها بقوة في محاولة منها لإبعاد تلك الأصوات الآتية إليها من الخارج وقد إمتزجت أبواق السيارات مع الاغاني الشعبية تصاحبها زغاريد النساء تعبيرا عن فرحتهم وسعادتهم بهذا الزفاف. كانت الاصوات كطعن سكين حاد يمزق قلبها بلا رحمة أو هوادة .. كانت كالمخالب تشق صدرها ثم تنهش قلبها من داخله ثم تدعسه بقسوة بينهم ثم تلقى به أرضاً فتتركها بعدها جسدا بلا روح.وكلما حاولت صم تلك الأصوات عنها ازداد جسدها ارتجافا كمن يحارب في معركة خاسرة، ونعم هي بخسارة ، فا...
رواية ظلمها عشقا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ الحادي والعشرون ♡
اخذ يجوب المكان بقلق منذ عودته من الخارج بعد رحلة بحث طويلة استغرقت منه طوال الليل بحثا عن شقيقه ، يحمل هاتفه فوق اذنه زافرا بحنق ثم يلقى بهاتفه بعدها قائلا
:برضه قافل موبيله .. اعمل ايه دلوقت واروح ادور عليه فين تانى!
صدر صوت مستهزء ساخر عن زوجته سمر وهى تهز رأسها بأستغراب قائلة
:ده على اساس انه عيل صغير وتايه من امه .. وبعدين من امتى الحب ده كله!
وصله حديثها ليلتفت نحوها ببطء بوجه محتقن وعيون تنطق بالشر صارخا بها
:انتى تخرسى خالص .. صوتك ده مسمعهوش فاهمة ولا لا؟
فزت من مكانها تتخصر فى وقفتها وهى تصيح به هى الاخرى بغضب
:جرى ايه ياسى حسن فوق لنفسك هو انا علشان سكت ليك الصبح هيسوق فيها ولا ايه .. لا فوق كده .. اااااه.
صدرت عنها صرخة كانت مصدومة اكثر منها متألمة عينيها تتسع بذهول وهى تتطلع نحوه بعد ان غافلها مقتربا منها ليلطمها على وجهها بقوة اطاحت بوجهها للجانب الاخر ، وقد وقف امامها يتنفس بسرعة وغضب وهى تسأله بصدمة وصوت مختنق باكى
:بتضربنى ياحسن؟
حصلت تمد ايدك عليا؟
هجم عليها قابضا على خصلات شعرها بعنف جعل الدموع تنفر من عينيها وصرخات متألمة تصدر عنها وهو يهزها بغضب وغيظ
:واكسر عضمك كمان .. ايه فاكرة علشان سكت كتير على بلاويكى وعاميلك السواد يبقى خلاص ملكيش حاكم..!
جذبها من شعرها يلقى بها أرضاً بعيد عنه ينفض يده عنها يقرف ثم يتحرك بخطوات متعبة نحوها جعلتها تتراجع للخلف بخوف ، لكنه تخطاها جالسا فوق احدى المقاعد يمرر اصابعه فى شعره هو يزفر بتعب وارهاق يسود بعدها الصمت التام جلست هى خلاله أرضاً تتطلع نحوه بذهول وجسدها يرتعش من الخوف..
فلاول مرة تراه بتلك الحالة قد كان طيلة حياتهم معا طيبا ومسالم لم يكن يصل به الامر أبداً ان يمد يده عليها بالضرب مهما تمادت فى افعالها لا يعصى لها أمراً رغم اعتراضه ورفضه للكثير منها..
اذا ماذا حدث ومتى فاتها هذا التغير به تسمعه يتحدث بصوت مهزوم متألم قائلا
:سنين وانا ساكت على بلاويكى وغلك وحقدك على اهلى واقول يا واد معلش بتعمل كده علشان بتحبك وخايفة عليك .. خربتى بيت اخويا وقومتينى عليه ومشيت وراكى زى العيل وبرضه قولت ده كله علشان بتحبك .. خلتينى خيال مأتة فى بيتى وادام عيالى وقولت معلش بكرة هتعقل .. انما توصل لحد اختى تجرجريها معاكى فى طريقك الو**** وتيجوا على البت الغلبانة دى وكنتوا هتموتوها فى ايدكم .. وياريت حاسة باللى عملتيه الا لسه بحجة وعينيكى مكشوفة.
فى محاولة منها للدفاع عن نفسها امامه حتى ولو بالكذب والاحتيال نهضت على ركبتيها تتقدم منه قائلة بضعف مصطنع
: قولت لك وحلفت انى مليش دعوة بموضوع سماح ده وكله من اختك هى اللى...
نهض من مكانه صارخا بها بغضب وعنف جعلها تتراجع للخلف بذعر ساقطة على ظهرها تنظر اليه بهلع وهو ينحنى عليها يكاد يفتك بها
: اخرسى مش عاوز كدب .. ايه هتضحكى عليا هوانا مش عارفك .. بس المرة دى مفهاش سكات بعد ما البيت كله ولع حريقة بسببك وكنت سبب فى كسرة اخويا ادمنا
كلنا.
صرخ بأحباط يدس اصابعه فى شعره يشد عليه بعنف يشتعل بالغضب من استمرارها فى الكذب عليه ، يدور فى المكان بأحباط ويأس حتى تجمد جسده فجأة كأنه صورة مجمدة اخافتها واصابتها بالرعب..
تتطلع اليه فى انتظار عودة جسده للحياة وليته لم يفعل اذ التفت نحوها وعلى وجهه امارات الاصرار والحزم وعينيه تلتمع فى ظلمة المكان بشراسة قائلا بصوت اصابها بالقشعريرة
:كده كفاية .. انا بقيت كرهك وكاره نفسى .. بقيت مش قادر احط عينى فى عين اخويا .. وكله بسببك انتى .. بس لحد هنا وكفاية.
سمر بقلب مرتجف مخطوف ووجه شديد الشحوب تسأله بتوجس وخوف
:يعنى ايه ياحسن؟ ناوى على ايه !
زفر حسن بقوة قبل ان يجيبها بثبات وحزم
:انتى طالق ياسمر .. طالق .. الصبح يطلع وهوديكى على بيت اهلك .. وكفاية عليا كده.
ثم تحرك يغادر المكان فوراً يغلق خلفه الباب بعنف اما هى فقد جلست بذهن وعقل لا يستطيع استعاب ما سمعته للتو لا تستطيع التصديق بأن هذا حسن زوجها وانه استطاع لفظها من حياته دون لحظة تردد واحدة منه.
*************************
هبت مستيقظة بفزع حين شعرت بخواء الفراش من دفئه ووجوده معها تتلفت حولها فى ارجاء الغرفة بعيون ناعسة وشعر مشعث بحثا عنه ، ليصيبها الاحباط من خلو الغرفة من وجوده تحنى رأسها بحزن قد انتابها شعور بالهجر.
فلم تكن تمر على لحظات عشقهم العاصف سوى لحظات استغرقتهم فى غفوة سريعة وليتها لم تفعلها من الواضح انه استغل نومها حتى يذهب من جديد ويتركها لقلقها وهلعها عليه بعد ان ظنت انها استطاعت أخيراً ان تمحو من داخله كل ما حدث وتأثيره المظلم عليه..
بعد ان انصهروا بلهيب عاطفتهم ليلة امس قد سلمت له بكل جوارحها تتقبل منه عاطفته المشتعلة هامسة له ولاول مرة بمدى عشقها وحبها له تصب فى اذانه بكلمات كانت ستشتعل خجلا لو خطرت على بالها فقط لكنها امس لم يكن يهمها سواه وسوى ان تخرجه من تلك الحالة .. لا تبخل عليه بعواطفها أبداً..
لكنه قابل كلماتها تلك بالصمت المطبق رغم انها لا تنكر بأنها رأت عينيه تشتعل بالعواطف وتتبدد الظلمة بداخلها حينها ، لكنه ظل على صمته حتى بعد ان سقط فوق جسدها بأنهاك وهو يغلق عينيه بتعب ، فقامت بإحتضانه اليها بقوة تعبث اناملها بخصلات شعره وهى تتحدث اليه بحنان عن مدى حاجتها اليه..
حتى شعرت بتبطئ انفاسه واستغراقه فى النوم لترتفع ابتسامة حانية لشفتيها تغلق عينيها بتعب هى الاخرى تمنى نفسها بأنها فى الغد ستجد لديه استجابة لاعترافها ، ولكن خاب ظنها برحيله عنه.
زفرت بأحباط تنهض عن الفراش تسرع يديها فى لملمة ملابسها المبعثرة فى ارجاء وارتداء قميصها متجهة بعدها الى المطبخ ، فهى فى حاجة الى فنجان من القهوة تستعيد به تركيزها حتى تستطيع التفكير فيما سوف تفعله وكيفية التصرف معه لاحقا.
تدخل الى المطبخ لتتسمر قدميها مع ابتسامة فرحة تشع على وجهها حين وجدته يجلس فوق المقعد وامامه فنجان من القوة يحيطه بيديه وقد حملت انامله احدى لفافة من التبغ ، تراقب عينيه بشرود تصاعد الدخان منها فوقفت تقاوم الاندفاع نحوه حتى تلقى بذراعيها حوله وتنثر فوق وجهه القبلات..
لكنها تمالكت نفسها ودلفت الى الداخل بخطوات خفيفة سريعة حتى وقفت بجانبه ودون لحظة تردد امسكت بيده تنزلها الى جانبه ثم جلست فوق ساقيه تلف ذراعيها خلف عنقه تلثم وجنته بحنان هامسة
: وحشتنى ااوى على فكرة .. لما قومت ولقيتك مش جنبى.
وبرغم ملامح وجهه المتجمد غير المشجعة انحنت نحوه تقبله بحماس وهى ترتعش خوفا من رفضه لعاطفتها ، لكنها لم تستسلم تكمل الطريق بأصرار الى ما نوت عليه.
تحرك شفتيها على شفتيه فى محاولة لاشعال تلك العاطفة بينهم مرة اخرى ترتعش بسرور حين استطاعت أخيراً الوصول لمرادها بعد ان دس اصابعه فى شعرها من الخلف يثبت رأسها لاستقبال هجوم شفتيه الكاسح عليها..
يتولى هو السيطرة فيما بينهم للحظات طوال جعلت جسدها يرتفع للسحاب وهى ترى منه كل هذة اللهفة نحوها ، يملئها الامل من جديد ، لتبتعد عنه بعد لحظة وهى تلهث بجنون هامسة بصوت مرتجف من العاطفة
: بحبك يا صالح .. بحبك جدا .. بحبك اووى .. بعشقك وبعشق كل حاجة فيك.
وعلى عكس توقعها تجمد جسد صالح
وقد اخترقت كلماتها ضباب المشاعر التى غلفه به قربها منه لتتسارع ضربات قلبه بشكل اخرق مضطرب تشتعل اعصابه من تأثير اعترافها كحاله ليله امس ، لكن ابى عليه عقله مرة اخرى التصديق ينكر ان تكون هذه الكلمات صحيحة وهو يتسأل بغضب لما الان؟ ولماذا فى هذا التوقيت..!
صارخا به ان الامر لا يتعدى سوى شفقة منها لما رأته يعانيه ليلة امس ومحاولة منها لاصلاح ما كسر بداخله ، لذا انسحب برأسه للخلف بعيدا عنها يمسك بذراعيها يحاول ان ينهضها عن ساقيه قائلا بصوت بارد كأنه لم يستمع منها لشيئ متجاهلا نظرة عينيها
: انا هقوم علشان عندى شوية شغل .. وهرجع على بالليل متأخر .. ولو...
المها رفضه لاعترافها والمها اكثر برودته لكنها لم تستسلم بل تشبثت بمكانها تبتسم له ابتسامة ضعيفة قائلة بمرح مصطنع تقاطعه
:حاضر هستناك .. ومش هنام الا لما تيجى علشان كده حاول متتأخرش عليا.
اربكته حالتها هذه كما اربكه كلامها ففرح التى يعلمها لم تكن ستمرر الامر هكذا بل كانت ستقيم الدنيا فوق رأسه لتجاهله وقسوته هذه معها ليهمس لها بصوت مرتجف حائر
:ليه يا فرح .. ليه دلوقتي بالذات كل ده منك ؟!
ادركت انه لم يقصد بسؤاله ما قالته منذ قليل فأحتضنت وجهه بين كفيها هامسة بحب وعينيها ثابتة على عينيه ترى فيهم حيرته وتخبطه
: علشان بحبك يا ابن خالتى انصاف .. سامعنى .. بحبك وهفضل اقولها لحد ما قلبك ده يلين ويحن عليا هو كمان.
انزلت يديها لتضعها فوق موضع قلبه مع كلماتها الاخيرة تحس بقصف ضرباته العنيفة تأثرا منه بكلماتها ، وقد اراد الصراخ لها بأنه لا يحبها فقط بل يعشقها..
تذوب كل جوارحه فيها يعيش يومه وغده من اجلها هى فقط وبالفعل كاد ان ينطقها يفتح شفتيه لقول كل ما بقلبه لها ، ولكن فجأة انعقد لسانه تعاوده مخاوفه مرة اخرى ..
فيطبق شفتيه يمرر عينيه عليها بتيه متجاهلا نظرة الامل فى عينيها وهو يهز رأسه ببطء بالموافقة قائلا بتجشرج
: هحاول يا فرح .. علشان خاطرك هحاول.
لم تعلم ان كانت اجابته عن محاولته عدم تأخره ليلا او بالفعل يخبرها انه سيحاول ان يتعلم ويسمح لقلبه ان يتسع لحبها ، لكنها هزت له رأسها بالموافقة تطبع قبلة رقيقة فوق شفتيه المرتعشة قبل ان تنهض عن ساقيه ثم تقف تراقبه وهو يقوم بجمع اشيائه عن الطاولة يتحرك بعدها بأتجاه الباب مغادرا..
لتناديه بلهفة توقفه عن الحركة تهرع نحوه تتعلق بعنقه وهى تشب فوق اطراف اصابعها تقبله مرة اخرى بنعومة ورقة اطاحت بالباقى من تماسكه وهى تهمس فوق شفتيه بتأكيد وحزم بأنفاسها الدافئة كأنها تدمغه بكلماتها قبل رحيله
:بحبك يا صالح .. بحبك يا عيون وقلب فرح ودنيتها كلها.
ارتسمت ابتسامة ضعيفة فوق شفتيه تراه لاول مرة مرتبك خجول لا يدرى كيفية التصرف امام هجومها الضارى هذا عليه يغادر فوراً المكان بأرتباك ، لتقف بعدها تبتسم بأنتصار وعينيها تشع بالفرح ثم تتبعه بخطوات متراقصة سعيدة ..
لكنها توقفت حين تعال صوت الجرس بصوت ملح سريع قبل بلوغ صالح للباب فيسرع بفتحه بعجالة لتدلف والدته وهى تبكى وتنوح بشكل جعل قلب فرح يسقط بين قدميها بهلع وهى تقول
:الحقنا يا صالح .. الحق يابنى المصايب اللى نازلة على دماغنا من الصبح...
اسرع صالح بامساكها وهى تترنح على قدميها بتعب يسير بها ناحية المقعد يجلسها فوقه وهو يسألها بقلق
:فى ايه ياما .. اهدى بس وفهمينى ايه اللى حصل!
ضربت انصاف فوق وركيها تولول وتنوح قائلة بصوت باكى متحسر
:اخوك يا قلب امك طلق مراته وروحها بيت اهلها .. واختك يا صالح .. اختك مش مبطلة عياط من ساعة ما خطيبها كلم ابوك امبارح وفشكل الخطوبة.
وضعت فرح يدها فوق فمها تمنع شهقة صدمة من الخروج من تطور الاحداث ، ترى انصاف تمسك بيد صالح متجمد الوجه كأنه لا يعنيه ولا يهتم بما قالت تهتف بتضرع ورجاء
:اتصرف يا صالح كلم اخوك وعقله يابنى علشان خاطر العيال دول ملهمش ذنب .. ولا اقولك كلم عادل هو صاحبك برضه وليك خاطر عنده وهيسمع كلامك.
ابتعد عنها صالح وعينيها تتطلع نحوه بأمل كأنه فى يده حل كل شيئ ولكن سرعان ما شحب وجهها حين قال بصوت حاد قاسى
:مليش فيها الحكاية دي .. من هنا ورايح كل واحد يحل مشاكله بنفسه.
نهضت انصاف على قدميها تقترب منه تربت فوق ظهره المتخشب قائلة بحزن
:عارفة يابنى انك زعلان بس علشان خاطرى انا .. وحياة...
قطعها وقد احتقن وجهه تنفر عروقه من شدة غضبه ومحاولته السيطرة عليه يصيح بشراسة
:وخاطرى فين ياما عندكم .. مش ده حسن ومراته اللى ياما رمونى بكلامهم اللى زى الحجر ادامكم من يوم ما عرفت .. مش دى بنتك اللى عايرتنى ادام مراتى وادام البيت كله بعيبى .. عوزانى دلوقت اروح اتحايل على صاحبى علشان يرجع لها بعد ما سمع ببلاويها هى ومرات ابنك !
نكست انصاف رأسها بخزى وقد ادركت كم بالغت فى طلبها هذا منه ولم تراعى حرج ولدها الحى فى لهفتها لاصلاح امور ابنائها الاخرين هامسة بحزن وخجل
: عند حق يا ضنايا .. حقك عليا يابنى متزعلش منى .. بس اعمل ايه اتعودت انى اجرى عليك اول واحد فى اى مصيبة تحصل لنا علشان تحلها .. حق عليا يا صالح.
انفجرت فى بكاء مرير تشعر بمدى قسوتها عليه تهم بالانصراف من امامه لكنه لم يحتمل رؤيتها بتلك الحالة او انه السبب فى حزنها يجذبها اليه هو يزفر بقوة وقائلا بأسف وندم
: لا ياما حقك عليا انا .. معلش استحملينى بس والله غصب عنى وعلى عينى ارفضلك طلب.
انحنى على كفها يقبله بأحترام وحب لتربت انصاف على رأسه ليكمل صالح وهو يرفع رأسه نحوها وانامله تزيح دموعها عن وجنتيها
:حاضر ياما هعمل كل اللى تأمرى بيه .. بس ادينى يومين بس يمكن انسى فيهم .. وانا بعدها تحت امرك.
اخذت انصاف تدعو له بقلب وعيون حانية وهو ينحنى عليها مقبلا جبهتها ثم يتحرك نحو الباب تصاحبه دعوات والدته ، لكن توقفت خطواته امام فرح تلتقى نظراته بنظراتها الملتمعة بالفخر وقفت تتابع ما يحدث بصمت للحظات قالت فيهم عيونهم الكثير والكثير ، قبل ان يفصم نظراتهم ثم يغادر المكان فوراً..
لتتنهد بعمق ثم تتحرك ناحية انصاف والتى مازالت تبكى لتضمها اليها بحنان تواسيها بالكلمات لكن كان عقلها وروحها مع من غادرهم منذ قليل.
*************************
: قولتلى عاوز ايه يا انور .. معلش سمعنى تانى كده...
قالها شاكر شقيق امانى مستنكرا لانور الجالس امامه باسترخاء ولا مبالاة ليعيد عليه انور طلبه بنفس التعبيرات الهادئة وصوت الواثق
:عاوز اتجوز اختك يا شاكر .. ايه مسمعتش من اول مرة ولا ايه !
شاكر بحدة وهو يخبط كفيه فوق المكتب امامه بعنف
:لا سمعتك بس بتأكد اصل مش متخيل انك اتهبلت فى عقلك علشان تطلب طلب زى ده منى.
اعتدل انور فى مقعده بتحفز قائلا بشراسة وعينيه تطلق الشرر
:ليه ياخويا مش قد المقام ولا منطولش زى سى صالح بتاعكم !
شاكر بابتسامة سمجة ومغيظة قائلا
:اديك قولتها بنفسك يا ظاظا مش محتاجة تفكير هى.
احتقن وجه انور يهتف بغيظ
:بقى كده يا شاكر .. ليه دانا ناوى ادفع مهر للمحروسة اختك مدفعش فى اجدعها بنت بنوت وانت تقولى كده !
التمعت عين شاكر بالطمع وتتغير تعبيرات وجهه للنقيض قائلا بصوت خانع طامع
:محدش قال حاجة يا انور .. بس الموضوع جه على غفلة ومحتاج منا تفكير انت عارف ان امانى صالح لسه لحد النهاردة عاوز يرجعها لعصمته وهى ميالة انها ترجعله فى سيبنى كده يومين تلاتة وانا هرد عليك.
انور وقد ارتسمت ابتسامة نصر وتشفى فوق شفتيه وقد علم الاجابة منذ الان فهو اعلم الناس بجشع شاكر واهتمامه بمصالحه دون ان يبالى بغيره حتى ولو كانت شقيقته ، وهذا ما يقوم باللعب عليه فأن كانت حساباته صحيحة فستقوم خطواته هذه بتحريك المياة الراكدة وينال ما يبتغاه بعد فشل كل خطواته السابقة..
يدعو من قلبه ان تكون هذه هى الخطوة الصحيحة والقاضية ليجيب شاكر وعينيه تبعث اليه برسالة فهمها على الفور
: وانا مستنى يا شاكر وتحت امركم فى كل طلباتكم بس المهم الرد بالموافقة من ست اختك.
اومأ شاكر له بالموافقة يمد يده له بالسلام ضغطا فوق يدى انور بقوة اجابة على رسالته قائلا بترحاب
: تمام ياانور .. واحنا مش هنتأخر في الرد عليك.
***********************
دخل الى محل عمله بعد زيارة سريعة الى احدى مخازنهم ليجد احدى فتيات الحارة تجلس فوق احدى المقاعد المقابلة لمكتبه وهى تضع قدم فوق اخرى وتهزها بعدم اهتمام وفى فمها علكة تمضغها ببطء وهى تبتسم بتلاعب لسيد العامل لديه ، وقد وقف مستند بأسترخاء على الحائط يسيل لعابه حرفيا عليها غافلا عن دخوله..
ليهتف به صالح بحدة جعلته ينتفض واقفا باعتدال هو والفتاة التى ما ان لمحته حتى اسرعت بالنهوض تهرول نحوه وعى تصيح بصوت باكى دون دموع
: الحقنى ياسى صالح انا فى عرضك ياخويا.
رمق صالح سيد العامل لديه بغضب جعله يغادر المكان فوراً بخطوات سريعة قبل ان يلتفت الى الفتاة قائلا بترحاب فاتر
:اهلا يا صفاء ازيك .. خير ان شاء الله.
صفاء وهى تقترب منه حتى كادت تلتصق به وهى مازالت تنوح بصوتها
:الراجل صاحب البيت عاوز يطردنا بره انا وامى واخواتى علشان يعنى ما اتأخرنا عليه فى الاجرة كام شهر .. يرضيك كده يا سيد الرجالة !
تراجع صالح عنها للخلف خطوتين قائلا بوجه متجهم وصوت جاف
:طيب يا صفاء روحى انتى وانا هكلمه ونشوف الموضوع ده وهنوصل لحل ان شاء الله.
ضحكت صفاء ضحكة انوثية مغرية قائلة بعدها وهى تمر عينيها عليه بأعجاب سافر وقح
:تسلم ليا يا سيد الحارة كلها .. كنت عارفة انك مش هتكسفنى أبداً.
واقتربت منه اكثر وعلى حين غفلة ودون خجل وضعت يدها فوق صدره تمررها عليه لينتفض بعيدا عنها بعنف وعينيه تشتعل بالغضب جعلها تتراجع هى الاخرى بخوف وحرج ..
لكن فى اثناء تلك اللحظات كانت فرح تقف على باب المحل تنظر الى المشهد امامها بدم يفور ويغلى وهى تتخصر وسطها بيديها تهز قدمها بغضب وقد نزلت الى هنا ، حتى تتحدث اليه وتخبره عن ذهابها لزيارة شقيقتها برغم انها قد حصلت على موافقته من قبل فى الهاتف ، ولكنها وجدتها فرصة لرؤيته والتحدث معه بعد انتظارها له فى شرفة منزلهم ..
لتنزل اليه فور رجوعه لتفاجىء بهذا المشهد امامها فلم تستطيع التحكم بنفسها وهى تدلف الى الداخل صائحة بتهكم وقد اعمتها غيرتها
:وهو الشكر يا ست صفاء مينفعش وانت ايدك جنبك يا حبيبتى !
توترت صفاء وهى تلتفت اليها تهتف بترحاب مزيف برغم الحقد فى عينيها
: فرح !
ازيك ياحبيبتى وحشانى والله.
لم يلقى ترحيبها القبول من فرح تتقدم للداخل وهى تتطلع لصفاء من اسفلها لاعلاها قائلة بنفور
:كان نفسى والله اقولك وانتى كمان .. بس مش قادرة.
وفجأة نكزتها بحدة فى كتفيها تهتف بها بشراسة استدعت تحرك صالح للتدخل وهو يحاول ابعادها عنها وقد علم بما هو ات
: تانى مرة يا حلوة يا امورة ايدك جنبك لتوحشك .. فاهمة ولا تحبى افهمك
بطريقتى !
شهقت صفاء تتصنع الصدمة والذهول توجه حديثها الى صالح والذى امسك بفرح بين ذراعيه بعد ان تحولت الى نمرة
شرسة تسعى للقتال قائلة بميوعة
:عجبك كلامها يا سى صالح .. يرضيك كده !
زمجرت فرح تحاول الفكاك من تكبيله لها قائلة بغيظ
: سى صالح ايه يا بت .. ما تتعدلى فكلامك بدل ما اعدلك .. انتى هتتمايصى عليه .. انا واقفة دانا .. دانا...
اخذت تبحث عن كلمات تعبر بها عما ستفعله بها حتى شعرت بهتزاز صدر صالح الملاصق لظهرها دليل على محاولته امساك نفسه عن الانفجار بالضحك لتلتفت نحوه تهتف بشراسة به هو الاخر
:انت كمان بتضحك .. عجبك اووى اللى بيحصل من بنت الـ...
اتسعت عينى صالح بتحذير ينبهها بنظراته عن التمادى لتقطع كلماتها قبل ان تصل لسباب كاد ان يطلقه لسانها هو يهمهم بخشونة فى اذنها
: لمى لسانك واتهدى .. واعقلى كده وبلاش الجنونة بتاعتك دى هنا.
ثم التفت الى صفاء قائلا بحزم وحدة
: وانتِ يا صفاء اتفضلى من غير مطرود ومتجيش هنا تانى وانا هشوف موضوع صاحب البيت وهبعتلك سيد بالرد.
تجهم وجه صفاء يحتقن حرجا وهى ترمق فرح بغيظ وغل قبل ان تغادر المكان فوراً بخطواتها المتمايلة ، لتهمس فرح بعد خروجها وتلوى شفتيها بقرف وهى تتابع خروجها بعيون غيرة
: غورى داهية فى شكلك عيلة قليلة الحيا مايصة .. بوسط مفكوك.
انتبهت على صوته وهو يسألها بعد ان فك قيده لها يبتعد عنها ناحية مكتبه
:عاوزة ايه يا فرح ونازلة هنا ليه؟!
امسكت شفتيها بين اسنانها تتغير ملامحها للرقة وهى تتصنع الخجل فى صوتها قائلة بهمس
:كنت نازلة اقولك انى رايحة عند اختى سماح.
صالح بجدية برغم تراقص قلبه لرؤيتها امامه وقد اشتاقها منذ ذهابه عنها
:اظن انك قولتى ليا فى التليفون يبقى لازمتها ايه تجى هنا !
تجعد وجهها تغمغم من بين انفاسها بغيظ
:علشان حظى ان اقفش بنت الـ**** وهى واقفة تتمايع عليك يا اخويا ..
لكنها اجابته بدلا عن ذلك قائلة بخفوت رقيق
:جيت علشان وحشتنى .. وقولت انزل اشوفك قبل ما اروح عندنا .. غلطت يا صالح لما جيت؟
سألته بجديه وعينيها تتطلع اليه بأمل وهى تشع ببريق اختطفه وجعله يجلس بدون راحة فوق مقعده يتمنى لو انه ينهض عن مقعده يهرع نحوها يحملها بين ذراعيه ومن ثم يضعها على المكتب امامه ويقتل شوقه اليها والان ، دون ان يبالى او يهتم بمن سيراهم وقتها..
لكنه اسرع يتمالك نفسه يتنحنح قائلا بصعوبة وبصوت متحشرج متجاهلا سؤالها الاخير
: طيب يلا روحى علشان متتأخريش وابقى سلميلى على سماح.
مرة اخرى يحبطها ويصيبها بالألم لرده الجاف عليها وتجاهله المستمر لها ، لمحاولاتها التقرب منه ..
ترتفع غصة فى حلقها تخنقها وتهدد بانفجارها بالبكاء بمرارة هنا والان ، لتسرع هاربة تلتفت للمغادرة فوراً قبل انهيارها .. لكن اتى ندائه ليوقفها ، ولكنها لم تتوقف بل هرعت تغادر المكان فوراً ، وليظن انها لم تسمع ندائه لها فلا تثق بنفسها لو توقفت ثانية امامه الا تهجم عليه طلبا لاستجابة منه حتى ولو كانت غضبه.
جلس بعد خروجها يلعن نفسه وكبريائه وما يسببه لها من الم يغمض عينيه وهو يتنهد بتعب وارهاق غافلاً عن دخول عادل الى المكان بخطوات بطيئة حرجة ، حتى القى عليه السلام بصوت هادىء متردد ليعتدل فورا فى مقعده مرحبا به وهو يشير الى المقعد امامه قائلا
: تعال اقعد .. فينك من الصبح برن عليك وتليفونك مغلق.
هز عادل رأسه بالرفض قائلا بصوت مرهق
: لا تعال نخرج فى اى حتة نقعد بعيد عن هنا فى موضوع مهم ولازم اكلمك فيه.
هز صالح رأسه عينيه تراقبه بأهتمام ويرى حالته المشعثة وعينيه المتعبة كأنه لم يذق النوم ليلة امس ليهمس صالح له بحرج وتردد هو الاخر
: عارفه الموضوع ده يا عادل وصدقنى عمره ما هيغير اللى بينا أبداً دانت اخويا وعشرة عمرى .. وبعدين الجواز ده قسمة ونصيب.
شع وجه عادل بالفرح يسأله بلهفة
:بجد يا صالح يعنى مش زعلان منى بعد اللى حصل؟!
نهض صالح على قدميه يلتف حول المكتب يتجه نحوه ويحتضنه بقوة وهو يربت فوق ظهره بقوة
: انا عمرى ما ازعل منك يا عادل .. مهما حصل مفيش حاجة ممكن تخسرنا بعض.
شدد عادل من احتضانه هو الاخر يشعر بأمتنان لصديق عمره لتفهمه واحساسه بما يشعر به ، فلا يزيد من اوجاعه وحرجه..
ليظلا هكذا للحظات كانت ابلغ من اى حديث حتى ابتعدا عن بعضهم ليقول عادل بصوت متحشرج
:برضه تعال يلا نخرج .. خلينا نتكلم ونفضفض مع بعض انا برضه حاسس انك عندك كلام كتير عاوز تقوله ليا.
ابتسم صالح لصديقه عمره وقد شعر بما يمر به ليهز لرأسه له بالموافقة ليغادرا معا المكان لجلسة مصارحة بين الاصدقاء افتق
داها طويلا .
**************************
عادت من منزل اهلها تصعد الدرج بأرهاق وفقد ظنت ان ذهابها الى شقيقتها قد يخرجها من حالتها وقد ترتاح نفسها حين تتحدث معها ، ولكن للاسف لم تنال تلك الرفاهية فقد جلست طوال الجلسة هى وشقيقتها كل واحدة منهم فى وادي .. افكارها بعيدا عن الاخرى حتى يأست أخيراً تنهض لتغادرحتى تعود الى منزلها ، وقد اصبحت لا تشعر بالسلام والراحة الا فيه.
وقفت امام الشقة الخاصة بحمويها تتردد يديها لطرق الباب ام تصعد على الفور لشقتها ، لكنها حسمت امرها سريعا تضغط جرس الباب وماهى الا لحظات حتى فتحت لها ياسمين الباب والتى ما ان رأتها حتى شعت من ملامحها الغل والكره..
لكن ما اثار حفيظتها وخوفها هى تلك الابتسامة الشامتة والشر بها قد ارتفعت سريعا على شفتيها وهى تفسح لها الطريق دون كلمة تشير لها بالدخول ، لتتقدم فرح ببطء للداخل تسمع اصوات حادة عالية ومن بينها صوت صالح الهادىء وهو يتحدث لشقيقه الواقف امامه بجسد متحفز غاضب..
تتطلع نحوهم وقد علمت موضوع حديثهم وقد جلسوا غافلين عن وقوفها امام باب الغرفة ففضلت الانصراف عن الدخول وهم فى وسط حديث خاص ، لتلتفت مرة اخرى للمغادرة..
لكنها تجمدت مكانها وهى تسمع صوت حماتها الباكى تتوسل ابنها البكر
:يابنى الله يهديك .. فكر فى عيالك والعيل اللى جاى فى السكة ده .. اعقل ياحسن مراتك حامل يابنى يعنى دول هيبقوا اربع عيال فى رقبتكم .. حرام يضيعوا فى النص ما بينكم.
لم تعلم لما فى هذا اللحظة انتبه الجميع لوقوفها وقد التفت اليها اربعة رؤوس تحمل عيون مصدومة واسفة.
هل صدر عنها صوت او شهقة صدمة نبهتهم لوجودها ام هو فقط حظها السيئ ، لكنها اسرعت برسم ابتسامة ضعيفة مرتعشة تهمس بشفاه مرتجفة وصوت خرج بصعوبة باعتذار متلعثم قبل ان تسرع بالمغادرة فوراً تترك المكان فى الحال.
--------------
رواية ظلمها عشقا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فرح صالح
جلست وعيناها تتطلع نحو الباب الخارجي، تفرك كفيها معًا بتوتر وهي تهز قدميها بسرعة واضطراب في انتظاره. يتحفز كل عصب بها لما هو قادم وتعلمه جيدًا، لكنها مستعدة له.
تتذكر جيدًا تلك النظرة بعينيه وهو يرى والدته تهرول نحوها تقبلها على وجنتها بحنان بعد أن لحقتها عند الباب. تحاول جذبه لحديث عن أحوال أهلها بصوت مرتبك مشفق، تحاول به تمرير الأمر.
أجابتها عليه بصوت متلعثم خافت، ثم ساد الصمت المكان بعدها وكل الأعين تتطلع إليها باهتمام كأنهم في انتظار شيء منها. لتمر أسوأ خمس دقائق في حياتها قبل أن تسرع بعدها بالاستئذان للانصراف بعد أن ألقت نظرة أخيرة نحوه.
تراه يحني رأسه أرضًا يتطلع لموضع قدمه وهو يضغط على فكه بقوة، وقد دس قبضتيه داخل جيبه كأنه يمنع رغبته في تحطيم المكان من حوله. لتفر هاربة بعد عدة كلمات غير مفهومة منها.
لتجلس من وقتها حتى الآن في انتظاره لشرح الأمر له. تهتف بغيظ تتحدث لنفسها عندما عاودها مشهده هذا:
"عليكِ وعلى بختك يا فرح.. دلوقتي زمانهم قاعدين يقولوا إني زعلانة إن المخفية سمر حامل."
هتفت تحدث نفسها بحنق كأنها شخص أمامها:
"وانتي ياختي مش عارفة تمسكي نفسك ورحتي تشهقي قدامهم، ما كنتي تطلعي من سكات.. أهو زمانه بيقول إنك زعلانة."
تنهدت بحسرة تكمل قائلة بندم كأنه حدث لها انفصام في الشخصية:
"هو مش زمانه، هو أكيد افتكر إني زعلانة بس غصب عني والله.. أنا كل اللي جه في دماغي ساعتها هو وبس واللي هيحس بيه بعد الخبر ده... وإننا نرجع تاني من أول وجديد وأنا ما صدقت إنه يلين شوية."
رفعت كفيها وهي تنظر للسماء قائلة بغضب:
"روحي منك لله يا سمر، حتى وإنتي مش موجودة مؤذية.. كانت حكمت ياختي إنك تحملي دلوقتي.. أكيد هيطلع دلوقتي من تحت مركب الوش الخشب ويبعد عني تاني."
مرت بها عدة دقائق على حالها هذا تنصب لنفسها المحاكمات حتى سمعت أخيرًا صوت المفتاح يدار في قفل الباب. ل تنهض على قدميها بتحفز واستعداد وهي تراه يدلف إلى الداخل بهدوء ووجه بارد دون تعبير، يلقي بمفاتيحه في مكانه المعتاد ثم يتحرك بالاتجاه المعاكس لها متجاهلاً إياها تمامًا.
لتضرب الأرض بقدميها هامسة بحنق:
"اتفضلي يا ستي اتبسطتي.. أهو اللي حسبتيه لقيته.. أعمل إيه أنا دلوقتي!"
لكنها لم تتوقف لتفكير طويلاً، بل أسرعت خلفه لداخل غرفة النوم تراه وقد شرع في تغيير ملابسه بوجه جامد كأن لا أحد معه في المكان. لتقف مراقبة إياه وقد انعقد لسانها تبحث عن طريقة لبدء الحديث للحظات صامتة.
حتى وجدته يستلقي على الفراش بعد أن أغلق الضوء بالجانب المخصص له، فأدركت أن لا وقت لتردد آخر. لتسرع نحوه تجلس خلف ظهره على الفراش تناديه بهمس متردد مع لمسة رقيقة منها فوق كتفه. انتفض لها جسده بعنف كأن مسته الكهرباء.
شعرت بها كأنها انتفاضة نفور منه لها، لكنها لم تستسلم تناديه مرة أخرى فيرد عليها هذه المرة ولكن بصوت مجهد أجش:
"عارف يا فرح.. عارف عايزة تقولي إيه بالظبط.. بس صدقيني مش هقدر أتكلم في حاجة دلوقتي."
نغزها قلبها بألم وهي تسمع نبرة صوته هذه، تشعر بكل ما يشعر به الآن من أوجاع. ل تمتلئ عيناها بالدموع رغما عنها، تجيبه بصوت مرتعش من أثر اختناقها بالدموع:
"طيب ممكن تسمعني الأول.. أنا بس كنت عاوزة أقولك.. إني..."
لم تستطع إكمال حديثها تختنق بغصات البكاء. حاولت مقاومتها كثيرًا لكنها فشلت فشلاً ذريعًا وهي تراه بهذه الحالة أمامها، وكانت هي السبب بها حتى ولو كان دون قصد منها. تشهق بالبكاء عاليًا بصوت جعله يتنفض في الفراش جالسًا ثم يلتف إليها يهتف بجزع:
"طيب بتعيطي ليه دلوقتي.. مفيش أي حاجة تستاهل إن دموعك دي تنزل عشانها."
انفجرت أكثر في البكاء تلقي بنفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة تتشبث به بقوة. ليزفر صالح بقوة هامسا بصوت حزين متألم:
"عارف والله بكل اللي إنتي حاسة بيه.. وعارف إني أناني وجبان.. بس غصب عني كل اللي بيحصل ده وصدقيني لو بإيدي مش هخليكي تعيطي في يوم بسببي.. بس.. مش قادر أبعدك عني وأسيبك لحد غيري يحقق لك حلمك."
ابتعدت عنه تهتف بقوة وحزم رغم الدموع في عينيها، تسرع بالتصحيح له بعد أن أساء فهم سبب بكائها:
"بس أنا مش عايزة من الدنيا دي غيرك، إنت حلمي يا صالح.. إنت وبس.. ليه مش قادر تفهم ده.. ليه غاوي توجعني كل شوية!"
أحاط بكفيه وجنتيها تتعاقب على وجهه المشاعر كأنه داخل حرب مع نفسه لا يدري لها نهاية، كأنه خائف أن يعطي نفسه أملًا زائفًا. يسألها بعدها بتردد وعدم يقين:
"يعني إنت مش بتعيط دلوقتي عشان الأخبار اللي سمعتيها عن سمر وإنها حامل؟!"
"طب واللي حصل منك تحت ده كان سببه إيه!؟"
صرخت به بصوت باكي نافذ الصبر:
"وأنا مالي ومال سمر.. أنا كل اللي يهمني إنت واللي حصل مني كان عشانك إنت وبسببك إنت.. عشان كنت عارفة إنك أكيد هتزعل وأكيد هتفتكر إن أنا كمان هزعل وهنرجع تاني لنفس الدوامة."
أخفضت نظراتها بعيدًا عن عينيه تهجرها شجاعتها، يتلون وجهها قائلة بخفوت وصوت يائس:
"إنت ليه مش عاوز تفهم إن مفيش حاجة غيرك إنت بس اللي تهمني..!"
"ليه مصمم كل مرة تعمل نفسك مش سامعني وأنا بقولك بحبك.. ليه فاكر إنها شفقة أو عطف مني عليك؟"
رفعت عينيها مرة أخرى إليه، ولكن هذه المرة لمعت بالإصرار والحزم، تشن هجومها عليه دون أن تمهله فرصة للرد أو حتى التفكير وهي تكمل له:
"تفتكر إيه اللي يخليني أرجع تاني معاك بعد كلامك اللي زي السم اللي سمعته ليا.. وشكك فيا إني أكون طلعت أسرارك وأسرار بيتي برة حتى ولو لأختي."
هم بالرد عليها وقد تحفز كل عصب به بانتباه لحديثها، تتعالى خفقات قلبه. لكنها وضعت سبابتها فوق شفتيه توقفه عن الكلام تسرع قائلة بتأكيد:
"لأ مش عشان شلتني زي شوال الرز.. ولا عشان إنت الراجل الجامد الـ..."
تنحت تقطع كلماتها بعد أن اتسعت عينيه بتحذير وتهديد جعلها توقف تهور لسانها:
"احمم... لأ هو إنت فعلاً جامد وتخوف لما تغضب وتتعصب وبتخليني أترعب منك، بس برضه مش ده السبب اللي خلاني أرجع معاك."
همس من تحت سبابتها يسألها بنعومة ورقة:
"طيب يا ترى إيه هو السبب مدام مش كده؟!"
اقتربت بوجهها منه صارخة به بنفاذ صبر:
"مانا بقالي يومين عمالة أقوله لجنابك وإنت برضه مش مصدق.. سادد ودانك عن أي كلام مني."
قطع المسافة بين وجهيهما حتى أصبحا لا يفصل بينهما سوى شبر واحد، تزدرد لعابها بصعوبة حين انحنت نظراته على شفتيها يهمس فوقهم بأنفاس دافئة وبصوت ناعم بطيء أذابها تمامًا:
"طيب قوليه مرة كمان.. وأوعدك إني هصدقك المرة دي."
وفي لحظة تهور منها ودون تفكير قطعت هي المسافة المتبقية بينهم تلثم شفتيه بشفاه مرتعشة هامسة بصوت أجش فوقهم:
"بحبك.. يا قلب ونن عين فرح من جوه."
أغمض عينيه باستسلام مستمتع، وقد كانت مع كل كلمة تنطق بها تقبله قبلات رقيقة كهمس النسيم تزداد شغفًا ولهفة مع كل حرف. حتى انتهت كلماتها وكانت قدرته على التحمل قد انتهت معها. ينقض على شفتيها يتأوه فوقها قبل أن يلتهمها في قبلة أطاحت بكل تمهل أو تعقل بينهم. وفي لحظات كان يأخذها برحلة إلى نعيم عالمه الخاص بهم.
أعادها منها بعد فترة طويلة على وقع كلمات رفعتها للسحاب حين همس بصوت لاهث مرتجف وهو يستند بجبهته فوق جبهتها:
"بحبك يا فرح.. بحبك يا فرحة حياتي كلها."
فجأة توقف بها الزمن تتسائل بلهفة وذهول لنفسها:
"هل من الممكن أن يموت الإنسان من فرط سعادته؟ هل من الطبيعي أن يقفز القلب خارج الصدر من شدة ضرباته الفرحة السعيدة؟"
هذا ما شعرت به وتساءلت عنه بعيون متسعة مذهولة لا تستطيع أن تصدق بأنها قد سمعتها أخيرًا منه، حتى ولو كانت نتيجة للحظات التقارب هذه بينهم. تبتسم ابتسامة سعيدة بلهاء أنارت ملامحها بشدة قبل أن تحتضنه بقوة إليها وقد أغمضت عينيها هي الأخرى بنشوة ترغب بالاحتفاظ بها وبتأثير كلماته الثمينة عليها إلى الأبد.
***
"إنت اتجننت يا شاكر أنور مين اللي عاوزني أتجوزه؟"
صرخت أماني بغضب وعلى وجهها ارتسمت الإهانة من طلبه هذا منها، تكمل بعدم تصديق وذهول:
"بقى بعد ما كنت مرات صالح الرفاعي أبقى مرات الحشرة ده.. عقلك خرف ولا إيه حكايته بـ..."
صرخت بألم حين هوى شقيقها بلطمة منه على خدها يخرسها عن حديثها. لتهب والدتهم صارخة هي الأخرى بفزع تقف حائل بينهم خوفًا من ولدها، وقد ارتسم الشر فوق وجهه وهو يصرخ بحنق ووجه محتقن غاضب:
"الخرف ده حصل في مخك إنتِ.. واديكِ قولتي يا عين أمك كنتي مراته.. يعني خلاص فركش وانتهى وكل واحد راح لحاله.. هتستني إيه تاني بعد ما اتجوز واحدة تانية غيرك.. ها عايزة أعرف مسنية إيه تاني ردي عليا!!"
كانت أماني بتبكي بشدة وهي تندس في أحضان والدتها بحماية، التي وقفت بظهرها أمام شاكر خوفا من بطش يديه، وقد حاول أن يطال خصلات شعر أماني حتى يجذبها بعيدًا عنها. لتهتف به والدته برجاء وذعر:
"خلاص يا شاكر.. كفاية لحد كده.. روح إنت لشغلك وأنا هقعد معاها وأعقلها."
شاكر وقد انتفخت عروقه واسود وجهه الغاضب هادرا بصوت جهوري ثائر:
"عقليها يا ماما.. وعرفيها إن صالح خالص مبقاش منه رجا.. وإلا والله لكون دفنها تحت رجلي وأخلص منها ومن همها بقى."
تحرك مغادرًا بخطوات واسعة غاضبة، لكن توقف على بعد خطوتين من الباب يلتفت مرة أخرى لهم قائلاً بسخرية واحتقار:
"ولما هو صالح ياختي كان حبيب القلب أوي كده.. كنتي بتقلي بأصلك معاه ليه.. ولا هي الوسا**ة في دمك وخلاص.. اتفوا على صنف الحريم اللي زيك."
أكمل طريقه يفتح الباب وهادرا بغضب وتقزز:
"ده يبقى راجل ناقص لو فكر يرجع رمة زيك لعصمته تاني."
دوى صوت إغلاق الباب خلفه بعد أن أنهى كلماته كطلق الرصاص. لتنهار أماني بعدها بين ذراعي والدتها قائلة ببكاء:
"شوفتي شاكر يا ماما.. شوفتي بيقولي إيه..؟"
أسندتها والدتها حتى جلست بها فوق الأريكة تحتضنها بحنو وهي تربت فوق شعرها قائلة بصوت هادئ ولكنه تخلله بعض الحزم:
"أخوكي عنده حق يا أماني كفاية لحد كده يا بنتي."
رفعت أماني رأسها تنظر لها بصدمة وألم، ولكنها لم تهتز بل أومأت لها تكمل بشيء من القسوة:
"أيوه يا أماني صالح لو عاوز يرجعك كان عمل ده من بدري، وعدتك خلاص مبقاش فيها غير هو الأسبوع."
أسرعت تكمل حين وجدتها تهم بالصراخ مستنكرة توقفها قائلة:
"أنا مش بقولك وافقي على ظاظا بس كمان مش هنوقف حالنا على حد هو أصلًا مش سأل فينا.. وبعدين يعني..."
ترددت للحظة بحرج لتسرع أماني بالاكمال بدلاً عنها قائلة بحسرة وندم:
"كملي يا ماما وقولي اللي ابنك متكسفش يقوله.. قولي إنه عنده حق ميعبرنيش بعد اللي عملته فيه."
لكن فجأة اختفت الألم والحسرة من عينيها لتمتلأ بالإصرار والشراسة تكمل بتصميم:
"بس لأ لأ مش هيفضل الحال ده كتير.. ولازم كل ده يتغير."
سألتها والدتها بخشية وقلبها يرتجف من الرعب:
"ناوية على إيه يا أماني؟ اعقلي يابنتي مش ناقصين فضايح."
وقفت أماني على قدميها تنظر أمامها كأنها في عالم آخر شاردة عن أي حديث آخر غير ما اهتدى له عقلها. ولكن يوقفها شيء عن تنفيذه.
***
داخل الشقة الخاصة بأنور ظاظا، وفي جو معبأ بالأدخنة، جلس مليجي أرضًا وفي يده كوب من إحدى المشروبات الروحية، وفي اليد الأخرى إحدى لفافات التبغ. وبوجهه حزين صوت ضعيف غير مترابط أخذ يتحدث لنفسه أكثر منه إلى أنور المستلقي في الأريكة بحالة مماثلة لحالته:
"مكنتش عارف إن كريمة والعيال هيوحشوني كده.. ده حتى البت سماح هي وفرح كمان وحشوني... هو البعد ممكن يعمل كده في الواحد ولا إيه..!"
صدحت ضحكة أنور الساخرة، تتعالى معها صوت سعاله الشديد وهو يحاول تمالك نفسه قائلاً بصوت أجش:
"إيه يا مليجي هي الحبس هتخليك تحب على روحك ولا إيه.. اجمد كده يا راجل عيب عليك."
ومليجي وقد اغرورقت عيناه بالدموع:
"والله مانا عارف مالي.. بس أنا مبقتش قادر أبعد عنهم أكتر من كده."
أسرع أنور بالنهوض يتهفه به بصوت مرح لكنه لا يخلو من التحذير:
"لأ بقولك إيه اقفل على اسطوانة الحنين والشجن دي يومين بس وليك عليا كل حاجة هتتحل وترجع تحب فيهم زي ما إنت عاوز.. بس نهدى كده ونعقل، وإلا إنت عارف صالح هيعمل فيك إيه لو عرف لك طريق ولا لمحك بس."
نهض مليجي على قدميه يهتف به بحدة غير معتادة منه:
"صالح ده هو اللي بيصرف على بيتي من بعد سماح ما قعدت من الشغل.. كريمة كلمتني وقالت لي كل حاجة."
نهض أنور على قدميه هو الآخر صارخًا:
"ما يصرف ولا يولع.. يعني هو كان بيصرف عشان سواد عيونك.. لأ يا حبيبي اصحى وفوق.. لو عليه كان فرمك تحت رجله من زمان بس هو شاري خاطر عيون البرنسيسة بنت اختك."
اقترب منه يربت فوق كتفه قائلاً:
"اعقل كده وزي ما بقولك كلها يومين واللي في بالي هيحصل وكله هيتحل.. محصلش يبقى ليها ترتيب تاني مكنتش عاوز ألجأ ليه بس هقول إيه بقى هو اللي هيضطرني لكده."
مليجي بوجه شاحب ومتوجس:
"وايه هو الترتيب ده بقى.. دم برضه زي المرة اللي فاتت؟"
ارتسمت ابتسامة غل وخبث فوق شفتي أنور قائلاً ببطء وهدوء:
"لأ متخافش مفيهاش دم المرة دي.. وبعدين أنا عارفك مش بتاع الكلام ده.. وبصراحة يا مليجي الشغلانة دي مينفعش فيها غيرك إنت.. ولا عشان أكون واضح ومظبوط معاك في كلام الشغلانة دي مفيش حد هيعرف يعملها غير كريمة مراتك.. بس طبعًا بعد إنت ما تقنعها."
فغر مليجي فاه ينعقد لسانه داخل حلقه وقد اتسعت عيناه بالرعب وهو يرتجف في وقفته وقد أصبحت الأمور خارجة عن السيطرة تمام. يشعر كأنه فوق رمال متحركة تجذبه حتى كاد قاب قوسين من الغرق بداخلها ولا طريق أمامه للنجاة.
رواية ظلمها عشقا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فرح صالح
تململت في نومها على صوته الحنون يهمس برقة يناديها حتى تفيق.
لتتمطى في الفراش كقطة صغيرة مدللة، تهمهم له بكلمات غير مفهومة.
جعله يبتسم بحنان وينحني عليها مقبـ.ـلاً شفتيها، ويده تزيح خصلات شعرها المبعثرة حول وجهها.
هامسا: "قومي يلا.. أنا حضرتلك الفطار.. افطري وأنا هنزل الشغل وهبقى أرجعلك على الغدا."
رفعت ذراعيها تعقدهما خلف عنقه، وهي تفتح عينيها هامسة له برجاء: "علشان خاطري خليك معايا النهاردة وبلاش تنزل."
لثم شفتيها قبل أن يهز رأسه لها بالرفض قائلاً بصعوبة وصوت متحشرج: "مش هينفع.. انتي عارفة حسن اليومين دول دماغه مش فيه ومش هيقدر يمشي الشغل لوحده ولازم أبقى موجود معاه."
أصابها الإحباط من إجابته، تضم شفتيها كطفلة صغيرة حزينة.
لتعلو الابتسامة وجهه وقد أدرك محاولتها للتأثير عليه، قائلاً لها بحزم رقيق وابهامه يمر فوق شفتيها بلمسة ناعمة: "برضه مش هينفع.. ويلا قومي وبطلي دلع."
ابتعد عنها بعدها خارجاً من الغرفة في اتجاه الحمام.
لتتابعه بنظرات محبطة حزينة، قبل أن تلمع بالخبث والشقاوة.
تنهض عن الفراش سريعاً ترتدي ملابسها، ثم تجري للخارج.
لتمر عدة لحظات وقفت خلالها داخل المطبخ تعطى ظهرها للباب، ولكن بحواس منتبهة حذرة.
حتى ارتفعت بسمتها ببطء حين دلف إلى المطبخ يسألها بحيرة: "فرح ما شوفتيش مفاتيحي.. قلبت عليها الشقة ومش لاقيها؟"
عدت من واحد إلى ثلاثة ببطء، قبل أن تلتفت إليه بوجه بريء حائر قائلة: "لا يا قلب فرح.. بس هتروح فين يعني هتلاقيها وقعت هنا ولا هنا."
قاوم الابتسام بفرحة لـلفظ التحبيب والذي خرج منها بعفوية خطفت قلبه.
يهز رأسه لها بالإيجاب، قبل أن يختفي مرة أخرى.
لتتراقص بخطوات سعيدة منتصرة وهي تدور حول نفسها، غافلة عن عودته واقترابه البطىء منها حتى أصبح خلفها تماماً.
يلف ذراعه حول خصرها قائلاً بخشونة وصوت أجش وهو يمد يده الأخرى لها: "اطلعي بالمفاتيح يا فرح وبلاش شغل العيال بتاعك ده."
تجمد جسدها بعد صدمة منها، تزدرد لعابها بصعوبة بعد أن كشف أمرها قائلة بتلعثم وإنكار: "مخدتش حاجة.. وعلى فكرة المفا..."
قطعت كلماتها وهو يلفها بين ذراعيه ببطء.
انحنت رأسها بخجل حين رأته ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة معرفة، وهو ما زال يمد يده نحوها كأنه لم يصدق حرفاً من إنكارها.
لتزفر بحنق وإحباط، تقلب عينيها بإستسلام وهي تمد يدها إلى مقدمة قميصها تخرج له المفاتيح.
لتصدح ضحكته العالية تهز أرجاء المكان وتخطف معها دقات قلبها وهي تراه يهز رأسه وهو ينظر بعدم تصديق للمفاتيح بيده، هاتفا: "يخرب بيت عمايلك وجنانك.. أنا عارف إن آخرتها هتجننيني معاكي."
اللمعت عينيها، وعلى حين غفلة منه أسرعت بخطف ميدالية المفاتيح من يده تجري بها ناحية الباب قائلة: "حيث كده ومدام جنان بجنان.. لو عرفت تمسكني يبقى حلال عليك المفاتيح وتخرج زي ما أنت عايز."
وقف مكانه مذهولاً للحظة، قبل أن تسرع قدميه خلفها يجرى ورائها في أنحاء المكان، تتعالى صرخاتهم الممازحة.
حتى استطاع أخيراً وبصعوبة الإمساك بها.
يرفعها فوق كتفه يتجه بها ناحية غرفة النوم.
وقد تدلت رأسها وخصلات شعرها تنسدل على ظهره، لتسأله بتدلل وغنج: "إيه يا صالح باشا مش عاوز المفاتيح علشان تلحق مصالحك وشغلك ولا إيه!"
لم يجيبها حتى دخل بها الغرفة يلقيها فوق الفراش، ثم يشرع في فك أزرار قميصه وعينيه مثبتة عليها قائلاً بابتسامة متلاعبة: "لا مش عاوزها.. الشغل اللي هنا أهم كتير."
تراقص قلبها بفرحة وعينيها تتشرب ملامحه بنظرات هائمة، وهي تراه يقترب منها ثم يستلقي بجانبها يجذبها إليه بنعومة.
ثم يدفن وجهه في حنايا عنقها يقـ.ـبل بشرتها ببطء أصابها بالارتجاف.
ينتابها شوق عارم لسماع تلك الكلمات منه مرة أخرى الآن، فلا تستطيع المقاومة.
تهمس له تناديه بتعثر، ليهمهم لها بذهن غائب وحواس هائمة بها يجيبها.
فتسأله بصعوبة وتلعثم: "امبارح واحنا.. انت يعني.. قولت ليا.. بعد يعني..."
رفع وجهه ببطء نحوها وقد أدرك عن أي شيء تريد أن تسأل.
يرى مدى حاجتها لتلك الكلمات وهو يرى عدم يقينها وقلقها في عينيها.
ليبتسم برقة يمرر ظهر أنامله على بشرة وجهها، يهم بإجابتها ويعيدها عليها مرة بعد مرة دون كلل أو ملل منه.
ولكن ولحظها السيئ، دوى صوت جرس الباب عالياً كسرينة إنذار، بعد وضع من بالخارج إصبعه على الجرس دون رفعه للحظة.
لينهض صالح بسرعة بعيداً عنها، يختطف قميصه قائلاً باستياء: "تلاقيه سيد وطالع يستعجلني علشان المفاتيح.. هروح أطرقه وأرجعلك هو."
أومأت له بصعوبة، ليسرع بالخروج فوراً من الغرفة.
فتهتف بعدها بحسرة وغيظ: "شوفتوا الحظ.. يعني مكنش عارف يتأخر ثواني.. ده كان هينطقها خلاص."
زفرت بإحباط، تمر عليها لحظة بعد أخرى حتى نفذ صبرها بعد أن طال تأخره عليها.
تنهض وترتدي إحدى العباءات فوق قميصها.
وتضع حجابها بعشوائية تغطي به شعرها، ثم تخرج من الغرفة.
تتجاهل ما تخبرها به أفكارها بأنه ربما قد خرج وتركها دون حتى وداع منه.
حتى وصلت بها أقدامها إلى غرفة الاستقبال.
لتتجمد أطرافها بعد أن انسحبت الدماء من داخل عروقها، تفغر فاهها بصدمة وهي تراه كما توقعت أن تجده.
ولكنه لم يكن لوحده، بل وقف في منتصف الغرفة وقد تعلق بعنقه آخر شخص كانت تتوقع رؤيته هنا وفي تلك اللحظة.
رواية ظلمها عشقا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فرح صالح
وقف بجمود يراها أمامه بوجهها الشاحب وعيونها زائعة النظرات، وهي تمررها عليه باشتياق. يبدو عليها الاضطراب وهي تهمس له بصوت ضعيف متوتر:
"ازيك يا صالح.. وحشتني..."
قاطعها قبل أن تكمل كلمتها تلك، يسألها بحدة وخشونة:
"جاية هنا ليه يا أماني وعاوزة إيه؟"
ازدادت اضطرابًا، ترتسم الصدمة فوق ملامحها كما لو كانت لم تتوقع منه تلك المعاملة لها، لكنها أسرعت بالتماسك قائلة بنبرة متوسلة باكية:
"عاوزة أتكلم معاك.. أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير.. بس صدقني ما فيش قدامي غيرك أنت عشان يلحقني."
زفر صالح بقوة، يظهر على وجهه أنه بين صراع بأن يقوم برفض طلبها وطردها من أمامه، أو الاستسلام لطبيعته والقيام بمساعدتها. بينما وقفت هي مكانها تراقب هذا الصراع باطمئنان وثقة، تعلم جيدًا من المنتصر في النهاية. وقد كان حين رأته يشير لها ناحية الداخل لاستقبالها، لتبتسم خفية بانتصار وتدخل إلى الشقة تنظر في أنحائها باشتياق.
حتى وصلت إلى غرفة الاستقبال، لتقف في منتصفها وهي تتطلع في كل ركن بها قائلة:
"وحشتني الشقة ووحشني كل حاجة فيها..."
ثم التفتت إليه تكمل قائلة بلهجة ذات مغزى ونظرات خبيثة:
"بس واضح إنك لسه محتفظ بكل حاجة زي ما هي.. مش غريبة دي!"
أدرك صالح ما ترمي إليه بكلماتها، ليجيبها ببرود وجفاف شديد:
"أظن إنك مش جاية الساعة دي عشان تتأملي في جمال الشقة والعفش.. فيا ريت تدخلي في الموضوع على طول عشان مستعجل وورايا شغل."
جفلت أماني بشدة، يزداد شحوب وجهها من طريقته وأسلوبه الجاف هذا معها. نعم، هي لم تكن تتوقع منه أن يقابلها بالورود والترحيب بعد كل ما حدث بينهم، لكنها أيضًا لم يكن في حسبانها تلك الطريقة منه. لتزدرد لعابها بصعوبة قائلة بتلعثم شديد:
"أنا كنت جاية عشان.. أعرفك إن أخويا شاكر.. جايب ليا عريس.. مصمم إني أوافق عليه وعاوز..."
قاطعها مرة أخرى عاقدًا ذراعيه فوق صدره يسألها بتلك النبرة الجليدية:
"وأنا إيه دخلني ويخصني في إيه أعرف ولا معرفش؟"
أماني بلهفة مستنكرة وهي تقترب منه بخطواتها:
"إزاي يا صالح أنت مش جوزي.. يعني لازم أعرفك!"
أخفى صالح ذهوله من حديثها، وقد وضح أمامه الآن سبب مجيئها إليه، ليجيبها بغضب مكبوت وصوت خرج عنيف شرس رغم ما تكبده للسيطرة على انفعالاته:
"واديني عرفت ووصلت لي المعلومة.. المطلوب مني إيه بقى!"
اتسعت عيناه بذهول وهو يحاول التراجع للخلف بعيدًا عنها، بعد أن فجأة ودون مقدمات ألقت بنفسها بين ذراعيه بقوة جعلته رغما عنه يتمسك بها خشية السقوط هو وهي أرضًا، وقد أخذت تبكي وتنوح وهي تلقي برأسها فوق كتفه قائلة:
"رجعني ليك يا صالح.. رجعني وأنا هعيش خدامة تحت رجليك.. رجعني وأنا مش عاوزة حاجة منك تاني لا عيال ولا مال ولا الدنيا كلها.. أنت بس كفاية عندي.. بس رجعني ليك."
في أثناء ذلك، كانت فرح قد وصلت لمكان وقوفهم، ترى بعيون مصدومة هذا المشهد أمامها، تشعر بقبضة تعتصر قلبها بقسوة، كادت أن تزهق روحها. تحاول التراجع للخلف والهروب من المكان بعد أن صدر عنها شهقة مخنوقة. انتبه لها صالح، فيلتفت نحوها يتطلع إليها، ولاول مرة ترى الخوف والاضطراب في عينيه، قبل أن يدفع عنها أماني بقسوة كادت أن تلقيها أرضًا وهي تتعثر للخلف.
لكنه لم يبالِ بها، بل تقدم بخطواته نحو فرح وعيناه مثبتة على عينيها الملتمعة بدموع كانت تكبتها بصعوبة، يناشدها بنظراته الراجية أن تثق به وتنتظر منه التوضيح. لكنها تراجعت للخلف بخطواتها مبتعدة عنه وهي تهز رأسها له بعدم تصديق وصدمة، جعلته يتوقف مكانه متجمدًا وعلى وجهه خيبة أمل، وقد تهدل كتفاه بهزيمة.
لتتوقف خطواتها رغما عنها، وقد تأثرت ومست قلبها وقفته تلك ورؤيتها له في تلك الحالة، لتثبت في مكانها بعد أن كانت في طريقها للفرار من المكان كله. تدفع عن وجهها ملامح الصدمة والرفض، وتحل بدلاً منهما الثقة والثبات، برغم ما تشعر به بعد رؤيتها ما حدث منذ قليل، لكنها اختارت الإيمان والثقة به.
يشجعها قلبها على قرارها هذا وهي تتقدم مرة أخرى نحوهم بطريقة جعلت ابتسامة إعجاب وسعادة ترتفع لشفتيه وهو يتابع تقدمها منهم قائلة:
"مش تقول يا حبيبي إن عندنا ضيوف.. عشان كنت أخرج أستقبلهم معاك."
مد يده نحوها يستدعيها لجواره، لتدس يدها بها مرحبة به، وهو يقوم بجذبها نحوه يضمها إلى جانبه، ثم يحيط كتفيها بذراعه مقبلًا جبينها ببطء وتبجيل، تحت مراقبة عيون أماني المشتعلة بالحقد والغيرة، وقد احتقن وجهها بالدماء حتى أصبح على وشك الانفجار. بعد أن تحدث برقة قائلاً:
"مش مستاهلة يا حبيبتي.. أماني كانت ماشية تاني على طول."
ثم التفت إلى أماني ببطء وعيناه تطلق سهام الغضب والتحذير، وهو يطالبها بهما بالانصراف. لكنها لم تبالِ، بل اندفعت نحوه صارخة بغيظ:
"لا مش همشي يا صالح.. ولازم الهانم دي تعرف أنا إيه بالنسبة ليك وأنت اتجوزتها ليه وعلشان إيه!"
شعرت فرح بجسده يتشدد بجوارها، وأظافره تحفر عميقًا في لحم ذراعها بقوة، وقد طغى على وجهه الغضب الشديد بطريقة أرعبتها وجعلتها ترتعش بخوف منه، تحمد الله أن غضبه هذا ليست هي مركزه، بل كانت أماني، والتي من الواضح رفضت أو قررت تجاهل استقبال تلك الإشارات منه، وما زالت تقف أمامه إلى الآن ولم تفر هربًا بعد.
حل ذراعه عن فرح يتقدم منها ببطء وهو يفح من بين أنفاسه بشراسة:
"عاوزة تعرفي انتي بالنسبة ليا إيه يا أماني.. حاضر هقولك.. وكويس إن فرح موجودة عشان تسمع زي ما أنت عاوزه."
انحنى نحوها على حين غفلة بسرعة جعلتها تصرخ عاليا تتراجع برأسها بعيدًا عنه بخوف وارتعاب، وقد تسارعت أنفاسه بخشونة من شدة كبحه لنفسه ولغضبه، حتى لا يطالها بيديه يهشمها بهما، قائلاً ببطء شديد وقسوة حتى تحفر كلماته عميقًا في عقلها وتبدد غيمة ثقتها المنفرة له في مكانتها عنده وفي حياته قائلاً:
"جوازي منك كان أبشع حاجة حصلت ليا في حياتي.. أنتِ الشخص الوحيد اللي بدعي إن لا أشوفه لا في دنيا ولا آخرة من كتر كرهي ليكي.. ولو كان بأيدي أمسح السنتين اللي كنتي في حياتي فيهم وأدفع مقابل ده عمري كله هعملها يا أماني مش هتردد لحظة واحدة.. أنا بكره اليوم اللي ربطني بيكي.. وبشكر ربنا صبح وليل إنه خلصني منك ومن جوازتنا خالص.. كفاية كده ولا أوضح كمان!"
كانت مع كل كلمة تخرج من بين شفتيه يزداد شحوبها وهي تتراجع للخلف تهز رأسها برفض وعدم تصديق، كأن عالمها ينهار من تحت قدميها تحت ثقل ما يتفوه به.
لتشعر فرح رغما عنها بالشفقة نحوها، فقد كانت كلماته قاسية حادة كالسكين تدمي بلا رحمة أو شفقة. لكنه لم يتراجع، بل استمر بالتقدم منها رغم تراجعها عنه يكمل دون تردد أو شفقة وعيناه كلها تشفى كأنه كان في انتظار تلك اللحظة ليفرغ عن صدره كل ما جعلته يعانيه بسببها قائلاً:
"آه وبالنسبة لفرح.. فالشعرة منها بس برقبة مليون ست زيك ومن صنفك."
حاولت تمالك نفسها تظهر طباعها الحقيقية، وهي تلوى شفتيها بابتسامة ضعيفة ساخرة تسأله بتهكم وإذلال، تحاول أن تدميه وتكسر عنفوانه أمام غريمتها بالضغط على نقطة ضعفه بعد أن انهيار أي فرصة لها معه:
"ويا ترى بقى الست فرح عارفة إن ملكش في الخلفة وعمرها ما تشوف منك حتة عيل يقولها في يوم يا ماما ولا خايف وخبيت عليها مصيبتك ال..."
أسرع يقاطعها بسخرية وتلتوي شفتيه هو الآخر بتهكم رغم ألمه الظاهر بعينيه من أثر كلماتها المسمومة:
"أيوه عارفة يا أماني هانم وراضية تعيش مع راجل معيب زايي.. مش دي كانت برضو كلمتك ليا دايما في أي مشكلة تحصل بينا.. يبقى يا ريت توفري أخبارك لنفسك، وتعرفي بقى إن الفرق بينها وبين واحدة زيك زي الفرق اللي بين السما والأرض بالظبط."
انهارت قدماها تجلس فوق الأريكة وقد انتهت قدرتها على الوقوف بثبات أمامه، تنهار في البكاء بشهقات عالية هستيرية بعد أن خسرت آخر ورقة كانت تعلق عليها الكثير وتنتهي معها كل آمالها. وقد أخذت بلطم وجنتيها تنعى حياتها معه بطريقة كادت أن تدميها.
لكنه لم تهتز له شعرة شفقة أو رأفة بها، بل وقف بجمود يتابع انهيارها هذا بلا اهتمام أو مبالاة، ثم يلتفت بحدة ناحية فرح وقد شعر بها تتحرك من مكانها دون تفكير لتقترب منها وعلى وجهها ترتسم الشفقة على حالها، ينهرها بعينيه من الإقدام على ذلك. لتتجمد مكانها خوفًا من حدة نظراته وغضبه في تلك اللحظة.
تمر اللحظات بصمت وبطء، حتى تحدث أخيرًا بنبرة جافة وضيق يتطلع لساعته في معصمه قائلاً:
"لو الليلة دي هتطول يبقى يا ريت تكمليها في بيتكم، عشان أنا ورايا مصالح ومش فاضي لشغل الحريم ده."
رفعت وجهها إليه وقد توقفت دموعها فجأة تنظر إليه للحظات مشحونة بالكثير، قبل أن يومئ له برأسها بانكسار وهي تنهض من مكانها وتتحرك بخطوات متعثرة تمر بسرعة من جواره برأس منحنى بخجل حتى وصلت إلى مكان فرح. لتتوقف خطواتها أمامها ترفع وجهها نحوها فترى الشفقة في عينيها لما حدث لها.
فلم تحتمل تقتلها تلك النظرات وتألمها أكثر من نظرات التشفى والانتصار المتوقعة منها في تلك اللحظة، لتف له بغل وصوت متحشرج من أثر بكائها:
"مبروك عليكي يا بنت لبيبة.. والله عرفتي تلعبيها صح وطلعتي انتي الكسبانة."
ثم انهارت بالبكاء مرة أخرى تفر هاربة من المكان نحو الباب الخارجي تفتحه بسرعة، ولكن وما إن فتحته حتى صرخت بألم، بعد أن امتدت يد من خارجه تقبض فوق خصلات شعرها بقسوة وغل، ومعها صوت شقيقها الصارخ بغضب وشراسة:
"يا بنت ال*** يا فاجرة.. جاية تتحايلى عليه يرجعك يا وا*طة يا رخيصة دانا هطلع عين أهلك النهاردة."
أخذت تصرخ تستنجد بصالح أن ينقذها من بطش شقيقها، لكنه وقف مكانه دون أن يتحرك ولو لخطوة واحدة تحت أنظار فرح المصدومة والمرتعبة، وهي تسمع صوت شاكر الغاضب الحانق يصرخ بقوة:
"والله لو مين ما حد هينجدك من إيدي النهاردة..."
ثم التفت إلى صالح يصرخ به محذرًا بعنف:
"وأنت إياك تتحرك من مكانك ولا تدخل بيني وبين أختي أنا بقولك أهو."
ابتسم صالح بسخرية يهز كتفيه وهو يضع يديه في جيبه في إشارة لعدم اهتمامه بما يجري بينهم، جعلت شاكر يشتعل بالغضب والجنون أكثر وأكثر، وهو يجذب أماني من شعرها نحو الدرج صارخًا:
"شايفة يا بنت ال*** شايفة بعينيكي أد إيه كارهك إنك ولا تهميه ولو حتى لو متي ادامه.. يلا انجري قدامي يا فضحاني وكاسرة عيني بعمايلك."
وبالفعل جذبها من ذراعها بقسوة للخارج، واختفوا من أمامهم وقد صمتت أماني عن الصراخ كأنها فقدت كل أمل لها. يسود الصمت والهدوء بعد كل هذه الأعاصير والمفاجآت، حتى قطعه صوت فرح وهي تهمهم بحيرة وصدمة وعينيها متسمرة على الباب المفتوح:
"أنا مش فاهمة حاجة.. مش أنت بتحبها وكنت عاوزها ترجعلك طيب ليه...؟"
انتبه على صوتها الحائر ليخرجه من دوامة أفكاره، يسرع نحوها يجذبها نحوه بقوة هاتفا:
"أرجع لمين ومين دي اللي بحبها...؟"
رفعت عيون حائرة نحوه هامسة بارتجاف:
"أماني.. سمر قالت لي إنك كنت هتتجنن وترجع لها وهي اللي كانت رافضة."
دمدم من بين أنفاسه بكلمات حانقة سريعة علمت بأنها سباب موجه لسمر، قبل أن يتنفس بعمق قائلاً ببطء بعدها:
"فرح أنا عمري ما حبيت ولا في واحدة دخلت قلبي من يوم ما عرفت يعني إيه حب.. غير واحدة بس سكنت قلبي واتربعت جواه لدرجة إنه خلاص مبقاش قلبي أنا وبقى ملك ليها وفي أيديها هي.. عارفة هي مين يا فرح!"
هزت رأسها دون وعي بالنفي، وقد كانت كل حواسها متنبهة له، عينيها مسمرة فوق شفتيه كأن حياتها معلقة بما ستتفوه به، تتعالى خفقات قلبها بصخب حتى كادت أن تصم الآذان في انتظار الباقي من كلماته.
ولكن وكعادة حظها معه، تعال في تلك اللحظة صوت شقيقه حسن يسأل بقلق وهو ينهج بقوة بأنفاس متسارعة كأنه صعد الدرج إليهم في خطوتين:
"إيه يا صالح.. إيه صوت الصريخ ده.. وشاكر والمخفية أخته كانوا هنا بيعملوا إيه...؟"
أغمض عينيه بقوة يدمدم مرة أخرى من بين أسنانه بحنق، قبل أن يلتفت إلى شقيقه هاتفا بحدة:
"مفيش يا حسن.. متشغلش بالك أنت.. ده حكاية كده واتحلت خلاص."
وقف حسن ينقل نظراته بين صالح وفرح بفضول، قبل أن يهز رأسه بتفهم وقد تصور له أن صالح لا يرغب في التحدث والتوضيح له أمام فرح قائلاً له:
"طيب تمام.. بس معلش أنا كنت عاوزك في كلمتين على جنب كده."
زفر صالح بإحباط وقد علم أن أي فرصة للحديث بينهم انتهت، فما هي لحظات حتى يصعد إليه والديه أيضاً، لذا.. التفت إليها يعطي ظهره لأخيه هامساً لها برجاء:
"أنا هنزل دلوقتي.. بس هما كام دقيقة وهطلع تاني... مش هتأخر عليكي.. اتفقنا!"
لم تجد أمامها سوى أن تهز رأسها له بالموافقة وعيونهما معلقة ببعضهما وبينهم ألف حديث وحديث، قبل أن يلتفت نحو أخيه مرة أخرى يشير إليه حتى يتقدمه للخارج.
تعلم جيدًا أنها ستقضي تلك الدقائق فوق الجمر، ينهكها التفكير والتوقع حتى حضوره إليها.
رواية ظلمها عشقا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ الخامس والعشرون ♡.
تقدم بخطوات سريعة غاضبة ووجه حانق نحو المحل الخاص بانور ظاظا بعد ان امضى النصف ساعة الاخيرة فى منزلهم يفرغ ثورة غضبه فى توجيه الضربات واللكمات الى امانى حتى سقطت منه أرضاً بأعياء وانهاك ، وقد استطاعت والدته ان تنقذها من بين براثنه قبل ان يفتك بها ويزهق روحها بيديه..
يدلف الى داخل المحل يلقى عليه بسلام مقتضب حاد قابله انور بهدوء ودون ان ينهض من مكانه يتنفس عميقا دخان ارجيلته وهو يتابع شاكر ، وقد يلقى بجسده فوق المقعد المقابل له قائلا بوجوم ودون مقدمات
: انا موافق يا انور على جوازتك من امانى اختي .. شوف ايه الميعاد اللى يناسبك وهات المأذون.
جلس انور كما هو للحظات يتجاهل تماما ما قاله شاكر له وكأنه لم يسمعه او حتى تفوه بشيئ ليصرخ به شاكر بغضب من تجاهله هذا
: جرى ايه أنور .. انا بكلمك يا جدع .
اعتدل انور فى جلسته يلقى
بمبسم ارجيلته فوق مكتبه بعنف ثم ينحنى نحوه شاكر يسأله بسخرية
: قولى يا معلم شاكر .. فى حد قالك انى مختوم على لمؤاخدة قفايا !
عقد شاكر حاجبيه معا بقوة يسأله بحيرة
: مش فاهم .. لزمته ايه كلامك ده يا انور ؟
نهض انور عن مقعده يلتف حول المكتب ببطء ومازالت تلك الابتسامة الساخرة فوق وجهه قائلا بتهكم
: لزمته فضايح اختك يا معلم انور بعد ما كل الحارة شافتك النهاردة وانت جررها وراك زى الدبيحة ونازل بيها من بيت المعلم صالح .. جوزى الاولانى.
قال جملته الاخير بتشفى ثم صدحت عالية ضحكته الساخرة فجعلت من وجه شاكر يشحب بشدة يتفصد وجهه بالعرق الغزير ، لكن انور لم يكتفى بذلك..
بل تقدم بجسده منه يستند بمرفقيه فوق ساقه قائلا
: وجايلى انا دلوقت وتقولى موافق على جوازتك من اختى .. لا معلش انسانى .. وشوف لاختك حد غيرى يرضى بيها وبفضايحها.
ضربت دماء الغضب داخل رأس شاكر ينهض عن مقعده بثورة يقبض فوق عنق انور بقبضته ضاغط عليه بقوة وهو يصرخ بشراسة به
:بتقولى انا الكلام ده يابن ال**** اختى اللى بتتكلم دى متحلمش تشتغل فى بيتها وعندنا خدام يابن ال***يا واطى.
برغم اختناقه والضغط القوى فوق عنقه ، الا ان انور لم يستسلم يسأله بصعوبة وبصوت مختنق شامت
:ولما هو كده جايلى تقولى اتجوزها ليه يا سيد المعلمين !
ارتعشت يد شاكر فوق عنق انور تنحل من حوله بعد كلماته تلك يشعر بالخزى كأنه يقف امام الحارة كلها عارى دون ملابس تستره عن الاعين ، يبتعد عن انور بخطوات متعثرة للخلف جعلت ابتسامة انور تزداد اكثر واكثر ومعها تلك النظرة من التشفى والشماتة..
يقف شاكر امامه للحظات مقيد مكبوت لا يدرى كيفية التصرف .. وفجأة وبدون مقدمات اختطف احدى المقاعد يلقى بها نحو واجهة العرض الخارجية للمحل لتتهشم لقطع ثم بمقعد اخر القى به ، ولكن هذه المرة نحوه المعروضات بداخله يفرغ شحنة غضبه وثورته من كل ما حدث وسمعه اليوم على المحل ومحتوياته بطريقة جعلت انور يفر هاربا من امامه للخارج..
يقف يراقب خسائره وقد تجمع من حوله الاهالى يتسائلون عما حدث ، لكنه لم يجيب اى منهم ، بل وقف يتابع ما يحدث دون ذرة حزن او ندم ؛ فكل شيئ فداء ما يسعى له حتى ولو كانت جميع امواله وممتلكاته..
فكل ما يملك فداء الفوز بها.
*********************
كان يقف امام محل عمله يتابع سير العمل وهو يصرخ فى العمال بعصبية شديدة حتى يسرعوا فى تفريغ الحمولة ، فكلما اسرعوا بالانتهاء ، كلما قربت لحظة اجتماعه بها..
حتى يستطيع أخيراً ان يبثها كل ما فى قلبه لها ولن يخفى عنها شيئ بعد الان ، ولكن ما باليد حيلة.
فليس امامه الان سوى الانتظار اما انتهاء العمال او حضور شقيقه حسن حتى يتابع هو مجريات العمل.
لتمر نصف الساعة اخرى على هذا الحال وكأنها مرور دهر عليه ، حتى تنفس الصعداء حين لمح شقيقه يهل عليه من ناحية المنزل بوجهه مكفهر وحاجبين منعقدين بشدة.
يلقى بجسده فوق المقعد ، ليظل يتابعه صالح بطرف عينيه قبل ان يسأله وعينيه لا تفارق سير العمل
: مالك يا حسن .. حصل حاجة جديدة .. مراتك مش عاوزة ترجع مع امك ولا ايه؟!
لوى حسن شفتيه بسخرية مريرة قائلا
: ياريت .. بس لا ياخويا اهى راجعة مع امك فى الطريق .. كلمونى من شوية وكلها نص ساعة وتهل بنورها عليا وابوك هيجيب شيخ الجامع علشان ارد يمين الطلاق وارجعها.
استدار صالح اليه يسأل بشك وقد استغرب حالة اخيه ولم يستطع التصديق انه رافض بالفعل رجوعها اليه ، قد ظن ان تصميمه الشديد امامهم لم يكن سوى محاولة منه لحفظ ماء الوجه يخفى بها نيته
: حسن انت فعلا مش عاوز ترجعها .. بجد كنت ناوى تكمل فى موضوع الطلاق ده ؟!
حسن وقد انقلبت ملامحه للنفور ومع نظرة قاسية لم يراها صالح فى عينيه من قبل وهو يتحدث قائلا بغلظة
: عارف انك مش هتصدقنى...انا نفسى مش مصدق انى ممكن كنت فى يوم اقولها .. بس انا فعلا مش طايقها ولا طايق حتى اسمع سيرتها ولا حتى اشوفها ادامى.
تنهد بعمق يحنى رأسه يكمل باستسلام
: بس هعمل ايه .. علشان خاطر العيال واللى جاى فى السكة ده .. هستحمل .
اقترب منه صالح يربت فوق كتفه بتعاطف قائلا
: عين العقل يا حسن .. ولادك اهم حاجة واى حاجة تانية تهون علشانهم .. ربنا يهديلك الحال يا خويا.
رفع حسن وجهه اليه وعلى شفتيه ابتسامة امتنان وهو يمسك بكف صالح الموضوع فوق كتفه ضاغطا فوقها بقوة قائلا
: ويخليك ليا صالح .. ويهديلك الحال انت كمان.
ظلوا كما هما للحظات تلتقى الاعين بحديث صامت كان ابلغ من الكلمات ، حتى قطعه صوت احدى العمال ينادى صالح لينهض حسن من مكانه قائلا
:خليك انت انا هروح اتابع معاهم...
صالح كأنه كان ينتظر منه تلك الكلمات يتجه نحو باب المنزل قائلا بلهفة
:طيب مدام انت معاهم هطلع فوق اتغدى وساعة كده ونازل.
بالفعل كان قد اختفى داخل المنزل دون ان يمهل شقيقه فرصة للرد ، لينظر حسن لساعته مبتسما بأستغراب قائلا
: غدى ايه اللى ساعة عشرة الصبح ده....
هز رأسه يكمل وقد التمعت عينيه بالمعرفة هامسا بمرح
:ماشى هعديها .. ما هو ياما عدى ليا اوقات غدى زى دى كتير.
**********************
صعد الدرج كل اثنين مع حتى وصل أخيراً لشقته يفتح بابها بسرعة يدلف للداخل ثم يلقى بمفاتحيه باستعجال وعينيه تدور فى ارجاء المكان بحثا عنها وهو يناديها بصوت عالى ملهوف حتى هلت عليه أخيراً من داخل المطبخ تمسح يديها فى منشفة..
وقد وقفت امامه تخطف القلب والعين برؤيتها يتأملها ببطء وشوق شديد للحظات ، حتى لم تعد تكفيه المشاهدة فقط ، يفتح ذراعيه لها على اتساعها فى اشارة فهمتها على الفور...
فتسرع بألقاء المنشفة أرضاً وتجرى نحوه ترتمى عليه تحتضنه بقوة اليها بعد ان احاطها بذراعيه حتى كادت ان تختفى بينهم ثم رفعها اليه وقد تعلقت بعنقه ويدس وجهه فى عنقها يتنفس بعمق رائحتها والتى بات يعشقها هامسا بتحشرج
: وحشتينى اوووى فى الشوية اللى بعدتهم عنك دول.
تراجعت للخلف برأسها تنظر اليه بتدلل قائلة بعتب.
: لا انا زعلانة منك .. بقى هما دول الدقايق اللى قلت عليهم !
غمز لها قائلا بخبث مرح
: ازعلى يا عيونى زى مانت عوزة .. وانا عليا انى اصالحك.
ثم انحنى يلثم خدها الايمن هامسا برقة
: كده زعلانة!
هزت رأسها له بالايجاب لينحنى على الخد الاخر يلثمه هو أيضاً بشفتيه هامسا
:طب كده برضه زعلانة؟
هزت رأسها لها بالايجاب مرة اخرى تتصنع الحزن لتنفرج شفتيه عن ابتسامة صغيرة وعينيه تلتمع اكثر وهى تقع فوق هدفه التالى قائلا لها ببطء
:لااا ده كده الموضوع كبير .. مفيش حل تانى ادامى غير كده علشان اصالحك.
وبدون ان يمهلها سوى فرصة لالتقاط نفس قصير من الهواء بشهقة منها عالية قد انقض على شفتيها بشفتيه يقبـ.لها قبلة كانت مثل انفجار من السعادة بداخلها ، وهى تزيد من التعلق به تبادله اياها بعاطفة مجنونة وقد اختفى بينهم ولم يعد هناك مجال لاى حديث بعد ان جرفهم سيل المشاعر للحظات طوال اوقفه هو فجأة وهو يبعدها عنه بصعوبة قائلا بصوت اجش حازم
:لا ... احنا لازم نتكلم الاول.
هزت له رأسها بالموافقة على مضض وتشعر بالاحباط لابتعاده عنها ، لكنها وجدت ان معه كل الحق لذا لم تقاوم او تعترض حين قام بأنزالها أرضاً ثم يمسك بيدها متوجها ناحية غرفة الاستقبال يشير برأسه ناحيتها قائلا بجدية
:نتكلم هناك احسن واضمن .. تعالى.
لوت فرح شفتيها هامسة بسخرية قائلة
:ده على اساس بيفرق معانا اووى المكان..
التفت نحوها بنظرة محذرة خطرة جعلتها تخفض رأسها بخجل تسير معه بطاعة كطفلة صغيرة حتى توقفت خطواته فجأة يترك يدها يعود من حيث اتى ، لتزفر بأحباط وقد ظنت انه تذكر احدى اعماله والتى تظهر كالمعتاد كلما حانت بينهم لحظة المصارحة..
لكنه وتحت عيونها المذهولة م يخرج من الباب كما توقعت بل رأته يقوم بفتح اللوحة الكهربائية المسئولة عن توزيع الكهرباء داخل الشقة يقف امامها ينظر لها بتفكير وحيرة عدة لحظات قبل ان يمد يده ويقوم بنزع شيئ من داخله ثم يقوم بغلقها مبتسما بنصر ، عائد لها مرة اخرى لتسأله بفضول عما فعله فيجيبها وكأنه صنع انجاز
:فصلت الجرس خالص ... والاحسن يفضل مفصول كده على طول .. دانا كرهته وكرهت انى فكرت اعمله والله.
تعالت صوت ضحكتها المرحة من اثر كلماته لتعالى معها صوت دقات قلبه وهى تتراقص على انغامها وتفعل به الاعاجيب ليهمس لها محذرا
:لا بقولك ايه مش وقت ضحك خالص .. خلينا نقول الكلمتين قبل ما حسن هو كمان يرن عليا و....
توقف عن الحديث يرفع سبابته كأنه تذكر امر ما يخرج بعدها هاتفه من جيبه ويعبث به لثوانى ثم يغمز لها بخبث وغموض
: كده بقى اطمنا ان ساعة الغدا تبقى ساعتين تلاتة ولا حد يقدر يقاطعنا.
اقتربت منه تسأله بحيرة وهى تمر من جواره قائلة
: غدا ايه .. انت جعان؟!
طيب مقولتش ليه .. ثوانى وهكون محضرة الاكل حالا.
جذبها من يدها نحوه يوقفها عن الحركة يدس اصابعه فى شعرها يثبت رأسها وعينيه تأسر عينيها تتعالى انفاسه بصخب قائلا بسرعة وبدون تفكير
: بحبك .. لا مش بس بحبك .. دانا بدوب من حبى ليكى .. بعشقك وبعشق كل حاجة فيكى.
اتسعت عينيها بذهول تفغر فاها من صدمة اعترافه المباغت لها تشعر كأن ساقيها مصنوعان من الهلام لا تقوى على حملها يرتعش كل عصب بها من التوقع وهجومه الصاعق على حواسها.
وهو يكمل ... ملامحه قبل لسانه تنطق بكلمات بدلا عنه
: بعشق وبدوب فى حتة عيلة كانت ادامى بتكبر ادامى يوم
ورا يوم لحد ما لبست المريلة الزرقا وتعدى عليا فى المحل تضحك ليا وتخطف قلبى معاها وتمشى .. وسنة ورا سنة لحد ما قلبى خلاص مبقاش ليا بقى ليها وملكها هى وبس...
___________________
رواية ظلمها عشقا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فرح صالح
اتسعت عينيها بذهول، تفغر فاها من صدمة اعترافه المباغت لها. تشعر كأن ساقيها مصنوعان من الهلام، لا تقوى على حملها. يرتعش كل عصب بها من التوقع وهجومه الصاعق على حواسها.
وهو يكمل، ملامحه قبل لسانه تنطق بكلمات بدلاً منه:
"بعشق وبدوب في حتة عيلة كانت قدامي بتكبر قدامي يوم ورايا يوم، لحد ما لبست المريلة الزرقا وتعدي عليا في المحل تضحك ليا وتخطف قلبي معاها وتمشي. وسنة ورا سنة لحد ما قلبي خلاص مبقاش ليا، بقى ليها وملكها هي وبس."
كانت تهز رأسها بعدم تصديق، وهو يكمل الباقي من اعترافه بحزن وأسف:
"كان كل يوم بيعدي عليا وحبها بيزيد في قلبي، أكره نفسي قصاد الحب ده أضعاف مضاعفة."
لم تجد في نفسها القدرة لسؤاله عن السبب كما كانت تخشى فرحتها الطاغية باعترافه هذا، خوفًا من ألا تكون هي المعنية به. تسمعه كالمغيبة، وعينيها تنطق بسؤالها بدلاً من شفتيها. ليجيبها بخشونة واستهجان موجهًا لنفسه:
"كانت عيلة.. حتة عيلة بتلعب مع أختي على سلم بيتنا.. كنت بشلها على دراعي زي اللعبة.. وفجأة كده بقت في عيني حاجة تانية.. بقت دنيتي وأهلي وناسي كلهم.. بقيت مش عايز من الدنيا حاجة غيرها هي وبس.. بس مكنش ينفع أقولها ولا حتى بيني وبين نفسي وقتها."
لم تعد تستطيع التحمل أو الصبر على المزيد، تسأله بصوت مرتعش ملهوف، تريد منه إجابة واضحة تريحها:
"مين هي يا صالح؟ مين دي؟ أنا صح؟ عشان خاطري قول صح."
اخفض جبهته إلى جبهتها، يستند عليها، يزيد من ضمها لجسده، هامسًا بصوت مبحوح مرتجف:
"صح يا قلب وعيون وعشق وروح صالح.. انتي يا فرحة قلبي وحياتي، انتي يا حلم بعيد وعمري ما اتمنيت في حياتي غيره."
انفجرت في بكاء، تنهمر دموع الراحة على وجنتيها، تخرج كبت وخوف تلك اللحظات. ليصيبه الذعر وقد أساء فهم تلك الدموع، فيصبح وجهه شديد الشحوب والقلق. وقد أخذت تحاول الحديث بصعوبة، قائلة:
"ليه يا صالح.. ليه تضيع كل ده مننا ليه!"
مد أنامله، متنهدًا بقوة، ويده تزيح دموعها برقة، وهو يهمس لها بحنان:
"علشان كنت عبيط يا عيون صالح.. كنت فاكر إني هقدر أنسى وأعيش مع غيرها، وهي أيام من عمري وبقضيها."
ضربته في صدره، تنهشها الغيرة من أخرى سبقتها إليه، تهتف به باكية بعتب:
"وكنت هتكمل معاها يا صالح مش كده.. كنت هتقدر لولا عرفت إنك..."
ضغطت شفتيها معًا بقوة، تمنع نفسها من الاستمرار والوقوع في المنطقة المحظورة، جارحة له. لكنه لم يبالِ، يهز رأسه لها بالإيجاب، قائلاً:
"أيوه يا فرح، مش هكدب عليكي وأقولك لأ.. بس صدقيني أنا كنت عايش زي الميت.. آه عايش وبتنفس، بس مش حي ولا حاسس للدنيا طعم.. أنا محستش إني حي غير لما اتجوزتك وحضنتك لقلبي.. صدقيني يا فرح."
أنهى حديثه، يتوسلها التصديق. فلم تستطع أن تبخل عليه بالطمأنينة والراحة، تحيط وجنتيها بكفيها، وعينيها ثابتة على عينيه، تنطق بكل حبها، تهمس لها بتأكيد:
"مصدقة يا قلب فرح من جوه... علشان أنا كمان جربت كل اللي بتحكي عليه ده، من يوم ما شوفتك بتتزف مع واحدة غيري وأنا عايشة زي الميتة.. ما رجعتش ليا الروح إلا لما بقيت ليك وعلى اسمك."
أتى دوره، لتتسع عينيه بصدمة وذهول، يسألها بكلمات متقطعة غير مترابطة:
"فرح.. بتتكلمي جد؟ تقصدي فعلاً.. اللي أنا.. فهمته ده."
فرح، وهي تأكد على كل حرف يخرج من بين شفتيها:
"بحبك يا عيون فرح.. بحبك من يوم ما عرفت إيه هو الحب.. بحبك من وأنا عيلة بالمريلة الزرقا.. وبحبك وأنا عارفة إنك لغيري وعمرك ما هتكون ليا.. حبيتك وهحبك وهفضل أحبك يا عمري كله."
صرخ صالح من الفرحة والسعادة، وهي معه، يرفرف قلبه بين ضلوعه، وهو يحملها ويدور بها، قبل أن يسير بها بخطوات سريعة خارجًا بها من الغرفة، قائلاً بلهث ولهفة:
"لا كده أنا جعت أوي بعد كلامك اللي يخطف القلب ده.. ولازم آكل حالا."
توجه بها ناحية غرفة النوم، لترفع رأسها عن كتفه، قائلة بأرتباك وعدم فهم:
"رايح فين؟ طريق المطبخ من هنا."
غمزها بخبث، قائلاً بصوت مبحوح أجش، وهو يستمر في طريقه:
"لا يا عيون صالح وقلبه.. الأكل اللي في دماغي ملهوش طريق غير ده."
***
أيام مرت على الجميع، كل في حياته ومسارها. حتى سماح، فقد عادت إلى عملها القديم، تقف داخل المحل، ومعها إحدى زبائنها تعرض عليها إحدى المعروضات، تندمج معها في الحديث، غافلة عن دخول عادل إلى المكان، ويقف في أحد أركانه بهدوء في انتظار انتهائها.
ولكنها كانت تعلم بوقوفه، بعد لمحته بطرف عينيها، وهي تطيل الحديث مع السيدة على أمل أن يصيبه الملل من الانتظار ويرحل. ولكن، ظل مكانه، حتى بعد أن نفذت منها كل الحيل لتأخير الزبونة عن الانصراف، والتي خرجت من المحل بعد أن ألقت بسلام مرح إليه، ومعه نظرة معرفة نقلتها بينهم.
لتلتفت سماح إليه بعد ذهابها بابتسامة ترحاب مصطنعة، قائلة:
"أهلاً أستاذ عادل.. اتفضل. المحل تحت أمرك."
اقترب منها، وعينيه تمر بلهفة فوق ملامحها باشتياق، لاحظته بقلب مرتجف. لكنها تجاهلت، كما تجاهلت مشاعر أخرى ورفضتها رفضًا قاطعًا. تلقي بها خلف ظهرها، فلا هي أو هو يستطيعان تحمل عواقبها.
تعقد حاجبيها بشدة، وبنظرة صارمة في عينيها، قابلت بهم حديثه الملهوف وصوته الأجش، حين قال:
"إزيك يا سماح.. عاملة إيه.. وحشتيني أوي."
سماح بصوت صارم جاف:
"أستاذ عادل لو سمحت.. ده محل شغل.. مينفعش فيه الكلام ده."
أجابها عادل وهو يتقدم بخطواته منها:
"طيب أعمل إيه.. وأنتي مش عاوزة تردي على تليفوناتي.. مكنش فيه حل قدامي غير إني أجلك هنا."
تراجعت للخلف عنه، قائلة وصوتها رغم الحزم والرفض به، إلا أنه خرج ضعيفًا مرتعشًا، أظهر ما تعانيه في تلك اللحظة أمامه:
"أستاذ عادل أرجوك.. أظن إني وضحت لك ردي على طلبك وقولت له أكتر من مرة.. وبرضه هكرره تاني، لأ يا أستاذ عادل طلبك مرفوض وكل شيء قسمة ونصيب."
عادل بتصميم، هاتفا بها:
"أنا مش جاي عشان أسمع ردك تاني.. أنا جاي عشان أعرف ليه.. ليه بترفضيني؟ ليه مش عاوزة تدي لنفسك الفرصة تتعرفي عليا؟ يمكن وقتها تغيري رأيك."
وقفت مكانها، لا تدري كيف لها أن توضح له أنه ليس سبب رفضها، وأنها لا تحتاج إلى تلك الفرصة بعد ما أدركته خلال فترة بعدها عنه، وبأنها سقطت في حبه رأسًا على عقب. ولم يكن الإعجاب هو كل ما تشعر به تجاهه، كما حاولت أن تقنع نفسها مرارًا وتكرارًا.
لكنها ليست على استعداد لعواقب اعترافها هذا، ولن تكون بتلك الأنانية والتفكير في نفسها فقط. لذا، وضعت قناعًا من القسوة والنفور فوق ملامحها، قائلة بفظاظة ونفاذ صبر:
"أستاذ عادل أظن كفاية لحد كده، وياريت تشلني من دماغك بقى.. أنا وأنت منفعتش لبعض.. ومش هيحصل أبدًا بفرصة ولا من غيرها."
أشارت بيدها نحو الباب الخارجي، قائلة بغضب:
"وبعد إذنك ياريت تتفضل من هنا قبل صاحب المكان ما يوصل، وأظن أنت مترضاش ليا بالأذية."
وقفت بعدها مهزوزة جدًا، والغصة في حلقها، حين رأته يقف أمامها بعد أن ألقت في وجهه بتلك الكلمات القاسية، يحدق فيها وعيناه تثبتها في مكانها. وقد ضاقت بشكل خطير عليها في لحظات صمت طويلة، تشعرها بالذنب والألم ينهشانها.
لتفتح شفتيها هامسة باسمه بنبرة معتذرة ضعيفة. لكنه قاطعها برفع يده في وجهها كإشارة لها بالتوقف، قائلاً بصوت حاد صارم:
"خلاص يا آنسة سماح.. مش محتاجة تتكلمي تاني.. كل اللي عاوزة تقوليه وصلني.. وأنا آسف جدًا إني ضايقتك طول الفترة دي، وصدقيني مش هرضى أبدًا إني أكون سبب في أي أذية ليكي."
حدقت خلفه بعيون لامعة من الدموع، بعد أن خرج فورًا من المكان. وقد علمت أنها الآن خارج تفكيره، بعد ما حدث، ويعينها الله على تحمل ما ستعانيه من أثر قرارها هذا.
***
نهضت من مكانها، تجري باتجاه الباب، بعد أن علا صوت الضربات فوقه بطريقة أفزعتها. ما إن فتحته، حتى اقتحمت ياسمين المكان صارخة دون مقدمات بغل وجنون:
"إيه حكاية أختك بالظبط مع عادل يا بت انتي؟ عاوزة إيه بالظبط منه؟ إيه خلاص الرجالة خلصت ومبقاش إلا خطيبي اللي ترسموا عليه؟!"
لم تجد فرح الفرصة لترد عليها، بعد أن لحقت بها والدتها تنهرها بها بحدة، حتى توقفها عن سيل الشتائم المنهمر من لسانها. لكن ياسمين لم تبالِ، بل أخذت بتوجيه الشتائم إلى فرح وسماح، كأنها تلبستها حالة من الجنون، تصرخ بعدها:
"أنا قلت إنكم بنات **** ومحدش صدقني.. واحدة تضحك على أخويا وتخليه ماشي وراها ماسك في ديلها زي العيل الصغير.. والتانية راسمة دور الطيبة وهي حية."
صاحت بها انصاف مرة أخرى، تنهرها وتحاول إيقافها عن الحديث، وهي تجذبها للخروج من المكان. لكنها تشبثت بمكانها، تكمل قائلة بحقد وغل لفرح:
"ما تردي يا حرباية.. أختك عاوزة إيه من خطيبي."
حاولت فرح التماسك، وهي تجيبها سؤالها بسؤال آخر بهدوء شديد مستفز:
"خطيبي مين يا ياسمين؟ اللي أعرفه إن عادل فسخ الخطوبة.. يبقى ممكن أعرف تقصدي مين بكلمة خطيبي دي؟"
جزت ياسمين فوق أسنانها بغيظ، وعينيها تشتعل بالجنون، تحاول جذب ذراعها من قبضة والدتها والهجوم عليها للفتك بها، وهي توجه لها سيل آخر من الشتائم المقززة. استقبلتها فرح بنفس الهدوء، رغم ما يعتمر داخل صدرها من غضب لو أطلقته لعنان لمزقتها بيدها العارية إربًا. لكنها راعت وقوف والدة زوجها، وتتركها شاهدة على أفعال ابنتها، لتمر اللحظات وما زالت ياسمين على حالتها تلك.
حتى حضرت على صوتها سمر، تسأل عما يحدث، لكن لم يجيبها أحد، لتقف في إحدى الزوايا تتابع ما يحدث دون تدخل منها، بأعين شامتة وابتسامة صغيرة صفراء. حتى حانت اللحظة، والتي استطاعت فيها ياسمين من الفكاك من تقييد والدتها، لتهجم نحو فرح، تمسكها من شعرها، تجذبها وتوقعها أرضاً، وهي فوقها، تصرخ بشراسة، تفرغ عن شحنة الغضب المستعير بداخلها منذ أن وصلتها الأخبار عن ذهابه لمحل عمل تلك الحقيرة منذ قليل، لتطير هذه الأخبار الباقي من تعقلها، فتسرع في مهاجمة فرح بتلك الطريقة:
"أنا بقى هعرفك إنه خطيبي غصب عنك والكل..."
لم تجد فرح أمامها حلاً آخر، سوى أن تبادلها الضربات والشد واللطم. وقد انقلبت الأمور بينهم إلى معركة دامية، فشلت انصاف في فضها وإبعادهم عن بعضهم، غافلين عن سمر، والتي وقفت في إحدى الأركان تتحدث في هاتفها بجزع وخوف مصطنع:
"الحقنا يا حسن.. فرح مرات أخوك ماسكة في ياسمين أختك وهتموتها في أيديها من الضرب."
وما هي إلا لحظات، حتى كان صالح ومعه حسن، هو الآخر، يقتحمون المكان. ولحظ فرح، الأحسن دائمًا، كانت هي من تجلس فوق جسد ياسمين، توجه لها الضربات وتهاجمها. ليسرع صالح نحوها، يرفعها من خصرها عنها، ولكنها أخذت تقاومه، تطوح قدميها باتجاهها، وقد أخذها حماس المعركة، هاتفة بشراسة:
"سيبوني عليها.. محدش يحوشني عنها الـ **** دي.. والله ما ساكتة لها بعد كده.. أوعوا سيبوني."
أخذت تحاول الفكاك من تلك الذراع الممسكة بها، غافلة عن هويته، فقد كل ما يشغل بالها هو تلقين تلك الحية درساً لن تنساه، ولا تفكر في ذكر أختها مرة أخرى على لسانها السام هذا. لكنها سرعان ما تجمدت، حين وصلها فحيح صوته في أذنيها، تسري قشعريرة الخوف في جسدها، حين قال:
"وربي يا فرح لو اتحركتي حركة واحدة تانية، لكون ضربك قصاد الخلق دي كلها.. وأظن انتي جربتي قبل كده."
همدت حركتها تمامًا، كأنه ألقى بكلمة السر عليها. تلتفت نحوه برأسها، هامسة بتردد وخوف:
"والله هي يا صالح اللي بدأت بمد الإيد الأول، حتى اسألي أمك هي كانت واقفة."
عضت شفتيها السفلى، تغمض إحدى عينيها بخشية، بعد علمت أنها قد أساءت اختيار الكلمات، من تشدد ذراعه حول خصرها بطريقة ألمتها، ولكنه أيضاً زاد من إلصاقها به، تشعر بفيحيح أنفاسه المتسارعة، كأنه يقاوم عصرها بيديه، قبل أن يلتفت إلى والدته، والتي كانت تقوم بمساعدة ياسمين المنهارة بالبكاء على النهوض، قائلاً بغضب مكبوت وصوت أجش:
"خديها يا ماما وانزلوا تحت، وأنا شوية وهحصلكم."
هزت انصاف رأسها له بالموافقة، تسير نحو الباب وتصحبها ياسمين الباكية، لتسرع سمر بعد انصرافهم، قائلة بخبث ودهاء لتثبت أن الأمر خطأ فرح فقط:
"بس المفروض كانوا يصفوا الأمور ما بينهم عشان النفوس متشلش من بعضها.. وفرح كمان لازم تتأسف ليها."
هتف حسن ينادي باسمها، محذراً بشدة وحزم، يوقفها عن الحديث، قائلاً:
"سمر.. ملكيش دخل.. انزلي يلا على شقتك متطلعيش منها، سامعة ولا لأ."
أسرعت تربت فوق صدره، قائلة بتذلل وطاعة:
"حاضر يا حبيبي.. حاضر اللي تأمر بيه يتنفذ حالا.. بس أنت متزعلش نفسك ولا تتعصب."
بالفعل، كانت في طريقها للخارج، تنزل الدرج سريعًا، يعقبها حسن بعد أن أخبر صالح بنزوله لمتابعة سير العمل. ليسود الصمت المكان بعدها للحظات، وقف فيها ينظر إليها بنظرات مبهمة، لم تعلم إن كانت غضب أو شيء آخر.
قبل أن يتجه نحو الباب، يغلقه، ثم يستند بظهره عليه، عاقداً ذراعيه بصمت، في وقفة انتظار منه. لتسرع قائلة باندفاع، مداعية عن نفسها:
"شوف، قبل ما تعمل أي حاجة، أحب أعرفك إن أختك اللي غلطانة.. وهي اللي طلعت تتهجم عليا وتغلط فيا أنا وسماح.. و كمان هي اللي ضربتني الأول، حتى روح واسأل أمك وهي تقولك كل حاجة."
توترت ملامحها، حين وجدته يعقد حاجبيه بشدة، محذراً. لتهتف سريعًا مصححة بصوت خافت مسالم:
"أقصد.. اسأل ماما انصاف اللي هي مامتك يعني، وهي هتقولك الحقيقة."
صالح بهدوء شديد، تعلمه جيدًا وتعلم عواقبه:
"أسأل إيه؟ ده أنا أنا شايلك عنها بالعافية.. ولولا كده كان زمانك موتيها في إيديكي من الضرب ولا عملت لها عاهة مستديمة."
فرح بحزن وأسف، وقد تغضن وجهها:
"آه يعني أنت شايف كده.. وفرح اللي هتشيل الليلة كلها."
فجأة وبدون مقدمات، انمحى عن وجهها أي تعبير سابق، تلمع عينيها بالتحدي:
"طيب حيث كده بقى.. أنا مش هعتذر لحد زي الحرباية مرات أخوك دي ما قالت.. وشوف كمان..."
صرخت بهلع، تجري من أمامه قبل أن تكمل تهديدها، بعد أن رأت يتحرك من مكانه بغتة، يندفع نحوها. لتسرع بالفرار نحو غرفة النوم، تغلقها بصعوبة، وقبل ثانية واحدة من أن يلحق بها.
تقف خلف الباب، تستند بظهرها عليها، كأنها بتلك الطريقة ستمنع اقتحامه للغرفة، وهي تسمع صوت صياحه الغاضب يطالبها:
"افتحي الباب يا فرح.. ولو جدعة كملي اللي كنتي بتقوليه."
هزت كتفيها له برفض، كأنه يراها، قائلة:
"مش هفتح حاجة.. بعدين مين قالك إني جدعة.. أنا عيلة يا سيدي، هتعمل عقلك بعقل عيلة."
صرخت مرة أخرى هلعاً، حين وجدت الباب يندفع من خلفها، وقد ظنت أنه في طريقه لتحطيمه. لكنها كانت ضربة واحدة منه، كأنه يفرغ بها عن غضبه، وجعلها تقف منتظرة بقلب متسارع الضربات، وقدم مرتعشة لا تقوى على حملها، في انتظار ما هو آتٍ منه. لكن ساد الصمت التام المكان للحظات طوال، أرهفت فيها السمع لأي صوت أو حركة منه، لكنها فشلت. ولكن ما هي إلا دقيقة، حتى وصل إليها صوت الباب الخارجي يغلق من خلفه بدوي قوي، وصلها بسهولة، برغم الباب الغرفة المغلق.
ولتعلم بأنه قد ذهب وغادر، وهو غاضب منها. فوقفت لعدة لحظات، تنهَر نفسها بغضب، قائلة بحزن، وقد أخذت شفتيها ترتجف رغبة في البكاء:
"أهو مشي زعلان، عجبك كده؟ هو أنا إمتى يبقى ليا حظ من اسمي؟ أنا ملحقتش أفرح بيه يومين.. وهو رجعنا نتخانق تاني."
بس لاا والله ما يحصل.. مش هخلي الحربايتين دول يفرحوا فيا. اتجهت بتصميم ناحية خزانة ملابسها، تخطف من داخلها إحدى العباءات، وتضع طرحتها فوق رأسها، ثم تسير نحو الباب، تفتحه بتصميم منها باتجاه الباب الخارجي. ما إن وضعت يدها فوق مقبضه، حتى صدح صوته الحاد، يوقفها مكانها، تشهق مجفلة بصوت عالٍ، تشد مقدمة ثوبها وتقوم بالتفل بداخله عدة مرات، قبل أن تتحدث قائلة بارتجاف:
"كده يا صالح.. والله قلبي كان هيوقف.. أنت مش كنت نزلت؟"
نهض من على مقعد غرفة الطعام، ولم تكن لاحظته في هوجة استعجالها للحاق به، يتقدم منها قائلاً بهدوء:
"طبعًا عشان كده خرجتي من الأوضة.. السؤال بقى.. كنت رايحة فين؟"
أخذت تبحث داخل عقلها عن إجابة ترضيه وتمتص بها غضب اللحظات السابقة بينهم، قائلة وهي تخفض عيونها بخجل وأسف مصطنع، وصوتها ممتلئ باعتذار كاذب:
"كنت نازلة أعتذر لياسمين أختك.. ماهو مكنش يصح اللي أنا عملته معاها."
أسرعت تكمل، حين أصبح على بعد خطوة منها، هاتفة باضطراب:
"بس والله يا صالح هي اللي ضربتني الأول وكمان غلطت فيا كتير أنا و..."
صالح، وقد قطع الخطوة الباقية بينهم، يقاطعها وهو ينحني عليها بغتة، قائلاً بحزم:
"عارف.. عارف كل ده.. بس مكنش ينفع يا هانم إنك تتكلمي مع جوزك كده وتهدديه وتعلي صوتك عليه، صح ولا لأ؟!"
تراجعت للخلف برأسها، قائلة بتوتر واستياء:
"ماهو أنت كمان مش مصدقني.. وبتقولي هتعملي ليها عاهة مستديمة.. ليا يعني كنت الشحات مبروك!"
رفع حاجبه، يسألها بهدوء شديد:
"يعني مش شايفة إنك غلطانة خالص؟"
كادت أن تجيبه بتحدي، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، تخفض رأسها قائلة بخفوت أسف:
"لا غلطانة.. وحقك عليا وأسفة... المهم مش عاوزاك تزعل مني."
ارتفعت ابتسامة حنونة صغيرة فوق شفتيه، تلمع عينيه بتقدير وحب لها. مد يده لرفع ذقنها، يرفع عينيها إليه، هامسًا لها هو الآخر معتذرًا:
"لا.. حقك عليا أنا.. أنا اللي غلطان إني مصدقتش من الأول كلامك.. بس أمي كلمتني وعرفتني اللي حصل كله.. وصدقيني مش هيحصل تاني، وياسمين حسابها معايا بعدين على اللي عملته معاكي."
ارتمت فوق صدره، تحتضنه بقوة، هامسة:
"لا مش مهم خلاص.. أنا برضه كمان غلطت.. عشان خاطري يا صالح متعملش ليها حاجة."
ضمها إليه بقوة، يهمس لها هو الآخر، يسألها مقبلاً مقدمة رأسها بتقدير لعدم استغلالها الفرصة:
"فكريني كده وهو أنا قولتلك بحبك النهاردة ولا لأ؟"
صدر من بين شفتيها صوت يدل على النفي، ليبعدها عنه ببطء، قائلاً وعينيه تلمع بشدة من عصف المشاعر به:
"لا.. يبقى لازم أصل غلطي.. وفوراً."
انحنى عليها، يحتضن بشفتيه شفتيها، يلثمها بقـ.بلات صغيرة على كل زاوية بها، معها همس أجش بكلمة (بحبك). مع كل لمسة منه لها، يعيدها ويكررها عليها، لكنها لم ولن تمل من سماعها مهما طال بهم العمر، تختطف قلبها ودقاته كأول مرة سمعتها منه.
رواية ظلمها عشقا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فرح صالح
فتح الباب لزوجته والتي هتفت به بقلق فور أن رأته أمامها تسأله:
في إيه يا مليجي.. وشقة مين دي!
أشار لها بالدخول بوجه شاحب ومرتبك، يغلق الباب بعد دخولها ثم يتقدمها للداخل، وهي تتبعه تعيد سؤاله مرة أخرى:
رد عليا يا مليجي.. خلت قلبي يتقطع من ساعة ما كلمتني في التليفون.. في إيه رد عليا.
شهقت بمفاجأة بعد أن أدخلها إلى مكان جلوس أنور ظاظا، وقد جلس فوق المقعد المواجه للباب مرحبًا بها بصوت ساخر:
أهلًا وسهلًا.. نورتي شقتي المتواضعة يا ست كريمة.
التفت كريمة نحو زوجها تهتف به بغضب وحدة:
جايبني هنا ليه يا مليجي.. إيه الحكاية بالظبط!
نهض أنور عن مقعده يجيبها هو بعد أن نكس مليجي رأسه هربًا منها قائلًا بحزم:
أنا هقولك يا ست كريمة، بس عايزك كده تفتحي مخك معايا وتعرفي إن اللي هطلبه منك ده فيه مصلحتك ومصلحة جوزك قبل ما يكون في مصلحتي أنا.
توترت ملامح كريمة، ينهش الخوف صدرها، لكنها تماسكت أمامه تسأله بحدة:
خير يا معلم.. عاوز مني إيه بالظبط؟
أنور وقد احتقن وجهه بالغضب، يفح من بين أنفاسه:
بعد ما المحروسة بنت أخت جوزك بوظت كل ترتيب عملته وخططت له، ولسه قاعدة في بيت سبع الرجالة جوزها وعلى ذمته.. مبقاش قدامي غير حل واحد مكنتش أحب أوصل له، بس هعمل إيه؟ مبقاش قدامي غيره.. محدش هيقدر يعمله غيرك.
كريمة بخوف وتوجس:
واللي هو إيه يا معلم؟
ابتسم أنور ببطء قائلًا وعيناه تنطق بالكره والشراسة، يسرع في الحديث عن كل المطلوب منها القيام به، وقد وقفت كريمة تحت أنظار مليجي المصدومة هادئة تستمع بتركيز، وقد ظن أنها ستقيم الدنيا وتقعدها حين تعرف بمخطط أنور، حتى وصل للجزء الخاص بأجرها، فتبدلت في الحال، تنطق عيناها بالجشع قائلة بحزم:
لا يا معلم، لو عاوز كله يمشي مظبوط وزي ما تحب، يبقى آخد قد المبلغ ده مرتين.
انفرجت ملامح أنور بالسعادة لنجاحه فيما يريد، هاتفا:
لا يا كريمة، ليكي عندي دي تلات مرات، بس اللي عاوزه يحصل.
كريمة وهي تومئ برأسها موافقة:
موافقة يا معلم.. شوف أنت عاوز إمتى وأنا تحت أمرك.
وقف مليجي يتابع ما يحدث وعيناه فوق زوجته بذهول وصدمة، كأنه يراها لأول مرة، فقد تصور جميع الاحتمالات وأنها ستقوم برفض طلبه، في حين لم يستطع هو النطق به في وجه هذا الطاغية وتزيح عن كاهله هذا العبء، ولم يتخيل أبدًا أنها ستقوم بالموافقة دون لحظة تردد منها.
يتساءل بحزن إن كان هو المسؤول عن ذلك التبديل في حال زوجته بسبب ما عانته بسببه طوال سنين زواجهم من مر الحاجة، حتى أصبحت لا تهتم بشيء سوى نفسها وراحتها فقط، مهما كانت النتائج.
دخل عادل وهو يشير لصالح بالنهوض قائلًا بتعجل:
أنت لسه عندك بتعمل إيه.. أنا مش قلت تمشي من هنا حالًا!
نهض صالح ببطء من مقعده قائلًا بهدوء:
يا ابني اهدى كده وفهمني في إيه.. أنا مش فاهم منك حاجة ولا من مكالمتك.
زجره عادل بخشونة وقد احتقن وجهه بشدة:
يا ابني ما أنا عرفتك كل حاجة في التليفون.. أنت مش عاوز تسمع الكلام ليه.. ولازم كل حاجة تعاند فيها.
اقترب منه حسن يحاول تهدئته، وقد لاحظ احتقان وجه صالح هو الآخر، ليسرع قائلًا:
براحة بس يا عادل.. وفهمنا إيه الحكاية.
التف إليه عادل صارخًا بحنق:
الحكاية إن أخوك في حد مبلغ عنه إنه بيتاجر في الحشيش، وفي قوة من القسم طالعة على هنا علشان تفتش.
صاح حسن بصوت مذهول:
أنت بتقول إيه.. ومين ده اللي بلغ؟
صرخ عادل مرة أخرى، ولكن هذه المرة بقلق واضطراب وهو يشير لصالح:
انتوا لسه هتسألوا.. يا ابني اخلص وقوم.. كلها دقايق ويوصلوا على هنا.
جلس صالح فوق مقعده يريح ظهره للخلف قائلًا بهدوء:
يا أهلًا بالبوليس ورجالته.. بس أنا مش عامل عاملة علشان أهرب منها.
هذه المرة من قام بالصراخ عليه هو حسن، صائحًا:
قوم يا صالح واسمع الكلام.. البوليس مش هيتحرك إلا لو متأكد من البلاغ، ومحدش عارف، مش يمكن اللي بلغ ده حط ليك حاجة هنا ولا هنا.
عقد صالح حاجبيه بتفكير للحظة، ظن عادل وحسن فيها اقتناعًا بحديثهم، ولكن أتت كلماته التالية صادمة لهم حين قال بهدوء شديد:
برضه مش هتحرك من مكاني.. وزي ما تيجي.
صاح عادل بإحباط وهو يشد شعره من عند صديقه، يقف هو وحسن يتطلعان إلى بعضهما بقلة حيلة، حتى صدح صوت السرينة الخاصة بالشرطة، أعقبها دخول ضابط ومعه عدد من الرجال يسألهم بحزم:
مين فيكم صالح منصور الرفاعي.
أشار صالح إلى نفسه يجيبه بهدوء، ليتبع الضابط حديثه قائلًا:
في أمر من النيابة بتفتيش شقتك والمغلق هنا كمان.
اقترب منه عادل متوجهًا بالحديث إليه قائلًا:
أنا عادل الحسيني محامي صالح، ممكن أشوف إذن النيابة.
مد ضابط الشرطة يده إليه بورقة وهو يبتسم ابتسامة جانبية ساخرة:
لا واضح أوي إنكم مستعدين والمحامي حاضر كمان.. اتفضل يا متر الإذن أهو.
لم ينتظر انتهاء عادل من الاطلاع على الورقة التي بيده، يأمر رجاله بالانتشار داخل المكان لتفتيشه، بينما وقفوا هم في انتظار انتهائهم، وقد قلبوه رأسًا على عقب حتى انتهوا أخيرًا، يتجمعون مرة أخرى أمامهم، يهتف أحدهم بصوت خشن غليظ:
مفيش حاجة يا باشا.. المكان كله نضيف.
عادل موجها حديثه إلى الضابط:
يا باشا ده أكيد بلاغ كيدي.. وأكيد التحريات كانت في صالح موكلي.
الضابط وهو يرمق صالح الواقف أمامه بهدوء شديد من أعلاه لأسفله بتقييم:
والله يا متر كيدي مش كيدي.. ده شغلنا ولازم نشوفه.. وأظن ده ميضايقش حد لو موكلك زي ما بتقول نضيف.
ثم أشار إلى صالح برأسه قائلًا:
أدامي يا صالح علشان نشوف الشقة هي كمان.
وبالفعل توجه الجميع للمنزل، وفي لحظات كانوا جميعًا بالأعلى، تفتح لهم فرح الباب شاهقة بفزع وعيون مصدومة وهي تتراجع للخلف تسأل صالح بخوف:
في إيه يا صالح.. البوليس هنا ليه؟
لم يجيبها بل أشار لها برأسه نحو الخارج قائلًا بحزم:
انزلي انتي يا فرح تحت ومتطلعيش إلا..
قاطعه الضابط قائلًا بحزم هو الآخر:
محدش هيتحرك من هنا إلا لما نخلص شغلنا.
ثم أشار لرجاله بالانتشار داخل الشقة، بينما وقف صالح أمامها يخفيها بجسده بحماية، وقد تشبثت بظهر قميصه، تراقب دخول هؤلاء الرجال في أنحاء الشقة، تمر الدقائق بطيئة عليها، حتى عاود الرجال التجمع أخيرًا، ويتم إخبار الضابط مجددًا بعدم عثورهم على شيء.
ليتجهم وجهه بشدة قبل أن يلتفت إلى صالح قائلًا:
الظاهر إنه فعلًا بلاغ كيدي.. بس إحنا كان لازم نشوف شغلنا ونتأكد.
هز له صالح رأسه موافقًا قائلًا بهدوء:
طبعًا يا باشا، حقكم ومحدش يقدر يعترض عليه.
أومأ له الضابط ثم أشار لرجاله بالانصراف، وفي الحال خلى المكان من وجودهم، يتبعهم الضابط ومعه حسن وعادل، والذي استوقفه صالح مناديًا إياه قائلًا له بحدة وغضب مكبوت:
عاوز أعرف مين اللي بلغ عني.. اعمل أي حاجة يا عادل ومترجعش إلا لما تعرف لي مين ابن الـ*** ده.
أومأ له عادل موافقًا ثم غادر المكان فورًا، بينما وقف صالح في وسط شقته بجسد متوتر مشدود، عيناه تطلق شرارات الغضب، تدور داخل عقله دوامة من الأفكار، حتى انتشلته من داخلها حين شعر بها تلقي بجسدها المرتعش بين ذراعيه هامسة بخوف وارتعاب:
في إيه يا صالح.. فهمني إيه اللي حصل.. أنا خايفة.
شدد من ذراعيه حولها مقبلًا رأسها بحنو قائلًا بصوت حاول جعله هادئًا، غير مبالٍ برغم كل ما يعتمل بداخله في تلك اللحظة:
متخفيش من حاجة طول ما أنا جنبك.. وبعدين كل حاجة خلصت.. كل الحكاية حد من معلمين السوق بس حب يعمل لنا شوية دوشة ودربكة قبل ما ندخل على الشغلانة الجديدة معاه.
شددت من احتضانه إليها ترغب بإخفائه بين أضلعها، وقد أثار بحديثه هذا خوفها أكثر.. لا تستطيع أن تصدق أن من الممكن أن تصل منافسة عمل إلى هذا الحد، وقد كانت حقًا كما يعلم هو أيضًا هذا جيدًا.
لطمت كريمة خدها وهي تصرخ بلوعة تخاطب زوجها على الطرف الآخر من الهاتف:
وأنت سمعت كلامه.. ليه يا مليجي.. طب كنت عرفني قبل ما تعمل كده.
مليجي بصوت مرتعش مختنق:
كنت هعمل إيه يا كريمة.. هو قالي إن لازم حد يعمل البلاغ باسمه علشان البوليس يتحرك بسرعة.
كريمة وهي تلطم خدها مرة أخرى باكية، وهو يكمل حديثه غير عالم بحالها:
وبعدين أنتِ خايفة ليه.. أنتِ مش حطيتي الأمانة زي ما قولتي لظاظا.. يبقى خلاص إحنا في السليم وكله….
صرخت كريمة به توقفه عن الحديث:
أنا محطتش حاجة يا مليجي.. أنا ضحكت على ظاظا وفهمته إني عملت اللي طلبه مني.. بس أنا كنت ناوية من الأول آخد القرشين ومعاهم فلوس الحشيش، وكان في دماغي إن قدامي شوية عما البوليس يتحرك أكون أنا ساعتها شوفت له بايعة.. بس كله اتهد على دماغي ودلوقتي هيتعرف إني أنا اللي ورا الليلة.
انهارت قدما مليجي يسألها بصوت مصدوم:
إنتِ بتقولي إيه يا بنت الـ*** إنتِ.. طب معرفتنيش ليه إنك ناوية على كده.
صمت لحظة عاقدًا حاجبيه بشدة، قبل أن تتسع بأدرك يصرخ بها موجهًا إليها عدد لا حصر له من السباب، قائلًا بعدها:
إنتِ كنتِ ناوية تاخدي الفلوس لوحدك صح.. كنتِ ناوية تسيبيني الحارة كلها وتسبيني صح يا بنت الـ***.
صرخت به هي الأخرى تتحدث بحرقة وألم:
آه يا مليجي كنت ناوية على كده.. كنت هاخد عيالي وأسيب الحارة اللي بيتعايروا فيها بأبوهم وعمايله، وكفاية عليا وعليهم شقى وغلب لحد كده.. بس أهو كل حاجة ضاعت وزمان ظاظا عرف إني محطتش الحاجة، وقليل أما يقتلني فيها.. ده غير صالح واللي هيعمله.
مليجي بصوت انهزامي يتخلله غصات البكاء:
ده كل اللي همك يا كريمة بعد كل العشرة دي.. عاوزة تسيبيني وتاخدي مني عيالي.
فزت كريمة واقفة تصرخ له أوجاع سنين عشرتها له، تفرغ من داخل جوفها كل ما ظلت تعانيه وتكتمه داخل صدرها من ذل المعيشة وإهانات لا حصر لها منه في حقها وحق أبنائها:
عشرة إيه اللي بتكلمني عنها.. كانت فين عشرتك دي وأنت كل يوم تصبحني وتمسيني بعلقة ومشغلني في كل بيت شوية بلقمتي ولقمة عيالي.. شوف يا مليجي أنا هاخد العيال وهمشي وكفاية عليا وعليهم لحد كده.
لم تجد إجابة من الطرف الآخر، يسود الصمت التام، لتهتف به برجاء كاد يتحول لصراخ:
أوعى يا مليجي تجيب سيرتي.. أوعى تعرف حد ولا تقول للبوليس إني أنا اللي كنت هحط الحشيش لصالح في شقته.
مرة أخرى لم تجد استجابة منه، ولكنها لم تعر هذا الأمر اهتمامًا هذه المرة.. بعد أن وجدت أمامها سماح تقف بالباب وهي شاحبة شحوب الموتى وعيناها جاحظة من شدة صدمتها، يتضح من ملامحها أنها قد استمعت إلى كل ما قالته، لتسقط جالسة فوق الأريكة بعد أن هربت منها أعصابها ترتجف بشدة، وقد أصبح أمر زوجها وما حدث له أقل مخاوفها الآن.
في أثناء ذلك كان أنور ظاظا قد دخل المكان يهتف بمليجي الشاحب وعيناه تطلق شرارات الغضب والجنون:
طبعًا بتكلم بنت الـ*** مراتك صح.. ضحكتوا عليا يا مليجي ولبستوني إنت والـ*** مراتك العمة.
أخذ مليجي يهز رأسه بالنفى بحركات هستيرية خائفة، وقد سقط الهاتف من يده أرضاً متحطمًا، يتراجع للخلف أمام تقدم أنور الهائج منه، لكنه لم يتمكن من الهرب أكثر، وقد أوقفه الجدار تراجعه، ليندفع نحوه أنور كالوحش الهائج.. ينهال عليه بالضربات والركلات العنيفة حتى أسقطه أرضًا.
لكنه لم يكن قد اكتفى، يكمل فوقه بالضربات حتى أصابه بطرف حذائه في مقدمة رأسه بقوة جعلته ينزف بغزارة، لم توقف أنور بل زادته هيجانًا رؤيته للدم، تزداد ضرباته وحشية وهو يصرخ كمن أصابه الجنون:
آه يا عيلة و*** مجاليش من وراها غير المصايب والهم.. ورحمة أمي لدفعكم التمن غالي أوي، وأولكم بنت الـ*** بنت أختك اللي ضعت بسببها.
استمر على ضربه ولكمه لمليجي حتى خارت قواه، لينحني عليه يمسك بشعره بين أصابعه بقسوة، يرفع وجهه الغارق بدمائه نحوه قائلًا بلهث وشراسة:
قولي يا ابن الـ*** مراتك عرفت صالح وقالت له كل حاجة مش كده؟
هز مليجي رأسه بصعوبة بالنفى، يهمس بإعياء:
لااا وحياتك يا برنس.. دي كانت ناوية تاخد الفلوس وتطفش بيها.. ده حتى كانت خايفة إن صالح يعرف إن ليها يد في الحكاية.
ضيق أنور نظراته فوقه بعدم تصديق للحظات، كان مليجي فيها يتطلع إليه برجاء أن يصدقه، لينفض رأسه بعيدًا بعنف، تأوه له مليجي بألم وأنور ينهض على قدميه قائلًا بتفكير:
يعني كده صالح ميعرفش إني ليا دخل في الموضوع.
مليجي بلهفة واعياء وهو يحاول النهوض على قدميه:
آه وحياتك يا برنس ما يعرف حاجة.. متخافش سرك في بير.
التفت إليه أنور وعيناه تلتمع بوحشية قائلًا:
ولا لازم يفضل في بير.. إلا ورحمة أمي أسلمك للبوليس بإيدي.. متنساش يا ابن الـ*** إن البلاغ كان باسمك أنت.. فاهم يا مليجي ولا أوضح أكتر.
أحنى مليجي رأسه بخنوع، تتساقط دموعه، يئن جسده من شدة الألم، لكنه لم يكن شيئًا مقارنة بما ينهال فوقه من مصائب لا حصر لها لن تنتهي أبدًا.
رواية ظلمها عشقا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فرح صالح
مرت عليه عدة ساعات مرهقة حتى استطاع أخيراً الرجوع إلى المنزل.
كان يحتاج إلى دفن إرهاقه وتعبِه بين ذراعيها وأحضانها، فقد تلقى الآن صدمة معرفة أن خالها مليجي هو صاحب البلاغ عنه للشرطة.
استطاع عادل معرفة تلك المعلومة ليقوم بإخباره إياها بعد تردد منه، في وجود شقيقه حسن، والذي ما إن عرف حتى هاج وثار، وتمكن هو بصعوبة من السيطرة عليه واستخراج وعد منه بألا يخرج هذا الخبر عنهم هم الثلاثة، خوفاً من صدمة وشدة هذا الخبر عليها، وحتى لا يقوم أحد من أهل المنزل بمضايقتها بأي طريقة قد تمسها أو تألمها، حتى يتمكن من حل هذا الأمر بعيداً عن الجميع.
دخل إلى شقتهم يغلق خلفه الباب، ولكنه توقف يتطلع حوله مستغرباً، فقد وجد أن الشقة يسودها الهدوء، وعلى عكس توقعه فقد ظن أنها ستهرع إليه كالعاصفة حتى تستقبله كعادتها معه كل ليلة.
يتقدم للداخل بحثاً عنها بلهفة، حتى قادته خطواته إلى غرفة نومهم ليجدها أخيراً تجلس فوق فراشهم وهي تحني رأسها وخصلات شعرها تتساقط حول وجهها تخفيه عنه.
يناديها بنعومة ينبهها لحضوره، لكنها وعلى غير العادة تجاهلت ندائه، تظل على وضعها.
ليسقط قلبه هلعاً وقد ظن بها خطأ ما، يجرى نحوها قاطعاً المسافة بينهم في غمضة عين، ثم يجلس على عقبيه أمامها، يمد يده يزيح خصلات شعرها بعيداً عن وجهها حتى يستطيع رؤية ملامحها، يسألها بلهفة وقلق:
"فرح مالك... قاعدة ليه كده؟"
لم تجبه بل ظلت على وضعها تخفض وجهها بعيداً عنه، ليتملكه القلق أكثر وأكثر، يسألها ثانياً وهو يقوم بإحاطة وجنتيها بكفيه، يرفع وجهها نحوه ليصدمه شحوب وجهها الشديد وعينيها فارغة النظرات، يرى التيه والصدمة بداخلهما ورعشة شفتيها وهي تحاول التحدث، لكن لا يخرج من بينهما سوى همهمات غير مفهومة.
انتظرها هو بصبر يحثها بعينيه على التماسك.
حتى استطاعت أخيراً أن تتحدث، تسأله بخفوت وتلعثم:
"عرفت... مين... اللي... بلغ عنك؟"
زفر صالح براحة، وقد قفزت إلى ذهنه في تلك الثواني المعدودة آلاف الأشياء المريعة ترعبه عليها، يجيبها بمرح وهو يتلمس بإبهاميه بشرة وجنتيها بحنان:
"بقى ده اللي عامل فيكي كده... يا شيخة وقعتي قلبي من الخوف."
نهض على قدميه واقفاً ويوقفها معه، يحيط بذراعيه خصرها يقربها منه قائلاً بحنان:
"يا قلبي من جوه متشغليش بالك انتي بالموضوع ده... ولا تفكري فيه خالص..."
فتحت شفتيها تهم بالحديث، لكنه لم يمهلها الفرصة، ينحني عليها يحتضن شفتيها بشفتيه، يقبلها بتمهل شديد، لكنها كانت تقف بين ذراعيه متجمدة، شفتيها ترتعش تحت شفتيه، ولكن ليس باستجابة كما ظن في بادئ الأمر، بل من محاولتها السيطرة على تلك الدموع والتي تساقطت رغماً عنها، فتتذوقها شفتيه.
ليبتعد عنها فوراً يتطلع إليها بذهول قلق هامساً:
"ليه يا فرح كل ده... صدقيني يا قلبي الموضوع مش مستاهل كل اللي انتي فيه ده كله."
انفجرت كالبركان صارخة وصوتها مختنق بالبكاء:
"لا يا صالح يستاهل... لما يبقى خالي هو اللي بلغ عنك يبقى يستاهل."
تجمد في مكانه تضيق نظراته فوقها وهو يسألها باقتضاب:
"وإنتي عرفتي منين الكلام ده؟"
حاولت ابتلاع غصة بكاء حتى تجيبه وهي تشهق باكية كطفلة صغيرة قائلة:
"سماح... اتصلت من شوية... وقالت ليا."
عقد بين حاجبيه بشدة وقد اظلمت عينيه بطريقة أرعبتها وهو يسألها ببطء حذر:
"وسماح إيه اللي عرفها بحاجة زي دي... إذا كان عادل نفسه مقدرش يعرف إلا من شوية."
اتسعت عينيها بخوف وصدمة تتلعثم أكثر في كلماتها:
"يعني... انت كنت عارف... إنه خالي... اللي عمل كده؟"
هتف بها بحدة جعلتها تهب فزعا منه قائلاً:
"أختك عرفت منين يا فرح ردي عليا."
ازدردت لعابها بصعوبة يزداد شحوبها أكثر وأكثر بطريقة جعلت قلبه يرق شفقة عليها، لكنه ظل على وجوم وجهه لا يتراجع، فهو بحاجة لإجابتها تلك حتى تتضح له كل الصورة، لا يحاول مقاطعتها حين قالت بصوت متقطع خائف:
"سماح قالت ليا إنها سمعت... إنها سمعت..."
لم تستطع إخباره وعينيها في عينيه تشعر بالخجل والعار يلف بحباله حول عنقها فيختنق صوتها أكثر فأكثر، لكنه لم يحتمل الصبر حتى تكمل، يصرخ بها وقد توتر كل عصب به:
"سمعت إيه يا فرح انطقي... وخلصيني."
قفزت الكلمات من جوفها بسرعة بعد صراخه الحاد عليها، تلقيها بأنفاس متقطعة كأنها حمم تحرقها ومعها شهقات بكائها:
"سمعت كريمة وهي بتتكلم مع خالي بتترجاه إنه ميجبش سيرتها للبوليس إن هي اللي كانت هتحط ليك المخدرات."
ساد الصمت التام المكان، تقف أمامه ترتعش أوصالها في انتظار عاصفة غضبه، والتي كان له كل الحق بها، لكنه وقف كالصنم لا يتحرك به شيء، حتى عينيه وقد سلط نظراته المظلمة فوقها، وهي تقف أمامه كمن في انتظار النطق بحكم إعدامه.
تمر عليها اللحظات بطيئة قاتلة، حتى تحدث أخيراً بخشونة وحدة:
"روحي البسي حالا... علشان هننزل على بيت أهلك."
انطلقت كلماته كالرصاص تستقر في قلبها ينزف بين أضلعه، وهو يئن بألم.
تحركت من مكانها باتجاه خزانتها ببطء تجرجر قدميها تحت أنظاره المراقبة، لا تستطيع الإفراج عن صرخة واحدة تعبر بها عن ألمها في تلك اللحظة، وقد علمت بأنها النهاية بينهم، فليس هناك من يستطيع أن يغفر تلك الفعلة أو يتخطاها بسهولة.
تقف أمام الخزانة وعيونها تغشاها الدموع، تختطف من داخلها أول ما طالته يدها المرتعشة، تهم بارتدائه، لكن أتت يديه من خلفها يمسك بها يوقفها وهو يهمس في أذنيها بحنان:
"فرح... إنتي فاهمة أنا عاوزك معايا ليه وأنا رايح هناك صح... أصل ميصحش إني أروح لوحدي هناك كده ولا إيه؟"
وثب قلبها بفرحة في صدرها، تبتسم ببلاهة وعينيها تلمع بعد كلماته تلك، وقد أراد بها أن يوضح لها سبب طلبه لذهابها معه حتى لا يقفز إلى عقلها إلى شيء آخر كعادته معها.
يشعر بصحة قراره بعد أن التفت له، تلف ذراعيها حول عنقه بسعادة طاغية تحتضنه بقوة جعلته يبتسم بحنان، يضمها إليه هو الآخر بقوة وهو يهمس لها:
"عارف إنك مجنونة وعقلك صغير... بس مش لدرجة تخليكي تفكري إن ممكن أستغنى عنك ولو للحظة حتى ولو خالك ومراته عملوا إيه..."
أبعدها عنه يضع جبهته فوق جبهتها وأنامله تزيح دموعها، يكمل يختفي من عينيه أي أثر لظلامها السابق، تشرق بالعشق لها قائلاً بصوت أجش متحشرج:
"عارفة حتى لو كنت اتسجنت بسببهم... برضه عمري ما كنت أبداً هسيبك... إنتي روحي يا فرح روحي اللي ردت ليا أخيراً... روحي اللي عمري ما هفارقها إلا في حالة واحدة بس وهي الموت."
شهقت بفزع تضع يدها فوق شفتيه توقفه عن الكلام تهتف بلوعة:
"متقولش كده إن شاء الله اللي يكرهك ويتمنى ليك الوحش... ده أنا عايشة في الدنيا دي عشانك إنت وبس يا روح وقلب ونن عين فرح من جوه..."
لم يجد القدرة على مقاومتها، قد اختطفته وجعلته يقع أسيراً لها ولأثير كلماتها تلك، ينحني عليها يقبلها بكل شوق ولهفة، يسرق معها لحظات من العمر سيظل يتغنى لها قلبه وعمره بأكمله، حتى نفذت منهم الأنفاس، فيبتعد عنها بصعوبة قائلاً بأنفاس متلاحقة سريعة لم تكن أنفاسها أبطأ منها:
"يلا البسي... علشان ننزل... وما نرجع بسرعة علشان نكمل كلامنا في الموضوع ده ونشوف مين فينا اللي يبقى روح التاني أكتر."
شعر وجهها بالسعادة، تومئ له بسرعة وهي تسرع في ارتداء ملابسها، لا يهمها بعد الآن أي شيء، فهي على استعداد لمواجهة العالم كله طالما معه ويدها بيده، لا يهمها ما هو آت مهما كان.
وبالفعل بعد نصف الساعة كانت تقف هي وهو داخل الشقة الخاصة بأهلها، تقف أمامهم كريمة تتصبب عرقاً وهي تقص على مسامعهم كل ما حدث واتفاقها المخزي مع أنور عليهم، قائلة برجاء ودموعها تتسابق على وجنتيها تخاطب فرح:
"غصب عني الفلوس كانت كتير والشيطان ضحك عليا... بس والله يا فرح ما كنت ناوية أعمل كده... أنا كنت هاخد الفلوس وأمشي من هنا..."
تطلعت إليها فرح واحتقار العالم في نظراتها، تمسك نفسها بصعوبة حتى تقوم بالهجوم عليها ونهشها بأسنانها تمزقها أرباً، لكنها أشاحت بوجهها بعيداً عنها لا تطيق حتى النظر نحوها، لتلفت كريمة إلى سماح والتي جلست محنية الرأس وأكتافها متهدلة بخزى قائلة برجاء:
"قولي لهم يا سماح أنا قولتلك إيه لما عرفتي... مش قولت إني هعترف بكل حاجة لسي صالح... وحتى هعطيهم الفلوس ومش عاوزة منها حاجة صح يا سماح... صح!"
لكنها لم تجد من سماح استجابة هي الأخرى، لتسرع نحو صالح الواقف مستنداً بكتفه على الحائط، بعد أن اختطفت من فوق الطاولة كيساً من البلاستيك أسود اللون، تمد يدها به نحوه تهتف بلهفة:
"أهي يا سي صالح الفلوس والحاجة بتاعت ظاظا خدهم أنا مش عاوزاهم... بس والغالى عندك تقولهم يسامحوني."
اعتدل صالح في وقفته يمسك بالكيس من يدها يفتحه ببطء تحت أنظار الجميع المهتمة، يأخذ من داخله رزمة المال ويلقي بها فوق الطاولة قائلاً بصوت حازم قوي:
"لا يا أم أمير الفلوس متلزمنيش وهي عندك أهي اعملي فيهم ما بدالك."
لوح أمام عيني كريمة المنتبهة باللفافة داخل الكيس بحجمها الكبير وهو يكمل:
"أنا اللي يلزمني الحاجة دي وبس... أما بخصوص اللي بينك وبين فرح وسماح في دي حاجة تخصهم لوحدهم مقدرش أدخل فيها... كل اللي أقدر أقوله إنك تحمدي ربنا علشان لولاهم أنا كنت دفنتك حية مكانك."
تغيرت لهجته في كلماته الأخيرة لتصبح قاسية عنيفة وقد توحشت نظراته لدرجة جعلت كريمة تتراجع للخلف بعدة خطوات عنه، تكاد أن تتعثر وقد شحب وجهها بشدة، تتسع عينيها بخوف وارتعاب من تهديده العنيف.
ثم فتح صالح بعدها الباب يخرج من المكان في الحال بعد أن طلب من فرح أن تتبعه، لتنهض سريعاً نحو شقيقتها تقبلها وهي تطلب منها برجاء:
"عشان خاطري تعالي معايا... متقعديش هنا معاها."
هزت سماح لها رأسها بالرفض قائلة بإرهاق وخفوت:
"مش هينفع إنت عارفة... وبعدين متخافيش عليا هيحصل إيه تاني أكتر من اللي بيحصل لنا."
ربتت سماح فوق وجنتها هامسة بحنان:
"روحي انتي يلا على بيتك متسيبش جوزك مستني وأنا بكرة هكلمك."
وقفت فرح مكانها يظهر التردد عليها ورفضها لترك شقيقتها، لكن أسرعت سماح تحثها على المغادرة ثانية بحزم، أطاعته فرح تغادر بعدها بعد أن رمقت كريمة بنظرة محتقرة كارهة، تغلق خلفها الباب، ليسود الصمت بعدها، قطعته كريمة تنادي باسم سماح برجاء، لتنهض سماح من مكانها تتجه لغرفتها تترك لها المكان كله، لكنها وقفت بعد خطوات قائلة لها بحزم وشدة:
"الفلوس اللي بعتينا عشانها مرمية عندك أهي يا كريمة... يا ريت بقى أقوم الصبح ملقكيش هنا... وأظن إنت كنتي ناوية على كده من الأول يبقى يا ريت تنفذي... وكفاية علينا لحد كده منك ومن جوزك."
دخلت غرفتها تغلق الباب خلفها بعنف، بينما وقفت كريمة مكانها عينيها تقع فوق المال الملقى فوق الطاولة ولسان حالها يتساءل هل كان هذا المال يستحق كل ما فعلته من أجله... هل كل كان يستحق كل ما ضحت به من أجل الفوز به... تمضي بها الدقائق والساعة دون أن يصل عقلها أو تريحه إجابة.
***
"تمام ياعادل... يعني قدامك قد إيه وتخلص...!"
قالها صالح وهو يحمل هاتفه يتحدث من خلاله إلى صديقه بعد عودتهم من منزل أهلها على الفور، بينما تقف هي لا تعلم عن أي شيء يدور حديثهم، بعد أن تأخرت في الصعود خلفه، وقد استوقفتها والدته تسألها عدة أسئلة فضولية تحاول أن تستوضح بها عن سبب خروجهم في هذا التوقيت، حتى استطاعت أخيراً الفكاك منها بصعوبة تصعد ورائه على الفور.
لتجده في منتصف حديثه الغامض هذا لا تفقه منه شيئ، وهي تسمعه يكمل:
"كويس أوي... بس قبلها تعرفني قبل الجماعة ما تتحرك... عشان أكون رتبت كل حاجة."
تلوت معدتها من شدة توترها وقلقها، يخبرها حدسها أنه يدبر لأمر ما، تسرع نحوه تسأله باضطراب وقلق فور أن أنهى حديثه في الهاتف يغلقه بعدها:
"إنت ناوي على إيه يا صالح... وجماعة إيه دي اللي بتتكلم عنهم؟"
التفت نحوها ببطء لتشحب بشدة وقد صدمها ما رأته من ظلام وغضب نظراته، لكن سرعان ما تبدد كأنه لم يكن بطريقة جعلتها تشك فيما رأته، وهو يتقدم منها وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة فوق شفتيه وهو يهتف بمرح صاخب يشير إليها قائلاً:
"معانا ومعاكم فرح هانم... ملكة الدراما الأولى."
يكمل بعدها بجدية برغم ابتسامته المرحة:
"هكون ناوي على إيه يا بنتي... ده مكالمة عن الشغلانة اللي كنت قولتلك عليها وبكلم عادل يخلص أوراقها."
تطلعت نحوه بشك تسأله بتوتر وارتباك:
"يعني إنت مش بتدبر حاجة لأنور ترد له القلم بيها...!"
صدحت ضحكة صالح عالية وهو يجذبها نحوها يلصقها به قائلاً بصعوبة وبصوت يتخلله الضحك:
"مش بقولك غاوية دراما ونكد... بطلي فرجة على أفلام عربي يا فرحة قلبي اللي خلاص أكلت دماغ دي."
رفعت كفها تحيط وجنته بها تتلمس خشونة تحت أصابعها، وهي تهمس له بخوف ورجاء:
"طب ريح قلب فرحتك وقولي ناوي لأنور على إيه... واخدت من كريمة لفة الحشيش ليه؟"
ابتعد عنها فجأة يعطي لها ظهره صائحاً باستياء:
"هكون ناوي على إيه يعني يا فرح... ولا أي حاجة... كل الحكاية إن هروح أتكلم معاه ونخلص الموضوع بينا وبين بعض ونقفله لحد كده."
أسرعت باحتضانه من الخلف تريح رأسها على ظهره وهي تضع راحتيها فوق صدره هاتفة بسعادة:
"بجد يا صالح... متعرفش إنت ريحت قلبي قد إيه دلوقتي."
أمسك بإحدى كفيها يرفعها إلى شفتيه يقبلها برقة قائلاً بهدوء يناقض شراسة ملامحه والغضب الذي امتلئت به عينيه:
"اطمني يا قلب صالح ومتقلقيش... مفيش حاجة هتحصل تستاهل قلقك عشانها أبداً."
رواية ظلمها عشقا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فرح صالح
اقتربت كريمة من سماح ببطء ووقفت بجوارها تتململ في وقفتها، لا تدري كيف تبدأ الحديث وهي على وشك المغادرة هي وأطفالها إلى قرية والديها للبدء في حياة جديدة.
لكنها لا تستطيع الخروج هكذا دون أن تحاول إصلاح ولو جزء مما اقترفته في حقهم. ظلت طوال الليل تعد ما ستقوله، ترتب له جيدًا.
ولكن حين حانت اللحظة، هرب كل شيء.
لتَقف أمامها مستجمعة شجاعتها. عدة لحظات تجاهلتها فيهم سماح تمامًا، حتى استطاعت القول أخيرًا بصوت خافت متردد:
"سماح، أنا مش عاوزة قبل ما أمشي تكونوا زعلانين مني."
ظلت سماح جالسة كما هي، تتطلع أمامها بجمود، ولا يظهر على ملامحها أي استجابة.
لتكمل كريمة برجاء وعتب:
"طيب ردي عليا وكلميني... ما تبقيش زي أختك فرح."
ابتسمت سماح ساخرة بمرارة قائلة:
"إنتي كمان زعلانة إنها مش عاوزة تكلمك بعد ما جوزها كان هيروح في داهية وإنتي كنتي عارفة وسكتي."
سحبت كريمة أحد المقاعد تجلس عليه في مقابلها، وهي تقول برجاء:
"طب اسمعيني بس... أنا والله ما كنت ناوية أعمل اللي ظاظا طلبه مني... أنا كنت هاخد القرشين وأخد عيالي وأشوف مصلحتي بعيد عن هنا."
قاطعتها سماح، ولأول مرة ترى كريمة هذا الوجه منها، وهي تلتفت لها صارخة بكل الغضب ومرارة الخذلان والتي تشعر بهم في هذه اللحظة:
"مصلحتك على حساب أختي وبيتها؟!... ما جاش في بالك وإنتي بتفكري في نفسك تفكري فيها وفي اللي هيحصل لها لو ظاظا قدر ينفذ اللي عاوزه بحد تاني غيرك... ده حتى مش بعيد يبقى جوزك... وزي ما عملها مرة يعملها تاني وتالت."
شحب وجه كريمة، تحاول الحديث والبحث عن كلمات تدافع بها عن تفكيرها الأناني، لكنها لم تجد. فطبقت فمها وحنت رأسها من خزي فعلتها.
لتبتسم سماح قائلة بسخرية:
"أخدتي بالك دلوقتي صح.... فكرتي فيها وفي اللي كان هيحصل..."
تغيرت نبرتها، تختنق بغصة البكاء، قائلة لها بخيبة أمل:
"طب كنتي على الأقل تعالي ونبهيني للي بيحصل، ولا عرفي فرح، وبلاش تقولي لصالح لو كنتي خايفة منه... بس لأ، إنتي اتسعتي أول ما شفتي الفلوس ونسيتي كل حاجة إلا نفسك وبس."
رفعت كريمة وجهها وعينيها مغروقة بالدموع، قائلة بندم وبصوت متحشرج:
"كان نفسي أبعد عن هنا... كان نفسي ولادي ما يشوفوش اللي إنتي وفرح شوفتوه بالعيشة هنا."
نهضت سماح واقفة ببطء، وهي تتطلع نحوها بحسرة وألم:
"وهو حصل يا كريمة، وربنا يهنيكي في حياتك... بس عاوزة أقولك إن برغم كل اللي شوفته أنا وفرح في عيشتنا مع جوزك، عمرنا ما فكرنا نسيب هنا ونبعد."
"عارفة ليه؟!"
"عشانك يا كريمة... عشان منسيبش أخت تانية لينا... أخت باعتنا في أقرب فرصة من غير ما تفكر ثانية واحدة غير في نفسها."
رفعت كفيها بتحذير لها، حين نهضت كريمة من مقعدها تحاول التقدم منها، قائلة برجاء وصوت مرتعش:
"إنسي يا كريمة وعيشي حياتك زي ما إنتي كنتي عاوزة، وإنسيني وإنسي فرح، إحنا خلاص مبقاش لينا حد."
سارت باتجاه غرفتها عدة خطوات، لكنها توقفت، تلتفت نحوها مرة أخرى، تبتسم بضعف ومرارة قائلة:
"آه، عاوزة أقولك اللي شفتيه أنا وفرح وخلاكي عاوزة تهربي منه، لسه بنشوفه وبنعاني منه لحد النهاردة."
دخلت غرفتها، تغلق بابها خلفها، وتضعه حاجزًا بينها وبين إنسانة كانت أعز الأشخاص إليها. لتنهار كريمة في البكاء، يصل صوتها إلى سماح، والتي وقفت خلف الباب تستمع إليها.
لكنها لم تجد في نفسها القدرة على الغفران أو مسامحتها. ربما فيما بعد قد تستطيع الأيام رأب هذا الصدع بينهم، وتعود النفوس إلى ما كانت عليه يومًا ما.
يومين وهو ينتظر في محله، يتأكله القلق والرعب. حاول فيهم الوصول إلى ذلك الأحمق وزوجته، بعد أن تقطعت به كل السبل للوصول إليهم. فقد اختفى مليجي في اليوم الثاني من تهديده له، وزوجته هي الأخرى قد أغلقت هاتفها، ولا يستطيع الوصول إليها من خلاله.
فكر أن يبعث إليها بأحد يسأل عنها في منزلها، لكنه يخاف أن ينكشف أمره ويدرك أحد صلته بها. لذا فضل فتح محله كما يفعل كل يوم، والتصرف بطبيعية حتى تتضح له الأمور، وعلى ضوئها يستطيع التصرف.
مرت ساعة أخرى عليه، قضاها في قلقه وأفكاره، حتى قرر النهوض والذهاب للجلوس على المقهى المجاور لمحل صالح، لعله يلمح أو يستمع شيئًا مما يدور.
وبالفعل، تقدم بخطوات حتى الباب الخارجي، يلقي للعامل لديه بعدة أوامر، وهو في طريقه ليصدم جسده بآخر شخص تمنى لقائه في هذه اللحظة، وهو صالح، والذي ابتسم بسخرية ونظرات عينيه ثابتة، لكنها أيضًا خبيثة غامضة، وهو يتحدث إليه قائلاً بنبرة عادية مرحة:
"على فين كده يا معلم... دانا كنت عاوز في كلمتين."
صدم أنور، لا بل صعق حرفيًا. وقد ارتعبت ملامحه، تفر الدماء من جسده، وعينيه تتطلع نحو صالح المبتسم بهدوء واستمتاع، كأنه قط وقد أوقع فأرًا في إحدى الأركان حتى يستمتع باللعب معه قبل الانقضاض عليه.
وهو يتحدث قائلاً ببطء وعينيه تلقي له بالتحذير، وهو يمد يده نحو ياقة قميص أنور يعبث بها:
"بس لو مشغول ولا وراك مشوار مهم، أنا ممكن أجلك وقت تاني."
وجد أنور نفسه يهز رأسه بالرفض دون شعور، برغم مطالبة عقله له بالفرار والتحجج بأنه لديه بالفعل عمل ما يستدعي رحيله.
لتتسع ابتسامة صالح وتصبح ابتسامة ذئبية، قائلاً:
"حلو أوي... يبقى اتفضل يا معلم أنور واقعد على مكتبك، خلينا نقول الكلمتين."
أومأ أنور له رأسه كالمغيب، يتراجع بظهره للخلف، ومع تقدم صالح بخطواته حتى وصل أخيرًا لمكتبه، يلتف حوله جالسًا على المقعد خلفه بقوة، بعد أن أصبحت قدماه كهلام لا تقوى على حمله.
يتابع جلوس صالح المسترخي فوق المقعد المقابل له، ويقوم بإشعال لفافة تبغ بهدوء وتركيز شديد، قبل أن يتحدث أخيرًا بنبرة عادية:
"قولي يا أنور... زعلت على فلوسك اللي راحت منك والقلم بتاع الست كريمة ولا لأ."
اهتز جسده بعنف، كمن ضربته صاعقة من مباغتة صالح له. فقد ظن أنه سيراوغ في البداية ويعطيه الفرصة لتغطية على فعلته والبحث عن مخرج، لكنه لم يمهل الوقت، بل سدد له الضربة في مقتل، وجعله لا يستطيع حتى أن ينبث بلفظ واحد.
وهو يستمر في هجومه دون رحمة، يكمل قائلاً دون أن ينتظر رداً على سؤاله:
"أكيد طبعًا زعلت، ده مبلغ برضه مش قليل... أنا لو مكانك كنت هزعل أكيد."
ازدرد أنور لعابه بصعوبة، يتصبب جبينه بالعرق حتى سال على وجهه، يحاول التحدث، فخرج صوته مرتعشًا خافتًا:
"أنا.. مش عارف أنت بتتكلم عن إيه... يا صالح بالظبط."
تراجع صالح براحة للخلف في مقعده، قائلاً بصوت غير مبالٍ وهو ينظر لطرف سيجارته:
"بس أنا عارف يا أنور... وجاي النهارده علشان نخلص كل حاجة بينا ونقفل عليه الموضوع ده خالص."
هم أنور بالإنكار مرة أخرى بعدم معرفته عن أي شيء يتكلم، لكن لم يمهله صالح الفرصة، ينقض عليه يجذبه فوق المكتب من قميصه نحوه، حتى تقابلت الوجوه والأعين تتصادم، واحدة بنظرات مرعبة، وأخرى شرسة قاسية، يفح صاحبها من بين أنفاسه:
"ما قولت لك أنا جاي أحل وأخلص... يبقى تجيلي دوغري كده وبلاش شغل اللوع بتاعك ده معايا... ها قلت إيه."
أومأ له أنور له بالموافقة بسرعة وخوف، جعل ابتسامة صالح ترتسم فوق شفتيه، يرفع كفه يربت فوق وجنة أنور بقوة، قائلاً:
"جدع يا أنور... كده نبقى حبايب."
يتركه ويعاود الجلوس في مقعده، قائلاً:
"هاا تحب تبتدي منين بقى... أنا بقول من الأول من يوم ما طلبت إيد فرح وهي رفضتك."
هز أنور رأسه بالموافقة، يزدرد لعابه مرة أخرى، وهو يحاول استجماع شجاعته، ثم يشرع في إخباره بكل ما فعله من يومها وحتى وقتهم هذا.
بينما جلس صالح بهدوء واتزان، بعكس ما يثور بداخله في تلك اللحظة، حتى انتهى أنور أخيرًا من قص كل ما حدث، يتنفس بسرعة وخوف في انتظار رد فعل صالح.
ولكن صالح سأله سؤال واحد فقط، كان هو الوحيد الذي يحتاج إلى إجابته، فقد كان على علم بكل ما سبق إلا هذا:
"مليجي عرف منين إني مبخلفش... ومتقولش بنات أخته، عشان أنا عارف إن ده محصلش."
ازداد وجه أنور شحوبًا من لهجة صالح التحذيرية، قائلاً وهو يرتجف وبصوت مختنق:
"أنور مكنش يعرف... أنا.. اللي قلت كده... عشان... عشان..."
نهض صالح من مقعده ببطء، يكمل بدلاً عنه بخشونة وقسوة:
"علشان افتكر إن فرح أو سماح هما اللي عرفوا خالهم، مش كده يا أنور."
ارتعش جسده وينتفض فوق مقعده، وهو ينظر إلى صالح بتضرع ورجاء، يهتف:
"الشيطان والله اللي لعب بيا... أنا مش عارف أنا عملت كل ده إزاي... الشيطان صور لي إن.. إن فرح لو سابتك ممكن تحبني زي ما أنا كمان بحب..."
فح صالح من بين أنفاسه يوقفه، وقد احتقن وجهه بشدة، وعينيه تزداد شراستها:
"اخرس... متكملش... إلا لو عاوز لسانك ده يتقطع ويترمى تحت رجليك، ويتقطع معاه حاجة تانية."
ضم أنور قدميه بحماية، يرتجف من كلمات صالح، وهو يعلم بأنها ليست بتهديد فارغ. يصرخ بارتعب:
"هسكت خالص والله مش هتسمع ليا صوت تاني... أقولك أنا هسيب المحل والحارة كلها وننسى كل اللي حصل."
"وأهو الحمد لله عدت على خير... وإنت كويس والدنيا معاك تمام.. قلت إيه يا صالح."
لم يجبه صالح، بل نهض على قدميه، يخرج هاتفه من جيبه، بعد أن وصلت إليه رسالة، تطلع إليها، ثم وضعه في جيبه، يتجه بعدها نحو الباب، قائلاً:
"مستعجلش على ردي يا أنور... هيوصلك هيوصلك."
سار حتى الباب الخارجي، تحت نظرات أنور الزائغة المرتعبة، وقبل بلوغه بخطوة، التفت إليه فجأة، يخرج من الجيب الخاص بسترة لفافة، ألقاها نحوه فورًا، قائلاً:
"أنور الأمانة دي تخصك... أظن إنت عارف هي فيها إيه."
تلقفها أنور بين يديه، ينظر إليها كأنها قنبلة موقوتة، برغم علمه على ما تحتويه. ثم يضعها أمامه شاردًا عن خروج صالح من المحل ووقوفه خارجه بعدة خطوات، كأنه في انتظار حدوث شيء ما.
حتى تعالت صوت سرينة سيارة الشرطة، معها ابتسامته الواثقة، وهو يقف يتابع مع عدد من أهالي الحارة خروج رجال الشرطة منها، ثم يسرعون للدخول إلى محل أنور.
ما هي سوى لحظات، حتى خرجوا بعدها ومعهم أنور مسحوبًا من ياقة قميصه، وهو يصرخ يستعطفهم ويترجاهم أن يتركوه.
حتى وقعت عينيه على صالح، يرى في عينيه وعلى وجهه القاسي رده على سؤاله له منذ قليل، يدرك بأنه أذاقه من نفس الكأس، قد حاول أن يذيقه منه منذ أيام وفشل.
بعدها جلس صالح ومعه عادل، والذي أخذ يتحدث في هاتفه عدة لحظات، قبل أن ينهي المكالمة، يلتفت إلى صالح قائلاً:
"كده أنور راح في ستين داهية، أقل ما فيها ١٥ سنة سجن أشغال، بعد البلاوي اللي لقوها في الشقة اياها."
سأله صالح باهتمام:
"طب مليجي كان موجود ساعتها."
هز عادل رأسه بالنفى، ليتنهد صالح براحة. ليكمل عادل قائلاً:
"بس طبعًا لسه قضية البلاغ الكاذب... دي فيها حبس وغرامة."
هز صالح رأسه بعدم اكتراث، قائلاً:
"مش مشكلة، وهو يتربى، يمكن يمشي عدل بعدها."
تصاعد صوت هاتفه مقاطعًا حديثه، ليخرج من جيبه، يفتح الاتصال ويجيب بهدوء قائلاً:
"أيوه يا حسن... تحت هكون فين يعني... طب حاضر طالع... خلاص يا حسن قلت طالع."
أنهى الاتصال، يلقي بالهاتف فوق المكتب، عاقدًا حاجبيه بتفكير. ليسأله عادل بقلق:
"حصل حاجة يا صالح ولا إيه؟"
هز صالح رأسه بالنفى، قائلاً:
"لاا ده الحاج عاوزني أطلع عشان مستنياني."
نهض عادل من مقعده، وهو يتحدث قائلاً بهدوء:
"طب قوم اطلع... ونبقى نتقابل بليل."
هز له صالح رأسه بعقل شارد، ولم يلاحظ تردد عادل وتوتره في وقفته، قبل أن يكمل قائلاً باضطراب:
"كنت عاوز أكلمك في موضوعي أنا و...."
ازداد اضطرابه وارتباكه، يشعر صالح بالشفقة عليه، وهو ينهض عن مقعده ويقترب منه، مربتًا فوق كتفه قائلاً بلين:
"عارف يا عادل إنت عاوز تتكلم عن مين.. بس زي ما قلتلك الموضوع مش سهل، خصوصًا بعد اللي حصل بينك وبين ياسمين، وهي عارفة ده وعاملة حسابه."
أومأ عادل له قائلاً بصوت حزين:
"وأنا كمان عارف... أنا أصلاً مش مصدق نفسي إني بطلب منك إنت تساعدني.. بس أعمل إيه مفيش حد تاني قدامي."
زفر صالح بقوة، يربت فوق كتف صديقه، لا يعلم كيف له أن يهون عليه، فقد كان هو الآخر في موقف لا يحسد عليه، قائلاً برفق:
"هتتحل يا عادل... كل حاجة وليها وقت، وبعد كده بتتنسي والدنيا بتمشي.. بس الصبر."
لم يجد عادل ما يجيب به، يعلم بصدق حديثه، فليس أمامه سوى التمهل والصبر، ولعل بعدها الفرج قريب يكافئ بمراده وقتها.
رواية ظلمها عشقا الفصل الثلاثون 30 - بقلم فرح صالح
لم يجد عادل ما يجيب به، يعلم بصدق حديثه، فليس أمامه سوى التمهل والصبر، ولعل بعدها الفرج قريب يكافئ بمراده وقتها.
***
جلست أمامهما تشعر كأنها أمام محاكمة نُصبت لها، وكل الأعْين من حولها تنظر إليها بنظرات متهمة، تحاول التماسك حتى لا تنهار في البكاء، تدعو في داخلها أن يأتي سريعا ويجيب هو على كل هذه الأسئلة الموجهة إليها، ولا تدري كيف لها بالإجابة عليها خشية أن تزيد من اتساع دائرة اتهاماتها هي وعائلتها أمامهما.
حتى هتف بها الحاج منصور بحنق وغضب:
"يعني ده جزاء صالح وجزائنا عند خالك ومراته بعد وقوفنا جنبكم كل السنين دي، عاوزين يودوا ابني في داهية، عاوزين يسجنوه، وعلشان إيه، علشان أنور ظاظا، طب كنتوا بتوافقوا على الجوازة من الأول ليه لما صالح مش عاجبكم، كان بلاها دي جوازة، أنا مش مستغني عن ابني."
لم تحتمل فرح كل هذا الهجوم، ينعقد لسانها من حيائها في الدفاع عن نفسها والصراخ بهم جميعًا بأن ليس لها ذنب فيما حدث، بأنها ضحية هي الأخرى لأطماع خالها وزوجته، تسمع الحاج منصور يكمل ويزيد من وضع المزيد من الملح فوق جرحها وهو يسب ويلعن في خالها ومعه زوجته، لتحني رأسها بخزى وتشهق بالبكاء بطريقة جعلت انصاف تهب من مكانها تجلس بجوارها وتحتضنها بين ذراعيها قائلة بحزم وصوت مشفق:
"خلاص يا حاج، اللي حصل حصل وفرح ملهاش ذنب في كل ده، ما إحنا طول عمرنا عارفين عمايل مليجي ومصايبه، هو يعني جديد علينا."
زفر منصور بحنق، يعلم بصدق حديث زوجته، ولكن كان في حاجة لتنفيس عن غضبه، يهم بالرد عليها، ولكن في تلك اللحظة كان صالح قد دخل للمكان، تتسمر قدماه حين وصل إليه صوت شهقات بكائها ومحاولات والدته تهدئتها، وعيناه تدور في المكان من حوله، يلاحظ التوتر المشحون به، يسأل بقلق وقدمه تقوده نحوها:
"فيه إيه حصل، فرح بتعيط ليه؟"
ابتسمت انصاف ابتسامة ضعيفة متوترة قائلة بمرح مصطنع:
"مفيش، ولا بتعيط ولا حاجة، مش كده يا بت يا فرح."
سأل صالح مرة أخرى ولكنه هذه المرة بحدة وحزم غير مبالٍ بإجابة والدته، ليهب والده يجيبه هو الآخر بحدة:
"كنت شوف رأيها في عمايل أهلها السودا."
عقد صالح حاجبيه بشدة وضيق ليكمل والده قائلا:
"إيه كنت فاكر إني مش هعرف باللي حصل من خالها ومراته."
التفت صالح بحدة نحو أخيه يتطلع إليه، ليحني حسن رأسه على الفور هاربا من نظراته، يتوتر في جلسته، ليظل صالح ينظر إليه قائلا بأسف واحتقار:
"كان لازم أعرف إنك عيل وعمرك ما هتتغير."
صرخ به منصور بغضب عنيف قائلا:
"ملكش دعوة بأخوك وخليك معايا هنا، معرفتنيش ليه باللي حصل، ها؟ فضلت ساكت ومخبّي عليا ليه، إيه خلاص قلت أبوك عجز وكبرت عليه."
زفر صالح بقوة قائلا بنفاذ صبر:
"بقولك إيه يا حاج، ده حاجة متستاهلش وعرفت أنهيها، يبقى لازمتها إيه الشوشرة وكتر الكلام."
سأله منصور باستهجان يحاول السيطرة على غضبه:
"يعني أنت مش شايف إنك غلطان، إنك تخبّي عننا حاجة زي دي."
هز صالح رأسه بالإيجاب، قائلا بحزم:
"لأ مش غلطان، أنا مش عيل صغير كل ما يحصل معاه حاجة هيجري على أبوه يعيط له وأقوله الحقني."
التفت صالح نحو حسن يلوّي شفتيه باستهزاء قائلا بكلمات ذات مغزى:
"كفاية واحد، مش هنخيب إحنا الاتنين."
رفع حسن رأسه هاتفا باعتراض:
"أنا قلت لأبويا علشان كنت..."
قاطعه صالح قائلا بسخرية:
"لأ عارف قلت ليه وعلشان إيه، مش محتاجة شرح المسألة، بس الظاهر كده إن مفيش حد بيتغير بسهولة واللي فيه طبع بيعيش ويموت بيه."
تقدم نحو فرح يجذبها من يدها نحوه وهو يوجه حديثه لوالده هذه المرة:
"فرح مالهاش دخل ولا ليها دعوة بالموضوع ده، وأي كلام بعد كده بخصوصه تحب تتكلم فيها يا حاج يبقى معايا أنا."
أنهى حديثه يجذبها معه ويغادر المكان على الفور، لتهتف انصاف بعدها بحدة:
"قلت لك يا حاج البت ملهاش ذنب وغلبانة، ومكنش ليه لازمة اللي عملته ده."
جلس منصور زافر بحنق وغضب:
"يعني كنت عاوزاني أعمل إيه يا انصاف لما أسمع كل البلاوي دي."
نظرت انصاف نحو حسن قائلة بلوم:
"عندك حق يا خويا، أنت معذور برضه."
رفع حسن حاجبه يسألها بعينيه عن ذنبه، حتى تقوم بلوم هي الأخرى وهي تلوّي شفتيها، تهز رأسها بخيبة أمل، ثم تشيح بنظراتها بعيدا عنه، ليغمغم حسن بينه وبين نفسه يلعن لسانه وحكم العادة والذي جعله يهرع لزوجته حين احتاج أن يفضفض لأحد، يخبرها بما حدث وبعد علمه بفعلة صالح مع أنور، أشارت عليه بتلك النصيحة بأن يقوم بإخباره والده بكل شيء الآن وتثير قلقه بأنه إن علم من أحد آخر بما يدور سيلقى باللوم عليه أول شخص لعدم إخباره، ويسقط بغبائه مرة أخرى في فخها، يتوعدها معاقبا فور أن تقع يده عليها، ويتمنى أن يستطيع أن يعيد ثقة أخيه به مرة أخرى رغم علمه بصعوبة ذلك.
***
فور دخولهما الشقة تحركت بسرعة نحو الداخل هربا حتى لا تنفجر في البكاء أمامه وتزيد الأمور توترا، ولكنه لم يمهلها الفرصة بل جذبها من ذراعه ليصلقها به يسألها بحنان:
"بتجري كده ورايحة على فين وسيباني؟"
أخذت تحاول التحدث تشير بأصابعها نحو الداخل، لكن شفتيها وغصة البكاء لم تمهلها الفرصة وهي تحاول تمالك نفسها، ليضمها إليه بحنان، دافنة وجهها في عنقه، تتعلق به كأنه الخلاص لها، فأخذ يربت فوق شعرها بنعومة ورقة قائلا:
"فكريني كده هو أنا قلت لك بحبك النهاردة ولا لأ؟"
شهقت أكثر باكية يسألها بمرح:
"يابت ردي عليا الأول وبعدين عيطي، أنا مبحبش يبقى عليا حاجة لحد."
انفرجت أساريره حين شعر بضحكتها الخافتة وهي تهز رأسها له بالنفي وهي ما زالت تخفي وجهها عنه، يعلم نجاحه إلى حد ما فيما يريد، يكمل سريعا يتساءل بمرح قائلا:
"وأنا طول اليوم أسأل نفسي ناسى إيه يا واد يا صالح، ناسى إيه، أترى كنت ناسى أهم حاجة، لآ أنا كده لازم أصلح غلطي وبسرعة."
شهقت بصدمة حين رفعها فوق كتفه، يتدلى رأسها خلفه تسأله بصوت مذهول رغم البكاء به:
"بتعمل إيه يا صالح، أنا مسامحة خلاص."
أجابها وهو يستمر في تحركه نحو غرفة نومهم قائلا بحزم وشدة مصطنعين:
"لآ يا ستي، مينفعش حقك ولازم تاخديه تالت ومتلت كمان، إيه هناكل حقوق الناس على آخر الزمن ولا إيه!"
دخل بها إلى الغرفة، وفور أن أنزلها عن كتفه الصقها به هامسا بعد أن دفن وجهه في منحنى عنقها:
"مش قلت لك قبل كده مفيش حاجة في الدنيا دي تستاهل دموع عيونك الحلوة دي..."
أخذ يقبل بشرة عنقها بحنان هامسا:
"آه هي بتبقى هتجنني وبيخطفوا قلبي من حلاوتهم بعد كل وصلة عياط بس معلش كفاية عليها لحد كده، علشان ورانا دين وحساب كبير لازم أوفّي بيه دلوقتي."
وثبتت ضربات قلبه من السعادة والفرحة حين سمع صوت ضحكتها كالأنغام بالنسبة له، يرفع وجهه نحوها سريعا يرى ابتسامتها تشرق على وجهها تنيريه وتبدد أي غيوم للحزن عليه، وهي تنطق بعشقه وهي تهمس له بخفوت:
"أنا اللي عندي ليك دين ولازم أوفيه الأول..."
اقتربت منه تطبع قبلة على وجنته هامسة:
"ربنا يخليك ليا، وتفضل طول عمرك ضهري وسندي والإيد اللي تطبطب عليا وتطيب وجعي."
اشتعلت عيناه بالعشق تأثرا بها، ترتسم ابتسامة فرحة على شفتيه هامسا لها بصوت مرتجف أجش:
"ويخليكي ليا طول العمر وتفضلي تخطفي مني قلبي وعيوني، وأعيش عمري كله..."
انحنى عليها يقبلها برقة يهمس:
"بحبك... وبعشقك... وبدوب من شوقي ولهفتي ليكي... يا كل حياتي وفرحتها."
اشتعلت قبلاته مع آخر كلمة همس بها يبثها من خلالهم بدلا عن حروف الكلمات كل ما عجز لسانه عن البوح به، وقد تضخم قلبه من شدة عشقه ولهفته لها، مكتفيا بها وبعشقها بالعالم كله، مستعد للتضحية بروحه لو كان المقابل سعادتها.