تحميل رواية «ظلمها عشقا» PDF
بقلم فرح صالح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - جلست فوق فراشها تضم ركبتيها الى صدرها تضع يديها على أذنها بقوة في محاولة منها لإبعاد تلك الأصوات الآتية إليها من الخارج وقد إمتزجت أبواق السيارات مع الاغاني الشعبية تصاحبها زغاريد النساء تعبيرا عن فرحتهم وسعادتهم بهذا الزفاف. كانت الاصوات كطعن سكين حاد يمزق قلبها بلا رحمة أو هوادة .. كانت كالمخالب تشق صدرها ثم تنهش قلبها من داخله ثم تدعسه بقسوة بينهم ثم تلقى به أرضاً فتتركها بعدها جسدا بلا روح.وكلما حاولت صم تلك الأصوات عنها ازداد جسدها ارتجافا كمن يحارب في معركة خاسرة، ونعم هي بخسارة ، فا...
رواية ظلمها عشقا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فرح صالح
وقفت سمر ومعها ياسمين أمام الباب الخارجي للشقة الخاصة بالوالدين بعد قضائهما الكثير من الوقت في إعداد مخططهما لاستعادة عادل.
تسألها سمر بلهجة تحذيرية:
"متتكلميش انتي، أنا اللي هتكلم وهقولهم إني عاوزاكي معايا في مشوار، ولما نخرج هنعمل اللي اتفقنا عليه."
أومأت لها ياسمين موافقة. تفتح الباب ليدلفا معًا إلى الداخل. يقفان يتطلعان إلى بعضهما بحيرة، وقد وصل إلى سمعهما أصوات آتية من غرفة الاستقبال.
تسأل سمر بفضول:
"هو أبوكي عنده ضيوف ولا إيه؟"
هزت ياسمين كتفيها بعدم معرفة. لتعقد سمر حاجبيها بشدة، تتقدم ناحية الغرفة ببطء وحذر، وقد وصلها صوت الحاجة إنصاف وهي تتحدث بصوت متوتر حرج:
"أهلاً يا ست أم شاكر، شرفتينا يا أختي والله."
أم شاكر وهي تتململ في جلستها حرجا وبصوت متحشرج:
"يخليكي يا أختي.. وألف سلامة على صالح، ربنا يقومه بالسلامة يارب ويطمنكم عليه."
ساد الصمت المكان مرة أخرى بعد حديثها هذا. حتى قاطعه الحاج منصور يتسأل بحرج هو الآخر:
"هو شاكر مجاش معاكم ليه؟ ده كلمني وقالي إنه هيشرفنا."
دوى صوت أماني في أذن سمر التي تتوارى خلف الباب كقنبلة مدوية، وهي تتحدث قائلة بثقة وتحدي:
"شاكر مقدرش يجي المرة دي.. بس المرة الجاية أكيد هييجي معانا عشان يطمن على صالح."
شحب وجه إنصاف ومنصور يتطلعان إلى بعضهما بتوتر واضطراب. لتسرع والدتها في القول، تحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه من وضعهم الشائك في هذه الزيارة المشئومة ضد أعرافها. وقد أتت إلى هنا على مضض وبعد محاولات منها للاعتراض بشدة، ولكنها استسلمت أخيرًا لرغبة أبنائها الحمقى فيما أرادا.
لِتجلس الآن وهي تكاد تغرق في عرق حرجها قائلة بتوتر:
"إحنا قلنا نيجي نطمن عليه.. ماهو برضه صالح في معزة شاكر وغالي عندنا.. والعشرة برضو متهونش إلا على ولاد الحرام، ولا إيه..!"
أسرع الزوجان في تأييدها بحماس مضطرب. لكن أتى سؤال أماني الملهوف لهم ليتخشب جسدهما توترا. حين سألت:
"فين صالح؟ عاوزة أشوفه وأطمن عليه.. هو فوق مش كده؟!"
هنا، دفعت سمر بجسدها تقتحم المكان قائلة بابتسامة سمجة شامتة:
"آه صالح فوق يا أماني.. بس مع عروسته، أظن يعني مينفعش تطلعي لهم في وقت زي ده، ولا إيه يا حاجة؟!"
التفتت إلى والدة أماني تتوجه إليها بالسؤال، والتي أخذ وجهها يتفصد عرقًا بشدة وهي تهز لها رأسها بالإيجاب. لكن أماني لم تستسلم. تقف على قدميها تهتف بغضب وعيناها تلتمع بشدة غلاً:
"بقى كده يا سمر؟ طب إيه رأيك أنا هطلع غصب عن ال..."
نهض الحاج منصور من مقعده قائلاً بحزم:
"مفيش داعي يا بنتي لكل ده.. صالح..."
أسرعت إنصاف تنهض هي الأخرى تقاطعه بلهفة وصوت مضطرب متلعثم، تنظر له نظرة ذات مغزى:
"خرج.. صالح خرج يا حبيبتي من شوية.. راح مع مراته للدكتور.. ده حتى سمر متعرفش.. دول لسه خارجين حالا وهيطلعوا من هناك على بيت أهلها عشان..."
التفتت إليها أماني بوجه محتقن من شدة الغضب، تهم بالرد عليها ردًا حادًا. لكن أسرعت والدتها بالنهوض تصمتها بالشد على ذراعها بقوة منعا للمزيد من الإحراج لهم. ثم تمسك بحقيبتها وحقيبة ابنتها قائلة بكلمات سريعة:
"بالسلامة يا أختي.. إحنا الحمد لله اطمنا عليه منكم.. وابقى وصلوا له سلامنا لما يرجع.. يلا بينا يا أماني."
وقفت أماني مكانها تتسمر بالأرض، تتطلع بنظرات معترضة إلى والدتها، تهم بالحديث. لكن أصمتتها نظرة عينيها الحازمة تحذرها بها. وهي تكرر ندائها لها مرة أخرى ببطء وتشدد. لتزفر أماني بقوة، تختطف حقيبتها بغضب من يدها، ثم تسرع بالخروج تمر من أمام الجميع متجاهلة لهم بخطوات حانقة، حتى مرت بجوار سمر.
وياسمين المتابعة بصمت واهتمام كأنها تشاهد أحد أفلام الإثارة والأكشن. وهي تستمع إلى همس سمر الشامت:
"نورتينا يا أماني.. ويا ريت الزيارة دي متتكررش تاني."
التفتت إليها أماني بعيون محتقنة وملامح شرسة تفح من بين أنفاسها:
"متحلميش.. وراجعة تاني يا سمر.. بس المرة الجاية انتي اللي هتبقي برة مش أنا."
قابلت سمر حديثها بابتسامة ساخرة تقلل من أهميته. لتخرج بعدها أماني من المكان، تتبعها والدتها والحاج منصور وإنصاف. لتودعهم حتى الباب الخارجي. لتلتفت إنصاف إلى سمر بعد ذهابهم مع الحاج منصور، تنهرها بحدة وصوت عاتب:
"مكنش له لازمة يا سمر اللي حصل ده.. إحنا كنا هنتصرف معاهم أنا وعمك الحاج."
اقتربت منها سمر تهتف ساخرة:
"تتصرفي إيه بس يا خالتي؟ دي كانت عاوزة تطلع لصالح فوق.. عارفة لو ده حصل كان هيجرى؟"
"كان البيت هتقوم فيه حريقة ويولع نار."
أسرعت ياسمين مؤيدة لسمر قائلة:
"صح يا ماما كلام سمر.. وبعدين دول عالم بجحة أوي مينفعش معاهم غير كده.. جايين يزورونا إزاي بعد اللي حصل منهم!"
هزت إنصاف رأسها بحيرة:
"والله يا بنتي مانا عارفة.. آهوه اللي حصل حصل.. ربنا يستر بس وأخوكي ميعرفش بزيارتهم ويقلبها حريقة."
أسرعت سمر قائلة بتأكيد وعيناها امتلأت باللؤم:
"طبعًا استحالة حد فينا يقوله ولا يعرفه.. ولا إيه يا ياسمين؟"
هزت ياسمين رأسها مؤكدة دون حماس كأن الأمر لا يعنيها. قبل أن تشير إلى سمر خفية ناحية والدتها. لتسرع سمر قائلة:
"من حق يا خالتي.. كنت عاوزة أستأذنك أخرج مع ياسمين نجيب شوية حاجات من جوه البلد ومش هنتأخر والله.."
إنصاف بصوت مرهق متعب:
"ماشي.. بس اتصلي بجوزك عرفيه إنك خارجة.. ومتتأخريش انتي وهي.. أنا مفيش فيا دماغ لشقاوة عيالك."
ابتسمت ياسمين بسعادة ثم تهرع في اتجاه غرفتها للاستعداد. أما سمر فقد أسرعت بالتحرك هي الأخرى لصعود لشقتها قائلة بتلهف وطاعة مصطنعة:
"من عيوني يا حبيبتي.. أنا هطلع أكلم حسن وأجهز وأنزل حالا."
خرجت من الباب ثم وقفت خارجه عيناها تلتمع بفرحة قائلة بابتسامة خبيثة:
"وهو بالمرة أطمن على العرسان عاملين إيه.. ده واجب برضه."
***
استلقت براحة جواره تستمتع بدفء قربه منها وذراعيه المحيطة بها بعد عاصفة عواطفهم والتي استنزفت قواهما. تشعر بجفونها تنغلق ببطء رغبة في النوم.
حتى سمعته وهو يئن بألم حين حاول الجلوس بالاعتدال في الفراش يمسك بذراعه المصاب. تتنبه جميع حواسها فورًا فتهب من الفراش فورًا ناهضة، ثم تسرع في ارتداء قميصها البيتي الملقى أرضًا بتعثر، وهي لا تعير صياحه المعترض ولا طلبه منها بالعودة إليه مرة أخرى اهتمامًا هذه المرة، هاتفة به بحزم:
"لأ.. أنا هروح حالا أحضرلك الأكل عشان تاخد علاجك.. أنا مش عارفة أنا نسيت علاجك كده إزاي."
تنهد مستسلمًا بعد ردها الحازم هذا عليه، ثم يسألها بوجه يتغضن بألم وهو يمسك بذراعه يحاول الجلوس مرة أخرى قائلاً بصوت مسالم ضعيف:
"طب وحياتك يا فرح تعالي عدلي لي المخدة ورا ضهري قبل ما تخرجي."
التفت حول الفراش تتقدم منه بتلهف وخوف وهي ترى ألمه المرتسم فوق ملامحه. تنحني عليه حتى تقوم بما أراد منها. لكنها وفي لمح البصر وجدت نفسها تسقط جالسة فوق ساقيه. شاهقة بقوة بعد أن جذبها من ذراعها نحوه منحنياً عليها، وقد اختفى أي أثر لألم من على وجهه وعيناه تلتمع بشقاوة وهو يهمس لها بخبث ومرح:
"أكل إيه وعلاج إيه؟ إنتي عبيطة يا فرح..!"
ثم مرر عينيه فوق منحنياتها ببطء شديد جدًا قائلاً بنعومة يمرر طرف لسانه فوق شفتيه بتلذذ كأنه يتذوقها:
"دانا مصدقت يوقع تحت إيدي حتة شوكولاتة ملفوفة لفة وصاية.. لا وايه كلها مكسرات.. وإنتي تقولي لي أكل!"
استقر بنظراته فوق وجهها المشتعل خجلًا. ينحني فوق وجنتيها يلثمها برقة كرفرفة الفراشة هامسا:
"يعني مثلًا هنا فيه بندق.."
ثم ينتقل إلى الناحية الأخرى يـ*قبلها بنفس الرقة هامسا:
"وهنا فستق.. أما هنا بقى فا لوز.."
كانت شفتيه مع كلمة حروف كلماته الأخيرة قد وصل إلى شفتيها ليهمس فوقها بشوق وتأن شديد قبل يلتهمها بشفتيه يـ*قبلها بشغف وجنون، ليذيبها بين يديه في استجابة سريعة منها لفورة مشاعره المشتعلة. للحظات طوال سرقت منهم الأنفاس وتعالت معها ضربات قلبهم، يسرقهم الزمن وهما يعاودا السقوط في نعيمهم الخاص.
حتى عادا أخيرًا من رحلة عشقهما. يغمض عينيه وهو يستند بجبهته فوق جبهتها، ينهت بقوة قبل أن يـ*لثم شفتيها بنعومة. ثم يتراجع بجسده فوق الفراش يجذبها معه، محتضنًا لها. وأنامله تزيح خصلات شعرها بعيدًا عن وجهها بحنان، وهي تنظر إليه وابتسامة مشرقة تزين شفتيها. مع احمرار خدها لتجعلها في عينيه من أجمل آيات الجمال التي رآتها عيونه.
ليظل أسير جمالها هذا يتأملها بنظرات شغوف. يسود الصمت والهدوء الغرفة للحظات استقرت فيها أنفاسهم المسروقة أخيرًا..
لكنه عاد يزفر بإحباط حين وجدها تبتعد عنه، تعود للنهوض من جواره مرة أخرى. تلتقط قميصها وترتديه بسرعة وارتباك. ثم ترفع سبابتها هاتفة به بصرامة رغم النعومة بملامحها، بعد أن رأته يهم بالاعتراض على فعلتها:
"شوف المرة دي هتسمع كلامي أنا.. هتاكل وتاخد علاجك وبعدين..."
هزت كتفها بدلال خجل تكمل بخفوت:
"لو عاوز بعدها تحلي بالشوكولاتة مش هقول لك لأ.. بس الأكل الأول."
أسرعت بالهروب فورًا من الغرفة، تتبعها ضحكته المرحة الصاخبة والتي ألهبت مشاعرها. يرقص قلبها بفرحة مع ابتسامة سعيدة هانئة تزين ثغرها طوال فترة إعداد وجبة الطعام له. ثم تسرع عائدة له.
ليمضي بهم الوقت في تناول الطعام معًا. يطعم كلًا منهم الآخر وهما يتبادلان أطراف الحديث والمزاح سويًا. في وقت كان من أسعد وأحب الأوقات إلى قلبها. فيكفيها وجودها معه في نفس المكان تتنفس من نفس الهواء الذي يتنفسه. يحيطها بوجوده ولا تريد شيئًا آخر سواه.. يكفيها هذا فقط.
بعد انتهائهم قامت بجلب الدواء إليه. فتناوله منها دون اعتراض هذه المرة. بعد أن لاحظت أكثر من مرة قيامه بالضغط فوق شفتيه بألم وإرهاق وجهه الشديد. ثم وضعت ذراعه وساقه فوق الوسائد رغم اعتراضه على هذا قائلة بصوت رقيق لكنه حازم:
"إنت هتريح دراعك ورجلك بس لحد ما أرجع الأكل المطبخ وأعملك الشاي.. اتفقنا..!"
هز رأسه لها موافقًا. يتراجع بظهره في الفراش حتى أصبح مستلقيًا تمامًا، يغمض عينيه باستسلام. فأبتسمت بحنان تراقبه لبرهة وهي تعلم بسقوطه تدريجيًا في النوم من تأثير الأدوية. ثم خرجت بعدها من الغرفة على أطراف أصابعها تغلق الباب خلفها بهدوء.........
***
خرجت من الحمام بعد حين وهي تقوم بتجفيف خصلات شعرها بالمنشفة. تدلف إلى داخل الغرفة وبهدوء شديد تحركت نحو الفراش لتطمئن عليه كأم تتفقد وليدها. لتجده مازال مستغرقًا في النوم بعمق. لتدثره جديدًا بالغطاء تلثم جبينه برقة تتطلع إليه بحب. لبرهة ثم تمشي ببطء على أطراف أصابعها حتى خزانتها تقوم بإعداد نفسها سريعًا وارتداء قلادتها هديته لها. ثم تعاود الخروج من الغرفة مرة أخرى بهدوء شديد بعد أن ألقت عليه نظرة أخرى تتفقده بها خوفًا من استيقاظه..
ولكن ما إن خرجت من باب الغرفة حتى تعالى صوت الجرس ينبئ بقدوم زوار لهم. لتسرع بالتقاط إسدالها الملقى على أحد المقاعد ترتديه سريعًا عليها. ثم تعدو نحو الباب لفتحه خوفًا أن يقوم صوت الجرس الملح في إيقاظه. تبتسم برسمية وأدب حين طالعها وجه سمر المبتسمة هي الأخرى وهي تهتف:
"إيه يا عروسة صحيتك من النوم يا حبيبتي..!"
ابتعدت فرح للجانب مشيرة لها بالدخول بترحاب وهي تعدل ومن وضع حجابها:
"لأ يا أم منصور أنا كنت صاحية.. صالح هو اللي نايم عشان أخد الدوا."
تقدمت سمر للداخل تجلس فوق مقعد في غرفة المعيشة قائلة:
"نوم العافية إن شاء الله.. النوم كويس ليه برضه."
همهمت بحذر وارتباك مصطنعين، لكن حرصت على وصول حديثها لفرح:
"وهو برضه كويس عشان ميعرفش حاجة عن الضيوف اللي تحت."
جلست فرح في المقعد المقابل لها تسألها بفضول حذر:
"ومين دول الضيوف اللي مش عاوزة صالح يعرف عنهم؟!"
أخذت سمر تتلفت حولها تضغط فوق شفتيها باضطراب كأنها صدمت لسماع فرح لحديثها قائلة بارتباك وحرج مصطنع:
"أقولك إيه بس.. أنا مش عارفة الناس دي جنسها إيه والله.. بعد كل اللي عملته بنتهم.."
زفرت بحدة تقطع حديثها، يرتسم على وجهها النفور والاستياء. لتعاود فرح سؤالها بقلق وقد تعالت ضربات قلبها هلعًا بعد أن علمت بهوية الزوار. لكنها تحتاج لسماعها منها حتى تتأكد. لتتنهد سمر بقوة قائلة كأنها لا تجد مفرًا من إخبارها:
"الست أماني طليقة صالح جاية ومعاها أمها عاوزين يشوفوا صالح.. بس أنا مسكتش ليها ومشتها هي وأمها بعد ما سمعتهم كلمتين حلوين."
وأخذت تتحدث بحدة واستهجان وهي تخبر فرح عما فعلته. لكن فرح كانت كأنها في عالم آخر تتطلع إليها بنظرات متجمدة ووجهها شاحب شحوب الموتى.
ولكن سمر أخذت تكمل كأنها لا تنتبه لحالتها تلك قائلة بتهكم محتقر:
"البت يا أختي ماشوفتش في بجاحتها بعد ما طلبت منه الطلاق وصممت عليه وهو ياحبة عيني ساق عليها طوب الأرض عشان ترجع له.. جاية دلوقتي هي والمحروسة أمها تعيده من تاني.."
تنهدت تهز رأسها كأنها تستنكر ما يحدث. لكن كان في تلك اللحظة كل تركيز فرح منصب عند الكلمات المتعلقة بطلاق صالح. تلتفت إليها تسألها بصوت بلا حياة خافت:
"هي أماني اللي طلبت الطلاق من صالح ومش هو اللي طلقها زي ما عرفنا؟!"
لوت سمر شفتيها بشفقة مصطنعة وهي تمد يدها ناحية فرح المتخشبة في مقعدها كأنها تمثال بلا روح. تمسك بيدها المتجمدة تربت فوقها تكمل قائلة:
"آه يا حبيبتي هي اللي طلبت ومحدش قدر يقف قصادها وقتها.. كنا فاكرينها مشكلة صغيرة وهتعدي ما بينهم خصوصًا إن صالح يعني..."
صمتت للحظة تدعي التردد كأنها لا تدري أتكمل ما تقوله أم لا. ثم استأنفت حديثها تلوى سكينها بقسوة أكثر داخل قلب فرح:
"أقصد يعني إنه كان متمسك بيها وحاول كذا مرة هو والحاج الكبير يرجعوها.. بس أهو بقى هنقول إيه نصيب."
قتلتها ببطء شديد مع كل حقيقة تخبرها بها وقلبها ينزف دمائه بغزارة ثم ينقبض بطريقة مميتة. وسمر تكمل دون شفقة غافلة عما يحدث لها، حتى أنها أرادت الصراخ بها حتى تكف عن الحديث.
وهي تتحدث تؤكد بحزم وسرعة:
"بس كان لازم يحصل كده ويتجوز ويشوف حياته من بعدها.. هي فاكرة إيه؟!"
"إنه هيفضل يتحايل عليها طول العمر بنت الـ..."
تنهدت تهز رأسها كأنها تستنكر ما يحدث. لتزفر فرح أنفاسها وهي تقبض يديها في حجرها بقوة. ثم تتنفس بعمق قائلة بنبرة منكسرة لم تستطع إخفاءها:
"عندك حق.. وزي ما قولتي كل شيئ قسمة ونصيب."
رقصت سمر فرحًا بسماعها نبرة الانكسار هذه في صوتها. وقد علمت بنجاح ما أرادته وأكثر من زيارتها تلك. فقد نوت في البداية إخبار صالح عن زيارة أماني حتى تشعل نيران غضبه وثورته. وهي أعلم الناس بنوبات غضبه تلك وما تخلقه من دمار خلفها. تمنت النفس أن تطال تلك النوبة عروسه..
وقتها وتكون أول مسمار منها تدقه في نعش زواجهم. ولكنها وفور علمها بنومه أسرعت تشكر حظها الحسن وغيرت فورًا من خطتها. تشعل بأكاذيبها نيران عروسه بدلاً عنه. ثم ستجلس وتضع قدم فوق أخرى وتشاهد ما سيحدث بينهما تاليًا.
اقتربت من فرح تربت فوق كفها قائلة بنبرة مشفقة وهي تستعطفها:
"يقطعني يا أختي أنا مش عارفة انسحبت من لساني كده إزاي.. ده لو صالح ولا حسن جوزي عرفوا إن كلمتك عن حاجة زي دي هيبقى فيها موتى."
هزت لها فرح رأسها بالنفي كالمغيبة قائلة بصوت سطحي بلا مشاعر:
"متخفيش يا أم منصور.. مفيش حد هيعرف بكلامنا ولا إني عرفت بزيارة أماني."
نهضت سمر واقفة ببطء تربت فوق كتف فرح تهمهم بكلمات شاكرة ممتنة. ثم تغادر المكان فورًا. وقد نالت ما أرادته وأكثر قليلًا. حين التفتت خلفها تلقي بنظرة ناحية فرح قبل مغادرتها. فتراها جالسة كما هي تنظر أمامها بثبات وجسد متجمد بلا روح. تغلق الباب خلفها وقد تهلل وجهها بالسعادة.
أما فرح فقد جلست بأعين اغرورقت بالدموع ووجه شاحب شحوب الموتى. لا تدري كم مر عليها وهي جالسة على هذا الوضع، دقائق كانت أم ساعات تتأكلها الأفكار تنخر قلبها حقيقة أن طليقته هي من تركته وأنهت الحياة بينهم وليس هو كما أرادت أن تقنع نفسها. وتألمها أكثر معرفتها بمحاولاته إعادتها إليه أكثر من مرة ورفضها هي ذلك.
وقد فسرت معرفتها هذه ما حدث ليلة زفافهم وسرعة رده عليها وقتها دون تردد. كما يفسر لها اتصالها به ليلتها بل ويوضح أيضًا جرأتها على حضورها إلى هنا لرؤيته. فهي واثقة كل الثقة بترحيبه بها مهما حدث منها ولن يكون زواجه بأخرى عائقًا لها لجذبه ومحاولة إعادته لها مرة أخرى.
هاجمها هاجس آخر كان القشة التي قطمت ظهر البعير. أن يكون زواجه منها هي كان في الأساس محاولة منه لدفع طليقته للغيرة والتلهف عليه من جديد حين تشعر بالندم على خسارته له.
سقطت دموعها تتسابق فوق وجنتيها شاهقة بألم. وهي تبكي بحرقة للحظات طوال استنزفت قواها خلالها. تشعر بانهيار العالم من حولها. لكنها وفجأة صمتت، تكف عن البكاء تسرع بمحو تلك الدموع سريعًا. ثم تهب واقفة على قدميها عازمة على التحدث إليه ووضع الكثير من النقاط بينهم. ولن تظل صامتة تقبل وتتغاضى عما سمعته منذ قليل كما أراد منها قلبها الخائن أن تفعل خوفًا من الخسارة. وتترك نفسها حتى تتأكلها النيران ببطء فتنهيها دون شفقة.
لذا تحركت تسير ناحية غرفة النوم تقف على بابها تتطلع إليها بوجوم. وقد عاودتها غصة معرفة أن تلك كانت غرفتها معه قبلًا وأنها قد سبقتها إليها.
كارهة تلك الأنفاس التي تلتقطها داخلها. لكنها زفرت بقوة حتى تتحامل على نفسها تسير نحو الفراش بهدوء. حتى وقفت أمامه تتطلع إليه بصمت بعيون منكسرة وشفاه ترتجف. وهي تحاول منع نفسها من الانهيار في البكاء مرة أخرى.
تراه كما هو منذ أن تركته نائمًا بعمق وملامح مسترخية. وهي تهمس بتحشرج وصوت ضعيف باكي تناديه. لكن لم تأت منه استجابة. لتعاود النداء مرة أخرى. ولكن هذه المرة بصوت قوي حاد يحمل كل ما بها من غضب وألم. تطالبه بالاستيقاظ ليستجيب لها هذه المرة.
وليتـه لم يفعل وظل كما هو نائمًا لا يستجيب لندائها. تتراجع إلى الخلف شاهقة بحدة لالتقاط الأنفاس كمن طعن غدرًا وعلى حين غفلة منه. حين تقلب على جانبه وهو يهمهم بضيق ونـَـزق بكلمات بطيئة متعثرة من أثر النوم. لكن كانت لها واضحة وضح الشمس حين قال:
"سبيني يا أماني أنا تعبان دلوقتي.. شوية وهبقى أقوم....."
***
دخلت إلى المكان تنظر حولها بارتباك وتوتر. حتى أتى صوته الهادئ من خلفها مرحبا بها. فلتفت سريعًا باتجاهه تمد يدها إليه بترحاب قائلة بصوت عملي رغم الخجل به:
"أهلًا بيك يا أستاذ عادل.. أسفة لو جيت بدري عن الميعاد بس قولت أعدي على حضرتك بعد الشغل."
ابتسم عادل برقة يهز رأسه بالنفي قائلاً:
"لأ.. ولأ يهمك.. أنا كده كده موجود."
ابتسمت سماح هي الأخرى له تتبعه بعد أن أشار إليها باتجاه حجرة من الواضح أنها تعد لتكون مكتبًا له. تجلس على إحدى المقاعد ويجلس هو الآخر على واحد آخر. ويبدأ فورًا في الحديث قائلاً بجدية وصوت هادئ:
"شوفي يا آنسة سماح أنا عارف إننا اتفقنا على شهر عشان تبتدئي معايا هنا.. بس بصراحة أنا عاوز نقدم الميعاد عن كده لو ده مفيش فيه مشكلة ليكي."
هزت سماح رأسها بالنفي قائلة بصوت هادئ هي الأخرى:
"لأ أبدًا يا أستاذ عادل.. أنا مستعدة وجاهزة في أي وقت وكلمت خلاص أبو نور عشان يشوف بديل.. بس اديني فرصة لبكرة أتفق معاه على كل حاجة."
ارتسمت ابتسامة إعجاب فوق شفتي عادل قائلاً:
"واضح إن كلام الحاج منصور عنك صحيح إنك بتحبي تكوني مستعدة لأي طارئ وأدي المسئولية."
تورّدت وجنتا سماح تبتسم هي الأخرى لكن بخجل قائلة:
"متشكرة ليك أوي يا أستاذ عادل وإن شاء الله أكون عند حسن ظنكم فيا."
تقدم عادل للأمام في جلسته يهتف بتأكيد وحسم:
"دي حاجة أنا متأكد منها يا سماح.. ثم ابتسم يكمل قائلاً: إيه رأيك بقى أعرفك أمور المكتب ونظام شغلنا لأنني هحتاجك معايا هنا وفي المكتب التاني لحد ما تستقر الأمور."
هزت له سماح رأسها بالموافقة ليشرع عادل في شرح الأمور الخاصة بالعمل. وقد جلست سماح تستمع إليه بانتباه. حتى قاطعهم رنين هاتفه ليستأذنها للرد. يخرجه من جيبه ينظر لهوية المتصل. لتتبدل حاله فورًا وقد عقد حاجبيه بشدة وظهر الضيق فوق وجهه وهو يضغط زر إنهاء المكالمة دون رد.
ولكن ما إن هم بإعادته لجيبه حتى عاود الرنين مرة أخرى. ليزفر بحدة وغضب جعل سماح تتسأل بصمت وفضول عن هوية المتصل المسئول عن حالته تلك. تتسع عيناها بذهول حين وجدته يهتف بحدة وبنفاذ صبر:
"مش فاضي دلوقتي يا ياسمين عندي شغل، هبقى أكلمك بعدين."
صمت لبرهة عاقدًا حاجبيه بحيرة قائلاً بعدها:
"أهلاً يا ست أم منصور.. صمت مرة أخرى يستمع إلى الطرف الآخر. ثم نهض على قدميه واقفًا يهتف بجزع:
"وهي حصل لها حاجة؟ وطيب انتوا فين دلوقتي.."
"خلاص ثواني وهكون عندكم."
وبالفعل كان في اتجاهه للخارج بعد ألقى باعتذار سريع لسماح. والتي وقفت بعد خروجه السريع الملهوف هذا تتسائل بفضول وتفكير:
"أم منصور مين؟ مش دي المفروض ياسمين خطيبته؟ ولا دي تبقى...."
ضيقت عينيها بتركيز تضع حقيبتها فوق كتفها قائلة بحزم:
"لأ.. كده الموضوع يستاهل أضحي وأروح أشحن كارت فكة وأكلم البت فرح.. مانا لازم أعرف إيه وإلا يحصلي حاجة لو معرفتش.."
رواية ظلمها عشقا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فرح صالح
وقفت تتطلع إليه وهو يعود هانئًا إلى نومه مرة أخرى. تشعر بحرارة دمائها ترتفع في جسدها، تصل حد الغليان، قبل أن تندفع دفعة واحدة لخلايا عقلها بقوة تغشى عينيها.
وهي في طريقها، بستار أحمر من الغضب، جعلها تبحث حولها كالمجنونة عن شيء تستطيع قذفه به. فلم تجده، فاندفعت ناحية الفراش بخطوات سريعة، حادة، تدفعه في كتفه بقبضتها، صارخة:
"اصحى يا صالح بيه وقوم هنا كلمني."
هب صالح جالسًا في الفراش يهتف بذعر:
"ايه؟ في إيه؟ مالك يافرح؟"
صاحت به بحنق وصوتها العالي يشق أذنيه من شدة حدته:
"لا والله... لا بجد كتر خيرك... الحمد لله أخيرًا عرفت إن في واحدة متجوزها اسمها فرح."
عقد صالح حاجبيه بشدة، ينظر إليها بعيون مشتعلة ثائرة، وقد اختفى كل أثر للنوم بداخلهم، قائلًا بهدوء محذرًا:
"صوتك ميعلاش وإنتي بتكلميني، وبلاش الأسلوب ده معايا."
فرح، وقد اختنق صوتها وتحشرج من أثر غصات البكاء التي تكتمها حتى لا تنهار باكية أمامه، تهتف بغضب وعيون شرسة تتطلع إليه:
"لا أنا أتكلم زي ما أنا عاوزة... لما أسمعك بتنادي باسم واحدة تانية وإنت نايم، يبقى ليا حق أعمل كل اللي عاوزاه."
اتسعت حدقتاه يتطلع إليها بذهول وعدم تصديق، لتهز له رأسها بقوة صارخة:
"أيوه يا صالح بيه، حصل وأنا بصحيك من شوية."
رفعت ذراعيها تهتف بطريقة مسرحية مقلدة صوته، رغم ارتعاشة شفتيها وحالتها التي أصبحت على حافة الانفجار:
"سيبيني دلوقتي يا أماني... دلوقتي هبقى أقوم."
اندفعت نحوه تنكز بقوة في كتفه مرة أخرى، صارخة:
"أماني؟ ها؟ أماني يا سي صالح... أماني اللي إنت لسه..."
اختنق صوتها بشدة، فلم تستطع قولها، تنهار مقاومتها وتماسكها، لتنفجر باكية وهي تفر هاربة من أمامه، تخرج من الغرفة تمامًا، تتركه مكانه جالسًا بعيون متسعة ذهولًا، مصدومًا مما قالته.
لبرهة، قبل أن ينهض من الفراش وهو يدمدم، لاعنًا نفسه هو وأماني بأفظع الصفات، قائلًا بعدها بحنق:
"يلعن أماني على اليوم اللي شفت فيه أماني... على لساني اللي عاوز أقطعه هو كمان... هو أنا مش هرتاح بقى من أم الحوار ده؟"
اندفع يهرول خلفها، يتطلع حوله بحثًا عنها، ليجدها أخيرًا تلتف حول نفسها كالكرة فوق أريكة غرفة المعيشة، تبكي بشهقات عالية تسببت في انتفاضة ألم في صدره لرؤيته لها بتلك الحالة.
فأغلق عينيه بشدة، يلعن نفسه بخفوت، وهو يقترب منها ببطء، ثم يجثو على ركبتيه أمامها، متجاهلًا صرخة قدمه المتألمة لفعلته تلك. ينحني عليها، يزيح بنعومة خصلات شعرها المبعثرة فوق وجنتيها بعيدًا، ثم يلثمها برقة، وهو يهمس باعتذار بصوت أسف:
"حقك عليا، متزعليش... أنا آسف والله مش عارف أنا قولت كده إزاي."
ظلت على حالها، ينتفض جسدها بشهقات بكائها، مغمضة العينين بقوة، ترتعش شفتيها كطفلة باكية. لا يظهر عليها تأثر من حديثه ولا اهتمامًا به. ليزفر صالح بقوة، يكمل بصوت نادم يحاول توضيح حقيقة الأمر لها:
"كل الحكاية إنها مسألة تعود مش أكتر... ده غير كمان العلاج الزفت اللي بيخليني أنام زي القتيل مش داري بقول إيه."
ابتسم برجاء، تتلاعب أنامله بخصلات شعرها، قائلًا:
"أنا عارف إني غلطان... بس إنتي هتطلعي أجدع مني وهتصلحيني ومش هتزعلي مني."
كانت أثناء حديثه، وبرغم ارتجافها وشهقات بكائها، فتظهر له كأنها لا تستمع ولا تهتم لما يقول. إلا أنها كانت داخل دوامة من التخبط، تتأثر رغما عنها بحديثه واعتذاره الرقيق هذا لها. وجعلها هذا تتساءل بحيرة... هل تلبي نداء عقلها لها وتقوم بإخباره الآن بكل شكوكها وما علمت به اليوم من زوجة أخيه؟ لعله لديه ما يهدئ به جروحها، كما فعل في مسألة نطقه باسمها؟
لكنها ترتعب بداخلها، ينقبض قلبها هلعًا وخوفًا أن ترى في عينيه حقيقة أصبحت تخشاها، وبدلًا من أن ينكرها، يبوح لها بعشقه لأخرى غيرها. وقد أصبح لا يحتاج لإخفاء الأمر بعد علمها عنه. تتمنى لو كانت الحقيقة كلها تقتصر فقط على ما قاله، وأن الأمر لا يتعدى عن كونه عادة منه لا أكثر، وتأثير الأدوية عليه.
لكنه لم يكن كما تتمنى، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فلا هي تستطيع إيقاف تألمها بعلمها أن الأمر أكبر من مجرد هفوة وذلة لسان منه، مثلما هو الآخر لا يستطيع نسيان شريكته الأولى إلى الآن برغم زواجه منها.
لكن إذا كان على استعداد للاعتذار لها وبهذا الإلحاح، برغم علمها بطبيعته وصعوبة هذا عليه، حتى يحصل على غفرانها ومحاولته لتخطي ما حدث حتى ينجح الأمر بينهم، فلما لا تفعل هي الأخرى مثله وتنسى وتتخطى كل ما عرفته وتحاول البدء معه من جديد؟
لعل وعسى قد تستطيع جعله يحبها وتنسيه الأخرى ويصبح عاشقًا متيمًا بها هي فقط دون سواها.
لذا تنفست بعمق في محاولة لإيقاف دموعها المنهمرة، وهي تسمعه يهمس باسمها بصوت يائس مترجي. ترفع عينها نحوه ببطء، تتطلع نحوه وقد أصبح لون عينيها كالفضة الذائبة من أثر البكاء. ليهتف صالح وعيناه تتوسع بانبهار قائلًا:
"يخرب بيت حلاوة عنيكي... إيه يا بت جمالهم ده كله!"
شقت شفتيها ابتسامة فرحة رغما عنها، وهي تبعد عن وجنتيها آثار دموعها، ترضيها كأنثى مجاملته هذه لها. لينحني مرة أخرى، يلثم وجنتها بنعومة، ثم يهمس مرة أخرى معتذرًا، كأنه لن يكتفي من الاعتذار لها أبدًا:
"آسفة يا فرح بجد والله آسف... صدقيني آخر مرة هتحصل... بس مش عاوزك تزعلي مني، اتفقنا؟!"
أومأت له ببطء، ترغم نفسها على الابتسام بضعف، فيشع وجهه بالفرحة والسعادة. ثم ينهض واقفًا، يمد يده إليها قائلًا بصوت رقيق مرح:
"طب يلا قومي اغسلي وشك... ومش عاوز أشوف دموع تاني في عيونك الحلوة... آه هما مفيش في جمالهم دلوقتي... بس مش مشكلة، أنا هضحي."
نهضت معه باتجاه الحمام، يقفا معًا بداخله، ليقوم بغسل وجهها لها باهتمام ومراعاة، يتعامل معها كطفلة صغيرة بحاجة لعنايته وحنانه، ثم يقوم بتجفيفه لها. بينما وقفت هي مستسلمة له بعيون وذهن شارد، حتى انتهى أخيرًا. يلقي بالمنشفة، ثم يجذبها إليه، مقبلًا جبينها برقة، قبل أن يحتضنها بين ذراعيه، يقدم لها المواساة بهذه الطريقة كبادرة اعتذار أخرى منه لها.
لكنها ظنت بأنها مقدمة لنوع آخر من العواطف بينهم، لم تستطع تقبلها في حالتها هذه. تتلوى أحشائها بالرفض رغما عنها.
وقد مرت قشعريرة باردة من خلالها، تجمد جسدها بين ذراعيه، فتقفز مرتعبة، وهي تدفعه بعيدًا عنها، ثم تفر من أمامه هاربة من المكان، وهي تهمهم قائلة بتلعثم:
"أنا... هروح... أكلم... سماح... علشان..."
لم تهتم بإكمال الباقي من حديثها، بل انطلقت كالسهم من جواره، كما لو كان يطاردها شبح ما. بينما وقف هو مكانه يراقب فرارها من المكان، وقد تجمدت تعبيرات وجهه، وضاقت عيناه بتفكير.
***
وقف داخل المقهى، يجول بعينه بتوتر وقلق، بحثًا عنهم، ليجدهما أخيرًا. يسرع في اتجاههما، وقد جلسا في أقصى المقهى. تنهض سمر فور رؤيته، تهتف بجزع:
"شوفت يا عادل المجنونة دي كانت عاوزة تضيع روحها لولا ستر ربنا."
وقف عادل يتطلع إلى ياسمين، يجدها تضع رأسها فوق الطاولة، مستندة إلى مرفقيها في حالة إعياء شديد، ليسأل سمر بتوتر:
"هو حصل إيه بالظبط، فهموني؟"
أسرعت سمر بجذب إحدى المقاعد له، قائلة بلهفة:
"طب اقعد بس يا خويا، خد نفسك الأول... وأنا هقولك كل حاجة."
جلس عادل ببطء، عيناه ما زالت فوق ياسمين، والتي أخذت تشهق بالبكاء دون أن ترفع وجهها عن موضعه، بينما شرعت سمر في الحديث فورًا، قائلة:
"أنا لقيتها بقالها كام يوم كده حالها مش عاجبني، وكل ما أسألها تقول لي مفيش... فقولت آخدها ونخرج نتمشى شوية وأشوف مالها."
اتسعت عيناها، تكمل بصوت مذهول مرتجف:
"فجأة وإحنا بنتكلم وبتحكي لي... لقيتها بتصرخ مرة واحدة وبتقول لي... لا يا سمر مش هقدر أعيش من غيره... وفي ثانية لقيتها رمت نفسها قدام عربية معدية."
تنهدت، تضيف القليل من المأسوية في صوتها حين لاحظت أنه ما زال على هدوئه، يتطلع نحو ياسمين دون أدنى تعبير منه على حديثها، قائلة بحزن:
"لولا ستر ربنا وإن العربية فرملت على طول، كان زمانها دلوقتي..."
أغمضت عينيها، ترتعش من هول تخيلها للموقف. يسود الصمت بعد ذلك للحظات، وما زال عادل صامتًا. فشعرت سمر بالتوتر والقلق، تخشى كونه لم تنطلي عليه كذبتهما. لذا أسرعت قائلة برجاء:
"ياسمين بتموت فيك والله... دي كان حالها يصعب على الكافر لما حصل اللي حصل بينكم."
لم تجد منه ردة فعل على ما قالته، يسود الصمت مرة أخرى. لذا نهضت واقفة، تمسك بحقيبتها، تكمل وقد انتهى دورها عند هذا الحد، وسوف تدع الباقي لياسمين، قائلة له بحرج مصطنع:
"أنا هروح أشتري كام حاجة كده... لحد ما إنتوا تتكلموا مع بعض وتشوفوا إيه مزعلك وتحلوه... وهبقى أرجع ليكم تاني."
ودون أن تنتظر إجابة منه، أسرعت تغادر المكان فورًا بخطوات سريعة، لكنها توقفت خارج المقهى، تتطلع للداخل بشكل خفي. لتجد عادل وقد نهض من مقعده، ثم يعاود الجلوس في المقعد الملاصق لياسمين، يحني برأسه نحوه يحدثها بشيء ما، جعل سمر تبتسم بخبث لنجاح مخططها، ثم تترك المكان بعدها.
بينما جلس عادل يهمس لياسمين برقة:
"ياسمين... ارفعي وشك ليا وكلميني."
هزت ياسمين رأسها بالرفض، تتمسك بوضعها. ليكرر عادل طلبه، قائلًا برجاء:
"عاوز بس أطمن عليكي."
رفعت وجهها إليه ببطء، ترسم الألم والحزن فوقه، وقد اغرورقت عينيها بالدموع، وقد تلطخ وجهها بآثارها، وقد ساده الحزن الشديد. ليجعله حالها هذا يشعر على الفور بالشفقة نحوها والغضب من نفسه لكونه المسؤول عما حدث لها، قائلًا بتأنيب وصوت رقيق:
"ينفع كده اللي عملتيه ده؟ كان يبقى كويس لو كان حصلك حاجة!"
أجهشت في بكاء مصطنع، أتقنت صنعه، تهتف بلوم وعتاب:
"إنت مش عاوز تفهم ليه إن أي حاجة أهون عندي من إني أخسرك، حتى لو كانت روحي!"
زفر عادل بقوة، يفتح فمه يهم بالحديث، لكنها أسرعت تقاطعه، لا تمهله الفرصة حتى للتفكير، تعاود اللعب على مشاعره، قائلة بصوت مجروح وعيون باكية:
"كده يا عادل، هونت عليك؟ من أول مشكلة بينا عاوز تسيبني، وإنت عارف أنا بحبك قد إيه؟"
علمت بنجاحها حين رأت الذنب والندم يلون نظراته لها، قبل أن يهرب من مواجهة عينيها. لذا أسرعت تضيف المزيد من الضغط عليه، وهي تجهش في البكاء بصوت عالٍ، جعل رواد المقهى يلتفتون إليهم بفضول. تسرى بينهم همهمات عالية، جعلت عادل يتطلع حوله بحرج، قائلًا باستسلام وهو يربت فوق كتفها محاولًا تهدئتها:
"طب خلاص يا ياسمين اهدى... اللي فات مات وهنرميه ورا ضهرنا... وهنبدأ من جديد، ولا كأن..."
توقفت ياسمين في الحال عن البكاء، هاتفة بفرحة:
"بجد يا عادل؟ يعني خلاص مش هتسيبني؟"
هز لها عادل رأسه بالإيجاب، مبتسمًا هو الآخر. لينشق عنها ضحكة عالية سعيدة، وقد تبدل حالها تمامًا، وهي تنهض عن مقعدها، تجذبه قائلة بسرعة:
"طيب يلا بينا نقوم نخرج من هنا... وتعال فسحني ونروح السينما."
عقد عادل حاجبيه، يهتف بذهول وحيرة قائلًا:
"سينما؟ سينما إيه دلوقتي؟ تعالي أروحك البيت أحسن عشان ترتاحي بعد اللي حصلك."
جذبته ياسمين خلفها، قائلة بلا مبالاة:
"بعدين... بعدين... أنا أصلاً بقيت كويسة دلوقتي."
سار معها يجارى خطواتها السريعة، يحاول تجاهل هذا الهاتف الملح بداخله، والذي أخذ يردد له أن تلك الخطوة غير المحسوبة منه ستكون عواقبها وخيمة عليه، وسوف يدفع ثمنها غاليًا.
***
دلفت سماح إلى الداخل، تنادي على زوجة خالها بصوت عالٍ، وهي تضع ما بيدها من مشتريات فوق الطاولة. بعد عدة محاولات، ظهرت كريمة أخيرًا من داخل غرفتها، وجهها شديد الاحمرار، يظهر الارتباك والاضطراب عليها، تفرك كفيها معًا بقوة. فتسألها سماح تمازحها قائلة:
"فيه إيه مالك يا كريمة؟ عاملة زي اللي عاملة كده ليه؟"
أسرعت كريمة تبتعد عن غرفتها، تغلق بابها خلفها بإحكام، قائلة بتلعثم وعتب شديد:
"مالي يعني يا سماح؟ مانا زي الفل أهو... وعاملة إيه اللي بتقولي... عليها كده؟ ميصحش... يعني...!"
اقتربت منها سماح مبتسمة، قائلة:
"فيه إيه يا كريمة؟ أنا بهزر معاكي... مالك قفشتي في كلمة كده ليه!"
تطلعت كريمة خلفها ناحية باب غرفتها، قائلة بتوتر:
"أصل يعني... أصل... شوفي عاوزة أقولك..."
هتفت سماح بها بحدة، وقد تسرب إليها القلق والتوتر هي الأخرى، قائلة:
"فيه إيه يا كريمة؟ انطقي... أنا مش ناقصة قلق، وحياة أبوكي!"
فتح باب الغرفة من خلفها، يظهر على عتبته مليجي، يرتدي ملابسه الداخلية فقط، يستند بذراعه فوق الباب بلا مبالاة، قائلًا بصوته الأجش الغليظ، وبنبرة شامتة:
"عاوزة تقولك يا روح أمك... إن جوزها وأبو عيالها نور بيته من تاني... ولو عندك اعتراض يا بنت لبيبة، الباب أهو وراكي يفوت جمل."
***
استلقت فوق الفراش، تحاول التظاهر بالنوم قبل عودته، فقد استغلت صعود أخيه للمكوث معه قليلاً، لتهرب من مواجهة أخرى بينهم.
فقد ظلا الباقي من اليوم في صمت مطبق خانق، بعد عدة محاولات منه لكسر حالة الجمود هذه بينهم، يمزح ويضحك معها، وهو يخبرها بعدة مواقف طريفة حدثت له في الماضي. لكنها كانت تقابله بابتسامة ضعيفة غير متحمسة، جعلته في النهاية يلجأ للصمت هو الآخر.
وبعد تناولهم للعشاء وصعود شقيقه له بعدها، استأذنت منهم، وقد وجدتها فرصة للهرب. لكن هيهات، فقط أتت كل محاولاتها للنوم بالفشل، تشعر بالفراش أسفلها كجمرة من النار، تستلقي فوقها، وهي تتقلب من جانب إلى آخر عدة مرات.
قبل أن تتجمد في مكانها حين شعرت به يفتح الباب بهدوء، ثم يدخل. يتوتر جسدها للغاية حين همس يناديها برقة، وهو يقترب من الفراش، فأخذت تهمهم تتصنع النوم. لكنه لم يستسلم، يستلقي بجوارها، يتلمس بشرة ذراعها بطرف أنامله، ثم يقبل عنقها بنعومة، هامسًا مرة أخرى يناديها، قائلًا بعدها بلوم رقيق:
"فرح... إنتي هتنامي دلوقتي؟ لسه الوقت بدري!"
وجدت نفسها تبتعد بجسدها عن مرمى يده، تتخلى عن محاولتها لتصنع النوم، تهتف بجفاف وخشونة:
"مش بدري ولا حاجة... أنا تعبانة طول النهار في شغل البيت وعاوزة أنام."
ساد صمت قصير بعد كلماتها. قال بعده صالح ساخرًا، وهو يبتعد عنها هو الآخر، يستلقي فوق الفراش بظهره، قائلًا:
"مش شايفة إنها حجة، لسه بدري عليها شوية ما بينا؟"
همت بالرد عليه ردًا لاذعًا، لكنها أسرعت تطبق شفتيها، تدرك صدق ما قاله. ولكنه كل ما استطاعت التفكير به لتهرب من تقربه منها هذه الليلة، تشعر بعدم استعدادها وقدرتها على مشاركته عواطفه هذه الليلة، بعد كل ما علمته وحدث اليوم.
تقنع نفسها بأنه كل ما تحتاجه هي الليلة فقط، لتستطيع جمع شتات نفسها، وغدًا سوف ستكون في أفضل حال وتتخلص من حالة الجمود تلك، والتي تصيبها كلما اقترب منها.
لذا لم تحاول إصلاح الأمر بينهم، وهي تشعر به يستلقي على جانبه مبتعدًا عنها لأقصى الفراش. تفر دمعة ألم وحزن من خلف جفونها، تمر عليها الدقائق والساعات في محاولة للنوم هي الأخرى.
ولكن أتت كل محاولاتها بالفشل، زافرة بنفاذ صبر، ثم تنهض من جواره ببطء، وهي تراقبه. تسير على أطراف أصابعها بحذر، حتى خرجت تمامًا من الغرفة، تغلق الباب خلفها، تتنفس براحة وعمق خارجها، وقد أصبح جو تلك الغرفة خانقًا مميتًا لها.
سارت إلى الغرفة الأخرى المخصصة للأطفال، تستلقي فوق إحدى الأسرة بها، يسترخي جسدها فورًا، تغلق عينيها ببطء، تسقط في نوم سريع على الفور. لكن ما هي سوى لحظات حتى استيقظت منه، تفتح عينيها على اتساعهما، شاهقة بقوة حين وجدت جسدها يُضم بقوة إلى جسد صلب قوي، يحيطها بذراعيه ودفئه. تسترخي مجددًا مرة أخرى، حين سمعت صوته الرقيق الهامس، وهو يقبل وجنتها، يطمئنها قائلًا:
"هششش نامي يا فرح... نامي... وبكرة يحلها الحلال."
أغمضت عينيها مرة أخرى، تسقط في نوم مرهق، مستسلمة لدفء أحضانه، وهو يزيد من ضمها إليه، تدعو من قلبها أن يكون الغد لهم أفضل كما قال، وتتمنى.
***
"كنتي فين ياسمر كل ده؟"
سألها حسن بعد دخوله إلى شقتهم، يجدها تجلس أمام التلفاز تتناول الطعام، لا تعير لدخوله ولا سؤاله اهتمامًا. ليكرر سؤاله مرة أخرى، ولكن هذه المرة بحدة، جعلتها تضع الصينية الطعام فوق الأريكة وتهتف به:
"جرى يا حسن، ما أنا قولتلك كنت مع ياسمين أختك بنشتري شوية حاجات... وبعدين تعال هنا، إنت اللي كنت فين؟ أنا جيت ملقتكش؟"
أشار حسن خلفه قائلًا بعدم اهتمام، وهو يتجه للجلوس بجوارها، قائلًا:
"كنت عند صالح فوق، بسأله عن كام حاجة في الشغل."
اعتدلت سمر في جلستها، تسأله بلهفة وعيناها تلتمع بالجشع:
"ها؟ كنت بتسأله عن إيه؟ فرِّح قلبي وقولي إنك سألته عن شغله مع المنيل أخو أماني، عاوزين نعرف بكام وإيه؟ ولسه شغالين مع بعض ولا إيه؟"
هز حسن كتفه قائلًا، يلوى شفتيه بعدم حماس، قائلًا:
"وأنا مالي بشغل صالح... أنا طلعت أسأله عن شغلنا إحنا والبضاعة اللي جاية كمان يوم."
ولولت سمر تضرب فخذيها بقوة، قائلة:
"يا ميلة بختك من دون الحريم يا سمر... ياللي جوزك هيشلك بدري ويموتك ناقصة عمر ياختي."
اضطرب حسن وشحب وجهه، يهتف بها بلوم:
"فيه إيه سمر دلوقتي؟ أنا مش فاهم إنت عاوزة إيه؟"
صرخت سمر به بغضب وثورة:
"عاوزة أعرف أخوك عنده إيه وفلوسه فين ومع مين! يا راجل هو أنا هفضل أفهم فيك لمتى؟"
تغضن وجه حسن، يتمتم بكلمات هامسة بحنق. لتسرع سمر قائلة بحدة وغيظ:
"أيوه كل ما أكلم في الموضوع ده تلوّي وشك وتتقمص... ماهو لو إنت فالح كان زمانك ليك تجارتك وفلوسك لوحدك زي ما أخوك الصغير ما عمل وبقى عنده شيء وشويات... أنا مش عارفة هتتلحلح من خبتك دي إمتى؟"
زفر حسن بقوة، ينهض واقفًا مغادرًا بغضب المكان، لتشيح سمر بيدها قائلة:
"يا شيخ يلا نيلة... أنا عارفة هتفضل خايب كده لحد إمتى... وسي صالح واخد كل حاجة في كرشه وعمال يطلع لفوق، مش همه حد؟"
ضغطت فوق أسنانها بغل، وعيناها تنطق بجشع العالم، قائلة:
"بس مين... وحياتك عندي لتكون كل حاجة عنده وملكه ليا ولعيالي، وما بقاش أنا سمر لو الكلام ده ما حصل... وهو أنا عبيطة زيك فاكرة إن الليلة كلها على قد ورث أبوك وبس."
رواية ظلمها عشقا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فرح صالح
جلست معه على طاولة الطعام تتلاعب بطعامها بشرود وعقل فى دوامة من التفكير، غير واعية لنظراته المهتمة والمنصبة عليها. لا تسمع من حديثه معها شيئاً حتى نداها بصوت رقيق قائلاً:
"فرح.. أنا بكلمك.. روحتي فين؟!"
رفعت نظراتها الشاردة له هامسة باعتذار:
"معلش مسمعتش.. كنت عاوز حاجة؟!"
صالح ومازالت ابتسامته الرقيقة على حالها:
"كنت بقولك تعملي حسابك بعد الأكل هنقوم أنا وانتي علشان نفضي دولاب أوضة النوم سوا."
توترت في جلستها تنظر إليه تسأله بحذر:
"ليه.. إيه السبب؟!"
نهض صالح من مقعده قائلاً بهدوء:
"حسن والعمال طالعين كمان شوية علشان يفكوا الأوضة خالص.. علشان الأوضة الجديدة على وصول."
كان في طريقه للغرفة لكنه توقف يلتفت إليها مرة أخرى قائلاً بطريقة عرضية:
"آه وبعد ما نخلص عاوزك تنزلي عند أمي تحت متطلعيش غير لما أبعتلك."
أغلقت عينيها تتنفس بعمق وهي تحاول بث الفرحة بداخلها لما أخبرها به، لكنها لم تجد تأثير يذكر بإخباره تلك. لذا حين تحدثت إليه كان صوتها مضطرب مرتجف:
"ملهاش لازمة تغيري حاجة يا صالح.. الأوضة كويسة وعجباني."
تسمر مكانه بعد كلماتها تلك يلتفت إليها ببطء وبجسد متحفز مشدود قائلاً ببرود وصوت جليدي:
"ولما هي كويسة وعجباكي.. بقالك ليلتين ليه بتنامي في أوضة تانية..؟"
ساد الصمت بعد سؤاله هذا، لا تجد إجابة تستطيع بها شرح ما يحدث معها ولا هذا الجمود الذي أصبح يلازمها منذ هذا اليوم المشؤوم.
لكنه ظل مكانه منتظراً منها إجابة لسؤاله، وحين طال صمتها عليه تحدث بصوت حاد أمر:
"خلصي أكلك.. وانزلي على طول ومتطلعيش إلا لما أبعتلك تاني."
غادر فوراً يدخل غرفة النوم يغلق بابها خلفه بقوة تدل على شدة غضبه، لكنها لم تهتز لها، بل وقفت ببطء تلملم بقايا طعامهم والصحون تتجه بها للمطبخ، فما فائدة الشرح أو التوضيح إذا كانت لا تستطيع البوح بما يؤلمها له؟
وسؤاله هذا السؤال والذي يحترق لسانها لنطق به: هل تحبها؟ أما زلت راغباً بها؟
لكنها فأرة جبانة مرتعشة معه تفضل الاختباء عن المواجهة والمصارحة.
وقفت أمام الحوض تجلي الأطباق بحركات رتيبة بطيئة، لكن سرعان ما ألقت بهم داخل الحوض بعنف، ثم تستند بكفيها فوقه، تحاول التنفس بعمق في محاولة إبعاد غصات البكاء والتي كادت أن تخنقها.
غافلة تماماً عن دخوله ووقوفه أمام الباب يتابعها لبرهة قبل أن يتقدم ناحيتها، واضعاً ذراعه حول خصرها يجذبها إليه وهو يقبل عنقها هامساً بأسف:
"أنا عارف إنك عندك حق في كل اللي بتعمليه.. وإنك مش قادرة تنسي اللي حصل.. بس بحلفلك تاني إنها غلطة مني مش أكتر."
أدارها بين ذراعيه حتى تواجهه عينيه، لكنه صدم لمرأى عينيها المغلقة بشدة ودموعها المنهمرة بصمت تغرق وجهها، ليزفر بحدة قائلاً بعدم تصديق ذاهل:
"ليه كل ده يا بنت الحلال بتعملي في نفسك كده ليه.. دي كانت ذلة لسان مني مش أكتر.. أعمل إيه علشان تصدقيني.. ولا أنتِ غاوية تنكدي على نفسك وعليا..!"
فتحت عينيها تتطلع إليه بألم هامسة وقد طفح بها الكيل ولم تعد تحتمل الصمت طويلاً بعد الآن، ولا لومه لها كأنها تحب أن تفتعل المشاكل بينهم:
"لا مش ذلة لسان يا صالح.. أنا وأنت عارفين كده كويس."
ضربته فوق صدره بقبضتيها بغضب وعنف تبكي بشهقات عالية تفرغ كل إحباطها وألمها عليه صارخة:
"أنت لسه بتحبها.. ولسه عاوزها.. أنا عارفة ده كويس."
أمسك بقبضتيها يوقفها عن ضربه، ثم يلف ذراعيها حول خصرها يجذبها نحوه حتى التصقت به تماماً، بينما أصابعه ما زالت تحتجز قبضتيها بينهم خلف ظهره يضغط عليهما وهو ينحني برأسه عليها وعينيه تقسو نظراتهم قائلاً ببطء حاد ونبرة قاسية:
"مش شايفة إنك زودتيها.. وإن الموضوع أخد أكبر من حجمه؟"
رفعت عيونها الباكية إليه تهتف بقسوة هي الأخرى:
"لا مش شايفة كده.. وبعدين نروح بعيد ليه.. إحنا نخلي الأدوار معكوسة وجيت أنا في يوم وناديت عليك باسم واحد تاني كنت هتعمل إيه سا..."
لم يدعها تكمل، يقاطعها بشراسة ويديه تزيد من ضغطهما فوق يديها حتى كاد أن يحطمها بينهم:
"كنت قتلتك في ساعتها..."
اتسعت عينيها تتسارع خفقات قلبها بقوة وهي ترى كل هذه الوحشية والشراسة في رده لمجرد سؤالها.
لكن ما جعلها ترتجف بخوف وهي تتراجع عنه إلى الخلف تتسع عينيها برهبة عندما انحنى عليها أكثر وهو يكمل ضاغطاً على كل حرف ينطق به كأنه أراد أن يصلها معنى كلماته جيداً وتحفر عميقاً داخل عقلها قائلاً:
"أنتِ بتاعتي.. مراتي.. يوم ما لسانك ينطق باسم راجل غيري أقطعهولك."
فتحت شفتيها تهم بالرد عليه لمعارضته رغم الاضطراب والخوف بداخلها، لكنها تراجعت حين اتسعت عينيه بتحذير يفح من بين أنفاسه بحدة:
"مش عاوز تاني كلام في الموضوع ده.. وشوفي بقى علشان نقفل الكلام فيه خالص..."
ترك يديها من بين قبضته ببطء مبتعداً عنها يتراجع للخلف يستند إلى الحوض عاقداً ذراعيه فوق صدره، يقف يراقبها للحظات وهي تقوم بفرك كفيها بألم من أثر اعتصاره لهما وعينيها تتطلع إليه برهبة وقلق تخشى ما هو آتٍ.
تتمنى الفرار هاربة من أمامه لكنها أجبرت نفسها على الوقوف بثبات أمامه في انتظار حديثه حتى ولو كان سيحمل لها الحزن وتعاستها الأبدية. ترتجف بشدة حين زفر بقوة قائلاً بعدها ببطء وتأكيد:
"شوفي من الآخر كده.. أماني وحكايتها صفحة واتقفلت.. ويمكن كمان قطعتها ورمتها ورا ضهري.. ومن يوم ما دخلتي أنتِ بيتي وأنا مفيش في تفكيري ولا في..."
صمت زافراً مرة أخرى يظهر التردد والحيرة على وجهه، لكنها أسرعت تسأله بلهفة وإلحاح ودون خجل تحركها مشاعرها:
"وإيه يا صالح.. وإيه كمل..!"
وقف يتطلع إليها وجهه يحمل تردده وخوفه، فإن نطقها الآن لا رجعة للوراء مرة أخرى، يخيفه لو أخبرها بأنه الذائب عشقاً بها ويعطيها السطوة على قلبه وروحه، أن تقوم بالعبث به وبمشاعره بعد علمها الحقيقة مثلما حدث له من قبل. لكن مع فارق كبير هذه المرة وهو أن الأخرى لم يكن لها سلطان على قلبه مثلما تملك هي.
لذا احتدت نظراته عليها ينظر إليها بثبات رغم ألمه لنظرة الرجاء في عينيها له، يتجاهل ما كاد أن يعترف به لها قائلاً بحزم:
"من الآخر يا فرح.. زي ما أنا رميت كل حاجة ورا ضهري من يوم جوازنا.. أنتِ كمان يا بنت الناس اعملي كده علشان نقدر أنا وأنت نكمل حياتنا سوا.. وانسى يا فرح زي ما أنا نسيت."
أنهى حديثه يغادر فوراً المكان، بينما وقفت هي يتردد صدى كلماته بقلبها قبل عقلها تحاول استيعاب ما حاول إيصاله لها لعلها تهدأ من تلك النار التي تكويها دون رحمة.
"فهمتي يا سماح الشغل ماشي إزاي هنا؟"
هزت رأسها له بالإيجاب بالايجاب فوراً وابتسامة فرح تنير وجهها قائلة:
"طبعاً يا أستاذ عادل.. أنا مكنتش فاكرة إن الموضوع سهل كده."
تراجع عادل في مقعده يبتسم لها برفق ونظرة إعجاب تظلل عينيه قائلاً:
"لأ هو مش سهل.. إنتي اللي ذكية وعاوزة تعرفي كل حاجة وبتتعلميها بسرعة.. الخوف بقى بعد ما تتعلمي تغطي علينا ويبقاش لينا جنبك مكان بعد كده."
ضحكت سماح بسعادة قائلة تمازحه هي الأخرى قائلة بثقة:
"لأ متخافش هبقى أشوفلك شغلانة معايا وما هو المكتب باسمك برضه."
ضحك عادل هو الآخر يتردد صدى ضحكاتهم في المكان حتى دوى صوت حاد قاسي يقاطعهم وقد وقفت ياسمين أمام الباب، تتطلع إليهم بغل وغيره قاتلة:
"ما شاء الله.. الهانم واقفة هنا تضحك وتهزر وسايبة المكتب بره لوحده."
تقدمت إلى الداخل ترمق سماح بتعالي من أسفلها إلى أعلاها قائلة بتكبر:
"اطلعي يلا يا شاطرة اقعدي مكانك.. المكتب عليه ورق وملفات وممكن حد ياخد حاجة منهم من غير ما تحسي."
ارتبكت سماح تشعر بالحرج والإهانة من طريقة حديثها معها تسرع بالاستئذان تخرج من المكتب فوراً معتذرة ثم تغلق خلفها الباب، لينهض عادل واقفاً يهتف بحدة:
"إيه اللي عملتيه ده.. بتكلميها بالطريقة دي إزاي كده قدامي!"
اقتربت ياسمين تضع كفيها فوق مكتبه تستند عليه تميل لأمام هاتفة بغضب وغيظ:
"وعاوزني أكلمها إزاي يا سي عادل، وانت وهي شغالين ضحك وهزار ولا كأنه مكان شغل."
زفر عادل بنفاذ صبر يجلس مكانه ولم يعد لديه طاقة لمجادلة أخرى معها يسألها بحدة:
"جاية ليه يا ياسمين.. إيه اللي جابك على الصبح كده!!"
ضربت ياسمين بكفيها فوق المكتب صارخة بغضب:
"أنت بتكلمني كده ليه؟ إيه مكنتش عاوزني أجي وأشوف المسخرة اللي بتحصل هنا ولا إيه يا عادل بيه.!"
نهض عادل صارخاً هو الآخر بحدة وغضب أعمى وقد طفح به الكيل:
"إنتي اتجننتي ولا إيه حكايتك على الصبح.. في إيه اتعدلي في كلامك معايا.."
انكمشت ياسمين على نفسها وقد علمت أنها أوصلته للحافة تتراجع خوفاً من عواقب تجربة أخرى قريبة قائلة باعتذار وصوت أسف:
"آسفة يا عادل والله.. أنا كنت جاية أشوفك علشان وحشتني.. ومقدرتش أسكت وأنا شايفة البت دي بتتمايص عليك بالشكل ده.. إنت عارف أنا بغير عليك قد إيه.."
صرخ عادل بها محذراً بغضب وحدة لتهتف سريعاً:
"خلاص آسفة والله متزعلش مني.. مش هتكلم كده تاني."
ضغط عادل فوق شفتيه زافراً بعمق قائلاً بنفاذ صبر:
"خلصنا يا ياسمين ومرة تانية متجيش المكتب غير لما تعرفيني ده مكان شغل مش سينما ولا كافيه تتسلي فيه كل ما تحسي بزهق."
هزت له رأسها بالموافقة رغم نيران غضبها المشتعلة التي تفور وتغلي بداخلها، لكنها حين تحدثت جاء صوتها هادئ مستكين:
"حاضر يا حبيبي اللي تقول عليه هعمله بس المهم إنت متزعلش مني."
هز عادل لها رأسه قائلاً باقتضاب:
"خلاص يا ياسمين حصل خير.. ويا ريت وإنتي خارجة تعتذري لسماح على اللي حصل من شوية وعلى أسلوبك معاها."
احتقن وجهها بشدة لكنها أومأت له مؤكدة بابتسامة صفراء على شفتيها:
"حاضر اللي تشوفه يا حبيبي.. المهم إنت تكون مبسوط مني.. أنا همشي دلوقتي.. وهستناك بليل علشان نخرج."
أومأ لها برأسه دون حماس لتتسع ابتسامتها له قبل أن تلتفت مغادرة تختفي فوراً تلك الابتسامة عن وجهها وعينيها تلتمع بالغل والشراسة. تخرج من الباب تغلقه خلفها ثم تسير باتجاه سماح وتتوقف على بعد خطوتين منها.
تتابعها لبرهة بتفكير واهتمام وهي تراها تقوم بترتيب عدة أوراق أمامها بشرود وأيدي مرتعشة ووجه شديد الشحوب، لتسرع ياسمين برسم ابتسامة فوق شفتيها مقتربة منها هاتفة:
"أوعي يا سماح تكوني زعلتي مني.. إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه وخايفة عليكي وعلى وشغل المكتب."
تركت سماح ما بيدها تنهض عن مقعدها قائلة بهدوء ورسمية:
"لأ أبداً يا آنسة ياسمين أنا مش زعلانة خالص."
ياسمين وهي تجلس أمامها فوق حافة المكتب قائلة بعتب:
"إيه آنسة دي.. دا أنا لسه بقولك إحنا أخوات.. ولا إنتي بقى لسه زعلانة مني؟!"
هزت سماح رأسها بالنفي وما زالت تلك الابتسامة المغتصبة فوق شفتيها، لتكمل ياسمين وهي تنهض واقفة مرة أخرى:
"طيب يا حبيبتي أسيبك لشغلك بقى وأروح أنا.. بس لو ممكن كوباية ميه قبل ما أمشي.. معلش هتعبك معايا."
رسمت الحرج والاعتذار على وجهها وهي تراقب سماح والتي أسرعت لتلبية طلبها حتى اختفت عن أنظارها، لتسرع بالبحث سريعاً فوق الأوراق الموضوعة فوق المكتب تلتمع عينيها بالانتصار. حين وجدت مبتغاها في ورقة منهم أسرعت بطيها وإخفائها داخل حقيبتها قبل عودة سماح والتي عادت بعد لحظات تحمل كوب المياه تناولها إياه فأرتشفت منه سريعاً.
قائلة بعدها بتعجل وهي تغادر فوراً:
"شكراً يا حبيبتي... أشوفك بعدين بقى."
راقبت سماح مغادرتها السريعة هذه تهز كتفها بحيرة قائلة:
"إيه البت المروشة دي.. الله يكون في عونه بيتعامل معاها إزاي دي.. وهي كل ساعة بالحال."
جلست مكانها تلوى شفتيها قائلة بلا مبالاة:
"وأنا مالي.. كفاية عليا الهم اللي أنا فيه مش ناقصة التفكير في هم غيري."
وقفت أمام باب الغرفة مترددة ودقات قلبها راجفة بخوف، لكنها تنفست بعمق تدفع عنها شعورها هذا بعيداً، فبعد حديثه الأخير لها، لكن تترك بعد الآن الفرصة لهواجسها أو تلك الكلمات التي صبت في أذانها أن تخرب عليها حلم صباها.
فكما قال منذ قليل هي الآن زوجته الوحيدة.. هي فقط ولا أحد غيرها طالما هو أراد رمي الماضي ورائهم والمضي قدماً معها في حياتهم.
فلما لا تفعل هي الأخرى ذلك وكفاها تصرفات طفولية حمقاء معه، لذا وبخطوات شجاعة تقدمت إلى الداخل تراه وقد شرع في إنزال الحقائب ويقوم بوضع الملابس الخاصة به داخلها، ليتوقف قلبها هلعاً ظناً منها أنه سيغادر تاركاً لها المكان. لكنها عاودت التنفس براحة حين رأته يقوم برفع حقيبة أخرى ويقوم بوضع ملابسها هي الأخرى به، تتذكر حديثه عن تغيير الغرفة لتهب متحركة من مكانها باتجاهه قائلة بلهفة:
"سبيها يا صالح أنا هوضّبها.. وارتاح أنت."
توقفت حركته حين أمسكت من يده قطعة الملابس يتطلع إليها بتفكير. بينما وقفت هي مبتسمة برقة له حتى تركها أخيراً تتولى هي الأمر.
يجلس فوق الفراش ثم يقوم بإشعال إحدى سجائره يسود الصمت المكان حتى قطعته بصوتها المتردد اللاهث قائلة له وهي منخفضة الوجه تولي اهتمامها لقطعة الملابس بين يديها المرتعشة:
"صالح.. كنت عاوزة أقولك إن بجد الأوضة حلوة وأنا مش مضايقة منها كل الحكاية إني بس..."
قاطعها صالح بصوت حازم قوي لا يقبل بالمناقشة:
"وأنا قولت هتتغير.. العفش كله هغيره.. بس لما أقدر أنزل.. إنما دلوقتي أوضة النوم دي لازم تتغير أول حاجة.. والنهاردة."
وقف يطفئ سيجارته بعصبية ثم يتجه ناحية الباب يكمل قائلاً بتعجل:
"خلصي يلا علشان تنزلي قبل العمال ما تطلع هنا.. وأنا هنزل أشوف الحاجة وصلت ولا لسه."
تركت ما بيدها تسرع في اتجاهه تسد عنه الطريق قائلة بلهفة وقلق:
"تنزل فين.. ورجلك وجرحك؟!"
تأملها وعيونه تمر بنعومة فوق ملامحها القلقة قبل أن يبتسم لها برقة قائلاً:
"متخافيش.. دقايق وهطلع تاني."
هزت رأسها له بالرفض قائلة وهي تقترب منه تلصق نفسها به تلف خصره بذراعيها بحركة عفوية منها قائلة برجاء:
"بلاش علشان خاطري يا صالح.. خليك معايا هنا متنزليش.. وبعدين مين هيساعدني علشان أخلص بسرعة.. لو إنت نزلت مش هعرف أخلص حاجة لوحدي."
اللمعت عينه تتسع بسمته وهو يحني رأسه عليها يهمس بخبث مرح يلف ذراعيه هو الآخر حولها يزيد من لصقها به:
"ماهو أنا نزلت منزلتش.. كده كده مش هتخلصي حاجة.. ها قولتي إيه؟!"
ارتجف جسدها ينتفض بشدة برفض رغماً عنها وقد أدركت ما يخيرها به بكلماته، لكنها أسرعت بتمالك نفسها، تلعن نفسها على تراجعها المخزي هذا برغم كل ما حدثت نفسها به منذ قليل، تهم بالرد عليه بمزاح آخر، لكن الأوان قد فات.
فقد شعر بارتعاشة جسدها الرافضة قبل أن يبتعد عنها وهو يحل ذراعيها من حوله مبتعداً عنها قائلاً بابتسامة باهتة:
"أنا هنزل ولما تخلصي رني عليا عرفيني."
بالفعل تركها مغادراً تقف مكانها متجمدة، لكن يأتي صوت قلبها المتوسل كصفعة منبهة لها وهو يناديها ألا تدعه يغادر وإلا حينها ستسوء الأمور بينهم إلى الأبد ولن ينفع بعدها الندم أبداً. لتجد نفسها ودون أن تمهل نفسها لحظة للتفكير أو التردد تناديه قبل لحظة من خروجه من باب الغرفة ليلتفت لها بتساؤل، فتخفض عينيها أرضاً وقد اشتعلت وجنتيها خجلاً مما هي مقدمة عليه هامسة:
"كنت عاوزاك قبل ما تنزل.. تشيلني ترفعني..."
هربت من عينيه ونظراته المشتعلة فوقها تلتفت ناحية الخزانة تشير إليها وهي تكمل بتلعثم وارتباك:
"علشان بس أطول الرف اللي هناك ده بس لو مستعجل أنا ممكن..."
شهقت بصدمة حين وجدت نفسها ترفع في الهواء قبل أن تحط بين ذراعيه صارخة باسمه توقفه، ليهتف بها:
"لأأ.. مانتِ ترسي على رأي أشيل.. ولا أنزل.. اخلصي مش هنفضل في الحيرة دي كتير الرجالة زمانها على وصول."
لفت ذراعيها حول عنقه تتعلق به تدس وجهها به خجلاً قائلة بصوت مكتوم:
"اللي تشوفه إنت بقى.. أنا مش هتكلم تاني."
صالح وهو يتجه بها ناحية الفراش تتألق عينيه بالشغف قائلاً ببطء وصوته يرتجف شوقاً لها:
"أحسن حتى علشان أعرف أركز.. أصل موضوع الشيل ده محتاج تركيز أوووي."
ضحكت ضحكة صاخبة سرعان ما اختفت حين شعرت بجسدها يحط فوق الفراش وجسدها يتوتر فوراً يتلاشى استرخاؤها في الحال، ولكنها أسرعت تتصنع الابتسام حين رأت توقف صالح وتحديقه بها قبل أن ينحني على وجنتها يلثمها برقة هامساً:
"لو مضايقة من هنا إحنا ممكن نروح...."
هزت رأسها بالرفض القاطع تلف عنقه بذراعها تجذبه لها وعينيها تشتعل بتحدي كان لها قبل أن يكون لأحد آخر، تبادر لأول مرة بالقيام بالخطوة الأولى تقـ. بله بشفاه مرتعشة وبمبادرة خجلة أشعلت اللهيب به ينسى معها وبها العالم وكل ما يحيط به إلا إحساسه وشوقه لها.
وتغلي دماءه وضربات قلبه تتعالى بصخب استجابة لها هامسة بعد ابتعادها البطيء عنه وسرقتها لأنفاسه:
"لأأ... هنا أو هناك ده بيتنا.. لينا لوحدنا.. أنا وانت وبس.. مش كده يا صالح؟"
ارتعش جسده بأكمله وجاءت إجابته عليها بهدير قوي وهو يرفعها إليه حتى تلتقي شفا. هما في لقاء سرق منهم الأنفس يذهبا معاً إلى جنة حقيقية اشتاقا لها طويلاً.
بعد حين جلست داخل المطبخ الخاص بوالدة زوجها عينيها شاردة للبعيد وابتسامة حالمة مرحة على وجهها وهي تتذكر تفاصيل لقائهم وتلهفهم لبعضهم البعض حتى سرقهم الوقت يعودا إلى أرض الواقع من جنتهم على صوت رنين هاتف صالح ليهب جالسا قائلاً بارتباك:
"ده حسن اللي بيتصل.. أنا نسيته خالص."
نهض عن الفراش يلملم ملابسهم المتناثرة أرضاً بتعجل وارتباك لكنه توقف حين صدر عنها ضحكة مرحة متدللة ليرفع عينيه هاتفا وهو يبتسم باستهجان مصطنع:
"لأ وحياة أبوك.. مش وقته خالص.. قومي كده بسرعة و خدي دش وانزلي عند أمي حالا.. الرجالة زمانها طالعة."
نهضت عن الفراش ببطء وهي تلملم حول جسدها شرشف الفراش ترفع حاجبها بخبث وابتسامة متحدية تسأله:
"طب وباقي الحاجة اللي لسه في الدولاب؟!"
صالح بتعجل وعينيه تدور حوله في أرجاء الغرفة:
"ملكيش دعوة.. أنا هخلص كل حاجة.. بس يلا بقى يا فرح."
هزت رأسها لها بالموافقة تسير أمام عينيه المحدقة بها ناحية خزانتها تلتقط من داخلها بعض الملابس لها وهي تضغط فوق شفتيها بقوة تمنع نفسها من الانفجار بالضحك وهي تسمعه يتمتم بحنق لنفسه:
"يعني كان خلاص حكمت النهاردة الشيل والحط هنا وهناك... هركز أنا بس إزاي دلوقتي."
ليهتف بها بعدها يكمل برجاء:
"يلا يا فرح انجزي الا والله أتصل أرجعهم من مطرح ما جم ويحصل زي ما يحصل."
سارت ببطء بعد انتهائها حتى وقفت أمامه تهز كتفها بلا مبالاة قائلة له بدلع ونظرات تدلل:
"طيب ما تتصل.. هو أنا هقولك لأ.. ولا حتى أقدر أمنعك."
ألقت بكلماتها تسير بهدوء تحت أنظاره الذاهلة ليهتف صالح بذهول لها وعينيه متسعة بانبهار:
"بت يا فرح حصلك إيه... معقولة كل ده تأثير تغيير الأوضة.. لأ لو كان كده كنت يارتني عملتها من زمان."
اشتعلت وجنتيها تعود إلى حاضرها حين تحدثت انصاف قائلة براحة:
"إحنا خلصنا الأكل كله اهو.. على الله هما كمان يخلصوا علشان نغدي العمال."
قضمت سمر قطعة الجزر بأسنانها قائلة بضيق:
"مش فاهمة كانت لازمتها إيه الهدة دي.. مالها أوضة النوم بتاعت صالح علشان عاوز يغيرها.. ولا هي مصاريف على الفاضي وخلاص..!"
نظرت انصاف إلى فرح الصامتة لكن كان وجهها يعبر عن ضيقها من حديث سمر الخالي من الذوق مبتسمة لها ثم التفتت إلى سمر قائلة بحدة وحزم:
"براحتهم يا سمر فلوسهم وشقتهم وهما أحرار فيها.. زي ما أنتِ ليكي شقتك تعملي فيها اللي يريحك ومحدش هيقولك بتعملي إيه!"
اعتدلت سمر جالسة فوراً تعدل من طريقة حديثها قائلة:
"طبعاً يا خالتي.. أنا بس خايفة على صالح ده لسه جرحه ملمش وده إرهاق عليه برضه."
": متشكر أوووي على خوفك ده يا مرات أخويا.. بس يا ريت توفريه لحسن أحسن.. أنا عندي اللي يخاف عليا."
قالها صالح بهدوء وهو يدلف إلى داخل المطبخ بجسده الفارع وحضوره المهيب يلتفت إلى فرح يغمزها بعينيه بشقاوة وهو يكمل بخبث:
"مش كده ولا إيه يا اللي عندي؟"
اخفضت وجهها بخجل بعيداً عنه لكنه لم يستسلم اقترب منها يمسك بكفها يشدها حتى تقف ثم ينحني عليها هامساً:
"تصدقي معرفتكيش أنا كده.. أومال راح فين البطل اللي كان فوق من شوية؟"
ضربت كتفه بقوة تنهره بارتباك لتضحك انصاف تهتف بسعادة، تدعي لهم بالسعادة والهناء والابتسامة تنير وجهها. أما سمر فقد جلست تقضم حبة الجزر بيدها بغيظ وغل تتابع ما يحدث أمامها بوجه محتقن وهي ترى صالح يجذب فرح خلفه مستأذناً منهم حتى يريها غرفتهم الحديثة.
لكن يأتي هتاف انصاف وهي تهرع خلفه قائلة بلهفة:
"طيب والغدا.. مش هتتغدى إنت ومراتك قبل ما تطلعوا؟"
انحنى عليها يهمس بشيء جعل ضحكة انصاف تدوي عالياً بصخب وهي تدفعه في كتفه قائلة بتعب مصطنع:
"ياواد اتلم عيب.. إنت عيارك فلت خلاص."
قبـ. لها صالح برقة يشير إلى فرح مرتبكة والمشتعلة خجلاً مغيظاً إياها قائلاً:
"البت دي هي المسؤولة عن اللي بيحصل في ابنك يا ماما خديلى حقي منها."
أسرعت فرح تهتف بجزع وعيونها متسعة بذهول:
"والله أبداً يا ماما ده هو... هو..."
مال صالح نحوها متقرباً منها سائلاً إياها بخبث جعلها تضغط فوق شفتيها خجلاً:
"أيوة هو إيه بقى بالظبط.. ولا أقولك تعالي فوق نشوف الموضوع ده."
جذبها معه يغادر فوراً بعد أن ألقى بتحية سريعة إلى والدته والتي ظلت تتابعهم مبتسمة بفرحة وسعادة تشع من عينيها، ثم التفتت إلى سمر قائلة:
"يلا بينا إحنا يا سمر.. نحط الغدا للعمال.. اتصلي بحسن خليه يطلعهم."
نهضت سمر تقضم جذرة أخرى قائلة:
"من عينيا حاضر يا خالتي."
ثم تكمل هامسة بغل وجهها يحتقن بدماء الغيظ والحقد:
"ماهي الأمور شغالة كده في البيت ده... ناس تطبخ وتجهز.. وناس تيجي تاكل الطبخة على الجاهز.. بس هقول إيه الصبر حلو برضه وكل حاجة وليها آخر."
رواية ظلمها عشقا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فرح صالح
جلست معه صامتة بعد أن أخرجت زفرة حنق تضغط فوق شفتيها بملل، وهي تجد كل تركيزه منصبًا على شاشة التلفاز، وعيناه تتابعان مجريات مباراة كرة القدم بشغف واهتمام أثار غيرتها.
بعد عدة محاولات منها لمشاركته شغفه وحماسه هذا بعدد من الأسئلة، أجابها عليها بصبر.
حتى سألته وهي ترى عصبيته وهتافه الغاضب على اللاعبين:
"صالح.. هو ليه أنت عاوزهم يشوطوا على الراجل الغلبان ده بس؟ طيب ما فيه راجل تاني واقف الناحية الثانية أهو محدش بيشوط عليه..!"
تجمد جسده وعيناه تكاد تخرج من محجريهما وهو يلتفت إليها ببطء ذاهلاً.
لتسرع قائلة في محاولة لجذب اهتمامه، تسأله وهي ترسم ابتسامة بلهاء على شفتيها أجادت صنعها:
"أنا بقول يعني بدل ما كله واقف هناك والناحية الثانية فاضية خالص.."
ضغط بأسنانه فوق شفتيه رافعًا حاجبيه وهو يحاول البحث عن كلمات يجيبها بها.
لكنها لم تستسلم، بل أسرعت قائلة بخبث وكلمات ذات مغزى:
"بس تصدق إنهم رجالة تافهة عاملين عقلهم بعقل حتة كورة ورايحين جايين يجروا وراها زي العبط."
شهقت بفزع مصطنع تتراجع إلى الخلف حين وجدته على حين غرة يتحرك من مكانه، قافزًا تقريبًا فوقها حتى جعلها تستلقي بظهرها فوق الأريكة، يسألها بهدوء ينذر بالخطر:
"تقصدي مين بالعبط بالضبط..؟"
أشارت بأصبعها ناحية شاشة التلفاز وعيناها معلقة به، تنظر إليه هامسة ببراءة مصطنعة مؤكدة:
"والله أقصد العيال دي يا سي صالح.. هو في حد زيك ولا في عقلك."
تطلع إليها للحظات يتأملها محاولًا اكتشاف صدق أم هزل كلماتها. قابلتها هي بابتسامة واسعة وهي ترف بجفونها له بطريقة جعلته يقاوم الابتسام بصعوبة، وهو يتراجع عنها ببطء لمعاودة متابعة المباراة مرة أخرى.
لكن وصل إليه همسها المتعجب بتذمر قائلة:
"بس ما تعرفش عند ماتشات الكورة.. بيسيبك ويروح فين؟!"
هنا وصرخت تنهض من مكانها تحاول الفرار منه حين وجدته يزمجر ضاغطًا فوق أسنانه وهو يحاول الانقضاض عليها. تنجح في ذلك فعلاً، تتوارى خلف إحدى المقاعد مبتسمة بإغاظة له وعيناها تلتمع بالانتصار، وقد أفلحت في خطتها لجذب انتباهه، وهي تراه ينهض واقفًا يتجه ناحيتها وقد غاب عن تفكيره كل شيء سوى معاقبتها، وهو يشير إليها بسبّابته للقدوم له قائلاً:
"تعالى هنا يا فرح، متخلينيش أجري وراكي في الشقة والناس اللي تحتنا تسمع."
هزت كتفيها له برفض قائلة بعبث وتدلل:
"لأ أنا بقى عاوزاك تجري ورايا، ولا هي البتاعة اللي بتتفرج عليها دي أحسن مني."
حاول صالح مقاومة نوبة الضحك المتصاعدة بداخله قبل أن يجلس مرة أخرى مكانه يرسم الألم، قائلاً بصوت مسكين ضعيف أثار قلقها رغم الشك بداخلها بأنه يقوم بالتلاعب بها:
"كان نفسي والله.. بس أديَك شايفة رجلي وجعاني ومش قادر منها."
أعقب حديثه يدلك قدمه ووجهه يتجعد ألمًا وهو يتأوه بصورة جعلت فرح تتخلى عن حذرها، تعقد حاجبيها قلقًا وقد انطلت عليها حيلته، تخرج من وراء المقعد مقتربة منه وهي تسأله بقلق وخوف:
"إيه حصل؟ مانت كنت كويس، اتخبطت فيها ولا إيه..؟ أنا هروح أجيب لك المسكن بسرعة وأجي."
هرعت باتجاه الغرفة، لكنها وعند مرورها من جواره جذب معصمها يسقطها عليه، يجلسها فوق ركبتيه وهو يحوطها بذراعيه بقوة، غير مبالٍ بمحاولتها الفكاك منه، يفح بغيظ متوعدًا لها:
"بقى أنا يتقال لي عقلك بيروح منك.. أنا بقى هعرفك عقلي لما بيروح بعمل إيه بجد!"
سكنت بين ذراعيه ترفع أناملها لوجنته تتلمسها برقة قائلة وهي تهز كتفها له بتدلل:
"طب أعملك إيه، مانت قاعد جنبي والبتاعة دي واخداك مني، يرضيك كده؟!"
وجد نفسه يقترب منها كأنها مغناطيس يجذبه لها، يقبلها بنعومة فوق وجنتها هامسًا باعتذار رقيق:
"لأ، في دي عندك حق، مينفعش أي حاجة تاخدني منك أبداً.. عشان كده..."
مد يده بجهاز التحكم يغلق التلفاز تمامًا، ثم يلتفت إليها غامزًا بعينه لها يسألها:
"مفيش كورة خلاص.. ها هنعمل إيه بقى دلوقتي؟"
دفعته في صدره تنهض سريعًا عن ساقه ضاحكة وهي تهتف بمرح طفولي:
"تقوم بقى زي الشاطر وتجري ورايا أنا.. مانـا مش هتنازل عن كده النهاردة."
صالح بذهول وغضب مصطنع:
"بقى كده، والله عال أوي.. بتضحكي عليا يابت انتي..؟"
تخصرت واضعة يدها في خصرها تسأله:
"هي مين اللي بت يا سي صالح.. ولا أنت عاوز تقلبها خناقة عشان تهرب..!"
نهض صالح ببطء وجسده متحفز يضيق عينيه عليها، مما جعلها تشعر بالقلق بأنها تجاوزت حدودها معه، لكنها تنفست براحة وهي تراه يقترب منها قائلاً بنبرة مهددة بخبث مرح:
"دلوقتي نشوف مين اللي هيهرب من التاني.. بس عارفة لو إيدي مسكتك...!"
قطع كلماته ينقض عليها فجأة، مما جعلها تصرخ وهي تسرع هاربة منه تجري في أرجاء الشقة وهو خلفها. تتعالى أصوات صراخهم وأقدامهم المسرعة للحظات طوال، قبل أن تقف فجأة تحاول التقاط الأنفاس وهي ترفع يدها بعلامة الاستسلام قائلة بصوت لاهث:
"خلاص.. أنا مستسلمة ومش لاعبة تاني."
صالح وهو يقترب منها بكامل لياقته وعيناه تلتمع بالنصر، قبل أن ينحني عليها يحملها فوق كتفه، غير مبالٍ بمقاومتها وصرخاتها الرافضة وهي تطوح قدميها في الهواء وقد تدلت رأسها على ظهره، ليهتف بها صالح بحزم وهو يثبتها:
"لأ مفيناش من كده.. أنا اللي كسبت، من حقي بقى آخد الجايزة بتاعتي."
رفعت رأسها تسأله بمرح:
"وايه هي بقى جايزتك دي إن شاء الله؟"
لم يجيبها، بل أسرع يحملها وبخطوات سريعة اتجه ناحية غرفة النوم، يفتحها ويدلف بها إلى الداخل، يلقي بها سريعًا فوق الفراش، ثم يتبعها هو الآخر وقد أحاطها بذراعيه هامسًا ببطء ونظراته تلتمع بالشوق والشغف قائلاً:
"انتي يا فرحة قلبي.. وهو في أغلى ولا أحلى منك جايزة يا حتة الشوكولاتة بتاعتي."
غمرتها السعادة ويستجيب قلبها لِـلَفظ التحبيب منه بأقصى درجات الفرح والإثارة، لتنقض عليه دون أن تهمله الفرصة لالتقاط الأنفاس، تقبله بكل ما بقلبها من حب وعشق له، لا تترك له فرصة سوى الاستجابة لفورة مشاعرها، وقلبه خلف صدره يتراقص هو الآخر شوقًا ولهفة لها.. يخفق بجنون، عشقه ولهه بها دون نساء العالم.
**********************
أخذت تبحث هنا وهناك بأيدٍ مرتعشة وصوت شهقات بكائها المكتوم يقطع الصمت السائد بين الحين والآخر، حتى دوى صوته الغاضب يناديها:
"لقيتيه يا سماح ولا لسه؟"
ارتعبت ملامحها وهي تضرب فوق وجنتها خوفًا، قبل أن تتحرك لمكتبه بخطوات مهزوزة تقف على بابه تهز رأسها بالنفي هامسة:
"لأ يا أستاذ عادل، مش موجود.. مع إن والله كنت حطاه جوا ملف القضية."
نهض عادل عن مكتبه يصرخ بها بحدة وغضب:
"يعني إيه.. إزاي ورقة زي دي تختفي من المكتب وإنتي موجودة.. دي مصالح ومصاير ناس مش بنلعب هنا يا آنسة!"
أسرعت تحاول الدفاع عن نفسها قائلة برجاء وصوت باكي:
"والله يا أستاذ عادل مش عارفة ده حصل إزاي.. أنا كنت..."
قاطعها صارخًا وقد احتقن وجهه من شدة الغضب:
"كنتي إيه بس.. ده توكيل للقضية بتاعت بكرة.. إزاي يضيع منك؟!"
انكمشت على نفسها خوفًا، فلأول مرة تقف في هذا الموقف لا تجد ما تقوله دفاعًا عن نفسها ولا عن إهمالها وخطأها الفادح هذا. تقف أمامه تبكي بصوت خافت، ليزفر عادل بقوة يجلس مكانه مرة أخرى قائلاً بضيق وهو يشير لها:
"اتفضلي يا سماح، روحي مكتبك.. ويا ريت تدوري تاني، يمكن جه في ملف قضية تانية بالغلط."
هزت له رأسها بالإيجاب، قبل أن تنطلق إلى مكتبها تجلس عليه بإعياء ووجهها شديد الشحوب، تضغط بيديها فوق جبينها بقوة تحاول التذكر أين يمكن أن تكون قد اختفت تلك الورقة. تمرر شريط يوم أمس أمامها تحاول وضع يدها على النقطة المفقودة، حتى اتسعت عينيها بشدة، ترفع رأسها ببطء وقد وجدتها وعلمت أين اختفت تلك الورقة.. وأيضًا من المسؤول عن هذا.
همت بفتح حقيبتها لإخراج هاتفها، لكنها تراجعت تنهض سريعًا حين خرج عادل من مكتبه يقف أمامها، وعيناه بنظراتها الأسفة تمر فوق ملامحها بأنفها الأحمر وعينيها المنتفخة، يجلي صوته قبل أن يتحدث إليها بصوت عملي هادئ:
"خلاص متزعليش.. حتى لو مش هتلاقيه، ليها حل، متقلقيش.. بس بلاش عياط تاني."
انفجرت في البكاء مرة أخرى وقد هزتها محاولته طمأنتها رغم خطأها الفادح غير المغتفر. غير واعية لجسد عادل المتوتر وبشدة لمرأى دموعها تلك وضعفها الشديد هذا أمامه. ليلعن نفسه لكون السبب في حالتها تلك، فهو يراها من أنقى الشخصيات التي تعرف عليها، ولم يكن من المفترض منه معاملتها بتلك الطريقة القاسية، لذا وجد نفسه يقترب منها يخرج من جيبه منديلًا ورقيًا يمد إليها وهو يهمس بأسف واعتذار:
"حقك عليا، أنا آسف إني اتعصبت عليكي.. بس الورقة دي مهمة وأنا..."
صمت لا يجد ما يكمل به حديثه خوفًا أن يزيد من الطين بلة، لكنها أسرعت تهمس بصوت متحشرج باكي:
"لأ حضرتك عندك حق في كل اللي عملته.. الظاهر إني اللي منفعتش في الشغل هنا.. عشان كده لو ممكن تسمحي لي إني أمشي من بكرة وحضرتك تشوف حد غيري يكون قد مسؤلية المكتب والورق اللي فيه."
لا يعلم لما وجد فكرة تركها العمل معه فكرة غير مقبولة له على الإطلاق، يزفر بقوة هاتقًا بها بصوت حازم:
"كلام إيه الفارغ ده.. لأ طبعًا مفيش حد تاني هيجي مكانك.. ولسه زعلانة من اللي حصل، عشان اتنرفزت عليكي يبقى أنا آسف ليكي ياستي مرة تانية وشوفي إيه يرضيكي وأنا هعمله."
توترت تنظر إليه ذاهلة تهز رأسها تهم بنفي ما قاله، لكنه قاطعها يشير لها بسبّابته بحزم قائلاً:
"بس لو فعلًا مش زعلانة يبقى تقعدي وتشوفي شغلك ومش عاوز كلام تاني عن إنك تسيبي الشغل."
هزت رأسها له بالموافقة ليبتسم لها عادل برقة لبرهة خاطفة، قبل أن يعود لجديته قائلاً:
"طيب هاتلي الملف بعد ما تطبعيلي الورق اللي فيه واعملي لي فنجان قهوة وتعالي."
تحرك للمكتب سريعًا بعدها، لكنه توقف عندما همست منادية له، ليلتفت إليها ببطء يغشى بصره كأنه نور ساطع سلط عليه، حين رأى بسمتها الرقيقة تشع كضوء القمر على وجهها تنيره وهي تهمس بنعومة:
"شكرًا ليك.. بجد أنت أكتر حد محترم وطيب أنا شوفته وعرفته في حياتي كلها."
احمر وجهه خجلًا تفاعلًا مع كلماتها له، وقد ظهر في عينيها صدقها في مدحه، يهز رأسه لها على عجلة، قبل أن يدلف إلى مكتبه سريعًا وقد تحفز كل عصب به، تتعالى خفقات قلبه زهوًا وتأثرًا من كلماتها رغماً عنه.
*******************
"بقولك إيه يا أنور يا ظاظا، بطل لف ودوران وقول أنت عاوز إيه وجاي ليه بالظبط؟!"
تراجع أنور في مقعده يبتسم بسماجة:
"ما قولتلك يا معلم شاكر.. اللي أنت عاوزه هو نفس اللي أنا عاوزه وإن مصالحنا واحدة."
توتر شاكر في جلسته يتنفس من أرجيلته بقوة وأنور يكمل بخبث:
"لأ.. وعاوزك تطمن، سرك في بير عمره ما هيخرج برانا، إحنا الاتنين.. أقصد إحنا التلاتة.. مش الحلوة أختك في الليلة برضه؟!"
رمى شاكر مبسم أرجيلته فوق مكتبه يهتف بغضب:
"ملكش دعوة بأختي يا أنور وخلي كلامك ليا أنا.. أنت عاوز إيه؟"
هتف أنور بلهفة وعيناه تلتمع بقوة:
"عاوز أعرف كل حاجة.. عاوز أعرف ليه لما الست أختك هي اللي طلبت الطلاق بتلفوا عشان ترجعوها تاني لـصالح؟!"
تطلع إليه شاكر بتوتر يظهر التردد فوق محياه، قبل أن يتنهد باستسلام حين رأى الثبات والتصميم فوق وجه أنور. يعلم أن لا مفر أمامه بعد أن علم هذا الحقير بما فعله وأنه المتسبب في حادث صالح.. ولشراء سكوته يجب أن يستسلم له ويخبره بكل ما يريد معرفته، قائلاً بعد تفكير:
"أنا وصالح لينا مصالح وشغل مع بعض.. وبعد طلاقه من أماني كل حاجة وقفت ورافض أي شغل أو تعامل معايا."
أنور وقد أدرك هوية الأمر يسأله ببطء خبيث:
"مصالح مع بعض ولا مصالح ليك لوحدك يا معلم شاكر..!"
هتف به شاكر بغضب وحنق:
"أيوه ياسيدي مصالح ليا لوحدي.. كنت هاخد منه كام ألف كده أمشي بيهم حالي، بس جت عاملة أماني السودا ووقفت كل حاجة."
أسرع يهتف بأنور بحدة محذرًا له حين رأى بسمته الشرهة ونظرة عينيه الملتمعة كأن وقع على كنز:
"لأااا دماغك متروحش لبعيد لكسرها لك.. أختي أشرف من الشرف.. كل الحكاية إن...."
أنور بتململ كمن يجلس على جمر هاتقًا به متلهفًا بعد أن رأى تردد شاكر في الإكمال:
"هااا يا معلم.. صدقني سركم في بير وزي ما قولتلك مصالحنا واحدة."
زفر شاكر وهو يمسك بمبسم أرجيلته يضعها في فمه هاتفا بعدها بسرعة وحدة:
"أماني أطلقت من صالح عشان.. عشان مش بيخلف.. وادامه سنة بس للعلاج بعد كده هيبقى استحالة يحصل.. عشان كده اتجوز البت دي بعد طلاقه من أختي بسرعة زي ما شوفت..!"
جلس أنور بعد كلماته تلك كمن ضربته صاعقة، فقد تصور جميع الأسباب التي من الممكن أن تكون سببًا لهذا الطلاق إلا هذا السبب.. يتراجع في مقعده عاقدًا حاجبيه متسائلًا بحيرة. هل كانت تعلم أميرة أحلامه بهذه الأخبار عند موافقتها على تلك الزيجة؟ هل قام سارقها منه بإخبارها بأسباب سرعته في إتمام زيجتهم؟
هز رأسه بقوة ينفي هذه الفكرة بقوة، فمن هو مثل صالح وبقوة شخصيته وعزتها والتي يعلمها الجميع، تجعل من الصعب عليه الاعتراف بنقطة ضعف به، وخاصة لزوجته والتي تراه كالفارس مغوار لا تشوبه شائبة، ومهمته الآن في الحياة هو أنور المنبوذ منها والمتيم عشقًا بها، محو هذه الصورة بكل قسوة، وطريقة ممكنة.
*********************
جلست تفرك في جلستها تتطلع إلى السقف بحدة، كلما تصاعدت منه أصوات مكتومة لأقدام تهرول بسرعة للحظات، كادت تموت فيها مختنقة بغيرتها وغيظها أكثر من مرة. تجاهلها حسن خلالها يتابع المباراة. حتى صمتت الأصوات فجأة لتتسع عينيها بإدراك، تنهض من مقعدها صارخة بغيظ:
"لأ كده كتير.. البت خلاص لحست دماغ أخوك وبقى زي العيل الصغير معاها."
حسن وعيناه ما زالت على التلفاز قائلاً بصوت غير مبالٍ وهو يزيد يزيد من لهيب غيرتها:
"عروسته وفرحان بيها.. خلينا في حالنا إحنا."
جلست بجواره تدفع في كتفه بيدها قائلة بحنق:
"في حالنا أكتر من كده؟ مانت قاعد أهو عينيك هتطلع على التلفزيون، عاوز إيه تاني!"
لم يجيبها، وقد علم أن إطالته معها في الحديث لن تجعلها تمرر الأمر أو تنهيه، وهو يريد متابعة المباراة. أفلا يشغل عقله الآن سوى فريقه فقط، لذا تجاهلها وهي يراها تجلس مكانها تتطلع إلى السقف بعيون وآذان منتبهة، يمر بهم الوقت على هذا الحال.
حتى عاودت الجلوس متحفزة مرة أخرى عند عودة حركة الأقدام مرة أخرى فوقهم، لتعتدل سائلة حسن بفضول:
"ياترى بيعملوا إيه دلوقتي.. معقولة بيجري وراها تاني؟"
ضحك حسن هاتقًا بمرح قائلاً:
"لو صالح أخويا اللي أعرفه.. يبقى لاء، مش ده اللي بيعمله."
التفتت إليه سمر تسأله بلهفة:
"اومال هيكون بيعمل إيه يا بو العريف؟!"
التفت إليها حسن هو الآخر يهز حاجبيه بخبث مرح قائلاً ببطء كأنه يتعمد استفزازها:
"بيرقصوا....."
أسرع يؤكد لها حين وجدها تتطلع نحوه بعدم تصديق ورفض:
"آه بيرقصوا.. صدقيني أنا عارف بقولك إيه."
اتسعت عينيها بصدمة تتطلع إليه لعلها ترى مزاحه على فيما قال، لكنها وجدته يعاود الاهتمام بمباراته مرة أخرى كأنه لم يقل شيئًا. لتفز تنهض سريعًا من مقعدها تجري باتجاه غرفة النوم والتي لها نافذة داخلية مثلها مثل باقي شقق المنزل، ترهف السمع خارجها لبرهة، حتى تجمدت مكانها تشتعل نيران الحقد والغيرة بها مرة أخرى حتى كادت تتفحم من الداخل، حين صدق حدس حسن وقد وصل لها صوت الأغاني الآتية من فوقها.
حيث كان صالح في هذا الوقت يقف خلف فرح يضع يديه حول خصرها، يتمايل معها ببطء، بينما صدحت كلمات الأغنية، والتي اختارها لها بعناية بعد محاولاته المستميتة لإقناعها أخيرًا لتنفيذ طلبه بالرقص له. فأخذت تتمايل بجسدها بنعومة تميل عليه بحركات راقصة خجلة، وهو يهمس لها مرددًا كلمات الأغنية بشغف لاهب في أذنيها، حتى وصلت إلى هذا المقطع، يرفعها بين ذراعيه يتمايل بها راقصًا، فيتعالى صخب ضحكاتها السعيدة، وهو يردد وعيناه تلتمع شغفًا بها قائلاً:
"أحلى من الحلوين مفيش منك اتنين.. خلي قلبك يلين وهنبقى عال العال.. من الدنيا أنا هاخدك.. آه من جمال خدك.. هو انت مين قدك يا ماركة في الجمال...."
وقبل انتهاء الأغنية، وكانوا قد انتهوا هم أيضًا فوق الفراش مرة أخرى، تتعالى أنفاسهم بصخب بعد اشتعال جو الغرفة بينهم، يمر بهم الوقت داخل جنتهم الخاصة، قبل أن يعودا منها مرهقين مخطوفي الأنفاس. وفرح تضع رأسها فوق صدره ولبرهة، قبل أن ترفع عينيها إليه وهي تمرر كفها فوق شفتيه برقة قائلة:
"صالح... عارف أنا نفسي في إيه؟"
عقد حاجبيه يسألها بنظراته عن طلبها، يقسم بداخله أن يلبيه لها في الحال، لكنه تجمد، تسري البرودة في أوردته، تجمد الدماء بها، وهي تكمل بحب ووجه يشع بالأمل والسعادة:
"إن ربنا يرزقني بابن يكون زيك كده.. حلم حياتي في صالح صغير شبهك في كل حاجة.. لو بنت برضو عاوزاها شبهك أنت.. أنت وبس."
حين أخبرته بأمنيتها تلك كانت تتوقع أي رد فعل إلا ما حدث منه، حين شعرت بجسده يتجمد أسفل لمساتها وعيناه تقسو بنظراتها فوقها، وهو يقبض فوق ذراعها يبعدها عنه بحدة. ثم ينهض عن الفراش يرتدي ملابسه بعجلة تحت أنظارها المصدومة من ردة فعله تلك.
لكن لم ينته الأمر عند هذا الحد ولم يكن هذا كل ما لديه من ردود الأفعال، وهو يلتفت إليها قائلاً بصوت حاد بارد برودة الجليد وكلمات كانت كحد السكين في قلبها:
"انسى موضوع الخلفة ده خالص.. ومش عاوز أي كلام منك فيه مرة تانية... واضح كلامي..؟!"
ثم تركها مغادرًا الغرفة فورًا، يغلق بابها خلفه بعنف ارتج له أركان الشقة، بينما هي جلست هي مكانها لا تفعل شيئًا سوى التحديق بالباب المغلق خلفه بعيون لا ترى شيئًا وجسد بارد شاحب شحوب الموتى.
رواية ظلمها عشقا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فرح صالح
مرت عليها لحظات بعد كلماته الحادة المقتضبة تلك مذهولة، عيناها تنسكب منها العبرات.
وقد عاودتها هواجسها مرة أخرى، تهاجم بضراوة وشراسة هامسة لها كفحيح أفعى تنشر سمها ببطء داخل عقلها. جلست هى مستسلمة لها لتتلاعب بها للحظات قبل أن تصرخ بعنف رافضة لها هذه المرة.
وهى تنهض من مكانها تبحث عن ردائها للذهاب خلفه والبحث لديه عن أجوبة، فلن ترضى هذه المرة بالصمت والاحتراق ببطء بسبب ما قاله. لذا خرجت سريعا خلفه تبحث عنه في أرجاء المكان حتى دلها أخيراً الهواء البارد الآتي من خارج الشرفة المفتوحة.
عنه وقد وقف بها يستند إلى سورها بكفيه وهو يرفع رأسه عاليا نحو السماء عاري الصدر وقد ألقى بقميصه البيتي خلفه على أرضية الغرفة.
لتتقدم هى بخطوات بطيئة هادئة نحوه تقف خلفه على باب الشرفة تتطلع إليه بصمت وهو واقف بتلك الطريقة كأنه في عالم آخر لا يتفاعل مع شيء ولا تهزه برودة الطقس المحيطة به. يقف بجسد ثابت لا يتأثر بشيء كما تهيئ لها.
لكنها كانت مخطئة، فقد شعر بها على الفور وجسده يتفاعل بشدة مع عطر جسدها والذي حملته إليه نسائم الليل الملطفة من حرارة جسده المشتعلة بعد شعوره بالحاجة لتلك البرودة لتخرجه من حالة التشتت والاهتزاز والتي أصابته كلماتها بها منذ قليل.
لكنها لم تمهله الفرصة للتمالك أو الثبات تلحق به إلى هنا فتقف خلفه الآن لتواصل بعثرته كالشظايا بسؤالها الخافت له وصوتها مرتجف وهي تسأله برفق كأنها تخشى إجابته وما ستأتي لها من آلام بسببها:
"ليه يا صالح؟!"
"على الأقل من حقي أعرف ليه!"
زفر بقوة وهو مازال يتطلع للسماء كأنه يبحث عما يجيبها من خلالها قبل أن يتحرك ببطء إلى الداخل يقف في منتصف الغرفة يعطي لها ظهره.
فتري في ضوء الغرفة الضعيف عضلاته المشدودة من شدة التوتر. يسود الصمت لبرهة طويلة انتظرت فيها إجابته بأعصاب على الحافة تهم بالصراخ عليه ليجيبها، حتى التفتت إليها أخيراً ببطء شديد وحاجبيها معقودين بشدة وشفتيها متصلبة.
فتتسارع أنفاسها وضربات قلبها تصم الآذان في انتظار إجابته. لكنه فاجأها حين سألها هو الآخر رداً على سؤالها بسؤال آخر قائلاً بهدوء شديد:
"مهم عندك أوي موضوع الخلفه ده يا فرح؟"
احتضنت جسدها بذراعيها بقوة وقد فاجأها بسؤاله تشعر به كفخ نصبه لها، لكنها أجابته بصدق وبصوت مرتجف:
"كل بنت حلم حياتها يكون ليها أولاد وبنات من الراجل اللي اختارته يشاركها حياتها.. وأبقى كدابة لو قلت إني عكسهم أو مش عاوزة ده."
وقف مكانه يتطلع إليها بنظرات متألمة شعرت معها كأنها بإجابتها تلك عليه قد قامت بإهانته أو أوجعته. لكن سرعان ما اختفت تلك النظرة سريعا من عينيه يحل مكانها نظرة شديدة البرود وعلى وجهه يمر تعبير خاطف لم تستطيع التعرف عليه وقد مر كالطيف فوقه قبل أن تكسو ملامحها هي الأخرى البرودة.
وهو يلتفت مرة أخرى إلى الناحية الأخرى قائلاً بقسوة:
"طيب ولو الراجل اللي اختارتيه زي ما بتقولي رافض الفكرة دي من الأساس ومش عاوز حتى الكلام فيها.. ردك هيكون إيه؟!"
وقفت تتطلع إليه ذهولا تقتلها كلماته وتحرقها ببطء وهي تراه يكررها عليها مرة أخرى. ولكن هذه المرة لم تجد له ما يبررها سوى أنه بالفعل لا يريد ما يربطه بها ولا مجال هذه المرة بتكذيب هواجسها.
وهي ترى منه كل هذا التعنت والقسوة تقف تتطلع إلى ظهره وهي تلهث لطلب الهواء وقد خنقتها عبراتها تهتف به غير عابئة بشيء بعد الآن. فهي تحارب كل يوم في معركة خاسرة منذ زواجها منه. تريد أن تألمه كما ألمها بوقوفه الغير مبالي وهو يلقي عليها سهام كلماته لترشقها دون رحمة أو شفقة بها.
قائلة بصوت قاس وبارد تقصد بكل حرف تنطقه أن توجعه وتألمه كما يفعل معها:
"تبقى أناني يا صالح.. لو فعلاً عاوز مني أرفض وأنسى غريزة ربنا خلقها في قلب كل ست وإني أبقى أم في يوم وأضحي بيها عشانك إنت لمجرد بس إنك عاوز كده.. تبقى أناني وقاسي يا صالح.. سامعني..!"
صرخت بكلمتها الأخيرة تنهي بها حديثها، ثم أسرعت تتحرك مغادرة تمر من جواره وهي تدفعه بكتفها بغضب وعنف تاركة المكان له وقد انتهت معه. ولا مجال لحديث آخر بينهم.
يسود الصمت المكان بعد مغادرتها لدقائق ظل هو خلالها واقفا مكانه كتمثال صنع من حجر لا توجد على ملامحه أو عينيه أي مشاعر أو تعبيرات. وقد ارتفعت مرارة كالعلقم في داخل حلقه وشعور بالهزيمة والانكسار يسيطر عليه.
فبعد أن كان في انتظار إجابتها كالظمآن في صحراء قاحلة وهو يقسم بداخله لو جاءت إجابته كما هو يتمنى؛ سوف يخر فوراً على ركبتيه أسفل قدميها معترفا لها بكل شيء طالبا منها الغفران على كل ما فعل واخفائه عنها الحقيقة. مبررا لها فعلته أنه عاشق لها منذ سنوات طوال ويخشى يوما خسارتها بعد أن أصبحت بين يديه. لذا لجأ لخداعه هذا حتى يحظى بها في حياته وبين أحضانه المشتاقة لها.
ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فقد جاءت إجابته كما توقعها تماما يكررها عليه الزمن لمرتين كأنه لم يكتف من أوجاع المرة السابقة.
ارتفعت أطراف شفتيه بابتسامة مريرة مرتجفة وهو يحاول السيطرة على تلك الدموع التي أغشت عينيه. لكن أبى عليه كبرياؤه كرجل ذرفها، فهو لم يكن أبدا بالضعيف، ولن يسمح في يوم أن يكون مهما كانت درجة عشقه لها.
لذا يوم وراء يوم مر عليهم وكل منهم التزم الصمت ومعاملته لآخر باحترام بارد لا يخلو من الفتور. فبعد حديثهم المشؤوم هذا عاد إلى عمله مباشرة والتزم النوم بعيداً عنها في غرفة أخرى. وأصبح في حديثه معها مهذب إلى أقصى درجة كأنها شخص غريب عنه تماما.
لتشعر هي مع معاملته تلك كأنها هي من قامت بإهانته وإيلامه وليس هو. تزداد المرارة بداخلها لحظة بعد أخرى وبعد أن أصبحت لا تراه تقريبا في يومها. فهو ينهض قبل استيقاظها ويحضر بعد نومها أو كما يظن هو بنومها.
كقاعدة التزم بها طيلة هذان اليومين وهي أيضاً لم تحاول كسر هذه القاعدة تتظاهر بلا مبالاتها لما يحدث برغم شوقها وتلهفها إليه تشعر بغضبها منه تخف حدته رويدا. حتى كاد يصبح كالهباء إلا من جزوة ضعيفة ما زال يتمسك بها كبرياؤها.
تمر بها اللحظات شاردة يرتسم داخل عيونها الحزن كما الآن وهي تجلس بجوار شقيقتها والتي أخذت تحدثها بحماس لكنها كانت غافلة عنها تماما فعقلها وأفكارها كانت هناك لدى سارق قلبها وخفقاته. تتسائل عما يفعله الآن وما يفكر به.
حتى صرخت بها سماح بأستهجان مصطنع وبصوت جعلها تهب في جلستها فزعا حين قالت:
"بت يا فرح انتي معايا ولا أنا بكلم نفسي.. وربنا أقوم وأمشي وأسيبك.. بلا نيلة عليكي."
التفتت إليها وعلى وجهها أمارات الحيرة والارتباك والتي تدل على أنها لم تكن منتبهة بالفعل لما كانت تقوله لها شقيقتها لتهتف بها سماح مازحة وقد اختفى غضبها فوراً تصفو ملامحها:
"لأ دانتي مش معايا خالص.. كل ده عشان سي صالح سابك ونزل الشغل."
ثم أخذت ترفرف برموشها بطريقة حالمة ساخرة مع جملتها الأخيرة فجعلت ابتسامة ضعيفة ترتسم على شفتيها.
لتكمل سماح متنهدة:
"يااا على حب اللي مولع في الدرة... يلا معلش شدة وتزول ياختي."
لم تبادلها فرح مزاحها كعادتها بل ظلت كما هي هادئة ساهمة النظرات لتعتدل سماح في جلستها تتطلع لها بقلق قائلة:
"بت مالك؟ من ساعة ما كلمتك وقلتيلى تعالي وأنتي قاعدة مسهمة كده في إيه؟"
التفتت إليها فرح ببطء تتطلع إليها تتوق نفسها حتى تقوم بأخبارها بما حدث بينهم ليلة أمس لعل لديها ما تستطيع به تهدئتها به كعادتها معها. ولكنها لم تجد بداخلها الشجاعة لإخبارها أو حتى بالتحدث بهدوء. فهي لا تثق في نفسها أنها تستطيع الكلام دون الانفجار بالبكاء شفقة على نفسها كما أنها لا تريد كلمات أو نظرات مشفقة من أحد حتى ولو من شقيقتها.
لذا أسرعت برسم ابتسامة ضعيفة قائلة بصوت متحشرج باهت:
"مفيش حاجة أنا كويسة.. بس الظاهر داخلة على دور برد مخلي دماغي مش مظبوط.. كملي انتي بس كنت بتقولي إيه؟"
تطلعت إليها سماح بقلق يظهر عدم تصديقها لها في نظراتها لكنها مرت الأمر لاتريد الضغط عليها للحديث تكمل بصوت عادي:
"مفيش من ساعتها زي ما قوتلك وأنا عيني وسط راسي خايفة البت دي تعمل فيا مقلب تاني.. خصوصا إني شفت وشها عمل إزاي لما دخلت لقيتني لسه موجودة في المكتب."
عقدت فرح حاجبيها بحيرة تسألها:
"بت مين؟ إنت تقصدي مين مش فاهمة؟ تقصدي ياسمين؟!"
هتفت سماح بها بغيظ:
"أومال أنا بقولك إيه من الصبح.. البت ياسمين كانت هتوديني في داهية لما سرقت.."
قاطعتها فرح بصدمة وذهول صارخة:
"نهار أسود هي ياسمين سرقت؟ سرقت إيه؟ لأأأأأ أنتِ تحكيلي من الأول خالص.."
زفرت سماح بحنق تقص عليها مرة أخرى كل ما حدث منذ بداية دخول ياسمين المكتب عليهم فجأة أثناء مزاحهم إلى ما حدث في اليوم التالي واختفاء التوكيل من داخل ملف القضية.
لتقاطعها فرح تنهض واقفة هاتفة تفرغ كل ما بداخلها من غضب ووجهها محتقن بشدة:
"الحيوانة.. هي اتجننت ولا إيه فاكرة نفسها مين.. والله لأكون مطينة عشتها الـ..."
نهضت سماح تضع كفها فوق فمها توقف سيل الشتائم المنهمر منها وهي تهتف برعب:
"يخربيتك اهدى.. انتي اتجننتي ولا إيه.. اعقلي كده أنا بقولك شاكة فيها بس.."
أبعدت فرح فمها من خلف كفها وعينيها تطلق الشرار صارخة:
"يعني إيه هنسكت ومش هنتكلم وهنسيبها تعدي بعملتها..!"
هزت سماح رأسها لها مؤكدة قائلة بحزم:
"آه هنسكت يا فرح.. ولا عاوزة أهل جوزك يقولوا إننا بنخرب على بنتهم واحنا حتى مفيش بإيدينا دليل.. اهدى كده وخلينا نتعامل بالعقل."
أخذت فرح تتطلع لها باستنكار ورفض، لكنها وجدت من سماح نظرات ثابتة حازمة عليها جعلتها تحول التنفس بعمق وتهدئة غضبها المستعير بداخلها. تجلس مرة أخرى.
لكن سماح لم تتبعها بل سحبت حقيبتها قائلة بهدوء:
"أنا همشي دلوقتي وهجيلك تاني بعدين.. وإنتي حاولي تهدى كده وبلاش الجنونة بتاعتك دي وفكري كويس في اللي قولته ليكي.."
أشارت لها بسبابتها محذرة إياها بحزم تكمل:
"وأوعي أوعي يا فرح جوزك ياخد خبر بكلامنا ده.. متخلنيش أندم إني حكيت ليكي حاجة."
همهمت فرح بحزن قائلة دون وعي:
"جوزي! مش لما نتكلم من الأساس أبقى أحكيله."
اتسعت عيني سماح ذاهلة تهتف بحنق:
"تاني يا فرح تاني!.. دانتي لسه مكملة أسبوع جواز وخاصمتي فيهم الراجل أكتر ما كلمتيه."
انفجرت فرح في البكاء بصوت تقطع له قلب سماح وعلمت أن الأمر لم يكن هيناً أو بسيط مثل ما تخيلت. لتجلس مرة أخرى تحتضنها بحنان بين ذراعيها تربت فوق خصلات شعرها بحنو تتركها تفرغ ما بداخلها بالبكاء.
حتى هدئت شهقاتها أخيراً لتسألها سماح بحنان ومراعاة:
"حصل إيه تاني بينك وبينه..؟ احكيلي يلا."
نكست فرح رأسها قائلة بحزن وطفولية:
"هحكيلك علشان بعد ما أخلص تغلطيني زي كل مرة."
ابتسمت سماح وهي ترفع وجهها إليها قائلة بشاشة ورفق تحاول تطمئنتها:
"لأ متخفيش مش هعمل كده.. وبعدين يعني هو هيبقى عندي أغلى منك يا عبيطة."
كأنها كانت تنتظر كلماتها المطمئنة تلك تسرع بالقاء رأسها فوق كتف سماح تزيح عن ثقل يجثم فوق صدرها تتسابق عبراتها فوق وجنتيها وهي تقوم بقص عليها ما حدث بنبرات حزينة منكسرة لم تقاطعها خلالها سماح ولو لمرة.
حتى انتهت أخيراً ليسود صمت حاد بعدها جعل فرح ترفع رأسها ببطء تسألها بعينيها في انتظار رأيها ولكن حين اخفضت سماح رأسها هرباً من نظراتها أسرعت تهتف بها بصوت خائب الأمل تعاتبها:
"شفتي كنت عارفة... اتفضلي قولي اللي عاوزة تقوليه وغلطيني يلا... وأنا هسمع ومش هتكلم."
تنحنحت سماح تتطلع إليها وهي تضغط على شفتيها تشعر بالذنب لأخذها جانب صالح في كل خلاف بينهم تحاول التحدث بشيء من العقلانية، برغم أنها تعلم أن معها كل الحق في غضبها وردة فعلها هذه المرة قائلة بهدوء:
"لأ يا قلب أختك.. المرة دي إنتي عندك حق.. أي واحدة مكانك هتعمل كده وأكتر.. بس كل حاجة بالعقل يا فرح تتحل."
ارتعشت شفتي فرح تسألها بصوت باكي:
"أي عقل يا سماح؟! ده بيقولي مش عاوز خلفة عارفة يعني إيه ده ومعنى كلامه إيه؟!"
أسرعت سماح تهز رأسها بالنفي وقد علمت ما تريد أن تصل إليه بسؤالها هذا تهتف بها بحزم:
"لأ مش عارفة ومش عاوزة أعرف... وبطلي بقى كل حاجة تحشري جوازته الأولانية فيها.. إنسيها يا فرح واديه فرصة ينسأها هو كمان."
عقدت فرح حاجبيها معا بشدة تسألها بحيرة:
"يعني إيه مش فاهمة؟"
أجابتها سماح وهي تقترب من وجهها قائلة بجدية:
"يعني كل اللي بتحكيه ده بيقول إن صالح مش زي ما انتي فاكرة.."
كادت تكمل قبل أن تقاطعها فرح هتفت بها بحزم وقد أدركت ما تنوي قوله:
"وانسي موضوع الخلفه ده خالص.. هو كان جاب سيرته إلا لما فتحتيه إنتي فيه؟"
هزت لها فرح رأسها بالنفي لتغمز لها بخبث سماح قائلة:
"طيب يا عبيطة يعني لو هو مش عاوز فعلا خلفة زي ما بيقول.. كان قال من قبل كده وخلاكي تاخدي احتياطك... وإنتي طبعاً فاهمة أنا أقصد إيه."
توردت وجنتا فرح خجلا لتبتسم سماح بحنان تربت فوقها قائلة:
"اعقلي كده وبلاش القطر اللي ماشية بتدوسي بيه ده.. واتكلمي معاه بالعقل.. وبعدين مين عارف مش يمكن كل خناقكم ده ينزل على مفيش وأبقى خالة عن قريب."
وضعت كفها أثناء تحدثها فوق بطن فرح مبتسمة لتبادلها فرح الابتسام وعيونهما تلتمع بالفرحة قبل أن تحتضنها سماح بقوة قبل أن تنهض بعدها قائلة:
"أروح أنا بقى عشان اتأخرت على المكتب وهبقى أجيلك تاني.. بس المرة الجاية عاوزة أسمع أخبار حلوة كده.. وإنك عقلتي.. اتفقنا!"
أومأت لها فرح لترفع سماح عينيها إلى أعلى بنظرة متسألة تضع سبابتها فوق ذقنها هامسة:
"والله أنا بدأت أشك إني أنا اللي فقرا عليكم.. ومش باجي هنا إلا لما تبقوا متخانقين.. زي اللي قلبي كان حاسس."
نظرت لفرح المبتسمة تكمل وهي تتنهد بطريقة مسرحية:
"يلا قلب الأم بقى.. وأنا طول عمري قلبي بيحس بيكي يا قلب أمك."
ثم أخذت تتراقص بحاجبيها لها ممازحة لتنفجر فرح بالضحك لتكمل سماح وهي تتجه للباب كأنها أدت ما عليها قائلا بحزم مرح:
"كده تمام أوي.. أروح أنا بقى.. وأشوفك الخناقة الجاية.. بس ياريت ميكونش قريب."
وقفت بعد ذهاب شقيقتها تفكر بعمق وعقلانية في حديثهم السابق وهي تجلس فوق الأريكة تجري حديث جدي مع النفس استمر لوقت طويل وهي تحاول إخماد كبريائها حتى تستطيع البدء من جديد معه لينتهي الأمر أخيراً مثل كل مرة بانتصار قلبها وقد رقت له كالبلهاء مرة أخرى.
ظلت جالسة شاردة تماما في أفكارها حتى دلف إلى داخل الشقة بهدوء يلقي بمفاتيحه في مكانها المعتاد وهو يلقي عليها بتحية مقتضبة سريعة ثم يكمل طريقه ناحية غرفة النوم متجاهلا لها بعد ذلك لتكز فوق أسنانها تهمس بغيظ وحنق تحدث نفسها قائلة:
"شوفتي بيعاملني إزاي.. طب وربنا مانا...."
لكنها أسرعت بقطع كلماتها تضغط فوق شفتيها تغمض عينيها بقوة تهتف وهي تتنفس بعمق:
"اهدئي يا فرح.. اهدئي وهدي القطر.. إنتي بتحبيه يبقى استحمليه وخليكي إنتي العاقلة في الجوازة دي."
ثم فتحت عينيها وقد امتلأت نظراتها بالتصميم والعزم تهتف:
"ما هو إنت هتحبني يعني هتحبني يا ابن انصاف أما أشوف أنا ولا إنت بقى."
نهضت من مكانها تسير بخطوات سريعة لغرفة النوم ثم تقف على بابها ترمقه بنظراتها تراقبه للحظات قبل أن تهمس له برقة قائلة:
"تحب أجهزلك العشا يا صالح؟"
توقفت أنامله فوق أزرار قميصه يلتفت إليها بجانب وجهه قائلا ببرود مقتضب:
"لأ مش عاوز.. أكلت خلاص في المغلق."
زفرت بحنق وهي تضغط على شفتيها غيظاً من رده البارد غير المبالي، لكنها أجبرت نفسها على عدم الاستسلام تتحرك نحوه بخطوات رشيقة خفيفة.
حتى وقفت خلفه تماما تباغته بحركة جريئة منها. قد أرادت بها كسر الجليد بينهم وهي تحتضنه من الخلف تضع كفيها فوق صدره العاري بعد أن قام بفتح أزرار قميصه لخلعه.
تبتسم بانتصار خفي حين شعرت بتشدد عضلاته وارتجافة بشرته تحت لمسات أناملها الرقيقة، وهي تمررها فوقها ببطء. زافراً بحدة تتصاعد أنفاسه عاليا حين وضعت رأسها على ظهره تهمس تعاتبه بنعومة:
"كده يا صالح وأنا اللي مستنية من الصبح عشان ناكل سوا..!"
لم يجيبها.. لكن أجابتها عنه ضربات قلبه المتعالية وهي تقصف تحت أذنيها استجابة لها. فيتراقص قلبها طربا وتشجعها للقيام بخطواتها التالية.
لتدور من حوله حتى وقفت أمامه تجده يتطلع إليها. وقد برقت عيونه مشتعلة بالشوق لكن جسده كان متجمدا يطبق بشفتيه بشدة كأنه يحاول المقاومة.
لكن أتت ارتجافة ضعيفة منه رغما عنه حين شبت فوق أصابع قدميها حتى تطاله تهمس أمامه شفتيه:
"أهون عليك تسيبني آكل لوحدي.. ها يا صالح!"
استمر على صمته لكن أتت هزة ضعيفة منه بالإيجاب جعلتها تضم شفتيها بلوم عيونها تنظر إليه معاتبة. قبل أن تحتضن شفتيه بشفتيها بقـ.بلة صغيرة كانت لتأثيرها كالسحر عليه تذيبه ببطء حرارة أنفاسها فوقه.
فأخذ يحاول مقاومة دفء بشرتها المتسرب إليه والمتحد مع عطرها المثير لحواسه حتى يقوموا بإضعافه أكثر أمامها ليحاول فك تعويذة سحرها من حوله بعد ابتعاد شفتيها البطيء عنه محاولاً التحدث ولكن أتت كلماته مبعثرة غير مترابطة قائلا بأرتجاف:
"إنت.. وأنا.. كنا.."
دفنت فرح وجهها في دفء عنقه هامسة برجاء تقاطعه تحتضنه بقوة:
"أيوه يا صالح أنا وإنت.. ومش مهم أي حاجة تانية غيرنا."
كسر السحر من حوله يعقد حاجبيه بحيرة نتيجة لحديثها الحماسي عنهم قبل أن تلتمع عينيه بالمعرفة يبتسم ببطء يضمها إليه وهو يسألها بخفوت:
"فرح.. هي سماح أختك جت هنا النهاردة؟"
تجمد جسدها من سؤاله غير المتوقع ترفع رأسها إليه بعيون مذهولة لتتسع ابتسامته قائلا بخبث:
"أصل بدأت ألاحظ تأثيرها عليكي في كل زيارة ليها بعد كل خناقة لينا."
اشتعل وجهها بأحمرار الخجل تتراجع للخلف مبتعدة عنه تشعر بنفسها كأنها كتاب مفتوح له قائلة بتلعثم وبصوت حرج:
"آه كانت هنا.. بس أنا.. أنا.. أنا هروح أجهز العشا."
شهقت بصدمة حين جذبها بعنف ليرجعها لاحضانه يلف خصرها مقربا إياها منه ثم ينحني بوجهه عليها. عينيه المتلهفة تأسر عينيها هامسا بحيرة وتردد:
"أنا مقصدش أضايقك.. أنا كل اللي عاوز أعرفه إيه اللي في دماغك.. اللي شايفه منك ده معناه إيه؟"
شعرت فرح بحاجتها هي الأخرى للإيضاح ووضع النقاط فوق الحروف مثله تماما. لكنها خافت أن تعيدهم مناقشتهم مرة أخرى إلى نقطة الصفر وتتفتح معها جروح استطاعت بصعوبة غلقها.
لترفع أناملها تتلمس وجنته هامسة بضعف وانفاسها تمتزج بأنفاسه:
"بلاش يا صالح عشان خاطري بلاش.. خلي الأيام بينا تجاوبك على سؤالك.. أنا مش قادرة نفضل كده بعاد عن بعضنا إنت في دنيا وأنا في دنيا تانية."
ثم لم تهمل الفرصة للتفكير تميل عليه تدك حصونه بقـ.بلات متفرقة منها فوق وجهه. لم يجد هو معها سوى رفع راية التسليم لها. وقد ارتفعت مع كل قبلة منها حدة أنفاسه حتى صارت كاللهث.
قبل أن ينقض على شفتيها ينهل من رحيقهم ينسى العالم وكل ما يحيط بهم. يسلم لقلبه الدفة للقيادة. فقد أدرك أنه لا قدر له على تحمل فراقها عنه للحظة أخرى وليحدث ما يحدث بعد ذلك. فيكفيه هذه اللحظات معها راضيا بها هي فقط وتاركاً الأيام بينهم تأتي بما تريد وفلا مجال له للتفكير في شيء آخر سواها الآن.
رواية ظلمها عشقا الفصل السادس عشر 16 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ السادس عشر ♡
وقفت تتطلع الى الطفلة الصغيرة الممسكة بيد شقيقها الاصغر بأبتسامة .. سرعان ما اتسعت حين تحدثت اليها بصوتها الطفولى المحبب الى القلب
: ابلة فرح ممكن نقعد معاكى انا ومازن ... اصل ماما قالبة الشقة وبتنضفها وقالت لينا نطلع عندك.
بهتت ابتسامة فرح بعد جملتها الاخيرة وقد لاحظت اصرار سمر على هذا التوقيت من كل يوم ليظلوا معها حتى موعد نومهم ، ولكنها لم تعترض او تتأفف من حضورهم فقد ملأوا يومها بالبهجة والسعادة فى اوقات غياب صالح فى عمله ، وحتى بعد حضوره يمضى معهم الوقت فى المرح والمزاح.
تراقب بشغف طريقة تعامله الرقيقة والحانية معهم ترى بعينيها مدى عشقه لاطفال اخيه وعشق الاطفال له ، لتعاود وتهاجمها مرة اخرى تساؤلاتها عن اسباب رفضه لانجاب..
لكنها سرعان ما تلقيها خلفها حتى لا تلقى بظلالها السوداء على حياتهم ، تستمر فى تجاهل كل ماقد يعكر صفو حياتهم معا.
افاقت من شرودها على سؤال تالين لها يظلله الرجاء بعد ان لاحظت التغير فى ملامح فرح واختفاء ابتسامتها
: ممكن يا ابلة فرح .. انا بحب اقعد معاكى انا ومازن وبنحب الحكايات اللى بتحكيها لينا.
شعت الابتسامة فوق وجه فرح تهتف بمرح وهى تشير ناحية الداخل
: تعالوا يلا ادخلوا ... دانا مجهزة الفشار ومستنية من بدرى علشان نتفرج على الكارتون سوا.
هللت تالين تصفق بكفيها يصاحبها مازن مقلدا لها دون ان يدرك ما يقال بسنوات عمره الثلاث .. يتبع خطى شقيقته الى الداخل ، ليمضوا وقتهم فى مشاهدة افلام الكارتون.
وقد استلقى كل منهما فوق الاريكة بأسترخاء تتوسطهم فرح وقد وضعوا رأسهما فوق فخذها تتلاعب بخصلات شعرهم، لكن ما ان سمع صوت فتح الباب حتى دب فى جسدهم الحماس ينهضون سريعا ثم يهرولون بأتجاه الباب وهم يهتفون بفرحة وسعادة
: عمو جه .. عمو صالح جه يا ابلة فرح.
نهضت فرح هى الاخرى تتبعهم لتراه وهو يقوم يحمل كل طفل فوق ذراعه يبتسم لهما بحنان مقبلا اياهم على وجنتهم ، هامسا لهم بعدة كلمات تعال بعدها هتافهم الحماسى يسارعون للنزول عن ذراعه وعينيهم تشع الفرحة والحماس وهو يقوم باعطاء احد الاكياس لهم.
اخذوا ينظرون بداخله بعدها بتلهف غافلين عن تحرك صالح مقتربا منها بخطوات بطيئة وعينيه ، تتوهج نظراته بشوق وحرارة جعلت وجنتيها تتلون بالخجل..
زاد توهجا حين وصل اليها ينحنى فوق وجنتها يلثمها برقة يسألها بنعومة
: ايه يا ابلة فرح هو عمو صالح مش وحشك .. ولا انتى مش عاوزة تتشالى زيهم ؟!
ضربته بخفة تشير بعينيها ناحية الاطفال الغافلة عنهم هامسة بأحراج
:صالح العيال هيسمعوك.
لثم وجنتها مرة اخرى بقبلات خفيفة اخذت طريقها الى شفتيها يهمس فوقهم
:طب ما يسمعوا .. هو انا بقول حاجة غلط ولا بعمل حاجة غلط .. دانا حتى مؤدب.
ثم سرعان ما ابتعد عنها ودون ان يملها الفرصة سوى لشهقة تفاجئ عالية وهو ينحنى عليها يحملها بين ذراعيه متجاهلا هتافها له حتى ينزلها يدور بها حتى اصبح ظهره للاطفال تستكين بين ذراعيه حين رأت تلك النظرة تراقبه ينحنى عليها ببطء ، وعينيه تلتمع بحنان شغوف كانت هى اكثر من مستعدة له ..
لكنه توقف فى منتصف الطريق ينحنى بنظره الى اسفل يتطلع الى وجه ابن اخيه وقد تعلق بقدمه يحدثه بكلمات متعلثمة
:وانا كمان عمو ثالح .. ارفع فوق .. زى فرح.
كتمت فرح ضحكتها تدس وجهها بعنقه حين سمعته هتف به بغلظة مضحكة
:لا يا مازن مش دورك .. روح العب مع تالين وكل شكولاتة .. وبعدين نشوف الموضوع ده.
لكن أتى صوت تالين تسأله بجدية هى الاخرى وقد وقفت بجواره من الجانب الاخر
:طيب ايه اللى فى الكيس التانى ده يا عمو ؟
اجابها صالح بجدية هو الاخر
:ده كيس الحلويات بتاع ابلة فرح .. انتوا ليكم واحد وهى ليها واحد.
تالين وقد عقدت حاجبيها بتفكير عابس قائلة
:بس كده ظلم ياعمو .. المفروض كل واحد فينا ليه واحد لوحده..!
فجأة انفرجت أساريرها تهتف بحماس
:خلاص ... يبقى احنا ناخد احنا الكيس ده .. وانت تشيل ابلة زى مانت عاوز.
تعالت ضحكة فرح يهتز جسدها بقوة بين ذراعيه وهى تراه يقف مبهوت وعينيه مصدومة من كلمات الصغيرة ، والتى وقفت امامه تبادله النظرات بثبات غير عابئة بذهوله تمضغ فى فمها قطعة حلوى فى انتظار اجابته..
لتجيبها فرح بدلا عنه قائلة بجهد وصوت يتخلله الضحك
:وانا موافقة يا تالين وعمو كمان موافق .. مش كده يا عمو صالح.
وضعت كفها فوق وجنته ترفرفذ برموشها له وهو تسأله بصوت مشاغب طفولى جعله يلتفت اليها هذه المرة وقد اختفى عنه ذهوله ويمرر عينيه فوق ملامحها ببطء شغوف جعلها تشتعل خجلا تتملل بين ذراعيه ، لكنه احكم الامساك بها يضمها الى جسده اكثر وهو يجيب ببطء وعيونه هائمة بها
:طبعا يا عيون عمو صالح .. اى حاجة تقوليها انا موافق عليها .
ضغطت فوق شفتيها تهز رأسها وعينيها تتسع تحاول ان تنهيه على ما ينوى حين راته ينحنى عليها ببطء ، ترى نيته فى عينيه وقد زاد اشتعالها..
لكن فى منتصف الطريق توقف بغتة يغمض عينيه وهو يضغط فوق اسنانه بغيظ حين تعال صوت مازن الباكى وهو يصرخ
:عمو ... تالين اخدت الشيكولاتة تاعتى.
صدحت ضحكة فرح عالية لكن سرعان ما ضغطت شفتيها معا بقوة تقطعها فوراً حين فتح عينيه ينظر اليها يسألها بغيظ وحنق
:عجبك اووى اللى بيحصل ده مش كده؟!
هزت رأسها لها بالايجاب وعينيها بابتسلية تنفرج شفتيها عن ابتسامة واسعة ، مرحة جعلته يزمجر فى وجهها بشدة..
قبل ان يضعها ارضا يلتفت الى مازن يمسك بيده ثم بيد تالين المعترضة قائلا بحزم يتجه نحو الباب الخارجى
:شوفوا بقى انتوا تنزلوا عن ابوكم .. وتحكوا ليه الموضوع ده وتشوفوا رأيه ايه...
تسمرت قدمى تالين تجذب نفسها من يده قائلة بصوت راجى متوسل
:لا يا عمو مش عاوزين ننزل .. احنا عاوزين نبات هنا معاك.
هز راسه لها بقوة قائلا برفض قاطع
:لاااا .. لااااا مفيناش من بيات انتوا تتعشوا وتنزلوا زى الحلوين كده عند ابوكم .. وبكرة ابقوا تعالوا.
زمت تالين شفتيها تتطلع اليه بحزن ورجاء لكنها وعندما وجدت بأن ليس لها الفرصة لتغير رأيه وقد وقف بثبات مكانه ينظر اليها بتحدى وحزم تلتفت الى فرح قائلة برجاء وصوت مستعطف
:علشان خاطرنا يا ابلة قولى له يرضى .. واحنا والله هنكون مؤدبين.
انحنت فرح عليها تقبل وجنتها بحنان قبل ان ترتفع مستقيمة ببطء وهى تتطلع له وعلى وجهها ابتسامة بات يعرفها جيداً ..
ابتسامة اصبحت تعلم جيداً تأثيرها عليه ، تستغلها احسن استغلال وبالفعل اتت بتأثرها المطلوب بتسارع ضربات قلبه وحرارة جسده والتى اخذت تتعالى مع كل خطوة منها نحوه وهى مازالت تبتسم تلك الابتسامة ليرفع سبابته يهزها برفض قائلا بتلعثم محذراً
:لااا .. لااا بقولك ايه خليكى عندك .. انا مش هتهز ولا هغير كلامى .. بصى .. انا ..بقولك .. اهو .
شهق بقوة يغمض عينيه حين شعر براحتيها تستقران فوق صدره تمررهم فوقه ببط ونعومة ، جعلت من عضلاته تشتد اسفلهم تقترب منه حتى غلفته رائحتها اللذيذة تذبيه شوقا لها ، ترتجف اوصاله استجابة حين همست بانفاسها الدافئة بجوار اذنه بنعومة وتدلل وقد شبت فوق اطراف اصابعها حتى تطاله
:علشان خاطرى توافق ومتزعلش العيال ولا تزعلنى .. ولا انت عاوز تزعلنى يا صالح..!
صالح يهمهم بكلمات متقطعة رافضة بارتجاف فى محاولة واهنة منه للرفض والتماسك وقد زادت من اقترابها منه تلف ذراعيها خلف عنقه تزداد التصاقا به..
حتى زفر أخيراً باستسلام وهو يلف خصرها بذراعه يقربها منه
:خلاص يا فرح اللى تحبيه .. وانا هكلم ابوهم اعرفه.
صرخوا جميعا بفرحة تهتف تالين بسعادة بعدها وهى تمسك بيدى شقيقها وتسرع فى اتجاه الغرفة المعدة لاطفال
: تعال يا مازن بسرعة اوريك الاوضة اللى هننام فيها انا وانت.
اخذته واختفت عن انظارهم وحين حاولت فرح الانسحاب من بين احضانه حتى تلحق بهم شدد ذراعه حولها يسألها غامزاً اياها بخبث وشقاوة
:على فين يا بطل .. استنى عندك هنا رايحة فين .. دانا لسه محتاج اقناع يامااا.
فرح وهى تحاول التملص من بين ذراعيه تهتف به بحرج مصطنع
:صالح عييب .. العيال معانا.
المعت عينيه بشقاوة ومكر يزيد من الصاقها به ينحنى نحو وجنتها يقطمها بين اسنانه قبل ان يهمس فوقها
:عيب دلوقت بقى عيب ... طب اعملى حسابك محدش هينجدك من ايدى الليلة لا عيال ولا غير عيال.
دفنت وجهها بين حنايا عنقه تلف ذراعيها حول عنقه هامسة برقة وصوت مرتعش
:وانا مش عاوزة حد ينجدني.
ابعدها عنه ببطء يتطلع نحوها بعيون مشتعلة وانفاس متسارعة يراها تقضم شفتيها باسنانها وهى تخفض عينيها عنه خجلاً ، رغم محاولتها التظاهر منذ برهبة بالعكس ، ليزداد الوهج بعينيه كنار حارقة ينحنى عليها ينوى احتضان شفتيها بشفتيه بدلا عن اسنانها والتى اشعلته بحركتها تلك..
لكن تأتى نداء تالين كسرينة انذار تالفة جعلتهم يقفزا بفزع بعيد عن بعضهم ومازالت تالين تكرر ندائها بصوتها الطفولى الرفيع ليشير لها بيده قائلا باحباط وضيق
:اتفضلى ياختى .. اتفضلى روحيلها يا ابلة فرح .. انا عارف هى ليلة طويلة ملهاش اخر...
ارتفعت ضحكتها المرحة تختطف قلبه معها قبل ان تقبله فوق وجنته ثم تبتعد عنه غامزة له بمرح تهرع نحو الاطفال ، لكن اوقفها ندائه لها لتلتفت له باسمة ليسألها بهدوء
: فرح انتى كنت عارفة ان مليجى خالك رجع تانى الحارة.
اخفضت وجهها عنه بخجل كانت بمثابة الاجابة له ليهز رأسه هامسا بتأكيد
:طبعا كنت عارفة .. استحالة سماح تخبى عليكى حاجة زى دى.
همت بالرد عليه وعلى ملامحها امارات الاسف والاعتذار
:خلاص يا فرح ومتخفيش مش هعمل له حاجة هو خالك برضه.
جرت نحوه كطفلة سعيدة تلقى بنفسها بين ذراعيه تحتضنه وقد اطمن قلبها ولكن ليس على سلامة خالها بل عليه هو فقد اخفت عنه الامر خوفاً من عواقب غضبه..
فلم تريد ان تكون سبب وقوعه فى المشاكل خاصة مع احد افراد اسرتها.
ظلا كما هما للحظات صامتة استكان كل منهم فى حضن الاخر كانت لهم كالنعيم وراحته ، حتى اتى صوت تالين يناديها مرة اخرى لتبتعد عنه باسمة برقة تلقى بقبلة سريعة فوق وجنته ثم تهرع من المكان ، بينما وقف هو يتابعها بعيون عاشقة لكل تفاصيلها وابتسامة سعيدة انارت قلبه قبل ملامحه.
******************
:العيال فين ياسمر مش سامع ليهم حس؟!
سال حسن سمر بعد خروجه من الحمام بعد ان ازاح عن جسده تعب يوم عمل شاق بالاستحمام ، يلقى بالمنشفة فوق المقعد المجاور لها .
وقد جلست تتابع احدى المسلسلات لتجيبه وهى تشيح بيدها بلا مبالاة دون ان تزيح عينيها عن التلفاز
:منصور فى اوضته جو بيلعب على تليفونه وتالين ومازن عند عمهم فوق.
احتقن وجه حسن غضبا يتهتف بحدة وهو يجلس فوق المقعد
:تانى يا سمر هو كل يوم العيال فوق انا مبقتش اشوفهم خالص.
لم تعيره سمر اهتماما تولى التلفاز كاملانتباهها ، ليظل حسن يتطلع اليها بغيظ من تجاهلها هذا له ولحديثه فيهتف بها بحنق
:طب ايه .. هيفضلوا فوق كده مش هتبعتى ليهم يتعشوا معانا.
التفتت اليه ببطء تلقى بما فى يدها من مسليات بالطبق قائلة ببرود
:لا مش هنادى عليهم .. هما شويا وهينزلوا .. وبعدين مالك كده داخل بزعابيبك عليا كده ليه..!
نهض حسن من مقعده يصرخ بها بغضب
: علشان زودتيها يا سمر .. بقالى اكتر من اسبوع مابشوفش العيال ياما نايمين الصبح قبل ما اخرج ياما عند عمهم لنص الليل ما
بينزلوش الا لما بنام .
زفرت سمر تلوى شفتيها بضيق ثم تساله بحدة
:المطلوب ايه دلوقت علشان الليلة دى تعدى بدل ما نقلبها نكد وغم؟
صرخ بها حسن هو الاخر وقد طفح به الكيل واصبح يضيق صدره من تصرفاتها مؤخرا قائلا
:ابعتى هاتى العيال وخليهم ينزلوا حالا .. ميطلعوش فوق تانى انا بقولك اهو.
احتقن وجهها من لهجته هذه معها تهم بالصراخ عليه هى الاخرى ، لكن اتى رنين هاتفه مقاطعا لتلك المشاجرة ليندفع حسن يختطف الهاتف من فوق الطاولة ليعقد حاجبيه بقلق حين راى هاوية المتصل ثم يسرع برد عليه سريعا قائلا بلهفة
:خير يا صالح .. حاجة حصلت .. حد من العيال حصله حاجة؟
فور نطقه باسم صالح اسرعت سمر ناحيته تلتصق به ترهف السمع لحديثهم ، لكن حسن ابتعد عنها يكمل محادثته قائلا بهدوء رغم الضيق البادى فوق وجهه
:طيب تمام يا صالح .. لاا خلاص مااشى ..تصبح على خير.
انهى مكالمته ثم القى بالهاتف فوق المنضدة مغادراً بعدها المكان لتهتف سمر تناديه ثم تسأله بفضول
:حسن .. صالح كان عاوز منك ايه مقولتليش!
لم يجيبها بل توجه لغرفة النوم بخطوات سريعة غاضبة لتهرول خلفه تدلف الى غرفة النوم تهتف به
: انت هتنام .. مش هتستنى العيال علشان تتعشوا سوا !
استلقى حسن فوق الفراش على جانبه بغاية النوم قائلا بحدة
:خلاص مش طافح وهنام .. والعيال هيباتوا عند عمهم الليلة .. على الله نفسك تهدى بقى وترتاحى.
ارتفع حاحبيها بذهول من رده الحاد عليها ، فلاول مرة ترى هذا الجانب من شخصيته رغم سنوات زواجهم الطوال .. تشعر بالتوجس ومن حالته تلك وبأنها قد زدادت من الضغط عليه فى الفترة الاخيرة.
لذا اسرعت باللجوء الى حيلتها القديمة معه والتى لم تخيب أبداً فى تهدئته ورجوعه كالحمل الوديع اليها تقترب من الفراش وهى تهمس بأسمه بنعومة أغراء قائلة
:حسن يا حبيبى .. وقلب سمر من جوه .. انت هتنام وتسيبنى اقعد لوحدى !
ابتسمت بثقة تنحنى عليه تمسك بالغطاء حتى تزيحه عنه لكنها تراجعت بصدمة حين هتف بها بخشونة وقسوة سمرتها مكانها
:اخرجى واقفلى النور والباب وراكى يا سمر انا عاوز انام.
همت بالحديث اليه مرة اخرى لكنها تراجعت حين وجدته يتقلب الى الجانب الاخر يعطى لها ظهره ، وقد رفع الغطاء حتى راسه ينهى بذلك اى محاولة منها للحديث فوقفت لبرهة تراقبه بتوتر وذهول وقد كانت هذه اول مرة تراه غاضب بتلك الطريقة تقف عاجزة عن التصرف معه.
**************
دخلت الى الغرفة الخاصة بالاطفال حتى تستطلع ان تتمكن حقا من جعل الاطفال يخلدوا الى النوم ، فبعد تناولهم العشاء وامضاء الوقت بمرح وصخب ، حتى قرر صالح خلودهم الى النوم رغم معارضتهم الشديدة لذلك..
لكنهم يخضعوا أخيراً لامره بعد وعده لهم ان يجعلهم يأتون للمبيت يوما آخر ليغمز لها خفية بأنتصار بعد اسراع الطفلين ومغادرتهم للغرفة فى سباق وهمى اقامه بينهم ، وقد وقفت تراقب معركة الارادة الدائرة بينهم بتسلية وابتسامة مرحة..
ينحنى عليها قائلا لها بصوت اجش ماكر
:استعد يا بطل .. ثوانى وجايلك ..
انيم ولاد الجنية دول واجيلك هوا بس اوعى تنامى.
ابتسمت تلثمه على وجنته قائلة له بنعومة
: هستناك يا عيون البطل .. بس متتأخرش عليا .
ابتعد عنها يهتف بسرعة وتلهف يتجه خلف الاطفال
:ثوانى وهرجعلك مش هتاخر عليكى .. هنيمهم فى ثوانى.
لكن الامر تعدى الثوانى فقد انتهت من توضيب الفوضى فى المكان وتغيير ملابسها للنوم ، وهو لم يظهر حتى الان لتقرر الذهاب لاستطلاع الامر..
لتتسمر قدميها امام باب الغرفة حين وجدت تالين تتوسط الفراش وقد جلست بين جسد شقيقها وجسد صالح .. قد استرخت ملامحه حد النعومة ، بعد ان استغرق فى النوم هو وشقيقها تتلاعب باناملها داخل شعرهم وهى تغنى لهم تهويدة بصوتها الطفولى الرقيق..
لكنها ما ان لمحت فرح واقفة تتابع ما يحدث بذهول حتى توقفت عن الغناء ترفع سبابتها الى فمها تشير لها بالصمت، ثم تنهض من مكانها ببطء وهدوء شديد خشية ايقاظهم تقترب من فرح تمسك بيدها قائلة
:اوف أخيراً عرفت انيم عمو .. تعبنى اوى بس انا ففضلت اغنيله لحد ما نام.
كادت فرح ان تنفجر بالضحك من طريقة تلك الصغيرة واسلوب حديثها الناضح ، لكنها اسرعت بوضع يدها فوق شفتيها تمنع نفسها حين رمقتها تالين بنظرة محذرة صارمة قبل ان تمسك يدها وتتجه بها نحو الفراش الاخر قائلة بجدية شديدة
:تعالى يلا انتى كمان علشان تنامى.
حاولت فرح الاعتراض لكن قُبِلَت محاولتها من قبل تالين بالرفض والاصرار ؛ لتستسلم أخيراً لارادة الصغيرة تستلقى فوق الفراش بجوارها لتحتضنها تالين بين ذراعيها كالطفلة الصغيرة.
ثم اخذت تغنى لها مرة اخرى تلك التهويدة بصوت رقيق ناعم شعرت معه فرح بمرور الوقت بثقل جفنيها رغم مقاومتها للنوم ، لكنها استسلمت أخيراً تسقط فى النوم هى الاخرى دون ان تشعر..
بينما تحضن تالين بين ذراعيها حتى تنهبت حواسها تستيقظ من سباتها حين شعرت بالطفلة تسحب برفق من بين ذراعيها ، لتزيد من احتضانها اليها بحماية ، لكن اتى صوت صالح الخافت الرقيق يطالبها بتركها لتتركها له.
تراقبه بعيون ناعسة وهو يحمل الطفلة بين ذراعيه ينقلها للفراش الاخر بجوار شقيقها ثم يدثرهما جيداً.
قبل ان يتجه نحوها ويستلقى بجوارها يجذبها الى احضانها ، لتندس فى دفأ صدره تلف خصره بذراعيها ، بينما يقبل قمة رأسها وهو يتنفس بعمق رائحتها داخل صدره ، ليزيد من ضمها اليه وقد شعر بانه قد ملك العالم طالما هى بين ذراعيه هامسا لها بعتب
:كده تسبينى للبت دى تنيمنى زي العيل الصغير وتاخدك انتى فى حضنها .. اعملى حسابك دي اخر مرة هيباتوا هنا.
رفعت وجهها تتطلع نحوه بنظرات راجية تضع يدها على وجنته قائلة بتوسل ولهفة
:لا يا صالح علشان خاطرى .. انت متعرفش انا فرحانة اد ايه انهم معانا النهاردة.
اهلكته تلك النظرة فى عينيها ونبرة صوتها المتوسلة له ليسألها بتحشرج وصوت مرتجف متردد
: بتحبيهم اووى كده ؟!
واد كده فرحانة انهم معاكى..!
اجابته دون لحظة تردد واحدة او تفكير يظهر عشقها الشديد فى نبراتها
: اووى يا صالح بحبهم اووى وبحب الاطفال كلها بعشقهم.
تجمد جسده وكلماتها تخترق قلبه كالرصاصة تمزقه تلك السكين الحاد مرة اخرى ، لينسحب بجسده بعيداً عنها .. لكنها اسرعت بالتشبث به وقد شعرت بتغيره هذا ، والذى لاتدرى له سببا.
تنحنى عليه تقبله بيأس تحاول اخراجه من حالته تلك باظهار مدى حبها له ان لم يكن بالكلمات ، فلتكن بالافعال لكنه ظل على حالة الجمود هذه.
حتى تسللت اليها الهزيمة حين ظل على جموده تحاول الانسحاب للخلف بعيداً عنه ، لكنها شهقت فوق شفتيه حين دس اصابعه فى خصلات شعرها يمسكها بقسو.ة من الخلف يمنع ابتعادها عنه ينقض على شفتيها يقـ.بلها
بشراسة اد.متها ، وسرقت منها الانفاس.
يتعامل معها بخشونة لم تعهدها منه حتى تركها أخيراً بشفاه دا.مية وانفاس متسارعة عالية ينظر اليها بعيون مظلمة عاصفة ، جعلت الخوف يتسرب داخلها لاول مرة منه ..
تهم بسؤاله عما به لكنه لم يمهلها الفرصة بل انسحب من الفراش يجذبها نحوه ، ليرفعها بين ذراعيه ثم يحملها ويغادر بها نحو غرفتهم يدفع بابها بعـ.نف ، ثم يتجه بها ناحية فراشهم يلقيها فوقه لتسري قشعريرة الخوف فى جسدها وهى تراه يزحف بجسده فوقها بملامحه المنقبضة الخشنة وقد ازداد ظلام وعـ.نف عينيه كوحش يستعد لانقضاض على فريسته .
****************************
جلس صباحاً يرمقها بنظراته يحاول بيأس الالتقاء بعينيها ، لكنها اخذت تتهرب منه تتصنع الانشغال بمساعدة الاطفال على تناول طعام الافطار تتجاهله تماماً ؛ فتجعله يشعر فى لحظة بمدى حقارته فلأول مرة يتعامل معها بكل هذا العنف فى علاقتهم الخاصة لدرجة اد.متها بشدة.
وقد ظهرت امام عينيه بشرة عنقها وكتفيها المكدومة نتيجة عنف شفتيه فوقهم ، لا يدرى اى جنون قد اصابه ليلة امس..
فقد اصبح الحديث عن هذا الموضوع يثير به اسوء ما فيه .. يجعله كالوحش يرغب بالتنفيس عن غضبه والظلام بداخله وقد حدث وفقد السيطرة لاول مرة وترك لظلامه السيطرة عليه لليلة امس ، ليصبح عنيفاً قاسياً معها.
وها هى النتيجة امامه تجلس امامه تتجنبه كانه مرض الطاعون ، لكنه لم يستسلم يمد يده يتلمسها وهو يناديها برقة ، لكنها اسرعت بسحب ذراعها بعيد عنه وقد ارتجف جسدها كما ظهر لعينيه بأنه رعب منه وهذا اصابه بمقتل وجعل من ضرورة حديثهم معا الآن وفوراً ..
لذا التفت نحو الاطفال يهتف قائلا بحزم
:يلا يا تالين خدى مازن وانزلى عند ماما وانا هجبلكم حاجات حلوة وانا جاى بالليل.
رفعت تالين عينيها اليه برجاء تسأله
:وتخلينا نبات هنا النهاردة كمان يا عمو؟
هم بالرد عليها لكنها اسرعت بالالتفات نحو فرح وقد ادركت بذكائها قيامه برفض طلبها ، فتحدثها تطلب منها التحدث اليه واقناعه بتوسل شديد .. جعل فرح تبتسم لها بحنان وهى تربت فوق وجنتها بحنان تهز رأسها لها بالموافقة .
ثم تلتفت اليه ببطء وتوتر ظهر بوضوح فى حركة جسدها تهمس له بصوت مرتجف رغم تهربها من النظر نحوه
:ممكن توافق يا صالح..
جعله مظهرها هذا وصوتها مرتجف يشتعل غضبا من نفسه ليأتى رفضه على طلبها غاضب حاد فيجعلها تنتفض فى مقعدها خوفاً
ورعباً منه ، وقد ازاد شحوب وجهها حتى اصبح ڪالورقة البيضاء وهى تخفض وجهها تنكمش على نفسها كطفلة صغيرة مرتعبة.
زفر بحدة يتشدد فڪه هو يراها امامه
بتلك الحالة ، تنتهى قدرته على التحمل لا يستطيع تحمل المزيد من هذا ، لينهض عن مقعده بعنف وينهضها معه يجذبها نحو صدره يحتضنها بقوة اليه ، وما ان احاطها بذراعيه حتى سقطت جميع الجواجز بينهم..
تنهار فى البكاء تدفن وجهها فى عنقه وقد تعالت شهقات بكائها تتقطع لها نياط قلبه يهمس لها بأرتجاف وصوت حمل كل اسف وندم العالم
:اسف .. والله اسف انا مش عارف حصل لى ايه ... حقك عليا مش هتتكرر تانى صدقينى..
ازداد تشبثها به كانها تجد الراحة من المها بين ذراعيه وتنسى بأنه كان المتسبب به ، ليزيد هو أيضاً من احتضانها بحماية يود لو يدسها بين ضلوعه يمتص كل حزنها والمها بداخله.
يهمس بالمزيد والمزيد من اعتذاره واسفه بصوت متوسل اجش حتى هدئت أخيراً شهقاتها ، لبيعدها عنه ببطء ينحنى عليها يقبل جفنها بنعومة يزيح بشفتيه دموعها بعيداً ، ثم ينحدر بهم بقبلات ناعمة وهى تغمض عينيها مستسلمة له تماماً..
حتى شعرت بلهيب انفاسه فوق شفتيها لتفيق من استسلامها هذا تبتعد عنه شاهقة بجزع قائلة
:صااالح ... العيااال.
زفر باحباط وقد تهدجت انفاسه يبتعد عنها هو الاخر بتردد وبطء ، يلتفت نحو الاطفال ليجدهم يتابعوا ما يحدث بعيون فضولية لا تدرك شيئ وافواهم تمضغ طعامهم ببطء ، ثم يلتفت اليها مرة اخرى يسألها برجاء وتوسل
: سامحتينى؟!
هزت رأسها له بالايجاب تبتسم له برقة لتشع عينيه بالسعادة يسألها مرة اخرى كانه يحتاج الى تأكيد اخر منها
: يعنى مش زعلانة منى خلاص يافرح؟
اومأت له مرة اخرى ليقوم بوضع كفه خلف رأسها يجذبها نحوه مقبلاً جبينها بتبجيل ورقة ، وهو يغمض عينيه براحة واطمئنان للحظات كانت لها كالبلسم يشفى المها..
قبل ان يبتعد عنها مبتسما لها بنعومة وعينيه ترق بنظراتها عليها لبرهة ثم يلتفت الاطفال هاتفا بهم بحزم
: يلا يا عيال علشان تنزلوا معايا وانا نازل الشغل.
اسرعوا بالنهوض عن مقاعدهم يسرعوا فى اتجاه الباب الخارجى يقفون فى انتظاره ليحدث فرح قائلا بهدوء
: يمكن اتاخر شوية فى الرجوع ورايا مشوار كده هخلصه ... علشان كده لو اتاخرت عليكى ابقى اتعشى انتى ونامى.
اسرعت تهز راسها له بالرفض قائلا بحزم
: لا انا هستناك لما ترجع حتى ولو بعد الفجر برضه هستناك.
ارتفعت بسمته تزين ثغره يهز رأسه لها بالموافقة ثم يهمس لها بسلام مودعا يتجه ناحية الباب يتبع الاطفال ، لكنه توقف بعد فتحه للباب يلتفت اليها مرة اخرى هامسا بنعومة وصوت اجش رائع كان كوقع الموسيقى فى اذنيها
:بت يا فرح .. هتوحشينى لحد بالليل .
التمعت عينيها يتراقص قلبها بالفرحة تهمس له بخجل وصوت مرتعش رقيق
:وانت كمان هتوحشنى .. متتأخرش عليا .
هتفت تالين بهما تقطع حديث عينيهم بعد ان طال عليها الانتظار قائلة بملل
:طيب مدام انتوا الاتنين هتوحشوا بعض خلينا كلنا هنا وبلاش حد فينا ينزل.
صدحت ضحكة فرح المرحة فى المكان بعد حديثها هذا ، بينما صالح ينحنى عليها يحملها على ذراع وعلى ذراعه الاخر اخيها قائلا بصوت حازم مرح ومشاغب
: انت مالك يا بت انت بالكلام ده .. ولا انت ما بتصدقى انتى تمسكى فى اى حاجة .. المهم انك متنزليش من هنا.
ثم اخذ يدغدغها بوجهه تتعال ضحكاتها الصاخبة حتى اختفوا خلف الباب بعد ان اغلقه خلفهم يسود الصمت المكان بعد رحيلهم تشتاقه روحها منذ الان ولم لكن يمر على غيابه عن سوى ثوانى معدودة.
***************************
فور دخولها للمكتب صباحاً واستعدادها ليوم عمل جديد
لكنها شهقت بفزع حين اتى صوت نسائى اجش من خلفها يسألها بحدة
:انتى سماح اللى شغالة هنا عند عادل المحامى؟
التفتت خلفها لتجد اثنان من النساء متشحات بالسواد داخل يبدو على ملامحهم الحدة والشراسة ، لتقف للحظات تنظر اليهم بتوجس وخشية قبل ان تهمس لهم مترددة تؤكد هويتها لهم
:ايوه انا سماح خير فى حاجة؟
لتدفعها احدهم فى كتفها بيدها هاتفة بشراسة
: طب ما تنطقى على طول .. ايه هنشحتها منك..!
تراجعت سماح للخلف بعنف اثر الدفعة تصرخ بهم بغضب
:فى ايه ياست انتى مالك وهو حد داس ليك على طرف؟
اقتربت منها السيدة الاخرى تصرخ بها
بتهدد
:بت انتى صوتك ميعلاش عليا .. اوعى تكونى فاكرة نفسك حاجة .. لا فوقى .. داحنا جيلك مخصوص نفوقك ونعرف مقامك.
صرخت بها سماح هى الاخرى وقد كسى وجهها الشراسة والغضب
:جرى ايه يا وليه منك ليها .. انتوا جاين تجروا شكل على الصبح ولا ايه .. يلا اطلعوا بره من هنا.
فور أن انتهت من صراخها حتى اندفع عادل الى داخل يسألها بحدة
:فى ايه يا سماح ايه الزعيق ده .. حصل ايه؟
وامام عينيها تبدل حال السيدتين فور رؤيته وانمحت عن وجهيهما شراستهم وحل مكانها المسكنة والحزن يلتفتون اليه تحدثه احداهما قائلة بضعف
:ينفع كده يا استاذ؟!
الابلة اللى بتشتغل معاك تبهدلنا كده وتعلى صوتها علينا!
تطلع عادل نحو سماح يجدها تهز رأسها له بالنفى ، لكنه ظهر عدم تصديقه لها فى نظراته يلتفت نحو السيدة يسألها بأدب
:خير يا حاجة حصل ايه لكل ده؟!
اجابته السيدة بصوت متحشرج وبكاء مصطنع اجادت صنعه
:أبداً محصلش مننا حاجة غير اننا سالنا عليك وكنا عاوزين نقعد نستناك بس مرضيتش وكانت عاوزة تطردنا بره وبهدلتنا يا استاذ.
مرة اخرى التفت عادل الى سماح ولكنه هذه المرة كانت عينيه تنطق بالغضب ، بينما وقفت هى كلمقيدة لايمهلاها الفرصة للنطق بكلمة دفاعا عن نفسها امام كل هذا الكذب ..
وليزاد الطين بله حين جذبت احدى السيدتين الاخرى تهتف به وهى تبكى بحرقة
:يلا بينا من هنا يا شربات والنعمة ما قعدة فى المكان ده دقيقة واحدة .. كفاية بهدلة فينا من حتة عيلة اد عيالنا.
خرجتا معا من المكتب فوراً دون اى فرصة لحديث اخر فتحدث سماح فوراً خروجهم تنفى عنها اتهامهم لها قائلة
:صدقنى يا استاذ عادل الكلام اللى بيقولوه ده محصلش وانا كنت....
قاطعها عادل بحزم وهو يتحرك من مكانه يتجه لمكتبه قائلا لها بخشونة وتجهم
: جهزى ملفات قضايا النهاردة واتاكدى من الورق كويس وحصلينى...
دخل مكتبه يغلق خلفه الباب بحدة ، اما هى فقد علمت بانها اضاعت فرصتها للدفاع عن نفسها حين صمتت وتأخرت فى دفاعها عن نفسها ، والذى ادانها امامه..
ولكن ماذا تفعل فقد اخذت على حين غرة لا تدرى كيف حدث كل هذا ولا كيف اصبحت هى المدانة فى نظره.
_______________
رواية ظلمها عشقا الفصل السابع عشر 17 - بقلم فرح صالح
بجسد متوتر وعيون قلقة جلس يحدق إلى أنامل الطبيب وهي تقلب في تلك الأوراق أمامه. يتصبب جبينه عرق الخوف كلما أطال الطبيب النظر في إحدى الورقات أمامه.
وهو عاقد لحاجبيه وعلى وجهه هذا التعبير العابس، والذي جعله يشعر كمن يجلس على جمر في انتظار قراره بشأنه. يحاول حث نفسه على الصبر وعدم القلق، لكنه فشل ولم يحتمل الصبر طويلاً. يسأله بصوت متحشرج ملهوف:
خير يا دكتور؟ التحاليل عاملة إيه؟ طمني!
لم يرفع الطبيب عينيه إليه، بل استمر في قراءة آخر ورقة بتمهل جعله يود الصراخ عليه، لعله يحصل منه على إجابة تهدئ من ذعره. وقد أصبح كقبضة خانقة تمنع عن التنفس.
تسارعت وتيرة تنفسه، تتقاذف دقات قلبه كالمطارق حين رفع الطبيب وجهه أخيراً إليه، يتحدث بصوته الهادئ العملي، والذي لم يفعل سوى أن زاد من وتيرة قلقه حين قال:
شوف يا أستاذ صالح.. مش هخبّي عليك، بس التحاليل اللي قدامي دي بتقول إننا رجعنا في طريقنا من أول تاني. بمعنى إن توقفك عن العلاج الفترة اللي فاتت دي كلها خلت تأثير فترة العلاج اللي سبقتها كأن لم تكن.
سقطت كلماته كالقنابل تدوي فوق رأس صالح. كانت كل كلمة كفيلة أن تهدمه وتحوله لركام، وقد شحب وجهه بشدة كما لو سحبت منه الحياة، ينظر إلى الطبيب بنظرات زائغة.
ليسارع الطبيب ويكمل فوراً بتأكيد:
بس أنا مش عايزك تقلق.. إحنا هنبتدي العلاج من الأول وإن شاء الله الأمل موجود.. وال...
قاطعه صالح بخفوت صوت غير واضح، مرتعش:
قد إيه...؟
يسرع الطبيب يجيبه بحزم:
سنة متواصلة زي المطلوب منك في الأول وبعد كده...
قاطعه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت حاد نافذ الصبر:
قد إيه الأمل يا دكتور؟! نفس النسبة في الأول ولا...؟
لم يستطع إتمام جملته، ينظر إلى الطبيب في انتظار إجابته كغريق ينتظر طوق نجاة يُلقى إليه وسط بحر هائج الأمواج. لكنه حصل على إجابته حين أخفض الطبيب عينيه عنه، يتظاهر بالنظر إلى الأوراق أمامه، يتحاشى النظر إليه. قائلاً بتردد ونبرة مشفقة ظهرت رغماً عنه:
علشان أكون صريح معاك يا أستاذ صالح، النسبة نزلت للنص، وكل تأخير منك بيقلل من النسبة دي.
رفع الطبيب عينيه فوراً إليه بوجه حازم جاد، وقد عاد إلى مهنيته، ينهي توتر اللحظة قائلاً بلهجة عملية حازمة:
علشان كده لازم نبتدي فور العلاج من غير تأخير، وهنبتدي بأننا هنزود جرعة......
جلس مكانه، لكن لم تعد تصله كلمات الطبيب. فقد سقط في عالم قاتم وأفكار مظلمة، ويتطلع نحوه، يتابعه بنظرات متحجرة، وقد اكتسى وجهه بالجمود. يحاول التماسك والتظاهر بالثبات، برغم تلك القبضة القاسية والتي أخذت تعتصر قلبه. يعد الدقائق حتى يستطيع الخروج من هناك، حتى يستسلم لتلك الرغبة في أن يخر على ركبتيه أرضاً والصراخ بقوة حتى يتخلص من تلك الآلام والتي أخذت تجتاحه بضراوة ووحشية حتى كادت أن تقضي عليه.
***
بعد تأخر الوقت وعدم حضور صالح حتى منتصف الليل، قررت الصعود إلى الشقة الخاصة بهم. بعد أن قضت معظم يومها مع والدته تستمتع بقضاء وقتها بالثرثرة معها. تهم بالتوجه ناحية غرفة النوم، لكن توقفت حركتها حين لمحت ظلاً يجلس في إحدى أركان غرفة المعيشة، فكاد أن يصرخ عالياً بفزع. لكنها أسرعت بتماسك عند تبينها هوية الجالس، لتتنهد براحة.
وهي تسير نحوه قائلة بأنفاس مخطوفة:
حرام عليك يا صالح، والله اتخضيت وكنت....
توقفت عن إكمال حديثها عندما لاحظت حالته التي يبدو عليها. فقد تشعث شعره وفقدت ملابسه ترتيبها وهندامها. تتقدم نحوه وهي تنظر إلى وجهه بملامحه الجامدة وجلسته التي توحي بخطب ما. فقد جلس يستند بمرفقيه على ركبتيه، يخفض رأسه أرضاً، وبين أصابعه لفافة التبغ قد احترقت قرب النهاية دون أن تمسها شفتيه.
لتسأله بقلق وتوجس وقد أرعبتها حالته هذه:
مالك يا صالح.. انت قاعد عندك كده ليه.. وبعدين انت هنا من إمتى!
ظل على وضعه ولم يجيبها، بل إنه حتى بدا كأنه لا يشعر بوجودها من الأساس. لتقترب منه، تجلس بجواره، تمسك بلفافة التبغ من بين أنامله، تلقي بها في مكانها المخصص. ثم تمسك بيده بين يديها. وقد أدركت أنه ما زال يأنب نفسه بسبب ما حدث بينهم ليلة أمس، ظناً منه أنها ما زالت في داخلها شيئاً منه.
لذا ألقت برأسها فوق كتفه ويدها ما زالت تحتضن يده، قائلة بمرح حاولت به إظهار نسيانها لكل ما حدث:
طيب لما انت هنا من بدري مش تعرفني... ده أنا حتى هموت من الجوع... أنا هقوم حالا أجهز الأكل لينا سوا.
أتبعت بالفعل كلامها بالنهوض من مكانها تتجه للمطبخ، لكن توقفت بعد خطوة واحدة حين تشبث بيدها يجذبها إليه قائلاً بصوت متحشرج خشن كأنه يعاني صعوبة في الحديث:
اقعدي يا فرح، في موضوع عايزك فيه.
توتر جسدها، ترتجف قدماها. فلم يكن هذا صالح الذي تعرفه، حتى عندما رأت من جانب أخافها ليلة أمس. لم يكن كهذا الجانب الذي تراه منه الآن، تشعر بوجود خطب ما أكبر من كل ظنونها. لذا جلست هذه المرة بجواره، ولكن لم تكن تنفيذاً لأمره أكثر من عدم قدرة قدميها على حملها.
تراه يعتدل في جلسته، يتطلع أمامه بوجهه الجامد وجسد مشدود يشع منه توتر انتقل إليها هي الأخرى. وللحظات ساد بينهم صمت قاتل حاد، أخذ فيه قلقها وخوفها ينهشها فيه.
في انتظار حديثه، يدور في عقلها ألف سؤال وسؤال، يتلاعب بها شيطانها بأسوأ التصورات، حتى زفر بعمق كأنه يستعد لما هو قادم. يعود لوضع جلسته الأولى بصوت مرهق، متحشرج، تحدث قائلاً:
إنتي من يوم جوازنا وإنتي نفسك تعرفي أنا وأماني سيبنا بعض ليه، مش كده؟!
انقبض صدرها وضاق بأنفاسها حتى كادت أن تختنق حين نطق شفتيه باسمها. لكنها أجبرت نفسها على التماسك، تومئ له دون شعور وعيناها تنصب عليه. تراه يغمض عينيه زافراً بحرقة مرة أخرى قبل أن يتحدث قائلاً باستسلام وصوت مرهق:
وأنا هقولك ليه يا فرح.. أنا وأماني اتطلقنا علشان... علشان... أنا مبخلفش يا فرح.
ظلت تحدق به كالبلهاء، عيناها متسعة ذهولاً. وقد سمعت ما قاله واستوعبته تماماً، لكن عقلها رفض التصديق. تسأله كالبلهاء وبتلعثم:
انت بتقول إيه... مين ده اللي مش بيخلف؟!
التفت إليها ببطء، وما رأت على وجهه من مشاعر جعل الدموع الساخنة تجري فوق وجهها. ترى الحقيقة على ملامحه، لا تترك لها الفرصة غير التصديق. عيناها مصدومة، جسدها بارد برودة الصقيع. بألم وكسرة، العالم كله تحدثت له:
يعني هي طلقتها علشان كده... طب وأنا... معرفتنيش ليه... كنت بتتجوزني ليه وانت مخبي عليا حاجة زي كده؟؟
نهض من مقعده، يلتفت لها صارخاً بعنف وملامح وجهه تنطق بالعذاب وقد قتله سؤالها والكسرة به:
اتجوزتك علشان....
صمت عن إتمام جملته. لم يستطع لسانه النطق بها، رغم تلهفه لقولها. ولكن كبرياءه أبى عليه في تلك اللحظة بذلك. لا يستطيع البوح بالمزيد، يكفيه اعتراف واحد.
لتنهض عن مقعدها، تصرخ به هي الأخرى بعنف وغضب وعيناها مشتعلة برغم الدموع بها:
علشان إيه يا صالح؟! كمل وقولي علشان إيه... ولا تكمل ليه... أنا اللي هقولك علشان إيه....
تحشرج صوتها، ترتجف نبراته بكسرة المهانة. بالكاد استطاعت إخراج صوتها، تكمل وهي تشير إلى نفسها قائلة:
علشان عيلة غلبانة وهتسكت علشان تعيش... وقولت في بالك هترضى ب اللي مرضيتش بيه بنت الحسب والنسب... مش كده يا صالح؟ مش ده السبب يا ابن كبير الحتة!!
جعلته كلماتها ينتفض واقفاً، تتسع عيناه وهو ينظر إليها مصدوم. فقد حضر لذهنه جميع ردات الفعل إلا هذا. ولم يفكر ولو للحظة واحدة أنها ستسيء الظن به إلى هذا الحد وتتهمه بهذا الاتهام. نعم، من حقها الغضب والصراخ عليه بكل التهم، لكنه يتخيل أن تقلل منه إلى تلك الدرجة وتسحق كبرياءه بكلامها المسموم، تغرسه في صدره كالخنجر دون رأفة. ليهمس لها بخيبة أمل واحتقار للفكرة:
للدرجة دي...؟! خلاص بقيت في نظرك محتاج ألف وأدور علشان ألاقي واحدة تقبل بيا وبعيبي... صغرت في عينك أوي كده بعد ما عرفتي الحقيقة؟
بهتت ملامحها وقد أدركت ما تفوهت به وكيف كانت كلماتها قاسية. لكنها تتألم أيضاً، تشعر ببركان ثائر بداخلها يلقي بحممه يشعلها. تهم بالرد عليه، ولكنه في أقل من ثانية كان يختطف متعلقاته من فوق الطاولة ثم يغادر المكان فوراً بخطوات سريعة وجسده متصلب.
تسمع الباب الخارجي يغلق خلفه بعنف، ارتجت له الجدران. لتنهار قدماها أرضاً، قد أصبحت كهلام. يرتجف جسدها بالكامل، تشعر بالبرد يتغلغل أوصالها وهي تنظر للباب المغلق بعيون مذهولة. تغسل الدموع وجهها، ويمزقها عذاب خذلانه لها. نعم، فقد خذلها وخذل قلبها وجعلها تشعر كم هي قليلة له، ولن تستطيع تجاوز ما حدث منه أبداً.
************************
بعد مرور عدة أيام على تلك الأحداث، كانت تسير في طريقها للمنزل بخطوات بطيئة وعقل شارد، منشغل بالتفكير فيما حدث منذ يومين داخل المكتب وما تبعه من أحداث وتوتر في علاقتها معه. وكيف أصبح كثير التعصب والغضب عليها. لتتلاشى هذا، تفضل أن تترك العمل باكراً عن موعدها قبل أن تنفجر به بعد أن تطفح بها الكيل منه ومن تعامله الحاد معها.
لتقترب بخطواتها من المحل الخاص بأنور ظاظا، تمر من جواره. ليتعالى صوت أنور وقد وقف خارجه يناديها لها بصوت جهوري حاد:
لؤاخذة يا أبلة سماح.. كنت عايزك في كلمتين كده...
توقفت سماح وقد توتر كل عصب بها. تسأله بتوجس وقلق:
أنا يا معلم أنور.. خير، في إيه؟!
ابتسم لها أنور بسماجة قائلاً:
وده ينفع يا أبلة نتكلم في الشارع.. اتفضلي عندي المحل نقول الكلمتين.
أومأت له بالموافقة رغم صوت عقلها الذي يطالبها برفض طلبه. تتقدم لداخل المحل خلفه، يشير لها بالجلوس على إحدى المقاعد، لكنها هزت رأسها بالرفض. ليهتف أنور بسخرية:
خلاص براحتك يا أبلة.....
جلس هو في إحدى المقاعد يتطلع نحوها للحظات، قائلاً بعدها بصوت متهدج من الشوق الملتمع في عينيه:
كنت عاوز أسألك عن فرح وإزاي أخبارها... بتشوفيها... حالها يعني كويس ومبسوطة مع مخفي جوزها ولا.....؟
هتفت به سماح بحدة تنهره، توقفه عن إكمال الباقي من حديثه قائلة:
بقولك إيه يا معلم أنور.. شيل فرح من دماغك.. ولو إنت جايبني علشان تتكلم معايا في الكلام الفارغ ده، يبقى عن إذنك.
بالفعل استدارت للمغادرة، ولكنه هب واقفاً، يمسك بمعصمها بقسوة يوقفها عن الحركة، يضغط بأصابعه فوقه وقد احتقن وجهه بالغضب، يفح من بين أسنانه:
على فين؟ أنا لسه مخلصتش كلامي..
وقفت تنظر إليه برعب، تلعن نفسها لدخولها هذا المكان. وهي تحاول جذب يدها من بين قبضته المتشبثة بها بقوة كادت تدميها. لترتفع ابتسامة شرسة على وجهه وقد شعر برعبها منه، يكمل:
متخلنيش أزعل منك بقى... وردي عليا وعرفيني.
في تلك الأثناء، كان صالح يمر بسيارته بجوار المحل يتخطاه، لكنه عاود الرجوع للخلف مرة أخرى عند لمحه وجود سماح داخل المحل. يرى تلك النظرة المرتعبة على وجهها وذلك الحقير يمسك بيدها، ليندفع الدم إلى رأسه يعميه الغضب. يندفع لداخل المحل، يصرخ بغضب في أنور:
سيب إيدها يا ابن الـ.... انت ماسكها كده ليه؟
قفز أنور إلى الخلف مرتعباً، يترك يد سماح على الفور، يهتف بجزع:
أبدا يا صالح باشا.. دا أنا.. دا أنا كنت عايز الأبلة في كلمتين.
تحدث صالح إلى سماح، وما زالت عيناه تقع فوق أنور، قائلاً بهدوء شديد:
روحي انتي يا سماح، وحسك عينك أشوف واقفة مع ابن الـ... ده تاني.
أسرعت سماح تهز رأسها بالإيجاب، ثم تفر من المكان بأقدام مرتعشة، تحمد الله لدخول صالح في الوقت المناسب. فلولا تدخله لم تكن تعلم كيفية التصرف مع هذا المجنون.
بينما صالح يقترب من أنور بخطوات بطيئة وعينيه تنطق بالشر، يفح من أسنانه ببطء بكلمات غاضبة:
أظن.. يا أنور.. إني.. نبهت عليك.. قبل كده بدل المرة اتنين.. بس الظاهر إن العلقة بتاعت المرة اللي فاتت وحشتك.
كان أنور يتراجع في خطواته للخلف أمام تقدم صالح منه. لكن وعند ارتطام ظهره بالحائط خلفه، أدرك أن لا مفر أمامه، ليسرع هاتفا بشجاعة مزيفة، كذبها شحوب وجهه وخوف عينيه:
جرى إيه يا صالح؟ انت هتضربني في محلي ولا إيه؟ الدنيا مش سايبة وفي حكومة في البلد.
ضربه صالح في كتفه بظهر يده بعنف قائلاً بشراسة:
وأضربك قدام الحارة كلها يا ظاظا، وأعلى ما في خيلك أركبه.. وعاوز أشوف آخرك إيه.
ووقف يتحداه بعينيه، يستعد جسده للمعركة وقد تشددت كل عضلة به. ليدرك أنور أنه هالك لا محالة. قبل أن تقفز تلك فكرة شيطانية إلى عقله، قد يستطيع بها إلهاء صالح عنه وعن فعلته، يقلب بها الأمور على من يدافع عنهم، قائلاً بخوف مصطنع:
آه.. ليك حق تعمل أكتر من كده.. وتستقوى على الكل، وأولهم نسايبك اللي خايفين منك مش قادرين يفتحوا بقهم بعد ما عرفوا ببلوتك.
أدرك أنه أخطأ في حساباته، فبدلاً من أن تلهيه كلماته الحمقاء عنه، زادت من إشعاله أكثر بعد أن قبض صالح فوق عنقه يكاد أن يزهق روحه، يسأله بفحيح:
تقصد إيه ببلوتي.. ونسايب مين اللي بتتكلم عنهم؟!
حاول أنور الفكاك من قبضته، لكن زاد صالح من الضغط حتى احتقن وجهه بالدماء وجحظت عيناه، تسود الرؤية أمامه. ليسرع في إجابته بصوت مخنوق خافت، هرباً من طريق الموت:
نسيبك مليجي... جالي هنا وقال لي.... إنك مش بتخلف... وإنك متجوز فرح... علشان غلبانة وهتسكت وترضى تعيش.
انحلت قبضة صالح ببطء عن عنقه، يتراجع للخلف باهتزاز كالمصعوق، بجسد متجمد ووجه شاحب كالموتى، كما لو سحبت منه الحياة. ينظر في وجهه بعيون زجاجية باردة، يتطلع بها نحو أنور للحظات، جعلت من قدمي أنور تتخبط مفاصلها، يرتجف رعباً حين عاود صالح التقدم نحوه بتهديد مرة أخرى، خطوة واحدة. ليدرك هذه المرة بأنه هالك لا محالة. لكن توقف صالح عن الحركة مرة أخرى، قبل أن يسرع بعدها ويغادر المكان فوراً دون أن ينبس ببنت شفة.
ليسقط أنور أرضاً شاهقاً بعنف، طالباً للهواء، يدلك عنقه المكدوم، قائلاً بارتجاف وصوت متحشرج:
يا سنة سودة عليك يا أنور.... أنا إيه اللي هببته ده؟ كده الموضوع وسع مني وهروح فيه في داهية.
نهض بتعب على قدميه، يخرج هاتفه من داخل سرواله، قائلاً بتوتر:
لااا.. أنا الحق أتصل بمليجي الغبي أفهمه على الليلة قبل ما صالح يوصله.. وإلا ساعتها هيقروا على روحي الفاتحة.
رفع هاتفه يتحدث به بلهجة آمرة خشنة:
أيوه يا مليجي... عايزك تجيلي حالا على الشقة إياها.. عايزك في مصلحة ليك فيها قرشين حلوين.
أنهى الاتصال فور، ترتفع ابتسامة خبيثة لشفتاه، هامساً:
ومدام فيها قرشين مليجي يرمي نفسه في النار.. بس على الله كل حاجة تمشي مظبوط، وإلا ساعتها هيقروا على روحي أنا الفاتحة.
**************************
استقلت فوق الفراش تنظر إلى سقف الغرفة، ساهمة بوجهها الشاحب وعيناها مسهدة، تحيط بها الهالات السوداء كدليل على أن النوم يجافيها منذ رحيله. منذ ثلاثة أيام لم يأتِ فيها إلى المنزل ولو حتى للحظة، بعد أن تحجج لعائلته بحاجته للسفر إلى إحدى المدن لإنهاء عدة أوراق خاصة بالجمارك. ليصدق الجميع حجته هذه إلا هي.
فبعد أن حاولت عدة مرات الاتصال به، لكنها كانت تسرع في إنهاء المكالمة قبل بدء هاتفه بالرنين. فماذا ستقول له؟ ولا كانت حتى تدري بأي كلمة ستبدأ حديثها معه. فهي إلى الآن ما زالت تحت تأثير صدمة ما أخبرها به. ما زالت تشعر بألم خداعه واستهانته بها. تعاود تذكر أحداث أيامهم سوياً، تتذكر كل شيء وكل مرة ذكرت فيها عشقها ورغبتها في إنجاب طفل منه، وكيف كان يتبدل حاله إلى النقيض في كل مرة، ويصير شخصاً آخر لا تعرفه، يملأه الظلام، تخافه وتخشاه. وأقربهم منذ يومين وقسوته في التعامل معها في علاقتهم الخاصة، وقتها لم تفهم سبب تحوله ذاك.
أما الآن، فأصبح كل شيء واضح لديها، كوضح سبب زواجه منها حين وجد بها ضالته ورأى فيها شخصية ضعيفة سترضى بما رفضته غيرها يوماً. رغم أنها لا تنكر ضعفها، وأنها لو كان أعلمها منذ البداية ما رفضت أبداً أن تربط حياتها به، ولم تهتم بشيء آخر سواه. لكنها الآن تتخبط داخل تلك الدوامة تبتلعها داخلها ولا تدري لها نهاية.
لذا استسلمت لأمر، ولم تحاول مرة أخرى الاتصال به، تقنع نفسها أنه من الأفضل لهم الابتعاد لفترة، لعل تهدأ فيها نفوسهم وتتضح لها وله رؤية الأشياء.
زفرت بحزن، تغمض عينيها بتعب للحظات. لم يرحمها فيها التفكير حتى. تعال صوت رنين هاتفها، لتسرع في الاعتدال في جلستها، تختطف الهاتف وقلبها يرتجف بين جنباتها بتوقع وأمل، وهي تنظر إلى هوية المتصل. لكن سرعان ما تحولت إلى خيبة أمل عند رؤية اسم شقيقتها. لتفتح الاتصال، تجيبها بمهود، تلقي عليها السلام. لتسألها سماح بعدها:
بنت جوزك رجع النهارده.. وكان..
قاطعتها فرح بلهفة وسعادة:
بجد يا سماح.. شوفتيه فين.. طيب حاله عامل إيه.. طيب وهو كويس يا سماح؟!
أسرعت سماح تجيبها، تحاول طمأنتها قائلة بصوت مشفق:
كويس يا قلب أختك، متقلقيش عليه.. هو بس...
تقطع صوتها، تصمت عن الحديث بعدها. لتسألها فرح بقلق:
هو إيه يا سماح.. كملي متقلقنيش.
ازدردت سماح لعابها بصعوبة وتردد، قبل أن تقص عليها ما حدث منذ قليل. فكانت أثناء حديثها تفور دماء فرح بالغضب، حتى انتهت سماح لتسألها بقلق، تقاطعها حين أتت على ذكر صالح وحضوره للمكان، تهتف بجزع:
نهار أسود.. وعمل فيه حاجة يا بت.. أكيد ضربه.. أنا كنت عارفة إن الزفت ده مش هيرتاح إلا لما صالح يطلع روحه في إيديه.
أجابتها سماح بتأكيد:
هو اللي كان يشوف شكل جوزك وهو داخل المحل يقول هيرتكب جناية.. بس متخفيش، محصلش حاجة. أنا متحركتش غير لما جوزك خرج من عند المخفي ده واطمنت عليه.
وضعت فرح يدها فوق صدرها، زافرة براحة. بينما سماح تكمل بقلق وخوف:
بس يا بت أنا خايفة من المخفي أنور ده... بقت عينه قادرة علينا ومبقاش بيهمه حد.
ارتفع غضب فرح يعميها، وهي تصرخ بصوت حاد وعنيف:
لااا.. على نفسه... ده أنا أفضحه قدام الحارة كلها... هو فاكر إيه.. علشان غلابة وملناش ضهر هنسكت.. لا يصحى ويفوق... إلا وربي أعرفه مقامه.
ارتفع صوتها تهز أرجاء الغرفة، فيصل صراخها لذلك الواقف على بابها، وقد غادر عقله المنطق والتعقل. يتشدد فكه بصلابة، وقد تشكلت يداه إلى قبضات. يحني رأسه باهتياج، يرتفع صدره صعوداً وهبوطاً بعنف وغضب مكبوت، وقد عاودته ذكرى أخرى قد سمع فيها لكلمات مشابهة لكلماتها تلك.
*****************
بعد مرور أكثر من ساعة، حاول فيها إقناع مليجي بما يريده منه، بعد أن قص عليه ما حدث في محله وحديثه المتهور مع صالح. أخذ أنور ينظر إليه وهو يجوب الغرفة بعصبية وقلق، قبل أن يلتفت إليه هاتفا:
بس كده يا برنس، انت بتحطني في وش المدفع.. وصالح لو عرف بالليلة دي، قليل لو ما ولع فيا وسط الحارة.
نهض أنور على قدميه مقترباً منه قائلاً بهدوء وإقناع:
وصالح هيوصل ليك إزاي؟ متخافش، إنت تسمع بس الكلام وتقعد هنا الفترة دي ومتتحركش.. وليك عليا ياسيدي أكلك وشربك ومزاجك يوصل لحد عندك كل يوم.. ده غير القرشين الحلوين اللي هيدفوا جيبك.
ظهر التردد فوق وجهه مليجي للحظة، تطلع فيها إليه أنور بلهفة وأمل، قبل أن يهز مليجي رأسه بالرفض قائلاً بخوف:
لااا يا عم، ياروح ما بعدك روح.. بعدين هو صالح هتعدي عليه كده؟ بعدين زمان البت فرح عرفته إني ولا أعرف حاجة عن الليلة دي كلها.
أنور بصوت مقنع ملح:
وإحنا مالنا ومال فرح دلوقتي؟ وبعدين تفتكر بنت اختك عارفة حاجة عن الموضوع ده وهتبقى عادي كده؟ وبعدين إنت عرفت من بره وجيت فضفضت مع أخوك وحبيبك أنور من كتر الهم والحزن اللي كان على قلبك.. ها؟ قولت إيه؟
همهم مليجي بصوت خافت محتقر:
وأنور أخويا وحبيبي طلع واطي وجبان ودااني في داهية علشان يخلص نفسه هو.
سأله أنور عما يقول بحيرة، ليسرع مليجي بتمالك نفسه، وقد حسبها ووجد أنه في كلتا الحالتين تورط بالأمر. فإن وافق، وضع نفسه تحت رحمة صالح، وإن رفض، فلن يتركه أنور إلا بعد أن يجعله يدفع ثمن رفضه لطلبه هذا. لذا فليختر من بين الأمرين ما سيجعله يخرج رابحاً مستفيداً منه.
لذا تنفس بعمق، يجيب أنور بحزم وثبات:
موافق يا برنس... بس الأول أعرف هطلع من الليلة دي بكام!
رواية ظلمها عشقا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فرح صالح
بتكلمى مين؟
شهقت بفزع تلتفت خلفها لتراه يقف ورائها تماما وجهه مكفهر وعينيه الحادة تمر فوقها كحد سكين لترتجف بخوف وهى تجيبه بصوت متلعثم: دى سماح اختى .. كنا بنتكلم عن .. عن....
فى طرفة عين كان امامها يقبض فوق وجنتيها باصابعه يضغطها بقسوة وهو يفح من بين انفاسه: عن ايه انطقي .. عاوز اسمع كنتوا بتتكلموا عن ايه .. ولا تحبي اقولك انا بتتكلموا عن ايه ... طبعاً عن جوزتك السودا وحظك المهبب اللي وقعك فيا مش كده؟
حاولت هز رأسها له بالنفي، عينيها تنطق بالصدمة لما تسمعه منه، ولكن قسوة قبضته منعها من التحرك وقد اغرورقت عينيها بالدموع والخوف.
تحاول التحدث تنفي عنها اتهامه لكن صوتها لم يخرج سوى بهمهات متقطعة: أبداً .. والله .. أبداً .. محصلش .. انا كنت بكلمها عن..
ازدادت اصابعه بالضغط عليها بوحشية حتى كاد ان يقتلع فكها بيده، عينيه تتحول للوحشية يضغط فوق حروف كلماته بشدة قائلا بازدراء وبصوت شرس: كدابة واحقر خلق الله .. وكان لازم اعرف ان ده هيحصل من زمان.
دفعها عنه بقسوة حتى كادت ان تسقط ارضاً لكنها تمالكت نفسها تنظر اليه بوجهه شاحب، تتسع عينيها وهى تتطلع اليه بذهول وصدمة تشير الى صدرها بيدها ترتعش شفتيها وهى تحاول اخراج صوتها من بينهم تسأله بصعوبة وخفوت: انا يا صالح .. بتقولي انا كده؟!
لم يجيبها بل اخذ يدور في ارجاء الغرفة كأسد مجروح حبيس يتحدث لنفسه بذهول محتقر: يومين بس ومقدرتيش تستحملي غيرهم .. وجريتي بعدها تحكي وتشتكي .. ده اماني حتى بعد ما طلقتها معملتش اللي انتي عملتيه..!
وقفت كتمثال صخري تنظر اليه، تصلها اتهاماته كحمم تصب في اذانها تصارع الالم في قلبها وتناضل للوقوف على قدميها وهي تسمع منه اتهاماته وسوء ظنه بها.. لا تدري ماذا فعلت حتى تنال منه كل هذا، حتى اتى على ذكرها لتصرخ بصوت باكي منهار توقفه عن قول المزيد: بس كفاية لحد كده .. انا مبقتش مستحملة اسمع حاجة تاني منك.
توقفت خطواته ينظر ناحيتها تلتمع عينيه بالغل والغضب ترتفع ابتسامة شرسة فوق شفتيه وهو يسألها بفحيح وحشي: بتوجعك سيرتها اوي؟! وبتكرهي تسمعي اسمها مش كده؟! عارفة ليه؟! علشان بتعرفك قيمتك وانها انضف واحسن منك مليون مرة.
لو كانت الكلمات تقتل لسقطت الان تحت اقدامه جثة هامدة لكنها لم تكن تملك تلك الرفاهية، بل وقفت امامه تنزل دموعها تغرق وجهها تقف عاجزة غير قادرة حتى على ان ترمش وعينيها مجمدة فوقه.
يظهر عذابها والمها داخلهم بينما هو وقف في مواجهتها ينقبض قلبه لرؤيته لها بتلك الحالة امامه بعد كلماته القاسية تلك يشعر بالدنائة والاحتقار لما قاله، راغبا بضمها اليه معتذرا عن قسوته؛ لكنه سرعان ما نفض عنه احساسه هذا يلعن عشقه لها فلا مزيد من ضعف وخضوع قلبه لها بعد الان.
يراها تتقدم منه ببطء وخطوات متعثرة كأنها تجد صعوبة في الحفاظ على توازنها وتلك النظرة بعينيها كأنها هي من تعرضت للغدر هنا وليس هو تهمس بصعوبة من بين شهقات بكائها: عمري ما هنسالك اللي سمعته منك ده .. ولا هسامحك على اللي خلتني احسه دلوقتي.
وبرغم الرجفة في قلبه وشعوره بالضعف لرؤيته لها تتألم امامه هكذا؛ الا انه ابتسم ساخرا باحتقار قائلا بصوت غير مبالي: وتفتكري ان دي حاجة تهمني .. فقي واعرفي مقامك ايه من النهاردة!
طعنها بكلماته دون شفقة تترنح من قسوتها ثم تركها وخرج من الغرفة كأنه لم يعد يحتمل وجوده معها في مكان واحد، ما هي الا ثواني حتى سمعت الباب الخارجي يغلق بعنف ارتجت له الارجاء، لتقف مكانها يتوسلها جسدها حتى ينهار ارضا، لكنها تجاهلته تمسح دموعها بتصميم تسير هي الاخرى نحو الخارج تحث جسدها على الصمود والتحرك فلم يحن وقت الانهيار الان.
***
اسبوع مر عليها كالدهر الى الان وهي مازالت في منزل اهلها، تجلس في فراشها القديم جسد بلا روح بوجه شاحب وعيون غائرة، تضم ركبتيها الى صدرها وهي تستند برأسها عليهم.
تتطلع الى الفراغ كالمغيبة، بينما يظل عقلها يعيد عليها شريط تلك اللحظات مرات ومرات حاولت فيهم وضع يدها على ما اقترفته في حقه من ذنب.. حتى يؤلمها بتلك الطريقة لكنها لا تستطيع ان تعلم اين يقع خطأها.
فهي المجني عليها هنا وليست الجانية كما صور لها بسوء ظنه بها، فهو من تزوجها عن خداع ولم يعطيها ابسط حق لها في الاختيار، لا تنكر بانها كانت قاسية في حديثها معه عند معرفتها بالامر، لكن كان هذا رغما عنها.. فقد تعرضت لصدمة اطارت منها تعقلها كله ولم تكن ابدا سترفض الاستمرار معه بعد علمها بالحقيقة، فيكفيها هو من العالم كله، لكنه لم يعطها الفرصة حتى لتخبره بهذا بعد كلماته القاسية كطلقات الرصاص والتي استقرت في صدرها.
مقارنته غير العادلة بينها وبين الاخرى فهي لم تخنه ولم تخرج سره حتى لاختها كما اتهمها لمجرد سماعه لحديث اساء فهمه ولم يعطيها الفرصة حتى لدافعها عنها نفسها، يكلل لها الاتهامات ثم خرج من الغرفة ومن المنزل كله بعدها لم تجد هي امامها سوى تصرف واحد اهتدى له عقلها وفي تلك اللحظة، فقد كانت تحتاج لمن يهدئها ويحنو عليها تسير ناحية الباب تخرج من المنزل هي الاخرى كالمغيبة تصل الى منزل اهلها، لتلقي بنفسها في احضان شقيقتها تبكي بحرقة وشهقات متألمة حتى اصاب الهلع سماح وهي تحاول الاستفهام منها عما حدث.. لكنها لم تستطع اخبارها بما جرى بينهم والى الان لم تخبرها بما حدث بينهم ولا سبب تركها للمنزل.
تسقط بعدها في النوم مرهقة افاقت منه على رنين هاتف وصوت شقيقتها تتحدث فيه بخفوت: ايوه هي هنا معايا .. بس نايمة دلوقتي.
شعرت بالتردد والقلق في صوت شقيقتها لتعلم هوية المتصل حين قالت: حاضر يا صالح هقولها ... لما تصحى.
اغلقت الخط تنظر بعدها امامها بوجوم لتلتفت ناحية فرح حين شعرت بتحركها في الفراش تبتسم لها بصعوبة قائلة بمرح مصطنع: صح النوم يا ابلة ... ايه كل النوم ده ... جاية تنامي عندنا ولا ايه!
اعتدلت فرح في الفراش بصعوبة تسألها بصوت اجش مجهد: صالح اللي كان بيتكلم مش كده؟
ظهرت الارتباك على ملامح سماح تهز رأسها بالايجاب وهي تتحاشى النظر في عينيها، لتسألها فرح عما اراده لكن سماح نهضت سريعا من مكانها تهتف بعجالة: هقوم احضلك حاجة تاكليها واجيلك.
هتفت بها فرح بغضب وبصوت مختنق باكي: كان عاوز ايه يا سماح ... ردي عليا قالك ايه!
وقفت سماح تعطى لها ظهرها تخبرها بصوت متحشرج مشفق: كان عاوز يطمن انتي هنا ولا لا ولما عرف قال اقولك .. اقولك تخليكي براحتك هنا كام يوم لحد ما يبقى يجي ياخدك هو.
ابتسمت بمرارة لا تعلم لما لم يفاجئها الامر كانها تجده تصرف طبيعي منه لم يصدمها وتنفيذا لطلبه ها هي الان مازالت في مكانها دون ان يجد عليها جديد.
انتبهت على صوت فتح الباب ودخول سماح وقد تهيئت للذهاب للعمل قائلة بحنان: انا رايحة على الشغل مش عاوزة مني حاجة قبل ما امشي!
هزت لها رأسها بضعف بالنفي لتكمل سماح: طيب انا جهزت الفطار ليكي برة .. والعيال ومرات خالك خرجوا من بدري مش هيرجعوا الا على المغرب .. يعني افطري ونامي شوية وارتاحي عما نرجع اتفقنا..!
اومأت لها ببطء مرة اخرى تعاود نظراتها الشرود، لتقف سماح تتطلع نحوها بشفقة وحزن قبل ان تتنهد تخرج من الغرفة، بينما ظلت فرح جالسة مكانها كما هي في عالم اخر يمر عليها الوقت ببطء حتى سمعت طرقات فوق الباب الخارجي حاولت تجاهلها في البداية...
لكنها واصلت الطرق بألحاح جعلها تنهض ببطء وتعثر حتى الباب تفتحه لتتسع عينيها بذهول وهي تهتف بتساؤل واحتقار: انت؟! عاوز ايه .. خالي مش هنا .. ولا حد تاني هنا!
اجابها صوته المرتجف وعينيه تمر عليها بشهوة اصابتها بالنفور والتقزز كحالها دائما عند رؤيته، لتسرع في ظبط حجابها فوق رأسها بتعثر تحجب نفسها عن نظراته تلك وهو يقول: انا جاي عشانك انتي يا فرح .. جاي اطمن عليكي وعلى حالك.
توحشت نظرات عينيها قائلة بغضب: وانا مش عاوزة اشوف خلقتك .. وامشي من هنا بكرامتك بدل ما تنزل من غيرها.
اقترب منها يحاول الدخول عنوة لا يبالي لحديثها ولا لغضبها قائلا بتلهف متوسلا: انا بس كنت عاوز اقولك ان انا في ضهرك .. ومستعد من جنيه لمليون لو عاوزة تخلصي منه.
توقفت بغتة عن محاولتها دفع الباب في وجهه تسأله بحدة: وانت عرفت منين اني زعلانة مع صالح!؟
توتر وجه انور يتلعثم في حديثه قائلا: ها عرفت .. عرفت من خالك .. وبعدين ما كل الحارة عارفة انك هنا زعلانة وسايبة البيت ليه.
لوت فرح شفتيها قائلة بسخرية: ااه قولت لي .. بس اللي متعرفوش بقى ان انا لا يمكن اسيب صالح ولو علشاند عمري كله .. فهمت ولا تحب تفهم بطريقة تانية.
تراجع كالمصعوق حين وجدها تنحني على حذائها ترفعه في وجهه وهي تصرخ به بحدة وغضب: هتمشي من هنا ولا اعرفك شغلك ومقامك واخلى اللي ميشترى يتفرج عليك يا راجل يا ناقص يا عايب يا جوز الاتنين انت!
لم ينتظر مكانه طويلا يهرول هاربا من امامها خوفا من الفضيحة حين رأها تهجم نحوه، وقد رأى العزم والتصميم على وجهها على فعلها حقا به، ينزل الدرج كل اثنان معا يسقط ارضا في اخره بعنف ثم يعتدل واقفا مرة اخرى.. يجرى فوراً في الشارع غافلا عن وقوف حسن امام المقهى المقابل للمنزل مع احدى الاشخاص، وقد لمح خروجه من المنزل بتلك الطريقة ليعقد حاجبيه بقلق وتفكير لبرهة قبل يستأذن من صديقه، يسرع في اتجاه منزلهم وقد وجد ان من الواجب عليه ان يخبر شقيقه بما رأى وهو عليه حرية التصرف.
***
استاذ عادل .. ممكن اكلم حضرتك كلمتين!
لم يرفع عينيه اليها يستمر في النظر الى الاوراق امامه، وقد اصبح في الفترة الاخيرة يتعامل معها برودة وعدائية.. جعلت من جو المكتب بينهم دائما في حالة توتر وضغط، لكنه وجد ان هذا هو الحل الانسب حتى يستطيع تخطي تلك المشاعر والتي اصبحت تنتابه نحوها.. يتحاشى النظر اليها حتى لا ترى تلك النظرة بعينه نحوها فهو يكره نفسه ويحتقرها اضعافا بسببها ولا يرغب في رؤية المزيد منها هي ايضا.. يعلم جيدا انه اصبح يتصيد لها الاخطاء وبات عنيف وكثير التذمر منها لذا اجابها بصوت حاد متذمر: مش وقته يا سماح انا مشغول .. ولازم اخلص الورق ده حالا .. مدام مفيش حد بيشتغل هنا غيري.
احتقن وجهها بالدماء تشعر بالحرج منه ومن تلميحاته المستمرة عن عدم كفائتها في العمل والتي اصبحت تلازم حديثه معها في الفترة الاخيرة لتتنفس بعمق قائلة بصوت اجش حازم: عشان كده كنت عاوزة اكلم حضرتك واقولك اني هسيب الشغل من اول الشهر.
رفع وجهه ببطء نحوها ينظر اليها بصدمة وعدم تصديق لتهز رأسها تكمل بصوت شجاع رغم الارتجافة به: انا شايفة اني مش نافعة في شغل المكتب وزي ما حضرتك قولت انك اللي قايم بكل حاجة فيه .. يبقى الافضل تشوف واحدة غيري تفهم في الشغل احسن مني.
هب واقفا يخبط بكفيه فوق المكتب بعنف جعلها تهب بفزع وهو يهتف بها غاضبا: نعم اسمعيني تاني كده .. يعني ايه كلامك ده يا ست سماح!
فتحت شفتيها المرتعشة تهم باعادة ما قالته مرة اخرى، لكنها توقفت تطبق شفتيها معا حين صرخ بها مرة اخرى وقد اعماه غضبه تماما: مش عاوز اسمع حاجة تاني عن الموضوع ده وانسى خالص الهبل ده .. مفيش حاجة اسمها اسيب الشغل فاهمة ولا لا؟
غصت بالخوف منه لكنها اسرعت تجيبه بثبات قدر استطاعتها لا يثنيها غضبه عن قرارها فقد طفح بها الكيل منه ومن خطيبته وحركاتها المستفزة معها: لا مش فاهمة .. واظن من حقي اسيب الشغل في الوقت اللي يعجبني .. بس انا هطلع جدعة معاك وهفضل موجودة في المكتب لحد اخر الشهر واللي هو بعد اسبوعين لحد ما تشوف واحدة غيري.
ضيق عادل عينيه فوقها بحدة وبوجه بارد يقف ينظر اليها وقد ساد صمت حاد المكان جعلها تململ في وقفتها من قدم الى اخرى قلقة حتى تحدث اخيرا قائلا بهدوء شديد: تمام يا سماح زي ما تحبي .. بعد اسبوعين نبقى نشوف الكلام ده.
همت بالرد عليه معارضة تؤكد عليه موقفها لكنه هتف بها بحزم: قولت خلاص يا سماح واللي عاوزه هيحصل .. انتهينا منه الكلام ده .. اتفضلي شوفي شغلك يلا.
لا تعلم لما شعرت بخيبة الامل من رده هذا ولا بغصة البكاء التي ارتفعت الى حلقها، لكنها تماسكت تهز رأسها له بالموافقة ثم تخرج فورا من الغرفة، ليهبط فوق مقعده بهمود يضع رأسه بين كفيه يحاول الثبات والهدوء حتى لا ينهض ويحطم المكان من حوله تفريغا عن احباطه وغضبه منها ومن نفسه.
***
كانت تجلس فوق الاريكة ومازال بيدها حذائها تتنفس بسرعة وغضب وهي تسب وتلعن ذلك الحقير ومعه خالها هو الاخر، حتى تعالت الطرقات فوق الباب مرة اخرى فتناض واقفة تتقدم نحو الباب وهي مازالت ترفع حذائها عاليا في يدها هاتفة بحدة وشراسة: على الله تكون رجعت تاني يا عرة الرجالة .. علشان ادوقك بجد طعم شبشبي وهو نازل فوق نفوخك يفتحه.
فتحت الباب تهم بالانقضاض عليه ولكن تسمرت يدها في الهواء كالمشلولة، تتعالى ضربات قلبها الخائن بلهفة وشوق حين رأت هوية الطارق تراه بعيونها المشتاقة، يقف مستندا على اطار الباب بهدوء لم يخدعها لثانية بعدما رفع عينيه المظلمة اليها وهو يسألها: انور كان بيعمل ايه هنا يا فرح وعاوز ايه؟!
اذا هذا ما جاء به وليس كما صور لها قلبها الخائب بأنه هنا لنيته في الاعتذار لها ورغبته في رجوعها اليه، لتلقي بخيبة املها بعيدا تجيبه بهدوء مستفز هي الاخرى وهي تلقي بحذائها ارضا وترتديه قائلة: عاوز اللي عاوزه ... وبعدين كل واحد حر في بيته يستقبل فيه اللي يعجبه ... ايه كنا بنيجي عندكم ونسألكم فلان كان بيعمل ايه هنا؟!
صمت بعد اجابتها الحمقاء تلك ينظر الى موضع قدميه وهو مازال على وقفته المسترخية، لكنها رأت تحفز عضلات صدره؛ فكانت كإشارة لها بأنه على الحافة ولا يحتاج الى المزيد من الضغط.. تهم بالرد عليه باجابة اخرى تهدء من الوضع، لكنه فجأة اعتدل في وقفته يندفع الى داخل المنزل بعد ان وضع يده فوق فمها يلفها من خصرها بيده الاخرى ثم يدفعها على الباب لينغلق خلفها بقوة، وقد ارتطم ظهرها به لتصبح محاصرة بينه وبين جسده القوي، وقد ضغطه فوقها يقترب بوجه منها يفح بصوت اجش شرس وعينيه المظلمة تأسر عينيها المرتعبة بنظراتها الحادة: لسانك ده هاجي في مرة واقطعهولك ... وصدقيني هيبقى قريب قوي .. ولحد ما ده يحصل مش عاوزك تفتحي بوقك ده تاني ... فاهمة!
صرخ بكلمته الاخيرة مؤكدا عليها لتسرع في هز رأسها له بالايجاب بقوة، ليمرر نظراته فوق وجهها يتفحصها ببطء شديد ارتجفت له قبل ان يسألها مرة اخرى بهدوء ما قبل العاصفة يعيد سؤاله عليها مرة اخرى كأنه يمهل لها الفرصة مرة اخرى لاجابة ترضيه: ها قولتيلي بقى انور كان هنا ليه .. اصل مسمعتش كويس المرة اللي فاتت!
بعد سؤاله نزع يده ببطء عن شفتيها المرتعشة تتابطأ انامله فوق شفتيها، تشعر بنعومة لمسته فتجعلها تغلق عينيها مرتجفة تسقط في دوامة شوقها اليه للحظة رائعة حتى شعرت بدفء بانفاسه فوق بشرتها حين همس في اذنها بتهديد اخرجها من حالة التيه تلك: هااا تتكلمي وتقولي كان بيعمل ايه هنا .. ولا ...؟
فتحت عينيها بسرعة وقد اشتعلت وجنتيها للحظة الضعف هذه منها لتجيب بحدة وغضب: مش انت قولت مفتحش بوقي ولا انت بتتلكك وخلاص..!
اغمض عينيه ينتفس بقوة لتدرك بأنه قد نفذ صبره تماما وان ارادت النجاة والعيش ليوم اخر فلتعطيه اجابة ترضيه على الفور، ولكن بماذا تخبره فان علم بما اراد انور قوله لها لصوره قتـ.يلاً تحت قدميه في التو واللحظة.. فاخذت تبحث في عقلها عن اجابة محايدة تنهي بها الموقف: كان بيسأل عن خالي .. عشان بقاله اسبوع مسافر .. وقبل ماتسألني ... لا مدخلش هنا سأل من على الباب ونزل على طول.
رأت الشك وعدم تصديقه لها في عينيه لتهتف به بغضب وهي تدفعه بقسوة في صدره حتى تبعده عنها، لكنه كان كالصخرة فوقها لم يتزحزح خطوة واحدة: طبعاً مش مصدق .. بس وايه الجديد بجملة اللي بتفكرني عني .. مش اول مرة يعني.
وقف كما هو يحاصرها بجسده عينيه هي الشيئ والذي كان يتحرك به، نظراته مبهومة غامضة للحظات طويلة مقلقة لها، كأنه يجرى حديث خاص مع نفسه ويقرر ان كان سيصدقها ام لا.. قبل ان يبتعد ببطء عنها فتشعر بانسحاب روحها بانسحابه بعيدا عنها يلفها الاحباط وقد علمت انه ذاهب الان بغير رجعة بعد ان حصل على اجابته، لكنها تسمرت مكانها تتسع عينيها حين سمعت يحدثها قائلا بصوت عادي كأنه امر طبيعي ما يطلبه منها: البسي يلا عشان هترجعي معايا على البيت.
سألته بعدم فهم وغباء حل عليها في تلك اللحظة: بيت مين عشان معلش مش فاهمة!؟ ثم عاودها الادراك فجأة تهتف به وهي ترفع سبابتها توقفه عن الحديث حين هم باجابتها، ثم اخذت في الثرثرة بسرعة تتحرك بعيدا عنه بعدة خطوات تعطيه ظهرها: ثانية واحدة .. تقصد بيتك مش كده ... طبعاً بيتك اومال هيكون بيت مين ... ما هو خلاص البيه رضى عني وقال ارجعي وانا طبعاً لازم انفذ زي الـ***من غير اعتراض .. اومال ايه مش البيه امر .. يبقى الجارية عليها التنـ....
شهقت صارخة بفزع حين امسك بها يجذبها بعنف للخلف حتى ارتطمت به يلف ذراعه حول خصرها كالقيد يمنعها من الحركة بعيدا عنه، فاخذت تقاومه تدفعه بقسوة في صدره تضربه بقبضتها ضربات عنيفة محبطة، بينما وقف هو بثبات وهدوء تحت سيل ضرباتها الهوجاء كأنها لم تكن.. لكنها سرعان ما تجمدت حين انحنى عليها فجأة يغرس اصابعه بقسو.ة في خصرها يوقفها عن الحركة يفح من بين انفاسه قائلا بخشونة شرسة: قدامك حل من اتنين تنزلي على رجلك قدامي زي اي ست مؤدبة شاطرة بتسمع كلام جوزها ... يا تنزلي متشالة على كتفي زي شوال الرز وقدام الحارة كلها ونخلي اللي ما يشتري يتفرج علينا .. هاا تختارى ايه؟!
تراجعت تنظر اليه تحاول ان ترى مدى جدية ما قاله، لتراه وقد وقف امامها ثابت كأنه واثق تمام الثقة من انها ستخشى وترتعب من تهديده وتسرع في تنفيذ ما يريده منها.. ليتلاعب بها شيطانها تبتسم بثقة تامة واستفزاز وهي تدرك استحالة تنفيذه لتهديده هذا خوفا على مظهره والقيل والقال عنهم داخل الحارة.. وانه لم يكن سوى تهديد فارغ منه يخيفها به: مش متحركة من هنا .. وابقى وريني بقى هتنزلني غصب عني ازاي؟
تنهد باستسلام يدس اصابعه في شعره بنفاذ صبر، لتتسع ابتسامتها وقد علمت بفوزها عليه لكنه وعلى حين غرة انحنى عليها يمسك بذراعيها بيد وبالاخرى يلف بها ساقيها يلقيها على كتفه كما قال تماما كشوال من الارز.
فاخذت تصرخ وهي تقاومه تصيح به بغضب حتى ينزلها ارضا لكنه لم يعير لصراخها بالا او اهتماما، حتى خرج بها من باب الشقة غلقه خلفه بهدوء وثبات كما لو كان ذاهب لنزهة، لكنها لم تستسلم تهمس له بحنق من بين انفاسها خوفا من ان يصل صوتها للجيران: عارف لو منزلتنيش والله يا صالح هصوت والم ... اااه.
اطلقت أهة الم قوية حين هوت يده تصفـ.عها فوق مؤ. خرتها تصمتها عن اتمام باقى حديثها ينزل بها الدرج بسرعة كانها لا تزن شيئ قائلا بخفوت غاضب كما لو كان لنفسه: بجد لسانك ده عاوز اقطعه ... وانا خلاص جبت اخرة منه ومنك ... بس اصبري نوصل البيت الاول...
ارتجفت بخوف تهمد حركة جسدها تتسأل في صمت عن حقيقة تنفيذه لتهديده وهو يسير بها بخطوات سريعة غير مبالي بنظرات وهمهمات الناس من حولهم عند رؤيتهم لطريقة حمله لها.
حتى وقفت احدى النسوة وهي تشهق بتعجب وذهول تسأله بفضول عما حدث، ليجيبها بصوت جاد هادئ: رجليها اتجزعت ومش قادرة تمشي .. شلتها فيها حاجة دي؟
اسرعت المرأة تنفي وهي تفسح له الطريق يمر من جوارها يتخطاها لترفع فرح رأسها من فوق كتفه ويدها تمسك بحجابها حتى لا يسقط عن رأسها قائلة بترحاب حاولت به اظهار الامر طبيعيا كأن لا شيء غريب يحدث: ازيك يا ام احمد وازي البت بنت ابنك .. سلميلي عليها وحياة الغالي .. لحد ما ابقى اشوفها.
ثم ابتسمت لها بتصنع وهي ترى المرأة فاغرة فاهها بذهول تراقبهم باهتمام وفضول حتى دلف بها اخيرا داخل منزلهم فاخذت تقاومه من جديد صارخة بغضب: نزلي بقى يخرب بيت كده ... عجبك الفضايح وعمايلك السودا دي ... ااااااه.
صرخت بقوة حين هوت يده فوق مؤ. خرتها مرة اخرى تصفـ.عها بقوة لتضغط فوق اسنانها بألم قائلة له بتهديد وحنق: عارفة لو ضربتني تاني والله لعضك في كتفك خلينا نتقلب بقى من على السلم ونخلص.
لم يعير تهديدها اهتماماً وهو يصعد الدرج بسرعة اهتز لها سائر جسدها تشعر الدوار يلف رأسها من اهتزازه المستمر، حتى توقف بها اخيرا امام الباب الخاص بشقتهم يخرج المفتاح من جيبه يفتح الباب يحملها للداخل ثم يغلقه خلفهم قبل ان يضعها ارضا، لتترنح في وقفتها تشعر بالدوار يكتنفها، لكنها اسرعت بالتماسك.. هامسة بخوف وهي تتراجع الى الخلف قائلة بخفوت وتحذير هي تراه يتقدم منها ببطء وفي عينيه تلك النظرة المهددة مرة اخرى: خليك عندك انا بقولك اهو ... عارف لو ايدك اتمدت عليا تاني.....
قطعت حديثها تتسع عينيها وهي تراه يتخطاها كأنها هواء امامه يسير ناحية الغرف الداخلية لتتنفس الصعداء براحة واطمئنان، سرعان ما اختفيا حين توقف مكانه فجأة، ثم يلتفت نحوها مرة اخرى يرمقها ببطء من اعلاها لاسفلها ببطء جعل قلبها يسقط بين قدميها هالعا، حين تحدث بهدوء شديد ارعبها اكثر من غضبه قائلا بتهمل: متفتكريش اني نسيت موضوع لسانك ده .. لاا .. بس حسابنا بعدين مش دلوقت ... واياكي سامعة ... اياكي ايدك تفتح الباب ولا حتى تلمسه .. المرة دي جبتك متشالة على كتفي .. المرة الجاية مش عاوز اقولك هجيبك ازاى خلى عقلك الحلو ده يفكر فيها لوحده وعلى مهله ...
ثم تركها يتحرك لغرفة النوم تقف وقد سقط فاها، حتى كاد ان يلامس صدرها للحظات ظلت خلالهم مذهولة قبل ان تهمس بصوت مرتعب مصدوم: يخرب بيتك يابن انصاف دانت طلعت مجنون وانا مش عارفة .. يا عيني عليا وعلى بختي كان مستخبى ليا كل ده فين .. داهية ليكون ناوي يقطع لساني بجد!
رواية ظلمها عشقا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فرح صالح
♡ الفصل _ التاسع عشر ♡
جلس على الفراش بعد ان تركها بالخارج زافر بعمق وهو يحاول ان يهدء من ثورة مشاعره ونبضات قلبه المتراقصة بفرحة عودتها له واحساسه بعودة كل شيئ لطبيعته لمجرد وجودها معه فى نفس المكان ، تتنفس الهواء ذاته معه ، فبرغم محاولته اظهار الثبات والقوة امامها وصراخ كبريائه عليه بأنها تستحق عقابه على ما فعلته لكنه لم يجد فى نفسه القدرة على ذلك.
يختفى غضبه منها رويداً رويداً بمرور الايام ، وخاصة بعد ذهاب والدته اليها لمحاولة معرفة سبب خلافهم وارجاعها للمنزل مرة اخرى بعد رفضه هو الحديث ، ليعلم لاحقا بأنها ر فضت اخبارها عن السبب هى الاخرى لكنه وقتها ارجع ذلك لخجلها من فعلتها وخوفها من لوم والدته لها ، ولكن ما اربكه حقا هو حديثه الاخير مع شقيقتها سماح عند اتصاله لاطمئنان على حالها لتفاجئه بسؤالها الخجول المرتبك عن سبب الخلاف بعد يأسها من اخبار فرح لها مع وعد منها بأنها ستحاول الاصلاح بينهم وبأنها ستحاول بث التعقل فى شقيقتها .
ليتسلل اليه الشك لاول مرة بأنه قد اساء فهم محادثتها مع شقيقتها يومها وغضبه الشديد بعد حديثه مع ذلك الحقير يومها ، ولكنه استمر على عناده يقف كبريائه بينهم مرة اخرى حتى يتبين الحقيقة تماماً..
لكن انهار كل شيئ حين علم من شقيقه بوجود ذلك الحقير عندها يهرع فوراً وبدون تفكير الى هناك وفى نيته سؤالها فقط عن سبب وجوده ولكن انهارت حصونه تحت اقدامها فور رؤيته لها بعيونه المشتاقة والمتلهفة لها ، فيصر وقتها على عودتها معه ويرفض رفضا قاطعاً ابعادها عنه مرة اخرى حتى لو اضطر لممارسة لعبة القط والفأر حتى يفوز بها .
خرج من افكاره على صوت رنين جرس الباب الملح يزداد الحاحا عند تأخرهم فى الاجابة ولم يجد من بالخارج استجابة له ، فينهض فوراً ليتسأل لما لم لا تجيبه يهرع خارجا من الغرفة بقلق وقد ارعبته فكرة ان تكون قد غادرت وتركته مرة اخرى..
لكن تنفس الصعداء خفية حين وجدها تجلس كما تركها تماما و مازال الغضب على وجهها تلتمع عينيها بنظرة متحدية تسمع رنين جرس الباب لكنها تجاهلته بلا مبالاة ليسألها صارخاً بها بحنق
: ايه مش سامعة الباب وكل الخبط ده !
بوجه بارد وعيون متحدية اجابته
: انت مش قولت مجيش ناحيته ولا ايدى تلمسه وانا بقى بحب اسمع الكلام.
هجم بتهديد ناحيتها خطوتين لتهب واقفة تصرخ به بصوت باكى طفولى ويدها تفرك مكان صفعاته السابقة لها
: والله لو قربت منى لا اصوت واخلى اللى على الباب يسمعوا صويتى .. حرام عليك والله انا مبقتش قادرة.
توقف مكانه يحاول كبح ابتسامته وعينيه تراقب حركة يدها فوق جسدها بسخرية مرحة ، لكن فجأة تغيرت طبيعة نظراته واصبحت بعيدة كل البعد عن السخرية تشتعل بمشاعر اخرى للحظات اذابتها وجعلت قدميها كالهلام لا تقوى على حملها..
فتوقفت فوراً عن حركتها تعاود الجلوس بأدب فوق المقعد قائلة بتلعثم وانفاس لاهثة
: على فكرة الجرس لسه بيرن .. وانا مش ناوية اقوم افتحه .
رفع عينيه لتلتقى بعينيها ترى عودة نظرة الوعيد بهم مرة اخرى وهو يقوم بفرك ذقنه بسبابته بحدة قد نفذ صبره يتوعدها بالعقاب لكنها جلست مكانها تتظاهر بالبرود ولا مبالاتها بوعيده هذا برغم انها تود الفرار هربا حتى تختفى من امامه تماماً ، قبل ان يبتعد اخيرا بأتجاه الباب بخطوات سريعة حانقة يتركها مكانها مرتجفة بقلق ترقبا لما هو اتى.
راقبته بأهتمام وهو يقوم بفتح الباب لتدلف من خلاله والدته وهى تهتف بسعادة وعينيها تجول بالمكان بلهفة
: حقا بصحيح اللى سمعته ده يا صالح فرح رجعت معاك ؟
لم تنتظر اجابته بل هتفت بسعادة طاغية تهرع نحوها بعد رؤيتها لها
: حبيبة قلبى .. نورتى بيتك يا عين خالتك.
ضمتها لصدرها بسعادة وحنان تستكين فرح بين ذراعيها كأنها تتشبع من حنانها هذا وتشعر بذراعيها كملجأ امان لها ولم تشعر غير ودموعها تندفع من عينيها كالشلال وتصاحبها شهقات بكائها التى وما ان وصلت اليه ، حتى كاد ان يهرع ناحيتها ليختطفها من بين ذراعى والدته حتى يحتضنها هو ..
لكنه اجبر نفسه على الثبات ويتحرك من قدم لاخرى بنزق كأنه لا يطيق وقوفه الثابت هذا يستمع الى والدته وهى تغمغم لها بحنان بكلمات مهدئة تمنى لو كانت من شفتيه هو لها.
لاعنا بصمت كل ما حدث مراقبا بقلق الوضع حتى هدئت أخيراً شهقات بكائها ، فجذبتها والدته نحو الاريكة تجلس وتجلسها معها اما هو فقد وقف يستند الى الحائط بكتفه فى وقفة تظهره مسترخى غير مبالى ، على عكس تلك الوثبات بدقات قلبه ونظرات عينه المهتمة.
يرى والدته تربت فوق شعرها تزيح عن وجهها خصلات شعرها المبللة قائلة بحنان وتروى
: خلاص بقى حصل خير ده شيطان ودخل بينكم .. وهو الحمد لله رجعتى نورتى بيتك من تانى.
ثم غمزتها بخبث وهى تشير ناحية صالح
: انتي بس كنتى عاوزة تشوفى غلاوتك عنده .. بس اطمنى طول الاسبوع ده كان لا اكل ولا شرب لحد ما بقى زى ما انتى شايفة كده.
رفعت فرح عينيها سريعا نحوه بلهفة تتحقق مما قالته ليرفرف قلبها حين لاحظت بالفعل شحوبه ونقصان وزنه الملحوظ والتى لم تلاحظه فى ظل كل ما حدث ، تلتقى نظراته به لتشعر به يتململ فى مكانه بحرج قبل ان يعتدل فى وقفته قائلا بخشونة فى محاولة منه لتمرير الامر
: ابويا فين ياما .. وحسن كمان مختفى فين.
اجابته والدته وهى تنهض من مقعدها قائلة بلهفة
: كلهم تحت وقاعدين مستنين علشان نتغدى كلنا سوا .. يلا هات مرات وتعالى.
لكنه هز رأسه بالرفض قائلا بحزم
: لاا معلش كلوا انتوا ... احنا هنتغدى هنا انا عاوز اكل من ايد مراتى النهاردة.
اتسعت عينى فرح من رده يزحف اللون الاحمر لوجنتيها يشعلها خجلاً تخفض رأسها أرضاً ، حين صدحت ضحكة انصاف عالية وهى تهتف بسعادة
: بقى كده يا سيدى مش عاوز تدوق اكل امك بس مااشى انا موافقة وعلى قلبى زى العسل.
ثم التفتت الى فرح قائلة لها بمزاح وابتسامة سرور
: ليكى حق يا بت مترضيش تيجى معايا وتستنيه علشان يجى ياخدك هو...
عاودت النظر الى صالح تقترب منه تربت فوق كتفه بحنان وهى تهمس برجاء ومحبة
:براحة عليها يا حبيبى .. ومتخليش الشيطان يدخل بينكم تانى.
امسك بكفها ينحنى عليه مقبلاً اياه بحنان هى تبتسم له ثم اسرعت فوراً تغادر المكان بخطوات سريعة وهى تدعو لهم بالهداية ، ثم تقوم بغلق الباب خلفها بهدوء.
ليسود الصمت التام المكان بعدها وقد وقف كل منهما مكانه يتطلع الى الاخر هو بثبات شديد وهى بأرتباك وقلق حتى قطعه هو قائلا بهدوء وهو يشير لها براسه
:يلا ... روحى اسبقينى .. وانا جاى وراكى احصلك.
عقدت حاجبيها بشدة تتوتر فى وقفتها وهى تسأله بخشية
:يلا على فين بالظبط..!
التوت شفتيه بأبتسامة ساخرة بطيئة وقد ادرك الى اين ذهبت بتفكيرها
:على المطبخ ... هيكون على فين يعنى!
اتسعت بسمته حين رأى خيبة املها والتى ظهرت رغم عنها على ملامحها برغم تظاهرها بالعكس حين قالت مستهجنة
:مطبخ ايه اللى عاوزنى ادخله .. وبعدين ما هى امك كانت بتقولك تنزل تاكل تحت عندها ولا هى فرهدة فيا وخلاص.
اشعلت كلماتها الفتيل بينهم مرة اخرى يصرخ بها بحنق وهو يندفع نحوها
: اسمها امك برضه ... انت ايه لسانك ده مبرد ملهوش حاكم.
صرخت بفزع تجرى مبتعدة عن مرمى يده فور ان رأته يتحرك نحوها ينقض عليها ولكنها لم تستطع سوى التحرك خطوتين بعد ان امسكها من خصرها يوقف هروبها ، يلفها لمواجهته فاخذت تعافر للفرار من بين يديه ، بينما هو يحاول احكام قبضته عليها وتفادى ضرباتها..
يتراجع بها للوراء بتعثر وصعوبةحتى ارتطم بالطاولة من خلفه فيسقط أرضاً بعنف ويسقطها معه وقد الصقها بصدره يلفها بحماية بين ذراعيه يتلقى جسده صدمة السقوط كلها ، يتأوه بألم حين ارتطمت رأسه بالارض لترفع رأسها اليه صارخة برعب ولهفة
: صالح حصلك حاجة ... اتخبط فين .. جسمك اتعور ... صالح رد عليا طمنى !
كانت يديها المرتعشة تجوب جسده بخوف وتلهف تحاول الاطمئنان عليه ، بينما استلقى هو اسفلها مغمض العينين جسده مستسلم للمساتها تماماً ، حتى ظنت لوهلة انه قد فقد الوعى.
ولكن عنف وسرعة انفاسه تحت يديها المستندة على صدره بعثت فيها الراحة والطمأنينة ، والتى سرعان ما اختفت تشهق عاليا حين فتح عينيه فجأة ينظر اليها بعيون كالوهج ، تشتعل حرفيا كالحمم السائلة هو يدس انامله فى مؤخرة رأسها يجذبها اليه ثم ينقض عليها كالظمأن سنين طوال ، و أخيراً وجد نبع من الماء العذب ينهال منه فلا يترك لها فرصة سوى لمقاومة واهية.
سرعان ما سحقها خلف هجومه الضارى على حواسها يتأوه بقوة فوق شفتيها حين اخذت اناملها تمر فوق عضلات صدره بلمسات
كانت كل لمسة منها كنعيم وجده بين اناملها ، يعود اليها مرة اخرى ولكن ليحتضن شفتيها برقة ونعومة اذابتهم معا كقطعة من الثلج القيت للنيران.
يغيب العالم ويغيب كل تفكير فى تلك اللحظات بينهم يتقلب بها لتصبح هى اسفله دافنا وجهه بين حنايا عنقها مستنشقا عبيرها كالملهوف ، هامسا بأسمها بصوت متحشرج ملهوف فتهمم له تجيبه بضعف وهى تحاول اخراج عقلها من دوامة المشاعر التى تغيبه فى انتظار اعتذاره لها عن كلماته القاسية لها..
لكنه امرها بخشونة وصوت لاهث
:اياكى تسبيني ..
تردد صوته للحظة يكمل بعدها
: تسيبى البيت مرة تانية وتمشى.
تجمد جسدها بترقب فى انتظار الباقى من حديثه وتلك الكلمات التى تنتظرها منه منذ دخولها من هذا الباب ، لكن خاب املها حين طال صمته..
يعاود تقبيل عنقها بنعومة واستمتاع لكنه لم يجد استجابة منها هذه المرة بل سألته بصوت محبط متألم مستنكرة
:بس كده .. هو ده كل اللى عاوز تقوله .. مفيش مثلا انا اسف يا فرح ومتزعليش منى .. مش هزعلك تانى .. اى حاجة زى كده مثلا..!
حين طال صمته عليها يستمر كالمغيب فى اغراقها بقبلاته كأنها لم تقل شيئ يعكر عليه صفو ما يفعله ، ليشتعل جسدها ولكن هذه المرة بالغضب تدفعه من فوقها بقوة كأن غضبها منه امدها بقوة عشر رجال ، تسقطه فوق ظهره ثم تسرع بالنهوض على قدميها تتطلع اليه بغضب حانقة حين وجدته يستلقى أرضاً ، وقد وضع كفيه خلف رأسه ينظر اليها بأستمتاع زاد من غضبها.
تبحث فى عقلها عن كلمات حتى تفرغ بها عنها غضبها المشتعل منه ، لكنها وقفت عاجزة عن الكلام لتضرب الارض بقدميها بحنق وعجز ثم تلتفت مغادرة المكان حتى لا تفعل شيئ تندم عليه لاحقا ، ولكن اوقفها سؤاله المسترخى فى مكانه حين قال بهدوء وبنبرة مزاح اشعلتها اكثر واكثر
:على فين مش هتعملى ليا غدا .. انا جعان اووى على فكرة.
التفتت ببطء نحوه تتسع عينيها ذهولا تراه مازال على حالة الاسترخاء وتلك الابتسامة المستفزة فوق شفتيه كأنهم فى اكثر ايامهم طبيعية لتضغط فوق اسنانها بغيظ تضغط على قبضتيها بشدة صارخة
:انت رخم .. بجد رخم اووى ومستفز .. وشوف....
اخذت تحاول استجماع الكلمات تبحث عن كلمه تشفى بها غليها وغيظها ، لكن لم يسعفها عقلها لتدب الارض مرة اخرى بغيظ صارخة ثم تسرع مغادرة بخطوات سريعة حانقة.
راقبها هو بأستمتاع ترق نظراته بعد نهوضه على قدميه يراها تندفع لداخل غرفة النوم تغلق خلفها بعنف لم يهتز له ، يعلم جيداً انه اغضبها واصابها بالاحباط بعد تجاهله لطلبها لكن لكل شيئ اوانه ووقته..
ولم يحن بعد وقته فيجب اولاً ان تتضح له الصور كاملة حتى يقف باقدام ثابتة ولا يغرق مرة اخرى فى تلك الرمال المتحركة لتدفنه اسفلها.
تحرك باتجاه المطبخ حتى يقوم بتحضير شيئ للغداء لها قبل خروجه ، فهو يعلم ان ترك الامر لها ستقوم بأيجاع نفسها تحدياً له فقط ، لكنه توقف حين وجدها تخرج من الغرفة بوجه هادئ مستسلم تسأله بخفوت مسالم
: تحب تتغدى ايه علشان اعمله ليك على الغدا ؟
لايعلم لم ادفئ سؤالها قلبه وجعله يخفق بين جنباته من السعادة لأهتمامها هذا به برغم غضبها الشديد منه ليهمس لها يجيبها برقة
: اى حاجة يافرح .. ولو مش عاوزة تعملى بلاش خالص انا كده كده نازل المغلق ابقى اكل هناك اى حاجة.
هزت رأسها برفض قاطع تسرع للمطبخ وهى تهتف بتأكيد وحزم
:لا متنزلش وانت جعان انا ثوانى وهكون محضرة كل حاجة.
وبالفعل اختفت داخل المطبخ وتركته خلفها يلعن نفسه بعنف لشكه ولو للحظة واحدة بها ، فاستحالة بعد كل مارأه منها ان تكون قد افشت سره الى خالها او حتى شقيقتها..
وهذا ما تأكد منه بنفسه اكثر من مرة رغم تجاهله لتلك المؤشرات بسبب كبريائه وغضبه الاعمى وقتها ولكن الان اصبح هناك سؤال ولابد الاجابة عليه ولن يهنئ له باله حتى يحصل على اجابته تلك.
*************************
جلست معه فى احدى المطاعم الشهيرة تراقبه بنزق وهو يقلب طعامه فى الصحن امام دون اهتمام شاردا عن حديثها ، حتى هتفت به بحدة وقد شعرت بالاهانة لتجاهله هذا لها وهى ليست معتادة على الا يتم الاهتمام بها وبراحتها ممن حولها
: عادل انت مالك النهاردة قاعد سرحان ولا كانى بكلمك.
اجابها ببطء وهو مازال على حالته الشاردة
: سماح عاوزة تسيب الشغل وتمشى كمان اسبوعين.
صرخت بحنق برغم تلك الاخبار المفرحة لها
: وده بقى اللى قالب حالك بالشكل ده ومخليك قاعد مضايق ؟
زفر بحدة يضع شوكته بغضب
: مانا استحالة اخليها تمشي وتسيب المكتب .. حتى ولو اضطريت اقعدها غصب عنها
ياسمين وقد طفح بها الكيل ووصل غضبها لاقصى حالته
: ياسلام ليه ان شاء الله .. كانت نابغة ولا معجزة زمانها علشان كده مش عاوز تمشيها ... بقولك ايه يا عادل انت ايه حكايتك مع البت دى بالظبط ؟
عادل وقد كسى وجهه الاحمرار يرتسم فوقه الذنب هاتفا بها بحدة وارتباك
:حكاية ايه يا ياسمين انتى اتجننتى .. كل الحكاية انى مش لسه هجيب واحدة وادربها من اول وجديد على شغل المكتب .. انا مش فاضى للكلام الفارغ ده.
تجهمت ملامحها تسكن عينيها شياطين الغيرة والحقد تنظر اليه بثبات وحدة ، ليعاود الاهتمام بطعامه هربا من نظراتها تلك وقد شعر انه اصبح مكشوف امامها يتأكله الاحساسه بالذنب..
الذى اصبح ملازم له من بعد اعترافه الاخير لنفسه ، يعاود مهاجمته دون رحمة فقد اتى اليوم لتلك المقابلة كمحاولة اخيرة منه لانقاذ ما يمكن انقاذه فى علاقتهم ، ولكنها بائت بالفشل فمنذ جلوسه ولم تغادر اخرى تفكيره.
صفاء تلك العنين ولا الطيبة والحنان بهم ولا تلك الابتسامة المشرقة فوق تلك الشفاه الرقيقة ، لينسى لما هو هنا الان ومن معه ، بل ينسى نفسه وكل جوارحه هناك فى مكتبه مع من سرقت افكاره ومشاعره..
يشعر كمراهق صغير يذوق العشق لاول مرة ، لذا تنفس بعمق يحسم امره فلا هروب بعد الان ولابد من وضعه النقاط فوق الحروف ، ليرفع وجهه اليها قائلا بحسم وهو يراقبها مازالت تسلط عينيها عليه كأنها كانت بأنتظار كلماته
: ياسمين كان فيه موضوع كنت عاوز اتكلم فيه بس..
لكنها قاطعته وهى تنهض عن مقعدها بسرعة قائلة بصوت حاد تختطف حقيبتها بعنف
:عن اذنك ثوانى هروح الحمام .. وراجعة حالا.
مشت فوراً من امامه بظهر متصلب وخطوات سريعة وفور اختفائها بعيدا عن انظاره رمت حقيبتها أرضاً بعنف تضغط فوق اسنانها وهى تطلق صرخة مكتومة يحتقن وجهها من شدة الغيظ قائلة بصوت كالفحيح
: اااه يابنت الـ**** بقى انتى يا جر.بوعة عاوزة تخطفيه منى زى ما عملت اختك الحية مع اخويا.
انحنت على حقيبتها تمسكها ثم اخذت تبحث بداخلها تكمل بغل
: بس وحياة امك ما يحصل ولا تنوليها ومبقاش ياسمين اما عرفتك مقامك ايه.
أخيراً وجدت ضالتها داخل الحقيبة والتى لم تكن سوى هاتفها تضغطه للقيام بأتصال ثم ترفعه الى اذنها هاتفة بعد لحظة بصوت امر
: عوزاكى فى شغلانة وهتاخدوا فيها الضعف... ااه نفس المرة اللى فاتت .. لااا .... انتى تسمعينى كويس وتفتحى مخك معايا علشان المرة دى مش هتبقى على اد كلام وبس....
اخذت تخبر محدثها بما تريده منه تنفيذه ثم انهت المحادثة زافرة بقوة وعمق وفجأة ارتسمت على ملامحها الالم الشديد تعاود الرجوع لمكانهم مرة اخرى بخطوات مترنحة وبصعوبة قالت بعد ان نهض عن مقعده بقلق وخوف حين رأى حالتها تلك
:عادل عاوزة اروح مش قادرة هموت من المغص.
اسرع يمسك بها بعد كادت تسقط أرضاً قائلا بصوت مهتم قلق
: طيب نروح المستشفى الاول نشوف عندك ايه ؟
هزت رأسها بقوة رافضة قائلة بألم مصطنع وضعف تمثيلى قد تحسدها عليه افضل الممثلات
: لااا انت عارف مش بحب المستشفيات ولا بحب ادخلها روحنى البيت احسن.
اومأ لها بالموافقة بعد لحظات مترددة يغادر هو وهى المكان بخطوات بطيئة تشيعهم نظرات رواد المقهى وهمهماتهم الفضولية.
**************************
مر بها الوقت وقد وقفت امام الموقد تقوم بتقليب الطعام داخل الاناء بحركات غاضبة عنيفة تدمدم لنفسها بكلمات حانقة سريعة
: غبية .. وقلبك ده هيوديكى فى داهية .. اتفضلى ياختى حضرى الغدا ليه .. قال ايه صعبان عليكى ينزل من غير اكل ... غبية وهو كمان رخم.
صرخت بكلمتها الاخيرة بصوت عالى حانق تلقى بالمعلقة بغضب ليأتيها صوته المرح وهو يسحب المقعد جالسا امام طاولة المطبخ قائلا بصوت عابث مرح
: طيب ليه الغلط ده؟!
مانا قولتلك هاكل ايه حاجة انتى اللى صممتى.
عاودت الامساك بالمعلقة تلتفت بها نحوه ترفعها فى وجهه بتهديد قائلة بغضب
: ملكش دعوة لو سمحت بيا دلوقت .. واتفضل روح اقعد على السفرة لحد ما احضر الاكل.
رفع يديه يحمل بين اصابعه ابرة للحياكة وفى الايد الاخر زر من الازرار قميصه قائلا ببراءة مستفزة لها
: طيب ممكن لو سمحتى تخيطى ليا ده اصل مش عارف اعمله لنفسى.
لاول مرة تنتبه بانه يجلس وقد فتح قميصه الى منتصف صدره وتظهر عضلاته القاسية بوضوح امام عينيها ، لترتفع حرارة جسدها كما لو كانت اصابتها الحمى ترتعش قدمها وهى تقترب منه ببطء وعينيها اسيرة لتلك اللمعة بعينيه ، تناول من يده الزر بأنامل مرتعشة تهمس بخشية وتردد
:طيب روح اقلع القميص وهاته وانا هركبه .. علشان مش هعرف وانت لبسه.
امسك بيدها يسحبها اليه برقة تطاوعه كالمغيبة وهو يجلسها فوق ركبتيه هامسا لها
:طب وكده مش هينفع برضه ؟!
حركت رأسها تنفى بقوة وهى تحاول ان لا تدعه يرى كيف يؤثر عليها حين يكون بهذا القرب منها ، ترتعش اناملها تحاول التركيز على تلك المهمة الصغيرة بين يديها ، حتى تخرج سريعا من هذا الموقف المربك لحواسها.
تعد داخل رأسها الارقام بطريقة معكوسة لشتيت انتباهها عن رائحة عطره الرجولى الخلاب ولا تدعها تؤثر على تركيزها تطلق انفاسها المحبوسة بعد انتهائها أخيراً تنحنى لامام حتى تستطيع قطع الخيط بأسنانها ، فيحتك جبينها ببشرة صدره الدافئة..
تستمع الى دقات قلبه المتعالية بصخب لتعيث بمشاعرها الفساد فتبتعد عنه بسرعة وبحركة خرقاء فينغرز طرف الابرة فى اصبعها تصرخ متألمة ليهتف صالح بها يطالبها بقلق
: كده يافرح مش تاخدى بالك ... ورينى صابعك حصل فيه ايه !
امسك بيدها رغم معارضتها الضعيفة يتفحص اصبعها بأهتمام وعناية وقد خرج من طرفه نقطة من الدماء على اثر وخز الابرة له ، ثم فجأة وضعه بين شفتيه يمتصه برقة غير مبالى بتململها ولا شهقة رفضها اللاهثة..
وقد سرقت منها الانفاس حتى انتهى اخيرا فحاولت سريعا النهوض عن قدميه ، لكنه اسرعت ذراعه تلتف خلف خصرها يثبتها مكانها يثقل الهواء بينهم للحظة مشحونة بالمشاعر وعينيه تقع فوق شفتيها هامسا بصوت مرتعش مبحوح وبدون مقدمات
: وحشتينى يا فرح .. وحشتينى اوى .. اوعى تانى تسبينى لوحدى وتمشى .
اتسعت عينيها بذهول تلجمها صدمة اعترافه تفتح فمها للتحدث وسؤاله ان كان ما سمعته صحيح ولم يكن خدعة اختلقها عقلها عليها ، لكنه لم يمهلها الفرصة ينحنى برأسه عليها يسحق شفتيها بق.بلة متطلبة شغوف جعلتها تمسك بذراعيه حتى تدعم نفسها ولا تسقط أرضاً..
تتصاعد حدة المشاعر بينهم ويديه تنتقل لخصرها تدعمها عليه يتأوه بصوت مكتوم قبل ان ترتفع يده الى ظهرها يدفعها الى صدره يلصقها به يحتـ.ضنها بقوة فى لحظات سرقت منهم الانفاس ، حتى صرخت رئتيهم طلبا للهواء..
ليبتعدا بصعوبة عن بعضهم بانفاس عالية لاهثة للحظة واحدة قبل ان يهم بالعودة اليها ، لكن اتى صوت رنين هاتفه يوقفه فى منتصف الطريق.
فيغمض عينيه يسب المتصل وهو يخرج الهاتف من جيبه وذراعه تشتد من حولها تمنعها عن الحركة بعد ان حاولت النهوض بعيدا عنه ، ثم يجيب المتصل بغضب بصوت حانق
: عاوز ايه يا زفت دلوقت ... يعنى تغيب تغيب وترجع تتصل بيا فى وقت زى وشك.
تجمد جسده وهو يستمع الى محدثه يعقد حاجبيه بشدة قلقا ..
يسقط قلبها بين قدميها هالعا حين قال وهو ينهض على قدميه وينهضها معه
: وانتوا فى انهى مستشفى دلوقت يا عادل .. طيب تمام عشر دقايق وهنكون عندك.
_________________
رواية ظلمها عشقا الفصل العشرون 20 - بقلم فرح صالح
وقفت تتطلع لشقيقتها بلهفة ودموع الراحة تغرق وجنتيها. تراها وقد جلست فوق أريكة منزلهم بعد عودتهم من المشفى، تتحدث بخفوت وهى تقص على الحاضرين ما حدث لها وكيف استطاعت النجاة من تحت أيدى تلك النسوة بتلك الإصابات البسيطة في وجهها وجرح ذراعها فقط.
بعد صراخها القوي واستجدائها بأهل عادل قبل أن تسقط أرضاً مغشياً عليها. ليصابوا بعدها بالارتباك والرعب ثم يفروا سريعا من المكان قبل وصول الأهالي لنجدتها.
بينما جلس والدا صالح في الجهة المقابلة لها يستمعون باهتمام وفضول، ومعهم كريمة. أما عادل فقد وقف في الجانب البعيد منهم يتطلع نحو سماح وعلى وجهه ذلك التعبير الغامض، تلتمع عيناه بتلك اللمعة المألوفة لها، والتي لم تفارقه منذ خروجهم من المشفى.
تلاحظ قلقه، بل رعبه الشديد على شقيقتها عند استقباله لهم في المشفى. ينتابها القلق والخوف وقتها من عواقب ما تراه وأدركته بإحساسها. تدعو الله ألا يكون صحيحاً.
انتبهت من تأملاتها على يد قوية أدركت صاحبها فوراً تمسك بيدها وتسحبها برقة بعيداً عن مكان وقوفها. التفتت نحوه تهم بالاعتراض، لكنها أسرعت بالصمت حين رأت صالح يغمز لها خفية وهو يشير لها أن تتبعه.
وبالفعل طاوعته تسير معه للمطبخ بهدوء ودون أن ينتبه أحد لاختفائهم في ظل حديثهم الدائر.
فور اختفائهم بعيداً عن الأنظار وجدت نفسها مغمورة داخل أحضانه وقد حاوطها بذراعيه بحماية ودون مقدمات. لتلف ذراعيها هي الأخرى حوله تتنعم بدفئه وحمايته للحظات هانئة يسودها الصمت، فقد كانت كل ما تحتاجه حتى تستطيع التماسك.
تتشبث أصابعها بظهر قميصه بقوة تمنعه من الابتعاد حين شعرت به يتراجع عنها ببطء. لا تريد أن تخسر تلك اللحظات. ترفع عينيها الدامعة إليه برجاء لتأسرها نظرة عينيه وهي تموج بالدفء والحنان.
يمرر إبهامه برقة فوق شفتيها السفلى المرتجفة وهو يسألها بخفوت حنون:
"تقدري تقوليلي العياط ده كله ليه؟ ما هي أختك كويسة أهي قدامك واطمنا عليها يبقى ليه الدراما يا ملكة الدراما."
قال آخر كلماته بطريقة مسرحية مرحة دفعتها للضحك بخفوت رغماً عنها. تخفض وجهها بخجل، لكنه عاود رفعه إليه يمرر إبهاميه على وجنتيها يزيح عنهما دموعها وهو يبتسم لها برقة قائلاً:
"أيوه كده خليني أشوف ضحكتك الحلوة دي.. أوعى أشوفك تعيطي تاني."
أومأت له برأسها تتراقص نبضاتها بفرحة بكلماته وقد أنارت ملامحها ببهجة كأنها زهرة تتفتح أمامه من تأثير كلماته لها. فلم يستطع مقاومة أن ينحني نحوها يلثم شفتيها بنعومة شديدة جعلتها بعدها تصدر أنين احتجاج لابتعاده عنها وافتقادها لمساته. لكنه قاوم رغبته لتعميق قبلتهم خوفاً من دخول أحد عليهم.
يهمس لها بصوت مرتعش بالرغبة والشوق لها مناقض لما يقول:
"لو عاوزة تخليكي هنا وتباتي النهاردة معاها أنا معنديش."
هتفت برفض ملهوف تقطع الباقي من حديثه وهي تهز رأسها بالنفي بقوة كتأكيد على كلماتها:
"لااا.. مش عاوزة أبات.. أنا بس هطمن عليها وهروح على بيتنا على طول."
أخفضت عينيها عنه هامسة بخجل وتلعثم تكمل:
"وبعدين... انت.. مش قولت ليا.. إياك أسيبك.. لوحدك تاني!"
زفر بعمق يلف خصرها بذراعه يلصقها به دافناً وجهه في عنقها يهمس فوق بشرتها بأنفاس مشتعلة:
"مين قالك إني كنت هخليكي تسيبيني.. طبعاً كنت هاجي وهبات معاكي هنا.. عبيطة انتي ولا إيه؟!"
تضخم قلبها بين جنبات صدرها تشعر كأنها فوق السحاب من شدة سعادتها تقف مستسلمة بين ذراعيه وهو يكتسحها بلهيب عاطفته بعد أن فقد سيطرته وإحساسه بالزمن والمكان.
شفتيه تلتقي بشفتيها بقـ.بلة قوية تدل على مدى جوعه وحاجته البائسة لها يذوبان معا للحظات طوال كانت كالنعيم لهم حتى ابتعد عنها أخيراً ينهت بقوة يستريح بجبهته فوق جبهتها وهما مغمضين العينين قبل أن يتحدث بصعوبة وتحشرج:
"أنا هروح وأسبق على البيت.. وإنتي خليكي براحتك.. بس متتأخريش عليا يا فرح اتفقنا!"
أومأت له بضعف ليبتسم لها بدفء يلثم جبهتها بحنان ثم يبتعد عنها يعدل من وضع ملابسه وشعره بعد عبث أصابعها به يخرج بعدها من المطبخ بعد أن ألقى لها في الهواء بقـ.بلة أعقبها طلبه الهامس ألا تتأخر عليه.
أخذت تتنفس بعمق بعد خروجه وهي تتطوح بيدها أمام وجهها طلباً للهواء حتى تبرد من حرارته المشتعلة. ثم تخرج خلفه بعدها تسمعه وهو يتحدث إلى سماح يطمئنها بأنه سيجد تلك النسوة ويعلم من ورائهم.
لكنها عقدت حاجبيها بتفكير ودهشة حين هتفت سماح بحزن يشحب وجهها بشدة قائلة:
"لاااا.. أنا عارفة دول مين.. دول الستات اللي اتخانقت معاهم قبل كده والظاهر كانوا جاين يكملوا معايا الخناقة.. أصل أنا كنت قليلة الذوق معاهم قبل كده بصراحة."
ودون أن تمهل الفرصة لأحد بالاعتراض التفتت إلى عادل قائلة بصوت حازم رغم الارتعاشة به والتي لم يلاحظها أحد سوى فرح المراقبة لها باهتمام قلق:
"معلش يا أستاذ عادل.. أنا كنت قلت لحضرتك إني عاوزة أسيب الشغل بعد أسبوعين.. بس لو مفيش عندك اعتراض أنا هسيبه من النهاردة.. زي ما حضرتك شايف مش هقدر أكمل."
ساد الصمت أرجاء المكان بعد حديثها الصادم لهم قبل أن يقطعه الحاج منصور يحاول إثنائها عن قرارها. لكنها لم تتراجع بل زاد تصميمها بطريقة بعثت الشك داخل فرح بأن أمر ما خلف قرارها هذا ويجب أن تعرف ماذا يجري بداخل عقل شقيقتها. لكن ليس الآن فستنتظر ذهاب الجميع وبعدها فلتحصل على إجابتها.
حين لم يستطع الحاج منصور ولا أحد من الحضور حتى صالح إقناعها بالعدول عن قرارها حتى تحدث عادل أخيراً بوجوم وحدة بعد صمته الطويل ومراقبته الحديث الدائر دون مقاطعة منه:
"تمام يا سماح اللي تشوفيه.. مفيش مشكلة عندي.. المهم راحتك وإنك تقومي بالسلامة. عن إذنكم علشان المكتب لوحده."
وفي ثانية كان يفتح الباب مغادراً بسرعة يتبعه صالح فوراً منادياً عليه أن ينتظره يغادر خلفه فوراً هو الآخر يتركون المكان بعد مغادرتهما مشحوناً بالتوتر والوجوم.
يسود الصمت بينهم مرة أخرى للحظات قال بعدها الحاج منصور بأسف:
"والله يا سماح يا بنتي خسارة الشغلانة دي ومش هتعرفي تعوضيها تاني.. بس هقول إيه يا بنتي ده قرارك وإنتي حرة فيه."
ثم نهض هو الآخر يلتفت لزوجته يسألها بهدوء:
"مش يلا بينا يا حاجة إحنا كمان ولا إيه؟"
هزت انصاف رأسها بالرفض قائلة برجاء له:
"لا روح أنت يا حاج بالسلامة وأنا هقعد معاهم شوية وبعدين هبقى أرجع أنا وفرح على البيت."
هتفت كريمة بترحاب وسعادة:
"آه روح أنت يا حاج من غير شر وسيب الحاجة معانا شوية أصلها وحشاني أوي."
هز منصور رأسه بالموافقة يغادر بعدها بعد أن ألقى عليهم بالسلام لتندمج انصاف وكريمة في الحديث غافلين عن حديث النظرات المبهم بين فرح وسماح والتي هربت بعينيها بعيداً هرباً من تحديق شقيقتها النافذ لها. تندمج في الحديث معهم هي الأخرى بارتباك وتوتر جعل من شك فرح يقين بأن هناك ما تخفيه عنها وهي لن تتراجع حتى تعرف ما هو.
***
توقفت انصاف أمام منزلها تمد يدها بالمفتاح الخاص بشقتها إلى فرح بعد عودتهم قائلة بحنان:
"معلش يا فرح، اطلعي انتي يا حبيبتي صحي ياسمين من النوم وخليها تجهز قبل ما صالح يرجع ومعاه عادل.. انتي عارفة نومها تقيل وميصحش يجي يلاقيها نايمة. وأنا هجيب حاجة من خالتك أم نبيل وأحصلك."
أومأت فرح رأسها لها بضعف تمسك بالمفتاح تدلف هي للداخل ثم تصعد درجات الدرج بتعب وإرهاق وذهن شارد في شقيقتها وما حدث لها، ورفضها وتهربها منها ومن أسئلتها.
ترحل محبطة من هناك دون أن تحصل على إجابة منها لتساؤلاتها، لكنها لن تستسلم وستحصل عليها عاجلاً أم آجلاً مهما كلفها الأمر.
فتحت الباب تتقدم للداخل باتجاه غرفة ياسمين تهم بفتح الباب لكن تجمدت يداها حين وصل لها صوت سمر وهي تهتف مستنكرة بصوت ساخر:
"يخربيتك يا مجنونة.. وما خفتيش تتكشفي ولا البت تروح فيها وإنتي تروحي وراها في داهية."
أصدرت ياسمين صوت من فمها يدل على استهزائها قائلة بصوت حاد مغلول:
"ياريت كان حصل وكنت خلصت منها الجربوعة دي بس حظها حلو بنت ال*** وهي زي القرد محصلش ليها حاجة."
سمر باهتمام وتحذير:
"آه بس خدي بالك مش هتعدي بالساهل كده زي المرة اللي فاتت أكيد مدام أخوكي عرف مش هيسكت وهيجيب الستات دي من تحت الأرض."
ياسمين وقد احتقن وجهها بالغل قائلة:
"عارفة ياختي إنه هيعمل كده عشان يرضي الجربوعة التانية مراته بس يبقى يقابلني لو وصل لحاجة.. ما انتي عارفة إنهم مش من البلد ولا من هنا خالص."
صدحت ضحكة سمر العالية تهتف بعدم تصديق:
"يخربيتك دانتي مصيبة وأنا اللي كنت فاكرة إني هبلة وهتودينا في داهية وتقعي من الخوف أول ما اتفقنا مع الستات أول مرة.. لال.. طلعتي مش هينة لا واتفقتي معاهم المرة دي من ورايا."
ياسمين بصوت حقود وهي تشتعل من نار غيرتها وغيظها:
"مانا مش هقف ساكتة وأنا بشوف سماح دي بتخطفه مني.. مش ياسمين اللي حتة زبالة زي دي تعلم عليها وتاخد حاجة بتاعتها."
كانت تقف خلف الباب مذهولة تزحف البرودة إلى جسدها كله لا تستطيع تصديق كل هذا الشر والحقد فيما تسمعه. حتى أتى اسم شقيقتها لتدب في جسدها الحياة يغشى عينيها الغضب وهي تدفع فجأة الباب بعنف جعله يرتطم بالحائط بصوت مدوٍّ جعلهم يشهقون عالياً وهم يتطلعون نحوها بصدمة وخوف. بينما وقفت هي أمامهم تتطلع إليهم بنظرات محتقرة صارخة بهم باشمئزاز:
"آه يا شوية زبالة يا ولاد ال***.. يبقى أنتم اللي ورا اللي حصل لأختي النهاردة.. والله لفرج عليكم خلقه وأخلي اللي ميشتري يتفرج عليكم."
وبالفعل اندفعت نحوهم يحركها غضبها المشتعل. ولكن قبل اقترابها منهم أسرعوا هم نحوها تحيطها كل واحدة من جهة وبرغم مقاومتها لهم استطاعت سمر أن تقيد ذراعيها خلف ظهرها. بينما أسرعت ياسمين بوضع كفها فوق فمها تمنعها من الصراخ وهي تهتف برجاء واستعطاف:
"إنتي فهمتينا غلط يا فرح مش اختك خالص والله.. اسمعي بس واحنا هنفهمك كل حاجة."
أخذت تحاول المقاومة وقد شعرت بالاختناق من أثر كف ياسمين الجاثم فوق أنفاسها تقل مقاومتها شيئاً فشيئاً حتى كادت أن تسقط أرضاً لولا ذراع سمر المقيدة لها. حتى تعالى صوت رجولي مذهول في الغرفة يتساءل عما يجري مما جعل ياسمين وسمر يتراجعان بعيداً عنها بخوف وارتعاب عند رؤيتهما لحسن متجمد على بابها. وهي لحظة بعدها حتى اندفع أسرع صالح باقتحام الغرفة يدفع حسن بكتفه يهتف بجزع حين رأى فرح ساقطة أرضاً في تلك الحالة يجثو على ركبتيه بجوارها يسألهم بخوف وارتعاب:
"مالها فرح.. حصل لها إيه؟!"
رفع وجهه يهتف بهم بغضب شرس بعد أن ظلا على صمتهما:
"انطقي منك ليها.. حصل إيه؟!"
فز جسدهم برعب من مكانهم يتطلعون إلى بعضهم بخوف يسارعون في إجابته في صوت واحد وبإجابات غير مترابطة. حتى صرخ بهم حسن يوقفهم عن الكلام قائلاً وعيناه مسلطة فوق زوجته يسألها بهدوء شديد أرعبها:
"انطقي يا سمر وقولي إيه اللي حصل وصلكم للمنظر اللي شفته ده أول ما دخلت عليكم؟"
كان صالح في تلك الأثناء يربت فوق وجنتيها يحاول أن يجعلها تفيق حتى فتحت عينيها أخيراً وفور أن رأت وجه صالح المنحنى فوقها بقلق حتى شهقت باكية ترفع ذراعيها تتعلق في عنقه بلهفة مستنجدة به بخوف أشعل في جسده الغضب وهو يرى حالتها وارتعابها الشديد هذا.
ليصرخ بشراسة وهو يتطلع نحوهم بغضب شرس سحب الدماء من وجوههم ليتركها شاحبة كالموتى:
"انطقي إنتي وهى عملتوا فيها إيه؟!"
اندفع والداهم ومعهم عادل إلى داخل الغرفة بعد أن وصلتهم أصوات صراخهم العالية يتجمدون بصدمة وهم يطالعون المشهد أمامهم. وقد وقفت سمر ومعها ياسمين يذرفون دموع الخوف تهتف سمر بتلعثم بعد صراخ صالح الغاضب عليهم:
"أبداً والله يا أخويا ما حصل حاجة.. كل الحكاية إنها سمعتنا أنا وياسمين بنتكلم عن واحدة صاحبتنا وافتكرتنا بنتكلم على أختها."
أسرعت ياسمين تؤيد حديثها بلهفة وقد وجدت به طوق النجاة ولكن أتت صرخة فرح تقاطعها قائلة بصوت هستيري باكي:
"كذابين والله كذابين.. هما اللي عملوا كده في سماح وبعتوا ليها الستات أول مرة كمان."
لطمت انصاف خديها صارخة بجزع وهي تندفع إلى الداخل تجذب ابنتها تسألها عن حقيقة ما حدث لكنه تجاهلتها تسرع باتجاه عادل الشاحب وعيونه متسعة بصدمة تمسك بذراعه هاتفة بتضرع:
"ماتصدقش يا عادل.. دي كدابة والله كدابة.. دي بتقول كده عشان طمعانة فيك للجربوعة أختها."
وقف مكانه يتطلع إليها باحتقار يهز رأسه بعدم تصديق قبل أن ينفض ذراعه عنها مغادراً المكان فوراً. لتظل تتابعه بهزيمة وعيون مصدومة للحظة ثم التفتت نحو فرح صارخة بغل تحاول الانقضاض عليها تسبها بأفظع الألفاظ. ولكن أتت قبضة صالح تمسك بشعرها يجذبها بعيداً عن فرح الجالسة أرضاً وهو يصرخ بها:
"إنتي اتجننتي عاوزة تمدي إيدك عليها وأنا واقف؟"
دفعها بعيداً بعنف حتى كادت أن تسقط أرضاً لولا ذراع انصاف والتي التقطتها قبل سقوطها تحاول أن تجعلها تصمت. لكنها لم تتراجع صارخة بغل تلتوي شفتيها بسخرية حاقدة:
"طبعاً لازم تدافع عن ست الحسن.. ما هو لو معملتش كده هتسيبك زي اللي قبلها.. وتعمل منك مسخة في الحارة كلها بعد أما تعرف بعيبك.. عشان كده لازم تطاطي راسك ليها وتـ..."
صرخت بألم حين هوت انصاف على وجنتها بصفعة قوية أطارت وجهها للجانب الآخر بعنف وهي تصرخ بها بغضب ومعها زوجها هو الآخر تنهال عليها الضربات والصراخ حتى من حسن. لتستغل سمر الفرصة تسرع بالهروب من المكان ترتطم في حركتها بصالح. لكنه لم يعرها انتباه وقد وقف مكانه شاحب تتهدل كتفاه كأنه جسد ميت سحب منه الحياة.
لتسرع فرح بالنهوض على قدميها بسرعة تقف أمامه وعيونها تتطلع إليها بلهفة وتناديه به بتضرع وهي تحتضن وجنتيه بين كفيها. تحاول التواصل مع عينيه بنظرة الألم والانكسار بهم بعد أن اختفى وهجها المألوف. لكنها فشلت تماماً فوقفت فوق رؤوس أصابعها تلف ذراعيها حول عنقه تسحب جسده المتجمد إلى جسدها في عناق تمنت لو تستطيع من خلاله أن تسحب ألمه إليها هي حتى لا تراه في تلك الحالة.
لكن ما إن لمس جسده جسدها حتى انتفض كما لو مسكته الكهرباء يدفعها بعيداً عنه ثم يندفع مغادراً الغرفة فوراً يتركها خلفه هامسة باسمه بصوت لم يغادر شفتيها لكن كان قلبها يصرخ به.
***
جلست تضم ركبتيها معا تستند برأسها فوقهم وعيونها الباكية تتطلع نحو الباب بأمل في انتظار عودته. تشعر بروحها قد فارقتها بحثاً عنه ولن ترد إليها إلا برجوعه لها.
تمر بها الساعات وهي مكانها ثابتة لا تحرك كتمثال منحوت على هذا الوضع بعد أن أنهت مكالمتها مع شقيقتها بدأتها بسؤال باكي متألم:
"كنت عارفة إن هي اللي عملتها صح يا سماح؟"
لتتنهد سماح بحرارة قبل أن تجيبها بعد لحظة تردد:
"أيوه يا فرح كنت عارفة.. لما حصل اللي حصل مكنش مغمى عليا زي ما كانوا فاكرين، وسمعتهم وهما بيتكلموا عن ياسمين.. بس دي أول مرة أعرف منك إن سمر كمان معاها."
سألتها فرح بخفوت:
"طب وما قولتيش ليا ليه يا سماح كان لازم تعرفيني إنها..."
قاطعتها سماح بحزم:
"عشان كنت عارفة إنك مش هتسكتي.. والبيت هيتقلب حريقة ويولع نار واللي حسبته لقيته يا فرح."
بكت فرحة بحرقة بعد كلماتها تدرك صدق حديثها. فقد كانت أول من طالته النار بعد غيابه عن المنزل إلى الآن وقد اقترب الفجر أن يؤذن وهو لم يعد بعد. تجلس في انتظاره منذ أن أنهت مكالمتها مع سماح وهي تحاول أن تطمئنها بكلمات مهدئة لكن لم تفعل لها شيئاً أو تهدئ من خوفها وهلعها عليه يمر عليها الوقت ببطء شديد قاتل لا تعلم مداه.
حتى ردت إليها الروح أخيراً حين سمعت أخيراً صوت المفتاح بالباب ينبهها لحضوره لتنهض واقفة بقلب مرتجف تتعالى دقاته بصخب في انتظار رؤيته. وما إن لمحته حتى أسرعت تجري بلهفة تلقي بجسدها عليه تحتضنه بقوة مباغتة إياه. وقد وقف بجسد متجمد غير متجاوب.
لكنها لم تستسلم بل رفعت نفسها على أصابع قدميها تقبله بكل ما تحمله من لهفة وشوق له. ترتعش شفتيها وهي تحتضن شفتيه للحظات بثته فيها كل خوفها وقلقها عليه برغم بجسده المتجمد إلا من رجفة ضعيفة لشفتيه إثر هجومها الكاسح عليه.
تزحف بيدها على صدره تضعها فوق موضع قلبه يرتفع أملها حين شعرت بنبضاته السريعة أسفلها لتبتعد انشاً واحداً هامسة بلهفة وعيونها تنطق بلوعتها تردد كلماته السابقة لها لعلها تخرجه بها من حالة الجمود تلك:
"وحشتني.. وحشتني أوي.. إياك تسيبني لوحدي تاني وتمشي."
شعرت بالرجفة التي أصابته وارتعاشة شفتيه كأنه يقاوم تأثير تلك الكلمات عليه. لكنها لم تمهل الفرصة للمقاومة تواصل هجومها عليه عينيها تحدق في ظلمة عينيه بثبات برغم الدموع بها وقد نوت ألا تخرج من هذه المعركة إلا وهي فائزة به:
"لما بتسيبني لوحدي بحس إني يتيمة ومليش ضهر ولا سند.. إياك تخليني أحس تاني بكده يا صالح.. إياك بعد ما بقيت كل دنيتي وناسي وأهلي تتخلى عني أو تخليني أحس باليتم.. أنا روحي بتنسحب منى لما بتبعد بعيد عني ولو لثانية واحدة.. عارف ليه عشان إنت روحي يا صالح فاهم ولا لأ!"
عاودت احتضانه مرة أخرى بقوة ولم تنتظر هذه المرة منه استجابة ولا تبالي برد منه على اعترافها هذا. فقط كل ما أرادت أن تجذبه خارج تلك الظلمة والتي تراها بعينيه والتي اجتذبته بداخلها يكفيها وجوده فقط بالقرب منها. ولكنه وفجأة كما لو كانت كلماتها قد اخترقت الظلام الذي يحيط به تبدده فيرفع ذراعيه المتهدلة جانبه إلى خصرها يتشبث به بقوة قبل أن يسحقها إلى صدره في عناق عنيف قاسٍ يكاد أن يسحق عظامها تحت ضغطه.
لكنها وقفت طائعة بترحاب وسعادة بتلك الاستجابة منه لا يصدر عنها صوت معترض واحد وهو ينحني عليها يحملها بين ذراعيه بخشونة يتجه بها ناحية غرفتهم. تدس برأسها في عنقه وهي تلف ذراعيها حوله متعلقة به في إشارة ترحيب منها لعاصفة مشاعره القادمة.