تحميل رواية «سرداب غوانتام» PDF
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اتأخرت أوي ع الجامعة. جريت وقفتها أمها. "خدي دوقي." خدت قطمة من الساندوتش. "حطي رشة فلفل أسود وهتبقى زي الفل." قالت هاجر. "بقيتي تعلقي على أكلي؟ الله يرحم ما كنتي بتاكلي وتبوسي إيدك وش وضهر." "باست إيدها وش وضهر." قالت. "آه." وضحكت. شافت الساعة. "صوتت وطلعت تجري: يالهوي فاضل ربع ساعة.. أنا ماشية." كانت هتخبط في أبوها. لفت بسرعة. "خبطت في الحيطة." قال غسان: "إنتي كويسة؟" "آه آه .. أنا كويسة." كملت جري وهي بتقول بخوف: "بس مش هكون كويسة لو اتأخرت أكتر من كده." قالت هاجر: "استني يا لينا إنتي مفطرتيش...
رواية سرداب غوانتام الفصل الأول 1 - بقلم نور
اتأخرت أوي ع الجامعة. جريت وقفتها أمها.
"خدي دوقي."
خدت قطمة من الساندوتش.
"حطي رشة فلفل أسود وهتبقى زي الفل."
قالت هاجر.
"بقيتي تعلقي على أكلي؟ الله يرحم ما كنتي بتاكلي وتبوسي إيدك وش وضهر."
"باست إيدها وش وضهر."
قالت.
"آه."
وضحكت. شافت الساعة.
"صوتت وطلعت تجري: يالهوي فاضل ربع ساعة.. أنا ماشية."
كانت هتخبط في أبوها. لفت بسرعة.
"خبطت في الحيطة."
قال غسان: "إنتي كويسة؟"
"آه آه .. أنا كويسة."
كملت جري وهي بتقول بخوف: "بس مش هكون كويسة لو اتأخرت أكتر من كده."
قالت هاجر: "استني يا لينا إنتي مفطرتيش."
"هاكل برا سلاااام."
كانت بتجري وبتدور على تاكسي بس مش لاقية واحد بيقف.
بصت في ساعة إيدها. كانت قديمة وشكلها غريب بس شغالة.
جريت عشان متتأخرش وتشتم زي كل مرة.
كانت واقفة مستنية إشارة المرور تيجي خضرا ومتوترة.
"يارب الدكتور ميطردنيش، هو مش بيطقني أصلاً."
جريت على الرصيف. سمعت صوت لثة عجوز واقع على الأرض وعكازه بعيد عنه. كانت هتمشي بس مكنش فيه حد يساعدها.
افتكرت جدتها وكلامها ليها وهي صغيرة: "لي الأميرة بتساعد الكل دايماً في القصص؟"
"لأن ده واجب علينا .. هي كمان الأمير ساعدها وأنقذها من الأشرار ولا إيه؟"
"أنا كمان عايزة أمير يساعدني."
"بكرة تكبري ويجيلك أميرك في وقته."
"بجد؟"
"اكيد كل بنت مصيرها يجيلها أميرها وحكاية يبنوها سوا."
"وتبقى النهاية سعيدة؟"
"بالظبط ويعيشوا في هنا."
أمسكت يدها الصغيرة وضعتها بين كفيها وقالت: "قدمي المساعدة دايماً للي محتاجها من غير تردد... افتكري يا لينا إن مساعدة الغير بتعود عليكي بعدين."
تنهدت لينا بضيق وراحت ساعدته.
"إنت كويس؟"
أشار إلى عكازه. فنظرت له وقالت: "آه آسفة."
أدتهوله وهي بتسنده: "شكراً يا بنتي."
كان بيمشي ببطء مش زي بقية الناس. مشيت معاه عشان محدش يعمله. بتتحايل زمير العربيات.
حاول ما وصلته على الرصيف. ابتسم لها ابتسامة هادئة. حسيت بانجذاب رهيب ليه.
بصت في الساعة. اتصدمت.
"دلوقتي اتأكدت إني هطرد .. أقدر أستريح."
لسه بترجع تشوف العجوز بس اتفاجأت لما ملقتهوش.
بصت حواليها. مكنش فيه حد.. إزاي؟! ده مش شايفه طيفه من بعيد حتى.
جريت بسرعة وصلت الجامعة. وقفت قدام المدرج بتاخد أنفاسها.
أول ما فتحت شافت عينه البنية وهو بيبصلها بنظرات ساخطة ولا تبشر خيرا.
"الساعة كام يا دكتورة؟"
"أسفة."
"اتفضلي برا. معنديش حد يدخل بعدي... عشان تحترمي الدكتور كويس."
"أنا مش قصدي...."
قال بحده وهو يقاطعها: "برا."
حست بكسفتها وخصوصاً لما سمعت صوت همسات ضحك عليها.
إنها "يارا" شهيرة جامعتها إلى الكل عاوزين يحبوها بس هي مغرورة وبتتنمر على الكل عشان هي بنت عميد الجامعة.
كانت لينا بتكرهها هي وصحابها اللي بيتريقوا بسبب الدكتور اللي دايماً بيهزقها.
كانت لسه قاعدة في الكافتيريا. كانت بتقرأ كتاب في إيدها.
"قاعدة لوحدك ليه؟"
كانت صحبتها سهيلة.
"إنتي مبتزهقيش من الكتب دي؟"
"لأ، تعرفي أي عن الكتب ده أفضل صديق.. على الأقل هو ضيع الملل اللي كنت فيه."
"إنتي ملل أو غيره بتفضلي تقرأي."
سكتت بضيق. قالت سهيلة: "مالك؟"
"مطرودة من محاضرة. عيزاني أضحك؟"
"من دكتور معتز بردو؟"
"مفيش غيره."
"ما تتكلمي معاه واعرفي سبب طريقته معاكي."
"أتكلم معاه!؟.. ربنا يديم عدم القبول اللي بينا مش من فراغ."
"معلش اعصري على نفسك لمونة. مجتش من السنة دي يعني محنا استحملنا سنتين."
"ولسه سنتين كمان."
"ما ده اللي بقوله حاولي تتجنبيه عشان ده الدكتور يعني ممكن تشيلي المادة بسببه."
"عيزاني أعمل أي.. ده واحد مبيطقنيش ولا أنا بطيقه.. يعني حتى لو روحت هكون بقلل من نفسي مش أكتر وكان هيفرح فيا."
كملت بقرف: "تعرفي لو كان حد عاقل كنت عملت كده من غير ما إنتي تقوليلي."
ضحكت سهيلة: "خلاص اهدى، وإنتو شبه الأعداء كده.. شوفي سبحان الله بيعامل الكل حلو إلا إنتي."
"كده أنا مميزة عن الكل. دي حاجة تفرح، ثم إني مش عايزاه يتعامل معايا خالص. أنا بقول إمتى أتخرج من هنا من غير ما أعمل جريمة."
"مجنونة.. إنتي وراكي محاضرة تاني؟"
"آه بس مش هحضرها."
"ليه؟"
"هروح المكتبة."
"تاني؟ إنتي مبتزهقيش؟"
"لأ مبزهقش. دي الحاجة الوحيدة اللي عمري مزهق منها.... مش زيكو."
"تقصدي إيه؟"
"أقصد اهتمامكم بالمكياج واللبس ولفت الأنظار وجو البنات ده."
"عقبال ما تبقي منا."
"تؤتؤ أنا مميزة افتكري كلامي."
"يابت بطلي النرجسية اللي فيكي دي."
"اسمها ثقة بالنفس يماما مش ذنبي إنك جهلة."
"أنا جهلة.. ده أنا أقرا لي كتابين من بتوعك دول وابقى مثقفة زيك."
"أي اللي مانعك؟"
"خايفة أبقى باردة زيك."
"أهم حاجة الثبات الانفعالي."
خدت شنطتها عشان تمشي.
قالت سهيلة: "زهقتي مني، ماشي لما أشوفك."
ابتسمت ومشيت وهي بتسيبها واقفة. لما شافت الدكتور معتز وكان معاه امرأة وقريبة منه وحاطط إيده عليها.
"بيعمل إيه ده؟"
مشيت وراه. وقفت عند مكتبه. شافته بيدخل فيه. قربت ودنها بس مكنتش سامعة أي صوت.
اتفتح الباب مرة واحدة. ولقت اللي بيسحبها جامد. شهقت بخضة ولقيته واقف قدامها ومحاصراها أمامه.
"محدش علمك إن التنصت عيب؟"
ابتلعت ريقها بخوف و....
رواية سرداب غوانتام الفصل الثاني 2 - بقلم نور
واقفه على الباب عشان تسمع لقته اتفتح مره واحده ومعتز بيسحبها جامد وبقيت محاصره أمامه
- محدش قالك ان التنصت عيب
بلعت ريقها بتوتر قالت
- انا مكنتش بتنصت
ضم دراعه إلى صدره وهو باصصلها ومستتنى اجابه
قالت لينا
- كنت جاى أسألك ع المشروع إلى عايزنا نعمله
- هبعته على الجروب ودلوقتى
نظر لها بحده قال
- اياكى تتكرر، برا
نظرت له بضيق لانه بيطرظها من مكتبه والمحاضره بصيت إلى تلك السيده الذى معهم
مشييت وسابته وهى مضايقه من نفسها
- انا مالى انادخلت إلى المكتبه ونا بقرا كتاب بهمس زى بقية النا
لسما خلصت لفيت تليفونى رن كتير من ماما: ما بترديش على تلفونك ليه: كنت فى المكتبه وانتى عارفه انى بخليه صامت: خلاص مش مهم يلا كفياكى كده وتعالى على البيت
انهت المكالمه وهى مستغربه لما تتعجلها والدتها انها لا تريدها اليوم بأكمله على ايه حال .. لحظه .. ما هو اليوم؟
عادت للمنزل دخلت وهى تتسلل لغرفتها دون اصدار صوت
وصلت الى غرفتها فابتسمت واسرعت اليها: مش هتبطلى شغل الحرامين دها
غمضت عيناها بضيق استدارت لصاحب الصوت وكان أخيها الكبير "حسام": وانت مش هتبطل تقفشنى زى كل مره
خطى تجاها وهو يمد يده ويشير لها بلأقتراب ويقول : تعالى يا هبله
تنهدت واقتربت منه وقفت امامه قالت : على فكره انا مستعجله
: مستعجله ليه، وراكى الديوان ياختى
: اه
قالت ذلك وهى تفر لكنه امسكها من ملابسها يوقفها امامه ويقول : الى انتى عملتيه ده
ارتبكت نظرت له وتصنعت البرائه وقالت : عملت ايه ؟
: والله بقا ده جزاتى انى مديكى الاكونت بتاعى .. مش معناته تبرطعى فيها
خرج هاتفه وضعه فى وجهها وقال : اى ده هاا .. كاتبالى مطلق
: الله مش انت الى قولتلى عايزنى اضايقها .. طب ادينى ضيقتهالك
: تقومى تخلينى مطلق
: خلاص نخليها ارمل، حلو ده بيجيب تعاطف اكتر و...
: انتى هتشحتى بيا
: ياه امال لو شوفت جروبات البنات والى بكتبه عنك
: انا همسحلك ام الفيس ده خالص ... ادى اخره الى يمسك تلفون لعيله
قالت وهى تتصنع الحزن : الله يسامحك ... ممكن تسبنى امشي
: ماما بتسأل عنك
: منا بتسحب عشان كده
: عملتى اى تانى
: انت ظالمنى والله لسا لحد دلوقتى معملتش حاجه
: طب امش
قالها وهو يتركها فذهبت سريعا وهى تقفل باب غرفتهة
قامت بتبديل ملابسها وذهب كانت عائلتها فى انتظارها يجلسن على المائده والديها واخيها .. تلك هى عائلتها ... جلست معهم وشاركتهم الغداء
: يومك كان عامل اى النهارده فى الجامعه
نظرت لأخيها الذى كان يخاطبها ابتسمت وقالت بكذب : جميل
بينما كانت تكتم داخلها كلمات بغضيه تجاه دكتور "معتز": ابن عمك هيجى النهارده متروحيش فى حتا
ومات ايجابا فكما توقعت لقد استعدتها باكرا اليوم كى تجهز نفسها ولا تهرب كعادتها
ابن عمها " عامر" الذى طلب يدى للزواج وانا لا اراه حتى الان غير اخى واراه مزال صغيرا لا بجب ان يفكر فى الزواج فهو يكبرنى بثلاث سنوات فقط ، وان قلت الصراحه فأنا اريد رجل ناضج عاقل ولديه شخصيه قويه وان يكون فارق العمر كبير ليس بكثير لكن لا يساوى بمقدار ٣ سنوات ، كان ابى موافق عليه فهو ابن اخيه وامى تحب مصطفى فهو قريب منها منذ الصغر اما عن اخى فهو من يخبرنى ما دمت لا اريده فلأقول ذلك ولا يريد ان اضغط على نفسي ويخبرنى بأن ارفض على الرغم انه صديقه المقرب الى ان حب اخى لى اكبر من اى احب فشقيقى يحبنى كثيرا ويدللنى عن ابى فأحبه انا ايضا يشده لا اعتبره اخا اعتبره صديقا ولا اخبئ شئ عليه ليس كبقيه رفقتى يخافون من اخوتهم
فى منتصف اليوم كنت جالسه فى غرفتى سمعت جرس الباب علمت انه عامر لم اهتم واكملت دراستى ، بعد قليل طرق الباب وكانت امى: يلا تعالى سلمى علي عامر عشن عيب كده
: ماما انا بذاكر زى مانتى شايفه
: يعنى وقت اما هو يكون هنا تكونى بتذاكرى ، مانتى علطول قاعده وباصه فى روايتك والكتب الى لحست مخك
وقف وضربت بيدى على المكتب وقلت بانفعال وصوت مرتفع : مامى انا مسمحش بأنك تهينى كتبى ، هينينى انا احسن
ضحكت امى قالت : طب يلا يا هبله يالى اتلحس مخك بحق وحقيقى
قلت بثقه : الكتب متلحسش مخ حد دى بتطوره وبتنضج الشخص فى تفكيره
: مش بقولك اتلحستى
ابتسمت على امى : يلا متتأخريش
: حاضر
اقفلت المذكره وخرجت كان عامر جالس مع اخى اقتربت منه وابتسمت وسلمت عليه فأبتسم هو الاخر
: عامله اى
: الحمدلله كويسه وانت
: انا الحمدلله
قال حسام : دراستك عامله يمصطفى
: كويسه هعمل ماستجير واخد دكتوراه
قال ابى : اخبار والدك ايه
: بيسلمو عليكو
: الله يسلمهم
قعدت فى تلك الجلسه ونتحدث مع عامر وهو يحدثنى ويردنى ان اقترب منه لاقبل الطلب لاكنى لا اريد صدقنى يا عامر انا لا احبك ولست كما اريد انا ، انك شاب رائع وصديقى منذ صغرى لكنك لا تروق لى ، ليتك نظرت لى كما انظر انا لك ، ذهب عامل
وكنت فى المطبخ مع امى احضر قهوه نظرت لى: قهوه تانى يبنتى ، هدمرك كفايه انتى بقيتى عامله زى المدمنين
ضحكت قلت : انتى خايفه عليا يمامى
: متتفلقى انا زعلانه على القهوه الى جايباها من يوم وخلصت
: تمام هجبلك غيرها
اكملت بابتسامه : وبعدين اخلصها انا بردو
: مفيش فايده
: اعمل اى بتعلى تركيزى
: فى اى ، الكتب والروايات بتوعك صح
: عرفتى منين
: هو انتى بتعملى القهوه غير لما تكونى هتعقدى ف اوضتك وتطفى النور وتعملى ضوء خفيف وتكونى شبه العفاريت
: شكرا يماما
: على اى
: انى شبه العفاريت وميزتينى بيهم
: لينا اطلعى برا
: هونا مكتوب على وشى اطلعى برا فى اى ياجدعان مش كده حسبى الله
امسكت قهوتى وكانت امى تنظر لى ذهبت وقلت : حسبى الله فى كل ظالم
: انتى بتدعى عليا
لم اعلق على كلامها وخرجت ثم عدت واطلت برأسي وقلت : يظلمه
: يبت الركضت بسرعه حتى لا يلحق بى ذلك النعال الطائر ويسقط فوق رأسي ، كنت فى غرفتى جالسه على مكتبى واقرأ واذا بى سمعت صوت رياح عاصفيه قويه تصدم بنافذه غرفتى مع صوت اعصار نحن فى فصل الشتاء ، وقفت واخذت جاكت ثقيل ارتديته ثم اقتربت من النافذه وفتحتها وجدتها تمطر وهواء بارد ابتسمت فأنا احب تلك الأجواء كثيرا ، مدت يدى وتنزل قطرات الماء المتساقطه من السماء على يدى وتلامس بشرتى كم هى بارده
: بتعملى اى
نظرت لصوت كان كريم فكنت قد تاركه الغرفه مفتوحه اقترب منى: اقفلى الجو مش كويس النهارده
: هو فيه احلا من كده
: اه فيه انا
: معاك حق مفيش ابرد منك
ابتسم واقفل النافذه نظرت له بغضب طفوله: يلا نامى عشن جامعتك بكره
: وانت منمتش لى ها قاعد بتحب انت ومريم مش كده
وضع يده على فمى وقال : اكتمى
نظرت له بتعجب ثم امسكت يده وابعدتها قلت : انت اهبل ما هى خطيبتك يا بنى
نظر لى وضع يده على راسه وكأنى انا من ذكرته
: تصدقى صح
ابتسمت قلت : تلاقيك نسيت لكن افتكر ده خلاص بقيتو مخطوبين يعنى مفيش حاجه غلط برسايل الحبيبه بتعتكو ديه
قام بضربى فى رأسي قال : نامى يلا
: متضربش طيب
فقام بضربى اقوى قلت : فاكر سلمى بتاعت زمان ، مريم تعرف حاجه عنها ولا اعرفها انا
امسك وجهى وقام بتقبيل رأسي ابتسمت بمكر وانتصار ثم ابتعد قال : انا اسف
: تسبلى فلوس هنا عشان عايزه اشترى كتب جديده
: حاضر
: وتوصلنى بكره لجامعه عشان متاخرش
: حاضر ، حاجه تانى
: لا كفايه كده لما اعوز هقولك
ذهبت الى السرير وكان اخى ينظر لى بغضب قلت : متنساش تاخد الفنجان و الباب فى ايدك لما تخرج
: شغال عندك انا
نظرت له ابتسمت قلت : سلمى بتسلم عليك
قال سريعا بلهفه : بجد والله
نظرت له بشده فارتبك ابتسم ثم اخذ الفنجان وخرج واقفل الباب وخلدت للنوم
اوصلنى اخر الى الجامعه دخلت انا وهدى واحذرو من قابلنا انها يارا واصدقائها نظرت لى وابتسمت بسخريه ، انا اكره تلك الفتاه حقا لا اعلم على ماذا يحبوها ويتمنون الحديث معها انها يجب ان تكون منبوذه من بين الجميع ممكن من اجل جمالها فهى حسناء وتضع مساحيق تجميل تجعلها اجمل من ما هى علي وايضا ملابسها انها عصريه جدا
دخلت المحاضره ولم اكن قد تأخرت بل جئت باكرا دخلت وجلست وبدأ التجمع ومن ثم دخل دكتور معتز نظر لى ورمقته نظرت انتصار فلا حجه له على إهاناتى ، لكن لحظه وجدته يخفض وجهه ويبتسم بهدوء... هل هو يسخر منى داخله ، لماذا يبتسم هذا رفع وعاد لوجه وبدأ ، انتهت المحاضره اخذت دفاترى وذهبت
: لينا انتى فى كامل قواكى العقليه
التفت ونظرت الى المتحدث وكانت يارا نظرت لها وحولى والى من تتحدث
قلت بتعجب : مش فاهمه
ضحكت قالت : مفيش حاجه يا عزيزتى انا خايفه عليكى اكمنك جيتى بدرى انهارده فقولت اطمن
ضحك اصدقائها علي ، غضبت بشده انا بلفعل اتأخر لاكن ليس من كسل انه بسبب سهرى وتطلع الكتب والقراءه ، ابتسمت نظرو لى بأستغراب: حتى هى بتضحك على نفسها ، غبيه
كانت تلك احد رفيقاتها قلت : لا انا بضحك عليكم
نظرو لى بشده وغضبو، قلت : مضيقتش من الى انتو قلتوه انا متصالحه مع نفسي جدا ، بس فيه بيخبو عيوبهم حتى من نفسهم الى بتنتمى ليهم ، مش كده يا يارا اظنك عارف الحالات الى زى دى
قالت يارا : قصدك ايه
ابتسمت واومأت برأسي بمعنى اجل كما فهمتى اقصدك انتى وجدتها فغضبت: انتى ازاى تكلمى معايا كده ، انتى عارفه احنا بنيجى بدرى ليه عشن نشوف بس الاهانه الى انتى بتتعرضى ليها انتى سخريه للجميع
قلت : احسن من السخربه الى انتى بتتعرضى ليها داخلنا بس مبتسمعاش
اشتعلت غضبا ابتسمت وذهبت وهى تتواعد لى وانا تضايقت كثيرا من كلامهم على الرغم انى اظهرت عكس ذلك
: انتى قولتلها كده بجد
قالتها هدير بدهشه نظرت لها قلت : اه يعنى مالك مخضوضه كده لى
: هتحطك فى دماغها
: هى لسا هتحطنى مهى حطانى من اول مدخلت الجامعه ، هى باينه انها جامعه منيله من اولها
: انا قلقانه عليكى
: لى هيكلونى
: لا هضايقك فى الرايحه والجايه وتعملك مشاكل
: تعمل الى هى عيزاه
سمعت صوت اشعار من الهاتف نظرت وكان اشعار من الجروب المكتبه لاعضاء المشاركين فتحت ونظرت وما ان ارتسم على وجهى ابتسامه كبيره
: مالك اتحولتى كده لى
نظرت لها قلت : بكره فى افتتاح لمكتبه الغارديا ودى مكتبه كبيره اوى تضضم كتب اثريه وافضل الكتب هتكون هناك
: هتروحى
: اكيد طبعا مستحيل مروحش
ابتسمت هدير نهضت واخذت دفاترى وذهبت وانا اخرج من المقهى اصدمت بشخص
قلت بغضب وانفعال : مش تفتح يبنأدم
: قولتى ايه
ابعدت يدى عن رأسي الذى المتنى رفعت وجهى بغضب قلت : مش تفو
صدمت عندما وجدته دكتور معتز ، يا اللهى هل ينقصنى هذا ايضا
: عيدى الى قولتيه
قلت بضيق : مقولتش حاجه
قال : لا قولتى سمعينى
: اسفه
: ابقى خلى بالك من كلامك كويس
لم استطيع التحمل اكثر من ذلك نظرت له بغضب قلت : انت فاكر نفسك مين عشان تتكلم معايا كده ، ها قول اى مشكلتك معايا يا دكتور معتز ، عشان اتأخر انت بتقوم بالواجب وبتهنى قدام الكل وبتخلينى سخريه ليهم ، وجاى دلوقتى وبتهنى بردو .. معأنك انت الى خبطتنى ورغم كده انا الى اتأسفت منك
حسيت نفسي قد اى غبيه ونظرته ليا مشيت وعرفت انه اكيد هيسقطنى
دخلت الى المنزل وقلت السلام وذهبت لغرفتى جلست على السرير بضيق: ربنا يستر كان لازم اتخبط فيه هو ، بنأدم مستبد كل ده عشن دكتور امال لو كان دكتور بحق وحقيقى مش فى جامعه كان هيعمل ايه
لبست ونا ماشيه وقفتها هاجر
: راحه فين
: المكتبه
: دلوقتى مش انتى بتروحى الصبح بدرى ، ده المغرب هتأذن
: مرحتش انهارده عشن فى افتتاح لمكتبه وكبير اوى لازم اروح
: بس
ابتسمت قلت وانا اذهب : يلا يماما مع السلامه
وصلت المكتبه مانت جميله جدا، شكلها قديم اوى بس بطريقه مميزه جيرانها متمسكه
حتى الكتب تبدو مميزه من غلافهم وكأنهم كتب اثريه، كنت بدور ع كتاب بس اتصمة لما لقيت دكتور معتز موجود
نظر لى حطيت الكتاب على وشي ومشيت: يارب يكون ما شفنيش
ذهبت اقتربت من الطاوله وضعت جاكتى على الكرسى وجلست واخبئ وجهى داخل الكتاب: شفتى عفريت
لقيته قاعد جنبها قلت : لا شفتك انت
نظر لى فنظرت فى الكتاب وانا محقه فى هذه ولن اعتذر وان اخاف منك فى تلك الحالتين انت سترسبنى لا داعى بأن اخاف منك بعد الان نظرت بطرف عينى وجدته مبتسم تعجبت كثيرا: بتعملى اى هنا
: هكون بعمل اى نفس الى انت جاى تعمله
نظر لى قال : انت !
: احنا مش فى الجامعه يا دكتور
: ولزمتها اى دكتور
قالها بإبتسامه لم افهمها هل يسخر منى لماذا يبتسم هكذا انه دائما ملامحه تضيق عندما يرانى ولا يتحدث معى عادتا
قال: بتبصى كده لى
: لا مفيش
: قولى عايزه تقولى ايها
استغربت كثيرا من طريقته وكلامه ومجاله فى الحديث قلت: انت كويس
: اه ليه يعنى
: ليه !! انت بتسأل مش شايف طريقتك
ابتسم نظر لى قال: مالها طريقتى
: انا دلوقتى اتإكدت انك عفريت ومش الدكتور نادر
ابتسم قال: لى بس
: بص بتبتسم ، وليا كمان يعنى مش لحد تانى اقول اه عادى
: وفيها اى
: فيها كتير، انا خوفت
: هونا وحش اوى كده
: وحش بس
: نعم
: اقصد انت حلو مع الكل .. معايا انا لا ، يعنى متعوده على الاهانه والسخريه منك فعادى مش فارقه
عدت الى كتابى ونظرت فيه قمت بفتح زجاجه مياه لاشرب فاصدم احد بالكرسى فوقع الماء علي اقترب نادر قال : انتى كويسه
نظرت الى الشخص الذى اصدم بالكرسي واختفى همذا قلت : هو فى انهارده
اخرج نادر منديلا واعطانى ايات نظرت له بتعجب ثم اخذته منه ولم أشكره قمت اولا بخلع ساعتى فكانت قد تبللت ثم نشفت يداى ومسحت ملابسي، بعد مرور كنت قد تأخر اخذت جاكتى وذهبت: راحه فين
نظرت لنادر قلت : مروحه
: استنى هوصلك
توقفت مكانى ونظرت اليه بشده ومن ما قاله وقف نظر لى: اقدر اروح لوحدى
: هوصلك يلا
ذهب نظرت له وانا سافقد عقلى من ذلك المستبد وكيف تحول هكذا ، خرجت من المكتبه وجدته واقف عند سيارته وكأنه ينتظرنى نظر لى قال : هتفضلى واقفه
هل يحدثى ذاك المستبد سيرت تجاهه فأصدمت بأحدهم
قلا : لا كده كتير
نظرت وتعجبت فكان رجل عجوز للحظه اليس ذلك العجوز الذى رأيته البارحه على الطريق
: اسف يا ابنتى
تضايقت من نفسي
: لينا
نظرت لنادى الذى كان ينظر لى بتعحب سار تجاهى ونظر الى العجوز والي ، نظرت الى العجوز قلت : اسفه مكنتش اقصد طريقتى دى والله
ابتسم العجوز ابتسامه خفيفه فسعدت ثم وجدته يرفع يده الى وجهى نظرت له قرب يده من جبهتى نظرت ليده فأبتعد وابتسم قال : ربنا يوفقك ويرعاكى
ابتسمت له من تلك الدعوه الجميله نظرت لنادر الذى كان ينظر لى اشار على السياره فذهبت معه ، ركب السياره ارتبكت نظرت حولى ثم ركبت انا الاخره وذهب
نزلت من السياره : شكرا
: معملتش حاجه المهم متتاخريش بكره على المحاضر عشن ده سبب تعصبى
قلت بتعجب : مش هتشيلنى الماده !!
ابتسم قال: لا مش هعمل حاجه زى كده اصلان
نظرت له بأستغراب شديد ومن يكون ذاك الرجل ، ابتعدت ودخلت المنزل ابتعد عن تلك الجنون الذى خلفى: يلا عشان تاكلى
: حاضر يماما هغير واجى
دخلت غرفتى بدلت ملابسى ثم خرجت وجلست معهم اشاركهم العشاء
: عملتى اى فى المكتبه
: كانت جميله اوى يبابا مليانه كتب وتحسها حاجه اثريه كده وغريبه
ابتسم كريم قال : انتى كلك غريبه
: بحب الغرائب
كانت لينا بتحط فنجان القهوه عشان تنامو توقفت فجاه لما ملقتش الساعه ف ايدها
انها غاليه جدا ع قلبها كانت هديه من جدتها وهى مبتفرطش فيها برغم انها اتعرفت لتتننر بسببها وأنها ساعه من الطراز الجاهلى لكن تحبها
سابت إلى ف ايدها وروحت ع اوضتى بدور عليها ف كل مكان مش لقياها: هتكون راحت فين
صمت لوهله ثم قلت: المكتبه ، ايوه انا قلعتها ... يغبائى انا ازاى كده
خرجت راسي من الغرفه نظرت المنزل فكان عائلتى قد نامو ثم خرجت وكنت ارتدى جاكت الكوخ الطويل اقفلت الباب ببطئ ثم تسللت وخرجت من المنزل متوجه للمكتبه
لن انتظر لغدا فتفكيرى يأتى ويجى بأن الساعه لقاها احد او رماها
وصلت الى المكتبه زكانت مقفله بلطبع لم اعلم ماذا افعل ظنت ان الحارس موجود وساطلب منه ان يفتح ، ذهبت من خلف المكتبه ثم تسلقت الجدار اعلم انى مجنونه لكن كان بمقدار بسيط
انا لست ماهره فى التسلق كنت لاصل الى النافذه فقط وهى قريبه ، وبالفعل وصلت لها قمت بفتحها ورفعت قدماى وقفزت نزلت ولمست قدماى الارض نظرت للمكتبه كانت مظلمه ولا ينيرها غير ضوء القمر الخافت فحمدت ان يوجد ضوء فأنا اخاف الظلام
ذهبت الى المقعد الذى كنت اجلس عليه وبلفعل وجدت ساعتى ابتسمت وامسكتها ثم التفت وذهبت لكن توقفت فجأه نظرت الى كتاب كان خارج عن الرف ووممكن ان يقع وكما تعلمون اهتمامى بالكتب وكأنه احد رفيقاتى حتى وان لم يكن كتابى
دخلته فى مكانه زى ما كان ولسا همشي وقفت ونا مستغربه لما لقيته خرج من مكانه تانى...وكأن فيه حاجه وراه مسكته ونا بشوف بس كانت ف مساجه كبيره ليدخل كيف يخرج اذا
نظرت الى الكتاب الذى فى يدى كان شكل غريب قديم لكن غلافه يبدو عليه القوى ومتين وليس عليه تشققات مثل الكتب القديمه لكن شكله غريبه حركت بمينا ويسارا نظرت الى إسمه لم استطيع قرأته
كانت لغه غريبه ما شوفتها قبل كده ولا سمعت عنها قط
حسيت بشيء غريب حواليا وهاله قويه.. لفيت واتتسعت عينى بخوف وزعر
سراب غوانتام
بارت٢
كان الكتاب بلغه غريبه معرفتش اقرأها.. حسيت بحاجه حواليا
لفيت واتصدمت لما لقيت الكتب طايره فى الهوا حسيت بحاجه ورا لفيت بسرعه لقيت الكتب إلى ورايا كلها بقت معلقه فى الهواء
- مستحيل
كانى فى القضا ومفيش جاذبيه والرفوف بتطير، كامت واقفه ف مكانها بخوف
الى بيحصل اكيد انا بحلم، اكيد ده مش حقيقه كيف جماد يطير فى الهوا
اتفزعت على صوت عالي مفزع لما الشبابيك اتفتح جامد بسبب عاصفه قويه هبت كادت أن تخلع اخشاب الغرفه
سمعت صوت الرعد وقلبها بيرتعش من الخوف
رجعت لورا ونا مرعوبه وكأن فى جن بيعبث فى الكتب وبيخليها تطير، طب الجو.. كيف انقلب
حسيت بحركه فى ايدى واتصدمت لما لقيت الكتاب بيتهز رميته بسرعه فوقع على الارض
نظرت له بشده واشعر بالخوف وجدته يفتح من تلقاء نفسه ويقلب صفحاته بقوه ، لا أحد مقترب منه وصعقت عندما وجدته يرتفع من على الارض ببطئ ثم وجدت صفحاته تفترق عنه وتطير فى الهواء
كانت رجلى متصلبه وجسمى متلج مش من الهواء القوى بل من الخوف من ما اراه انا بتأكيد فى حلم
دار الورق فى حلقات منتظمه، نظرت بشده وجدتها تلف وتشكل دوامه وتدور حول الكتاب وتقترب منى وكأنها تبتلع من يقف ف وجهها
جريت بسرعه ونا عايزه اهرب وبخبط ع الباب جامد بس كان لا يفتح
- ساعدونى.... يعاااالم
جريت على الشباك لقيته اتقفل فى وشي، نظرت له بشده جريت ع الشباك التانى لقيته اتقفل برضو روحت للتالت لقيته اتقفل واتقفلت كل الشبابيك فى المكتبه ولم يعد هناك مخرج
اترعبت ورجعت بخوف وقعت على الأرض
- الى بيحصل.. اكيد ده كابوس.. غزقى يا لينا
القت دوامه الكتاب تتكاثر شيئا فشيئا وكانها على وشك ابتلاع المكتبه بأكملها بنا فيها انا ، لقيت الكتاب بياقفل وكان يوجد رمز غريب ينبع منه ضوء خافت متوهج
سمعت صوت لحن وتخرج اطياف مضيئه على شكل ارواح واحصنه، هناك جنود.. وقصر كبير.. هناك حشد من النا
نظرت إليهم بخوف وسمعه الصوت إلى معرفش هو منين، لقيت الكتاب بيقرب منى
سندت ابد. ونا بقف وأجرى وبصرخ
- حد هناااا، خرجونى
لفيت لقيت الكتاب فى وجهها اترعبت وعدت للوارء التصق ظهرى بالحائط فأقترب الكتاب من وجهى صرخت بخوف وحسيت بحاجه غريبه
كان فى مار فل جبهته وكأن الدماء فى عقلى بيغلى وطاقه تسير داخل جسدى بأكمله.. لقية ضباب كثيف وتبخر كل شيء امامى فى بند لحظه
كانت نايمه على الأرض ورجاله جنبها بيحركوها
- انتى
فتحت عينها شعرت بضوء قوى يسقط عليها حطت ايدها على عينها من ضوء الشمس القوى
لقيت تلت رجاله ضخماء وشكلهم مخيف، اتعدلت فى جلستى ورجعت لورا لقيت نفسها فى صحرا: من أنتى ايتها الدخيل
نظرت لذلك الصوت القوى المخيف لم افهم كلامه يتحدث بطريقه غريبه قلت بخوف: انتو مين
بص ع لبسهم الغريب قلت- ولبسين كده لى
نظرو الي بشده وعلامات التعجب تحوم وجوهم: عما تهذى به
: لنأخذها من ضمن العبيد ونجنى المال من ورائها
: تبدو حسناء الوجه
- لعلها تصبح جاريه لملكنا العظي
نظرت لهم وهم يتحدثو بتلك الهجه كانت ملابسهم هى الاخرى غريبه كانو يرتدو جاكت قصير احمر اللون مفتوح دون اكمام كانت عضلاته وصدرهم وضخماتهم تظهرهم وبنطال ابيض ضيق من عند خصرها ثم واسع ثم ينزل بضيق كان كهيئت الصايداين
اقتربو منى وامسك احد زراعى بقوه فصرخت الما: بتعمل اى ، ابعد ايدك عنى
ثم وجدت الاخر يمسكنى بزراعى الثانى وكأنى مجرمه واخذونى نظرت لهم واحاول الافلات منهم: انتو مسكنى كده لى ابعدو عنى
وجدتهم يشتدو على زراعاى فألمتنى قبضتهم: اصمتى
سيرت معهم نظرت للناس وبدأو بظهور كانت ملابسهم جميعهم غريبه والنساء كذلك وكأنى انتقلت إلى عصر آخر زمن غريب وناس غرباء ولهجتم تلك ، لحظه تذكرت المكتبه عندما ذهبت اليها قلت : الكتاب
ابتسمت عندما تذكرت فليس هناك لاقضى حلما جميلا مثيرا وغريب كهذا ، وجدت ذلك الرجلان توقفا عند بيت من تلك البيوت ذو تصميم قديم نظرت لهم ولماذا اتو بى لهنا
قلت : سيبونى انتو جيبنى فين
فتح الباب توقفت وابعدتهم عنى فامسكنى احد من زراعى ولفهم للخلف صرخت من الالم ، دخلت للمنزل وانا اتألم من زراعاى وذلك الرجل الضخم الذى يعتصرهم عندما اتحرك فى غير مساره
ادخلونى الى غرفه كنت اسمع اصوات قهقات انوثيه دخلت وجدت نساء ملابسهم شبه عاريه ومفاتنهم ظاهره بشده ، نظرو لى وابتسمو .. دفعنى الرجلان بقوه نظرت لهم بضيق: اخلعن ملابسها الغريبه تلك وقمن بإعدادها
اومأن برؤسهم ، نظرت لهم وهم ذهبو اقتربو منى النساء : انها غريبه: من اين انتى ايتها الحسناء
نظرت لهم وهم يخاطبونى كانو يخلعون جاكت الكوخ الذى ارتديه ابعدتهم وصرخت وركضت للخارج فاقفلت امرأه الباب وقفت نظرت لها واقتربو منى : عايزه امشي ابعدو
: بما تحركين شفتيك
: اظنها انها لا تفهمنا
امسكونى وخلعو جاكتى صرخت : ابعدو عنى عايزين اى
كنت اعافربتخلص منهم وابعدهم عنى بأى طريقه لكنهم كانو كثيرات فيقيدون يداى ويريدون الباسي من ملابسهم تلك وهذاى مستحيل ان يحدث ... مستحيل ان اكشف جسدى هكذا حتى وان كان حلما الذى بدأت ان اشك بأنه كذلك... فأنا اتألم فيخيل لى الحقيقه واشعر وجسدى ليس كطيف
كانو سيخلعون البلاوز الذى ارتديها ركلت احداهن فى وجها وضربت من تمسك يدى وركضت عند الباب وقمةت بفتحه وخرجت لكن اصدمت بجسد عملاق وكان احد الرجال شعرت بالخوف فرمقنى بنظره مخيفه امسكنى من يدى صرخت وبكيت: ابعد عني يازباله ، سيب ايدى
ادخلنى للغرفه ودفعنى بقوه فوقعت على الارض من قوة دفعته لى
قال بغضب : ايتها الساخطه
: عايزين اى منى
اقتربن النساء منى حسسن على شعرى بلطف نظرت لهم وانهم يريدون استدراجى ابعدتهم عنى وقفت وذهبت وجدت احداهن تمسك شئ فى يدها وكان يخرج منه بخار وكانه بخور اقتربت منى عدت للخلف فامسكنى : بتعملو اى سيبونى
وقفت المرأه امامى مباشره وتزيح بيديها البخور على وجهى سعلت عندما استنشقته ثم سمعتها تتفوه بكلمات نظرت لها وكانت تنظر فى عينى مباشره وجدتنى انا الاخرى انظر لها وذلك البخور يلاصق وجهى عندما تزيحه الي وشفتاها تحركها وتقول كلام غريبه لا افهمه واشعر بمغناطيس يسحبنى اليها ولا استطيع ابعاد عينى لكنه وقع عليها وكادت ان تحترق وصرخن بخوف نظرو لى بشده لكننى كنت اشعر بدوار ، وجدت عيناى تقفل تدريجيا ولا ارى
فتحت عيناى وعلى من يهزنى نظرت لمن حولى وجدت نساء تنظر الى نظرت لهم بأستغراب ومن يكونو وتذكرت كل شئ اعتدلت فزعه ابتسمن من رؤيتى وضحكن ، فزعت نظرت لنفسي وصدمت عندما وجدتنى ارتدى من تلك ملابسهم العاريه احمرت عيناى وتجمعت الدموع داخلهم ركضت بسرعه وحصلت على اى غطاء وقمت بأخفاء جسدى فاقتربو منى ونزعوه عنى: ابعدو عنى ، عملتو فيا ايه .. يارب انقذنى من الناس ديه انا فين
صرخت فيهم بان يبتعدو لكنهم امسكنى واخذونى نظرت وجدت الرجال الصخماء واقفين ثم التفو وذهبو صرخت وانا انادى النجده واركض اريد اى شئ يغطينى من تلك الملابس اريد ان ادفن نفسي تحت تلك الرمال واختبئ داخلها ، امسكنى رجل وقام بصفعى بقوه مما شعرت بان عظام وجهى قد كسرت من شدت ضربته بكيت امسكنى من يدى واخذنى صرخت وليس من الالم بل من ما انا عليه من تلك الشكل والحاله وتلك الملابس الذى ارتديها ، بلا لا ارتدى شئ ، وجدت شجرة ذو أوراق كبيره وغليظه ركضت اليها وأخذت منهم وقمت باخفاء جسدى امسكنى الرجل واخذني جاء لينزع الاوراق من علي لكن صرخت وبكيت ومنعته من لمسي واخذها .. لكن لم يمل وحاول لكنى ايضا ثبتها علي
توقفن عند مكان غريب به من تلك النساء كثيرون ويرتدون ملابس فظه اقترب احد الرجال حاول اقتلاع اوراق الشجر الكبيره من علي من جديد ، نهرته ومنعته لكنه اخذها جلست وانكمشت واحاول اخفاء جسدى واناجى الله ، رب السموات والارض وانا خجله من ما انا عليه وشكلى تلك وانا اناديه واطلب منه مساعده
كان يأتى الرجال يرتدون ملابس غريبه لكن تبدو احسن حالا من الرجال تلك وكانو يقتربن من النساء وهم يتغزلن به وانا مقرفه واوسخ جسدى بالرمار ووجهى وشعرى حتى لا يقترب احد منى وعندما يقترب رجل منى اصرخ فى وجهه واسبه ، فاتلقى صفعه قويه من الرجال الضخماء تسكتنى فور وتجعلنى ابكى بصمت من التألم ، ما هذا يارب من هؤلاء الوحوش .. اين انا ان لم يكن حلما
كنت اتلقى الضربات وتلك العاهرات ينظرن لى بغضب من ما افعله وطرقيتى الفظه مع من بقتربو منى ، بينما هما يجذبهن ويتغزلن بهم بدون اى ذرة حياء
كانو يبعن وانا باقيه وابكى بشده ، ثم وجدت رجل يطلبنى نظرت له بشده ثم وافق الرجال واخذو مالا وكانت عملات معنديه غريبه الشكل اقترب منى الرجل ليأخذنى صرخت بوجه قلت: ابعد انا مش عبده عشان تشترينى
امسكنى من يدى بقوه ورمقنى نظره ارعبتنى لكن ايضا لن اذهب معه اخذنى البقوه وانا اصرخ واضرب فى يده ليدعنى فقام بضربى بقوه فاصبح جسدى مليئ بعلامات الضرب ووجهى الذى تعرض لصفعات عده ، كيف هو شكله الان وشعرى وجسدى المليئ الرمال التى كنت اسكبها علي
مزالت اصرخ والناس يتطلعون بى وانا احاول الافلات من بطش تلك اليد الممسكه بي
توقف الرجل وكان قد ابتعد عن حشد الناس وكنت امام ناس اخرى يحملون احجار على ظهورهم وكان من بينهم نساء مثلى كان رجال ضخماء يمسكون عصا غليظه فى ايديهم ويتبعنهم نظرت للرجل بشده فسحبنى واقتربنا من تلك الرجال نظرو لى: جئت لكم بما فيه لمال
نظرو لى اقترب احدهم منى نظرت له ثم التفت اخذ شئ وعطانى اياه نظرت وجدته ملابس مثل الذى يرتدنها اخذتها على الفور فكنت اريد ان ارتدى اى شئ يخبئنى وجدت رجل يعطى لرجل الاخر العملات ثم يتركنى ويذهب: اتبعينى
نظرت الى المتحدث وذهبت معه وانا أنظر إلى العاملين هؤلاء الذى يبدو فى حاله مزريه وملابسهم المشققه واجسادهم الضعيفه، مستحيل هل سوف اكون معهم و اعمل هذا العمل مثلهم ، سأموت بلا شك انا لست بتلك القوه الذى هم عليها ، سمعت صوت عالى كان الرجل يحدثنى ويأمرنى بالعمل على حسب ما فهمت
فعلت مثلما يفعلن اقتربت وحملت الصخور على ظهرى واول ما حملت المنى ظهرى وقعت وضعت يدى على ظهرى وجدت من يمسكنى بقوه ويوقفنى ثم اتلقى ضربه قويه اعادتنى للارض ثانيا ، سالت دموع من عينى فلم اعد لدى طاقه لكل هذا الضرب، لم يضربنى والداى لم يضربنى احد ، لكنى اهان هنا
صرخ الرجل فيا فأعتدلت وقفت ثم حملت الصخره والمنى كثيرا كنت سأقع لكن هناك من اسندنى نظرت وجدتها فتاه تبدو قريبه من عمرى
: اسرعى يفتاه
ذهبت نظرت لها وتبعتها ، كنا نضع تلك الصخور على مقرب من رجال ويمسكن بفؤوس ويكسرنهم هل هم ينحتون ، اقتربت من الفتاه
: ممكن سؤال ، احنا فين
نظرت لى بأستغراب قالت : لا افهم لغتك ارى شفاه تتحرك فقط
: اين نحن
حملت الصخور وحملت انا ايضا ، وذهبت معها: نحن فى عمل
: لا مش ده قصدى انا اقصد البلد او القريه دى
: حدثينى بلغتى فلغتك صعبت الفهم علي
: تلك البلد او القريه الذى نحن فيها هل هى ارض خياليه
ابتسمت الفتاه قالت : كيف خياليه انا امامك ، السنا بشر مثلك ام انك جنيه .. تبدين غريبه عنا
: غريبه ! ما علينا .. اين نحن
: غوانتام
لم افهم تلك الكلمه الذى قالتها هل هى اسم ذلك البلد: غانتم!
: لا غوانتام ، انها الارض الذى انتى عليها
ذهبت وحملت صخرى اخرى وحملت معها وكان الم ظهرى يزداد والشمس شديدت الحراره الساقطه على رؤسنا
: اين تقع
: فى الشمال ، هل أتيتى لهنا وانتى لا تعلمينها
: انا لم اتى لهنا
: وماذا انتى الان
: لا اعلم لكنى فى بلد اخرى واظن عالم اخر غير هذا تماما ، انكم تشبهون الازمنه القديمه جدا
: امرك عجيب يفتاه جميع البلدان مثلنا ، ويمكن بلدنا متقدمه ونتميز عن الجميع ، غوانتام يأتى لها ناس لتجاره وهناك للعمل ومن جاء ليقيم هنا ، اريد معرفة من اين انتى
: اظن انى بلفعل فى عالم اخر ، هذا الكتاب ماذا فعل بى
: اي كتاب
: متخديش فى بالك
نظرت لى بأستغراب وكأنها لم تفهم ما قولته
: ما اسمك
: لينا
: لينا ماهذا الاسم الغريب لكنه جميل
: غريب وهل يوجد غريب غيركم وما يحدث لى
: اسمى غابينه
: اسمك اغرب من اسمى
ابتسمت فصاح رجل فينا فعدنا على الفور بخوف منه
كنت أعمل وقدماى تؤلمانى بشده والشمس الذى لا يبدو عليها انها ستغيب حرارتها وضوئها القوى لا يقل فيزيدا من ارهاقى البدنى وأنا لم أعد احتمل لمرات كثيرا كنت سأقع لو ان غابيه لم تسندنى وتبعتد على الفور قبل ان يراها احد ويغضب عليها
كنت اشعر بانى فى كابوس واختفى حماسي لارى تلك البلد القديمه لكنهم قاسون للغايه اريد العوده لمنزلى وامى
انتهى اليوم وقف الجميع وقفن معهم وجدت الرجال يعطون عملتين ثم يأتى الذى بعده ويعطوه ثم جئت انا واخذت نظرت الى العمله كان عليها علامه رايتها من قبل اجل تلك الرمز كان على غلاف الكتاب والحروف الذى على العمله شبيها لها
كنت حائعه جدا واتضور جوعا من تعبى وارهاقى اوقفت غابيه قلت : انا جعانه فى حد هنا بيبيع اكل
نظرت لى قالت : لا افهم ما تقوليه يالينا
قلت : انا جائعه ماذا أكل لا اعلم شئ هنا
: انا ذاهبه لاحضار خبز تعالى معى
اومأت برأسي وذهبت معها وصلنا الى مطعم وكان به كراسي من الخارج ويحلس عليه الناس ويأكلون وكان هناك رائحه شهيه لحم وشواء ، دخلنا وطلبت غابينه خبز وحصلت على خبزين مدت يدها لى بمعنى المال ، اعطيتها لها ثم اعادت ما تبقى ، ذهبنا نظرت الى الخبز وكنت اشتهى رائحه الطعام الجميله كثيرا
: سنأكل خبز فقط
: اجل نحن لا نملك مالا لتلك الاكلات ، لتوفرى بعض المال حتا يصبح معك مبلغ تستطيعى فى يوم اكل ما تريديه ، نحن لا ناخذ مال كثير لذلك نأكل الخبز
: حسنا
جلسنا على الارض بقرب بيت لكن من الخلف اخذنا نأكل الخبز وكنت اكل بشراهه وجوع لم اعهده من قبل
: انكى جائعه كثيرا
قلت : اجل ، من هؤلاء الرجال الذى فى الصباح ولماذا يعاملونةا هكذا انا لست عبده انهم من اخذونى
: نحن كذلك ياعزيزتى ، نعمل من اجل ان نأكل .. هناك من يستغلن أجسادهم وارتكاب الزنا من اجل حياه الرفاهيه
: رايتهم ، مثل تلك النساء الذى كنت معهم
: انهم عاهرات .. هناك فائقات الجمال يذهبون للملك كجوارى وهناك أقل جمالا ياخذنهم الرجال وهناك الاقل والاقبح فيعملن
: فهمت
: لكنك جميله كيف جئتى لهنا
: ان العمل الان اصبح لى نجده من ما كان سيحدث لى بعدما اخبرتينى ، كنت اوسخ نفسي وانهر من يقترب منى
ابتسمت قالت : لستى هيناً ، كم عمرك
: ١٩
اتسعت عيناها نظرت لى بصدمه وذهول قالت: ماذا عمرك ١٩
قلت بتعجب : اجل ،هل هناك شى
: انكى صغيره جدا يفتاه ، ام انك تمزحين معى
: لماذا
: اتعلمين كم عمرى
: ٢٣
ضحكت نظرت لها بأستغراب من ضحكاتها: هل قلت شئ مضحك
: اجل كثيرا ما تلك الأرقام، انا فى ٩٣ من عمرى
اتسعت عيى وفتحت فمى بدهشه وذهول وصدمه كبيره نظرت لها بشده والى شكلها قلت بغضب: اتسخرى منى
نظرت لى ومن انقلابى قالت : ولما لافعل ذلك
: وهل تظنى انى سوف اصدق انكى فى التسعين
: وماذا فى ذلك
: انكى حتى لم يشيب شعرك او جلدك
: ولما يشيب ، لماذا تعجلين من امرى..مزلت صغيره
: صغيره! انكى فى التسعين
: انك غريبه كثيرا يا لينا ، اعمارنا تترواح من ال١٠٠ الى ٣٠٠ عام
لم أقدر على تصديق ما اسمعه تلك الفتاه الذى تبدو قريبه لسنى كيف فى التسعين يا الهى لقد ماتت جدتى وهى فى ٦٧ من عمرها
: لماذا انتى متعجبه هذه هى اعمار الجميع
: لا يوجد شئ من تلك عندى
: مستحيل جميع الناس هكذا وليس غوانتام فقط
قرأت مره ان اعمار الناس قديما وقرية بابل الذى لم اصدق ان هناك من يتخطون ال١٠٠ وظننت انها خرافه ، تنهظت قلت: ممكن هنا ، لاكن عالمى ليس هذا انا من عالم اخر وتأكدت من ذلك بعد ما قولتيه
: ما الذى تهذين به
: صدقينى انا لا انتمى لذلك الزمن انتم فى عصور قديمه وبلد خياليه لم اسمع بها من قط
: انكى من تسخرين منى الان يا لينا
: لن تصدقينى فلا جدوه من الحديث
نظرت حولى قلت بتغير الموضوع: اين سوف ننام
: هننا
نظرت لها بأستغراب والارض الذى جالسين عليها ومسندين ظهرنا على جدار المنزل قلت : هنا!
: لا يوجد لدينا منازل غير العبيد ابذى يقيمون فى المنازل بطبع لذلك انام هنا وعندما تشرق الشمس، نعيد اليوم ونذهب لعملنا
: مستحيل اى الى انتى بتقوليه ده ، انا هنام هنا على الارض فى شارع وهروح اشتغل واشيل الحجات دى تانى ده انا ظهرى اتكسر
نظرت لى بعدم فهم من الكلمات الذى قلتها لها زفرت بضيق قلت: يالا تلك المشقه ، اتعملين هكذا دائما
: لا لقد جئت من شهرين فجديده مثلك
: ولماذا حئتى لتلك الجحيم
: ماتت امى فطردنى عمى من المنزل فاخذنى رجال كعبده وباعونى وعملت لانى لست جميله ليأخذنى رجل
: وهل كنتى تريدى ذلك؟
: لا لكن هذا العمل لن نسلم منه انه يحتاج اجساد قويه مثل الرجال لا يصلح للنساء هذا العمل ، لكن ما باليد حيله
: سأهرب
: وماذا ستفعلى بعد هروبك ستضطرين للعمل لحصول على المال لتأكلى وتعيشي
: هل تخبرينى ان تأقلم على هذا
: افعلى مثلى وارضي بلأمر ، سنعمل ونأكل وننام ونعيش هكذا
قلت : انتى لا تعلمين كيف هى حياتى انا لا اصلح للعمل هذا .. لولاكى لتعرضت لضرب المبرح اكثر مما اخذت، لم يضربنى احد من قبل مثل هؤلاء الوحوش
ربتت غابيه على يدى نظرت لها ابتسمت ابتسامه خفيفه وكأنها تخفف عنى: هيا ننام لغدا
نظرت وجتها تستلقى وتنام على جانبها وتضع زراعها خلف رأسها وتغمض عيناها لم اكن اتخيل اننى سأنام هنا حقا ، فعلت مثلها ونمت وانا اتمنى ان استيقظ وانا بغرفتى
: لينا اصحى اتأخرتى على الجامعه
فتحت عينانى على ذاك الصوت الذى سمعته نظرت وكانت امى واقفه بجانبى وتفيقنى نظرت للغرفه وكانت غرفتى ابتسمت وابتهجت: كان كابوس كويس انك صحتينى يماما
: كابوس ايه
: ولا حاجه
وقفت واحتضنتها قلت : وحشتينى
: انتى كويسه
: ايوه
ابتسمت امى قالت : طب يلا عشن تاكلى
: حاضر
ذهبت مع امى وجلسنا على الطاوله وانا سعيده وينظرون لى بتعجب: محتاجه حاجه يا لينا قبل منزل
: لا يبابا شكرا
: اول مره متاخديش فلوس من باب انتى دايما بتحتاجى
قالها كريم بمزاح : مش هضايق نفسي بكلامك الى على الصبح ده
ابتسم قال: مزاجك رايق النهارده
: اوى
ابتسم لى واكملت طعامى: لينا ، استيقظى
فتحت عيناى وجدت ضوء قوى على عينى اعتدلت فى جلستى وضعت يدى على عينى: بربك اسرعى سنتعاقب
نظرت الى من يحدثنى كانت غابينه تلك الفتاه ، شعرت بالخوف من رؤيتها نظرت حولى والى المكان قلت: انا فين وبعمل اى هنا تانى
: هل عدتى الى لاهجتك الغريبه ، هيا اسرعى لنذهب
: الى اين
: الى العمل هل نسيتى ، هيا
امسكت يدى واوقفتنى وانا فى صدمه هل كنت احلم بعائلتى ، هل هذا هو الحقيقه وعائلتي هى الحلم هل انا الان فى الواقع ، انا بشحمى ولحمى على تلك الارض الغريبه
كنا نركض وغابينه تمسك بيدى وتسرعنى وصلنا واقتربنا سريعا من الصخور وبدأنا نعمل مثل الجميع ونحمل الصخور على ظهورها واشعه الشمس تسقط علينا بقوه وتحرقنا من قوتها فهنا الجو شديد الحرار وليس كالصيف الذى عندنا الذى لم اميل له ، هل علي تحمل كل تلك المعاناه اشعر بلارق والاعياء من الان
كنت اعمل واشعر بالعطش الشديد والتعب ولا قادره على تحرك والم ظهرى الذى اشعر بانه تفكك من تلك الصخور ولم يعد يحتمل ، كنت اسير ببطئ وتعب فقدماى ضغفا بشده
: اسرعى يا لينا انهم ينظرون لكِ
: ل .. لا اقدر ا.. انا متعبه وع وعشطه
: يا اللهى لتنسي عطشك قليلا وتماسكى حتى ينتهى اليوم لن تسلمى من ايديهم هيا
نظرت لها اومأت برأسي بقلة حيله ، وسيرت وانا اشعر بظمأ الشديد واعافر على الحراك واكمال الامر
كنت اعمل وقد طفح الكيل ولم اعد قادره على الوقوف وقعت الصخره وجلست على ركبتاى بتعب وكنت افتح عيناى بصعوبه واشعر بدوار
: انتى ... قفى
كان رجل يحدثنى بصيغة الامر ، نظرت له واراه كطيف يقترب منى وفى يده عصاه امسك زراعى، كنت مرتخيه بين يديه حاول اقافى لكن جسدى كان ساقط ارضا وليس به القوه على الوقوف ، ثم اتستعت عينى شعرت بألم شديد واختناق من اثر الضربه العصا الذى تعرضت صرخت بضعف تألمت تنهظت بضعف وسالت دموع على وجنتاى: قلت قفى
اسندت يدى على قدماى بتعب وألم وقفت لكن سرعان ما وقعت فصاح بى الرجل وضربنى مره اخرى ، صرخت وبكيت لم اعد بإمكانى التحمل ، يالله ليس لدى القدره لحمل صخور او الوقةف على قدماى بينما اتعرض للضرب واشعر بالجلد الذى لم اعهده ، انقذنى صاح بى الرجل للوقوف على وشك ضرب الثالثه
: انتظر ، إنها متعبه
سراب غوانتام
بارت٣
لو لقية تفاعل هنزل بارت كمان بليل
لخبطة الأسماء فى البارت إلى فات، عشان القصه بتتعدل يعنى الابطال كانو بأسماء وتم تغيرها..
تفاعلوا يقمرات💗
•
رواية سرداب غوانتام الفصل الثالث 3 - بقلم نور
رفع الرجل العصا وبيضربها.
صرخت غابينه: "انتظر أرجوك، إنها متعبة حقًا."
قلقت لينا عليها وقالت: "ابعدي عشان متعاقبيش انتي."
قالت غابينة: "أرجوك، لحظة ستشرب وتعود. ثانياً، انظر لها، لو كان بإمكانها الوقوف لفعلت، لكن جسدها ضعيف."
صاح الرجل بغضب: "أمرتك بالابتعاد."
قالت غابينة بخوف: "أرجوك، شربة ماء صغيرة لتعيدها لوعيها. إنها ضعيفة على ذلك العمل، لن تتكرر، أوعدك. شربة واحدة فقط لا غير."
كنت أسمع الحديث ولا أرى جيداً، سوى أطياف، لكن غابينة تعرض نفسها لضرب معي. على الرغم من خوفها منهم كما رأيته البارحة، إلا أنها تساعدني.
شعرت بماء يلامس شفتي، فتحت فمي بلهفة وعطش شديد، فنزلت ماء إلى حلقي الجاف، ثم توقفت الماء. فتحت عيني وكنت قد استعدت بعض الطاقة. أسندتني غابينة.
قالت بصوت منخفض: "أسرعي أرجوكي، ليمر اليوم على خير."
شعرت بخوفها وقلقها أن ينقض ذلك الرجل علينا. عدت وحملت الصخرة وكنت متعبة، فأنا لم أشرب ما يكفي من ماء، بل كانت شربتان صغيرتان لا أكثر. هل سوف أستطيع الإكمال بذلك الجسد الضعيف؟ لطالما أخبرتني أمي أني لا أصلح حتى في أعمال المنزل. فلتنظريني يا أمي وإلى حالتي. كنت أعمل بتعب وإرهاق، وكلما رأيت الرجل ينظر إلي ويرمقني بنظرة مخيفة جدًا، أتذكر تلك العصا وضربته والألم والاختناق الذي شعرت به، فأشد على نفسي وأسير رغمًا عني.
انتهى اليوم. وقفنا لنأخذ العملات وجاء دوري. أعطاني عملة نقدية واحدة، ليس مثل الجميع اثنين. علمت أن بسبب ما حدث اليوم لم أكن قادرة على التحدث. أخذتها وذهبت بصمت.
"معك كم مال؟"
"لا أعلم، فأنا لا أعرف تلك العملات كم تساوي."
"أعطيني."
أخرجت ما لدي، وهي عملة اليوم وعملة البارحة المتبقية.
"حسناً، سأكمل لكِ من معي. هيا."
ذهبنا إلى ذلك المطعم، وتشممت رائحة الأكل وشعرت بالشهوة الشديدة وأريد أن آكل تلك اللحوم وتلك الأكلات. جاءت غابينة وكانت زودت لي مالاً من معها لتشتري لي خبزاً. لم أعلم بدونها ماذا كنت سأفعل.
جلسنا في مكاننا، وعندما أسندت شعرت بألم مكان الضرب. أكلت الخبز بشراهة وسرعة، كنت أشبه كالحيوان المتشرد الذي ليس له صاحب، الذي فور أن يلقى له قطعة خبز، يلتقطها على الفور ويركض بها. وأنا آكل، نظرت إلى نفسي، وسالت من عيني دموع بحزن، أخفضت رأسي من ما أنا عليه وهذا الكابوس البشع.
"لينا.. لماذا تبكين؟"
"ماما وحشتني أوي."
"م... ماما؟ ماذا؟ لا أفهم."
"أمي.. أبي.. أخي، اشتقت لهم كثيراً."
"هل لديكِ عائلة؟"
أومأت برأسي.
"لماذا جئتي لهنا وتركتيهم؟"
"سُلبت منهم."
"كيف هذا؟"
صمت ولم أتحدث.
"لماذا لا تعودي لهم؟"
"لو كنت أستطيع لعدت بدون تردد. أنا لا أعلم شيئاً، أنا تائه."
"أين هي بلدك يا لينا؟"
"ليست هنا، إنها بعيدة.. بعيدة جداً، في عالم آخر، في زمن آخر، وتوقيت آخر."
"هل أنتِ حقاً من عالم غيرنا؟"
نظرت لها وأومأت برأسي. قلت: "يبدو كذلك."
انتظرت أن تضحك بسبب الجنون الذي أقوله، لكنها لم تفعل.
"وكيف جئتي لهنا؟"
"لا أعلم، لكني أظن الأمر له علاقة بذلك الكتاب."
"أية كتاب؟"
"كتاب غريب، عليه لغة غريبة، ورمز مثل الذي رأيته على العملات. إلى هنا."
"رمز... أي رم..... أتقصدين هذا؟"
قامت بإخراج عملة من معها، وأظنها أثمن من العملات الذي يعطونها لنا، فكانت ذهبية. رأيت الرمز.
"أجل، هو."
"إنه رمز خاص بمملكة غوانتام."
"مملكة؟"
"أجل، إن ذهبتِ للقصر سترين ذلك الرمز."
"أي قصر؟"
"قصر المملكة الخاص للملك فرناس، إنه من يحكم بلادنا غوانتام. لا شك بأنك لم تريه."
"ومن أين لي بأن أراه؟ وهل ملك مثله يستحق رؤيته؟ يجعل العبيد مستمرين حتى الآن ويعاملون مثل تلك المعاملة وقسوة هؤلاء الضخماء عليهم."
"لا تقولي هذا على ملكنا."
قالتها بغضب وحدة.
"حسناً، كما تشائين."
"أظنك سترينه عما قريب، عندما يأتي يوم الغيام نراه."
"وما هو يوم الغيام؟"
"إنه يوم تكون السماء مليئة بالسحب الممتلئة بالماء، من ثم تهطل علينا ونخزن تلك الماء لحاجتنا. إنه يوم يحتفل فيه الجميع. ستشاهدين إحدى احتفالاتنا العظيمة."
تعجبت كثيراً، فهل هم ينتظرون الأمطار ليأخذوها ويخزنونها كماء لهم؟ أليس لديهم أنهار أو أي شيء؟ لا يستدعي احتفالاً للمطر. قلت بسخرية:
"رائع. هل سأبقى هنا للأبد لأراه؟"
"إنه ليس بعيد. انظري."
أشارت بيدها على السماء. رفعت وجهي ونظرت على ما تشير.
"أترين تلك السحب؟ إنها قريباً ستنفجر. أنتِ محظوظة، فقد أتيتِ في نهايتها، وستشاركينا ذلك اليوم."
لما كل تلك الضجة على الأمطار؟ أعلم أنها جميلة، وأنا كذلك أحبها بشدة، لكن ليس للاحتفال والشرب. قلت بتغيير الموضوع:
"لننام، فأنا متعبة بشدة."
مددت بجسدي ويدي خلف رأسي الذي يؤلمني. الصباح، كنت متضايقة من نفسي، لكن ليس بيدي حيلة. أصبحت أشبه المتسولين الذين ينامون في الشوارع ولا لديهم ديار تأويهم. أرتدي ملابس فظة كالرجال تماماً، لكن هذا أفضل حتى لا يتطلع بنا أي رجل من هؤلاء الأوغاد.
في اليوم التالي، أيقظتني غابينة من نومتي المتعبه. أفاقت وذهبت معها إلى ذلك العمل المجهد الذي يحتاج لجسد قوي وبضخامتهم وليس بأحجامنا وضعف جسدنا. وبدلاً من أن يرقوا علينا وعلى حالتنا، يمسكون عصيان في أيديهم ويضربون من يخطئ. ما تلك القسوة والوحشية؟ وكيف أطلب الرفق لعبيد جيد؟ أنهم يعطونني مالاً ويدعوننا نذهب ثم نعود لهم، فالعبيد يذلون بشدة. لكنني لست عبده، ولن أكون أبداً. إنهم فقط يظنون ذلك، أما أنا فحرة نفسي.
كنت أعمل بتعب وغابينة تحسني على السرعة والتماسك حتى لا يحدث مثل البارحة. وبالفعل، لا أريد أن أتذكر تلك العصا وضربتها وملامستها لجسدي. ويعطونني عملة واحدة ولا تكفي لشراء خبز مثل البارحة، وتزودت لي غابينة لأكل. لا يجب أن يحدث ذلك اليوم أيضاً.
انتهى اليوم بسلام، لكن جسدي ليس بحال جيد أبداً. ذهبنا واشترينا الخبز وجلسنا في مكاننا ونأكل، وتسيل من عيني دموع بصمت وأنا آكل بطريقتي تلك وأتذكر عائلتي ورفاهيتي. كم كنت في نعيم! كيف أصبحت هكذا؟ كيف دخلت لهذا العالم أصلاً؟ إنها خيال، كل ما يحدث خيال، ولا أستطيع تصوره.
أقرأ الكتب والروايات وأحبها، إن كانت خيالية، والآن أصبحت من ضمن تلك الروايات. إن ما يحدث يقودني إلى الجنون. وأتذكر ما حدث في المكتبة والكتب والرفوف المعلقة في الهواء والكتاب وأوراقه التي شكلت دوامة. ما هذا؟ أشعر بالخوف من تذكر ما رأيت.
زال عندي يقين ولو بقليل أني في حلم وسينتهي. أجل، فمستحيل أن يكون هذا حقيقياً. كتاب يطفو، كتاب يفتح من تلقاء نفسه، كتاب يهتز، كتاب تطير صفحاته، ولحن غريب ما زلت أتذكره حتى الآن وكأنه كان ينبع من داخل ذاك الكتاب.
لينتهي هذا الحلم أو الكابوس سريعاً، فقد أصبح مخيفاً وسيء. أريد عائلتي وعالمي، وليست أرض الجحيم تلك.
مر شهر على ذلك المرارة، وكنت أعمل بجهد وأبذل طاقة كبيرة في ذلك العمل وحمل الصخور. كانت ملابسي تتشقق من إجهادي وتعبى. كانت غابينة تحسني على المثابرة من أجل الطعام والتحمل. وجسدي بدأ عليه النحافة أكثر مما هو عليه، وتغير جلدي بسبب درجة الحرارة وضوء الشمس القوي علينا، وشعري الذي تقحرت حالته ويريد الاعتناء. لكن أنا أريد من يعتني بي، فأنا كلي أصبحت في حالة مزرية في ظرف أيام فقط. فماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سألتقى بعائلتي؟ هل سأعود لهم ولعالمي ولحياتي؟ هل يوجد هنا أحد على تلك الأرض يستطيع مساعدتي يرسلني إلى عالمي كما أرسلت لهنا؟ اللعنة عليكم جميعاً.. اللعنة عليك أيها الكتاب البغيض، ألقيت بي في بلاد غريبة وزمن آخر وعصر غير عصري، لا أعلم فيه شيئاً غير العمل والأكل والنوم. ولو أن غابينة لم تكن معي، لكنت مت. فهي تواسيني وتساعدني إن حدث لي شيء في العمل وتداري علي من هؤلاء المتوحشين.
انتهينا من العمل، أخذنا المال وذهبنا.
"ماذا بكِ يا لينا؟"
"متعبة.... متعبة كثيراً."
"سوف نأكل الآن لتتحملي، فمعنا مال لنشتري طعاماً شهياً مثل الذي تذوقته."
لم أكن مبالية. اقتربت مني وقالت بمزاح: "ستحبين طعامنا كثيراً لدرجة أنكِ ستريدين البقاء."
ابتسمت بسخرية، فما هذا الذي سيجعلني أريد البقاء على تلك الأرض الجافة؟ على حسب ما علمت أنهم ليس عندهم أنهار أو أي شيء يشربون منها. أنهم يأتون بماء من بلاد أخرى ويشترونها. وذلك يوم الغيام لن تصدقوا، يأتي بعد 30 سنة. أي أن لا أمطار تأتيهم غير قضاء تلك المدة ويحتفلون بذلك. الملك يحفر حفر قاع ويعيد تنظيم الأبار للاستعظام ليخزن الماء ليوم الغيام هذا، ويتمنون أن يأتي عليهم من وسع من أجل أن يكفيهم. لكن كيف 30 سنة سيقضونها بمياه أمطار؟ أتمزحون؟
أتساءل كم أعمار تلك الناس، فغابينة في التسعينات وتقول أنها صغيرة. كان هذا الأمر يضحكني عندما أتذكره، فهي بمثابة جدتي.
كنا نسير متجهين للمطعم، وكان هناك يحفرون في الأرض ويقيمون شيئاً.
"يجهزون ليوم الغيام، إنهم رجال الملك."
قالتها غابينة عندما لاحظت أنظاري عليهم.
"فهمت. إنه يفكر بكم كثيراً."
"إنه أفضل ملك مر علينا، فكنا على وشك الموت لولا ظهوره وأخذ ديوننا من بلاد أخرى لامتداد الماء، وقام بإصلاح ما حدث من جفاف في غوانتام، جعلها تقف مرة أخرى ورد إلينا الحياة. وها الآن يجهز آباراً ويقيم من جديد لتخزين المياه لنا."
نظرت للسماء. قالت: "أتمنى أن يكون الأمطار كثيرة فتملأ أرضنا."
كنت أستمع لها، لكن سمعنا صوتاً مرتفعاً. التفتنا ووجدنا رجلاً ضخماً في يده جربال ويركض خلف ولد صغير وينهره.
"هيا لنذهب."
كانت غابينة المتحدثة. ذهبت فتبعتها وأنا أنظر للولد. وجدت الرجل أمسكه وصاح فيه بغضب ورفع جرباله عليه.
"لينا، لا شأن لنا."
كانت غابينة تحدثني، لم أستمع لها. ضرب الرجل الطفل بقسوة، فصرخ بتألم. لم ألحق به، لكن ما أن اقترب، سحبت الطفل من يده بقوة. كان جسده بارد ويرتعش ويبكي. نظر لي وقال:
"أنتِ كيف تتجرأين؟"
"كيف تتجرأ أنت على ضرب ولد بذلك الشيء وبتلك القسوة؟"
"إنه لص! أي ولد هذا؟ يسرق مني طعام كل يوم وقد طفح الكيل، وها هو الآن سرق وجاء ليأخذ المزيد."
نظرت إلى الطفل، كان يبكي.
"ابتعدي أيتها الحمقاء."
اقترب مني ليأخذ الطفل، فأبعدته قبل أن يمسكه.
"قلت لك لا تلمسه."
"إذاً، سآخذك أنتِ."
نظرت له بخوف. فنظر له نظرات حقيرة شبيهة له. عدت للخلف بالولد. قلت:
"ماذا تريد؟"
"هل ستدفعين؟"
صمت، فلا أعلم ما مقدار المال الذي يريدونه. نظرت للولد، ثم أخرجت المال الذي معي، وكان كل ما لدي. هل سيكفي؟ قلت:
"سأعطيك غداً الباقي."
نظر لي، ثم نظر إلى المال وأخذه. ونظر للولد وذهب. كان الجميع ينظر لنا.
"ماذا فعلتي؟"
نظرت للصوت، كانت غابينة. قالت: "أجننتِ؟ أعطيتيه جميع مالك! كيف ستأكلين؟ إنكِ متهورة! اذهبي واطلبي المال منه."
"وأدعه يضرب الولد؟"
"إنه من سرق."
"ليس سبباً كافياً لضربه بتلك الوحشية، وبتأكيد لديه سبب."
نظرت للولد، وكان يقف بقرب قدماي وشبه ملتصق بها. جلست على ركبتي، نظرت له.
"لماذا تفعل ذلك؟ ألا تعلم أن السرقة خطأ كبير؟"
"بلى."
قالت غابينة بسخرية وضيق: "أرأيتِ."
نظرت لغابينة، ثم نظرت للولد. قلت: "بما أنك تعرف، لماذا تسرق؟"
"شقيقتي تضور جوعاً، وإن لم أحصل على طعام لن نأكل، وإن لم نأكل سنموت."
تعجبت من فصاحة ذلك الولد وكيف طريقته في الحديث، ويبدو عليه النضج. حزنت عليه وعلى حالته، لكن ليس معي مال آخر لأعطيه له. تذكرت كريم وكيف يحبني، ذكرني بأخي الذي اشتقت له. سالت دمعة من عيني. ابتسمت ومسحت دمعتي.
"اذهب لأختك ولا تسرق، اعمل واجني المال، فيبدو عليك القوة وأنك رجل، أليس كذلك؟"
"أشكرك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة له، فذهب. نظرت له وهو يذهب.
"سنتناول خبزاً بسببك يا لينا."
"ليس معي مال حتى للخبز."
"وهل تظنين سأتركك بلا طعام يا غبية؟"
نظرت لها وإلى ما قالته، كانت غاضبة. ابتسمت عليه.
مانت واقفة، لية بتتحرك؟ لقيت حد بيمر جنبها، كانت رجليها مش قادرة تتحرك وابتسامتها اختفت من إلى إلى حست بيه.
لفيت وهي تنظر إليه، وحسيت بحرارة تجتاح جسدي وكأن شعله بتأكيد جواها.
قالت غابينة: "أنتِ بخير؟"
لم ترد عليها وهي دايخة.
"لينا."
"جسدي، أشعر بحرارة.. لا أشعر بيدي، وكأنني طيف."
"ماذا؟!"
"إنه كشعور ذلك اليوم.. داخل المكتبة."
"هل حالتك سيئة؟ هل نذهب إلى الحكيم؟"
لم أتحرك، كان جسدي بالفعل وكأنه صنم. ثم وجدت رؤيتي تتلاشى وضباب يحيط.
سمعت أصوات أعرفها جيداً، كان قربه مني، قريباً مني كثيراً. فتحت عيني ببطء، وكان بها غشاوة، أقفلتهم، ثم فتحتهم ثانياً، وجدت أطياف لثلاثة أشخاص واقفين وينظرون لي.
"سأكلم الدكتور أقوله إنها فاقت."
"لينا..."
كان هذا صوت أمي، أجل، أنا أعرفه جيداً. كانت نبرتها حزينة. ابتسمت بسخرية وقلت بتعب:
"حلم تاني."
"لينا، أنتِ بخير."
كان هذا صوت أخي. حزنت من سماعه، فكم اشتقت له واشتقت لأصواتهم جميعاً. أقفلت عيني، استسلمت للنوم لأعود للواقع الذي أنا عليه.
فتحت عيني بعدما شعرت بأحد يوقظني. نظرت، وجدت شخصاً يرتدي معطفاً أبيض، وكانت رؤيتها محسنة قبل أن أغفو، فوجدت عائلتها.
قالت لينا: "ماما."
قالت هاجر: "نعم يا حبيبتي."
"أنتِ معي؟"
"أيوة."
"هاتي إيدك."
مدت يدي لها، أمسكتها على الفور وشعرت بدفء جسدها.
"أنتِ حقيقة."
نظروا لي بتعجب واستغراب. قالت: "يعني إيه؟"
"أنتِ حقيقة، أنا رجعت."
"بتقولي إيه يا لينا؟ مش فاهمة."
قال غسان للطبيب: "شكراً يا دكتور، نقدر نمشي."
"آه."
قالها وهو ينظر لها بتعجب، ثم ذهب. أسندها حسام، قال:
"يالا عشان نرجع البيت."
ابتعدت هاجر عنه.
"أمسكت يدها على الفور."
قالت: "لا، متسبنيش، خليكي معايا."
"أيه اللي حصل معاكي يا لينا؟ مالك يا حبيبتي؟"
"كابوس يا ماما، كان مخيف أوي. المهم خليكي معايا، مش عارفة إذا كنت في حلم وإني لسه هناك."
"هناك فين؟... تعالي يالا، مش هسيبك أنا معاكي أهو."
أسندتني أمي، وكنت أرتدي ملابس عادية كلملابسي، وليس كما كنت هناك. خرجنا من المشفى. فتح أخي لي السيارة. دخلت أنا وأمي، ثم ذهب وجلس بجانب والدي.
وصلنا، نزلت من السيارة ممسكة بيد أمي. رأيت منزلي، كنت أشعر بالحزن والسعادة، فقد عدت إلى منزلي. أجل، عدت أخيراً. أتمنى ألا يكون حلماً... أحلم بالحقيقة من الخيال. دخلت غرفتي وجلست على السرير. ذهبت أمي وجاءت معها طعام. نظرت لها بشدة، فكنت جائعة جداً وأتضور جوعاً. أعطتني الطعام وأكلت. أكلت بشهوة وفجع وجوع كبير. كان شكلي ليس لطيف، لكن لم أهتم بشكلي. قلت:
"آسفة، أنا جعانة أوي بقالي كتير ما أكلتش أكل زي ده، وكمان أكلك يا ماما."
"لي؟ وإنتي كنتي فين الأربع أيام دول؟"
نظرت لكريم بشدة، ومن آخر كلمة قالها:
"أربع أيام؟"
"أيوه، سألنا عليكِ عند صحابك أو في أي حتة ممكن تروحيها، بس ملقناكيش، وبلغنا عليكِ."
"لقيتوني فين؟"
"في مكتبة، اتصل بينا الأمن، قال إنه لما فتح انهاردة الصبح، لقاكي على الأرض وكان شكلك غريب."
"غريب؟!"
"أيوه، كنتي لابسة لبس غريب جداً يا لينا. إنتي كنتي في مسرحية؟"
صمتت، فلا يوجد رداً لما يحدث لها.
"لينا، إنتي سامعانا؟"
"نعم يا ماما."
"كنتي فين يا حبيبتي وشكلك اتغير كده ليه؟ وإيه العلامات اللي عليكي دي؟"
"علامات إيه؟"
قال أبي: "علامات ضرب وكدمات عليكي، حد ضربك؟ قولي."
قال حسام: "إنتي اتخطفتي؟ عذبوكي؟"
كانت أسئلة كثيرة وهي مش قادرة تستوعب حاجة. كنت أنظر لهم بشدة وأقلب كلامهم. الحارس وجدني، وكنت في الحالة التي أنا عليها هناك، وعلامات الضرب الذي لا تفارق جسدي حسب ما قالت أمي، وشكلي المتغير. إذا لم يكن حلماً، كان كل شيء حقيقياً. مثلما سلبت من هنا وذهبت لذلك العالم، عدت لعالمي ثانياً. لكن كيف عدت؟ وكيف سُلبت هكذا؟ وذلك الشعور الذي شعرت به وتلك الحرارة الغريبة. وأخي قال أربعة أيام... هل غيبت أربعة أيام فقط؟ بينما أنا هناك قضيت شهراً أو أكثر. كيف إذاً أربعة أيام؟ كيف؟
"قولي اللي حصل وكنتي فين عشان نبلغ ومين اللي عمل فيكي كده؟"
نظرت له. قلت: "مهما، مش من هنا يا بابا."
"مش فاهم."
"يعني أنا ما كنتش معاكم هنا، ما كنتش هنا، ومعرفش أنا كنت فين أصلاً."
"إزاي يعني؟"
"كنت في بلد تانية غريبة، وكأني في عالم تاني غير ده."
ضحك أخي. نظرت له بشدة وظل يضحك.
"بتقولي عالم تاني، عالم تاني إزاي يعني؟ الكتب جننتك يا لينا."
أتعلّمون أنها المرة الأولى الذي يسخر فيها أخي ولا يصدق قولي بشيء؟ دائماً يصدقني، حتى وإن كنت كاذبة، يصدقني. أدرت بوجهي بحزن.
"لينا، ممكن تقولي لنا الحقيقة وكنتي فين ومين اللي عمل فيكي كده؟"
"أنا قلت الحقيقة، ما كنتش هنا، وإلا كان زماني جيت. واللبس كان حقيقة، كنت لابساه هناك. والضرب اللي عليا اتعرضت له وأنا هناك."
"طب اهدى، هأتصل بالدكتور عشان يشوفك."
كانت تلك الجملة نزلت علي كصاعقة، التي تخترق أذناي وتجعلها غير قادرة على سماع شيء آخر. إنها أمي! أتصدقون؟ هي من قالت ذلك. إنها تظنني مجنونة، لا تصدقني. جميعهم لا يصدقوني.
"ماما، إنتي بتحسبيني اتجننت؟"
صمتت ولم ترد. ليتني لم أتفوه بالحقيقة لهم، الذي جعلتني بهذا الشكل أمامهم. خفضت رأسي بحزن. قلت:
"اخرجوا، عايزة أقعد لوحدي."
"مش إنتي قولتي عايزانا نقعد جنبك؟"
"غيرت رأيي، عايزة أبقى لوحدي."
نظروا لي بشدة ووقفوا وذهبوا. نظرت لهم وقد أغلقوا الباب. أنزلت قدمي من على السرير ووقفت أمام المرآة. أدرت بوجهي، وكان عليه علامات الصفع الذي كنت أتعرض لها وأنا عبده هناك عندما كنت أخطئ. أبعدت أكمام ملابسي، وكان عليها كدمات من أثر الصخور والركلات حين أقع بدون قصد.
حالتي مزرية حقاً. ذهبت وأخذت حماماً دافئاً يفيقني من ما أنا عليه، وأدور بعقلي إلى ما حدث. خرجت وجففت شعري وقمت بتمشيطه، وذهبت للنوم. فأنا متعبة، وإن نمت من هنا لغداً، لن يكفي.
توقفت في مكاني بصدمة، واتسعت عيناي وارتجفت خوفاً من الكتاب الذي على منضدتي. إنه ذلك الكتاب الملعون. عدت للخلف بخوف، فأصدمت بالمكتب، وقعت وصدر ضجيج. فتح الباب، طلع منه أخي ومن خلفه والداي. اقترب مني:
"إنتي كويسة؟ وقعتي كده إزاي؟"
نظرت له بخوف ومدت ذراع وأشارت بإصبع السبابة على المنضدة.
"ال..الكتاب."
نظروا على ما أشير.
"كتاب إيه؟"
ذهب أبي للمنضدة وأمسك الكتاب. قال: "ده."
قلت بصوت مرتفع وخوف: "سيبه يبابا، متلمسهوش."
نظر لي أبي باستغراب وأعاده ثانياً، وكانوا يرمقوني بنظرات غريبة لم أفهمها.
قلت: "مين جابه هنا؟"
"محدش جاب حاجة، إنتي بس اللي بتجيبي الكتب دي على البيت."
"مجبتش حاجة، مش أنا."
"إزاي مش إنتي؟ هيكون مين اللي جابه؟"
"مش عارفة، خدوه، خدوه من هنا، مش عايزة أشوفه. خرجوا من البيت."
قال كريم: "اهدئ، إيه؟"
"بقولك خدوه بعيد عني."
أمسك أخي الكتاب. قال: "أوديه فين؟"
"المكتبة اللي لقيتوني فيها، هو من هناك."
أومأ برأسه وذهب، بينما كنت خائفة على أخي من ذلك الكتاب وأن يسلب هو الآخر ويرا الجنون الذي قلت عليه.
مر وقت، كنت جالسة في غرفتي. سمعت صوت الباب. ذهبت بسرعة، لكن لم يكن أخي. كان عامر ابن عمي، الذي عندما رآني اقترب مني سريعاً. قال بقلق:
"لينا، كنتي فين؟ إيه اللي في وشك ده؟"
نظرت له وأحرجت.
"عامل إيه يا عامر؟"
نظر لأمي الواقفة. قال: "الحمد لله."
"إنت عرفت منين؟ بابا قالك؟"
"لا، أنا كنت رايح الشغل، مريت على القسم، قالوا لي إن المحضر اتقفل، فجيت على هنا."
"طب تعالى اعقد واقف ليه."
ذهبنا وجلسنا، وكنت لا يجب أن أتركه وأذهب، فهو جاء للاطمئنان علي. لكنه كان يسألني أين كنت، تلك المظاهر، ولا أستطيع الرد، فاود الانسحاب من تلك الجلسة. سمعت صوت الجرس. استأذنت وذهبت بسرعة. فتحت الباب وابتهجت عندما وجدته أخي. أسرعت إليه.
"رجعته؟"
"آه."
قالت أمي: "طب يلا عشان ناكل."
ذهبنا وجلسنا على المائدة، بينما عامر مانع وأخبرنا أنه عليه أن يذهب، لكن أبي وأمي منعوه. كم اشتقت لجلستي تلك، وكانت المرة الفائتة حلماً، مجرد وهم. أخذت أكل وأملأ معدتي، فكنت ما آكله الخبز، خبز فقط.
جلسنا في غرفة الضيوف مع عامر، والذي سعد والداي بحضوره. وأخي ينظر لي من وقت لآخر، فيعلم أن عامر جاء إلي ومتضايق بعض الشيء، لكن لا يظهر ذلك.
ذهبت لغرفتي ودرست ونمت باكراً بدون القراءة في أي كتاب، فأنا أصبح لدي بغض وكره تجاه الكتب من الآن، وسأسكبهم عما قريب.
استيقظت في الصباح. نظرت حولي بسرعة ولهفة. وما إن رأيت أني في غرفتي وأنام على سرير، أخذت أنفاسي. صليت وبدلت ملابسي ومشطت شعري، وكان تظهر العلامة التي على وجهي. لم أعرف ماذا أفعل. نظرت لمستحضرات التجميل والمساحيق، فهي بإمكانها إخفائها. أخذت ووضعت عليها، حتى لم تعد موجودة. أنزلت شعري قليلاً على وجهي بالجانب حتى لا يظهر شيء. أخذت دفتري وخرجت وشاركت عائلتي الفطور.
"استنى عشان هوصلك."
كان المتحدث حسام. قلت: "هعرف أروح لوحدي، متجننتش لدرجة إني معرفش أروح جامعتي."
نظروا لي وإلى كلامي، وكذلك أخي. فكنت حزينة من سخريته علي من البارحة، فهو يجب أن يصدقني، وأبي وأمي كذلك، وإن كذبني الجميع، يصدقوني هم. على كل حال، انتهى ذلك الأمر، لا داعي بأن يصدقوا أم لا. فلن أتفوه بتلك الخرافات ثانياً، فإنها قد انتهت، وأنا بين أرض الواقع الآن.
تذكرت دكتور معتز عندما أخبرني ذلك اليوم أن أحضر باكراً حتى لا يتعصب، وأنا لا أريد أيضاً التعرض للإهانة. يكفي إهانتي وسخريتي لنفسي.
ذهبت إلى الجامعة. دخلت المدرج وكان الدكتور لم يأتي بعد. جلست ووضعت دفاتري.
"بصوا مين هنا."
نظرت إلى من يتحدثون، كانت يارا ورفيقاتها. نظرت أمامي ولم أعرهم اهتمام.
"وحشتينا."
"في اليومين اللي مجيتيش فيهم، ضحكنا."
قالت يارا: "هنضحك كمان شوية، الصبر."
جمعت قبضتي وتمالكت نفسي. أخذت نفساً عميقاً أزيح غضبي. ثم دخل دكتور معتز، وقف ونظر لنا، ثم وجدته ينظر لي أنا تحديداً. لم أفهم نظراته تلك.
"طبعاً، إحنا عارفين إن اللي مبحضرش ليا محاضرة واحدة، ميحضرليش تاني."
وكان يتحدث وهو ينظر لي. تعجبت، وهل يقصدني أنا؟
"سمعتيني يا دكتورة؟"
بالفعل، حدثني. وجدت الجميع ينظر إلي.
"بس أنا مكنتش ا..."
"اخرجي فوراً."
كانت نبرته تلك مهينة جداً. شعرت بالحرج الشديد وتجمعت دموع داخل عيني، لأول مرة. أصبحت حساسة زيادة.
حاولت أخفيها. سمعت قهقهات منخفضة، وأعلم من يكونون. أخذت دفاتري وذهبت. نظرت إلى معتز بغضب. نظر لي هو الآخر، ثم التفت وخرجت.
"طب اهدئ، متزعليش."
كانت تلك صديقتي سهيلة وتحاول تهدئتي، فأنا على وشك البكاء.
"إنتي كنتي فين صحيح؟"
صمت ولم أرد، فلم أجد جواباً، كنت ضائعة. يالا السخرية.
"معلش، إنتي عارفة إنه دكتور كده، وهيكسفك قدامهم كلهم. فبتحضري ليه؟"
"مكنش بإيدي إني أغيب عن محاضراته، أكيد مش هفرح وإني جاية عشان أتهان كده قدام الكل."
"أمال مجتيش ليه؟"
صمت ولم أتحدث، فلا أجد جواباً. كنت حبيسة لبلاد العجائب تلك.
"أنا هروح له."
"تروحي لمين؟"
"دكتور معتز."
"آه، مش كل شوية يهيني كده، مش هحضر له تاني ويشيلني المادة زي ما هو عايز، وهرد عليه ومش هسكت له."
"استني عشان متزوديش الموضوع، ممكن يحطك في دماغه."
"هو لسه هيحطني؟"
ذهبت ولم أعرها اهتمام. وجدت يارا وأصدقائها ينظرون إلي ويبتسمون بسخرية. لم أهتم بهم وأكملت طريقي للداخل، وسألت أحد عنه وعلمت أنه في مكتبه. فتحت الباب بدون أن أستأذن. نظر لي:
"إنتي إزاي تدخلي كده؟"
"أنا عايزة أعرف إيه مشكلتك معايا يا دكتور معتز؟"
"مشكلة إيه؟"
"معرفش، أنا اللي بسألك."
وقف ببرود ونظر إليها. قال:
"اخرجي يا لينا."
"لي؟ كل شوية تكسفني قدام الكل. المرة اللي فاتت قولتلي متتأخريش، ومتأخرتش."
"على أساس إنكِ جيتي يومها. أنا قولت متتأخريش، بس إنتي غيبتي. معنديش وقت أضيعه."
وقفت قدامه بغضب. قالت:
"إنت مبتديش لحد أسبابه. أنا مكنش بأيدي إني محضر عشان أسمع كلامك السخيف زي النهاردة."
نظر لها وهي تقف أمامه مباشرة.
قالت لينا: "لو كنت أقدر كنت جيت ووفرت عليك تعبك في إهانتي."
"وأيه اللي منعك؟"
"لأني مكنتش هنا، أنا ك..."
صمت ولم أكمل كلامي، فكنت سأقول عن السخافات التي ستجعلني محض للسخرية أكثر مما أنا عليه.
"متكمليش، ولا بتدوري على سبب تقوليه؟"
بصيت في عينه. قالت: "مش مضطرة أقولك أسبابي، لكنك مضطر تحط للناس أسباب يا دكتور. لو كنت تعرف إن أنا معمول لي محضر وبييدوروا عليا في الأيام دي، إنت بتحكم بظنك، وده هيتعبك كتير، لأن الظن عمره مكان الحقيقة. زي ما إنت فاكر إني محضرتش عشان أنا مش عايزة أحضر، إنت متعرفش أنا كنت فين ولا حالتي كانت إيه. تقدر تشيلني المادة، مبقاش فارقة معايا عشان أنا مش هحضر أي محاضرة ليك تاني."
نظر لي قليلاً، التفت وذهبت، وتركته وأنا أشعر بالراحة، لأنني صببت عليه الكلام الذي أردت قوله.
كنت واقفة أوقف سيارة لتقلني للمنزل. وأثناء وقوفي نظرت بجانبي، وجدت معتز. ولا داعي بتلقيبه بدكتور بعد الآن. نظر لي، أدرت وجهي، ثم توقفت سيارة، ركبتها وذهبت.
دخلت أوضتها ومسحت المكياج من عليها. بس وقفت مكانها بصدمة، وعينها ترتجف خوفاً وزعر، وهي شايفة انعكاس ذلك الكتاب الملعون في المرايا...
سراب غوانتامتكملة بارت٣تفاعل وهنزل واحد كمان بليل💗 •
رواية سرداب غوانتام الفصل الرابع 4 - بقلم نور
انتي إزاي تدخلي مكتبي من غير إذن؟
أنا عايزة أعرف إيه مشكلتك معايا يا دكتور معتز.
مشكلة إيه؟
معرفش، أنا اللي بسألك.
وقف ببرود ونظر إليها وقال:
اخرجي يا لينا.
ليه كل شوية تكسفيني قدام الكل؟ المرة اللي فاتت قولتلي متتأخريش ومتأخرتش.
على أساس إنك جيتي يومها. أنا قولت متتأخريش بس انتي غيبتي.
معنديش وقت أضيعه.
وقفت قدامه بغضب وقالت:
انت مبتديش لحد أسبابه. أنا مكنش بإيدي إني محضرتش عشان أسمع كلامك السخيف زي النهاردة.
نظر لها وهي تقف أمامه مباشرة.
قالت لينا:
لو كنت أقدر كنت جيت ووفرت عليك تعبك في إهانتي.
وأيه اللي منعك؟
لأني مكنتش هنا أنا ك....
صمت ولم أكمل كلامي، فكنت سأقول عن السخافات اللي هتخليني محض للسخرية أكتر ما أنا عليه.
متكمليش، ولا بتدوري على سبب تقوليه؟
بصيت في عينه وقالت:
مش مضطرة أقولك أسبابي، لكنك مضطر تحط لناس أسباب يا دكتور. لو كنت تعرف إني معمولي محضر وبيدوروا عليا الأيام دي، انت بتحكم بظنك وده هيتعبك كتير، لأن الظن عمره ما كان الحقيقة. زي ما أنت فاكر إني محضرتش عشان أنا مش عايزة أحضر، أنت متعرفش أنا كنت فين ولا حالتي كانت إيه. تقدر تشيلني المادة، مبقاش فارقة معايا عشان أنا مش هحضر أي محاضرة ليك تاني.
نظر لي قليلاً، التفت وذهبت وتركتُه وأنا أشعر بالراحة لأني صببت عليه الكلام اللي كنت عايزة أقوله.
كنت واقفة أوقف سيارة لتقلني للمنزل. وأثناء وقوفي نظرت بجانبي وجدت معتز، ولا داعي بتلقيبه بدكتور بعد الآن. نظر لي، أدرت وجهي، ثم توقفت سيارة، ركبتها وذهبت.
دخلت أوضتها ومسحت المكياج من عليها، بس وقفت مكانها بصدمة.
وعينها ترتجف خوفاً وزعر وهي شايفة انعكاس ذلك الكتاب الملعون في المرايا.
التفت بسرعة ونظرت له بخوف، ثم رجعت للوراء باتجاه الباب وأنا أنظر له. وضعت يدي على الباب وفتحته وخرجت بسرعة كبيرة للخارج وأنادي أمي:
مالك؟ في إيه؟
الكتاب ده مين اللي جابه تاني؟ مش حسام خده ورجعه المكتبة؟
كتاب إيه تاني؟
أمسكت يدها وأدخلتها لغرفتي:
الكتاب ده.
نظرت إلى الكتاب بدهشة وقالت:
ده إزاي ممكن يكون حسام مرجعوش؟
يعني إيه؟ كان بيكذب عليا؟
مش عارفة، استنى لما يجي ونسأله ويوديه للمكتبة.
مش هستنى.
اقتربت من الكتاب بخوف وتردد، كنت سأمسكه لكن أخذت قماش وأمسكته به وكأنه قمامة. نظرت لي أمي باستغراب. فتحت النافذة ثم دفعت بالكتاب بعيداً وأغلقتها. التفت ونظرت لأمي:
من امتى وإنتي بتعاملي كتبك كده؟
مش عايزة كتب تاني، لو هتعرفي تجمعيهم كلهم وترميهم أو تديهم لحد أو مكتبة، اتصرفي فيهم.
إنتي بتقولي إيه؟ عايزاني أرميهم بجد؟
أيوه.
إنتي متأكدة؟ دي الكتب اللي فضلتِ تجمعي فيهم كتير ورواياتك.
مش عاازاهم يا ماما.
التفت ودخلت إلى دورة المياه. قمت بغسل وجهي. نظرت في المرآة وقلت:
إزاي جه هنا ولأوضتي؟ ممكن فعلاً حسام موداهوش، بس هو قال إنه..... ماشي، انسي الموضوع خلاص. إنتي في الحقيقة دلوقتي مع أهلك في بيتك.
تنهدت، أمسكت المنشفة ونشفت وجهي.
ذهبت في المساء كنا متجمعين على الطاولة ونأكل:
لينا.
نعم يا بابا.
فكرتي في موضوع عامر؟
توقفت عن الأكل، وكان يقصد طلب يده للزواج مني.
قلت:
لسه بفكر.
عامر شاب طموح وبيشتغل وبيحبك، بتفكري في إيه؟
نظرت لأمي وكنت سأتحدث، لكن أبي تكلم وقال:
متغطيش عليها، سيبيها تفكر براحتها.
نظرت لأمي قلت:
شفتي بابا قال إيه؟
ابتسمت لأبي، ابتسم هو أيضاً لي.
كنت واقفة في الشرفة وأرتدي جاكت صوف ثقيل والهواء البارد المثلج يصدم في وجهي، فكنت مللت من الحرارة وسقوط الشمس العمودية على رأسي:
إنتي واقفة هنا إزاي؟
التفت ووجدته أخي، اقترب ووقف بجانبي.
قلت:
ادخل عشان متبردش.
هيكون بسببك اللي فكر.
ابتسمت ورغم حزني منه.
أنا آسف على امبارح.
يعني عارف إنك غلطان؟
ما إنتي اللي ضحكتيني.
قلت ببرود:
كلامي ميضحكش يا حسام، أنا كنت بقول الحقيقة وأنت شوفت بنفسك حالتي.
يعني إنتي كنتي في عالم غير عالمنا صح كده؟
نظرت له وصمت وشعرت إنه بعد قليل سيضحك، ففضلت عدم التحدث.
صدقيني يا لينا، اللي قولتيه ميدخلش العقل. وأنا عارف حبك في الكتب، عشان كده كنت بحسبك بتهزري. على العموم متزعليش مني. أقسم بالله لأعرف مين اللي عمل فيكي كده وهيموت على إيدي.
صمتت ولم أرد عليه.
يلا ادخلي، الجو تلج، مش عارف واقفة كده إزاي.
ابتسمت، فخرج حسام. وقفت في الشرفة قليلاً ثم دخلت أنا الأخرى.
دخلت غرفتي للنوم. شعرت بشيء غريب. التفت وقشعر بدني خوفاً وقلق من يكون الذي رأيته صحيح، واتسعت عيني عندما وجدته هو. إنه ذلك الكتاب.
مستحيل! أنا رميتك بإيدي، مستحيل! إنت هنا إزاي؟
نظرت للغرفة بخوف ورعب. اقتربت من الكتاب وأنا مرتعبه. تحليت بشجاعة ومددت يدي وأمسكته وذهبت إلى النافذة ثانية وفتحتها. فشعرت بشيء غريب بي يدي. إنه يهتز.
تركته على الفور بخوف ورعب فوقع على الأرض. عدت خطوتين للوراء وأنظر له. فتحت النافذة، اصدمت بالحائط بسبب قوة الرياح العاصفية وصوت الرعد المخيف.
التفت بسرعة وركضت للباب لكن توقفت عندما سمعت ذلك الحن ثانياً. التفت ببطء في خوف من أمري. نظرت له.
كنت نائم في غرفتي وإذا بي أفيق على صوت ضجيج من غرفة لينا. تلك الفتاة التي لا تنام وتثير ضجة المنزل. ذهبت لغرفتها لأطمئن عليها. فتحت الباب:
إنتي مش ناوي تنامي؟
فوعندما رأيت الغرفة تعجبت. فلم يكن بها أحد. كانت النافذة مفتوحة على آخرها فقط. اقتربت من النافذة وكيف فتحت، فأصدمت بشيء. نظرت للأسفل ووجدته كتاب على الأرض. لحظة! أليس هذا الكتاب الغريب الذي ذعر لينا خوفاً من رؤيته؟ كيف جاء لهنا؟ لقد أعطيته للمكتبة التي أخبرتني لينا عنها.
انخفضت وامسكته. نظرت فيه وإلى غلافه الغريب. ثم رفعت أنظاري على غرفة شقيقتي التي لا أراها بها. وضعت الكتاب على المنضدة وأغلقت النافذة. ثم ذهبت أبحث عنها:
لينا! إنتي لسه منمتيش؟
دخلت إلى المطبخ بحيث أن أجدها، لكنها لم تكن موجودة. تعجبت وذهبت لغرفة المعيشة:
إنتي روحتِ فين؟
لم أجدها أيضاً هنا. ذهبت وبحثت هنا في المنزل ولم أجد لها أي أثر. ذهبت لغرفتها ونظرت فيها من أن تكون داخلها أو كانت في دورة المياه، لكنها ليست موجودة وكأنها تبخرت. فكنت معها منذ قليل، أين ذهبت تلك الفتاة؟
ذهبت لغرفة والداي وأطرقت الباب. فتحت لي أمي وكان يبدو عليها النعاس. قلت:
معلش صحيتك، بس تعرفي لينا راحت فين؟
راحت فين إيه؟ مش هي في أوضتها؟
لا.
ممكن تكون في المطبخ؟
لا، دورت عليها في البيت كله ملقتهاش.
إزاي؟
ذهبت مع أمي ودخلنا إلى غرفة لينا وبحثنا عنها في البيت. نظرت لي بخوف وقالت:
هتكون راحت فين؟
صمت ثم نظرت إلى الكتاب الموجود على المنضدة الذي لا أعلم من أين وكيف جاء:
ماما! هو الكتاب ده لينا جابته تاني؟
كتاب إيه يا حسام، ده وقته. أختك فين؟
مقصديش، بس استغربت لما شوفته.
نظرت أمي للكتاب ووجدت علامات الدهشة والذهول على وجهها. اقتربت منه بسرعة وقالت:
هو جه إزاي؟
مش فاهم.
نظرت لي وقالت:
لينا رمته انهارده وسألتني إذا كنت أنت اللي رجعته وحطيته في أوضتها.
حطيت إيه ورجعت إيه؟ أنا وديته المكتبة زي ما قالت لي.
وهي رمته انهارده برضو. جه تاني إزاي؟ أنا شوفتها بنفسي وهي بترمي.
صمت وعلامات التساؤل والاستغراب تحوم وجهي. اقتربت من أمي ونظرت إلى الكتاب ومن ما قالته. هل كان هنا في الصباح بعدما أعدته للمكتبة؟ وقامت لينا برميه؟ لكن عندما دخلت الغرفة وجدته على الأرض ولم تكن هي موجودة، وصوت الضجيج ذلك.... صمت واتسعت عيني. لا! مستحيل! هل يعقل أنها... هل كانت صادقة؟
فتحت عيني على أصوات متزاحمة صاخبة مرتفعة وضجيج. نظرت واتسعت عيني بصدمة. نظرت حولي وقلت:
لا.. يا رب أكون بحلم، يا رب! لا أنا مرجعتش هنا تاني صح؟
وقفت وقمت بتنفض ثيابي. كان الجو مغيم وأصوات طبول وحشد كبير من ناس يرتدون ملابس جميلة ليس مثلما يرتدون ومتزينون ويسيرون باتجاه واحد. نظرت لهم بعدم فهم، وإلى الابتسامة والسعادة الذي هم عليها. وأرى ناس يهللون ويضربون ويطرقون على الطبول ومن يعزف على عود وأصوات كثيرة. كان من يراني ينظر لي باستغراب. لم أهتم بنظراتهم. لم أكن أعلم أين أذهب ولماذا عدت إلى تلك الأرض. ذلك الكتاب إنه السبب فيما يحدث لي. أجل هو لا غيره.
أوقفت امرأة. نظرت لي وقد علمت أنها تنظر لملابسي وشكلي الغريب. قالت:
ماذا تريدين أيتها الغريبة؟
إنتو رايحين فين وإيه اللي بيحصل؟
نظرت لي بعدم فهم واستغراب. قلت:
إلى أين تتجهون وماذا يحدث؟
ابتسمت وقالت:
لستي غوانتيه، إنه احتفال يوم الغيام ونحن متجهون إلى الساحة.
نظر لي وأكملت:
تعالي معي.
لا.
أخذتني وسارت معي باستغراب. دخلت لمنزل. توقفت فتذكرت عندما أحضرني رجال لمنزل لأكون عبده.
ادخلي.
ماذا تريدين؟
لتغيري ملابسك الغريبة تلك.
لا، أشكرك، ثم إني ليس لدي مال.
ابتسمت ثم دلفت للداخل وخرجت وهي تحمل فستان كالذي يرتدونه النساء. نظرت لها. اقتربت وأعطتني إياه وأخبرتني أن أدخل. ترددت، لكن كانت ودودة معي. دخلت وبدلت ملابسي بالفعل وارتديت ذلك الفستان قديم الطراز الذي يشبه الفساتين قديمة العصور. خرجت لم أجد المرأة. تعجبت فأين ذهبت؟
سرت مع الناس ولا أعلم شيئاً وأنظر إلى السماء وسحبها الكبيرة الضخمة الذي تبدو مخيفة بعض الشيء وتحجب الشمس. توقفت عندما وجدت ساحة كبيرة مزدحمة بالناس ومن خلفها وجدت سور كبير ضخم مرتفع ومن فوق تظهر قمة لقصر مثل القصور التاريخية التي رأيتها.
ممكن ده القصر اللي قالتي عليه غابينة؟ بس هو قصر فعلاً.
كان يبدو عليه تضاريسه وعليه نقوش وزخارف عند سوره. لم أكن أستطيع رؤية القصر كاملاً. وقفت مع الناس في تلك الساحة والتجمع بالعدد الهائل تلك وأنظر حولي. كان يتهامسون وصوت ضحكات وسعادة تغمرهم وفتيات يتحدثون شوقاً عن رؤية الملك. ثم انطلق بوق مرتفع جعل الجميع يصمت:
حضرت الملك فرناس.
نظر الجميع ونظرت على ما ينظرون وإذا بي أجد شرف عالية من ذلك القصر تفتح ويقف حارسان عند الباب يرتدون زي كحربي مثل القدم وسيف معلق في حزامهم ويقفون بثبات من الأمام. ويتقدم رجل بل شاب لا أعلم. كان أسود الشعر ملامح عربية تختلف. عيناه وكأنها تميل إلى اللون الأبيض من لون عينيه الرمادي المميز. إنه وسيم. وسيم للغاية مما جعلني أحدق به بشدة. وجدت الفتيات يبتسمن وهم ينظرن له وجميع النساء.
رأيت الجميع ينخفضون. نظرت لهم باستغراب وماذا يفعلون. علمت أنهم ينحنون له. كنت الوحيدة التي لا تنحني وتظهر للجميع. وجدت الحراس والرجل صاحب البوق وبعض الرجال الذي يرتدون زي مختلف وكأنه ملكي ويتميزون عن الناس أو الشعب به. ينظرون لي. ثم وجدت من يمسك يدي ويخفضني. نظرت وجدته شاب:
سيقتلونكِ يا غريبة. لتنحني لملكنا.
ماذا؟ يقتلوني؟
لم يرد. ثم رفع الجميع ورفعت معهم. وكنت أنظر إلى ذلك الملك الواقف في قصره يبدو عليه الشموخ والجمود والقوة. نظرت وجدت رجل يرتدي زي أبيض ويمسكه حارسان ويتقدمون به إلى منصة.
في البداية لم أكن أعلم ماذا يحدث وماذا يجري وأين هطول الأمطار الذي أخبرتني عنها غابينة. وكم مر من الأيام لأعود وأشهد ذلك الاحتفال. وجدتهم يخفضون الرجل ويجعلونه يجس على ركبته مقابل القصر والملك. ثم يضعون رأسه على شيء مرتفع قليلاً. وصعد رجل ضخم يرتدي زي أسود كان يحمل سيف في يده. نظرت له بصدمة. وجدته يتقدم تجاه الرجل ويقف بقرب منه فيرجع الحارسان للخلف. وما إن رفع الرجل سيفه وقام بفصل رأس الرجل عن جسدها. اتسعت عيني وقشعر بدني خوفاً من تلك الرأس الطائرة. ونزلت من المنصة بين الناس. احمرت عيني وامتلئت بالدموع من الخوف والزعر والرعب من ذلك المشهد والجسد بدون رأس الذي ارتمى واستلقى أرضاً. لم أكن قادرة على أخذ أنفاسي. كنت مرتعبه. وجهي يخلو من التعبيرات.
قطع الصمت بصوت صيحات. نظرت للناس بصدمة وكأنهم سعيدين بما حدث. نظرت لذلك الملك الواقف بقوة.
من هؤلاء البشر؟ من هؤلاء الوحوش؟ هل يأتون لرؤية هذا؟
ثم صمتوا فجأة ونظروا للأعلى وكانوا ينظرون للسماء. رفعت وجهي نظرت معهم ولا أعلم أي شيء. فقط أشعر بالخوف والرعب وارتجاف جسدي. كان الصمت مهيب ويعم على الجميع. وسمعنا صوت قوي من السماء وإذا بالأمطار الغزيرة تهطل. فصاح الناس وصدر صوت طبول وأنغام وصوت موسيقى العود وضحكات الناس وسعادتهم ويمدحون ملكهم وتحيات له وتعليمات كثيرة.
ثم صدر صوت بوق أصمتهم جميعاً ثانياً ونظروا أمامهم إلى ذاك الملك. ثم انخفضوا يحيوه مرة أخرى. فخفضت معهم رغماً حتى لا ينظر إلى تلك الحراس وما قاله الشاب بأنهم يقتلونني. أصبحت مرتعبه مما أنا عليه ومن هؤلاء الناس. ثم رفعوا رؤوسهم وكان ذلك الملك قد غادر هو وحراسه الاثنان وتقفلت الشرفة.
فبدأ الناس بضحكات والأغاني والطبول العالية وهموا بالمغادرة وهم سعيدين. ذهبت معهم وكانت الأمطار تسقط علينا. ما لحظته أن قطرة الماء كانت كبيرة وليس كالأمطار العادية بل تهطل بغزارة. وتسعر بها من حجمها.
كان الناس يرقصون وعندما أسير أجد نساء تشابك أيديهم ويدورون ورجال جالسة وتضحك ويعزفون على العيدان وهناك من يقف تحت الأمطار وأطفال تضحك وتركض. من هؤلاء البشر؟ لقد قطع رأس رجل أمام أعينهم. منذ قليل كيف لهم أن يكونوا هكذا؟ هل هذا الحدث من ضمن الاحتفال أن يقطعوا رأس رجل وتنغمر دماؤه وتأتي الأمطار وتجعلها بركة ماء مختلطة بماء؟
هذا المشهد مرعب ومخيف جداً. ليتني لم آتي في هذا اليوم. وكانت غابينة تخبرني أني سأحتفل معهم. أي احتفال هذا يا غابينة؟ إني نادمة. هل ذهابي معهم؟
بتأكيد كنتِ من بين تلك الحشود وتشاهدين، لكن لم أستطع رؤيتك من كثرة الناس الذي كانت حاضرة. أين أذهب؟ أنا لا أعلم شيئاً على هذه الأرض وأنا بعيدة عن المكان الذي أعرفه. منكِ ولا أعلم أين أجدكِ. فأنتِ من كنتِ تقلينى حتى لا أضيع.
كانت ملابسي جميعها تبللت وأشعر بالبرد الشديد عكس هؤلاء الناس الواقفة تحت الأمطار. فأصبح الجو بارد عما كانوا عليه. وجدت شجرة وكان نوعها الغاف. ذهبت وجلست تحتها أحتمي من تلك الأمطار. ضمنت ركبتي إلى صدري وانكمشت فكنت أشعر بالبرد. خفضت وجهي داخلي:
أيتها الغريبة.
رفعت وجهي للصوت. كانت امرأة. نظرت لها وعلى نعتي بالغريبة.
تفضلي هذا لكي.
نظرت لها كانت تعطيني طبق كان به طعام وحساء به قطع لحم:
لا أريد، فليس معي مال.
أعدت وجهي فوجدتها تلمسني. رفعت وجهي بضيق:
لتأكلي، لا يدفع أحد شيئاً اليوم لاحتفالنا.
نظرت لها بشدة فقربت الحساء مني. مدت يدي وأخذته فشعرت بدفء في يداي عندما حملته فكان ساخن.
أشكرك، كنت أحتاجه كثيراً.
ابتسمت لي وذهبت. نظرت للنساء والرجال الذي يهللون. تذوقته وكان طعمه جميل. مضغت قطعة من اللحم وكان مذاقها حلو جداً. لم أعلم أي لحم آكله فطعم غريب لكنه حلو. أكلت بشهوة وأحببت مذاق ذلك الطعام كثيراً. كانت غابينة محقة الطعام هنا شهي. لقد تذوقت حساء بلحم فقط. ماذا إذا عن الأكلات التي كنت أراها في المطعم؟ وعندما سمحت لي الفرصة لأكلها ظهر لي ذلك الولد. لكن لم يكن علي تركه يضرب من أجل طعام أشتهيه.
أنهيت الحساء وأعطيت المرأة الطبق وشكرتها ثانياً. ثم عدت وجلست تحت الشجرة فلم تكن الأمطار توقفت ومازالت تهطل بغزارتها.
كنت جالسة أشاهد الأطفال والنساء وهم يضحكن ويرقصن والرجال وهم يتغزلون بهم ويتبارزون بالأيدي كنوع من أنواع المزاح والضحك. وكانوا يشربون شيئاً في زجاجات غريبة. أظنهم يشربون الخمر. يا القرف.
قد بدأ الليل بالمجيء وكانت الأمطار ابتدأت على التوقف وسمعت أنها لم تمطر بغزارة هكذا وقوة مثل اليوم. وكانوا سعيدين وهم يتحدثون عن أمطارهم الذي ستكفيهم لـ 50 سنة وليس 30 ويضحكون.
كنت متعبة وأشعر بالإعياء. أظن أني مرضت. أسندت بظهري على الشجرة وأغلقت عيناي فأريد النوم.
مر وقت وأنا نائمة شعرت بشيء غريب. فتحت عيني ونظرت وجدت رجلان ينظرون إلي وقريبون مني. زحفت للخلف بخوف كان بأيديهم زجاجات من الذي رأيتها في أيدي الرجال وشبهتها بالخمر:
ماذا تفعلين هنا يابنت؟
قالها وهو يطوح ويلهث ويبدو أني محقة أنهم سكران. اعتدلت ووقفت لأذهب بعيداً عنهم فتوقفت وجدت من يمسك يدي.
إلى أين تذهبين وتتركينا؟
لتأتي برفقتنا الليلة. فاليوم احتفال لتنضمي لنا.
قلت:
ابعد عني يا حيوان.
ماذا؟ ماذا قلتي؟
ابعد يدك يا زبالة.
لماذا لا يعبس ذلك الوجه الحسن؟ سنعطيكِ ما تريديه.
اقترب مني وقرفت عندما شمت رائحة الخمر الكريهة التي تفوح منهما. وجدته يتلمسني ويقترب مني. قمت بدفعه بغصب بعيداً عني فأمسكني الآخر بقوة وقربني منه. صرخت وأبعدته فأشتد على يدي ودفعني فوقعت على الأرض. نظرت لهم بخوف اقتربوا مني. عدت للخلف. وجدت حجراً بجانبي.
أمسكته وسرعان ما قمت بقذفه تجاههم فأصدم برأسه. وسالت دماء منه. شعرت بالخوف. اقترب منه رفيقه. اعتزلت. وقفت وركضت مبتعدة عنهم:
أيتها العاهرة.
وقف الرجل واقترب مني فركضت بسرعة فلحق بي وينهرني وأنا أركض. وكنت سوف أتعثر كثيراً لكنني أسرع وأعيد اتزاني.
وقفت خلف حائط لبيت أختبئ وأحتتمي به. أخذت أنفاسي المتسارعة. سمعت صوت أقدام توقفت. حركت رأسي قليلاً ونظرت وجدته الرجل. عدت ثانياً للخلف وأشعر بالخوف وصدرى يعلو ويهبط.
نظرت بطرف من عيني وجدته يلتفت ويذهب. أخذت أنفاسي بارتياح. جلست على الأرض وأنا في مكاني وتذكرت الرجل عندما سقط على الأرض. هل مات؟ هل قتلته؟ هل أنا قاتلة؟ هل قتلت شخصاً للتو؟ ما هذا الذي فعلته؟ أنا قاتلة. تذكرت كيف كانوا يقتربون مني بحقارة وذلك الرجل الذي أمسكني بقوة وكان سيكسر يدي وقربني منه. فلم أجد غير ذلك الحجر. أجل كان دفاع عن النفس. وإن عدت للوراء لقتلته مجدداً لتجرؤه على مسكي واقترابه مني.
استيقظت من نومتي على ذلك الضوء القوي الذي أعرفه أنه ضوء الشمس. فتحت عيني. نظرت كانت الشمس قد عادت لطبيعتها. تعجبت هل يكون الجو بارد وممطر ليوم واحد فقط؟ سبحان الله. كانوا محقين في أن يحتفلوا ويرقصوا به من النهار لليل. نظرت كنت جالسة في المكان الذي اختبئت فيه من الرجل البارحة.
تنهدت لأقف فور وقوفي. سعلت. شعرت بالإعياء. وضعت يدي على جبهتي كانت حرارتي مرتفعة. أسندت يدي ووقفت ولا أعلم أين أذهب. فقررت الذهاب لغابينة فأنا لا أعلم أحد هنا غيرها. وأيضاً لا أعلم كم سأبقى هنا. هل مثل المرة الفائتة أم أكثر. ويجب أن أعود لذلك العمل المجهد. لم أصدق وإني رجعت للمنزل حتى قام ذلك الكتاب بإعادتي مجدداً.
سرت بين الناس وأرى الطرقات التي أسير فيها لأرى طريق سيرة فيه من قبل مع غابينة. مر وقت ولم أكن أعلم أي أحد من هؤلاء الناس. جلست بتعب فقدماي ألمتني من كثرة السير.
بعد وقت استراحت قدماي. كنت أشعر بجوع. وقفت وأكملت سيري. توقفت عند المطعم الذي كنا نشتري منه الطعام. ذهبت إلى الطريق الذي كنا نسير فيه فقد أصبحت على مقربين منها. وصلت لناحية الذي كنا نضع لهم الصخور. نظرو لي. لم أفهم نظراتهم. أكملت وذهبت لغابينة ورأيتها كانت تعمل. ناديت عليها. نظرت لي بشدة. كانت نظرتها غريبة وكأنها خائفة. سارت تجاهي.
في إيه؟ مالك؟
ردفت قلت:
لماذا تنظرين لي هكذا؟
اركضي يا لينا.. اذهبي، قبل أن يراكِ أحد، ولن تسلمي من أيديهم.
ما الأمر؟
إنكِ الآن هاربة. عبدة هربت من عندهم وممكن أن يقتلونكِ بتلك الفعلة. اذهبي.
يقتلونني!
اتسعت عين غابينة. نظرت لها بتعجب وعلى ما تنظر. التفت فتلقيت صفعة قوية مبرحة أطاحت بي أرضاً جعلت دماء تسيل من فمي. تألمت كثيراً وكأن عظام وجهي قد كسرت. وجدت من يمسك شعري بقوة وعلى وشك اقتلاعه. وقفت وأنا أصرخ بألم شديد:
تهربين من أسيادكِ يا ساقطة؟
نظرت له وقلت بغضب:
أنا لست عبده، ونحن جميعاً لسنا بعبد وليس لنا أسياد.
نظر لي الجميع وتكلع الرجل حوالي بغضب ثم فصفعني بقوة.
سأعلمكِ كيف تتحدثين ما أسيادكِ.
شد شعرى بقوة ثانياً. صرخت. وجدته يخرج خنجر من حزامه الغليظ الملتف حول خصره. نظرت له بصدمة وهل سيقتلني؟ لكن وجدت يقربه ناحية شعري من ثم يقطعه. صرخت وبكيت واترجاه أن يتركني. ثم ركلته بقوة من الأسفل فأصدر صوت اختناق وابتعد عني. نظرت له وإلى شعري الذي في يده. أمسكت شعري ببكاء وحزن. قمت بركض على الفور:
أيتها الساقطة.
لم أهتم به وركضت. وجدت رجلان ضخمان يعيقوني وعينهم تشتعل غضباً. ركضت للجانب الآخر وأنا خائفة بشدة ودموع تسيل من عيني برعب شديد. نظرت خلفي كان يلحقوني. أسرعت من ركضي. أفر من هؤلاء الوحوش. سلكت طريقاً آخر وكان هناك عربة. جلست على الأرض وانكمشت أخبئني وأضع يدي على فمي بخوف وصدرى يعلو ويهبط:
أين ذهبتِ؟
قالها أحد الرجال بضيق.
هنا.
اتسعت عيني خوفاً وأنهم علموا مكاني. نظرت بعيني إليهم وأنا مرتعبه. لكن وجدتهم يركضون في طريق آخر. ألقيت نظرة وتأكدت. ثم عدت بظهري للخلف وأسندت بظهري على العربة بخوف وأخذ أنفاسي وأزيح الزعر الذي أنا عليه وأطمئن نفسي.
وضعت يدي على رأسي وتحسست شعري فسالت دموع من عيني. أصبح قصير. فشعري هذا ما يميزني. لطالما اعتنيت به وأحبه بشدة. جاء ذلك الوغد وقطعه بكل وحشة. بكيت من حزني وإلى متى سأكون هكذا ضائعة بين العوالم. ما هذا الذي يحدث معي وتلك الخيالات التي لا تفسير لها.
نظرت وأنا أبكي وجدت نهر وكان به ماء كثير. نظرت حولي بدهشة وهل هذا حقيقي؟ هل يوجد هنا نهر على تلك البلاد والأرض الجافة هذه؟ الذي ينتظرون الأمطار من أجل امتلاء بؤرهم وحفر لتخزين المياه.
مسحت دموعي. وقفت وذهبت إليه. اقتربت منه وجلست أمامه. نظرت فيه كان يبدو عليه النقاء وعذب. قربت يدي لأتذوقه فأنا عطشى. لكن توقفت ودق قلبي سريعاً بخوف. وجدت انعكاس لي وكان على جبهتي رمز. إنه نفس ذاته. رمز تلك المملكة الذي أخبرتني غابينة عنه. ورمز الكتاب من على غلافه.
وضعت يدي على جبهتي أتفقدها. فهي ليس بها شيء. أنا متأكدة. ودق قلبي فزعاً حين وجدت صورتي تبتسم لي. لهثت بأنفاسي بصدمة. فتحول شكلي بطريقة مخيفة وكأنه يمحى ويشكل لامرأة أخرى.
صرخت وشعرت بأن شعري قد شاب. وقعت وزحفت للخلف بخوف شديد وقلبي ينبض بسرعة حتى إني أسمع صوت نبضاته من قوتها وكأنه سيخرج من مكانه.
التفتت بسرعة وركضت في هول وأترك ما خلفي. ما هذا بحق الجحيم؟ ما هذا الذي رأيته؟
جلست خلف أحد البيوت وأنا في حالة من فقدان العقل. إنها بداية مراحل الجنون. لن أخرج من تلك البلاد سليمة. سأخرج إما أو فقدان نفسي وصوابي. ماذا يجري معي؟
حل الليل وكنت جائعة والعطش يغطي على جوعي. خائفة أن أذهب لذلك النهر المسكون. أنا مرتاعبة. أشعر بالغرابة وأنا هنا. أين أنا؟ يا الله أعلم أنك بجانبي دوماً متى ذهبت أنت معي، لكن لترفق علي وتعطيني صبراً وأخرجني من هنا أرجوك. شعور صعب وأنا وحيدة من بين كل ذلك الازدحام وتلظ الناس. أنا وحيدة من حيث الاختلاف. معهم حق بنعتي بالغريبة. إنني غريبة بالفعل عنهم كثيراً.
بدأ ظهور الزكام علي وأسعل وأشعر بتعب ومرض. مددت على الأرض مثلما كنت أفعل وأخذني النوم.
في اليوم التالي فتحت عيني على ضوء الشمس القوي الذي يخترقني ويوقظني من نوم عميق أغطي به. أُفقت بانزعاج فأنا أحتاج للراحة من مرضي. ثم سمعت صوت معدتي وكانت توحي بالجوع الشديد.
أسندت ظهري بضيق فليس لدي مال لشراء الخبز حتى. نظرت لمعدتي بضيق. لتصمتي قليلاً. أنا أيضاً جائعة ومرضي يشعرني بالإعياء الشديد. كنت جالسة أقوم جوعي إلى أن يأتي الفرج.
فتحت عيني للبحث عن أي شيء يدخل للمعدة. وقفت وذهبت. كنت أسير وحاسة الشم عندي مفقودة. لكن كنت أرى الناس وهم يجلسون على كراسي ويأكلون. كم شعرت بالجوع وفكرت في أن آخذ الطعام وأركض. أجل فكرت في السرقة. لكن لم أفعلها. أنا لا أسرق حتى وإن كنت سأموت من الجوع.
توقفت عندما رأيت رجل عجوز يسير ببطء وضعف ويحمل حزمة من القمح من عربة ويذهب بها. يضعها أرضاً بجانب أحد المحاصيل. تبعت سيري ولم أهتم. لكن توقفت فقد رق حالي عليه. اقتربت منه:
دعني أساعدك.
لا داعي يا ابنتي.
لم أرد عليه وأخذت أنا بحمل حزمة ووضعتها كما يفعل.
يكفي.
حقاً.
أجل.
تركت ما كان بيدي استأذنت وذهبت:
انتظري.
التفت له قلت:
ماذا؟
خذ.
نظرت إلى يده وجدته يعطيني خمس عملات:
خذ، إنكِ تستحقين أكثر من ذلك. إنكِ قوية.
تعجبت من كلمة قوية. أي قوة هذه؟ كنت مترددة في أخذ المال لكنني أتضور جوعاً وأحتاجه بشدة. إن كان اليوم أو غداً. هذا الرجل أرسله الله نجاة لي من القادم. مدت يدي وأخذت المال. قلت:
أشكرك.
التفت وذهبت:
كان الكتاب محقاً في اختيارك.
توقفت من تلك الجملة التي سمعتها من خلفي. التفت ونظرت للمتحدث وكان هو العجوز ويبتسم.
ماذا قلت؟
رفع وجهه الذي كان يخفضه وقبعته الذي تخفيه. صدمت وانتابتني صدمة كبيرة وصعقت. قلت:
إنتابتسم لي. كان ذلك العجوز الذي رأيته عندما كنت على عجلة من أمري ورأيته يعبر الطريق فساعدته. وعندما اصدمت به وكنت في المكتبة.
كام الآن يبدو عليه القوة حتى عندما كان يحمل الحزم القمح كان ظاهر بأنه عجوز منهك. لكنه وهو واقف الآن. لا يبدو عليه الشيب والشيخوخة بل الشباب:
ما زلتِ تتذكرينني.
إنت هنا.. إزاي؟
نظرت له بحنق أردفت قائلة:
إنت مين؟ إنت السبب.. إنت اللي جبتني هنا.
أنتِ مختارة من بين البشر كلهم.
بشر إيه؟ ثانية.. إنت معايا هنا... يعني في ناس من عندنا موجودين هنا؟
أنتِ بس اللي موجودة. محدش ينفع يدخل هنا غير صاحبة الكتاب.
مين صاحبتها؟ أنا معرفوش.. وكتاب إيه ده اللي مش راضي يسبني؟
ولا هيسيبك.
إنت بتطمني ولا بتقلقني؟
لا تخافي. أعلم ما يحدث مخيف. لكنكِ الآن يجب أن تكملي ما جئتي له.
إنت بتتكلم عن إيه؟
معي أجوبة لكل أسئلتك.
لقل من أنت وما تعرفه وما هذا الذي نحن عليه وماذا قلت عن الكتاب. قلت أنه اختارني. تحدث ماذا تقصد.
اقترب مني. نظرت ثم مد يده. نظرت له وجدت يده تقترب من جبهتي ثم ابتعد عني سريعاً وسحب يده.
نظر لي بشدة قال:
استعملتيها.
استعملت إيه؟
حررتي قوتك. لحقتي يا لينا. لسه بدري إنك تخاطري.
إنت بتقوي إيه؟ أرجوك عرفني إيه اللي بيحصل. عقلي هينفجر. جاوب على أسئلتي إن كان لديك مفتاح لها أم أنك عالق هنا معي.
لا تتشتت، ولا تخافي. أولاً وآخراً، لا تتعجبي من أي شيء تريه وإن كان يستحق العجب والذهول، أظهري عكس ذلك.
ماذا؟
نظرت له باستغراب. ثم وأنا أنظر اتسعت عيني من الرجال الذين كانوا يركضون خلفي البارحة من العمل. ومن بينهم الرجل الذي قام بقطع شعري وضربني بقسوة. عدت للخلف بخوف وعلى وشك الركض. وها هم نظروا لي وقد رأوني وتحولت ملامحهم للغضب. نظرت لذلك العجوز بخوف قلت:
سيقتلونني، أنقذني.
وجدت الرجال يركضون فركضت بسرعة:
انتظري حدثاً لينقلك.
كان هذا صوت العجوز ويخاطبني:
حدث... يعني إيه؟
لم أفهم ما قاله ولم أعر له اهتمام. فكنت مرتاعبة جداً والرجال كانوا ينهروني ويسبوني بألفاظ فظة ويأمروني بأن أتوقف. لكن كنت أسرع ولا أعيرهم اهتمام وقلبي يرتجف خوفاً. فكانت حركتهم أسرع مني ويقتربون.
سلكت طريقاً آخر وكان تقريباً السوق. فكان به بائعين كثيرون. نظرت خلفي وجدتهم فركضت أسرع. فكان أحدهم على وشك أن يلتقطني.
لترحمونى ولو قليلاً فقد أخذتم أغلى شيء عندي وهو شعري الطويل الكثيف الناعم. ماذا تريدون أكثر من هذا؟
أمسكني أحدهم من ملابسي فشقت. لكنني فللت من يده ووقعت. بس مسكت في شخص وجدته أمامه وأسندني.
رفعت وجهي. كان يرتدي زي أسود وقلنسوة تخبئ وجهه. سعت صوت الرجال. حاولت أن أفلت يدي. لكنه أمسكني:
أوعي. سبيني.
لقيت الرجالة وصلوا وبقوا قدامي. لقد انتهيت. شعرت بالخوف الشديد فأنا سأموت بلا أدنى شك.
نشكرك على إمساكها أيها السيد.
اترعبت. قرب أحدهم مني ومد يده ليمسكني. لكن وجدت ذلك الرجل يبعده ويوقفني وراه.
نظرت له ونظرت خلفي. فكان يوجد أربعة رجال واقفين بثبات. تعجبت لأمرهم. كان باين إنهم تبعه بس مش خايفين. وشهم زيه.
ماذا تفعل يا هذا؟
نظرت للمتحدث كان أحد الرجال الذي يلحقون بي:
لتتركها ودعها لنا واذهب بسلام.
اقترب الرجل إلي فشعرت بالخوف. لكن الرجل الخفي أوقفه وأبعده عني.
أنت تضع نفسك في ورطة.
هل أنت أخرس؟
اتركها أيها الوغد حتى لا تقتل معه.
لم يتحدث الرجل أو يبتعد عني خطوة واحدة. كان ثابتاً.
اقترب الرجال منه ومني. ثم سمعت صوت من خلفي. التفت ونظرت وجدت الأربعة رجال يخرجون سيوف من تحت جلبابهم:
كيف تجرؤون وتحدثون الملك فرناس هكذا؟
اتسعت عيني من الصدمة التي تجتاح جسدي:
ا.. الملك ف فرناس؟
كشف عن وجهه. اتصدم الجميع من رؤيته:
إنه الملك.
انحنى جميع الناس فوراً ولم يعد هناك أي صوت أو ضجيج سوى صوت الرياح.
سراب غوانتام
بارت ٤
تفاعل قليل أوي
•
رواية سرداب غوانتام الفصل الخامس 5 - بقلم نور
وقعت على شخص ومسكت فيه.
سمعت صوت الرجالة اللي بيجروا وراها.
اتعدلت عشان تجري بسرعة، بس لقيته بيمسكها.
"أوعى! سبني!"
حاولت أفلت إيدي.
"أرجوك!"
لقيت الرجالة بقوا قدامها. خافت وعرفت إنهم هيمسكوه.
"نشكرك على إمساكها أيها السيد."
اتترعبت لما كان هيمسكها، بس الراجل ده أبعدها ووقفها خلفه.
بصتله من اللي عمله، وبصت ورا. كان فيه أربع رجالة تبعهم، بس مش خافيين وشهم.
"ماذا تفعل يا هذا؟"
نظرت للمتحدث. كان أحد الرجال اللي بيلحقوا بيها.
"لتتركها ودعها لنا واذهب بسلام."
اقترب الراجل اللي فشعرت بالخوف، لكن الراجل الخفي أو وقفه وأبعده عنها.
"أنت تقع نفسك في ورطة."
"اتركها أيها الوغد حتى لا تقتل معها."
لم يتحدث الرجل أو يبتعد عنها خطوة واحدة. كان ثابتاً.
اقترب الرجال منه ومنها، ثم سمعت صوت من خلفها. التفتت ونظرت، وجدت الأربعة رجال بيخرجوا سيوف ويمسكوها في إيديهم. أظنهم كانوا يدارونها تحت هذا الجلباب، لكنهم لا يخفوا وجههم مثل هذا.
"كيف تجرؤون وتتحدثون للملك فرناس هكذا؟"
اتسعت عيني من الصدمة اللي بتجتاح جسدي.
"ا.. الملك فر.. فرناس."
قالها أحد الرجال.
رفع الرجل القلنسوة من على رأسه اللي يخفيه، فظهر وجهه. شهق الجميع من الصدمة، وجميع من في السوق والماره انحنوا فوراً، ومبقاش فيه صوت سوى صوت الرياح.
كان الرجالة مرعوبين. قعدوا على ركبهم بخوف، وكأنهم سيبكوا من الرعب.
كنت عايزة أشوف وشه أوي، بس مكنتش عارفة أشوف سوى كتفيه العريضة.
"مولاي سامحنا، أرجوك. لم نكن نعلم أنك أنت."
"اغفر لنا يا مولاي، لم نعلم بحضرتكم."
"نتأسف على حماقتنا، سامحنا أرجوك."
لم يكن يتحدث. كان واقف بجمود. ثم التفت أخيراً ونظر لحراسه اللي خلفه، فأومأوا برؤوسهم وأعادوا سيوفهم إلى مكانهم.
وما إن نظر لي، نظرت له بشدة وتلاقت أعيننا. وجدت لمعة غريبة رأيتها في عينه. اخترقت جسدي وكأن طاقة نابعة قوية أصابتني.
دق قلبي بسرعة وحسيت بشعور غريب وحرارة تحتل جسدي ولا أشعر به. هذا الشعور شعرت به من قبل عندما كنت مع غابينه في ذلك اليوم.
عدت لعالمي. لحظة! هل أنا أسلب؟ هل سأعود الآن؟
فلتت يدي بقوة وركضت بسرعة. وجائني ذلك اللحن العجيب، وبدأت الرؤية تتلاشى من عيني. وأطياف لا أرى غير أطياف، ثم ضباب يحيط بي.
كنت واقف وفي يدي هاتفي وقلق على شقيقتي كثيراً.
فاتصلت أمي بأصدقائها اللي ممكن تكون عندهم، أو ذهبت لهم في ذلك الوقت المتأخر، لكنهم نفوا بذلك.
لم أنم من تفكيري بـ لينا وأين ممكن أن تكون قد ذهبت.
أمي جالسة وخائفة هي الأخرى.
أبي لم يعد بعد، فقد خرج ليبحث عنها. فعندما أخبرته فزع وخرج.
أوقفته لكنه منعني وأخبرني أنه لن يبقى في المنزل وابنته ليست معه، ولا يعلم أين هي.
أمسكت هاتفي واتصلت على أبي لأرى أين هو.
قالت أمي: "مبيردش بردو."
كانت تقصد مكالماتي الكثيرة الفاشلة.
قلت بخيبة: "أيوه."
"هتكون راحت فين؟"
"دلوقتي تيجي وبابا هو كمان."
"يارب."
سمعت صوت كان مصدره هو غرفة لينا. نظرت لأمي وقفت وذهبت.
"رايح فين؟"
وقفت عند باب الغرفة وفتحت، واتسعت عيني بصدمة.
"لينا!"
فتحت الباب لأخره وركضت إليها بخوف وقلق، فكانت مستلقية على الأرض.
نظرت له بدهشة وزهول من حالتها.
"أبعد! لينا! هي مالها؟"
"مش عارف."
"جت إمتى وإزاي دخلت الأوضة؟ أنا... هو إيه ده؟ اللي حصل لشعرها؟"
نظرت لشعرها وقد لاحظته للتو وصعقت من صدمتي. كان مقصوصاً وقصيراً.
"ماذا حل بكِ يا لينا؟"
مدت ذراعي وحملتها، ثم اقتربت من السرير ووضعتها برفق.
"إيه اللبس ده؟"
"هنعرف لما تفوق."
وقد بدأت أشعر بالريبة لأمر أختي، فقد اختفت وظهرت كما حدث من قبل. اختفت ثم وجدها حارس المكتبة وهي داخلها وكانت كقفلة. وأخبرنا أنه متأكد أنه قبل أن يغادر لم يتأكد من عدم وجود أي أحد.
"أين تذهبين يا لينا؟ ومن فعل بكِ هذا؟"
"ما هذه العلامات البارزة التي على وجهك وقطرات دماء على تلك الملابس الغريبة؟ ماذا حدث لكِ لتفيقي؟ لدي أسئلة كثيرة لكِ."
ذهبت واتصلت بطبيب لحالة شقيقتي المزرية. كان صعباً أن يأتي طبيب في ذلك الوقت، فقمت بالاتصال بصديقي ليث وهو طبيب. وبعدما انتهيت من المكالمة، أقمت مكالمة ثانية وكانت لأبي، وأتمنى أن يرد، لكنه لم يرد. فعدت الاتصال فلم يرد، فعدت ثالثاً فأجاب أخيراً.
قال بغضب: "في إيه يا حسام؟ طالما ما رديتش مرة مترنش تاني."
"بابا لينا هنا، تعالى خلاص."
"بجد؟ حاضر أنا راجع بسرعة."
أقفلت الهاتف ودخلت إلى الغرفة التي بها شقيقتي. قامت أمي بتبديل ملابسها الغريبة تلك بملابسها العادية.
بعد قليل جاء أبي. فتحت له.
"هي فين؟"
"في الأوضة بتاعتها."
فأسرع بالدخول واتجه لغرفتها. أقفلت الباب ولحقت به.
جلس أبي بجانب لينا بقلق، ثم مد يده وأمسك وجهها وأبعده قليلاً. وإذا به يلاحظ العلامة الزرقاء التي على وجهها وشفتاها المجروحتان. ثم مد يده ولمس شعرها وصدم من قصره فجأة.
"إيه ده اللي حصلها؟ وكانت فين؟"
"منعرفش. أنا بفتح الأوضة لقيتها على الأرض."
"إزاي يعني؟"
لم أجد جواباً لأبي لأرد عليه، فأنا شخصياً لا أجد جواباً لي. فأنا أسأل نفسي ذات سؤال أبي.
سمعت جرس الباب. ذهبت وفتحت، ووجدته صديقي ليث.
"في إيه يا ابني؟ متصل عليا بدري كده ليه؟ خضتني."
"شكراً يا ليث إنك جيت. تعالى."
أدخلته وأقفلت الباب ودللته على الغرفة. دخل فوقف أبي وأمي. نظرا له. أخبرتهم عنه وأنه طبيب سيفحص لينا. ففسح له أبي وأمي، فاقترب وفحصها.
وارتسمت علامات الذهول والدهشة على وجه ليث وهو يرى شقيقتي. وفتح فمها وأخبرنا أنها تعرضت لنزيف ومريضة بالزكام الحاد. فحرارتها ليست طبيعية.
أخبرني بالدواء الذي أشتريه لها، وكان مرهم لعلامات اللي على وجهها ودواء لمرضها.
شكره والداي بشدة وأوصلت ليث إلى الباب.
قلت: "شكراً يا ليث تعبتك."
"إيه اللي انت بتقوله ده؟ تعب إيه؟"
ابتسمت له.
أردف وقال: "إيه اللي حصلها؟ مين ضربها كده؟"
نظرت له قلت: "معرفش..."
كنت أشعر بنظراته لنا وهو يفحص لينا.
قلت: "انت بتحسب إننا اللي ضربن..."
"لا طبعاً، أنا بس بسألك. المهم خلي بالك منها."
أومأت ثم التفت وذهب. نظرت له وهو يذهب ثم أقفلت الباب وذهبت.
"هات أجيب الدوا وخليك هنا."
"هروح أنا."
"بابا."
"هاجي علطول يلا."
أعطيت أبي الورقة التي بها اسم الدواء. فأخذها وذهب.
أخذت كرسياً وقربته من السرير الذي نائمة عليه شقيقتي. جلست. نظرت لها.
"مين اللي عمل كده فيها؟ مين؟"
كانت تلك أمي المتحدثة، وكانت نبرتها على وشك البكاء وتنظر للينا بحزن وقلق. فشقيقتي بالفعل من يراها يحزن لحالتها وعلى شعرها الجميل وما حل به وبشكلها وجسدها وتلك العلامات التي تملؤه. كانت لم تشفى بعد عندما جاءت فأصيبت بعلامات أخرى.
جاء أبي ومعه الدواء. أخذته وجلست بجانب لينا. ووضعت لها من المرهم. كانت تضع لها برفق حتى لا تشعر بألم. ثم ذهبت وأعدت طعام دافئ صحي لها وقامت بإيقاظها وتهزها بخفة وتناديها.
فتحت لينا عيناها بفزع وانتفضت من مكانها وكانت مذعورة وخائفة. نظرنا لها بصدمة من نهوضها بتلك الطريقة. ثم عندما نظرت لنا بدأت تعود لرشدها.
"اهدأي يا حبيبتي، أنتِ معانا."
"الساعة كام؟"
نظرنا لها بتعجب. نظرت لهاتفي.
قلت: "٨ الصبح."
"٦ ساعات بس؟ في أربع أيام؟"
"بتقولي إيه؟"
"لا مفيش حاجة."
"يلا كلي عشان تاخدي الدوا."
قربت أمي الطعام منها وقامت هي بإطعامها. وكانت لينا تأكل الطعام بشراهة مجدداً كالسابق، وكأنها لم تذق الطعام لأيام.
انتهت فأخذت الدواء ثم عادت للنوم. وبينما نحن نغط في أسئلة كثيرة نريد الجواب لها. لكنها أيضاً يلزم لها الراحة، فشقيقتي الصغيرة متعبة للغاية. صورتها وهي كانت تستيقظ فزعة وخائفة لا تفارق ذهني.
مر وقت وأخبرتني أمي أن أعود للنوم، لكنني رفضت. بقيت مستيقظاً ولم أنم من البارحة. كنت أتفقد لينا من وقت لآخر وأرى إن استيقظت أم لا، أم اختفت ثانياً.
فتحت الباب وصدمت عندما لم أجدها. دخلت بسرعة وخوف. نظرت إلى السرير الذي كانت نائمة عليه، ثم ركضت أبحث عنها. فأين ذهبت مجدداً؟
"حسام!"
توقفت عند الباب. التفت ونظرت لذلك الصوت الذي خلفي. وجدت لينا، وأظن أنها كانت في دورة المياه. زفرت بارتياح. اقتربت وعادت لسريرها.
نظرت لها باستغراب.
"لينا ينفع نتكلم؟"
"عايزة أنام."
"معلش."
"قول."
"كنتي فين؟"
"يعني إيه؟"
"روحت فين وإزاي رجعتي لأوضتك كده وأنا واثق ومتأكد إنك ما كنتيش في الأوضة، ما كنتيش في البيت كله عمتاً."
ابتسمت قالت: "قصدك إني روحت لعالم تاني مثلاً؟"
نظرت لها وطريقة سخريتها وابتسامتها.
"مفيش حاجة يا حسام، روح نام."
"مش هنام غير ما أعرف مين اللي عمل فيكي كده وكنتي فين."
صمتت ولم تتحدث. نظرت لها.
قلت بإصرار: "كنتي فين يا لينا؟"
نظرت لي قالت: "حتى لو قولتلك مش هتصدقني."
"أنا لا أكذب أختي في أي شيء. ها هي الآن خائفة من إخباري بأمر لعدم تصديقي لها."
"قولي يا لينا."
"غوانتام."
"غووا نت... إيه؟"
"العالم اللي قولتلك عليه... كنت هناك. استريحت دلوقتي، عايزة أنام."
نظرت لها بشدة. نامت ورفعت الغطاء من عليها وأقفلت عيناها. كنت واقف لا أعلم هل أذهب أم ماذا، لكنها يبدو عليها حقاً أنها تريد النوم. تنهدت وخرجت من الغرفة. ولدي تساؤلات لم أحصل على إجابتها بعد، لكن حصلت على أول إجابة ولا أستطيع تصديقها. كنت أفكر فيها، لكن تركت تلك الخرافات جانباً. وها هي الآن تقول إنها كانت هناك بالفعل، ذلك العالم. عندما كانت لينا في المرة الفائتة كانت تتحدثنا وتريد من يصدقها وتحكي لنا، لكننا لم نصدقها وظننا أن بها شيء، فكان كلامها غير منطقي. لكن ما رأيته اختفاءها وظهورها، ما يوحي ذلك يا لينا؟
لم أكن أستطيع النوم. فكنت أتذكر آخر شيء حدث لي قبل رحيلي من غوانتام. ذلك الملك ما يدعى فرناس، عندما تلاقت أعيننا رأيت لمعه في عينه غريبة. لم أكن أتخيل، أنا متأكدة، رأيت لمعة ظهرت لأقل من ثانية. كنت قريبة منه ورأيت ملامحه. كان من دافع عني، كان سيقتلني هؤلاء الرجال لو لم يظهر لي. لكن هل ممكن أنه ساعدني لأنه لا يعلم أني عبده وهؤلاء الرجال... لن أكمل. ونفيت برأسي بصيقات وقلت: "لا، أنا مش عبده لحد ولا هكون كده."
جلست وأبعدت الغطاء وذهبت. وقفت أمام المرآة. نظرت لشعري وسالت من عيني دموع بحزن عليه. وعندما تذكرت كيف ذلك الوغد قام بقطعه. نظرت لوجهي وإذا بي أجد علامة الصفع الذي تعرضت له. تنهدت وعدت لفراشي لمحاولة النوم.
في الليل استيقظت على صوت أمي وكانت تحمل لي طعام. أكلت وأخذت الدواء ثم عدت للنوم ثانياً. أتحاشى أي حديث وأسئلة، أخشى أن أجيبهم فيدعونني بالجنون. لذلك صمت وأتهرب منهم. وكان أخي كلما أراد التحدث معي أخبره بأنني أريد النوم وسوف نتحدث غداً.
وجاء الغد، وكنت قد نمت كثيراً حيث شبعت من كثرة نومي. لكن عندما أجد أحد يدخل أقفل عيناي وأدعي النوم. ثم وجدت شخصاً يقترب مني ويضع يده على رأسي ثم يقبلني من جبهتي. كنت أعرف تلك قبلة أنها لأمي. ثم شعرت بشيء يلامس وجهي ويتحرك بإصبعها على وجهي برفق. علمت أنها تضع لي المرهم. فتركتها وأشعر بلمستها الدافئة. ثم انتهت وخرجت.
أيقظتني أمي وكنت أنا مستيقظة بالفعل. كان من أجل الطعام. أكلت وعدت لفراشي. نظرت لي.
قالت: "لينا مش هتقعدي معانا شوية؟"
"أنا تعبانة يماما، عايزة أنام."
"ماشي يا حبيبتي."
وقفت وخرجت من الغرفة وأقفلت الباب من خلفها.
كنت أستيقظ من أجل طعام فقط، وآكل وأعود لفراشي. مر ثلاث أيام وأنا على ذلك، وكنت قد استعدت صحتي. أخذت حمام دافئ وخرجت. بدلت ملابسي ومشطت شعري القصير. لم أعلم كيف أجمعه بطوق الآن مثلما أفعل، فكان سيكون سخيفاً وأنا أجمعه وهو قصير. فمشطه وتركته. نظرت لنفسي في المرآة بحزن. تذكرت شعري الذي بيد ذلك الرجل. غصبت من تذكره.
خرجت من غرفتي وجدتهم جالسين على الطاولة. نظرو لي ومتعجبين من خروجي من الغرفة بل وملابسي وأنني خارجة. جلست وشكرتهم الطعام.
"أنتِ راحة فين؟"
"الجامعة."
"استني حسام هيوصلك."
"لا ملوش لزوم."
"هوصلك يا لينا."
نظرت لأخي وإلى إصراره، فصمت.
أوصلني أخي إلى الجامعة. نزلت من السيارة.
"لما ترجعي.. محتاجين نتكلم."
نظرت له وأومأت برأسي وذهبت.
دخلت إلى الجامعة. كنت أرى نظرات تتطلع بي. لم أهتم بهم. كانت لدي محاضرة ودكتور معتز في المحاضرة اللي بعديها.
دخلت المدرج واستأذنت من الدكتور بالدخول، فسمح لي. صعدت المدرج. كان الجميع ينظرون لي. بدأت أختنق وأتضايق من تلك النظرات. هل أبدو قبيحة لذلك الحد؟
انتهت المحاضرة. جمعت دفاتري لأذهب.
"لينا عملتي قصة جديدة."
كانت المتحدثة يارا. نظرت لها وذهبت.
"حرام كان شعرك أجمل حاجة فيكي."
تنهدت بضيق. فساروا يضحكن.
نزلت وقابلت شخصاً. أظن يومي لن يكتمل بدونه. كان معتز. نظر لي بشدة. أدرت بوجهي وذهبت.
"لينا!"
توقفت ولم أكمل سيري.
"راح فيك ورانا محاضرة."
التفت ونظرت لمعتز الذي كان يخاطبني.
"أنت في كامل قواك؟ أنت اللي قايل لي متحضريش أي محاضرة ليا تاني."
"تقدر تحضري؟"
نظرت له بتعجب. ومن هذا الغريب؟ هل هو مجنون؟ هل لديه شخصيتين معاً في جسد واحد؟
"شكراً."
التفت وخرجت. فأنا لن أهين وأعود لمحاضرته وأصبح سخرياً من يارا وأصدقائها، ثم يهينني مرة أخرى ويطردني. فاسمع أصوات القهقهات.
على المقهى كنت جالسة مع سهيلة، وكانت تنظر لي.
"قصيتي شعرك امتى؟"
نظرت لها ولم أرد.
"كان شعرك حلو أوي. ليه قصيتيه؟"
قلت بضيق وحزن: "كفاية يا سهيلة. أول ما دخلت المدرج لقيتهم كلهم بيبصولي. أنا شكلي وحش أوي كده؟"
"لا بالعكس، شكلك جميل."
ابتسمت. قلت بسخرية: "أنتي بتجبري بخاطري."
"لا والله، الشعر القصير حلو عليكِ وإنتي سايباه كده."
"بجد؟"
"أيوه يا بنتي. أنا بس مستغربة إنك قصيتي. جالك قلب؟ كان جميل و..."
"خلاص يا هدى، اللي حصل بقى."
نظرت هدى لي بتعجب. ذهبت أنا لدورة المياه. وقفت أمام المرآة. نظرت إلي وإلى شعري القصير. لم أكن جميلة، لم أكن كذلك. أريد شعري الطويل الكثيف. لا أريد ذلك القصير. أنا لا أحب أن يكون شعري هكذا، حتى وإن جعلني جميلة. سالت دموع من عيني وأنا أتذكر شكل شعري وكيف كنت به. لم أكن أظهره. كنت أجمعه بطوق دائماً. مسحت دموعي وخرجت.
كنت واقفة أنتظر سيارة أجرة.
"رايحة؟"
نظرت للصوت الذي بجانبي. كان دكتور معتز. تعجبت، هل يحدثني أنا؟ أنظرت حولي باستغراب وخلفي.
"بتدوري على حد؟"
"لا بشوف بتكلم مين بس."
"بكلمك انتي."
نظرت له وأشرت على نفسي بتعجب، فأومأ برأسه بمعنى أجل.
"أه، رايحة."
"تعالي أوصلك."
نظرت لها قلت: "ومين أنت عشان توصلني؟"
"وصلتك قبل كده."
"وشكرتك وخلص الموضوع."
صمت ولم يتحدث ثانياً. نظرت له وإنه ما زال واقف معي.
"ممشيتش ليه؟"
"لما تركبي."
ابتسمت قلت: "وده يهمك في حاجة يا دكتور؟"
"إيه اللي على وشك ده؟"
نظرت له ووجدته يقرب يده من وجهي فابتعدت عنه.
"أنا آسف، مقصدش... بس إيه العلامة دي؟"
تعجبت، هل ظهرت؟ فأنا أضع المساحيق وأقوم بإخفائها جيداً. ثم تذكرت عندما دخلت دورة المياه وبكيت ومسحت دموعي.
قلت: "مفيش حاجة."
وضعت يدي على شعري وقربته من وجهي قليلاً يخفيه.
"مين اللي عمل فيكي كده؟ مين ضربك؟"
"قلتلك مفيش حاجة."
أوقفت سيارة وركبت.
في المساء كنت جالسة في غرفتي أبحث عن شيء. خرجت من الغرفة.
"ماما فين الكتاب؟"
"كتاب إيه؟"
"الكتاب يماما اللي كان في أوضتي... أنتي رميتي الكتب أو أي حاجة؟"
"لا لسا."
"خلاص سبيهم."
"مش أنتي قولتيلي أتصرف فيهم؟"
"لا خلاص."
ظللت أبحث في الغرفة ثانياً، لكن الكتاب لم يكن موجوداً. هل عندما لا أريده يظهر لي ولا يتركني، وعندما أريد لا أجده؟ ما هذا الذي أنا عليه؟ أريد أن أعلم ماذا يحدث لي؟ وما الذي قادر على أخذه لتلك العالم ثانياً؟ سوف يأخذني لمرات عدة. يجب أن أجد طريقة... هل أقيد نفسي بأغلال فلا أستطيع التحرك ولا الذهاب؟
"بتدوري على إيه؟"
كان هذا صوت أخي. قلت وأنا أبحث: "مفيش."
"الكتاب مش كده."
رفعت وجهي ونظرت له.
قلت: "تعرف مكانه؟"
"أه."
وقفت وفلت: "فين؟"
"وديته المكتبة."
"إيه... وديته ليه؟"
"كنتي قيلالي قبل كده أوديه، معرفش جه إزاي أصلاً."
"وجاي توديه وقت أما أعوزه؟"
تنهدت بضيق ثم ارتحت. فأنا لا أريد ذلك الكتاب أن يكون معي على كل حال وخائفة منه، لكن كنت أريد أن أعلم أي شيء يساعدني على ما أنا فيه وليس لدي أي علم بما يجري.
"وديته إمتى؟"
"الصبح."
إذا سيأتي، فهو لن يتركني كما في المرة السابقة. قمت برميه من النافذة بعيداً ومتأكدة من ذلك. ودخلت لغرفتي وجدته. كم كنت خائفة منه بشدة، وكان الكتاب حياً ومسكوناً بجن ما.
"خلاص ماشي."
وقفت وذهبت.
"مش هنتكلم؟"
"وقت تاني يا حسام."
"كل ما أكلمك تقولي وقت تاني. أنا عايز أعرف اللي بيحصل معاكي والعلامات بتاعت المرة الفاتت والعلامات بتاعت المرة دي. بتروحي فين ومين اللي ضربك كده وشعرك اتقص إزاي؟ عارف إنك عمرك ما تقصيه، انتي بتحبيه أوي فمستحيل. ده حد هو اللي قصه صح؟ مش انتي يا لينا؟"
"أنا."
"إيه؟"
"هيكون مين يعني غيري."
"يعني إيه؟"
"أنا اللي قصيته."
"واللي على وشك ده إيه؟ أنتي برضو؟"
لم أعلم كيف أجيب أخي، فصمت.
"مبترديش ليه؟"
"لينا، أعمل إيه في ده؟"
قاطعت أمي كلام أخي. نظرت لها، وجدتها تحمل الملابس التي كنت أرتديها وأنا هناك. اقتربت بسرعة وأخذتها. نظرت لي أمي باستغراب. فصدر صوت كمعدن يصطدم بالأرض. نظرت ووجدتها عملة من هناك، التي أعطاها لي ذلك العجوز قبل رحيلي.
وجدت أخي ينحني ويلتقط العملة. أسرعت وأخذتها منه، لكنه سحب يده وأبعدها.
"إيه ده؟"
ابتسمت قلت: "أنت شايف إيه؟ لعبة عادي."
"لعبة؟"
"أيوه."
نظر لي بعدم تصديق. ثم وجدته ينظر للعملة ويدقق بها، ثم يقلبها. اقترب ليأخذها.
"ثانية، الشكل ده على الكتاب اللي لقيته في أوضتك... الكتاب اللي وديته انهارده كان عليه الشكل ده، وأظن الحروف الغريبة دي برضه كانت موجودة عليه."
"قولتلك لعبة جاية مع الكتاب."
"عايز الحقيقة."
"إيه؟"
"قولي الحقيقة. انتي فعلاً بتتنقلي لعالم تاني؟"
ابتسمت بسخرية قلت: "معتز، اللي انت بتقوله ده... خيالك بقى واسع. قال عالم تاني قال."
كنت أقولها وأنا حزينة، فكنت أذكره بسخريته علي عندما أخبرته، والآن جاء ويقول الحقيقة. لقد أخبرتك يا أخي من قبل وادعيتني بالجنون، وكنت قد سخرت مني، بينما أحتاج لتصديقك لي. كيف أقول عما يحدث لي؟ سأكون بجنونه بنظركم جميعاً. ليبق جنوني داخلي. يكفي أن عقلي على وشك فقدانه مما أراه ولا يستوعب حتى الآن.
استيقظت وبدلت ملابسي ومشطت شعري القصير ووضعت مساحيق وذهبت. كنت متعجباً أن الكتاب لم أراه حتى الآن ولم يأتي. ماذا؟ ألن أعود لتلك البلاد ثانياً؟ أشعر بالراحة لعدم وجوده.
في اليوم التالي كنت في الجامعة أجلس في المقهى وأنظر في هاتفي للساعة حتى أعرف أن محاضرة دكتور معتز قد انتهت.
"لينا."
نظرت للصوت ووجدته يوسف، وهو في مرحلة ثالثة. سمعت كثيراً عنه، وهو شاب لعوب وحبيب ليارا.
"نعم."
"ينفع أقعد معاك؟"
"تقعد معايا بتاع إيه؟ مش فاهمه."
نظرت حولي وأعلم أنه مقلب. فلماذا يخاطبني أنا؟ الفتيات كثيرات وهو يملن إلى من هم بشعبية وجمال. أنا لا أعرفه قط، وهو أيضاً كذلك.
"عادي نتكلم شوية."
"لا هو بصراحة مفيش كلام أصلاً عشان نتكلم فيه."
وقفت وأمسكت حقيبتي وذهبت. ذلك الوغد من يظن نفسه.
ذهبت للمدرج ووقفت عند الباب أنتظر خروج دكتور معتز لأدخل. بعد قليل فتح الباب. نظرت، وجدته هو. نظر لي.
"أنتي لسه جايه؟"
"لا جيت من بدري."
"ومحضرتيش ليه؟"
"دكتور بنصحك بدوا للنسيان عشان ده مرض أنا عارفاه كان بيجيلي زمان."
ابتسم. نظرت له بشدة.
قلت: "أنت عندك انفصام في الشخصية."
"انفصام؟ أه."
"معايا أنا بس؟"
نظر لي.
قلت: "عن إذنك يا دكتور."
ذهبت ومررت بجانبه.
"المحاضرة الجاية تكوني موجودة."
نظرت لدكتور نادر الذي كان يخاطبني. كنت بجانبه. وقفت نظرت له.
قلت: "إيه؟"
التفت ونظر لي.
قال: "تحضري المحاضرة الجاية."
"أنت اللي ق..."
"وأنا بقولك احضري. أنا مبشيلش حد المادة، بس انتي اللي شكلك عايزاني أعمل كده."
"انت بتهددني؟"
"بأهددك!! أنا بعرفك إنك انتي بتهملي في محاضراتك. لما تشيلي متحملنيش ذنبك."
"خلاص حاضر."
دخلت المدرج ووضعت دفاتري وجلست.
في المساء كنت جالسة في غرفتي أدرس. ثم قفلت دفتري بضيق. وأنا أفكر في ذلك العجوز وما أخبره لي. ماذا يقصد بأن الكتاب كان محقاً في اختياري؟ ماذا يعني هذا ولماذا لم يجب على أسئلتي؟ لماذا ظهر هؤلاء الرجال عندما رأيت طوق نجاة لي وعلى وشك أن أعرف كل شيء؟ تنهدت وذهبت للنوم.
في الصباح شاركت الفطور مع عائلتي وذهبت متوجهة لجامعتي. أعطيت السائق الأجرة ونزلت من السيارة. دخلت الجامعة وقابلت الدكتور معتز. نظر لي.
قلت: "لو كنت اتأخرت ثانية كان زماني اتكسفت قدام المحاضرة."
ابتسم.
قال: "لا هو انتي متأخرتيش أصلاً، لسه فاضل ١٠ دقايق."
"وده هيفرق معاك؟"
أكملت بتذمر وأنا أقلده: "مفيش حد بيدخل المحاضرات بعدي، اطلعي برا."
"أنا بتكلم كده؟"
"هبقى أصورلك عشان تشوف، بس أتمنى ميكنش في مرة جاية."
"طب يلا."
دخلت المدرج وكان دكتور معتز معي. صعدت وجدت يارا وأصدقائها ينظرون لي بشدة. لم أعلم سبب نظراتهم. هل سيسخرون مني مجدداً؟ أصبحت لا أبالي. جلست وبدأت المحاضرة.
كنت جالسة في المقهى مع سهيلة، صديقتي التي ليس لدي غيرها هنا.
"حضرتي المحاضرة بجد؟"
"أه يابنتي. فيه إيه؟"
"وهو اللي قالك احضري؟"
"أيوه عشان مشلش المادة."
ابتسمت بخبث.
قالت: "إيه؟ خايف عليكي وحن أخيراً؟"
"لا بيذلني بعيد عنك."
"يبنتي ما بقا حلو معاكي أهو. انتي ولا ده عاجبك ولا ده عاجبك."
"أصل بعد ما بيتكلم معايا زي البقية مبيكملش ويروح قالب. عشان كده مبطمنش لما يكون كويس."
"هو اتكلم معاكي حلو قبل كده؟"
"أه في المكتبة."
"مكتبة إيه؟"
"المكتبة اللي قولتلك افتتاح جديد وكده."
"هو الدكتور كان هناك؟"
"أه."
"كنتو متفقين ولا إيه؟"
"أنتي عبيطة؟ كانت صدفة مش أكتر."
قالت بمكر: "صدفة أه."
"مالك؟"
"لا ماليش. يلا عشان عندي محاضرة تاني."
"يلا وأنا كمان ماشية."
أخذت حقيبتي ووقفت وذهبنا. توقفت عندما قابلت يوسف وأصدقائه. لم نعيرهم اهتمام وذهبنا.
"عاملة إيه يا لينا؟"
توقفت نظرت لسهيلة باستغراب ونظرت ليوسف.
"بخير."
ذهبت لكنه وقف أمامي. نظرت له.
"بقيتي أجمل بالشعر القصير."
نظرت له بدهشة وذهول من ما يقول. وسمعت أصوات أصدقائه يبتسمون. نظرت سهيلة وكانت متعجبة كثيراً.
ذهبت لكنه وقف في طريقي مرة أخرى. نظرت له وعدت للخلف.
"بعد إذنك عايزة أمشي."
"أنتو رايحين فين؟ لو كده أوصلكو."
"أنا ممكن أكلم أمن الكلية عادي وهما يشوفوا موضوع التوصيل ده."
ابتسم وقال ساخراً: "أنتي متضايقة من وقوفك معايا؟"
"أيوه جداً. إن..."
صمت عندما شعرت بشيء في حقيبتي وثقل. قمت بفتحها ونظرت واتسعت عيني من الدهشة عندما وجدت الكتاب.... لا.. مش وقته.
سراب غوانتام بارت ٥
وصلو البوست ده لألف لايك عشان أكمل 💗
أي أسئلة عن الرواية هرد عليها عشان فيه تعقيدات عن البعض، ولو أسئلة تخص الأحداث مش هرد لأنها كده كده هتتوضح. دمتم بخير يقمرات 💗
•
رواية سرداب غوانتام الفصل السادس 6 - بقلم نور
أنت تطولين؟ أقف معكِ.
قالت لينا: مش عاوزة أطول، اتفضل ابعد عن وشي بدل ما أناديلك الأمن يتصرفوا معاك.
حسيت فجأة بحركة في الشنطة وتقلت فجأة. فتحتها واتصدمت لما لقيت الكتاب.
قال يوسف: ومتضايقة لي؟ مش عاجبك؟
بعدت عنه وقلبها بيدق بخوف.
"إنها سوف تسلب.. سوف تغادر الآن."
وجدت من يمسك يدي. لم أتماسك أكثر من ذلك حتى قمت بصفعه. نظرت هدى لي بصدمة والجميع ورائي.
فاقه: فاكر نفسك مين عشان تمسك إيدي؟
رفع وجهه ونظر لي بعينين ممتلئتين بالغضب. لم أهتم، فهذا ما يستحقه. التفت وخرجت. قابلت دكتور نادر، نظر لي وللخلف، أظنه رأى ما حدث. شعرت باهتزاز في الحقيبة، فتسرب القلق. فهو الكتاب يهتز.
ركضت بسرعة: لينا!
كان ذلك صوت صديقتي هدى. لم ألتفت ودخلت الجامعة بسرعة. نظرت إلى ممر أو غرفة فارغة. وما إن وجدت، أسرعت بالداخل.
لينا، في إيه؟
نظرت وجدتها هي والدكتور نادر ينظرون لي باستغراب. دخلت وأقفلت الباب. وقفت خلفه، بلعت ريقي وكنت خائفة. خلعت الحقيبة وفتحتها. نظرت للكتاب وأخذته بسرعة. نظرت له بشدة ووجدته توقف عن الاهتزاز. نظرت إلى القفل الذي عليه. قربت يدي ولمسته ثم فتحت. أخذت نفساً ومن بعدها فتحت الكتاب. لكن قبل أن أحرك الغلاف حتى شعرت بنوبة كهرباء لاصقت أصابعي. فرميت الكتاب على الفور ووقع على الأرض. نظرت إلى يدي وأصابعي التي تلفت أعصابها وترتعش وكأنها تعرضت لصاعقة. ثم سمعت صوت ذلك اللحن. نزلت حوالي. وضعت يدي على أذاني أمنع أن أسمع شيئاً، لكن ما زال وكأنه داخلي. نظرت للكتاب ثم وجدته يهتز. شعرت بالخوف وعدت للوراء وأنا أمسك يدي الذي صعقت من قبل قليلاً.
محاولة فتحه.
شعرت بألم في رأسي وضوء قوي على عيني. فتحت عيناي ببطء واعتدلت في جلستي. وجدتني على تلك الأرض من جديد. نظرت ثم اتسعت عيناي عندما وجدتني بقرب ذلك النهر من جديد. زحفت على يداي للخلف. فتذكرت ما رأيت من صورة انعكاسي. كان مشهد مخيف. صورتي تبتسم لي وتنتقل لصورة امرأة أخرى.
تقدمت ببطء إلى ذلك النهر بتردد حتى أصبحت بقرب منه. نظرت فيه بخوف. وجدت صورتي. وضعت يدي على جبهتي وأبعدت شعراتي. وها أنا أرى ذلك الرمز المرسوم على جبهتي. لم تبتسم صورتي، كانت تفعل ما أفعله. رفعت يداي ففعلت مثلي. كان الشيء العجيب الذي يثير جنوني. تلك الجبهة المختلفة فقط بذلك الوشم. واو، لا أعلم ما يكون. قربت يدي من ماء ذلك النهر.
أنتي.. ماذا تفعلين؟
التفت للصوت ووجدتها امرأة تحمل سلة على رأسها ومعها ولد صغير.
ابتعدي حتى لا يأخذك لحتفك يا فتاة.
ماذا قلتي؟
ابتعدي عن النهر الأسود أيتها الغريبة.
الأسود!
نظرت للنهر بشدة وما تقوله تلك المرأة. هل لقبته بالأسود؟ أي سواد هذا؟ وقفت وابتعدت عنه كما قالت. لا أعلم لماذا كانت تقف بعيد وتخاطبني. اقتربت منها.
ماذا قلتي؟
لا تقتربي من ذلك النهر.
لماذا؟
ابتسمت وقالت بسخرية: إلى ترى سواد الجحيمي الذي به.
عن أي سواد تتحدثين؟
سواد لونه وثمومه. من يقترب يبتلعه. أحذرك من الاقتراب منه. لا أعلم كيف كنت جالسة هكذا قريبة منه دون أدنى خوف. احذري يا غريبة.
التفت هي وولدها وذهبت. نظرت لها بتعجب ومن ما قالته. إنها تدعوني بالغريبة. الجميع يدعونني بذلك بينما هم الغرباء. قالت أسود. أنا لم أرَ مثل صفاء لونه من قبل. بل يبدو جميل لا يوحي بأي خطر أو خوف. سبحان الخالق البديع. كيف يكون لديهم نهر مثله ويخافون منه ويلقبوه بالأسود؟ إنهم يستطيعون الشرب منه بدلاً من انتظار مياه الأمطار كل ثلاثين سنة. نظرت للنهر بتعجب وعدم فهم ثم التفت وذهبت.
كان الجو هنا حار للغاية وكنت ألبس جاكيت. كوخ غير ملابسي الذي ألبسها من تحت. وأشعة الشمس تسقط من على. وأشعر بحرارتها الشديدة وأتصّب عرقًا. جلست عند شجرة الغاف واحتمي بظلها. كنت لا أفكر لما أتيت لهنا. ما سبب مجيئي؟ هل هناك سبب من البداية؟
وجدت غصن صغير من شجرة على الأرض. أمسكته ورسمت به على الأرض. قمت برسم ذلك الشكل أو الرمز الذي على الكتاب، على النقود، على جبهتي.
نظرت له بشدة وأنا أتساءل، لماذا يتعلق رمز كهذا بي؟ إن كان المتاب والعنلات والمكتبة فلا بأس بهذا. لكن أنا... ومن ثم وجدت الرمال تطيح وتتناثر. ابتعدت وسعلت بقوة وحركت يدي يميناً ويساراً على وجهي. أبْعِد تلك العفارة الذي لا أعلم سببها. نظرت وجدت الرسم مسحت الرمال. نظرت حولي فلم أجد أو أشعر بأي هواء أو ريح لفعل ذلك.
أرجعت بظهري إلى الشجرة.
متى جئتي؟
التفت للصوت وصدمت عندما وجدته العجوز. نظرت له بدهشة. كان يجلس بجانبي. نظرت حولي وكيف ومتى جاء.
أنا أكون معك دائماً.
صدمت. نظرت له بشدة.
قلت: من أنت؟
شخص عفا عليه الزمن.
هل أنت من غوانتام؟
لا، بل من بلدنا. أنستيها.
بلدنا؟ تقصد عالمنا؟
غوانتام بلد حقيقة وعالم حقيقي مثلنا. لكن الأسرار حولها كثير. فلا تسألي حول هذا.
عن ماذا أسأل إذا؟ إن هذا ما كنت مجرى سؤالي. ولماذا تتحدث بتلك اللهجة؟
لأننا هنا ويجب أن نكون مثلهم.
ذاك العجوز عجيب غريب الأطوار.
قلت: ماذا قلت لي المرة الفائتة؟ قلت شيئاً عن الكتاب. أنت تعلم، أليس كذلك؟ كيف أتى هنا وكيف أعود؟
كيف تأتي؟ إنه فعل ليس له تفسير.
ماذا؟
ليس كل شيء نجد له جواب. وبالتالي هناك أسئلة كثيرة لن تحصلي على إجاباتك الآن. كما أخبرتك.. ولا أريد أن أكثر بمعلومات. فيبدو الأمر مخيف لك. إن جاوبتك صدقيني.
ما الفائدة إن لم أكن أحصل على إجاباتي؟ ماذا أفعل؟ هل أتنزه؟
إنك هنا لتدوين أحداثاً.
أدون ماذا؟
لا تسألي كثيراً يا لينا.
تنهدت بضيق.
قلت: حسناً. هل تعلم كيف أعود؟ هذا الكتاب يدخلني ويخرجني كيف يشاء. أريد طريقة لعودتي حين أريد. كنت سأقتل المرة الفائتة لو أن ذلك الملك لم يظهر في طريقي.
أخبرتك. يلزم حدث لعودتك.
ماذا تعني بالحدث؟
عندما يحدث شيء مثيراً غامضاً يدهش من جئتي لأجله، ترسلي لعالمك ومن ثم تعودي عندما يطلبك الكتاب.
ولماذا يطلبني الكتاب؟
لأنك جزء منه وصديقته. يستخدمك كقلم له.
كيف جزء منه؟
ستعلمي فيما بعد.
حسناً.
صمت قليلاً ثم قلت بإستدراك ودهشة: هل تقصد أني عدت لعالمي عندما قابلت ذاك الملك؟ هذا هو الحدث لسبب عودتي؟
أجل.
ما هذا الذي أعيشه؟ هل أنا داخل قصة ما؟
أجل. أصبحتي تدركين ذاتك.
نظرت له بشدة. نظر لي.
أردف قائلاً: هيا لتبدلي ملابسك حتى لا تصبحي غريبة عنهم.
الجميع هنا ينادونني بالغريبة.
لا تظهري غرابتك. كوني مثلهم. وكما أخبرتك ما تعرفينه أو ترينه ويثير دهشتك وجنونك لا تظهري ذلك.
إياك يا لينا.
نظرت للعجوز بشدة ومن نبرة التحذير الذي يخاطبني بها. وكيف لا أظهر دهشتي؟ البلد هنا جميعها تثير الدهشة والجنون. وقفت وذهبت معه. وأعطاني ملابس كبقية تلك النساء لأصبح مثلهم. بينما أنا ربطت شعري بطوق. كان يضايقني كثيراً وأشعر بالحرارة بسببه. كان يبدو مضحكاً وسخيفاً. لكن لا بأس ما دمت مرتاحة. أعطاني مالاً. نظرت له.
إن احتجتي.
متى سأبقى؟
لا أعلم. حسب تقرير الكتاب.
كتاب سخيف. ليتني لم أذهب للمكتبة قط. نادمة كثيراً.
على الرحيل؟
ماذا؟ هل سوف تذهب؟ ما زال لدي أسئلة. أنا ليس لدي أحد هنا.
وقتي هنا ضعيف كثيراً.. لست مثلك. تذكري ما قلت. لا تظهري غرابتك لأحد ولا تدهشي من رؤية شيء عجيب وإن كان داخلك.
داخلي.
التفت وذهب. نظرت له وإذا به يتلاشى من أمامي كطيف. هل أكون هكذا وأنا أعود؟ ماذا أفعل الآن؟ لا أعلم متى سيأتي الحدث الذي سيجعلني أعود. مرة كان الطفل ومرة كان الملك. المرة الثالثة سيكون من؟
نظرت وجدت حراس من الذي رأيتهم عند الشرفة الكبيرة من القصر. أظنهم جنود ذلك الملك ما يدعى فرناس. لماذا يسيرون هكذا؟ أظن لم أراهم في الشوارع من قبل. ولم أكن أرى الحراس. لم كنت علمت أنهم للملك. التفت وذهبت.
في المساء كنت جالسة عند الشجرة تلك لا أفعل شيئاً غير محادثة نفسي. تذكرت غابينة فجأة. فأنا لم أراها منذ ذلك اليوم. أظنها الآن انتهت من ذلك العمل وجالسة تأكل. تنهدت. وقفت وذهبت. سيرت إلى طريق الذي سرت فيه حتى وصلت إلى المطعم. فاتجهت إلى المكان الذي نجلس فيه عادة خلف أحد البيوت.
لم أخطئ في السير.
قلتها وأنا أنظر لغابيه.
لينا.
كانت غابيه تأكل. جلست بجانبها.
أخبارك يا فتاة؟
أنتي حية؟
أتريديني ميتة؟
لا، لكنهم توعدوا لك بالموت.
نجاني الله منهم.
الله!
نظرت لها وإلى ذهولها من ذكر الله. أجل. تنظر نظرة غريبة لم أرها منها من قبل.
ما الأمر؟
أ.. أنتي.. أقصد..
ماذا... أجل صحيح. أريد سؤالك شئ.
نظرت لها وإلى صمتها الغريب وما زالت تنظر لي.
غابينة، ما هذا النهر؟
أي نهر؟
لا أعلم. رأيت امرأة تلقبه بالنهر الأسود.
هل ذهبتي له؟
أجل. ورايته.
إنه خطير. لا تذهبي هناك. ألم تخافي من مظهره؟
مظهره!!
أجل. سواده المرعب. من يقترب منه إن لمسه يبتلعه.. إنه نهر حي.
ما الذي تتهذين به؟ لقد رأيته....
صمت فجأة ولم أكمل كلامي عندما تذكرت ذلك العجوز عندما أخبرني ألا أبدو غريبة ولا أندهش بأي شيء أراه أو أسمعه. بل أظهر عكس ذلك. لكن كيف يرون نهر أسود؟ هل يلقبوه هكذا أم يرونه بالفعل لونه أسود؟ أظنه مجرد تلقيب. على كل إنها بلدتهم وأرضهم هم.. ما لي بها.
لماذا صمتي؟
ها... لا شيء.
كيف تختفين وتظهرين هكذا فجأة؟
نظرت لها ولا أعلم أرد عليها كيف. قلت: أبقى في مكان آخر.
في غوانتام؟
أجل.
ظننتك عدتي لعالمك.
قلت بتغيير الموضوع: رأيت الملك.
تقصدين الملك فرناس.
أحل هذا هو؟
حقاً.. أين رأيتيه؟
في يوم الاحتفال.
ابتسمت. قالت: حضرتي يوم الغيام إذا؟
أجل.
هل أعجبك؟
نظرت لها وإلى ما يعجبني. تلك الرأس الذي أطيحت ووقوف ذلك الملك بكل جمود وينظر للرجل قبل أن يذبح. لماذا شعرت بأنه ملك قاسٍ؟ لكنه أنقذني على كل حال.
سأتركك لتنامي لعملك.
سنتقابل ثانياً.
سوف آتي في الليل. فأنا أعرف مكانك.
حسناً.
في صباح اليوم التالي فتحت عيني وكنت نائمة عند الشجرة. اعتدلت في جلستي وسمعت صوت معدتي. كنت أشعر بالجوع فقررت الذهاب لأكل. هل يوجد هنا عمل للنساء بدون أن يهانون ويضربوا ويعاملون كالعبيد؟ فإن طالت مدة بقائي على أن أجد عملاً.
كنت أسير. سمعت صوت خلفي. نظرت وجدتهم هؤلاء الحراس مرة أخرى. هل هم منتشرون؟ التفت وأكملت سيري.
ها هيكان صوت أحد الجنود وكاو مرتفع.
التفت ونظرت وجدتهم ينظرون لي ويتجهون إلي. نظرت بجانبي وحولي وهل هم يتطلعون بي أنا؟ عدت للخلف بخوف.
أنتي.
قام أحد الحراس بمخاطبتي. تأكدت أنه أنا. التفت وركضت بدون أن أعلم حتى ما يريدون. لكنهم لا يبشرون خيراً. نظرت خلفي وجدتهم يركضون تجاهي وكان يركضون بسرعة عالية.
توقفي.
نظرت أمامي ولم أهتم. كنت أشعر بالخوف الشديد والقلق. ولماذا يريدونني؟ أمسكني أحدهم بقوة ثم أمسكني الآخر وكأنني مجرمة.
اتركوني.
اصمتي.
ماذا تريدون؟ لم أفعل شيئاً.
لماذا كنتي هربتي طيلة تلك المدة وفور رؤيتنا تركضين؟
هربت. لكنني لم أهرب. وأهرب من ماذا؟
لم يردوا علي وأخذوني بقوة وكأنني مرتكبة جريمة ما. وهل قال مدة من يقصد؟ أجل. الستة أيام الذي كنت فيها في عالمي. كم تكون بنسبتهم؟ لحظة. كانوا يبحثون عني منذ رحيلي. لكن لماذا؟ هل الأمر متعلق بذلك الملك فرناس؟
سرت بهم وهم يجرونني بقوة ويمسكون بذراعي. وتفاجأت عندما وجدتني أمام ذلك السور الكبير الضخم الذي لم أشهد براعة تصميمه. نظرت للجدار. أنا قريبة منه. كان عليه زخرفة ونقوش جميلة. ثم فتح ذاك الباب الكبير. وما إن فتح رأيت نوراً ينبع من الداخل. أخذني الجنود بقوة ودخلت. نظرت وأصابتني صدمة من الذهول من ذلك القصر. أهو من عجائب الدنيا السبع؟ إنه ضخم وكبير للغاية. ليس كما رأيته من بعيد. كان جميل من الخارج وتصميمه كالقصور الذي في الروايات الخيالية. بل أجمل.
أخذوني وقاطعوا تأملي في القصر. فمظهره جميل. إن بقيت هنا لغداً أتمتع به. لن أمل. أحب رؤية تلك الأشياء. هل ما يحدث معي حقيقة؟ توجهنا إلى باب القصر. نظرت له. كان مزين بطريقة جميلة. ثم فتح حارسان الباب. أخذني الجنود ودخلت. سرت في ممر وكلما أسير أجد حارسان واقفان عند الحائط مقابلان لبعضهما ويخفضون برؤوسهم. نظرت إلى الجدران وكان السقف مرتفع للغاية. انتهى الممر فبدأ ظهور جمال قصر. كان تصميم جميل بداخل كالقصور الذي نحلم بها لرؤيتها. هل أنا بداخل أحد تلك القصور؟ بل تفوق على خيالاتي.
نظرت بجانبي وجدت نساء في غرفة كبيرة يجلسن ويرتدين ملابس جميلة. لم أراها في الخارج بين الناس. لكنها كانت تظهرهم ومتزينون ويقهقهن بأناقة ورقة.
نظروا لي. كان الحرسان لم يرفعوا أنظارهن لهم. هل هم جواري؟ أكملنا سيرنا ودخلنا إلى ممر مقطع الضوء به. لا ينيره غير الشعل الذي فيه. كان ممر غريب.
ماذا أفعل هنا؟ أين تأخذونني؟
ستأخذي عقابك.
عقاب ماذا؟
هل تظنين أن القتل يمر بسهل؟
ماذا قتل؟
هيا.
نظرت وجدت زنزانة. قام بفتحها ثم أدخلني بقوة وخرج. أقفل الباب. ذهبت إلى الباب.
قلت: افتحوا ذلك الباب. أنا لست مجرمة.
لم يعيرني أحد اهتمام. نظرت إلى الزنزانة كانت مظلمة. لا يوجد غير نافذة في الأعلى وتدخل ضوء الشمس. ضربت على الباب بضيق وذهبت. جلست على الأرض. هل قال قتل؟ أي قتل؟ أنا... وعدت بذاكرتي لرجلان في يوم الغيام في الليل واقترب مني أحدهم وضربته بالحجر. هل مات حقاً؟ لكنني لم أكن أقصد قتله. كنت أدافع عن نفسي. وهل أتركهم يقتربون مني؟ أهذا هو العدل هنا؟ أكره تلك الأرض. أكره ذلك العالم وذلك الكتاب الذي ألقى بي لهنا.
مر وقت وأنا جالسة وكانت النهار يغادر وأنا قلقة. سمعت صوت. نظرت وجدت الباب يفتح ويدخل رجل. وكان في يده طبق وضعه على الأرض. وجدته طعام. التفت الرجل وذهب وبدون أن ينطق أي كلمة. نظرت إلى الطعام ولم أقترب منه. فأنا ليس لي حاجة لطعام وأنا داخل زنزانة كالمجرمين. بدأ النهار يختفي ويحل الليل والظلام يسود. نظرت حولي بخوف. فأنا أخاف الظلام. وقفت وذهبت إلى الباب وضربت بيداي الصغيرين.
افتحوا لي. أنا أخاف من الظلام. أرجوكم.
لم يرد أحد علي. ضربت الباب بقوة. غضب بخوف.
افتحوا هذا الباب. أحضروا لي أي شيء على الأقل لتنير تلك العتمة.
اصمتي حتى لا تتعرضي لتعذيب والضرب المبرح.
كان صوت من الخارج وصاح بي غاضبة. لكن أي تعذيب؟ أنا أعذب بالفعل. تضعونني في مخاوفي ومرتعبة وتهددونني بالتعذيب. ضربت الباب بقوة.
قلت: افتحوا أيها الأوغاد. أنا لا أستطيع البقاء في ذلك الظلام.
وما أن فتح الباب دخل رجل. نظرت وجدت في يده عصا وعيناه لا تبشر خيراً. نظرت له بخوف. فذكرتني العصا بالضربة الذي تلقيتها في العمل لتعبى وإرهاقي.
صوت ينبع منك ثانياً وسأجعلك تندمين.
بلعت ريقي بخوف. فالتفت وذهب ثم أقفل الباب. نظرت للباب وهو يقفل ثم نظرت لظلام الغرفة. ذهبت ووقفت عند ضوء الخافت الصغير النابع من النافذة. جلست وضممت ركبتي إلى صدري وأنا خائفة وأتعرق من خوفي وأنظر للظلام من حولي. ثم نظرت للنافذة.
يارب.
سالت دموع من عيني وأنا أنادي ربي وأرجوه بأن يخرجني من هنا ومن تلك الأرض ومن ذلك العالم. يخرجني دون رجعة. خفضت رأسي ودفنتها بداخلي.
استيقظت على صوت من عند الباب. نظرت كان الصباح. ارتحت أن سلبني النوم في ذلك الظلام. دخل رجل ويحمل نفس طبق الطعام. نظر للطبق الآخر الذي لم يأكل منه شيء. لم يتحدث. وضع الطبق الآخر وذهب.
متى سأخرج من هنا؟
توقف الرجل. نظر لي.
أشك بأمر خروجك.
نظرت له ومن نبرته. قلت بتساؤل وقلق: م..ماذا سيحل بي؟
قال: سيحكم القاضي. وأعلم عقاب القتل.
وما هو؟
القتل بالقتل. أي أنك ستعدمين عند الساحة.
قلت بصدمة: ماذا؟ أنا لم أقتل أحد. كنت أدافع عن نفسي.
التفت الرجل وذهب وتركني في حالة من الصدمة والذعر. هل قال الساحة؟ تذكرت الرجل عندما تقدم والرجل الضخم وفي يده سيف وقام بقطع رقبته وفصل رأسه عن جسده. صرخت بخوف. وضعت يدي على رقبتي. واحمرت عيناي وتجمعت دموع داخلها. ما هذه الذي فعلته بي؟ ما هذا بحق السماء؟
هل سأعدم وأموت كالمجرمين على عالم غريب وبلد عجيبة كتلك؟ هل سأنتهي هنا؟ عائلتي، أخي، أمي، أبي.... لا. لن أعدم. يجب أن تتضح الأمور. يجب أن يعلموا أني لم أكن أقصد القتل.
وقفت وذهبت بسرعة إلى الباب وضربت بيداي بقوة.
افتحي لي.
لم يأتي رد. صرخت بقوة وغضب.
افتحي لي أيها الوغد. افتح هذا الباب.
ماذا تريدين؟
أريد التحدث مع الملك.
هل تظنين أن أي شخص يستطيع التحدث معه؟ وإن كانت مجرمة.
ضربت الباب بغضب.
قلت: أنا لست مجرمة. أسمعت؟ افتحوا لي. يجب أن يعلم أني لم أقتله عمداً. يجب أن أبرئ نفسي. وجب عليكم الاستماع لي.
لا تصدري صوتاً وعودي لمكانك.
مكاني ليس هنا. افتح ذلك الباب. افتحوا لي أيها الأوغاد. سيقتلونني.
وجدت الباب يفتح. عدت للخلف. ففتح الباب ودخل رجل البارحة.
الم آخذرك البارحة؟
ابتعد من وجهي. أريد مقابلة الملك أو أي أحد ليسمعني ويخرجني من هنا.
ذهبت لكنه دفعني بقوة فأصدمت بالحائط. شعرت بألم في رأسي. وضعت يدي أتحسسها. وجدت مدماء وجرحت. نظرت وجدت ظل للرجل وهو يرفع بيده العصا ويوجهها لي. التفت بسرعة ونظرت له وللعصا وأغمضت عيني بخوف. فتحت طرف عيني بعدما لم أشعر بأي شيء. نظرت وجدت الرجل ينظر إلى يده وكان بها العصا ومكسورة إلى نصفين. تعجبت. فهي عصا غليظة. هل هو من قام بكسرها؟ نظر لي بضيق ثم خرج وأقفل الباب. نظرت له. وضعت يدي على جسدي وأتحسسني إن كنت تعرضت لأي ضربة ولم أنتبه لها. لكن كيف لم أنتبه لها؟ هل هي ريشة مثلاً؟ إنها عصا. كيف كسرت؟
بدأ الليل بالحلول والظلام يسود. وأنا خائفة بشدة. فقد مر البارحة على خير. كنت أشعر بالإعياء والدوار. كنت أقف عند الباب وأضرب عليه منذ الصباح وأناديهم وأطلب منهم فتح الباب. لكن لم يعيروني اهتمام. كان صوتي قد ضعف ويداى باتت تؤلمني من ضرباتي القوية على الباب وبدون جدوى. وهل أبقى هكذا بدون فعل شيء؟ مستحيل أن أموت. ليته مان موت. إنه إعدام.
لماذا لم أنتقل بعد؟ هل يوجد حدث أكبر من ذلك؟ سأعدم وذلك الكتاب اللعين لم يعدني بعد. أين ينتظر موتي؟ يارب أغثني وأنجيني مما أنا عليه.
في صباح فتح الباب. فتحت عيني بتعب. وجدتهم حراس.
هيا. سوف نذهب.
نظرت لهم بخوف وقلق. وضعت يدي على رقبتي.
قلت: لا.
ينظروا لي ويردوا علي. ثم اقتربوا مني وأمسكوني من ذراعي. صرخت وثبت قدامي على الأرض. لكنهم أقوياء. فأخذوني رغماً عني.
خرجت من تلك الزنزانة الذي طلبت الخروج منها بشدة. لكن الآن أريد البقاء داخلها. أريد العودة.
إلى أين تأخذونني؟ ابتعدوا عني.
لم يعيروني اهتمام. كنت ضعيفة من بين أيديهم القوية تلك وجسدي متعب وأشعر بالدوار. مررنا إلى ناحية تلك النساء كما جئت. وجدتهم يتطلعون بي. نظرت للحراسان ثم نظرت أمامي بخوف. وكان قلبي سيتوقف. هل أنا متجهة للموت بقدمي؟ أتجه للإعدام. بعد قليل ستطير رأسي في الهواء.
خرجت من القصر ومتوجه للساحة وأنا في حالة من الصدمة. نظرت وجدت حشد من الناس وكثيرون للغاية كما في يوم الغيام. دخلت. أمسكني حارس من يداي وقام بتقييدهم.
ابتعد. اتركني. لن أموت. يا الله اعلم أنك تسمع ندائي. أنقذني من هؤلاء.
دفعني الرجل بقوة وأصعدني إلى الساحة تلك. قدمني وجعلني أجلس على ركبتي رغماً عني. أعطى الناس ظهري ووجهي لذلك القصر. وإذا بي أسمع صوت بوق. فصمت الجميع. ثم فتحت الشرفة. تقدم حارسان وقفا عند باب الشرفة. ثم خرج الملك. ذلك اللعين.
نظرت له وعيناي محمرتان وممتلئتان بدموع. وأنظر له وهو الآخر ينظر بقوة وجمود وغرور. وجدت من يضع يده على رأسي وينزل برأسي. صرخت. قلت ببكاء: ابتعد. لتعتقوني. أرجوكم. ليستمع لي أحد.
يا رب أنت من تعلم بحقيقتي. أنقذني من هؤلاء الوحوش. أخرجني من هنا. أريد أمي. أريد أن أراها. لم أودعها. أريد أبي وكريظ. أريدهم. أريد لقائهم الأخير. لم أودعهم. هل أموت وهم لا يعلمون؟ هل أعدم في عالم وهم في عالم ولا يدرون ما حل بي. وإن كانت جسدي سليم أم مقلوع منه رأسه.
وضع الرجل رأسي. أغمضت عيني وسالت من عيني دموع. وقلبي الذي بت لا أشعر به. وأظنه توقف. توقف من خوفه وزعره. لم أعد أحتمل. تممت بالشهادة داخلي. وإذا بي أجد ساقان لرجل عملاق. وسيف في يده. سيف حاد. نظرت له بصدمة. فإذا به يرفع السيف ويحدد مساره لرقبتي. أقفلت عيني بشدة واعتصرهم خوفاً. إنها نهايتي.
صرخت وفتحت عيناي بفزع. عدت للخلف ووضعت يدي على عنقي.
لاااا.
قلتها بصراخ مرتعب وزعر. أخذ أنفاسي. نظرت حولي وأنا في حالة من الرعب. وإذا بي أجد نفسي داخل تلك الزنزانة. وضعت يدي على صدري الذي كان يعلو ويهبط.
حمد الله. حمد الله. كان كابوس. يارب أخرجني من هنا.
أسندت ظهري على الحائط وأرجعت رأسي للخلف وأخذ أنفاسي وأعدل من نبضة وسرعته. ودموعي الصامتة التي تسيل من الخوف. فقد خرجت معي من الكابوس. سمعت صوت. فتحت عيناي. نظرت وجدت حارسان يدخلون. نظرت لهم بصدمة.
هيا لنذهب.
انتاب قلبي القلق. إنها نفس الجملة. ومن بعدها ذهبت لساحة الإعدام تلك. عدت للخلف وصرخت.
قلت: دعوني. لن أسبب إزعاج. اتركوني أبقى هنا لوقت أطول.
نظروا لبعضهم بصمت. ثم اقتربوا مني وأمسكوني من ذراعي. فصرخت.
دعوني. تذهبون بي للموت. اتركوني أذهب. أرجوكم.
لم يعيرني أياً منهم اهتمام. وأخذوني. كانت دقات قلبي لم تعود لحالتها الطبيعية بعد. كانت حرارتي وارتجافي ورعشة جسدي ما زالو موجودين. وحبيبات عرقي لم تجف بعد. كنت في صدمة وزعر ورعب من الكابوس. وها هو الآن يتحقق. حاولت تثبيت قدماي على الأرض. لكنهم كانوا أقوياء وأنا لست بشيء أمام هؤلاء الجنود القساة.
إلى أين تأخذونني؟ ابتعدوا عني. أخبروني إلى أين سوف أذهب؟ ألا يحق لي السؤال؟ أخبروني إن كنت سأعدم أم لا.
كنت أصرخ بهم. إلى أنهم صامتين. هذا ليس مكاني. تلك ليست أرضي ولا هذا عالمي ولا هؤلاء ناسي. سأموت هنا دون أحد يتذكرني وسيدسونني بالوحل كقاتلة. إن كانوا سيدفنونني من الأساس. أين ذلك العجوز اللعين؟ أين هو ليخرجني من هذا المأزق الذي أنا به في سببه. قال إنه معي. فهل يتركني للموت؟
سرت في نفس ما سرت به في الحلم. ومررنا بجانب الجواري. فوجدتهم يتطلعون بي كما في الحلم. ما هذا؟ يارب أنقذني. أرجوك.
لم أكن أقاوم. أخطو ببكاء وأستسلم لهم. كان قلبي سيتوقف عما قريب. وجسدي ثقيل على قدماي. لا أستطيع حملهن. لكن وجدتهم يتجهون للطريق آخر لا أعرفه. ليس للباب القصر. هذا ما اختلف به عن كابوسي. هل سيحاكموني أم سيعدمونى في غرفة وليس في ساحة الدماء تلك؟
توقف الحارسان أمام باب يقف عليه حارسان يخفضان رؤوسهم. ثم فتحوا الباب بصمت. فأخذني الحارسان ودخلوا. نظرت. كانت غرفة كبيرة للغاية. وجدت شخص واقف بعيد. وإذا به يلتفت. فأجده ذلك الملك. ها أنا الآن أقف أمام ذلك الشخص. عينه الرمادية غريبة جداً. كأنها تميل إلى اللون الشفاف. وجهه.. ملامحه كم كانت بارزة. وكأن لوحة مرسومة. يذهل كل ما يراه.
انحنى له الحارسان. بينما أنا واقفة مصدومة وأتطلع فيه وكأنني أتأمله.
بس شفت مشهده في حلمي وأنا أعدم وهو واقف ينظر لي مثل الرجل الآخر الذي قطع رأسه. احمرت عيناي وتجمعت داخلها الدموع من الخوف والزعر والصدمة والارتعاب الذي أنا عليه. وسرعت دقات قلبي وبرودة جسدي وتصبب جسدي بالعرق وقدماي ترتخي.
انحني للملك يا حمقاء.
كان ذلك صوت الحارس. وكان يقولها بصوت منخفض. لكنني كنت أنظر لذلك الشخص الذي أمامي ببغض. كان هو الآخر ينظر لي. ثم سار تجاهي بجمود. وقف أمامي.
قولي ما عندك.
نظرت له. وكانت المرة الأولى الذي أسمع صوته. شعرت بشعور غريب عندما سمعته. نبرته رجولية. صوته المميز الذي يسحر.
أخذت نفساً. وما زلت مرتاعبة. لكنه تماسكت وأظهرت القوة.
لست قاتلة. أنا لم أقتله.
من إذا؟
أنا. لكن لم أقتله عمداً. لم أكن أنوي قتله. أنا لا أقتل. مستحيل. أنا فقط دافعت عن نفسي. وهذا حق على كل نفس أن تحمي نفسها.
ممن تحمينها؟
منهم. كانوا سكران ويتفوهون بكلام سخيف لي. وعندما ابتعدت عنهم أمسكوني. حاولت الإفلات منهم. لم أستطع. وعندما اقترب مني. لم أجد غير تلك الحجارة. دفعتها تجاهه. لكن...
لكن ماذا؟
إنهم لم يتركوا فرصة لي. أنا لم أخطئ ولست نادمة. وإن عدت للوراء لفعلت ما فعلته.
نظر لي وصمت. نظرت له. أكملت: كان دفاع عن النفس.
بالقتل.
لم أظن أنه سيموت أو أقتله. أردت إبعاده عني فقط. هل تريدني أن أدعهم يقتربون مني؟ هذا مستحيل. أفضل الموت وأن تقطع رأسي عن أن يحدث ذلك.
حسب ما علمت أنكِ عبدة هاربة. وليست لديهن حقوق. بل إنهم ينصاعون لأموالي لجني المال.
غضبت. لكن رددت بكل ثقة وهدوء: لم أكن عبده لشخص يوماً. ولن أكون كذلك. وقعت على تلك الأرض. أخذوني رجلان لا أعلم عنهم أي شيء. ولا أين أنا. وكيف جئت لهنا. وجدت نفسي أعرض على رجال حقراء ويدعون بـ "أسـياد". لم أدع أحد يشتري. لكن جاء رجل وأخذني. لا أعلم من أين. فلقد فعلت ما يبعد الجميع عني. وتعرضت للضرب المبرح. ورغم ذلك اشتري. وأعطاني لهؤلاء الذي كان يلاحقوني. وعملت في ذلك العمل وأهين ليلاً ونهاراً. وأضرب تلك العصا ويرغم علي العمل حتى وإن كان بغير استطاعتي. وعندما أتحدث أصفع. فأنا لا يحق لي التكلم مع أسيادي. لأن تلك عبودية. أي أسياد تظنون أنفسكم؟ أنا حرة وسأظل كذلك حتى أموت. أوغاد. قم أنت بصنعهم يفعلون بناس كذلك. وكأنهم غنيمة تعرض وتشتري ويجني من المال. جعلتهم يرون البشر أمثالهم كسلعة ويرون أنفسهم كبراء عليهم.
لماذا أشعر وكأنك تلقي لوماً علي؟
أنا لا ألقيه. بل أحمله لك كاملاً. من يكون ملكاً عليه إصلاح الناس قبل إصلاح الأرض ذاتها.
قال الحارس بسخط: حدثي مولاي أفضل من ذلك أيتها..
رفع الملك يده فأصمته. نظرت له. تنهد.
قال: أين اختفيتي؟
نظرت له.
قلت: اختفيت!
بحث عنكِ الجنود بغوانتام ولم يجد لكِ أثراً. تختفين وتظهرين فجأة.
بلعت ريقي بصعوبة. ولم أعلم ماذا أخبره. هذه المواجهة صعبة. ماذا أفعل؟
كنت أختبئ.
من ماذا؟
من هؤلاء الرجال الذين كانوا يلاحقوني.
نظر لي. ولم أعلم بنظرته تلك.
قال: كاذبة.
اتسعت عيناي. نظرت له بشدة.
قال وهو بذات الهدوء وهيبته: من أين أنتِ؟
تعجبت من سؤاله. لم أعلم ماذا أقول. بماذا أجيب؟ أنا لا أعلم حتى أسماء بلاد أخرى في هذا العالم. وهذا الزمن. توترت.
قلت: من أين سأكون؟ من غا.. غا.. غوانتام.
نظر لي ببرود.
قال: كاذبة.
نظرت له. ومن تلقيبي بالكاذبة؟ وكيف علم؟ هل من توتري؟ لا أحد يعلم أني لست من هنا. هل من ملابسي؟ لكني أرتدي مثلهم.
لست كذلك. محاولة الكذب ستكلفكِ الكثير.
ا.. ازاي... ازاي بتعرف إني بكذب؟
نظر إليها وتقابلت أعينهم.
سراب غوانتام - بارت 6
تفاعل عشان أنزل الجديد.
اندهشت.
قالت بصدمة: إزاي قادر تعرف إني بكذب؟
صلها واتقابلت عينهم. حسيت بتوتر كبير.
كحت بصوت عالٍ: ماذا قلتي؟
من أين لك بعلم بهذا؟ اعتذر. أعاني من ارتباك لساني.
صمت قليلاً. نظرت له باستغراب. ليسترسل قائلاً:
لا أحد يفعل ما تفعلينه. وقوفك في وجهي. تحدثك معي الآن. وتلك الجرأة في نبرتك.
رفع عينيه إليها قائلاً: أخبريني من أين أنتِ. أكثِر سوف يكلفكِ الكثير ولن أتهاون معك.
شعرت بالخوف من تحذيره الجدي. إنني محاصرة. هل أن كذبت سوف يكتشف؟ لا شك بهذا.
تذكرت العجوز وهو يقول لها "انتظري حدثاً ينقلك". الحدث.. هل هناك حدث أكبر من هذا؟ إنني أقف أمام ذاك الملك. لماذا لم أعود بعد؟ هل افتعل أنا الحدث بنفسي؟ تقدمت وهي تقول:
لست من هنا.
أعلم ذلك.
لكن ما أقصدة أني لست من غوانتام فقط. أنا لا أنتمي لهذا العالم.
نظر لي بشدة.
وقال: كيف؟
أنا من عالم آخر غير هذا. أختفي وأظهر بدون فعل فاعل.
أتسخرين مني؟
قالها ببرود. من كلامها تعجبت "لينا".
قالت: لا. إنني أقول الحقيقة هذه المرة.
صمت ولم يرد عليها. التفت وذهب وكأنه يقفل الحديث الذي لم يعجبه. اقترب منها الحارسان. أخذوها. فتح الباب. وكانت تنظر إلى ظهره الذي يعطيه إياها.
خرجت من ذلك الجناح العملاق وسارت معهم بقلة حيلة. لا تعلم لماذا لم يحدث شيء حتى الآن. أكن إلى أين أذهب؟ معقول ظن أنني أكذب وسوف يعاقبني؟ هل سيعدمونى؟ هل سيعيد نظره ويفرج عني أم سيقتلني؟
سمعت صوت داخلها لتشعر بشعور غريب. ذلك الشعور وحرارة جسدها. سريان الدم وتدفقه إلى عقلها. شعور وكأنها خفيفة كمثقال ذرة. لا تصدق. لقد كانت محقة وأصابت. سوف تسلب. ستعود لعالمها.
فتح الحارس الزنزانة. وما أن دخلت حتى وجدت رؤيتي تتلاشى من عيني وضباب كثيف يحيط بي. ولم أعد أرى شيئاً.
فتحت عينيها. وجدت ظلام دامس. اعتدلت ونظرت حولها. لم تكن ترى شيئاً. كان عتمة وسواد حالك فقط. شعرت بالخوف الشديد. فأين هي؟ هل داخل قبر ما شبه؟ لا يوجد أي ضوء.
دمعت عيناها وهي تنادي بأمي. لعلها تظهر لها من أي جانب. لقد انتقلت من ظلام لظلام. تنادي لأي أحد ولا تجد رداً. تشعر بخفقان قلبها. لا تستطيع الصمود في ذلك الظلام الداكن.
فزعت على صوت رنين هاتف. لحظة. أليس هذا رنين هاتفها؟ كان يوجد صوت اهتزاز وضوء من أسفل شيء. لقد كانت حقيبتها والهاتف بداخلها. اقتربت سريعا انتشلتها لتخرج الهاتف وتضيء المصباح الخاص به. فظهرت الغرفة. لقد كانت في المدرج. أنا في الجامعة يا إلهي.
سمعت رنين الهاتف الذي لا يصمت. أجابت على المكالمة.
لينا.. أنتي فين؟
كان ذلك صوت أخيها "حسام". فاطمأنت وقالت: في الجامعة. الدنيا ضلمة هنا قوي وأنا مش شايفة حاجة.
أنا جايلك حالا.
وقبل أن تجده يقفل صاحت به قائلة: متقفلش. خليك معايا على التليفون.
حاضر. متخافيش.
جلست وهي خائفة وتسمع صوت الضجيج من الهاتف لمكالمة "حسام" الذي لا يزال معها. وقفت وأدرت الكشاف على زوايا الغرفة. وما إن وجدت زر الضوء أسرعت إليه. لكنه لم يكن يضيء. هل فاصلين الكهرباء؟ ما هذا الحظ؟ لما ليفصلوها الآن.
لينا.
سمعت صوت أخيها. ذهبت إليه لتجيب.
قال "حسام": معاكي رقم أي حد من أمن الجامعة أو حد أكلمه يجي معايا؟
لا. اتصل بسهيلة. هي تقريباً معاها.
طيب هقفل معاكي دقيقة عشان أكلمها.
بسرعة.
حاضر.
أقفلت المكالمة. وساد الصمت قليلاً. لكن سمعت صوت من الهاتف. واتسعت عيني. لقد كانت البطارية على وشك النفاذ. ليس وقتك أنت الآخر. أرجوك.
نظرت حولها. وجدت نوافذ مغلقة. ذهبت لتفتحهم ليدخلوا بعضاً من الهواء أو أي ضوء خافت. لكن لم تلاحظ أي اختلاف. فقد كان الهاتف يقوم بالواجب. وبعد قليلاً سينتهي أمره هو الآخر.
جلست وهي تنظر لهاتفها من وقت لآخر. صدر رنين. رديت بسرعة على أخيها.
أتأخرت ليه؟
عقبال ما كلمنا الأمن وزمانه جاي.
بسرعة يا "حسام". الجامعة مفهاش حد غيري والتليفون هو كمان هيقفل.
خمس دقايق وجاي.
كانت تمسك الهاتف بشدة. وأخيها معها على المكالمة. سمعت صوت محرك السيارة وضوضاء من الطريق. وفي لحظة انقطع الضوء. ليسود صمت رهيب بظلامه.
نظرت للهاتف. وجدته قفل. ضربت به وكأنها تجعله يشتغل رغماً عنه. شعرت بالخوف. نظرت وجدت النوافذ تبعث بضوء القمر الخافت للغاية. لكن كانت بين الظلام تشعر بالخوف. أين أنت يا أخي؟ لما تأخرت؟ تعلم كم أرتاعب من الظلام.
لينا.
سمعت نداءه من الخارج. ركضت إلى الباب.
حسام.
هتخرجي دلوقتي.
بسرعة.
اشتعلت الأنوار. فهدأت من روعها وزال الخوف الذي كان يحل عليها. سمعت صوت فتح الباب. وما إن فتح. وجدت أخيها يظهر. اقترب منها. احتضنته بخوف. فضمني هو الآخر.
قال "حسام" بقلق: أنتي كويسة؟
قالت "لينا" بحزن: افتكرت إني مش هشوفك تاني.
بس اهدى. أنا معاكي.
كنت هموت. كان هيعدموني هناك. مكنتش هرجع تاني يا "حسام".
نظر إليها بشدة. قال: بتقولي إيه؟
أبعدها ونظر إلى عينيها الدامعة.
قال: عيدي اللي قولتيه.
لم ترد عليه. لا تعلم لماذا تفوهت بذلك الكلام. المهم أنها عادت من ذلك الجحيم.
لينا.
اندهشت. فهي تعرف ذلك الصوت جيداً. نظرت وتفاجأت من رؤية "معتز" وحارس الأمن. كانا ينظران إليها وإلى ملابسها بصدمة مزدوجة.
قال "معتز": أنتي كنتي فين؟
كنت متعجبة جداً من وجوده. لكن لا أعلم بماذا أرد عليه. أشعر وكأنني محض سخرية.
عايزة أروح.
قال "حسام": حاضر. يلا.
توقفت فجأة. ثم قالت بخوف وقلق: الكتاب.. فين الكتاب؟
معايا.
أخذت نفساً وذهبت معه. أدخلها إلى السيارة. ثم وجدته يتحدث مع الأمن. وخصوصاً "معتز". كانوا يتبادلون السلام. لأجد "معتز" ينظر إليها. ثم ذهب. اقترب أخيها. وهي متعجبة من حديثه معه. وما سر وجوده حتى الآن. قاد السيارة وغادروا من المكان بأكمله.
وصلوا إلى المنزل. فتحت والدتهم الباب. كلت بلهفة. ضمتها بقوة داخل أضلاعها لتشعر بدفئ وحنانها الذي ينبع من صدرها الدافئ. احتضنتها هي الأخرى وبكت بدون قصد. فقد شعرت برغبة كبيرة في البكاء. لم تكن ستعود إلى عائلتها. لم تكن لتعود إلى هنا مجدداً. كانوا سيقتلونها. ابنتك كانت ستعدم بوحشية.
ربتت أمها عليها قائلة: كنتي فين يا لينا؟ كده كل شوية تخوفينا عليكِ.
اسفة. مش بإيدي يا ماما.
نظرت لأبيها الذي كان عابس بوجهه ويرمقها نظرات متضايقة.
قال "حسام": ماما خدي لينا على أوضتها. وأنا جايلكم بعد شوية.
ماشي.
أخذتها أمي وأدخلتني لغرفتي. ذهبت لخزانتي وأخذت لي ثياب. وهي تقول: أي موضوع لبسك الغريب أوي ده؟ كل ما تروحي مكان بترجعي لنا بشكل.
لم ترد عليها. أقفلت هاجر الخزانة. واقتربت منها لتأخذ الملابس لتبدل هندامها. لاحظت وقوفها.
ماما في حاجة؟
مالك يا لينا؟ مخبية إيه عليا؟
مفيش حاجة يا ماما.
كانت تنظر إليها وأنها لن تعطيها الإجابة. تنهدت.
ثم قالت: غيري لبسك عشان عايزين نتكلم معاكي.
حاضر.
ذهبت وأقفلت الباب. قامت بتغيير ملابسها. ثم خرجت. وجدتهم جالسين وكأنهم في انتظارها. نظر أبيها إليها.
قال: اعقدي.
أومأت برأسي وجلست معهم.
كنتي فين؟
نظرت إليه ومن نبرته في الحديث معها. لم تعلم ما تقوله.
في الجامعة.
أخوكي راح مع الدكتور ودوروا عليكِ هناك وملقوكيش.
نظرت إليه. قال "حسام" بتوضيح: دكتور "معتز" جه وقال إنه شافك بتجري. ولما لحقك عشان يسألك في أي ملقوكيش. وكان بيحسبك جيتي هنا. روحت معاه الجامعة. دورنا وكلمنا الأمن يدوروا معانا. مكنتيش موجودة. اتصلت عليكي تليفونك كان مقفول. استنيتك لحد ما رجع الخط اشتغل. ولما عرفتيني إنك في الجامعة. اتصلت بدكتور "معتز".
اتصلت عليه إزاي؟
خدت رقمه الصبح. كنت بس بسأله يديني رقم حد معاه مفاتيح الجامعة. ولما سألني فقولتله إنك جوا. اتصل هو بالأمن. وصل هناك قبلي. مرطتش اتصل بصحبتك. هو اللي ساعدني. كتر خيره.
تعجبت وهي تريد أن تسأله عن من يتحدث. هل يقصد "معتز". هل ساعده وكان قلق عليها؟ أم أنها تتوهم. هل فعل ذلك وأتى من أجلها؟ لهذا الدكتور الذي يهينها؟ جاء لمنزلها ليسأل عنها. وجاء للجامعة بعدما اتصل بالأمن. لماذا أتى للجامعة؟ لم يكن هناك داعي لمجيئه.
قالت "غسان": لينا كنتي فين؟ ردي.
كانت نبرة أبيها غاضبة.
قالت: لو قلتلك مش هتصدقني.
مش هصدقك ليه؟
قلت لكم قبل كده. بس أنتم بتحسبوني مجنونة.
قالت "هاجر": قولتي إيه؟ إحنا مستنينك تتكلمي.
ا.. أنا كنت في العالم اللي قلت لكم عليه. لما مبتلاقونيش بكون هناك.
عالم!!
دي الحقيقة. أنا بتنقل لعالم تاني غريب. وأنتم شفتوا لبسي. هو ده اللبس هناك. والعملة اللي إنت شفتها يا "حسام". دي عملتهم.
نظر لها "حسام" بشدة. ولكنه لم يكن مصدوم كما ينظر والداه إلي بصدمة. انتظرت أي كلمة منهم.
ارجعي أوضتك.
كان أبيه هو من يتحدث. نظرت له بتعجب وعدم استيعاب.
قال: بابا أنت مش مصدقني لسه؟
يلا يا لينا على أوضتك.
شعرت بالخذلان للمرة الثانية. ومن مقاطعته لها. وقفت ودخلت لغرفتها. وتركتهم. نظر "حسام" إليها. ثم نظر إلى والديه.
عن إذنكم.
غادر أيضاً. وكانت "هاجر" جالسة. نظرت إلى "غسان" الذي كان شارد الذهن.
مش بيفكرك الكلام ده بمامان؟
نظر إليها.
قالت بتفسير: نسيت يا غسان. لينا بتقول نفس الكلام اللي جه فترة على ماما كانت بتقوله.
ده نفس اللي شاغل تفكيري.
ده معناه إيه؟
نظروا إلى بعضهم وعينيهم تتحدث بالكثير من الكلام الذي تنطقها أفواههم.
كانت جالسة على سريرها وهي تشعر بالضيق.
لو مش هما اللي هيصدقوني. مين اللي هيصدقني؟ مين؟
تنهدت بحزن. فهي ليست مجنونة. إنها لا تتفوه بالخرافات. إنها لا تدعي خيال من رأسها. ما يحدث معها حقيقة. لماذا تجعلونها تظن نفسها مجنونة بالفعل وأنكم على صواب وأنها على خطأ؟ هل تكذبون أعينها؟ هل تكذبون ما عاشته وما رأته؟
قاطع صوت أفكارها طرقات على الباب. سمحت له. دخل "حسام".
قالت "لينا": جاي تضحك عليا تاني؟
لا. جاي أسمعك.
تعجبت كثيراً. اقترب وجلس بجانبها.
قال: احكي لي اللي بيحصل معاكي.
مش فاهمة؟
احكي لي بكل اللي شفتيه. أنا مصدقك.
اندهشت منه. كان ينتظر حديثها. لم تجد غير فمها يفتح ولسانها ينطق وشفاهها تتحرك وتسرد عليه كل شيء عما مرت به هناك. من أول يوم ذهبت به. النساء. العبيد. العمل. غابينة. الخبز. الصفع. الضرب وقص الشعر.
سردت له كل شيء وتبوح ما لديها. لعل أحد يصدقها ويعلم أنها ليست بمجنونة. كان أخوها متضايق وغاضب بشدة عندما أخبره عن ما عانته. فتقوم بتغيير الحكاية لحدث آخر.
قال "حسام": وإنتي بتنتقلي إزاي وترجعي إزاي؟
لما الكتاب بيعوزني بروح. أما لما برجع.. فدا صعب. محتاجة حدث يحصل فأرجع تاني.
وهتروحي امتى؟
قلت بانفعال: معرفش. بس أنا مينفعش أرجع. مينفعش.
ليه؟
هيقتلونى. هتعدم.
مش انتي حكيتي للملك وقلتيله إنه كان دفاع عن النفس؟
أيوة. بس هو مقلش أي حاجة بخصوص الحكم. حتى الجندي اللي قالي إني هتعدم قالها بصيغة عمياء "القتل بالقتل". يعني حكم عندهم. بتين إن ملكهم مش بيستهين بعقاب حد ويحترم شعبه. حتى لو مصدقني هينفع الحكم لأنه معروف بالعدل.
بس محدش قالك وأكد إنه حكم عليكي بالإعدام.
سكتت قليلاً. بالفعل لم تسمع حكم مهذا بصدر عليها. فقط كلام الجندي تلاعب برأسها.
قالت "لينا": لا.
ممكن ميكونش ده الحكم.
معرفش. المهم إني مش عايزة أرجع هناك تاني. أنا خايفة. لو رجعت مش عارفة إيه اللي ممكن يحصلي. وأنا بعيدة عنك.
ربت أخوها على يدها قائلاً: مفيش حاجة هتحصلك. اهدى.. مش دي أختي "لينا" اللي بتغرق في الكتب.
بقيت أكرهها. معرفش ولا فاهمة أي حاجة. حتى العجوز ده اللي أشك بسنة أصلاً كأنه متنكر.
إزاي؟
شكله عجوز بس هو لو شفته تحسه شاب قدك.
خلينا في اللي بيحصل لحد ما يقابلك تاني. إنتي دلوقتي داخل عالم مش كتاب. مش ده كان نفسك فيه؟ الخيال وإنك مميزة. طلعتي مميزة فعلاً.
كانت تعرف أنه يحاول مواساتها وتقويتها. بينما كانت نبرة قلقه تشعر به. صمتنا. وأنا لا أعلم ما أقوله.
وقف "حسام" قال بحزم: مش هتروحي هناك تاني.
تعلق عيناها به: بجد؟
أه.
طب إزاي؟
هحرق الكتاب.
صدمت من قوله. وقفت قائلة: بتقول إيه؟
هحرقه عشان ميجيلكيش تاني. أنا خوفت منه زيك بالظبط.
بس...
عايزة تروحي لهناك؟
لا.
خلاص.
لا تعلم لماذا ترددت لوهلة. وكأنها غير موافقة. لا بد أنها قلقة من كلامه بخصوص أمر حرقه. كلام ذلك العجوز عنه. "تدوينين أحداثاً". "إنكِ صديقة الكتاب". "أنتي بمثابة قلماً له الآن". لكنه صديق سيء كاد أن يذهب بها إلى الحافة. مادام سينتهي أمره ولن تعود لهناك مجدداً. وهذا ما تريده. لحظة. لن تعود لهناك مجدداً؟
لوهلة تذكرت "فرناس". ذلك الرجل الوسيم الذي لم تر مثله قط. لن تراه مجدداً؟ وكأنما رأت لقاءات كثيرة داخل عقلها. هل حزينة من أجله. إنها لا تعرفه حتى. لن تعود لهناك. هذا أفضل حل لها. فلتفعل ذلك يا أخي. وتبعده عني للأبد. فلتبعدني عن تلك البلاد العجيبة. في كل مرة أذهب فيها يكون اليوم أسوأ من الذي قبله. أقابل أشياء تثير خوفي ودهشتي. ففي يوم سأعود بلا عقلي بكل تأكيد.
في اليوم التالي خرجت من غرفتها لتجدهم يفطرون. انضمت إليهم. وكان الصمت يسود بينهم. هذا الصمت الذي لم تعهده من عائلتها من قبل.
ذهبت إلى جامعتها. وهي تدخل إلى المدرج. وجدت دكتور "معتز" بالداخل. نظر إليها. وتقابلت عيناها.
آسفة.
ألتفتت وهي تغادر المدرج. فلا داعي أن تهان.
ادخلي.
توقفت بدهشة من ما قاله إليها. هل يحدثها هي؟ هل خاطبها ويدعوها للدخول؟ أقفلت الباب وجلست على مقعدها. وجدته ما زال ينظر إليها. توترت. حم حمم. وعاد إلى المحاضرة.
انتهى يوم الدراسة. حملت دفاتري لأغادر. وجدت من يعيقني. وكانت "يارا" ورفيقاتها. نظرت لهم باستغراب.
قالت "يارا" ساخرة: اتحسنت علاقتك مع دكتور "معتز" أوي؟
قالت "لينا": قصدك إيه؟
من يومين دخلتو مع بعض وكنتو بتبتسمو. وانهارده شوفنا إزاي دخلك رغم إنك جيتي متأخرة. إيه غيركو كده؟
ابتسمت وهي تضيق عيناها.
قالت: خيبت توقعاتك.
لا. ده أنتي رفعتي توقعاتي أكتر. طلعتي مش سهلة.
لم تفهم نبرتها المقصودة. وأصدقاؤها الذين يضحكون عليها.
قالت "يارا": هو في حاجة بينكم ولا إيه؟
شعرت بالغضب. لكن تحلت بالهدوء.
قالت: ده الدكتور بتاعي. وياريت كل واحدة فيكم تخليها لنفسها. وإنتي بالذات يا يارا.
شايفاني هموت نفسي من تفكيري فيكي.
ابتسمت بثقة.
قلت: مقولتش كده. بس إنتي اعترفتي بنفسك. وإنتي أدرى.
غضبت "يارا". وضاق ملامحها. ذهبت ولم تعيرها اهتمام. لكن وجدتها تقف في وجهها وأمامها مباشرة. تنهدت.
قالت: في إيه تاني؟
إنتي إزاي ضربتي "يوسف" قدام الكل؟ إنتي نسيتي نفسك؟
نظرت لها وابتسمت وأنا أتذكر البارحة. وهذا الكف الذي صفعت "يوسف" به.
ياترى إنتي عارفة أنا ضربته ليه؟
أيوة.
ابتسمت. قلت بثقة: أنا متأكدة إنك متعرفيش. بس أنا هقولك. مش حبًا. لأني عايزة كدة.
أكملت بسخرية: من يومين "يوسف" كلمني وكان عايز يقعد معايا. بس أنا رفضت. وسبتله المكان كله ومشيت. وامبارح وقفني عشان يتكلم معايا. وبيستظرف بحديث تافه شبه. عشان أكون صريحة.. كان عايز يوصلني. ولما مشيت وسبته مسك إيدي. إنتي عارفة الباقي.
قالت باستخفاف: عايزة تفهميني إنه هيعمل كده. ومعاكي إنتي؟
الكل شاف. فاتك المشهد ده يا يارا. مش مشكلة تتعوض.
ابتسمت عليها حينما شعرت أنها أغضبتها. تخطتهم لتغادر المكان بأكمله. قابلت دكتور "معتز". نظر إليها. أكملت سيرها.
لينا.
توقفت على ندائه لها.
قالت: نعم يا دكتور.
ينفع نتكلم؟
اتفضل.
مش هنا.
نظرت له باستغراب وعدم فهم. أشار لي. ذهبت معه.
جلسنا في مقهى. وهي مستغربة من صمته. كانت تشعر بأنه يريد قول شيء ما. بل أشياء. كانت محرجة من نظراته لها.
قالت: حضرتك عايز تقول حاجة؟
اشربي عصيرك الأول.
شكراً.
ارتشفت شرفه. وهو ينظر إليها.
قال: عايز أسألك عن حاجة.
اتفضل.
أنا عارف إني مليش إني أسأل بحاجة عنك. وده شئ ميخصونيش.
هو في حاجة؟
إنتي كنتي فين امبارح؟
تعجبت. فهي بالفعل لم تتوقع أن يسأل هذا. لكن بالتأكيد يتسائل عن البارحة. كيف سمحت له بالمجال في سؤال هي لن تجد له أجوبة. وتعلم أسئلته كيف ستكون. ولن تستطيع الرد.
قال "معتز": ليه كنتي بتجري ودخلتي المدرج؟ وأزاي لما فتحت ملقيتكيش. ومش في المدرج بس. دورت عليكي في الجامعة كلها. ومكنتيش موجودة.
شعرت بالارتباك. أكمل وهو يقول: إزاي ظهرتي بالليل. وفي نفس المدرج اللي دخلتي فيه واختفيتي منه.
صمتت ولم تعلن ما تقوله. كان يجب أن تجهز أكاذيب حول أمورها العجيبة تلك. تنهد "معتز". وضع يده على الطاولة يأخذ وضعيته.
قال: دخلتي الأوضة إزاي وهي مقفولة أصلاً؟
ابتسمت ساخرة.
قالت: هكون اختفيت وظهرت تاني مثلاً؟
احتمالات.
اتسعت عيني بدهشة منه. وهل يضع هذا الاحتمال حقاً؟
قال "معتز": كل الاحتمالات جايزة.
إنتي حاطط احتمال إني ممكن أختفي. اللي هو احتمال مستحيل أصلاً.
تسمي اللي حصل ده إيه؟
صمتت. تنهد. لتقرر إنهاء الحديث.
إمبارح انتهى. وإحنا في النهاردة.
وأنا بسألك عن إمبارح. ينفع تجاوبيني عشان كنت بفكر كتير ومش لاقي جواب.
وليه بتفكر؟
عشان أنا..
صمت ولم يكمل كلامه. تعجبت من صمته المفاجئ. وماذا كان سيقول؟
معلش يا لينا. عايز جواب. لو خايفة أقول لحد. أوعدك هيكون بينا.
قالت بجدية: عايز تعرف.
أيوة.
اقتربت وأشارت له أن يقترب. تعجب. لكن اقترب بإهتمام وهو يصغي إليها.
سافرت لبلد عجيبة. مختلفة عن عالمنا ده جداً. في التوقيت. والزمن. في العصر. وفي كل حاجة. مكنتش المرة اللي اختفيت فيها حصلت معايا قبلها. لما كنت بغيب عن محاضراتك كنت هناك. كنت مش معاكم هنا. كنت على أرض تانية.
كان يحدق به. من شدة صدمته. ولم يتحدث ثانياً. ضحكت. ليتعجب من تعبيراتها التي انقلبت.
قالت "لينا": كنت بهزر. مالك؟
بتهزري!!
أيوة. أكيد. عالم تاني قال... خدت الموضوع جد ليه؟
كان صامتاً. بينما هي تضحك على تصديقه لها.
قالت "لينا": كنت بهزر.
بتهزري ولا بتقولي الحقيقة؟
توقفت عن الضحك. عندما سمعت كلماته ونبرته الجدية. لتجد عينيه تثقبها. اندهشت منه. هل حقاً ما قاله؟ هل يظن أن كلامها حقيقياً؟ هل لديه ذرة صدق من كلامها ووجوب تصديقه؟
حقيقة إزاي يعني؟ إنت مقتنع باللي قلته؟
ليه لا؟
قلت بدهشة: حضرتك دكتور جامعة. مثقف ومتعلم. بعيداً عن الوهم. إزاي سمعتني؟
قصدك إنك كنتي بتكذبي؟
أنا قولتلك بهزر.
يعني بتكذبي.
تضايقت. وقالت: أنا مش بكذب وبقول الحقيقة. و...
سكتت بصدمة. لقته بيبصلها.
سراب غوانتام - بارت 7
تفاعل يا قمرات.
...
رواية سرداب غوانتام الفصل السابع 7 - بقلم نور
كنت بهزر مالك
بتهزرى !!
ايوه اكيد، عالم تانى.
قال... خدت الموضوع جد لي.
كان صامتا بينما هي تضحك على تصديقه لها: بتهزرى ولا بتقولى الحقيقه؟
توقفت عن الضحك عندما سمعت كلماته ونبرته الجدية لتجد أعينه تثقبها. انكمشت منه، هل حقا ما قاله؟ هل يظن أن كلامها حقيقيا؟ هل لديه ذرة صدق من كلامها ووجوب تصديقه؟
حقيقه ازاى يعني.. انت مقتنع باللي قلته؟
لي لا؟
بدهشة: حضرتك دكتور جامعة، مثقف ومتعلم.. بعيدًا عن الوهم، ازاي سمعتلي؟
قصدك إنك كنتي بتكذبي؟
أنا قولتلك بهزر.
يعني بتكذبي.
تضايقت وقالت: أنا مش بكذب وبقول الحقيقة و...
صمتت وهي تنظر إليه. تنهدت قالت: اللي تشوفه.
طب ممكن تقولي الحقيقة لو كان دا مجرد هزار؟
مهتم بالموضوع؟
جدا، سامعك يا لينا.
صمتت وهي متعجبة لكن متوترة ايضا. تمسكت ظهراها وفركتهم بارتباك ومن ما هي وضعت نفسها به. سمعت صوت رنين هاتفها، أسرعت وردت وكأنها طوق نجاة لها: أنا لازم أمشي.. عن إذنك.
أوصلك؟
لا ملوش لزوم.
أخذت حقيبتي لأغادر. توقفت، وعندما التفت إليه قبل: معرفتش أشكرك على امبارح "حسام" قالي على عملته.
نظر لي وكأنه لم يتوقع شكري. قال: ده واجبي، معملتش حاجة.
شكرا تاني.
قلتها بابتسامة وغادرت. وكان "معتز" ينظر إليها وهي توقف سيارة أجرة وتركبها وتغادر عن ناظريه، لكنه لا يزال يتخيل طيفها أمامه وكلامها الذي لن ولن ينساه: لينا.
عادت إلى منزلها وهي تجفف شعرها بعدما بدلت ملابسها. انتبهت لشيء على المنضدة. كان الكتاب الذي لم يكن معها بل كان مع أبيها. كيف يقفز إليها وكأن لا يوجد حاجز يمنعه. كأنه به عفريت يعبث به. تذكرت كلام العجوز بشأنه. هل هو حي بالفعل؟
ما أمرك أيها الكتاب وما خلفك من أسرار تدفنها في أعماقك. أشعر بأنك شخصًا تأتي وتذهب كيفما تشاء. لماذا تلحق بي وأنا لا أريدك. لماذا ترسلني لهناك رغمًا عني. لماذا أشعر بالمسؤولية تجاهك وأنني لا أريد أن يحدث لك شيء أو تمس بأذى. لكنك أيضًا تؤذيني. لا ترسلني لهناك ولن أفعل لك شيئًا. لتعود لأدراجك وتدعني في سبيلي.
وقفت بقرب منه وهي تتأمله. فتح الباب كان "حسام" الذي كان قلقًا لكن اطمأن فور رؤيتي.
كويس إنك هنا. الكتاب مش لاقيه. بحسبك روحتِ تاني هناك.
ابتسمت بسخرية وأشارت له على المنضدة. تعجبت حين رأه. وقف مذهولا: إزاي بيحصل كل ده؟
معرفش بجد.
هو في إيه؟ بيتكلم عن إيه أقصد.
مفهوش حاجة.
إزاي، انتي مفتحتوش قبل كده؟
لأ.
يبقى نفتحه ونشوف اللي فيه.
سار أخيها تجاهه لكنها أوقفاته قائلة: لما حاولت أفتحه شرارة غريبة لمست إيدي ومنعتني. سيبه.
ممكن ميحصلش معايا أنا كده. وتخيل مش أكتر. استنى.
ذهب إلى الكتاب. أمسكه. نظرت إليه بخوف. فتح القفل ومد أصابعه وفتح الغلاف. نظرت له بشدة لما سيحدث.
فوجئت عندما وجدت لا حدث. أثرها، الكتاب لم يفتح لكنه يمسكه ولم يبعد يده لملامسة أي كهرباء يد. بل يحاول فتحه والكتاب لا يتحرك. حتى غلافه وكأنه قطعة واحدة مجمدة ثابتة لا تتحرك من مكانها.
قالت "لينا": في إيه؟
مش راضي يتفتح.
إزاي؟
معرفش. هو ده كتاب أصلًا؟ ده ملزوق كأنه قطعة واحدة.
مستحيل. يوم المكتبة اتفتح قدام عيني.
مد الكتاب إليها. أخذته بتردد وهي تتنهد. فلا شيء سوف يحدث لها. حاولت فتحه لكن سرعان ما صرخت. وقع من يدها وهي تمسك أناملها بوجع.
قال "حسام": إيه اللي حصل؟
نار، في لهب كان هيحرق إيدي.
تذكرت تلك الشرارة الكهربائية التي لامست أصابعها للمرة الثانية. شعرت وكأن أعصابها تلفت. وجدت أخيها يمسكه وهو يقلبه بين يديه.
قالت بتعجب: انت إزاي كنت بتحاول تفتحه ومحستش بحاجة؟
عشان مفيش حاجة حصلتلي. بس انتي. انتي كنتي هتفتحي.
نظرت إليه باستغراب. أكمل: الغلاف اتحرك ولو بسيط جدًا بس شوفته اتحرك. إيه اللي حصل؟
قولتلك فيه حاجة غريبة، كأنه بيمنعني.
نظروا إلى الكتاب بشدة والتساؤلات تكاثرت حوله. وجدته يأخذه ويغادر. قالت: انت هتعمل إيه؟
هخلص منه.
اندهشت، معقول سيحرقه الآن؟ نظرت للكتاب بخوف وكأنها تشعر بأنه أمانة. أمانة في عنقها لا يجب أن تفعل به ذلك. لعل هناك سبب كبير خلف كل ما يحدث لها. غابينة، صديقتها الوفية، ألن تراها مجددًا.
ركضت خلفه وهي تلحقه. توقفه. لقد حسمت الأمر. لا أريد أن تتخلص منه. تريد إجابة على أسئلتها أولًا.
وجدته في الحديقة الخلفية بمنزله وهو يضع الكتاب على الأرض وفي يده عود كبريت.
"حسام" لا استنى.
نظر لي. اقتربت منه وقلت: سيبه متحرقهوش.
بتقولي إيه يا "لينا".
أنا عايزاه. ده مسؤوليتي، أمانة عندي.
ولم تعلن من أين نطقت تلك الكلمات. مسؤوليتي وأمانة. وكأن هناك من يتحدث بدلا منها. وكأنها من يجعلها توقفه ويتحكم بها.
قال باستغراب: ولو خدك لهناك تاني، أو روحتِ هتعملي إيه هناك؟ قدر في يوم مرجعيتيش هتكوني مستريحة لما ده يحصل.
صمتت وشعرت بالخوف من كلماته. قالت: متخافش مش هيحصلي حاجة.
وأنا مش هستنى لما يحصل.
اشتعل الكبريت. رماه أرضًا. اتصدمت. ركضت إلى الكتاب لكنه منعني. قال: "لينا" جرالك إيه؟
رأت النيران تشتعل عليه وتأكله أكلًا. حاولت الابتعاد لكنه تصدى إليها كي لا تتأذى. قالت: لااا. الكتاب.
بس خلاص كل حاجة هترجع زي الأول.
دمعت عيناها بغضب. قالت: قولتلك لأ. لي عملت كده؟ لي؟
اهدئ. أنا خايف عليكي. وده مجرد كتاب. نسيتي معاناتك بسببه. انتي بتتكلمي كأنك واحدة تانية.
لأ. هو مش أي كتاب. ونا جزء منه. ابعد عني.
حاولت الإفلات منه لكنه منعها وربت عليها. ولا تعلم من أين لها لتقاومه وتريد إنقاذه وهي ترى النار تحيط به وتحوله إلى رماد. شعور بشيء غريب وكأنها خائنة. أجل، خائنة. خانت أمانة سلمت لها. ما تلك الأمانة وما الشعور الواجب بتلك المسؤولية. ما ذلك الضيق والغضب من أخيها. لقد فعل ما كانت تريده. لماذا تحولت هكذا الآن؟ لما الغضب؟ لقد انتهى الأمر. انتهت غوانتام وغابينة والعبودية. لم يعد هناك. الملك "فرناس".
دخلا إلى المنزل. أتت والدتهم متسائلة: فيه إيه؟ مالك يا "لينا"؟
كانت قلقة عليها من شكلها وذلك الحزن الغامض. تحدث "حسام" نيابة عنها: مفيش حاجة يا أمي. روحي على أوضتك يا "لينا".
نظرت له وكأن يطمئنها بعينيه. ذهبت دون أن تتفوه بكلمة.
قالت "هاجر": حصل حاجة يا "حسام"؟
تعبانة شوية.
حكتلك أي حاجة؟
حاجة زي إيه؟
عن اللي بتحكيها في كل مرة.
نفس الكلام اللي حضرتكم مش مصدقينه.
صمتت وهي تنظر إلى غرفتها. طالعها "حسام" قال: ماما، لينا مبتكدبش. كنتي أول واحدة صدقتيها فينا لما قالت الكلام ده أول مرة. لي دلوقتي بتقولها متتكلميش كده تاني؟
مش أي حاجة لازم نحكيها.
يعني عارفة إنها بتقول الحقيقة. وبابا كمان؟
نظرت إليه قائلة: اتأخرت على شغلك يا "حسام".
آه فعلًا. عن إذنك.
غادر من المنزل لتبقى واقفة في مكانها قلقة على ابنتها التي لا تبدو بأحسن حال.
كانت جالسة في غرفتها تتذكر الكتاب. نظرت إلى المنضدة التي بجانبها. لعلها تجده لكنه لم يكن موجودًا.
فتح الباب لتجدها والدتها. قالت: "لينا" تعالي عايزكي.
فيه حاجة يا ماما؟
ذهبت. تعجبت. ذهبت خلفها لتجدها تدخل إلى غرفتها. فتحت الخزانة وهي تنظر إليها باستغراب من ما تفعله: ماما بتدوري على إيه؟
أخرجت صندوقًا. اقتربت منها وهي تمسك يدها وتجلسها بجانبها. وضعت الصندوق بينهما.
كانت "لينا" تحدق فيه وفي والدتها: إيه ده يا ماما؟
الصندوق ده كان بتاع جدتك.
طالعته باهتمام شديد فهي تحب كل ما هو متعلق بجدتها. قالت: فيه إيه؟
حاجات تخصها. تخصها هي وبس. حتى جدك ميعرفهاش. ده بمثابة صندوق أسرارها.
يعني حتى حضرتك متعرفيش فيه إيه؟
نفت لها قائلة: لأ يا لينا. بس بتهيألي فيه حاجة مهمة ليكي.
ليا أنا؟
جدتك وصتني وصية. "كل ما هو غريب عنوانه الصندوق".
طالعتها بشدة قائلة: مش فاهمة حاجة يا ماما.
ولا أنا يا لينا. صدقيني مش هعرف أشرحلك. بس الصندوق ده بقى ليكي.
أعمل بيه إيه؟
خليه معاكي. أكيد هتحتاجيه.
مفكرتوش تفتحوه؟
ملهوش مفتاح.
إزاي؟!
مدتكيش أي مفتاح؟
رفعت كتفيها ببساطة قائلة: سلمتهولي هو بس. من غير أي مفاتيح.
تعجبت منها. ربتت على يدها مردفة: افتحيه في الوقت المناسب.
أومأت لها بتفهم. أخذته معها وذهبت إلى غرفتها لتضعه بين أغراضها وهي تلمسه بحنين إلى طفولتها تتذكر جدتها.
كانت تجلس عند قدميها مثل كل يوم تأتي فيه لزيارتها. "تيته مش هتحكيلي قصة النهارده؟"
"مش هتروحي تلعبي معاهم؟"
"لأ بحب أقعد معاكي وأسمع قصة الأمير والأميرة."
ابتسمت إليها وهي تمسد على شعرها. ابتسمت "لينا" قالت: "مش هتقوليلى إيه اللي حصل للأميرة لما حبسها الشرير في البير؟"
"الأمير عرف مكانها وراح هو وجنوده عشان يحاربوا الأشرار اللي أذوها."
قالت باهتمام وهي تصغي إليها: "بعدين."
"انتصر الخير على الشر وأنقذ الأميرة ورجعها القصر بخير."
"مات الشرير واتجوزوا وعاشوا في نبات."
أومات إليها وهي تكمل لها: "وخلفوا صبيان وبنات."
فرحت كثيرًا قالت: "أنا عايزة أمير أنا كمان."
"كل بنت أميرة في بيتها. أميرها هيجيلها لحد عندها. وأوقات الصدف بتخلي الطرق تتقابل."
"يعني أميري ممكن يكون بعيد؟"
"ممكن يبقى قريب منك أوي، أو بعيد. مكان تاني، بلد تانية، زمن تاني، أو.... عالم تاني."
لمعت عيناها الطفولية بإعجاب. قالت: "أمتى يا تيته؟"
ضحكت عليها وهي تداعب أنفها الصغير. "في الوقت المناسب يا حبيبتي."
في الجامعة دخلت "لينا" وكان التعب ظاهرًا على عينيها. فهي لم تنم البارحة سوى ساعتين من كثرة تفكيرها في أمر الكتاب. تذكرت رحلتها في عوالمه والأيام التي عاشتها في "غوانتام". تلك البلد العجيبة التي لن تراها مجددًا ولن ترى عجائبها الكثيرة وغرائبها الأكثر. لم تحصل بعد على إجابات كافية لأسئلتها لكن قطع حبل الوصال. لم تعد هناك ولم تعد غوانتام. كان حلم وانتهى.
كانت تسير إلى مدرجها تلاحظ الأنظار التي تثقبها. حيث جلست على مقعدها والعيون تخترقها. الجميع يتطلع بها. لم تكن تفهم نظراتهم تلك وما الأمر. دخل الدكتور لتبدأ المحاضرة وينشغل الجميع بعيدًا عنها.
انتهت من يومها الدراسي وتوجهت إلى المقهى. ثم جاءت "سهيلة" وجلست معها وتبادلا التحية.
قالت "لينا": هو في حاجة في شكلي؟
لأ. لي؟
من الصبح والكل بيبصلي.
متهتميش بيهم. تلاقي عشان الصورة.
تعجبت كثيرًا وقالت بعدم فهم: صورة؟
إنتي مشفتهاش... انسي.
صورة إيه يا "سهيلة"؟
صمتت قليلًا وكأنها مترددة في إخبارها. أخرجت هاتفها ومدته إليها لترى صورة لها مع "معتز" وهما في المقهى. كانت تبتسم وكان هو ينظر إليها. لكنها تعلم سر ابتسامتها الساخرة ونظرته لها لم تكن سوى نظرة جدية ليجعلها تتحدث والنقاش بشكل جدي.
ما أثار ضيقها ذلك الكلام الذي على الصورة. يقال إنه حبيبته الجديدة للدكتور "معتز". من... أنا؟ حبيبتها.
أعادته إليها بضيق قائلة: مين اللي نزل الصورة دي؟
معرفش. هي صفحة مخفية.
لاحظت نظراتها. قالت: بتبصي كده لي؟ "سهيلة" إنتي كمان مصدقة القرف ده؟
لأ طبعًا. ده أنا عارفة إنكم مبطيقوش بعض. بس شكلكوا في الصورة.
إيه؟
علاقتكم اتحسنت. مقصدتش حاجة بس ده كويس. طلعتي ظالمة.
نظرت إليها تنهدت وأكملت: انسي. المهم اللي خد الصورة دي عايز يضايقك انتي.
عارفة. وعارفة هي مين.
مين؟
ياااار.
قالت بدهشة: معقول.
همشي عشان ورايا محاضرة.
لمى ابتسمت. قالت بتأكيد: دكتور "معتز".
هتحضري؟
آه هحضر. ومحضرش لي. مفيش حاجة تمنعني. إلا لو كان الكلام حقيقة.
ابتسمت "سهيلة" وصافحتها وهي تدعمها وكأنها سعيدة بها. ذهبت وهي تتوجه إلى المدرج. قابلت "معتز" ووقفوا أمام بعضهم. قالت: باين مضايق. أكيد عشان الصورة.
لأ. الكلام التافه مش بيفرق معايا. كنت عايز أشوفك انتي.
أنا؟
لي؟
أنا مليش دعوة بأي حاجة. معرفش الصورة دي اتاخدت إزاي.
اعتبرها مش موجودة. مش كلام الناس اللي ههتم بيه أنا كمان.
طالعها قليلًا ولم تفهم نظراته. ابتسم إليها بإعجاب قائلاً: مش مضايقة.
ابتسمت. قالت: لأ. وهضايق لي؟ اللي عمل كده اتفاجأ من تغيرنا. شكلهم عايزينك تطردني من محاضراتك تاني.
بادلها الابتسامة. وكان من يمر بجانبهم ينظرون إليهم. رمقهم "معتز" نظرة جعلتهم يسيرون أمامهم. عاد إليها قال: اللي عمل كده هندمه. وأنا هعرفه بطريقتي. يلا عشان المحاضرة.
أومأت بتفهم وذهبت معه. وجدت الجميع ينظر لها، بل ينظر لهم من دخولهم سويًا. لم تهتم وجلست متجاهلة أي أحد سواها. على الرغم من ضعفها وأنها طفولية قليلًا إلا أنها لا تحب أن تعطي فرصة لأحد بأن يقتص منها ويحصل على مراده. وإن كان قد أشعلها بحق فهي تستطيع إطفاء نارها بيدها كما أشعلتها أنت.
انتهت المحاضرة. جمعت دفاتري لأغادر.
مش كنتي تعرفينا إنك والدكتور حبيبين.
نظرت للمتحدثة. وكانت "يار" تنظر إليها وتبتسم ساخرة. لتكمل: إيه؟ كنتوا بتمثلوا علينا إنكم مش طايقين بعض عشان محدش يعرف.
قالت ببرود: غبية.
اتصدمت منها وقالت: بتقولي إيه؟ مين الغبية؟
لم أعيرها اهتمام وأكملت سيري. صرخت بغضب: لو مش قد الكلمة متقولهاش. جبانة.
سخرت منها ولم تلتفت إليها. عادت للمنزل. قبل أن تدخل جائتها رغبة في رؤية الحديقة. أو لتكون صريحة. تريد رؤية رماد الكتاب.
ألقيت نظرة وتعجبت كثيرًا. اقتربت وقفت في المكان ذاته. نظرت حولها وأنا أبحث عن أثر الحريق. أين بقايا الكتاب؟
لم يكن هناك أي رماد أو أي شيء يوحي باحتراق شيء هنا. هل ممكن أن يكون أخيها نظف المكان أو والدتها؟
دخلت إلى المنزل. توجهت إلى المطبخ. وجدت أمها تطهو. قالت: رجعتي من الجامعة متأخر.
المحاضرة طولت شوية.
أخذت زجاجة مياه الذي أتيت من أجلها وعادت لغرفتها. لكن وجدت الباب مفتوحًا. رأت "حسام" بالداخل. تعجبت ودخلت وهو لم ينتبه لدخولها.
قالت: واقف كده لي؟
نظر إليها نظرة غريبة ثم أعاد بنظره إلى شيء ما. اقتربت لترى ما ينظر إليه وأصابتها الصدمة من رؤية الكتاب. أجل، ذاك الكتاب الذي احترق البارحة موضوع على المنضدة في غرفتها.
كانت متصنمة لفرط دهشتها. سارت بضع خطوات تجاهه لتراه كما هو. لا يوجد به أي علامة توحي بلمس النار له. لا يوجد أي احتراق أو ما شابه. إنه سليم. إنه بأحسن حالاته. لم يتأثر بالنار. تلك النار التي تلتهم أجساد البشر وغيرها. لم تؤثر على كتاب وبضع أوراق.
عادت بنظراتها إلى أخيها الذي كان ينظر إليها وكأنه شعر بالخوف لبيه وبات يتقن أن الأمر لم يكن مزحة.
قال "حسام": مستحيل ده يكون مجرد كتاب.
بقيت مصدقني أكتر.
اللي بيحصل جنون. رعب بيتخطى الواقع.
نظر إليها. أردف قلقًا: بقيت خايف عليكي أوي يا "لينا".
صمتت لا تنكر خوفها أيضًا. إن لم تكن النار تقتلته. إذن هذا الكتاب لا يقتل. لا يموت. لن يتركها. سوف يظل يلاحقها إلى أن تفعل ما يأمرها به.
كانت مرتاحة قليلًا أنه لم يحترق. لكن شعورها مختلط بالخوف من ذلك الكتاب المليء بالأسرار.
قال "حسام": هنعمل إيه؟ مفيش حاجة نافعة معاه. الكتاب ملازمك. وكأنه كتاب ملعون وصب لعنته عليكِ.
مفيش فايدة. مهما أرميه أو أبعده عني بيجيلي. بيختفي ويظهر وقت ما هو عاوز. كأن فيه عفريت.
بعدين.
جلست بقلة حيلة وقالت: مش هنعمل حاجة خلاص. هكمل.
قال بخشة: هتكملي؟
أيوه. هشوف نهاية الكتاب وأي السبب من كل اللي بيحصل ده. مفيش قدامي حل غير كده. باين إنه مش هيسبني في حالي. كأنه أمر عليا.
تنهدت وهي تكمل: عاوزة برضو أعرف كل حاجة. فيه حاجات كتير معرفهاش لحد دلوقتي. طالما هكمل يبقى هاخد إجابات على أسئلتي.
عايزة ترجعي لهناك؟ ولو عملوا فيكي حاجة؟
هكون بخير. متخافش.
نظر إليها باستغراب من ثقتها. وكانت متعجبة أيضًا. لكن في كل مرة يحدث معها شيء. قبل أن يصيبها أذى، كان الكتاب يخرجها في الوقت المناسب. حينما تشعر باليأس.
الرجال وهم يلحقون بها. وبالصدفة بل من حظها السعيد أنها اصطدمت بالملك الذي كان يسير في السوق الذي سلكته. لقد كان السبب في إنقاذها من هؤلاء.
عندما أخذها الحراس وظنت بأنها ستعدم. فأتضح أنها ذاهبة لمقابلة الملك كما أرادت. سوف تكون بخير بإذن الله. لا داعي للخوف بل القوة والصبر والتحمل لأجل القادم. أصبحت لديها رغبة كبيرة في معرفة كل شيء. الكتاب، العالم، وهي... كل شيء تريد أن تعرفه.
في اليوم التالي كانت تمشط شعرها القصير وتضبط ملابسها للذهاب إلى جامعتها. دخلت والدتها. قالت: الفطار.
حاضر.
التقطت حقيبتها لتغادر. توقفت ونظرت للكتاب. تنهدت. أخذته وخافت أن تضعه في حقيبتها حتى لا ترتعب من رؤيته إذا ظهر مجددًا. فليكن معها أفضل. تتمنى ألا يطلبها وهي في الجامعة ثانيًا ويتكرر ذلك.
كانت جالسة في المدرج شاردة الذهن. كان يومها قد انتهى والجميع قد غادر عداها. شعرت باهتزاز في حقيبتها. دق قلبها سريعًا وفتحتها. لكنه كان هاتفها في وضعية الاهتزاز.
تنهدت ونظرت إلى الكتاب. فقد ظنت أنه يطلبها الآن. إنها لم تشعر بأي اهتزاز منه حتى الآن. أقفلت الحقيبة ثانيًا وهي تمسك دفاترها لتغادر.
أثناء نزولها من المدرج توقفت من دخول شخص. كان "يوسف" الذي طالعها. تعجبت لأنه لا يوجد أحد هنا. حتى "يارا" حبيبته غادرت. اقترب وأكملت سيرها هي نحو الباب. لكن وجدته يقفله. طالعته بشدة قالت: إيه ده؟
بقفل الباب.
إنت في عقلك؟ ابعد عايزة أمشي.
سمعت صوتًا واتصدمت أنه يمتلك المفتاح وقد أقفل جيدًا. اتصدمت: إنت بتعمل إيه؟
التفت ونظر لها نظرة لم تفهمها. ثم سار تجاهها. عادت للخلف. قالت: يوسف إنت بتغلط.
مش عايزة تعرفي الصورة مين اللي نزلها؟
نظرت له بعدم فهم. ثم اتسعت عيناها باستدراك: انت.
ابتسم. أومأ برأسه. قال: خدتها بزاوية حلوة. مش كده؟
كيف لم أفكر فيه. لم تكن "يارا" إذا. لقد كان هو. شعرت بالغضب الشديد لكن تمالكت نفسها: مش فارق.
مدت يدها قالت: المفتاح.
مفتاح إيه؟
إنت بتهزر. مفتاح الباب اللي حضرتك لسه قافله.
لأ. مهو مفيش مفتاح.
نعم.
نظرت له بعدم فهم. ثم وجدته يتجه إلى النافذة ويرفع يده التي بها المفتاح ويريها إياه. اتصدمت. ركضت تجاهه. سرعان ما قام برميّه للخارج. حاولت التقاطه لكنه قد وقع.
نظرت للأسفل بصدمة. التفتت إليه بغضب. قالت بغضب: إيه اللي انت عملته ده؟
إنتِ متضايقة ليه؟ بنتسلى شوية.
إنت شكلك اتجننت.
اقترب منها. رجعت لوراء. قال ساخرًا: ده عشان القلم يا "لينا". غلطتي أوي لما فكرتي إني ممكن تاخدي شهرة عن طريقي وبإهانتي.
إنت اللي غلطت.
غلطت؟
آه. مسكت إيدي وأنا قولتلك ابعد من وشي.
ابتسم ولم تفهم ابتسامته. نظر إليها قال: بتتريقي عليا ولا على نفسك؟ ضحكتيني بجد.
إنت اللي بتغلط دلوقتي.
أنا مبغلطتش. اعتذري دلوقتي وبعد كده قدام الكل وأفكر أسامحك ولا لأ.
ضحكت وهي تقتل: أحلام اليقظة دي مبتتحققش.
مش مشكلة. نحققها.
استغربت. طالعته بعدم فهم. ليكمل: كمان شوية هيجي حد ويفتح. ولما يشوفنا إحنا الاتنين محبوسين مع بعض... ولوحدنا...
نظر إليها بمكر وقال: تفتكري شكلك هيكون إيه بعد ما كنتي حبيبة الدكتور امبارح وانهاردة معايا أنا؟
انتابها الغضب كثيرًا من خطته الحقيرة. قالت: إنت واحد زبالة. وتفتكر أنا هخاف من الهبل اللي قولته ده.
لازم تخافي يا "لينا". القلم ليه حساب كبير أوي زي مسكة الإيد. يلا قرري. بعد خمس دقايق الباب هيتفتح ونكون في موضع مش لطيف.
التفت حين قال ذلك تاركًا لها الأمر. ركضت إلى الباب. قامت بضربه بقوة وصرخت وهي تطلب النجدة أو أي حد يسمعها. أمسكها بقوة ودفعها بعيدًا عن الباب وقال غاضبًا: محدش هيفتح الباب دلوقتي. هيتفتح في الوقت اللي أحدده.
أنا عايزة أخرج من هنا.
قولتلك اعتذري. الحل في إيدك.
وأنا مش هعمل كده. اللي مفروض يعتذر هو إنت مش أنا.
شرير.
نظرت له بغضب من سخرية. تقدم منها. قال: منكرش إنك عجبتيني في رفضك ليا الأول. حتى كلامنا كنتي بتقصريه عكس أي بنت. بس إنتي زودتيها أوي.
طب افتح الباب ده.
لأ. لسا فاضل شوية.
طالعته بغضب شديد من المخطط الذي افتعله لتشويه صورتها. كان سعيدًا من تضايقها وكأنه يستمع بذلك. بالفعل أشعر وكأنني سأعتذر. لا أريد مشاكل أكثر من هذا.
نظرت إلى الباب بشدة وأرجو أن أحد يقوم بفتحه. أي حظ أو لعل معجزة تحدث.
وجدت المقبض يتحرك وهي تتمعن النظر ومن ثم افتتح الباب. أصابني الذهول وكنت خائفة. هل هذا هو الوقت الذي هددني "يوسف" به؟ لكنه كان أيضًا واقفًا ينظر إلى الباب بشدة.
ذهبت سريعًا وفتحتها. لكن لم يكن هناك أحد. وهذا ما صدمها أكثر. التفتت يمينًا ويسارًا في الممر لا يوجد أي أحد هنا.
نظرت إلى "يوسف" الذي تحولت تعبيراته إلى الضيق وينظر إلى المقبض: إزاي الباب اتفتح؟
ذهب وألقى نظرة عبر النافذة ليرى المفتاح راقدًا على الأرض في الأسفل. عاد بنظره إليها بصدمة كبيرة قال: الباب متفتحش بالمفتاح أصلًا. فتحتيه إزاي؟
إنت غبي. وأنا هفتحه إزاي؟ بس تعرف بشكر اللي فتحه وخلصني من واحد زبالة زيك.
ذهبت سريعًا لتغادر. أمسك ذراعي بقوة. نظرت إليه بشدة وقلت بانفعال: إنت اتجننت. ابعد إيدك. عايز إيه تاني؟
كنتي عارفة مش كده؟ في حد ساعدك؟
مقولتلك معرفش حاجة. هقعد معاك ده كله لي؟ حبا فيك؟
اعتذري.
مش هعتذر على حاجة أنا مغلطتش فيها.
مش هسيبك.
اقترب منها وأردف: نجدي المرة دي. المرة الجاية لأ. اعتذري أحسنلك.
كانت عيناه تشتعل غضبًا وهي تنظر له بضيق شديد: إيه اللي بيحصل هنا؟
نظرنا إلى الصوت. وكان "معتز" الذي نظر لي وإلى "يوسف" ويده التي تمسك بذراعه. أبعده عني بحدة وقال: إنت إزاي تمسكها كده؟
نظر "يوسف" إليها. وقف "معتز" في وجهه وقال: أنا مش بكلمك.
ابتسم وهو يقول: متخافش عليها يا دكتور. إحنا كنا بنكلم بس. مجرد نقاش بين زملاء... ولا إيه يا لينا؟
رمقته بغضب. ابتسم وكأنه يتواعد لي. قال: أشوفك بعدين. عن إذنك يا دكتور.
ذهب بينما "معتز" ينظر إليه. التفت إليها وقال: إنتي كويسة؟
أومأت له إيجابًا. نظرت إلى وجوده هنا. قالت: إنت اللي فتحت الباب.
باب إيه؟
باب المدرج. إنت اللي فتحته من شوية.
لأ. هو كان مقفول؟ لسا الجامعة مبتقفلش دلوقتي!
تعجبت كثيرًا وقالت: إزاي... لما إنت مش هتكون مين؟
مش فاهم قصدك. إيه حصل حاجة؟
ل..لأ. مفيش.
كيف إذن هو لم يفتحه؟ هل سترى عجائب على أرضها أيضًا؟ كانت تشعر بالريبة من تذكر ما حدث معه. تتذكر أنه فتح فجأة. وعندما خرجت لم تجد أحد. من فتحه؟ لماذا شعرت بأنه فتح من تلقاء نفسه؟
على الطريق توقفت. نظرت إلى "معتز" قالت: شكرًا.
بتشكريني على إيه؟ أنا مشيت معاكي لحد الطريق عشان رفضتي أوصلك.
مفيش داعي. باخد تاكسي.
أوما إليها بتفهم. لاحظت وجوده. قالت: مش هتمشي؟
أما تركبي.
تحرجت. قالت: تمام. إلى تشوفه.
في حاجة عايزة تقوليها يا لينا؟
حاجة إيه؟
"يوسف" كان بيعمل معاكي إيه؟ ضايقك؟
شعرت بالضيق من التذكر. قالت: متهتمش.
تعجب منها لكن صمت. فهو لا يريد إلقاء نفسه عليها. قال: بقيتي عاملة إيه؟
فهو يتذكر خوفها في ذلك اليوم. قالت: الحمد لله أحسن.
لسة مش عايزة تقوليلي الحقيقة؟
نظرت له من اهتمامه وأنه لم ينس حديثهم بعد. قالت: مهتم لي؟
تقدر تقولي موضوع شخصي.
توقفت عند هذه الجملة. قالت: شخصي من إني ناحية؟ مظنش إن علاقتنا شخصية أصلًا. أو إنك تهتم بيا.
بس أنا مهتم بيكي.
صمتت وابتلعت كلامها. نظر إليها. والتقطت أعينها. توترت ونظرت أمامهم. ولا تفهم ما يعنيه. لكن فقط تريد إنهاء هذا الحديث.
قالت "لينا": "معتز".
نعم.
تصدق إن فيه عالم غير ده؟ وناس غيرنا؟ وأرض غير اللي إحنا عليها؟ وبيطلع إن مش إحنا بس اللي عايشين على الكوكب ده؟
رجعتي تهزري؟
لي بتقول كده؟
ده كلامك. أنا عن نفسي اعتبره كلام جدي.
تمام. أنا بتكلم جد. لي إنت صدقته يومها؟
ومصدقتوش لي؟
تاني. قولتلك إنت بالذات لأ. دكتور علم لي تصدق خرافات؟
فيه نظرية بتقول إن الكون هو دروب من العوالم المختلفة. كل واحد ليه عالمه. زي الجن مثلا.
صمتت من ما قاله وهي تردد: عوالم، دروب.
نظر إليها. قال: أي سر أسألتك؟
توقفت سيارة أجرة عندهم. وقفت في اللحظة المناسبة. كانت سوف تذهب. أمسك يدها يوقفها. نظرت له. قال: مجاوبتيش؟
المرة الجاية، أوعدك. هجاوبك.
صمت. نظرت إلى يدها. تركها بحرج. دخلت وذهبت مع السائق وهي تنظر إليه عبر المرآة. تنهدت ونظرت أمامها.
وصلت إلى منزلها. وفور دخولها إلى غرفتها ارتمت على السرير بتعب من ذلك اليوم المرير: إيه كل اللي بيحصلي ده؟ عقلي هيتجنن أكيد.
تنهدت تنهيدة عميقة وذهبت لتغير ملابسها. لكن توقفت عندما شعرت بشيء ما. التفتت الحقيبة سريعًا وهي تخرج الكتاب.
إنه هو. إنه يهتز. إنه يطلبها. سيذهب بها لهناك ثانيًا. لكن لحظة. انتظر. ما زالت تشعر بالخوف للعودة. أين سوف تكون؟ ماذا سيحدث لها؟ إنها الآن في نظرهم هاربة. أجل، بالفعل.
سمعت صوت اللحن الذي تسمعه يصيب مسامعها بنوبة من الحزن لسامعه ويشعرها بأن خلف هذا اللحن آلام كثيرة. ومواجع مدفونة بداخله. الخذلان، الخيانة، الوحدة، الفقدان.
ذلك اللحن لاول مرة تتدفق في صوته ويظهر بوضوح. إنه يعني الكثير. بدأت غشاوة تطلى على عينيها ولم تعد تشعر بجسدها. فإذا بها تتلاشى.
فتحت عينيها لتجد نفسها داخل ذات القفص. اعتدلت وهي تضع يدها على رأسها: إنها هنا.
سمعت ذلك الصوت. نظرت للمتحدث. وجدته حارسًا. أتى حارس آخر واندهاشوا لرؤيتها. اقتربوا منها بحنق: هيا أيتها المجرمة الهاربة.
كما توقعت. لقد ظنوها قد هربت. أمسكوها من ذراعيها. قالت: ابتعد. أنا لم أهرب.
أخذوها بقوة رغمًا عنها. تألمت وسارت معهم. قالت بتساؤل: إلى أين تأخذونني؟
إلى سجن آخر. حتى لا تستطيعي الهرب مجددًا.
أيها الأحمق. كيف لي بأن أهرب ثم أعود لزنزانة ثانية؟
توقفوا وهم ينظرون إليها بشدة: ساحرة.
قالت باستغراب: ماذا؟
إنكِ ساحرة. مثلما كسرت العصا بدون فعل فاعل. إنتي مشعوذة.
أصدمت من ما يقولونه وقالت بغضب: لا يوجد شيء كالسحر يا أغبياء.
تلقيت صفعة على وجهي. أتعبتني بشدة. ها لقد عدنا للجحيم.
قال بغضب: تعطينا بلاحمقان صم الأغبياء وتغضبين. من تظنين نفسك؟ إنكِ مجرد مجرمة. لا يوجد أحمق هنا غيرك. الجميع هنا سحرة. ليس بشيء غريب لعبيد مثلك فتستخدمون هذه الأشياء.
جمعت قبضتي وقلت بغضب: أنا لست عبدة. اسمعت.
فتلقيت صفعة أقوى من الذي قبلها. أوقعتها أرضًا. وضعت يدها على وجهها بتألم وسالت دموع من عينيها: تحدثي جيدًا كي لا تندمين.
سالت دمعة رغمًا عنها. أعادوها لتقف على قدميها وذهبوا بها.
قالت "لينا": أريد رؤية الملك.
من تظنين نفسك ليراكِ ملكنا العظيم. أتظنه سيتفرغ من أعماله لكِ؟
أخبره أني أريد التحدث معه ورؤيته.
لم يرد أحد عليها. قالت: فقط أخبره عني.
نظر إليها. خشيت أن تضرب مجددًا. لكنه قال: الملك ليس هنا. سوف يعلم بعدوتك على كل حال. ويعاد الحكم عليك لينتهي أمرك.
صمتت ولم تتحدث. فكان وجهها يؤلمها كثيرًا. كانت تسير في ممر غريب ومظلم. ثم توقفت عند قفص آخر ودفعوها بداخله. وكانت ظلامًا حالكًا. لا يوجد أي نافذة. لا يوجد أي ضوء.
أقفلوا الباب. ركضت سريعًا وضربت الباب: أخرجوني من هنا. مبعرفش أقعد في الظلمة.
لم يرد أحد عليها. أردفت بصوت مرتفع وهي ترجوهم: أرجوكم أخرجوني من هنا. أعيدوني لسجن آخر. لن أفعل شيئًا.
اصمتي.
ضربت الباب بقوة وقالت: افتحوا هذا الباب. لا أستطيع البقاء هنا.
لم تجد ردًا. ضربت مجددًا وهي خائفة وتطلب منهم فتح الباب. لكنهم لا يعيروها أي اهتمام. ظلت هكذا لمدة تعافر، تترجى، وتغضب دون جدوى.
جلست عند الباب بتعب وهي تنظر إلى الظلام الذي يحيط بها. كانت الدموع تجف في عينيها المفتوحتان. وبرغم ذلك لا ترى أي شيء.
كانت في رعب من أمرها. غير قادرة على الصمود. تشعر بأن أنفاسها على وشك أن تقطع بسبب حالة الخوف لديها. أكره أن أكون هكذا. لطالما كرهت خوفي من الظلام الذي يجعلني ضعيفة وأشبه الأطفال. مثل الآن لم أتوقع أن يأتي يوم وأبقى داخل ظلام فقط. سواد. سواد يحيط بي. لينقذني أحد. يا الله أعلم أنك تستمعني لتعطيني الصبر.
بدأت دقات قلبي تخفض. وأنفاسها تأخذها بصعوبة وتحاول استعادة بعضًا منها. صدر صوت خلفها. إنه صوت الباب يفتح. وطل ضوء تلك الشعلة أخيرًا.
نظر إلى الحارس. قال: هيا.
إلى أين؟
لم يجاوبوا. وكأنهم لا يتحدثون فيما لا يعنيهم. ذهبت معهم في صمت ولم تتحرك أو تتفوه بكلمة. تسير معهم على خطياهم بضعف. وأنفاسها لم تعتدل بعد.
كانت كالتائهة لا تعلم أين يأخذونها. لكن وجدتهم يبتعدون عن ممر السجناء وذلك الممر المظلم لتخرج إلى الضوء. الأضواء الكثيرة وأنوار القصر الذي يعم وجماله الذي بدأ بظهور. فكان ذلك الممر شيئًا منفصلًا عن القصر للمجرمين الذين يعتبرونها مثلهم. أعرف ذلك الطريق جيدًا. لقد مررت به من قبل.
توقفوا أمام الباب الذي تعرفه جيدًا. لقد كان آخر شيء خرجت منه منذ الاختفاء الأخير. إنه ذات الجناح الملكي الضخم الخاص بذاك الملك.
مولاي بالداخل.
كان أحد الحراس الذين يمسكونها يخاطب الحارسين الواقفين عند ذلك الباب. أومأوا وأجابوا وفتحوا الباب. أخذوها للداخل. وكانت تريد أن تجعلهم يتركونها. قبضتهم تؤلمها أكثر مما هي عليه. هل ستهرب وهي بتلك الحالة؟ أنا في هلع وخوف من أمري. لترحمني. أنا لست معتادة على ذلك الجحيم.
رأيته واقفًا بعيدًا عند مرآة كبيرة. جميلة. بل لاحظت أنها مرصعة بالجواهر وتنير بانعكاس الضوء عليها. كان هناك حاشية ينظمون ملابسه ويساعدونه على ارتداء هندامه الملكي. نظر إليها عبر انعكاس المرآة: مولاي.
قالها الحارس وهم ينحنون إليه بجلال. أشار إلى الحاشية ليبتعدوا عنه. التفت وثقبها بعينيه. تلك الأعين الرمادية. مالي أتعلق بها.
كانوا ينحنون إليه بينما هي لا. إنها غير قادرة على الانحناء. تريد الجلوس فقط. هل يسمح لها؟
لقد أحضرناها كما أمرتنا.
قالها الحارس وهو يخفض رأسه. سار تجاهها ليقف أمامها مباشرة. لاحظت أعينه عليها وعلى ملابسه. نظر إلى يدي الحارسان فتركوهها فورًا وهم يبتعدون للخلف.
ارتخت قدماها. أدت أن تقع لتلف أعصابها. لكن وجدت يد تمسك بها برفق. رفعت وجهها لترى وجهه عن قرب. عن قرب بشدة. تدفقت في عيناه. شعرت بأنها تنوم تنويمًا مغناطيسيًا بمجرد النظر إليهم: إنني بخير.
قال ذلك بصوته الرجولي. أبعدت عينيها لتعود لرشدها. اعتدلت وأسندت نفسها بضعف وقالت: آسفة. لا أقصد. أريد الجلوس إذا سمحت.
أشار بإصبعه على مكان وضعية جلوس كما في القدم على الأرضية. ويوجد مراتب مرصصة بطريقتهم الخاصة.
ذهبت وهي تسير ببطء. فور اقترابها وقعت. لكن أسندت على راحة كفيها. كانت الجلسة مريحة للغاية. اعتدلت لترى ممن يقف أمامها. رفعت عينيها إليه وهو يقف أمامها: لماذا عدتي؟
ليس بيدي.
هل علمتِ بالأمر الذي أصدرته فجئتِ خوفًا؟
لم أسمع بأي نبأ وعن أي إصدار بشأني. ولم أخف لأنني لم أهرب.
ماذا تسمين ما حدث؟
أخبرتك أني أعود لدياري فقط. وهو عالمي الذي حدثتك عنه. وأظنك علمت باختفائي داخل السجن المقفل وظهوري كان بها أيضًا.
نظر إليها قليلًا. ونظرته لا تعلم هل هو يصدقها أم لا. فهو لا يبدي أي اندهاش أو ذهول أو نعته بالمجنونة حتى لحديثها عن عالمها. أنه لا يمتلك مشاعر تظهر على وجهه. هادئ الوجه والتعبيرات دائمًا.
لماذا تنظرين لي هكذا؟ أنا لا أكذب. لو كنت هاربة بالفعل لما عدت وجعلتكم ترونني. لكني لست كذلك.
انحنى إليها وهو يصبح أمامها مباشرة. قال: تعلمين عقوبة الكذب هنا ماذا؟
نظرت له ونفت برأسها. لكن لحظة. هل يظنها تكذب؟ قالت: لكنني لست كاذبة.
سأحاول تصديقك. ما هو عالمك الآخر؟
كانت سوف تتحدث. لكن صمتت من وجود الحارسين والحاشية. لا تعلم هل تتحدث أمامهم أم لا. لماذا تثق بذاك الملك ولا يوجد داعي للخوف من إخباره. لكن هو فقط. لا أحد غيره. تشعر بانجذاب وطاقة عجيبة برؤيته.
قال دون أن يلتفت إليهم: للخارج.
أومأوا له فورًا وغادروا وكأنهم كانوا ينتظرون أمرًا منه. أصبحت معه بمفردها داخل ذلك الجناح الكبير.
لن يعلم أحد غيرك. لتعديني بذلك. لا أعلم إن كان علي بأخبارك أم لا. لذلك عديني بأنك بأنك لن تخبري بأي أحد.
نظر إليها ليقول بصيغة الأمر: تحدثي.
لم يعدها بل يأمرها وكأنه لن يفعل ما تقوله. هل ارتكبت خطأ في إخباره بحقيقتها؟ ولم تسأل العجوز بعد أن كان بإمكاني إخبار أحد أم لا. وليس أي أحد. إنه الملك.
قالت "لينا": هل ستخبر أحد؟
قاطعني بحدة. قال: هيا.
لن أتحدث. لتعدني أولًا. لن يحدث شيء بذلك الوعد. عدني وسأخبرك ما أعلمه.
تأكدت أنك لستِ من هنا.
وكيف علمت؟
عنادك معي. إن كنتِ تعرفينني لما بقيتِ واقفة هكذا أمامي. لتتحدثي.
شعرت بنبرته التي تملأها التحذير. لكن عينه كانت تطمئنها. تنهدت. قالت: عالمي ليس على تلك الأرض أو في هذا العصر والزمان. إنه عالم بعيد كثيرًا.
وكيف جئتي؟
كتاب.
كتاب؟
أجل. لا أعلم حوله الكثير غير أنه كتاب غريب وجدته في مكتبة في إحدى الليالي وأدخلني لهنا.
أردفت ساخرة: فور وصولي وجدت من يأخذني بالقوة ويعرضني للبيع.
مد يده تجاهها. شعرت بالخوف من أن يصفعها. لكنه أمسك وجهها برفق وأداره قليلًا. تألمت. قالت: ماذا؟
جروحك طابت. كيف عاد هذا؟
إنه منذ بضع ساعات. جنودك لا يرحمون أحد.
هل قسوا عليكِ؟
دق قلبها بل تسارعت دقاته من سؤاله. نظر إليها. قال: أعدك أن يعاقبوا على فعلتهم.
تركها وهي لا تزال تنظر إليه. قالت: سوف تعاقبهم على عملهم. لعلى كنت حادة بعض الشيء.
للنساء معاملة خاصة. وإن كانوا مجرمين. العقاب على تحركهم دون أمر مني. هنا لا يوجد حر.
تقيدهم بأوامرك. لا أحد يتحرك دون إذن منك.
هنا يوجد نظام. إن حدث خلل واتبع كل نفس حريته، أصبحت تلك الأرض بركة دماء.
نظرت له باستغراب. قالت: هكذا تسير حكمك؟
لا يزال أمامك الكثير يا "لينا".
شعرت بصدمة كبيرة وهي تنظر إليه: ماذا قلت؟
سماع اسمك يستحق كل تلك الصدمة.
عرف.. عرفته إزاي؟
رفع عينيه إليها وتقابلت عيناها التي ارتجفت خوفًا: إ..إنت.
كانت مصدومة وهي تحدق فيه. مهلاً، ما هذا الذي حدث... لقد تغير لون عينيه.
سراب غوانتام.
بارت تاني أهو💗💗. تفاعلوا عشان متقفش.
•
رواية سرداب غوانتام الفصل الثامن 8 - بقلم نور
نظر إليها واول ما عينها جت فى عينه دق قلبها بسرعه واتصدمت لما لقت لون عينه تحول فجاه ومال للبياض.
نظرت له بشده وقالت: عينك!
لتجدها عادت فى لحظه. تعجبت كثيرا.
اقتربت منه وهى تنظر فى اعينه بشده: انتى بخير؟
عينك لقد تحولت للون ابيض.
للتطالعته لكنها لم تكن سوى اعينه الرماديه الجميله التى تجذبها فى طرفة عين.
نظر إليها من نظراتها قال: اتحاولين التقرب منى؟
أفاقت على تلك الصاعقه. انتفضت بعيده عنه قالت: لا طبعا، أنا...
تنهدت قالت: اسفه ان كنت تطفلت عليك، لابد انى كنت اتخيل.
كانت محرجه من ما قاله وغاضبه انها لم تستطع الرد من سوء ظنه بها.
عل كان ظاهرا عليها نظراتها الفاضحه: تستطيعين الذهاب.
هل سوف اعود لذات السجن، اخبرهم ان يشعلو لى اى ضوء.. اخاف الظلام.
صمت قليلا وهو ينظر اليها ولم تفهم نظرته حتى قال: لن تعودى لهناك.
قالت بدهشه: حقا هل سوف اخرج من هنا؟
لا ستبقين.
لماذا؟
لا يزال هناك الكثير، غدا نكمل حديثنا عن عالمك وذلك الجنون.
استوقفت جملته قالت: جنون، قصدك اى؟
نظر لها تضايقت وقالت مغيره الموضوع: حسنا اين سوف ابقى إن لم أعود الزنزانه أو اغادر؟
هناك من يدلك.
تعجبت من قلة كلامه وهدوءه المباغت ذلك، لا يوجد احد غيرهم من يقصد هذا.
التفتت لتغادر لكن توقفت ونظرته له بشده قالت: لم تقول لى كيف عرفت أسمى؟
أخبرتك انى كنت أبحث عنك.
ثم ؟!!
صديقتك فى العمل.
غابينه، هل اخبرتكم عنى؟
أومأ اليها ايجابا.
افتتح الباب. التفت وغادر وكأنه يعلن انتهاء لقائهم.
شعؤت بالحنق منه، ذلك الرجل غريب الأطوار بارد الوجه.. لكنه وسيم جدا.
فور خروجها من عنده وجدت امرأه وفتاتان فى انتظارها.
نظرت اليهم باستغراب من شكلهم قالت: هل تريدون الدخول؟
قالت المرأه: اتبعيني.
ذهبت نظرت حولها متسائله هل تحدثها هى.
أومات الفتاتان ايجابا.
ذهبت خلفها تحت صمتهم المريب.
نظرت إلى من خلفها وتلك المرأه التى تتقدمها.
كانت ملابسهم رائعه وجميله وجسدهم مناسق لتلك الملابس.
نظرت حولها إلى الطريق وكأنها تتعرف على ذلك القصر الذى يثير دهشتها من براعة تصميمه.. ليس كاميرات ديزني اظن انه أجمل...
ضحكت داخلها كانت تحاول التخفيف على نفسها قليلا، هذا اول شيء جيد حدث لها حيم أخبرها انها لن تعود إلى ذلك السجن ثاني، لقد حلت العقده..
إلى أين تذهب، اين يأخذوها هؤلاء.. هل سوف أصبح فى تلك الساعه الكبيره الخاصت بجوارى القصر.. لكن ذلك الطريق لا تعرف.. الطرق كثيره هنا وكأنها لو سارت بنفردها ستضل طريقها.
وقفو عند غرفه أشارت اليها المرأه فتبعتها لداخل.
كانت غرفه جميله مساحتها كبيره، تأخذ غرفتها وغرفة اخيها الكبيره فهى تنتظر زواجه لتأخذها، ان راى اين هى الان لحقد عليها... كم مساحة وكبر ذلك القصر كم ارتفاع يبلغ كيف بنا وتأسس بتلك البراعه.
قالت المرأه: تحتاجين شيء ما؟
قالت بعدم فهم: هل سوف ابقى هنا؟
اجل، الا تعجبك؟
لا انها جميله للغايه.
جيد، بشرى ونائله سيكونا رفيقيك.
نظرت الى الفتاتان بعدما عرفت القابهم: لتستريحى.
قالتها المرأه لتغادر وتبقى ها.
اقتربت من السرير الكبير الموضوع على فراش وضعت يدى وتحسيته كان الفراش ناعم وقماشته ملساء.. أنه من الحرير.
ابتسمت فكان مريح للغايه، ممن صنع هذا، هل هو ريش النعام كما قرأت فى القصص.
طرق الباب كانت سوف تذهب لفتحه وجدت نائله تذهب هى وتدخل امرأه تحمل حقيبه وترتكى زى ابيض: جئت لفحصك سيدتي.
تعجبت قالت: انا، لى.. أنا بخير.
هذه أوامراوامر؟! من!! ... تذكرته وهو يمسك وجهها ويخبرها تلك الجمله الذى أثارت نفسها"للنساء معامله خاص وان كانو مجرمين"انه يحترم النساء يتبع نظام داخل القصر وخارجه، تتذكر ضيقه حينما اخبرته جنوده واخبرها انهم سيعاقبهم على هذا.. لماذا سعدت من كلامه وكأنه مهتم بها.
كانت الطبيبه تفحصها وتضع شيء رطب على وجهها، كان مرهم اعشاب وتمسك زراعيها ان كان هناك اى الم اخر، خاضت لفحص كامل وبعدما رحلت الحكيمه تنهدت.
قالت بشرى: سيدتي هل نحضر لك بغض الماء؟
لا شكر.
توجهت الى ذلك السرير الذى يشدها اليه، مددت جسدها وهى تستلقى معتدله فى نومتها لتخلد لنوم عميق وهى تحتضن الوساده.
امام ذلك النهر كانت تقف عند حافته والسماء تمطر فوق راسها بغزاره.
كانت تنظر حولها لم يكن هناك أحد سواها، كانت الارض قاحته، جرداء لا يوجد بها اى زرع وكانما هناك من جردها من رداءها الأخضر الجميل.
كان المكان مريب الشكل الرياح تطيح بها وكأن لا يوجد انس حى على هذا المكاناين ذهب الناس.. ماذا حل بهم..ماذا اصاب البلادتتقطر مياه من وجهها وقد تبللت كاملا.
انحنت على قدميها امام ذلك النهر وكانت تشعر بالظمأ الشديد، مدت يدها وهى تحمل الماء لتشرب منه لكن لم يكن يكفى حاجتها، كانت تشرب كثيرا.
سندت يدها لتجد شيء ما اسفل الماءاقتربت وهى تلقى نظره لم ترى انعاكسها بل رأت فتاه اسفل الماء تنظر إليها باعينها الثاقبه وتلك العلامه المرتسمه على جبهتها مثلما التى تمتلكها هى.
اتسعت اعينها حين وجدتها تخرج من الماء وتمسك بها لتسحبها لقاع النهرانتفضت فزعه من نومتها على صوت فتاه تربت عليها: سيدتي انتى بخير.
لقد كانت "بشرى" و"نائله" ينظران اليها بشده.
انها داخل تلك الغرفه، تذكرت البارحه وما حدث معها.
أعطت "نائله" الماء اخذته منها وهى تستعيد نبضها الطبيعىلم تكن تشعر بعيالها التى تؤلمها ككل يوم تستيقظ فيه على هذه الارض، انها لاول مره ترتاح فى نومتها بسبب ذلك الفراش الرفاهي، حتى سريرها لم ترتاح عليه هكذا ... تشعر بأنها لم تكن لتستيقظ من نومها سوى بذلك الحلم الغريب.. تلك الفتاه التى راتها فى نهر.
لقد رأت ملامحها فى ذلك الحلم جيدا، اذا لم تكن توهم شكل فتاه ما عند ذلك النهر، بل هذا ما راته فعليا، لكن من تكون.. لماذا تراها.
اريد مرآه.
قالتها وهى تبحث عنها احضرتها اليها "نائله" التقطتها وهى تنظر الى نفسها، ابعظت خصل شعرها من جبهتها لكن لم يكن هناك شي.. لم يكن مرسوم ذلك الوشم البتا، انه غير موجود لكن لماذا تراه.
قالت "بشرى": انتى بخيراومات لها ايجابا، برغم هذا الحلم الذى يشعرها بشيء من القلق: موعد الفطور سيدتي.
اجل حسن.
الكم تكن جائعه، الجلوس براحه هو الشبع عندها.
فتح الباب ليدخل خادمان اعتدلت لكنهم يخفضون رؤسهم يحملون صينيه بها الطعام وضعوها على الطاوله ثم غادرو وهم لا يزالون مطأطين رؤسهم وكأنهم لا يحق لهم النظركانتن تشعر بالحر علمت انه من جاكيت الخاص بها خلعته وجلست بملابس العاديه بما ان لا يوجد من يقتحم غرفتها ، كانا الصفوتان ينظرون الى بعضهم بأستغراب من ملابسها.
قالت "لينا" وخى تنظر حولها: اين اضعه؟
اخذته "نائله" منها.
بدأت فى الاكل كانت رائحه الطعام شهيه، انهم يطهون ويعدون طعام جميلا فميف اذا طعام طهاه القصر، تريد ان تتعلمه فهى تحب الطبخ والأكلات المختلفه كثيرا.
من اين لكى بهذه الملابس؟
كانة "بشرى" المتحكثت خفضت راسها مردفه: اسفه.
قالت باستغراب: على ماذا تتأسفين؟
لا يحق لى سؤال.
لا تقولى هذا ... هذه الملابس نرتديها فى بلادى.
قالت "نائله": واين تلك البلاد؟
انها بلاد بعيده لن تعرفيها.
أومأو برأسوهم بتفهم قالت "بشرى": لا أعتقد انها افضل من بلادنا، نحن نفوق البلدان الاخرى تقدما.
قالة "نائله": بالطبع اننا فى الازدهار، ليدوم مولاي لنا.
قالت "لينا" وهى تأكل: تحبون مالككم كثيراقالت "نائله": من يقول غير هذا؟! انه يحمل مسؤوليتنا فوق اكتافهه، غوانتام بأكملها تعظمه لاعماله العظيمه.
صمتت وهى ترى اخلاصهم له، انه نفس كلام "غابينه" انها قالت عنه انه ظالم برغم انها عبده وتعرضت للضرب مثلها لكنها تحبه وكانت حاده معها فى الكلام عنه.
قالت "لينا": اريد الخروج.
نظروا إليها وقفت بعدما انتهت من كلامها لتغاظر اوقفتها "بشرى" قالت: الى اين سيدتي؟
سوف اتجول قليلا فى القصر، اريد رؤيته كثيرا.
لكن هذا غير مسموح.
لماذا؟
قالت "نائله": لم ناخذ امر بهذا.
اتعنى اننى لا يجب ان اخرج من هنا الا حين يعطونونى موافقه بهذا؟
اعتذر سيدتي.
تمام مش مهم ادينى قاعدهنظرو إليها جلست وهى تشعر بالضيق لأنها متشوقه لمعرفه ذلك القصر، لا تريد الجلوس بين الاربع جدران.
حل المساء وهى جالسه فى غرفتها لا تفعل شيئا، حتى لا يوجد كتاب تقرأه للكسر هذا الملل.. نا هو الحدث القادم الذى سوف يعيدها الى عالمها.. هل هى تريد العوده تلك المره ام لا.
قاطع ذلك الصمت طرقات الباب لتدخل ذات المرأه الذى احضرتها إلى الغرفه البارحه.
قالت "لينا": هل يمكنني الخروج؟
حمامك جاهز.
لكنى لم أطلب الاستحمام.
انها العادات.
تعجب منها عن اى عادات تتحدث، نظرت لها بعدم فهم نظرت الى "بشرى" و"نائله" بتساؤل فهم اصبحو بمثل رفيقتاى بلفعل فتحدثت معهم كثيرا واخبرونى عن حياتهم وكيف جاؤو للقصر واصبحو جوارى وكان هذا رحمه لهم مما عانو به طيله حياتهم.
وصلو إلى مكان لم يكن به احد غيرهم دخلت تلك المرأه واشارت لها تبعتها وجدت حوض كبير ملئ بماء الورد، وأوراق الزهور تطفو على سطحه.
سمعت صوت التفت لتجد الباب يقفل عليهم وايادى تمتد نحوها عادت للخلف قالت: ماذا تفعلون؟
قالت "بشرى": سوف نساعدك فى خلع ملابسك للاستحمام.
لا اريد.
لكن سيدتي...
استطيع ان افعل ذلك بمفردي.
تقدمت المرأه وقفت أمامها قالت: هل هناك مانع لمساعدتهم لكى؟
لا احتاجه.
نظرت اليهم تنهدت ثم قالت: هل تحتاجين شيء نحضره لكى؟
لا شكرا.
لتبدأى اذا.
خلعت ملابسها ونزلت رويدا داخل هذا الحوض ذو رائحة الورد الجميله، اعجبها ذاك الحمام الدافئ كانت تضع الورود على جسدها وتضحك هى تنظر إلى رفيقيها الذان يبتسمان عليها قالت: هل تستحمون هنا دوما؟
لا انها المختارة لليله فقط من تأتى لهنانظرت لها باستغراب قالت: عن اى ليله تتحدثين.
سبحت إلى النهايه وهى تبعد شعرها المختلفه قالت: شبه الجاكوزي.
كانت تلهو بين الماء وتحرك قدماها الكحوريه وتمرر الورد على بشرتها الناعمه، عندما انتهيت وخرجت من الماء اقتربو منها بالمنشفه حول جسدها جيدا ثم توجهو إلى غرفة اخرى.
رأت مرآه كبيره ترى نفسها من خلالها، مدو اياديهم ثانيا اليها ابتعدت قائله: ماذا هناك ايضا؟
نساعدك فى تبديل ملابسك.
استطيع فعل ذلك.
لكننا هنا لمساعدتك.
لا داعى تستطيعو الخروج وبعد قليل سوف أناديكم.
أومأو برؤسهم وخرجو بعدما اعطوها الفستان بنفسجي اللون، كان جميلا للغايه وطيرزه أجمل لكن رأت تلك الشق الذى من الأعلى..
قالت ساخره: الحلو مبيكملش.
نادتهم دخلو اليها ليجدوها كما هى لا ترتدى شيئا بعد، قالت: احضرى لى ملابسي.
حلت المرأه من خلفهم افسحو اليها قالت: ما الامر لماذا لم تنتهى بعد؟
لن ارتدى هذا، هل لى بملابسي من فضلك.
ولماذا لن ترتديه، الا يعجبك؟
امسكت الفستان واشارت عليه من فوق قالت: من اجل ذلك.
ضمت زراعيها قالت: وماذا فى الامر؟! انتى فى قصر الملك لن يتجرأ اى رجل التطلع بكى غيره.
غير من ... الملك فرناس.
اجل.
وأليس رجل غريب عنى.
نظرو لى بشده من قولها، قالت المرأه بحده: انتبهى على ما تقوليه حتى لا تندمين.
لم اقل شئ لاندم عليه، اقول انه غريب عنى الجميع هنا غريب عنى لا يجب ان اسير بهذا هنا.. انه ليس بيتي.
ابتسمت ساخره قالت: وهل لديكى بيت؟
اجل وعائله ايضا.
صمتت المرأه بينما "نائله" "بشرى" انصدمو وكأنهم غير مصدقين، لقد ظنو انها مثلهم لا احد هما يعلم حقيقتها سوا "فرناس".
اخذت المرأه الفستان منها واعطته الى "بشرى" وقالت: احضروا لها غيره.
ندهشت قالت: حقا سيدتي.
نظرت إليها بحده اومات لها بتفهم نظرت المرأه إلى "لينا" وغادرت، اتى لها فستان اخر تضايقت لكن فردته امامها وجدته مقفول من فوق ذو رقبه جميله، انه لونها المفضل.. الأحمر الداكن، ذو اكمام واسعه من الاسفل، يشبه الملكات.. اعجبها كثيرا من الذى قبله.
قالت "نائله": هل هذا مناسب لكى؟
أومأت برأسها فأعطتها لترديه كانت لا تستطيع اقفاله من الاربطه خلف ظهرها فساعدوها، كان هناك مم يمشط شعرها وهى مستغربه كثيرا لكن يبدو أن تلك المرأه قد فاضت منها وتتابع زينتها بنفسها، وضعو لها مساحيق التجميل الخفيفه التى يمتلكونها مع صندوق زينه منعتهم قالت: لا داعى يكفى هذا لا احب المبالغه.
لكن يجب ان تتزينى.
ولماذا يجب ان اتزين؟
نظروا لبعضهم بأستغراب وصمتو.
اشارت لى المرأه بنفاذ صبر: هيا حان الوقت.
نظرت إلى المرآه ابتسمت قالت: بقيت اميره فعلا ناقص التاج.
كانت جميله لا تشبه مثل القدم المتسولين الراكدين فى الشوارع لا مأوى لهم.
قالت المرأه: هيا فقد تأخرتى.
تأخرت!
اكملت قلت: تأخرت على ماذا؟
الملك "فرناس" بأنتظارك.
نظرت اليها بأستغراب لتدرك ما يحدث لها، لحظه هل كان يهتمون بشده بها كذلك مم زينتها وفستان واستحمام.. هل كان هذا ل"فرناس" ... يفعلون ذلك بالفتاه التى ذاهبه لتقضى ليله مع الملك كيفما يسير الامور هنا، معقول.. هل ظنو انها جاريه له، لكن لن يفعلو ذلك ويحضروها إليه الا بأمر منه.
كانت مصدومه انه يكون هو من اخبرهم بذلك، تتذكر انها قالت إنه ينتظرها... بتأكيد هناك شي خاطى.
لماذا انتى واقفه تحركى.
قالتها المرأه فردت عليها: لماذا ينتظرنى؟
تعجبت من سؤالها وكذلك رفيقتها فمن تلك التى تسأل هذا السؤال الساذج: لا اعلم جلالته اخبرنا ان نحضرك.
الى اين؟
جناحه.
لم تفهم خطأ، انها محقه سوف تذهب اليه بعد كل تلك الزينه له فقط.
كانت تشعر بالغصب هل كان ذلك خطأها، اظهرت الاعجاب به فظنها تريده بالفعل"هل تريدين الاقتراب منى"لا تزال تتذكر جملته التى اخترقت كرامتها، لقد وافقت على البقاء هنا لكن ليست كجارية له.. لا شك بأنها ستلقى بحذفها قريبا او بعض دقائق.. اذا راته الان ستنفجر به غضبا .. من يظن نفسه ذاك الملك غريب الأطوار، اجل انه غريب.. تفاعلات غريبه تحدث لى برؤيته .. اشعر بالريبه منه لكنه خلفه سر ومفتاح كبير لاسألتى.. كانه سبب كبير إلى وجودها هنا.. منذ دخولها لهنا ويقينها دائما يكون على حق.
توقفت عند جناحه ليخرج الحارس بعدما اخبره بوجوده وفتح الباب لها بمعنى ان تدخل.
التفت الى رفيقيها قالت: الن تدخلو معى؟
نظرو لى بأستغراب ابتسمت "بشرى" وكأنها تمسك ضحكتها طالعتها "نائله" بحده ثم قالت: سوف ننتظرك هنا سيدتي.
ماذا، هل ستدخل بمفردها، تنهدت منهم ودخلت وهى تنظر حولها لاجد الباب يقفل فور دخولها ارتبكت، التفتت لتغادر لكن توقفت عندما وجدته جالس فى ركن بعيدذهبت اليه لترى الضوء الملقى عليه كان جالس على مكتب رأته يقوم باذابه شي ما لونه اسود ويضعها فوق ورقه مطويه: بإمكانك اصدار صوتا لوجودك بدل المتابعه.
صمت.
نظرت له بشده من معرفته اتحرجت وقالت: انك من طلبتنى، هل يمكن أن أسأل لماذا؟
توقف عما كان يفعله رفع وجه ونظر لى صمت قليلا وكانما يطالع شكلى أدار وجهه بابتسامه.. لحظه هل ابتسم، وقف وترك ما فى يده: ستكملين حديثك عن عالمك.
شعرت بالحماقه انه بالفعل اخبرها بذلك لاكن تلك السيده اخافتها بل جميعهم اخاف بترتيبها جيدا له: يبدو انهم فهمو امرى باحضارك لهنا خاطئا.
يبدو كذلك.
أعتذر.
طالعها مستغربه من اعتذاره فاردفت موضحه: أسأت الظن بك، غضبت كثيرا.
لم يهتم ترك ما فى يده وغادر ليجلس على الاريكه اشار إليها لم تفهم نظرته فأشار بعينه الرمادتين ان تجلس، شاركته الجلسه تنتظر ان يتحدث.
قال "فرناس": من اين انتى؟
موطنى ليست هنا، لا على خريطتكم ولا فى عالمك.. اخبرتك هذا سابقا.
اين عالمك هذا؟
لا اعلم.
قالتها بيأس نظر إليها استرسلت: لا اعلم لانه ليس هنا، انه يمحى على هذه الارض ليس له وجود مثلكم فى عالمى.
"لينا".
دق قلبها من نبرته فى نطق اسمها التى لم تتخيل ان يكون اسمها جميلا بهذا الشكل: اريد إجابة مصدقيه.
ابتسمت ساخره وقالت: وهل يوجد هنا مصداقيه بين ارض خياليه؟
لعل أرضك هى الخيال.
انا من رأيت الجنون لا انت.. أنا خضته ولا زلت اعيشه، أنا من يريد اجوبه واضحه على سبب وجودى ودخولي هنا ولا اجدها.
نمُتلك جانب مشترك لكل منا يريد ارضاء فضوله، لذلك ساعدينى.
افعل هذا.
كيف تأتين لهنا؟
عندما يطلبنى الكتاب، يأخذني بغير إرادتي.. بل يسلبني رغما عني.
اين هو ذاك الكتاب، اريد رؤيته.
ليس معي، لا اجده هنا بينما يلحق بى هناك.. لا يرتبط فى فور وصولى الى هنا وكانه لا يعرفني.
صمت قليلا لم تفهم معنى صمته ثم قال: كيف يعيدك؟
حدث مثير يعدني ثانيا.
مثل ماذا؟
صمتت ونظرت اليه قائله: عندما قابلتك فى السوق كان حدثا، عدت فى ذات اللحظه.
هل لذلك ركضتى هربا منى؟
اجل.
والحدث الآخر؟
قمت أنا بأفتعاله... اخبرتك عن عالمى ولا ادرى العواقب إلى الان .. لكنى كنت مضطره، اردت الرحيل والعوده فقط.
ونجح الامر.
مثلما رأيت.
وكيف سوف تخلقين الحدث الاخر لتعودى؟
لا يوجد ما افعله الان، لم افكر بعد ممكن.
صمتت وهى تفكر رفعت عيناها واردفت: محاولة قتلك.
تريدين التجربه.
نظرت له من هدوئه، انه لم يأخذ تهديدها على محمل الجد قالت: الا تشك ان اكون جسوسه تريد أن تغتالك؟
انك لستى ندا لى.
شعرت بالسخريه من ما قاله وقفت: ماذا تقصد؟
اجلس.
قالها بصيغة الامر ولا يزال هادئ معها صمتت وهى متضايقه قالت: تستخف بى، ان كان احد غيرى لاستطاع قتلك.
ان تحدثنا عن السخريه فأنتى من تسخرين منى.
ما الذى قلته به شيء من هذا القبيل؟
كل شيء.
استوعبت ما يقصده وقالت: هل تقصد انى لست سوى سخريه؟
لم يرد عليها وقال مغيرا الامر: لم تخبرينى كيف سوف تعودين.
لا اعلم، لم افعل شئ لندع الاحداث تأخذ مجراها.
نظر لها بأستغراب اردفت بيأس: فعلت الحدث لانى كنت سوف اذهب الى ساحه الإعدام.
ومن قال انكى كنتى فى طريقك لها.
حلت فيه بعدم فهم وقتلت: ا ا ..اتقصد اننى لم اكن ساعدم، اخبرني ذاك الحارس ان عقوبتي هي الإعدام، القتل بلقتل.
اكان هذا سبب خوفك وعيناكي التى كانا يرتجفان وعلى وشك البكاء؟
تنهدت وهى تقول: وماذا تريد ردت فعل لشخص سيقطع راسه فى اى وقت كان.
اتخافين من الموت؟
اخاف من طريقة الموت، لا أخاف من الموت سوف نموت جميعا على اية حال وهذه الدنيا فانية .. لكن الموت غير الإعدام او على ارض لا يوجد بها أهلي او ناسي.. أنا وحيده هنا.
كان يطالعها بهدوء نظرت ايه والى صمته الذى تشعر بغرابه منه لمجرد الجلوس معه، ابعدت عيناها عنه الذى لم تسلم منهما.
قالت "لينا": حان وقت سؤالي.
سؤالك!!
اجل يحق لى طرح الاسئله مثلك.
تنهدت ببرود قليلا وقال: لم انتهي من أسألتي بعد.
حسنا لتتوقف عند هذا الحد وأبدأ.
أنالم تعلم هل صمته معناه رفضه لكنه أراح ظهره وقال: قولى ما عندك.
كيف علمت انى لست من هنا .. غوانتام، قلت بسبب ما تفعلينه .. ماذا فعلت انا؟
تساعدين الغير.
توقفت لوهله ابتسمت وقالت: اساعد، لا أتذكر انى قدمت آية مساعدة منذ وصولى، كنت مثيرة للشفقة فقط.
ولدا، او يدعى سارق.
لحظه هل ولد، عاظت بذاكرتها الى ذلك الرجل وهو يصرخ فى ولد "ايها الساارق".
اندهشت وقالت: اتقصد؟
ذلك الولد الذي كان الرجل يضربه.
تحولت عيناها إلى غضب ونظرت له بحده وقالت: ولماذا لم تدافع عنه، انت ملكهم بأمر منك ينحل كل شي، بل ظهورك فقط سيفزعهم كما فعلت معى.
سبقتينى.
نظر إليها وهو يسترسل: رأيت مساعدتك له برغم حالتك التى ادعيتيها بالشفقة، كنتى غريبة من بين خمسون شخصا يسير لم يلتفت اليه.. علمت انك لستى من هنا.
لكنى لم أفعل شيء بهذه الغرابة، الجميع يساعد لكى يعود عليه بالخير.
انها غرابتك تلك.
اقترب وهو ينظر فى اعينها وقال: انكى غريبة من بين الجميع .. لا يقدم احد هنا مساعدة تأتي عليه بسلب.. هنا الجميع يسير تحت قانون (نفسي).
صمتت وهى تستمع لدقات قلبها متعمقة فى اعينه، أومات بتفهم قالت: لماذا لم اراك يومها، كنت تتجول فى الخفاء كعادتك بين رعاياك.
عادت ذاكرتها الى ذلك اليوم، حيث كانت واقفه مع الولد وتحثه على عدم السرقة، وغابينه متضايقة منها، هذه اللحظة رات شخصا يمر بجانبها غامض الجسد والوجه حيث ألفت نظرها، بل شعورها الغريب تجاهه كان من جعلها تلتفت السه وكانت هذه أول مرة تعود فيها لعالمى ... كان ذلك هو.. انت "فرناس".
كان انت.
قالتها بصوت مرتفع طالعها من انفعالها، عتدلت وقالت: كان انت .. انك من تسبب فى عودتى دوما.
لا افهم عما تتحدثين.
عندما مررت بجانبى كان السبب انت، كانت أكبر مدة قضيتها هنا وقد يئست من عدم عودتي لدرجة اني استسلمت للواقع، لكن بظهورك... على الرغم من اني لم أراك الى ان الكتاب اعادني فور التقائنا الاول.
كان متفاجئ من كلامها وهى متفاجأة اكثر منه قالت: ما علاقتك بالأمر .. ان كنت انت من تعيدني، فأنت جزء من ما انا عليه الآن، انت سبب من أسباب وجودي هنا.
أكملت باستدراك: انا لا أعود بغير حدث وفى المرات الفائته كان الحدث معك، الولد، السوق، القصر.
نظرت اليه من صمته كان لا ينظر اليها فتوقفت لوهله وقالت: الست مندهش مثلي؟
أشعر بأني سخيف وانا أستمع لهذا الجنون فقط للترفيه عن نفسي.
انص،مت من قاله وكانما لم تتوقع هذا القول بل كانت تنتظر ان يتفاعل معها وليته لم يفتح فاه.
قالت "لينا": ماذا قلت؟
كان بارد الوجهه متجاهلا اياها، وكانما اكتفى منها.. قالت بغضب: هل تنعتني بالسخافة، هل ما أقوله سخيف لتجعله ترفيه على جلالتك، هل تراني مهرج؟
اخفضى صوتك وانتى تحدثينى.
جمعت قبضتيها والدمع يتحجر فى اعينها قالت: استمع الي جيدا ايها الملك. انت لست بملكك وعرشك هذا علي بشئ، انت ملك علي للجميع وسلطتك مارسها لكن... على شخص غيري.
رفعت اصبعها واردفت: لا اسمح لك بالتقليل من شاني وان تنس كرامتي بشيء.
وقف امامها مباشره وهو يفوقها طولا وينظر اليه باعينه التى تثقبها وهى تطالعه باعينها الغاضبه وتحاول الا تظهر حزنها.
قال "فرناس": غادري.
هل استمعت جيدا ام تريدني ان افعل شي اخر، دعني القى عليك نكتة.
سمعتى ما قولت، لا اريد ان اتصرف معك شي يجعلك تندمين على ما قولتيه، أرق لحالك مزلتى لا تعلمينى.
نظرت اليه من نبرته المخيفة وتحذيره اليها: اذهبي.
قالها بصوت مرتفع، فتح الباب وكان الحارسان التفتت وهى تغادر دون أن تتطلع اليه، دخلت غاضبة وخرجت حزينة.. لقد مس كرامتها كثيرانادمة أشد الندم على كلامها، كيف ظنت انه سوف يصدقها، لقد سخر منها لم تكن سوى محض لرفاهية امام ذاك الملك المتعجرف غريب الأطوار.
رأت "بشرى" و "نائله" واقفا فى انتظارها امام ذلك الجناح فى نهاية الممر وفور رؤيتها اقتربو منها: سيدتي.
لم تعيرهم اهتمام واكملت سيرها وكانما لو فتحت فمها وتحكثت لانهمرت دموعها، انها فتاه.. برغم قوتها هذه فتاه وأهم شيء تمتلكه هو مكانتها.. لقد كانت "بهلوان".
الآن اصبحت تريد اختلاق أي حدث حتى تعود إلى عالمها، لا تريد البقاء هنا.. اللعنة على ذلك القصر الجميل لم تعد لديها شغف به، اللعنة على الجميع الذي أرسلوها إلى هنا... اللعنة على ذلك الملك.
كانت تجلس على السرير تكتم غضبها، تحاول كبح دموعها داخلها لكنها تتسابق وتحتل عيناها وكأنها على وشك النزول.
كانت "نائله" و"بشرى" يتابعونها خلسه قالت: انتي بخير؟
هل حدث شئ ما؟
اعتدلت "لينا" وقالت: لا شيء، لا شيء.
توجهت الى الشرفه وتركتهم واقفين يبحلقون بها.
قالت "نائله": خرجت سريعا، اخبرتنا سيده "صفيه" الانتظار وان طالت علينا المغادره.
قالت "بشرى": يبدو هناك شيء لا نفهمه نحن.
كانت واقفه تستند زراعيها على السور لتأخذ نفسا عنيفا تملأ صدرها بلاكسجين وتزفره وهى تخرج شظايا ضيق.
رفعت رأسها تتأمل السماء المرصعة بالنجوم، فلتت قبضتها بينما تجز على شفتاها لتسيل دموعها: فاكر نفسه مين عشان يعمل فيا كده، طلع في حد متفوق في التنمر اكتر منك يا "يارا".
تتذكر كيف كان يستمع اليها وهى تربط الاحداث وقد ظنت انه مهتم بها، يالسخرية، لم يكن سوى يلهو بها ويظعوها بالسخيفة.. انت السخيف يا "فرناس" انه انت ... شعرت بأنك شخص عقلاني وهادئ ولديه مبادئ، رأيت ملكا عادلا لكنك وغد من ضمن اوغاد الملوك الذي قرأت عنهم.
كانت "بشرى" واقفه عند باب الشرفه قالت: انتي بخير هل احضر الحكيمه؟
لا اريد شئ، فقط البقا وحدى لستما ملزمين لمرفقتي دائما.
لم يذهبو وظلو واقفين، فلقد رات ظلهم التفتت بقلة حيلة منهم لكن توقفت حينما لفت انتباهها شيئارفعت عيناها على تلك الشرفه البعيده، تعلو الجميع وتكبرها حجما عن بقية الشرف، كان سيقول فرادا زراعيه على السور عارضا كتفاه العريضه وعينه التى تلتمع مع ضوء القمر وكانما تنير فى الظلام..ذلك المغرور.
كان واقفا بشموخه المعتاد نظر اايها ليرى اعينها التى تثقبه بها وانتبه إليها اخيرا وكانو يتبادلا النظرات.
دخل حارس منحنى الراس وهو يتحدث معه لم تكن تسمع ما يقولانه ولم تفهم لكن وجدته يغادر وأصبح المكان خالى، إزاحة شعرها وهى تتنهد، دخلت وهى غير مكترثة بهمرت هذه الليلة عليها مغيرها من التالى الاربعة التى كانت عالقة به داخل هذا القصر، تنظر من انٍ لاخر إلى غروب الشمس وتعلن ان اليوم التالى يحللا تعرف متى ستعود وكيف لكن تتمنى ان يكون قريب.
دخلت "نائله" وهى تنظر إليها طالعتها "لينا" وقالت: هل يممكنى الخروج؟
تريدين الذهاب لمكان؟
اريد التجول قليلانظرت "بشرى" خلصت وقالت: لنخبر سيده "صفيه" ان كان يسمح بهذا.
قالت "لينا": من تكون؟
قالت "نائله": لقد قابلتها مرارا، أنها من ارشدتك للغرفه فى اليوم الأول.
اجل تذكرتها، اذا...
حسنا سوف أخبرها.
أومات لها لتغادر بقيت فى الغرفه عادت إليها طالعتها أومات لها بمعنى أنها تستطيع الخروج وان لم يكن هناك حاجز او تعليمات تمنعها من الخروج، كم تضايقت وقتها أنها لم تخرج الا الآن.
كانت تسير فى الممر قالت: قبل وصولى كنت ارى وجوه كثيرا الآن لا أرى سواى.
لعلك تسيرين فى الطريق الخاطئة.
تحرجت وقالت: حقا، لماذا لم تخبرونى؟
لما تسألي؟
الى اين يأخذنا هذا الطريق؟
مجلس الوزراء.
ماذا يكون، هل هو خاص بقرارات الدولة؟
اجل سيدتي، لنذهب قبل ان يرانا احدا.
أومات لها بتفهم وحبن التفت وجدتهم توقفو فى مكانهم تعجبت وقالت: ما الامر؟
كان ينحنون ويعينهم فى الأرض وحين ألقت نظرها لتجد شاب ذو ملامح عربيه اسمر الوجهه، يعقد زراعيه خلف ظهره وينظر إليها واليهم بالتحديد وتقدم منهم ليقف امامهم ينظر إلى "لينا" التر تقف فى وجهه لا تنحني مثل الفتاتان: من تكوني؟
قالت "بشرى": نعتذر نيابة عنها سمو الامير، انها لا تعرف حضرتك.
بعدت توقفت "لينا" لوهله ونظرت له وقف أمامها مباشره وقال: لم تخبرونى من تكون؟
انها وجهه جديد أخبرنا الملك بضيافتها.
أنتى ضيفتنا اذن، ما اسمك؟
تحدثت وهى تنظر اليه: "لينا".
لينا؟! ماذا تفعلين هنا يا "لينا"؟
اردت السير قليلا.
الم يخبرك احد ممنوع السير هنا.
نظر إلى رفيقتيها وقال: ان كنتى لا تعلمين فالعاتق يقع عليهم.
خاف الاثنان لكن قالت "لينا" مسرعة: لقد اخبرونى لكنى لم استمع جيدا، نحن كنا عائدين.
صمت وقف أمامها وهو ينظر إليها تعجبت لتجده يبتسم ويقول: لا تجعلى قدامكى تأخذك على حتفك، ليس كل ما غريب هنا نذهب إليه.
انا فقط اردت رؤية القصر.
هل أعجبك؟
لم أرى شيئا بعد لكنى لأكون صريحة، انه خيالي.
سوف اعتبره جميل.
أشار إليها واردف: والان ابتعدو من هنا ولا تسيرون خارج نطاق الحدود.
أوماو له بطاعة وامسكا يد "لينا" وابتعد بينما هى تلقى عليه نظرة خلسة ثم نظرت له وقالت: من يكون؟
قالت "نائله": انه سمو الامير.
عرفت هذا، اقصد كنيته الحقيقة، هل هو.... ابن الملك "فرناس"؟
قالتها بتردد قالت "نائله": بل أخاه.
اندهشت وقالت: هذا أخاه.. أنه لا يشبهه البتا.
الامير "داغر" يشبه الملك "رافل" الراحل.
هل هذا اباه وابو الملك "فرناس"؟
اجل.
أومأت بتفهم وهى تكمل سيرها توقفت عند غرفه تسمع منها صوت ضحكات انوثيه توجهت ناحية الصوت اوقفتها "بشرى" وقالت: هل تريدين الدخول حقا؟
اجل مى الامر؟
لا يوج، شاء لكن لعلى هناك انظار حاقدة ستتجه عليك.
لماذا؟
لانك لا تمكثين معهم وهذا تقدير من الملك إليك، يرونك مميزة عنهم.
سخرت منها وقالت: اى تمييز هذا.
ابتعدت عنها ودخلت فساد الصمت حين راو دخولها عليهم، كانت نساء جميلة ترتدن فساتين تتدلى بلونها الزاهي وتظهر نعومة بشرتها ويلعبون بخصلات شعرهم وهن يضحكن بتمايل.
قالت "لينا": هر يمكنني الجلوس معكم.
تعجبت منهم ونظرو الى بعضهم باستغراب شديد قالت احداهم: الستى من كنتى تصرخين بين الطرقات بين ايدي الحراسات.
حرجت وقالت: اجل انه انا، شاهدتونى جميعا.
صراحة، ان كان الصراخ سيجعلنا فى مكانك بتلك السهولة لكنا صرخنا فى انٍ واحد.
صمتت وهى تدرك سريرها اقتربت منها وانحنت إليها قالت: ما رأيك اذا ان تجربى؟
اجرب ماذا؟
الصراخ، هيا الامر ليس صعب.
نظرت لها وهى تتقدم منها قالت: ما بك؟
هل تحتاجين مساعدة، هيا سوف اعلمك.. اعلمكم جميا، لنصرخ جميعا فى صوت واحد وناخذ غرف خاص.
نكهتها وهى تدفعها لصراخ والفتاة تنظر إليها بشدة قائلة: انك مجنونة بحق.
انا كذلك بالفعل.
ضحكن ابتسمت لهم وهى تجز على شفتاها، وقفت احداهن وقالت: اجلسي ايتها الغريبة.
ها هم ايضا لقبونى بالغريبه، جلست معهم وهم لا يزالون يضحكون: انها متواضعة كثيرا، لماذا اتيت لهنا؟
قالت "لينا": مللت من الجلوس بمفردي.
ضحكت جارية اخرى وهى تأخذ عود العنب وتقول: مللتي من الرفاهية، لو انني مكانك لما رأيت هذه الوجهه ثاني.
دفعتها الاخرى بضيق وقالت: سوف ترينا حياتك بأكملها.
ابشري.
ابتسمت وهى تستمع بالجلوس معهم، كانت لا منطوية في العادة لكنها هنا تريد أن تأتي لوجود أي أحد لكسر الوقت.
بينما حل المساء عليها وهى جالسة بينهم تحت أحاديثهم التي لا تتوقف: أخبرينا، هل رأيته؟!
تعجبت من سؤالها وقالت: من؟
نكزتها الأخرى وقالت: من يكون، انه الملك.
هل تحدثتما، هل تقابلنا وجها لوجه: احكي لنا كيف كانت.
تنهدت "لينا" وقالت: لم نتحدث كثيرا.
همهموا بضيق وقالت جارية: انكي مللة.
لقد خضتي حلم كل امرأه يا فتاه، ليست غوانتيه فقط.
قالت "لينا" وقد شعرت بالضيق: لما كل تلك الجلبة.
طالعتها باستغراب شديد ولم تفهم نظراتهم قالت: أعني لي يستدعي الأمر كل هذا.
أشك أنكم تقابلتم.
أكيد لم يحدث، لقد أسئنا الظن.
تعجب منهم لكن صمتت ولم تتحدث وكأن فمرة انها لم تقابله جيدة لتجعلهم يصمتون عن الحديث عنه.
بينما وهى جالسة معهم تحت أصوات ضحكهم دخلت المرأه "صفيه" التي فور دخولها صمت الجميع ووقفوا فورا لرؤيتها، اعتدلت "لينا" لتقف مثلهم وكانو مطأطين رؤسهم.
قالت "صفيه": لماذا لم تنامون بعد، كل منكم يذهب لفراشه.
قالت "لينا": الا يزال الوقت باكر.
نظروا إليها وراها "صفيه" بينهم وضعت يدها فوق العكاز التي لا تتركه: ماذا تفعلين هنا؟
أخبرتك أني اريد الخروج وسمحتي بهذا.
صمتت تنهدت منها وقالت: والان عودي لمكانك.
أومات لها بتفهم ابتسم الجاريات لها وهم عادو بالتهامس معها بينما وهى واقف شعرت بنكزه قوية في رأسها، ارتجلت من مكانها اسندتها احداهن وهى تنظر إليها: ما خطبك؟
أغمضت اعينها بضيق وهى تشعر بلالم ثم تسارعت دمائها بالسريان في شرايينها، ليتشكل أطياف أمام أعينها المقفلة، ترى شخص صينية مليئة بالطعام الفاخر وهناك من يحملها على يديه وسط خادمان آخران.
فتحت عيناها وهى تتعرق تعبا وتسمع أصوات حولها: سيدتي.
أعادت قفل عيناها بضيق لتجد ذات المشهد يكتمل لكن صورة أخرى، أمام ذلك الباب الذي يقبع عنده حارسان، لحظة... أنها تعرف هذا الباب جيدا.. أنه باب جناح "فرناس".
فتحت عيناها التي كانت متعبة، لا تدري ما هذا الذي رأته للتو.. ما ذلك المشهد، ما هذه الأطياف، وكأن عيناها تسير معهم ومعلقة على الصينية.. الصينية؟!! التي توجهت إليه بهذا الطعام: الطعام.
فالتها ودقات قلبها تنخفض تدريجيا وتعود لرشدها شيئا فشيئا، نظرت حولها لتجدهم ينظرون إليها قلقا: ماذا بك، هل نحضر الحكيم؟
اعتدلت فورا من بين ايديهم وذهبت إلى الباب تعجبت كثيرا: الى اين؟
تبعتها "بشرى" و"نائله" وهم ينادون عليها لكنها خرجت اصدمت بذات المرأه التي تدعى "صفيه" ونظرت اليها قالت: ماذا دهاكي، الركض هنا ممنوع.
بجب ان اذهب.
توجهي لغرفتك وليس من هذا الطريق.
جاءت رفيقتها فاشارت لهما بامر: ارشدوها الى غرفتها.
أوماو لها بطاعة، ذهبت "لينا" معهم وهى تنظر الى ذلك الطريق التى كادت ان تسلكه، سارت معهم لكن اصابتها نكزه أقوى من الذي قبلها فضغطتت على قلبها: الى بيحصلى ده.
قالتها بتألم اقتربا منهم قلقا التفت سريعا وهربت منهما: سيدتي.
لم تلتفت لهم وركضت لتجد تلك النكزه تتوقف مع ركضها: انتظرى.
سمعت صوت "صفيه" تأخرها بحده لكنها اكملت: يا حراس، امسكوهانظرت بشده لتجد الحارسان توقفو امام وجهها رمضت سريعا حاولو الإمساك بها فامسكت الشعله وريتها ارضى حاجزا بينها وركضت فوراقالت "صفيه": اسرعوا.
انتهى بها المكاب بالنظر امامها هي وتركض وهم يلحقون بها، لكنها لا تستطيع التوقف، تركض فعبر الممرات سريعا.. تذكرته انها لم تركض هكذا الا فى صغرها عندما ركض كلب خلفها: انا اسفه، مينفعش اقف.. مينفعش.
كانت تركض كالمجنونة متجاهلة أي أحد يعيقها، تهرول الىىذلك الباب الذي اقتربت منه وأصبحت عند جناحه اخيرا وفور وصولها تصدى لها الحارسان: غير مسموح بالدخول.
لكنوقف في وجهها وقال: ممنوع.
نظرت له بضيق ثم نظرت إلى الباب بشده الذي يجب ان تداخله لكت واثقة ان هؤلاء الحارسان لن يسمحو لها، لكن فجأة اصتك الباب وهو يفتح امامها وكأن هناك من فتحه انصدمت وحين القى الحارسان انتظارها المستغربة الذي فتح بدون اثر فاعلركضت سريعا وهى تبعدها من وجهها وفور اقتحامها لجناحه صرخت قائله: استتنى.
كان جالس عند والصينيه أمامه تمتلأ بذات الطعام الذي راته وكأن معه خادمان، نظر لها بشده والكعام كان بين يديه متعجب من اقتحامها جناحه بهذه الطريقة.
دخل حارسان خلفها وطأطاو رؤسهم فورا رؤيته وقال: نعتذر جلالة الملك.
نظر الى "لينا" الذي اقتربت منه وقالت: سيب الاكل ده من ابدا.
تعجب منها قال: ما الذي يحدث؟
اتركه.
تيت "صفيه" ونظرت اليها بصدمه وانحنت للملك وقالت: نعتذر مولاي لقد منعتها لكنها لا تستمع لى، اعتذر كثيرا على تعكير صفوت عشائك.
أشارت للحراس الذي كانو معها، وفور اقترابهم ليمسكها صاحت فيهم غاضبة: ابتعدوا.
مسكوها وهم يرجعون للخلف لياخذوها خارجا، قالت بصوت عالٍ: لا تأكل، لا تمس هذا الطعام، انه فيه شيء.
دعوها.
قالها "فرناس" اخيرا فتركها الحارسان فورا ولم يتحركوا بها، وقف واقترب منها ليعود للخلف مبتعدين عنها: ماذا قلتي.
استعادت رباط جاشها وهى تنظر إلى الطعام وتتذكر ذلك المشهد الذي باغتهت وبنفس الأطباق مع نفس الاصناف، نظرت إلى الخادمين مطاطأين رؤسهم.. دق قلبها خوفا من ما قالته لمجرد اضغاث تفكيراتي "داغر" دون أي تكليف وقف عند "فرناس" وهو يطالعه بشده وينظر إلى "لينا".
انتى.
عاد بانظاره إلى اخبه وقال: ما سبب هذه الضوضاء؟
كانت صوتها ليسبقها صوت "فرناس" يقول: تحدثي، اشرحي لي ما يحدث.
كانت خائفة من كلامها تنهدت وقالت بثقة لا تعلم سرها: الطعام به شيء.
انصدم الجميع من ما تقوله ونظروا الى الطعام بشده، قالت "صفيه": هذا مستحيل، هناك من يتذوقه قبل المجيء لجلالتك.
قال "داغر": ما سبب تفوهك بهذا الهراء، لديك دليل.
صمتت بضيق ثم قالت: لا، لكن لا يمكننا التهاون مع احتمال كهذا.
قال "داغر": ماذا تقصدين باحتمال؟
قالت "لينا": يعني انه مجرد يقين، ليس لدي دليل لكن... لنجعل من يتذوقه الآن لن نخسر شيء.
قالت "صفيه": انكى تورطين نفسك، ستتم معاقبتك...
أسار "فرناس" لها فاقطع حبل كلامها، نظر إلى "لينا" التي كانت متوترة من نظراته.
قال "فرناس": اكملي ما جئتي من اجله.
توقفت فجأة قالت: ماذا تقصد؟
أشار على الطعام نظرت له بشده من ما يعنيه دمعت عينها قالت: عايزني انا اللي ادوق.
رواية سرداب غوانتام الفصل التاسع 9 - بقلم نور
انت عاوزني أنا اللي أدوق؟
نظر فرناس إلى لينا من تحول وجهها وخوفها.
قال: اختاري من يجب أن يتذوق.
تعلق عيناها به وقلبها يهدأ.
قال: إن كنتِ قلتي كلام كهذا لا شك بأن هناك سبب.
قال داغر: تشكين بأحد، المخاطرة لن تكون على حياة الملك.
صمتت لتمرر أنظارها على الخادمين وتدقق بهم، ولا تعلم سبب ترددها.
كان مطأطئين رؤوسهم، لا ترى أي تعبيراتهم، لكنها خائفة أن يكون يقينها صحيح ويتسمم شخص بريء لمجرد تذوق طعام ملك.
إنها تعتبرهم الاثنان بشر.
لا تريد أن تحمل إثم.
أشارت على أحدهم بإصبع السبابة وقالت: أنت.. تذوق ذاك الطعام.
رفع وجهه من إشارتها عليه، وتوجهت أنظار الجميع عليه.
تعجب فرناس من اختيارها بتلك الثقة، لكن لا يعلم دقات قلبها الخائفة.
قال داغر بجدية: لماذا تقف في مكانك، ألم تسمع؟
قال الخادم: لكننا تذوقنا الطعام جيداً.
قالت لينا: عرفنا، ابدأ من جديد.
كان واقفاً في مكانه متلعثم اللسان وقال: حاشا أن تمد يدي في طعام الملك.
قال فرناس: تذوقه.
نظروا إليه وكان يده تخلو الدماء منها.
قال: مولاي هذه إهانة لحضرتك.
قاطعه فرناس بحدة وقال: الآن.
ارتجف من صوته وهو ينظر إلى جميع الأوجه التي تثقبه بأعينها.
تقدم ناحية الطعام، وكان لينا تتابع حركته وعرق جبهته.
توقف فجأة ليظهر الارتباك على وجهه.
قالت صفية: لماذا توقفت؟
لم يجاوب وكأن خرس فجأة.
قال: لا أستطيع.
بلع الجميع به وقد ثبتت مخاوفهم.
هنالك من أمسكه بقوة وجعله يجس على رقبتيه من قوة قبضته على كتفه، وكان داغر الذي قال بغضب: للأكل رغم عنك.
أمسك الطعام بقبضته وسرعان ما دفعه داخل فمه والخادم يحاول الفلات من قبضته، فضغط على رقبته التي كادت أن تنكسر واملأ فمه بالطعام بغضب شديد ليتركه يسعل من الطعام الذي وقف في حلقه.
كان يمضغ رغماً عنه بسبب قبضة داغر.
وكانت لينا ترى قسوته، لكن تشاهد الخادم الذي ابتلع ما في فمه ورفع وجهه لهم دون أي تعبيرات أخرى غير السلامة الجدية.
التفت داغر إلى فرناس من عدم حدوث شيء، وكان هو ممتثل الهدوء.
ليلقي نظرة إلى لينا.
لم تفهمها، لك توحي بالضيق، رغم أنها كانت مصدومة ومحرجة كفاية من نظراتهم التي تتوجه عليها.
كانوا يعلنون أنفسهم بشدة على ما فعلته من تهورها.
قالت صفية: مولاي، أخبرتك نحن نتأكد من سلامة طعامك جيداً.
قالت لينا بحرج: اعتذر، أنا فقط كنت لا أريد أن يصيبك أذى.
سمعوا صوت شهيق مرتفع، وكان من الخادم الذي لا يزال جالس على الأرض، ووجدوا وجهه محمر ونقور زرقاء تحيط جلده.
كان يأخذ شهيق بصوت مرتفع وزفير بصعوبة تظهر من حركات صدره.
تعجب فرناس كثيراً ويرى محاولته على الثبات، لكن تحوله يظهر أمام الجميع.
يضع يده على عنقه ويشق ملابسه وشده بقوة وهو يرتعش جسدياً.
انصدم الجميع ونظروا إلى الطعام بشدة من وجود خطأ ما به.
كانت لينا تتراجع للوراء وتشعر بالحزن لا السعادة.
إنها كانت محقة.
ليتها لم تطلب ذلك منه.
هناك رجل يموت من ورائها.
يتعذب وهي تشاهد.
لقد قتلته بدون ذنب، فقط لأنه يؤدي وظيفته.
إنها ظالمة، ظالمة بشدة، بل قاتلة.
قالت صفية بصدمة: الحكيم.
قال داغر: كلا.
نظرت له، ليرمقها نظرة أمر فخفضت رأسها بطاعة.
كان الخادم يصارع الموت.
وقف فرناس أمامه وقال: إن كان لك يد تحدث.
قال الخادم: أنقذني يا مولاي.
قال فرناس: سأحضر لك الحكيمة إن قلت الحقيقة.
كان ينتفض وهو يعافر، والآخر بارد وهو ينظر إليه من معافرته غير مبالي به.
قال الخادم: من؟
قال فرناس: أنا بريء، بريء صدقني.
لم يرد عليه، ابتعد عنه.
طالعته لينا من عدم اهتمامه به.
قالت: يجب أن ننقذه.
رفع الخادم وجهه إليها يأخذ أنفاسه بصعوبة، لكن عينه كانت مليئة بالغضب.
قال: أيتها اللعينة.
سريعاً ما انقض عليها وأوقعها أرضاً وهو يطبق بيده على عنقها بقوة وأعينه حمراء ينطلق الشر منها.
قال: إنك السبب أيتها الحقيرة، كان سيموت بصمت.
ضغط بقوة وقال: سأقتلك.. سآخذك معي.
شعرت بالاختناق.
ركض الحارسان يبعدوه عنها، لكنه مشبث برقبتها وكأنه متعهد على قتلها حتماً.
هناك من أمسك أصابعه وقام بثنيها فصرخ من كسر أصابعه.
كان فرناس الذي دفعه بقوة بعيداً عنها بكل سهولة ورفعه بيده واحدة معلقاً على قبضته وقدماه محلقة في الهواء.
كان يختنق من عنقه ومن السم الذي انتشر في دمائه وأصبح لونه غريباً كالمعتاد.
قال فرناس: أشفق عليك، لذلك سأنهي عذابك.
وفي لحظة أخرج خنجراً من تحت قميصه الفضفاض وقام بغرزه في أيسر صدره.
ارتعش جسده بقوة وكانت آخر رعشة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
قال ببرود: خائن.
كانت أعينها متسرعة بشدة وتنظر إلى الخادم بصدمة وإلى فرناس بالتحديد.
تركه من بين يديه ليقع أرضاً الدماء تسيل منه، وهناك لعاب لمادة بيضاء اللون تملأ فجوة فمه أثر التسمم.
تقدم داغر من فرناس وقال: هل أكلت شيئاً؟
قال فرناس: لا.
قال داغر: جيد، سأرسل الحكيم الملكي للاطمئنان عليك.
قال فرناس: أنا بخير يا داغر.
قالها فرناس وكأنه يطمئنه عليه.
أومأ له بتفهم.
أشار للحارسان وقال: خذوا هذا الخائن من هنا.
حملوا ذلك الجسد الذي لا تدب الروح فيه وغادروا فوراً.
كانت صفية تحني رأسها وقالت: مولاي اعتذر، إنه جزء من عملي ولقد قصرت فيه.
قال داغر: إن كان الملك قد تسمم، هل تقصيرك كان سيعيده؟
قالت صفية: أقبل بأي عقاب من حضرتكم.
قال فرناس: المكان تفوح منه القذارة.
نظرت له، أعطاها إشارة بعينه فاطمأن قلبها وقالت سريعاً: سأرسل الخدم فوراً لتنظيف المكان.
نظرت إلى لينا التي كانت واقفة في مكانها.
قالت لينا: هيا.
قال فرناس: دعها.
نظرت لينا إليه، قال بتفسير: أريدها.
قالت لينا: أمرك.
غادرت الجناح وبقي داغر.
نظر إلى الطعام وقال: الخادم لم يكن سوى وسيلة توصيل.
قال فرناس: أعلم.
نظر إلى لينا ولم تفهم نظراته.
قال: هناك من دفعه تجاهك، ويعرف جيداً أن أكلت كنت ستكون مكانه.
قالت لينا: هل تشير إلي؟
قال فرناس: لا يوجد غير ثلاثتنا.
كادت أن تتحدث لكن فرناس نظر لها فسكتت بضيق.
عاد بنظره إلى داغر وقال: تحقق من الأمر، أرسل استدعاء إلى بردله.
قال داغر: هل تشك في أحد؟
قال فرناس: سأعرف الفاعل إن كان شك أم يقيناً.
أومأ له بتفهم وقال: انتبه على نفسك يا أخي.
ربت على كتفه لينحني إليه احتراماً لمكانته وأنه الملك.
برغم أنهم إخوة لكن يظل عز بينهم.
غادر الجناح ولم يبق سواهم ليرى نظراتها التي تثقبه.
قالت لينا: لماذا فعلت هذا، لماذا قتلته؟
قال فرناس: كان رحمة له من هذا العذاب.
قالت لينا: وهل طعنه ليس عذاب؟ كان سيموت في الحالتين.
قال فرناس: لو رأيت عينه وهو يرجوني بعينيه على فعل هذا لما سألت، سيظل يتعذب إلى أن يموت.. كان ذلك رحمة مني برغم خيانته.
صمتت وهي تتذكر شكله.
انقض عليها بعدما أشفق عليه ليثبت أنه كان له يد في الأمر.
قالت لينا: كيف كان لديك علم بما سيحدث؟
قاطعها وهو يقول ذلك لتنظر إليه والكلام يقف في حلقها.
رفع عينيه إليه وقال: كيف تعرفين؟
تلعثمت في كلامها وقالت: لم أكن أعرف.
عادت وهي تقول: أقصد أني كنت أعرف، سمعت من أحاديث وجئت لأخبرك.
تنهد تنهيدة عميقة قال: أخبرتك أن الكذب يكلف المرء الكثير يا لينا.
ارتبكت من معرفته.
تقدم منها وقال: من من سمعتي؟
قالت لينا: أشخاص لا أعرفهم.
قال فرناس: إن جعلتك ترين كل من يتنفس داخل هذا القصر، ولم تخرجي لي أحد منهم ستتعاقبين.
إنه يعرف بالفعل أنها لن ترمي تهمة على أحد ظلماً لتخلص نفسها.
نظرت إليه من عينيه التي تباشر عينيها وقال: أم أنك من وراء ما حدث وتحاولين كسب ثقتي؟
شعرت بالضيق منه قالت: هذا تفكيرك بي، أنك تظلمني للمرة الثانية.
أردفت بسخرية قائلة: بربك هل هكذا تشكرني على إنقاذك؟
تقدم منها ليصبح بضع بوصات بينهم وقال: أمرك يوحي بالشك.
ابتسمت وقالت: ماذا، هل تظنني جاسوسة؟
قال فرناس: الظنون جميعها تتجمع نحوك.
من أين عرفت بأمر الطعام، أجيب.
قالت لينا: لن أخبرك لأنك تسخر مني.
قال فرناس: لينفعك الصمت لاحقاً.
قالت لينا: هل تهددني؟
قال فرناس: أريد معرفة من تكونين يا لينا بالضبط.
قالت لينا: أخبرتك ولم أكذب عليك لحد الآن، أن...
لم تكمل كلامها واستوقفها وخزة في القلب.
مالت عليه لتجد يد تمتد نحوها وتمسك بها.
أغمضت عينيها لتشعر بألم في رأسها قوي ودقات القلب تتسارع.
ظهرت أطياف أمامها للجناح التي تقف فيه الآن.
كان الخادمان والذي قتل يقف بجانب فرناس وينظر إليه بتمعن وهو يأكل.
ما الذي يحدث.. ما هذا المشهد.. رأته يأكل لتنصدم.
هل أكل من هذا الطعام؟
انفتح الباب بقوة ليصرخ رجل ذو عضلات كثيرة وشعر كثيف وحاد الوجه: مولاي لا تأكل من هذا الأكل.
فتحت عينيها على مصراعيها وهي رأت كابوساً للتو.
كان صدرها يعلو ويهبط.
نظرت إليه وهي تستند إليه، أعدلها وهو يبتعد عنها.
قال فرناس: أنتِ بخير.
كانت في صدمة غير مستوعبة لما رأت.
هذا الرجل وما هذا المشهد الغريب.
قالت لينا: هل أكلت من هذا الطعام؟
توقف فرناس حين قالت ذلك وهي تحدق به في صدمة.
قالت: كيف تقف لحد الآن على قدميك، كيف أنت لا تزال حياً؟
نظر لها فدق قلبها.
قالت: من تكون؟
قال فرناس: تريدين أن تعرفي؟
أومأت له إيجاباً قال: لست بشرياً.
نظرت له بشدة قالت: ألست بشرياً بحق؟
قال فرناس: ماذا أبدو في رأيك؟
صمتت وهي تنظر إليه وإلى عينيه.
قالت: معاك حق جمالك غير طبيعي.
نظر له فرناس.
قالت: ما تسخرش مني وقول، هل أكلت أم لا؟
قال فرناس: إن كنت حياً فكيف لأكون أكلت؟
سكتت وهي تؤمئ بتفهم.
لعلها.. صدر صوت ألم منها.
وضعت يدها على قلبها فإذا بالألم يزداد وتشعر بأن قلبها يغرز به سكاكين حامية وتمزقه شيئاً فشيئاً.
قالت لينا: ماذا بك؟
كانت تتألم، لتجس أرضاً من ألم رأسها قوي تريد الضرب عليها لتتوقف.
وكأن بعوضة تأكل في جمجمتها كما في قصة الملك نمرود.
قالت لينا: ألم.. ألم شديد يخترقني.
أمسكها فتشبثت في يده وهي تضغط عليها.
قال فرناس: لتجلسي.
لم تستطع الرد أو التعليق، كان تركيزها على الألم الذي لا يتوقف.
يا الله ما هذا... لا أحتمل ذاك الألم.
أوقفه أرجوك.
توقف الألم وهو يقل تدريجياً، شيئاً فشيئاً وهي في مكانها بلا حراك.
وما إن اختفى الألم بدأت تتنهد بعمق مرتاحة لتفتح عينيها.
قالت لينا: هقولك أنا عرفت أن الأكل مسموم إزاي.
تنهدت وهي تنظر له وتكمل: ظهرت لي نبوءة هنا.
أشارت على عقلها.
تعجب فرناس لكنه يهتم بما تقوله.
قال: لقد رأيت مشهداً يوحي بذلك والطعام متوجه إليك، أدركت أن هنالك خطر عليك ويجب أن أنقذك.
قالت لينا: هل كنتِ تركضين هاربة بسبب ذلك؟
أومأت له.
قال فرناس بتساؤل: وكيف عرفتي أن ذلك الخادم على علاقة بالأمر؟
قالت لينا: لا أعلم.
تعجب فرناس.
قالت لينا: صدقني لا أعلم، رأيت تعبيراته وكنت خائفة أن أكون قد ظلمته.
قال فرناس: كيف يحدث لكِ هذا؟
قالت لينا: له علاقة بك، كما أخبرتك سابقاً هناك عجائب كثيرة تحدث لي هنا.
قال فرناس: من يتعجب أنا.
قالت لينا: ألا تزال لا تصدقني، اكتشفت كذبتك علي لماذا لا تكتشف أن صادقة في كلامي أيضاً؟
قال فرناس: لكنني لم أكذبك قبلاً.
نظرت إليه بشدة وقالت: أمال مين اللي قالي إني سخرية ومجرد نكتة عشان تضحكني.
رفع حاجبه من لكنتها.
لتضم حاجبيها وقالت: متبصليش كده بعينك الحلوين دول، لماذا قلت لي ذلك في هذا اليوم وجرجتني بكلامك، أتتعلم أني شعرت بانكسار في كبريائي لدرجة أني كدت أبكي؟
قال فرناس: لاحظت ذلك.
طالعته بضيق قبل أن ينظر لها قائلاً: تعمدت هذا.
احمر وجهها بضيق وقالت: لماذا، تستمع بكسري؟
قال فرناس: أردت إغضابك، أردت رؤية السيء منك وما خلف هذا القناع إن كان زائفاً.
نظر لها وأشار على أيسر صدرها وقال: إنك نقية القلب وهذا ما جعلني أن أنفي أي شيء ضدك.
زال غضبها منها من كلامه ودقات قلبها فقط من تسمعها وكأنها فرحت بما يقوله عنها.
قالت لينا: أتتعني أنك لم تقصد ما قلته، تصدقني؟
قال فرناس: لو لم أصدقك لما كنتِ واقفة أمامي.
قالت لينا: ماذا تعني؟
اقترب منها وهو يقف أمامها وقال: أشكرك.
تعلق عيناها به.
قاطعهم فتح الباب ليدخل الحارس منحني الرأس وقال: مولاي، حضرت الوزير في الخارج ينتظر أمراً للدخول.
قال فرناس: أدخله.
ليومئ إليه وجهه أنظاره إليها وقال: غادري الآن.
قالت لينا: بس.
صمتت وذهبت وكأنها تأجل حديثهم لاحقاً لخلق مقابلة ثانية.
خرجت من عنده لتجد من يدخل خلفها.
التفتت إليه لترى هذان الكتفان الأشعة بكتفي غوريلا والشعر الكثيف.
لكن فور أن التف وهو يتحدث مع فرناس، اتصدمت صدمة كبيرة من رؤية وجهه.
شعرت بسخونة قوية تنبعث منها وسريان دمائها بسرعة كبيرة وكأنها تغلي.
لم تعد تشعر بجسدها والرؤية تتلاشى لتختفي فوراً.
أتت صفية ومعها الخدم قالت للحارس: أين هي؟
أشار لها وهو يلتفت لكن توقف باستغراب وقال: كانت هنا، للتو قد خرجت.
قالت صفية: ماذا تعني؟
سمعت صوت من داخل الجناح فأشارت للخدم ودخلت لتنحني إلى فرناس والاخر الذي يقف معه.
قالت صفية: هل تسمح لهم بتنظيف هذه الفوضى؟
أومأ إليها ونظر إلى الوزير وقال: تعال يا بردله.
قال داغر: أمرك.
ذهب معه وقفا في الشرفة الكبيرة.
استند فرناس على السور وقال: هناك دخيل.
نظر له واردف بجدية: أريد أعين متيقظة، إن كانوا استطاعوا الوصول إلينا فسوف يصلون إلى من في القصر.
قال بردله: إنك أكبر هدف للأعداء، لا تقلق على الحاشية، إنك المقصود.
لكن...
صمت بردله قليلاً ثم نظر له وقال: هل تشك بأحد؟
قال فرناس: ماذا تقصد؟
قال بردله: من فعل هذا شخص داخل القصر، سلط الخادم وسيسلط غيره.
قال فرناس: إن كان ذلك صحيح فهو سينكشف قريباً.
التفت وهو يقول: لا أريد ما حدث أن يتكرر.
قال بردله: لن يحدث، أعدك إن أمسكت الفاعل وأجعلته يندم أشد الندم، كان هذا تقصير منى، اعتذر.
قال فرناس: أتيت ركضاً فور أن عرفت لكن يبدو أني أتيت متأخراً.
قال بردله: سعدت أنك بخير.
قال فرناس: ماذا تقصد أنك تعرف؟
قال بردله: مخزون الغذاء أثناء تداوله رأيت قنينة صغيرة تقع من أحد العاملين سألته عنها أخبرني عنه دواء وصفه له طبيب، حين تفحصت القطرة التي سالت منه، طلبت الطبيب لفحصها أخبرني أنه سم.
لينكشف أمره أمامي، لكن حين أخذت منه القنينة كانت نصفها فارغ وهناك من استخدمها.
ضغطت عليه بقوة فأفشى ما في جعبته.
قال فرناس: ماذا قال لك؟
قال بردله: إنه لم يكن سوى رسول إلى أحد طباخين القصر، خشيت عليك حضرتك وكان شكي في محله.
قال فرناس: أين هو؟
قال بردله: أمرت بسجنه.
قاطعهم صوت طرقات وكان داغر الذي أتى واستأذن بالدخول.
أشار له فرناس تقدم منه وقال: أخي، أراك تتساهل فيما حدث.
قال داغر: ماذا تقصد؟
قال فرناس: كدت تقتل، لم نحصل على إجابة لنعرف من تجرأ على فعل هذا.
قال داغر: ماذا تريد أن تقول؟
قال فرناس: تلك الفتاة.
وكان يقصد لينا.
أردف: أمرها يثير الشكوك.
قال فرناس: ليست هي.
تعجب داغر منه.
لكن تدخل بردله وقال: سمعت أن فتاة تدخلت ومنعت ما يحدث، لكن من أين عرفت بهذا؟
قال داغر: لم نستجوبها بعد.
نظر بردله إلى فرناس قليلاً ثم قال: هل تسمح لي بطرح بعض الأسئلة عليها؟
نظر إليهما من إصرارهم نادى صفية الذي أتت فوراً واستدعاها في الحال.
وحين عاد إليه وملامحها يملأها القلق.
نظر فرناس إليها وقال: أين هي؟
قالت صفية: لا أعلم.
قال داغر: كيف لا تعلمين؟
قالت صفية: لم أجدها، أخبرتني الصفوتان خاصتها أنها لم تعد بل لم يراها أحد في ممر واحد حتى منذ ركضها.
قال بردله: كيف هذا، هل انشقت الأرض وابتعلتها.. لنرسل جنوداً للبحث عنها.
كان فرناس صامتاً غير مندهش مثلهم.
قال: لقد عادت إذن.
فهو تلقى خبر اختفائها لمرتين وتلك الثالثة.
قال داغر: هربت، كان يجب يا أخي ألا تدعها تذهب، نها موضع اتهام كبير.
قال فرناس: أخبرتك، ليست هي.
تعجب أكثر منه.
وقال: لما كل هذه الثقة بها، إنها أول مرة أراها وأعلم أنها ضيفتك لا تختص بالجوارى حتى بل لها غرفة خاصة.
قال بردله: مولاي، هل تعرفها؟
قال فرناس: ليس جيداً.
قال بردله: أعذرني لكن هل تعرف شيئاً لا نعرفه نحن، أوافق حضرت الأمير داغر على ما يقوله.. اختفاؤها يعني أنها هربت، أي لها يد بالأمر، بل هي سبب كبير بما حدث.
قال داغر: أخي، حياتك ثمينة للغاية، إن تهاونت معها سيلحق بك الأذى.
ربت على كتفه أخيراً ويطمئنه بعينيه.
وقال: لا تخف على أخي، لا أموت قبل مماتك.
صمت وقد أثار عاطفته وضع يده فوق يداه.
عاد فرناس بنظاره إلى بردله وقال: إنها لم تفعل ذلك، وحين أقول إنها لم تفعل فهذا بصيغة التأكيد.
لذلك نظر إليهم وأكمل: دعوكم منها وركزوا على العدو الحقيقي.
أومأ إليه بردله وقال: لطالما كانت ثقتك هي الصواب، أنت تعلم أكثر منا لذلك.. أمرك ينفذ.
قال ذلك وهو ينحني ليغادر.
عقد ذراعيه خلف ظهره ليلتفت إلى السماء التي بدأت في الانشقاق بنور الصباح ويتذكر كلامها التي قالته قبل مغادرتها من جناحه.
"أنا متعلقة بك، أنت السبب في وجودي هنا وخلف عودتي في كل مرة."
"لينا، إنك الموسومة."
داخل الغرفة جالسة على سريرها وهي تستوعب عودتها.
وقعت عيناها على ذلك الكتاب الملقى على الأرض، إنها داخل غرفتها وها هو الكتاب المشعوذ ذلك.
التقطته وهي تقلب فيه وكأنما تحاول تقرأ ما كتب على غلافه لكن دون جدوى.
تلك اللغة ليست كلغة الذي تتحدث بها هناك حتى، إنها حروف خاصة.
فتح الباب وكان حسام الذي طل من رأسه فور رؤيتها.
أقترب منها وقال: أنتِ كويسة، حد أذاكي هناك؟
لقد كان قلق عليها.
لكنها قالت: المرة دي كانت أفضل من أي مرة روحت فيها، متقلقش محصليش حاجة زي كل مرة.
نظر إلى ملابسها بشدة وذلك الفستان.
قال: أي إلى أنتِ لبساه ده؟
ضحكت وقالت: أي رايك، شبه أمير زي ما كانت تيته تقولي.
قال حسام: أي إلى حصل معاكي، وعملوا إيه في الحكم؟
قالت لينا: مكنش في حكم أصلاً، الملك محكمش عليا بالإعدام بسبب الجندي كنت خايفة مش أكتر.
قال حسام: ورجعتي إزاي؟
قالت لينا: مش عارفه، مع إن في الوقت ده كنا بنتكلم وبحاول أفهم إلى حصلي، ممكن الحدث إني أنقذته.
طالعها باستغراب.
قالت لينا: كانو هيغتالوه وأنا منعت ده يحصل، متسألنيش إزاي عشان معرفش حاجة.
قال حسام: أي إلى بيحصلك يا لينا؟
قالت لينا: مفيش فايدة، كل شوية لما أكتشف حاجة يظهر الأغرب منه.
تذكرت رؤياها التي راودتها قبل رجوعها.
قالت لينا: بقيت أشوف المستقبل ولا إيه؟
قال حسام: استغفر الله.
قالت لينا: مقصدش بس ده إلى حصلي، أنا مستغربة جداً، حتى شوفت شخص في عقلي وقبل أما أرجع بالظبط كان داخل الجناح عنده.
أما كعدتش فاهمه حاجة ولا إلى شوفته ده إيه بس إلى فهمته.
نظرت إلى الكتاب وقالت: أنا هناك بسبب فرناس.
قال حسام: الملك؟
أومأت له إيجاباً.
قاطعهما رنين جرس الباب.
تعجبت ونظرت إلى أخيها الذي قال: أنتِ بيتي بره عند صحبتك ولسا جايه، لو ماما أو بابا سألوكي.
قالت لينا: أنت فهمتهم كده، أكيد اتضايقوا لأنك عارف بابا مش بيحبني أبأت عند حد.
قال حسام: كنت مضطر.
ذهب.
أوقفته لتسأله كم غابت هي وحين أجابها تعجبت كثيراً.
لقد أخبرها (منذ البارحة).
ليوم واحد فقط كانت غائبة عن هنا.
كيف.. لقد عاشت هناك أسبوع كاملاً يأكلها الملل، تتذكر ذلك جيداً.
كيف الوقت هنا سريع هكذا، بل كيف هناك بطيء لدرجة أنه لا يحتسب.
خلعت الفستان ووضعته في خزينتها لتخرج في استقبال والدتها وقد كانت عائدة من التسوق.
حملت معها الأغراض.
قالت والدتها: موحشتكيش يا ماما؟
قالت هاجر: كنتِ فين؟
قالت لينا: كنت بايته عند صحبتي، عندنا برزنتيشن للجامعة وكنا بنعمله سوى.
قالت هاجر: المفروض كنتِ تديني خبر لوالدك قبلها.
قالت لينا: معلش منا قولت لـ حسام يعرفك.
ولم ترد عليها.
لكن رمقتها نظرة لم تفهم معناها وكأنها لا تصدقها ولا تصدق أخاها.
ذهبت وتركتها لتنظر إلى حسام الذي رفع كتفيه وقال: نفس ردها لما قولتلها.
أنا همشي عشان اتأخرت على شغلي.
قالت لينا: استني، وصلني الجامعة.
قال حسام: هتروحي النهارده؟
قالت لينا: بسرعة عشان متأخرش أكتر من كده، أعمال السنة بتروح عليا.
أشار إليها كي تسرع.
حقت به سريعاً ليوصلها بسيارته إلى باب الجامعة.
مودعاً إياها وقال: لو في حاجة اتصلي بيا.
قالت لينا: حاضر.
ذهبت وحين رأت يوسف امتعض وجهها بشدة وكأنها تريد أن تضربه بقوة من تذكر قفل المدرج عليها.
نظر إليها بحنق متبادل.
لتراهم يضحكون.
مهلاً هل يسخرون منها.
طالعتها يارا بقرف.
تضايقت أكثر.
معقول هل يقول عليها شيئاً سيئاً.
لا كده كتير.
كانت ستذهب متوجهة إليهم وجدت يد تمسكها وتسحبها بقوة.
وكان معتز الذي قال: بطلي سرعةك دي اللي هتخليكي تتفصلي قريب.
قالت لينا: أنت مش شايف تصرفاتهم؟
قال معتز: مم امتى وانتي بتتضايقي كده، اتعودت أشوفك مبتهمتيش.
قالت لينا: دول بيزيدو فيها، أنا كنت بحاول أمشي أموري بس باين إنها مبقتش يارا بس.
قالتها وهى تنظر إلى يوسف بكره.
سحبها.
نظرت له بشدة قالت: أنت سحبتني على فين؟
فلتت يدها وقالت: ممكن تفهمني في إيه؟
قال معتز: عايزة تندمي يوسف على قفل المدرج عليكِ؟
اتسعت عيناها وقالت: أنت كنت عارف؟
صمت.
اقتربت منه بضيق وقالت: كنت عارف وسبتني جوه، ثانية أنت اللي فتحت؟
قال معتز: قولتلك مش أنا، ومش يوم لما أكذب أكذب عشانك يا لينا.
أنا راجعت الكاميرات لما سألتك ومقولتليش وكنت عارف إنك بتخبي، شوفي يوسف وهو بيدخل ويقفل المدرج.
قالت لينا: رضيت فضولك وعرفت أنا مضايقة ليه؟
قال معتز: أها.
ضايقت منه.
قالت لينا: تمام، شوفت مين اللي فتح الباب.. لو مش أنت كان مين؟
صمت قليلاً ولم تفهم صمته.
حيث تنهد وقال: مكنش في حد.
قالت لينا باستغراب: إزاي؟
قال معتز: الباب يا إما اتفتح من جوه أو... محدش فتحه أصلاً.
نظر إليها وقال: مكنش في حد يا لينا عند الباب، مكنش في غيرك.
رواية سرداب غوانتام الفصل العاشر 10 - بقلم نور
انت سحبتني. انفلتت يدها وقالت: ممكن تفهمني في ايه؟
عايزة تندمي يوسف على قفل المدرج عليكي.
اتسعت عيناها وقالت: انت كنت عارف؟
صمت.
اقتربت منه بضيق وقالت: كنت عارف وسيبتني جوه. ثانية، انت اللي فتحت؟
قلتلك مش أنا. ومش يوم لما أكذب، أكذب عشانك يا لينا. أنا راجعت الكاميرات لما سألتك ومقولتليش وكنت عارف إنك بتخبي. شوفي يوسف وهو بيدخل ويقفل المدرج.
رضيت فضولك وعرفت أنا مضايقة ليه.
اها، ضايقت منه.
قالت: تمام. شفت مين اللي فتح الباب؟
لو مش أنت كان مين؟
صمت قليلاً ولم تفهم صمته. تنهد وقال: مكنش في حد.
قالت باستغراب: إزاي؟
الباب يا إما اتفتح من جوه أو... محدش فتحه أصلاً.
نظر إليها وقال: مكنش في حد يا لينا عند الباب. مكنش في غيركم قبل ما آجي.
تعجب كثيراً، فهي لم تلمسه ولا يوسف الخبيث الذي لم يفتح له. معتز، لقد جعلتني في حيرة فوق حياتي المزدادة يومياً.
لاحظت نظراته إليها. قال: لسه مش عايزة تقوليلي إيه بيحصل معاكي؟
أنت مهتم ليه؟
قلتلك، موضوع شخصي.
شخصي إيه اللي بينا؟ أنت فعلاً كنت تقصد إيه، إنك مهتم بيا؟
ابتسم. تفاجأت كثيراً. تقدم ووقف أمامها وقال: هتفهمي بعدين. خلينا في دلوقتي.
اللي هو إيه؟
لو خليتك تندمي على اللي عمله، هتعرفيني حكايتك.
مفيش حكاية أصلاً.
كانت هتمشي. مسك إيدها وقال: يوم ما خرجتي من المدرج، لبسك، وأخوكي اللي كان قلقان عليكي.. اتصال الأمن مكنش من فراغ. كنت بتعمل كده ليه؟ مش بتساعدني صح؟
ضاقَت عيناه وقال: لو مكنتش بساعدك، أنتِ هتساعدي مين. أنا كنت قلقان عليكي. اختفاكِ الصبح وظهورك بالليل رجعني عشرين سنة لورا.
ألقت عليه نظرات، فهي لم تفهم كلمة واحدة مما قاله. مسح وجهه وهو يقول: قلتي إيه يا لينا؟
دكتور معتز، أنت عايز إيه بالظبط؟
خلينا نعمل صفقة.
عبارة عن إيه؟
هندملك أي حد بيضايقك هنا في الجامعة. وفئة المتنمرين ضدك كتروا.
قصدك يارا وصاحبها ويوسف وصحابه؟
عارفة كويس إنهم ولاد رؤساء الجامعة.
وهتوقفهم إزاي بقى؟
ده يرجعلي. في المقابل، تحكيلي على اللي بيحصل معاكي.
سكتت من اهتمامه المستغرب. لكن وجود شخص كمعتز معها واستشارته فيما يحدث لها هو أكبر مساعدة لها. أنها لن تضر بـ ... وسيساعدها أيضاً في جامعتها لعدم التعرض لمضايقات.
قالت لينا: عايز تعرف إيه؟
العالم اللي اتكلمتي عليه.
ابتسمت. قالت: غريب أمرك يا دكتور إنك مأخدتوش هزار. بس فعلاً كلامي كان حقيقة. أنا بتنقل لعالم تاني مختلف عن هنا تماماً.
سكتت. تعجب. قال: كملي.
عقدت ذراعيها وقالت: هحكيلك لما تاخدلي حقي زي ما قلتلي. هنشوف هتعمل إيه.
ابتسم. لم تفهم ابتسامته. لكن اقترب منها ولم يعد هناك مسافة بينهم. قال: لسه متعرفنيش، بس ردي هيوصلك قريب. هستنى.
سمعت صوت من بعيد يناديها. لترى سهيلة صديقتها تشير إليها. لكن حين رأت معتز، حمحمت باحترام له. قالت: إزيك حضرتك يا دكتور؟
أومأ إليها بمبادله. ثم نظر إلى لينا وغادر. ولا تزال سهيلة تنظر لهما. قالت: علاقتكم فعلاً اتحسنت عن الأول بكتير. الكل بقى بيحسبكم متصاحبين.
نظرت إليها بحدة: بتقولي إيه؟
خافت منها وقالت: مبقولش. كويس إنك عرفتي تتأقلمي معاه.
اه جداً. أنتِ كنتي بتعملي إيه هنا؟
لسه مخلصة محاضرة. بحسبك اتغيبتي.
أكيد اتغيبت في أول محاضرة. هلحق التانية.
أومات لها بتفهم وهي تضم حاجبيها مستنكرة: لينا.
همهمت بمعنى نعم. لتكمل سهيلة: في واحد بيبص عليكي من ساعة تقريباً.
التفتت لترى باستغراب. أشارت لها لتجده يقف بعيداً ينظر إليها متهجماً. كان ذلك العجوز الذي لاول مرة تراه غاضباً هكذا والشر ينطلق من عينيه.
نتقابل بعد الجامعة.
قالتها وهي تتجه إليه. وكلما اقتربت منه شعرت بالخوف ولا تعلم سره. هل هو غضبه الذي يبدو مخيفاً أم أنها ارتكبت خطأ باتفاقها مع معتز؟ لا شك أنه أتى ليصيح في وجهها.
قالت لينا: قليل لما بتقابلني هنا. مش في غوانتانامو؟
إيه اللي عملتيه ده؟
عارفة إني غلطت، بس هو كان مصر يعرف.
صاح به بغضب: دخلتي لي ومنعتيه يا...
تعجبت بل انصدمت أنه يتحدث عن فرناس. قالت: قصدك الأكل المسموم؟ إزاي تعملي كده وتعبثي في أحداث الكتاب؟
مش فاهمة. أنت مضايق عشان أنقذته؟
كانت مصدومة بحق. وقالت: مش ده الملك اللي بيخليني أرجع وهو نفسه اللي أنا هناك عشانه، مش كده؟ ولا أنا فهمت غلط؟
أنتِ فعلاً هناك بسببه، بس ده مش معناه إنك هناك تشيله من الخطر. إنوي مجرد عين.. عينك زي القلم بتكتب كل اللي بتشوفه في الكتاب وتدوّنيه.
أشار عليها وقال: أنتِ مدونة مش محاربة. سمعتي؟
أنت بتقول إيه. أنا مش فاهمة حاجة.
غلطتي يا لينا. غلطتي أوي.
عملت إيه؟ كنت عايزني أسيبه يتسمم؟
مك didn't ده هيحصل. وزيرة اكتشفت كل حاجة قبلك وكان هينقذه. بس أنتِ غيرتي الأحداث لمجرد إنني بتخيليه.
سكتت وهي تتذكر ذلك المشهد الذي رأته لشخص يقتحم الجناح: مولاي، لا تأكل الطعام المسمم.
قالت لينا: قصدك إيه؟ طب ليه في رؤية جتلي بأني أنقذه؟
رؤية إيه؟
شوفت الأكل وهو بيتقدم له. ليه شوفت الحاجات دي ومشاهد لسه بتحصل ومشاهد كانت هتحصل زي وزير، بس بعد ما أدخلتي.
ده كان الكتاب يا غبية. قولتلك مدفون في عقلك الباطن الأحداث. ولما أدخلتي خلاكي تشوفي الحدث اللي غيرتيه بنفسك.
صمتت بضيق من نفسها. لكن نظرت له وقالت: أنا مكنتش أعرف. بدل ما أنت مضايق، المفروض تعرفني كل حاجة بدل ما أنا زي التايهة.
مش لازم تعرفي يا لينا.
عايزني أفضل كده على طول؟ لا عارفة أنت مين ولا الكتاب اللي النار مش بتأثر فيه وكأنه بسبع أرواح. ولا الأرض والعالم الغريب ده بروح له.
اقترب منها وقال بهدوء: فيه حاجات هتندمي لو عرفتيها.
تعجبت من نبرته. نظر لها وقال: أوقات بيكون الجهل أفضل. حتى أنا..
اجهليني أفضل يا لينا.
أنت مين؟ ولي رميتني هناك؟
أنتِ المختارة. مش أنا اللي بدخلك. ده خارج عن إيدي.
والمفروض أفضل أتنقل كده كتير؟
مهمتك مش هتطول. قربت تخلص.
تعمقت في كلامه وقالت باهتمام: قصدك إيه قربت تخلص؟ مش هروح هناك تاني؟
شايفك زعلانة إنك مش هتشوفيه.
زادت ضربات قلبها ارتباكاً وقالت: لا طبعاً. لكن مجرد سؤال.
متعمليش حاجة غبية تاني.
قال ذلك بحدة. وضع يده على جبهتها وهو يغمض عينه. تعجبت منه. بس حست بسخونة قوية.
بعدته عنها وهي تحسسها. قالت: إيه ده؟
حاولي تقللي استخدامك ليها.
هي إيه؟
لسه مأثرتش فيكي ذاتك.
تعجبت من كلامه الغير مفهوم. ذهب. قالت بصوت مرتفع: قصدك إيه؟ مش كل مرة تمشي.
ذهبت إليه لتوقفه. هبت ريح ليتلاشى معها. توقفت قدماها وهي تحدق في الفراغ بشدة. التفتت حولها بخوف.. هل اختفى؟!
في اليوم التالي كانت جالسة أمام ذلك الكتاب الموضوع على المنضدة وبينها وهي تدرس. تلقي أنظارها عليه من حين لآخر.
تنهدت بضيق وهي تمسك رأسها: لو بقيت أفكر كده كتير مش هعرف أحل الامتحان اللي بعد بكرة.
قاطعها رنين هاتفها. وكانت صديقتها. جاوبت وهي تقول: في إيه يا سهيلة؟
حليتي الشيت اللي الدكتور بعته؟
محلتش حاجة ولا عارفة أحل. سبيني أذاكر.
قفلت معها. فهي تشعر بالضيق لأنها لأول مرة لا تدرس وتضيع وقتها بسبب ذلك الكتاب اللعين.
سندت رأسها وهي تفكر: متى ستعود مجدداً؟!
بل قالت وهي شاردة الذهن... كيف هو الآن وماذا يفعل؟
داخل الجامعة كانت تجلس على كرسي يبعد عن الآخر بمسافة لا تقل عن المتر. حيث كانت اللجنة مشددة. لا يوجد صوت سوى صوت نقل الأوراق بين صفحاتها.
كانت لينا متوترة وهي تلعن معتز داخلها على ذلك الامتحان الذي وضعه: أمال لو كنت هتساعدني بحق وحقيقي، كنت كملت جميلك وهات امتحان عدل أو حذرني.
لكنه لم يعدها بذلك. بل أخبرها أنه لن يجعلها تتعرض للمضايقات. ويبدو أنه ليس من الرجال الذين يقولون كلاماً بغير مقدرتها. لكنه لا يفعل شيئاً لأجلها أيضاً. بل وضع امتحان يصعب عليها وكأنه لا يتنازل عن مهنته القديرة.
وحدت بعدما انتهيت لتجد يارا تتحدث بثقة مع أصدقائها عن سهولة الامتحان. تعجبت كثيراً. أتت سهيلة ورأتها واقفة هكذا لتعلم على ماذا تنظر. وقالت: زي عادتها بتنجح بتقدير امتياز.
قالت لينا: ومين هيخليها تجيب أقل؟
العميد بيعمل شغل جامد. تلاقي بيجبلها الامتحان.
مش بعيد.
ضحك الاثنان. نظرت يارا إليهم من ضحكاتهم. قالت: بيضحكوا على إيه دول؟ أكيد غيرانين.
كانت متضايقة. ذهبت إليهم وهي تقول بابتسامة: ما تضحكيني معاكي يا لينا.
نظروا إليها. ابتسمت وهي ترد عليها: حاجة متخصكيش.
فعلاً، أكيد مش هيخصني حاجة تبعك لأنها هتكون قليلة أوي.
ضحك الجميع وتضايقت لينا كثيراً. قالت: إنني قليلة من غير حاجة يا يارا.
ضحكت. قالت: أنتِ عارفة بتكلمي مين؟ أكيد مش العميد. بابي.
طالعهم الجميع من سخريتها. قربت يارا منها وهي تبتسم بشر. نكزتها في رأسها بقوة. انصدم الجميع: شكلك عايزة تتحطي في القائمة السوداء.
استجمعت لينا قبضتها وهي تشعر بالغضب الشديد على امتداد يدها. قالت: فكراني زي اللي بيسكتولك؟
أنتِ كده فعلاً. حبيبتي، أنتِ عارفة الكل هنا بيشوفك مجنونة، كتبك وانطوائك.. "Baby you are crazy".
ضحك الجميع. لتنظر إليهم بغضب وتشعر بشر يجتاحها. بل غضب لم تشعر به. نظرت سهيلة إليها بقلق. قالت: يلا نمشي.
فلتت يدها بقوة. قالت: لينا.
انتفضت رمال من على الأرض وامتلأت الأجواء بالتربة، ليسعل الجميع وهناك من يتألم من عينيه. واختفى صوت الضحكات. وضعت يارا يدها على عينها بتألم وصرخت بغضب: أنتِ مجنونة.
نظرت سهيلة إلى لينا وهي تبعد الغبار لكي تستطيع رؤيتها وهي تسعل. لتجدها تبرز سن القلم وتثقبه بها. اتسعت عيناها بصدمة. لكن كان هناك حائل بينهما. لقد كان معتز يمسك بيدها وينظر إليها بشدة وإلى القلم.
نظرت لينا إليه لتهدأ ثورتها وتنظر إلى يدها. انتشل منها القلم وتوقفت الرمال وعاد الهواء نظيفاً.
قالت يارا بغضب وهي تنظف ثيابها: أنا هوريكي.
اقتربت منها لتجد معتز ينظر إليها. قال: يارا، مش شايفة إن تنمسك لازم تمارسيها برا الجامعة.
ابتسمت وقالت: أنا متمرستش على حد يا دكتور. ثم إشمعنى لينا اللي أنت مهتم إذا كنت بدايتها ولا لا. أعتقد بردو حذرت يوسف قبل كده.
نظرت له وقالت: هي حبيبتك. أعتقد الارتباط بطالبة هيخليك تتعرض للمساءلة القانونية.
نظر الجميع إليهم. وتلفتت لينا حول تلك الأعين. ابتسم معتز وقال ببرود: وأنتِ عارفة يا طالبة كلامك ده هيخليكي تتفصلي من الجامعة.
توقفت لوهلة وهي تبتسم ساخرة. ألا يعرف من تكون هي ومن يكون والدها؟ نظرت إلى لينا باستهزاء وذهبت ليتبعها أصدقاؤها. ألقى معتز نظرة على الجميع فذهبوا. عاد بنظره إليها وهي لا تزال غاضبة. أمسكها من ساعدها وقال: امشي.
ذهبت معه وهي تحدق فيه وفي يدها. قالت: أنت رايح فين؟
انفلتت يدها جامد. وقالت: في إيه؟
رفع القلم في وجهها وقال: إيه ده؟
نظرت له وتذكرت كيف كان في يدها. قال معتز: اتجننتي يا لينا؟
ضايقتني.
ضايقتك؟ أنتِ عارفة كنتي هتعملي إيه. كنتي هتبقي في الأحداث سجل جرائم العنف. عايزة تقدري مستقبلك؟
أنت مشوفتش كانت بتقولي إيه. ومدت يدها.
وده ردك؟ ترتكبي جريمة وتضيعي أنتِ. اتعودت عليكي ذكية.
سكتت قليلاً وهي مرتبكة. قالت: معرفش إزاي فكرت كده.
تعجبت منها. تنهدت بضيق. قالت: صدقني معرفش إزاي ولا إمتى مسكته حتى. لقيتك في وشي والقلم في إيدي. معرفش كنت هعمل إيه.
صمت وهو متضايق منها. وضع القلم في حقيبتها. قال: خلي بالك من تصرفاتك بعد كده.
لتجده يمسح بيده على شعرها. نظرت له وكانت ممتلئة بالتراب بما حدث. وفوجئ تراب الأرض عليهم. نفضت ثيابها. قالت: العاصفة كانت لصالحي.
إزاي عاصفة في مكان واحد؟
بستعجبت منه. لكن حين نظرت له ويده الذي يمسد على رأسها. نظر إليها وتوقف عما كان يفعله. ابتعدت عنه وقالت: شكراً.
ذهبت لكن توقفت وقالت: ياريت متنساش اللي قلته لي. مش عايزة أنا أقتلها زي ما كنت هعمل.
غادرت وتركته واقفاً. اعتدل بحرج وهو يخفض يده.
كانت لينا جالسة وهي تأكل مع عائلتها وهي تتمتم ببعض الكلمات المتضايقة وهي تعلن يارا وعائلته ينظرون إليها بشدة على تحريك شفاها. عقدت حواجبها. إنهم لأول مرة يرونها بهذا الغضب.
قال غسان: في حاجة يا لينا؟
توقفت فجأة ورفعت وجهها لتراهم ينظرون إليها. قالت: لا مفيش.
قال حسام: أنتِ بتتخانقي مع دبان وشك؟
نظرت له بضيق من سخريته. قالت والدتهم: خلاص كلو.
وقف حسام وقال: أنا همشي. خارج مع إيه النهارده.
قالت لينا: أحسن أستريح من كلامك بليل معاها شوية.
ضربها على قدماها بقدمه. نظرت له بضيق. طالعهم والدهم فاعتدلوا وغادر. ذهبت أيضاً هي لتكمل دراستها لعلها تتناسى ما حدث.
دخلت لغرفتها تتحدث إلى الكتاب. أليس هذا صديقها؟ لِمَا يورطها إذن؟
أنها الآن تطالبه أن يتحرك. تريد الذهاب إلى ذلك الملك. تذكرت هذا العجوز الذي لا تعرف حتى اسمه وضيق منه لأنها أنقذته: واحدة شافت حد بيتأذى وملك مسؤول عن شعب كامل، تشيله يموت؟ لا ومضايق أوي. وأنا أعرف منين إن فيه حد هينقذه بدالي؟ أنا معرفتش غير لما أدخلت.
تنهدت. لأنها لا تعلم متى سيخبرها عن حقيقتها. لكن تعلم أن فرناس يمتلك إجوبتها أو ستجد ما تريده معه. ما الرابط الذي بينها وبينه لتكون هناك من أجله؟
إنها "مدونة". هكذا لقبها العجوز. أدركت الآن أنها الكلام الذي يدون ما يراه داخل هذا الكتاب. لكن لا تعلم كيف وأين ما تدونه وماذا تدون حتى.
"شايفك زعلانة إنك مش هتشوفيه".
لتكن صريحة فور انتهاء مهمتها تعني بأنها لن تعود إلى هناك. لن تراه. فرناس. ذلك الملك الذي لا تعلم عنه شيء. لكن خوفها الذي دفعها إلى الجنون واقتحام جناحه لتحذيره يجعلها مكشوفة أمام الكل. تظن له المشاعر. لكن بسبب الاختلافات الكبيرة الذي بينهم. هذا لا يصلح لذلك تسميه إعجاب. ومن لا يراه لا يعجب به. بتلك الملامح العربية والشعر الأسود كسماء في ليلها يجعله، يجعله مميز عن أي أحد.
في أحد الأمسيات كانت جالسة في غرفة المعيشة. أتى أخوها مع كوبين من القهوة وأعطاها واحداً. أخذته شاكرة: بتفكر في إيه؟
قالها سألها إياها عن شرودها: غوانتانامو.
بحسبك قلقانة من امتحاناتك مع إن دي مش عادتك.
صمتت وكأنها اعتادت على مشكلات الجامعة التي تلاحقها. لكن آخر مرة لم تكن عادية. لا تزال تفكر في تحولها.
قالت بتنهيدة: مفيش حاجة بفكر فيها أكتر من الأرض العجيبة دي.
متعرفيش طريقة أدخل بيها لهناك.
ضحكت. وقالت: ليه؟ كلامي حمستك لهناك.
عايز أكون جنبك وأشوف الدنيا هناك عاملة إزاي. ولو حد قرب منك.
أكمل بشر: أقتله.
ابتسم. لطالما كان أخوها سندا لها. تتذكر في طفولتها حين كان يضايقها أولاد أقاربها كان يضربهم من أجلها حتى أصبحت مخاوفهم.
قالت لينا: هسأل العجوز ده لو ينفع. مش هماني أبداً.
لو في طريقة دخل جوه عقلك وأشوف اللي شوفتيه.
ابتسمت. لكن تحولت ابتسامتها إلى شرود مباغت. حيث خطرت لها فكرة. فكرة غريبة لا تعلم من أين لتأتي لها بهذه الفكرة: هخليك تشوفها يا حسام. وماما وبابا. ممكن الكل.
ضحك. وقال: إزاي ده؟
قصة. إيه؟
غادرت الجلسة متجاهلة إياه. إنها تود كتابة قصة مصورة لذلك العالم. الكتاب يدون الأحداث وهي ستدون مغامرتها وما تراه. إن كانو مهامها ستنتهي لتخلد في ذكرياتها.
جلست على المكتب تخرج دفتر رسم كبير. جاء أخوها. نظر إليها بتمعن واستغراب: بتعملي إيه؟
أخرجت أقلامها، وهي تحضرها أمامها. هوايته التي تمتاز فيها. الرسم.
قالت لينا: هعمل قصة، عشان تشوفوا اللي أنا بشوفه هناك.
أكملت بثقة: أقدر أوريكم كل الشخصيات. الشوارع، الأكل، العربات اللي بيجرها الحصان، الجنود، المملكة، القصر، غوانتانامو كلها.
ده ينفع؟
ليه لا. خليك ثواني.
جلس على الكرسي ينظر إليها وهي تحرك يديها وتقلب الورقة. مر بعض الوقت وقد شعر بالملل. وقف وقال: لما تخلصي وريني.
انتهت ورفعت الورقة عالية. قالت: خلصت.
ألقى نظرة ليرى أناس يرتدون ملابس غريبة ونساء يلتففن حول أجسادهم ملابس خاصة. الرجال يقفون بين بضائعهم والفاكهة والخضروات تملأ المكان وهناك الكثير يتبضع.
قال باستدراك: ده سوق.
أومأت له. قالت: أيوه. هناك بيلبسوا كده إلا في المناسبات. لبسهم بيكون غريب من نوعه بس مميز. زي يوم الغيام.
إيه يوم الغيام ده؟
ابتسمت. وقالت: هتعرف بعدين.
ماشي. بس اركن ده لما تخلصي امتحاناتك.
بقول كده بردو. أوقات بخاف الكتاب يسحبني لهناك وأنا بحل.
مبروك عليكي إعادة السنة.
نظرت له بحنق. غادر لتبقى بمفردها. تركت الرسمة ودخلت في فراشها تستلقي استعداداً للنوم.
مرت لياليها تحت أضواء الدراسة تتجاهل أي سخرية من فرد في الجامعة. ولم يعد أحد يضايقها حتى بالنظرات. وهذا ما أراحها بعض الشيء. وقد ظنت سوف تصبح حديث الجامعة.
كانت أثناء دراستها تنظر إلى الكتاب. لماذا لم يهتز بعد؟ لقد أطال هذه المرة أم أنها تتخيل لأنها تتشوق للعودة. إنها من تريد أن تعود بالفعل. لعلها تكسر سر آخر.
انتهت الامتحانات وعادت إلى عطلة جلوسها في غرفتها. كانت قد اعتادت الرسم أو القراءة لترسل ما تخيله. كانت تحتسي كوب الشاي في غرفتها. ترتدي بيجامتها وترفع شعرها لأعلى ومبعثر على وجهها بعشوائية وتضع الفرشاة على أذنيه.
تدندن وهي تقرأ لتشرب آخر شفة. ومسحت فمها حين ابتعلت الشوائب. قال: الشاي خلص. أروح أعمل واحد كمان.
وقفت لتغادر. لكن توقفت حين شعرت بأن قدماها تصلبت فجأة. حاولت التحرك لكن لم تستطع وشعرت ببرودة قوية في الغرفة: إيه اللي بيحصل؟
نظرت إلى المدفأة التي لا تشعر بدفئتها. التفتت إلى الكتاب الذي علاه عنوان لكل ما يحدث. وجدته يصدر ضوء. تعجب كثيراً. لكن كان يزداد بالتوهج. ثم سمعت صوت ذلك اللحن. ذلك اللحن الحزين الذي بدأ في التوضيح للغاية. لتسمع صوت بكاء، صوت نحيب وصوت انكسار. هناك صرخات تسمعها تخرج من ذلك الكتاب وتصب في أذنيها.
وضعت يدها على أذنها وقلبها ينبض بقوة. ازداد الصوت لترى أطياف تخرج من الكتاب. ارتاعت وتحاول الرجوع لكن قدماها متوقفة. وكأنه ملتصقة بالأرض. نظرت إلى ملابسها. انصدمت.. مهلاً، مهلاً، ليس أنا.
أحاطت بها حتى لم تعد ترى غرفتها وشعرت بجاذبية قوية تطيح بها.
وقعت أرضاً وشعرت باصطدام جسدها بالأرض فتألمت. اعتدلت من على تلك الأرضية وهي تتحسس يديها. لكن حين رأت ذلك المكان الذي هي فيه. بل ذلك الوجه الذي وقعت عيناها عليه. إنه فرناس.
نزلت بعينيها لتجد تلك الكتل العضلية المجرمة وذلك الصدر العادي ذو الكتفين العريضين. احمر وجهها وكان معه حاشيته يساعدوه في ارتداء ملابسه. وضعت يدها على عينيها وقالت: استنى.
التفت إليها فوراً ورفع الحارسان سيفهما فوراً. لكن فور أن رآها فرناس تعجب كثيراً وجعلهم يخفضون أسلحتهم.
قلقلت حين سمعت صوت نصال سيوفهم. قالت: معرفش إزاي جيت هنا. صدقني لم أكن أعرف أن آتي في هذه الساعة.
تقدم منها قال: لقد عدتي إذاً.
فتحت عينيها لتقع على عينيه الرمادية فدق قلبها وهي تنظر إليه. قالت: ده شيء جيد؟
إلى حد ما، أجل.
هل كنت تنتظرني؟
صمت قليلاً. ثم قال: لنقل هذا. لم ننتهي من كلامنا بعد.
فرحت أول الجملة. ياريتها لم يكملها. بس لما بصت على صدره العادي أمامها احمر وجهها: أنت لسه ملبستش.
اقتربت منه ينظر إلى حركة جفنها. توترت من عينه. قالت: فرناس.
ترتجفين.
ازداد نبضات قلبها وحست بانجذاب نحوه و...