تحميل رواية «سرداب غوانتام» PDF
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اتأخرت أوي ع الجامعة. جريت وقفتها أمها. "خدي دوقي." خدت قطمة من الساندوتش. "حطي رشة فلفل أسود وهتبقى زي الفل." قالت هاجر. "بقيتي تعلقي على أكلي؟ الله يرحم ما كنتي بتاكلي وتبوسي إيدك وش وضهر." "باست إيدها وش وضهر." قالت. "آه." وضحكت. شافت الساعة. "صوتت وطلعت تجري: يالهوي فاضل ربع ساعة.. أنا ماشية." كانت هتخبط في أبوها. لفت بسرعة. "خبطت في الحيطة." قال غسان: "إنتي كويسة؟" "آه آه .. أنا كويسة." كملت جري وهي بتقول بخوف: "بس مش هكون كويسة لو اتأخرت أكتر من كده." قالت هاجر: "استني يا لينا إنتي مفطرتيش...
رواية سرداب غوانتام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور
لما عرفت أنه كان مستنيه، بس شافت صدره العاري، احمر وشها بشدة.
"انت لسه ملبستش؟"
قرب منها أكتر. دق قلبها جامد وهو بيبص على عيونها. اتوترت وحست بانجذاب نحوه.
"فرناس: ترتجفين؟"
"لأنك عريان قدامي."
غمضت عينها من ضعفها.
"ابتعد، استر جسدك قبل أي شيء."
طالعها شوية من حركة جفنها. قرب منها أكتر لتشعر بدفء جسده. توترت. من ثم ابتعد ظله عنها فهدا قلبها. كانت ستفتح عينيها لكن ظلت مقفلة.
"هل انتهيت؟"
سمعت صوت الباب ينفتح ثم يقفل. مجدداً تعجب. هل هناك من دخل أم هناك من خرج؟ وجدت من يقف أمامها وقد لامست. اعتدلت، لتشعر به ينحني أمامها وعينه تثقبها وهي تتخيله وتود النظر إليه.
"تستطيعين النظر."
"هل ارتديت ملابسك؟"
"افتحي عيناك."
"هل ارتديت؟"
لم يرد عليها فتضايقت وقالت:
"اسرع وارتديها، أم ابتعد على الأقل حتى أخرج من هنا."
"قلت لكِ فتحي عيناك."
"لا، لن أفعل ذلك، لا يصح."
"ستظلين هكذا."
"أجل."
"كما تشائين."
انصدمت من رده.
"ماذا؟!! لن ترتدي؟"
"لا."
شعرت بالضيق منه. ساندت ظهرها وقالت:
"إذا سأذهب. اللعنة على هذا الكتاب الذي أرسلني لك."
كانت تحاول الاتزان بأعينيها المقفلة، لكن من أين الباب؟ ذهبت في اتجاهها، تعثرت لكن اعتدلت، يد والتقتها قبل أن تلامس الأرض بجسدها. تشبعت به. وحين رأته تفاجأت بشدة. لقد كانت تمسك ملابسه الذي يرتديها بالفعل.
"انت... هل ارتديت ولم تخبرني؟"
"أخبرتك أن تفتحي عيناك."
تضايقت منه لتجده يلمس أذنها. ارتعدت من لمسته، لكنه كان يأخذ قلم الرسم خاصتها خلف أذنها. وابتعد عنها لتقف على قدميها بحرج من دقات قلبها.
كان يقلب القلم بين يده.
"تمتلكون أقلام تشبهنا."
ابتسمت وقالت:
"إنها الريشة، خاصة بالرسم."
"ترسمين؟"
"أجل. أستطيع رسمك."
"إن لم تفعلي، سأقطع رأسك."
اتسعت عيناها. رفع عينيه إليها. مد يده بالقلم وقال:
"ماذا أبدو لكِ يا لـينا؟ ملك قاسٍ، أم ظالم، أم الاثنان معاً؟"
"لا أعرفك بعد لذلك لم أحكم عليك. لكن، سمعت عنك ما يقول غير ذلك. لكنني لم أنسَ ما رأيته في الساحة يوم الغيام."
"كنتي هناك؟!"
"مفاجأة، أليس كذلك؟"
"هل شفقتِ على تلك الروح الذي هدرت، أم شعرتِ بالخوف لأن تكوني مصيرك حين سُجنتِ؟"
صمتت قليلاً من فطنته.
"لا أعلم لماذا قتلته ولماذا هلل شعبك بهذه الطريقة وكأنه طقس اعتيادي."
"إنه كذلك بالفعل."
"أنتم غرباء مثلي. هل تفرحون بقتل الأرواح؟"
"ماذا عنكِ أنتِ؟ قتلتِ من قبل؟"
تضايقت منه وعقدت ذراعيها من ردوده عليها.
"كانت حادثة."
لم يرد عليها. ألقى نظرات على شكلها. لاحظته فخجلت من بيجامتها وشعرها. لتعدل هندامها على هيئتها الساخرة وقالت:
"كنت في طريقي للنوم داخل غرفة نومي. بالطبع سأجلس على راحتي في منزلي... لا تنظر لي، أشعر بالحرج."
قالت ذلك بخجل أن تكون قبيحة. لكنه قال:
"تبدين طبيعية."
نظرت له. فأي نوع من الغزل هذا، لكنه أعجبها بشدة.
"طبيعية... هل هذا شيء جميل؟ لعله كذلك."
"ترتدون هكذا أثناء نومكم؟"
"مثل قميصك الملائكي الفضفاض، يجعلكِ كالفارس."
"الفرسان لا يرتدون هكذا."
"أنتِ أدرى."
سكتت وهي تمسك بكلماته. نظرت إليه خلسة لتجده ينظر إليها. خجلت.
"ما الأمر؟"
"تأخرتِ كثيراً هذه المرة."
قالها بنبرة هادية لامست قلبها.
"كم مر من الوقت هنا؟"
"ثلاثة أشهر."
ابتسمت برغم صدمتها.
"عندنا أسبوعين. كنت أنتظر عودتي كثيراً."
"لماذا؟"
توترت ولم تجد إجابة. أكمل قائلاً:
"ألم تكوني تكرهين الوجود هنا؟"
"كلامك محق يا فرناس، لكن هذا كان قبل رؤيتك."
قالت بضيق.
قاطعهم طرقات على الباب. وحين دخل الحارس، أمسك بيدها وجعلها تقف خلفه. كان طويل القامة ذو الكتفين العريضين. شعرت بدقات قلبها وتبسمت وكأنما أعجبها الأمر.
قال الحارس:
"الوزير الأعظم وسمو الأمير يستأذنان بالدخول."
"ألقهم في الديوان."
تعجبت من ما قاله. انحنى الحارس وخرج. فالتفت إليها لتعود إلى رشدها.
"لماذا فعلت هذا؟"
"ما هذه الملابس؟"
ألقى عليها نظرات ثم أبعد عينيه.
"لتبدلي ذلك."
فهمت مقصده.
"أجل، فهمت."
ذهبت لكي تعود إلى غرفتها، لكنه أوقفها بقول:
"إلى أين؟"
"سأذهب لأغير ملابسي كما طلبت."
"سوف تغيرين هنا."
قالت بصدمة تملأها الغضب:
"ماذا قلت؟ كيف هذا؟"
"اخفضي صوتك."
قال ذلك بنبرة باردة جعلتها تصمت. يوم كامل. أكمل بتوضيح:
"لن أكون هنا أثناء تبديلك."
انصدمت منه وقالت:
"سوف تخرج من جناحك من أجلي؟"
نظر إليها ولم تفهم. قال بهدوئه المعتاد:
"ذاهب إلى مقر المجلس."
شعرت بالحرج.
"حسناً، لديك ميعاد إذاً."
سمعت صوت الباب لتجده يخرج وتبقى هنا بمفردها. تضايقت في البداية. وكأنها أرادت أن يخرج من هنا لأجلها هي فقط. وليس لأنه لديه ميعاد. هل تكبره لا يسمح له بترك جناحه لفتاة مثلها؟ لماذا إذا خبأها من أعين الحارس؟ ابتسمت لتذكرها. وضعت يدها في فمها. يدهشه من ابتسامتها. مهلاً... هل يفعل ذلك مع جميع النساء؟ عادت إلى ضيقها لتخيل ذلك.
جاءت رفيقاها الذي اندهشوا من رؤيتها. تبسمت وهي تلوح لهم فسعدوا. كان معهم ملابس لها، وهو فستان غير مكشوف كالبقية. أظنهم أصبحوا يعلمون ما تريده. ارتدته بمساعدتهن.
"ظننا أنكِ لن تعودي مجدداً."
"كيف دخلتِ إلى جناح الملك؟ هل هو من أحضركِ هنا؟"
"بل وجدتنا هنا."
نظروا إليها باستغراب شديد. تحايلت نظراتهم.
"أراكم تبحلقون في الأركان."
"إنها لأول مرة ندخل جناح الملك فرناس."
شعرت بالضيق. فهل تسببت في دخول نساء إليه؟ انتهت من ملابسها وأشاروا إليها لتخرج معهم.
"إلى أين نذهب؟"
"إلى غرفتكِ. لا يسمح البقاء في الجناح الملكي."
"لكنكِ ترتادينه كثيراً."
غمزت لها بابتسامة وهي تكمل:
"مولاي مهتم بكِ."
نظرت لها باهتمام.
"لماذا تقولين هذا؟"
"ألا تعرفين؟ لقد أعطانا أمراً أن نعطيه خبراً فور ظهوركِ. أرسل جنوداً أيضاً للبحث عنكِ لدرجة أن الشعب قد ظن أن هناك عدواً يتجول بيننا."
صمتت وهي تقلب الكلام داخلها.
"يبدو أن ملكنا وقع في الحب."
لماذا شعرت بالسخرية حين قالت؟ وقلت بجدية:
"إنه الحديث ذلك."
صمتوا مستغربين، لكن أومأوا بطاعة. لم أقصد إحراجهم، لكن كلامهم مالت له بقلبي وكأنه صدق. ثم قام عقلي بنكزها بقوة على تصديق الهراء. إنهم لا يعلمون ما بيننا واهتمامنا ببعض ليس سوى فضول لمعرفة ما سر الآخر. "فرناس" يهتم بعالمي ويود معرفة من أنا بالتحديد... ليس اهتماماً شخصياً أبداً... بل لا يوجد اهتمام.
عادت إلى الغرفة ورأت "صفية" الذي كان يبدو على وجهها أنها تنتظرها. قالت وهي تعقد ذراعيها:
"الركض ممنوع، الخروج بدون إذن ممنوع... مسموح لكِ فعل ما تشائين عدا اختراق القواعد، هنا يوجد نظام."
سخرت منها داخلها.
"لو لم أركض ذلك اليوم واستمعت لكم لكان ملككم قد مات."
اتسعت عيناها.
"الملك؟!"
طالعها "صفية" بضيق شديد وتعجب منهما. ألا أحد يعرف؟
"اصمتا."
فوقفوا مطأطئين الرأس. وقفت أمامها ثم سحبتها من ذراعها.
"تلك الحادثة لا يعرفها أحد، حرصاً على عدم خلق قلق في الأرجاء وجعل الأعداء يرون هذا ضعف وتفكك منا."
أكملت وهي تنظر لها:
"لن تفهمي هذا الكلام."
"أدرس ذلك في الجامعة."
تعجبت منها وقالت:
"جامعة؟"
"إنها مدرسة، للكبار في مرحلتي."
"أنتِ تستطيعين القراءة؟"
"أعلم لغات كثيرة، عدا لغتكم هذه."
"لكننا هكذا بالعامية التي تداولناها."
تعجبت منها.
"كيف؟"
"انتزعت لغتنا منا قديماً. حاولنا استرعها ببعض المعرفة فصارت مختلطة مع بلاد أخرى... تتشابه الحروف بما في السابق، لكن لغتنا أعظم من ذلك... لذلك نحرص على عدم نزع هويتنا أو أي شيء داخل أرضنا العظيمة."
نظرت إلى رفيقها ثم عادت بنظرها إلى "لينا".
"لا تتحدثي عن ذلك اليوم، أبقي فمك مغلقاً."
تنهدت منها كي لا تغضب. وكأنها تعاملها معاملة خاصة.
"أصبحتِ تعرفين الآن."
غادرت و"لينا" تنظر إليها.
"كم عاشت هذه المرأة هنا؟ يبدو أنها صارمة للغاية."
"إنها من إدارات حريم القصر لمئة عام. لطالما كان يتم تغيير من تدير على أقل خطأ، لكنها لم تخطئ بل تضع نظاماً لم ننحرف عنه. لذلك دامت إلى الآن."
"قولتي ميت سنة، كم عمر الملك إذن؟"
"لا أعرف الكثير، ارتدت القصر منذ سبعة وعشرين عاماً فقط."
تعجبت من أرقامهم الذي بمثابة عمرها بأكمله.
"لكني سمعت أنها كانت بمثابة مربية للملك فرناس في صغره."
"والدته؟!"
"لا نعرف. اختفت في يوم وليلة وقد قيل أنها قتلت."
انصدمت.
"كم كان عمره، الملك؟"
"أظنه كان لا يزال رضيعاً."
نكزتها "نائله" بقوة.
"هل نسيتِ التحدث في أمور ملكية يعرضكِ للعقاب؟"
صمتت بخوف ونظرت إلى "لينا" التي قالت:
"لن أتكلم. إنني أتحدث معكم ليس إلا... فقط أريد معرفة بعض المعلومات عنه."
"لماذا تهتمين بتلك المعلومات إلى ذلك الحد؟"
صمتت قليلاً ثم قالت:
"إنني أهتم به."
اندهشوا من صراحتها.
"ملككم يروق لي، أظنه يروق لجميع النساء. لذلك... فقط أحب سماع الكثير عنه."
ابتسمت "بشرى" بخجل وقالت:
"أنا الحقيقة، لكنني لا أعرف سوى بضع معلومات. كنت صغيرة وقد سمعتها ممن يكبرونني هنا... غير ذلك لا يفتح أحد فمه بحرف واحد."
"هل أنتِ هنا منذ القدم؟"
"أتيت وأنا أبلغ العشرين من عمري. إنه بالفعل رقم قياسي."
ذهبت إلى الرصيفة. تتنهد تنهيدة عميقة. لكن وجدت أربعة حراس يسيرون بالأسفل عاقدين السيف جانب ذراعهم.
"إلى أين يتوجهون؟"
"لعله مقر التدريب."
"سمعت عن ضخامة عدد جيشكم."
ابتسمت "نائله" ثم قالت:
"لم تري فرقة أولى فقط. كم تبلغ عدداً."
أومأت بتفهم وهي تعود بنظرها إلى الطريق الذي سلكوه... مقر التدريب إذا.
كانت جالسة في المساء تشرب كوباً من العصير الذي انتهت منه للتو.
"معمول من إيه؟"
طالعتها "بشرى" قالت بتوضيح:
"طعمه ذكي. لا شك أن جلست أكثر من ذلك سوف يزداد وزني الضعف."
فهمت وأوقفت بصيغة من ذلك الملل.
"إلى أين؟"
تنهدت منهما اللذان يراقبون تحركاتها. فتح الباب فتعلقت عيناها أخيراً على الذي دخل. لكنها كانت "صفية". فعادت لجلستها بضيق.
"قفي لنذهب."
"لاين؟"
"حضرت الملك يدعوكِ على العشاء."
نظروا إليها بدهشة. وقفت وهي تدرك ما سمعته.
"الملك فرناس؟"
"أجل. لنذهب، لا يجب أن نتأخر على حضرته."
ابتسمت ولا تعلم هل لأنها ستخرج من هنا أم لأنها ستذهب إليه.
كانت تسير كعهما في الممر تسمع إلى كلام "صفية" الذي تلقيه عليها مع التحذير:
"مولاي لا يحب الكثير من الكلام، لا تدخلي فيما لا يعنيكِ، الانحناء له واجب، وأخيراً..."
التفتت عليه فقالت "لينا" باستدراك:
"لا تجادليه، حفظت ما قلتيه صدقيني... لماذا تعقدين الأمر؟"
نظرت إليها بضيق لتكمل سيرها إلى الجناح. ودخل الحارس يستأذن لهما. تبعته "لينا" إلى الداخل. تعجب الحارس منها قال:
"انتظري حتى..."
"إنه من دعاني، سوف أخبره لا تقلق."
صمت ليخرج ويتركها تبحث عنه بعينيها. لكن ذهبت بقدميها إلى تلك الغرفة التي تصدر ضوءاً خفيفاً. لتجده يجلس في مكانه يقوم بإذابة شيء ما ويجعله يسيل على ورقة مطوية ثم يضغط عليها بشيء أشبه بالختم.
"اقتربي."
تفاجأت. هل كان يعرف بوجودها وأنها تتابع ما يفعله؟ وجلست على كرسي مقابله.
"ماذا تفعل؟ هل ترسل رسالة إلى شخص؟"
رفع عينيه إليها.
"كيف عرفتِ؟"
"أليس هذا ختمك للتأكد من قفل الرسالة وعدم فتحها غير من المرسل إليها."
أشارت عليه ثم قالت:
"هل يمكنني رؤيتها؟"
فسح المجال لها. أخذته وهي تنظر إليه فتوقفت لبرهة وهي تتفاجأ. إنه ذات الرمز التي تعرفه جيداً.
"أي سر الرمز ده؟ بيجيلي في كل مكان."
وجدته ينظر إليها. توترت. تركته.
"ماذا تفعل؟"
"ستفهمين؟!"
قالت بضيق من سخريته:
"على فكرة أنا في كلية آثار ودارسة كويس ومعايا ٣ لغات."
وضعت الورقة أمامها الذي كان يدون بها بتلك الريشة الممتلئة بالحبر.
"هل أفتحها؟"
"افعلي ذلك."
قامت بفتحها بعدما أخذت موافقتها. لكن توقفت بصدمة من تلك الحروف... هذه الكتابة... هذا الخط... إنه يشبه كلمات الكتاب الذي لم تستطع قراءتها ومدفونة بداخله وبرزت ذلك اليوم داخل المكتبة. بعدها لم يفتح مجدداً.
"أليست هذه لغة غوانتام الذي فقدتموها؟"
"إن نسي الملك أصله فكيف يكون ملكاً؟"
"إذن حرصت عائلتك على الاحتفاظ بها. تعرف اسم اللغة؟"
"إنها أحرف رمزية، تخص عائلتنا فقط."
"تعني أنها شفرة لا يعلم عنها غيرك؟"
"يوجد في كل بلد رسول من لغتنا لفك تلك النقوش. إن جازف واستخدمها قطع رأسه. نستخدمها في الرسائل السرية في حالات الحروب."
قالت بصدمة:
"حروب؟! هل تنوي أن تخوض حرباً؟"
"لا نزال داخل مفاوضات، لكن الطرف الآخر يرى تفاوضي ليس سوى ضعف. بينما أفكر في شعبي لسلم إليه."
"معك حق. الحروب تؤثر على البلد ذاتها قبل أي شيء. لكن ما نوع العراك؟"
وقف وأشار إليها. ذهبت معه لتجد خريطة على الحائط. تعمقت بها من البلدان الكثيرة المحيطة بهم.
"ترين هذه؟"
أومأت إيجاباً. قال بتوضيح:
"إنها تابعة لنا، تشكلت طائفة منهم كالمتمردين يستعملون خيراتها ولا يريدون تركها مدعين أنها بلدهم هي فقط."
"ألم تقل إنها تابعة لكم؟ هل تحكم غير بلادك؟"
"أجل. هناك بشر عانوا داخلها لم تكن سوى أرض جرداء قمت أنا بجعلها بلد خصبة للزراعة والحمد يعود على غوانتام ولها... هؤلاء هم يحتلونها وهم طائفة قليلة منهم يجبرون الناس على تقبلهم."
"شعب هذه الأرض يحبونك أيضاً. هناك حل. هل أستطيع تقديمه؟"
جلست وهو ينظر إليها.
"أتعلــمين؟ لا يعلم ذلك الأمر غيري ورؤساء الديوان."
"لماذا قلت لي إذا؟"
"أرغب في سماع نظريتك من العالم الآخر."
ابتسمت وقالت:
"لماذا لا تجلس معهم... هناك حل. تن تعرف ما يريدونه واللجوء إلى حل يقبلونه وتتقبله أنت أيضاً."
اقتربت منه وقالت:
"طريقة تجعل من أمامك يغضب بسبب هدوئك الذي يجعلنا نظن أننا سخرية. لذلك إن أردت مساعدة، أستطيع الذهاب معك."
صمت وهو ينظر إليها. لم تفهم.
"أين العشاء؟ إنني أتضور جوعاً... كيف يكون طعام الملك؟ هل هو أشد شهية؟"
تبسم بهدوء فتأملته لوهلة. ليقاطعهم صوت من الخارج. أعاد الخريطة إلى مكانها وقال:
"طعامك قد وصل."
خرجت لتجده يحرك أصابعه على باب الغرفة المقفل. ثم عاد إليها.
"ماذا كنت تفعل؟"
"لا شيء."
جلست معه. وقبل أن يأكل هو، باشرت هي بالطعام. طالعها قليلاً وهي تأكل، لكنها منشغلة في تذوق ذلك الطعام الشهي لدرجة تجعلها تريد الأكل فوق طاقتها.
"كيف تعدون هذا الطعام؟ طعامكم سيء."
"بل شهي للغاية. لكنني اعتدت عليه لذلك لا أنبهر من أكله... إن أتيت لعالمي سوف أجعلك ترى أن عالمي فيه الكثير يستحق المشاهدة... لكن هذا لن يحدث."
"من يجب أن يحبط؟ أنا، ليس أنتِ."
"أريد أن أضحك أمام والدي."
رفع عينيه إليها. اتحرجت وقالت:
"أقصد، عشان يصدقوني مش أكتر."
"سردتِ عليهم ما تعيشينه؟"
"بالطبع، لكنهم لم يصدقوني. عدا أخي... إنه الآن يعلم كل شيء وواثق أني لا أدعي الجنون."
عادت إلى أكلها وقالت:
"رغم أنه لم يصدقني في البداية وكنت أمتلك دلائل تعرضي للضرب."
تنهدت ثم أرسلت:
"لماذا أرسلت أمراً للبحث عني؟ هل ارتكبت جريمة أخرى؟"
"قلقت أن يرميك الكتاب في مكان آخر فتتعرضين إلى العنف من جديد."
توقف الطعام في حلقها حين قال ذلك. ونظرت له وهو يأكل. وكأنما لم يبقَ شيء.
"هل أرسلت جنودك ليعودوني إلى قصركِ كي لا أعاني في الخارج؟"
"هل تعانين هنا؟"
صمتت ثم نفت برأسها.
"جيد."
كانت تنظر له وهو يأكل وتسمع دقات قلبها المرتفعة بشدة. لاحظ نظراتها إليه. استغربت. اتحرجت.
"عايزة أطلب منك طلب."
"ما هو؟"
"ارسمك."
تعجب منها.
"هل أنت موافق؟"
"إنه أغرب طلب سمعته."
"سأزودك بمعلومة أخرى عن الكتاب، إنه شيء يخصكِ وأثق من ذلك."
صمت. اعتدل وهو ينظر إليها.
"ماذا تريدين؟"
ابتسمت حين علمت أنها موافقة.
"قلم رصاص أو..."
"عايزة فحم."
أومأ له إيجاباً على تأكيد كلامها.
كان الخادم يضع أنواع أحجار كثيرة أمامه وهو منحني الرأس.
"هذه جميع أنواع الفحوم الممتاز جلالة الملك."
أشار إلى "لينا".
"مش ده اللي كنت أقصدُه بس تمام. كنت أريد بعض منها مطحون."
وجدت "فرناس" يمسك أكبرهم. عادت إلى خادم.
"أليس عندك فحم مطحون؟"
"بلى..."
سمعت صوت تحطم. اتسعت عيناها حين رأت. اعتصر الحجر بين قبضتيه ويضيق عليه وعروقه تظهر من قوته. ثم فتح يده لتنسدل فتات الفحم المطحونة تحت ذهولها من قوته.
"كيف فعلت هذا؟"
"هل هذا ما تحتاجينه؟"
لامست الفحم. أومأت إيجاباً.
"جيد، إنه مناسب."
نفض يديه من الاتساخ. أعطاه الخادم ممحاة لينظف يده. لكنه أخذها منه وأشار له فغادر وتركهم. نظف يده.
"سوف تستخدمينهم جميعاً. اجلسي."
نظرت له من وقوفه. تنهدت منه.
"انت عشان ملك مبتحبش حد يأمرك."
أمسكت يده لتجلسه على كرسيه.
"ما هي جلستك المريحة كي لا تتعب؟"
"إنني لا أتعب."
تعجبت. لكن وضعت يدها على كتفه لتعيده للخلف. رفع عينيه إليها من يديها. فالتقطت عيناهما بما تخشاه. إنها تنجذب إليه. هناك من يسحبها في جوف عينيه العميقين. خفضت عينيها بضيق. ثم أمسكت يده تاركاً نفسه إليها. وقالت وعيناها على الأرض:
"لتصبح هكذا حتى ننتهي."
"أستطيعين الرسم وأنتِ لا تنظرين إلي."
توترت. ابتعدت عنه.
"ليس الأمر كذلك."
لم يرد عليها. التقطت الورقة مع الفرشاة التي تمتلكها لتبدأ في رسمه تدريجياً. حيث بدأت في عينيه التي تستحق العناء لرسم تفاصيلها. كانت تلقي عليه نظرات وتعود لتطبيق. برغم أن عينيه الذي تطردها تربكها.
كانت "بشرى" جالسة تنظر إلى الباب.
"أطالت هذه المرة."
"جيد. ظننتها ستعود باكية كالمرة الفائتة."
"قالت سيدتي إنه يدعمها للعشاء فقط."
ابتسمت "نائله" وقالت:
"لعل الأمور تطورت. أصبحت الفتاة من الشرفاء في مدة وجيزة... ليست هينة. ألم تسمعي؟ لديها عائلة. إنها لا تشبه من هنا."
"من يعلم؟ لعلها تزدرئ منا."
"لكنها متواضعة للغاية. لو كانت غيرها لرأت نفسها لمجرد أن الملك طلبها."
"لننام. لن تعود."
قالت ذلك وهي تغادر. طالعتها "بشرى" قليلاً. أومأت لها وتبعتها.
كانت جالسة. وقعت الفرشاة منها وهي تطرق أصابعها بتألم. لقد مر وقت طويل على جلستها معه. لا يوجد سوى الصمت ولم يتحدثا. كانت تضيف اللمسة الأخيرة على رسمتها وذلك خصلة شعره الذي تميل إلى جبهته.
نظرت له. توقفت حين رأت أنه مقفل العينين في نفس وضعيته وقد غفى. ابتسمت ساخرة.
"مبيتعبش."
عادت إلى رسمتها فلا داعي أن توقظه. انتهت حتى أبعدها عن وجهه. ابتسمت وتريد أن تضحك. لكن حذرت من عدم إصدار صوت.
ذهبت إليه لتريه إياها. لكن توقفت وخبأتها بين الصحف. واقتربت منه لتجلس عنده ناظرة إليه.
"اللعنة، يبدو أوسم بكثير. كيف يحافظ على جلسته أثناء نومه؟"
توقفت عيناها متأملة إياه. أزاحت تلك الخصلة من على جبهته بالفرشاة. نزلت بها على وجهه... تلك الملامح الجميلة. نزلت بها على عنقه تلامس تفاحة آدم. وكأنما تشعر به وهي من تلمسها. نزلت بها قليلاً على صدره... كان جاكته منفتح عند منطقة الصدر. لو أزاحته قليلاً لرت عضلاته الذي رأتها البارحة.
تحرك فرشاتها عند ذلك الشق منتصف صدره. ودقات قلبها تتواثب. لتجد من يفتح عينيه وينظر إليها.
"أتستغلين نومي؟"
وقعت من فرط خوفها. لكنه أمسكها وجعلها تجلس مكانه. ليضع يده على الكرسي محاوطاً إياها. ابتلعت ريقها بتوتر منه.
"هل أخلع ملابسي لترين تفاصيل جسدي؟"
احمر وجهها وكأنه سينفجر. ولم تقدر على الرد. وهو ينظر إليها. أمسك يدها و... أدخل أصابعه بين أصابعها. فوقعت الفرشاة من يدها. ودق قلبها بشدة.
اقترب منها أكثر وصدرها يعلو ويهبط. قال في أذنيها:
"لا تفعلين شيئاً يجعلك تندمين. ليكن هذا درساً."
ابتعد عنها فالتقطت أنفاسها بحرج شديد. خفضت رأسها بضيق.
"لم تكوني نائم؟"
"لا."
شعرت بالخجل. وجدت أنه يأخذ الفرشاة.
"ستكونين معي."
"تريد الاحتفاظ بها؟"
أومأ إليها. وقفت وهي تحاول استعادة رباط جأشها.
"ماشي، خدها."
أخذت الورقات وغادرت. أوقفها وقال:
"إلى أين؟"
"سأغادر."
"الرسمة، أم لم يكن هناك رسمة من البداية؟"
تضايقت منه.
"هل تحاول إحراجي؟ أخبرتك لم أقصد شيئاً... لسه متشوقة لرؤية جسدك عارياً فقط. كنت أمزح."
"المزاح في بعض الأحيان يكلف المرء حياته."
"أتريد قتلي إذا؟ تفضل، ها أنا ذا أمامك."
مد يده حافت أن يخرج الخنجر وتراجعت. لكنه قال:
"الرسمة."
تحرجت أكثر وأخرجتها من بين الورق وأعطتها له. ليلقي نظرة عليها متأملاً رسمها. إنه صورة طبق الأصل له.
نظرت له من عينيه التي تتدفق في الرسمة.
"هل تبدو سيئة؟ لم أمتلك أدوات كفاية."
"لم أتخيل أنكِ تمتلكين موهبة كهذه."
أسعدتها جملته كثيراً.
"يبقى عجبتك."
أومأ إيجاباً. ثم قال:
"ما هي المعلومة؟"
عرفت مقصده.
"أنا هنا من أجل تدوين أحداث داخل ذلك الكتاب الذي يدفعني إلى هنا."
أشرت له وقال:
"وبما أنكِ من تتسببين في دخوله، إذاً أنا أدون عنكِ أنتِ."
"ما الذي تدونه؟"
رفعت كتفيها باستنكار.
"لا أعلم. قيل لي أن عيني هي القلم وأنا لست سوى شاهد على أحداث هذا الكتاب... مدونة، هكذا قيل لي."
"من الذي قال لك؟"
"إنه عجوز غريب الأطوار، لا أعلم عنه شيء... سبب مساعدتي له ظننت أنه من عالمي، فلحق بي حتى تقع ذلك الكتاب في طريقي وجعلني هنا الآن."
"هل تثقين بالغرباء؟"
"إنه مجرد عجوز. ثم إنه لم يؤذيني بل يساعدني ويمنحني المعلومات... يتابع رحلتي هنا وقال إنها أوشكت على الانتهاء. لا أعلم كيف، لكن لننتظر ونرى."
"لا تثقين بأحد يا لينا... وإن كان عجوز أمامك قد شاب شعره."
"لماذا تقول ذلك؟"
"أمتلك خبرة أكثر منكِ."
"من ماذا أخاف منه؟"
"لا أحد. أخبركِ ألا تثقين بأحد... هنالك الشرير وقد يظهر شره أمامكِ وهنالك الخبيث وهذا أخطرهم. قد لا تأخذين حذركِ منهم بل مطمئنة لهم."
"أشكرك على إخافتي."
"إن كان تحذيري خوف لكِ، فخافي إذاً."
صمتت ثم نظرت له قليلاً.
"لماذا صدقتني يا فرناس؟ استمعت لي وظللت تكرر علي بعدم الكذب. أنت بمثابة عائلتي حين حكيت لها أني ذاهبة إلى عالم آخر ولم يصدقوني... لماذا صدقتني أنت؟"
"قلتِ أنكِ مدونة."
"أجل؟!"
"يبدو أنها كناية أخرى عن الموسوم."
تعجبت كثيراً. وقالت وهي تكرر:
"موسوم؟!"
"لستِ الأول من أتيتِ إلى عالمنا."
انصدمت.
"هل هنالك أحد غيري؟"
كان سيحدث، لكن صمت وهو يلتفت ويضع يده على عينه. تعجبت.
"ماذا بك؟"
"اقفلي النافذة."
نظرت إلى الشرفة لتجد الصباح بدأ بالحلول. أقفلتها وعادت إليه.
"أنت بخير؟"
كان لا يزال معطياً ظهره إليها. اقتربت منه. أشار لها أن تتوقف في مكانها. لم تفهم. لكن عاد كما كان ونظر إليها.
"نكمل غداً."
"لماذا؟ أنك تتحدث ببطء. أسرع، نحن لا نزال معاً."
"لن يفيدك كلامي إلا بالرؤية."
تعجبت.
"ماذا سوف أرى؟"
طرق الباب. التفت باستغراب. من الذي أتى في ذلك الوقت؟ ليدخل "داغر" ونظر إليها بتفاجؤ من رؤيتها معه.
"يبدو أنها عادت بالفعل."
"هل كنت أيضاً تنتظرني؟"
"في الواقع، جميعنا كنا في انتظارك. ظننا أنكِ من تسببتِ في الحادثة الفائتة وهربتِ. لكن أخي قال إنكِ ستعودين. وظننت أن هذا محال."
نظر إلى "فرناس". ابتسم وقال:
"ألم أقل أنك تقرأ الطلائع؟"
لكن نظر إليهما وقال:
"ماذا تفعلين هنا لحد الآن؟"
توترت. قال "فرناس":
"أنا من طلبتها."
"ألم تنم البارحة؟!! أأنت متأكد أنك ستشرف على مقر الجيش اليوم؟"
تفاجأت "لينا" كثيراً. لكن نظرت إليه. لهذا قطع حديثهم لأنه لديه ميعاد سابق.
قال "فرناس":
"أكمل قيادتك. إنهم ينتظرونك."
أومأ له بطاعة ثم انحنى إليه وغادر. لتقف هي تنظر إليه.
"هل سلبت منك وقت نومك؟ آسفة."
"على ماذا؟"
"نسيت مسؤولياتك وقمت بإلهائك ووقتك ثمين."
"أخبرتك لا أتعب. النوم لا يؤثر علي. لكن سيترتب عليه يومان غياب."
لم تفهم. أشار إليها وقال:
"تستطيعين الذهاب."
التفت ووجد من تنتشل من يده اللوحة. تعجب منها.
"ما الأمر؟"
"أخبرتك أن أرسمك، لكن لن أعطيها لك... لا أذكر أني قلت شيء كذلك."
"ماذا ستفعلين بها؟"
"سوف أحتفظ بها عندي."
نظرت إليه مردفة:
"لعلنا لن نصبح سوى ذكرى في عقولنا."
لوحت له بيدها وغادرت تاركة إياه ينظر إليها بعدما أصبح بمفرده. نظر إلى النافذة المقفلة.
عادت إلى غرفتها. لم تجد رفيقها. علمت أنهم غادروا للنوم. إذن. استلمت على السرير ثم أخرجت تلك الرسمة ونظرت إليها قليلاً متذكرة اقترابه منه. اللعنة عليها تصبح مغفلة أمامه.
أعادتها مكانها وغفت بارهاق مستسلمة إلى ذلك النعاس.
نائمة بهدوء تام حتى انتفضت بألم إثر الوخزة الذي صبت في قلبها. اقترب رفيقها الذان موجودين معها في الغرفة.
"ما بك؟"
"أنتِ بخير."
وضعت يدها بألم من فزعها أثناء نومتها. لا تعلم كم مر من الوقت. لكنها لم تنم كفاية.
"في أي ثانية، النوم بقى غلط هو كمان."
تألمت مجدداً فاختنقت.
"أريد..."
"سأحضر الحكيمة."
غادرت. لكن "لينا" لم تنتظر حتى وقفت على قدميها.
"أريد الخروج من هنا."
"هل ستكونين بخير؟"
"أعتقد هذا، هيا."
خرجت دون أن تنتظرها. كانت تسير وكأنما تعرف الطرقات. وهذا ما جعل "بشرى" تتعجب.
"أنكِ تتوجهين إلى الحديقة."
لم ترد عليها. لكن حين خرجا وقفت "لينا" وقد عاد قلبها بالهدوء. تلك الخضرة والهواء النقي... تنهدت بارتياح.
"أصبحت بخير. أخبري "نائلة" بذلك."
"هي، أترككِ بمفردك."
"لا تقلقي."
"كما تشائين."
ذهب. وقفت هي بهدوء تام. سارت قليلاً بين الأشجار. وكأنما تخشى الدخول إلى القصر فتصاب بالوخزات. التفت لتغادر. لكن توقفت حين شعرت بدابة تصب الأرض. لتسمع صوت ضخم جعل الطيور تحلق بعيداً.
ذهبت مقتربة من ذلك المكان الذي يبعد أمتار عنها. لكن يبدو وكأنه قريب. داخلها توقفت فجأة وشعرت بوخزة قوية جعلتها تسقط أرضاً بألم شديد.
"أي إلى بيحصل."
أغمضت عينيها بضيق. ليأتي مشهد لصفوف جنود بأعداد كبيرة يقفون منتظمين. مهلاً، لماذا ذلك المشهد الآن؟ تشعر بشعور سيء... تستطيع استنشاق رائحة الغدر.
فتحت عينيها ونظرت إلى جناحه. معقول؟ هل هو في خطر مجدداً؟ ذهبت سريعاً. لكن توقفت حين تذكرت كلام العجوز: "متتدخليش في أحداث الكتاب، انتي مجرد مدونة."
تراجعت للخلف. لكن حين تذكرته البارحة لم تهتم وركضت للداخل متجاهلة تحذير أحد.
"أكيد مش جاية أدون موته. لو شافت حد بيموت أو في خطر عليه على الأقل أحذره. أنا آسفة."
توجهت إلى جناحه بسرعة كبيرة مهرولة إليه. حتى تناست تحذير "صفية" لها عن عدم الركض واتباع القواعد.
فور وصولها كادت أن تدخل لولا منع الحراس لها قائلين:
"الملك فرناس ليس بالداخل."
انصدمت وقالت بقلق:
"أين هو؟"
لم يجاوبها. تضايقت. لكن قبل تحدثها قاطعتها صور لمشهد الجنود ينحنون بانظام. لكن هناك قوس يلوح في الهواء. يد تمسك قوس وسهم من بين الجميع الذين يضعون أسلحتهم جانباً. انتهاء التدريب. لكن هناك من يحلق بسهمه وعلى وشك التصويب.
"من أنتِ؟"
فتحت عينيها على ذلك الصوت. وحين رأت ذلك الرجل ذو الشعر الطويل وضخامة الجسد الذي لقبته بالغوريلا سابقاً. لقد رأته قبل مغادرتها الأخيرة.
"ماذا تفعلين هنا؟ ألم يخبروك أن الملك ليس بالداخل؟"
لقد كان من سينقذها المرة الفائتة. لماذا هو هنا الآن؟ إن أخبرته سوف يساعدها بلا شك...
"أين هو الآن؟"
تعجب منها.
"منشغل في أعماله."
"هل هو داخل المجلس؟ أرجوك أين مكانه بالتحديد؟"
"مقر التدريب، مع الجيش."
زادت نبضات قلبها.
"وأين هذا المكان؟"
"مقر التدريب خلف القصر ببُعد أمتار."
كانت قريبة منه إذا. تلك الدابة وذلك الصوت كانت صيحتهم. ركضت فور أن قال ذلك.
صاح بها قائلاً:
"إلى أين؟ أجننتِ؟"
"يجب أن أراه."
"لا يسمح لكِ بالذهاب. لا يسمح لكِ بالظهور أمام حشد من الرجال وأنتِ من قصره."
"مضطرة لذلك."
قالت ذلك وهي تكمل ركضاً مبتعدة عنه. ليلحق بها. وسمعته يعطي أمراً للحراس بإمساكها. فأسرعت من ركضها دون أن تدري العواقب الوخيمة الذي سوف تقحم نفسها بها. لكن كل ما تعلمه أن عليها الإسراع أكثر من ذلك.
خرجت من الباب الخلفي تكمل مكان ما توقفت. وخلفها ذلك الرجل. لحق بالوجهة تخشى من إمساكه بها. وصلت إلى بوابة كبيرة.
"أوقفوها."
التفت إلى جنديين باستغراب شديد. لكن فلتت من بينهم. وإذ بهم يلحقون بي. لطالما اختبرت من داخل الحشد. نظر الجنود إليها وهناك من يخشى النظر. أنه لم يعطِ أمراً بذلك. ارتفعت الهمهمات. وحين رأيته واقفاً أمامهم. اقتربت منه سريعاً.
"وجدتك."
نظر إليها بدهشة من وجودها هنا. وطالعها "داغر" بصدمة كبيرة.
"ماذا تفعلين هنا؟"
تحول إلى غضب.
"كيف تأتين إلى المقر؟ ألم يعلمك أحد أن هذا ممنوع؟"
"كيف علمتِ المكان من الأساس؟"
"أتى الرجل ليصبح حائل بينهم. بضخامته ذو وجهه متهجم. قال: اعتذر مولاي قمت بتحذيرها."
"ما الذي يحدث؟"
"بردلة."
تعرف ذاك الاسم. ألم يستدعي المرة الفائتة وقبل أن تخرج قال الحارس أن الوزير قد حضر. "بردلة" يكون الوزير.
"هل أنت من أحضرتها؟"
صمت. طالعه "فرناس" بشدة. فقالت:
"يجب أن نتحدث."
"حديثنا ليس هنا. هذا ليس محل نقاش."
"لكن..."
ضاقت عيناه.
"غادري فوراً."
أشار إلى "بردلة" انحنى مطيعاً وأشار له. فذهبت معه بقلة حيلة من إحراجها.
نظرت حولها. كان المكان كبير للغاية. جيش يتدرب على المبارزة. كانت تتطلع حولها وكأنما تبحث بعينيها عن أحد ما. اقتحمت عقلها صورة لتلك اليد الممسكة بالقوس والسهم في الخفاء. وتعدل وضعيتها وعلى وشك التصويب على أحدهم.
توقفت بصدمة.
"لماذا توقفتِ؟"
"الملك، حياته في خطر."
تعجب منها بشدة.
"أتدرين ما تقولين؟"
نظرت حولها تبحث عنه. ثم توقفت عيناها على أحد من الجنود متخفياً من بينهم. ويشير بسهم نحوه. "فرناس". لا تعلم كيف رأت. وكأنما هنالك من دلها. أفلتت يدها وركضت.
نظر "داغر" إليها بشدة.
"أنتِ."
التفت "فرناس" ليراها تقترب منه وكأنها تهجم عليه. أخرج الحراس سيوفهم دافعاً عنه. لكنه وقف في وجهه. لتجد سهماً انطلق تجاهها بالضبط. يثقب قلبها. اتسعت عيناها بصدمة وارتعشت خوفاً. لكن امتلكها الخوف والصدمة مما حدث. لم تتأذى. لكن هناك من جعلها غير قادرة على النطق. السهم إنه محلق في الهواء مباشرة عند أيسر صدرها. لم يمسها.
كان "فرناس" متسعة عينيه. وشقيقه يطالعها بصدمة كبيرة. بينما الوزير تصنم مكانه. التفت الجميع إليهم. فوقع السهم أرضاً وساد الصمت المهيب. نظرت إليهما من عيونهما التي تثقبني. نظرات لم أفهمها. لكنها تنهش بي. لقد رأوا ما حدث مثلي. لم أكن أتخيل قط... الجماد حلق في الهواء.
"ما الذي حدث للتو؟"
كان ذلك "داغر". أفسح "فرناس" الذي اقترب منها.
"كيف تعرفين؟"
"حاولت أخبارك."
"لنرى ما حدث ذلك لاحقاً. أخبريني من صاحب ذاك السهم."
نظرت إلى مكانه. لكن لم تجده.
"إنه واحداً من الجيش."
"جندي؟"
أومأت برأسها.
"تعرفين شكله؟"
"أجل."
"دليني عليه."
نظر إلى "داغر". أومأ بتفهم. أعطى إشارة لحراس بصيحة.
علتهم يقون ثابتين في أماكنهم. واضعين سيوفهم داخل أحزمتهم. سارت بينهم بتحقيق. تنظر إلى جميع الأوجه. وذلك من تخفى بينهم. كان كالأنصاب. يقفون بقوة دون همس. برغم العدد الكبير. هذا ما حدثني عنه "نائلة".
توقفت قدماها فجأة. تعجبت. وحاولت التحرك. لكن لم تقدر. وقعت عيناها على أحدهم. فاستحضرت الصورة الذي في رأسها. لتجد قطرة ماء تسيل على جبهته. لكنها لم تكن عرقاً. اقتربت منه. محققة في وجهه. عيناها تخترقانه. ليظهر توترته. التفت ونظر إلى عينيه الحمراء. ليقل بنبرة مخيفة:
"أيتها الساحرة."
تراجعت فوراً بخوف. سرعان ما أخرج خنجره. ركضت. لكنه أمسكها من ذراعها. فقام "فرناس" بدفعه بقوة بعيداً عنها فوراً أرضاً من قوة دفعته. قربها منه واجتمع الحراس حول الجندي الذي صاح بجنون:
"اتركوني أقتلها."
خافت من شكله. وكان كالثور الهائج يريد تخطي الجميع. ثبتوا أرضاً وهم يضغطون عليه بقسوة. ولم يقدر على الحراك. لكن رفع عينيه إليها بنظرات أرعبتها.
"سأقتلك، سأخلص الجميع منك ومن شرك."
حاول الإفلات بقوة بصراخ:
"اتركوني يا أغبياء. إنها اللعينة "رزان"."
التفتت الأنظار فوراً نحوها. تعجبت كثيراً. لكن شعرت بالخوف منهم. ما الذي قاله ذلك الجندي ليثقبوني بأعينهم هكذا. صاح فيهم "فرناس". فخفضو رؤوسهم بطاعة. وقف عند ذلك الجندي الذي ينظر إليه. جعله يعنى رقبته رغماً عنه.
"لم أكن أعلم بأن في جيشي خائنين."
"ليس في جيشك فقط، بل حتى في حياتك الشخصية."
نظر إليه مردفاً:
"مولاي الملك أخطأت هذه المرة. أنت محاط بخونة وأقربهم إليك."
نظر إليها وقال:
"لقد رأيت ما حدث. أنكِ تعرفين من تكون."
"لا أمتلك فكرة عما تتحدث."
نظر إليه بشدة.
"إن كنت أنا مجرد خائن، فأنت تمتلك المعرفة لدى الخطر المحيط بشعبك. إنك خائن مثلي تماماً."
غضب "داغر". سحب سيفه وتقدم منه ليقوم بفصل رأسه عن جسده في أقل من الثانية. لكن هناك يد منعته عن ذلك. وكان "فرناس" الذي قال:
"ليس الآن."
نظر إلى "لينا" التي كانت مرتعبة. ثم عاد بنظاره إلى أخيه. فهل يخشى عليها ما تراه؟
قال "فرناس":
"خذوه من هنا."
أخذه الحراس بقسوة. لينظر إليها قبل رحيله بتوعد.
"سيعلم الجميع حقيقتك."
تعجبت منه. عن من يتحدث هذا؟ وجدت من يمسكها. خافت. لكن كان هو فاطمأنت.
"كان يصوب عليك، أنت هدفه، لقد رأيته."
"اتبعيني."
نظر إلى الحراس مردفاً:
"لا أريد أحداً معنا."
ذهب بها يسيرون بمفردهم. قالت:
"يجب أن تجعل الحراس يزدادون حولك. لا تمنعهم من اتباعك."
لم يرد عليها. تعجبت منه. لماذا يرى ضيق يملأ وجهه ويسحبها هكذا وكأنها ارتكبت إثماً؟ لا تعلم إلى أين يأخذها. ولم يعرفها قط. لكن رأت باب جناحه. انحنى الحراس إليه. لكنه دخل بها دون فرصة استيعاب. وقفل الباب عليهما.
نظرت إليه.
"هل ارتكبت خطأ ما؟"
"من أنتِ؟"
تعجبت كثيراً من نبرته. التفت إليها بعينيه الحادتين.
"سمعتِ ما قلته."
"سمعت. لكن لم أفهم السؤال."
"لا أكرر عليكِ. لكن بصيغة أخرى."
تقدم منها وقال:
"كيف فعلتِ هذا؟"
"فعلت ماذا؟"
"كيف أوقفتِ السهم وجعلتيه يقف في الهواء؟"
علمت الآن ما يقصده.
"لا أعلم. صدمت مثلك. إنكم أرض غريبة، مليئة بالعجائب."
"أتقولين أنكِ لا تعلمين تلك القدرة الذي لديك؟"
"قدرة؟!"
"لتكوني صادقة معي."
"أنا صادقة معكِ بالفعل. لم أكذب عليكِ حتى الآن. ما خطبك؟"
"من تكونين؟ تحدثي."
قال ذلك بحدة. عادت للخلف.
"أخبريني الآن أو أعدك أني سأحميكِ. لكن إن كشف أمرك ستموتين موتاً وحشياً. ولن أفعل لكِ شيئاً."
"عما تهذي به. إنك تخيفني."
"يجب أن تخافي. ما زلتي عند ما تقولينه؟"
"لو كنت أمتلك المعرفة لأخترتكِ كعادتي."
"سأعرف بنفسي إذاً."
تقدم منها. عادت للخلف. أمسكها وقربها منه بشدة.
توترت.
"ماذا تفعل؟ ابتعد."
رفع يده ليضغط على رقبتها. فنظرت في عينيه المباشرة. قام بإزاحة شعرها من على رأسها. نظرت له من ما يفعله. ولم ترى ذلك التوهج الذي ظهر من جبهتها.
وفي لحظة واحدة ابتعد عنها مصدوماً بها. وهي تشعر بالغرابة حوله.
"ماذا حدث؟"
"إنها أنتِ."
"أنا ماذا؟"
في لحظة أخرج خنجره. وضعه عند عنقها. لترتجف بين يديه خوفاً وتبحلق فيه بصدمة.
"ف... فرناس، ماذا تفعل؟"
"ما كان يجب أن تعودي."
"لماذا تقول ذلك؟ ما الذي حدث لك؟"
"إن كنتِ لا تمتلكين ذنباً بعد، لن أخاطر بحياة شعبي من أجلكِ يا لينا."
قرب منها ليضغط على عنقها. قائلاً:
"واجب قتلك."
رواية سرداب غوانتام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور
رجعت لورا بتوتر وقالت:
"انت هتعمل ايه؟"
أمسكها وقربها منه. احمر وجهها وقالت:
"ابعد."
"انتظرى."
وقف. فقرب وجه منها مما جعل ضربات قلبها تتسارع. كانت ستبتعد، لكن يده اشتدت عليها مانعًا إياها بالابتعاد. كانت ستتحدث معترضة، لكن لم تستطع فتح فيها بكلمة. حاولت تحريك جسدها ولو اهتزازاً، لكن لم يكن يستجيب لها. إنها تشبه الصنم. نظرت إلى من يقف أمامها وماذا فعل بها. أسند جبهته على جبهتها لتصبح أعينهم مباشرة في أعين الآخر. شعرت بحرارة تسير داخل رأسها وتتحرك عبر شرايينها في كل جسدها. شعور بتخدير وانجذاب غريب. أنفاسه التي ترتطم بشرتها وتشعر باحتراق لشدة سخونتها وكأنه يزفر لهبًا. كان مقفل العينين، مما جعلها تتعجب مما يفعله. ولثوانٍ ابتعد، لتنتفض أثر عودة جسدها إليها وارتخاء عضلاتها.
قالت وهي تمسك ذراعه:
"ما الذي فعلته بي؟"
"إنها أنتِ."
في لحظة، أخرج خنجره ووضعه عند عنقها. لترتجف بين يديه خوفًا وتبحلق فيه بصدمة.
"ف... فرناس، ماذا تفعل؟"
"ما كان يجب أن تعودي."
"لماذا تقول ذلك؟ ما الذي حدث لك؟ كيف وصلت إليك تلك الساحرة؟"
ضاقت عيناه قائلاً:
"هل فعلتِ كل ذلك للوصول إلي؟"
"لا أعلم عن ماذا تتحدث، صدقني."
"إن كنتِ لا تمتلكين ذنباً بعد، لن أخاطر بحياة شعبي من أجلك يا لينا."
اقترب منها ليضغط على عنقها قائلاً:
"واجب قتلك."
دمعت عيناها خوفًا قائلة:
"هل تريد قتلي الآن؟ لقد أنقذت حياتك من بضع دقائق... أنقذتك للمرة الثانية، هكذا تكافئني؟"
"لا وثوق لكِ. ما فعلتِه جعلكِ تفشين عما بداخلك."
اقترب منها قال:
"لم أكن لأقتل يا لينا، لعل ذلك يكون آخر شيء تسمعينه."
نظرت إليه لتجده يرفع خنجرًا. فارتجفت خوفًا قالت:
"هذه عدالتك، أن تقتل شخصًا بريئًا؟"
"لا تملكين ذرة عن الأرواح الذي هدرت بسببك."
"عن ماذا تتحدث؟ لا أعلم، لا أملك أي فكرة عن الذي فعلته. أنت لتقتلني؟"
نظرت إلى يده المحلقة في الهواء، وتحمر عيناها خوفًا قالت:
"لماذا تفعل ذلك؟"
"هذا واجبي."
وفي لحظة انقض عليها لتسيل آخر دمعة لها، مغمضة عينيها، مرتجفة بين يديه. تسمع دقات قلبها. فتحت طرفة عين لتنظر إليه واضعًا خنجره عند عنقها. ينظر إليها لكن لم يقتلها. لم يخدشها خدشًا واحدًا، حيث كانت مسافة فاصلة بين حدة خنجره وعنقها. يتبادلان النظرات، مخترق كل منهم الآخر عين الآخر.
"من أنتِ؟"
استعادت رباط جأشها قالت بصوت ضعيف:
"لم أعد أعرف."
أبعد الخنجر من عليها ليعيده إلى مكانه داخل قميصه قال:
"إن كنتِ تتدعين الجهل، ستندمين أشد الندم."
"لماذا تتحدث معي هكذا؟ لم أعد أعرف مع من أتحدث. لذلك، لحين أتأكد منكِ، ستكونين موضع خيانة."
"سأقول لكِ مجددًا، اكتشفي صدقي مثلما تكتشفين كذبي."
"أنتِ محق."
اقترب ثانيًا ونظر في عينيها بهدوء. توترت من نظرته وخفضت عيناها تتحاشي النظر إليه.
"انظري لي."
رفعت عيناها له متعجبة من نظراته. ثم ابتعد عنها وقال:
"كيف تمتلكينها ولا تعلمين حولها بشيء؟"
"أخبرني ما الأمر."
"لديكِ قدرة هنا." قال ذلك مشيرًا على منتصف جبهتها. أكمل قائلاً:
"العين الثالثة، يقظة لديكِ."
"العين ماذا؟!!!"
"قدرة ذهنية في تحكم الجاذبية، تحركين الأشياء عن بعد."
كانت تبحلق فيه منسجمة مع ما يقوله. ثم ضحكت خلسة قالت:
"كنت أظنك شخصًا صارمًا، لم أعلم أن لديك حس فكاهي."
توقفت عن الضحك حين وجدت أعينه الباردة تنظر إليها، جعلتها تطبق فمها بحرج قائلة:
"أعتذر، أنا لا أقصد السخرية، فقط لا أستوعب ما تقوله. أي قدرة تلك التي أحملها؟"
"هل رأى أحد شيئًا مثل ما حدث اليوم؟"
"ماذا تقصد؟ هل استخدمتيها أمام أحد؟"
"لا أتذكر، أنا لا أعرف كيف تكون."
"يجب أن تعرفي."
"كيف؟"
ويعود للخلف ثم توقف، وكان بينهم مسافة تترواح متران.
"حركي هذا." قال ذلك مشيرًا على منضدة. تحولت ملامحها، امتلأت بالتعجب من ما يقوله. ذهبت وقبل لمسها قال:
"ماذا تفعلين؟"
"أحركها."
"أتُمزحين معي؟ ما الأمر؟ حركيها وأنتِ واقفة في مكانكِ."
"إلهي..."
توقفت باستغراب شديد قالت:
"هل أنت جاد فيما تقوله؟"
نظر إليها. تنهدت منه قالت:
"كيف أحركها؟"
قال بنبرة جدية:
"هيا."
"لكنني لا أعرف كيف أفعل ذلك."
"صبي تركيزك عليها. تخيلي أنك تبعثين طاقة إليها بفعل ذلك لمجرد النظر إليها بدقة."
نظرت إلى المنضدة من ما يقوله إليها بتردد. ثم نظرت إليه تنهدت مستسلمة وفعلت ما يقوله لها. دَققت النظر إليها، تثقبها بعينيه وصوبت كامل تركيزها عليها. شعرت ببرودة تحتل جسدها. ثم استعادت نفسها بارهاق دون أن يحدث لها شيء. قالت لينا:
"لا أستطيع، هذا مستحيل."
قال فرناس:
"حاولي ثانيًا."
"لكن..."
"هيا." قالها بصيغة الأمر. عادت بنظراتها إليها مع التدقيق الشديد. كيف بدأت تشعر بالغثيان، لكن دون جدوى. تنهد مستسلمة.
"أخبرتك، لا أستطيع."
"أنتِ ضعيفة."
نظرت إليه حين قال ذلك ليكمل مزدرئًا إياها:
"ظننتكِ أقوى من ذلك، ظننتكِ مختلفة عن البقية."
شعرت بالحزن من ما يقوله. نظر إليها مردفًا:
"أرى اختلافك."
احتجها غضب شديد فور انتهاء جملته. لتجمع قبضتها، ناظرة إليه بعينيها الذي زادت حدة، وكانما لم تعد تطيق سخريته الكتالية وكسر كبريائها الذي لا يمسه أحد.
قال فرناس:
"اذهبي. لا تجعليني محض للسخرية بوقوفي مع كائن ضعيف مثلك."
ازدادت نيرانها من إهانته إليها، وبينما تثقبه بنظراتها والشر يطق من عينيها. اتجه بؤبؤ عينيها إلى طبق الفاكهة يعلوه سكينًا الذي حلق وانطلق نحوه بسرعة شديدة. لكن تحرك الآخر كالطيف وتعلق الخنجر في الحائط من قوة دفعته.
وقفت أغراض الغرفة عالية، محلقة في الهواء وتهتز. لتلف بأعينها باحثة عنها لتجد من يمسكها من الخلف:
"يكفي."
نظرت إليه بطرف عينيها. ثم تحرك السكين من الحائط وسرعان ما أطلق نحوه. لكنه أمسكه قبل أن يمسه وصاح بها:
"لينا، أفيقي."
قامت بركله، لكنه أمسك قدميها وأوقعها أرضًا ليمسك أيديها بقوة مثبتًا إياها جيدًا وينظر إليها، والأغراض التي ستهاجمه بها وهي تحاول إفلات يدها بشر.
قال بحدة:
"قلت يكفي."
توقفت. وضع يده عند منتصف عينيها قال:
"إنها أنتِ. أفيقي."
تلك النبرة الهادئة جعلتها تهدأ لوهلة لتنظر إليه. وهي تأخذ أنفاسها، نظرت إليه ومن جلوسه فوقها. لتقع أغراض الغرفة أرضًا. فخافت ونظرت حولها. ثم عادت إليه:
"اتركني."
نظر لها وطالما لا يثق في غدرها قالت:
"أدركت ذاتي الآن. لا أصدق ما فعلته."
ابتعد عنها. اعتدلت بحرج ونظرت حولها. تلك الفوضى الذي أحدثتها. السكين. تتذكره جيدًا وكيف هاجمته به. بحثت عنه لتجده يضعه على المنضدة. كانت مصدومة قالت:
"لا أعلم كيف فعلت ذلك. ماذا كنت كدت أن أفعل أنا؟"
"بماذا شعرتِ؟"
"لم تكن أشعر."
أشار على رأسها وقالت:
"هنا كان الشعور. يشبه الغضب بسبب كلامك. لكن حتى غضبه لا أثور هكذا كالعادة."
اعتدلت لكن توقفت حين رأت دماء عند يدها الذي كان يمسكهما بيد واحدة. اقتربت منه بقلق:
"هل جرحت؟"
نظر إليها جعلته يلتف باحثًا عن إصابته وقالت:
"ألم تصب؟"
"لا."
"من أين الدماء إذا؟"
رفع يده لتجد جرحًا بها قالت:
"آسفة جدًا. أنا لا أعرف ما حصل لي."
تذكرت كيف رأت يمسك بالخنجر برغم سرعة انطلاقه العالية. كيف استطاع رؤيته حتى وإيقافه:
"لم أكن أقصد ذلك صدقني."
"أعلم."
نظرت له بدهشة قالت:
"ألست غاضبًا مني؟ ألن تقتلني؟"
"لن أفعل ذلك. سبب كلامي معك هو تحريك ذلك الشر. أنا لست شريرة. لقد تركت الجميع وذهبت لكي أنتِ. أخشى أن تكوني مثلها، لكن أثق أن هذا لن يحدث. إنكِ طيبة."
دَق قلبها من جملته الأخيرة قالت:
"عن أي سر تتحدث؟"
"أردت أن أريكِ ما بداخلكِ، وتلك القدرة ليست جيدة البتة. إنها كانت لظى أقوى ساحرة لدى غوانتام."
"ساحرة؟ وتم قتلها سابقًا، لكنك عدتِ بسحرها الذي يخشاه الجميع منكِ."
"تقصد شعبك الذي أنت قلق بشأنه. كدت تقتلني من أجله؟"
"احذري من مخاطرها يا لينا. لا تغضبي، وإن غضبتِ، لا تأخذي رد فعل منها."
"هي اسم الساحرة رزان، كما قال ذلك الجندي."
"أجل."
"هل كانت شريرة لهذا الحد؟"
"لمن حظك السيء أنكِ من ورثتي قواها."
"تجلعلني أشعر أنني ملعونة."
"أنتِ كذلك بالفعل. انتبهي جيدًا، لا أريد الندم على قرار تركك."
"سوف آخذ حذري جيدًا. المهم أنك بخير."
أومأ إليها. أمسكت يده. نظر لها وهي تقلب كفه قالت:
"لا تترك يدك هكذا، ستتلوث. تمتلكون مرهمًا أو ضمادة؟"
كان ينظر إليها ويده بين يديها الصغيرة. طرق الباب ليأتي داغر مع بردلة. وقبل أن ينحنيا توقفا ناظرين إليهما من قربهما. سحب فرناس يده لينحنيا بحرج.
قال داغر:
"ظننت جلالتك بمفردك."
نظر إلى لينا الذي كانت تنظر إليه. قال:
"غادري الآن."
أومأت. ذهبت. نظر إليها الاثنان وابتعدا عنها. تعجبت منهما، لكن أكملت سيرها للخارج لتتركهم بمفردهم.
قال داغر:
"ما الذي حدث للجناح؟ يبدو كأن إعصارًا دمره."
قال بردلة:
"مولاي، هل كانت هي؟"
قلق داغر ونظر إلى أخيه قال:
"هل هي من فعلت هذا؟"
تحدث أخيرًا وبال:
"ماذا فعلتم مع الجندي؟"
قال داغر:
"يتعرض للتعذيب الآن. يبدو أنه لا يريد أن يتحدث بشيء."
"سيموت إذن، إنه شاهد على لينا."
تحولت ملامحه من ذكر اسمها لأنه يحدثه عنه هو. فقال:
"ألا تنوي سجنها؟"
"ماذا فعلت؟!"
تعجب كثيرًا. تحدث بردلة وقال:
"جلالتك تعرف جيدًا من تكون. ليست ساحرة، إنها مختلفة كثيرًا."
نظر إليهما وقال:
"لن يعلم أحد بشأنها، أنتما فقط."
صمتا. وكان يبدو على وجههما الأعراض. لكن أومآ بطاعة. وقبل أن يرفع داغر عينيه، رأى يده المطروحة. اقترب منه بقلق وقال:
"ما الذي حدث؟"
نظر إلى بردلة:
"أرسل الحكيم الملكي."
أومأ له فورًا وغادر. ربت فرناس عليه وقال:
"داغر، تتهاون مع حياتك. لا تدرك أهميتها لدي."
"أعلم."
"أنت لا تعلم شيئًا."
انفتح الباب ودخل طبيب ذو زي خاص. اقترب سريعًا من فرناس برفقة بردلة ليفتح حقيبته قال:
"مولاي، أين الجرح؟"
تنهد وأعطاه يده ليضع مادة مطهرة قبل كل شيء. بينما الآخر منشغل في تفكيره بها.
عادت إلى جناحها ولم يكن هناك أحد. تعجبت قالت:
"أين ذهبوا؟"
التفت ثم انتفضت فزعًا حين رأت العجوز في وجهها متهجم الوجه أكثر عن ذي قبل. ضاق العينان وعروقه بارزة جعلها تشعر بالقلق قالت:
"أنت كيف دخلت هنا؟ أنا فاكرة أنني لم أرك قبل أن أدخل."
"قلت لك أنا حواليك دائمًا."
"سألتك عن كيف جئت. أنت تختفي وتحضر كما أنت تريد؟!.. مش فاكرة أنني عندي استطاعة أعمل كده زيك. عايز تعملي كده لي؟ عشان تنقذيه برد؟"
وتوترت قالت:
"عارفة أنت مضايق لي. اتجاهلت تحذيرك، بس حط نفسك مكاني."
صاح بها بصوت جهوري:
"أنا مش زيك. مشاعرك تتحكم بكِ كأي إنسان... أنتِ تدخلين جحيم لن تقدرين عليه."
"أنا مش فاهمة أنت بتقول إيه."
"أنا لم أحذركِ أن تتدخلي؟"
"اديني سبب."
"تغيير للأحداث يعود عكسيًا. فكركِ أنكِ قادرة تنقذيه من الموت... غلطانة يا لينا."
تعجبت منه وقالت:
"تقصد إيه؟"
"أنتِ بس مش هتخليه ذكراه تخلد."
"وضع أكثر، يعني إيه؟"
تضايقت منه. طرق الباب لتدخل رفيقاها. نظرا إليها بقلق:
"سيدتي."
خافت. وحين نظرت لم تجد أحد معها لتنصدم وتلتف حول نفسها:
"إنني بخير."
"أين ذهب؟ أين قد رحل هذا العجوز؟ معقول لم يأتِ؟ وكانت تتوهم مقابلتهم؟ كيف ستكون؟"
في الليل قد نام الجميع عداها. كانت تفكر فيما يحدث لها. أمر هذا الجندي الذي جعلها تكتشف ما بداخلها. كيف أتى ذلك السحر الشرير لديها.
"هل المدونة رتبة غير الموسومة؟"
تذكرت حول نقاشهم عنها الذي أخبرها أنه سيكمله غدًا. لكن يبدو أنه قد نام أيضًا.
خرجت لتقف في الشرفة ترى شرفته الذي في الأعلى. تأملت رؤيته واقفًا. لماذا شرفتها تستطيع رؤيته عكس باقي الغرفة؟ أبعده عنه. إنه من اختار الغرفة لها. أم أراد ذلك لرؤيتها؟ أم مراقبتها؟
ابتسمت قائلة:
"أبو عيون رمادية."
"تعالي داخل."
في الصباح مشهدها حين هاجمته بسكينه. فتحرك في طرفة عين مبتعدًا عنها. لا تذكر أنها استعادت أحداث كهذه. لكن رؤيتها كانت قوية وترى كل شيء في المكان بسبب العين الثالثة هذه.
"إزاي عمل كده؟ برضه المرة الثانية. إزاي مسك السكينة كأنها بتحرك ببطء شديد."
تنهدت وهي تسند ذراعيها ممسكة وجهها لتلقي نظرة أخيرة على شرفته. ثم دخلت مستسلمة على سريرها.
طرق الباب بخفة. وقفت باستغراب شديد. من الزائر الآن؟ انفتح لتجدها صفية. تعجبت منها. هل ما زالت مستيقظة؟ قالت:
"أنتِ تتبعينني؟"
"إلى أين؟"
لم ترد عليها. أشارت لها لتخرج. رأت حارس معها. ذهبت معهما قالت:
"لماذا هذا الحارس يلاحقنا؟"
قالت صفية:
"إنها أوامر الملك."
صمتت مستغربة. ثم قالت:
"هل نحن ذاهبون إليه؟"
لم ترد عليها فصمتت من هذه السيدة قليلة الكلام. كانت تسير معهما وقد تعجبت من انحراف الطريق. لقد سارت في طريق لم تسيره البتة ولم تجد يومًا أحد يسير من هناك. الحراس يتكاثرون. ذلك المكان بها حراسة مشددة ويبدو غريبًا نوعًا ما.
قالت لينا:
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
لم ترد عليها مجددًا. ثم توقفت وقالت صفية:
"أكملي. ستجدين جلالته في نهاية الممر."
قالت لينا:
"هل سأذهب بمفردي؟"
"لا يسمح لي بالاقتراب أكثر من ذلك. هيا."
نظرت إلى الحارس الذي حتى توقف معها أيضًا. ذهبت مكملة سيرها. وحين التفت وجدتهم غادروا. تشعر بالريبة من المكان. سارت فيه ولم يكن هناك أحد غيرها. تشعر بأنفاسها المضطربة لا شعوريًا بالقلق.
رأت طيف بعيد فخافت قالت:
"هل هناك أحد هنا؟"
مع اقترابها سحبت دبوس شعرها لينسدل على ظهرها وتمسكه في يدها خلف ظهرها. ومع اقترابها توضحت عضلاته وكأنما وحش يقف هناك. التف ذلك الشخص لتجده ذا ملامح مخيفة. عادت للخلف. لم يكن الملك.
تحرك تجاهها. ركضت فورًا. لكن أسرع منها أمسكها. فضربته بدبوس ليمسك يدها ويلصقها في الحائط لينتشل منها الدبوس.
صرخت فيه بخوف:
"ماذا تريد مني؟ ابتعد."
لم يرد عليها قال:
"أرجوك اتركني. لم أفعل شيئًا."
وجدت شخصًا يقف أمامهم. انحنى أمامه فورًا تاركًا إياها. واضعًا يده خلف ظهره والآخر على صدره. وكأنما تحية خاصة. لقد كان فرناس الذي رأى ما حدث وينظر إليها باستغراب.
التقطت أنفاسها حين رأته قالت:
"إنه أنت."
تقدم الحارس منه معطيًا دبوس شعرها الذي حاولت الهجوم به. أخذه وأشار إليها أن تتبعه. فذهبت معه. وأثناء سيرها مد يده إليها بخاصتها. أخذته منه بحرج لتلملم شعرها كما كان.
قال فرناس:
"فيما كنتِ تفكرين؟"
"إنني سأقتل."
"الم أخبركِ أنني من طلبتك؟"
"هذا أول خداع لي لأذهب معها مطمئنة بعدها أقتل. لكن رأيت في عينيكِ الخوف مني."
نظرت إليه قليلاً ثم قالت:
"حسبت أنك من أمرت بقتلي. أتذكر ما حدث في الصباح. لهذا أدركت أنك تريد قتلي خفية بعيدًا عن الجميع."
"ما دمت أعطيكِ الأمان، ثقي لن أغدر بكِ. لو أردت قتلكِ لفعلتها. لكن أعهد لكِ بالحفاظ على حياتكِ."
تعَلقت عيناها به حين قال ذلك. رأت ضوءًا نابعًا أمامهم. وحين نظرت اندهشت من تلك القلعة المضاءة بمشاعل ذات اللون الأزرق وتحاط بالتماثيل المحنطة ذات شكل مميز للغاية مع اللون الذهبي. وكأنما القاعة مطلية بالذهب. الزجاج ينير وكأنه من الماس.
سارت للداخل تنظر حولها بدهشة قالت:
"ما هذا المكان؟"
"القاعة الملكية. كان أبي يحضرنا هنا لممارسة طقوس التتويج. ومعرفة ما يلزم أن يخلد عبر التاريخ دون انحراف قوانين. هنالك أشياء لا يجب أن تتغير وهنالك أشياء على الملك اتخاذ القرار فيها."
نظرت له وهو يتحدث ليكمل:
"كان هنا اجتماعاتنا حول أمورنا العائلية. نأخذ الوصايا السبع في كل مرة مع تذكير التاريخ ونعود في السنة القادمة."
"تأتون كل سنة؟"
"أجل."
"قلت إنها ملكية خالصة بعائلتك. ماذا أفعل هنا؟"
"لا تردين معرفة من أتى قبلكِ هنا؟"
"أتذكر أنك قلت إنني لست فقط من أتى من عالمي الآخر."
ذهبت تبعته وهي تسير معه بين أحد الإمارات مجهولة من ما تراه وتلك النقوش المزخرفة على الحائط. ابتسمت وقالت:
"هل ترسمون تاريخكم على الحائط أيضًا مثلنا؟"
التفت إليها قال:
"الفراعنة، إنهم المصريون القدماء، ملوك بلادي قديمًا. لست وحدكِ من عرق ملكي."
"ماذا كانوا يفعلون؟"
"أمور كثيرة، أهمها اكتشاف العقاقير الطبية. إنهم أول من قاموا بتحضيرها."
"كم عمرهم؟"
"٧٠٠٠ عام قبل الميلاد."
"هل كرسوا حياتهم في الأعمال مع ذلك العمر؟"
ابتسمت وقالت موضحة:
"إنهم ماتوا منذ القدم. لا يعيش أحد هذا العمر."
"شهق!"
"لكن تاريخهم مخلد في العالم."
"هذا أصلك إذن."
"أظنك أيضًا لا تعرف بابل في العراق."
نظرت إليه قالت:
"أليس لديك فضول حول عالمي مثلك؟"
"بلى."
"لماذا لا تسأل؟"
"لأن هذا لن يزيدني شيئًا."
توقف فجأة. نظرت له لترا ما يقف عنده. وكان هناك نقش على الحائط لامرأة تنحني أمام ملك. وهنالك رمز عند منتصف صدرها نقش بوضوح. لكن لم يكن كالذي تحمله.
قال فرناس:
"تدعى صاحبة الوسم. إنها من عالم مختلف يا لينا. أظنه عالمك."
قالت بدهشة:
"حقًا؟"
"منذ خمس مئة عام استحضر وجودها لجدّي."
تستمع إليه باهتمام قالت:
"لماذا لقبت بالموسومة؟"
"منحناها وسام العائلة الملكية قبل رحيلها. كانت مرافقة. أنقذت البلاد من فاجعة كانت أن تحدث."
"ما كانت مهمتها؟"
"منع صراع بين بلدين. كان جدي سيخوض حربًا قويًا مع جينهام."
طالعته باستغراب قال موضحًا:
"إنها بلد مجاورة. حدثت خلافات أدت إلى إعلان حرب شاملة. وأثناء تجهيزات لذلك، ظهرت هي من العدم لمنع حدوث ذلك، معلنة أن كلا البلدين سيخسر الكثير ويشكل دمارًا سيجعل البلاد تمحى إلى الأبد."
"كيف عرفت ذلك؟"
"لا أعلم. لم يذكر أبي لي هذا."
"ماذا حدث؟"
"بسببها قام عقد اتفاق وتوصل إلى تفويض مع تدخلها، حيث كانت رسول إلى جيهنام لتكن هي العهد الذي بيننا. وإلى الآن أصبحت البلدتان كبلد واحدة."
"يبدو أنها كانت قوية للغاية لفعل كل هذا."
"إنها تشبهك."
نظرت له فتقابلت الأعين وقال:
"إنكِ شجاعة، قوية. باستثناء تهورك."
ضاقت عيناها وقالت:
"أكمل جملتك خيرًا لمرة واحدة."
عَظ بانظاره إلى القاعة وقال:
"وعدتك أن أخبرك بما جعلني لا أشك في كلامك. ظننت أن هنالك حربًا ستقام أو أنكِ أتيتِ مانعة خرابًا سيحل. لكن يبدو هنالك أمرًا آخر. أنتِ كحارسة لي."
ابتسمت قالت:
"لا تنكر أنني فعلت أشياء كثيرة أيضًا. إن كنت قتلت، كان سيعاني شعبك. لهذا أنا أنقذتكم."
ابتسم بهدوء ثم قال:
"سأتأكد من تخليد ذكراكِ على الجدران فور انتهاء مهمتك. لنعرفها قبل أي شيء، ماذا أتيتِ لتدوين أيتها المدونة؟"
"سنعرف قريبًا أيها الملك." قالتها مبادلة إياه البسمة فرحة من حديثهم. نظرت إلى تلك المرأة. اقتربت قليلًا وهي تنظر إليه بتدقيق قالت:
"ما هذا الرمز؟ مختلف عني."
"كان يرمز في بلادنا للمحارب."
أومأت بتفهم قالت:
"أشعر وكأنني رأيته من قبل."
"أين رأيته؟"
"لا أذكر أين، لكن يبدو مألوفًا."
نهضت مستسلمة قالت:
"يبدو أنه تشابه لوجو ماركات الملابس."
تعجب منها قالت:
"لا تهتمي."
"أنتِ متأكدة أن لم يركِ أحد مثل ما حدث اليوم؟"
علمت مقصده عن تلك القدرة قالت:
"وزيرك وأخوك."
"غيرهم يا لينا."
"ممكن أحد الجنود متخفي إلى الآن."
"سأهتم بذلك. أقصد، فعلتِ مثل ما حدث اليوم أمام أحد؟ يبدو أنكِ لا تتحكمين بها."
صمتت بتذكر، وكأنما شعرت ببعض القلق. في ذلك اليوم، أول يوم لها على غوانتام حينما كانت النساء تخلعن ملابسها لسوق العبيد، وفتاة تمسك بشيء يشبه البخور وقامت بتنويمها. لكنه وقع من يدها فجأة وجعلهم ينظرون إليها بشدة. حينما كانت تجلس عند الشجرة ممسكة بغصن وترسم على الأرض مدققة في الرمز الذي تراه، انتفض التراب على وجهها.
داخل الزنزانة حينما أزعجت الحراس ودفعها أحدهم رافعًا عصاه ليضربها. لكنها فجأة كسرت بالرغم من صلابتها ومتانتها الذي كانت خائفة منها، حيث جعل الحارس ينظر إليها بشدة ثم رماها أرضًا وغادر.
حينما علمت بأمر الطعام المسموم ومعها الحراس من الداخل، هي من قامت بفتح الباب من خلال تلك القدرة.
وأخيرًا ذلك السهم الذي شهد عليه الملك وشقيقه، الآن السكين ومهاجمتها له. كل تلك الأشياء الذي لم تكن تفهم سوى أنها مجرد صدفة.
قالت بحرج:
"أظن؟ أن هنالك الكثير."
"هل رآكِ أحد؟"
أومأت برأسها. قالت بقلق:
"الحارسان عند جناحك، وجندي في الزنزانة."
صمتت لحظة حين تذكرت نفسها في الجامعة حين قفل عليها المدرج مع يوسف. معقول؟ هل كانت هي من فتحت الباب؟ تذكرت معتز وهو يقول لها: "ما كان في حد هناك غيركم."
ذلك اليوم العاصفة الذي هبت في المكان من غضبها من يارا لتنمرها عليها وكادت أن تؤذيها لولا معتز الذي وقف في وجهها. يذكرها ذلك بما حدث معها في الصباح. إنه نفس شعور الغضب، لكن كان متضخمًا لديها اليوم.
قالت لينا:
"هل ممكن أن القدرة أيضًا أستطيع استخدامها في عالمي؟"
"لماذا تقولين هذا؟"
"حدث لي أشياء غريبة لم أكن أفهمها. لكن الآن أدركت أنها مثل ما أخبرتني عنه. لقد استخدمتها أمام زملائي في الجامعة. وحين قفل المدرج علي مع زميلي كنت من فتحته عن بعد."
"الجامعة؟!"
"إنها مكان دراسة. تلك مرحلة تعلمي."
"أظهرتيها إذًا. من رآكِ؟ يجب أن يموت."
"ماذا تقصد؟"
"سأقتل من يعلم أمرك."
"لكن ليس لدرجة قتلهم."
"أنا أحميكِ يا لينا."
"لا أملك فكرة عن الخطر الملحق بي من القدرة أو من من يعرف عنها شيء. لكنهم لم يدركوا شيئًا. لقد بدا متعجبين، لم ينصدموا مثلك أنت وداغر وبردلة. أظنهم لم يعلموا شيئًا. صدقني، أنا أعلم ما أقوله."
"اخرسي. على عدم إظهارها مجددًا، لأي سبب كان."
أومأت بتفهم. ثم نظرت له بفضل وقالت:
"فرناس."
نظر إليها لتكمل:
"لماذا لا تخف من وقوفك معي؟"
"لأنني لا أخاف منك."
"بعدما عرفت أمري، يبدو حول ما قلته إنني خطيرة. ألا تخشى وجودي؟"
"إنني من قادر على إنهائك يا لينا."
أشار عليها وقال:
"تركتكِ لأنني لدي المقدرة على التصدي لكِ إن ارتكبتِ إثمًا واحدًا."
شعرت بالخوف من ما يقوله:
"هل تمتلك القوة لتقف في وجه ذلك السحر الذي يلعني؟"
"تجهلين حقيقة من حولك."
لم تفهم ما يقوله. قاطعهم صوت من الخارج. ذهب فتبعته. توقفت حين رأت داغر الذي ابتسم حين رأى أخاه قال مازحًا:
"هل اشتقت لذكرياتنا مع العائلة قديمًا؟"
عانقه ليُبادله وقال:
"ماذا تفعل هنا؟"
"ذهبت إلى جناحك لم أجدك. المبارزة لم تكن هناك، ولا المقر. حسبت أنك ذهبت إلى ذلك الخائن. لكن لم تكن هناك. علمت أنك هنا مع هذا الاختفاء المفاجئ."
كانت تشاهد علاقتهم الأخوية الذي لأول مرة تراها حميمة. لمجرد ابتعاد الناس عنهم ولا يوجد غيرهم. لكن حين التفت داغر ورآها توقف بدهشة من رؤيتها ونظر إلى أخيه بشدة قال:
"لم أكن أعلم أن هناك أحد معك."
أشار فرناس إليها. اقتربت منهما ليقول:
"أنا من دعوتها إلى هنا."
قال داغر:
"أعلم هذا. لا تستطيع أن تأتي هنا إلا برفقة أحد."
نظر فرناس إليها قال:
"ستجدين حارسًا في نهاية الممر سيصطحبك لغرفتك."
أومأت بتفهم حين عرفت أنه يغلق حديثهم. غادرت وتركتهم ليبقيا بمفردهم.
قال داغر:
"هل كان هناك شيء مهم يستحق استدعائها؟"
"هل سيكون هناك غير ذلك؟"
صمت معتذرًا. ثم نظر إلى يده المضمضة قال:
"هي، أليست كذلك؟"
رفع عينيه مكملاً:
"إنها من أحدثت الفوضى في جناحك وجرحتك."
"إنه مجرد خدش. لا تجعلونه جرحًا."
"لكنه بالنسبة لي جرح يا أخي. إنك تتساهل معها كثيرًا. أنا لا أحمل أي ضغينة سيئة نحوها، لكن... ألا ترى أنها غريبة جدًا؟"
"لينا ليست عدوة."
"أفعالها تدل على أنها مرسلة من عدو ما. ألا ترى حادثة الطعام؟ لم نجد الفاعل. وحينما عادت ظهرت حادثة الجندي."
"إنها من أنقذتني."
"جميعنا رأينا كيف أنقذتك. خلال سحر رزان. هذا أكبر دليل على أن الخطر ليس منها."
"ماذا تقصد؟"
"كيف تنقذني وتكشف عن نفسها أمامي لأقتلها؟ لقد عرفت قدرتها من ما فعلته لحمايتي."
"لعلها تجهل أمرها."
"كانت كذلك بالفعل. لكن لا أحد يخاطر بنفسه من أجل عدوه."
تعجب منه ليكمل:
"وقفت أمامي، كيف لا يصيبني السهم؟ إن لم توقفه لكانت قتلت."
صمت ولم يتحدث بعد ما سمعه من أخيه. نظر إليه قال:
"هل تقول إنك مدين لها؟"
"أنا كذلك بالفعل."
"وستحميها."
أومأ له إيجابًا. تنهد وقال:
"هل تعلم جيدًا ما تفعله؟ تدرك أنك تخون شعبك؟"
"إنهم في حمايتي دومًا. لكن إن عرفوا لن يوافقوا على وجودها البتة."
"لن يعلم أحد عنها. إنها مجرد ضيفة وسترحل. ستكون في حمايتي إلى ذلك الوقت."
"إنك ملك يا أخي، مسؤول عن رعايا. فعلت الكثير. لماذا تضيع مجهودك؟"
"لينا ليست خطيرة يا داغر. لن أكرر عليك بذلك."
"لا يمكنك أن تضع وحشًا أمام قطيع ماعز وتقول لن يؤذيهما."
اقترب منها وقال:
"هل قادر على تحمل مسؤوليتها؟ أخشى عليك من ذلك."
"لا تعلم حتى من أكون."
"إنك أخي الذي أخشى عليه من قرار خاطئ."
"هل أخذت قرارًا خاطئًا من قبل؟"
نفى له برأسه بإحباط. ليقف فرناس أمام وجهه وقال:
"أعدك، لن يحدث شيئًا. لن تتأذى أنت. لن يحدث. لا تبقَ معها بمفردكما."
نظر حوله مكملاً:
"رأيت ماذا فعلت؟ داغر."
تنهد ثم قال:
"كما تريد يا أخي. أمرك مطاع. سنحميها حتى عودتها. لكن... إن ظهرت رزان أخرى. إن ارتكبت جرمًا. ماذا ستفعل؟"
تحولت ملامحه وكأنما يتخيل ما سيحدث ليقول بكل جدية:
"سأقتلها."
رواية سرداب غوانتام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور
رجعت لورا بتوتر.
"انت هتعمل ايه؟"
مسكها وقربها منه. احمر وجهها.
"ابعد."
"انتظرى."
وقفت. فقرب وجه منها مما جعل ضربات قلبها تتسارع. كانت ستبتعد لكن يده اشتدت عليها مانعاً إياها بالابتعاد. كانت ستتحدث معترضة لكن لم تستطع فتح فمها بكلمة. حاولت تحريك جسدها ولو اهتزازاً لكن لم يكن يستجيب لها. إنها تشبه الصنم. نظرت إلى من يقف أمامها وماذا فعل بها. أسند جبهته على جبهتها لتصبح أعينهم مباشرة في أعين الآخر. شعرت بحرارة تسير داخل رأسها وتتحرك عبر شرايينها في كل جسدها. شعور بتخدير وانجذاب غريب. أنفاسه التي ترتطم ببشرتها وتشعر باحتراق لشدة سخونتها وكأنه يزفر لهباً. كان مقفل العينين مما جعلها تتعجب مما يفعله. ولثوانٍ ابتعَد لِتَنْتَفِضَ أثر عودة جسدها إليها وارتخاء عضلاتها.
"ما الذي فعلته بي؟"
"إنها أنتِ."
في لحظة، أخرج خنجره ووضعه عند عنقها لترتجف بين يديه خوفاً وتبحلق فيه بصدمة.
"فـ فرناس، ماذا تفعل؟"
"ما كان يجب أن تعودي."
"لماذا تقول ذلك؟ ما الذي حدث لك؟ كيف وصلت إليك تلك الساحرة؟"
ضاقت عيناه قائلاً: "هل فعلتِ كل ذلك للوصول إلي؟"
"لا أعلم عن ماذا تتحدث، صدقني."
"إن كنتِ لا تملكين ذنباً بعد، لن أخاطر بحياة شعبي من أجلك يا لينا."
اقترب منها ليضغط على عنقها قائلاً: "واجب قتلك."
دمعت عيناها خوفاً قائلة: "هل تريد قتلي الآن؟ لقد أنقذت حياتك من بضع دقائق.. أنقذتك للمرة الثانية، هكذا تكافئني؟"
"لا وثوق لكِ، ما فعلتيه جعلكِ تفشين عما بداخلك."
اقترب منها قال: "لم أكن لأقتل يا لينا، لعل ذلك يكون آخر شيء تسمعينها."
نظرت إليه لتجده يرفع خنجراً، فارتجفت خوفاً.
"هذه عدالتك، أن تقتل شخص بريء؟"
"لا تملكين ذرة عن الأرواح الذي هدرت بسببك."
"عن ماذا تتحدث؟ لا أعلم، لا أملك أي فكرة عن الذي فعلته أنت لتقتلني."
نظرت إلى يده المحلقة في الهواء وتحمر عيناها خوفاً.
"لماذا تفعل ذلك؟"
"هذا واجبي."
وفي لحظة انقض عليها لتسيل آخر دمعة لها، مغمضة عينيها، مرتجفة بين يديه. تسمع دقات قلبها. فتحت طرفة عين لتنظر إليه واضعاً خنجره عند عنقها. ينظر إليها لكن لم يقتلها. لم يخدشها خدشاً واحداً حيث كانت مسافة فاصلة بين حدة خنجره وعنقها. يتبادلان النظرات، مخترق كل منهم الآخر عين الآخر.
"من أنتِ؟"
استعادت رباط جأشها قالت بصوت ضعيف: "لم أعد أعرف."
أبعد الخنجر من عليها ليعيده إلى مكانه داخل قميصه.
"إن كنتِ تتدعين الجهل ستندمين أشد الندم."
"لماذا تتحدث معي هكذا؟"
"لم أعد أعرف ما من أتحدث، لذلك لحين أتأكد منك ستكونين موضع خيانة."
"سأقول لك مجدداً، اكتشف صدقي مثلما تكتشف كذبي."
"أنتِ محق."
اقترب ثانياً ونظر في عينيها بهدوء. توترت من نظرته وخفضت عيناها تتحاشي النظر إليه.
"انظري لي."
رفعت عيناها له متعجبة من نظراته. ثم ابتعد عنها وقال: "كيف تمتلكينها ولا تعلمين حولها بشيء؟ أخبرني ما الأمر. لديك قدرة هنا."
قال ذلك مشيراً على منتصف جبهتها. أكمل قائلاً: "العين الثالثة يقظة لديك."
"العين ماذا؟!"
"قدرة ذهنية في تحكم الجاذبية، تحركين الأشياء عن بعد."
كانت تبحلق فيه منسجمة مع ما يقوله. ثم ضحكت خلسة.
"كنت أظنك شخصاً صارماً، لم أعلم أن لديك حس فكاهي."
توقفت عن الضحك حين وجدت أعينه الباردة تنظر إليها، جعلتها تطبق فمها بحرج قائلة: "أعتذر، أنا لا أقصد السخرية، فقط لا أستوعب ما تقوله. أي قدرة تلك التي أحملها؟"
"هل رأى أحد شيئاً مثل ما حدث اليوم؟"
"ماذا تقصد؟ هل استخدمتيها أمام أحد؟"
"لا أتذكر، أنا لا أعرف كيف تكون."
"يجب أن تعرفي."
"كيف؟"
عاد للخلف ثم توقف وكان بينهم مسافة تترواح مترين.
"حركي هذا."
قال ذلك مشيراً على منضدة. تحولت ملامحها امتلأت بالتعجب من ما يقوله. ذهبت وقبل لمسها.
"ماذا تفعلين؟"
"أحركها."
"أتمزحين معي؟ ما الأمر؟ حركيها وأنتِ واقفة في مكانك."
توقفت باستغراب شديد.
"هل أنت جاد فيما تقوله؟"
نظر إليها. تنهدت منه قائلة: "كيف أحركها؟"
قال بنبرة جدية: "هيا."
"لكني لا أعرف كيف أفعل ذلك."
"صبي تركيزك عليها.. تخيلي أنك تبعثين طاقة إليها بفعل ذلك لمجرد النظر إليها بدقة."
نظرت إلى المنضدة من ما يقوله إليها بتردد. ثم نظرت إليه. تنهدت مستسلمة وفعلت ما يقولها لها. دقت النظر إليها، تثقبها بعينيه وصوبت كامل تركيزها عليها. شعرت ببرودة تحتل جسدها ثم استعادت نفسها بارهاق دون أن يحدث لها شيء.
"لا أستطيع، هذا مستحيل."
"حاولي ثانياً."
"لكن..."
"هيا."
قالها بصيغة الأمر. عادت بانظارها إلي ها مع التمقيق الشديد. كيف بدأت تشعر بالغثيان. لكن دون جدوى. تنهد مستسلمة.
"أخبرتك لا أستطيع."
"أنتِ ضعيفة."
نظرت إليه حين قال ذلك ليكمل مزدرئاً إياها: "ظننتك أقوى من ذلك، ظننتك مختلفة عن البقية."
شعرت بالحزن من ما يقوله. نظر إليها مردفاً: "أرى اختلافك."
احتاج غضب شديد فور انتهاء جملته لتجمع قبضتها ناظرة إليه باعينها الذي زادت حدة وكانما لم تعد تطيق سخريته الكتالية وكسر كبريائها الذي لا يمسه أحد.
"اذهبي، لا تجعليني محض للسخرية بوقوفي مع كائن ضعيف مثلك."
ازدادت نيرانها من إهانته إليها وبينما تثقبه بنظراتها والشر يطق من عينيها. اتجه بؤبؤ عينيها إلى طبق الفاكهة يعلوه سكين الذي حلق وانطلق نحوه بسرعة شديدة. لكن تحرك الآخر كالطيف وتعلق الخنجر في الحائط من قوة دفعته.
وقفت أغراض الغرفة عالياً محلقة في الهواء وتهتز. لتلف بأعينها باحثة عنها. لتجد من يمسكها من الخلف.
"يكفي."
نظرت إليه بطرف عينيها. ثم تحرك السكين من الحائط وسرعان ما انطلق نحوه. لكنه أمسكه قبل أن يمسه وصاح بها: "لينا، أفيقي."
قامت بركله لكنه أمسك قدميها وأوقعها أرضاً ليمسك يديها بقوة مثبتات إياها جيدا وينظر إليها. والأغراض التي ستهاجمه بها وهي تحاول إفلات يدها بشر.
قال بحدة: "قلت يكفي."
توقفت. وضع يده عند منتصف عينيها.
"إنها أنتِ. أفيقي."
تلك النبرة الهادئة جعلتها تهدأ لوهلة. لتنظر إليه وهي تأخذ أنفاسها. نظرت إليه ومن جلوسه فوقها. لتقع أغراض الغرفة أرضاً. فخافت ونظرت حولها. ثم عادت إليه.
"اتركني."
نظر لها وطالما لا يثق في غدرها. قالت: "أدركت ذاتي الآن. لا أصدق ما فعلته."
ابتعد عنها. اعتدلت بحرج ونظرت حولها. تلك الفوضى الذي أحدثتها.. السكين.. تتذكره جيداً وكيف هاجمته به. بحثت عنه لتجده يضعه على المنضدة. كانت مصدومة.
"لا أعلم كيف فعلت ذلك، ماذا كنت سأفعل؟"
"بماذا شعرتِ؟"
"لم تكن أشعر."
أشار على رأسها وقالت: "هنا كان الشعور. يشبه الغضب بسبب كلامك.. لكن وحتى غضبه لا أثور هكذا كالعادة."
اعتدلت لكن توقفت حين رأت دماء عند يدها الذي كان يمسكهما بيد واحدة. اقتربت منه بقلق.
"هل جرحت؟"
نظر إليها. جعله يلتف باحثاً عن إصابته. وقالت: "الم تصب؟"
"لا."
"من أين الدماء إذا؟"
رفع يده لتجد جرحاً بها.
"أعتذر جداً، أنا معرفش حصلي إيه."
تذكرت كيف رأت يمسك بالخير برغم سرعة انطلاقه العالية. كيف استطاع رؤيته حتى وإيقافه.
"لم أكن أقصد ذلك صدقني."
"أعلم."
نظرت له بدهشة.
"الست غاضب مني؟ الن تقتلني؟"
"لن أفعل ذلك.. سبب كلامي معك هو تحريك ذلك الشر. أنا لست شريرة. لقد تركت الجميع وذهبت لكي أنتِ. أخشى أن تكوني مثلها لكن أثق أن هذا لن يحدث.. أنكِ طيبة."
دق قلبها من جملته الأخيرة.
"عن أي شر تتحدث؟"
"أردت أن أريكِ ما بداخلك وتلك القدرة ليست جيدة البتة، إنها كانت لظى أقوى ساحرة لدى غوانتام."
"ساحرة؟"
"وتم قتلها سابقاً لكنك عدتِ بسحرها الذي يخشاه الجميع منه."
"تقصد شعبي الذي أنت قلق بشأنه، كدت تقتلني من أجله؟"
"احذري من مخاطرها يا لينا، لا تغضبي وإن غضبتِ لا تأخذين رد فعل منها."
"هي اسم الساحرة رزان كما قال ذلك الجندي."
"أجل."
"هل كانت شريرة لهذا الحد؟"
"لمن حظك السيء أنكِ من ورثتي قواها."
"تجعِلني أشعر أني ملعونة."
"أنتِ كذلك بالفعل، انتبهي جيداً لا أريد الندم على قرار تركك."
"سوف آخذ حذري جيداً، المهم أنك بخير."
أومأ إليها. أمسكت يده. نظر لها وهي تقلب كفه.
"لا تترك يدك هكذا ستتلوث، تمتلكون مرهم أو ضمادة."
كان ينظر إليها ويده بين يديها الصغيرة. طرق الباب ليَدخل داغر مع بردلة. وقبل أن ينحني توقفا ناظرين إليهم من قربهم. سحب فرناس يده لينحنيان بحرج.
"ظننت جلالتك بمفردك."
نظر إلى لينا الذي كانت تنظر إليه.
"غادري الآن."
أومأت إليه. ذهبت. نظر إليها الاثنان وابتعدا عنها. تعجبت منهما لكن أكملت سيرها للخارج لتتركهم بمفردهم.
"ما الذي حدث للجناح؟ يبدو وكأن إعصاراً دمره."
"مولاي، هل كانت هي؟"
قلق داغر ونظر إلى أخيه.
"هل هي من فعلت هذا؟"
تحدث أخيراً.
"ماذا فعلتم مع الجندي؟"
"يتعرض للتعذيب الآن، يبدو أنه لا يريد أن يتحدث بشيء."
"سيموت إذن، إنه شاهد على لينا."
تحولت ملامحه من ذكر اسمها لأنه يحدثه عنه هو.
"ألا تنوي سجنها؟"
"ماذا فعلت؟!"
تعجب كثيراً. تحدث بردله: "جلالتك تعرف جيداً من تكون. ليست ساحرة، إنها مختلفة كثيراً."
نظر إليهما وقال: "لن يعلم أحد بشأنها، أنتما فقط."
صمتا وكان يبدو على وجههما الأعراض. لكن أومأوا بطاعة. وقبل أن يرفع داغر عينها رأى يده المطروحة. اقترب منه بقلق.
"ما الذي حدث لك؟"
نظر إلى بردله.
"أرسل الحكيم الملكي."
أومأ له فوراً وغادر. ربت فرناس عليه.
"داغر، تتهاون مع حياتك، لا تدرك أهميتها لدي."
"أعلم."
"أنت لا تعلم شيئاً."
انفتح الباب ودخل طبيب ذو زي خاص. اقترب سريعاً من فرناس برفقة بردله ليفتح حقيبته.
"مولاي أين الجرح؟"
تنهد وأعطاه يده ليضع مادة مطهرة قبل كل شيء. بينما الآخر منشغل في تفكيره بها.
عادت إلى جناحها ولم يكن هناك أحد. تعجبت.
"أين ذهبوا؟"
التفت ثم انتفضت فزعاً حين رأت العجوز في وجهها متهجماً الوجه أكثر عن ذي قبل. ضاق العين وعروقه بارزة جعلها تشعر بالقلق.
"أنت إزاي دخلت هنا؟ أنا فاكرة إني مشوفتكش قبل أما أدخل."
"قلت لك أنا حواليكِ دائماً."
"سألتك عن إزاي جيت، أنت بتختفي وتحضر زي ما أنت عايز؟!.. مش فاكرة إني عندي استطاعة أعمل كده زيك.. عايز تعملي كده لي.. عشان تنقذيه بردوا؟"
توترت.
"عارفة أنت مضايق لي، اتجاهلت تحذيرك بس حط نفسك مكاني."
صاح بها بصوت جهوري: "أنا مش زيك، مشاعرك بتتحكم بيكي كأي إنسان… أنتِ بتدخلي جحيم مش هتقدري عليه."
"أنا مش فاهمة أنت بتقول إيه."
"أنا مش بحذرك متتدخليش.. اديني سبب."
"تغيير للأحداث بيعود عكسي، فكرك إنك قادرة تنقذيه من الموت… غلطانة يا لينا."
تعجبت منه.
"تقصد إيه؟"
"أنتِ بس مش هتخليه ذكراه تخلد."
"وضع أكتر، يعني إيه؟"
تضايقت منه. طرق الباب لتدخل رفيقاها. نظرا إليها بقلق.
"سيدتي."
خافت وحين نظرت لم تجد أحد معها. لتنصدم وتلتف حول نفسها.
"إنني بخير."
"أين ذهب.. أين قد رحل هذا العجوز؟ معقول لم يأتي؟"
"وكانت تتوهم مقابلتهم؟"
"كيف ستكون؟"
في الليل قد نام الجميع عداها. كانت تفكر فيما يحدث لها. أمر هذا الجندي الذي جعلها تكتشف ما بداخلها. كيف أتى ذلك السحر الشرير لديها.
"هل المدونة رتبة غير الموسومة؟"
تذكرت حول نقاشهم عنها الذي أخبرها أنه سيكمله غداً. لكن يبدو أنه قد نام أيضاً. خرجت لتقف في الشرفة ترى شرفته الذي في الأعلى. تأملت رؤيته واقفاً.. لماذا شرفتها تستطيع رؤيته عكس باقي الغرفة؟ كباعده عنه.. أنه من اختار الغرفة لها.. أل أراد ذلك لرؤيتها.. أم مراقبتها؟
ابتسمت قائلة: "أبو عيون رمادية."
"تعالي داخل."
في الصباح مشهدها حين هاجمته بسكينه. فتحرك في طرفة عين مبتعداً عنها. لا تذكر أنها استعادت أحداث كهذه. لكن رؤيتها كانت قوية وترى كل شيء في المكان بسبب العين الثالثة هذه.
"إزاي عمل كده؟ برضه المرة الثانية.. إزاي مسك السكينة كأنها بتحرك ببطء شديد."
تنهدت وهي تسند ذراعيها ممسكة وجهها لتلقي نظرة أخرى على شرفته. ثم دخلت مستلببة على سريرها.
طرق الباب بخفة. وقفت باستغراب شديد. من الزائر الآن؟ انفتح لتجدها صفية. تعجبت منها هل ما زالت مستيقظة.
"أتتبعينى؟"
"إلى أين؟!"
لم ترد عليها. أشارت لها لتخرج. رأت حارس معها. ذهبت معهما.
"لماذا ذلك الحارس يلحقنا؟"
"إنها أوامر الملك."
صمتت مستغربة. ثم قالت: "هل نحن ذاهبون إليه؟"
لم ترد عليها. فصمتت من تلك السيدة قليلة الكلام. كانت تسير معهما وقد تعجبت من انحراف الطريق. لقد سارت في طريق لم تسيره البتة ولم تجد يوماً أحداً يسير من هناك.. الحراس يتكاثرون.. ذلك المكان بها حراسة مشددة ويبدو غريباً نوعاً ما.
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
لم ترد عليها مجدداً. ثم توقفت. وقالت صفية: "أكملي، ستجدين جلالته في نهاية الممر."
"هل سأذهب بمفردي؟"
"لا يسمح لي بالاقتراب أكثر من ذلك، هيا."
نظرت إلى الحارس الذي حتى توقف معها أيضاً. ذهبت مكملة سيرها. وحين التفت وجدتهم غادروا. تشعر بالريبة من المكان. سارت فيه ولم يكن هناك أحد غيرها.. تشعر بأنفاسها المضطربة لا شعورياً بالقلق.
رأت طيف بعيد فخافت.
"هل هنالك أحد هنا؟"
مع اقترابها سحبت دبوس شعرها لينسدل على ظهرها وتمسكه في يدها خلف ظهرها. ومع اقترابها توضحت عضلاته وكأنما وحش يقف هنالك. التف ذلك الشخص لتجده ذو ملامح مخيفة. عادت للخلف. لم يكن الملك.
تحرك تجاهها. ركضت فوراً. لكن أسرع منها أمسكها. فضربته بدبوس ليمسك يدها ويلصقها في الحائط لينتشل منها الدبوس.
صرخت فيه بخوف: "ماذا تريد مني؟ ابتعد."
لم يرد عليها.
"ارجوك اتركني لم أفعل شيئاً."
وجدت شخصاً يقف أمامهم. انحنى أمامه فوراً تاركاً إياها. واضعاً يده خلف ظهره والآخر على صدره. وكأنما تحية خاصة. لقد كان فرناس الذي رأى ما حدث وينظر إليها باستغراب.
التقطت أنفاسها حين رأته.
"إنه أنت."
تقدم الحارس منه معطياً دبوس شعرها الذي حاولت الهجوم به. أخذه وأشار إليها أن تتبعه. فذهبت معه. وأثناء سيرها مد يده إليها بخاصتها. أخذته منه بحرج لتلملم شعرها كما كان.
"فيما كنتِ تفكرين؟"
"إني سأقتل."
"ألم أخبرك أني من طلبك؟"
"هذا أول خداع لي لأذهب معها مطمئنة بعدها أقتل. لكن رأيت في عينيك الخوف مني."
نظرت إليه قليلاً.
"حسبت أنك من أمرت بقتلي. أتذكر ما حدث في الصباح.. لهذا أدركت أنك تريد قتلي خفية بعيداً عن الجميع."
"ما دمت أعطيك الأمان ثقي لن أغدر بك.. لو أردت قتلك لفعلتها. لكن أعهد لكِ بالحفاظ على حياتك."
تعمقت عينيها به حين قال ذلك. رأت ضوء نابع أمامهم. وحين نظرت اندهشت من تلك القلعة المضاءة بمشاعل ذو اللون الأزرق وتحاط بالتماثيل المحنطة ذو شكل مميز للغاية مع اللون الذهبي. وكأنما القاعة مطلية بالذهب الزجاج ينير وكأنه من الماس.
سارت للداخل تنظر حولها بدهشة.
"ما هذا المكان؟"
"القاعة الملكية. كان أبي يحضرنا هنا لممارسة تقوس التتويج، ومعرفة ما يلزم أن يخلد عبر التاريخ دون انحراف قوانين… هنالك أشياء لا يجب أن تتغير وهنالك أشياء على الملك اتخاذ القرار فيها."
نظرت له وهو يتحدث ليكمل: "كان هنا اجتماعاتنا حول أمورنا العائلية. نأخذ الوصايا السبع في كل مرة مع تذكير التاريخ ونعود في السنة القادمة."
"تأتون كل سنة؟"
"أجل."
"قلت إنها ملكية خالصة بعائلتك، ماذا أفعل هنا؟"
"لا تريدين معرفة من أتى قبلك هنا؟ أتذكر أنك قلت إنني لست وحدي من أتى من عالمي الآخر."
ذهبت تتبعه. وهي تسير معه بين أحد الإمارات مجهولة من ما تراه. وتلك النقوش المزخرفة على الحائط. ابتسمت وقالت: "هل ترسمون تاريخكم على الحائط أيضاً مثلنا؟"
التفت إليها.
"الفراعنة، إنهم المصريون القدماء، ملوك بلادي قديماً.. لست وحدك من عرق ملكي."
"ماذا كانوا يفعلون؟"
"أمور كثيرة أهمها اكتشاف العقاقير الطبية، إنهم أول من قاموا بتحضيرها."
"كم عمرهم؟"
"٧٠٠٠ عام قبل الميلاد."
"هل كرسوا حياتهم في الأعمال مع ذلك العمر؟"
ابتسمت وقالت موضحة: "إنهم ماتوا منذ القدم، لا يعيش أحد هذا العمر."
"شهق... لكن تاريخهم مخلد في العالم."
"هذا أصلك إذن."
"أظنك أيضاً لا تعرف بابل في العراق."
نظرت إليه.
"أليس لديك فضول حول عالمي مثلك؟"
"بلى."
"لماذا لا تسأل؟"
"لأن هذا لن يزيدني شيئاً."
توقف فجأة. نظرت له لترا ما يقف عنده. وكان هنالك نقش على الحائط لامرأة تنحني أمام ملك. وهنالك رمز عند منتصف صدرها نقش بوضوح. لكن لم يكن كالذي تحمله.
"تدعى صاحبة الوسم، إنها من عالم مختلف يا لينا، أظنه عالمك."
قالت بدهشة: "حقاً؟"
"منذ خمس مئة عام استحضر وجودها لجدّي."
تستمع إليه باهتمام.
"لماذا لُقبت بالموسومة؟"
"منحناها وسام العائلة الملكية قبل رحيلها، كانت مرافقة أنقذت البلاد من فاجعة كانت أن تحدث."
"ما كانت مهمتها؟"
"منع صراع بين بلدين، كان جدي سيخوض حربا قويا مع جيهنام."
طالعته باستغراب. قال موضحاً: "إنها بلد مجاورة. حدثت خلافات أدت إلى إعلان حرب شاملة. وأثناء تجهيزات لذلك زهرت هي من العدم لمنع حدوث ذلك معلنة أن كلا البلدين سيخسر الكثير ويشكل دماراً سيجعل البلاد تمحى إلى الأبد."
"كيف عرفت ذلك؟"
"لا أعلم، لم يذكر أبي لي هذا."
"ماذا حدث؟"
"بسببها قام عقد اتفاق وتوصل إلى تفويض مع تدخلها. حيث كانت رسول إلى جيهنام لتكن هي العهد الذي بيننا.. وإلى الآن أصبحت البلدتان كبلد واحدة."
"يبدو أنها كانت قوية للغاية لفعل كل هذا."
"إنها تشبهك."
نظرت له فتقابلت الأعين.
"إنكِ شجاعة، قوية.. باستثناء تهورك."
ضاقت عيناها وقالت: "أكمل جملتك خيراً لمرة واحدة."
عزز بانظاره إلى القاعة وقال: "وعدتك أن أخبرك بما جعلني لا أشك في كلامك. ظننت أن هنالك حرباً ستقام أو أنكِ أتيتِ مانعة خراباً سيحل.. لكن يبدو هنالك أمراً آخر، أنتِ كحارس لي."
ابتسمت.
"لا تنكر أني فعلت أشياء كثيرة أيضاً. إن كنت قتلت كان سيعاني شعبك. لهذا أنا أنقذتكم."
ابتسم بهدوء. ثم قال: "سأتأكد من تخليد ذكراكِ على الجدران فور انتهاء مهمتك. لنعرفها قبل أي شيء ماذا أتيتِ تدوين أيتها المدونة."
"سنعرف قريباً أيها الملك."
قالتها مباضلة إياه البسمة فرحة من حديثهم. نظرت إلى تلك المرأة. اقتربت قليلاً وهي تنظر إليه بتدقيق.
"ما هذا الرمز؟ مختلف عني."
"كان يرمز في بلادنا للمحارب."
أومأت بتفهم.
"أشعر وكأنني رأيته من قبل."
"أين رأيته؟!"
"لا أذكر أين، لكن يبدو مألوفاً."
نهضت مستسلمة.
"يبدو أنه تشابه لوجو ماركات الملابس."
تعجب منها.
"لا تهتمي."
"أنتِ متأكدة أن لم يراكِ أحد مثل ما حدث اليوم؟"
علمت مقصده عن تلك القدرة.
"وزيرك وأخوك."
"غيرهم يا لينا."
"ممكن أحد الجنود متخفي إلى الآن."
"سأهتم بذلك. أقصد فعلتي مثل ما حدث اليوم أمام أحد.. يبدو أنك لا تتحكمين بها."
صمتت بتذكر. وكأنما شعرت ببعض القلق. في ذلك اليوم أول يوم لها على غوانتام حينما كانت النساء تخلعن ملابسهن لسوق العبيد. وفتاة تمسك بشيء يشبه البخور وقامت بتنويمها. لكنه وقع من يدها فجأة وجعلهم ينظرون إليها بشدة. حينما كانت تجلس عند الشجرة ممسكة بغصن وترسم على الأرض مدققة في الرمز الذي تراه. انتفض التراب على وجهها.
داخل الزنزانة حينما أزعجت الحراس ودفعها أحدهم رافعاً عصاه ليضربها. لكنها فجأة كسرت بالرغم من غلاصتها ومتانتها الذي كانت خائفة منها. حيث جعل الحارس ينظر إليها بشدة. ثم رماها أرضاً وغادر.
حينما علمت بأمر الطعام المسموم. ومعها الحراس من الدخول. هي من قامت بفتح الباب من خلال تلك القدرة.
وأخيراً ذلك السهم الذي شهد عليه الملك وشقيقه. الآن السكين ومهاجمتها له. كل تلك الأشياء الذي لم تكن تفهم سوى أنها مجرد صدفة.
قالت بحرج: "أظن؟!"
"إن هنالك الكثير."
"هل رآكِ أحد؟"
أومأت برأسها.
"الحارسان عند جناحك، وجندي في الزنزانة."
صمتت لحظة حين تذكرت نفسها في الجامعة حين قفل عليها المدرج مع يوسف. معقول ها كانت هي من فتحت الباب؟ تذكرت معتز وهو يقول لها "مكنش في حد هناك غيركم."
ذلك اليوم العاصفة الذي هبت في المكان من غضبها من يارا لتنمرها عليها. وكادت أن تؤذيها لولا معتز الذي وقف في وجهها. يذكرها ذلك بما حدث معها في الصباح. إنه نفس شعور الغضب. لكن كان متضخماً لديها اليوم.
"هل ممكن أن القدرة أيضاً أستطيع استخدامها في العالم الآخر؟"
"لماذا تقولين هذا؟"
"حدث لي أشياء غريبة لم أكن أفهمها. لكن الآن أدركت أنها مثل ما أخبرتني عنه. لقد استخدمتها أمام زملائي في الجامعة. وحين قفل المدرج علي مع زميلي كنت من فتحته عن بعد."
"الجامعة؟!"
"إنها مكان للدراسة، تلك مرحلة تعلمي."
"أظهرتيها إذا، من رآكِ يجب أن يموت."
"ماذا تقصد؟"
"سأقتل من يعلم أمرك."
"لكن ليس لدرجة قتلهم."
"أنا أحميكِ يا لينا."
"لا أملك فكرة عن الخطر الملحق بي من القدرة أو من من يعرف عنها شيء. لكنهم لم يدركوا شيئاً. لقد بدا متعجبين لم ينصدموا مثلك أنت وداغر وبردلة. أظنهم لم يعلموا شيئاً صدقني أنا أعلم ما أقوله."
"اخرسي على عدم إظهارها مجدداً، لأي سبب كان."
أومأت بتفهم. ثم نظرت له بفضل.
"فرناس."
نظر إليها لتكمل.
"لماذا لا تخاف من وقوفك معي؟"
"لأنني لا أخاف منك."
"بعدما عرفت أمري يبدو حول ما قلته أني خطيرة. ألا تخشى وجودي؟"
"إنني من قادر على إنهائك يا لينا."
أشار عليها وقال: "تركتك لأن لدي المقدرة على التصدي لك إن ارتكبتِ إثماً واحداً."
شعرت بالخوف من ما يقوله.
"هل تمتلك القوة لتقف في وجه ذلك السحر الذي يلعني؟"
"تجهلين حقيقة من حولك."
لم تفهم ما يقوله. قاطعهم صوت من الخارج. ذهب فتبعته. توقفت حين رأت داغر الذي ابتسم حين رأى أخاه. قال مازحاً: "هل اشتقت لذكرياتنا مع العائلة قديماً؟"
عانقه ليُبادله.
"ماذا تفعل هنا؟"
"ذهبت إلى جناحك لم أجدك، المبارزة لم تكن هناك، ولا المقر. حسبت أنك ذهبت إلى ذلك الخائن لكن لم تكن هناك.. علمت أنك هنا مع هذا الاختفاء المباغت."
كانت تشاهد علاقتهم الودية الذي لأول مرة تراها حميمة. لمجرد ابتعاد الناس عنهم ولا يوجد غيرهم. لكن حين التفت داغر ورآها توقف بدهشة من رؤيتها. ونظر إلى أخيه بشدة.
"لم أكن أعلم أن هنالك أحد معك."
أشار فرناس إليها. اقتربت منهما ليقول: "أنا من دعوتها إلى هنا."
"أعلم هذا. لا تستطيع أن تأتي هنا إلا برفقة أحد."
نظر فرناس إليها.
"ستجدين حارساً في نهاية الممر سيصطحبك لغرفتك."
أومأت بتفهم حين عرفت أنه ينهي حديثهم. غادرت وتركتهم ليبقيان بمفردهم.
"هل كان هنالك شيء مهم يستحق استدعائها؟"
"هل سيكون هناك غير ذلك؟"
صمت معتذراً. ثم نظر إلى يده المضمضة.
"هي أليست كذلك؟"
رفع عينيه مكملاً: "إنها من أحدثت الفوضى في جناحك وجرحتك."
"إنه مجرد خدش، لا تجعلونه جرحاً."
"لكنه بالنسبة لي جرح يا أخي، أنك تتساهل معها كثيراً.. أنا لا أحمل أي ضغينة سيئة نحوها لكن.. ألا ترى أنها غريبة جداً؟"
"لينا ليست عدوة."
"أفعالها تدل على أنها مرسلة من عدو ما، ألا ترى حادثة الطعام لم نجد الفاعل وحينما عادت ظهرت حادثة الجندي."
"إنها من أنقذتني."
"جميعنا رأينا كيف أنقذتك، خلال سحر رزان."
"هذا أكبر دليل على أن الخطر ليس منها."
"ماذا تقصد؟"
"كيف تنقذني وتكشف عن نفسها أمامي لأقتلها؟ لقد عرفت قدرتها من ما فعلته لحمايتي."
"لعلها تجهل أمرها."
"كانت كذلك بالفعل، لكن لا أحد يخاطر بنفسه من أجل عدو."
تعجب منه ليكمل: "وقفت أمامي كيف لا يصيبني السهم، إن لم توقفه لكانت قتلت."
صمت ولم يتحدث بعد ما سمعه من أخيه. نظر إليه.
"هل تقول أنك مدين لها؟"
"أنا كذلك بالفعل."
"وستحميها."
أومأ له إيجاباً.
"تنهد."
"هل تعلم جيداً ما تفعله، تدرك أنك تخون شعبك..؟"
"إنهم في حمايتي دوماً. لكن إن عرفوا لن يوافقوا على وجودها البتة."
"لن يعلم أحد عنها، إنها مجرد ضيفة وسترحل.. ستكون في حمايتي إلى ذلك الوقت."
"إنك ملك يا أخي، مسؤول عن رعايا… فعلت الكثير لماذا تضيع مجهودك."
"لينا ليست خطيرة يا داغر، لن أكرر عليك بذلك."
"لا يمكنك أن تضع وحشاً أمام قطيع ماعز وتقول لن يؤذيهما."
اقترب منها.
"هل قادر على تحمل مسؤوليتها؟ أخشى عليك من ذلك."
"لا تعلم حتى من أكون."
"إنك أخي الذي أخشى عليه من قرار خاطئ."
"هل اتخذت قراراً خاطئاً من قبل؟"
نفى له برأسه بإحباط. ليقف فرناس أمام وجهه.
"أعدك، لن يحدث شيئاً. لن تتأذى أنت. لن يحدث."
"لا تبقى وحدكما."
نظر حوله مكملاً: "رأيت ماذا فعلت."
تنهد. ثم قال: "كما تريد يا أخي، أمرك مطاع. سنحميها حتى عودتها. لكن.. إن ظهرت رزان أخرى.. إن ارتكبت جرماً ماذا ستفعل؟"
تحولت ملامحه وكأنما يتخيل ما سيحدث. ليقول بكل جدية: "سأقتلها."
رواية سرداب غوانتام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور
كما تريد يا أخي، أمرك مطاع، سنحميها حتى عودتها. لكن إن ظهرت "رزان" أخرى، إن ارتكبت جرماً، ماذا ستفعل؟
تحولت ملامحه وكأنما يتخيل ما سيحدث، ليقول بكل جدية:
سأقتلها.
لقد طاردها أبي لأكثر من ثلاثين عاماً، لم يكن ليقدر على قوتها. تألم أن تحررت، فهي لا تقهر.
ما دمت على قيد الحياة فأستطيع إيقافها.
نظر له مردفاً:
إنني من أقدر على ذلك، فلا تقلق.
أومأ له بتفهم وقال:
تمتلك خبرة أكثر مني، لذلك لن أتدخل. لكن تذكر أنني حذرتك.
لماذا لم تنم بعد؟
ابتسم وقال:
كنت في طريقي للنوم، لكن تذكرت أن لدينا مبارزة.
هل المبارزة تصبح في جوف الليل؟
ستكون أكثر إثارة، ما رأيك يا أخي؟
ابتسم بهدوء ليضع يده على كتفه وكأنما يحتضنه بعينيه. قال:
لتنم جيداً ونتبارز في الصباح.
أمرك مولاي.
صافحه مربتاً على ظهره، ليلقي نظرة أخيرة على القاعة وغادر. ليبق "فرناس" بمفرده. عاد إلى المكان الذي كان واقفاً فيه معها، ليضع يده عند أحد النقوش التي تبدو كرمز. أدار أحد أصابعه وكأنما يرسمها من جديد. توقف لبضع ثوانٍ ناظراً للأمام، فتحولت إحدى عينيه كالسيف الحاد.
استطيع تمييزك جيداً، لقد عدتِ.
كانت نائمة بهدوء تام، حيث كانت "نائله" و"بشرى" تنظران إليها خائفتين من إحداث أي صوت يوقظها.
قالت "بشرى":
المساء اقترب في الحلول.
قالت "نائله":
هل سهرت البارحة؟
كانت السيدة "صفية" جعلتها تنام رغماً عنها. لعلها ذهبت إلى الملك، إن كان أمراً خاصاً به فبتأكيد السيدة لن تستطيع فتح فاها. أحسدها على المكانة التي ارتقت إليها.
نظرت "نائله" متعجبة وأردفت:
هل تبتسم وهي نائمة؟
قالت "بشرى":
لعلها تحلم بمولاي.
كتمت ضحكتها. نظرت إليها الأخرى نظرة حادة، فسكتت الاثنتان عن الحديث.
كانت "لينا" تغط في النوم.
استيقظي، حياتك في خطر.
ضاقت حاجبيها لتفتح عينيها من ذلك الصوت الذي تردد في أذنيها. التفتت حولها، لم تجد سوى رفيقيها الذان ينظران إليها باستغراب. وقفت مبتعدة عن السرير.
هل دخل أحد هنا غيركم؟
لا سيدتي.
من إذن قال ذلك لي؟
قال ماذا؟!
خاصة أن تكون سمعتهم وتسببت في استيقاظها، لكن التفت وتوجهت إلى الباب.
إلى أين؟
خرجت دون أن ترد على أحد منهم. تبعها الاثنان، لكن توقفت "بشرى". صرخت بفزع، وحين التفتت "لينا" انصدمت من رؤية ثعبان مخيف، كبير الهيئة. تراجعت للخلف بقلق وكأنه ينظر إليها هي بالتحديد.
سار سريعاً تجاهها كالصاعقة، فوقف الحارسان متدخلين، شاقينه إلى نصفين بسيفهما الحاد. لكنه نفث سمومه في وجههم فتشققت الملابس وكأنما فتات نيران. تراجعت "لينا" للخلف لتجد من يقف أمامها رامياً غباراً بنياً على الثعبان. فوقف في مكانه وتشقق جلده بمنظر بشع وكأنه يذاب أرضاً. بينما كان رفيقاها خائفين ومنشغلين بما يحدث، وجدت الآخر يسحبها من بينهم.
نظرت إليه، التف وكان ذلك العجوز. قالت:
أنت جيت إزاي؟
إنك بطيئة الفهم. أنت الذي حذرتني من الثعبان وأنا نائمة.
كان زمانك ميتة من دقائق.
مظنش.
نظرت لها قالت بثقة:
الملك قال إنه هيحميني. هيلجأ للعقاقير بس مش هيخلف وعده ويسبني أموت.
قال ساخراً:
علاقتكم اتطورت يا "لينا".
صمتت بحرج ليكمل وهو ينظر أمامه:
سم الأفعى دي قادر يقتلك معاك، مع اختلاف الوقت.
لم تفهم ما قاله.
إيه اللي رشيته ده؟
ملكِيش دعوه. التعبان ساح قدام عيني واتنين حراس كانو هيموتو بسببه، ده لو ممتوش.
اتصدمت ونظرت خلفها متذكرة بسم في وجوههم. قالت:
ماتوا؟!
نظرت إليه وهو يركض. قالت:
إحنا رايحين فين؟
مش هسمح لك تبقي في القصر.
اتصدمت وقالت:
إيه؟! طب إيه؟
حذرتك قبل كده. رجعتي تعبثي في الكتاب بجهلك.
لقد ظنته تناسى. قالت:
أنا مش عايزة أخرج، أنا هنا كويسة.
أفلتت يدها بضيق وقالت:
قلتلك ليه.
نظر لها من نبرتها. قالت:
إزاي هتخرجني وأنا لازم أكون معاه عشان أدون.
لو قولتلك إني بنفيكِ من المهمة.
اتصدمت قالت:
يعني إيه؟
يعني تقدري ترجعي عالمك بدون رجوع.
هلم تسعد هذه المرة، لكن قالت بضيق:
وده عشان منفذتش اللي بتقوله.
أنا كده بكافئك، إلا لو كنتي شايفاه عقاب عشان هتبعدي.
وأنا مصرة أكمل.
ليه؟
صمتت من سؤاله ثم تنهدت وقالت:
عشان أنا مش لعبة تنهيها وقت ما أنت عايز.
أنتِ بترتكبي أخطاء شنيعة، بتتدخلي في اللي ميخصكيش ليه؟ ده كله عشان أنقذته؟ عشان مسمعتيش تحذيري ليكي وعملتي اللي في دماغك. حط نفسك مكاني، بلاش دي. لو شايفة واحد حياته في خطر مش لازم أحذره حتى؟
وهو التحذير بقى إنك تقفي قدام الخطر عشانه.
خجلت، لكن قالت بجدية:
ما كانش ينفع أسيبه يقتله.
أنا مش قولتلك متتدخليش.
مقدرتش أشوفه بيموت ومعملش حاجة.
ما كانش هيحصله حاجة. انتي فاكرة إن "فرناس" ممكن يموت بالطريقة دي زي أي إنسان عادي.
استوقفتها جملته وطالعت بتعجب. قالت:
بس هو كان هيموت.
خلي الأحداث تمشي زي ما هي ومتغيرهاش، فهمتي؟
أنا عايزة أفهم حاجة، مش ده الملك اللي أنا مبعوته هنا عشانه؟
آه.
وعايزني أشوفهم هيقتلوه وأتفرج؟
صاح في وجهها غاضباً وقال:
محدش يقدر يقتله يا غبية. افهمي ده كويس. حتى الأكل المسموم هو كان كل منه أصلاً.
قالت وتعبيراتها تملأها الصدمة:
إنت بتقول إيه؟ إزاي؟! هو محصلوش حاجة، كان كويس.
عشان مش سم زي ده يأثر فيه. لو مسموم فهو من سم الثعبان اللي شوفتيه، وده محدش يقدر يجيبه.
شعرت بتزاحم عقلها. قالت:
أنا مش فاهمة حاجة.
اعملي المطلوب منك يا "لينا"، متتدخليش في أي حاجة.
التفت محذراً إياها:
واوعك تحبيه.
نظر إليها مكملاً:
أنا بحذرك، مع إني شايف إن تحذيري جه متأخر.
ابتلعت كلامها بتوتر ولم تعلم ما تقوله.
وإنت بتحذرني من كده ليه؟
عشان إنتي مينفعش تحبيه. انتوا الاتنين مختلفين عن بعض تماماً، مينفعش ده يحصل بأي شكل. إنتي متعرفيش حقيقته لسه.
إيه هي حقيقته اللي إنت بتتكلم عنه؟
أمسك كتفها جامد فتألمت من قبضته ونظرته الجادة لها ليقول:
بنبهك يا "لينا"، متعمليش أي حركة سذاجة تاني. حتى لو شفتيه بيموت، لو بيرمي نفسه في النار متتدخليش. سمعتي؟
إزاي عايزني مدخلش؟ أشوفهم بيقتلوه وأسكت؟ وبتقول محدش يقدر يقتله، تقصد إيه بكلامك؟ إني أقلق عليه ولا أسيبه للخطر؟ فهمتي.
كان ينظر إليها ونظرته توحي بقلة الحيلة. حيث قال:
وقعتي في حبه.
ارتبطت أكثر وقالت:
مفيش حاجة من دي حصلت.
أتمنى تكوني صادقة.
اطمئني.
ابتعد عنها فتحسست كتفها من يده القاسية لتنظر إلى هيئته. قالت:
إزاي مسن وصحتك أكتر مني؟ إنت كل مرة بتختلف عن أول مرة شوفتك فيها. عجوز، كهل، ضعيف.
التفت تاركاً إياها. أوقفته. وقالت:
"رزان".
توقف حين قالت ذلك. نظرت إليه. قالت ساخرة:
كنت واثقة إنك تعرفها ولك معرفة كاملة عن اللعنة اللي أنا فيها.
بتقول عن وسام شرفك لعنة؟!
التفت لينظر إليها جدياً. قال:
من أين علمتِ بأمرها؟
من الملك اللي بتحذرني من إنقاذه، ذاته اللي بيحميني وبيجيبلي معلومات أكتر منك.
أشارت على جبهتها وقالت:
ممكن تعرفني إيه اللي فيا ده، وليه واحدة ساحرة زي دي سحرها يجي فيا أنا؟
"رزان" كانت زيك يا "لينا".
انقطع صوتها لوهلة من نظراته إليها. لتسمع صوتاً من الحراس خلفها. التفت ثم عادت بنظره إليه وقالت:
أنا هرجع إمتى؟ لي كل الأحداث اللي بتحصل دي ولسا هنا؟
مش هترجعي.
نظرت له بشدة. سمعت صوت "بشرى" خلفها.
سيدتي.
اقتربا منها بقلق لتجده قد رحل من أمامها. التفتت إليهم بضيق، فقد قاطعوا حديثهم. قالت:
ما الأمر؟
إنتِ بخير؟
أجل.
ذهبت لتجد حراساً يحملون الآخرين الذان كانا مصابين وتظهر على بشرتهم بقع حمراء جعلتها تقشعر جسدياً. وجدت "صفية" تمسك يدها وترفع أكمام فستانها.
قالت "لينا":
ماذا تفعلين؟ هل حدث إلي شيء؟
لا، ماذا حل بالحراس؟
ماتوا أثر سم الأفعى.
شعرت بالحزن. إنها من تسببت في مقتل شخصين حاولوا حمايتها دون ارتكاب ذنب. أتت هذه الأفعى تترصدها هي. لماذا لم يمت أحد ليس له دخل بها؟
أتت امرأتان ليمسكاها وأشارت "صفية" لهم. قالت:
إلى الحجر، وأيضاً الصفوتان يجب أن يخضعا لفحص.
قالت "لينا":
ما الذي يحدث؟ أخبرتك لم يصبني شيء.
إنه فحص طبي لسلامتك. إن كنت تخشين أن يتأذى أحد إن كان داء، هذا عملي.
تضايقت، لكن ذهبت معهم بصمت ولم تعلق.
داخل زنزانة كان الجندي عارياً الجسد، ممتلئاً بعلامات أثر الضرب والتعذيب له، ينزف من جروحه ولا أحد مهتم به. فتح الباب لينظر إلى ذلك الصوت الذي نبع أخيراً من تلك الظلمة الحالكة. ليجده واقفاً يعقبه بعينيه. قال:
ألم تستطع تأدية مهمة كهذه؟
قال وصدره يصعد ويهبط:
اعتذر، لكن لو تصدت هذه الفتاة لسهم لاخترقتهم سوياً. حرصت على دفعه بقوة رجلين، صدقني.
انحنى أمامه ليمسك وجهه بقوة فتألم من عظامه المفتتة.
لا فائدة منك.
صدقني، فعلت كل ما طلبته مني.
لم يمت بعد، هل هذا خطئي إذاً لاختيارك؟
سامحني، كان خطئي.
أعطني فرصة لإصلاح ما ارتكبت.
فرصة القدر تطلب.
أخرج خنجراً لينظر إلى الجندي بخوف.
داخل مقر المجلس كان قد انتهى اجتماع الرؤساء وتنفرد القاعة وهو جالس على كرسيه الذي يعلو الجميع، واضعاً يده خلف ذقنه. نظر "داغر" إليه. قال:
فيما تفكر؟
ألم يتحدث بعد؟
علم مقصده ونفى برأسه. قال:
يلتزم الصمت. أرى أنه لا يبتلى في حياته، لذلك لا قيمة لبقائه.
لعلكم لم تفعلوا ما يلزم. سيموت في الحالتين، فقد شاهد أمر "لينا".
نظر إليه وقال:
هل أنت مهتم لأمرها؟
كثيراً. أريد معرفة ارتباطها بي... وعن أي سبب قد جاءت.
صمت. فتح الباب ليدخل "بردله" منحنيًا باحترام. قال:
مولاي.
طلبتني.
أين كنت؟
أتفحص معدات الجيش.
أومأ له بتفهم. وقف ليغادر. تبعه "داغر"، لكن وجدته توقف عند "بردله" ناظراً إلى يده. قال:
كيف جرحت؟
كانت على يده آثار دماء. أخرج ممحاة وقال:
السيوف كانت أشد حِدة هذه المرة.
قال "داغر":
هل تجرب المعدات على نفسك؟
لا يوجد أشد صلابة من جسدي، وهذه أفضل طريقة لأطمئن إن خضنا حرباً أن نكون الطرف الرابح كالعادة.
صمت "فرناس" مؤمئاً بتفهم ثم غادر ليتعبه أخيه و"بردله" الذي قال:
جلالة الملك، هناك ما يجب أن أخبرك به.
لتؤجله الآن.
أومأ مطاعاً، توجه عبر ممرات الباطنة الكبتعده عن أجواء القصر ناحية السجون. تقدم "داغر" ليشير إلى الحارس الذي انحنى فور رؤية "فرناس" وفتح الباب ليدخل إلى ذلك المهارات على الأرض كالجثث. تعجب. اقترب منه. قال:
هي ما تُقال؟
قال "داغر":
لقد حرصت على إبقائه حياً.
أخرج سيفه من غمده ليصطك بالأرض مصدراً صوتاً جعله يتحرك ليثبت أنه لا يزال حياً، لكن لم يعد يقدر على النهوض. قال:
جلالتك بذاتك هنا.
للخائنين أهميتهم.
وضع سيفه عند رقبته ليجعله يعتدل متراجعاً للخلف من حدته ويجلس أمامه.
قال "فرناس":
عائلتك في انتظار عطلتك، ألا تنوي العودة؟
تبدلت ملامحه لسماع ذلك. قال:
هل تلعب حرباً نفسية؟ أعدك بأن أعود إن أخبرتني من خلفك.
لن يحدث. تضيع وقتك مولاي، لن أفيدك في شيء.
صمت ناظراً إليه ليسقط بتفهم أرضاً. فانطلق صرخة مداوية هزت الأركان من ذلك السيف العالق في فخذه، والآخر يضغط عليه بهدوء مخيف. قال:
للصبر حدود، وإن تحررت حدودي بمثابة تحرر شيطان بأكمله.
صرخ متألماً وهو يلهث بأنفاسه. قال:
اقتلني، لكن لن أفعلها. لم يرسلني أحد، أنا من أردت قتلك. أردت فعل ذلك لإرضاء أعدائنا، لقد دفعوا لي الكثير.
إن كنت تصر على عدم البوح، لماذا تركت إثم الكذب؟
نظر إليه. وقف. قال:
ستموت، لا تقلق.
نظر "داغر" و"بردله" إليه ليسحب "فرناس" سيفه. انتفض الآخر معه. التفت معلناً انتهاء الحديث والجندي يثقبه بعينيه. ليدخل يده أسفل بنطاله وينقض عليه، لكنه سرعان ما دفعه بقوة لصقه في الحائط. أخرج "بردله" سيفه. اعتدل الجندي بتألم ليجد من يمسكه من عنقه رافعاً إياه في الهواء وقد ضاقت عيناه. وقال:
كنوا مخطئين، الخائن لا يؤتمن.
ابتسم الجندي والدماء تسيل من فمه ليكشف عن خنجره ويدخله في جسده. انصدم الجميع ونظروا إليه بصدمة، لكنه لم يتأذى حيث كان "داغر" قد أمسك يده بقوة وجرح كفّيه الاثنتين. نظر الجندي إليه بصدمة كبيرة من تصديه. دفع "داغر" "فرناس" بعيداً ليترك الخنجر أخيراً متألماً. اعتدل "فرناس" لينظر إليه وحين اقترب منه انقض عليه الجندي.
قال "داغر":
احترس.
أمسك يده وقام بكسرها أثر انثناء عظامه، فصرخ بقوة ليخرج سيفه، وبضربة واحدة فصل رأسه عن جسده وتناثرت الدماء على وجهه ذو ملامح غاضبة وقد كسر هدوئه لأول مرة.
تركه أرضاً. التفت وكان "بردله" يرى "داغر" الذي كانت يده تنزف.
قال "فرناس" بقلق:
أنت بخير؟
بخير.
صاح بانفعال:
أرسلوا الحكيم.
ذهب الحراس فوراً سماع أمره. أمسك يده ليخلع وشاحه، يلفه حول كفيه بضيق.
لماذا تدخلت؟
كاد أن يقتلك.
وأنا لم أقتل، لكنك تسببت لي بالخسائر.
لا تقلق يا أخي، مجرد جرح.
جعله يقف على قدميه. قال:
لا تخلع الوشاح عن يديك، لا تهدر دمائك أكثر من ذلك.
غادر إلى جناحه ليحضر الحكيم وقام بمعالجة جرحه معطياً إياه كيسًا من الأعشاب الذي كاد أن يعترض لولا عيني أخيه الصارمة. أتى "بردله" قال:
اهتممت بالأمر مولاي. كيف وصل خنجر إليه؟
قال ذلك بغضب. صمت بحرج، لكن تحدث "داغر":
لعله خطئي.
نظروا إليه. قال:
لمسه جيداً، يبدو أنه كان يخفيه أسفل بنطاله كل ذلك الوقت ينتظر مقابلتك ليقتلك مجددا.
اخفض رأسه متأسفاً. صمت "فرناس" ربت عليه بتنهيدة ثم نظر إلى الحكيم وقال:
اهتموا بها.
أومأ الحكيم بإنحناء. ذهب ليغادر من جناحه. لحق به "بردله" قال:
مولاي. ما الأمر؟
أخبرتني إن كان هناك شيء بخصوص تلك الفتاة.
ما بها؟
إنها تحت الحجر.
نظر إليه باستغراب. قال:
هل هي مريضة؟
لا، لقد قتل الحارسان اليوم لوجود أفعى كبرى في غرفتها.
هل أصابها شيء؟
لا أعلم بالتحديد، لكن عرفت أن المصابين كان الحارسان.
لماذا لم يخبرني أحد في وقتها؟
جلالتك كنت في اجتماع، حاولت إخبارك لكنك قلت لاحقاً، لذلك لم أشأ إزعاجك.
تنهد بضيق وذهب ليتبعه الآخر. وصل إلى مكانها كان على الباب حراس انحنوا لرؤيته.
افتحوا الباب.
لكن مولاي.
نظر إليه بخوف. تدخلت "صفية" قالت:
جلالة الملك، خيراً.
أين هي؟
بالداخل.
وقفت أمامه معترضة طريقه. قالت:
إنها بخير مولاي، صدقني.
لماذا هي في الداخل إذا؟
لسلامتك، إنها كثيرة الاحتكاك بك لهذا نتأكد من سلامتها.
افسح.
قال ذلك بصيغة الأمر. تدخل "بردله" وقال:
لا نريد تعريضك للخطر، لعل الأمر معدٍ.
توقف ونظر إليها. قال:
كيف دخلت أفعى إلى غرفتها؟
قالت "صفية":
لا أعلم، صدقني مولاي. القصر يخلو من تلك الكائنات، حتى البعوضة لا تعبث في الجوار.
أريد تفسيراً إذا.
صمتت بحرج. اقترب منها وقال:
اعرفي ما حدث بالتحديد. سيتحاسب الخدم على تقصير كهذا. حارسان قد ماتا وليس حيوانات.
انحنت له معتذرة. لم يرد عليها لينظر إلى الحراس الذان أفسحوا له. دخل إلى الغرفة وجد امرأة مكفهرة الوجه. تفاجأت لرؤيته وانحنت، لكنه تخطاها ليرى التي تجلس على السرير. وقف بقربها كانت تحرك أصابعها بضيق.
سأفضل هكذا كثيراً؟
لاحظت ذلك الظل. التفت لتجده بجانبها. تفاجأت. نظرت إلى المرأة التي لم تصدر صوتاً.
قال "فرناس":
إنتِ بخير؟
خائفين عليك مني. كيف دخلت؟
لا أحد يستطيع منعي.
جلس بجانبها. اعتدلت لتصبح مقابلة له وقالت:
هل جئت لتطمئن علي؟
ألا يبدو كذلك؟
أخفت ابتسامتها، لكن فرحت داخلها.
قال "فرناس":
تأذيتي؟
لا، راح الحارسان كبش فداء. أيضاً احتجز "نائله" و"بشرى" لأنهما كانا قريبين. عيسى قد ركضت بعيداً.
هل سم أفعى أصبح معدياً؟ سأخبرهم بإخراجك.
شكراً، لعل ما ظهر على الحارسان هو ما جعلهم يخافون.
نظرت إليه لتوضح ما رأته عن أجسادها المحببة وكأن أصابعها داء خبيث. ليقلب كلامه داخل رأسها صامتاً. قال:
كم استغرق موتهم؟
تعجبت من سؤاله، لكن قالت:
لا أدري، لعلها أربعة ثوانٍ، أو خمس... لم تتخطى ذلك.
تنهدت ثم نظرت إليه. قالت:
فيما تفكر؟
لماذا لم تعودي إلى الآن؟
هي تريدني أن أعود.
أتساءل عن سبب عدم عودتك، ظهرت كثيراً من الأحداث. لماذا لم تبعثيني إلى عالمك إلى الآن؟
لا أعلم أيضاً. أخشى أن تكون دراستي قد بدأت وتناقصت درجاتي بسبب أعمال السنة. لا أعلم نتايجي في نصف العام حتى... أتمنى أن تكون تحصيلاً جيداً...
صمتت حين وجدته في عالم آخر غير مركز معها، فشعرت بالحرج. قالت:
أعتذر، حاكيت لك قصة حياتي.
لم يرد عليها. تضايقت. نظرت إليه. قالت:
هل تسمعني حتى؟
مال عليها برأسه مستنداً على كتفها فتوقفت مبحلقة فيه بشدة. تسارعت دقات قلبها من اقترابه وكأنما وحشاً يطاردها فتركض خوفاً. نظرت إليه، وضعت يدها عند صدره لتبعده. فصدر صوت تألم منه. فأبعدت يدها باستغراب. قالت:
أنت بخير؟
لا تتحدثي.
تعجبت، لكن حين اعتدلت بحرج لتبعده عنها، استوقفها ذلك اللون الأحمر على يدها لتنظر له بصدمة. قالت:
ما هذا، دماء؟!
لمست كتفه. أمسك يدها ليرفع عينيه إليها مشيراً بإصبعه بالصمت. توترت. أومأت له بتفهم.
قال بصوت منخفض:
ضعي يدك حول كتفي.
ماذا؟!
افعلي ما أقول.
رفعت ذراعيها بحرج شديد، خاشية من لمسة تجعلها في الهواء وكأنها تعانقه ودقات قلبها ترتفع وكأنه سيخرج من مكانه. تنظر إلى الركن متفادية النظر إليه.
قال "فرناس":
أخبريها أن تخرج من هنا.
تعجبت. نظرت إلى المرأة التي كانت مخفضة الرأس. نظرت إليهما لتتفاجأ وشعرت بالحرج الشديد. خجلت "لينا" من نظراتها. قالت:
هل يمكنك أن تخرجني؟
نظرت إلى "فرناس" لتعلم أنها لن تأخذ الأمر إلا منه. قال:
غادري.
أومأت بطاعة ونظرت إليهما ثم خرجت. رأت "بردله" واقفاً مع "صفيه" التي قالت:
لماذا خرجتِ؟
طلب مولاي مني تركهم بمفردي.
صمتت بقلق ونظر "بردله" إلى الباب ثم غادر.
أدركت "لينا" أنهم بمفردهم. نظرت إليه. قالت:
ماذا أفعل ثانياً؟
ابتعد عنها فأعادت ذراعيها إلى مكانها وقد تخدرا ألماً. قالت:
هل تريد إخباري شيئاً؟
أين المعدات الطبية اللذان استخدماها معك؟
تعجبت. قالت:
فحصوني فقط، لكن رأيت معدات...
أحضريها.
قال ذلك مقاطعاً كلامها. تعجبت. وقفت لتحضر ما رأته من ذلك الصندوق بجانب الغرفة. وحين التفت وجدته يخلع ملابسه. انصدمت. قالت:
ماذا تفعل؟
اتسعت عيناها حين رأت صدره العاري ينتصفه جرحاً ينزف بغزارة. فوقع ما كانت تحمله شاهقة بصدمة.
رواية سرداب غوانتام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور
تجيب الصندوق بس وقف. اتصدمت لما لقيته بيطلع هدومه وبقا عارى الصدر.
"إنت بتعمل إيه؟"
بصتله. اتصدمت لما لقت جرح. وقع اللي في إيدها.
بصلها من الصوت. جريت عليه.
"ما هذا؟ كيف حدث لك؟"
"اخفضي صوتك."
"ألا يعلم أحد؟ ألن تتعالج من قبل حكيم؟"
"ليس خطيرا."
"ما الذي تقوله؟ إنك تنزف."
"هل تعرفينني أكثر من نفسي؟"
صمتت حين قال ذلك بجدية وهو ينظر إليها. ثم قال:
"أحضري ما طلبته منك."
"يجب أن يراك الطبيب."
بدأ الضيق على وجهه. ثم قال:
"لن يصيبني شيء."
"لكن هذا جرح، لما تثق في ذاتك بينما أنت تنزف؟"
"ليس وقت غرورك."
"سأخبرهم أن يحضروا لي طبيب."
وقفت. لمسك يده يوقفها. قال:
"إن كنت أريد ذلك لفعلت. تناسيت أن الجرح بذهابي لك. لم تكوني لتعرفي أمره أيضًا."
صمتت وكأنه يخبّرها ألا تجعله يندم لأنه أتى إليها.
"ألا تريد أحدًا أن يعرف عن هذا؟"
أشار على الصندوق. تنهدت منه وذهبت لتحضر ما يريده وتضعه أمامه. وجدت يفتح زجاجة ويغرق بها. حسدته لترى احتراق الجرح وعرفت أنه مطهر. كانت تنظر إليه من ما يفعله وكأنه يمتلك مئة ذراع. لا يشعر، لا يتألم، لا يبدو عليه الضعف.
نظرت إلى ظهره وكتفيه العريضة لتجد علامات.
"من أين هذه العلامات؟"
"تدريب."
"ملوك؟ تدريب قاسٍ إذا. ظننتها حياة رفاهية."
"الرفاهية التي تعيشينها أنتِ يا لينا."
نظرت له. ليقول وهو يكمل تضميد جرحه:
"كونك عادية، هذه رفاهية بحد ذاته."
لم تفهم مغزى كلامه. لكن ماذا يقصد بالعادية؟ هل ينعت نفسه بالمميز وهي فتاة يوجد فيرها الكثير؟ لماذا لا تفهم كلامه عن ذاته وكأنه هناك عائق يمنعها من فهمه.
"تحتاج مساعدة؟"
"فقط اجلسي."
تنهدت منه وجلست تنظر إليه وتشعر بالحزن.
"كيف حدث هذا؟"
لم يرد. تضايقت وقالت:
"أجبني على الأقل. تظل تتباهى بنفسك وأنك لا تُقتل بسهولة. انظر ماذا حل بك."
"حدث هذا بسبب داغر."
صدمت.
"هل هو من فعل بك ذلك؟"
نظر إليها من ما قالته. تعجبت.
"هل قلت شيئًا خاطئًا؟"
"لا تتحدثين بالهراء."
"أخبرني إذا."
عرف أنه لا مجال في النقاش معها. فأخبرها بما حدث. لتنظر إليه باهتمام.
"هل قتلته؟"
طالعها ببرود.
"ليتني فعلتها سابقًا."
"من أجلك أم من أجل شقيقك؟"
"لو لم يتأذَّ داغر، لم تلهِني وارخِ دفاعي."
اقتربت وهي تنظر في عينيه.
"هل تتأذى بتأذي أخاك؟"
"إن أصابه قرح، ذات القرح يصيبني."
رأت حبه الشديد له. وكيف أخاه الآخر يحبه. فلقد تصدى للجندي قبل أن يقتله. لكن يبدو حب فرناس له غير عادي. إنهم غير شقيقين، لكن يبدوان أكثر من الأشقاء.
كان بردلة لا يزال واقفًا أمام الباب. تنظر صفية إلى الممر.
"هل كان يجب أن تتركيه؟"
"كان أمرًا."
صمتت باحترام له.
"فقط قلقة على جلالته."
رأى من بعيد داغر برفقة حارسين ويده مضمدة.
"عرفت ما حدث. أين مولاي؟"
أشار بردلة إليه. نظر إليهم ودخل. اتسعت عيناه حين رآه عاريًا والأخرى مستلقية وقريبان من بعضهم. خرج فورًا مقفل الباب خلفه.
نظروا إليه من معالم وجهه الذي تحول. ذهب دون أن يتفوه بكلمة. ليتبعه حراسه.
كانت لينا مستلقية تنظر إليه وهو يضع يده على السرير بجانبها. يعلو بجسده بعيدًا عنها. ويبدو أنه يتألم من وضعته.
"لقد رحل."
التفت حين رأى الباب قد قفل. ابتعدت عنها. اعتدلت وهي تجلس كما كانت.
"هل كان يستحق الأمر هذا العناء؟"
أخذ الضمادة ليلفها حول جسده المفتول بالعضلات. كانت تتحاشى النظر إليه خجلاً. تردد داخلها بغض البصر قدر الإمكان.
"دعينا أساعدك."
قالتها وهي تقترب منه. أخذته من يده لتسمع في تضميد جرحه.
"لماذا تخفي الأمر؟"
"اكتشفت أن عدوي قريب مني."
"ماذا يعني هذا؟"
"لا تدعي ثغرة يتسلون منها إليك. إن عرف أحد أني جرحت من قبل جندي، ستكون نقطة ضدي. تريد جعلهم يظلون يرونك في قوتك. لم يصيبك أذى برغم محاولاتهم. هذا الجرح ليس شيئًا لي، لكن بالنسبة لهم الكثير. لا أريد أن يعرف أحد وإن كان داغر."
"أنا أعرف الآن. كنت مضطرة."
تضايقت منه.
"لماذا جئت إذا قبل أن تداوي جرحك؟ قبل أن يظهر؟"
"كنت قلقًا عليكِ."
دق قلبها وعادت بالجلوس بجانبه وهي تنظر إليه. خجلت من نظرته. أعطته قميصه.
"ارتدي ملابسك. هيا."
أخذه منها ليعيد ستر جسده. وبعدما انتهى من هندامه جيدًا. التفت ليغادر.
أوقفها. وقالت:
"كن حذرًا في المرة القادمة."
أومأ إليها. ذهب. وقبل أن يخرج التقت عيناه. ليقول:
"شكرًا لكِ."
احمرت وجنتاها. ليختفي أمام ناظريها. وضعت يدها عن أيسر قلبها الذي يتواثب قلقًا عليه وفرحًا من شكره الأخير.
"أوعي تقعي في حبه يا لينا. مينفعش ده يحصل لأي سبب كان."
تذكرت تحذير العجوز إليها. فتنهدت بقلة حيلة من مشاعرها التي باتت في الظهور أكثر عن ذي قبل. لم يعد مجرد إعجاب بشكله الذي افتتنها. إنها مشاعر أعمق بكثير.
فتح الباب. دخلت صفية. لأشير إليها. وقفت.
"سأرحل."
"إنها الأوامر."
عرفت أن فرناس من أخبرها بذلك. عادت إلى غرفتها لتجد رفيقيها ينتظرونها. تفاجأت.
"هل حدث لكما شيء؟"
"لا سيدتي. تأكدوا من سلامتنا لذلك قد عدنا لخدمتك."
"لستما خادمين. اعتبركما أصدقائي."
قالتها ببساطة. لينظرون إليها وهي تجلس على السرير. نظرت إلى يدها لوهلة. استلقت على ظهرها لتغمض عينيها بتعب.
تاتي مشهد أمام عينيها حين أطلقت السكين نحوه. ليصبح كالريح التي انتقلت في الميكرو ثانية.
وقفت بانزعاج.
"كفاية أفكار بقى. عايزة عقلي يهدى لمرة واحدة."
نظروا إليها باستغراب من تحدثها مع نفسها. وكانت غاضبة. تلك الأصوات العالية داخل رأسها بدأت تجعلها تشعر بالتعب.
سندت يديها.
"كيف فعلت ذلك؟"
وكأن عقلها يستوعب حينما تكون مبتعدة عنه. يعيد لها الأحداث باستنتاج. حركته كانت أشبه بالاختفاء. لتجده خلفها. وحين هاجمته خفية من جانبه. أوقف السكين وكأنما بعوضة تعبث جواره.
تذكرت حينما رأت مشهد له وهو يأكل من الطعام المسمم. وتلقت صدمة. حيث سألت بخوف:
"هل أكلت من الطعام؟"
"كيف آكل وأنا لا أزال حيًا؟"
كانت إجابة منطقية. لكن العجوز أخبرتها قد أكل بالفعل. لقد أكد على ما رأته بكلامه. كذب فرناس. بل أخفى شيئًا لا يريدها أن تعرفه. لعله لا يبدو كما يظهر له.
تريد ذلك العجوز. كيف تجده الآن؟ أين تبحث عنه؟ وكيف؟ لا تعلم.
سمعت صوت من النافذة. التفت إليها. وحين اقتربت بخوف. راته في وجهها. انتفضت فزعة. وقبل أن تصرخ أشار إليها.
هدأت. وقالت:
"أنت ترعبني."
"اصرفيهما."
التفتت إليهم.
"أريد البقاء بمفردي."
ذهبوا. لتعود إليه.
"أنت بترعبني. اسمع ندائي. إزاي بتيجي في أي مكان زي ما أنت عايز؟"
"اختلافي عنك زي اختلاف السما عن الأرض يا لينا."
"شكرًا. لو ما أنقذتنيش الصبح كان زماني ميتة."
"رديلي معروفى."
"إزاي؟!"
"متعمليش حاجة غبية."
تنهدت منه. وقالت:
"أنت بس لو تفهمني أنا بعمل إيه."
"فهمتك. متدخليش وبرغم كده ادخلتي. انتوا جنس آدم بتحرككم مشاعركم من غير تفكير."
قالت ساخرة:
"وأنت من جنس إبليس مثلا؟!"
نظر إليها حين قالت ذلك. لم تفهم نظرته.
"مين رزان؟"
"شوفتيها يا لينا؟ معقول مش فكراها؟"
تعجبت منه. اقترب منها. حط إيدها على جبهتها.
"أي تاني؟"
"هخليكي تشوفيها."
"خلاص مش عايزة."
توقفت حين شعرت بسخونة قوية تحتلها. لتغوص داخل رأسها وترى ذات وجه الفتاة التي رأته في النهر. إنها من تقابلها في أحلامها. اتسعت عيناها لتتنهد بتعب مستندة على الحائط وتتعرق بإرهاق.
"أنت عملت إيه؟"
"شوفتيها؟"
"دي رزان الساحرة."
"رزان مكنتش ساحرة يا لينا. هما لقبوها كده عشان القدرة اللي منحوها لها."
نظرت له. وقالت:
"قصدك إيه؟ يعني إيه منحوها لها؟ مين أنتم؟"
"اسألي فرناس. هو مين."
"علاقته إيه؟"
"متنسيش إنك هنا عشانه."
"بس لو رزان مش ساحرة، لى بيقولوا عليها كده؟ هي وحشة ولا طيبة؟"
صمت. تعجبت صمته.
"أنت تعرفها؟"
"أكتر من أي حد."
"هي مين؟"
"اختيار غلط."
"يعني إيه؟"
"متكونيش زيها. عشان كده امشي على منهاجك وبس. ضلال الطريق هنا زي جحيم الآخرة."
اختفى أمام عينيها. لتتصنم ملتفة حولها بخوف.
"بدأ الموضوع يخوف؟"
كانت ستدخل لولا رؤيته واقفًا في شرفته يمسك يمامة بيضاء مربتًا بأنامله على رأسها. وكأنما يعجبها الأمر. ليضع بين قدماها شيئًا. فعرفت أنها رسول بينه وبين شخص آخر. ظلت تتابعه بعينيها. لتجده يدفعها لتحلق في السماء. تشبه شهابًا بين سواد الليل.
بزخ نهار الصباح. ألقت عليه نظرة. لكن لم تجده مكانه. علمت أنه قد دخل. يبدو هذا الشخص لا يحب رؤية الشروق.
مر أسبوع كامل عليها. الروتين المتكرر. لا يوجد أي حدث. فقط رغبتها التي تتزايد في عودتها.
كانت جالسة في الغرفة لا تفعل شيئًا. تتذكر ذلك العجوز عن ذكر عدم عودتها. معقول هل كان جديًا؟ آخر مقابلة لهم جعلتها في حيرة أكثر. تناثرت جميع شتت أفكارها. لا تقدر على الهدوء من بعد معرفة أن تلك الفتاة التي كانت تراه تحمل ذات الرمز إنها رزان. الذي جميع غوانتاما تكرهها وتلعنها بالساحرة التي أرهقت الكثير من الأرواح. هل هذه معلومة خاطئة أم صحيحة؟ تريد المعرفة بشدة. أيضًا فرناس التي لم تعد تعلم حقيقته. لكن تتذكر ما أخبرها: "لست بشريًا." كان ذلك مزحة. لماذا تتذكره الآن؟ تعبت. وكأنها تريد إرضاء أسئلتها بأي قدر كان.
"يارب."
نظر إليها رفيقيها من تنهيدتها العميقة وكلامها مع نفسها الذي اعتادوا رؤيته.
نظرت لينا إليهم. وقالت:
"هل بإمكاني سؤالكم عن شيء؟"
أومأ إليها بتأكيد. صمتت قليلاً. لماذا؟ وكأنها أرادت سؤالهم عنه. لكن اتجه محور سؤالها.
"النهر."
قالوا متسائلين:
"أي نهر؟"
"ذلك النهر. عند الضفة. لماذا تنتظرون أمطار لري أرضكم الجافة بينما تمتلكون نهرًا عذبًا كهذا؟"
امتلأت وجوههم بالاستغراب. ينظران إلى بعضهم.
"عن ماذا تتحدث؟"
"لا أعلم."
قالت لينا:
"لا تمتلكون سوى نهر واحد؟"
"يدعى النهر الأسود عزيزتي."
"أحل هذا هو. لكنه ليس أسود. وهل رأيته حتى؟"
أجل. نظروا إليها بشدة.
"لم يكن أسود. لم أر في صفائه قط. كدت أشرب منه لولا سيدة قامت بتحذيري."
قالت بشرى:
"هل تأذيتِ سيدتي؟"
"لقد أنقذتكِ من غدره. يجب أن تشكرها."
قالت لينا:
"لماذا تلقبونه بالأسود؟ ما قصته؟"
"في القديم هاج ذلك النهر وابتلع غوانتاما. ليغرق ما فيها حيًا أو ميتًا. أتت فترة دونت في التاريخ عن يوم الغيام. لم نكن نحتفل فيه يومًا. بل كنا نخشى اقترابه بسبب الأمطار التي تهدم بيوتًا وتغرقنا بفيضانها. كان الكثير يموت عطشًا أما غرقًا. لم يكن هناك سلام هنا حتى تم حفر الآبار من ملكنا. لتبتلع الحفر جميع المياه كي لا يصيبنا مكروه. منها استفدنا شرابًا ولم نغرق بسبب سقوط الأمطار لأسبوع كامل."
صمتت لينا. لا تعلم كم عانى ذلك الشعب ليصبحوا مستقرين الآن. بل يتمتعون بالخيرات عن بقية البلدان. التفتت إليهم. وقالت:
"لم تجاوبي. لماذا تلقبون النهر بالأسود؟ هل لأنه تسبب في موت الكثير أم أنكم ترون لونه أسود؟"
كانت تنظر إليهم باهتمام منتظرة إجابتهم. قالت بشرى بتساؤل:
"هل لونه غريب عندك؟"
"إنه أسود اللون ومخيف لحد البشاعة."
تعجبت كثيرًا وجلست بضيق. قائلة:
"لكن كيف، كيف ترونه هكذا؟ عدنا. هل امتلكت أعينكم غريبة مثل تلك القدرة؟ يا الله ما كل تلك العجائب الذي لديكم."
"الله."
قالتها نائلة بنبرة أشبه بالفحيح المتسائل. التفتت إليهم من نظراتهم في آنٍ واحد. يثقبوها بدهشة مزدوجة. وكأنما رآتها من قبل تشبه نظرات غابينه حين رأتها تردد بالدعاء في محنتها.
قالت لينا:
"ما الأمر؟"
"بماذا تقولين؟"
"أدعو."
"لمن تدعين؟"
"لله."
صمتت مجددًا. عقدت ذراعيها. وقالت:
"لماذا تنظرون لي هكذا؟"
"من أنتِ؟"
تعجبت من سؤالها وتغير نبرتها. لتكرر عليها سؤالًا آخر ناظرة إليها من أسألها إلى أعلاها:
"من تعبدين؟"
انصدمت من سؤالها.
"وهل يوجد عبادة سوى عبادة الله الأعلى؟"
"أجل."
"لقد صاعقة!" وقالت: "هل تمزحين معي؟"
"ماذا؟ هل تعبدون الأصنام؟"
"لسنا سخفاء لنفعل ذلك."
"كلامك هو السخيف يا نائلة. عن أي عبادة تتحدثين؟"
"الوثنية."
اتسعت عيناها. وقالت:
"عباد الشيطان؟"
"تقديس النفس عزيزتي."
"لا أفهم كيف تقديس النفس هذا؟"
"هل يوجد أفضل من الإيمان بذاتك؟"
"ما تتحدثين عنه ليس عبادة وإنما ثقة نكتسبها عبر خبراتنا. جميعنا نقدس أنفسنا. شعب غوانتاما يعبد نفسه. لا يعبد غير ذلك."
وقفت بصدمة. لتقل بحدة:
"ما الذي تهذين به؟ أجننتِ؟ تعبدون أنفسكم؟"
نظرت إلى بشرى بذهول.
"أنتِ معهم؟ كيف لكم أن تكونون كذلك؟"
قالت نائلة:
"أليس أفضل أن نعبد إلهًا لا نراه ولا لدينا معرفة من يكون وقوته الإلهية إن كان إلهًا بحق. ولعل لا يوجد إله وكلها أضغاث حمقاء."
"من خلقك إذن؟"
نظرت إليها حين قالت ذلك بهدوء مكملة:
"هل خلقتِ نفسك؟ إن كنتِ تظنين نفسك إلهًا ذاتك، اخلقي لكِ أي شيء الآن وأعدك بأن أصدقك."
قالت بضيق:
"نحن نتجنا عن تطورات الطبيعة. لا تتساهلي. حتى الطبيعة لم تخلق من عدم."
اقتربت منه وهي تقول بهدوء:
"أنتم لا حول لكم ولا قوة. كائن بشري ضعيف أمام الخالق الذي فوق السماوات السبع. ظننتكم كالجاهلية تلجأون إلى الأصنام."
"نحن لسنا أغبياء لنعبد حجرًا سخيفًا."
"أنتم أغبياء لعبادتكم لأنفسكم. عالم سخيف. ما تفعلونه كفر. كفر."
"إن كان إلهك موجود، لماذا لا يعاقبنا على كلامنا هذا؟ ها أنا أنكر بوجوده."
شعرت بالحنق. ناظرة إليها.
"استغفري ربك يا نائلة. اللعنة عليكم."
"لعل الأحمق هنا أنتِ."
غضبت كثيرًا وصاحت بها:
"للخارج. لا أريد رؤيتكم."
قالت نائلة:
"لا أود أذيتك يا لينا. أنتِ من أحسنتِ معاملتنا في القصر. كنت أشعر بغرابتك لذلك أود تحذيرك. لا تعلمي أحدًا عما قلتيه لي."
أدارت وجهها بنفور منها. خرجا وتركاها بمفردها مصدومة من النقاش الذي خاصته والحق بها لأكبر صدمة. هل أرسلت إلى شعب كافر؟ هل هؤلاء يقدسون أنفسهم حقًا؟ أي نوع من الجنون هذا؟ إنسان يعبد نفسه؟ يا للسخرية. لقد تفوقوا على الجاهلية. لكن نفوا فكرة الأصنام لغباء من يعبدوها. لكن يؤمنون بعبادة النفس. يمتلكون عقلًا للتمييز. لكن يستحيلون وجود الإله.
استغفرت داخلها بضيق وهي تجلس. تذكرت فرناس خلسة. لتنصدم.
"معقول هو كمان زيه؟"
شعرت بالاشمئزاز من وجودها الآن هنا. تريد الخروج من هنا. تريد العودة إلى وطنها.
فتح الباب. حاضرين الطعام إليها. أوقفتهم قبل دخولهم.
"اخرجوا من هنا."
نظر إليها متعجبين.
"لن آكل من طعامكم. عودوا."
أتيا رفيقها وطالعوها باستغراب.
"لماذا جئتم؟"
"لينا، ماذا دهاكي؟"
"اقطعي حديثك معي من اليوم."
"ماذا؟!"
"سمعتِ ما قلته جيدًا."
صمتت. ثم نظرت إلى الخدم. غادروا الغرفة وقفل الباب عليهم.
"لماذا أنتِ متضايقة؟"
"لأني قلت لكِ حقيقة التي لا تودين تصديقها."
قالت بغضب:
"حقيقة إيه؟"
"أنتِ مجنونة. جميعكم مجانين. تعبدون أنفسكم."
"النفس تستطيع فعل الكثير. لسنا بحاجة لإله."
"اصمتي بكلامك الحقير هذا. أنكِ تتنفسين من الهواء الذي خلقه الله لبقائنا على قيد الحياة."
"ولما لا يظهر لنا؟"
"أنتِ مجنونة. هناك الكثير أمامك لترين كم أنعم عليك من النعم."
"هراء. أنتِ شيطانة."
قالت ذلك بضيق. فغضبت نائلة.
"لا تجعليني أؤذيكِ."
"أنتِ أيتها الضعيفة تؤذينني؟!"
"أنا أقوى منكِ بكثير. سمعتي؟"
"سأجعلكِ تقتنعين أننا لسنا ضعفاء. نحن أجناس النار. وأنتِ الضعيفة والبلهاء من بين الجميع."
غضبت لينا وتقدمت منها لتقف أمامها مباشرة. وتقول:
"لا يعلو صوتك فوق صوتي. لستِ سوى تابعة لي."
إنها أول مرة تذكرها بمكانتها. وهي التي أخبرتهم أنها ليست سيدة عليهم. نظرت إليهما. وقالت:
"أنتم قوم زرعت في أنفسكم الغرور لحد التقديس. وليس بكم أي شيء مميز. نحن نعبد أنفسنا لأن لا يوجد إله. نحن قوم أقوياء نستطيع فعل الكثير. تعالي بأن تكوني منا وترين أن كلامي صحيح."
"اصمتي. أنا لست مثلكم. أنا أعلم ديني ونفسي جيدًا. اخرجي. لا أريد رؤيتك."
قالتها بصيغة الأمر. لكنها توقفت. ناظرة إليها.
"لتذكري كلامي جيدًا. ستندمين على تقليلك مني."
غضبت لينا وصاحت بها:
"للخارج."
غادروا لتبقى بمفردها تلعنها داخلها. لماذا أرسلت لهنا؟ لماذا؟ وغابينه. أهي أيضًا تعبد نفسها؟ من هؤلاء بحق الجحيم.
كانت تجلس في المساء. تاهت الغرفة ذهابًا وإيابًا. إلى متى ستبقى؟ لا تطيق. تشعر بالاختناق الشديد.
طرق الباب.
"لا أريد أحد."
"إنها أنا بشرى."
"لا أريد أنتِ أيضًا."
لكن فتح الباب. فتضايقت. وقالت:
"ألم أمنعك من الدخول؟"
"أود الحديث معكِ."
"وأنا لا أريد. اذهبي. لا تصبي سمومك في أذناي كتلك الأفعى."
التفتت قاطعة الحديث. لكنها قالت:
"لن أفعل ذلك. أريدك أن أطلعك على سر."
"توقفي."
توقفت باستغراب. التفت إليها. وقالت:
"وما هذا السر الذي تخفضين صوتك هكذا من أجله؟"
"ترين النهر صافيًا وعذبًا."
"تعجبت. قالت: أجل."
"إنني أراه كذلك أيضًا."
انصدمت. لتؤوم إليك بتأكيد.
"لماذا إذا تصفونه بالأسود؟"
"لأن ليس الجميع يستطيع يراه كما نراه نحن."
"ماذا تقصدين؟"
"أننا فقط من نستطيع رؤيته كذلك. ما دمنا نعبد الله نرى صفاء النهر. ومن يعبد غيره يلعن برؤية أكبر نعمة. أسوم."
انصدمت لينا. وطالعتها بشدة. أومأت إليها إيجابًا. وقالت:
"أنا لا أقدس نفسي مثلهم. إنني أعبد الخالق."
"ولماذا كنتِ صامتة كل ذلك؟ لماذا لم تقفي في وجهها؟"
"خشيت الأذى."
"ماذا تقصدين؟"
"ألم تسمعي ما قالته عن الوثنية؟"
"سمعت. إنها تلقب علاقتك بعبادة أخرى."
"على هذه الأرض كان الإنس والجن يعيشون سويًا."
توقفت لوهلة. ونظرت إليها بشدة. أومأت إيجابًا. وقالت:
"لم يكن أحد يستطيع معرفة حقيقته البشرية إلا من خلال قدرات الآخر. يتفوقون علينا قدرة. سابقًا."
"ماذا تقصدين بسابقًا؟"
"بدأت الجن تتعالى على الإنس وشقت حياتهم الطبيعية إلى غير وفاق. استعان البشر بالتعاويذ ليتمكنوا من تسخير أحدهم لخدمتهم. فغضب جنس النار على تلك الإهانة. وأصبحت حرب طائفية بينهم. لكن لم يفوز الجن لاستطاعة البشر على التسلط عليهم واستخدام قوتهم ضدهم هم. ليعلم أن لا يوجد قوة أكبر من قواهم بعد تفوقهم على النار."
"هل لهذا يقدسون أنفسهم؟"
"لعله أكبر سبب في ذلك."
"ماذا حدث للجن؟ هل ما أراهم إذ من الحمل أنهم ليسوا بشرًا؟"
"كلا. الملك رسلان منع إهدار الأرواح."
"من يكون؟"
"جد الملك فرناس. منع استمرار تسخير الجن وعقد اتفاقية شملت خروجهم من غوانتاما إلى الأبد. لكنهم اشترطوا قتل كل من وقف في وجوههم. وإلا سيعلنون حربًا دموية."
"ثم ماذا حدث؟"
"تم إعدامهم في الساحة. لم يكن ليُرفض ويُخاطر بآلاف الأرواح. لأنهم سيكونو المتنصرين فيها. بعض الجن صعب تسخيرهم لقوتهم العالية. وهؤلاء كانو معهم. لذلك الخسارة كانت قريبة."
"تلك الأرض مليئة بكل ما هو عجيب. حتى تاريخكم يشمل العجائب. إنس وجن معًا على أرض واحدة كشعب واحد."
عادت بنظراتها إليها متسائلة:
"لماذا خشيتِ من نائلة؟"
"يبدو أنها تتواعد لكِ بالأذى."
"إنها ضعيفة."
"يبدو أنكِ لم تفهمي كلامي. هنا يمارسون السحر الأسود بكل أنواعه. إنها هواية لديهم. كلما زادت قدرتهم بذلك العلم زاد غرورهم وتقديس أنفسهم."
"بماذا بالشياطين والجان والذي يقومون بتحضيرها؟"
"أجل. يظنون أن تلك قوة بأيديهم هم. حمقى."
"لكن كيف استنتجتِ العبادة بالنهر؟"
"لم أستنتج. إنني أظن هذا منذ سماع حديثك. ويبدو أنها الحقيقة."
تنهدت مكملة:
"عندما كنت أراه يثير جنوني من شمله وتناقض بين تحذير الناس عنه من شكله المخيف. لدرجة أني شعرت بأني مسحورة لألقي نفسي داخله. والناس يرون حقيقته الكاملة لتأخذ حذارهم منه. لم أدري أنني من أرى بالبصيرة الحقيقة. كنت أخاف الشرب منه. ولحد الآن إن يكن ذلك تخيل. وفور اقترابي سينفث سمومه في وجهي."
صمتت لينا من سماع كلامها إليه باهتمام شديد.
"إذا النهر وحده من يحدد حقيقة الشخص الذي أمامك. ومادمنا نراه كذلك فتلك هي الحقيقة. النهر عذب."
ابتسمت قائلة:
"إذا بإمكاني الشرب منه دون خوف."
"لا أعلم يا بشرى."
"فيما تفكرين سيدتي؟"
لم ترد عليها. ناظرة إليها قليلاً. ثم وقفت.
"هل أحضر لكِ الطعام؟ يجب أن تأكلي."
"لا أريد."
غادرت من الباب. تعجبت.
"إلى أين؟"
"يجب أن أتأكد من شيء."
سارت تسلك طريقها التي تعرفه جيدًا. وقد حذرها داغر منه سابقًا في السير من هنا. وصلت إلى مكان لقاعة كبيرة مغلقة بإحكام. والحراس واقفين عندها. ينظرون إليها متعجبين.
"الملك فرناس بالداخل."
"إنه في اجتماع مع الوزراء. غادري."
"أريده في أمر مهم."
"ممنوع. ستتعرضين للعقاب إن لم تغادري من هنا. وجودك بحد ذاته ممنوع."
"متى سيخرج إذا؟"
"لا أعلم سيدتي. انتظري في جناح جلالته."
عادت بنظراتها إلى القاعة. ثم ذهبت بيأس. تتذكر كيف غضب حين اقتحمت مكان التدريب المكتظ بالرجال. ولك تكن امرأة غيرها لتدخل هناك. لكنها كانت مضطرة.
بقيت عند جناحه تنتظره. وسمح الحارس لها بالدخول لانتظاره في الداخل. بقيت تنظر إلى أغراضه. لا تريد العبث بها أو حتى لمسها.
فتح الباب. التفت لتجده هو. ناظرًا إليها بهدوء. اقترب منها.
"هل أتيتِ إلى المجلس؟"
صمتت بتنهيدة. ثم قالت:
"لكني غادرت."
"لا تفعلي ذلك مجددًا. للقصر حدوده يا لينا. فلا تخربيها."
"لكني ذهبت."
"أتحدث عن ذهابك إلى هناك."
"لا تظنني سأضطر لهذا مجددًا. بما أنك قد جئت. أريد أن أطلب منك طلبًا."
"اسمعك."
"لن ترفضه."
"إن كان باستطاعتي فعله. لنرى ما لديك."
"أريد الخروج وذهاب لمكان ما."
"لا أسجنك. تستطيعين الذهاب وقتما أردتي. سأعطيهم سماح بذلك."
التفتت. أوقفته. وقالت:
"لكني أريدك معي."
توقف لوهلة. ثم قال:
"هل تريدينني أن أذهب معك؟!"
"أجل."
"لماذا؟"
"ستعلم حين نصل."
عقد ذراعيه خلف ظهره باستغراب من طلبها. قال:
"يجب أن تخبريني بالمكان. لا أستطيع التجوال."
"كنت تسير في السوق متخفيًا."
"هذا أحد مراقبتي كمل لمعرفة حال شعبي. لتتخفى كما تفعل إذا. لكن لن تراقب أحد."
نظرت إليه مردفة:
"لن نطيل. بضع دقائق. هل بإمكانك فعل ذلك لي؟"
صمت. ولم تعلم معنى هذا الصمت. لكن أعطاها موافقته. لتكن مقابلتهم في الحديقة الخلفية. بعد تبديل ملابسها وارتداء رداء عنابى اللون. ذات قلنسوة تغطي رأسها.
واقفة تنتظر. ليظهر أمامها بذات الرداء الأسود يخفيه عن أي أحد آخر. لكنه ملك يستحق التخفي. لماذا طلب منها ارتداء ذلك الرداء فوق ثيابها؟ إنها ليست ملكه. فمن مَن تخاف؟
كانوا واقفين أمام بوابة القصر من الخلف. والعربات في انتظارهم مع حراسته المشددة. منحنين إليه. التفت إليها. ثم قال:
"هل يمكنني أن أعلم إلى أين سنذهب؟"
"ستعلم كل شيء حين نصل مولاي."
نظر إليها من تلقيبها له لاول مرة. بينما تتحاشي النظر خوفًا من الوقوع في سحر عينيه. أم خوفًا من ظنونها التي تريد نفيها.
"فرناس. ستعلم حقيقتك الآن. غرابتك حول ذاتك وغرور. هل هذا نوع من عبادة النفس؟ أنت منهم أم لا؟ أتمنى أن أكون مخطئة. لاول مرة أريد أن أخيب ظنونى من أجلك. لا أريد كرهك والابتعاد عنك. لا أريد ذلك حقًا."
كانت داخل العربة التي تجرها الأحصنة. تنتظر المواجهة الذي تخشاها وتنتظرها بفراغ الصبر. إنها مشاعر متناقضة. لكن لا بأس بها. لطالما التناقض يلاحقها منذ أن عرفته. لكن إن كان كما تخاف هي. هل سيعاقبها؟ إنه ملك تلك الأرض الذي يستضيفها فيها. هي ليست سوى ضيفة. تربطهم وصال لا يعرفوها. لكنها لا تمتلك عليه حكمًا قط. لا هو ولا شعبه. وما يفعله الناس هنا. ليكن كذلك يا لينا. المعرفة والصمت هما الوسيلة لإنهاء تلك المهمة الثقيلة على قلبه.
توقفت العربات. ترجلت هي. وكانت تبعد عن النهر أمتار. التفت إليه وهو يترجل متعجبًا إلى أين أحضرتهم هي. أشارت له باتباعها. لتقترب من النهر. ليعرف أنه مقصدها من البداية.
كان الحراس معطين ظهورهم إليهم يحرسون المكان. وهي لا تزال تقترب من النهر. حتى وقفت عند حافته. التفت لتجده توقف على بعد أمتار. محتفظًا بحاجزه.
"هل أخبرتيني ماذا نفعل هنا؟"
"لتقترب من النهر."
نظر إلى النهر. ثم إليها. وقال:
"تحدثي يا لينا. ولا تروغي."
صمتت وقلبها ينبض باستدراك. لتقول:
"هل أنت خائف من الاقتراب؟"
ابتسمت بحسرة داخلها.
"لماذا تشعرني بالقلق من أفعالك؟"
تعجبت منها.
"لينا. ماذا ترين ذلك النهر؟"
أشارت بإصبع السبابة أمامها. لكنه لم يأخذ وقتًا مستغربًا. حيث قال:
"ماذا ترين أنتِ؟"
نبرة غير اكتراثه. وكأنه ظن سؤالها كنوع من أنواع العبث. وكأنما الاعتيادي هو الأسوأ الذي دن أنها تراه مثله. لكنه مخطئ. تلك المرة. لقد كشف ورقه قبلي سؤالها. هو أيضًا يراه كذلك.
شعرت بحرقة طفيفة في عينيها. وقالت:
"هل تراه أسود؟ هل يبدو لك كذلك أم...؟"
"أم ماذا؟"
استعادت رباط جأشها. وقالت:
"أجبني أرجوك."
"أراه كما يراه الجميع."
تحجبت عيناها بشيء من الدمع الخفيف الممتزج بالحسرة. توقعت شيئًا غير ذلك. إنها ذكية. عاقلة. لماذا تكون مثلهم؟
عادت بنظراتها إلى النهر صافي اللون. تطبع صورة السماء مزرقشة بالغيوم عليه. عادت للخلف بضع خطوات. ثم قالت:
"لنذهب. لا يوجد داعٍ لبقائنا."
أوقفها. حين قال:
"أنتِ بخير."
لم ترد عليه. مبتعدة. أوقفها ممسكًا بيدها.
"ماذا بك؟"
"لا شيء. اتركني."
"هل جئتِ بي هنا لتسأليني عن عبادتي؟"
توقفت بصدمة. رفعت وجهها إليه بشدة. تركه. ليقوى بهدوء.
"أراه كما تريه يا لينا."
"ماذا أراه أنا؟ أريد أن أعرف منك."
اقترب من النهر مباشرة. ليقول:
"نهر عذب."
زال ضيقها إلى دهشة أملأت وجهها.
"بشرى من أخبرتك أم نائلة؟ تريد أن توقع بي الآن."
"لماذا لا أوقع بك؟ هل أخبرك أحد أن عبادتك امتلكها؟ هنا حياتك الشخصية ليست لأحد غيرك."
نظرت إليه لوهلة.
"إذا، أنت تعبد الله. لا تقدس نفسك."
"لا يوجد إله غيره لا أعبده. أثق أن هذا الكون لم يخلق عبثًا."
تبدلت مشاعرها المضطربة إلى شيء من الطمأنينة. لكن ندرت إليه بحدة. واقفة أمامها بقرب أكثر.
"أت تقول الحقيقة؟"
ابتعد عنها مقتربًا من النهر. منحنيًا عنده. ليدخل يده محملًا ماء بين يديه شاربًا منه. اندهشت. أنها لم تقدر على الشرب منه.
قال فرناس ينفض يديه:
"أنا لا أكذب. لا أحتاج للكذب يا لينا."
صمتت. لكن ظهرت ابتسامة من صدق كلامه الذي يدخل في عقلها دومًا لمصداقيته.
"لست منهم إذا."
"لست كذلك."
خانتها سعادتها وتبدلت مشاعرها في لحظة. لحدوث ما أرادته. خشيت كثيرًا أن يكون مقصد العجوز بشأن اختلافه عنها بذلك.
قاطعها اقتراب أنامله من وجنتيها. فدق قلبها بسرعة كبيرة. نظرت إليه.
"لماذا شعرت وكأنك كنت ستبكين؟"
حين وقعت العين بالعين. شعرت وكأنها تطفو داخل عينيه. كشعور الغريق يناجي بمساعدته.
عادت للخلف مبتعدة. ليعتدل في وقفته. ملقي نظرات عليها. ثم قال:
"لنذهب."
أومأت له. التفت إلى النهر بابتسامة خفيفة. ثم تبعته متوجهين إلى العربات الذي ابتعدت عنها. لكن صدر صفير قوي في أذنيها. جعلها تتوقف من شدته. وتطبق يدها على أذنيها. لكن دون توقف. ثقل جسدها على ساقيها. وكأنما تحمل أضعاف أوزانها على كاهلها. شهقت حين شعرت بضيق عنقها. وكأن هنالك من يعتصره خنقها.
حين سمع صوتها. التفت إليها. ليجدها كالذي تتحول أمامه.
"ما الأمر؟"
لم ترد عليه. غير قادرة على النطق أو الصراخ حتى. هناك من يكتفها. تلمس عنقها. وكأنها تزيل من يخنقها. بينما تعبث في الفراغ من عدم وجود شيء.
وقف بقرب منها. لتجس أرضًا أمام قدميه. في محاولة منها لأخذ أنفاسها سريعًا.
"لينا. ما بك؟"
قال ذلك في محاولة لتفهم تعبيراتها المختلفة واصفرار وجهها. أمسك يديها. ليخفض رأسه. لكن رأت تلك الشفاه التي تتحرك متمتمة بعض الكلمات. لم تكن قادرة على سماع ما يقوله. ولا فهم تلك حركة عذه الشفاه. لم تكن تستطع رؤية وجهه سوى شفاه.
رفع يده عند عنقها. لتجده يمسح للأعلى. فالتقطت أنفاسها. باستعادة جسدها أخيرًا إليها. اختفى ثقل جسدها. الاختناق. وضيق صدرها. إنها تتحرك الآن بحركات صدرها المرتفعة والمنخفضة بتعب شديد. تسربت بضع حبيبات العرق على جبهتها. وتشعر بإرهاق أكثر عن ذي قبل. نظرت إليه. وكأن قد رفع وجهه إليها.
قالت لينا بصوت ضعيف:
"ما كان هذا؟"
"أنتِ بخير؟"
نفيت له بتعب ظاهر. اقترب منها. ليمد يديه نحوها ليحملها على ذراعيه. لمقدرتها على عدم الوقوف أو المشي حتى. ولا تعلم من متى له أن يعرف. استسلمت وغفت. ملقية رأسها على صدره الصلب.
توقف. ليلقي نظرة عليها. من اقترابها منه. ثم ذهب. انحنى الحراس فورًا لرؤيته. وخافوا أن يكون ملكهم أصابه مكروه. لكنه قال:
"إلى القصر."
ركب العربة وذهبا. إلى واجهتهم. حين وصلا. نظر إليها سائلاً:
"تستطيعين السير؟"
أومأت له. لتقف. لكن عادت إلى مكانها ثانيًا. حملها ثانيًا على ذراعيه. لينظر إليه الحراس. فتح الباب ليدخل للداخل. ويقفل. ثابت. معطيًا أمرًا بإغلاق البوابة ثانيًا خلفهم.
كانت متعبه بين ذراعيه. لكن قالت:
"أنزلني."
"لا تستطيعين الوقوف حتى."
"أنا بخير صدقني."
"لا تعلمين بعد ما بك."
صمتت. بينما يسير بها بين الممر. إذا مر بجوار قاعة الجواري. الذي دلفت رؤسهم فورًا. حين سمعوا صيحة الحارس بوجود الملك. فاسرعوا جميعهم ليروه خلسة. لكن صدموا من مشهده. وهو يحمل لينا على ذراعيه. أتت صفية. وقالت بحدة:
"ماذا تفعلون؟"
لكن انصدمت من ما راته. حتى اختفى عن ناظريهم. لتعلم هم هماتهم التي استطاعت لينا سماعها. والذي برغم ضعفها تريد الوقوف على قدميها. رغم عنها للابتعاد عنه. ليست مبتهجة كما يظنون هؤلاء. لا يعلمون ما بها.
وصل فرناس إلى جناحه. ليفتح الحارسان ويدلف بها. ليقول الباب. سار تجاه ذلك السرير المبتعد لوضعها فوقه برفق.
قالت لينا:
"لما أحضرتني لهنا؟"
"ماذا فعلتي يا لينا؟"
لم تفهم. ليقول بتكرار:
"ماذا فعلتي ليحدث بك ذلك؟"
"عن ماذا تتحدث؟ أنا لا أفهم ما تقوله."
صمتت. لتشعر بتخشب من جديد. وكأن هنالك من يحاوكها بيده. ضاغطًا على فمها. مانعًا إياها فرصة لتتكلم. تقيدت بقوة أكبر من ذي قبل. ليصدر صوت فحيح صب في كلتا أذنيها. ليقشعر بدنها خوفًا.
انتفضت حين تحررت فجأة. لتتحسس جسدها. قائلة:
"ماذا يحدث لي؟"
"اهدئي."
احمرت عيناها. وكأنها على وشك البكاء.
"هل سمعت ذلك أيضًا؟"
"تلك الغرائب لن تحدث إلا معك."
"عن ماذا تتحدث؟ لقد صدر ما صوت مخيف."
نظرت له مكملة:
"وكأن هنالك من يتحكم بي. صدقني. أشعر وكأن هناك أحد يجلس على كتفي. إنه يمنعني من التحدث. أنت تفهم ما أقوله. يجب أن تفهم. صدق ما أقوله أرجوك."
"أصدقك."
قال ذلك. فتعلق عيناها به.
"حقًا؟"
"هناك من يقيم لك سحرًا."
نظرت له بصدمة. ليكمل:
"إنه يبعث إليك الآن. لا يزال يمارسه دون توقف. سترين ما يخيفك أكثر من هذا. لذلك."
"لذلك ماذا؟"
"تحلي بالقوة."
"أتخبرني أن هناك من يمارس السحر علي. وتريدني أن أكون قوية؟"
"لا أريدك. بل أعلم أنكِ قوية."
صمتت حين قال ذلك. ابتلعت غصتها الخائفة.
"أنا تحت تأثير سحر إذا. هناك من هؤلاء الناس يريد أذيتي."
"لن يحدث لكِ شيء."
"كيف لك أن تكون واثقًا هكذا؟"
"لأنكِ تضعين يدكِ في ماء بارد. ما حدث لكِ يغضبني. ويصعب إغضابي. لكن هناك من فعل."
لم تفهم ما يقوله. لكن قالت:
"أريد العودة لعالمي. أريد أن أعود."
أمسكت يده بترجٍ. وقالت:
"افعل أي حدث. إنني آتي لهنا من أجلك. افعل أي شيء لأعود لمنزلي."
"هل تثقين أن عودتك لهناك ستكون في صالحك؟"
لم تفهم. ليكن موضحًا:
"تثقين أن السحر سيزول لمجرد عودتك؟"
صمتت بقلق. فهي لا تثق في ذلك بتاتًا. لقد كانت تتوجع بجروحها وتؤلمه ذات الألم. هنا إن ماتت ستموت هناك أيضًا. بي لن تتود. حياتها واحدة.
قالت لينا:
"ماذا أفعل؟"
"أحضرتك هنا لتكوني بجانبي."
لم تفهم. لكن نظر. وقال بتأكيد:
"ما دمتِ بجانبي لن يستطيع أحد مسك بأي أذى. وإن كان جن."
"كيف لك أن تقول ذلك؟"
"لا أقول سوى الحقيقة. لكن إن افتعلت حدث جعلكِ تعودين. سترسلين وأنتِ مسحورة. مع اختلاف ممارسة الساحر عليكِ وأنتِ مبتعدة عنه. غير قادرة للوصول إليه. ستصيرين كالجسد الميت بلا حراك. سترين. وتسمعين. وتدخلين في دوامات الجنون والسحر الذي يتسلط عليكي."
"ماذا أفعل؟ أريد العودة. ماذا عساك لتفعل أنت؟ أنا هناك مثل هنا. سيؤذوكِ بسببى. لا تغتر بذاتك. كيف لا يقتربون مني وأنت معي؟!"
رفع عينيه إليها. وقال بصوت لم تعهده:
"لأنني منهم."
ابتلعت كلامها العالق في حلقها. لتلتفت إليه من ما قاله. ودق قلبها من عينيه الذي زادت حدة.
"ماذا قلت؟"
رواية سرداب غوانتام الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور
ازاى هتحمينى من جن؟
أنا منهم.
تصدمت من اللي قاله وبصتله بخوف، وعينها بتترجف.
كانت عينه جدية فقالت: ماذا قلت؟!
منهم!
اقترب منها.
عادت للخلف ليقول في أذنها: هذا سر بيننا، إن عرف أحد سيكون عرف.
انكدد قلبها خوفاً.
نظر إليها مردفاً: لا أريدك تتأذي، وإن كان مني.
لماذا أخبرتني إذا؟
لكي تطمئني.
أت تقول إنك ستحميني من مَن هم منك؟
تنهدت وهي تمسح جبهتها قالت: لا تخيفني منك، فقط لجعلي أطمئن أنك ستحميني.
أنا لا أريد أخافتك.
لكنك تفعل هذا، كيف أنت من الجان.. من ذلك البشري الذي أمامي الآن؟
توقفت حين تذكرته ذلك اليوم.
"هل أكلت من الطعام؟ كيف لا تزال حياً؟"
"تريدين المعرفة، لست بشرياً."
ازداد ضربات قلبها متذكرة العجوز بشأن تحذيراته منه.
"إياكي تقعي في حبه، أنتم مختلفين عن بعض تماماً."
"يا غبية فرناس مش هيموت موته عادية، حتى الأكل السموم.. السم اللي يأثر عليكي ميأثرش عليه."
"لينا، أنتِ متعرفيش حقيقته.. كملي مهمتك بس وخذي حذرك من الكل."
ذلك اليوم حين ظهرت قدرتها الذي ساعدها على استخدامها حين رأت تخفيه لسرعة حركته وإمساك السكين بيداه.
عادت للخلف قليلاً وهي تنظر إليه في محاولة منها ألا تظهر ريبتها.
هل كان غرورك في ذاتك بسبب اختلافك عنا؟
لم يكن غرور، كنت أحدثك عني لأمهد لك كي لا تنصدمي كالآن.
هل كنت تنوين إخباري بحقيقتك؟
شعرت بأنك أنتِ من ستعرفينها، وكنت محقاً.
استطاعت سماع دقاته المرتفعة لتلقي نظرة على الباب لتركض سريعاً مبتعدة عنه.
ذاك الذي خلفها، لتجد ريح قوية عبرت بجانبها ليصبح أمامها.
انصدمت ونظرت إلى السرير الذي تركته عنده لتعود بأنظارها إليه.
هل تحاولين الهرب مني الآن؟
عادت للخلف وقالت: ابتعد أرجوك.
تعثرت لتنزحف على كفيها مبتعدة عنها وخانتها دمعة سالت من عينيها.
توقف، لم يقترب منها مجدداً.
قال: لينا.
ابقى مبتعد، لم أفعل لك شيئاً.. أرجوك لا تؤذيني، دعني أذهب.
لما لا أؤذيكي؟
توقفت حين قال ذلك.
تنهد واقترب منها.
قال: هل أنتِ خائفة مني حقاً؟
كادت أن تبتعد لكن لم تفعل حين نظرت إلى عينيه ونبرته الهادئة التي تصب في قلبها لا أذنيها.
انحنى ليصبح مقابلاً إليها.
قال: تأكدي أني مستحيل أن أؤذيكي.
أزاح تلك الدمعة التي سالت من على وجنتيها.
قال: الخطر ليس مني، ضعي خوفك جانباً.. إنني بشري مثلك.
انصدمت واعتذلت فور قوله.
ماذا؟!!! بشري؟!!!
خفضت صوتها لتنظر إليه بضيق.
وقال: لا تحاول خداعي مجدداً، مستحيل أن تكون بشرياً.. لقد رأيت ما فعلته للتو.
إنك لم تكن تكذب، كنت تقول الحقيقة.. وهناك من كان يؤكد لي بذلك.
أخبرتك أني لا أكذب.
ماذا إذا تقول الآن؟
أنا هجين، مخلوق غريب بعض الشيء.
من ماذا خلقت؟
النار والطين.. أنا مخلوق من الاثنين.
كيف هذا؟! أتقول إنك نصفك بشري ونصف آخر من الجان؟
طرق الباب ودخل أخوه وشافها معه.
هل أعود في وقت آخر جلالتك؟
لا.
لاحظت لينا كلتا كفيه المضمضة.
لا، قل ما جئت من أجله.
هل ذهبت خارج القصر بين الحاشية؟
قال ذلك ناظراً إلى لينا الذي لم تخلع ردائها بعد ليعلم أنها كانت معه.
قال فرناس: أجل، هل هناك شيء آخر؟
قال داغر: مجلس الوزراء ينتظرك لاستكمال الحديث.
حسناً، أنا قادم.
مشي.
قالت لينا: لا تزال يده مضمدة، كيف حملتني وأنت مجروح؟
شفيت.
هل جرحك شفي وهو لا يزال عائقا بكفيك؟
أريد أن أرى.
تكسفت.
لكن هل شقيقك أيضاً مثلك؟
لا.
عرفت ذلك، يبدو طبيعياً، لكن كيف الستم إخوة؟
بلى نحن كذلك.
صمتت متذكرة كلام نائلة سابقاً أنهم غير شقيقين.
وجدته يغادر.
أوقفته.
هل أنت ذاهب؟
أجل.
ماذا إن تكرر ما حدث معي؟
ستجدين بجانبك إذا، لقد تعهدت على حمايتك وسأفي بذلك فلا تقلقي.
كان سيغادر.
أوقفته مجدداً.
هل لي بسؤال؟
تنهد.
فقالت: لماذا ارتديت ذاك الرداء في الخارج، أنك ملك فيجب عليك عدم إظهار وجهك.
لكن ماذا عني أنا؟
صمت قليلاً.
لكن تبسم بهدوء.
وقال: وأنتِ مدونة الملك.
سرحت في ابتسامته.
قالت: هل هذا كل شيء؟!!!
لا أحب رؤية الأعين تتجه نحوك، يجعلني هذا أغضب.
نظر إليها.
وقال: هذا كل شيء.
كانت تنظر إليه صامتة.
وحين غادر لم توقفه بل ظلت تتابعه عينيها حتى اختفى.
لكن لا تزال كلماته عالقة في أذنيه.
مر وقت على جلستها داخل ذلك الجناح الكبير، متذكرة أحداث اليوم الذي كانت ثقيلة على عقلها.
لقد أصبحت تكتسب الحقائق عن هذه الأرض دون صدمات.
إنس وجن عايشين سوا؟!
تنهدت وهي تخشى أن يتكرر ما حدث معها وفرناس غير موجود الآن.
"ساجعلك تندمين، سأريكِ من منا الضعيف يا لينا."
أتت تلك الجملة التي قذفتها نائلة في وجهها في آخر شجارهم.
معقول؟! هل ممكن أن تكون هي من فعلت ذلك لها لتحقيق مبتغاها؟
أخبرتها بشرى أنها هواية الجميع السحر، ليست بالمعصية.. إنها فقط من تختلف عنهم.
ماذا تريد من قوم عاشرو الجن أعوام حتى سخروهم لخدمتهم؟
وقفت تسير بين أغراضه في اكتشاف لمعرفة ما يحتويه هذا الجناح وكسر مللها.
رات رفوفاً موضعاً عليها كتب.
أخذت تكتشف ما بداخلها لتجد تلك الأحرف المتشابكة، الذي سألته عنها سابقاً.
فاخبرها أنها لغته الأصلية.. لغة غوانتام.. الذي تعرف أنها تتشابه مع كل كتابات.
لأول مرة قد فتح لها داخل المكتبة غريبة الأطوار ثم لم يفتح مجدداً.
لمست كلمات الصفحات في إعجاب لخط يده المنسق.
رات وميضاً دخل في عينيها عبر انعكاسه في المرآة التي أمامها.
وحين ألقت نظرة التفت متوجهة إلى تلك الركنة التي تراه يجلس فيها.
عادت.
دخلت لتجد مكتبة لكن لم يكن مرتباً كما عاهدت رؤيته، وكأنما كان يعد شيئاً وهناك من قاطعه دون أن يكمله.
فتركه وغادر كحالته.
وضعت ختمه بالطريقة الصحيحة والريشة داخل قنينة الحبر.
رتبت أغراضه.
لكن وجدت شيئاً يلمع تحت الأوراق.
التقطته وكان حجراً أحمر اللون على شكل قلب.
كان هنالك فتات تقبع على سطح المكتب من أثر نحت شكله.
قلبتها بين يديها بإعجاب في معرفة من أي نوع ذلك الحجر.
هل هو نوع من الماس؟
يبدو جوهراً من جميع جهاته.
وضعته في مكانه وخرجت من هناك كي لا ينزعج من اقتحامها لخصوصياته.
عادت إلى مكانها.
قالت: متى سأعود؟ لم أعد أطبق وجودي من بعد معرفة الحقائق الجديدة… طال وجودي كثيراً.
تنهدت وهي تخفض رأسها لتجد قطرة دماء تسقط على كفيها.
لتتفاجأ وتحدق فيها بدهشة.
دماء؟!
شعرت بشيء دافئ عند شفتيها.
تحسست وجهها باستغراب.
لتذهب سريعاً إلى المرآة وتذهل من أنفها الذي كان ينزف.
دب الخوف في قلبها.
لتضع يدها عن أنفها: كيف حدث هذا، كيف جرحت؟
رفعت رأسها تحاول إيقاف دمائها الذي تهدر دون فعل فاعل.
شعرت بتقييد ذراعيها، إنه ذات الشعور.. تلك الأغلال التي تلتف حول جسدها ويقع ثقل على ظهرها.
احمرت عيناها لتتذكره وهو يقول إليها.
"إنكِ ممسوسة، هناك من يمارس السحر عليك."
حاولت الصراخ لطلب المساعدة لكن لم تستطع فتح فاها حتى، موجات صوتها لا يمكنها الخروج.
تألمت من ذراعيها وشعرت بأن هناك من يجرحها.
حاولت التحرك بصعوبة.
لكن سمعت صوت جعل قلبها سيتوقف من الخوف.
شيء قريب من أذنيها يصدر فحيحاً يتغلغل بين مسامعها.
رائحتك مميزة.
اتسعت عيناها فهل تخال بأن أفعى تحدثها؟
وجسمك أكبر.
شعرت بحواف تعبث بجسدها.
تألمت حين شعرت بشيء حاد يغرز في عنقها لتسيل دماؤها.
سالت دمعة وهي فور قادرة على الدفاع عن نفسها حتى حركة عينيها لا تستطيع تحريكها.
فتح الباب بقوة.
وكان فرناس الذي فور أن رآها انتقل كالطيف ليكن أمامها في بضع ثوانٍ.
لا تنظري، سيكون هذا أفضل لكِ.
لم تفهم.
لكن وجدته يغمض عينيه ليمسك كتفيها.
لتجد حوافاً تظهر عند أنامله.
نظرت له بشدة.
لتجده يفتح عينيه لتنصدم من تحول إحدى عينيه إلى اللون الأحمر القاتم وبؤبؤ عينيه حاد كعين القطط.
شعرت بأنها تريد أن تغشى عليها من رؤيته بهذا الشكل المخيف.
في لحظة حركة يده تجاهها خافت.
لكنه قبض على هواء بجانبها يعلو كتفيها.
ثم دفع بقوة أكبر إلى الحائط فتهشم الجدار لقوة دفعته وكأنه ألقى بوحش لم يتحمله جدار الغرفة.
حلت قيودها أخيراً وخف حمل جسدها.
ارتخى جسدها وصرخت متألمة ممسكة عنقها وروحها التي أصبحت تشعر بها.
أسندها.
وحين رأت عينيه الشرسة شعرت بالخوف من هيئته وتلك العين الحمراء الدماء والأخرى التي تحولت إلى البياض الناصع لم يظهر سوى بؤبؤه الأشبه بالسيف.
أهذا أنت حقاً؟
قالتها وهي تقرب يدها من وجهها تلتمسه لتشعر بدفئه.
إنه هو.
تأخرت؟
لا زلت أتنفس إذاً لم تتأخري.
فجأة طاح بعيداً عنها بقوة.
انصدمت.
لكن شعرت بالخوف حين رأت ذلك الجسد أمامها لقدمين تشبه أقدام الحيوانات وقرون سوداء مع جسد متضاخم قمحاوي اللون يظهر أسنانه شديدة البياض بينما تبرز أنيابه بوضوح كأنياب الحيوانات المفترسة.
انصدمت من ذلك الشكل الذي يقف أمامها.
نظرت إلى فرناس بخوف.
لتجده يتكأ على يديه بألم باعتدال من ضربته القوية.
التفت إليها.
ارتجفت خوفاً.
ارتسمت ابتسامة جانبية أظهرت اتساع فمه ليقول بفحيح:
هل هذه أول مرة ترين جن متشكل يا صغيرة؟
أرادت الصراخ لكن لم تستطع.
لتجده ينحني أمام أعينها ينظر إليها باستمتاع ليطقطق رقبته.
وقال: ذلك المخلوق، كانت ضربته قوية.. استطاع رؤيتي ومنعني من قتلك.
انصدمت.
لكن في لحظة توجهت ضربة قوية نحوه.
لكنه اختفى.
نظرت إلى فرناس الذي بدأ جسده يتضخم فاطمأنت أنه بخير.
لكن اتصدمت حين رأيته ظهر من خلفه.
قالت: احترس.
نقض عليه.
لكنه أمسك وجهه وألقاه أرضاً.
ابتسم.
وقال: كنت أعلم أنه أنت.
اختفى من بين يديه ليظهر من خلفه.
قال: هذا الفارق بيننا، إنني أتفوق عليك قدرة… لست سوى نكرة لا تحمل فصيلة الجن ولا حتى الإنس… إنك مخلوق لم يجب أن تخلق أبداً.. أتيت كخطأ وستموت كخطأ أيضاً.
رآه بقوة.
لكنه تفاداها وركض بسرعة كالطيف ليمسكه من عنقه.
فابتسم من سرعته.
قال: نسيت العهد على عدم استخدام قدرتك والعيش كبشري؟
إن حاول أحد إيذاء المقربين إلي، سأظهر ذلك الشيطان لحمايتهما.
رآه لكمه.
لكنه تفاداها بقبضته القوية.
وقال: لم تظهر ذلك الشيطان قبل، لم تظهره إلا بسبب تلك الفتاة.
لماذا كنت تحاول إيذاءها، من أرسلك؟
سأخبرك لكن بعد قتلها.
ستموت أنت إذاً.
رآه لكمة قوية أطاح إلى الشرفة.
ليركض البرق ويمسكه بقوة أكبر.
لكن ظهر تهجم وجه الآخر وبات يهاجم بقوة.
كانت تنظر إليهم بخوف.
وهي لا تستطيع الرؤية سوى أطياف سريعة ترتطم في الحائط وتهتز الأرض من أسفلها لشدة قوتهما.
استقر الأمر بإلقاء المتشكل أرضاً.
وينظر إليه بضيق.
لينصدم حين رأى دماء تسيل منه محدثة إصابات به.
لكن اعتدل فرناس ولم يكن مصاباً مثله.
نظر إلى لينا.
اختفى فجأة.
سرعان ما أمسكها بقوة ووضع حوافره عند عنقها ليبتسم بشر:
أخبرتك، لن تستطيع حمايتها.
ارتجفت خوفاً.
لكن وجدته توقف ولم يتحرك.
وقع ذراعه أرضاً مفصلاً عن جسده.
لينظر إلى الذي وقع أمامه واعينه ازدادت هيجاناً كالنار.
كان ينظر إليه بصدمة كبيرة وإلى ذراعه الملقاة أرضاً.
ابتعد عنها ليجلس على ركبتيه.
من تكون أنت بحق الجحيم؟
من جعلك تفعل ذلك بها؟
صمت.
لكن نظر له.
ابتسم.
وقال: لتتذكر هذا المعروف إذا أيها الهجين… أنها الصفية الخاصة بها.
نائله.
مسح دمائه السوداء من على شفتيه الغليظة.
وقال: سنتقابل لكن ستكون نهايتك حقاً.
اختفى وهو يتحدث.
لتختفي ذراعه المبتورة معه.
كانت ساقيها ترتجف خوفاً من ما رأته.
لتنظر إلى ذلك من يقف أمامها.
وقد رأت هجومه الوحشي على جن من فصيلة نار كاملة.
وجدته ينظر إليها.
فعادت للخلف خوفاً.
لكن استقام جسده لتعود عيناه إلى طبيعتهما وتهدأ ملامحه التي تعهدها.
ليقول: أعلم أني بدوت مخيفاً لك، لكن لا أريد أن تخافي مني.
أشكرك.
هل تأذيت؟
أنا بخير.
استطعت قتاله برغم جرحك الذي ينتصف صدرك، خشيت عليك أن تتأذى من وراء رأسي.
ألستِ خائفة؟
لا بأس بحقيقتك، المهم أنك ساعدتني، أشكرك.
سأجعلها تندم على ذلك.
إلى أين أنت ذاهب؟
لمرافقتك، نائلة.
لا تذهب.
ماذا إن.. ماذا إن أتى مجدداً أو أتى غيره؟
لقد تحررتِ، لن يصيبك أذى ثانياً.. لتعتبريه كابوساً وانتهى.
الحراس.
كيف لم يسمعوا تلك الضوضاء؟
لقد استدعيتهم بعيداً خشية من تدخلهم ورؤيتي.
غادر وتركها.
لترتخي قدماها فاستندت على الحائط بتألم.
جلست وخلعت أحد أكمام فستانها لترى جروح قاطعة داخلها.
سمعت صوت.
أعادت فستانها سريعاً لتستر جسدها.
وجدتها الحكيمة ومعها امرأة لتساعدها في فحصها.
أخبرتهم أنها أصبحت بخير، فقد توقف نزيف أنفها.
لكنهم لم يستمعوا إليها مصرين على التأكد من سلامتها.
لا تعلم هل دقة فحصها يخشون مجدداً على ملكهم منها أن تصيبه بمرض معدي…
تضحك من تفكيرهم.
فهل فرناس سيموت بمرض منها.. لم يقدر سم على إيذائه ولا جن على قتله، إنه قوي.
حل الليل على مكانها بمفردها.
تتثاءب بإرهاق.
لتأخذها غفوة فوق ذلك السرير الملكي الناعم.
لم تعلم كم من الوقت قد مر.
لكنها نامت وكأنها لم تنم من قبل.
شعرت بحركة جعلتها تستيقظ.
وحين فتحت عينيها قليلاً، رأته واقفاً يقلب في أحد الكتب الخاصة به.
لكن لم تكن قد رأيته من ضمن مجموعة الكتب المصفوفة.
هل أيقظتك؟
اعتذر، لا أعلم كيف نمت… منذ متى وأنت هنا؟
ليس بالكثير، ثلاث ساعات.
لماذا لم توقظني؟
لم أشأ إزعاجك أثناء نومك.
ما ذلك الكتاب؟
لن تسرين إن عرفتي.
لماذا؟
عن العالم السفلي.
لماذا تقرأ عنهم، هل تريد الانضمام إليهم؟
لي شخص هناك، انتظرت مقابلته ولا زلت أنتظر.
هل لك علاقة بجن أم ماذا؟!
ماذا فعلت بنائله؟
إنها في السجن الآن، أمسكها الحراس وهي في خلوتها مع الأسحار.
ماذا تنوي أن تفعل بها؟
سيقتلها.
ستتلقى العقاب المناسب.
هل دخلتِ إلى هنا؟
وكان يقصد ركنه الخاص.
أجابت بنعم.
وقالت: رتبته فقط، واختلست النظر إلى بعض الأشياء.. اعتذر.
صمت.
لكنه التقط ذلك الحجر الماسي يقلبه بين يديه.
ليضعه بين مكانه بحرص.
تطلعت فيه قليلاً.
ومن أكتافه التي نقطة جمال وضعتها عند الرجل الذي ستتزوجه.
نظر لها.
توترت وخفضت عينيها.
لكن رأته يبتسم.
فشعرت أنها كالبلهاء أمامه.
هل يمكنني الذهاب؟
لا أمنعك.
هل يمكنك مسامحتها؟
تعنين ما تقوليه؟
أجل.
لا يمكن، لقد ارتكبت إثماً.
أسامحها إذاً.
وأنا لا أسامح.
ولما لا تسامحها؟
إنها لم تخطأ معك، بالعكس إنها تكن لك الولاء والحب.
ممارسة السحر داخل القصر هي جرم يعاقب عليه… لماذا تسامحيها، ألا تدركين ما كنتِ عليه؟
بلى أدرك ذلك، ولم أنس ما حدث لي وكيف كنت مرتعبه، لكنك كنت معي.
قالتها وهي تنظر إليه.
لتكمل: ساعدتني وانتهى الأمر، أشعر بالغضب منها لكن أرجوك.. لا تتأخر عقاباً قاسياً تجاهها، في الأخير…. أثق في قرارك.
إنك غريبة بالفعل يا لينا.
ابتسمت.
وقالت: ليس بحجم غرابك.
إذا.. هل يمكنني أن أراها؟
أصبحتي أيضاً تريدين الحديث معها؟
سألقي نظرة عليها أشفي غليلي، لست طيبة لدرجة الشفاق عليها.
ابتسمت.
وأكملت: سأخبرها شيئاً لن يستغرق الأمر كثيراً.
حسناً.
ابتسمت حين علمت أنها موافقته.
وهدأت فور خروجها من عنده.
لاهوده إلى غرفتها غيرت مسارها وذهبت إلى رهنها حيث أسدها الحارس بأمر من فرناس.
حيث وصلت إلى مكانها وجدتها واقفة في ركن القفص الحديدي، شاحبة الوجه، القلق والخوف يمتلكانها.
حين راتها تهجم وجهها.
وقالت: أصبحتي بخير، تخلصتي من السحر سريعاً، أصفق لكِ.
لما فعلتِ ذلك؟
لأريكِ أن النفس ليست ضعيفة، كنت سأقتلك في بضع ثوانٍ.. أريتك عذاب الموت، أخبرتك.
ابتسمت ساخرة.
وأكملت: أنتِ الضعيفة؟
لم يكن أنتِ يا حمقاء، بل جن قمتِ أنتِ بتحضيره لإيذائي.
وهذا ما أحاول أن أشرحه لكِ، أنا أقوى من نار.. جعلته خادمة لأيذائك.
ولم تكمل كلامها حتى سعلت بقوة كتلة دماء.
حست أرضاً.
وضعت يدها عند صدرها.
قالت لينا: أظن أن كلامك لم يعجبه.
اصمتي.
إنهم مع أقرب فرصة لن يحتجون فيها سيقتلونك.
إنك مثيرة للشفقة، ما زلتِ تتحدثين بالهراء.
أنا أم أنتِ؟
لم أكن أنوي قتلك، ظننت أنك ستغيرين كلامك وتعلمين أن لا وجود لربك.
قالت بهدوء: كيف إذاً أقف أمامك الآن، أنكِ لم تستطيعي إيذائي حتى بعد سحرك الذي أعددتيه لي.
اقتربت منها.
وقالت: لقد حفظني الله، أرسل لي من يخلصني من شرك.. إنه دائماً معي ويحميني.
غبية.
الكفر يملأ قلبك.
أنا لا أكفر، ما من إله أعبده.
ومن الذي خلقك؟
أجيبي كيف خلقتِ.. هل صنعتِ نفسك؟!!
قومي بصنع لي هيا.
ها أنا أراكِ وأنتظر لنبقى هنا إلى الصباح، بل إلى الغد، ولتمضي الأيام وأنا أنتظرك.
هل سوف تقدرين على فعلها؟
صمتت بضيق.
قالت ساخرة: لا تستطيعين لأنك مجرد إنسان من خلقه.
لماذا إذاً لا يظهر لنا لنؤمن به؟
وهل تسمين هذا إيماناً؟
تعجبت منها.
لتقول بتوضيح: هناك دلائل على وجوده، إنها حولك لكنك لا ترينها… الإيمان نابع من القلب دون الحاجة إلى رؤيته.
يجب أن تتمني بقلبك قبل عينك… لتمحي الغشاوة التي على عينك.
امحي غبار الكفر الذي يملأ قلبك، وتزيحي شيطانك بعيداً… لقد طلبت من الملك أن يخفف من عقابك لعلك تبتعدين عن هذا الضلال.
هذا آخر شيء أفعله لكِ، كنت أعتبرك صديقتي.
نظرت لها بشفقة.
وقالت: الوداع.
ذهبت إلى الباب لتطرب ليفتح لها الحارسان.
وقبل أن تخرج: حدثيني عن الله.
توقفت عند تلك الجملة التي قالتها لتوقفها قبل رحيلها.
تفاجأت لكن رأت في عينيها الفضول والاهتمام.
ولم تعلم أنها قد تصغي لها.
لكن ابتسمت وعادت إليها.
سنطيل الليلة إذاً.
كانت بشرى جالسة في الغرفة.
دخلت لينا.
اقتربت منها بقلق.
قالت: أنتِ بخير؟
أجل، ما الأمر؟
هل نائلة أذتك؟
كان الحراس يسألون عنها فاستنتجت ذلك.
لم يصيبني شيء، أنا بخير.
ذهبت إلى السرير جلست بتألم.
لا يزال جسدها يؤلمها من ذلك الشيطان الذي عبث بها.
استلقت وهي تتخيله أمام عينيها بتفاصيل وجهه وتحوله الذي رأته اليوم.
لطالما كانت تراه غريباً.. لم تعلم أن غرابته ستكون حول نسله.
"فرناس".
استيقظت في صباح اليوم التالي باكراً على ألم قوي.
اعتدلت وهي تفتح عينيها لتصيبها وخزة جعلت عينيها تتسعان ألماً.
سندت يداها وهي تتصبب عرقاً.
أن يكون احتلها حث آخر يقوم بإيذائها.
بشرى.
لم تجدها لأنها بالفعل ستكون تأخذ قيلولتها الآن.
اللعنة.. أماذا هذا الألم وتلك الوخزات يتكرر معها، لماذا تزداد ألماً..
ولم تعد تطيق الأمر … بحق السماء ماذا يحدث لها، هذا نوع من نوع الجنون أم ماذا بالضبط.
حين هدأت أنفاسها.
خرجت من غرفتها تشم بعض الهواء.
لكن أخذتها قدماها إلى خارج القصر بأكمله.
سارت بين الممرات وهي تخشى أن تفقد طريق عودتها.
رات ضوءاً نابعاً من باب موارباً قليلاً.
خرجت منه لتجد حديقة كبيرة تمتلك بأشجار.
زهور ورائحة ورد الياسمين الجميل.
كانت الحديقة تشبه درب من دروب الخيال.. كخيال القصر وضخامته.
أوقفها صوت احتكاك شيء حاد بشيء يماثله.
التفت ناحية الصوت.
فتكرر من جديد فسارت على أذنيها.
فتوقفت حين وجدت حراساً في نهاية المطاف.
التقطت عينيها فرناس وشقيقه يتبارزان بالسيف.
لم تتقدم بل خشيت أن يروها وتقاعد تركيزهم.
قررت الذهاب.
لكن حماقته جعلتها تقف وتشاهد.
كان الاثنان يقاتلان ببراعة.
لا تعلم أن كان تدريباً أم هواية.
لكنه أشبه بحرب.. إنه سيف حاد يلقيان الضربات على بعضهم بكل جدية والآخر يتصدى الهجوم.
تعلم بطبيعة فرناس أنه قوي في حياته البشرية.
لكن داغر لا يبدو خصماً ضعيفاً أيضاً.
بالفعل لن يكون قائد جيش مسؤول عن تدريب مئة ألف جندي ولن يكون مؤهلاً لذلك.
وجودها هنا جعلها تعلم رئاسة كل منهم.
وداغر وبردله هو ذراع الملك اليمنى.
قاطعها ضربة قوية وجهها داغر وهو يبتسم.
ويقول: هل ازدادت مهارتي؟
ليس بالسيء.
تصداها بقوة وأطاح بسيفه بعيداً.
وحين حاول التقاطه وضع السيف عند عنقه ليمنعه.
فتوقف وهو يلهث بإرهاق.
اندهشت ونظرت له فهل سيقتل أخاه.
ابتسم داغر.
ليرفع ذراعيه مستسلماً.
لينزل السيف جانباً.
قال داغر: مهما تدربت ستظل تفوقني قدرة.
لأثقل عليك إذاً وازيد تدريبك.
لا يا رجل، إنني على وشك الهلاك من كثرة التدريبات.
نسيت وعدي لك، إن فزت علي سأحقق لك ما تريد.
إذا كان لذلك فليكن.
قالها بمزاح.
ليبادله الابتسامة في لحظة أخوية تفوضها المشاعر.
التفت داغر ليرى لينا.
تعجب كثيراً: أنتِ.
شعرت بالحرج حين رآها فرناس متعجباً أيضاً من وجودها.
كانت محقة، ستنتهي حماقته بمصائب دوماً.
قال داغر: منذ متى وأنتِ هنا؟
منذ قليل، اعتذر.
يجب أن تعرفي البطاقات الذي لا يجب أن تخطيها هكذا.
دعها.
قال فرناس ذلك.
نظر شقيقه إليه.
قال: مولاي.
اذهب للاستعداد، رحلتك إلى الشمال بعد قليل.
حسناً.
اقتربي.
اعتدلت بحرج.
فقال: ماذا كنتِ تفعلين هنا؟
كنت أسير قليلاً.
أقصد هنا وليس في الحديقة.
لأكون صريحة كنت أشاهدكما، لم أشهد مبارزة بالسيف على أرض الواقع.
لا تفعليها ثانياً.
لماذا؟
غير مسموح وجودك هنا، إن أردتِ شيئاً خارج النظام فقط استأذني ولن أرفضه لكِ إن كان بيدي.
حسناً.
هل لي بأن أستأذن منك لشيء؟
ماذا تريدين؟
هل يمكنك..
أشارت بإصبعها على السيف.
وقالت: أريد أن أجربه.
نظر إليها.
وقبل ذهاب الحارس أخذه ليمده إليها.
وحين حملته شعرت بثقله، عكس ما كانت تتخيله.
ترى حدته التي تكاد تقطع كل من يقف في وجهه.
لفت نظرها مقبض السيف المختوم برمز المملكة.. ذلك الرمز الذي تراه كثيراً ومشوم على جبهتها.
على الكتاب.
العمل.
نظر فرناس إليها وهي تقلبه بين يديها.
وفي لحظة رفعتنه عند عنقه.
انتفض الحراس رافعين سلاحهم في حالة تأهب للهجوم عليه.
لكن رفعت يديها بقلق.
وقالت: على رسلكم، لن أؤذي ملككم بشيء.
ما كان هذا؟
حاولت تقليدك ببعض الحركات التي رأيتها منك.
تمتلكين سرعة بديهة.
أظن ذلك.
كيف أبدو؟ هل أنفع في إمساك السيف؟
تبدين كمحاربة يا لينا.
هل أنتِ متأكدة كونك مدونة؟
صاحبة كتاب خاص بي؟
هل هذه مجاملة؟!
إن كانت كذلك فأشكرك وإن كنت تذميني.. ربُّنا يسامحك.
بارزني.
ماذا؟
أريد تجربة سيف لأول مرة.
وهل تعلمين استخدامه؟
لا فنحن نستخدم أسلحة مثل المسدس، البناد.
لا تقلق بشأني، رأيت مشاهد عبر التلفاز.
التلفاز وأسلحة ومسدس ماهؤلاء؟
عندما تأتي لعالمي سأريكِ تلك الأشياء.. سأضيفك في منزلي، لن ينقصك شيء، كما تفعل أنتِ معي وتحميني…. ستكون هذه هي المغامرة بحق.
لا تعلم كيف وقعت الجملة على لسانها برغبة وكأنها أرادت أخذه معها لتريه ما ليس هنا.
أود ذلك.
طال بقاؤك تلك المرة.
أجل، يبدو أن الكتاب لا ينوي إعادتي.. أخشى أن أبقى إلى الأبد.
ألستِ مرتاحة هنا؟
هناك من يسيء لكِ؟
لا لا، بل الجميع لطفاء معي.. لكن رغبتي في العودة بسبب دراستي وإلا لم أكن لأريد أن أتركك.
صمتت.
نظرت إليه لتجد عينيه تطالعها.
فأحمر وجهها خجلاً بضيق من فمها الذي يتحدث كثيراً.
قالت بتغيير الأمر: هناك أعمال ينه، حضور وغياب، تكاليف خاصة بالمادة.. يجب علي الحضور لكل هذا وإلا ستتراجع علامتي وأعيد السنة.. ولست قادرة على تحمل سخرية من أحد.. أتمنى أن يكون عالمي أم يمضي وقت كثير على غيابي هنا.
تنهدت.
لترسم ابتسامة وترفع وجهها بتلويحة من سيفها.
قالت: هل نبدأ؟
مد يده إليها.
السيف.
أعطته إياه باستغراب.
لتجده يعطيه للحارس ويعيده إلى مكانه.
إنه لم يرفض إذا، بل أعاد سيفه وأحضر غيره لقلقه عليها.
أخذته منه وكان أخف بكثير من سيفه ويسهل التحك به.
أخذت وضعية الاستعداد ممسكة بالسيف وتضعه أمامه بزوايا وأعينها تنظر إلى الأمام.
تعرفين وقفتك جيداً.
هل هذا شيء جيد؟
أجل سيسهل علي الشرح.
قار لتفقد.
ليقف هو الآخر مقابلاً لها واعينه الرمادية تثقب عينيها.
فإذا بها تسحر من جديد وتغوص بهما.
أبعدت عينيها لتركز على المنافسة.
حين لوحت بسيفها نحوه سرعان ما تصده بخفة.
ابتسمت باستمتاع.
أبعد سيفها ليصد ضربة نحوها.
صدتها بصعوبة وهى قريبة من وجهها.
دق قلبها بتوتر وبلاش ذلك الاستمتاع من سرعته الذي لا تحددها.
قالت بصوت منخفض: هل تستعمل قواك، هذا غش.
هذه طبيعتي، كبشري مثلك.
تعجبت كثيراً.
أبعدت سيفه لتعتدل وتوجه ضربة نحوه وتحنى لتصبح قريبة منه لتلمسه.
لكنه تفاداها ولوح بسيفه.
لم تستطع تفاديها سوى الابتعاد سريعاً.
لكن شق الفستان من كتفها.
تدعى الكم وانكشل ذراعها.
توترت لتنظر إليه من نظراته.
فهو لم يؤذيها، كان سيوقف السيف قبل أن يخدشها.
لكنها من احتكت به من فرك حركتها دون أخذ حذر.
استعادت وقفتها بتأهل لتبتسم بلامبالاة مغيره الأمر.
تسعى لتخلص مني سريعاً وعن طريق الخطأ.
لم يفهم ما تقوله.
ضربته لكنه تفاداها وبدأوا في توجيه الضربات نحو بعضهم.
تصادم بسيفهم ثاقبين أعينهم.
ضغطت عليه بابتسامة انتصار للاقتراب منه عنقه.
قالت: اعترف أني قوية.
أنزل سيفها.
تألمت من ساعدها ليقع السيف منها.
أسرعت في التقاطه.
لكنه سحبها واضعاً السيف عند عنقها.
لتنصدم وتتوقف دون حراك.
كان ظهرها ملاصقاً لصدره الصلب.
تسارعت دقات قلبها وهي تلهث بتعب.
تنظر إلى السيف لترفع عينيها إلى صاحبه وتتقابل أعينهم.
كانت دقات قلبها تعلو وتهبط.
التفت ببطء لتصبح مقابله له.
أبعد السيف وأنزلته أرضاً.
وهو يناظرها بكليتي عينيه.
لمس وجهها المجهد.
فنبط قلبها بقوة تكاد تسمع دقات قلبها من هنا.
قرب وجهه منها وهي مسحورة بأعينيه.
لكن أصابتها وخزة قوية في قلبها جعلتها تنتفض ألماً واضعة يدها عند أيسر صدرها.
اللعنة.. إنه ذاك الألم الذي ينهشها.
قال فرناس: ما بك، أنتِ بخير؟
بخير، لا تقلقي.
قالتها بتنهيدة مبتعدة عنه.
علي الذهاب.
غادرت.
أوقفه.
وقال: لديكِ أعمال اليوم.
أي أعمال هذا وأنا هنا.. الملل فقط هو عملي.
أدعوكم على العشاء الليلة.
نظرت له قليلاً.
يمكنك الرفض.
يسعدني ذلك.
مشت.
ابتسمت حين ابتعدت.
رجعت أوضتها لقت بشرى.
أين كنتِ؟
في الحديقة.
سأحضر الفطور لكِ.
لا، أريد أن أذهب إلى ذلك الحوض الذي ذهبت له من قبل.. أود الاستحمام.
سأبلغهم بذلك.
أومأت لها وجلست على الكرسي.
شعرت بالعطش.
وجدت قارورة بعيدة.
فخطر في بالها شيء ما.
نظرت حولها لتتأكد أن لا يوجد أحد معها.
عادت إليها مدققة النظر فيها.
"تخيلي وكأن طاقة منبعثة من عينك الثالثة وتأمرينها بالتحرك."
تذكرت كلام فرناس.
لتطبقه كالمرة الفائتة.
تخيلت طيفاً مرتبطاً بهما بقدر من الهالة القوية.
اعتصرت عقلها أكثر.
تحركت وبدأت في الاهتزاز مرتفعة قليلاً عن مكان موضعها.
ابتسمت وتهللت.
لكن وقعت في مكانها ولم تكتمل هالتها.
شعرت بالخيبة.
لكن لا بأس لقد استطاعت أن تحركها ولو قليلاً.
عادت تركيزها عليها مجدداً لترتفع وتسير تجاهها كما أرادت هي.
وفور اقترابها منها أمسكتها.
قفزت ضاحكة وأطلقت العنان لضحكاتها… إنه لأمر مسلٍ.
أي قدرة ذهنية تلك التي تحملها.
نظرت حولها لتجد مرآة على المنضدة.
فعلت معها كما فعلت مع القارورة لترتفع رويداً مقتربة منها لتقف في وجهها.
أعدلت شعرها وهي تنظر إلى نفسها بإعجاب.
كالطفلة التي وجدت لعبة أشغلت وقتها.
فتح الباب.
انتفضت فوقعت المرآة أرضاً وتهشمت.
كانت السيدة صفية الذي كانت تنظر إليها بشدة.
وخشيت لينا أن تكون قد رأت شيء.
قالت لينا: ما الأمر؟
قالت بشرى: كيف كسرت المرآة؟
رأيتها خلفها ومعها امرأة أخرى تصاحبهما.
توترت.
وقالت: أجل.. المرآة!! لقد وقعت مني عن طريق الخطأ.
قالت صفية بصرامة: حمامك جاهز، هيا.
ذهبت وهي تلقي النظرات عليها.
لم تفهمها.
وصلت إلى الحمام مع بشرى.
كل من هنا ينعمون بذلك الحمام والعناية، وكأنهم أميرات.. إنهم يعيشون في رفاهية.
لا يا سيدتي، ذلك الاهتمام خصيصاً لكِ.
توقفت باستغراب.
وقالت: كيف؟
أنتِ حالة خاصة من بين أي أحد..، مولاي يوصي بكِ.
صمتت.
لكن ابتسمت خفية.
في المساء كانت جالسة في جناحها تبدل ملابسها.
أخبرتها رفيقتها أن الملك يستدعيه.
فعلت أنها دعوته على العشاء الذي تتذكرها جيداً.
ودانت أنه قد نسيها لكنه لم يفعل.
وصلت عند جناحه.
لكنه لم يكن هناك.
أخبرها الحارس أن تبقى بالداخل حتى يأتي.
جلست بالفعل هناك تنتظره.
لم تعبث بأغراضه حتى لا يتضايق.
رات باب الشرفة فذهبت لتقف هناك.
رأت زهوراً جميلة تبدو من فصيلة نادرة.
ابتسمت.
وقالت: يحب الزرع كمان، شكلي مش هفهم الملك ده أبداً.
أعجبتك؟
التفتت بين معاها.
لم ألاحظ وجودك.
ماذا تفعلين هنا؟
انتظرك هنا بدلاً من الداخل.
هل انتهكت خصوصيات جلالتك؟
كانت تزرع الزهرة من غصنها.
تعجبت.
وقالت: لماذا…
وضعها في شعرها.
إنها في موضعها الأصلي.
ابتسمت.
وقالت: شكراً.
ماذا قررتِ بشأنها؟
من؟
نائلة.
صمتت لذكر أمرها.
قال: سوف أدع لكِ أمرها والعقاب الذي تحددينه، وإن أردتِ العفو عنها فهذا يعود لكِ.
أطلق سراحها إذاً.
متأكدة من قرارك؟
عرفت أنكِ بقيتِ معها في زيارتك للصباح.
طلبت أن أحدثها عن الله، أخذنا الحديث وكانت مهتمة للمعرفة.. سررت بأسألتها كثيراً.
وهل صدقتيها؟
لا تثقين بأحد يا لينا.
إن لم أثق بأحد سأشك في جميع من حولي وستكون الحياة ليست سوى محض خيانة.
لكنكِ ستكونين بخير، حمايتكِ لذاتكِ ليس كابوساً.
لماذا تظنينها خدعتني؟
لعلها رأت أصدقائك من عبادتهم فخففت من غضبكِ منها بتحقيق ما تريدينه أنتِ.
لا أظن أنها كانت تكذب.
لأنكِ تمتلكين قلباً طيباً، ترين الجميع صادقاً.
ولكنني شعرت بصدقها حقاً.
لتأخذي حذركِ.
حسناً.
بإمكاني طرح سؤال.
لا.
أنتِ لم تعرفي الإله بعد.
أعلم، تريدين أن تسألي إن كان هذا شكلي الحقيقي أم أنني أتهيأ ببشرى.
لم أكن لأسأل هذا.
لست غريباً، هذا هو شكلي.
لست غريباً بل مميز.
أ لديكِ معلومة عن العالم السفلي، يستطيعون تغيير هيأتهم.. يتشكلون إلى ما يريدونه.. إن كان بشرياً، حيواناً.. أو نواف متخفياً.
كنت أظنها خرافة لذلك سألتك، لكن إن كانت هذه هيئتك حقاً كبشري، فذا معلوماتي خاطئة.
صحيحة.
ألا تنطبق عليكِ إذا؟
تنسين سريعاً، أخبرتك لست جني.. أنا هجين، تلك هيئتي كإنسان.. كل ما اختلف هو أني أحمل قدراتهم.
من الجن؟
أجل.
وكيف أصلحت هكذا، هل يعلم أحد أن…
لا أحد يعلم بهذا غيرك حتى أخي لا يعلم بحقيقتي، لا يوجد سوى أبي وقد رحل.. والآن أنتِ.
اندهشت منه حقاً.
لكنه صادق في قوله.
فقالت: كيف عرف أبوك؟
لأنه أبي الذي تزوج جنية لأكون ناتج علاقتهما.
والدتكِ؟!… جنية.
أين هي إذا؟
لا أعلم، اختفت منذ زمن.
هل يعلم أحد عن والدتك؟
لا، بل كانت مخاوف أبي أن يكون هناك من عرف حقيقتها.
من ماذا الخوف؟
يبدو أنه كان يملك معلومات أكثر مني، لكن أخبرني سوى عن حقيقتها وعني.. بعدما ثار شيطاني ذات ليلة.
هل أوضحت لي؟
كنت عادياً قبل الخامسة عشر من عمري، كنت مع داغر في الغابة في حول صيد.
لكن أخذتنا المشاغبة وأضعنا الحراس قصداً.
لم أدري المخاطر الذي في الداخل.
داغر إلى أين نذهب؟
ابتسم ذلك الصغير وهو يركض ممسكاً في يد أخيه.
وقال: داخل الغابة.
لا يجب أن نبتعد عن الحراس.
هل ترفض مغامرتنا إذا؟
صمت قليلاً.
لينظر إليه وإلى أخيه الذي لا يرفض له طلباً.
ابتسم وسحبه ليركض هو الآخر أسرع منه.
فضحك داغر ولحق به.
قال: لا تسبقني، أنا من اقترحت الفكرة.
تشبث بأدوات صيدك جيداً.
إنها بين يداي.
توقف ليرفع السهم في الأعلى حين رأى طائراً مسترخياً على غصن.
كاد داغر أن يتحدث.
لكنه أصمته وأصابه في لحظة.
ليقع الطائر قتيلاً.
اندهشت أخيه وضفق وهو يقول: رائع، كيف أنت ماهر هكذا.
ركز على هدفك وستصيب.
كلامك سهل لكن أصعب ما يمكن للمرء أن يفعله.
ركض داغر وهو يقهقه.
وقال: سأصيب واحداً أيضاً لنتعادل.
داغر انتظر، لا تبتعد.
الحق بي إن استطعت.
تنهد منه وركض خلفه بين الشجرات الذي يقفز بينهم.
ليجعله يفتقده وكان يزيح الأغصان ويلحق به منادياً إياه بالتوقف.
لكنه لا يستمع له مستمتعاً بركضه خلفه.
اختفى من أمام عينيه ولم يعد يسمع أصواته.
فقلق عليه كثيراً وأكمل ركضه.
داغر.
لم يجد رداً.
توقف حين رأى طيفه بعيداً.
تنهد وصل إليه وجده واقفاً لا يتحرك في مكانه.
لكن قدماه ترتجف.
أخي.
قالها باستنجاد.
اقترب منه وانصدم حين رأى ذئباً ضخماً يقف على بعد متر منه.
وأن قفز ليدخله بين أحشائه.
نظر إلى أخيه الذي كان يبكي بخوف.
وكاد أن يركض.
لكن صاح فيه: لا تتحرك، أبق ساكناً.
أنا خائف.
لا تقلق، أخيك معك.
اقترب منه قليلاً وهو ينظر إلى الذئب بحذر.
ليقف بجانبه.
كشر الحيوان عن أنيابه المخيفة.
دار حولهم.
ليرفع القوس ممسكاً بالسهم ليصوب نحوه.
لكن سرعان ما انقض نحوه فوقع القوس من يده.
اركض يا داغر الآن.
أخي.
قالها بخوف.
فصاح به ليركض سريعاً.
وقع الذئب نحوه.
خاف داغر.
لكن فرناس اعتدل سريعاً والقى بالحجر نحوه.
فالتفت نحوه باعين غاضبة.
فركض فوراً ليتبعه ويدع لأخاه فرصة للهرب.
التفت خلفه وجده اعتدل وركض سريعاً فاطمأن.
لكن وقت بفزع حين رأى الذئب قفز أمامه.
ينظر إليه الوجبة الدسمة الذي يود التهامها.
ركض سريعاً انقض فوقه فاتحاً فمه لاتهامه.
لكنه صدره بغصن شجرة.
كان قوياً وهو ولد ضعيف من بين ذلك الجسد الضخم المليء بالعضلات.
كان يحاول الوصول إليه ومخالبه تخدش جسده محدثة جروحاً بالغة.
كان يتألم وهو ينزف وقلبه مرعوب من تلك الأسنان الذي ستفتكه قريباً.
رأى الغصن ينكسر.
فقام بوضعه داخل فمه وألقى بغبار في وجهه وزحف من بين يده.
فضربه بقوة ليطيح مرتمياً عند الشجرة.
تألمت كثيراً.
اعتدل وهو يسند على يديه.
رأى سلامه وقوسه بقرب منه.
زحف إليهم.
وفور التقاطه للسهم انقض الذئب نحوه.
فصرخ متألماً من يداه الذي وكأن سكين قام بقطعها.
اعتدل ليجده أمامه بهيئته الزائرة ولا يفصلهم سوى بضع بوصات.
عرف أنها نهايته.
شعرت بالخوف وتأنيب الضمير على تهوره.
يكفي عودت أخي.
خفض رأسه مستسلماً لذلك الحيوان المفترس.
فتح فاهه منقضاً نحوه.
لكن توقف في مكانه عالقاً في الهواء وهو فوقه.
وكأن هناك من يحمله.
لكن زأر بقوة جعلت جميع الطيور تحلق بعيداً.
كان فرناس قام برشق السهم داخله.
رفع وجهه وقد تحولت إحدى عينيه للون الأحمر وتحولت بؤبؤ عينيه كالقطط.
دفعه بقوة لكيحه بعيداً عنه ويعتدل.
وقد تضخمت هيأته إلى وحش ذو حواف مخيفة.
اعتدل الذئب وركض تجاهه.
ليخرج إحدى يداه المدببة وركض كالفهد في لحظة اخترق جسده.
لعله يرتخي بين يديه كالقط الأليف بين وحش خطير.
اقتلع قلبه بين يديه ليدفعه بقوة.
نظر إلى القلب الذي لا يزال ينبض بين يده.
ابتسم ابتسامة مخيفة لتظهر أنيابه البارزة.
الأمير فرناس.
قالها الحراس وهم يركضون برفقة داغر الذي كان خائفاً وهو يسير مع أبيه الذي كان قلقاً وهو يبحث عنه ويسأله عن مكانهم بالتحديد.
لكنه لم يكن يستطيع الوصف جيداً.
ابق مع الحراس يا داغر.
أريد البحث عن أخي.
إن كنت خائفاً عليه لم يكن عليك صحبه لداخل الخطر.
لا أعلم أن كان لا يزال حياً…
نظرت له بشدة.
قال بحده: ابق هنا، لا أريد أن أخسرَكَ أنت أيضاً.
ركض كان سيلحق به.
لكن الحارس منعه.
فبكى بحزن: أبي.
سار داخل الغابة يبحث عنه.
فرناس.
كان ينادي عنه لكن لا لم يكن هناك أي صوت سوى صوت أبومه المميز.
توقف حين رأى قطرات دماء.
رفع سيفه وركض سريعاً بقلق.
لكن توقف فجأة.
كان فرناس ملطخ فمه ويده بالدماء.
كان جالساً عند جسد ذلك الذئب المفتك فارغ الأحشاء.
وقع السيف من يده بصدمة من يراه.
ليحده يرفع وجهه ويرى شكله الذي تحول من أمير إلى وحش مخيف.
بني.
هدأت ملامحه حين رأى والده وعادت لون عينيه كما كانت.
لينظر إلى نفسه وما فعله.
انتفض سريعاً لكن تألم ووقع من جروحه.
نظر إلى يديه الملطخة في الدماء.
تذكر ما فعله.
وضع يده على فمه واستفرغ ما في جوفه فوراً.
ضرب صدره بقوة شاعراً بالقرف والصدمة تملأ عيناه.
أبي، لم يكن أنا.
أنت بخير.
لقد قتلت حيواناً بيدي، أنا…
لا تخبر أحداً بما حدث.
ما كان ذلك.
سأشرح لك، لكن مهما حدث.. لا يجب أن يعلم أحد عن حقيقتك.
أنا خطير.
لست كذلك، إن لم تكرر ما حدث عدني ألا تستعملها مجدداً.
أبي…
عدني بأنك ستعيش كبشري وتموت كأي بشري.. عدني بذلك هيا.
أعدك.
ضمه إلى صدره مربتاً عليه.
سعيد أنك لا تزال حياً.
عاد من ذكرياته في ذلك اليوم.
وقال: تعايشت مع كوني إنسان طيلة تلك السنوات وحافظت على إخفاء الأمر.
هل كانت تلك الحادثة سبب في معرفة من تكون؟
بل كانت سبباً في إيقاظ نصف الآخر.. كان أن أبي يخبرني دوماً أني لست مثل الجميع وفهمت هذا فيما بعد.
أوكات بتفهم وهي تنظر إليه قليلاً.
قالت: كم عمرك؟
٢٣٥؟!!
اتسعت عينيها.
قالت: اعتذر على طريقتي في الحديث معك بدون ألقاب سأحرص على ذلك المرة القادمة.
تفاجأت من طريقتها الرسمية.
وقال: أنتِ بخير.
بماذا أناديك مولاي أم سيدة… أم جدي؟
ابتسمت بغير قصد في رغبتها للضحك ورغبتها في منع ضحكاتها الآن.
فيكف يكون هذا جدها وبتلك الوسامة والقوام، ذلك الجسد القوي هل يمكن أن يكون في مثل ذاك العمر.. أظنها نسيت أن هنا أعمارهم ترتفع مثل العصور القديمة، بل هو أيضاً هجين وتعتقد أن بإمكانه عمره أن يرتفع أكثر من ذلك.
ماذا تقصدين بجد؟
ابتسمت.
وقالت: أجل نسيت أن أعرفك، أنا في العشرين من عمري، أنك أكبر مني بكثير لذلك يجب أن أبدي لك احتراماً يليق بعمرك.
هل ترينني عجوزاً؟
العكس على الرغم من سنك إلى أنك..
صمتت تلك المرة قبل تحدث لسانها الذي حرصت على التحكم فيه.
إلا أني ماذا؟
قوي، هذا ما أقصده.
أومأ لها بتفهم وهو يبتسم.
تعجبت منه.
لكن ابتسمت أيضاً.
صدر صوت ملأ الأضواء.
تعجباً ونظرا إلى بعضهما بتعجب.
سمع طرقات على الباب.
وكان الحارس خلفهم.
قال: مولاي.
لماذا تأخر الطعام؟
اعتذر مولاي، لكن حضرت الوزير يستأذن للدخول بعجلة من أمره.
تعجب قليلاً.
ثم أوما إليه وذهب ليرى بردله يدخل سريعاً.
وكانت ملامحه مريبة.
م مولاي.
انحنى فور رؤيته.
أتت لينا وراها.
لينظر إليها بشدة.
قال فرناس: ما الأمر، لما تبدو غريباً؟
الشعب.. لقد علموا.
تنهد وهو يستعيد كلامه.
وقال: يريدون "رزان".
ذلك الاسم الذي تعرفه جيداً.
وتفاجأت كثيراً من ما سمعته.
إنها هي.. "رزان" كما يلقبونها.
قال فرناس وقد ارتكبت معالم وجهه: ماذا تقول؟! كيف علموا؟
لا أعلم مولاي، الشعب جميعاً حاضر في الخارج.. يطالبونك بها.
إذن تلك الضوضاء كانت من الحشد المتجمع بسببها.
التفت إليها.
وقال: ألم تقولي أن لا أحد يعلم؟
أجل صدقني أنا لا أكذب أنا متأكدة من ذلك.
كيف إذا، فسر لي معرفتهم بأمرك ووجودك هنا هل استخدمتيها؟
افتكرت الصبح.
خافت.
أجل.
ألم أحذرك من ذلك، أتريدين الموت؟
اعتذر لم أقصد.
من رآكِ؟
لم يرني أحد، فعلت ذلك في الصباح ليس…
صمتت لوهلة.
متذكرة المرآة المحلقة في الهواء.
وحين اقتحمت عليها صفية الباب مبحلقة فيها بصدمة لم تستطع إخفاءها.
مستحيل؟! هل رأتني؟
من؟
السيدة صفية.
وقعت المرآة حين دخلت علي في غرفتي ولم أكن أحسب حسابها دخولها دون طرق.
حذرتك من تهورك.
أنا آسفة، أخبرني ما علي فعله ولن أتردد.
مولاي.
قالها بردله بتردد.
جاء أخوه.
قال فرناس: أعلم كل شيء يا داغر.
ماذا تنوي أن تفعل؟
لكا هي لا تزال هنا.
قالت لينا: هل هناك ما يجب أن أفعله؟
قال داغر: يجب أن تخرجي لهم مولاي، لن نكون في موضع جيد لهذه العاصفة.
قالت لينا: إن خرجت لهم ماذا سيحدث، لماذا يريدونني؟
قال داغر: لا أعلم، لكن تأكدي أن موتك ستكون موحشة مثلها.
هل يريدون قتلي وأنا لم أفعل لهم شيئاً؟
ذهب فرناس.
ابقي هنا لا تخرجي إلا بأمر مني.
تفاجأ بردله.
وقال: كيف؟! مولاي.. لن يهدموا حتى يأخذوها ويأثروا للمرة الثانية.
قال فرناس بأمر: لنذهبا.
انحنى له مطيعاً وتبعه ليغادرا من الجناح ويتركاها.
لم تكن تعلم ما يحدث وإلى أين هم ذاهبون.
سمعت أصواتاً تعلو أكثر عن ذي قبل.
اقتربت من أحد النوافذ وفتحتها.
سرعان ما وقفت خلف الحائط مصدومة.
هو الشعب كله هنا؟!
ألقت نظرة من ذلك العدد المتجمع أمام باب القصر حاملين مشاعلهم والفؤوس وكأنهم في حرب أهلية.
أصواتهم مرتفعة مع وجوههم الحادة.
فتحت شرفة القصر.
ليخرج فرناس أمامهم.
تلك الشرفة الذي يخرج فيها لمقابلتهم حين تجمعهم في الأعياد.
لكن تلك المرة غير.
نظر الجميع إليه وصمتوا لرؤيته.
حتى كتمت الأصوات وانقطع حديثهم.
كان واقفاً ينظر إليهم عاقداً ذراعيه خلف ظهره.
ليقول: ما الذي يحدث هنا؟
مولاي الملك، نتمنى أن ما سمعناه يكون خطأ.
نريد "رزان".
قال فرناس: "رزان" قتلت من زمن، وأنتم من حرقتموها أمام أعينهم لإشفاء غليلكم.
لكن لعنتها لم تمت.
جائنا بيان أن هناك من تحمل قدرتها.. لعلها وريثة تلك الساحرة ونحن نطالب بها الآن.
كيف تكون بقصر حضرتكم؟
نريد تلك الساحرة.
أجل لتخرج لنا.
كان واقفاً بهدوء تام.
نظروا إليه وعادوا إلى صمتهم من شموخه الذي محتفظ به.
"رزان" قد ماتت وليس لدي علم بما تقولونه، عودوا لدياركم.. طلبكم هذه المرة ليس هنا.
حين التف صاح صوت أحدهم وهو يقول: هل حضرتكم تحمون تلك اللعنة من أيدينا؟
ارتفعت الأفواه من معرفة ذلك.
لتخرج لنا وننهي أمرها.
لن نذهب بدونها.
لن ندعها في سبيلها هذه المرة.
كان بردله وداغر ينظران إلى هتفاتهم المصره وكأنهم سيتقضوا عليهم لياخذوا ما يريدونه.
كانوا لينل واقفة تشاهد ما يحدث وهي قلقة كثيراً.
تنظر إلى فرناس خوفاً أن يبغي لهم.
هؤلاء شعبه وهم رعيته، يحب أن يحرص على حمايتهم وإلا أن يقذف بهم للموت.
لكن هل هي موت فعلاً؟!
عادوا إلى صمتهم حين رأوه هدوءه وكأنه ينتظر قطع حبال كلامهم.
تقدم قليلاً.
وقال أخيراً: لتختاروا اثنين للدخول.. سيفحصون كل شبر في القصر.
سعدوا.
وقبل أن يخطو أحدهم.
قال مكملاً: وأن لم تجدوا أثر لها، هؤلاء الاثنين سيعدمون في الساحة غداً.
توقفوا في مكانهم بصدمة.
وكل من خطى خطوة متنافسين على الدنو تراجع.
وقد دب في قلوبهم الخوف.
فهم لا يشكون في مثلهم وإنما يريدون قطع ذلك الخوف والتأكد أن لا وجود لها.. يظنون أن ما عرفوه ليس سوى حيلة للإيجار بهم.
لمن ماذا عن من سيدخلون ولن يجدوا أحد.. هل سينقطع رؤوسهم؟!
قال فرناس: أريد قراراً الآن.
لم يتحدث أحد.
لكن هموا بالمغادرة ليعرف قرارهم.
وهو العودة إلى حيث ما جاءوا والانسحاب.
تراجعت لينا.
وأعادت قفل النافذة لتأخذ أنفاسها بارتياح.
فتح الباب.
لتجده قد عاد.
اقترب منها.
ركضت إليه ليرى أعينها بهم طفيف أدمع.
لماذا يريدونني بهذا الإصرار، لكا هم غاضبون مني.. أنا لم أفعل شيئاً لهم صدقني، لقد حركت مرآة وقارورة، هذا كل ما في الأمر، أنا لست "رزان" الذي آذتهم سابقاً.
لا تخافي.
هل انتهى الأمر؟
أتمنى ذلك.
سمعت صوتاً.
تعجبت كثيراً.
فتح الباب ودخل أخوه.
لقد عادوا.
ذهب فرناس إلى النافذة ليرى عودتهم غاضبين أكثر.
أتى بردله.
وقال: مولاي، الشعب يطالب بها بإصرار شديد .. إنهم متأكدون من وجودها هنا وأنك تخبئها منهم.
أخي هذا يشكل خطر عليك بما تفعله.
لينا: إنها هي.. لقد أخبرتهم عني، واثقة أنها صفية.
نظرت إلى فرناس إلى كان يشعر بالضيق.
فقالت: أنا آسفة كثيراً، كل هذا خطأي.
صمتوا وهم ينتظرون رداً منه وصمته ذلك.
تحدث داغر: مولاي، ماذا تنوي أن تفعل؟
هناك عيون حولنا، في كل مكان.. ستصل لمسامعنا وترسل لهم وهي من أحضرتهم.
بردله: هل تمتلك خطة جلالتك؟
نظر إلى لينا.
لم تفهم نظراته.
لكن خافت أن يكون استمع لهم.
هل سيقدمها إليهم بالفعل.
اقترب منها ليقف أمامها ويرى الخوف المحتل في عينيها.
لا تدركين ما سيفعلونه بك إن وجدوك.
لم تفهم هل يضيفها أكثر.
سمعت أصواتهم الذي تتعالى لتنظر إلى النافذة قلقاً.
لكنني لن أدع هذا يحدث.
لم تفهم ما قاله.
البتا: أستطيع أن أحبأك تحت الأرض ولا أحد يعلم أين أنتِ، لكن عالمك آمن عليك من هنا.
عالمي؟!!
تريدين حدثاً لينقلك؟
فجأة قابلته الموقوتة.
وقال: أحبكات.
انصدمت.
قالت بتأكيد: أنا أحبك يا لينا.
انصدم داغر وطالعه بشدة، وبردله وكان لا يفهمها شيء.
قالت لينا: أنت..
صمتت حين شعرت بحرارة تجتاح جسدها ويخف ثقلها فجأة.
لا، ليس الآن.. لم نتفق على هذا.
سأنتظر عودتك.
قال ذلك بهدوء.
واعينهم تباشر أعين الآخر.
سمعت صوت اللحن دب في أذنيها.
تلاشت رؤياها ولم تعد ترى سوى الضباب.
رواية سرداب غوانتام الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور
لينا كانت مستلقية لا تدري بمن حولها، فقط تشعر بأحد يهزها بقوة محثاً إياها على الإيقاظ. بدأت في فتح عينيها تدريجياً لتجد هاجر، والدتها، تزرف دموعاً. قلقت من شكلها ونظرت حولها لتجد أنها قد عادت.
"ماما؟!"
"لينا! انتي رجعتي؟"
"آآآها رجعت."
أدخلتها ل جوف صدرها محتضنة إياها بقوة وهي تبكي شوقاً. اضطربت من ما يحدث لكنها حزينة على بكاء أمها.
"في حاجة حصلت؟"
"كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني."
إنها تبكي من أجلها إذاً، تلك الدموع المنهمرة لعودتها. حيث لاحظت أيضاً ارتداء أمها الأسود برغم حبها للألوان الزاهية. هل ظنوا أنها قد ماتت؟ كم غابت هنا، كم غابت لتكون أمها هكذا؟
تركت لها العنان وهي تبكي، مربتة عليها لتخفف قليلاً من حزنها.
"ماما ممكن تهدّي؟"
فتح الباب بقوة ورأت أباها وحسام وقد أتيا من اتصال هاجر، التي كانت ساجدة أرضاً تدعو ربها بعد انتهاء صلاتها للتو. لكنها بقيت ربع ساعة خصصتها لاستنجاد بربها. وفور سماعها لاصطدام شيء، نبع الصوت من اتجاه الغرفة التي تذهب إليها مؤخراً. إنها غرفة ابنتها. ركضت فوراً. وفور دخولها رأتها واقعة أرضاً، فدمعت عيناها بفرحة لاستقبال دعائها. وأسرعت بإخبار زوجها الذي لم يكن بحال جيد مؤخراً. لقد كان يبحث عن ابنته منذ اختفائها. حيث ملت الشرطة من وجوده في القسم الذي يتردد عليه، وأخبروه أن لا يوجد لها أثر. وإن استمر الوضع ستكون قضية مجهولة.
"إحنا فعلاً بندور عليها بس مفيش أي طرف يوصلنا لحاجة يا أستاذ غسان."
"يعني إيه؟ لازم يكون فيه تحقيق أكتر من كده. دي غايبة من شهر ومفيش حاجة عنها."
"وده اللي إحنا بنتكلم فيه. حتى أصحابها قالوا إنهم مشافوهاش من بعد امتحانات نص السنة."
"يعني؟!"
"الاحتمالات المطروحة على بنت حضرتك مش هتعجبك."
لم يفهم ما يقولونه، لكن نظر الشرطيان لبعضهما وقال:
"ممكن تفهمني بنتي هترجع ولا لأ؟"
"بنعمل اللي في إيدينا. ادعي نلاقيها عايشة."
علم ما هي تلك الاحتمالات جيداً، الذي غشوا التفوه بها أمام حساباً لمشاعره الأبوية. كان يعاني بالفعل من الأرق في عمله الذي أهمله. قلت وجباته لفرط قلقه، مفكراً في حديثه مع الشرطة في نفس النقطة. لم يراها أصدقاؤها ولم تذهب لأي مكان في الليل. لقد اختطفت وهي داخل منزلها. كانوا يدعون هذا إهمالاً منهم، لكن لم يستمع لهراء. فقط قلبه محروق على بنيته الذي لا يعلم أين هي ولا كيف حالتها. قلقاً أن تكون قد... قد قتلت كما وضعت الشرطة احتمالات لذلك.
وذات يوم كان جالساً مع زوجته التي كانت تبكي خوفاً على ابنتها التي لم تعد إلى الآن لمنزلها ولم يراها. حتى جسدها يصعب العثور عليه.
"أمال هما لازمتهم إيه؟ المفروض بيدوروا على بنتي. دي شغلتهم."
"هما بيعملوا كل حاجة يا هاجر."
"مش بيعملوا، وإلا ماكنتش لحد دلوقتي غايبة. أنا معرفش هي عاملة إيه دلوقتي."
أمسكت رأسها من وسواس الشيطان الذي يبث أفكارها المخيفة داخل رأسها. حتى زوجها فشل في تهدئتها. كان الاثنان مهمومين ليقاطعهم خروج حسام من غرفته وألقى بشيء على المنضدة أمامهم. ليجدوا عملات ذهبية غريبة الشكل. نظروا إليه باستغراب.
"دي مش لعبة، دي فلوس البلد اللي لينا قالت لكم إنها بتروحها لما بتختفي."
تعلقّت هاجر عيناها بهم باهتمام وكأنها فكرت في ذلك. نظرت إلى زوجها الذي قال:
"عاوز تقول إيه يا حسام؟"
أخرج ما كان يحمله في يده وكان الكتاب الخاص بها.
"لينا محبوسة هناك."
قال غسان:
"متنطقش كلام هيخلي أمك في حالة أصعب من اللي هي فيه."
"أنا بقول اللي أعرفه يا بابا. لو كنت مش مصدق إنها دلوقتي هناك، فأنت اتمسك بواقعية التفكير وأنها ماتت."
نظرت له والدته بخوف. فغضب أبيه. قال حسام:
"البوليس مش عارف يلاقيها لأنها مش هنا. ولو دورت عليها في البلاد كلها مش هتلاقيها... ولا حتى جثتها زي ما هما بيحققوا. أنا واثق إنها هناك وعايشة. هي وعدتني إن في كل مرة هتروح هترجع لنا بالسلامة... إمتى معرفش، شهر، شهرين أو حتى سنة... المهم إنها هترجع."
ألقى كلامه عليهم ببعض من القلق على شقيقته الذي لم يستطع إخفاءه، لكنه كان مؤمناً بعودتها. اضطر للإيمان كي لا يصبح كأبيه وأمه وينفجر قلبه أنه فقد أخته الوحيدة. بل كان خائفاً أكثر منهم أن تكون قد... تأذت هناك. إنه حاول التخفيف عن والديه، لكنه أكثرهم قلقاً. ذلك العالم أكثر خطراً عليها من عالمهم الذين يكونون حولها وناسها تحميها... لكنها وحيدة هناك. يتأكد عودتها... يؤمن بذلك.
جالسة بين عائلتها المحيطين بها مطمئنين لوجودها بينهم، لكن داخل كل نفس تحمل تساؤلات تتزاحم في عقولهم ولا بأي سؤال يباشرون فيه.
شرفت بشرفة من الشاي الدافئ الذي أعدته والدتها إليها.
"يعني أنا غبت خمس شهور؟"
قال حسام:
"قعدتي هناك أكتر من كده."
نفيت برأسها تعجباً، فهو قال ذلك بتأكيد عن كلامها التي كانت تخبره به.
قالت لينا:
"نفس المدة، خمس شهور عشت هناك."
"إزاي؟"
"هو ده السؤال. بس معنديش إجابة. اللي أعرفه إن الدنيا هناك أسرع من هنا بتلات ليالي. المرة دي التوقيت كان زي هنا."
نظرت إلى النافذة. رأت النهار منشقاً أمام عينيها.
"مع اختلاف تعاقب الليل والنهار. حصل معاكي إيه هناك؟"
صمتت. لم يفهم ذلك الصمت، فهي عادة تعود وتسرد عليه الأحداث الجديدة.
قال غسان:
"ادخلي استريحي دلوقتي ونكمل نقاش بعدين."
ومات له وغادرت جلستهم. وفور أن قفلت الباب على ذاتها، ترصدت عيناها للأمام بذهول. وضعت يداها على صدرها الذي تتسارع نبضاته من آخر حدث قبل عودتها لا يفارق ذهنها.
"أحبك."
تورّدت وجنتيها. جلست بضيق من توقيت عودتها غير المناسب. اعترف بجدية لها حقاً؟... لكن استوقفها شيء آخر. هل كان يقصده تلك الكلمة بحق أم أنه افتعل حدثاً فقط ليعيدها؟... لكن إن كذب، لماذا لتنتقل إن لم يكن حدثاً حقيقياً؟... هل الكذب حدث أيضاً؟
أمسكت رأسها متذكرة تعبيرات وجهه. لا تزال تشعر بلمسته وهو يمسك يدها مطمئناً إياها أنه سيحميها مهما كلف الأمر. ماذا حدث بعدما عادت؟!... بل متى ستعود؟!
رأت تلك الزهرة الملقاة على السرير بجانبها الفستان الذي عادت مرتدية إياه. التقطتها بين كفيها مسحورة بشكلها الجميل النادر... كعينيه الذي تفتن بهما.
وقفت أمام المرآة لتضعها بين خصلات شعرها مستندة على أذنها. تهيأت وكأنها تعيش ذلك الحدث مجدداً بمشاعر فياضة.
فتح الباب وكان حسام الذي دخل.
"كنت عارف إنك مش هتنامي."
قفل الباب عليهما وقال:
"في حاجة لازم تعرفيها. بس قبل أما أقولك... شفت حاجة غريبة أوي من الكتاب لما كنتي هناك."
صمتت حين وجدها لا تصغي إليه وكأنها في عالم آخر، مبحلقة في المرآة. حيث جعله هذا يتعجب منها.
"انتي سامعاني؟"
"قال أحبك."
"بتقولي إيه يا أختي؟"
استيقظت من ما قالته. وجدت أخاها يطالعها بشدة. ابتسمت ابتسامة بلهاء لتوترها.
"مفيش."
"مفيش إيه؟ الكلمة خرمت ودني... هو قالك كده؟"
قالت بتوتر:
"مين قصدك؟"
"مفيش غيره يا لينا."
سكتت. اقترب منها وانتشل الزهرة من شعرها وقال:
"نوعها إيه دي؟"
"هاتها يا حسام."
أعطاها لها لفرط قلقها عليها. وقال:
"والله أنا شكلي لو قابلت الملك ده هقتله."
"محدش يقدر يقتله."
قالت ذلك بثقة. فتعجب منها وقال بتأكيد:
"أنا أقدر."
ابتسمت من الحقيقة التي تعرفها وستضطر لإخفائها، فلقد عاهدت على ذلك وأن كان حتى من أخيها.
انتفضت فجأة من مكانها وركضت. ليقف بقلق:
"مالك؟"
"بتدوري على إيه؟"
لم تتحدث. وبينما هي تفتش هنا وهناك توقفت حين أخرجت ورقة مطوية. لم يعلم ما بها، لكنها من كانت تبحث عنها. فردتها. لتتعلق عيناها تغوص داخلها وتبتسم بهيام. تعجب وتقدم ليلقي نظرة وتعجب من ذلك الشخص المرسوم على الورقة بالفحم. برزت أدق تفاصيله حتى عروق عينيه.
نظر إليها من تعبيراتها الغريبة.
"مين ده؟"
"فرناس."
"الملك... هو ده؟!"
"جميل مش كده؟"
حك شعره بتفكير وقال:
"الصراحة آه. مش متخيل إنه شخص حقيقي زينا."
"أكيد حقيقي، مش كرتون يعني."
نظر إليها مجدداً. نكزها وقال:
"بتتعدلي بحرج."
جلس أمامها وقال:
"أنا عايز أعرف اللي حصل في المدة دي وإنتي عايشة هناك."
لقد أفشت نظراتها الفاضحة عما يدور في قلبها. جلست بجانبه قالت:
"مفيش حاجة يا حسام. قول لي كنت جاي ليه."
"الكتاب."
"ماله؟"
"كنت في مرة صاحي بليل شفت نور في الأوضة بتاعتك. لما دخلت لقيت الكتاب مولع."
رفعت حاجبيها باستغراب. قالت:
"إزاي؟"
"كانت النار محاوطة بيه من كل جانب. حاولت أطفيه معرفتش ولا حتى بالمياه... كانت نار مبتطفيش لا بمياه ولا بهوا. أطفت لوحدها بعد ربع ساعة بالظبط لما شفتها ورجع الكتاب بحالته العادية."
"متحرقش طبعاً."
"أكيد. مش عارفة مصنوع من إيه ده. بس خوفت لما شفت اللي حصل. يكون علامة إنك في خطر أو العالم ده ولع."
"لا أنا كنت بخير... معاد آخر حدث."
"حدث إيه؟"
"مفيش."
"طيب هسيبك مع نفسك تريحي شوية."
ومات له. قام بس وقف وقال:
"أنا شفت الأب بتاعك. قريت فصل الرواية اللي كتبتيها."
نظرت له بشدة. ذهبت لتأخذ الكمبيوتر المحمول وقالت:
"إيه رأيك، حلو؟!"
"منشرتيوش ليه؟"
"مش عارفة دار نشر حلوة أو أتواصل معاهم إزاي."
ابتسم وقال:
"ابعتيه وأنا هتواصلك مع دار كويسة أوي."
نظر لها وأردف بدهشة:
"مش مصدق إنك عشتي كل ده هناك."
عرفت مقصده، فهي تدون مغامراتها منذ وقوعها على تلك الأرض المجهولة.
"بعتهولك، ياريت ينزل قريب."
"دلوقتي لو عايزة... يكفي رجوعك."
ضحكت وقالت:
"يعني مكنتش مستريح مني؟"
"جد."
دفعت الوسادة في وجهه على تخريب تلك اللحظة. فدفعها بقوة أكبر جعلها تقع على السرير بضيق منه. ابتسم عليها وذهب. لكن قبل أن يقفل الباب:
"لينا."
"عااايز إيه؟"
"امتحاناتك الأسبوع الجاي."
اتسعت عيناها والتفت بصدمة:
"إيه؟ امتحانات السنة؟"
"أيوه."
"وأنا هذاكر لها إزاي دي، ثم إني مروحتش يوم واحد في الترم. أكيد اتفصلت."
"مظنش."
تعجب ليقول:
"مفيش جواب جه من الجامعة، بس فيه واحد كان بيسأل عليكي."
"واحد مين؟"
"دكتور معتز."
توقفت عند ذكر اسمه باهتمام. قالت:
"كان عاوز إيه؟"
"سأل عليكي ولما عرف عن محضر الغياب وقف معانا. عرف بابا على ظابط رئيس القسم ومسك المحضر بتاعك. وقف معانا وقالي لو رجعتي أبلغوه."
"وانت قلت له؟"
"لسه. قولت أقولك الأول لأنه كان باين مهتم بيكي. ساعدني المرة اللي فاتت لما كنتي محبوسة في المدرج وساعد بابا."
"غريب مش كده. مكناش بنطيق بعض."
"متقوليش إن ده الدكتور اللي كان بيطردك من محاضراته وكرهتيه السنة بسببها."
ومات له بابتسامة ضيقة. فتفاجأ منها. تنهدت وقالت:
"أعمل إيه في الامتحانات دي، مش هلحق أعمل أي حاجة."
"أجلي السنة مش مشكلة."
كانت ملامحها حزينة من تلك الفكرة. لكن قالت:
"مليش حل غير كده، ده لو متفصلتش أصلاً؟!!"
استلقت على السرير. حزن أخاها ونظر إلى الكتاب الموضوع على المنضدة قال:
"كأنه كان قاصد يخليكي هناك المدة دي كله."
لم تفهم كلامه. خرج وتركها بمفردها في هموم عالمها الآن. تأخيرها تلك المدة جعل الكثير يتغير. فتحت الكمبيوتر وأرسلت فصل القصة لأخيها. وعادت إلى النوم بإرهاق.
في صباح اليوم التالي كانت هاجر أعدت فطوراً شهياً. حيث كانت لينا سعيدة، فقد اشتاقت لطعام أمها. برغم طعام القصر الجميل، لكنها كانت تشعر بدفء وحنان. هنا يكمن فؤادها. الطيبة تجمع هنا بين ناسها.
قال غسان:
"لابسة، راحة فين؟"
"الكلية."
تعجبت منها. فقالت بتوضيح:
"هروح أشوف مكاني هناك، أو عملوا إيه في ملفي."
قال حسام:
"أجي معاكي؟"
"لا مفيش داعي. عملت إيه في الرواية؟"
"بعتلهم وهيتم نشرها."
أومأت بتفهم. وما إن انتهت شكرت والدتها على ذلك الطعام وغادرت. أثناء خروجها من المنزل وجدت رسالة مبعثه لها من الإيميل الخاص بها. ابتسمت حين راتها موافقة الدار وإعلانها بموعد نشرها. إنه خبر مفرح في هذا الصباح. تتمنى أن يكون يوم هادئ لا مملوء بالحوادث.
وصلت إلى الجامعة. رأت نظرات دهشة من البعض. لا شك بأنها لغيابها تلك المدة. تخشى أن تقابل تلك المغرورة يارا وذاك المدلل يوسف فيتعكر صفوها لشهر كامل.
كانت تسير بين الممرات لتقف أمام لائحة المحرومين من دخول الامتحان. متيقنة باسمها عالق من بين هؤلاء وتتمنى عدم حدوث هذا. وبينما تمرر عينيها بين الأسماء رأت اسماً مألوفاً عليها. بل تعرفه جيداً.
انصدمت من تأكد من ذلك الاسم. اللعنة! هو الاسم ذاته: يارا.
قاطعها أحد ينقض عليها من خلفها. وحين نظرت رأتها صديقتها سهيلة. الذي ابتسمت ابتسامة تسع ثغرها وقالت:
"ده انتي فعلاً، لينا!"
عانقتها فبادلتها العناق. قالت:
"متوقعتيش تشوفيني؟"
"بحسبك نقلتي. بس هتنقلي وتحظريني ليه؟ مكنتش بترددي على التليفون ولا الإيميل."
"مقدرش أحظر صديقتي الوحيدة."
ابتسمت ثم قالت:
"انتي بتعملي إيه هنا؟"
"بشوف اسمي بس ملقتهوش. شكلي اتفصلت."
شهقت بقلق وقالت:
"إن شاء الله لأ."
أومأت بقلة حيلة. لكن ألقت نظرة مجدداً على تلك اللائحة وقالت:
"سهيلة، هو الأسماء دي صح ولا أنا شايفه غلط؟"
"قصدك يارا؟"
"معقول بنت عميد الجامعة محرومة من دخول الامتحان؟"
"وياراسبة كمان."
تفاجأت بشدة وقالت:
"مش فاهمة."
"يارا معدتش من امتحانات الترم، سقطت."
"مستحيل، إزاي ده حصل؟"
ابتسمت وقالت:
"حصل حاجات كتير أوي. اتفضحت هي وشلتها."
"وضحيني."
أخرجت هاتفها لتريها شيئاً جعلها تنصدم لرؤية مقطع عنها وهي تمارس التنمر في دورة المياه على أحد الطالبات.
قالت لينا:
"مين اللي نزله؟"
قالت سهيلة:
"معرفش بس باين شخص من الجامعة، وشجاع أوي. كل الطالبات انتقدوه. وجه بيان للعميد لما الفيديو انتشر وفصلوها الترم ده."
"هو ده السبب إنها تتمنع من الامتحان؟"
"مش هي بس يا لينا. انتي متعرفيش اللي حصل ليوسف."
"ماله ده كمان؟"
ضحكت من جهلها وقالت:
"انطرد."
"اتصدمت وهي تناظر ضحكاتها."
"انطرد إزاي؟ يوسف نفسه ابن وزير التعليم العالي."
"مصدومة مش كده؟ كلنا مصدقناش الخبر. الشلة اتفكت."
"عمل إيه عشان يطرد؟"
"معرفش. إحنا شفناه وهو بيستلم ملفه ومشي بدون رجوع."
كانت واقفة في مكانها بذهول. نظر إلى اللائحة.
"هبعدهم عن طريقك في المقابل تحكيلي عن العالم ده."
معتز
رواية سرداب غوانتام الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور
معقول بنت عميد الجامعة محرومة من دخول الامتحان؟ وراسبة كمان؟
تفاجأت بشدة وقالت: مش فاهمة.
"يارا" معدتش من امتحانات الترم، سقطت؟ مستحيل، إزاي ده حصل؟
ابتسمت وقالت: حصل حاجات كتير أوي، اتفضحوا هي وشلتها.
وضحت أخرجت هاتفها لِتُريها شيئاً جعلها تنصدم لرؤية مقطع عنها وهي تمارس التنمر في دورة المياه على إحدى الطالبات.
قالت "لينا": مين اللي نزله؟
قالت "سهيلة": معرفش، بس باين شخص من الجامعة، وشجاع أوي.
كل الطالبات انتقدوه، وجه بيان للعميد لما الفيديو انتشر وفصلوها شهر.
هو ده السبب أنها تتمنع من الامتحان؟
مش هي بس يا "لينا"، انتي متعرفيش إيه اللي حصل لـ "يوسف".
ماله ده كمان؟
ضحكت من جهلها وقالت: اطرد.
تصدمت وهي تناظر ضحكاتها، قالت: اطرد إزاي؟ "يوسف" نفسه ابن وزير التعليم العالي. مصدومة مش كده. كلنا مصدقناش الخبر. الشلة اتفكت.
عمل إيه عشان يطرد؟
معرفش، إحنا شفناه وهو بيستلم ملفه ومشي بدون رجوع.
كانت واقفة في مكانها بذهول.
نظر إلى اللائحة.
"هبعدهم عن طريقك في المقابل تحكيلي عن العالم ده".
معتز: إيه؟!
ذهبت من أمامها.
التفت باستغراب وقالت: "لينا" رايحة فين؟
لم ترد عليها بل ركضت. وتعجب الجميع من هرولتها.
وصلت إلى المكتب وحين دخلت لم تجد أحداً بالداخل.
"الدكتور مش هنا".
قالها أحد الموظفين.
قالت: هو فين؟
مجاش النهارده.
صمتت قليلاً ثم نظرت له وقالت: ممكن عنوانه؟
كانت جالسة في سيارة الأجرة تلقي نظرة على هاتفها والعنوان الموضح أمامها.
بعد نقاش مع الموظف.
"عارفة إن ده غير قانوني".
صمتت بخيبة.
شهرته وكانت ستغادر لولا أنه بارد بسؤاله: انتي "لينا"؟
آه، حضرتك عارفني؟
لا، الدكتور قالي لو بنت فرقة تانية جت سألت عليه أديلها. اسمها "لينا غسان".
شاردة العقل أثناء طريقها، تفكر في تلك التغيرات التي حدثت في غيابها، بل كوارث قد حدث لم تتخيلها. فات عليها الكثير هنا ويجب أن تفهم حول ما فاتها.
توقفت السيارة. أعطت السائق أجرته وترجلت حاملة حقيبتها.
رت نفسها أمام منزل يبدو قديم الطراز، لكنه ليس مهترئاً بل راقياً.
أقامت مكالمة وهي ترفع هاتفها عند أذنيها. ولم يمر الكثير لتجده يرد.
"دكتور معتز".
صمت قليلاً. تعجبت حين لم تجد رداً. حيث شككت في الشبكة وقالت: الو.. حضرتك سمعني؟
"رجعتي".
أنهى الاتصال. تعجبت كثيراً ونظرت إلى الهاتف: قفل في وشي.
شعرت بالحرج والغيظ التي تكتمه منه. وكأنما يتعمد ذلك الشخص إغضابها.
فتح الباب لتجده يطل بوجهه ويراها أخيراً. وكأنما فور معرفة وجودها هنا أسرع إليها لعدم ضياع وقت آخر. لم يقفل الخط عبثاً. أنه لم يتأخر عليها حتى في تبديل ترينجه الرياضي ذاك.
اقترب منها ووقف أمامها ينظر إليها بأعين غير مصدقة رؤيتها أمامه. وقد شعرت "لينا" بالغرابة منه.
قالت: أتمنى أكون مجتش في وقت مش مناسب. أنا سألت عليك في الجامعة وموظف هو اللي اداني عنوانك لما عرف أنا مين.
طبعاً لم يرد عليها وكأنه غير مستمع لما تقوله. تعجبت.
قالت: دكتور.
"كنت خايف... مشوفكيش تاني".
أسكتتها جملته ونظرت له ليقول مردفاً بابتسامة: فرحان إنك رجعتي.
تلك النبرة الغريبة هزت قلبها، بل خُيل لها أنها قد رأت بريق دمع في عينيه جعلها في رغبة من أمره.
خفض رأسه قليلاً ثم رفعه مع ابتسامة وقال: ادخلي.
التفت. أوقف. وقالت: خلينا نتكلم هنا.
فهم مقصدها وقال: هنقعد في الجنينة، مش هنقف على الباب كده كتير. كلامنا شكله هيطول.
صمت. أشار لها لتدخل وسبقها هو مخبراً إياها بقفل الباب لعدم تسلل القطط.
جالسة في الحديقة بمفردها. كانت صغيرة لكن الهواء فيها شديد. لشعة الشمس محجوبة وهالة من البرد تملأ المكان. يبدو جافاً وكأنما لا توجد حياة هنا. لا روح في هذا المنزل. هكذا حللت شعورها تجاه المنزل.
قاطعها حينما أتى حاملاً كوبين من القهوة ليعطيها واحداً.
أخذته شاكرة. جلس على الكرسي الآخر.
تلفتت إليه وقالت: انت اللي عملت كده؟
نظر لها فقالت بتوضيح: انت السبب في رسوب "يارا" والفيديو اللي انتشر عليها. و"يوسف"... انت السبب في طرده بردوا.
لقيتي عرفتي كل ده وإنتي لسه راجعة؟
يعني انت؟
آه.
انصدمت وتبدلت نظراتها له بذهول. وقالت: إزاي عملت كده؟ أنا كنت قلقانة ترتكب غباوة لأنك مش قدكم وتتورط بسببى.
الموضوع مكنش صعب أوي كده.
إزاي مستسهلة؟ لو العميد عرف إنك السبب أو حد فتن عليك هتتفصل وأكيد هيأذوك.
ابتسم. تعجبت من تلك الابتسامة. لكنه قال: لو قولتلك إن العميد هو اللي طرد "يوسف" ومضى على فصل "يارا" ورسوبها السنة دي.... هتعملي إيه؟
قال آخر جملة وهو ينظر إليها فقالت: مش هصدق طبعاً.
ده اللي حصل.
انت عملت إيه؟ يعني العميد عارف وسايبك؟
ميقدرش يتكلم لأني ماسكه من إيده اللي بتوجعه.
هددته؟!.. أيوه بس هددته بإيه عشان يطاوعك في ده كله؟
صمت متذكراً حينما كان في منزله. اتصلوا به يستعدون لأمر طارئ وحضوره في الصباح الباكر عند مكتب العميد. لم يكن ليقلق بل كان بارداً وكأنه يعرف سبب ذلك الاستدعاء جيداً. حيث حضر في التوقيت الذي يناسبه هو. وفور رؤية ذلك الرجل الذي جالس على كرسي داخل مكتب العميد، كان متهجماً الوجه. وفور رؤيته له ضاقت ملامحه.
قال "معتز": حضرتك طلبتني.
إيه اللي انت عملته ده يا دكتور؟
عملت إيه يضايقك كده؟
يعني منتاش عارف.
الصراحة لا. ممكن تقول لي غلطي عشان أشرحه.
غلطك كبير وملوش أسباب يا دكتور.
ألقى ملفاً على المنضدة وأكمل بغضب: اسم بنتي من الساقطين ليه؟
التقط "معتز" الملف وقد برز اسمها أول رقم. قال: بس أنا حاططها الأولى زي ما حضرتك بتحب.
نظر له بشدة وضرب المكتب بغضب: انت بتهزر معايااا؟ بنتي أنا تسقط في مادتك؟
آه.
نظر له بشدة صاح في وجهه: لا ده انت اتجننت. ده أنا أنهي مسيرتك في لحظة يا "معتز".
نظر له بازدراء وأردف: ولا بحوثك اللي بتتعب فيها وندواتك العلمية تنفعك. أنا أشاور بس بأمر فصلك ومتلاقيش وظيفة محترمة زي اللي انت فيها. شكلك نسيت نفسك وأنا هباشر وأعرفهالك.
كان صامتاً ليقول بهدوء: مش مستاهلة التهديدات دي كلها حضرت العميد، لأنكم مش هتعملوا حاجة منهم.
برزت عروقه الغاضبة وقبل أن يصيح في وجهه مجدداً قال: أنا قادر أنهيك مهنياً وحياتك الشخصية. عشان كده متهددنيش تاني.
انت بتقول إيه يلا؟ تنهيني أنااا؟
زوجتك عاملة إيه؟
تعجب منه. استنكر "معتز" بخيبة وقال: آه معلش نسيت أوضح. الأولى. ولا التانية.
هزال تكشيرة وجهه ليستعيد غضبه وقال: أنا متجوز واحدة وهي زوجتي أم أولادي وإياك تجيب سيرتها على لسانك. طبيعي متعرفش بجوازتك التانية لأنها عرفي. بس حتى العرفي اسمه جواز. ولا إيه يا أستاذ عماد؟
تقدم منه حينما لم يجده رداً بكلمة واحدة وقال: واثق إن زوجتك متعرفش. بل الكل ميعرفش بجوازك من بنت قد بنتك.
انت بتعرف تقول إيه؟
معايا صور لخروجاتكم سوى. وانتوا في الأوتيل اللي حاجز أوضة فيه باسمك بتروحه في إجازتك ترفه عن نفسك.
بدأ يظهر تسربات العرق على وجهه: تخيل لو مراتك عرفت هتسكت ولا هتسحب المكانة اللي انت فيها بسببها. هتتخذل فيك أوي.
أنا معملتش حاجة حرام. أنا اتجوزت وده حقي.
أيوة أكيد حقك وتتجوز أربعة كمان. أنا مش جاي أخرب بيتك أو أناقش مشاكلك العائلية. أنا مستحيل أفضح واحد ربنا ستره، إلا لو هو عاوزني أعمل كده.
انت عاوز إيه؟
"يارا".
عملت لك إيه؟ مش فاهم سبب اللي بتعمله ده إيه.
عايز أبعدها عن طريق حد يهمني.
أ..أنا أوعدك إنها مش هتعمل حاجة. قول لي اسم الشخص ده وأنا ههتم بيه بنفسي.
لا، متنازل عن خدماتك.
قرب منه وأردف: دي أفضل طريقة تبعد بيها.
هي إيه؟
تعيد السنة.
نظر إليه بصدمة قال: حتى لو اجتازت امتحانك صح كله.
صدقني لو ده حصل مستحيل أظلمها وأسقطها عمداً. بس ده لو عرفت تدخل الامتحان.
حاق أعينه فيه بريبة. اعتدل ليبتعد عنه وقال: سرك في بير يا أستاذ "عماد". لسه متقفش في وشي أو تفكر تأذيني. مش أنا اللي هعمل... مراتك.
جمع قبضته بغضب حيث رأى "معتز" غضبه وكأنه سينقض عليه. التفت ليغادر لكنه توقف وقال: أيوه، "يوسف بدران".
نظر له حين ذكر ذلك الاسم ليقول: افصله.
وقف بصدمة وقال: انت بتقول إيه؟ اتجننت رسمي؟
عارف اللي بقولهولك كويس.
انت عارف ده يبقى ابن مين؟ لو كنت خايف مراتي تعرف من جوازي أو العالم ومهنتي تتضرر، فا ده أبوه قادر يعمل كل ده في لحظة.
متخافش على نفسك، مش هقبل تتضرر.
تعجب منه لكن صدر صوت من هاتفه. قال "معتز": افتح الرسالة.
نظر له ليعلم أنها منه. وحين فتح انصدم من تلك الصور التي أمامه ويبرز وجهه "يوسف" بوضوح. قال وقد أصابته صدمة: جبت صور زي دي منين؟
من "night club" اللي بيتردد عليه في الفترة الأخيرة.
نظر له وقد بدا القلق على وجهه من تهوره لالتقاط صور كهذه. فهل يحمل له منها؟
قال: اعمل إيه بيهم؟
خليه يسحب ملف من هنا فوراً بعد أما يشوف عينه من الصور.
لو معملش كده.
متقلقش مستحيل يضحي بمكانته عشان ابنه. عرفه بس إن الصور هتترفع. الحكومة مش هتسمح لشخص ابنه في وضع زي ده يمسك تعليم أجيال. أما بنسبة لـ "يوسف" مش هينزل امتحانات أخرى هينزل قرار بطرده ومفيش جامعة هتقبل بيه.
ومعملتش ده كله ليه من الأول؟
مش عايز أذي حد لدرجة دي.
رفع عينيه بجدية وأردف: بس لو اضطريت. هعمل أي حاجة عشان هدفي.
ظهر القلق على وجه العميد. قال "معتز": مش عايزك تتفاجأ لو شفت حاجات ضايقتك.
حاجة إيه؟
هتعرفها، بعدين.
اعتدل واردف: حضرتك عايز مني حاجة تاني؟
لم يرد عليها وكأنه قد فقد النطق. أوما له وقال: عن إذن حضرتك.
التفت معطياً ظهره له وخرج تاركاً إياه في ذهوله. وقال: يخربيتك.
جلس على كرسيه واضعاً رأسه بين يديه والقى هاتفه جانباً يفكر بما كلفه به.
كنت تقصد فيديو "يارا" لما قولت له ميتفاجأش وإني مش هسقطها ظلم بس هي نفسها مش هتحضر الامتحان. بس إزاي كتب لها فصل؟
اتباعث له أمر من الوزارة بفصلها. أولياء الأمور والطالبات انتقدوه ولو مكنش خد إجراء كانوا اتحولوا لتحقيق.
و"يوسف"؟
ماله؟
إيه نوع الصور اللي مسكتها عليه؟ ممكن أشوفها.
مظنش فكرة كويسة.
ليه؟! عايزة أفهم إيه اللي خلى العميد يتصمد كده.
صمت قليلاً. لم تفهم مغزى صمته وكأنه متردد في إخبارها.
علاقة مع واحدة.
سعلت القهوة التي كانت في حلقها ولم تبتلعها بعد. نظر إليها وهي تستعيد رباط جأشها. قال: انتي كويسة؟
آه تمام.
قبضت على الفنجان بحرج لتعمدها في معرفة كل شيء. قالت: عشان كده منزلتهاش زي فيديو "يارا". كانت هتبقى فضيحة لوالده.
لو كان عنّت كنت نشرتها أنا بس كنت بحاول أسهل الأمور. مفيش حد لدرجة دي. أهلهم مالهمش دعوة.
ساد الصمت بضع لحظات لتقول "لينا": بس أنا ضيعت اللي انت عملته.
تعجب لتقول موضحة: أنا زيها. محضرتش محاضرات وخسرت أعمال الميد وملهاش اسمي من المحرومين من الامتحان. يعني ممكن اتفصلت نهائياً.
ملقيتيش اسمك عشان تقدري تمتحني زي أي طالب.
اندهشت وقالت: إزاي؟ بقولك محضرتش خالص وانت عارف نظام الكلية. معنديش حتى نسبة نجاح. إلا بقا لو كان في حد حضرني ومكنش ده حصل لأن مفيش حد يعمل كدة. واصلاً علاقاتي محدودة.
لم تجد رداً منه لتنظر له من صمته وقد تبدلت ملامحها إلى ذهول. قالت: انت عملت كده.
صمت. لكن صمته تلك المرة أكد لها على كلامها. لفرط صدمتها ظلت مبحلقة فيه قليلاً. اقتربت منه ناظرة في عينيه. قالت: ده غير قانوني. انت عملت كده بجد، لييه؟
كنت مضطر.
مكنش ده من ضمن اتفاقنا!!
خرجت برا الإطار شوية.
لو مكنتش جيت؟! لو كنت اتأخرت وكانت الامتحانات عدت وأنا مجتش.
كنت هتحمل المسؤولية.
سكتت ثم انتفضت سائلة: وباقي الدكاترة؟ مادتهم؟
متحضرة يا "لينا".
قال ذلك مقاطعاً إياها وأردف موضحاً: استخدمت علاقاتي واتصرفت. المهم تجهزي لامتحاناتك. متتوقعيش أسرب لك امتحان واحد.
ضاقت ملامحها وقالت: مكنتش هطلب منك حاجة زي دي.
اقتربت منه مجدداً وقالت: لو العميد عرف، عارف إنه هيمسكها عليك.
لم يرد. تعجبت وقالت: مش خايف؟
من إيه؟
يأذوك، بتقف قدام شخصيات أكبر منك وعارف إن غلط. لو كنت مهتم تعرف لدرجة دي عن العالم التاني كنت قولتلك. لو حصل لك حاجة هيبقى أنا السبب.
انتي قلقانة علي؟!
صمتت ثم قالت: حسيت إني استغليتك.
عامل حسابي متقلقيش.
هتهددهم بحاجة تانية. ثم انت جبت الحاجات دي منين. صور "يوسف" و"يارا"؟
راقبتهم.
والعميد؟ راقبته بردو وهددته بجوازه.
عشان تحاوطي نفسك لازم يكون في إيدك ثغرة للناس اللي حواليكي. كنت زيك يا "لينا". بعض الطلاب كانوا بيضايقوني وأوقات فئة من الدكاترة.
اتعرضت للتنمر.
أومأ لها وقال: ما الواحد يشوف نفسه ملاك وزواجه شخص تاني بعيوبه، اعرفي إن اللي قدامك مشوه. بإيدك تمسكيهم وتخليهم مجرد نكرة حواليكي، بل خايفين منك.
تنهد وقال مسترسلاً: لازم تعرفي تديري أمورك لأن الحياة مش سهلة.
حين التفت إليها رأها مبحلقة فيه بنظرات تملأها الدهشة. قالت: كنت صح لما قولت عليك خطر. كويس إني موفقتش في وشك.
ضحك. نظرت له بريبة ثم ابتسمت. قالت: مفيش حد هنا معاك، انت عايش في البيت ده كله لوحدك؟
آه.
أهلك؟
اتوفوا في حادثة وأنا عندي ست سنين.
انصدمت "لينا" ونظرت له بشدة فتبدلت معالمها لحزن شديد. وقالت: أنا آسفة.
محصلش حاجة.
طالعت قليلاً وقالت: مين اللي رعاك؟ متقولش إنك وحيد.
كان عندي أخت، أكبر مني بـ 15 سنة.
هي فين؟!
لم يتحدث. لكن عند تلك النقطة وقد اشتدت معالمه. سكتت كي لا تزعجه. حمحمت وقالت: ممكن أروح الحمام.
أكيد.
تركت الفنجان واستأذن للذهاب. قلل أن يكمل كلامه، لكن عينه ظلت معلقة عليها حتى بعدما اختفت من أمام ناظريه.
وقفت عند الحوض الذي كان صنبوره يباشر في سقوط المياه: ليه سألته عن أهله؟! معقول أخته تكون اتوفت هي كمان.
ارتطمت المياه بوجهها وهي تغسله. تنهدت وقالت: قولت كلام مينفعش أقوله.
جففت وجهها بعدما انتهت، وخرجت ألقت نظرة قليلاً على ذلك المنزل من الداخل. استحضرت صورة لذات موضعها كأن بأغراض مختلفة وتصميم آخر.
انتفضت عائدة للخلف لتشعر بألم قوي يصيب رأسها. تكيأت على السفرة لتعود عيناها إلى سابق عهدها وترى ما هو حقيقي أمامها الآن.
"لينا".
كان "معتز" الذي قد دخل بعدما تأخرت وظن أنها قد أضاعت طريق الباب. قال: إنني كويسة.
لا.
أزاح الكرسي لتجلس عليه. أعطاها كوب ماء لتشرب منه. قالت: شكراً، لازم أروح.
قالت ذلك وهي تقف باحثة عن حقيبتها. أعطاها إياها. شكرته لتستأذن بالمغادرة. لكنه أوقفها وقال: عرفتي مكان الحمام إزاي؟
صمتت عند ذلك السؤال. نظرت حولها قليلاً ثم رفعت كتفيها وقالت: دورت عليها.
أومأ لها بتفهم. غادرت المكان واستقلت سيارة أجرة لتعيدها للمنزل. حائرة طوال طريقها. لم يزيدها مقابلته إلا حيرة فوق حياتها التي أصبح كتلال القمامة فوق كاهلها. "معتز".. إنه غريب بشدة. إنه شبيه لغرابة "فرناس" لكن ذاك في موطنها.
كانت "هاجر" تكاتف "لينا" عبر الهاتف وهي قلقة وكأن أي مخاوف من فقدان ابنتها مجدداً. وباتت تريد رؤيتها أمام عينيها في كل ساعة ودقيقة. كان زوجها عاد من عمله للتو. قال: مقلتلكيش هتروح في حتة بعد الجامعة؟
لا، وده اللي قلقني.
قاطعهم رنين جرس متواصل. فتحت سريعاً وكانت "لينا" التي عانقتها بسعادة. تعجبت منها لكن ابتسمت. وقالت: إيه اللي مرجعك مبسوطة كده؟
أكيد لازم أتبسط بعد أما عرفت إن دراستي متضررتش.
شارك "غسان" ما في يده وقال: إزاي؟
سكتت قليلاً ثم قالت: دكتور "معتز" ساعدني. قالي إني لازم امتحن زي أي طالب وإني مش ممنوعة من الدخول.
سعدت "هاجر" وقالت: بجد، الحمد لله.
عشان كده طلب مني أجيبه تقرير بمحضر تغيب.
توقفت "لينا" عند سماع ذلك من والدها الذي كان يستنتج ما حدث. قالت: هو طلب منك كدة؟
أجاباً: أيوه.
قالت "هاجر": كتر خيره، إنسان كويس.
قال "غسان": فعلاً، اشكريه جداً يا "لينا" بنيابة عني.
قالت "لينا": حاضر يا بابا.
دخلت غرفتها سمعت صوت هاتف. ألقت نظرة وجدت صور مرسلة من أخيها. واقفاً أمام آلة طباعة ويقول: بشرف على جودة كتابك.
ابتسمت وشعرت بالحماس. وقالت: هيطلع أحسن من تخيلاتي.
مش المفروض تعملي دعاية عليه، عشان لو ملقتيش إقبال متنسيش بخيبة أمل؟
الكتاب ترفيهي. ثم انت عارف إني مبعرفش أروج لحاجة.
اللي تشوفيه. مبعتتيش شكل الغلاف لي، فيه مصممين خاصين بالدار. تقدري تكلميهم وتوصفيلهم كتابك.
سكتت قليلاً لكن قالت: عارفة الغلاف هيكون عن إيه.
بعث له صورة كانت تدخرها في مساحة خاصة.
قال "حسام": متأكدة إن ده هيكون الغلاف؟
آه.
طيب، هكلمك بعدين.
أغلق مكالمته معها ليقول شخص بجانبه: الكاتبة قررت إيه؟
ابتسم وقال: بعتلك الغلاف ناقص ديجيتال للألوان كويس.
متقلقش سيبها عليا.
متشكر يا "مروان".
على إيه؟ أنا بس كنت وسيط ليك في مكان شغلي. المهم "لينا" لما تشتهر متنسناش.
ضحك وقال: هتنسا أخوها شخصاً؟ أختي وأنا عارفها.
صافحه مبادلاً إياه الضحكات ثم غادر.
مر يومان قد أخذتهم "لينا" نومها متواصلين لشدة إرهاقها التي باتت تشعر بها مؤخراً. كانت تتثاءب أثناء تقلبها. كادت أن تقع لولا إمساك الكمود الذي بجانبها.
فتح الباب وكانت والدتها التي قالت: كفاية نوم وقومي عشان تفطري.
حااااضر.
تنهد بعدما أعاد إقفال الباب.
"سأنتظر عودتك".
ترددت هذه الجملة في أذنيها وتركت آخر مقابلة مع "فرناس". متى ستعود؟ تتمنى بعد امتحاناتها. لكنها في الحقيقة. تنتظر ودادته وبفارغ الصبر. مهلاً. امتحاناتها؟!!!
انتفضت من مكانها حين نسيت أنها يجب أن تلملم منهاج دراستها. استقبلت رسالة في صباحها وكانت من دار النشر: تمت الطباعة.
سعدت، ظنت أن الأمر سيستغرق أكثر من هذا لكن يبدو أنها أخطأت. من سيكون أول قارئ؟ هل ستنال إعجاب القراء؟ هل سيتردد عليها الناس؟ أسئلة كثيرة. لكن. دراستها أهم الآن.
في الليل كانت جالسة على مكتبها تدرس ساهرة بين أضواء خافتة. قد أعارتها "سهيلة" بعضاً من مستلزماتها لتدرس. لكنها كانت كثيرة جداً على أيامها القليلة.
قد أصابها الملل والضيق من صعوبة فهمها وعدم استطاعتها لتطبيق الحل. في ذلك الوقت وجدت عدة رسائل أرسلت لها في ذات اللحظة. ألقت نظرة سريعة بتعجب. وكانت ملخصات دونت بخط كمبيوتر. من المرسل؟ "معتز".
تفاجأت بل تعجبت كثيراً منه وعلى هذا التوقيت. وكأنه يراقبها. ترددت في الاتصال به. لكن هاتفته. وفور أن رد عليها قالت سائلة: إيه اللي بعته ده؟
بتهيألي مش هتلحقي تذاكري من الكتب. الملخصات دي من دكتور المادة. هتنفعك.
هو. ومبيهيألكش. لا ده أكيد. وصلت لمرحلة اليأس قبل أما أشوف رسايلك.
ابدئي فيهم.
حاضر، شكراً تاني.
العفو.
أنهى مكالمته معها وكان واقفاً في حديقة منزله. ابتسم بهدوء لتذكر شكرها. كان فاتح محفظته على صورة مدثرة جيداً، بارزة أمامه ويبدو عليها القدم.
أعاد قفلها ليدخل إلى منزله. لكن توقف حين رأى ظلاً خلف الباب. تقدم منه بهدوء تام وهو يراه مؤكداً عينيه بوجود أحد. أمسك المقبض وسرعان ما فتح الباب. لكن تفاجأ حين لم يجد أحد.
خرج ركضاً في الشارع يلتفت يميناً ويساراً. لكن لم يكن هناك أحد. الشارع خالٍ في توقيت كهذا. لقد كان يتوهم. توهم للمرة المليون بوجود أحد معه.
أشرقت الشمس وأصابت أشعتها عينيها النائمة. قاطعت نومتها. لقد غفت على نفسها كما توقعت. اعتدلت وقد ألمها ظهرها: بقيتي تنامي على صورته ولا إيه؟
التفت بدهشة لسماع صوت "حسام" معها في الغرفة. كان جالساً على السرير يتأمل رسمتها. نظرت إلى يديها الخالية علمت أنه انتشلها منها وهي نائمة.
أخذتها منه. لكنه أبعدها عن متناول يديها وقال: علمتك تاخدى حاجة من إيدي؟ بتبعدها كده لى؟ قدر اتقطعت.
معكيش رسمة ليه غيرها يا "لينو"؟ ولا إيه؟
هات يا "حسام".
اقتربت لتأخذها. أبعدها مجدداً وهو ينظر إلى ملامحه ويقارنها به. قال: مش حلو أنا أحلى.
انت صح. هاتها بقا.
ابتسم ونظر لها بطرف عينيه. قال: هدهالك عشان معاندتنيش وده مش عادتك يعني. بس هعديها. خدي.
أخذتها منه لتضعها بحرص بين أغراضه.
تنهد منها وقال: والله ما عارف إيه الحكاية بالظبط.
زقته وقالت: يلا مش هتروح شغلك؟
لا قاعد لك.
شعرت بالغيظ منه. لكن أعطته هاتفها وقالت: فيه ملخصات اطبعهالي. انت عارف عيني بتوجعني من القراءة على التليفون.
انت واخداني مصلحة.
أها.
أخذ الهاتف بضيق. وقبل أن يذهب قال: انتي لي مكتبتيش اسمك زي الكاتبين عشان تشتهري؟ حتى شخصيتك اللي بترسميها مبظهريش فيها. شكلك زي باقي رسوماتك. عاملة الرواية بضمير أنا.
أكيد يعني مش هظهره. أما عن الاسم فأنا مهتمتش بإني أكتبه.
لي؟ خايفه حد يعرف عنك ولا عشان تبقي غامضة؟
حسيت إن لما أخفيه هيبقى أحسن. ويلا أمشي عايزة أقعد لوحدي.
لم يرد عليها. لكن نكزها في عقلها وغادر. حكت رأسها بضيق. ثم عادت إلى جلستها. أخرجت الرسمة بابتسامة خفية. فتحت الدرج وخرجت الكمبيوتر المحمول المنتصف فيه قلبها الإلكتروني. لديها وقت فراغ قليلاً. لترسم بقية الأحداث الأخيرة كي لا تتكاسل حين تتردد عليها طلب الفصل الجديد.
وقبل أن تبدأ في الصدق قلبها على الشاشة توقف في الهواء. الفصل الجديد؟ لم يعلمها أحد بذلك. لم تجد رداً بعد على الفصل الذي تم نشره. تنتظر رسالة من الدار الأخرى بأول مشترٍ. لكن لم يحدث.
قال "حسام" وهم يأكلون على الفطور: متبقيش مستعجلة، لسا بتتعرف.
لقد فهم تصرفاتها وإلقاء نظراتها على هاتفها من حين لآخر. إنها بالفعل مستعجلة. أم أنها تخشى مواجهة أفكارها السلبية؟
قالت لها جدتها ذات يوم: اتأملي خير، الخير دايماً بيتبع صاحبه.
كانت تثق في كلامها دوماً. وكأنما تسير على خطى وصاياها. لكن هذه المرة لم تصدق جدتها. لقد أعطتها معلومة خاطئة. لم تجد تفاعلاً. لم تجد أكل بالأمر. لم يتردد أحد على قصتها ولم تسمع أنها نالت إعجاب أحد. لم يقرأها سوى أخيها. وهي. والديها لا يعرفون عن الأمر. وكان من الجيد حتى لا تشعر بالسخرية.
تقف بين الكمبيوتر المحمول. أقفلته وأعاده إلى مكانه المعتاد لعدم كتابة أي جزء آخر. نالها الإحباط وأخبرت ذاتها لعلها كانت فكرة سيئة. يكيلون الناء إلى الواقعية. ما تعيشه هو خيال يجتمع مع الواقع. لن يقتنع أحد بذلك. لهذا كتبت على الرواية أنها من وحي الخيال.
ظلت تذاكر وتسهر في لياليها. تنظر من وقت لآخر على الكتاب مستغربة من هدوئه. لكن تطلب منه كل ليلة ألا يعيدها إلا بعد انتهاء الإختبارات. تحاكيه وكأنه صديقها بحق.
كانت "هاجر" تستيقظ في الليل لشرب بعض الماء فتسمع كلام ابنتها الغريب وكأنها تتحدث مع أحد. وحين دخلت عليها لم تجد سواها في الغرفة. فتركتها لتكمل مذاكرتها. تتعجب منها وتخشى أن تكون ابنتها قد فقدت عقلها.
حين عادت أمام باب الجامعة كانت واقفة تراجع إجابتها بقلق. لقد انتهى الاختبار الأول وتخشي أنها لم تجل ما يجعلها تنتقل للمرحلة الأخرى.
"لينا".
كانت "سهيلة" تناديها بابتسامة. اقتربت منها قالت: الامتحان كان عامل إيه؟
لم ترد عليها. تعجبت. قالت: بتحسبي إيه؟
حين انتهت أخذت أنفاسها ثم ابتسمت. وقالت: الحمد لله أول واحد عدى على خير.
ضحكت وقالت: طب كويس، تعالي ناكل حاجة.
لا مش فاضية لازم أرجع أذاكر للمادة التانية.
ورانا وقت.
انتي مش أنا.
ذهبت. لكن توقفت قدماها حين رأت العجوز عاقداً ذراعيه في نهاية الممر يتابعها. إنه هو. لقد أتى أخيراً.
ذهبت له سريعاً. وقبل أن يلتفت قالت: مش هتمشي دلوقتي أكيد. ولا أقولك متختفيش.
عايزة إيه؟
تعجبت من طريقة حديثه. قال: هو فيه حاجة؟
قال ساخراً: حاجة واحدة في كتير. قولي عايزة إيه.
كنت عارفة إنه مش إنسان زينا صح؟
صمتت. إذا صحيح كلامها وأيد بصمته. كانت تثق بمعرفته وإلا لم تكن لتمشي عن سر "فرناس" كما وعدته.
المهم تكوني انتي عرفتي هو مين.
عرفت مش فارقة معايا.
بعد أما قالك إنه بيحبك.
سكتت. نظر إليها وقال: صدقتيه؟
هو مبيكدبش.
دي حقيقة مش هنكرها. جاي أفكرك تاني عشان العهد اللي بيناتنا.
تعجبت منه وعن أي عهد يتحدث.
اللي بيحصل ده غلط يا لينا، إنتي قولتي وأنتي بردو اللي هتتحملي ده في الآخر.
قصدك إيه؟!.. ليه محسسني إني في خطر؟
العالم اللي بتروحيه عيشتي فيه الخوف مش كده. ده نقطة من عالم تاني. الجحيم بنفسه.
ظهر الخوف عليها متأثرة بكلامه. وقالت: عايز تقول إيه؟ لو كان على حقيقته، مظنش إنه يخوف لده. دي. خلاص عرفت اختلافه عني ومش خايفة.
ابتسم وقال: مكنتش أقصد نسلكم. اختلافه عنك أعمق من كده بكتير.
وقبل أن تتحدث قال: قولي عايزاني في إيه.
"رزان".
توقفت ملامحه من جديد لذكر اسمها. فقالت: عايزة تفسير عليها، وحقيقتها بالظبط.
"رزان" كانت زيك يا "لينا". من عالم.
انصدمت وبحلقت فيه بشدة: اتنقلت "غوانتام" لكتاب زيك بس طريقها مختلف عنك. كان تطهير الأرض من عرق النار.
الجن؟
كانت محاربة. شغلها إنها تساند الملك في رجوع شعب "غوانتام" لعقلهم وميسخروش جن تاني. في المقابل هتتشال اللعنة "النهر" اللي اتملى بكرههم وأعمالهم الفحشاء والمعاصي. اتطوروا في سحرهم وبقوا مجتمعين مع قبائل مع إن الكافر اللي كانوا أعدائهم زمان.
مش كانوا عايشين سوى؟
اختلاف أنواع الجن هو زي اختلافك مع باقي البلاد.
بعدين، حصل إيه؟
اتعرضوا لجفاف دائم، بيعانوا فيه من قلة المياه. لما جه يوم الغيام ظنوا إن ده نتيجة سحرهم. كانت "رزان" داخلة زيك ومعاها القدرة اللي إنتي شايلاها دلوقتي.
أشار على منتصف جبهتها وقال: العين التالتة. هي قدرة بتورثها المختارة وسيلة لحماية نفسها بس في حالة إنها في خطر وهتكون نهايتها. غير كده مينفعش تظهرها.
استخدمتها في حاجة وحشة؟
مكنتش عارفة عنها زيك. اتعرضت للاستعداد من تاجر لقاها وخدها عبده للاستمتاع.
"أرجوك، سيبني".
"هنا تكونين أسعد من متشردين في الخارج".
حاولت إبعاده عنها وهو ويمسكها بقسوة من ساعدها مستند يده الغليظة الأخرى على بطنه الكبير. ضربها في ساقه فصرخ متألماً وألقى بكف على وجهها: يا حقير.
دفعها أرضاً فتألمت، غادر وتركها. لكن فور إقفال الباب بعصا حديد من الخارج، حاولت هي الخلاص والخروج من هنا. ضربت الباب مراراً ولكن دون جدوى. ومع عدة محاولاتها اليائسة التي تأذت فيها يدها. جلست بإرهاق. لكن الباب قد فتح. فتح من الخارج. وانت أنه قد عاد. لكن لا يوجد أحد سواها. انتهت الفرصة وفرت هاربة من هنا.
كسرت في شوارع ذلك العالم الغريب عنها. لا تدري أين تذهب وأين تبقى. تخشى أحد الرجال الشهوانية يلتقطونها، أو يستعبدونها لخدمتهم. تخشى أن تصبح خادمة لهؤلاء الناس.
سهرت الليالي في الخارج، تنام في الشوارع، يمسسها الطقس البارد وتزقزق معدتها في حاجة إلى الطعام.
كانت جالسة عند شجرة أمام مطعم. وفور رؤيته يلقون الطعام في القمامة، ذهبت له لتلتقطه وتأكل البقايا كالحيوان المتشرد الذي يأكل القمامة.
صاحت فيها امرأة بحزم: ابتعدي من هنا، سينفر الزبائن.
لم ترد عليها وكان الملك يتطلمون بها. ركلتها بقدميها وقالت: ألم تسمعي؟
تألمت. لكن ضحك من كان يجلس من الموقف وكأنها مسرحية ترفيهية. شعرت "رزان" بالغضب من صوت السخرية حولها. جرح كبرياءها وكان أغلى ما تملكه امرأة وأغلى ما تحافظ عليه.
ها قد وجدت.
انصدمت من الصوت وحين رأت ذلك الرجل أصابها الزعر. ذهبت. لكنه أمسكها وقال: إلى أين أيتها العبدة الهاربة؟ ألم أخبرك أنك ستصبحين مشردة إن لم تصغي إلي؟
ابتعد.
صفعها بقسوة لتستلقي عند قدميه. قال: من فينا القوي أيتها الضعيفة؟
لم تر. عليها. أمسك شعرها فصرخت من فرط ألمها وصاح بها مجدداً: من فينا الأقوى؟
ا..أنت، أرجوك يكفي.
سأجعلك تتعلمين كيفية التحدث مع أسيادك.
أتركوني أرجوك.
رجته خوفاً. لكنه ظل يبحث بعينه. وحين رأى رجل حدادة يثني معادنه، انصدمت من تفكيره. وقالت: أرجوك لااا... سيبني.
توجه إليه وهو يجرها خلفه. حاولت الابتعاد. لكنه أقوى منها بكثير. طلبت النجدة. لكن لم يتدخل أحد.
التقط سيخاً مشتعلاً من النار. ارتعبت وقالت: لاا.. لاا أرجوك.
تشوه بسيط لن يضرك. لا تقلقي، لن أرفضك بعدها.
انهمرت دموعها وهي تبكي بيديها. لتصرخ فور ملامسته لذراعها وشعر بتأكل جلدها. لكن سرعان مع صرختها القوية التفت السيخ بين يد الرجل والتصق بوجهه فصرخ صرخة داوت أرجاء المكان.
أنصدم الناس أجمع حين رأوا ما حدث. مهمين بصدمة: هل حرق نفسه؟
رواية سرداب غوانتام الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور
لا، أرجوك لا تلمسني. حاولت الابتعاد لكنه أقوى منها. طلبت النجدة لكن لم يتدخل أحد.
التقط سيخًا مشتعلًا من النار. ارتعبت وقالت: لا، لا أرجوك.
"تشوه بسيط لن يضرك.. لا تقلقي، لن أرفضك بعدها."
انهمرت دموعها وهي تبكي بيت يديها لتصرخ فور ملامسته لذراعها وشعرت بتأكل جلدها. لكن سرعان ما سمعت صرخة قوية، التفت السيخ بين يدي الرجل والتصق بوجهه فصرخ صرخة دوّت أرجاء المكان.
انصدم الناس أجمع حين رأوا ما حدث، مهمين بصدمة: "هل حرق نفسه؟"
"الويل له."
ظل يصرخ يحاول إبعاد السيخ، لكن يده استمرت بالضغط على وجهه. كانت "رزان" تنجح، ظهر ذلك في بريق عينيها. بجنون، جس على ركبتيه ودمائه تسيل مع احتراق جلده، حتى توقف، لفظ أنفاسه الأخيرة ثم وقع أرضًا. تحرر السيخ عن وجهه ليكشف عظامًا بعدما تأكلت خلاياه.
انصدم الناس من هول المنظر ولا يزال جثته ترتجف أثر تشنجاته المتألمة الذي مات بها. وقفت "رزان" على قدميها وسارت تجاههم، توجهت الأنظار حولها. شقت أكمام فستانها المحروق وظهر حرق ذراعها الذي لم يكن بليغًا لكنه ظاهر. أمسكت السيخ بمعالم تخلو من التعبيرات.
خرج الحداد من منزله أثر الضوضاء ليرى سيفه في يدها. صاح بها بانفعال: "اتركي هذا أيتها السارقة!"
فور اقترابه منها، حلق معدن متوهج بين النيران وانعطف نحوه بسرعة ليخرج من ظهره مخترقًا إياه. اتسعت عينا الرجل وقدمه متصلبة لينظر إلى تلك الفجوة بين أحشائه المتهالكة وقد رأى موته بأم عينيه لأخر ثواني له. استلقى أرضًا بجانب الآخر.
انصدم الجميع وصرخت امرأة بفزع من ما رأته. تحركت هي بضع بوصات ورأت فحمًا محترقًا. تحرك وكأن زلزالًا أصابه. تحت أنظار الجميع المصدومة، انصدموا أكثر حين توجهت إلى الرجل المحروق وجهه والتصق بجسدها.
اقتربت من أذنه وقالت "رزان": "من فينا الأقوى؟"
لم تجد ردًا، فانغرست أحجار الفحم مع اشتعال جلده وعيناها التي تقاد نارًا. حركته على الجانب الآخر وكأنها تقوم بشواء وجبة دسمة. تنهمر دماؤه متكتلة فوق الفحم. سلخت جلده بتحاول تفصله عن عظامه.
أمسك رجلان سكينًا مدببة: "لنوقف هذه الساحرة."
"إنها شيطانة."
"قاتلة."
فور تحركه، دفعته منها. ألقت نظرة بطرف عينيها فارتفع ماء مغلي. انصدمت وقبل أن يتفادوه، انقلب عليهم فتراقصوا على أقدامهم مع صرخاتهم العالية وتأكل وجوههم. وقعت أرضًا كالقتيلة. ارتجف من كان مجتمعًا وهناك من تبول على ذاته لفرط خوفه: "اركضوا."
وفور أن ركضت امرأة فزعة، وجدت سكينًا أمام أيسر صدرها بالضبط، معلقًا في الهواء. تصنمت مكانها بخوف. سمعت صوت أقدام وكانت "رزان" الذي وقفت أمامها.
ارتسمت ابتسامة على وجهها مخيفة وكأنها شيطان متجسد على هيئة بشرية. "رائحة اللحم المحترق تعم المكان.. أخبريني."
رفعت عينيها الجافة وقالت: "من الأقوى هنا؟"
ارتجفت المرأة وقبل أن تصرخ، أدخلت السكين في قلبها فسكنت قتيلة بين يديها وقد امتلأ وجهها من دمائها الدافئة.
كانت "لينا" مصدومة مما تسمعه، لا تصدق تلك الأحداث المخيفة ولا كيف سارت.
"لم أدخل وساعدتها."
"لو كان بإيدي كنت عملت."
"قصدك إيه؟"
"إنتي استثناء يا لينا، حمايتك عهد إحنا بنقوم بيه. المحاربة لا بتاخد تعليمات زيك ولا ينفع ندخل في مهمتها."
سكتت وقد ضاقت ملامحها وقالت: "بعدين، حصل إيه في بقيت الناس؟"
"مفيش حد نجا منه."
نظرت له بشدة. استرسل كلامه: "رزان خلصت على كل عين كانت شاهدة على تعذيبها ومدخلتش. كانت مذبحة شملت ٣٢ شخص. وصل أمر من الملك بالقبض عليها بعد معرفة أنها سكنت في بيت التاجر اللي قتلته. لما وصلت فرقة من الجنود.. قتلتهم زي غيرهم."
كانت تسير في السوق بينما الجميع يتحدث ويبيع، لكن من يراها يخرس عن الكلام. إنها حديث بلادهم. "الساحرة".
"رزان" المطلوبة للعدالة، من الدماء التي تملأ يديها لكل من يفكر في مضايقتها. لم يستطع أحد أن ينال منها ولا حتى حاكمهم ولا جنوده. ضربت على القتل. عرفت بالسحر الذي لا يقهر.
وقفت عند أحد البائعين، أفسح الناس لها فارين من الوقوف بجانبها ونظرات الكره تملأ قلوبهم.
"أعطني من تلك الثمار."
تردد البائع. انصدم الجميع. وحده هو على إعطائها ما تريده. أمسكته من قميصه بقوة وقالت: "ألم تسمعني أيها الثمين؟"
"أمتلك خمس أفراد وهذا تعب عملي لإطعامهم، وأنتي لا تدفعين شيء."
"من أخبرك أني لن أدفع؟ الثمن هو حياتك."
غضب وجهه ونظر إليها قال: "سيمسك بك الملك ويقتلك قريبًا."
"ملككم يستمر بإرسال جنوده لي ولا يستغرق مني الأمر طرفة عين لإنهاء حياتهم…. إنه لا يريني وجهه لأنه يعرف أنها ستكون نهايته كغيره. إنه لا ينال مني ولن يفعل ذلك لأنه ضعيف مثلكم."
صاح بها بغضب وهو يمسك خنجره الخاص: "أيتها المشعوذة."
تعملقت يده في الهواء ولم يقدر على المساس بها. تحجرت عيناه ونظر لها بشدة فانحرفت يده شاقة عنقه ليقع قتيلًا تملأ دماؤه الثمار.
انصدم الجميع ونظروا إليه بصدمة وتجهم وجههم. أخذت إحداهن ومسحت الدماء بقرف لتقضم قضمة بشراهة وكأنها لم تقتل نفسًا منذ قليل.
كاد أن يركض أحد فارًا فقالت: "إياك وأن يتحرك أحد قبل مغادرتي."
فتعلقت قدماه أرضًا. خشيت من أن يخطو خطوة فتفتك به. التفتت ونظرت إليهم قالت: "لعلكم رأيتم ما حدث له، لكن لا تعلمون ما قد يحدث لكم إن لم تصغوا لي الآن."
أشارت على نفسها وقالت: "اسجدوا لي."
نظروا إليها بشدة. هناك من ارتجفت ساقيه في اعتراض، لكن سجد لها كما أرادت. وهناك من رفض هذا. هؤلاء الناس يحتفظون بوقار أنفسهم وعدم تعالى أحد عليهم. إنهم حتى لم يوقروا الشيطان يومًا، هل يوقرون ساحرة الآن؟ لكنها تمتلك قدرة شياطين بحق.
كانت تصغي لهم باهتمام قالت: "طلبت منهم هذا بجد."
"القوة ما بتكون حلوة في كل الأوقات، القوة بتغري الواحد للكفر دائمًا… و"رزان" غرتها القوة اللي عندها وملقتش اللي يقف في وشها فعرفت إنها الأقوى… هي قدست نفسها زيهم."
شعرت بالحزن والخذلان وكأنها لم تكن تريد سماع هذا. إنها حزينة عليها من بداية قصتها. لماذا انقلبت الآن لكره لتلك الشخصية؟ لأنها ضعيفة. ما حدث ليس قوة تظهرها بل هو ضعفها الحقيقي.
"ما اكتفتش بتقديس نفسها، أمرت شعب كامل يعبدوها… ادعت الألوهية واللي كان يرفض تقتله عشان تعرف الباقي إن اللي هيعترض على كلامها هتكون نهايته الموت. استغلت القدرة اللي منحها ليها بس في حماية نفسها ونسيت إزاي ترجع بل استعبدت العالم وبقت عايزة السلطة… مات كتير بسببها واتيتمت عائلات… لحد أما الكتاب رفضها وسلب منها القوة ورجعت عادية زي أي حد."
اندهشت "لينا" وقالت: "بعدين، رجعت؟"
"تم عقابها هو سجنها هناك للأبد وعدم رجوعها لعالمها تاني. واجهت مصيرها هناك لوحدها."
"حصلها إيه؟"
كانت تجلس في ذلك المنزل الذي تقطنه وعيناها مجحوظة للأمام بصدمة: "لماذا… لماذا لا ينفع الأمر؟"
طاحت الأغراض بانفعال وكأن المنزل في فوضى عارمة وكأن إعصارًا قد دمره. طرق الباب بقوة انتفضت معه حين سمعت صوت الجنود الذين يترددون عليها باستمرار: "ألم يملوا من إهدار جيشهم؟"
ذهبت وفتحت وكان رجال قساة الوجه. دموعها بغزارة وقعت وامتلأ وجهها بالغضب: "كيف تتجرؤون؟"
ألقت أنظارها على سكين لكنه لم يتحرك من مكانه حتى ولم تختل جاذبيته، فقلقوا أن يتكرر ما يحدث في الليالي الفائتة.
"لا ينفعك سحرك إذا."
أخرجت خنجرها وانقضت إلى أحدهم لكنه أمسك يدها بقسوة وأكمل على وجهه لكمة جعلتها ترتمي أرضًا غير قادرة على الرؤية.
أمسكوها من ذراعها وجروها للخارج لينظر جميع الناس إلى ذلك الحدث الذي كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر ورؤية تلك الساحرة مقيدة مذلولة.
تم سجنها في قفص بعيد عن أي منطقة سكنية حتى بعيد عن قصر الملك خوفًا على الحاشية من خطرها. لم يرسلوا لها طعامًا خلال ثلاث لياليها التي باتتهم بين الحشرات والكلمة الحالكة. تضرب رأسها من حين لآخر في محاولة لإشعال قوتها وكأن حدث عطل بها. ظنت أنه شيء قد ورثته وخُلقت به لكن كانت منحة سُلبت منها. ظلت تضرب رأسها صارخة بجنون حتى جرحت رأسها ونزفت لكنها لم تكن تشعر حتى اختفت وجدت أرضًا بجانب خيبتها ومحاولاتها اليائسة.
داخل قاعة المجلس كان يجلس الملك على كرسيه ويقف على جانبه الأيمن رجل يرتدي ملابس فخمة. كان هناك أربعة رجال منحنين احترامًا له.
"نعتذر على زيارتنا المفاجئة جلالتك."
"ما الأمر الذي استدعاكم؟ أعتقد أن مشكلتكم قد حلت وأمسكنا بها. ما من خوف الآن."
"الخوف لن يزال من قلوبنا إلا بموت تلك الساحرة."
"ستُعدم غدًا في الساحة."
"وهذا ما جئنا من أجله."
نظر له باستغراب. تقدم أحدهم وقال: "نريد نحن من نحاسبها."
"هل هناك عقوبة أكثر من الموت والتعذيب الذي تعيشه الآن؟"
"نريد إشفاء صدورنا. تعلم جلالتك كثير من العائلات تنتظر قتلها بيدها… ونحن منهم. نريد من جلالتك أن تسلمها لنا."
صمت ولم يرد عليهم بينما ينتظرون ردًا منه وينتظرون إلى ذلك الرجل الذي يقف بجانبه حتى رفع رأسه وأخبرهم قراره أخيرًا. انحنوا له واستأذنوا بالمغادرة.
تحدث ذلك الرجل بعد رحيلهم: "أعينهم تملك انتقامًا."
وما الملك إيجابًا وقال: "لذلك لن نستطيع أن نقف في وجههم."
"هل تسمح لي بالمغادرة؟"
"إعلان زواجك بعد يومان. لا تنس خطابك المرسل إلى الأميرة جرنال."
"لن أنسى ذلك."
غادر من القاعة. انحنى الحارسان له فور رؤيته وهو يسير في الممر شارد الذهن. توقف عند غرفة فتح له الحارسان. دخل كان هناك طفل جالس يتعلم الكتابة وجانبه معلمه يبسط الشرح. رأى ذلك الذي دخل فوقف فورًا وانحنى إليه: "جلالتك، لم أنتبه لوجودك."
"كيف يسير الدرس؟"
"إنه على ما يرام، يبدو أن الأمير يحظى بذكاء باهر لطفل في مثل عمره."
أومأ بسعادة لسماع ذلك. اقترب منه ليرفع الصغير وجهه ويكشف عن عينيه الرماديتين والرموش الكثيفة التي تعكس عينيه انحناء جميلة مع تزينها بالحواجب السوداء وكأن ذلك الوجه، لولا الكشف عن جنسه، لظنوا أنه فتاة لشدة جماله.
ربت على رأسه بابتسامة وقال: "فرناس، أحسنت عملًا يا بني."
"افتحوا لي هذا الباب، هياااا… ألا تعلمون من هنا؟!"
كانت تصرخ طوال الليل ولا أحد يرد عليها. حتى أنها شكت في أمر وجود أحد. إنها لا تسمع سوى صوتها المتواصل. الجوع أكل معدتها. رائحة الدماء المتواصلة متغلغلة في أنفاسها. هل هذه سكرات الموت؟
مع بزوغ الفجر وكان كأن موعد إعدامها. لا تدري كيف وأين سيعدمونها. كان هناك كثير من النار متجمعة لا يحصى عددهم. الشعب أجمع أتى ليشاهد مقتلها بأفظع الطرق بشاعة.
كانت مغلولة بالقيود مع جنود يسيرون وسط الناس ينهروها بأفظع الشتائم. أعينهم كالوحوش التي تريد تمزيقها إربًا. كان من يحولهم عنها هم هؤلاء الجنود الذين يجرونها إلى تلك المنصة التي ترتفع درجتين عن الأرض. تم تسليط عمود صلب.
صعدوا بها وقاموا بربطها جيدًا حوله. تأكدوا من عدم تحركها حتى أثناء تعذيباتها المتألمة. وحين خرج الجنود مبتعدين من هناك تاركين أمرهم لها، صاح الجميع صرخة واحدة ودفعوا أحجارًا عليها. هناك من أصابت رأسه فنزفت، وهناك من أصابت صدرها وقدميها الحافية. تأذت عيناها وانهمرت دماؤها. كانوا يلقون الأحجار بكل قوتهم ساخطين عليها بالجحيم الأبدي.
أصبح جسدها مملوءًا بالإصابات البالغة أثر التعذيب المبالغ. عيناها المفقوءتان حتى أذنيها لم تعد تشعر بهما.
أتى أحدهم وملأوا الحطب من حولها. كانت تنظر إليهم لتجد من يقف بجانبها. التفت إليه بضعف وحين رأت ذلك الذي تعرفه قالت: "هذا أنت."
"ترين نهايتك التي اخترتيها."
صمتت وهي تنظر حولها إلى هؤلاء الناس.
"تمتلكين أمنية واحدة لم نحرمك منها برغم ما فعلتيه. هل هناك ما تودين قوله؟"
"أخي.. خفضت رأسها والدموع متحجرة في عينيها: إنه نقي لا دخل له بي… اعتني به أرجوك."
"لا تقلقي بشأنه، سيكون في عهدتنا."
بعد سماع تلك الكلمات، رفعت رأسها إلى السماء وقد سالت دمعتها الأخيرة براحة تامة لتفتح عينيها وقد عادت إلى سابق عهدها تملأها المشاعر وبريق براءتها الذي كان قد قتل لكن دفن داخلها.
اشتعلت النيران حولها لتلتهم جسدها بأكمله والناس مجتمعين حولها ينظرون إليها وكأنها تشاهد عرضًا، ليهللوا من ثأر قلوبهم: "لقد ماتت الشيطنة."
هكذا كانوا يرددون مطمئنين بزوال الخطر من حولهم حتى بعدما تحولت إلى رماد تأكدوا من نثره بعيدًا فوق التلال لعدم جمع شمل جثتها في دار الآخرة.
كانت تسيل دموع "لينا" من تلقاء نفسها. مسحتهم بكفيها وقد تأثر قلبها من بشاعة قصتها قالت: "عشان كده كانوا عاوزين فرناس يسلمني ليهم بأي شكل ونسيوا إنه ملكهم."
"إنتي رعب ليهم."
"أنا مش رزان ومش هكون زيها. مثلها عارفة إنها اتعرضت لظلم بس هي ظلمت نفسها أكتر وظلمت كتير. كل اللي آذتهم مش نفس اللي كان بيعذبها، غير كفرها وظنت نفسها إله. عشان كده مكنتش عايزك تستخدميها كتير، خفت تغرك زي ما غرت غيرك."
"القدرة ما تهمنيش عشان أغتر بيها."
لا يزال حزن قابع داخلها. القصة مؤلمة ولم تظن أن تلك الساحرة التي يدعوها هذا الشعب بذلك أنها من عالمها. إن قصتها أبشع مما ظنت. رحمك الله يا رزان. لا تعلم هل دعائها سيفيدها بشيء أم لا لكنها تحتاج الدعاء الآن.
"أنا غلطانة مكنش لازم أستعملها أنا غبية."
"مش صفية اللي اتكلمت زي ما إنتي فاكرة."
انفجرت كثيرًا وقالت: "إزاي؟ المرايا وقعت من الهوا وشافتني، أنا واثقة."
"هي شافت بس متكلمتش، اللي قال عليكِ حد تاني.. مكنش غرضه إنتي كان غرضه فرناس."
انصدمت وقالت: "وهو هيضرني بإيه؟"
"بحياتي كتير، أولهم إن الشعب ينقلب عليه بأنه خاين وبيحميكي وبيضحى بيهم. ده كفيل يقضي عليه في لحظة."
انتابها رجفة في قلبها لخوفها الذي ظهر في عينيها أن يكون في خطر بسببها قالت: "مين الحد ده؟ هو نفسه اللي عايز يقتلني صح؟"
صمتت شعرت بالغضب. قالت: "قول مين."
لم يعطها أي جواب لكنها شعرت بشيء غريب في حقيبتها. فتحتها وتفاجأت حين وجدت الكتاب: "بيفكر فيكي دلوقتي."
لم تفهم فقال بتوضيح: "وجود الكتاب معاكي وسحبك هناك بسبب فرناس، طلبك فبياخدك الكتاب عنده. خلي بالك يا لينا النهاية قربت."
"إيه النهاية؟"
قلتها بخوف ومن كلامه الغريب مثله. لكن الغرابة الحقيقية هي أن الكتاب لم يكن يهتز، لم يعدها وبقيت خائفة أن تكون هناك في لحظة لكن لم يحدث. رأت نظرات العجوز ينظر إليها بشدة واستغراب شديد أيضًا وكأنه لا يفهم ما حدث. وقبل أن يغادر، أمسكت يده: "ممكن أسألك سؤال كمان؟"
"مبتزهقيش من أسألتك يا لينا."
"لا، بما إنك ممانعتش هسأل… ليه قعدت الفترة دي كلها هناك؟ ليه التوقيت هنا مختلفش زي كل مرة ومشي مع أحداث الكتاب؟"
"بتسأليني أنا ليه؟"
"عشان آخر مرة شوفتك فيها في القصر قولتلي إني مش هرجع، يعني كنت عارف إني هطول."
"حذرتك متدخليش في الأحداث."
تنهدت منه وقالت: "قولتلك مش هسيبه يموت."
"وده كان عقابك. وجودك هناك الفترة دي وتوقيت عالمك يمشي بسرعة زي هناك. الوجع اللي حسيتيه بعد كل مرة بتعملي حاجة خارجة عن مهمتك، ده بيكون الكتاب وبيديكي إنذار."
حلقت فيه بشدة وقالت: "يعني الفترة دي كانت عقاب ليا؟"
"كان ممكن مترجعيش. متستهونيش، وامشي على التعليمات."
"تعليمات إيه دي اللي أمشي عليها؟ مش لما أكون فاهمة أنا راحة هناك ليه؟"
"كان ممكن أقولك في الأول بس دلوقتي لو عرفتي مش هتكوني مسرورة."
نظرت إليه بريبة من كلامه وكانت تعلم أن الإلحاح لا ينفع مع ذلك العجوز المزيف. هكذا لقيته. عجوز مزيف. إنه ليس له صلة بالمسنين.
كانت تدرس في الليل من خلال الملخصات التي يستمر "معتز" بإرسالها. إنه يفيدها بجميع المواد لتجتاز جميع الاختبارات وانتهت تلك السنة الشاقة. تريد شكره كثيرًا على اختبارها الأول الذي كان جيدًا لها بسببه بالطبع.
كانت نفسيتها سيئة من خلال حديثها مع ذلك العجوز، أم أن القصة أثرت في نفسيتها لدرجة الخوف.
ذات يوم كانت نائمة بإرهاق فتح باب غرفتها. انتفضت من نومها لكن وجدته أخيها فقالت: "حسام، في إيه؟ أنت مروحتش الشغل؟"
"رجعت عشانك، في بشره حلوة ليكي."
"بشرة إيه؟"
"القصة بتاعتك."
"مالها؟"
"واخدة رقم واحد في المجالات والكل بيتكلم عليها."
انصدمت لكنه أومأ برأسه بتأكيد. ابتسم وأكمل: "أنا مكنتش مصدق سمعت زمايلي بيتكلموا عليها."
"زمايلك اللي في الشغل؟"
"مفاجأة مش كده؟"
"كانوا بيقولوا إيه؟"
"قد إيه فيه أسرار في الرواية وعايزين يعرفوها حتى المدير بتاعي… المدير لقيته بيقرأها رغم إنها مش رواية قصة مصورة بأحداثها."
انتفضت من على سريرها لتفتح هاتفها في عجلة لكنه أعطاها هاتفه على برنامج الفيس بوك وتفاجأت من عدة الآراء التي لا تزال تنهال على الدار.
قال "حسام": "مصدقتش إن تاخد المكانة، حتى الكل بدأ عنده فضول يعرف الكاتبة عشان يسألوا يسألوها عن الجزء الجديد ومعاد نزوله."
"أنا مش مصدقة."
"أيوه والله افتحي اللابتوب وشوفي الإيميلات."
أخرجت اللابتوب الذي قفلته سابقًا وأعادت فتحه لتجد إشعارات كثيرة مرسلة من الدار ويسألون عن تسليم الفصل الجديد، يسألون عن الأسرار وكيفية حلها. عن الطبعة الجديدة التي يصورونها اليوم لانتهاء الطبعة الأولى. القصة ارتفعت في يوم وليلة عن قصص شهيرة.
نظرت لأخيها الواقف بجانبها. قفزت فرحًا وقالت: "إنه مش مصدقة، خلاص أحبطت وعبقت وعرفت إن محدش هيفتحها."
"خلصت من كتر ما فيه إقبال عليها وفيه ناس حجزت الطبعة التانية خوفًا إنها تخلص كمان… ها يا لينا."
"الفصل الجديد إمتى عشان عايز أعرف المدونة حصلها إيه هناك؟"
ابتسمت وقالت: "هكتبه، فيه حاجات كتير أوي عرفتها وتحتاج تتكتب."
"هستنى، زي أي متابع."
ابتسم وبارك لها على نجاحها وغادر. كانت سعيدة ولا تعلم من أين لهذا أن يحدث. آه.. النجاح بالفعل يأتيك حينما لم تعد تنتظره. إنه هكذا…
تجاهلت دراستها وظلت مركزة عليها فلا تريد أي خسائر. مرت اختباراتها خيرًا، لكن أثناء سيرها في الجامعة رأت ما لم تتوقعه. رويتها في أيدي الطلاب. فرقة تتناول الأحداث وفرقة أخرى تقرأ بإنسجام. كان قلبها يشعر بالسعادة وكأنها إنجاز عظيم لرؤية أعمالها بين أيدي الناس.
"إمتى هينزل الكاتب الجزء الثاني؟"
التفتت إلى "سهيلة" صديقتها بدهشة حين وجدتها تحمل قصتها وكان يبرز غلافه بوضوح الذي رأته. لقد كان نصف وجه فرناس لنهاية الغلاف مع ظهور رمز مملكة غوانتام يعلو الصفحة.
"إيه ده يا سهيلة؟"
"متقوليش إنك متعرفيهاش، إنتي بتميلي للحاجات دي أوي، المفروض تعرفيها قبل الكل."
"الكل؟!!"
"أيوه بصي كده جنبك."
التفتت بعدم فهم وجدت فتاتين تحملان القصة وتقرآنها. شعرت ببهجة وابتسمت لكن قالت باستغراب: "وإنتي من إمتى بتقرأي؟!"
ابتسمت بتلعثم وقالت: "من دلوقتي، القصة مصورة بأحداثها يعني مرسومة وكده فجميلة تحسسك إنك جواها، عجبتني بصراحة."
ابتسمت لسماع ذلك. إنها سعيدة للغاية ومتحمسة للقادم.
"شكله حلو أوي."
سكتت ذلك لتراها تلتمس رسمة ما بين أحد الصفحات.
"هو مين؟!"
"هيكون مين؟ الملك طبعًا، آه إنتي مقرأتهاش ومش هتلاقيها عشان خلصت.. حتى دي خدتها من واحدة زميلتي، بصي.. هو ده الملك."
شعرت بالتضايق فهي تعرف من تقصد بتغزلها. قالت: "مش حلو."
ضحكت وقالت: "أه مفهوم، ما علينا دي مجرد قصة."
جلست لتراها تلتمس رسمة ما بين أحد الصفحات. "هو مين؟!" "هيكون مين؟ الملك طبعًا، آه إنتي مقرأتهاش ومش هتلاقيها عشان خلصت.. حتى دي خدتها من واحدة زميلتي، بصي.. هو ده الملك." شعرت بالتضايق فهي تعرف من تقصد بتغزلها. قالت: "مش حلو." ضحكت وقالت: "أه مفهوم، ما علينا دي مجرد قصة."
جلست لتراها تلتمس رسمة ما بين أحد الصفحات. "هو مين؟!" "هيكون مين؟ الملك طبعًا، آه إنتي مقرأتهاش ومش هتلاقيها عشان خلصت.. حتى دي خدتها من واحدة زميلتي، بصي.. هو ده الملك." شعرت بالتضايق فهي تعرف من تقصد بتغزلها. قالت: "مش حلو." ضحكت وقالت: "أه مفهوم، ما علينا دي مجرد قصة."
أنهت اختباراتها على خير وكان اليوم هو آخر يوم لها. قد جهزت قلبها وكمبيوترها المحمول لتدوين الفصل الجديد. أرسلت الدار الأرباح الخاصة بها لم تكن مهتمة بالمديات فاخبرتهم أنها تريد طباعة أكثر لذلك فليحتفظوا بالمبلغ لطباعة القادمة.
كانت جالسة تشاهد التلفاز مع عائلتها. قاطع الصمت "غسان" وهو يقول: "لينا معاكي رقم معتز؟"
تعجبت لذكر اسمها الآن. التفتت له قالت: "بتسأل لي؟"
"عايز أعزمه هنا، كشكر ليه على اللي عمله. مش هو الدكتور بتاعك أكيد معاكي رقمه."
صمتت ونظرت إلى أخيها الذي نظر لها. أومأت له قالت: "معايا يا بابا، هبعتهولك."
ابتسمت "هاجر" قالت: "فكرة كويسة يا غسان."
لم تعلم "لينا" أن كانت فكرة جيدة أم لا. لا يستدعي الأمر لعزومة له في بيتها. بل باتت تشعر أنه صديقها خصوصًا بعد ما فعله معها.
عادت إلى غرفتها مع كتابها الذي تنتظره الآن بفارغ الصبر أن يهتز من جديد. تتمنى ألا يطول الأمر فهي بحاجة إلى العودة.
كانت تقطع الخيار مع والدتها في المطبخ أثناء محاورتهما العديدة: "إنتي هتعملي الأكل ده كله النهارده يماما؟"
"بطلي رغي وخلصي اللي في إيدك."
"بصراحة تعبت من التقطيع ده، هو جاي النهارده ولا إيه؟"
"أه."
توقفت بصدمة وقالت: "أه إيه، هو بابا كلمه ووافق يجي؟"
"أيوه، هيرفض ليه؟"
كادت أن تقع من على الكرسي لكن استعادت توازنها. قلقة "هاجر" عليها وقالت: "مالك؟"
"لا مفيش، أنا معاكي أهوا."
اعتدلت لتعود إلى عملها في مساعدة والدتها في الطعام. رن الجرس لإعلان الزائر الذي قد وصل. فتح الباب فعرفت أن أخيها قد استقبله بالفعل. أخبرتها أمها أن تغسل يدها وتبدل ملابسها وتذهب له بالشاي: "بيحب القهوة."
تعجبت والدتها منها فقالت بتوضيح: "أقصد إنه بيشرب قهوة كتير فشكلك بيفضلها.. اعمليها بدل الشاي."
أومأت لها بتفهم. خرجت هي وجدت أخيها واقف يتحدث في الهاتف. ذهبت لتراه جالسًا يقلب في هاتفه. وضعت له القهوة قالت: "متخيلتش تيجي."
"خيبت ظنك.. كنتي عايزاني أحرج والدك."
أخذها منه جلست وهي تنظر له قالت: "مقصديش طبعًا فرحانة إنك جيت، بس متوقعتهاش منك."
"كونك كاتبة المفروض خيالك يبقى أوسع من كده."
ابتسمت لطن توقفت والتفت له لتجده مبتسمًا لها قال: "خايفة اسمك ليه يا لينا، مني ولا خايفة حد تاني يعرفك؟"
"مش فاهمة بتقول إيه."
أخرج كتابًا يحتفظ به وكانت قصتها. فأصابتها الدهشة وقالت: "قرأتها."
"إنتي مش كده؟"
"أه، حسيت إن اللي حصل معايا هو قصة لازم تتكتب."
"يعني كل ده عشتيه هناك؟"
"مكنش ده غير فصل يعني نقطة من حياتي هناك، أظن قرأتك للقصة وفرت عليا إني أحكيلك حاجات كتير."
"دي حقيقة، بس أنا مش عايز اللي الناس هتقرأه."
"مش فاهمة."
"عايز اللي اتعمدتي تخفيه."
اقترب منها وقال: "عرفيني حقيقة العالم ده وإزاي بتروحي ومين المسؤول… أكيد فيه غيرك راح هنا."
اندهشت من استنتاجه فهي لم تكن الوحيدة التي أرسلت في مهمة بل هناك من يبعثون مثلها.
"مبينا اتفاق ودلوقتي جه دورك."
"عارفة، استنيت تسألني."
"مكنتش عايز أشغلك عن امتحاناتك."
صمتت قليلًا وهي تنظر له قالت: "ليه مهتم بالعالم ده كده؟"
"أحب أحتفظ بأسباب لنفسي."
عرفت أنه يرفض إخبارها فقالت: "أحسن برضه، شكلك في بحث علمي وبتستغلني."
أتى "حسام" مع والده فقاطع جلستهم ليعلم على "معتز" بترحاب شاطرات إياه لحضوره وكان يبادله الابتسامة باحترام.
أخبرتها والدتها أن تذهب لتساعدها في وضع الطعام على المائدة. كانت تلقي نظرات من حين لآخر عليه في جلسته مع أخيها ووالدها.
كانوا يأكلون على مائدة واحدة. كان "معتز" قليل الأكل وقد لاحظ الجميع هذا.
قال "غسان": "الأكل مش عاجبك يا دكتور."
"لا خالص، أنا بس… بقالي كتير مأكلتش أكل من البيت فعجبني طعمه أوي."
نظرت له "ليا" حين قال ذلك.
قالت "هاجر": "مش بيطبخلك."
صمت لكن نفى برأسه في ابتسامة يأس تشوبها الحزن. نوتها اللحم ووضعته في طبقه بابتسامة وقالت: "خلص أكلك كله، عشان عايزة أعرف رأيك فيه."
"شكرا."
"أنا اللي عايزة أشكرك، عشان ساعدت لينا في دراستها.. كنت قلقانة عليها أوي بس هي طمنتني بسببك."
نظر إلى "لينا" التي أشاحت عيناها بعيدًا بحرج. ابتسم وقال: "معملتش حاجة."
قال "غسان": "ممكن تسبيه ياكل يا هاجر."
"أه معلش."
ابتسمت وعادت إلى مكانها ليأكلوا مستمتعين بوجبتهم. لاحظت "لينا" ابتسامة الصادقة التي لا تفارق وجهه. يبدو سعيدًا بين عائلتها كثيرًا… كأنه لا يعرف ذلك الشعور قط. إنه مع ناس غرباء لكن أحب بقاءه معهم… دفء الطعام ليس مثل الأكل في المطاعم الساخن لكنه ينزل في معدته كالثلج… لا يعلم مذاق الروح والمحبة التي تضع في يد من يعد الطعام لأحبابه… كوالدة "لينا" بالضبط. أعدته بكل حب.
كانت واقفة عند الشرفة تنظر في الحديقة لرؤية عائلتها التي اعتاد "معتز" بسهولة ليكلمه معه بارتياحية. "حسام" يبدو وكأنه صديقه يعرفه منذ يوم ولادته: "يعني لو جيتلك زيارة في ندوة في كندا، هترحب بيا؟"
"أكيد."
"خلاص يبابا أنا هتجوز وأروح أعيش هناك."
قالت "هاجر": "لما أموت أبقى أسافر."
"ليه كده يماما، معلش أصل أنا ابنها الوحيد وكده."
ضحكوا عليها ونكزته والدته من كلامه. ابتسمت "لينا" وعادت إلى اللابتوب الخاص بها. فلقد انتهت من الفصل الجديد وشارفت بإرساله… كان منتهى بكلمة موضوعة وتعلو عنوان الصفحة "رزان".
خرجت لتحدث أخيها لكن وجدتهم واقفين متمسكين ببقاء "معتز" فعلت أنه سيغادر: "فرصة تانية، تسلم إيد حضرتك على الأكل."
ابتسمت بخجل وقالت: "العفو."
وقال "حسام": "استنى هوصلك."
"مفيش داعي، معايا عربيتي."
"أه منا شوفتها، أنا بقول أوصلك عشان متروحيش لوحدك.. عيب في حقي إحنا بقينا صحاب."
ابتسم وذهب سويًا لكن قابلا "لينا" عند الباب. ظنوا أنها أتت لتودع "معتز" لكن قالت: "حسام كنت محتاجك تاخدني لدار الفصل الجديد."
تعجب كثيرًا من حديثها أمام "معتز" عن قصتها قال: "هاتي أنا هوصلها لك."
"لا عايزة أروح أنا."
تعجب منها. دخل "معتز" وقال: "تعالى معانا، اديني العنوان بس."
"تمام فكرة كويسة."
سبقهم للخارج. نظر أخيها إليها باستغراب. لم تهتم وذهبت. جلست في السيارة من الخلف وأخيرًا بجانبه. تابعت الطريق عبر النافذة متجاهلة حديثهم. لقد كذبت عليهم أنها أرسلت الفصل للدار بالفعل لكن لم تكن تريد ترك أخيها معه. أو لعل الفصول أخيها لمعرفة أي النقاشات ستأخذهم.
قال "حسام": "إنت ساكن فين يا معتز؟"
قال "معتز": "المعادي."
"فين المعادي؟ عارف الشوارع كلها."
قبل أن يتحدث رن هاتفه برقم غريب. حين رد تبدلت ملامحه فتعجبوا من ما يسمعه: "تمام شكرًا أنا جاي."
أنهى مكالمته ليسأله "حسام": "في إيه؟"
"اتصل جاري وبيقول إن سمعوا صوت من البيت وشافوا مياه متسربة، أنا بعتذر بس أنا مضطر أروح. تقدروا تاخدوا العربية وأنا هاخد تاكسي."
"ناخد إيه يابني استنى هنيجي معاك، مش مستعجلين بس نطمن الدنيا عندك عاملة إزاي."
نظر إلى "لينا" أومأت بموافقة وقالت: "حسام بيتكلم صح."
صمت من إصرارهم. أومأ له وقاد سيارته متوجهًا إلى منزله. ترجل ليدخل سريعا برفقة "حسام".
ترجلت "لينا" ولحقت بهم. وجدت الحديقة مغترقة بالماء. ذهب "معتز" ليعرف مصدر تلك الحادثة فوجد أن أحد الأنابيب قد تلفت وأحدثت تلك الفوضى.
قال "حسام": "هاتصل بشركة التأمين بس لازم نوقف المياه دي."
"هروح أقفل المحبس."
أومأ له بتفهم وذهب. تابعتهم "لينا" من بعيد وهي تسير تعثرت في الطين الرخو واتسخ حذاؤها. تنهدت ورأت "معتز" مشغولًا مع أخيه فذهبت هي للحمام التي تعرف طريقه منذ المرة الفائتة. غسلت يدها جيدًا وأخذت ممحاة.
خرجت من هناك وظلت تنظر إلى المنزل قليلًا وكأنها تلتمس شيئًا نحوه. كأنها ليست المرة الأولى تدخله. بل هناك علاقة قوية تربطها هنا.
ذهبت من هناك لكن رأت غرفة أخذتها قدماها لهناك. وكان يبدو أنها غرفة "معتز" حين رأت مكتبه يتوسطه هيكل لكرة أرضية على المنضدة. أدارته بمتعة وسارت قليلًا لتجد مضرب تنس خلف الكمود. أمسكته وهي تمرر أناملها عليه لكن سمعت صوتًا جعلها تتركه وتعيده إلى مكانه مجددًا.
التفتت لتغادر لكن توقفت قدماها أمام ذلك الكمود الذي تقف بجانبه حيث كان برواز صورة مستندًا عليه. أمسكتها لتلقي نظرة عليها لكن تحجرت عيناها وتحولت معالم وجهها لصدمة تحتاجها لدرجة أن أنفاسها كادت أن تنقطع من هذا الوجه الذي تراه.
فتاة في العقد العشرين مع طفل في الخامسة من عمره… لم تكن الفتاة غريبة عليها، إنها تعرفها جيدًا لكن مع اختلاف تلك النظرة اللطيفة التي في الصورة… إنها "رزان".
"لينا."
رفعت عينيها لتجد "معتز" واقفًا عند الباب ينظر ألمها باستغراب وإلى الصورة التي تمسكها بقوة مع ارتجاف يدها: "بتعملي إيه هنا؟"
"مين دي اللي في الصورة؟ الطفل اللي في الصورة ده إنت؟"
اقترب منها بعدم فهم ليلقي نظرة قال: "أه."
"تعرفها منين، قريبتك؟!!"
مع دقات قلبها الخائفة تنتظر رده لكنه نظر لها بنظرة لم تفهمها وقال: "أختي."
وقع البرواز من يدها بصدمة فتهشم الزجاج… لقد حدث ما لم تتوقعه يومًا. شقيق "رزان" إنه ذلك الطفل… إنه "معتز" الآن.
رواية سرداب غوانتام الفصل العشرون 20 - بقلم نور
مين دي يا معتز؟
أختي.
وقعت الصورة من إيدها بصدمة واتكسرت.
جريت على الصورة والقلق يشوب ملامحه.
عادت لخلف مبتعدة عنه.
"ليه ده يحصل؟ ليه أنت؟"
لينا، إيه اللي عملتيه ده؟
لملم الصورة، جرح أصبعه لكنه لم يهتم.
رأته يخرج الصورة من البرواز كي لا تنخدش أو يصيبها شيء.
رأته يضعها بحرص على المنضدة.
كانت اطمأنت عليه، وحين التفت ورأت وجهها مجدداً أصابها صداع قوي جعلها تقع.
لا تدري بظن حولها ولا كم ساعة قد مرت على غيابها.
ذاك لماذا كل ما لا يتمناه المرء يصيبه؟
الاحتمالات المستبعدة أو ما لا نحتسبه داخل عقولنا هو من يتحقق لنضطر في مواجهته ونحن لم نحسب له حساباً.
نعيش الصدمة وتلقاها في الدقيقة لأكثر من مرة، وفي الدقيقة الأخرى كيفية تقبلها.
يضطر المرء على قبول صدمات ليس له دخل بها، ويضطر أحياناً إلى خوض معارك غير قادر عليها.
يضطر إلى التحمل، ويضطر إلى العيش بحياة لم يتمناها لكنها مقدرة له، فيكمل فيها لأنها مسيرته هو.
وتظل الدنيا الذي تهب فينا بعاصفة محملة بالصدمات.
إنها الدنيا، دار العناء.
كان معتز واقفاً بقرب حسام الذي جالس بجانب لينا المستلقية على السرير ويقوم بوضع بعض من رائحة العطر النفاذة لتتغلغل في أنفاسها.
"حصلها إيه؟"
معرفش. أنا أقول نتصل بالدكتور.
لأ، فاقت.
قال ذلك حين وجد جنونها قد تحرك وبدأت في فتح عينيها وتراهما أمامها.
لكن عينيها صبت على معتز الذي يتطلع فيها باهتمام.
"أنتِ كويسة؟"
اعتدلت في جلستها دون أن تجيب.
"لينا، هو في حاجة؟"
نظرت له ثم قالت: "أنا آسفة."
تعجب منها واستغرب أخاها كثيراً.
فقالت بتوضيح: "كسرت لك الصورة، أتمنى ما يكون حصلها حاجة."
"ما حصلش حاجة، أنا بس استغربت من ردة فعلك."
اقترب منها وهو يثقبها بعينيه.
"أنتِ تعرفيه؟"
نظرت له حين سألها ذلك السؤال.
قالت: "مين؟ أختك؟"
أومأ إيجاباً.
فنفيت له وقالت: "لا، أول مرة أشوفها."
تعجب.
"وأمال ليه سألتي وشكلك كان غريب كده؟"
ابتسمت وقالت: "عادي، أصلها شبهك."
صمت وكانما يرى، أن يسمع غير ذلك.
نظرت لينا له.
"كنتِ بتحسبي حاجة غير كده؟"
التقت أعينهما، ونظرات كل منهم تريد أن تفحص ما ينزل في أذهانهم.
كان حسام ينتصفهم وينظر إليهما بشدة.
"هو في حاجة؟"
وقف لينا وقالت: "خلينا نمشي، أشوفك على خير يا دكتور."
"استني نشوف الدنيا اللي بايظة عنده دي."
"مش كلمتك التأمين، هما هيتصرفوا."
"هنسيبه لوحده؟"
"بقولك يلا يا حسام، يلااا."
ودع معتز الذي صافحه مبادلاً إياه، ليغادرا سوياً.
خرج ليراهما على عجلة من أمرهما، بل بالتحديد لينا من كانت تجري معها وكأنها تركض للفرار من وحش خلفها.
"فيه إيه يا لينا؟ ما تفهميني."
"لازم أروح الدار بسرعة."
"متتقوليش إنك عامله ده كله عشان تبعتي الفصل؟"
لم ترد وهي تنظر في نهاية الطريق وتحاول إيقاف أي سيارة مارّة.
"أنتِ خايفة كده ليه؟"
قالت لينا بانفعال: "عشان الفصل لو نزل ووقع في إيد معتز، هتبقى كارثة."
استغرب كثيراً.
"هتبقى كارثة ليه مش فاهم؟ ثم أنتِ لسه هتبعتي لهم؟"
"الفصل أصلاً عندهم، أنا خايفة يكونوا طبعوه عشان كده عايزة ألحقهم."
"من أي الخوف ده كله؟ من معتز؟ طب ليه؟"
أوقفت سيارة ركبتها سريعاً ليلحق بها في محاولة فهم الأمور.
أخبرت لينا السائق بالعنوان وحثته على السرعة.
"ما تفهميني يا بنتي، فيه إيه؟"
"هتفهم، بس مش دلوقتي يا حسام."
"بتتصلي مين؟"
"الدار، محدش بيرد."
"أنتِ عارفة الساعة كام؟... إحنا 3 الصبح مش هنلاقي حد هنا."
تضايقت من نفسها، فلولا غفلتها في منزله لما مر كل هذا الوقت.
كانت تحاول أن تناشد أي أحد من الأرقام التي تمتلكها لكن دون جدوى.
وصلت إلى المكان المحدد فترجلت سريعاً.
وبقي حسام يعطي السائق أجرته وتبعها.
"قولتلك، المبنى هيكون مقفول كله."
جلست على أحد الدرجات.
تعجب منها.
"بتعملي إيه؟"
"هيفتحوا امتى؟"
تعجب من سؤالها.
"ساعة سبعة."
"هستناهم."
انصدم منها.
"تستني مين؟ هتقعدي أربع ساعات هنا؟"
سكتت.
تنهد منها وبدأ في التعصب.
"يلا نمشي طالما مش هتتكلمي، أو أروح أسأل معتز عملك إيه عشان تخافي منه."
قبل أن يتحرك، أمسكت يده وقالت: "مش خايفة منه، خايفة عليه."
تعجب أكثر.
تركت يده وقالت: "معتز مينفعش يقرأ الفصل... هيعرف عن أخته."
"أخته؟!!!"
"قولت لك قبل كده إن مش أنا بس اللي روحت هناك، فيه ناس كتير منا راحوا ورجعوا... وفيه اللي مرجعش."
جلس بجانبها.
"قلقانة كده ليه يا لينا؟"
أعطته هاتفها وقالت: "ده آخر فصل كتبته، شامل الأحداث اللي عرفتها وأنا هناك في آخر مرة واللي عشتها."
أخذه منها ليقرأ ما دونته.
كان بريد معرفة تأخيرها لكن لم يشأ إزعاجها وقد أتت للتو.
لكن الفضول يتملكه كل ليلة عن غرق أختها في ذلك العالم طيلة تلك المدة.
ذلك يقرأ وسار الوقت عليهما وقد بزغ الفجر وهو منغرس في قراءته.
ملامحه تتضايق ووقت آخر تملأها الشكوك ثم القلق.
إنه يعيش ما عاشته أخته، لذلك يتفاعل بمشاعره مع هذا الكلام المكتوب ويتخيلها.
قفل هاتفه وهو بات يعلم كل شيء الآن مثلها.
"إزاي قادرة تكوني هادية كده وإنتي كنتِ هتموتي هناك لو سلمك ليهم؟"
"متقلقش، ربنا معايا وكنت واثقة إن فرناس هيحميني."
"متقوليش واثقة يا لينا، ده ملك وده شعبه يعني هما أولى.... الشخص ده متهور أو.... شجاع."
أعاد بأنظاره إليها.
"القدرة دي لسه عندك هنا؟"
"هوريهالك بس متخافش مني."
"هخاف من إيه؟"
صمت حين وجد سيارة تهتز من بعيد وترتفع عن مقر مجلسها.
نظر إلى شقيقته بصدمة ليرى تسرباً على جبهتها وهي تحاول العلو بها قدر الإمكان.
لترتفع شيئاً فشيئاً حتى أصابها التعب فوقفت لتقع السيارة أرضاً.
"زمانك كسرتيها، منزلتهاش براحتك."
نظر لرأسها المتعبة.
اقترب منها.
"إنتِ كويسة؟ أنا اللي مفروض أكون تعبان من اللي شوفته."
"لمة بستخدمها بتتعبني."
"أمال الساحرة دي تعمل إيه.... بس مفهمتش أي علاقة معتز بالعالم ده."
"أخو رزان."
"رزان مين؟!!! إيه؟!"
امتلكت الصدمة وجهه.
لكن رأى أخته جدية وتمتلكها معالم الحزن.
قالت: "معتز يعرف عن العالم ده وممكن يكون صدقني قبلك يا حسام.... كنت في الأول بستغرب ليه دكتور يصدق كلام عبيط غير مصدقي، بس النهاردة عرفت.... كانت أخته السبب."
"هي رزان من عالمنا؟"
"للأسف ونهايتها كانت وحشة أوي، أنا مكتبتش عن قصتها بس اسمها مذكور. ولو الفصل نزل معتز هيعرف إني عارفة بأخته، مش هيسكت غير ما يعرف اللي حصلها وأنا مش هعرف أقوله."
"قولي له."
"صعب، صعب أوي."
"ليه؟"
صمتت وهي تتذكر عيناه وهو يركض ليحمل البرواز المتهشم بقلق مبالغ فيه ويحاول إخراج الصورة.
"ممكن أعرف اهتمامك المبالغ بالعالم ده؟"
"أحب أحتفظ أسبابي لنفسي."
لقد كانت شقيقته هي تلك الأسباب أجمع التي جعلته يخاطر بمهنته وساعدها ووقف في أعلى منه ليجعلها فقط تحدثه عن العالم الذي يسلبها هناك.
تتذكر ذلك اليوم جيداً حين طلب رؤيتها في المقهى وسألها عن وجودها في الجامعة بتلك.
"إنت مصدق اللي قولتهولك عن العالم ده؟ أنا كنت بهزر."
"ليه متكونيش بتقولي الحقيقة؟ هصدقك بس صارحيني، العالم ده موجود فعلاً."
اهتمامه الشديد لم يجعلها في حيرة بل زاد يقينها أن رزان شقيقته هي من كانت تحرك دوافعه.
إنه يطمح في وجودها معه مجدداً.
يظن أنه على موعد في مقابلتها لكن.... لا يدري حقيقة أخته المؤلمة.
أفاقت على نقزة حسام الذي قال: "سرحتي في إيه؟"
"معتز ساعدني كتير يا حسام.... بس أنت متعرفش إن ده كان اتفاق بينا عشان أحكيله عن العالم ده...."
"مهتم أوي كده."
تنهدت بضيق وقالت: "مهتم يعرف أخته فين، ومينفعش بعد ده كله أروح أقوله إنها ماتت محروقة وهي لسه بتتنفس."
طلعها بشدة.
أردفت بحزن: "مقدرش أقوله عملت إيه عشان تخلي شعب يكرهها ويحتفلوا بموتها على إنه احتفال. مش هقدر أقوله أي حاجة عنها، صعب أوي. عندي أسيبه مش عارف هي فين ولا عايشة ولا ميتة على إني أواجهه بالحقيقة. إني خايفة على مشاعره. بقى اعتبره صديقي. قصتها ضيقتني برغم إني بعاني بسببها وإني معرضة هناك للخطر... مبالك معتز."
"إنتِ ليه بتتكلمي عنه وكأنه طفل صغير؟ ده راجل يا لينا، وأعتقد أن تعلقه بأخته مش شديد أوي كده، هو مجرد اهتمام خلقه لأنها سابته لما كان صغير. بتقولي كان عنده سبع سنين يعني طفل زي ده اتأقلم يعيش حياته كلها لوحده مش هيكون سهل يتكسر كده. حبه لأخته مقدور عليه بس مش لدرجة اللي بتتكلمي عليها دي لأنه معاشرهاش لازمن. هو عاش أكتر منها."
صمتت.
ربت أخاها على كتفها لتسترخي.
وقال: "توترك ملهوش داعي ولا خوفك. مش شايفه إن مشاعرك مبالغة؟"
"مجرد مشاعر إنسانية."
"شايفها أكتر من كده، ولا كأنك بتتكلمي بلسان أخته."
توقفت عند تلك الجملة وقالت: "لا صدقني ا..."
قاطعها.
سيل دمعه من عينيها جعلها تبحلق في الفراغ.
إنها تبكي من أجله.
ما تلك المشاعر الفياضة؟ إنها ليست لها.
اهتمامها لحزنه لتلك الدرجة ليس طبيعياً لعلاقتهم الغير قوية.
قال حسام: "لينا مالك؟"
"حاسه إن رزان بتطبع عليا."
تعجب كثيراً.
"إزاي مش فاهم؟"
تذكرت وجودها في المنزل لأول مرة حين رأت صورة داخل عقلها للمنزل قديماً.
وكانت المرة الأولى لها هناك، معرفتها لمكان دورة المياه وغرفة معتز، وكانما تدرس تفاصيل المنزل.
بدأ الأمر يرعبها.
قال حسام: "بتسرحي في إيه؟"
أفاقت والتفت له.
نفيت برأسها وقالت: "مفيش حاجة."
"هنفضل قاعدين كده كتير؟"
"مش هروح إلا لما أمسح الفصل وأتأكد إنه منزلش... قولتلك روح أنت."
"إنتِ غبية يابني، أروح إزاي وأسيبك لوحدك؟ إنتِ متهمنيش أنا بس مش هقدر أرد على بابا لما يسألني أختك فين وأقوله سيبتها في الشارع. هتبقى عبيطة في حقي."
كانت تؤمئ بتفهم وهي تضحك.
قالت: "مفهوم، خلاص عرفت إنك مغصوب على وجودك."
"بالظبط كده."
خلع جاكته ووضعه عليها.
ابتسمت وارتدته شاكرة إياه.
لطالما كان يستمر أخاها في عدم إظهار حبه لكن أفعاله تقول قدر الحب الذي يحمله تجاهها.
كان أقاربها يتضايقون من توحدهم سوياً، بحكم أنها لا تجلس سوى مع جدتها ومنعزلة عنهم.
ظنوا أنها وحيدة، لكنها من كانت تحب الانتماء إلى منبع فؤادها الدافئ.
تتذكر ذلك اليوم الذي تعرضت للمضايقة من قبل ابن عمتها ونعتها بال"متوحدة".
تشاجرت معه يومها وأمسكت بخصل شعره محاولة نزعها من رأسه كالقطة الشرسة.
لكنه أوقفها أرضاً وجرحت يدها.
"غبية."
ضحكوا عليها وهي تبكي.
"عيّوطة، عرفتي ليه محدش بيلعب معاكي؟"
"ولاااا."
صاح ذلك ولد في الخامسة عشر ليركض تجاهه بقوة ويدفعه أرضاً ليصبح بجانبها.
ركلة بقدمه بقوة وقال: "إزاي تتكلموا مع أختي كده؟"
بكى الولد وغضب البقية من تصرف حسام.
لكنه باشر في تعديل شقيقته على قدميها.
"إنتِ كويسة؟"
"أنا عيّوطة؟"
"تعالي نخليهم يعيطوا الأول وبعدين نقرر مين العيّوطة."
ابتسمت وأومأت له بانتقام.
انتهى الأمر بشجار الصغار وكان يلقي عليها الأطفال وهي تضربهم.
كانوا صغاراً عنيفين وتلقوا الضربات العديدة أيضاً.
حيث عادوا إلى المنزل جميعهم وهم في فوضى عارمة.
تلقى حسام التوبيخ لمدة يومان من والده والعائلة بأكملها.
وبرغم حزنه من غضب والده بشأنه أخفاه عن شقيقته كي لا تشعر بالذنب.
أصبحت الساعة السابعة صباحاً وهم مستقرين في جلستهم منذ الليل.
كانت لينا تتابع الطريق لترى أي طيف يقترب منها لكن لا يوجد أحد.
كانت تهاتف المسؤول عن النشر وكان لا يرد.
لكن في آخر مكالمة لها رد.
"الو."
" حضرتك عرفني أنا الكاتبة لقصة المصورة."
"أيوه عارفك طبعاً، خير فيه حاجة؟"
"أنا قدام الدار، محدش جه لحد دلوقتي."
"النهاردة السبت ودي إجازة لينا."
صمتت بضيق وخشيت أن يسمع أخاها ذلك.
"أظنك بعتي الفصل وهو هيتنشر."
"لااا، أنا جايه عشان كده، قبل أما يطبع."
"هو فيه حاجة؟"
"لو سمحت، لازم البارت يتمسح.. لو تقدر تخلي حد يساعدني."
"خمس دقايق وأكون عندك."
"تمام شكراً."
أقفلت الخط وعادت إلى حسام.
وقالت: "زمانه جاي."
"ولو الفصل اتنشر، هتعملي إيه؟"
"حسام متقولش."
جلس بضيق.
وبعد بضع دقائق، رأت رجلاً يعبر الطريق ويصدر صوتاً أثر المفتاح الذي في يده ليقف عندهم وينظر إليها بشدة.
نظرة غريبة.
قالت لينا: "شكراً إنك جيت مخصوص عشاني."
"ده إنتِ فعلاً؟!!"
"هو فيه حاجة؟"
همهم الرجل وقال: "لا أبداً، أنا بس توقعت الكاتبة أكبر من كده، مكنتش متخيل إنها بنت."
قالت لينا: "وطالبة في تانية كلية."
"واضح مش محتاجة تقولي."
تضايقت فهل تبدو صغيرة الشكل.
مد يده إليها بابتسامة وقال: "أنا من معجبينك."
كانت مندهشة منه وصافحته مبادلة التحية بسعادة.
وقالت: "قرأت القصة؟"
"اكيد، جميلة أوي لدرجة إني مستنتش الفصل اللي بعتيه يطبع وقرأته.. أنا أسف..."
سكتت قليلاً ثم قالت: "تمام ممكن بس ندخل بسرعة."
"اه، أنا آسف تاني."
فتح الباب ليدخلا معه وكان يرشدهم إلى الطريق.
دخل إلى مكتب وعمل إلى الكمبيوتر ليقول: "إنتِ عايزة إيه من الفصل؟"
"محتاجة أعدله بس."
"هتضيفي حدث جديد ولا تمسحي؟"
صمتت ثم قالت: "مبعتش صح؟"
"لا، اتفضلي عدلي."
أفسح الكرسي لها لتجلس بجانبه وتلفت في البحث اسم "رزان" والعمل إلى نحوه بالكامل من الفصل وتبديل بلقب آخر.
كانت متوترة من عيني ذلك الرجل الذي يثقب الحاسوب ويرى تعديلات بفضول.
انتهت أخيراً وأرسلته مع إطلاق تنهيدة بارتياح.
نظرت إلى أخيها بابتسامة بمعنى أن المهمة قد تمت.
أثناء طريقها للعودة إلى المنزل سألها حسام: "مسحتها من القصة؟"
"لا."
"إزاي؟"
"رزان مهمة في مسار الرواية مينفعش أمحيها."
"بعدين؟!!"
"مذكرتش اسمها، غيرته من رزان إلى لقب شعب غوانتام.... الساحرة."
كان غسان جالساً على الكرسي مع زوجته التي تبدو في قلقها الزائد.
"هما راحوا فين، مرجعوش من امبارح."
قال غسان: "أخوها معاها، كنا معاها كلنا واختفت بينا."
صمت حين قالت ذلك وهي تدرك أنهم لا يستطيعون حمايتها من اختفائها في الوقت الذي تسلب فيه.
إنه أمر لا يناقش.
فتح الباب ليدخلا سوياً.
ركضت والدتهم بلهفة ورأت معالم وجوههم المنهكة.
"كنتوا فين؟"
لم ترد لينا وتوجهت لغرفتها بصمت.
تعجبت وقالت: "مالها يا حسام؟"
لم يرد هو الآخر وغادر.
تعجب منهما لكنهما كانا متعبين من ليلة البارحة الذي لم تغف أعينهما بسبب بقائهم أمام الدار.
لقد كانت الصدمات كثيرة ودخل شخص جديد إلى تلك القصة التي باتت معقدة.
كانت لينا مستلقية على سريرها تغط في النوم بملابسها الذي لم تبدلها ونامت بها لفرط إجهادها أو لشدة كسلها ورغبتها في النوم.
لكن لم تكتمل نومتها الهنيئة واستيقظت على صوت رنين هاتفها الذي لا يتوقف.
اعتدلت بارق يملأ كلتا عينيها وكانت أن تقفله، لكن حين رأت اسم المتصل أصابتها وخزة واستيقظت.
لقد كان معتز الذي اتصل عليها لأكثر من أربع مكالمات فائتة.
تجاهلتها.
إنه لا يهاتفها عادة وبتلك المكالمات الكثيرة.
هل حدثت مصيبة ما؟
اعتدلت وهي تجيب لكنه باشر في التحدث.
"إنتِ فين؟"
"في البيت، فيه حاجة؟"
"ممكن نتقابل، عايزك في موضوع مهم."
ارتبكت من قوله لتسأله: "موضوع إيه؟"
"هتعرفي لما أشوفك."
"دلوقتي؟"
"لو مكنش مهم مكنتش طلبتك، عندك حاجة يا لينا؟"
"لا، حاضر جايه."
أنهت المكالمة وهي حائرة في ذلك الأمر المهم الذي يريده بتلك الإصرار من أجله.
هل ممكن أنه يريدها بشأن أسئلته حول ذلك العالم؟
ألقت هاتفها جانباً بضيق.
قالت: "أنا عايزة أنام، ياريتني ما رديت."
نظرت إلى سريرها باشتياق ثم تنهدت لتقوم وتبدل ملابسها.
وصلت إلى النادي الذي كان مكان مقابلتهم.
بحث عنه بعينيها لكن التقطت شخصاً يركض في التراك يرتدي تريننج رياضياً رمادي اللون.
تأكدوا أنه هو حين توقف فور رؤيتها مع تسارع دقات قلبه وإجهاده.
تقدم منها.
"جيتي امتى؟"
أعطته قارورة ماء.
قالت: "لسه جايه."
شرب شربته الصغيرة شاكراً إياها.
وبقيت القارورة في يده ولم يعيدها إليها.
ساروا قليلاً سوياً لتبدأ في الحديث.
"مش هتقولي عايزني في إيه؟"
"تعرفي رزان؟"
كادت أن تسمع صوت قلبها ينتفض فزعاً من السؤال ومن يسأل بالتحديد.
نظر إليها من صمتها ذلك وظهرت لمعة في عينيه خال أنها تعرفها.
لكن عقدت حاجبيها وقالت: "مين رزان؟"
"يعني متعرفيهاش؟"
"اكيد لو كنت أعرفها مكنتش سألتك مين دي اللي بتسألني عنها."
اقترب منها فتوقفت عن السير من نظرته الغريبة.
"فيه حاجة؟"
"متحاوليش تكدبي يا لينا."
"أكذب؟!"
قال بانفعال وظهر الغضب في عينيه.
"أنا مش غبي... نظرتك امبارح تدل على إنك تعرفيها أوي، خصوصا صدمتك وإنتي ماسكة الصورة ولما عرفتي إنها.... إنها أختي."
نظرت إليه من حدته وتحول نبرته بل تحوله هو تماماً لمجرد حديثه عنها.
أدارت وجهها بضيق.
قال معتز: "أنا آسف."
"أختك اسمها رزان، عمتا أنا كنت مصدومة من اختلاف الشبه اللي بينكم.. بحسبها والدتك في الأول عشان كده اتفاجأت إنها أختك اللي قولتيلي عليها."
اقترب منها أكثر ونظر في عينيها.
توترت من عينيها المباشرة ليقول: "اتفقنا منخبيش حاجة عن بعض، ارجوكي لو تعرفيها قوللي."
إنه لثاني مرة يرجوها والسبب هي أخته، لكن اعذرني يا معتز، لم يكن اتفاقنا ينص على "رزان" بل كانت "غوانتام".
قالت بتنهيدة: "صدقني معرفش إنت بتتكلم عن إيه، لسه عرفت أختك امبارح ومنك، ليه بتسألني عنها.. اسألها هي مش أختك؟!"
قالت آخر جملة وهي تنظر إليه مع تبدل ملامحه اليائسة.
وقال: "ياريتني كنت أقدر."
"ليه؟ قولتلي إنها اللي رعتك بعد وفاة باباك ومامتك."
"مكنش عندي غيرها."
شعرت بالحزن قليلاً ثم قالت: "هي فين؟"
"معرفش."
ظنت أنه سيخبرها أنها قد ماتت لكنه لا يعلم هذا الأمر حتى.
جلسا على المقعد مع تبادل الصمت قليلاً.
لم تكن لتضغط عليه لكن تريد أن تنهال عليه بالأسئلة لمعرفة ما داخل قلبه.
"سابتك؟"
"اختفت."
توترت قليلاً حين وصف الأمر بذلك ليكمل: "كان زي اختفائك يومها في المدرج وظهورك في نفس المكان بالليل، اختفت مرة وظهرت بس اختفائها التاني.. كان طول."
"استنتجت إن اللي بيحصلي هو نفسه اللي حصل لأختك."
أومأ إيجاباً.
وقال: "عارفة السبب إني أعيش بحارب وعاوز أوصل لطموح عالٍ هو إيه يا لينا؟"
نفيت برأسها.
اقترب وقال: "رزان السبب، عشان تفتخر بيا وإني بقيت شخص محترم زي ما كانت عايزاني."
شعرت بغصة قوية وقفت في حلقها من الاستماع إليه.
تنهد تنهيدة عميقة.
وقال: "لما أهلي اتوفوا في حادثة كانت هي هي أهلي من بعدهم، اكتفيت بوجودها وعيشنا سنة أهملت دراستها بسببى، قامت بدور الأم والأب.. كنت أحاول متشاغبش في المدرسة عشانها بس لما كان يجيلك استدعاء، كانت هي اللي تقوم بدور ولي أمري."
"معتز إيه اللي حصلك؟"
كان يقف ولد عند الباب متسخ وجهه وشفتيه مجروحة.
انفضه من ذلك الغبار وهي تنظر إلى حالته المزرية.
قالت: "اتخانقت مع حد؟"
كأنها أدركت الأمر لكنه نفى.
وقال: "وقعت."
"قول يلا، اتخانقت مع مين؟"
"متخانقتش."
"فين الاستدعاء؟"
"مفيش."
خلعت جاكته لكنه صاح فيها.
أمسكته بقوة وفتشت ملابسه لتخرج الجواب الذي يدفنه في جيوبه.
حاول أن ينتشله من يدها لكنها عقدت ذراعيه فصرخ متألماً وظلت تقرأ ما كتب ثم تركته.
نظرت إليه وكان يجلس مطأطأ رأسه.
وقال: "أنا آسف."
"متتأسفش، عارفة أمك مبتغلطش بس ممكن أعرف عمل إيه؟"
لطالما كانت تحنو عليه لتشعره بعدم فقد والدته.
يرى غضبها من الأمر لكن لم تغضب عليه محاولة عدم جرح مشاعره.
"ولد قالي إني يتيم."
ظهر غضب رزان وأطاحت فازه بجانبها فانفزع من فعلها.
كانت سريعة الغضب وعصبية وأوقات تكون مخيفة مع أي أحد سواه.
"عيطت."
سكتت.
فصاحت فيه: "رد عليا، عيطت.. قولتلك إنك مش يتيم أنا عيلتك اللي مش قادرة تفهم، إحنا عيلة ومحدش يقدر يفرقنا."
سمعت.
أمسكت وجهه الصغير بين يديها ليؤمئ بتفهم.
فعانقته كي لا يبكي وألقت الجواب أرضاً.
لم يعلم هل ستأتي أم لا لذلك كاد أن يغيب من المدرسة لكنها منعته وأصرت على حضوره.
لم يعلم أنها ستأتي مرتدية أفضل ملابس لديها ويبدو متألقة لتشرفه بين زملائه.
لكنها ارتدت ما يجعلها قوية حيث لم تتفاوض في حل الأمر مع عائلة الولد بل تشاجرت معهم وعنفتهم بتوبيخ وهي تدافع عن أخيها بحدة.
"ابنك غلطان وشوه وش ولد، جايه تغلطي زيه مش تعتذري."
"ابنك قليل الأدب."
"إنتي بتقولي إيه؟"
"لما يقول لأخويا يا يتيم يبقى قليل الأدب."
صمت الرجل ونظر إلى ابنه الذي خفض رأسه.
"لكل فعل ردة فعلك، ثم ابنك مش هو بس اللي اتأذى.. هو كمان كان راجعلي بنفس الحالة، الاعتذار لازم يكون منكم."
"إيييه؟!!"
"لو عايز ترفع قضية تعويض معنديش مانع، بس عندك استعداد تعوض التعويض الجسدي والنفسي اللي سببه ابنك لـ معتز."
كان معتز واقفاً بجانبها لم يكن يهتم لأحد ولا لشجار ذاته.
كانت عيناه معلقة عليها وكأنما ذلك السند الذي شعر بأنه قد تفتت بموت عائلته شيد أقوى من قبل.
إنه ليس وحيداً ولا يتيماً.
معه أخته التي بمثابة عائلته أجمع.
عاد ذلك اليوم سعيداً يمسك يدها بافتخار كالولد المتعلق بكف أمه.
يخشى تتركه فينزل في أحد الحفر العميقة.
أصابت الحرارة عينيها وحين تنظر إليه ومشاعرها تفيض.
يشده وتحاول التحكم بها.
ابتسمت لينا.
وقالت: "باين إنها قوية عشان تتحمل مسؤولية طفل ومسؤوليتها برغم سنها."
"مكنتش كده."
تضايقت ملامح بحزن واردف: "كانت أضعف مني بس كانت بتحاول تكون قوية... لما مشيت فضلت مستنيها قدام الباب على أمل إنها ترجع."
كان الجو شديد البرودة.
لم تكن الرياح نسيمية بل كانت تحمل أشواك الشتاء بلياليها الجافة.
كان الأمر قاسياً على ولد يجلس أمام باب منزله على رصيف الطريق ينظر يميناً وشمالاً وعيناه تنهال بالبكاء بصمت.
وحيداً في الشارع يشعر بالبرد ولا يجد من يدفئه.
كانت كل أمنيته في ذلك الوقت هو حضن دافئ كأي طفل ينعم بحضن عائلته داخل منازلهم.
كان هو يجلس بالخارج يدعو أن يراها تظهر من بعيد، تعتذر له عن تأخرها وأخبره عن غيابها.
"رزان، هستناكي العمر كله.. لو اضطريت أموت في مكاني لحد ما ترجعي وأنا مستنيكي."
لم يكن كلام صبي ضعيف الإرادة بل كلام صبي عنيد لا أمل له في الحياة.
وكانما طريقة انتحار أقنع بها ذاته حين اختفت عنه أدرك أنه ليس شيء.
إنه نكرة إن مات لن يهتم أحد به غير ماله.
ماله الذي ستأخذه الدولة.
استغرق الأمر ليلة ولم يتحرك.
ظل ساكناً لتمر الليلة الأخرى مع شحوب وجهه وتثلج جسده.
كان الناس ينظرون إليه باستغراب ويحاولون مساعدته لكنه لم يكن يجيب أحد.
وبعضهم بظنه أنه متسول برغم أن منزله خلفهم.
مرت الليلة الثالثة بدون طعام ولا شراب.
لم يجدها ولم تعد هي إلى المنزل.
ضعف جسده وصار وكأنما الموت يصاحبه.
إن لم يقتله الطعام سيقتله البرد وتصلب بشرته.
مر عليه أحد وتوقف عنده بالتحديد.
ظن أنه أحد المسؤولين الذي حدثه الجيران لإيجاد حل لذلك الطفل الذي يرمي نفسه للهلاك.
لطنه بدا غريباً حيث جلس بجانبه وظل جالساً معه لأكثر من أربع ساعات.
"مش ناوي تدخل البيت؟"
لم يرد عليه.
لم يكن يعلم هل كان عناداً أم لأن لسانه تشنج.
"فاكر إن أختك هتفرح لو لقيتك كده؟"
كانت تلك الجملة كفيلة أن تعيد نبضة حياته لينظر إليه باهتمام.
"كانت بتكره عنادك، متخليهاش تكرهك شخصياً."
"رزان."
قال اسمها وعيناه تمتلئ بالدموع.
ربت عليه ذلك الشخص وشعر بدفء يده لدرجة أن ظهره التقط من دفئه وسارت دماؤه في حركة سريعة لتعود ودورته الدموية شديدة النشاط.
كان الموت قريباً منه.
إنه الآن يبدو معافى من أي مرض كان.
"إنت مين؟"
"رسول."
تعجب منه.
وضع له حقيبة أمامه وقال: "كل."
نظر له ليفتح الحقائب ويرى طعاماً.
وحين أخذ أول قضمة كانت ساخنة.
"اللعنة.. كيف... إنه يجلس معه منذ أربع ساعات كاملة، كيف الطعام محتفظ بتلك الحرارة."
"إنت تعرف أختي؟"
"وأعرفك أنت كمان يا معتز."
"إنت مين؟"
"ممكن أقول.... صديق للعائلة."
"تعرف هي فين، رزان؟!!!"
صمت لكن نظر إليه قليلاً ومسح على رأسه.
وقال: "قريبة منك، شايفاك ومعاك في كل وقت."
"عايز أشوفها."
"هتشوفها، بس مش دلوقتي."
"امتى؟"
"بعد عمر طويل."
لم يفهم كلامه وهو يمسح على رأسه بطاقة من الدفء.
ليقف وينظر في عينيه.
رآها شديدة السواد لكن حاجبيه بيضاء كالثلج.
"خلي بالك من نفسك."
قال ذلك وابتعد عنها رويداً رويداً ليختفي من أمام ناظريه.
لا تزال رائحة الحريق تملأ المكان.
الأرض دافئة وكانما هناك من يجلس بجانبه.
جسده وكل شيء أصبح مليئاً بطاقة حانية.
من يكون ذلك؟
"ملاك."
لقبه بذلك في هذا الوقت لغرابته الشديدة وتغير حياته بسببه.
لا يعرف كم مر من الوقت لكن حينما بدأ يكبر وينضج في تفكيره يتساءل عن ذلك الملاك.
أم لعل لم يوجد ملاك من البداية.
لقد كان الوهم مسيطراً عليه وأيقظ ذلك الطفل في لحظات الأخيرة.
كان يخرف لهلاوسه.
إذا عاد من ذاكرته وقال: "اتأقلمت بس منستش ولا هنسي إني أختي اتاخدت مني."
توقف حين نظر إليها وتفاجأ من تلك الدمعة الذي سالت.
اعتدلت أيضاً بتفجر ولامست دمعتها بصدمة شديدة.
هل مشاعرها رهيفة لذلك الحد؟
ماذا أصابها؟
قال معتز: "إنتِ كويسة؟"
إنها تريد البكاء، تشعر بالحزن الشديد وتود ولو كأنها تريد احتضانه على أنه ذلك الولد لكنه رجل.
إنه رجل يا لينا، ليس ذلك الطفل الذي يتجسد في ذهنك.
قبضت على يديها وقالت: "أنا كويسة بس مضايقة بسبب اللي عشت فيه."
إنها غاضبة.
لم يكن من الضروري أخذ رزان وهي عائلة طفل يتيم، بل كانت يتيمة أيضاً.
لما جعلوا حياة اثنين تعيسة.
لما كي هذه ونحن لا نمتلك حق الرفض.
تنهدت مستغربة من غضبها وحزنها عليه.
قالت: "عشان كده عندك فضول تعرف عن العالم التاني؟"
"دراسة العوالم المختلفة كانت من ضمن بحوثاتي عنها. هي ممتتش ولا اتخطفت هي اختفت.. حتى البوليس ملقاش أثر ليها.. وده لأنها مش في العالم ده."
"كان قصدك إيه يومها؟"
نظر إليها وتذكر حين هاتفته وأخبرته أنها عند منزله.
كان ذلك اليوم يفكر فيها طوال اليوم وسماع صوتها أشعره بنبضة أمل فقدها منذ زمن.
دمعت عيناه حين رآها رغم عنه.
"خفت مترجعيش تاني."
تنهد وقال: "مكنتش عايزك تختفي إنتِ كمان زيه."
لم تتخيله.
لقد كاد أن يبكي حين رآها فرحاً لعودتها.
كان خائفاً ألا تعود مثلما فقد أخته سابقاً.
الأمر صعب لديه أن تكرر أمامه ذات الحادثة.
حادثة اختفاء بلا رجعة.
قالت لينا: "مفكرتش إن ممكن يكون حصلها حاجة."
"كل حاجة فكرت فيها بس احساسي بس اللي كنت بصدقه... واثق إنها موجودة معايا، قريبة مني أوي.. ودلوقتي أو بكرة هنتقابل."
دق قلبها حين رأت عينيه المشعة أملاً في لقائها.
لتقول: "لو ميتة؟"
نظر لها حين قالت ذلك وخشيت من نظرته فقالت: "محطتش الاحتمال ده مش كده؟"
"محسبتوش ولا عايز أحسب احتمال زي ده.... أنا عايش عشانها، أشوفها تاني وأسألها ليه سبتني... احتارت كده ولا كان خارج عن إيدها."
شعرت بالحزن عليه وصمتت.
ذهب كل كلامها من نقاشهم ذلك.
تعقد الأمر ولم يعد أمامها فرصة أبداً في إخباره.
ذلك الشخص أنه يعشق أخته، أنه يراها عائلته التي سلبت منه ويريد استرجاعها.
الطفل الذي يريد إعادة لعبته المسروقة.
قال معتز: "عرفتي أسباب اهتمامك بالعالم اللي بتروحيها؟"
أومأت إيجاباً وليتها لم تفهم.
قالت: "أسبابك معقدة زيك بالظبط.. متخيلتش إن قصتك تكون قاسية كده يا دكتور."
نظرت أمامها وكان هناك صغار يركبون دراجاتهم وهناك من يلعبون بالكرة.
ابتسمت وقالت: "مطلعش أنا بس اللي استغلالية."
استغرب.
وقال: "مش فاهم."
"بقيت تعاملني حلو من بعد يوم الجامعة لما كان الموضوع مشابه لي."
"كنت بعاملك وحش أوي كده؟"
"مش أوي يعني بس علاقتنا مكنتش حلوة إننا نقعد نتكلم مع بعض زي دلوقتي... مكنتش بتشوف نفسك وإنت بتقولي (براااا)."
ابتسمت بغيظ من تذكر إحراجها في ذلك الوقت.
قالت: "كنت حاسة إني قتلت لك قتيل."
"الموضوع مكنش كده بالظبط."
"أمال إيه، أنا عملت لك حاجة ضايقتك؟"
"كان سبب ضيقي هو إعجابي ناحيتك."
قال ذلك ببساطة.
أومأت بتفهم لكن توقفت باستيعاب ونظرت له بشدة بأعين تتسع من مقلتيها لفرط صدمتها لتلك الجملة الذي اخترقت أذنيها.
التفت إليها مؤكداً بعينيه الجدية.