تحميل رواية «سرداب غوانتام» PDF
بقلم نور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اتأخرت أوي ع الجامعة. جريت وقفتها أمها. "خدي دوقي." خدت قطمة من الساندوتش. "حطي رشة فلفل أسود وهتبقى زي الفل." قالت هاجر. "بقيتي تعلقي على أكلي؟ الله يرحم ما كنتي بتاكلي وتبوسي إيدك وش وضهر." "باست إيدها وش وضهر." قالت. "آه." وضحكت. شافت الساعة. "صوتت وطلعت تجري: يالهوي فاضل ربع ساعة.. أنا ماشية." كانت هتخبط في أبوها. لفت بسرعة. "خبطت في الحيطة." قال غسان: "إنتي كويسة؟" "آه آه .. أنا كويسة." كملت جري وهي بتقول بخوف: "بس مش هكون كويسة لو اتأخرت أكتر من كده." قالت هاجر: "استني يا لينا إنتي مفطرتيش...
رواية سرداب غوانتام الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور
بقيت تعاملني حلو من بعد يوم الجامعة، لما كان الموضوع مشابه لي.
كنت بعاملك وحش أوي كده؟
مش أوي يعني، بس علاقتنا مكنتش حلوة إننا نقعد نتكلم مع بعض زي دلوقتي. مكنتش بتشوف نفسك وأنت بتقولي (برااا).
ابتسمت بغيظ من تذكر إحراجها في ذلك الوقت.
كنت حاسة إني قتلالك قتيل.
الموضوع مكنش كده بالظبط.
امال إيه؟ أنا عملتلك حاجة ضايقتك؟
كان سبب ضيقي هو إعجابي ناحيتك.
قال ذلك ببساطة.
أومأت بتفهم، لكن توقفت باستيعاب ونظرت له بشدة بأعين تتسع من مقلتيها لفرط صدمتها لتلك الجملة التي اخترقت أذنيها. التفت إليها مؤكداً بإعينه الجدية، فزادها صدمة.
ابتسمت، ضحكت وقالت: إعجاب؟!! بتتريق عليا مش كده.
لم يرد عليها بينما كان ينظر إليها وهي تضحك.
كان بيطردني عشان معجب بيا.
حولت الموقف من جدية إلى نكتة مبالغ فيها لكسر الحرج الذي هي عليه. لكن ما لا تريد تصديقه هي عينه الذي كان يتابعها ولم تلحظهم. ابتسم وهو يبادلها المزحة السخيفة كما ادعت هي، وكأنه لم يرد إحراجها أكثر من ذلك. لكن الحقيقة... الحقيقة هي أنه كان صادقاً في كل كلمة قالها.
في المساء على السفرة كانوا يحظون بعشاء. لم تشاركهم "لينا" الجلسة.
بادر "حسام" وقال:
لينا فين؟
قالت "هاجر":
رجعت من برا على السرير.
قال "غسان":
هي خرجت تاني؟!
قالت "هاجر":
آه، فجأة كده بعد ساعتين من رجوعها قالت إنها خارجة.
نظرت إلى ابنها وقالت:
انتوا سهرتوا فين امبارح؟ أكيد مكنتوش عند دكتور "معتز" كل ده.
قال "حسام":
وإحنا في الطريق عرفنا إن فيه مشكلة في بيته والدنيا عنده بايظة. فضلت معاه لحد ما الصيانة جت وصلحوا العطل ومشينا.
أومأ بتفهم. كان لا يعلم أن نطلت عليهم أم لا، لكن يفكر في شقيقته وأين ذهبت مجدداً والنوم يأكل عيناها. يعلم أنها كسولة ولا تتخلى عن نومها إلا أن حلت كارثة. ما نوع الكارثة الذي جعلتها تترك نومها.
في الليل كانت نائمة بهدوء تام، لكن ضمت ذراعيها حين أصابها شيء من البرد، لكن ازداد شيئاً فشيئاً. شعرت بالبرودة الشديدة.
استيقظت وهي تبحث عن غطاء برغم أنهم في الربيع. ما كل هذا البرد المحتل في غرفتها.
وقفت، لكن جلت سريعاً ورفعت قدماها من على الأرض. لم تستحمل بشرتها الثلج الذي وقفت عليه. الأرض مجمّدة. بل الغرفة بأكملها درجاتها تحت الصفر.
نظرت حولها بخوف، لكن توقفت أعينها بصدمة حين وجدت الكتاب معلقاً في الهواء.
اتسعت عيناها على مصراعيها وازدادت ضربات قلبها خوفاً. وجدته يدور وكأن هنالك من يمسكه ويقلبه بين يديه.
توقف فجأة. كانت خائفة من ما يحدث أمام أعينها وتكاد تجمد من خوفها وليس من البرد.
وقع أرضاً ليتوقف الزمن للحظة. حلت على ركبتيها تنظر إليه وهو مصاحب الأرض. شعرت أن البرودة توقفت، لم تقل، لكن لم تعد تزداد.
أنزلت قدماها بحذر، وحين لامست الأرض وجدتها اعتيادية.
سارت نحو الكتاب بهدوء. التقطته فشعرت بدفئه وكأن هذا الكتاب روحاً مكنونة بداخله. حين تلمسه تصيبها مشاعر الحزن والكآبة. تشعر بالغدر والخيانه. مشاعر سيئة تجعل قلبها محبطاً. وكأنها تعرف قصته كاملة. لكن الحقيقة أنها لا تعلم ما بالداخل وما قصته. الأمر غريب. الغرائب اجتمعت على كاهلها.
كانت جالسة في غرفتها في الصباح مع كمبيوتر المحمول، تعبث بكلماتها وترسم بعض الشخصيات التي لم تتقن رسمتها. تسعد كثيراً حينما ترى آراء متابعيها. لقد ازداد عدد القراء على آخر فصل قامت بنشره. أصبحت قصتها رائجة. تعلو بعض الصفحات. ينشرون الضحكات "ميمز" حول الشخصيات فتضحك معهم. وتستشيط غضبها حين يتغزلون بـ "فرناس". يأخذون رسوماتها ويعدلون عليها بالجرافيك عبر "fan art". تعترف أنهم فنانين بحق وقلمهم يمتاز عنها.
لينا ممكن تجيبلي طلبات؟
قالت ذلك والدتها. كانت عائلتها على زيارة غداً وتستعد لضيافتهم.
حاضر يا ماما.
لملمت حاجتها وخرجت للتسوق. كانت تحب ذلك. الأمر فلم يكن شاقاً. إنها تعشق التسوق لوالدتها.
كانت تحضر معلبات التونة وتقرأ مكوناتها إن كانت هي من ترغب بها.
المدونة هنا.
اتصدمت ونظرت للمتحدث واندهشت حين كان "معتز".
بتعمل إيه هنا؟
نفس اللي بتعمليه. اتفاجأت لما شوفتك. بحسك تايهة يا "لينا".
أنااا؟ بتتريق. ثم تقصد إيه بالمدونة؟
بطلة القصة اللي بتحكي مغامرتها. مش إنتي برضو؟
إنت مش سهل.
ابتسم ونظر إلى العلبة التي بيدها.
العلبة بالمقلوب. بتقرأى عكس.
اتحرجت ووضعتها في السلة وقالت:
مكنتش بقراها.
عندكو ضيوف ولا إيه؟
عرفت منين؟
شايفك واقفة ناحية اللحوم.
زيارة عائلية قبل شهر رمضان.
أومأ بتفهم. نظر إليها قليلاً وقال:
إيه موضوع الملك "فرناس"؟
نظرت له باهتمام لذكر اسمه.
ماله؟
القصة متمحورة عليه.
لأنه بكل كتابي في الواقع.
بتكلم عن كلامك عنه. باين إنك معجبة بشخصيته.
ارتبكت قليلاً لكن ابتسمت وقالت:
لو اتعاملت معاه هتحطلي أسبابي.
أومأ بتفهم وقال:
أعترفلك بحبي المرة اللي فاتت؟!
امتلأت وجهها بالدماء وهي تتذكره، تابعها "معتز" ليرى تعبيراتها، فقالت:
عشان أرجع.
صمت، لكن رن هاتفه رد عليه.
حاضر أنا جاي.
قالت "لينا":
وراك معاد؟
ندوة عن بحث كنت بشتغل عليه. تحبى تيجي؟
ينفع؟!!!
لا، بس هعرف أخليكِ تحضري.
ده عشان إنت "معتز" ولا ماسك تهديدات على الكل؟
ابتسم أشار على حاجتها وقال:
هعمل مكالمة، استني عند الكاشير.
ذهبت مع مشترياتها. أثناء إخراج المال لمعرفة المبلغ، رأت العاملة تضع بطاقة ائتمانية.
استني. إيه ده؟ الفلوس في إيدي.
بس الشخص ده اداني الكارت وقالي إنك تبع حضرته.
نظرت للخارج رأته "معتز". تضايقت من تصرفه.
أخذت البطاقة منها وأعطتها المال.
ده الحساب.
أومأ إليها. وضبت مشترياتها في الحقائب. انتهت حملتها. وحين أخرجت أنهى مكالمته حين رآها وتقدم ليحملها منهم.
ابتعدت عنه وقالت:
إيه اللي إنت عملته ده؟
عملت إيه؟!
أخرجت بطاقته وأعطته إياها. علم سبب ضيقها. أخذها منها. ابتعدت عنه فأخذ الحقائب من يدها.
قال:
خليني أوصلك.
أشار لها على سيارته. ذهبت معه.
قال:
مكنتش أقصد أي إساءة ليكي.
حصل خير. المهم متتكررش.
فتح حقيبة السيارة ووضع حقائبها. شكرته ذهبت ليركبا. حين فتح "معتز" باب السيارة توقف حين رأى عجوزاً وقع أرضاً. ذهب لمساعدته. وفور أن تحرك من مكانه، انحرفت سيارة بسرعة قصوى أطاحت بالباب واصطدمت بالعمود.
من فرط صدمته ظل واقفاً متصنماً بما رآه. اجتمع الناس حول الحادث وسائق السيارة عن سيره بذلك الجنون. لكنه ظل يرى باب السيارة المنتزع، وتخير نفسه مكانه لو أنه لم يتحرك لمساعدة ذلك العجوز لكان الآن... لكان ميتاً لا محالة.
التفت إلى "لينا" التي كانت مصدومة مثله. بحث عن العجوز بعينيه، لكن لم يجده. ذهب وهو يبعد الناس ظناً أنه بينهم.
قالت "لينا":
معتز!
تعجبت منه. وحين كادت تلحق به، أوقفها اهتزاز قوي لحقيبتها. وحين ألقت نظرة، كان الكتاب الذي صاحبها. إنه هو. أتى لإرسالها إلى عالمها الخاص.
رفعت وجهها لترى "معتز"، لكن توقفت حين رأت من يخطو بجانبها. لتجده ذلك العجوز. طالعته بشدة من وجوده هنا. كادت أن تلحق به لو أنها صعقت بضباب يلتصق بها.
شعرت بشيء خشن تجلس فوقه. فتحت عينيها لترى مكاناً غريباً أشبه لها باسطبل خيول. وحين سمعت زمجرة فرس علمت أنها أصابت.
اعتدلت وسارت قليلاً لعدم فهم من وجودها هنا. رات "فرناس" أخيراً. ذلك الوجه الذي انتظرت رؤيته من جديد واشتقت لعودتها من أجله. ها هو أمامها الآن يقف عند حصان أسود حاد اللون ينتصف جبهته نقطة بيضاء على شكل نجمة. يبدو مميزاً مثل صاحبه تماماً.
كان يمسد على عنقه ويبدو أن الحصان رفيقه وليس حيواناً له. لم تعلم بأنه يميل للخيول، لكن يبدو لطيفاً.
يبدو وكأنه رفيقك.
كسر ما كان فيه.
سرعان ما وضع يده على حزامه وقبل أن يعلو بسيفه عند عنقها، توقفت عيناه حين وجدها. فدهش من عودتها.
"لينا".
طال الغياب مثلما طال بقاؤك الملل الفائت.
اقتربت منه. زمجر الحصان وارتفع عالياً. خافت منه، لكنه أمسكه وربت على رأسه وكأنه يخبره لا خوف منها. هل يفهم ذلك الفرس أن الأغراب خطر عليه. لكنها ليست غريبة.
اقتربي.
هل أنت متأكد؟ لا أريد الموت الآن.
أشار إليها فتقدمت بقرب منه بتردد، لكن انحنى برأسه قليلاً إليها. تعجبت كثيراً. فهي لا تفهم لغة الخيول. قرب رأسه منها. أشار "فرناس" إليها. رفعت يدها قليلاً تخشى أن يطيح بها أرضاً، لكنه تركها تربت عليه مثل صاحبه.
ابتسمت باستمتاع وهي تمسك على عنقه الصلب.
هل هو يفهم؟
شعرت وكأنه خائف عليك مني.
أظن ذلك.
هل أبدو لك مخيفة؟
إنكِ أكبر مخاوفي.
نظرت إليه من جملته. قاطعهم صوت من الخارج بوجود أحد. أسرع واقفاً خلف الحائط خشية أن يراها أحد. لتدرك أن أمرها قد فضح في ذلك القصر وعلم الجميع أنها "رزان".
وقف جندي أمامه وقال:
أرسل الملك نعمان خطاباً لجلالتك.
حسناً.
وقبل أن يغادر، قال أمراً:
أخلوا ممر جناحي والخارج أيضاً. لا أريد أحداً هنا.
مطيع جلالتك.
تأذن لي؟
غادر.
لتخرج من مخبأها. باد سماعها لحديثهم.
أظنني بالفعل أشكل خطر عليك.
أنا الخطر بحد ذاته.
قالها بلهجة غريبة. وحين التقت أعينهم. وقفت بقرب منه.
هل الوضع جيد هنا؟ ألم يحدث لكِ شيء أثناء رحيلي؟
سيطرت على الوضع. لا داعي للقلق. لكن وجودكِ في القصر لم يعد آمناً. سأوفر لكِ مكاناً بعيداً عن أعين الناس.
لن تكوني معي؟
صمت قليلاً، لكن قال:
لكني لن أترككِ.
أومأت بتفهم وتذكرت شيئاً قبل أن يغادر. أمسكت يده.
أريد أن أخبركِ بشيء مهم.
الآن؟
حسناً، حينما نكون منفردين.
لكني أخشي أن أغادر خلسة وأنت لست معي.
تركت يده.
فقال:
لنذهب.
ذهب، لكن وجدها واقفة في مكانها. التفت إليها بعدم فهم.
فقالت:
هل يمكننا البقاء هنا أكثر؟ أود خوض التجربة.
فهم ما تقصده.
قال:
هل تستطيعين ركوب الخيل أم مشاهدة عبر التلفاز أيضاً؟
ابتسمت حين فهم ما في جعبتها.
فقالت:
لا تستهين بي. التلفاز وسيلة للتعليم أيضاً.
اقترب منها. نظرت له. أشار على الأسطبل التي تقف أمامه. أفسحت له بحرج ليفتح إلى حصانه الأسود ذو النجمة البيضاء وخرج باصطحابه. تبعته للخارج فلم تجد أحداً ولا بجانب المشاعل أية حراس.
قالت "لينا":
هل استأذنت منه؟ لا أريد أن يرميني أرضاً. أشعر بعدم تقبله لي.
مد يده إليها وكأنه يقول لها هيا.
أمسكت بيده وقالت:
ألا يوجد حزام لأمتطي فوقه؟
لن يروق لها ذلك.
عن من تتحدث؟
"عَثْق".
نظرت إلى ذلك الفرس العربي الأصيل.
قالت:
هل هي أنثى؟
وضع يده على خصرها ورفعها في لحظة كالدمية فأصبحت على ظهرها. نظرت له بشدة وكيف أمسك بها. دق قلبها وتحاشيت الاستماع له الآن.
أخبرها بثني ركبتيها قليلاً والميل للامام واضعة يدها عند عنقه ولا أعلى قليلاً مع التشبث جيداً. أكد عليها بوضعيتها جيداً أن ركض بها. قلقت وأخبرته أنها لا تتقن الأمر. لكنه طمأنها حيث ربت على "عَثْق" لتتحرك رويداً رويداً.
ابتسمت "لينا":
أصبح الأمر مسلياً.
بدأ بالتحديد ثم ركض بها. انصدمت وتشبثت به.
لم يعد مسلياً أبداً.
أمسكت به. وجودها يعلو عنها. كادت أن تقع لو عدم أمسكها بعنقها جيداً. ثنت ركبتيها ومالت بجذعها للأمام كما أخبرها وامسكت به بخوف. وحين قفز بها وقعت. لكن هناك من أعدلها وتوقفت "عَثْق" فور رؤيته "فرناس" أمامه.
نظرت إليه بشدة ولم تصدق أنها لا تزال بخير. نظرت إليه ونظرت للخلف. فكيف وصل لهنا بتلك السرعة؟
إنها مصدومة مثلي. سرعتك تضاهيها.
أنتِ بخير؟
أعتقد هذا. فقط رأسي يدور وبشدة.
نظرت للارض لتنزل. مد يده إليها. تشبثت به. قفزت الفرسه لتقع من فوقها. أمسكها، لكن ارتمت فوقه. انطلقت صهيل منها وكانما تضحك عليهم.
تألمت. وحين فتحت عينيها رأت يدها صدره المستلقي عليه. دق قلبها وبقوة شديدة من وضعها ذلك. رفعت عينيها فقابلت أعينه الرمادية التي تنظر إليها. امتلأ وجهها بالدماء، لا تعلم من الخجل أم من الحر.
لمس وجهها بأناملة. شعرت بأن قلبها سيتدحرج من صدرها. أبعد شعراتها لينظر إلى شفتايها التي تورّدت. اقترب منها، أغمض عينيه بهيام. وفور شعورها بأنفاسه الحارة، أفاقت وابتعدت عنه سريعاً وهي تعتدل باستقامة.
لا يزال وجهها في حالة انفجاريه، لكن قالت بهدوء:
أعتذر. كان هذا بسببها. تعمدت إيقاعي.
اعتدل وانفض ثوبه.
قال:
لا بأس. يبدو أنها تحمست أكثر من اللازم.
نظر إلى "عَثْق". أتت ووقفت بقرب منه وهي تعني رأسها إليه. طالعتهما "لينا" قليلاً.
قال "فرناس":
لنذهب.
غادرت. تبعته وهي تنظر إلى الفرسة بحنق من حبها الذي نزلته من "فرناس". كان يسير بها ولم يكن أحد سواهم يعبر. الممر خالياً تماماً إلى طريق جناحه. لكن كان هنالك من يقف عند الباب. التفت وكان "بردلة" الذي نظر إليها بشدة ظناً عودتها.
انحنى قال:
مولاي، مجلس الوزراء ينتظرك. أتيت لرؤية جلالتك عن سبب تأخيرك إن كان هناك خطب ما.
قال "فرناس":
أين "داغر"؟
أرسل لي مرسلاً عن عودته يوم غد من رحلته.
"سينمخ". بإمكانك الرحيل.
غادر.
دخل إلى جناحه. تبعته، لكن ألقت نظرة على "بردلة" الراحل، ثم دخلت بضيق.
لم أكن أريده أن يراني.
تعجب منها.
قال:
من تقصدين؟
وزيرك. أشعر بالريبة تجاهه. بل تجاه الجميع.
أخبريني ما يدور في رأسك.
كادت أن تتحدث لولا طرق الباب. ذهبت لتختبأ. دخلت امرأة حاملة ملابس على يديها تنحني أمامه:
طلبتني جلالتك.
لقد كانت "صفية". تفاجأت والتفت إليها. وجدتها تضع ملابس نساء على المنضدة.
قالت:
هل عاد؟
قال "فرناس":
أجل. سأرسلها لقصر "جارينا".
خذ حذرك مولاي أرجوك. لا أريد أن يتسرب أمر عودتها. لن تهدأ أنفسهم هذه المرة.
ساحرص على ذلك.
غادرت و"لينا" متفاجئة وبشدة.
قالت:
ما علاقتك بها؟ أظن أنني أخبرتك قبل رحيلي أنها تعرف بأمري.
أخبرتني قبلها عن ما رأته. وبالفعل اكتشفت من تكونين، لكنها لم تخبر أحداً. أتيت إلي لتحذرني، لكنني أخبرتها أمي أعرف بكل شيء.
قالت بدهشة:
يبدو أنها تحبك. لم تكن هي من أفشى سري. كان هو ذلك الأمر الذي أردت إخبارك به.
بشأن ماذا؟
أت تعلم أن "رزان" محاربة من عالمي؟
نظر إليها بشدة. أومأت له.
قالت:
لم تكن أية محاربة. إنها أخت صديق لي.
شعرت بذلك حين نظرت في عينيها.
هل قابلتها؟
عند لحظة إعدامها اصطحبني أبي وسألني عن شعوري تجاهها.
هل تمتلك يقين جيد؟ ماذا أخبرته؟
تذكر وهو واقفاً بجانب أبيه ذلك اليوم، حيث رأى شخصاً بجانبها ينبع منه هالة سوداء يستطيع رؤيتها بوضوح، لكن تلاشت فور أن اشتعلت النيران من عليها.
"أخي".
كانت تلك الكلمة اخترقت أذنيه بصوتها الضعيف المليء بالشجن.
استمع سماعها لحسته القوية ليجد هالتها القبيحة تتصفى وتصبح كالغيمة البيضاء.
تذكر ماذا قال يومها جيداً: "شيطان".
تفاجأت كثيراً.
قالت:
هل كانت سيئة لهذه الدرجة؟
لم أكن أقصدها هي.
عن من تتحدث إذا؟
كان متجسداً بها شيطان. لعله الغرور من أوصله لذلك. يجعل الأنفس تزامن شيطاناً أجيناً.
أقامت بتغيير الأمر لتضايقها في الحديث عنها.
تمتلك أعداء حولك. هناك شخص آخر أفشى أمري واصطحب الشعب للقصر. لم أكن أنا هدفه بل أنتم.
نظرت له قليلاً وأردفت:
أعتقد أنه ذاته الذي يود أن يقتلك.
قلت آخر جملة بخوف.
قال:
هل تشكين في "بردلة"؟
وأخيك؟
نظر إليها بشدة.
قالت:
لا تفهمني خطأ. أشك بالجميع. لكنهم من يعرفون أمري. إن لم تكن "صفية" إذاً أحدهم.
إنهم يعرفون أمري باكراً. لماذا انتظروا تلك المدة لينالوا مني؟
صمتت. فهي لا تملك الإجابة.
قالت:
هل تثق بهم؟
إنك تتحدث عن أخي. تريدين أن أخونه؟
و"بردلة"؟
إنه صديقي. خضت معارك وهو برفقني. حارب ببسالة ولم يتنازع عن واجبه يوماً.
أخبرتك بما أعرفه.
من مَن تحملين تلك المعلومات؟
من هنا.
أشارت على عقلها.
وقالت:
هنا يكمن الكتاب الخاص بك. يعني إشارات وأشعر به وكأنه روحاً مني. وأنا الآن أشعر بالتشاؤم، لذلك خائفة.
هل تشعرين بالخوف من أجلي؟
نظرت إليه. فهل يسخر منها؟ كيف لا تشعر بالخوف وهناك من يريد لقتله.
قالت "لينا":
إن من يريد قتلك يسعى الآن لتفكيك بينك وبين شعبك لتكون فريسة سهلة وينقلبوا عليك و...
و ماذا؟ يقتلونى!
أخبريني إن كنتِ خائفة علي وسأطمئنك.
أجل خائفة.
ابتسم بهدوء.
وقال:
لا أحد يستطيع قتلي. تفهمين ذلك. يمكنهم انتزاع السلطة، لكنني حي. لكن سآخذ حذري وأفكر فيما قلت له بشأن "بردلة".
أشكرك.
قالتها بامتنان. وقبل أن يغادر، سألته:
هل سأبقى في جناحي؟
يبدو كذلك. إلا أن تذهبين من هنا. لا تخرجي لأي سبب كان.
أكد بتحذيره لها وغادر. لم تكن لتتهور كالمرة الفائتة.
بقيت في الجناح. التقط الفستان الذي أحضره وارتدته، ثم وضعت ملابسها جانباً وهي تنظر من النافذة قليلاً تتذكر الحشد الذي كان هنا آخر مرة يطالبون بها. كانت مرعوبة وقتها. أكن ماذا إن تكرر ما حدث؟ ماذا إن أمسكوها؟ هل ستعذب مثلما عذبت "رزان"؟ سيصلبونها ويحرقونها حية.
ألمها التخيل. لكن تتذكر أنها فعلت الكثير في ذلك الشعب أيضاً. لم يكن الأمر هيناً. يلقبونها بالمحنة ويعلقون أنها محنة أخرى عادت ويودون التخلص منها.
لا تعلم لماذا ذكرت أخيه له. وتعلم حبهم الشديد لبعض. حيث دافع عنه من ذلك الجندي الذي كاد أن يقتله. لكنها أرادت أن تكون مصدقية. لكن إن كان "داغر" فلما أخبره أن يسلمها لهم. بل كان متضايقاً من حمايتها خشية على أخيه. لو كان المقصود كان سيدعمه على إبقائها.
حل المساء عليها وهي باقية في جناحه. وقفت تنظر إلى الشرفة تريد الوقوف فيها، لكن تخشى أن يراها أحد فتصبح كارثة.
فتح الباب. ذهبت لتراه، لكن لم يكن هو بل أخاه الذي نظر إليها من وجودها.
عدتي إذا.
ماذا ترين؟
ماذا تفعلين هنا؟ أين مولاي؟
ذهب إلى المجلس ولم يعد إلى الآن.
أومأ بتفهم.
وقال:
جيد. أود أن أتحدث معك.
اقترب منها ووقف أمامها.
قال:
إن كنتِ خائفة على "فرناس" فالأفضل أن ترحلي من هنا.
أخبرني أنه سيرسلني إلى قصر...
أقصد أن تبتعدي عنه إلى الأبد.
صمتت حين قال ذلك. تنهد وقال:
اسمعيني جيداً يا "لينا". لا أحمل أي ضغينة تجاهك، لكن أخي هو من يهمني. لم ترين ما حدث المرة الفائتة. تم عقاب من دخل إلى القصر مستأذنين بالطبع، لكن ظل الشعب غاضباً بشأن ما حدث وعدم حصولهم عليكِ جعل ذلك هدفاً لهم. إن تسرب خبر عودتك سيكون أخي هو المتضرر الأكبر. إنه ملك مسؤول عن رعيته.
لكني لست بخطر.
المهم ما يعتقده الأخريون. أنه لن يتركك. واثق في حمايته لكِ. لذلك أخبركِ أن تبتعدي أنتِ.
أتريديني أن أهرب؟
إن استطعتِ فلتفعلي.
سكتت عند قوله ذلك.
قال "داغر":
حينما يعود أخبريه بعودتي.
قال ذلك وغادر. بعدما ترك كومة حيرة فوق رأسها. فكرة الابتعاد عنه تضايقها. حتى أنها عاشت في قصر بعيدة عنه، فكيف عدم رؤيته مجدداً. ثم أنه المسؤول عن عودتها بإختلاق حدث. إن ابتعدت لو تعود. وإن عادت سيعيدها هو في ذات المكان الذي يكون فيه. لمجرد أنه فكر فيها ستجد نفسها لجاتله كما أخبرها العجوز وكما حدث معها اليوم. إنها مرتبطة به.
فتح الباب. اختبأت سريعاً. كان الحاشية يضعون الطعام على الطاولة. نظرت إليهم وهو يتوددون.
أين مولاي؟
أشرف على عملك فقط.
سيبرد الطعام.
إن برد حمل له الجديد الساخن.
انتهوا وغادروا من الغرفة. عادت مكانها ونظرت إلى الرائحة الشهية. تخشى أن تكون سر طعامهم شعوذة ما، أو عفريتاً عبث في النكهة.
بعد بضع دقائق فتح الباب. كادت أن تختبأ، لكن رأته فشعرت بالأمان.
نظر إليها.
قال:
لما تقفين هكذا؟
أتأخرت. كنت فين كل ده؟
لقد أجلت اجتماعاً هاماً لأعود إليكِ.
سكتت، لكن ابتسمت خفية. جلس على الطاولة شاركته الجلسة.
قالت:
"داغر" أخبرني أن أعلمك بعودته.
عاد إذاً.
نظر إلى ملامحها لذكر اسمه.
قال:
ما بكِ؟
لا شيء.
هل قال لكِ شيئاً ضايقك؟
لا. فقط أخبرني بما قلته لك وغادر.
لماذا لا تأكلين إذا؟
أكلت معه. ترك الجلسة فجأة. نظرت إليه. رأته يدخل إلى ركنته الخاصة. عادت إلى طعامها وهي تقلب بتلك الملعقة الفضية. شعرت بخطواته القريبة. وجدت ذراعيه تمتد نحوها. نظرت إليه وتفاجأت حين وجدت قلادة.
نظرت إليه فتعانقت أعينهما. أزاحت شعرها وتركته يلبسها إليها.
قالت:
ما المناسبة؟
لا يوجد مناسبة.
عاد إلى جلسته. لكن مرت هي إلى القلادة ذات ماسة حمراء على شكل قلب.
قالت:
أشعر وكأنني رأيت هذا الحجر من قبل.
تذكرت تلك الفتاة التي رأيتها عند مكتبه مع الحجر المنحوت. نظرت إليه بشدة.
هل صنعتها من أجلي؟
يبدو كذلك.
ابتسمت وعادت بنظارها إلى القلادة التي زينت رقبتها. وخصوصاً ذلك الحجر الماسي البراق. لمجرد تخيله وهو يصنعه من أجلها يجعل قلبها يرقص على نغمات نبضاته.
كان ينظر إليها وهي تأكل ثم تنظر إلى القلادة فيبتسم عليها.
انتهت وجبتهم وأخبرها بمغادرته. عرفت أنه سيقابل أخيه. لم تتحدث، لكن سألته:
"فرناس" أين سأنام؟
قال بهدوء:
السرير أمامكِ يا "لينا".
لكنه سريرك. لا تقل إنني سنتشارك السرير مثل الغرفة. مستحيل أن يحدث هذا.
لم أكن لأقول هذا. نامي ولا تقلقي.
لكن...
لو كنت أريد إيذاءك لفعلت.
اعتذر. لم أكن أقصد ذلك.
غادر وتركها. فتضايقت من كلامها. أن يكون أحزنه. نامت على سريره لتغوص في مرتبته. لامست وسادته وألقت برأسها فوقه. ابتسم على تلك الراحة من هذا السرير. إنه سرير ملكها.
أمسك قلادتها مجدداً بتأمل لحجر الياقوت كما عرفته منه. لم تراه من قبل ولم تتخيل أن يكون حجراً بذلك الجمال. يستحق المبلغ المضاهي في عالمها للحصول عليه.
داخل جناح خاص كان "داغر" يمرر ممحاة عن نصل خنجره. فتح الباب. التفت وكان "فرناس". انحنى حين رآه.
قال "فرناس":
كيف كانت الرحلة؟
ازداد عدد المتمردين. سيطرت على الوضع. لكن أخشى أن يزداد.
المهم عودتك سالماً.
ابتسم إليه.
قال:
أخشى من عدم عودتك قائد جيشك أم أخيك؟
الاثنان نفس الشخص. أخي.
صافحه بعناق. بادله بمحبة. لكن "داغر" تبدلت تعبيراته.
نظر إليه.
قال:
ما بك؟
لما لم تخبرني أنها عادت؟
عادت اليوم في الصباح.
ألم يعلم "بردلة" أيضاً؟
بلى. لقد رآها.
عجباً. ظننت أنه لا يعرف. لم يتحدث عنها أو يخبرني بوجودها.
هل يستدعي الأمر إخبارك يا "داغر"؟ حذرتكم من الحديث عنها.
لا أريدك أن تتأذى. أنا أقلق من وجودها بجوارك، والآن هي في جناحك.
إذاً هل قلت لها كلاماً ضايقها بشأن خوفك ذاك؟
هل أخبرتك؟
لم تخبرني. استنتجت الأمر من كلامك.
لم أقل شيئاً سوى أن تكون حذرة وتخاف عليكِ مثلما أنتِ خائفة عليها.
أومأ بتفهم. ربت على كتفه.
قال بجدية:
ألم أخبرك أن تهتم بنفسك ولا تقلق حيالى.
تنهد كي لا يعارضه. وأومأ إليه مطاعاً بعدم تكرار ذلك النقاش. أخذ منه الخنجر ودسره في حزامه جيداً.
قال:
لا تكن عازلاً لدقيقة واحدة. أعداؤك ينتظرون الفرصة.
نظر إليه "داغر".
قال:
"فرناس" أصبحت تشبه أبي.
إنك تشبه أكثر مني.
أتقصد الوجه أم روح القيادة؟ أريده أن يراني الآن هل أصبحت كفؤاً أم لا زلت؟
انظر في المرآة ستجد الإجابة.
ابتعد عنه ليتركه.
أوقفه.
وقال:
ماذا تنوي أن تفعل بها؟
من يدري. دع الأحداث تأخذ مجراها.
كانت تلك جملتها الذي ترددها إليه. غادر. ظل "داغر" ينظر لطيفه.
قال بجدية:
لن تكون الأحداث لصالحك.
في سكون الليل الهادئ كانت نائمة بارتخاء. لامسها طيار ريح خفيف يحمل رائحة تتعرف عليها. سمعت صوت نهيم البومة الواقفة عند الشرفة وكأنها تطرق بابها.
فتحت عينيها لتجد نفسها في مكان غريب محاط بجبال عالية صلبة متصخرة. ترى قمته تصل إلى ناطحات السحاب. نظرت إلى الأرض كانت رمال ذهبية اللون، وكأنما فتات ذهب تخطو فوقها.
أين هي؟ إلى أين انتقلت؟ ما هذا المكان؟
لينا.
سمعت صوتاً يناديها. التفت حولها. رأت شخصاً يقف بعيداً عنها لم تراه، لكن تستطيع تمييز هيئته.
فرناس.
سارت تجاهه وكأنما تسلب إليه شيئاً فشيئاً. ثم ركضت إليه حين وجدته يبتعد.
لينااا.
اختفى الكون الذي كانت فيه في لحظة. وحين أبصرت بأعينيها الواقعية رأت نفسها واقفة فوق سور الشرفة. انتفضت فزعاً من هول الارتفاع.
كادت أن تقع، لكن يده انتشلتها سريعاً لداخل. وكان "فرناس".
نظرت إليه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
ما الذي كنتِ ستفعلينه؟
هل كان حلماً؟
نظرت حولها. أنها لا تزال في قصره في غوانتام.
ناديتك كثيراً. ألم تسمعي؟
كان النداء منه إذاً.
قالت:
سمعتك، لكن كان صوتاً داخلياً. لم أدري بالواقع. صدقني.
صمت وتذكر حين استيقظ على صوت وراها تفتح الشرفة وتذهب لهناك. كان قد حذرها من الذهاب لهناك. وحين ناداها لم تستمع إليه. ذهب إليها لتجدها تكمل سيرها. نداها مجدداً دون جدوى. ارتفعت بقدمايها ووقفت فوق السور. انصدم وركض إليها وصاح بها تلك المرة في اللحظة الأخيرة.
قالت "لينا":
ماذا حدث؟
كدتِ تلقين بنفسك لو لم تفيقي.
ارتجفت خوفاً ونظرت إلى السور. فتلك المرة الأولى التي تسير وهي نائمة.
قالت:
هل كان ذلك انتحار أم حلم؟
أمسك يدها استقامت ودخلت معه. عادت بجلستها على السرير وهي تستلقي.
قالت:
أعتذر. لم أكن أقصد ما فعلته. والوقوف بالخارج.
أنتِ بخير؟
أظن ذلك.
عودي لنومك.
خائفة. أن يتكرر ما حدث.
سأحميكِ وإن كان من نفسكِ.
تعمقت عيناها به. نظرت خلفه.
قالت:
هل نمت على الأريكة؟
تنهد منها.
قال:
لم أشارككِ السرير. استريحي.
ابتسمت. رأت بزوغ الفجر والليل ينقشع على بقائهم سوياً.
اللعنة. إنه اليوم.
قال ذلك وذهب ليقفل النافذة.
قالت:
هل تكره رؤية الشروق؟
أحبه، لكن ليس في كل الأيام. يتحتم علي البقاء بعيداً لحظة طلوع الشمس.
لماذا؟ هل تحترق؟
ذهب إلى الشرفة وفتحها مجدداً.
وقال:
أتجدد؟
لم تفهم ما قاله. لكن نظرت إلى السماء مع شروق الشمس. وقفت لتقترب منه. رأت شيئاً جعلها تتأمله لبرهة. جلده ينقشع ويتشقق ويهر من أسفله كجلد حية مدفون داخله، لكن يلمع كبريق ماسي. وقفت أمامه نظرت إلى وجهه.
قالت:
تبدو كاللؤلؤ. كيف يحدث لك هذا؟
في منتصف السنة مع بداية الشهر الآخر قرص الشمس تكون في أشعته تحت الحمراء أقوى فتتعمد على بناء النصف الآخر من جديد.
تقصد نصفك النار وليس الطين. والدتك كانت من الجن الأحمر.
نظر إليها.
أردفت:
قرأت أن أشعة تحت الحمراء يكمن الجن منها، لذلك لا نستطيع رؤيتهما.
أقفلت الشرفة. التفت إليه.
قالت:
ألا تنوي إخباري عن أمور يوم القيام؟
من تترصدين بالضبط؟
كل شيء، لكن سأحدد. من يُعدم ذلك اليوم؟
شيطان.
أعلم بعضكم إليه وتهليلكم بموت بعضه، لكنني أتحدث بجدية. ماذا فعل لتقول عليه شيطان؟
لا، إنه شيطان.
تشنج لسانها.
وقالت:
ش...شيطان. لكنه نزف. رأيت دمائه. كيف ين شيطان ومذلول هكذا؟
ذلك الجسد الذي رأيتها كان لساحر "المقيان".
"المقيان"؟
لن تسري إن عرفت. لذلك كان هذا لقبه. كان يتسلط على إحدى الشياطين ومارس الكثير. حيث تسلط عليه شيطانه وخضعه إليه.
كيف تعرف؟
أخوض نقاشاً وأرى صوت من يتحدث معي. يوم القيام يُعدم فيه شيطان المقيان وساحره.
وكيف تُعدم الشيطان؟ ألا تخشى منه؟
لا يصبح شيطاناً بدون قواه. تُسلب برمال الكبريت الأحمر.
رمال ماذا؟
عادت بذاكرتها إلى ذاك اليوم الذي انقضت عليها أفعى. رأت العجوز يهاجمها بغبار وجهها ويركض بها بعيداً. معقول ذلك؟ كان الرمل ذاته الذي يقصده "فرناس". لكن إن كان هو... اتصدمت حين أدركت أن الأفعى لم تكن سوى شيطان رجيم.
طرق الباب بضع طرقات. ذهبت "لينا" مختبئة. سمح له بالدخول. وكان "بردلة".
مولاي، العربات جاهزة لقصر الصيد.
أومأ إليه بتفهم.
قال:
تأكد من المعدات حتى آتي.
أومأ له مطاعاً وغادر.
هل تثق في "بردلة"؟
أخبرتك أنه صديق قبل أن يكون تابعاً لي.
مجرد سؤال. أتثق به؟
أثق به. لا زلتِ تظنين أنه من يفعل ذلك ويريد قتلي؟
إنني أستبعد احتمال شقيقك، لكنني لا أستطيع استبعاد الاثنين.
لما أنت بارد هكذا كلوح الثلج؟
عندما ترخي تفكيرك يستريح عقلك.
ماذا تعني؟ ألا تهتم بما سيحدث قادماً؟ أقول لك إن هناك من سيقتلك.
ليفعل ذلك. إن استطاع.
إنك مغرور. لكن أتعلم الشيء الذي يريحني قليلاً هي قوتك بدون استخدام نصفك الآخر. أنت قوي كفاية وذكي.
أتساءل لماذا لا يمكنني أن آخذك معي؟ لما أنا فقط من يأتي إليك؟
لماذا؟
نظرت له بعدم فهم.
أكمل.
قال:
لماذا تريدين أخذي معكِ؟
توترت.
وقالت:
لأن هنا خطر عليك. أنت تحميني، فلما لا أحميك؟
ابتسم. تعجبت منه.
قالت:
تسخر مني؟
انتبهي لنفسك. سأطيل الليلة.
تعجبت ولم تفهم. أخذ ردائه وغادر من الجناح. رفعت يدها تجاه الشمس وتدرك تميزه عن سائر بشر، لكنه بشرى مثلها.
"أنا أحبك".
تذكرت اعترافه لها. لكن تعامله معها لا يزال عادياً. لم يختلف، لم يفتح الأحاديث، لم يعرف جوابها. ألقى قنبلته داخلها، تاركاً إياها تنفجر بها مراراً. تريد أن تسأله إن كان يفتعل حدثاً أم أنه صادق. باتت في حيرة من أمره مجدداً.
ظل اليوم بأكمله لم يعد. كان الحاشية يدخلون يضعون طعاماً ويخرجون. كانت جائعة، لكن تتأمل أن يعود كالبارحة. الجناح أصبح معتماً. تشعر بهالة سوداء تحلق في المكان وتتجاهلها عمداً.
فتح الباب. تلك المرة ودخلت "صفية". بحثت عن "لينا" بعينيها.
قالت:
أمي أنا. لا تقلقي.
خرجت إليها وطالعتها. رأت الخوف قليلاً في عينيها مثلما رأيته في عيني ذلك الجندي الذي كان أول من أفشى قدرتها.
قالت "صفية":
أردت إخبارك أن مولاي لن يعود اليوم. إن ذهب إلى قصر الصيد يعود متأخراً. لذلك كلي.
الخدم يعودون بالطعام كما هو ويتساءلون لماذا أرسله.
متى سيعود؟
لا أعلم.
ذهبت وبقيت في مكانها كما كانت. أكلت تلك المرة. ظلت عيناها مستيقظة تخشى النوم. فتقول نفسها أثناء الحلم والواقع. عقدت يدها على السرير بوشاح الرأس. سمعت صوت نهيم البومة. رأت واقفة عند الشباك. أفزعتها واطمأنت قليلاً. تتذكر صوتها ليلة البارحة واتت بحظ سيء فوق رأسها. كانت بيضاء وعيناها كأعين القطط الحادة، تنير في الظلام الدامس ويبدو كالقمر بين السماء.
ابتسمت وهي تنظر إليها:
إزاي مخلوق جميل يرمزوا ليه بالنحس.
ظلت تنظر إليها وكأنما تراها هي بالتحديد. ثم حلقت بعيداً. نظرت "لينا". دق قلبها بضع نبضات فاتربت بالقلق.
في منتصف الليل امتلأت الضوضاء المكان. الصوت يرتفع شيئاً فشيئاً. هناك حشد كبير يقترب. حشد بوجودها متهجماً وأنفاسهم الغاضبة تشعل مشاعلهم الذي في أيديهم بدلاً من النار. إنهم هم النار الذي تريد أن تأكل مسعاها.
كانت عيناها تضيق بانزعاج من ما تراه في نومها.
لينا.. لينا أفيقي.
استيقظت ورأته أمامها. نظرت إليه ومن معالمه الغريبة:
"فرناس" أخبروني أنك لن تعود.
لا يوجد وقت. لنذهب.
سحبها معه. تألمت من يدها ليرى العقده.
قالت:
خشيت أن يتكرر ما حدث.
قام بفك العقده. وهي تنظر إليه بتعجب.
قالت:
هل حدث شيء؟
توقف فجأة. ثم تحولت إحدى عينيه إلى الأحمر القاتم. ارتعبت منه. وجدته ينظر إلى الباب. ثم عادت عيناه إلى طبيعتهما.
لنسرع هيا.
ما الأمر؟ أخبرني.
الوقت لا يسمح للحديث يا "لينا". لقد اقتربوا.
من هم؟
أمسك يدها وأخذ بها سريعاً للخارج وهي لا تفهم ما سر عملته بل ما سر قلقه. فور خروجهم قابلا "داغر" و"بردلة" الذي أتيا ركضاً.
قال "بردلة":
مولاي ماذا يحدث؟ لما أمرتنا بالعودة الآن؟
لقد علموا بوجودكِ.
انصدمت وطالعته بشدة.
قال "فرناس":
بضع دقائق ويكونون هنا.
قال "بردلة":
هل تستطيع اختلاق حدث لتعود؟
نظر إليها حين نظر إليه.
قال:
لا أعلم إن كانت ستعود أم لا، لكنهم يعلمون أنها هنا. لن يتوقفوا حتى وإن كان أمراً مني.
قال "داغر":
ماذا تنوي أن تفعل؟ لا تقل لي أنك ستهرب بها.
صمت. لكن سمعوا صوتهم المرتفع. رأوا شخصين يركضون عبر الممر متجهين إليهم. رفعا "بردلة" و"داغر" سيوفهما، لكن انحنيا فوراً. وكان جنديان.
مولاي، الشعب. الشعب اجمع مجتمع بالخارج ويريدون اقتحام القصر إن لم تأذن بدخولهم.
قال "فرناس":
امنعوهم. لكن لا تؤذوا أحداً.
أومأ له مطاعاً وركضا سريعاً. التفت "داغر" إلى أخيه من الكارثة الذي هم فيها. ذهب ب"لينا" وقف في وجهه.
هل ستذهب معها؟ الجميع سينقلب عليك. حتى الجيش مخلصين لك، لكنهم لن يخاطروا بعائلتهم. إنهم من الصعب أيضاً ويكنون لها نفس الضغينة.
إنها ليست "رزان". إنهم من لا يفهمون ذلك.
قال "بردلة":
تمتلك خطة مولاي؟
سأخرج بها من هنا. لا أستطيع تركها.
وإن اكتشفوا غيابك سيعلمون أنها كانت في حمايتك كل هذا. وأنك خدعتهم.
صدر صوت صياح مرتفع في آن واحد. خافت "لينا" ونظرت إليه.
قال:
احموا أنفسكم.
أخذها وغادر بها وهو يركض بها عبر الممرات الذي يحفظها كاسمه. إنه القصر الذي عاش به سنوات يتنقل هنا وهناك ويقيم المخابأ سراً. سحب أحد المشاعل انحنى إلى الأرض أخرج خنجره وثقبه به الأرض وبدفع واحدة ارتفعت غطاء وظهر نفق من الأسفل.
مد يده إليها.
قال:
التقطي نفساً عميقاً. لا يوجد هواء في الأسفل.
أمسكت به وعبأت رئتيها بالهواء ونزلت معه. كان المكان ظلمة حالكة لا ينيره سوى الشعلة.
تباطأت قدماها حين أفرغت ما في جعبتها وتريد هواء.
نظر إليها:
اسرعي.
أومأت له بصعوبة. سحبها خلفه. صعد إلى السلم وحاول رفع الغطاء، لكن كان عالقاً وهي تختنق. جمع قبضته ودفعه بقوة. فتح من مكانه. خرج سريعاً وأمسك بها لتأخذ أنفاسها سريعاً حين استقبلت الهواء. شعرت بأنها ستقتل حتماً.
قالت:
ما كان ذلك؟
نفق يطل خارج القصر.
نظرت حولها. وجدته السور خلفها وأنها أصبحت بالخارج بالفعل. التفت الناحية الأخرى. انصدمت حين رأت النيران مشتعلة في القصر وصيحة قوية. ازداد مع غضبهم ويريدون إحراق من فيه. إنهم هائجون. ماذا يفعلون؟ هل سيحرقون القصر؟ سيقتحموه بالفعل ويدفعون بقوة ليكسروا باباً خلق من الحديد الصلب الذي يحتاج إلى نيزك لكسره. إنهى أمرك يا "فرناس". لقد استهانت بالوضع. لكنه خطير. تخلى عن كل هذا من أجلها ولأنانيتها لم تبتعد عنه.
كانت تركض معه. قابلا "داغر" و"بردلة" الذي أتيا. ولن يستمعوا لتحذيره.
قال "بردلة":
العربات من هنا مولاي.
أبعدت يدي منه. توقف "فرناس" ونظر إليها.
قالت:
سوف أقابلهم.
ضاقت عيناه.
قال:
ليس هناك وقت. هيا.
أبعدت يدها بحدة.
وقالت:
ماذا تفعل؟ أنت تخاطر. أتحجم ما تفعله. سوف أقابلهم وانتهى الأمر. سأخبرهم أنني لست "رزان".
وهل تظنين أنهم سوف يتركونك؟ كنت قد فعلت ذلك قبلك، لكنهم لن يتركوكِ غير وهم يطفون بتراب جسدك فوق الجبال.
شعرت بالخوف. لكن تماسكت.
قالت:
إنك متهور. ماذا عنك؟ إنك تخسر حياتك.
قاطعهم مجيء جندي راكضاً وهو يلهث:
الشعب هائج. سيقتلون الحراس إن لم يفسحو لهم.
أمسك يدها. نظرت له.
قال:
لا تضيعي ما فعلته هباءً.
التفت إليهم.
قال:
دافعوا عن أنفسكم. فور ذهابي افسحو لهم للدخول.
قال "داغر":
مولاي، ألن تعود؟
لا أظن ذلك.
تضايقت. الجندي أعطى له تحية مخلصة وهو ينحني على ركبتيه.
جميعاً فداءً لك مولاي.
نظر إلى أخيه وأعينه المتعلقة به. أخذ "لينا" وذهبا. كانت عربات بحراسة تنتظرهم.
طلت امرأة من تحدي العربات بقلق. وكانت "صفية". مدت يدها إلى "لينا" لتركب، لكنها ظلت متمسكة بيده. نظرت إلى الأرض. رأت الأحجار تتزحزح وكأنما زلزال يضرب الأرض.
قال "فرناس":
سألحق بكِ. هيا.
انطلق بوقت قوي. التفت ليجد فرساً يركض كالفهد والنجمة البيضاء تعلو جبهته. كانت "'عتق" مع جندي. قام بإخراجها.
مولاي، سيكسرون الباب. هناك أربعة أصيبوا. يجب أن نفعل شيئاً.
قالت "صفية" بحدة:
هيا يا "لينا".
كانت مرتعبة. رأته يذهب. أمسكت به.
نظرت إلى يدها إلى تتشبث به.
قالت:
إلى أين؟ هل ستذهب إليهم؟ أتريد حمايتهم وأنت أول من سيقتلونك إن عدت إليهم؟
إنهم في خطر بسببى. أعطوني وقتاً لأخرجك الآن.
جاء دوري.
نفت له.
قالت:
سيقتلونك. لماذا لا تفهم؟ ألا ترى؟ إنهم وحوش. لا تذهب.
علي ذلك.
أبعد يده عنها. نظرت إليه بشدة. كادت أن تنزل من العربة، لكن انطلق السائق بها.
لا تنتظر.
نظرت إليه وهو يمتطي حصانه واختفى لحظة. وتبعه "بردله" والجندي. كانت خائفة عليه كثيراً. نظرت إلى السائق وهو يسرع مبتعداً عن هناك. يسير في الطرقات الخالية. ابتعدت عن هناك كثيراً واختفى الصوت.
قال "لينا":
هل سيكون بخير؟
قالت "صفية":
آمل هذا.
في لحظة رأت سكيناً بجانب رأسها. اتسعت عيناها ونظرت إليها برعب بأن هناك من أطلق عليها.
قالت "صفية" بصدمة:
اسررررع.
ضرب السائق الحصان فانطلق سريعاً. لكن صهل حصان عالياً حين رشق بجسده سكيناً وتوقفت العربة وصارت تتدحرج.
هنااااك.
ارتجفت خوفاً وطلت برأسها. وجدت فرقة خلفها ملثمين وجوههم. لا شك بأنهم تبعوها من هناك طوال الطريق. نزل السائق وأظهر سيفه متصدياً لهم.
سحبتها "صفية" سريعاً.
قالت:
لنخرج.
ذهبت معها سريعاً. رأتهم يقاتلون السائق الذي كان فقط يخلق لهم وقتاً ويعلم أنهم سيقتلوه.
لا تدعوها تهرب.
ركض اثنان خلفها ودفعا الحراس أرضاً.
اركضي. سأحاول تشتيتهم عنكِ.
لكن...
قالت بغضب:
اسرعي. لا تتسببي بالمصائب أكثر من ذلك.
وكانما واجهتها بالحقيقة. فهي لا تفعل ذلك حباً بل ولاءً إلى "فرناس". ركضت وتركتها تتصدى لهم. أخرجت خنجراً.
قالت:
أتستقون على أمري؟
نظروا إلى بعضهم. رأوا "لينا" من بعيد وهي تهرب.
ليست من تقف أمامكم. إنها هناك. أحضروها.
قالت "صفية":
لن يعبر أحد.
ركض اثنان. أمسكت بهم، لكن هناك من ضربها على رأسها بقوة. فجلست على ركبتيها وارتمت والدماء تسيل منها. فتحت عينيها بضعف. رأت شخصاً يقف أمامه يقول ببرود:
لماذا تعترضين طريقهم؟ ولاؤك يستحق كل هذا.
لم تكن تستطيع الوقوف. رأت الرجال ينحنون إليه بخضوع. وحين كشف عن وجهه اتسعت عيناها بصدمة.
تصدمت بالشارع من شدة رفضها. التقطت أنفاسها بإرهاق. سمعت صوتاً. التفت بخوف. رأتهم خلفها.
ها هي.
ركضت سريعاً تبعوها وكأنما لا يتعبون مثلها. تعبر بين الأشجار لعلها تضلهم عنها ومرتعبة. خلع حذائها أثناء رفضها، لكن لم تهتم به وظلت تخطو فوق الأرض تدهس أشياء حادة وتتألم. أسندت بيدها في محاولة لالتقاط أنفاسها ورأسها يدور من شدة التعب. رأتهم اقتربوا منها. حاولت الركض لم تستطع، فصارت مستسلمة.
انخرطت قدماها ووقعت على المنحدر لتدحرج وينجرح رأسها وتستلقي أرضاً. تراهم يقفون من الأعلى يبحثون عنها. وإن نظروا لأسفل لجروها معهم. تسللت الدماء إلى رأسها وشعرت بسخونته لتعلم أنه موعد عودتها.
"فرناس" ماذا حل بك؟
فتحت عينيها وجدت نفسها في الطريق أمام "super market". لقد عادت. عادت إلى عالمها أخيراً. لكن الآن برغم حالتها تلك تريد العودة.
اعتدلت وجرح رأسها ممتلئ بالتراب.
فرناس. لن يتركوه. لقد ذهب إلى الموت بقدمه. اللعنة. تريد العودة. تريد الذهاب إليه.
ركضت على أقدامها المجروحة وكأنها تريد القفز إلى ذلك العالم. أوقفت سيارة. نظر إليها ومن ملابسها أعطته عنوانها سريعاً فذهب. دعت ربها أن يكون بخير. دعت أن تعود له ويكون سالماً.
فكر فيا أرجوك. فكر فيا عشان أجيك.
ظلت تتمنى أن تسلب إلى مكانه الآن. أن يحدث أي شيء ويلقي بها الكتاب للداخل.
وصلت إلى منزلها. ترجلت دون أن تعطيه مالاً. خرج.
وقال:
يا آنسة، الحساب.
رنت الجرس. فتح الباب لها. وكان أبوها. نظر إليها بشدة من هيئتها.
"لينا".
رأت "معتز" خلفه الذي طالعها بصدمة. دخلت سريعاً إليه. وذهب أبوها إلى السائق معتذراً وأعطاه أجرته.
قالت "لينا":
معتز. فين الشنطة بتاعتي؟
شنطتك؟
أيوه. فين بسرعة.
قالت "هاجر":
كنتِ فين يا "لينا"؟ وأي الدم اللي في رجلك ده؟
قالت "لينا":
قولي الشنطة فين يا "معتز".
قال "معتز":
أديتها لوالدتك.
أحضرتها إليها. انتشلتها سريعاً وفتحتها، لكن لم تجد ما تريده.
قالت:
الكتاب فين؟ فين الكتااااب!
قال "غسان":
هو في إيه يا "لينا"؟
كانت خائفة عليه وكأنما تريد إنقاذه. تريد فقط البقاء معه.
قال "هاجر":
"حسام" خده.
هو فين؟ في أوضته؟
ذهبت سريعاً ونظروا إلى بعضهم باستغراب. دخلت على أخيها وكان خارجاً بالفعل. اندهش حين رآها.
رجعتِ إمتى؟ إيه اللي حصلك ده؟
الكتاب فين؟
حطيتهولك في أوضتك على المكتب.
تنهدت بضيق وذهبت إلى غرفتها. لكن توقفت حين لم تجد شيئاً على المكتب. فتحت الدرج، لكنها كانت خالية من وجوده.
فين يا "حسام"؟
دخل وراها تهرول باحثة عنه.
قال:
راح فين؟ كان هنا.
يعني إيه كان هنا؟
مالك في إيه؟
أنا لازم أرجع. لازم.
بعثرت السرير وتلقت بأغراضها أرضاً وتبحث جاهدة للعثور عليها. وقلبت غرفتها رأساً على عقب.
راح فين؟ هووو فييييين؟
نظروا إليه. كانت لا تهتم بجروحها عن البحث عنه. لا تجده وكأن الأرض انشقت وابتلعته. إنه لا يتركها. لماذا الآن؟ أليست صديقته؟ ألا يعرف أنها تناديه الآن؟ أين هووو... ترجوه أن يظهر. ترجوه أن يعيدها لهناك. هل اختفى؟!!!!
أمسكت رأسها بضيق وخوف. لمستها "هاجر". انتفضت ونظرت إليها.
الجرح اتلوث.
الكتاب.
قال "حسام":
هدور عليه في البيت كله بس اهدى.
سكتت. نظروا إليها. غادر "معتز" وكان متضايقاً من رحيله. لكن وجب عليه ذلك. لقد أحضر حاجياته فور رحيلها وأخبرهم أنها ذهبت إلى مكان. حين عرف أنهم لا يعرفون بسرها. تبعه "حسام" إلى الخارج.
قال:
شكراً يا "معتز".
ممكن لما تبقي كويسة تكلميني.
نظر إليه قليلاً. أومأ إليه. أخذ سيارته وغادر.
كانت "هاجر" تضمد جرح ابنتها ووجهها المتسخ من التراب.
قالت:
روحتي فين الصبح؟
الصباح؟ لقد غابت لأربع ساعات فقط. فرق الصباح عن الليل. ماذا عن الثلاث ليالي هناك. تذكرت تحذيره لجنوده بعدم المساس بأحد. لما هو مهتم بهم لهذه الدرجة؟ لو علم هؤلاء الشعب خوف ملكهم عليهم لما فعلوا هذه الحماقة. بل نعتوه بالخائن.
قال "حسام":
إيه اللي حصل هناك؟
قال "لينا":
حصل كتير.
انتهت والدتها.
وقالت بقلق:
"لينا" في إيه؟ حد إذاكي؟
دورولي على الكتاب يا ماما أرجوكي.
حاضر.
خرجت وتركتها. وظل أخوها. كانت جالسة القلق لم يهدأ. ذهبت أخرجت كمبيوتر المحمول برفقة قلمها الإلكتروني.
جلست على مكتبها. وكان يتابعها باستغراب.
بتعملي إيه؟
هينزل جزء جديد النهارده. ممكن أول ما العجوز يشوفه أعرف أقابله. هسيبله رسالة في الجزء. هو هيعرفني.
لم يناقشها. ربت إليها محاولاً التخفيف عليها بما لا يفهمه وذهب تاركاً إياها بمفردها لتنهي الفصل سريعاً. أخبرت أخاها أن يحدثهم ليتوقفوا عن الإرسال له بموعد الفصل الجديد وأنها تممه بالفعل.
ظلت جالسة إلى العاشرة صباحاً تفكر فيه وفيما حدث معه.
خرجت إلى والدتها وسألتها إن كانت عثرت على الكتاب. لكنها نفت بمعنى لا. استقبلت رسالة. وكانت من "معتز" الذي يسأل عن أخبارها. لم تعلم هل نزل الفصل أم أنه قلق عليها حين رآها البارحة.
رن هاتفها. ظنته هو. لكن كانت "سهيلة" التي تسأل عنها.
إنتِ فاضية دلوقتي؟
تقابلا في المقهى. وجلست مع صديقتها التي لم تقابلها منذ انتهاء امتحاناتهم. سألتها عن ما حدث في رأسها. فلم تتحدث، لكن رأت في يدها مجلة.
قالت "لينا":
إيه ده؟
قالت "سهيلة":
شفتي الحلقة الجديدة؟
هي نزلت؟
أيوه من نص ساعة كده. روحت على طول أجيبها وقرأتها في الطريق.
تساءلت إذا كان العجوز قد قرأها أو التقى أي رسالة منها.
الكاتب لو موت فرناس، هقتله بجد.
مش هيموت.
قالتها بأنفاس. التفت الناس إليها. وتفاجأت "سهيلة".
قالت:
اهدئي يا "لينا". كلنا بنتمنى كده. بس إنني مش شايفة الأحداث اتقلبت إزاي. بجد لازم الحلقة الجديدة تنزل في أسرع وقت. عايزة أعرف اللي هيحصل وقلقانة في نفس الوقت.
حلقة جديدة إزاي وأنا قاعدة هنا؟
قالتها بشرود وهي تبكي همومها لنفسها بضيق. وضعت رأسها بين يديها. أين الكتاب؟ أين العجوز؟ هل تترك لهم وقتهم؟ لكن الكتاب لم يكن يفارقها. بل كانت ترتعش منه وهو يزاملها في أي وزمان ومكان. ليس في المنزل ولا معها. هل اختفى بحق؟ تخشى أن يكون خلل اختفاء الكتاب أمر سيء خاص بـ "فرناس". أو أن يكون مكروه قد أصابه.
كانت عائدة إلى المنزل تسير وتجر قدماها خلفها. رأسها متزاحمة بالأفكار. لكن توقفت حين اصطدمت بأحد.
اعتذر.
بقيتِ تاخدي من لهجتهم.
توقفت والتفتت سريعاً لتجده هو.
امسكت به كي لا يهرب وتشعر بالأمل لرؤيته.
قالت:
قريت الرسالة؟
هل كانت تلك النبوءة حول نهاية القصة أم أن هناك أحداث أخرى؟
قالت "لينا":
عرفت اللي حصل أكيد. الشعب عمل ثورة ودخلوا القصر. هو قدر يهربني بس معرفش حصله إيه. أنا عايزة أرجع والكتاب مش معايا ومعرفش راح فين.
مش هترجعي.
تعجبت كثيراً.
وقالت:
إزاي؟
الكتاب رفضكِ يا "لينا".
يعني إيه؟
يعني رفضني. مش هتشوفيه تاني.
شعرت بتلك النبضة الخائفة.
قالت:
لي.. لي مش هشوفه تاني؟
حذرتك تمشي على الأحداث وبس ومترتكبيش غباء.
صاحت بانفعال:
أحداث إيه دي اللي أسيبه يموت عشانها؟
اقتربت منه وأردفت:
مستحيل. مرجعش تاني. فين الكتااااب؟ أنا لازم أرجع. كان بيحبسني هناك زي "رزان" بس ميخرجنيش.
وانتِ عايزة ترجعي ليه؟
هيقتلوه. كل ده بسببى. قول لي أرجوك هو عايش مش كده؟ محصلوش حاجة. رجعني هنا.
أمسكها بحدة.
وقال:
فوقي يا "لينا". ده ميت.
لم تعد تمتلك حق الرد بعد ما قاله. تركها تبحلق به.
قالت:
قولت إيه؟
عايزة ترجعي عشان واحد ميت. مش عايش أصلاً.
ميت؟ إزاي؟ أنا لسه سايباه. عشت معاه وكنت...
رواية سرداب غوانتام الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور
: هيقتلو.ه، كل ده بسببى.. قولى ارجوك هو عايش مش كده.. محصلوش حاجه.. رجعنى هنااك
امسكها بحده وقال : فوقى يا “لينا” ده مي.ت اصلا
لم تعد تمتلك حق الرد بعد ما قاله تركها تبحلق به قالت
: قولت اي ؟
: عايزه ترجعى عشان واحد مي.ت، مش عايش اصلا
: مي.ت!! ازاى.. نا لسا سايباه… عيشت معاه وكنت بكلمه
: فرناس سراب… غوانتام سراب… الاحداث الى انتى شوفتيها كلها احداث من الماضى
حركت لسانها بصعوبه قالت : قصدك ايه؟! يعنى اى ماضى.. الحاضر هو ايه؟!!
سالت دمعه من اعينها اردفت : قول الحقيقه ارجوك
: حذرتك من انك تحبيه، حاولت افهمك حجم اختلافه عنك وانه مش موجود معانا بس انتى مفهمتيش… فوقى بقا واعرفى ان “فرناس” وانتى مستحيل تتجمعو لانه مش موجود لا هنا ولا هناك
: انت كداب
صرخت فيه وقالت : كداب سمعتنى
اقتنعى يا “لينا” انه ما.ت… مات مقتول ست طعنات واربع سهام مسممه
اتسعت اعينها وهى تنظر اليه اردف
: دى الحقيقه، مينفعش تكملى الكتاب اتاخد قرار بأن مهمتك وقفت
: وقفت؟! قصدك اى.. م.ات
صمت اقتربت منه بقلق وقالت برجاء: ارجوك كفايه، وقف الى بتعمه ده
محدش يقدر يقتله… انت عارف ده كويس محدش يقدر
: عدا واحد
طالعته بصدمه قالت : مين؟! مين الى قدر يقت.له.. ميين
: هخليكى تشوفى بنفسك
حط ايده على اعينها كانت هتبعد بس ابتعد هو وجدت المكان تغير لم يكن الكريق بل عادت.. أنها فى “غوانتام والغرفه.. أنها جناحه رفعت اعينها وجدته واقفا ابتسمت
: فر….
لم تكمل جملتها وتصنمت فى مكانها عند رأت “داغر” يعانقه ويدخل سيفه بين احشائه ويخرجه الناحيه الاخرى، سالت الدموع من اعينها صرخت عاليا
: “فرناس” لا تدعه يقت.لك
ليكمل عليه بالطع.نه الأخرى شهقت بصدمه ثم الثالثه فلم تتحرك
: “فرناس”
: مش هيسمعك ولا شايفك، ده حدث مقتله
اقتربت منه وترى دما.ئه المحترق بسيفه لتجد فى عينه بريق دمع وهو ينظر الى ” داغر” ووجهه ممتلئ بدمائه وهو مستسلم له مع الطعام الخمس ودانه متعهد على تركه وروحه غادرت بالفعل، قرب يدها من وجهه لتجده ليس سوى طيفا تراه.. أنه ليس حقيقى
: يا حقير ابعد عنه
صرخت ابتعد وأخرج سيفه وكأنه استمع لها لتجد جسد “فرناس” ينتفض أسر السهام للمندفعه تجاهه من رجاله المحيطين به ركضت إليه وصرخت فيهم بانفعال
: متقربوش منه
لقد ش.ق جسده صر.خت وهو تراه يق.تل امام اعينها امسك رأسها ودموعها تسيل من ما تراه
: ارجوكم كفايه، سيبوه
وضع يده على كتفها نظرت وكان العجوز لقد عادو إلى واقعهم، تلاشي كل شئ.. تبخر ذلك المشهد من امامها
: ا..اخوه هو الى هيق.تله
اومأ ايجابا شعرت بغصه قويه فى حلقها قالت : ده الشخص الى قدر عليه… لانه استسلمله
: سلم نفسه للمو.ت كان ممكن يقاوم
: كان “داغر” هو الخاين كل ده
هل كان حبه إليه كل هذا مجرد تمثيل لإخفاء الكره الذى رأته الان.. يظتلك وجهه مخيف، انه متو.حش… انه من سرب خبرها للشعب وليس “بردله”… هو من حاول ق.تله سابقا ولم يفلح.. الاكل المسموم والجندى… انه لم يسأم من ق.تله
قالت وهى تنفى : عايش.. يعنى اى اكون كل ده بتكلم مع شخص م.يت
: غوانتام الى انتى روحتيها ملهاش وجود دلوقتى يا “لينا”.. اصبحت
نظرت إليه قالت : قصدك اى
طرقع باصابعه لتجد الكون تغير واصبحت على المكان الذى فور سقطوا على الارض كانت فيه، وقفت وهى تنظر حولها لم يكن هنالك صباح.. الشمس بل الهواء والرياح لا تتحرك
سارت مع خطواتها البطيئه داخل السوق الذى تم عرضها فيه لكن انصدمت حين وجدت الناس اجمع متصلبين امامها.. لا يوجد نبضات.. لا يوجد حركت صدورهم التى تدل على تنفسهم.. هنالك من يعطى الثمار الى المشترى وهنالك امرأه تحمل اطباق الطعام، هناك اطفال يمسكون بالكره المتعلقه بالهواء.. مياه الصنبور وكانما زخات مطر عالقه… لا يوجد حركه لا يوجد روح لا يوجد احد… التفت حولها كان لا يوجد صوت حركات قدم سواها
: الاحداث كبيره عليكى انك تستوعبيها
التفت إليه قالت : اى الى حصل، ازاى رجعتى لنفس النقطه دى.. ليه الناس كده
: فى الى لسا عايش وفى الى مات… مش كل الى قدامك احياء، انتى بس عيشتى احداث ماضى حصلت وانتهت.. مسؤليتك تدوين وبس وهى رجوعك بالزمن عشان تكتبى قصة الملك “فرناس” عشان تخلد
: قصته؟!! قصدك انى كل الى عشته ده وهم
: الى قدامك ده الحقيقه كامله يا “لينا”، السراب الى مشفتهوش
اقترب منها ووقف امامها ليردف
: “سراب غوانتام”
Nour Nasser:
ألقت نظره حولها بأعينها الحمراء من فرط صدمات ما تراه، ذلك هو الكون الحقيقى الذى كان تخوض مهام به، انه متوقف ليس سوى احداث ماشيه لارض تم هلاكها
تلاشي الجميع وعادت الى عالمها التفت ونظرت الى العجوز قالت
: كانت مهمتى ادون جياته وخصوصا حادثة قتلته
: كان ملك عادل قوي اختار ليخلد بس انتى غيرتى كل ده
:غيرته؟!
: بسببك خليتى اخوه يستفيد اكتر، شعبه بقا يلقبه بالخاين الى عرضهم للخطر وهروبه معاك اعلان عداوه كامله.. بقا سهل يقتله والكل متفق معاه، قبل ده كان الشعب حزين وفى الى نحت له تمثال وفى الى كان يريد اخذ بثأره بس دلوقتى ان مات فهو خاين
طالعته بصدمه كبيره قالت: انا عملت كده
: شوفتى خطورة تغير اى شيء هيتقلب الضد، قولتلك متتدخليش فى اى حاجه مسمعتيش كلامى ، كنت عايزه افهمك ان ده كله سراب مهما غيرتى وحاولتى تحميه، النهايه انه ميت
: انا عملت كل ده.. هو دلوقتى فين ، “داغر” قتله
سكت دون ان يعطيها جوابا، سالت دمعه من عيناها دون اى تعبيرات عادت للخلف مبتعده عنه بهدوء ثم التفت وانسحبت بهدوء دون أدنى اى كلمه
تسير وسط الشوارع شارده الذهن، الصدمه تعتار عيناها ومشهد مثتله يتردد فى ذاكرتها… ماذا اخبرها ذلك العجوز … السراب …. كنت اعيش فى سراب.. تعذبت فى سراب.. وخوفت من سراب وعشقت السراب
من تكون هي.. هل هى ايضا سراب لا تدرك معناه، تعايشت بين الحقيقه والخيال ، عالم واقعى وعالم سراب ، احداث قد فاتت ركضت لتلحق بها لتدون حكايته لتخلد..حكايه يذكرها القراء فقط، احبت شخصا ميتا ، شخص ليس له وجود
“بتروحي لما يفكر فيكى، هو الى بيسحبك لهناك”
عدم عودتها لغوانتام مجددا ماذا يعنى هذا؟!.. ان كان هو السبب هل السبب الان تلاشي، غوانتام لم يعد “فرناس” انه شخص ليس له وجود
فى المنزل كان “حسام” نائما دخلت والدته وزحزته على طرف السرير لتفيقه
: فى حاجه يا امى
:اختك مرجعتش من ساعة مخرجت
: ممكن رجعت لهناك تانى
:رجعت فين، قوم ندور عليها الساعه عشره
عرف ان لا مجال للجوال دخلت أوضة “لينل” قبل كل شيء ظننا انه ستجد الكتاب لكنه لم يجده تعجب، الم تجده بعد
اخذ سيارته وغادر ليرضى والدته وتستريح قليلا، اتصل بشقيقته وكانت المفاجئه ان الهاتف يرن وليس خارج الخدمه حينما تذهب لهناك.. أنها لا تزال فى عالمه، لكن لم ترد عليه اتصل مجددا ولم تجب ثانيا
: لينا انتى فين
تنهد من تلك الفتاه الذى لا تفعل شيء سوا إثارة قلقهم، اصبحت غريبه منذ أن عرفت تلك البلاد والكتاب و”فرناس”.. اصبحت غريبه وبشده
كان يلتفت من بينالطرقات حتى وقف بسيارته فورا، ترجل وكانت هناك فتاه واقفه عند الجسر ذو شعر قصير، تنهد واقفل باب سيارته وقف بجانبها ونظر إليها وكأنها لم تلحظ وجوده بعد
: مبترديش على تليفونك لى
لم ترد تعجب قال: “لينا”
: رجعنى البيت، عايزه اختم الروايه
ذهبت ليقول بدهشه : تختميها؟!! هى خلصت
: خلصت يا “حسام”
: يعنى الكتاب اختفى فعلا!! مش هتروحى هناك تانى
سعادة اخيها غير مماثله لحزنها الذى يحتل تعبيرها، الصدمه التى لا يزال قلبها يستوعبها، ان كان الكتاب اختفى قبل ذلك لسعدت.. ان كانت عرفت كل هذا قبلا لهللت فرحا.. لماذا الان؟!
عادو إلى منزلهم واستقبلتهم والدتهم وحبن سألتها اين كانت لم تجاوب زتوجهت الى غرفتها فتعجبت منها ونظرت الى ابنها الذى قال
: متسألنيش، انا مستغربها زيك
القو نظره عليها وهى تجلس على مكتبها تفتح كمبيوتر المحمول وترسم شيئا، تركوها بمفردها
تسرح بعيالها لذلك اليوم المشؤوم، لا تزال تتذكر يدت التى تشبثت بها قبل ان يركبها العربه وتنتقل بها، لبنها لم تتركه وليته ظل معها وقتا اكثر من هذا
اراكت ان تعرف حقيقه هذا العالم، انه سراب لا غير.. الحقيقه هى مرادنا اخيانة لكنها تؤلم وبشده، ليتها لم تعرف الحقيقه وليتها ظلت عابثه فى جهلها
لديها رغبه فى صراغ غاضبه، رغبه فى البكاء.. تود ان تبكى،هناك رائحه حريق تستطيع استناشقها على قرب منها
… انها من تحترق، اللحن يتردد فى اذنيها.. شعور الغدر والحزن والبرد… أنها قصة حزينه مبنيه على الغدر وبشاعة الخيانه.. الخيانه؟!! انها تؤلم بقدر حب من اطلق السهم، لما ذهبت لهناك.. لما اختارها ذاك الكتاب الغبى ، لما احببتك يا “فرناس”، لما قابلتك، لما لما لما.. اسألة كثير ويظل رغبة التمنى والندم واحده… ليتنى لم اراك
ليتها لم تقابل ذلك العجوز الذى كان السبب فى كل هذا، ليتها لم تفعل خيرا واختاروا الكتاب… انها مميزه.. مميزه بلغباء والحماقه
مع قلمها ترسم اخر مشهد وهى وقوع الملك قتيلا راكدا بين دمائه لتسيل دمعة اخيره منها برغم انها من كانت ترسم لكن عاشت ما هو اسوأ، رأت المشهد بأم اعينها، جف الحبر لترفع القلم معلنه انتهاء الروايه وتلك المره تحدثت بالضير انا، مختلفه عن اى فصل قامت بكتابته
:الكابوس انتهى عند نقطه ظننتها النهايه السعيده بالنسبه لكنها كانت نهايه أشد بشاعه مما ارادها قلبى، لعلى ظننتها روايه بختامها بتزوج الابطال لكن اكتشفت ان الوصول محال.. صدمه حين تكتشف ان كل ما عشته من احداث كل ما رأيته من شخصيات واماكن ومناظر.. مغامره تعايشت معها بكل حماسي وخوفى ومشاعر. الفياضه، لم تكن سوى وهم .. لحظة ماضيه اذكرها انا ليذكرها الجميع.. كل ما جربته كان اوهام، يصيبك الجنون.. هل تعلم ما هو الجنون يا صديقى ، انه كل ما رأيته … ما شعورك حين تكتشف ان من احبه قلبك ليس معك، بعيد عنك ليس بمسافه ولا ببلدان ولا اختلاف العوالم التى راتها كارثه… انه بعيد عنك كثيرا.. يستحيل رؤيته فى الواقع لانه ليس له وجود.. انه روح طائفه بين الاجواء قد حل عليها الزمن ، انا الان ما بين الجنون والصدمه والحزن ، من انا؟! كيف حدث هذا لي؟! لقد وقعت فى مكيده الحب كالشبكه العنكبوتية الذى تلتصق بها الحشره ولا تستطيع الفرار منتظر التهامها… لقد التهمت بالفعل، الحب هو المكيده اما ان ينيرك او ان يطفاك او يحطمك… اما انا فلا اعرف لان قصة حبى مختلفه عن اى قصه حب.. نحن اللذان لا تجمعنا صوره ولا طريق سالك، لكن رأيتك و اعرفك جيدا.. لقد مشيت معك فى الحلم وتبادلنا الأحاديث لمرات ، رائحتك تغلغت فى انفاسي الى الان، استطيع ان اميزها بين الجموع.. الشوق للميت مميت ، هل بإمكانى التأقلم .. اربد ان ابكى ، اريد ان اتقيأ … اتقيأ قلبى من فرط الاذى والالم الذى اشعر به.. هنا مع احزانى اكتب لك.. ارقد بسلام يا الم قلبى
تقف فى الشرفه اعينها معلقه على الشارع، الأشجار أفضلها حاله والزهور تنبت، رائحه الياسمين التى تفوح فصل الربيع المزهر
: معملتيش قهوتك انتى لى، مش بتحبى تبدعى فيها
كانت هذه والدتها اخذتها منها شاكره،لتقف معها قليلا قالت
: بداية دراستك امتى
: اسبوع كمان، برغم انى فاقده الشغف انزل
:لينا
كان ذلك النداء من خلفهم، أتى ” حسام” لم تلتفت وكأنها لم تسمع ندائه
: اى الى انتى كتبتيه
ق، نشرت الفصل متذ يومين تتجاهل الاراء والانتقادات من حولها، لم تعد تهاب احد.. لن تجمل القصه، انهم لم يرو الحقيقه بعد.. ماذا عن انكسارها هى.. يشعرون بالحزن على قصة خاليه وتشعر بالحزن على شخصا عاشرته
قال “حسام” : قفلتى القصه كده ليه؟! اى الافاده انك تموتيه
: هو ميت اصلا
قالتها بوجه جدي جعلته يصمت للحظات قال : مش فاهم ميت ازاى؟!
: مش انت قريت الفصل
: قرأته
: وهى دى الحقيقه، “فرناس” ميت
: ازاى؟! انتى مكنتيش هناك لحظتها.. دونتى عنها ازاى
: شفت موته بعنيا، محصليش الفرصه اكتب قت.له لان الكتاب رفضنى…
التفت اليه وقالت: خلصت القصه معكش فيه “غوانتام”
غادرت الجلسه وهو يطالعها بدهشه قالت والدته
: بتتكلمو عم مين… مين ده إلى ميت؟!
ارتمت على فراشها بإرهاق، اخت قلادة تديها جيدا داخل ملابسها، انها اخر ما تبقى لها منه.. حينما تنظر إليها تنعكس صورته امامها
دخلت أمها لتخبرها عن الطعام لكنها اخبرتها انها ليست حائعه، سدت شهيتها لفتح الامر.. كم سبستغرق لتنسي.. لعله وقت كثيرا لطن ستفعلها حتما
فى الليل فتح الباب دخل “حسام” وراها نائمه ملتفه تحت ذلك اللحاف، اقترب وجلس بجانبها قال
: عارف انك صاحيه
لم ترد تنه، وقال : كل ده عشان عرفتى ان فرناس شخص ميت
: انت مش فاهم حاجه يا “حسام”
: ممكن اكون مش فاهم بس شايف عندك مشاعر ليه وده سبب حزنك
قالت بصوت مبحوح : كان صديقى
كانت الدموع تغرقت اعينها حزن عليها قال
: كنتى بتقولى فى الاول ارض خياليه، سواء عايش او ميت بيفضل شخص خيالى.. ملهوش وجود معانا
ارادات ان تجعله يتوقف عن الحديث، انها استهانه بحريق قلبها
قالت “لينا” : مفيش حاجه يا حسام خلاص
: مش عايزك تزعلى، النهارده او بكره هتنسي
: تفتكر
: اكيد، متحكيش لحد تانى.. الحكايه خلصت.. يكفى تلاتتنا الى عارفين
: قصدك مين؟!!!
: معتز.. بدام الموضوع وقف بلاش نتكلم فيه، خارج عن العقول اصلا
: دلوقتى خارج عن العقول
: احنا مصدقينك غيرنا لا
اومات بتفهم ربت عليها وتركها لتكمل نومها، لكن كان لكلامه اثر كبير داخلها
أتى يوم دراسها الأول لسنتها الجديده، كانت هناك ضوضاء عارمه لفرقه اولى لحسابهم لبداية سنتهم الجامعيه الأولى
توجهت الى المدرج لتجد بعض من زملائها يمسكون قصتها، يتناقشون بعض الفكر تريد أن تسمع لكن أصواتهم متداخله
: شفتى الى حصل
: زى ما توقعت الكاتب موته
: والله حرام اخوه يقتله ازاى، ياريته كان حمى نفسه وموته بس هو مش زيه
: يارب يكون فى جزء تانى مستحيل الروايه تتقفل على كده اكيد فى تكمله والحقيقه دى تتقلب
: الكاتب
عن اية حقيقه تتحدثون، انها من رأيت الواقع وليس انتم، تنتقدون النهايه وتتمنون تغيرها وهى أشد منكم تمنى.. لكن زمن تحقيق المعجزات قد انتهى لكن لعل الامانى تتحقق
تجاهلت التفوهات الناقده وغضبهم العارم منها، شعرت بالصداع الى ان اتى دكتور ليعود الجميع الى مقاعدهم وغلقت الافواه
انتهت محاضرتها وغادرت القاعه لتجد “يارا” امامها، كانت تلك اول مقابله بينهم بعد اخر مره قامت بإهناتها فيها، ظنت انها ستسخر منها كعدتها بل وجدتها هى من تتلاشها وتذهب بعيدا عنها، لماذا شعرت بالرضا عند هذه اللحظه
اثناء خروجها رأت “معتز” كان يقف معه فتاتين وشاب يسألونه عن شيئا ما ويجيب عليهم، طالعته لوهله نظر إليها حيته باعينها وغادرت
استأذن من طلابه وذهب : “لينا”
: فى حاجه يا دكتور
: كنت عايزك فى كلمه
سكتت لتنظر الى الجميع اومات له وذهبت معه ليقفا بمفردهم قال
: الفصل الى نزل ده الحقيقه
: اه
: ميت
اومأت برأسها وقالت بهدوء فيه بعض من الحزن المخفى
: لازم أمشى
امسك يدها نظرت له سحبها بعذر وقال: لو موركيش حاجه ينفع تستنى خمس دقايق
: لى؟!
: هتعرفى
اومات له وذهبت قابلت “سهيله” التى احتضنتها بشوف، رات القصه التى تحملها فاصابتها غصه لرؤية ذلك الوجه على الغلاف، سلمت عليها
: شوفتى القصه ال…
قاطعتها وهى تقول : اشوفك بكرا يا سهيله
تعجبت كثيرا منها لكنها لا تفهم ما داخلها، غادرت وقفت امام بوابة الجامعه لدقائق وحين قررت الذهاب، توقفت سياره امامها لينزل النافذه وترى “معتز” أشار إليها
: اى ده؟!
: عايز اوريكى مكان
لم تفهم شيئا لكن انتهى الامر بها بالركوب معه، سالته الى اين هم متوجهون لكنه لم يعطها اجابة موحده، توقف بالسياره أشار لها لتترجل معه لتجد نفسها امام نهر صافي اللون،
تنظر إلى الافق والغيوم الطريقه التى تزين تلك الكره الذهبيه، الطيور المعلقه فى السماء، منظر الغروب يجعل الأبدان تقشعر من شدة الجمال
وقف تنبها بذات الانبهار قال: المنظر ده عمره ما فشل انه يريحنى
طالعته وقالت : لى جبتنا هنا
: حسيتك محتاجه هدنه مع نفسك…
ابتعد بضع بوصات قال : اعتبره نفسك لوحدك يا “لينا”، فى اى وقت تعوزى تمشي.. أنا مستنيكى
تركها شارده مع نفسها، تطفو بين جمال المنظر الخلاب او ان نسمات الهواء حلقت بها بين أوتار قلبها التى بدأت بالخفقان شيئا فشيئا
ذلك المشهد كفيل بأن يجعلها خاليه من الحزن، الحياة جميله.. الاستمتاع بها يستحق المعاناه، دقيقه مليئه بالراحه والصفاء، الهدوء هو طريقها لسبيل من ضجيج عقلها
التقطت نفسا عميقا وخرجت ما به من شوائب، اعادت الكره لكن بعمق اكبر من ذى قبل ومع كل زفير يخرج منها، تصيبها حراره شديده فى اعينها مع راحة كبيره تملأ صدرها
كان ينظر إليها وكأنه يشعر بما تشعر به، يعلم انها حزينه وتكابر على لا شيء، تلك المره اقتربت من سور المشاه وامسكت به بقبضتيها، التفت ناظره إليه مع ابتسامه طريقه مليئه بلامتنان
: شكرا يا معتز
: على اى؟!
: كنت محتاجه اكلم نفسي ولو دقيقه.. افكر واحسب صح، المكان فعلا جميل اوى
: فرحان انك استريحتى
: الفضل يرجع ليك، شكلك بتيجى هنا كتير؟!
: مش كتير اوى، حوالى ست سنين.. نوع من انواع التأمل وانى اكون لوحدى
: مبقتش لوحدك، أنا شاركتك المكان
: معنديش مانع
نظرت إليه قليلا اوقات تشفق عليه واوقات اخرى ترى صديق مقرب اليها لذلك تميل بمشاعرها الحزينه معه لقصته المليئه بالمأساه، مهما شعرت بلانكسار لن تأتى بجانب معتز او شقيقته شيئا، تحمد خالقها لانه يدرك قدرة تحملها الضعيفه
انتهت جلستهم اوصلها الى منزلها ودعته مع ابتسامه مليئه بلامتنان ولم تعد ان ابتسامتها من كان يريد رؤيتها
مر يوم البارحه بسلام، وتليها ايام الأسابيع الروتينيه الممله، تتجاهل كلام اخيها حول انتهاء قصتها كتجاهلها التام لدار النشر التى تعود بكلب بجزء اخر، أخبرتهم ان اللزايه ق، انتهت بالفعل لكنهم يريدون المزيد، وفقا لطلب المتابعين
ذات يوم كانت فى منزلها ضيفه ترحب بها والدتها، كانت كتير عادتها جالسه فى الغرفه
دخل “حسام” : مش هتخرجى تسلمى على ايه
: سلمت
: اعفدى معاها، هخدها وهمشي كمان شويه.. عارفه انكو صحاب قبل ما تكون خطيبتي.. يلا عشان متزعلش
لك تضايق اخيها وخرجت جلست مع “اية” كانت فتاه لطيفه، محبوبه لدى العائله
قالت “هاجر” : الدراسه وخداكى مننا يا ايه
: والله ابدا يا طنط، ده حسام هو الى مش بيكلمنى
قالت “لينا” : ولا بيكلم حد
نظر إليها ابتسمت واردفت : عارفه حسام ملهوش فى المسجات وكده
قال “حسام” : يلا يا ايه عشان منتأخرش
: هعديها عشان “لينا” ، اه صحيح.. ما تيجى معانا
نظرت اليهم كانت فكرة سيئه شجعتها والدتها لأنها رأتها فى حاله من العزله
قال “حسام” : يلا ياى”لينا” ، عشان “ايه”
: روحو انتو، مش عايزه بجد
قالتها بقطع نهائى فلم يناقشوها وغادرو، كانت الملل صاحبها برغم ذلك لم تشأ خرب نزهتهم فقليلا ما يرو بعضهم برغم ذلك علاقتهم قويه
جالسه فى غرفة المعيشه تشاهد التلفاز، تقضى الوقت حتى غفت وغفت قليلا، تغوص فى احلامها بين الا واعى لكن افاقها صوت والدتها القريب منها
: “لينا”، انتى نمتى
تكاسلت فى الرد، دقرتها والدتها بالغطاء لكن ارتد طرفة من اعينها واتسعت اعينها من الصدمه حين رات الكتاب امامها على المنضده
قالت “هاجر” باستغراب : مالك، فوقتى كده لى؟!
كانت تنظر إلى الكتاب بدهشه : الكتابطقامت والتقكته بين ايديها، انه هو بالفعل انها عادت بحمله بين اناملها ثانيا
: ماما، الكتاب ده كان فين
: معرفش؟!! انا دورت عليه البيت كله.. مين لقاه وحطه هنا
: مكنش فى حاجه محطوطه هنا من شويه اصلا
: مش فاهمه
سكتت فى محالة منها لتفهم ما يجرى، قلبته بين ايدها فلقد عاد الكتاب.. لقد ظهر لها من جديد،كيف جاء ولماذا… لا تدرى، فقط ضاق صدرها حين استدركت ان هنالك امرا ينتظرها
: معقول… لسا عايش؟!!
نظر إلى الكتاب تركته ببغض فهى لا تريد العوده، اجل لا تريد رؤية مشهد موته.. لا تريد التدوين.. تريد نسيانه.. تريد حياتها الهادئه
التفت لكن تشنجت قدماها نظرت الى الارض وحاولت تحريكهم لتشعر ببروده شديد ودب لحن فى اذنيها جعل قلبها ينتفض حزنا معه، اهتز الكتاب نظرت إليه والضباب يحيط بها، ماذا تريد منى يا هذا.
شكي دافئه تلامس بشرتها لكن لم تستكع فتح اعينها لعدم تأقلم النور الصباح المشرق، سندت يديها تعجبت من نعومه الارض لتجد حشائش محيطه بها، الارض الخضراء الخصبه والأشجار العاليه معلنه طرح ثمارها
انفضت ثوبها قبل ان تلتقط اعينها ذلك من يقف بعيدا يعقد زراعيه خلف ظهره، ازدادت ضربات قلبها من الكتفين العريضين والواقفه الشامخه المعتاد وقوفها، الاح نسيم الهواء خصلات شعره السوداء فاصابتها غصه قويه لرؤيته من جديد
“فرناس” انه قيد الحياه ليس ميت، انه يقف امامها الان، سارت تجاهه من تلقاء نفسها وكانما تود ان تلمسه.. تربد ان تشعر به وقبل ملامستها توقفت وسحبت يداها لكنه التفت وهنا تقابلت الأعين ليس كأى مره تقابلا من قبل، كأن هذا لقائهم الاول
رفعت يدها ولمسته فى محاوله لتأكد منه انه حى، نظر إلى يدها امسكها بين مفيه الدافئه لينبض قلبها وقال بنبرته الهادئه
: انتظرت عودتك “لينا”
يتبع….
رواية سرداب غوانتام الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور
ازدادت ضربات قلبها من الكتفين العريضين والواقفة الشامخة المعتاد وقوفها، الأح نسيم الهواء خصلات شعره السوداء فأصابتها غصة قوية لرؤيته من جديد "فرناس".
إنه قيد الحياة ليس ميت، إنه يقف أمامها الآن. كان سعيدًا لرؤيتها مجددًا تقف أمامه الآن، لكنها تنظر إليه بتعبيرات الصدمة لوقوفها مع حقيقة تدركها الآن، حقيقة مخيفة تتقبلها رغماً عنها.
قال "فرناس" بتعجب:
ما بك؟ هل انتظرتني بالفعل؟
تعجبت، نظرت إليه وقالت بضيق:
لماذا؟ لماذا جعلتني أعود…
طالعها مستغربًا. قالت بغضب:
لما فكرت بي لدرجة أن كتابك عاود بالظهور؟
لا أفهم شيئًا.
كنت سعيدة في عالمي ومرتاحة البال، لماذا فكرت بي الآن لأعود هنا من جديد؟ لماذا؟
أنت بخير.
أدمعت عيناها بغضب:
كنت بخير قبل رؤياك.
نظر إليها. اقتربت منه مردفة:
أشعر بالغضب وأنا واقفة معك، أشعر بالغضب فور عودة كتابك الأحمق ليعيدني إلى ذات السراب.
سراب؟
أجل سراب، هنا سراب الهواء سراب أنت… أنت لست حقيقي، أنت لست إلا شخص ميت.
قالها بغضب وصاحت به:
اسمعت؟ أنت ميت يا "فرناس"، أنت لست موجود من الأساس.
سالت دمعتها وقالت:
ليتني لم أقابلك، ليتني لم أراك، ليت قدماي لم تدب أرضك اللعينة، ليتني لم أهوى القراءة يومًا لتقعني في فخك.. كل من عاد الكتاب… لماذا… لماذا ليعود الآن.. لماذا ليعيدني إليك؟
نظرت له من سكوته طوال حديثها، يستمع ويطالعها بأعين باردة ليقول أخيرًا:
هل تأتين حين أفكر فيك؟
أومأت له إيجابًا. قال:
ستعودين بلا رجعة إذا هذه المرة، فأنا شخص لا وجود له.. ابتعد عني قدر الإمكان.
نظرت له. أكمل بجدية:
لن أتطفل عليك.. أعدك بهذا يا "لينا".
ابتعد عنها وذهب، تاركًا إياها تبخق فيه. وضعت يدها على فمها الذي سيعلم بما لا يجب البوح به. التفتت ونظرت إليه وهو واقف بعيدًا عنها شاحبًا مهزومًا، لا تدري كيف قالت ذلك، كيف تحدثت وأخبرته بحقيقته.. كونه ميت.. كيف طاوعها.
بصقت ثم أخرجت غضبها وهو أكثر من سيتألم بها. مهما كانت حزينة، إنه الشخص الخطأ الذي أباحت له، زاء شعور لمعرفة حقيقته المؤلمة. هل صدقها؟
سارت تجاهه بندم. قالت:
آسفة.
كانت ملامحه خالية من التعبير، تساءلت بماذا يشعر، فأعادت أسفها عليه وقالت:
لم أكن أقصد قول ذلك، أردت التخفيف عن حزني لكنني أخطأت.. سامحني أرجوك، آسفة.
هل أنا ميت حقًا؟
أسكتها سؤاله. بل شعرت بقطعة حجر تتوقف في حلقها. نظر إليها وحين التقت أعينهم رأت ما بهم من خيبة وحزن مخفي. إنها فقط من تستطيع رؤيته. أثبتتها وكزة قوية ومشاعر فياضة مع احمرار أعينها بتلألؤ دموعها داخل جفونها، لا تذكر تحذير العجوز: "أفقي يا لينا إنه السراب".
حاولت استعادة رباط جأشها.
قال "فرناس":
كيف سأموت؟
شعرت بحزن يعشش داخل قلبها وألم في بطينها الأيسر. ألم من ذاتها وألم من نبرته المسالمة.
قالت "لينا":
هل هذا يهم؟
أريد معرفة إذا كان سيقبض ملك الموت روحي أم سأقتل.
عادت بتذكرها إلى ذلك المشهد، فأغمضت عينيها منعًا لتذكر. سالت دمعة من عينيها كانت دافئة متناقضة مع برودة الهواء، لكن أصابتها حرارة قوية. قالت بصوت يجهش بالبكاء:
أحبك.
طالعها من الكلمة الذي قالته، واستطاع سماعها بوضوح. اقتربت منه وأصبحت قريبة منه، عانقته فتوقف متفاجئًا من فعلتها الذي لم يتوقعها. شعر برقة جسدها من التصاقهم. بكت وتعالى صوت بكائها:
"لينا".
دفنت وجهها داخل صدره وهي تحتضنه بقوة، تتشبه به بأظافرها بكل ما أوتيت به من قوة، تريد أن تشق صدره وتختبأ بداخله.
لا تبتعد.
ارتمت على كتفه بإرهاق وانكسار كبير داخلها، قالت بصوت ضعيف هامسة له:
أحبك كثيرًا فلا تتركني.
أخرجت كلماتها برجاء وتكتم صوتها. رفع ذراعيه وطوق عليها ليبادلها، متخطيًا الحواجز والحدود الذي يجب مراعاتها أمام ذلك الحب. انكسرت المعتقدات والعادات. في لحظة خالية الوفاض كان كل منهم مناقض المشاعر الذي خليت بهما.
كان بيده القوية يربت عليها بحنان، جعل دمعة تسيل منها برغم شعور الراحة الذي هي فيه الآن. إنه يطمئنها من الموت الذي سيسلبه منها أم أنه عناق الوداع؟ إنها لحظة سرد القلوب مقدار خوفها من الفراق، خوف من القادم. القادم، ماذا سيكون؟
ابتعدا كلاهما عن بعضهم. ودت "لينا" أن يبقيها بين أضلعه أكثر من هذا.. للمدى البعيد.
رفع كلتا يديه وأمسك وجهها برفق ليزيل تلك الدمعة الذي زالت لمساته كافية بأن تجعلها تنسي العالم أجمع أمام لحظة معه.
قال "فرناس":
إياك والبكاء وإن كان بسببى: آسفة على جرح مشاعرك، لقد تفوهت بالهراء.
لم يرد عليها لكن تنهد وهو يسند جبهته على جبهتها، مخترقًا عينيها بأعينه الرمادية:
هل كان مشهدًا موجعًا؟
لم تجب عليه لكن استطاع الشعور بحزنها. تنهد وقال بقوة:
أخبريني عما عرفتي تلك المرة.
هل تثق فيما تطلبه مني؟
لم أكن لأقوله لك إن كان لدي ذرة تردد. هيا أخبريني.
مهمتي كانت التدوين.
أعلم ذلك.
لا تعلم، لأنها لم تكن تدوينًا عاديًا بل كانت قصة حياتك لتدوين مقتلك.
من أخبرك بهذا؟
إنه ذات العجوز، جعلني أرى وأتأكد أن عالمك ليس حقيقيًا… أننا في حقبة من الماضي، "غوانتام" الآن أصبحت غابة لا يحكمها أحد. الدماء تملأها والجرائم تعم.. إنها غير صالحة للحياة.
صمت قليلاً لكن استعاد رباط جأشه:
ماذا رأيتِ؟
طالعته من سؤاله، فهل حقًا يسأل ذاك السؤال؟ كيف قُتل؟
أصابتها وكزة بحزن يتناشر في خلاياها. قالت:
رأيت ما لم أستطع تحمله، لكنني أدركت كم أنني قوية.
قربت يدها منه لتتشابك أصابعهم.
قالت:
لم أكن لأراك ثانيًا، اختفى الكتاب.
طالعها بشدة. أومأت له لتكمل:
رفضني، بسبب ما فعلته وتغيير الأحداث.. لقد كنت سببًا كبيرًا في انقلاب شعبك عليك، ستموت على أنك خائن.. سيجمعون على قتلك.. كان عقاب فعلته عدم رؤيتك واختفاء الكتاب.
كيف عدتِ إذا؟
لقد عاود بالظهور، لا أعلم كيف ولماذا.. لكنني سعيدة لهذا الأمر، إن كان الأمر انقلب ضدك فلم يعد هناك تضحيات ولا شيء تخسره. كما استطعت تغيير الأحداث سنغير هذا الأمر أيضًا.
نظرت له قالت:
لن تموت.
هل حدث كهذا سيتغير؟
سيتغير، يجب أن يتغير لأني لن أستطيع تحمل عدم وجودك. ساعدني في هذا.
كيف؟
احمِ نفسك، لا تدعه يقتلك.
هل مت ضعيفًا لهذا الحد؟ ألم أقاوم؟
لم تفعل ذلك لأنك قتلت قبلها من معرفة الفاعل.
طالعها مستغربًا لتردف:
مهما حدث لا تسلم نفسك للموت لأجله. عدني بذلك.
من يكون؟
نظرت إليه من سؤاله ونبرة الريبة. قال:
من الذي سأموت على يده وأكون خاضعًا له وهو يقتلني؟
أخيك.
صمت دون أي ردة فعل نبعت على وجهه، تقبل الأمر كحجر ثقب قلبه وقال بذات النبرة الهادئة دون أي رد فعل لصدمته:
كيف سيقتلني؟
لماذا لم تنصدم من معرفة الفاعل؟
إنه بالفعل القادر على قتلي. الأمر مؤلم وتقبل الحقيقة واجب لمعرفة القادم.
تنهد بحزن داخلي:
كنت أحيا من أجله.
قبضت على يده بقوة من قوة ثباته وامتلأت عينيها بدموع بدلًا منه. قالت:
إياك وأن تتنازل عن حياتك، هناك شخصًا يريدك معه.. حياتك تهمه وبشدة فلا تظن أن لا فائدة من وجودك، إن روحك ثمينة.
كانت تتحدث عنها بصيغة المجهول. أكملت:
إنك لن تترك له نفسك، لا تدعه يقتلك أرجوك.
أكان هو من يدبر لقتلي وفعل كل ذلك؟
إنه وراء كل شيء، الحوادث المدبرة… المكائد وتسريب خبر وجودي في قصرك، إنه الفاعل في ثورة الشعب.
صمت ولم يقل شيئًا. قالت:
كان يجب أن تعرف، حتى لا يعاد ما حدث.. سنغير الأحداث لن تستسلم له، وإن اضطررت لقتله افعله.
نظر إليها بشدة. قالت بتأكيد:
اقتله وأنهِ الأمر.
اقتل أخي؟
أي أخ هذا، إنه شيطان.. لقد قتلك بكل وحشية دون أن يهتم بك.. رأيته بأم عيني، جعلت نفسك ضعيفًا أمامه وأنت قادر على أن تقتص منه. صدمتك وحزنك من خيانته تجعله قويًا أمام ضعفك. لا أريد عودة ما جرى.
صمت دون أن يعطيها ردًا على كلامها وكأنما كانت تتحدث مع الهواء. قالت:
ستفعل ذلك صحيح.
ماذا يعني هذا الصمت المهيب؟ لن أسمح لك يا "فرناس"، لا تفعل ذلك بي وتدعه يقتلك، إن كنت معك الآن، فأنت قادر على تغيير الأحداث كما تغيرت. كنت ستموت ملكًا أم أنت الآن ستموت بصفتك خائنًا لن يحزن عليك أحد. سيرونه بطلًا أم أنت سيرونك مجرمًا. لن أسمح لك بفعل ذلك بي، ليس بإرادتك وكيفما تشاء. طلبت منك ألا تبتعد عني… قلها.. عدني أنك لن تتركني وستكون بخير. أنا لا أعلم حتى متى سأغادر ومتى سأعود لكن أود البقاء وعدم تركك، لذلك أعلمني أن حين أعود في المرة الثانية أمي سأجدك حيًا. أنت لا تقدر خوفي وزعري بفقدانك، هناك أمل بأن تعيش كباقي ثائر البشر. لما تصمت وتخيفني منك؟
إن مت فأنت أول من سأفكر به وأخاف من ألا أراك ثانيًا، لذلك لن يحدث لي شيء.
إذا عدني.
ألا تثقين بي؟
لا، لا أثق بحبك لأخيك لذلك عدني.
أعدك.
وهنا سكتت حينما حصلت مرادها. لم تهدأ لكن تطمنت لوعده الذي تعلم أنه لن يخلفه.
مولاي.
التفت فورًا للصوت، وجدت رجلاً يرتدي ملابس المزارع ويمسك حقيبة يملأها بالثمار. طالع "لينا" الذي طالعه بشدة مستغربًا من يكون:
هل لديك جلالتك ضيفة؟
قال "فرناس":
أجل، ستكون معنا لموعد عودتها.
انحنى لها الرجل. قالت سريعًا:
لا لا، ماذا تفعل؟ إنني عبدة مثلك.
عبدة؟
جميعنا عباد الله.
قال "فرناس":
هل هناك شيء يا "شوار"؟
شممت رائحة دخيل، لذلك أردت الاطمئنان.. اعتذر عن المقاطعة.
غادر مستأذنًا لتلتفت إليه في حيرة:
من يكون؟
قال "فرناس":
إنه مزارع.
ناديك بمولاي؟
أظننت أن الجميع تحالف ضدي، لا يزال هناك من يكنون الإخلاص لي.
هل نحن في مزرعته إذا؟
كلا، إنها ملكي.
طالعته بدهشة. أردف:
لم نعمل بها لكن المحصول يتصدّر للعائلة الملكية.. "شوار" إنه حارس وفلاح يرعاها.
هل هو فقط من يدير تلك المتاهة؟
يعمل لديه أتباع كثر لكن أعطاهم عطلة وأخلاها فور زيارتي بسبب تدهور المملكة في الأوضاع الأخيرة.
هل أتيت لهنا لأن القصر…
سكتت تنهدت. قالت:
حسنًا، لا يهم. من معك؟
إنني بمفردي، يتردد "بردلة" بزيارة ليخبرني بالمستجدات لآخر ما وصلنا له.
عن ماذا؟
أريد أن يعرف أن الشعب أن "رزان" لم تعد بل شخص آخر لم يرتكب إثمًا، أريدهم أن يعرفوا الحقيقة ليس من أجلي ولكن لأجل عائلتي.. بدأوا في مقتهم بسبب الملك الذي تمرد من بعد تاريخ من رثاء.
آسفة، فأنا من تسببت في كل هذا.
لنرى حلاً فيما نحن فيه، ونعمل على تغيير كافة الأمور.
كيف ستجعلهم يصدقونك؟ إنهم يكرهونني أشد الكره مما فعلته فيهم سابقًا.
هناك أتباع قمت بزرعهم بين الشعب ليهدئوا ثورتهم منك، لا أعلم لكن نسبة تغيير عقول المدنيين منك ضئيلة.
ما دمت أنت حيًا، فالأمل موجود.
تبادلا كلتا النظرات إلى أن تورطت وجنتيها. وقال:
أتمكث هنا بمفردك. أين "داغر"؟
يتردد علي من وقت لآخر. أظنه يفكر في حلول أخرى حول تغيير القتل إلى إعدام، لابد أنه يود أن يقلب الجيش هو الآخر عليك لأنك ما زلت قويًا به، لا يعلم أنك لا تقوى بأحد وأنك قوي بذاتك.
تنهدت وأردفت:
إن كان يعلم حقيقتك لفر هارباً ولم يقدر على الوقوف أمامك، لعله كان سيعيد التفكر في قتلك خوفًا منك.
وهل تخافين مني؟
أبدًا.
لأنك لم تري ما يخيفك مني بعد.
ماذا عنك، إن أظهرت "رزان" الشريرة التي بداخلي؟
أظهرتها.
أجل نسيت، وقتها قمت بتهديدي أن أتحكم بها وإلا لانقلبت علي.
لا أحتاج إعادة التحذير إذا.
أما زلت عند ذلك التهديد؟ تريد قتلي؟
وقتها سأقتل "رزان".
اللعنة، إنه يظل جسدي.
تتمنين أرواحًا خالدة.
نظرت له بضيق ثم قالت:
ما علينا، بردو هقول تاني.. لو أظهرت لك أنا اللي يخوفك..
لم يكن ليفهم لولا جملتها الأخيرة. اقتربت منه قالت:
أم ستقول أنا لا أخاف؟ لقد واجهت جنيًا أمامي.
لا علاقة للخوف بك.
لماذا؟ أبدو ضعيفة لهذا الحد؟
الخوف ينبع من القلب وقلبي ممتلأ بحبك.
ابتلعت كلامها، فكانت جملته كفيلة بأن تقعها على هاوية أوتار قلبها. لا تريد أن تشيح عينيها عنه فتستفيق من غفوتها، تكاد لا تصدق أنه يقف أمامها الآن.
لكن رأت شخصًا يقترب من بعيد. كانت امرأة ترتدي ملابس بسيطة وتحمل أغصان في يدها. لم تراها منذ أن وفقت. هذا يعني أن ظهرت للتون.
نظرت إليه قالت متسائلة:
هل يحق لأي أحد التجول في مزرعتك؟
نظر إلى ما تقصده. وقفت بقرب منه قالت:
مولاي، عرفت بحضور ضيفتك لهنا، أتيت لسؤالك هل أعد الطعام لكما؟
نظرت إليها، فكانت جميلة رقيقة الملامح والوجه. قالت:
هل أنتِ من تعدين له الطعام… ماذا تفعلين له أيضًا، ترتبين غرفته… تضبين ملابسه و…؟
"لينا".
قالها "فرناس" ليفيقها من أسئلتها المتعددة حيث كانت المرأة تنظر إليها بريبة. قال:
اذهبي الآن يا فطون.
أومأت له، غادرت مبتعدة عنهم. قالت:
أتتعرفها؟
إنها "فطون" ابنة "شوار" الذي رأيته منذ قليل.
هل قريبة منك؟
نظر إليها من سؤالها. قالت:
أين "صفية"؟ لماذا لم ترافقك لهنا؟
كلفتهم بالبحث عنها لكن لم يجدوها، اختفت مع.
تذكرت ذلك اليوم وقلق. قالت:
الم تعد حقًا، هل يمكن أنها…
أتعلمين أي شيء؟
ذلك اليوم تعرضنا للهجوم من قبل رجال، قامت بتشتيتهم عني لأهرب لكنهم كانوا خطرين.. لقد قتلوا السائق أمام أعيننا، هل يمكن أنهم.. هل يمكن أنهم آذوها؟
ظهر الضيق على وجهه. أنبت نفسها قالت:
لا شك أنه "داغر" من كان يلحق بي، لا أعتقد أنه مسها.
إن كان قتل أخيه هل سيهتم بحياة مربيته؟
مسكت ذراعه وكأنما لا تجد ما تقوله. قالت:
أنا آسفة، حياة ناس كثير بتنتهي بسببى… اعتذر لك عما بدر مني.
لستِ المذنبة يا "لينا"، سعيد بعودتك سالمة.
ألم تندم على ظهوري يومًا، يكفي كره شعبك إليك.
لقد جئتِ تدونين قصتي لكن أراكِ تحاربين لعدم إنهاء تلك القصة، لم أندم بل تمنيت لو أنكِ ظهرتِ باكرًا لعلى أقضي وقتًا أكثر معك.
لست أقل من من يعيشون هنا لخمس مئة عام.
قالتها بابتسامة وهي تنظر إليه. صدر صوت نداء مرتفع:
مولاي.
كان ذلك "شوار". قالت:
ما الأمر؟
ابقَ بالداخل.
ذهبت ونفذت ما قاله إليها. ألقت أنظار عليه وجدت خيلًا يمتطيه شخصًا يقف أمامه وينزل، لقد كان "داغر". احتضنه خافت كثيرًا لكنه لم يكن سوى عناق، ظنت أنه سيخرج سيفه ويطعنه به الآن.
ربت عليه "فرناس" بصدر رحب. قال:
لما التأخير؟
قال "داغر" بابتسامة:
ليس بيدي، تعلم لا أمانع من ترك البلاد أجمع والمكوث معك، أكن لدي مهمة من أجلك سأكملها.
ما هي تلك المهمة؟
أن تعود ذاك الملك الذي يهتف شعب غوانتام باسمه.
ابتسم، ربت على كتفه قال:
سيحدث ما دمت أنت معي.
مصدومة من حديثه معه وكأنه يجهل حقيقة من يقف أمامه. التفت "داغر" نحوها، اختبأت فورًا خلف الحائط وهي تجمع قبضتها تتخيل وجهه الذي تريد أن تلكمه.
قال "فرناس":
إلى ما تنظر؟
لاحظت شبحًا أحد.
لا يوجد شبح غيري هنا.
نظر له من ما يعنيه، أما هي فقد ألمها قلبها من مقصده. قال "داغر":
هل عادت؟
من تقصد؟
"لينا".
لا، لم يحن الموعد بعد.
أومأ بتفهم وهو يلقي بضع نظرات على المنزل. قال "فرناس":
أخبرني عما يدور في البلاد.
لم تهدأ الأوضاع حتى الآن لكن أعمل على حل الخلافات.
أين "بردلة" لم يأتِ من أسبوعين؟
لا أعلم عنه شيئًا، أمه يعيق مسعاي.. يعلق على خطوة وأخذها وأيضًا الجنود.. يريد اكتسابهم بدلاً مني.
إنه الوزير.
وأنا قائدهم، هذه مهمتي وأنا أعلم مصلحة البلاد وكيف ستنتهي الكارثة هذه لتعود لعرشك كما كنت.
هل هناك ما تفكر فيه؟
أشعر وكأنه يريد أن يعمل بمفرده، لعله يريد ضم الجيش برفقته لينقلب ضدنا. أخشي حدوث شيء كهذا.
هل ممكن أن يفعلها؟
لم أعد أثق في أفعاله، أتيت لأخبرك بهذا وإني سأتكفل بأمر كل شيء… حان الوقت لتعتمد على أخيك وتستريح.
ابتسم ابتسامة هادئة تمتلأ بفجوة عميقة. عانقه ليبادله، وكأنما آخر عناق له. لا يزال يحمل شكًا بأن ذلك العناق مزيف. ابتعد عنه، ينحني إليه باحترام، امتطى حصانه وغادر بعدما ودعه. اختفى من أمام ناظريه. اختفت ابتسامته عالقًا في كلامه. تنهد وقال:
ما نوع الراحة التي تريدها يا "داغر"، أهي الراحة الأبدية؟
شعر بشخص يقف خلفه. التفت، كانت "لينا" تنظر له بأعين معاتبة.
قال "فرناس":
لماذا خرجتِ؟
تأكدت من رحيله.
لما الحزن في عينك؟
هل تريدني أتقبل حقيقة كهذه؟ ابقَ بعيدًا عنه، لا نعلم متى سيغدر بك.
لقد وعدتك.
لكن الخوف لا يزال يحلق فوقي. حين عانقته تخيلت وكأنّه يقوم بقتلك… إنها فرصة لتصليح القادم، لتكن معي حيًا ولست ذكرى. تمسك بتلك الفرصة ولا تتساهل. لا نعلم متى سيغدر بك هذه المرة.
ألا يوجد عواقب لما سيحدث؟
تذكر كلامي العجوز عند سؤاله "إياكِ تغيري حدث يا "لينا" لأنه سيعود بعواقب كبيرة".
قالت وهي تنظر إليه:
لا أعتقد أن هناك خسائر أكبر منك، لذلك لا أهتم بحجم العواقب. موتك هو أكبر عقاب لي.
ابتسمت، كانت تلك ابتسامة نابعة من قلبه حقًا. خجلت منه وتغاضت النظر إليه. قالت:
لنا جميعًا، لا أتحدث بصيغة شخصية.
رأته ينظر إلى سقف المنزل. التفتت على ما ينظر. قالت:
ما الأمر؟
لندخل.
ذهب تبعته وجلست بالداخل. نظرت إلى المنزل البسيط، ليس براعة القصر، إنه منزل ريفي لمزرعة جميلة. الأجواء هنا دافئة للغاية، رائحة الخضرة.. الهواء النقي هنا يملأ المكان.
كانت جالسة عند المدفأة تنظر إلى النار واللعب الذي يلامس بشرتها وتستمع به. تشردت لبضع لحظات حلق لوح خشب متفحم بنار من تركيزها. وضعت يدها على عينيها سريعًا وابتعدت من هناك.
اقترب منها وجلس على الكرسي المقابل لها:
هل تعبثين بالنار؟
أبعدت إصبعين عن عينيها ورأته ينظر إليها. أشارت على منتصف جبهتها قالت:
تلك العين هي من تعبث لست أنا.
لا تزالين تواجهين صعوبة في فرض سيطرتك عليها؟
لا أريد السيطرة، فهي ليست دائمة لي. أتمنى زوالها قريبًا.. إنها نذير شؤم.
قاطع جلستهم دخول "شوار" مستأذنًا. انحنى إلى ملكه وضع مشروبًا ساخنًا على الطاولة. وهو يسير بوجهه، لاحظت ذلك "لينا" من عدم إلقاء أعينه عليها. وقفت لتأخذ فنجانًا. وضع يده إلى أنفه فور اقترابها منه وابتعد عنها.
نظرت له. قال "شوار":
انسيت، ابقَ بعيدة، فرائحتك نفاذة.
أتت "فطون" اقترب منه بقلق:
أبي، أنت بخير؟
أمسكت "لينا" ملابسها. قالت:
هل رائحتي سيئة؟ لماذا تضع يدك على أنفك.. إنني أضع عطراً.
قال "فرناس":
ألم أخبرك أنه يستشعر هالة من حوله؟
لا زلت لم أفهم شيئًا.
قال "شوار":
هالتك القوية هي سبب نبع رائحة شاذة منك، لا أستطيع التنفس في حضورك لشدة قوته.
نظرت له بدهشة. قالت:
هل فعلاً تمتلك حاسة شم قوية؟
نظرت إلى "فرناس" وهو يشرب شرابه. قالت:
ماذا عن مولاي، كيف تقترب منه وهالته أقوى مني؟
مولاي لا يمتلك ذات الهالة خاصتك.
نظرت له بشدة. قالت:
تقصد أنه شخص عادي وأنا غريبة الأطوار هنا؟
قالت "فطون":
لا شك بذلك ما دام أبي يتعامل مع جلالته بارتياحية فلا ضرر منه.
نظرت إليه باستغراب شديد. قالت:
آسفة لم أقصد إيذائك، أنا مدهوشة من تلك القوة الذي تمتلكها.. لا شك بأنك محظوظ لتهب قدرة كهذه.
قال "شوار":
إنها لعنة.
كيف تقول هذا؟
إنك قادر على معرفة أي دخيل إليك، تستطيع معرفة مع من تتحدث وهالته وحجمها.
ذلك الأمر يجعلني أتقيأ أحيانًا، حاسة الشم القوية ليست مفيدة في كل شيء، ما يزيد عن حده ينقلب ضده. واجهت الكثير من الضرر والأرق من خلال تلك القدرة، شاب شعري ولا زلت أحاول التأقلم معها… ليس كل ما هو مميز جيد، ليس كل ما هو فائق مفيد.
صمتت وكأنها ترى في كلامه مثالًا لمعاناتها. إنه يتحدث مع أكثر شخص سيفهمها.
أعطتها "فطون" الفنجان. قالت:
سيساعدك على الاسترخاء.
صورتها وأخذته منها. أخذت شرفة كبحت فمها إلى أن غادروا. وأخذت ممحاة وبصقته بها:
أي هذا؟!
نظرت إلى "فرناس" الذي أنهى نصفه. قالت:
باين أنه عجبك.
لا تحبين الشاي الأخضر؟
شاي أخضر، كويس أني عرفته عشان مجربش أشربه تاني.
لاحظت تفكيره الزائد. قالت:
فيما تفكر؟
في القادم.
علينا أن نفكر لحل.
بشأن ماذا؟
بشأن تغيير مسار قصتك والهروب من ذاك الواقع.
اخلدي للنوم أولاً وغدًا نفكر في حل.
لا أريد النوم.
الراحة واجبة وإن كان للتفكير السليم.
تريدين البقاء بمفردك؟
قالتها باستنتاج. وقفت قالت:
سأتركك لاستيعاب حقائق اليوم، أعلم أن الأمر صعب لكن.. مهما يحدث لا تشك بي، لا تكن العاقبة هي شكك وتنهي كل شيء.
لما تقولين هذا؟
أعلم بكل ما يجول في رأسك، أنا الآن أقرأك كتابًا مفتوحًا بعدما عرفت حقيقتك وحقيقة أمري حيال تدوين قصتك.
نظرت حولها. قالت:
أين غرفتي التي سأنام فيها؟
اختاري أي ما يعجبك.
أي غرفتك أنت؟!
نظر لها من سؤالها. أشار بإصبعه. ذهبت إلى الغرفة التي بجانبها وفتحتها. قالت:
يمكنني النوم هنا، أريد أن أكون قريبة منك.
ابتسم بقلة حيلة منها. قال:
لن أختفي.
أخشى حدوث هذا، تذكر أنط من قاطعت حديثنا وأخبرتني أن أخلد للنوم ونا معرضة للسلب في أي لحظة.
لن تعودي فعقلي لا يتوقف عن التفكير فيك.
احمرت وجنتيها. دخلت ودعته بأعينها، وقفت الباب خلفها لتذهب إلى السرير وتستلقي فوقه بتعب. نظرت إلى السقف أعلاها. أغمضت عينيها بسلام.
على هاوية جبل مرتفع تقف تحت سماء مغيمة سوداء، ضباب كثيف يحيط بها يعدم الرؤية من شدة كثرته.
رأت نفسها محلقة بين هواء لا غير. نظرت لأسفل انفزعت وعادت للخلف فورًا. تدحرجت حجرة ووقعت. تأخر وقت سقوطها من شدة الارتفاع.
التفتت وهي تنظر حولها لتعرف أين هي لكن لا يوجد مخرج أو دليل رشاد. سارت بحذر لعلها ترى أحدًا ما لكن لم يكن هناك غيرها. كانت ستقع حينما تعثرت بشيء ما. نظرت إلى الأرض رأت شخصًا مقتولًا. ابتعدت بأعين متسعة لفرط خوفها. شعرت وكأنها دهست شيئًا. التفتت رأت امرأة مقتولة أخرى. انصدمت وابتعدت بذعر وحين انقشع الضباب رأت الأرض ملطخة بالدماء من جثث كثيرة محاطة بها.
شعرت بأن قلبها سيتوقف. ركضت بخوف ونظرت خلفها وهي تسرع لتبتعد من ذلك الجحيم. وقعت أرضًا من تعثرها بشخص ما. اعتدلت بخوف وحين نظرت توقفت من تصنم خشبها واتساع بؤبؤ عينيها من الصدمة التي اعتارتها من ذلك الوجه الذي تراه أمامها.
كان ذلك "فرناس" الذي كان قتيلًا كغيره. اقتربت سريعًا منه ممسكة إياه:
فرناس، افتح عينك.. فرناس، رد علي.
لمست وجهه لترى دماء التصقت به من يدها. نظرت إلى يدها بصدمة وجدتها مغترقة بدماء. رفعت عينيها إليه بشدة فمن أين أتت تلك الدماء؟
نظرت بجانبها لتجد ذاك النهر ظهر من العدم. وحين طالت بوجهها رأت مشهدًا لها في يدها فأس يتقطر من دماء غزيرة وتمسك بشخص قتيل بين يديها لا تدب الروح فيه. كانت الصدمة وجه "فرناس" الذي أصابها بهول جعل قلبها يكاد يتوقف فزعًا.
فتحت عينيها حين شهقت بقوة وكأنما عادت الروح لجسدها بعدما سلبت منها:
لااااا.
انتفضت وهي تعود للخلف وكأنه لا تزال تركض. نظرت حولها إلى الغرفة لتجد نفسها في نفس المزرعة. إنها هنا.. كانت على السرير تحلم. إنه كابوس، كابوس.
رفعت يديها لكن لم تجدها ملطخة بالدماء كما راتها. لا يوجد فأس، لا يوجد جثث محيطة بها.
أمسكت رأسها من ما رأته ولا تزال ترتجف. سمعت صوتًا أفزعها. رفعت رأسها لترى تلك البومة البيضاء التي تنظر إليها بكلتا عينيها شديدة السواد. هل هي ذاتها الذي تراها أثناء مكثها في القصر؟ تظهر في كل كابوس تراه. إنها نذير شؤم لها. في كل مرة تسمع صوتها يكون هناك كارثة ستحدث.
قالت "لينا":
امشي، أنتِ السبب.. جاية لي، ما وركيش غيري.
أمسكت الوسادة ودفعتها نحو النافذة لعلها ترمش أو تهتز خائفة لكن لم تتزحزح مما أثار ريبتها. زحفت على يديها وجدتها تحرك رأسها معها وكأنما لا ترى سواها:
أنتِ.. لا تستمعي إليهم، يحاولون الإيقاع بك.
اتسعت عينيها حينما تحدثت لها وصرخت صرخة هزت جدران المنزل بأكملها.
انتفضت فطون النائمة بنعاس ونظرت حولها. خرجت لترى أباها أمامها والقلق يشوب وجهه:
ما الذي يحدث، أنتِ بخير يا ابنتي؟
أجل أبي، الصرخة ليست مني.
هل يعقل أن ضيفة مولاي أصابها مكروه؟
ذهب سريعًا ولحق به بقلق. قابلا "فرناس" في وجههم الذي أتى سريعًا. نظروا إليه ذهب متجاهلاً أي أحد. فتح الباب بقوة عليها وجدت على الأرض في زعراق.
اقترب منها سريعًا لمسها. انتفضت لتنظر إليه. قال:
اهدئي، هذا أنا.
ف..فرناس.
ماذا أصابك؟
رفعت يدها وهي تشير. نظر سريعًا تفاجأ من هذا الطائر الأبيض.
قالت "فطون":
تبدو مخيفة، لما تقف عند النافذة هكذا؟
قال "شوار":
فطون ليس الآن.
قال "فرناس":
ما الأمر يا لينا، ماذا بها.. هل قمتِ بالصراخ خوفًا من طائر؟
نفت له وهي تمسك بيده بقوة وتقبل عليها لتبتلع ريقها وهي تنطق أخيرًا:
لقد تحدثت.
رفع أحلى حاجبيه مستنكرًا كلامها، بجلقز بها في ذهول من قولها ذلك. قالت برجفة:
لقد تحدثت مثلنا، حدثتني كباقي البشر.. تلك البومة تحدثت معي.
نظر "فرناس" إليها والتفت إلى البومة التي لم تغادر. تثقبه بأعينها وهو الآخر طالعها لثوانٍ. سرعان ما فردت جناحيها وحلقت بعيدًا عن المنزل بأكمله. أقفل "شوار" النافذة مغطيًا إياها بالستائر، لكن أعينه ظلت على طيف تلك البومة. عاد إلى من تقبض على يده قال:
لينا، لم يعد هناك أحد… انظري إلي.
أمسك وجهها. التفت إليه. أحضرت "فطون" مياه وأعطتها إياها لكنها دفعتها فوقعت أرضًا. نظروا إليها من ردة فعلها:
لا أريد ماء، لا أريد شيئًا.
قال "شوار":
هل نتركك بمفردك، ألا تريدين أحدًا بجانبك؟
قال "فرناس":
اهدئي يا "لينا"، عودي إلى نومك.
لا أريد النوم، لا أجد راحة في نومي، كل ما هو هنا غريب.. هنا كل المعاناة، إن بقيت هنا سأجن.
مسح على رأسها برفق فسكنت بين يديه. قال:
سيحدث ما تريدينه، لا يوجد داعي لخوفك.
هل أبدو قاتلة؟
لستِ كذلك ولن تكوني.
تنهدت وهي تخفض رأسها وقد همدت ثورتها. تلك الثورة التي جعلت منها شخصًا في حالة من اللا وعي. الكوابيس مؤلمة لحجم غرابتها وبحجم مصداقيتها لمخاوف حدوثها. هل هو مجرد كابوس أم نبوءة من ما سيحدث؟
مع انقشاع الليل وشروق الصباح معلنًا بدء يوم جديد، كانوا يجلسون بصمت من حادثة ليل البارحة. كان "شوار" يجلس على كرسي بعيد عن "لينا" التي كانت صامتة ولم تكثر في الكلام.
أتت "فطون" وضعت لهم الشاي الأخضر. قالت:
مولاي، هل أعد لك الطعام؟
لا داعي لذلك.
نظرت إلى أبيها، أشار لها فذهبت معه. خرجا من المنزل وذهبوا إلى أشجار تمتلئ بالثمار. قال:
ساعديني على جمعها.
أزمأت له مطاعم. قالت:
هل تعمدت بقول ذاك لنتركهم؟
نحن نخدم جلالته وليس لنا أن نتدخل بأموره، لعلها تريد التكلم وتمتنع من بقائنا.
ما أقصد أننا نستطيع مد يد العون، ما قالته البارحة بشأن إخراجه من هنا أعتقد أن لديها حلاً ليعود ملكنا كما كان وتنتهي تلك الثورة.
لا أحد يعلم متى وكيف ستنتهي، نريد السلام باكرًا.
لن يحدث ذلك بدون الملك "فرناس". أقلق بشأن الغزاة إن رأوا تفكك البلاد ينتهزوا الفرصة.
لا تكثري الحديث يا فطون وأكملي ما جئت بك لأجله.
تنهدت ومدت يدها بالقفص ليضع ثمار الفاكهة الناتجة التي تتلألأ مع أشعة الشمس الساقطة عليها. ساعدته على تجميعها لينهوا العمل باكرًا.
تحت ذلك الصمت المهيب لا تزال تخفض رأسها شارده بما يملأ أفكارها ولا تستطيع أن تفاض ذاك التشويش. تحدثت أخيرًا قالت:
هذا العالم غريب، عقلي لا يستوعب ما أراه.. لا أستطيع تحمل تلك الأرض.
تريدين العودة؟
بك، لن أعود خالية الوفاض.
لا أفهم ما تعنيه.
أريد وضع خطة.
رفعت عينيها إليه أردفت:
كفى هربًا، يجب أن تغادر من هنا.
تعجب من كلامها إلى أن قالت بجدية:
تغادر من غوانتام، ستغادر من هذا العالم.
هل يمكن حدوث ذلك؟
صمتت وضاقت عينيها. قالت:
السؤال هنا كيف.. خطر لي ذلك الأمر البارحة. إن كان الخطر عليك هنا، إن كانت دماؤك وروحك ستسلب هنا، الغدر الذي يلاحقك، مصيرك المشؤوم هنا ولا نعمل كيف نعمل على تغييره، هل هي حمايتك.. لكن من مَن.. من قدر محتوم.
"لينا"، أخبريني بما تريدين قوله.
كما أنا أسلب من عالمي إلى هنا، لا شك بأن هناك طريقة لأسلبك معي.
أتى صورة الكتاب في ذاكرتها. قالت:
لما الكتاب لا يأتي معي لأرضك؟
أخبرتيني في القصر أنكِ رأيتِ الكتابة الغوانتية قبلًا.
أومأت إيجابًا. قالت:
كانت داخله، لقد فتح مرة واحدة داخل المكتبة ولم يفتح مجددًا.
هل استطعتِ رؤية ما مدون؟
لم يكن واضحًا، كانت شبيه بالاسم لا أستطيع قراءتها.
تستطيعين رسمها.. عليكِ فقط التذكر. ماذا رأيتِ بالتحديد؟
صمتت وهي تعتصر ذاكرتها. استحضرت صورة أمامها فور فتح الكتاب وذلك الوهيج الذي ظهر منه. من جملة مشتعلة، أوقعت الشاي وبللت أصابعها قبل نسيان ما رأته وكتبت فوق وسادة بتلك الأصابع المبللة. اختفت الصورة من ذاكرتها. فتحت عينيها وكأنما كانت لحظة استرجاع تم محلها في لحظة.
قال "فرناس":
لما توقفتِ؟
حاولت استعادة بعضها. قالت:
لا أتذكر أكثر من هذا، ترجم قبل أن تجف.
أخذها منها وقرأ ما كتبته. كانت غير مجيدة الكتابة جيدًا ولا يتفهم لكن يحاول إلصاق الأحرف ببعضها:
"يد خاطئة انتزعنا سوادها وكفرت ذنبها".
عقد حاجبيه مستنكرًا. رأت ملامحه التي كانت مثلها. قالت:
ما معنى هذا، عن أي خطية وعن أي ذنب يقصد؟
لم أفهم شيئًا لكن الجملة تتحدث بصيغة نحن.. من يقصد الكتاب؟
لاحظت ذلك أيضًا. أتت جملة العجوز في أذنيها: "فرناس هو شخص ميت خلدنا قضيته تكريمًا له".
قالت بتساؤل:
كان العجوز يتحدث دائمًا بصيغة الجمع، حولك وحول القدر التي امتلكها.. لا أعلم من يقصد ولا من خلفه لحد الآن لكنه شخص مريب.
هل تثقين به يا "لينا"؟
أنقذني في الكثير من المرات. لا أعتقد أنه يحمل شرًا لي.
صمت لأنه لم يستنتج شيئًا زائدًا. قال:
هل هو من أرشدك إلى الكتاب؟
أظنه معي بكل خطوة. هل يمكن أن يخبرني بحل لأعيدك معي؟
إن كان يمانع من تغيير حدث موتي، هل تعتقدين أنه سيخرجني من عالمي؟
الكتاب يفعلها لا نحتاج إليه.
صمتت. نظروا إلى بعضهم. قالت:
الكتاب.. إن كان لا يأتي معي لكنه يرسلني إليك فهل هناك كتاب هنا أيضًا يعيدني؟
إن كانت ظنونك صحيحة فأين يمكن أن يكون؟
يجب أن نبحث عنه ونجده.
كتمت أنفها بيدها وهي تلتفت حولها. استنشقت أنفها رائحة بيض عفن مع رائحة حريق جعلت رئتيها لا تريد استنشاق شيء آخر:
في ريحة وحشة قوي، هي حرقت الأكل ولا أي.
وضع يده على فمها يمنعها الحديث. نظرت إليه باستغراب. قال:
لسنا بمفردنا، هناك من يتصنت على حديثنا.
التفتت بأعينيها. قالت:
لا أرى أحدًا هنا.
سمعت صوت ضحكات مخيفة أصابها فزع وقشعريرة بدنها خوفًا، حين كانت قريبة من أذنيها. رأت ظلًا كبيرًا يظهر من خلفها وحجب جسدها بأكمله من ضخامته. التفتت وبحلق فيه برعب حينما كان ذلك الجني الذي حاول قتلها في القصر لولا تصدي "فرناس" إليه.
قال بابتسامة أظهرت أنيابه الحادة:
كيف الحال أيتها المدونة؟
كانت متصنمة من هول ما تراه. وقف "فرناس" وقال:
ابقَ بعيدًا عنها.
وضع يده على رأسها لترى مخالبه المخيفة. انحنى بوجهه لترى عيناه. صرخت بخوف ودفعته لكن أمسك ونكزها بإصبعه فتوقفت. أغمضت عينيها وارتمت أرضًا. قال:
برغم ما تملكه تظل بشرية.
نزلت يد قابضة عليه لكنه تجنبها فورًا ليرى الآخر تحولت إحدى عينيه إلى اللون الأحمر القاتم وبرز جسده. قال:
لا أريد خوض قتالًا، لقد نومتُها فقط لنتحدث.
في المزرعة كانت تحمل الأقفاص المعبئة. قالت:
سأغسلهم وأعود إليك.
صدر صوت صراخ. التفوا سريعًا إلى المنزل. استنشق "شوار" رائحة نفاذة. قال:
هناك دخيل.
انتشل الفأس لحقت به وتركت ما في يدها. دخلا إلى المنزل رأوا "فرناس" يقترب منه بقلق لكن توقف مع اتساع عينيه بصدمة من تلك الهالة التي مزقت الصالة قبل أن يخطو خطوة أخرى مقتربًا منه.
وقع أرضًا حين لم تحمله قدماه. اقتربت ابنته قلقة بشدة. رأت دماء تسيل من أنفه. قالت:
أبي، ماذا بك؟
داخل الغرفة جلس على كرسي وهو يضع قدم فوق الأخرى. قال:
ما ذنب هذا العجوز ليقتل على هالتك القوية التي فعلتها.
حين مد يده نحوها انقض طيف نحوه فاختفى وأصبح خلفه. لكنه كان عند "لينا". حملها ليضعها على الكرسي في ركن الغرفة بعيدًا عنهم. التفت إليه في لحظة أصبح أمامه واصطدم به في الحائط وهو يمسكه من عنقه. وقبل أن يباشره في الهجو، رفع يديه المدببة. قال:
ما الذي أتى بك؟
ويحك يا رجل، لن تكون مقابلة جيدة إن أكملت على هذا المسار. لم أحضر للأذية لكن إن لم تبتعد ستحل الأذية على الجميع.
قالها بتهديد ونظر إلى المنزل. قال:
القتال هنا سيجعل المنزل كومة رماد، لنخلق حديثًا بأفواهنا.
تركه وعادت عيناه إلى طبيعتهما وكأن ذلك إعلان لموافقته. قال:
قل ما عندك.
ما تخططون من أجله لن يحدث.
وهل تعلم ما نخطط إليه؟
يكفي تلك الأعين التي أراها تحدق بكم وتغفلون أنتم عن رؤيتها.
قال متعجبًا:
من تقصد؟
لم أفهم من حديثكم الكثير بشأن خطة نجاتك، لكن اعلم أنها ستنتهي بكارثة.
لماذا تقول ذلك، ما سر مجيئك؟
إني لست سوى رسول مرسل إليك.
هل هذا ما تريد إخباري به؟
كلا، لقد ظهرت لأخبرك أني أعلم مكان الكتاب الذي تريده.
طالعه بشدة. قال:
هل يوجد كتاب هنا؟
أجل، إنه قريب منك وليس منها.
أين هو؟
يتبع….
رواية سرداب غوانتام الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور
ما تخططون من اجله لن يحدث.
وهل تعلم ما نخطط إليه؟
يكفي تلك الأعين التي أراها تبحلق بكم وتغفلون أنتم عن رؤيتها.
هجر منه قال: ماذا تقصد؟
لم أفهم من حديثكم الكثير بشأن خطة نجاتك، لكن اعلم أنها ستنتهي بكارثة.
لماذا تقول ذلك؟ ما سر مجيئك؟
إني لست سوى رسول.
هل هذا ما تريد إخباري به؟
كلا، لقد ظهرت لأخبرك أني أعلم مكان الكتاب الذي تريده.
طالعه بشدة قال: هل يوجد كتاب هنا؟
أجل.
أين هو؟
تحركت "لينا" وهي تستعيد رشدها قال: ليس الآن، استدعيني في وقت آخر.
كيف أستدعيك؟
نادني.
وكيف أناديك وأنا لا أعرف اسمك؟
"قسورة".
قال ذلك والتفت، لكن توقف، أشار عليها قال: رفيقتك يطوفون حولها، انتبه لأنها ليست بمفردها.
اختفى في لحظة إلى باطن الأرض وكأنما ابتلعته، ولم يعد أحد أمامه.
سمع صوت عند الباب بأن هناك أحدًا يتجسس.
ذهب، أمسك المقبض وفتحه سريعًا، وجد "فطون" واقفة تمسك فأسًا في يدها وهي ترتجف خوفًا.
حين رأته قالت: مولاي هل أنت بخير؟
لما تمسكين ذلك؟
ألا يوجد أحد معكن؟
نفى لها، فتركت ما في يدها، وكانما خيل لها أنها ستحميه من ذلك الدخيل.
تخطاها وهو يتقدم من "شوار" المستلقي أرضًا.
قالت بحزن: لا أعلم ما الذي أصابها.
رأى نزيف أنفه فعلم ما أصابه، كان محقًا بشأن حاسة الشم لديه، إنها ضارة ويمكن أن تؤذي صاحبها.
حمله.
نظرت إليه قالت: مولاي، لا عليك، سوف أعينه على الدخول إلى غرفته.
اذهبي إلى "لينا"، لا تتركيها بمفردها.
ذهب به.
نظرت إليه، دخلت ورأتها مغشي عليها هي الأخرى.
أحضرت كوب ماء وأنزلته بقطرات على وجهها قالت: ما الذي أصابكم جميعًا؟
فتحت عينيها، رأت وجه "فطون" التي قالت: أنت بخير؟
اعتدلت في جلستها وهي تنظر حولها وكأنما تبحث عن شيء ما.
أتى "فرناس"، نظر إليها والتقت أعينهم ببعضها قال: أصابك بأذى؟
لم يكن حلمًا.
تركتهم "فطون" بمفردهم وذهب إلى والدها.
وقفت ذاهبة إلى النافذة وتنظر إلى الحقول المليئة من حولها.
قالت: لا زلت في غوانتاما.
ما الأمر يا لينا؟
لقد رأيت منزلي.
تذكرت منامها وطالما لا تزال عالقة فيه قالت: لقد كنت كالتائهة في مكان غريب لا أعرفه، شعور الضياع كان يملأني… شعور الضياع حول أمرك أنت يا "فرناس" فظهر لي منزلي…. وكأنما هو دليل ضياعي.
التفت إليه وجدته بقربها قالت: هل يمكن أنها نبوءة؟ هل هناك شيء يقطن منزلي متعلق بك؟
هناك أمر خلفك يا "لينا"، أنت لست فتاة عادية.
ماذا تقصد؟
ما علاقتك بالعالم الآخر؟
نظرت له، من ما يعنيه قالت: أتسألني سؤالًا لا أعرف جوابه، أخبرتك بكل ما أعرفه.. لقد تم اختياري لإكمال مهمة.
لا أتحدث عن عالمي، إننا لسنا سوى بشر مثلكم.
تعجبت منه، أردف سائلًا: ما علاقتك بالجان؟
الجان؟!!
تذكرت حضور ذاك الجني قالت: ماذا قال لك؟ تعابيرك تدل على أنك تعرف شيئًا هامًا.
كان يتحدث بالألغاز.
هل تحدثتم؟!
قالتها بدهشة.
أومأ وأكمل: هناك كتاب هنا مثلما استنتجتي، وهو يعرف مكانه.
أين؟ لنسرع ونحضره.
لم يخبرني عن مكانه، قال في وقت لاحق.
لماذا؟ هل هناك طريقة نستدعيه بها؟
أخبرني اسمه، لكن لن يحضر في وجودك… هذا ما عرفته.
لماذا؟ هل يخشاني؟
لا أعتقد ذلك، وإنما يخشى من أشياء محيطة بك.
نظرت حولها، فعن من يتحدث، لا يوجد.
قالت: هل ستحضره عندما أغادر؟
أجل.
ماذا إن كان كاذبًا؟
نظرت إليها، أردفت: هل تثق بجني؟ إنهم أشد خبثًا، أخشى أن يدبر لك مكيدة.
لا تقلق، سأتصدى إليه.
يبدو الأمر خطيرًا.
يجب أن أحاول، الخطر هو من يحوم حولي فلا يجب أن أنتظر الخطر ينهيني.
زقفت أمامه محدقة به، قربت يدها من يده وهي تمسكها فتشعر ببرودته الشديدة قالت: انتبه.
إذا وضع يده الأخرى فوق يدها قال بهدوء: سأفعل ذلك، ضعي هذا الخوف جانبًا.
لا أستطيع، حاولت وفشلت… حينما ينتهي الخطر سألقي رأسي فوق كتفك وأخبرك أني مطمئنة.
قالت ذلك، ابتعدت عنه وتركته يبحلق فيها من صفونها.
هل تنويم "قسورة" لها جعلها هكذا؟ هل هو من جعلها ترى منزلها ليرغبها في العودة؟
نظرت حولها قالت: لماذا لم يستشعر "شوار" بوجود دخيل؟
لقد حدث بالفعل.
وأين هو؟
في الطابق السفلي أمام باب غرفة.
مسطح "شوار" على السرير والأرق يظهر على وجهه لكن يقاومه.
وقف ملكه أمامه ويحاول إسناد نفسه لكن "فرناس" منعه قال: اتشعر بتحسن؟
أنا بخير، فقط كان تحذير بعدم الاقتراب، لم تكن هالة عادية شعرت بها من قبل.. كانت رائحة شاذة للغاية.
نظرت "لينا" إليه بشدة، فهل كانت تلك الهالة من الجني أم فرناس نفسه؟
قالت "شوار": كان الخوف أن تتأذى جلالتك لكن سعيد أنك بخير.
دع القلق لحالك، لا تعمل في الوقت الراهن.
لم أشيخ بعد، لا زلت…
إنه أمر.
قالها بجدية، فأومأ له برأسه مطاعم.
خرج وبصحته لينا.
ابتسمت فطون وربتت على كتف والدها: مولاي يهتم لأمرك يا أبي، إنك عزيز لديه فلا تغضبه.
صمت شارداً في طيفه حتى بعد مغادرته، يتذكر حينما رآه واقفًا أمام عينيه وتلك الرائحة القوية تنبع منه، مفضحة هالته التي عبأت أركان غرفته بأكملها لشذوذها.
يتساءل كيف تحكم في تلك الهالة الذي يمتلكها وأظهرها الآن.
لقد كان واقفًا بجانبه بارتياحية، هل يمتلك القدرة على التحكم فيها؟ لم يجد قوة كهذه قبل.
تحت ذاك الرداء الأزرق الداكن يزينه أوساط النجوم الملتمعة، على اليسار ذلك الكوكب المنير ويبدو أجملهم، إنه القمر الذي لولا وجود الشمس لتصبح مجرد حجر معتم.
تلك الانفجارات الكونية تجعلك تعجز عن الكلام أحيانًا.
أسماء الليل رائعة في كل وقت، بالتأكيد لا يمكن لها أن تحقق أحلامنا، لكنها تستطيع إخبارنا بمدى صغر وتفاهة هذا العالم، ومشكلاتنا معه، يعطينا ذلك بعض البراح، يدفعنا للصدق مع ذواتنا بدرجة أكبر.
ارفع رأسك الآن، فوقك تمامًا لكن إلى الجنوب قليلًا، تأمل الجبال ألمع كوكبات السماء، ما يميزه هو تلك النجوم الثلاثة التي تصطف معًا.
بالطبع لن تراه كما بالصورة المرفقة إلا في سماء حالكة، لكن رغم ذلك ترى نجوم الكوكبة بوضوح شديد حتى في أكثر المدن إضاءة.
قالت بتنهيدة: ما أجمل سماء غوانتاما.
كان "فرناس" يسير في الممرات، دخل إلى غرفتها لكن لم يكن لها أثر في ذلك المنزل الكبير.
تعجب إلى أين ذهبت، فهي لا تعرف شيئًا هنا، هل يمكن أنها عادت؟
طرق الباب ليقاطعه، التفت إلى "فطون" التي تستأذن، قالت: إنها هنا.
أين كانت؟
رأيتها تجلس في المزرعة خلف سور المنزل.
غادر المكان وتوجه إليها، رأى جسدها لا يزال موجودًا، تبحلق في الأعلى بكلتا عينيها في لحظة صفاء ركنت فيها كل توتر شعرت به جانبًا.
جلس بجانبها.
نظرت إليه من وجوده لينظر كلاهم للأعلى مع سقوط ضوء القمر الطفيف عليها: المزرعة جميلة، مؤهلة لأن تكون مزرعة العائلة الملكية… لكن هل استطعت التأقلم فيها؟
ستصدقينني إن قلت وجدت الراحة هنا عن القصر.
لا شك بذلك، فلقد رحمت من أعمالك، إنك مرفّهة الآن من حيث الهدوء والاسترخاء للنفس، لكنك عشت أميرًا الخدم من حولك يهتمون بك، ثم أصبحت ملكًا تحكم شعبًا بأكمله لديك مملكة وعرف يخضع عنده الكثير، ليس هين التضحية بكل ذلك في لحظة.
التفت بانظارها إليه قالت: إن خسر شخص جزءًا من ماله يحزن عليه كثيرًا، ماذا عن الذي خسر حياته؟
كونك أميرًا لا يجعلك ذلك تفتخر بذاتك، إنما الافتخار بالأعمال… لاكون صريحًا معك، مغادرة القصر هي بمثابة فصل روحي عن جسدي، لم يكن الأمر هينًا حينما رأيت نفسي بين الحقول هاربًا من ازدراء شعبي، لكن حين أخبرتني عن حقيقة قتلي.
أزاح شعرة للخلف مردفًا: لعنت هذا المُلك بأكمله، إن كان العرش هو من جعل أخي يكرهني لحد الموت لتركته قبل أن أتوج.
لماذا تحبه كل هذا الحب؟
أخبريني أنتِ، لما تحبين أخاكِ؟
بدون سبب أحبه، حين ولدت وجدته بجانبي يتذمر علي دوماً لكن لا يحب التذمر على غيره، يضايقني لكن لا يسمح لأحد أن يمسني بسوء، حسام هو صديقي وأبي من بعد أبي ذاته.
لا زلت تسألين عن حبي له؟
بلى، إن كان يكرهك واستطاع خداعك فلما علاقتكم كانت قوية لهذا الحد.. ألم تستكشف كذبه؟
داغر لا يكرهني.
التفت بزاوية له بصدمة مما قاله: كل هذا ولم يكرهك؟
إنه حا.قد لا كار.ه.. لعله كان يخدعني ويمثل علي الحب بإتقان لدرجة أني لا أعلم متى تحول هذا الحب إلى كره.. إنه أخي الصغير، كان مرافقًا لي كظلي.. ينتظر لحظة خروجي من كل ديوان برفقة أبي ليسألني بفضول عن نقاشتنا وماذا نفعل.
نظر إليها بكلتا عينيه الجديتين قال: لقد كنت وحيدًا حتى أتى هو.. كان أقرب شخص لي، أقرب من أبي نفسه.
عاد إلى جوف ذاكرته إلى ولد ذي الست سنوات يقف بجانب سرير يتوسطه طفل صغير يحرك كلتا ذراعيه وقدميه الصغيرتين.
قرب يده منه ليجده يقبض عليها بقوة.
رأى ظلًا كبيرًا يقف خلفه، التفت وجده أباه: أبي، انظر كيف يمسك يدي.
ربت على رأسه قال: خرجت من غرفتك إذا.. دعني أعرفك.. إنه أخيك، يدعى "داغر".
داغر.
صدر صوت، نظر إليه ابتسم وهو من لا يعرف للابتسامة طريقًا.
كان قليل الضحك واللعب منذ صغره حتى أتى أخيه ليكبر شيئًا فشيئًا برفقته، يمسك يده دائمًا في كل خطوة يخطوها… كان الجميع يرى علاقتهم القوية منذ ولادة الأمير الثاني الذي أخرج الأمير الأول من غرفته ليلقي عليه التحية في كل صباح مع والده.
لمست كتفه فعاد إلى اللحظة الذي هو فيها الآن، نظر إلى السماء بأعين بها بريق دمع خفيف لكن تلاشى في لحظة لشدة ثباته.
هربت عليه بحنان قالت: داخل هذا الهدوء انكسار كبير… الحقيقة مؤلمة وتقبلها صعب، خلف هذا الصمود جرح كبير.. لا يمكنني قول أنني أشعر بك لكن.. لكن يمكن أن أخبرك أنني سأكون بجانبك دومًا.
بتلك الكلمات البسيطة كان لها أثر طيب داخله، الصدفة التي ألقتها أمامه كانت محسومة لتجعلها سببًا في رغبته المستمرة أن ينظر إلى تلك العينين فقط، تزيح هي أسى قلبه وطيبته الذي لم تكن سببًا فيها.
سقطت دمعة جعلتها تحزن للغاية، اللعنة عليك يا "داغر" لو رأيت كم هذا الحب للبنت ذاتك.. بلى لقد رآه وتغافل عنه، إنه إبليس.
ضمته إليها مواسيًا إياه، ربتت عليه لكن شيئًا أوقفها وتوقفت جميع الأصوات من حولها ولم تعد تصغي سوى لشيء واحد.
قال بنبرة هادئة: أشكرك يا "لينا".
وضعت يدها على فمها ولم تبتعد عنه بل قربت أذنيها من أيسر صدره، نظر إليها بتساؤل من ما تفعله لتقول: لا يوجد نبض.
عقد حاجبيه مستغربًا، فهو حي أمامها.
حركت أذنيها عن منتصف صدره لعل قلبه يختفي من بين أضلعه، تبحث عن صوت الضخ أو استشعار جسدي لكن لم يكن سوى السكون.
ابتعدت عنه وهي تنظر إليه قالت: لماذا قلبك لا ينبض وأنت لا تزال تتنفس؟
ألقت نظرة عليه لبيه قالت: هل رئتيك لا تعمل أيضًا؟
لكنني أشعر بالضخ الدماء، كيف تقولين هذا؟
لا يوجد أي نبض يدل على أنك حي مثلي.
تبادلا كلاهما النظرات.
جلسون في المنزل بينما "شوار" يقترب للمرة الثالثة من "فرناس" والأخيرة تنظر له بتوجس.
قالت "لينا": هل سمعت شيئًا؟
أخبرتك أنني لا أسمع سوى نبضات قلب.
كيف يعقل هذا، لماذا أنا لا أسمع شيئًا؟
لنسأل "فطون" إذن.
نظرت إليها وقبل أن تقترب من "فرناس" قالت سريعًا لتبعدها عنه: لا، لا داعي لذلك.
عادت "فطون" لوقفتها عند المدفأة قالت: لعل المشكلة في مسامعك.
قالت "لينا": لا يوجد خطب بي، ما تتغافل عنه أذني هو صوت قلبه فقط.
قال "فرناس": الخطب فيك أنت يا "لينا"، أنك الحقيقة هنا.
سكتت، فهي لا تريد قول ذلك، ضمت ذراعيها وهي تجلس أمامه قالت: إنني أبصر بالواقع الذي غير موجود أنت فيه.
قال "شوار": عن أي واقع تتحدثين وما كل تلك الألغاز في حديثكم؟
وضعت ذراعيها فوق عينيها وهي تتنهد تنهيدة عميقة، قالت: هذا يعني أن حدث مقتل ملككم أمر محتم.
كانت صدمة كبير لهم مما سمعوه قال: ما الذي تقولينه؟
نظرت هي لفرناس الذي نظر إليها متفهمًا ما تقوله ويعي جيدًا قال: هل هذا نبأ بأن لا مفر من النجاة؟
ليس نبأ وإنما إشارة لتجعلنا نسعى لكي ينبض هذا القلب من جديد.
بينما المزارع وابنته يبحلقان بهم بعدم فهم.
التفت إليهم قالت: ما مدى وفائكم لملككم؟
متعجبًا من سؤالها الغريب، قال "شوار": لو انتهى بي الأمر مطعونًا فداءً له فلن أتردد.
انتقلت سكينًا من طبق الفاكهة ومدت يدها إليه فاندهشوا منها كثيرًا.
قالت "لينا": لتطعن نفسك إذا.
قال "فرناس": ما الذي تحاولين فعله؟
أخذ "شوار" السكين ونظر إلى ملكه وطالما ينتظر إشارة منه لإطاعتها.
قالت "لينا": أعطه الأمر بذلك، فالحياة غالية لن يطيع أمري وحدي.
نظر إليه، أومأ إيجابًا ليرفع السكين ويصب بها جسده لكن توقف قبل أن يمسه السن الحاد، تعجبوا ونظروا إليه وهو متوقف دون أن يفعل شيئًا.
كان يضغط بكل قوته لكن السكين لا يقترب من جسده البتة وكأن هناك حائلًا لا يرى بالعين يمنعه من فتك جسده.
قالت "فطون": أبي.
قال "شوار": إنني أحاول، هناك من يمسك بالسكين بدلاً مني.
اقتربت "لينا" منه وأخذت السكين من يده، وضع يده على أنفه مع اقترابها، قالت: لا داعي لأن تبرر، صدقك متضح لنا جميعًا.
نظر إلى "فرناس" قال: مولاي.
قال "فرناس": لم أشك بك قط…. لكن وراء طلب "لينا" مغزى سنفهمه الآن.
قالت "لينا": أردت أن أختبر إخلاصه.
قالت "فطون": إن كان مولاي يثق بنا فمن أنتِ لتشكين بنا؟
قالت "لينا": أنا من رأيت ما لا تراه أعينكم، الثقة لا أعترف بها منذ ذلك الحين حتى لا ألحق الأذى به.. كان علي الاطمئنان منكما لكي أغادر هادئة البال.
قال "شوار": اعتذر على ما بدر من ابنتي من أسلوب غير لائق.
لا بأس، أتفهم شعورها.
هل تأذن لنا بالرحيل مولاي؟
أومأ له، غادر وهو يتلاشى "لينا" حيث دار من خلف المنضدة كي لا يشم رائحتها.
قالت "لينا": ألا زالت هالتي قوية؟
قال "شوار": ازدادت حينما فعلتيها.. تفوح منك رائحتها بشدة.
رائحة من؟
الساحرة.
نظرت له ارتبكت لكن قالت: إنك تخيفني بكلامك.
عن إذنكم.
خرجا الاثنان وتركوهم.
تنهدت وجلست لترجع عيناها لتلك النظرات التي تثقبها.
أشاحت وجهها قالت: صدقني كنت أفعل هذا لاختبار صدقهم، كنت خائفة أن يأتي الغدر منهما حينما أغادر غوانتاما.
وجدته أمام عينيها بتلك الأعين الرمادية التي تثقب قلبها لا عينيها.
قال "فرناس": ماذا فعلتي غير ذلك؟
لم أفعل شيئًا.
هل استخدمتي قدرتك عليه؟
تذكرته وهو يسعى لإدخال السكين بين أحشائه، ابتسمت قالت: أجل… لقد كان أنا.
وضعت يدها على فمها بدهشة قالت: لِأصدق، هل تحكمت بها؟! لقد أمرت بفعل شيء وأطاعتني عيني الثالثة أمرتها بالتوقف فتوقفت…. هذا أمر رائع.
ضحكت من حماسها وكأنما فعلت إنجازًا.
قال "فرناس": لينا.
ما رأيك بي، يبدو أن تلك القوة مذهلة بالفعل.
نظر لها من عينيها التي تسود مع ابتسامتها المريبة، قالت: التحكم بها يجعلك مميزًا… مميزًا أكثر.. مميزًا عن الجميع.
لينا.
نظرت له من ندائه ونظراته له ابتسمت قالت: ما بالك؟
لا تفعلي ذلك مجددًا.
هون عليك، كان الأمر مزحة.
لينا.
قالها بجدية وأكمل: لا تستعمليها ثانيًا، أخبرتك أنك تكونين مجرد بشرية عادية.
تتكلم وكأنني أصبحت ساحرة بحق.
إنها تجعل المرء كذلك.
إنك كثير القلق.
لا تمرحي بها، أخبرتك من عدم استخدامها لكن أراكِ لم تصغي إلي.
اعتذر، أنا فقط خشيت أن يؤذي سيد "شوار" نفسه لذلك الأمر بي بإيقافه هكذا.
ماذا رأيتِ إذا؟
كان يعافر من أجل إثبات خلاصه لك… إنه جدير بالثقة بالفعل.
ابتسم، نظرت له تورّدت وجنتيها وأدارت وجهه قالت: لا تنظر لي بتلك الأعين المريبة… ذكرني حينما نعود لعالمي أن أضع لك عدسات لاصقة.
رفع حاجبيه باستغراب، قالت: إنها عدسة توضع على العين ويمكنك اختيار أي لون تريده فيصبح لك لون عين جديد.
أرى أنك تعانين كثيرًا من عيني… هل أقتلعها؟
نظرت له بخوف، فالتقطت بأعينها ابتسم وكأنما تلك النظرة الذي أرادها.
قال: لم يكن الأمر بهذا السوء.
إنك جريء أيها الملك.
لم أمارس جرأتي معك بعد، إنك استثناء.
ابتسم وظهرت حمرة طفيفة على وجنتيها لكن اختفت ونظرت له قالت: مهلًا، هل تقصد أنك مارستها على غيري؟
هذا ليس من طبعي، إنني جدي مع الجميع إن كنتِ تقصدين الجواري.. لكن تمنيت من تظهر لي الجانب الحماسي.
هل… تتحدث عني؟!!!
أشارتها على نفسها بتساؤل، فكانت نظرته جدية معها فسكتت محاولة إخفاء ابتسامتها لكن تلاشت إلى ألم مميت وانكمشت على جسدها ليلاحظ تعبيراتها قال: أنتِ بخير.
وحين لمسها شعر بسخونة شديدة وكأن دماغها تغلي من الداخل، رفع عيناه إليها لتقول بتأكيد: إنه موعد رحيلي، كأن العودة هي العقاب لي بسبب ما أفعله… يروننا خطيئة: من هم؟ لا أعلم لكنني سأكتشف، المرة القادمة سأكتشف كل شيء لك… لكن اجعلني أعود، ما دمت حبًا هنالك سبب لعودتي… لتبحث عن الكتاب يا "فرناس"، إنه مفتاح الخروج.
تتكلمين بثقة.
أثق بي دائمًا، فالكتاب هو من يرشدني لذلك لا تقلق وثق بي… سوف أعلم الحقيقة، ستخرج من هنا في المرة القادمة… سأخرجك وأن يكون هناك مرة قادمة للعودة.
لينا…
أحاطها ضباب وكأنها تسلم تحت الأرض، قال "فرناس": لن أستطيع قتله.
مسكت بيده بقوة وكأنما سمعت ما يقوله، أردف وهو يتخيل أنه ينظر إليها: لكني لن أُقتل، سانتظرك.. أينما كنتِ.
تلاشت يدها الممسكة به ليصبح أمامه فراغ كامل وإعلان عودتها لعالمها.
نظر إلى مكانها مفكرًا في كل كلمة قالتها قبل أن تغادر.
أشرقت الشمس وطلع نهار معلنًا بداية يوم جديد، تمر "فطون" في الطرقة وتصعد في الطوابق باحثة عن "لينا" التي لم تجدها في غرفتها والمنزل بأكمله حتى طابق الملك وغرفته كانت خالية.
قابلت أباها أثناء نزولها قالت: ليست بالأعلى، أعتقد أنها في المزرعة فهي تتجول بها كثيرًا.
لم يكن هناك أحد سوى مولاي.
هل سألته عنها إذا، أين ذهبت لعله يعرف الإجابة؟
سألته وكانت إجابته أنها غادرت.
غادرت؟! أليس رحيلها خطرًا؟
أخبرني أنها في مكان آمن لذلك لا داعي لقلقنا.. لقد عادت لموطنها.
هل هي من بلاد مجاورة، ظننت لا عرق لها؟
ضعي الفطور للملك، لا داعي من الانتظار ما دامت قد رحلت.
هل مولاي يريد أن يأكل، منذ أن أتت السيدة "لينا" إلى هنا وأصبح شريد الذهن أكثر من ما كان.
لا دخل لنا، أطيعي الأوامر فقط إن أكل أم لا مولاي حر في رغبته.
حسنًا يا أبي كنت أستفسر فقط، الفضول يباغتني.
اكبحِ فضولك إذن، لا يمارس على ملك غوانتاما.
أبي…. هل سيعود مولاي إلى عرشه أم أن النهاية لن ترضينا؟
لن يعود لأنه لا يزال ملك، إن نسي هؤلاء الناس مهابة البلاد منا، تشهد له أرض غوانتاما بأكملها.
سكن الليل وحل الهدوء المظلم، كان ذلك الفرسه السوداء ذو النجمة البيضاء في منتصف جبهته وكأنها جزء من سماء الليل سقط في اختلال ما.
تحركت أذناها بسماع صوت، فهم يمتلك حاسة سمع قوية.
رأت شخصًا مجهولًا يقترب منها، يرتدي رداء فوق ملابسه يضع القلنسوة على رأسه لتخفي وجهه.
تراجعت قليلًا لكن الحبل المعقود في سور المزرعة لم يجعلها تستطيع التحرك أكثر من ذلك.
لمسها كادت أن تزمجر لكنه قال: اهدئي، إنه أنا.
سكنت في مكانها حين استنشقت رائحته جيدًا، رفع القلنسوة لترى وجه "فرناس".
أحنت رأسها إليه، قال: لدينا مهمة يجب أن تنفذ قبل بزوغ الفجر.
فك قيدها وفي ثوانٍ أصبح فوقها، لينزل القلنسوة على وجهه من جديد، ربت عليها لتنطلق به مبتعدة عن المزرعة في ثوانٍ لشدة سرعتها كما معروف عنها القفز بمثابة قفزة فهد يصارع الفريسة لانتشالها.
كانت تركض ركضًا بين أشجار الغابة كركض الوحوش في البرية دون توقف، كان "فرناس" يمتطيها ببراعة دون أن يهتز بل أمسكها بيد واحدة وجعل الأخرى في الهواء، أخرج عدة خناجر يضعها ويرمي ليصيب شجرة في المنتصف، أخرج الآخر وأصاب اثنتين متتاليتين، لينطق أخيرًا باسم: قسورة، أظهر الآن.
خرج رمح أسود من الأرض اختل توازن "عثق" لكن ثبتت نفسها، لكن اتسعت عيناها حين رأت ذلك الكائن ذو البشرة السوداء والقرنين الذان يتوسطان رأسه وأنيابه الذي يكشر عنها قال: ما الذي تنوي أن تفعله يا هذا، أتريد قتلي؟
صهلت صهيلاً مرتفعًا، أمسكها "فرناس" من عنقها لكنها هاجت في حضور جني أمامها.
وقف قسورة أمامهم قال: هل تمارس ذكائك علي، ماذا إن قتلت لك تلك الفرسه الآن؟
أتظنني سأسمح لك؟
كاد أن يقع من حركتها لكن أمسك بها بقوة، قبض على وجهها محتضنًا إياها وأمسك عنقها بقوة وهو مائل قال: اهدئي، "عثق" سيدك معك.
سكنت ونظرت له وهو يثقب عينيها، فهتأت مطيعة أمره.
اعتدل ليعود إلى ظهرها من جديد.
نظر إلى من يقف وينظر له بالشر قال: أين الكتاب؟
أتظنني سأدلك عليه؟
كان هذا اتفاقنا، ألم تقل ذلك قبل البارحة؟
وهل مقابل مساعدتي هو قتلي أيها الهجين؟
لن أقتلك.
ماذا تسمع؟ استدعائك لي في مكان محشو برائحة لعنة قاتلة.
لا أثق في جنسكم الخبيث.
ابتسم بسخرية وقال: عن من تتحدث وهنالك نصف آخر داخلك ينتمي إلينا.. هل كانت مساعدتي لك سر تخونني، فكر قليلًا ما الذي سأستفيده من خداعك؟
ماذا ستستفيد من مساعدتي؟
سأجني الكثير.
لم تقل لي مقابل.
المقابل ليس منك.
من من؟
إذا لم يعطه جوابًا اختفى وأصبح فوق جزع الشجرة كالقرد المتعلق بمخالبه الحادة قال: لا يهم، لكن لن أساعد شخصًا خائنًا.
لم أخونك، لا أحمل ضغينة لك.
هل تتذاكى علي؟
الخناجر معبأة بالكبريت الأحمر مع لعنة تقتل أجناس النار، لقد وضعتها على ثلاث أشجار لتكن الهالة مفعلة لحرقك، هذا في حال خداعك لي.. أنا لا أثق بك وأعلم أن لا عهد لكم لهذا أؤمن نفسي.
لا أصدقك.
لو كنت أريد قتلك لاستدعيتك في نصف ثلثي الشجر كان هذا كفيلًا بإنهاء مسيرتك.
صمت "قسورة" ونزل على حوافه ليطيح بأوراق الأشجار أثناء هبوطه، تقدم منه قال: ما مقدار معرفتك عنا وعن اللعنات تلك؟
هل خيل لك أني جاهل أمركم، كنت أدرس ما يتعلق بعالمكم لأني سأختلط بكم حتمًا، كان أبي يستدعي السحرة ليعلموني لعنات تفوقوني عليكم غير القوة الجسدية.
هل تقول هذا لتخيفني؟
كلا، لا حاجة لي بإخفاتك حضوري يكفي.
ابتسم وحك شعره الكثيف البني قال: إنك تدرك الكثير عنا بالفعل، لا أشم رائحة خوف أتغذى عليها منك.. لكن لا تكن فخورًا بذاتك، أنت لست ندًا لنا أيها الطين.
نظر إلى "عثق" وقال: لنرى كم يستطيع فرسك اللحاق بي.
انطلق من أمامهم كالطيف، ربت "فرناس" عليها لتنطلق فورًا خلفه.
كان "قسورة" يتجول بين الأشجار على طريق واحد لكنه يود تشتيتهم ولم يعرف أن "فرناس" يمتلك أعين صقرية ترى بوضوح وإن كان شهابًا.
التوتت رقبة "قسورة" للخلف وكأنها منفصلة عن جسده بل الجسد حر طليق: لا يبدو عاديًا بالنسبة لسرعته، ما نوع هذا الحصان؟
إنها مميزة من الخيول الأصيلة، كانت بطبيعتها لا تقبل من يمتطيها أو فرض سيد لها بل اختارت هي سيدها بنفسها.
اختارتك إذا، هل فرضت سطوك عليها الم ترفضك كما فعلت مع غيرك أم فهمت وقتها أنك من النبلاء؟
لا أدري، لكنها لم تنفرني برغم جديتي في أن تكون ملكي، قلق أبي علي أول مرة امتطيتها لكن عدت بها كما كانت بل كحيوان أليف يصحب صاحبه، أدركت أنها ليست مغرورة لكنها لا تجعل أي شخص يقترب منها إلا إذا اختارته هو.
أخطأت في صياغتك، أنها لم تجد الأحق بركوبها، كانت تريد شخصًا قويًا مثلها لذلك قبلت بك كسيد…
نظر إلى "عثق" وأكمل: أنها مغرورة بالفعل لم تقبل إلا وعلمت حجم قوتك التي تفوقك على البشر.. لكن كيف اكتشفت هذا؟
تمتلك الحيوانات حاسة قوية.
لا أؤمن بذلك حتى أرى، لكن رأيت كيف تحولت لرؤيتي.
ابتسم بخبث وهو يثقبها بعينيه لكنها كانت تثقب الطريق بعينيها متفادية النظر إليه، ليكمل طريقه شاقًا إياه بين الطرف لكن سحب "فرناس" جواده لتتوقف "عثق" عن الركض مرة واحدة.
قال "قسورة": لماذا توقفت؟
قال "فرناس": أتأخذني إلى قومي وهم يبحثون عني؟
لا حاجة لي بتسليمك لهم، إنني أدلك على ما تريده.
أين الكتاب؟
لا يزال بعد بضع أمتار، هيا لا نمتلك وقتًا.
ذهب بسرعته لحقت به "عثق" من تلقاء نفسه لكن زادت سرعتها لكي لا يرى أحد وتمر من خلف المنازل لتجنب العاملين في الحانة.
نظر "فرناس" إلى الطريق الذي يعرفه وإلى أين يؤدي.
توقفوا عند نهر منعزل عملاق يجرفه شلال من الأعلى محاطًا بأشجار عالية.
توقف رويدًا ونظر إلى أين وصلوا، نزل مرة واحدة واقترب من النهر متأملًا إياها.
أصبح "قسورة" بجانبه قال: هيا أيها الملك، أرني إلى أي مدى يمكنك حبس أنفاسك.
هل الكتاب في النهر الأسود؟
أجل، إنه أسود بالفعل بما يحمله من خفايا.
نظر "فرناس" إلى الأسفل اقترب "قسورة" ونظر مثله ليلتفت إليه قال: هل أنت خائف، أم لا تستطيع السباحة؟
خلع ردائه وكشف عن وجهه ليقفز داخلها.
اقترب الآخر ملقيًا نظرة أخيرة على الموجات المترددة، امتدت بأذنه وكأنه يسمع صوت حركات أسفل الماء.
التفت وانفض ثيابه ليجد الفرسه في وجهه بأعين حادة ابتسم قال: لا تقلقي لم يمت لا يزال يسبح.
تحت الماء كان "فرناس" لا يرى شيئًا بسبب ظلام الليل الدامس، كاتم أنفاسه ويسبح إلى العمق متجاهلًا كيفيه الصعود بعد فراغ رئتيه وكل ما يركز فيه هو عدم خروجه بيده فارغة وإيجاد من يبحث عنه.
لكن كلما سبح رأى السواد أكثر من السابق، شعر بتفريغ ما في جعبته قرر الصعود لكن توقف حين سمع لحنًا في صدى أذنيه: أكمل.
التفت إلى هذا الصوت لكن لم يكن هناك أحد غيره، يثق بأن هناك من تحدث إليه، ثقبت عيناه انعكاس ما رأى شيئًا ما ليسبح تجاهه سريعًا ليجده كتابًا.
التقطه سريعًا لكن احمرت يده بطريقة مريبة وكأنها تتحول إلى لهيب نار، وضعه مجددًا في مكانه ليطلع قميصه ويمسكه به ليجد قلادة تسقط منه.
التقطها فورًا من برز الاهتمام الذي اشتعل في عيناه، رفعها ناظرًا إلى ذلك الرمز الذي يتدلى منها، سعر ليظهر الماء حلقه ويختنق أشد اختناقًا.
أسرع بالخروج من هناك وهو يسارع شلل صدره الميت لكن العمق كان أعمق بكثير حيث لم يستطع التحرك أكثر من هذا.
مد ذراعيه ليشعر بالغثيان شعر بيد خشنة تمسك بيده ليسحبه بقوة دفعة واحدة وينطلق به للأعلى ليخرجا من النهر ويلقي به أرضًا ليسعل بقوة باصقًا الماء العالق في حنجرته.
اقتربت "عثق" منه وهي تراه يناجي روحه العائدة التي كادت أن تغادره.
سند بزراعيه وعضلاته تبرز منه، رفع عينيه إلى من أخرجه من هناك وكان "قسورة" الذي انفض ذراعه المبتلة وكان شديدة السواد كجلد الأفعى قال: اللعنة، كدت أفقد ذراعي.
نظر إلى "فرناس" وإلى نصفه العاري، اقترب منه بتوجس قال: مهلًا، لما أنت عاري.. هل قابلت حورية بحر بالأسفل، ويلك لقد ظننتك تموت، لا أعلم أنك في أسعد لحظاتك: كيف..
رفع عينيه وأكمل: كيف دخلت لهناك؟
أقصد النهر، لقد مدت ذراعي إليك كي لا يبتلعني لجوفه لكن لولا الرياح لاختفيت بسببك.
لماذا خاطر؟
إذا لم يرد عليه، وقف أمامه وأردف: لما فعلت هذا، من المفترض أن تغادر فور إرشادي على الكتاب وليس التأكد من سلامتي.
لا حاجة لي بسلامتك أيها الهجين فقد أشفق عليك، والآن لنفترق.
انتظرت.
توقف من ما قاله وجده يعتدل ليخرج قلادة كان يقبض عليها بقوة نظر الآخر إليه نظرة ثاقبة.
قال "فرناس": تعرف صاحبتها، إنها من بني جنسكم.
تفتت القلادة نظر إليها ليجدها تحولت إلى رماد أطاح به الهواء ليقبض على آخر ما تبقى منها دليلًا على أنه رأى قلادة كهذه بالفعل.
قال "قسورة": إنها ليست سوى وهم.
ماذا تقصد؟
إنها غير حقيقية، مثلك….. والآن يجب أن أرحل.
إنني مدين لك.
أعلم هذا.
أشكرك لإنقاذك لي.
لم يكن بإرادتي فلا داعي لشكرى.
لم يفهم ما قاله لكنه سحب إلى الأرض واختفى ليصبح بمفرده.
اقتربت "عثق" إلى ذلك القميص المبتل لتشمشم وترى كتابًا داخله.
أتى وتأمله بضع لحظات اقترب منه لكن تذكر تحول يده حينما لمسه، نظر حوله لياخذه ملتفًا بقميصه وارتدى ردائه وغادر على جواده بسرعه القصوى مبتعدًا من ذاك المكان بأكمله.
جلس على كرسي المكتب ولا تزال قطرات الماء تسقط من شعره الفحمي، عينه تثقب الكتاب الموضوع أمامه ذاك الرمز رمز مملكته والكتابة الأخرى هي رموز غوانتاما ذات اللغة الأصيلة الذي درسها من معلمه الملكي.
أمسك بريشة مغرقة بالحبر الأسود ليرسم فوق ورقة سوداء الرمز مع تجميع الأحرف الملتصقة به ليلقي به مع انتهائه: غفران!
تساءل في نفسه إذا كان معنى الكتاب هو تكفير خطايا، هل يقصده هو؟! ما الذنب الذي ارتكبه ليكون كتابه بهذا الاسم، يثق بأنه يحكي عنه وعن أعماله وحياته وكيفية مقتله، لكن الاسم.. "غفران" ما الإثم الذي ارتكبه؟
قرع الباب التفت "فرناس" إلى الصوت والأقدام التي تقف هناك بتوجس هناك، وضع الكتاب في أحد الأدراج وغادر مكتبه فتح الباب ويده الأخرى تمسك خنجرًا مدببًا من الحواف.
كان شخص يقف أمامه ملثم وجهه لا يحمل سلاحًا ولا متأهبًا بل مسالمًا، لينحني على إحدى ركبتيه ويده على صدره بإخلاص لتحية محارب.
قال "فرناس": من تكون؟
كشف عن وجهه معلنًا هويته قال: مرحبًا مولاي، إنني وزيرك المخلص "بردله".
كنت تبعث لي رسول، ما الذي أتى بك؟
كان الأمر يستدعي حضور لأعلمك بنفسي كل ما هو جديد….
رفع عينيه له قال: هناك خائن مثلما قلت وكان الخائن هو الأمير "داغر".
لم تتبدل ملامحه لكن أشار له بالدخول ليجلسا سويا بعدما أذن له ملكه بذلك قال: أخبرني بما لديك.
لقد عملت على ضم صفوف الجيش ذو المراتب العالية إلينا، أنهم لا يحملون أي ضغينة شيئة تجاهك مولاي لأنهم شاهدوا أعمالك وأوامرك.. جميع شعبك سبب بغضهم لك هي "لينا" وإعلانك خائنًا لهم بسبب حمايتها لذلك تسلميها سيحل الأمر.
لم تأتِ لتقول لي هذا.
كلا بل أفعال "داغر" المريبة.
ماذا فعل "داغر"؟
أنه يكتسب ثقة الشعب على حسابك، أي يبرئ نفسه من ما فعلته ويخبرهم أنه لن يدع الأذية تلحق بهم وإن كان من أخيه الملك، تقرب من الشعب بسبب ندواته بينهم برفقة الجنود، الناس تضعه محل ثقة كونه قائدًا لجيش الدولة والوضع وكأنما يسوء.. حينما ناقشته على أفعاله انتقضني ووضعني محل اتهام بتسليط الضوء على أوامر وأن أبتعد لكنني لم أطع الأمر طالما هذا في صالحك مولاي لن أطيع الأمير "داغر".
كيف ترى الأمر يا "بردله"؟
أنه ينوي انتزاعك من العرش ليتولاه بدلاً منك… المُلك مسعاه يجب أن نتصدى له.
لا تقف في وجهه فتصبح عدوًا له.
عدوك عدوي.
قالها بجدية فالطالما كانا أصدقاء وليس علاقة ملك بو.زير بل الإخلاص أعمق بكثير.
قال "بردله": تتذكر القسم الذي وضعته على نفسي عند تتويجي وزيرًا للدولة (أتعهد بالخلاص بحياتي وفاءً لك ثم الخلاص لدولتنا العالية لتكن بمكانة أفضل)… لقد عينت كوزير لك لكن لو لم تكن أنت الملك لما وافقت على تغير رتبتي بل ظللت حارسك الشخصي.
شكرًا.
رفع وجهه حينما سمع شكرًا من ملكه لكنه كان شكر صديق لصديقه رآه مبتسمًا قال: لم تخذلني يومًا، كنت دائمًا محل ثقتي بك.. لذلك لن أتنازل عن حياتي إنها أثمن عند الكثير مما ظننت.
ماذا تقصد مولاي؟
لا يهم.
أشرقت الشمس وهم "بردله" برحيل لسفك قيد حصانه التفت إلى "فرناس" قال: كدت أن أنسى.
أخرج رسالة ملتفة بشريط قال: وجدتها في مكتب الأمير، لم أفهم واجهتها لكن أظنها مهمة.
ما بداخلها؟
خريطة.
تعجب لكن لم يفتحها قال: سأرى إن كنت أستطيع ترجمتها.
أومأ له وقبل أن يمتطي جواده رأى فتاة من بعيد ترتدي فستانًا قرويًا وشعرًا جميلًا كانت "فطون" التي نظرت إليه وإلى "فرناس" الذي التفت إليها ليرى على ماذا يتطلعان.
انحنت إليه وأكملت سيرها.
قال "بردله": من تكون، هل تعيش هنا؟
إنها ابنة "شوار".
كان يتأملها بتوجس وهي تلتفت إليه لحين غرة وتعود إلى موضعها بخجل.
قال "فرناس": ألا تنوي المغادرة؟
ا.. أجل مولاي، أستأذن.
انحنى إليه وامتطى حصانه وغادر المزرعة بأكملها.
ألقى "فرناس" نظرة على ما في يده وعاد للداخل ليفتحها ويقم بفردها وكانت مخططًا.
تمعن النظر بها باستغراب لكن توقف حينما رأى شيئًا مشابهًا، كانت شكلًا مألوفًا له.
خرج من المزرعة وذهب إلى الباب الرئيسي وكان هناك جرس مميز الشكل.
اقترب منه ونظر إلى ما في يده ليكتشف أنها ليست مخططًا وإنما خريطة لمزرعة التي يقطن بها الآن.
ماذا تفعل بها يا "داغر"؟
صمت باستدراك ليرى المخارج ممحية بل ملقى عليها حبر أسود، تنهد وقال: حان الوقت إذا.
أتى "شوار" إلى مكتب "فرناس" الذي كان واقفًا عند النافذة حم حمم ليعلمه بوجوده فالتفت إليه قال: جيد أنك جئت.
لماذا طلبتني مولاي؟
أريد منك مغادرة المزرعة.
رفع عينيه الخافضة مبحلقًا به بشدة قال: عذرًا، أقصد لماذا تطلب مني مغادرة المزرعة، هل حدث خطب ما؟
لم يحدث شيئًا.
لم يصدر مني خطأ، أخبرني مولاي لعلني ارتكبته دون قصد فأنا إنسان خطاء.
"شوار" إنك لم تفعل شيئًا، لم يكن خطأك بل هذا قرار من تلقاء نفسي.
لكن لماذا؟! ما خلف قرارك هذا مولاي؟
نظر إليه انحنى إليه قال: استمحيك عذرًا لم أكن أقصد التشكيك في قرارك لكن أريد معرفة السبب.
غادر المزرعة برفقة ابنتك، هنالك خطر على حياتكم إن ظللتما هنا.
خطر؟! ماذا تعني بذلك.. هل تقصد أن هناك من سيحاول قتلك؟
حياتي عرضة للقتل في أي وقت.
وهذا ما أقصده، نا معك لأحميك مولاي.. أتريدني فور بروز الخطر أعطيك ظهري وأفر هاربًا… لقد قطعت وعدًا للآنسة "لينا" ألا أتركك وأحميك بروحي.
لا أحتاج من يحميني، أتراني غير كفيل بنفسي… من لا يستطيع حماية نفسه لن يستطيع حماية شار بأكمله.
حاشا أن أقصد التقليل منك، لكنني لست جبانًا، دعني أمكث معك وإن كنت قلقًا على "فطون" فسوف أرسلها إلى خالتها، إنها تحبها وتتمنى فقط زيارتها.
"شوار": دعني أقف بجانبك، إن أصابك مكروه لن أستطيع رفع رأسي مجددًا.
إنه أمر.
صمت حينما قال ذلك بجدية تامة فساد الصمت بينهم انحنى بإطاعة وقال بنبرة تملاها قلة الحيلة: أمرك مولاي.
على ضوء شمعة خافتة تنير أركان الغرفة من الظلام الدامس المخيم بالمكان.
أجواء الليل الخافتة لم يظهر القمر اليوم بسبب غيوم السماء المزعجة لتكن الأجواء بدون ضوء واحد ينير ما يخفيه المستقبق.
كانت أعين تراقب من بعيد وفور أن أخذت الإشارة تحركت باتجاه المزرعة الهادئة، واحد اثنان ثلاث بل خمس رجال تظهر بنيتهم قوية ملثمين وجوههم، دخلوا من البوابة ولم يكن هناك حارس واحد فقط كونها المزرعة التي يقطنها الملك.
شخصيات.
توقفوا عند الباب ونظروا إلى بعضهم ليخرجوا سيوفهم وصدر صوت النصل الحاد ليدفع أقواهم الباب ويكسره عن مكانه ودخل متأهبًا لكن لم يكن هناك أحد، التفت إليهم وأشار لهم بالدخول وفور تحركهم طار ذلك الرجل وكأنما إعصار أطاح به ليرتمي أرضًا أمامه.
نظروا إليه بأعين تملأها الصدمة نظروا إلى الداخل لم يرو أحدًا من الظلام الذي يحل بالمكان.
دخل أحدهم قال المرتمي أرضًا: احترس، إنه بالداخل.
امتدت يد بقوة لكن تفاهات الرجل وأمسك لكن بدفعة واحدة ألصقه بالجدار ليتألم بشدة.
أمسك الآخر مصباحًا للكشف عن سلك الوجه الذي يقبع خلف الظلام وكان هو مقصدهم.
إنه "فرناس" الملك الذي سيغتال اليوم.
تخطاهم شخص وكان أشدهم سرعة و فور اقترابه منه أنهال "فرناس" عليه صدا بسيفه المتين المصنوع من أجود أنواع الفولاذ.
نظر إليه الرجل بحنق ودفعه بعيدًا عنه لكنه ركله بقوة ليتقدم منهم.
عادوا للخلف ونظروا إليه وكأنهم يدركون أنهم يفوقهم قوة ويتساءلون كيف اكتشف أنهم أتوا ليقتلوه.
قال "فرناس": سوف أعطيكم فرصة لنجاة مقابل إخباري بمن أرسلكم؟
انطلقت صافرة من أحدهم ظهروا ثلاث من أعلى السقف والآخر فوق الشجرة والثالث خلفه يحملون أقواسًا ويصوبون عليه.
نظر إليهم وكيفية تخطيهم لكن لا مجال للهرب لا توجد فجوة، إنه محاصر من جميع الاتجاهات.
هناك سيافين وثلاث رماة يهددونه بالتمزق فورًا.
أغمض عينيه لكن أتى صوت والده: "عش كبشريًا وإن مت فمت كبشريًا أيضًا".
قال الرجل: اعذرني مولاي، لا نفشي أسرار أسيادنا… لتمت بسرعة رجاءً.
اقترب منه بسيفه الحاد فتوقف وجسده مرتجفًا من الخنجر الذي خرج من حنجرته.
رفع "فرناس" عينيه الرمادية التي تكاد تكون بيضاء اللون، الدماء تملأ وجهه أطلق الثلاث أسهمهم فورًا وانقض الآخرون بسيوفهم ليمسك جسده ويجعله درعًا خلفه ويركل الآخر في رقبته بقوة ليقف خلف وتطلق السهام نحوهم دون أن تصيبه.
توقف الرماة بصدمة كونهم قتلوا رفقاءهم ليمتلكهم التوتر.
انطلق خنجر بسرعة قوية نحو الرامي أعلى المنزل ليرتمي أرضًا.
نظروا إليه بشدة ومن أعينه التي تملأها القهوة: إنه أنت.. جندي السماء، لقبك في الحروب التي قدتها وانتهكت صفوف العدو.
أعين حادة تملأها القوة قال: من… يكون… سيدكم؟
لم يتحدث أفواههم وقبل أن يقو بتجربة نصبه عليهم رأى ظلًا خلفه تصدى لتلك الضربة قبل أن تكال عليه لكنه دفعه ونزل بسيفه ليجرحه في كتفه وينزف الدماء، تألم ونظر إلى ذلك من يقف أمامه انقض عليه بسرعة عالية تصدى "فرناس" إليه برغم قوته المهدورة، كان الآخر سريعًا حركة خفيفة وقوية، ينزف جرحه تارة ويدافع تارة لكن أطاح سيفه ووقع أرضًا بعيدًا عنه نظر إليه بشدة.
انتفض جسده دفعة واحدة، نظر بصدمة إلى ذلك السيف الذي اخترق نصفه الأيسر لينظر إلى تلك العلامة فهو يعرف صاحب ذلك السيف جيدًا، مهارة التمويه يعرف مبدعها.
رفع عينيه والألم يغزو عيناه ليرى أعين باردة تملأها الشر والبرود الجامح.
جلس على ركبتيه ليقترب الآخر منه بضع خطوات أمامها.
أخذ "فرناس" نفسًا مختنقًا هو ينظر إليه قال: داغر.
أردت رؤيتي وها قد أتيت إليك.
يتبع.
رواية سرداب غوانتام الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور
جس على ركبتيه ليقترب الاخر منه بضع خطوات امامهاخذ ” فرناس” نفسا مخت.نق هو ينظر اليه قال: داغر: اردت رؤيتى وها قد اتيت اليكيتبع….