تحميل رواية «سمال الحب» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_ أنت ملاكي ! ٥ : ١٠ مساء الوقت يمتد إلى ما لا نهاية ... منذ هاتفته إبنة أخيه و أعطته البشرى، كان قلبه يدندن بخفقات سريعة مدوية، إبنه البكري، المفضل، نسخته الشبابية و إن ينكر هو ذلك. "رزق" سيعود اليوم. إبن "كاميليا".. إبن حبيبته.. هو و شقيقته، أخيراً سيجمع بينهما أمام عينيه. ٥ : ١٥ مساء يقف "سالم" وراء زجاج النافذة المطل على مركز الحي، نافذ الصبر ممتلئ بالمخاوف. شعر فجأة بيد زوجته تحط فوق كتفه، لم يلتفت إليه. لكنه سمعها تناديه برفق: - يلا يا سالم.. الغدا جاهز. يرد بلا اكتراث: - مش جعان يا هانم!...
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد
_ أنت ملاكي !
٥ : ١٠ مساء
الوقت يمتد إلى ما لا نهاية ...
منذ هاتفته إبنة أخيه و أعطته البشرى، كان قلبه يدندن بخفقات سريعة مدوية، إبنه البكري، المفضل، نسخته الشبابية و إن ينكر هو ذلك.
"رزق" سيعود اليوم.
إبن "كاميليا".. إبن حبيبته.. هو و شقيقته، أخيراً سيجمع بينهما أمام عينيه.
٥ : ١٥ مساء
يقف "سالم" وراء زجاج النافذة المطل على مركز الحي، نافذ الصبر ممتلئ بالمخاوف. شعر فجأة بيد زوجته تحط فوق كتفه، لم يلتفت إليه.
لكنه سمعها تناديه برفق:
- يلا يا سالم.. الغدا جاهز.
يرد بلا اكتراث:
- مش جعان يا هانم!
تتأفف "هانم" متذمرة:
- دي تالت مرة أسخن الأكل و ما ترضاش.. لو ماكلتش أنا كمان هاكل.
سالم بحزم: قولتلك مش جعان يا هانم. كلي إنتي لقمة عشان تقدري تنزلي و تقضي طلبات أمي و البت دي إللي اسمها نسمة.. لحد بكرة أما النشار يبعتلي واحدة من البلد تقعد بيهم مخصوص.
هانم معاتبة: هو أنا اشتكيت و لا قصرت؟ أنا نازلة دلوقتي أهو بس كان بودي أحضر لك لقمتك.
- كلي الأول و بعدين إنزلي!
قالها مشدداً على كلماته و قفز قلبه بصدره باللحظة التالية.
- رزق جه! .. همس "سالم" بعينين متسعتين و هو يقبض على سور النافذة بكل قوته.
عبست "هانم" و قد استرعت جملته اهتمامها، إذ لم تكن على علم مسبق بعودة الإبن الضال. شبت من خلف كتف زوجها و ألقت نظرة بالأسفل، لتجد إحدى سياراتهم رباعية الدفع تقتحم باحة المنزل و قد برز "رزق" عبر نافذة كرسي القيادة.
- ده رزق صحيح! .. تمتمت "هانم" مؤيدة.
- و معاه ليلة.. بس مين البت إللي نازلة من العربية معاهم دي؟
بدون أن يكلف "سالم" نفسه عناء الرد عليها، استدار متجاوزاً إياها نحو الخارج. صفق باب الشقة ورائه و من ثم أخذ يهبط الدرج بخفة الريح و عباءته تتطاير من حوله.
خلفه مشيت "نور" إلى جانب "ليلة" متأبطة ذراعها و مخبئة نصف وجهها فيها باستحياء و رهبة، بينما هو.. "رزق" ينطلق راكضاً أمام أعين حاشية أبيه حتى وصل للداخل.
الآن و قد وطأت قدماه البيت الذي أقسم على إستحالة العودة إليه، كان قلبه يضرب صدره بعنف، يعب الهواء إلى رئتيه بشق الأنفس كأسد يخوض معركة أشد فتكاً.
يصطدم أولاً باخيه الأصغر "حمزة" و الذي ما إن رآه حتى أخذه بالاحضان صائحاً:
- ررررزززق.. حمدلله على السلامة ياخويا. حمدلله على سلامتك نورت بيتك يا رزق.. يااااااااااه طولت الغيبة أوي يا رزق. وحشتنا...
يبعده "رزق" بحركة مباغتة ادهشت الأخير، ثم يستنطقه بخشونة:
- نوسا.. إبني يا حمزة!!!
كانت نظرة ملؤها اليأس و الضعف إكتسحت تعبيراته القاسية، بينما يفتر ثغر "حمزة" عن إبتسامة جذلى و هو يقول يطمئنه:
- ماتقلقش يا رزق.. الاتنين كويسين. نوسا والدة بقالها اسبوع و محدش كان يوصلك خالص.. جابتلك بنت زي القمر. تتربى في عزك ياخويا!
كان فك "رزق" قد تدلى من الصدمة، و أول ما فعله أن استدار ناحية "ليلة" التي وجدها مبتسمة ملء شدقيها، لتقول قاطعة دابر الصمت الملبك:
- سامحني. كان لازم أكذب و أجيبك لحد هنا بأي شكل.. و إلا كنت هاتعند و تغلط و تحرم بنتك من حضنك فترة كبيرة أوي. الله أعلم نهايتها كان ممكن تكون إمتى...
- رزق!
في هذه اللحظة و كأن عبوة ناسفة قد انفجرت بقلبه، حين سمع صوت أبيه آت من نقطة ما خلفه، تناسى غضبه من "ليلة" ليستبد به غضب أشرس و أحلك.. و هو غضبه من شخص والده... من "سالم الجزار"!!!!
اصطكت أسنانه بانفعال و هو يغمض عينيه بشدة، و لثقته بأن رؤية "سالم" لن تكون ذا عون او حميدة بأي شكل، أشاح بجسمه تجاه شقة الجدة "دلال". ولج بخطوات متشنجة حريصاً على ألا تلتقي نظراتهما أبداً.
على الطرف الآخر "سالم"... لم ينفك يبعث بتلك النظرة المنكسرة وراء ولده حتى توارى.
و إلتقطت أذنيه هتاف كريمته و فلذة قلبه العذبة النقيّة:
- بابا!
و كأن شيئاً لم يكن، طار البؤس عن محيا "سالم" عندما نقل بصره إلى "نور" التي هرولت إلى أحضانه على الفور، ليتلقفها محيطاً إياها بذراعيه القويتين و هو يغمغم باشتياق:
- نور.. حبيبة أبوكي. وحشتيني أوي يا قلبي.. نورتي بيتك يا نور!
صدمة أعتى هذه المرة حلت فوق رأس "حمزة".
مبحلقاً بذهول في المشهد الأكثر غرابة على الاطلاق، وجد لسانه يردد لا إرادياً و هو يواصل النظر إلى أبيه الذي لا يزال محتضناً تلك الفتاة:
- بابا!
بابا إزاي يعني ؟؟؟!!!
تنظر "نور" إليه من جانب عينها، و بدون أن تترك أبيها أدارت رأسها قليلاً لتراه أوضح و هي تقول بمرح:
- إنت أكيد حمزة. أيوة أنا عارفاك!
حمزة ببلاهة: و كمان تعرفي إسمي!!!!
ضحكت "نور" بانطلاق لا يخلو من الشقاوة و هي تتمسك بثياب أبيها أكثر كطفلة صغيرة.
خمسة عشر ذراعاً...
مضى بالداخل واضعاً نصب عينيه غرفة زوجته الأولى، و كأن ما من شيء آخر بالحياة أكثر أهمية، حتى جدته التي جلست هناك بالزاوية المعهودة.. خشيت أن تصدر صوتاً!
خشيت أن تلفت إنتباهه لوجودها، فهي رغم جهالتها مدركة تماماً مقدار الضرر الذي ألحقته به، لم يكن والده فحسب، بل هي أيضاً خذلته.
و ما من كلمات تعبر عن أسفها، لذلك إلتزمت الصمت، و بقيت تراقبه فقط و عيناها تفيض من الدمع.
خمسة أمتار...
بضعة خطوات فقط و سينتهي كل شيء، أو سيبدأ!
لا يدري أي قوى كانت تحركه، لكنه لم يكن يشعر بقدميه، مع ذلك لم يتوقف للحظة عن الاقتراب من الباب المغلق ظاهرياً.. و بالرغم من هذا و كأن قطب مغناطيسي يسحب الباب للخلف، لينفتح ببطء.
في البداية لم يميز "رزق" سوى خيال لأنثى قد مالت صوب الفراش و كأنها تمد يد المساعدة لأحدهم، و ما لبث أن رآها بعد لحظة، زوجته.. "نسمة"... برزت وراء الأنثى التي إتضح بالفعل أنها ممرضة و قد كانت ترتب الوسائد خلف ظهر "نسمة".
"نسمة" التي لاحظت حضوره من أول وهلة، و خرج إسمه من بين شفاهه ملبداً بدموعها الحارقة:
- رزق!
في نفس اللحظة يدفع "رزق" بباب الغرفة عن آخره، ليلج مبعداً الممرضة عن طريقه باشارة من يده، و أول ما بدر منه أن إنخفض ليكون في مستوى "نسمة".. احتضن رأسها في صدره مقبلاً شعرها الغجري و الدموع تترقرق بعينيه.
أما هي فمن أول لحظة لمسها أجشت ببكاء مرير و هي ترفع ذراعيها لتتعلّق به كغريقة بطوق النجاة، و بأنفاسها الحارة المتقطعة تنفجر فيه نائحة:
- كده يا رزق؟ كده.. هونت عليك ترميني كده... كده تسيبني لوحدي.. أكتر وقت كنت محتاجالك فيه.. سبتني ليه و لمين؟ كده يا رزق.. كده!!!
- أنا آسف! .. نطق "رزق" بصعوبة.
لكنه أردف كي ما يرسخ انطباعاً بأن الأمور صارت على ما يرام باللحظة الراهنة:
- خلاص يا نوسا. أنا رجعت.. مش هاسيبك تاني أبداً. و ربي.. صدقيني ما هاسيبك تاني أبداً. رجلك على رجلي فين ما أروح!
يتداخل صوت عواء الرضيعة في صوته فجأة، فيتجمّد لبرهة، و يرتد بحركات متباطئة، سمح لنظراته بأن تلتقي بنظرة "نسمة" الكسيرة المرهقة.
و من خلال شفاة شاحبة متشققة تمتمت له بتعب:
- بنتـك.. مالهاش إسم لحد دلوقت... و صممت أبوها إللي يسميها!
ألقت بيدها إلى جوارها دون أن تحيد نظراتها عنه، لينظر "رزق" إلى حيث امتدت يدها، فإذا بها لفافة متحركة، و كأن بداخلها عصفور يرفرف.
كذلك رفرف قلبه، بينما تصب "نسمة" جام جهدها على هذا، فتحمل رضيعتها بحرص و تمدها نحو أبيها بيدين رخوتين.
أسرع "رزق" يتناول منها مخافة أن تسقط من بين يديها، و قد صدمته خفة الرضيعة ذات الوجه المغطى، إبتلع ريقه بتوتر و هو يضمها إلى صدره الواسع.
رفع يده ليزيل غطاء القماط الوردي عن وجهها، لحظتين فقط أحس خلالها بطبيعة ما قاساه طوال عمره، سنوات طويلة من السقوط بمستنقع أبيه القذر، و حفرة عميقة من الألم لا يسعه الخروج منها.. لحظة أن كشف عن وجه إبنته أخيراً.
كل شيء تلاشى...
حرفياً كل معاناته و كأنها لم تكن، الرضيعة الضئيلة، بوجهها تام الاستدارة، و شعرها الذهبي الخفيف المتناثر حول وجهها، و شفاهها الحمراء المكتنزة و المزمومة بالاشتراك مع حاجبيها الفارغين المعقودين.
أفلتت من بين شفاه "رزق" ضحكة قصيرة ملؤها الشجن، و حاول أن يمد اصبعه ليلامس بشرتها الحليبية، لكن الرضيعة فاجأته، إذ قبضت على أصبعه بكامل قبضتها الضعيفة.
شهق "رزق" مبهوراً، و حبس أنفاسه باللحظة التالية حين إنفتحت عيني الرضيعة، فكاد يعميه بريق زرقة بؤبؤيها الواسعين و المكللين بأهدابها الكثة الطويلة.
إلتحمت نظرته بنظرتها بلا إنقطاع، ليردد تلقائياً كما لو أنه يخاطبها:
- كاميليا.. هاي يا كاميليا!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد
أجفلت فرقعات أصوات الأسلحة فريق المعتدين بينما تأهبوا الجزارين لعراك دموي، لولا صوت "رزق" الذي جمد كل شيء بلحظة:
- ورزق الجزار جالك أهه يا حسين.. بشحمه ولحمه!
ينقسم صف الجزارين الآن ليظهر "رزق" من خلفهم بقامته العملاقة وهامته المتزنة. أقبل بثبات واثق وهو يستطرد بتجهم:
- دلوقتي عايز تشوف مين فينا مرى صح؟
ارتعش المدعو "حسين" من شدة الغضب، وما لبث أن أشهر فرده الخاص بوجه "رزق".. إلا أنه شعر فوراً بقبضة تعترض مسار يده.
نظر فوجده "مصطفى" الذي أخذ يعتصر المعصم المحبوس بقبضته، بينما تعتلي عينيه نظرات فتّاكة وهو يتمتم بنعومة خطرة:
- تؤتؤتؤ.. كده تتعور يا شبح!
***
في هذه الأجواء المضطربة، لم يثني مطلق شيء "ليلة" عن خطتها الوقائية لحماية نساء عائلتها، حيث أنها تجاهلت تعليمات زوجها واصطحبت ضرتها وطفلتها مع بقيّة النساء إلى ذاك القبو.
القبو الذي سجنت فيه والدة زوجها من قبل أشهر حتى مماتها. قابلتها مشكلة واحدة فقط، وهي كيف عساها أن تنقل جدتها القعيدة إلى الأسفل؟
لكنها كالعادة امرأة المستحيل، المرأة التي يعجزها ولا يقهرها شيء. حملتها بعزم قواها ووضعتها بالمقعد المتحرك خاصتها، ثم أنزلتها إلى القبو وسلمتها لكلٍّ من "هانم" و "عبير" ثم خرجت وأقفلت عليهن جيداً متجاهلة نداءاتهم، مركزة فقط على أصوات العراك بالخارج وتمييز اسم زوجها يتردد كثيراً.
تحسست خصرها وتأكدت من وجود سلاحها...
***
واجه "رزق" وإخوته ورجاله أبناء "السويفي" ورجالهم. لم يشهر أحدٌ منهم أي أسلحة بوجوه الآخرين بعد، في انتظار الإشارة فقط من أسيادهم.
- إللي عملته في عاصم قليل على إللي هاعمله فيك إنهاردة يابن الجزار! .. قالها "حسين السويفي" محدقاً بعيني "رزق" بثقة من شأنها أن تزعزعه.
لكنه تفاجأ به يضحك ويصفّق لافتاً جميع الأنظار المدهشة صوبه، ثم رد عليه باريحية وبشاشة عجيبة:
- برافو. برافو.. اسمعوا يا جزارين. اسمعوا كلكوا يا رجالة. حسين السويفي أدى كلمة دلوقتي ووعدني ان هايتعلم عليا إنهاردة. لأ بجد برافو. محدش عملها قبلك. محدش اتجرأ وهددني قبل كده. والكبيرة كمان هنا. على أرضي. وسط أهلي ورجالتي. اشهدوا كلكوا. رزق الجزار هايقع إنهاردة...
ثم هدأ تدريجياً وتحدث إليه بجدية:
- بس بجد يا حسين. لو يعني عملنا قاعدة كده. أو أنا مثلاً اترجيتك تسامحني...
- إيـــــــــــــه إللي بتقــولـه ده يـا رزق؟ .. تدخل "علي الجزار" مقاطعاً بحمية عنيفة.
أمره "رزق" بهدوء دون أن يرف له جفن:
- اكتم يا علي!
ولم يكن بحاجة لتكرارها أو الحديث بعدها، فقد بدا التفكير على خصمه، وإلتمعت عيناه بالشر والإغراء. رغم أنه علم بأن صدى طلبه لم يُسمع لديهم وأنهم سيغدرون لا محالة، لكنه انتظر رده...
لتكون كلمات "حسين" باللحظة التالية خاملة تضمر الخباثة لا غيرها:
- تركع قدامي وتبوس جزمتي! جايز. وممكن بعدها يبقى لينا كلام..
أومأ له "رزق" وتظاهر بجدية تامة أذهلت الرجال والأهالي، ثم قال:
- يعني أنا لو ركعت قدامك وبوست جزمتك. على الأقل مش هاتموتني ولا هاتئذي نفر من عيلتي ورجالتي صح؟
جاوبه "حسين" كاذباً:
- اعتبره وعد!
أومأ له "رزق" ثانية، موحياً له بالموافقة وقال:
- تمام. لو نفذت كلامك دلوقتي كل الحي يروحوا يـ... على قبر أبويا!!
مع تتمة عبارته تماماً، بدأ الأهالي في الضحك الشديد والتصفيق لرد زعيمهم المفحم. بينما يحمر وجه "حسين" غضباً مستطيراً وهو يستمع لتهديد "رزق" الأخير القاطع:
- قدامك دقيقة واحدة تجمع شوية العيال بتوعك دول وتغور من هنا. دقيقة وثانية لاقيتك قصادي. وعزة الله. تحصـ...ـل أخوك!
أخذ "حسين" يهتز من الغضب، وفتح فاهه متنوياً الانفجار بالشتائم والسباب، لكنه لم يلحق. لم يُقدر له استنشاق نفساً آخر، إذ حدث بلمح البصر إشهار سلاح "رزق" بوجهه وإطلاق رصاصة واحدة بين عينيه أخرسته إلى الأبد.
بمجرد أن سقط ابن "السويفي" الثاني على يد "رزق" إنتاب ذويه ورجاله حالة من الجنون. استلوا أسلحتهم بوجه "رزق" ورجاله، الذين فعلوا نفس الشيء بدورهم وبدأت المعركة الوحشية.
***
لولاها هي.
ولأكثر من مرة، كان ليسقط "رزق" قتيلاً، وكان هو نفسه مشدوهاً، كيف نجا؟
لم يكن يعرف بالجندي المجهول الذي يقف في ظهره، يدرأ عنه رصاصات الأعداء، ويردي كل من يحاول أن يمسه.
من مكانها في نقطة ما بجوار البيت، بيدها قتلت "ليلة" وحدها أكثر من خمسة أشخاص دفاعاً عن زوجها. وفي الأخير ظهرت له، بعد أن اكتظت الساحة بالقتلى والدماء المنداحة قد شكلت بركة وفاحت رائحتها بكثافة.
أدرك على الفور وهو يراها أمامه والسلاح بيدها بأنها كانت هي، البطلة، بطلته. كان كالمعتاد غارقاً بالدماء، دماء اعدائه، لكن هذا لم يبعث فيها أي مخافة أيضاً.
مشى صوبها عابس الوجه. ظنت بأنه سيوبخها، لكنه في الحقيقة شدها إلى صدره وقبض على جانبي رأسها بكلتا يداه مقرباً وجهها لوجهه ليقبلها على فمها مطولاً وبقوة.
فعلته هذه ربما سببت بعض الحرج للرجال من حولهم، لكن بقية الأهالي وإخوته سعدوا كثيراً لمرور لحظة ناعمة كتلك بعد كل ما جرى هنا من عنف وقتل.
بادلته "ليلة" القبلات على مرأى من الجميع مطوقة عنقه وقد تركت سلاحها يسقط من يدها، ولولا مجيء "علي" لما انقطعت القبلة أبداً.
- رزق!
انتزع نفسه بصعوبة منها، ليلتفت نحو "علي" ولكن دون أن يفلت يدها. نظر إليه قائلاً باقتضاب:
- كام واحد من رجالتنا؟
طمأنه "علي": اطمن كلهم بخير. مافيش غير اصابات بس.. ومصطفى خد طلقة دراعه.
- حمزة كويس؟
- حمزة بخير. انا كنت مغطيه طول الوقت مافيش فيه خدش ماتقلقش. هانبعت للدكاترة بتوعنا يجوا. كله هايبقى تمام.
هز "رزق" رأسه دلالة على موافقته، فربت "علي" على ذراعه وعاد أدراجه ليرى الرجال، بينما يعاود "رزق" النظر إلى زوجته.. حبيبته.
وهنا تجاوز العتاب شفتيه أخيراً:
- أنا مش قولتلك ماتتحركيش من مكانك؟ خاطرتي بنفسك وكان ممكن تموتي!
ابتسمت بشجن وهي تمد يدها رافعة خصيلات شعره الدبقة عن جبهته وقالت بلوعة:
- لو كنت مت انت. تفتكر إني كنت هاعيش من بعدك؟ انت قلبي إللي بينبض ومنغيرك يقف واموت يا رزق. اموت!!
ضمها إليه قبل أن تنهي الجملة وهمغم في لفائف شعرها المموّج:
- بحبك.. بحبك يا ليلة!
تنعّمت بأحضانه للحظات، ثم همست في أذنه:
- لازم تروح تفتح للستات!
عقد حاجبيه وابتعد عنها ليستفهم أكثر، فوجدها تلوّح له بمفتاح القبو الذي يعرفه جيداً.
- أنا نزلت الستات كلهم في البدروم. خوفت أسيبهم لوحدهم. وفي نفس الوقت لاقيت إن المكان ده صعب الوصول ليه.. لازم تروح تطلعهم دلوقتي. وأنا كمان لازم أروح المستشفى عشان أطمن على فاطمة وابنها. وابعت لك عمامي كمان يقفوا معاكوا.
طبعت قبلة أخيرة على خده وهي تضع المفتاح براحته.
- خلي بالك من نفسك وانا مش هنا. وماتقلقش عليا. هاخلي رأفت يوصلني!
ولم تمهله حتى الإشارة لها بالرفض أو القبول وانطلقت في طريقها.
أما هو، فوقف في حيرة من أمره، لا يود أن يذهب إلى ذلك القبو، لا يود أن يطئه. إذن فشخص غيره الذي سيفعل بالتأكيد.
***
بعد أن قطع "النشار" نصف الطريق تقريباً سفراً إلى بلدته، عاد بمكالمة هاتف من "رزق" وتولى عنه قليلاً رئاسة الحي. هكذا ارتأى أن يعاونا بعضهما ريثما يستعيد نفسه من جديد.
فهو إن كان واقفاً على قدميه بعد رحيل أبيه فبمعجزة، لأنه يعلم إن هو سقط، فالحميع سيسقط معه، وسيفقد عائلته صغيرها قبل كبيرها.
كم هو خائف وضائع. كم يتمنى لو ينهار!!!
***
اغتسل وقد أزال آثار الدماء بالكامل من عليه. ارتدى ملابس نظيفة وخرج ليلتقي بابنته حيث كانت تنتظره بالصالة مع أمها.
انفرجت أساريره لحظة رؤيتها. حضنها. هو من كان بحاجة له. احتضنها بلطف واحكام وهو يهدهدها بين ذراعيه متمتماً لها بحب:
- كوكي! قلب بابا. إيه رأيك لو تروحي تزوري عمتو نور؟ هاتروحي مع ماما وانا هابقى أحصلكوا ان شاء الله. أيوة هاتوحشيني. بس مش هاحون مطمن عليكي غير هناك يا روحي..
كان يتكلم معها بصوت واضح لتسمعه "نسمة". لكنه لاحظ بطرف عينه بأن الأخيرة لم تنتبه لحديثه أساساً.
فاستدار بالكامل ناحيتها وهتف قائلاً:
- نسمة! انتي سمعتيني؟
أفاقت متطلعة إليه.
- قلت إيه؟ معلش سرحت!
- سرحتي في إيه؟ مالك يا نسمة. مخضوضة من إالي حصل؟
هزت رأسها سلباً، وقامت واقفة. تقدمت صوبه قائلة بتردد:
- أنا.. أنا كنت عايزة أقولك حاجة. مش هاينفع تتأجل أكتر من كده!
حثها بهدوء: قولي!
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تفرك كفيها ببعض بتوتر، وقالت بدموع:
- هي حاجة ليها علاقة بأبوك.. ليها علاقة.... بموته!!!!
استغرق دقيقة تقريباً ليفيق من أثر المباغتة، وأدرك بأن طفلته ليست في مأمن الآن بين ذراعيه. لذا تركها بعيداً، تلهو ببعض الألعاب وعاد ليقف قبالة أمها متسائلاً بملامح ولهجة أكثر حدة وشراسة:
- قولـي!!!!!
نظرت نحو الطاولة المجاورة لها حيث تصطف مجموعة علاج وأدوية "سالم الجزار". ثم نظرت لزوجها قائلة بصوت باكي:
- أنا شوفتها. بس مافهمتش. مافهمتش ألا متأخر يا رزق...
جنّ جنونه في هذه اللحظة وصرخ بهيجانٍ مُميت:
- إنطقي يا نسمة شوفتي إيـــــــه؟؟؟
انسكبت دموع جديدة على خديها، بينما استلت قنينة الدواء الصغيرة، وأفرغت جميع الكبسولات بها فوق الطاولة وأمام عينيه.
ثم ناولته واحدة وقالت ويدها ترتعش كصوتها تماماً:
- أنا شوفتها.. شوفتها وهي بتفك الحبوب كلها وبتزود عليها الكمية... انا شوفتها بعنيا.. ومافهمتش ألا متأخر. هي إللي قتلته!!!
لآخر لحظة رفض عقله أن يصدق، فسألها بعنف:
- ميــــــــن؟؟؟؟؟
أجابت بمرارة لإدراكها بأنه أغلب الظن لن يصدقها:
- ليلة! .............................
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد
_ مِقيدان بي! _
كل هذا الاهتمام بأختها المزعومة، كان يشدد عليها الخناق إلى حدٍ مميت، لم تتحمل المكوث معها بمكانٍ واحد، تركتها مع بقية العائلة وانسلت مسرعة إلى شقة أمها والتي أمست تسكنها برفقة شقيقها "حمزة" بعد أن انتقلت أمها إلى شقة أبيها بالأعلى.
توجهت "سلمى" رأسًا إلى غرفتها، جلست فوق مكتبها الصغير وفتحت حاسوبها المحمول الذي حصلت عليه كهدية عيد ميلاد من أخيها "رزق".
شغلت النظام على عجالة وفورًا ذهبت للاتصال بحبيبها، ففتحت الكاميرا وبقيت في الانتظار، لحظات.. وقفزت صورته أمام عينيها...
- عاصم!
نادته عبر الميكروفون المعلق عند فمها موصولًا بسماعتي رأس.
قابلت نظرتها الواهنة اللامعة نظرتَه الحادة، وسمعت صوته تاليًا يخاطبها بخشونة:
- لا يا شيخة! عاصم.. بجد؟ إنتي عارفة أنا كلمتك كام مرة من الصبح؟!!
بررت له في الحال:
- معلش حقك عليا. ماكنش بخاطري أصلك ماتعرفش إللي حصل...
وحكت له ما حدث، عودة "رزق" بعد غيابٍ طويل، وظهور أخت جديدة لها.
لم يهمه في كل ذلك سوى أمرٍ واحدٍ أخذ يستوضحها فيه بانفعالٍ بَيِّن:
- كل ده مايهمنيش.. أنا دلوقتي عايز أعرف حاجة واحدة بس. أبوكي موافق على جوازنا ولا لأ؟؟؟؟
ردت "سلمى" بتوتر:
- أكيد يا عاصم. هو لو ماكانش موافق كان قال لأبوك.. بس هو كان مستني رزق لما يرجع زي ما قالكم...
عاصم بعصبية:
- أنا ماعرفش الكلام ده. بقالي سنة متكلم عليكي. وكل ما أبويا يروح يكلم أبوكي يرجعوا إيد ورا وإيد قدام.. لحد إمتى يا سلمى؟؟؟؟؟؟
ضمت حاجبيها مرددة بخشوع:
- طيب إنت بتزعق لي ليه دلوقتي.. أنا ذنبي إيه؟
- ذنبك إنك بنت سالم الجزار. الراجل إللي شايف نفسه السيد والناس كلها عبيده. إنتي عارفة إن أبويا حالف ما يفاتحه تاني في موضوعنا بسبب العجرفة إللي سايقها علينا؟ وأنا مش لايمه. فعلًا خلاص الكلام بينا انتهى.
- يعني إيه انتهى؟ .. سألته وهي تحدق فيه بصدمة.
عاصم بصرامة تامة:
- يعني أنا خلاص زهقت. مابقتش قادر أجي على كرامتي أكتر من كده.. من الساعة دي إنتي من طريق وأنا من طريق يا بنت الناس. إلا لو!
كانت دموعها قد هطلت بالفعل وأغرقت خديها مع تعاقب كلماته، حتى تفوّه بذلك الاستثناء، استنطقته من فورها:
- إلا لو إيه يا عاصم؟؟!!
- إلا لو أثبتيلي إنك عايزاني وبتحبيني بجد!
هزت رأسها حائرة:
- عايزني أثبتلك إزاي؟!
قرب "عاصم" الكاميرا من وجهه وصرّح دون أن يرف له جفن:
- تهربي.. تهربي من بيتكوا وتيجي معايا ونتجوز بعيد!!!
***
بعد أن أبدى "رزق" رفضه القاطع للصعود إلى شقة أبيه، التي تحمل ذكريات تضرب بالعمق فؤاده وصدره، اصطحبه "سالم" إلى أرضٍ محايدة.
مقهى الحي، إذ أخلاها بكلمة منه لتصير حلبة مصارحة بينه وبين ابنه فقط، وحيث كان يجلس خلف مكتب الإيرادات الصقيل، دعى "رزق" بينما يحرك حبّات مسبحته بين أنامله:
- اقعد يا رزق. اقعد هنا قصادي يا حبيبي.. ماتتصوّرش انت واحشني قد إيه. ونفسي أخدك في حضني أوي!
- هاتفضل تتمناها طول عمرك!! .. نطق "رزق" بقساوة نزِقة وقد كان يشيح بوجهه بعيدًا، ثم تساءل بإسراع:
- أنا ماعنديش وقت. تقدر تقول إللي عندك مرة واحدة.. ياريت نخلص بقى.
أجابه "سالم" بهدوء:
- عمرك ما هاتخلص مني يا رزق. دمي بيجري في عروقك. لو بصيت في المرايا هاتشوفني فيك.. هي دي حقيقتك مش هاتقدر تهرب منها. إنت ابني.. ابني أنا...
أطبق "رزق" جفونه بشدة وهو يصر على أسنانه لمدة، ثم قال ولا يزال مغمضًا عينيه:
- العواطف والقصايد دي سيبها على جنب.. هات إللي عندك قبل ما صبري ينفد...
عند هذا الحد لم يتحمل "رزق" وأدار رأسه بلحظة ليغرز نظراته بعينَي "سالم" الثاقبتين!!!
- أنا مش ابنك! .. غمغم بصوتٍ غريب من أثر الغضب.
- أنا ابن كاميليا. كاميليا إللي إنت حبستها وقتلتها ودفنتها في حيطة جوا أوضة نومك.. أنا مش ابنك!!!!
علا شق فم "سالم" وهو يقول بسخرية:
- بعقلك مفكر بجد إني قتلتها. لو مصدق ده يبقى عمرك ما حسيت أنا كنت بحبها إزاي.. أنا دوست على حاجات كتير أوي عشان أوصلها وأخلفك وأعيش معاكوا. بس جه الوقت إللي كان لازم أرجع فيه سالم الجزار تاني. هي ماتحملتش كده. ومافهمتش إن ده مكتوب عليا. زي ما هو مكتوب عليك.
- أنا مش مكتوب عليا أي حاجة! .. هتف "رزق" فاقدًا صوابه.
وأشار نحوه بسبابته مكملًا عبر أسنانه:
- أي حاجة من ناحيتك. حياتك كلها على بعضها خلاص.. أنا خرجت منك. فاهم يعني إيه؟
صمت مطبق... ثم قال "سالم" فجأة:
- إيه إللي يريحك يا رزق؟
رزق بحزم:
- إنت عارف. أخرج من القذارة دي. أخد أختي وأمشي من هنا.
أومأ "سالم" بهدوء، ثم قام على مهلٍ وتوجه صوبه قائلًا:
- نور متعلقة بيك وبيا وبأخواتها. متعلقة بينا كلنا من قبل ما تشوفنا.. لو سمحت لك تاخدها وتمشي. يا ترى هاتبرر لها إزاي؟ هاتقولها إيه لما تقولك إنها مش حابة تمشي زي ما قالت لك من شوية؟
قاطعه "سالم" قبل أن يدلي بالجواب المتوقع بصوته الشيطاني وهو يدور حوله في حلقة:
- هاتضطر تقول لها الحقيقة عشان تمشي معاك صح؟ الحقيقة من وجهة نظرك. إني قتلت أمها. وسجنتها. ودفنتها في حيطة جوا أوضة نومي.. إنت شوفت نور عاملة إزاي؟ شوفت أختك بريئة إزاي وعلى سجيتها.. تفتكر بنت نقية زيها وفي طيبة قلبها وهشاشتها تقدر تتحمل كلامك؟ إنت عارف أنا ربيتها إزاي.. نور ماتعرفش حد غير أهلها. عمرها ما شافت أغراب ولا خرجت للحياة.. نور فاكرة إن بيت أبوها هو الجنة. وإن إخواتها ملايكة. نور ماتعرفش يعني كره وحقد ولا عمرها اتصدمت ولا حزنت.. إللي إنت بتفكر تقوله ليها تأثيره عليها هايبقى كارثة حقيقية. وممكن أنا وإنت نخسرها. عمرها ما هاتتحمل. مش هاتقدر تستوعبه أصلًا.. ممكن تموت فيها يا رزق!
وقد نجح "سالم" بتصوير الوضع الكارثي أمام عينَي ابنه، أصابه ذعر تجلى على ملامحه ورجفة أطرافه.. بينما كان يراقبه أبيه بدقة، توقف أمامه مباشرة، أمام ناظريه الشاردين.
تشجع وحطّ بيده فوق كتفه، انتبه "رزق" له الآن وسكن مجبرًا تحت لمسته، ليسمعه يقول بلطفٍ مدروس:
- خليك معايا.. خليك جمبي وجمب وأخواتك. كلنا محتاجينك معانا.. إنت ماتعرفش غيابك كان فارق إزاي... خليك يا رزق وأنا أوعدك هانفذ لك كل طلباتك.. هاعمل أي حاجة تريحك. أي حاجة!
مقطب الجبين، واصل "رزق" النظر بحدقتَي والده اللامعتين بالترقب، في نفس الوقت بدأت الفكرة تلمع برأسه، على الخصوص أن وقتها قد حان تمامًا...
***
الكثير من الاضطرابات، منذ أن رآها أمامه، ابنة "النشار".. اليوم يكتشف بأنها ابنة عمه!
ابنة "سالم الجزار"!!!!!
غير معقول بالمرة، وكأنها إعجوبة، أن تكون الفتاة الوحيدة التي سرقت قلبه من أول نظرة، تكون في الأساس خطيبته كما ادّعت وهي تصافحه، مؤيدة على اسمه وفقًا لعرف عائلة "الجزار".. بقدر دهشته يشعر بالارتباك الشديد.
ماذا بعد؟
ماذا يفترض أن يحدث الآن؟
- أبويا قال هاتقعدي معايا أنا وسلمى في شقتنا! .. هتف "حمزة" قافزًا من فوق الدرج أمام أخته نصف الشقيقة.
قابل وجهه محياها المبتسم ببراءة واستطرد:
- لو تحبي تباتي الليلة دي بس مع سلمى في أوضتها على ما أوضة النوم إللي وصالك عليها توصل بكرة وتنقلي في أوضة أمي القديمة...
وافقت "نور" بحفاوة كبيرة:
- آه طبعًا. أحب ونص.. مع إنها هربت بسرعة على فوق ومالحقتش أسلم عليها كويس.
ابتسم "حمزة" وحلّ إلى جوارها مطوّقًا كتفيها بذراعه.
- وسّع يا حمزة!
كان هذا صوت "علي"...
استدارا الأخوين معًا، ليجداه مقبلًا نحوهما حاملًا حقائب "نور" الضخمة في يديه وكأنها لا تزِن شيئًا، كانت "نور" تشمله بنظراتها الولِهة، كما لو أنها ترى مَلِكًا كريمًا، رجل قلبها، فارس أحلامها، لكن ما أحزنها هو أنه لم يحاول النظر إليها بتاتًا.
صعدت خلفه مع أخيها، بينما يرشده "حمزة":
- الشنط هاتطلع لشقتنا يا علي. مش عند أبويا.. هات عنك شنطة.
أبى "علي" بشدة:
- لالا سيب يا حمزة. أنا هاطلعهم عادي. مش مستاهلة يعني!
برزت أمامه هرّة هكذا على حين غرّة، ليركلها "علي" بجماع نفسه صائحًا:
- هششششششششششش. غوووووووووري من هنا ينعل أبو شكلك!!!
جمدت "نور" كصنمٍ بينما تطير الهرّة أمام عينيها لتسقط بعنفٍ أسفل الدرج، اندهش "حمزة" ونظر إليها قائلًا بغرابة:
- مالك يا نور؟
لدى سماع عبارته التفت "علي" نحوهما ولأول مرة الآن تلتقي عيناه بعينيها، مدت ذراعها مشيرة صوب مسقط الهرّة الفارغ، لينظر "علي" حيث أشارت ويعاود النظر إليها.
رمقته بصدمة مرددة:
- إيه إللي عملته ده؟
قال بتلقائية عدوانية:
- بشوط القطة الرزلة دي.. أنا بكره القطط جدًا.
اغرورقت عيناها بالدموع وتشنج فمها الممطوط للأسفل...
أجفل "علي" مرتبكًا من فوره وسألها بقلق:
- إيه ده في إيه؟ مالك أنا عملت حاجة ضايقتك؟؟!!
انكسر صوتها وطرفت عيناها وهي تقول بينما تسيل دمعة غير متوقعة على طول خدها:
- أنا بحب القطط وبربيهم!
- يبقى أنا كمان بحبهم!! .. قالها "علي" في الحال وبلا تردد.
واضطرب بنفس اللحظة عندما شعر بنظرة "حمزة" المستنكرة، تنحنح وهو يستدير مستأنفًا صعوده ثانية وهو يهتف:
- قصدي ماكنتش أعرف إنك بتحبي القطط.. مش هاعمل التصرفات إللي بتضايقك دي تاني!
لم تحاول "نور" إخفاء البسمة التي زيّنت ثغرها الجميل وهي تحدق في ظهر حبيبها العريض، وكم بدت كطفلةٍ حقًا ببقايا دموعها والابتسامة اللائحة فوق محياها.
يبدو أن القصة الخيالية التي نصّبت نفسها أميرةً لها تنتظرها هنا بهذا البيت كما حلمت طوال عمرها، وبلا شك، سيكون "علي" بمثابة أمير قصتها وبطلها....
أي جرأة دفعتها للتفكير في هذا الأمر؟
وكيف يطاوعها لسانها الآن وهي تدفع بنفسها متجردة من جبنها، هنا فوق طاولة العشاء، تجلس أمام زوجها، كادت تفتح فمها لتخبره بذلك...
لكنه يسبقها قائلًا فجأة بصوته الصلب بينما يمضغ قطعة من اللحم المقدد:
"لحد دلوقتي مانزلتيش ليه تسلمي على نور أختي؟ أنا مش قايلك الصبح إنها جاية؟!"
أجفلت "فاطمة" مرتين متمتمة وهي تصب في كأسها مزيدًا من العصير الطازج:
"أنا قلت أسيبها تستريح النهاردة وتاخد على مطرحها.. بعدين بكرة إن شاء الله أنزل أشوفها."
"لأ ماعدتيش هاتنزلي.. أصلها طلعت فوق في شقة أمي. هاتقعد مع حمزة وسلمى.. وكمان نوسا هاتطلع تقعد معاهم. دي أوامر الباشا رزق!"
لم ترد "فاطمة" بشيء طوال دقيقة تقريبًا، لتطلق رغبتها بغتة قائلة باندفاع:
"مصطفى.. أنا كنت كنت عايزة أطلب منك حاجة لو سمحت!"
"خير!" استوضحها وهو يهتم بطعامه.
تنفست "فاطمة" بعمق، وقالت:
"بكرة كنت عايزة أخد سلمى وأنزل أشتري حاجة من وسط البلد..."
تطلع إليها في هذه اللحظة وقد توقف لحظة عن المضغ، ازدرد اللقيمة ونصب ذراعيه أسفل ذقنه قائلًا:
"عايزة تنزلي مع سلمى أختي وسط البلد عشان تشتري حاجة... حاجة إيه دي؟"
هزت كتفيها مرددة:
"حاجة يا مصطفى.. حاجة تخصني."
"سر يعني؟ ماينفعش أعرفها.. قوليلي جايز أجبهالك لحد عندك ولا تتعبي نفسك وتنزلي مخصوص."
"لأ ماينفعش أنا لازم أنقيها بنفسي. وبعدين ده مشوار صغير وإحنا مش هانروح لوحدنا.. السواق هايودينا ويرجعنا... هه. قلت إيه؟"
صمت "مصطفى" محدقًا فيها طويلًا...
وعلى العكس لم تربكها نظراته هذه المرة، ربما لانشغالها بفكرة أكثر أهمية، ربما توقعت إجابة بالرفض.
لكنها كانت تشعر بأنه سوف يسمح لها.
وهذا ما فعله باللحظة التالية:
"ماشي. موافق.. بكرة الصبح هابعت معاكوا حبشي لوسط البلد. وإبقي قوليلي محتاجة كام عشان أسيبلك فلوس قبل ما أنزل."
"لأ أنا مش محتاجة فلوس.. معايا من مصروفي. إنت عارف مش بصرف كتير."
"براحتك!"
وأنكب على طعامه من جديد غير مبالٍ.
بينما تهيئ "فاطمة" نفسها منذ الآن، طالما لن تحصل على السعادة، فلتنهيها، يجب أن يحدث شيئًا ما، أي شيء.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد
الفصل الأول
كانت تجلس في حديقة منزلها تحت أشعة الشمس الذهبية.
كانت ترتدي فستانًا أبيض طويلًا، وتضع نظارة شمسية على وجهها، وتستمع إلى الموسيقى الهادئة.
كانت حزينة، ودموعها تتساقط بصمت.
لقد تذكرت زواجها من مالك، وكيف كان عن حب، وكيف تحول هذا الحب إلى كره.
كانت والدتها تجلس بجانبها، وتنظر إليها بحزن.
قالت لها:
"يا بنتي، أنا عارفة إنك زعلانة، بس لازم تصبري. كل حاجة هتعدي".
ردت عليها ابنتها:
"أنا تعبت يا ماما. أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده".
قالت الأم:
"أنا عارفة يا بنتي، بس ربنا كبير. إن شاء الله هيجعل لك مخرج".
في مكان آخر، كان مالك يجلس مع والدته.
كان حزينًا وغاضبًا.
قالت له والدته:
"يا ابني، أنا عارفة إنك زعلان، بس لازم تفكر في اللي جاي".
رد مالك:
"أنا مش عارف أفكر في حاجة يا أمي. أنا تعبت من كل حاجة".
قالت والدته:
"يا ابني، أنا عارفة إنك بتحبها، بس هي خلاص مش عايزة تكمل معاك".
قال مالك:
"أنا عارف يا أمي، بس أنا مش قادر أنساها".
قالت والدته:
"يا ابني، لازم تفكر في نفسك. ما ينفعش تفضل حزين كده".
في اليوم التالي، كانت تجلس في غرفتها.
تذكرت مالك وكلامه الأخير لها.
"أنا مش هطلقك يا حور. أنا مش هسيبك".
كانت تعلم أن مالك كان يحبها، لكنها لم تعد تستطيع العيش معه.
لقد أصبحت تكرهه.
تذكرت يوم زفافهما.
كان يومًا جميلًا.
كانت سعيدة، ومالك كان سعيدًا.
كانت تحبه كثيرًا، وكانت تعتقد أنه يحبها أيضًا.
لكن كل شيء تغير بعد الزواج.
قررت حور أن تطلب الطلاق من مالك.
ذهبت إليه في مكتبه.
كان يعمل بجد.
قالت له:
"أنا عايزة أطلق يا مالك".
نظر إليها مالك بصدمة.
قال:
"إيه اللي بتقوليه ده يا حور؟"
قالت حور:
"أنا مش قادرة أعيش معاك تاني يا مالك. أنا عايزة أطلق".
قال مالك بغضب:
"أنتِ فاكرة إن الطلاق ده لعبة يا حور؟"
قالت حور:
"أنا مش بلعب يا مالك. أنا بتكلم بجد. أنا عايزة أطلق".
وقف مالك من مكانه وصرخ:
"أنتِ فاكرة إيه؟ فاكرة إني ممكن أسيبك بسهولة؟ أنا مش هطلقك يا حور. أنا مش هسيبك".
قالت حور:
"أنتَ بتعذبني يا مالك. أنتَ مش بتحبني".
قال مالك:
"أنتِ اللي مش بتحبيني يا حور. أنتِ اللي اتغيرتِ".
قالت حور:
"أنا ما اتغيرتش يا مالك. أنتَ اللي اتغيرتَ".
خرجت حور من المكتب وهي تبكي.
كانت حزينة وغاضبة.
كانت تعلم أن مالك لن يطلقها بسهولة.
في المساء، كانت حور تجلس مع والدتها.
قالت والدتها:
"مالك يا بنتي؟ شكلك مش عاجبني".
قالت حور:
"مالك مش عايز يطلقني يا ماما".
قالت والدتها:
"ليه كده يا بنتي؟"
قالت حور:
"مش عارفة يا ماما. هو بيقول إنه بيحبني، بس أنا مش مصدقاه".
قالت والدتها:
"يا بنتي، يمكن هو فعلًا بيحبك، بس مش عارف يعبر عن حبه".
قالت حور:
"مش عارفة يا ماما. أنا تعبت من كل حاجة".
في اليوم التالي، ذهبت حور إلى المحكمة لرفع دعوى خلع.
كانت تعلم أن الأمر سيكون صعبًا، لكنها كانت مصممة على الطلاق.
كانت تريد أن تبدأ حياة جديدة.
في المساء، اتصل مالك بحور.
كان غاضبًا.
قال:
"أنتِ فاكرة إيه يا حور؟ فاكرة إنك ممكن تخلعيني بسهولة؟ أنا مش هسيبك. أنا مش هطلقك".
قالت حور:
"أنتَ بتعذبني يا مالك. أنا عايزة أطلق".
قال مالك:
"أنتِ اللي بتعذبيني يا حور. أنتِ اللي مش عايزة تفهمي".
أغلقت حور الهاتف في وجه مالك.
كانت غاضبة وحزينة.
كانت تعلم أن مالك لن يتركها بسهولة.
في اليوم التالي، ذهبت حور إلى المحكمة.
كانت تنتظر دورها.
كانت خائفة، لكنها كانت مصممة على الطلاق.
كانت تريد أن تبدأ حياة جديدة.
دخلت حور قاعة المحكمة.
كان مالك جالسًا هناك.
نظر إليها بغضب.
جلست حور على كرسيها.
بدأت المحاكمة.
كانت حور تتكلم بصوت عالٍ.
كانت تحكي عن معاناتها مع مالك.
كانت تبكي.
كان مالك ينظر إليها بحزن.
كان يشعر بالذنب.
في النهاية، حكمت المحكمة لصالح حور.
تم تطليقها من مالك.
كانت سعيدة، لكنها كانت حزينة أيضًا.
كانت تشعر بالحرية، لكنها كانت تشعر بالوحدة أيضًا.
خرجت حور من المحكمة.
كانت والدتها تنتظرها.
احتضنت حور والدتها.
كانت تبكي.
قالت والدتها:
"مبروك يا بنتي. أنا عارفة إنك هتكوني سعيدة".
قالت حور:
"أنا مش عارفة يا ماما. أنا حاسة إني وحيدة".
قالت والدتها:
"أنتِ مش وحيدة يا بنتي. أنا معاكِ. وربنا معاكِ".
في مكان آخر، كان مالك جالسًا في مكتبه.
كان حزينًا وغاضبًا.
كان يشعر بالذنب.
لقد خسر حور.
لقد خسر حبه.
لقد خسر كل شيء.
قرر مالك أن يغير حياته.
قرر أن يصبح شخصًا أفضل.
قرر أن يعيش حياته من جديد.
قرر أن يجد السعادة.
بعد مرور عام، كانت حور تعمل في شركة كبيرة.
كانت ناجحة في عملها.
كانت سعيدة.
كانت تشعر بالحرية.
كانت تشعر بالاستقلال.
كانت تعيش حياتها من جديد.
في يوم من الأيام، كانت حور في اجتماع عمل.
قابلت رجلًا وسيمًا.
كان مهذبًا وذكيًا.
تحدثا معًا.
أعجبت به حور.
أعجب بها الرجل.
بدأت بينهما علاقة صداقة.
تحولت الصداقة إلى حب.
تزوجت حور من الرجل الوسيم.
كانت سعيدة.
كانت تشعر بالحب.
كانت تشعر بالسعادة.
كانت تعيش حياتها من جديد.
أما مالك، فقد سافر إلى الخارج.
بدأ حياة جديدة هناك.
عمل بجد.
أصبح ناجحًا.
قابل امرأة جميلة.
تزوجها.
كان سعيدًا.
كان يشعر بالحب.
كان يشعر بالسعادة.
كان يعيش حياته من جديد.
كانت حور ومالك قد افترقا، لكنهما وجدا السعادة في حياتهما الجديدة.
كانت هذه نهاية قصتهما.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد
خُلقت لك! 2
بدأ الأمر وكأن بضعة يرقات ترفرف فوق بشرته العارية، علاوة على الشعاع المحرق الذي اخترق جفنيه المسدلين، كلها مضايقات ساهمت في إيقاظه من سباته العميق بسرعة تحث على الإزعاج.
يفتح رزق عينيه بتضاؤل، ليبصر أولًا أشعة الشمس التي كادت تعميه، لولا أن رفع كفه ليغطي وجهه بالوقت المناسب وهو يصدر زفرة ضائقة.
مصادفة لاحظ ظل أنثاه يتراقص على الجدار مقابله، وفي لحظة عادت إليه الذاكرة، أحداث الليلة الماضية كلها حتى قرر أن ينهيها أخيرًا عند بزوغ الفجر.
تلقائيًا ارتفع رأسه ليحدق أمامه في زوجته.. زوجته بالمعنى الحرفي والفعلي الآن.
كانت ليلة تقف عند الخزانة، وقد ارتدت أحد قمصانه والذي تجاوز فخذها، بدت غريبة الأطوار كليًا، أو لعلها آثار النعاس.
- صباح الخير!
ابتسم تلقائيًا وهو يفرك عينيه الناعستين.
- صباح الفل.. قمتي ليه؟ الساعة كام؟
جاوبته دون أن تلتفت نحوه:
- صحي النوم يا روحي. إحنا بقينا العصر!
- إن شاء الله لو العشا يعني.. إنتي ناسية إن دخلتنا كانت إمبارح. تعالي.. تعالي جمبي هنا.
وربت على الجانب الفارغ من الفراش بجواره.
تستدير ليلة في هذه اللحظة رامقة إياه بغموض، بقى مكانه ينظر لها في سكون، ليجدها تظهر من خلف ظهرها ذاك الكأس المصنوع من الورق الأبيض المقوى، ذاك الكأس الشهير، الموصوم بطبع شفاهها.
أشهرته أمام ناظريه الصامتين وهي تقول بمكر:
- وأنت سايبني هنا لوحدي.. سمحت لنفسي أنبش في حاجتك... و Guess What.. لقيت الفنجان ده. بصراحة أخذت شوية وقت لحد ما افتكرته. إلا بجد.. أنت محتفظ بيه ليه يا رزق؟
ربما كان من المفترض أن يغضب لإخبارها إياه بهذا، لكنه بدلًا من هذا غمز لها وقال:
- قربي عليا وأنا أقولك!
زجرته بحنق وهي تلقيه بوسادة من فوق الأرض هاتفة:
- أنت إيه بس. ما بتشبعش حرام عليك.. يلا قوم. قوم فوق كده على ما آخد شاور. ما حدش قالك إن أبوك عازمنا على العشا النهارده.
ينقلب محيا رزق بلحظة وهو يعترض بقسوة:
- لأ طبعًا.. مش هيحصل ومش هنروح في حتة.
شددت ليلة على قرارها وكأنها لم تسمعه:
- قوم يا رزق. فوق عشان نجهز للعزومة.. لازم نكون جمب نور وما نسيبهاش لوحدها.
وولت متجهة خارج الغرفة.
هكذا تلقي الكرة بملعبه، تضغط عليه بأخته، كذلك يفعل أبيه أيضًا.
لماذا يفعلون به هذا؟ ماذا يظنون به بحق الله!!!
زفر رزق بنزق هائج وهو ينقلب على وجهه ضاغطًا الوسادة التي ألقتها عليه زوجته فوق رأسه بقوة.
______________
القطة المدللة
حبة قلب أبيها كما دعاها منذ قليل.. ها هي تجلس متكومة عند قدمه وهو يلاطفها ويغدقها بحنانه.
بينما أمها قد نزلت خصيصًا لتعد للأميرة الجديدة فطورًا كاملًا.
حمدًا لله أن فاطمة طلبت اصطحابها للتسوق، إنها جاهزة الآن، أخيرًا ستخرج من المنزل وتبتعد عن رؤية كل هذا.. عذابًا نفسيًا لا تقوى على تحمله بالمرة.. إذ بها ما يكفي.
- أنا نازلة يا ماما! .. قالتها سلمى وهي تضع حقيبتها على كتفها.
أدارت هانم رأسها لتراها جيدًا بينما انشغلت يدها بخفق البيض المطبوخ.
- قلتي لأبوكي إنك خارجة؟
قلبت الفتاة المراهقة عينيها مغمغمة:
- هأطلع أقوله أهو.. هيقول إيه يعني!
- هو إيه هيقول إيه دي؟ لازم تقولي له وتستأذني منه.
تأففت سلمى بضيق.
- خلاص يا أمي خلاص. هو أنا قلت هأخرج من غير إذنه.. أديني رايحة استأذنه!
وخرجت للصالة، حيث لا يزال أبيها يكيل المحبة لأميرته الصغيرة، يسقيها لها كما لو بملعقة.
- بابا! .. نادت سلمى بجفاف واضح.
نظر لها سالم من فوره، يخصها بنظرة الحب المعهودة قائلًا:
- قلب أبوكي. فينك يا سلمى؟ مش سامعة صوتي ولا إيه ما طلعتيش تشوفيني.
وشملها بنظرة فاحصة مستطردًا:
- ولابسة كده ليه؟
عبست سلمى وهي تخبره بإيجاز متحاشية النظر لمنافستها الجميلة:
- بعد إذنك هأخرج مع بطة في مشوار للسوق.
- قصدك فاطمة مرات أخوكي؟
- أيوة.. مصطفى كلمني إمبارح بالليل وطلب مني أروح معاها عشان في حاجات ناقصاها وعايزة تنزل تشتريها من وسط البلد.
أومأ سالم متفهمًا، ثم حانت منه التفاتة نحو نور.. مسد على شعرها متمتمًا:
- تحبي تنزلي معاهم يا نور؟
لم تتوتر ملامح نور.. لكنها رفضت بتهذيب لإدراكها وجود مشكلة ما بينها وبين أختها:
- لأ يا بابا. أنا عايزة أقعد معاك.. أنت واحشني أوي.
ابتسم سالم وهو يقبلها على خدها برقة.
ينفتح باب إحدى الغرف الآن، وتخرج نسمة حاملة رضيعتها على ذراعيها، أظهرت بعض التردد وهي تقبل على الأسرة قائلة بخفوت:
- صباح الخير!
رد عليها الجميع عدا سالم.
إلا أنه ظل ينظر لها بعينيها دون أن يطرف له جفن.
وقبل أن تجلس نسمة لتستريح، استوقفها سالم بجمود:
- هاتي البت عندي!
أجفلت نسمة من زعقته الآمرة، لكنها أذعنت له في الحال ومشيت صوبه، وضعت الرضيعة النائمة بين ذراعيه الممدوتين، ابتعدت عنه بسرعة وذهبت لتجلس بالقرب منهم.
ينشغل كل من سالم ونور بمراقبة الرضيعة كاميليا والاهتمام بها.
جرس الباب ينقذ سلمى هذه المرة، فتركض لتفتح، وإذا به علي.. يلقي عليها بتحيته:
- إزيك يا سلمى!
- الحمد لله يا علي كويسة. تسلم.
- جاهزة؟ فاطمة مستنية تحت في عربيتي.
- هو أنت اللي هتوصلنا؟
- وأنا اللي هرجعكم كمان! .. وصوب ناظريه تجاه الداخل حيث يجلس عمه وصاح:
- سلام يا عمي.
يرد سالم بصوت عال دون أن يتحرك قيد أنملة:
- أهلًا يا علي.. تعالى خش.
وكأنها مغناطيس اجتذب عينيه فورًا، رآها تجلس بجوار أبيها، اشتبكت نظراتيهما للحظات معدودات، ثم قطعها علي بأسرع ما أمكنه ليرد على عمه:
- الله يخليك يا عمي. مستعجل بس عشان ألحق أرجع البنات قبل الليل.
- ماشي يا ابني. خلي بالك منهم.. وسلمى زي عينيك يا علي.
قال علي وهو ينظر بالأرض احترامًا:
- ما تقلقش.. هرجعها لك زي ما خدتها!
سارعت سلمى بالمضي للخارج وتبعها علي بعد أن طلب الرخصة، بينما تحدق نور في إثرهما الفارغ متحسرة، إنها بلسانها رفضت الذهاب معهما.
فقط لو كانت تعرف أن علي سيكون ضمن الخطة، لكانت وافقت بلا تردد.. يا للحظ!
______________
تثاءب بصوت رخو وهو يمشي بكسل إلى غاية دورة المياه، وقف عاري الجذع أمام المرآة، فقام أولًا بتحضير فرشاة الأسنان وملء كأس بارد من الماء لتأدية روتين الصباح الأول.
ما كان ليتوقع أي شيء غريب، لكنه إذ ألقى بنظرة عابرة على انعكاسه بالمرآة فزع بادئ الأمر وقرب وجهه أكثر بينما عيناه تتفحصان صدره العريض الذي تم وسمه بأحمر شفاه، أو تدقيقًا.. شفاه زوجته نفسها قد تمت طباعتها على جلده البرونزي الفاتح، وأيضًا تلك الكتابة باللون الزهري "aşkım ben seviyorum".. "حبيبي أنا أعشقك".
أشرق وجهه بابتسامته الجذابة لحظة وقوع بصره على تلك الجملة التي فهمها من أول وهلة، وكيف لا يفهمها؟
وهي اللغة الأم لوالدته العزيزة، وإحدى اللغات التي حرص جده الباشا على تعليمه إياها نسبة لأصولهم التركية.. ولكن من أين عرفت؟ حقًا.. النساء.
- عرفتي منين؟ .. هتف رزق وهو على وضعه دون أن تهتز منه شعرة.
كان قد أحس باقترابها، في الوقت الحاضر لم يكن ينظر إلا لانعكاسه، بينما تقبل ليلة ناحيته بتبختر ملفوفة في رداء الاستحمام، ومنشفة معقودة فوق رأسها.
تمتمت وهي تستقر خلفه مطوقة خصره الصلب بذراعيها النحيلتين:
- عيب لما تسأل ست سؤال زي ده. خصوصًا كمان لو كانت الست دي أنا.. ما سألتش نفسك أنا عملت إيه طول 6 شهور اللي غيبت فيهم؟ حبيبي.. أنا حفظت تاريخ حياتك كله!!
كانا يتبادلان النظرات فيما بينهما بالمرآة، ولم تخف عنه لمعة الخبث المعهودة بعينيها، ليرد عليها بإيماءة خفيفة من رأسه:
- واللوحة الجميلة اللي رسمتيها على رقبتي وصدري دي كانت من ضمن الدراسة؟ بتستغفليني وأنا نايم يا ليلة؟!
انتفضت قافزة للخلف بلحظة، حين أحست بتحفز جسمه أسفل لمساتها، أدركت نواياه في الحال.
يلتفت رزق صوبها الآن، يتقدم منها وابتسامة شريرة تزين ثغره، تتقهقر هي بدورها مبادلة إياه الابتسامة نفسها.
- افرضي مثلًا كنت صحيت على مصيبة ونزلت وسط الخلق وشافوني كده. يبقى شكلي إيه ساعتها؟ أقولك أنا.. هأبقى راجل هــــــززززززؤ. تعاليلي.
كانت قد استدارت في طرفة عين وأطلقت لساقيها الريح راكضة منه بأرجاء الشقة وهي تصرخ وتضحك في آن.
وقفت أمامه عند أقصى طاولة السفرة، أما هو يناورها من الجهة الأخرى مهددًا بخشونة:
- ليلة. تعالي بالذوق.. لو مسكتك إنتي حرة!
هزت رأسها بقوة طفولية:
- لأ.. مش جاية. وريني هتعمل إيه!!
رفع حاجبه: بقى كده.. طيب.
وأطاح بأحد مقاعد الطاولة بعنف ليندفع نحوها، لم تكد تبتعد خطوتين، إلا وأمسك بها، فصرخت برعب وهو يطرحها فوق اللوح الخشبي للطاولة الكبيرة، شل حركتها بجسمه الضخم وضغط معصميها معًا في يد واحدة فوق رأسها.
تلهث ليلة مرحًا وهي تتحداه بنظراتها، بينما يرنو إليها مبتسمًا بانتصار وقد نجح أن يكون بالقمة محطمًا إرادتها.
المنشفة التي كانت تلف رأسها الآن سقطت، ليتبعثر شعرها الرطب حول وجهها معطيًا إياها مظهر صبياني مثير.
- مفكراني بجد مش هأقدر عليكي زي ما قولتي إمبارح؟! .. غمغم رزق ولم يكن يبعد وجهه عن وجهها سوى بضعة سنتيمترات قليلة.
ومن جديد وهو يستعمل يده الحرة، أطبق على عنقها بأصابعه الغليظة وهو يتسطرد بنعومة:
- إنتي لسه ماتعرفنيش كويس.. أنا رزق الجزار!
- أنت حبيبي!
همست بهيام، قبل أن تضع قبلة فوق ذقنه، أقرب نقطة تمكنت من الوصول إليها.
رفرفت جفونه وقد أربكته كلمتها وتحريف مسار النقاش كله، هذه المرة هو من تقهقر عن دفاعاته، إذ حرر معصميها وأخذ يمسح على شعرها ويداعب خصلاتها دون أن يقطع اتصالهما البصري.
كذلك هي حافظت على ذلك الترابط، حتى وهي تميل رأسها قليلًا حيث يدها الممسكة برسغه القوي، طبعت قبلة عميقة في باطن راحته وهي تنظر في عينيه.
عبست فجأة عندما لامست أنامله مادة غريبة، وهنا حولت ناظريها، لترى ذاك السوار الغريب الذي أحاط برسغه، ذهبي اللون، دبق، وكأنه خصلة من الشعر!
- إيه الإسورة الغريبة دي يا رزق؟
سألته بفضول حقيقي وهي تتفحصها عن كثب.
- دي مش إسورة!
جاوبها بجفاف مفاجئ.
عاودت النظر إليه، لكنه ارتد عنها محاوطًا على رسغه المعني بيده الأخرى وكأنه يكنف شيئًا ثمينًا.
اعتدلت جالسة فوق حافة المائدة وهي ترمقه بتساؤل، ليفصح لها بعد برهة صمت:
- دي خصلة شعر.
اكفهرت ملامحها وهي تستوضحه بغيرة بيّنة في نفس اللحظة:
- خصلة شعر؟ خصلة مين بقى إن شاء الله؟
كست المرارة وجهه ولهجته وهو يخبرها:
- أمي.. خصلة شعر أمي!
بهتت "ليلة" من المفاجأة غير المتوقعة، تزحلقت من على المائدة، تقربت منه وئيدًا، وضعت يدًا خلف رقبته، وأخرى على صدره. أسندت جبينها فوق جبينه وهمست بصوت ملؤه التعاطف:
- تعيش وتفتكرها.. ما كنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده. عارفة إنك انصدمت صدمة عمرك بسببها.. مقدرة كويس أوي اللي مريت بيه يا رزق.
رأته يهز رأسه بقوة وهو يغمغم بلهجة معذبة:
- محدش ممكن يحس باللي حاسس بيه.. محدش!
هاودته ووافقت على كلامه مهدئة إياه، بقيت على هذا المنوال لبرهة، ثم حاولت أن تسأله برفق:
- إنت قريت الجواب اللي سابته ليك؟
أبعد وجهه عنها قليلًا لينظر جيدًا إلى وجهها. استوضحها:
- منين عرفتي إنها سايبة جواب؟
أجابت واثقة:
- يوم ما مشيت. قبل ما تخرج من الأوضة لما كنت بتتخانق مع أبوك صوتكوا كان عالي.. كلنا سمعنا كل حاجة.
لم تنفك عقدة جبينه، رغم هذا أرضى فضولها:
- لأ لسه ما قريتش حاجة.
واصلت بجرأة:
- ليه؟
صمت لهنيهة، ثم قال بصراحة مخيفة:
- خايف! خايف من كلامها.. حاسس إني ممكن أشوفها وأنا بقراه. أو أسمع صوتها.. أنا خايف أواجهها يا ليلة.
كررت نفس الاستجواب لمعنى آخر:
- ليه؟
كانت قبضتها تشد على يده الآن وهو يخبرها طواعية:
- لأني فشلت. فشلت في حاجات كتير أوي.. فشلت أحميها. وفشلت أكون زي ما هي كانت عايزة.. وفشلت أحمي أختي من سالم الجزار. هما الاتنين.. ما قدرتش أحميهم منه!
- بس إنت ما كنتش تعرف حاجة. وما ينفعش تفضل عايش مع الأفكار دي.. لازم تخرج منها يا رزق.
- إزاي؟!
توسلها بيأس لتقدم له نصحًا بهذا الشأن.
رقت نظرات "ليلة" وهي تحيط وجهه بكفيها قائلة:
- بالمواجهة.. لازم تواجه شياطينك دي كلها. لازم تاخد الصدمة الأخيرة اللي مش مخلياك قادر تتوازن لسه أو تاخد قرار.. لو عاوز تشفى. لازم تواجه يا رزق... ده كان علاجي. ودلوقتي أنا بقدمه ليك يا حبيبي!
على عكس الليلة الماضية التي أفاضت بزوابعها وأمطارها التي عصفت بجدران المنزل والحي كله، بدت هذه الليلة صافية، رائقة، تنذر بمودة وحميمية، وتعد بالكثير.
بينما هو جاهل تمامًا بما ينتظره، ولج "مصطفى" إلى شقته بعد يوم عمل شاق وقضاء النهار كله بمشاوير عدة، كان منهكًا إلى أقصى حد وجل طموحه أن يجد ما يسد رمق جوعه ثم أحد يدله على الفراش.
لكنه أيضًا كان يعلم بأنه وزوجته مدعوان إلى طعام العشاء بشقة أبيه، لذا كبح تأملاته ووأد تثاؤبًا وهو يلقي بمفاتيحه جانبًا.
- بطة!
صاح مناديًا حين جذبته الروائح الشهية صوب حجرة الطعام.
اندهش لما شاهد كل هذه الصنوف المعدة تحت أضواء الشموع العطرة، واملأ رأسه بالتساؤلات!
استدار خلفه عندما سمع وقع خطواتها الخفيفة، لكنه صعق، كاد يقسم أن التي يؤاها ليست بزوجته.. امرأة تشبهها، لكن قطعًا ليست هي.
فمنذ متى رآها تتزين وتتجمل في وجوده؟
كانت قد تجمدت مكانها لحظة التفاته الكامل نحوها، لم تبدِ خوفها، لكن ارتباكها كان جليًا له، ما لم يمنعه عن سؤالها:
- هو في إيه بالضبط؟
هزت كتفيها ببلاهة:
- إيه يا مصطفى.. مش فاهماك!
- إيه اللي إنتي عاملاه في نفسك ده؟ وإيه الأكل ده.. إحنا مش معزومين عند أبويا؟
الإتيان على سيرة هذا الرجل كان يصيبها بالجنون، لكنها تمالكت أعصابها جيدًا لتقول له بقليل من الانفعال:
- لأ مش هانروح في حتة لا أنا ولا إنت.
قطب حاجبيه منزعجًا من أسلوبها، لتصلح الوضع فورًا قائلة:
- قصدي إن الليلة دي مش حابة نقضيها بره شقتنا!
وعضت على شفتها بقوة مقسرة نفسها على الإكمال وكأنها تبتلع دواء مرًا:
- أنا عايزة أكون معاك. ومش عايزة حد يقاطعنا.. إنت ممكن تتصل بيه وتستأذنه. ممكن تقوله إني تعبانة مثلًا وإنك قاعد جنبي. أو العكس!
- وليه كل ده؟
وهي متدثرة بروب من الحرير وردي اللون، أقبلت عليه تحت الإنارة الخافتة لحجرة الطعام، رأسها المنكس ينم عن خجل خاص، وأنها قد تركت شعرها ينسدل فوق وجهها من الجانبين.
أخذت تتقرب منه طواعية على غير العادة، الأمر الذي أذهله وجعله يقف كالحجر لا يأتي بأي حركة، فقط يترقب خطوتها التالية، والتي بدرت منها أسرع مما توقع، حيث مدت يدها وقبضت على كفه الضخم، ثم أظهرت يدها الأخرى إذ كانت تخبئها خلف ظهرها.
وضعت في كفه تلك العلبة الصغيرة المغلفة بأوراق الكورشيه وهي تقول بصوت يرتجف كورقة شجر آيلة للسقوط:
- كل سنة وإنت طيب يا مصطفى.. النهاردة عيد ميلادك!
والحق يكاد يقسم بجميع المقدسات بأنه فعلًا لا يصدق أيًا من هذا!
وجد أصابعه من تلقائها تحل الأربطة عن العلبة، ليفتح غطاءها بسهولة ويرى بداخلها ساعة رقمية باهظة الثمن تحتضن القاعدة الإسفنجية السوداء.
رفع وجهه محملقًا بها بغير تصديق:
- إنتي نزلتي عشان تشتريلي هدية عيد ميلادي؟
أومأت له بصمت، فتابع:
- وطابخة ولابسة ومتزوقة كده.. كل ده عشاني أنا؟
أومأت مرة أخرى، لتختلج أنفاسه بعنف داخل صدره للحظة قبل أن يقول بنشاط متأثر وقد طار كل التعب والإنهاك الذي حل به:
- يـااااااااااه يا فاطمة... أخيرًا.. أخيرًا ذاب جبل التلج اللي ما بينا. أنا مش مصدق.. يعني. يعني أنا بجد.. ممكن.. أقدر ألمسك دلوقتي حالًا. تسمحي لي؟!
للمرة الثالثة، أومأت له دون أن ترفع عينيها إليه، فلم يضيع لحظة، ترك هديتها جانبًا وعبر المسافة القليلة بينهما ليأخذها بأحضانه ويضمها بانفعال وشوق عارم وهو يتأوه ويهمس لها بعشق:
- أنا كنت مستنيكي. طول عمري مستنيكي.. لما رجعتيلي تاني ما يئستش.. كل يوم وكل ليلة كنت على أمل إنك هاتحني عليا.. هاتحسي بيا...
كانت ترتجف بين ذراعيه وتذرف الدمع في هدوء، مع تعاقب الكلمات التي راح يدلي بها قرب أذنها، وهي تتنفس الهواء ممتزجًا برائحته التي لا تثير فيها إلا الخوف وكل المشاعر المرعبة التي عاشتها على يديه بتلك الليلة المشؤومة.
بدون أن تشعر وجدت لسانها المتلجلج ينطق بالحقيقة:
- آ.. أنا خايفة يا مصطفى!
انقباضة كادت تسحق فؤاده لدى سماعه تصريحها، غمر وجهه بشعرها المصفف مستنشقًا عبيرها بأقصى ما أمكنه وغمغم:
- ما تخافيش يا حبيبتي.. بشروطك.. وعلى راحتك. طالما جيتي برجليكي يا فاطمة إوعي تخافي. أنا هاعمل أي حاجة عشان أسعدك وأريحك وأرجع ثقتك فيا من تاني... أنا بحبك. وعمري ما فكرت أوجعك. ولا هفكر أبدًا وحياة غلاوتك عندي.. ما فيش أغلى منك ليا يا فاطمة. إنتي.. إنتي وبس!
لعل كلماته لم تؤتِ أكلها، لكن حرصها على هدفها المنشود جعلها تسير على الخطة بدفع قصري من داخلها، وإذ تمكنت من إبعاده قليلًا حيث استجاب لها فورًا.
رآها تفك عقدة الروب وترخي الحزام، لينزلق الحرير عن كتفيها الناعمين، ويبدو أمام عينيه رداء نومها الأسود الجريء بقماشه المخرم.
بذل "مصطفى" جهدًا لا يستهان به ليضبط نفسه مراعاة لنفسيتها، همس وهو يثبت ناظريه بعينيه الشاخصتين بترقب:
- بحبك!
واهنًا، حنى رأسه ممسكًا برأسها وألصق شفاهه بشفاهها في قبلة عميقة.. جائعة.. سرعان ما فعل بها سحرًا خفيًا فعلته، فذابا معًا في غياهب الحميمية المفخخة.
تهدد بحرائق وانفجارات بأي لحظة!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل السادس 6 - بقلم مريم محمد
الفصل الرابع والعشرون
في صباح يوم جديد، جهزت نور الفطار وراحت تصحي آدم. فتحت الباب ودخلت، لقت آدم نايم على بطنه، ووشه في المخدة، وحواليه أوراق كتير. قربت منه وبصت في الأوراق، لقت رسومات لنفس البيت اللي شافته في المزرعة، بس الأوراق دي كانت قديمة ومتهالكة.
حطت نور الفطار على الكمود، وقعدت جنبه، وبدأت تصحيه: "آدم، آدم يا حبيبي، اصحى عشان تفطر."
فضل آدم نايم وماردش، فكررت نور بصوت أعلى شوية: "آدم، يلا يا حبيبي، عشان تأكل قبل ما تروح الجامعة."
صحى آدم مفزوع، ورفع راسه من على المخدة، وبص لنور بضيق: "إيه يا نور؟ ما فيش فايدة؟ ما بتفهميش؟ أنا قلت لك مش عايز حد يصحييني."
نور بصت له بحزن: "يا آدم، ما يصحش كده، أنا بعمل كل ده عشانك، عشان صحتك، عشان مستقبلك."
آدم اتعدل في قعدته: "يا نور، أنا تعبان ومش عايز أروح الجامعة. مش عايز أشوف حد، مش عايز أتكلم مع حد. أنا عايز أفضل لوحدي."
نور: "يا حبيبي، إيه اللي حصل لك فجأة؟ إيه اللي خلاك تتغير كده؟"
آدم قام من على السرير: "مفيش حاجة يا نور. أنا بس عايز أفضل لوحدي."
نور: "طب يلا أفطر عشان تاخد دواك."
آدم: "مش عايز آكل ولا عايز آخد دوا. أنا عايز أنام."
نور: "يا آدم، انت كده بتتعب نفسك زيادة. الدكتور قال لازم تنتظم على الأكل والدوا."
آدم: "يا نور، سيبيني لوحدي بقى."
نور: "مش هسيبك لوحدك. أنا معاك وهفضل معاك لحد ما ترجع زي الأول."
آدم: "أنا مش هرجع زي الأول يا نور. أنا اتغيرت. أنا بقيت واحد تاني."
نور: "لا يا آدم، انت لسه آدم اللي أنا أعرفه. انت بس محتاج شوية وقت عشان ترجع طبيعي."
آدم بصلها بحزن: "يا ريت يا نور. يا ريت."
نور: "يلا يا حبيبي، قوم نغير هدومك ونفطر سوا."
آدم: "مش عايز أغير هدومي. أنا عايز أنام."
نور: "طب يلا أفطر طيب، أنا تعبت وأنا بعمل لك الفطار."
آدم: "حاضر يا نور. بس بعد ما أفطر هنام تاني."
نور: "ماشي يا حبيبي. بس أرجوك حاول تاكل كويس."
آدم: "حاضر."
في الوقت ده، دخلت والدة آدم عليهم، وبصت لنور بضيق: "إيه يا نور؟ لسه ما فطرتوش؟"
نور: "لسه يا طنط. آدم تعبان شوية ومش عايز ياكل."
والدة آدم: "يا آدم، إيه اللي حصل لك؟ ليه مش عايز تاكل؟"
آدم: "مفيش حاجة يا ماما. أنا بس تعبان شوية."
والدة آدم: "طب يلا أفطر يا حبيبي. عشان تنزل الجامعه. انت عندك محاضرات مهمة النهاردة."
آدم: "مش عايز أروح الجامعة يا ماما. أنا عايز أنام."
والدة آدم: "يا آدم، ما يصحش كده. انت بتضيع مستقبلك."
آدم: "أنا مش عايز مستقبل يا ماما. أنا عايز أنام وبس."
والدة آدم بصت لنور بضيق: "إيه اللي عملتيه في الواد ده يا نور؟"
نور: "أنا ما عملتش حاجة يا طنط. أنا بحاول أساعده."
والدة آدم: "مساعدتك دي مدمرة. انتي اللي خليتيه كده."
نور: "أنا؟ أنا عمري ما أذيت آدم."
والدة آدم: "لا أذيتيه. انتي اللي خليتيه يكره نفسه ويكره الدنيا كلها."
آدم: "ماما، كفايه بقى."
والدة آدم: "لا مش كفايه. لازم تعرفي إن انتي اللي بتدمري ابني."
نور: "أنا بحاول أخليه يرجع طبيعي."
والدة آدم: "طبيعي إيه؟ ده بقى مجنون بسببك."
آدم: "ماما، لو سمحتي. كفايه."
والدة آدم: "لا مش كفايه. لازم تعرفي إن انتي اللي السبب في كل ده."
نور بصت لآدم بحزن، وخرجت من الأوضة.
والدة آدم: "شايف؟ مشيت. دي واحدة مش بتفهم."
آدم: "ماما، لو سمحتي، أنا عايز أنام."
والدة آدم: "ماشي يا حبيبي. نام. بس بعد ما تفطر."
آدم: "مش عايز أفطر."
والدة آدم: "لا لازم تفطر. أنا مش هسيبك كده."
آدم: "ماما، أنا تعبان."
والدة آدم: "تعبان إيه؟ ده دلع. يلا قوم أفطر."
آدم: "ماما، أرجوكِ سيبيني لوحدي."
والدة آدم: "ماشي يا حبيبي، هسيبك. بس لازم تفطر."
خرجت والدة آدم من الأوضة.
في أوضة نور، كانت قاعدة بتعيط. دخلت عليها والدة آدم: "بتعيطي ليه؟"
نور: "عشان آدم."
والدة آدم: "ماله آدم؟"
نور: "تعبان ومش عايز ياكل ولا يشرب ولا يعمل أي حاجة."
والدة آدم: "ده بسببك انتي."
نور: "أنا ما عملتش حاجة."
والدة آدم: "لا عملتي. انتي اللي خليتيه يحب الرسم ويكره الجامعة."
نور: "بس الرسم ده موهبته."
والدة آدم: "موهبة إيه؟ ده تضييع للوقت."
نور: "لا يا طنط، الرسم ده مهم بالنسبة له."
والدة آدم: "مهم إيه؟ ده هيضيعه."
نور: "أنا بحاول أخليه يرجع طبيعي."
والدة آدم: "طبيعي إيه؟ ده بقى مجنون بسببك."
نور: "أنا عمري ما أذيت آدم."
والدة آدم: "لا أذيتيه. انتي اللي خليتيه يكره نفسه ويكره الدنيا كلها."
نور: "أنا بحاول أساعده."
والدة آدم: "مساعدتك دي مدمرة."
نور: "أنا مش فاهمة. ليه بتقولي كده؟"
والدة آدم: "عشان انتي اللي السبب في كل ده."
نور: "أنا مش السبب."
والدة آدم: "لا انتي السبب. انتي اللي خليتيه يكره الجامعة ويكره مستقبله."
نور: "أنا بحاول أخليه يحب مستقبله."
والدة آدم: "لا انتي بتدمريه."
نور: "أنا مش فاهمة."
والدة آدم: "عشان انتي ما بتفهميش."
نور: "أنا بحاول أعمل اللي أقدر عليه."
والدة آدم: "اعملي اللي تقدري عليه. بس بعيد عن ابني."
خرجت والدة آدم من الأوضة.
في أوضة آدم، كان قاعد بيبص في الأوراق اللي حواليه. دخلت نور عليه، وقعدت جنبه، ومسكت إيده: "آدم، حبيبي، أنا أسفة."
آدم: "على إيه؟"
نور: "على كل حاجة. على إني سبتك لوحدك. على إني ما فهمتكش."
آدم: "مش ذنبك يا نور."
نور: "لا ذنبي. أنا كان لازم أكون معاك. كان لازم أساعدك."
آدم: "انتِ بتساعديني يا نور. انتِ الوحيدة اللي بتساعديني."
نور: "وأنا هفضل معاك لحد ما ترجع زي الأول."
آدم: "أنا مش هرجع زي الأول يا نور."
نور: "لا هترجع. أنا واثقة فيك."
آدم: "يا ريت يا نور. يا ريت."
نور: "يلا يا حبيبي، قوم نخرج نتمشى شوية."
آدم: "مش عايز أخرج."
نور: "عشان نغير جو. عشان تشوف الدنيا."
آدم: "مش عايز أشوف حاجة."
نور: "طب يلا أفطر طيب."
آدم: "مش عايز أفطر."
نور: "يا حبيبي، انت كده بتتعب نفسك زيادة."
آدم: "أنا تعبان يا نور. تعبان من كل حاجة."
نور: "طب يلا ننام شوية."
آدم: "ماشي."
نام آدم ونور جنبه، وهي بتفكر في كل اللي حصل.
في الليل، صحيت نور على صوت آدم وهو بيتكلم وهو نايم.
آدم: "مات، مات، مات. كل حاجة ماتت."
نور: "آدم، حبيبي، إيه اللي حصل؟"
آدم: "مات، مات، مات. كل حاجة ماتت."
نور: "آدم، اصحى يا حبيبي."
صحى آدم مفزوع، وبص لنور بخوف: "إيه اللي حصل؟"
نور: "كنت بتحلم."
آدم: "حلمت إن كل حاجة ماتت."
نور: "لا يا حبيبي، كل حاجة كويسة."
آدم: "لا مش كويسة. أنا مش كويس."
نور: "لا انت كويس. انت بس محتاج شوية وقت."
آدم: "يا ريت يا نور. يا ريت."
نور: "يلا يا حبيبي، قوم نصلي الفجر."
آدم: "مش عايز أصلي."
نور: "ليه؟"
آدم: "مش عايز أكلم ربنا."
نور: "يا حبيبي، ربنا بيحبك."
آدم: "لا مش بيحبني. لو بيحبني ما كانش عمل فيا كده."
نور: "يا آدم، ده اختبار من ربنا."
آدم: "اختبار إيه؟ ده عذاب."
نور: "يا حبيبي، ربنا بيحبك وهيقف جنبك."
آدم: "يا ريت يا نور. يا ريت."
قامت نور تصلي الفجر، وآدم فضل قاعد مكانه.
بعد ما خلصت نور صلاة، قعدت جنب آدم: "يلا يا حبيبي، صلي أنت كمان."
آدم: "مش عايز."
نور: "عشان تحس بالراحة."
آدم: "أنا مش حاسس بأي راحة."
نور: "يا حبيبي، ربنا هو اللي بيريح القلوب."
آدم: "يا ريت يا نور. يا ريت."
قعد آدم يفكر في كلام نور، وقام صلى الفجر.
بعد ما خلص صلاة، قعد آدم جنب نور، وحس براحة شوية.
نور: "حسيت بإيه؟"
آدم: "حسيت براحة شوية."
نور: "الحمد لله. يلا يا حبيبي، ننام شوية."
نام آدم ونور جنبه، وهي بتفكر في كل اللي حصل.
في الصباح، صحيت نور ولقيت آدم نايم جنبها. قامت نور تجهز الفطار، وبعدين رجعت تصحي آدم.
نور: "آدم، حبيبي، اصحى عشان نفطر."
صحى آدم، وبص لنور بابتسامة خفيفة: "صباح الخير."
نور: "صباح النور يا حبيبي. يلا عشان نفطر."
آدم: "حاضر."
قام آدم ونور يفطروا سوا.
بعد الفطار، آدم: "نور، أنا عايز أروح الجامعة."
نور: "بجد؟"
آدم: "أيوه. عايز أرجع لحياتي الطبيعية."
نور: "الحمد لله. أنا فرحانة أوي."
آدم: "وأنا كمان."
نور: "يلا يا حبيبي، قوم نجهز عشان نروح الجامعة."
قام آدم ونور يجهزوا عشان يروحوا الجامعة.
في الجامعة، كان آدم ماشي مع نور، وشاف صحابه، سلم عليهم، وحس إنه رجع طبيعي.
في المحاضرة، كان آدم مركز في الشرح، وبيقعد يكتب ملاحظات.
بعد المحاضرة، آدم: "نور، أنا حاسس إني رجعت طبيعي."
نور: "الحمد لله يا حبيبي. أنا كنت واثقة فيك."
آدم: "أنا بحبك أوي يا نور."
نور: "وأنا كمان بحبك أوي يا آدم."
آدم: "أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك."
نور: "أنا دايماً معاك."
آدم: "أنا عايز أطلب منك طلب."
نور: "اطلب اللي انت عايزه."
آدم: "أنا عايز أروح المزرعة اللي كنا فيها زمان."
نور: "ليه؟"
آدم: "عشان عايز أشوف البيت اللي شفته في الحلم."
نور: "بس ده ممكن يتعبك."
آدم: "لا مش هيتعبني. أنا عايز أعرف إيه سر البيت ده."
نور: "ماشي يا حبيبي. بس لازم نكون حذرين."
آدم: "حاضر."
في اليوم التالي، آدم ونور راحوا المزرعة.
وصلوا المزرعة، وآدم راح يدور على البيت اللي شافه في الحلم.
نور: "آدم، انت متأكد إن ده البيت اللي شفته؟"
آدم: "أيوه. أنا متأكد."
نور: "بس البيت ده مهجور."
آدم: "عارف. بس أنا عايز أدخل جواه."
نور: "بس ده خطر."
آدم: "مش خطر. أنا عايز أعرف إيه سر البيت ده."
نور: "ماشي يا حبيبي. بس لازم نكون حذرين."
دخل آدم ونور البيت.
كان البيت مهجور، ومترب، ومظلم.
آدم: "نور، أنا حاسس إن في حاجة غريبة في البيت ده."
نور: "وأنا كمان."
آدم: "بصي يا نور، دي نفس الرسومات اللي كنت بشوفها في الحلم."
نور: "فعلاً. دي نفس الرسومات."
آدم: "أنا عايز أعرف إيه سر الرسومات دي."
نور: "ممكن تكون رسومات عادية."
آدم: "لا مش عادية. أنا حاسس إن في سر وراها."
نور: "طب يلا ندور على أي حاجة ممكن تفسر الرسومات دي."
بدأ آدم ونور يدوروا في البيت.
لقوا صندوق قديم في أوضة من الأوض.
آدم: "نور، بصي، صندوق قديم."
نور: "افتحه."
فتح آدم الصندوق، ولقى جواه أوراق قديمة، وصور، ومفاتيح.
آدم: "نور، بصي، دي أوراق قديمة."
نور: "اقراها."
بدأ آدم يقرا الأوراق.
كانت الأوراق بتحكي عن عائلة كانت عايشة في البيت ده، وعن قصة حب بين شاب وفتاة، وعن سر اختفاء الفتاة.
آدم: "نور، دي قصة حب حقيقية."
نور: "فعلاً. بس إيه سر اختفاء الفتاة؟"
آدم: "مش عارف. بس أنا عايز أعرف."
نور: "طب يلا نكمل قراءة الأوراق."
كمل آدم ونور قراءة الأوراق.
الأوراق كانت بتحكي إن الفتاة اختفت في يوم من الأيام، وإن الشاب فضل يدور عليها، بس ما لقهاش.
آدم: "يا حرام. قصة حزينة أوي."
نور: "فعلاً. بس إيه سر اختفائها؟"
آدم: "مش عارف. بس أنا حاسس إن في سر ورا اختفائها."
نور: "طب يلا ندور على أي حاجة ممكن تفسر اختفائها."
بدأ آدم ونور يدوروا في البيت تاني.
لقوا باب سري ورا مكتبة قديمة.
آدم: "نور، بصي، باب سري."
نور: "افتحه."
فتح آدم الباب السري، ولقى جواه سرداب طويل.
آدم: "نور، سرداب."
نور: "تعالى ندخل جواه."
دخل آدم ونور السرداب.
كان السرداب مظلم، ومخيف.
آدم: "نور، أنا خايف."
نور: "ما تخافش. أنا معاك."
مشى آدم ونور في السرداب، ولقوا أوضة في آخره.
دخلوا الأوضة، ولقوا فيها سرير، ودولاب، وترابيزة، وكرسي.
آدم: "نور، دي أوضة نوم."
نور: "فعلاً. بس مين اللي كان نايم هنا؟"
آدم: "مش عارف. بس أنا حاسس إن دي أوضة الفتاة اللي اختفت."
نور: "ممكن."
آدم: "بصي يا نور، دي رسومات على الحيطة."
نور: "فعلاً. دي نفس الرسومات اللي شفناها في البيت."
آدم: "أنا حاسس إن في سر ورا الرسومات دي."
نور: "طب يلا ندور على أي حاجة ممكن تفسر الرسومات دي."
بدأ آدم ونور يدوروا في الأوضة.
لقوا مذكرات تحت السرير.
آدم: "نور، بصي، مذكرات."
نور: "افتحها."
فتح آدم المذكرات، وبدأ يقراها.
كانت المذكرات بتحكي عن قصة الفتاة، وعن حبها للشاب، وعن سر اختفائها.
كانت الفتاة بتحب الشاب، بس أهلها كانوا رافضين جوازهم.
هربت الفتاة مع الشاب، بس أهلها لحقوهم، وقتلوا الشاب.
الفتاة هربت، واستخبت في السرداب ده، وفضلت عايشة فيه لحد ما ماتت.
آدم: "يا حرام. قصة حزينة أوي."
نور: "فعلاً. بس ليه أهلها عملوا كده؟"
آدم: "عشان كانوا رافضين جوازهم."
نور: "يا ريتهم ما عملوا كده."
آدم: "فعلاً. بس خلاص، كل حاجة خلصت."
نور: "أنا زعلانة أوي على الفتاة والشاب."
آدم: "وأنا كمان."
نور: "يلا يا حبيبي، نخرج من هنا."
خرج آدم ونور من السرداب، ورجعوا البيت.
آدم: "نور، أنا حاسس إني فهمت كل حاجة."
نور: "إيه اللي فهمته؟"
آدم: "فهمت إن الحب ممكن يكون سبب في السعادة، وممكن يكون سبب في التعاسة."
نور: "فعلاً. الحب ده عامل زي السيف ذو الحدين."
آدم: "وأنا كمان."
نور: "يلا يا حبيبي، نرجع البيت."
آدم: "حاضر."
رجع آدم ونور البيت، وهما بيفكروا في كل اللي حصل.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل السابع 7 - بقلم مريم محمد
بمجرد أن هدأ الضجيج بالبيت وخمدت الكارثة العائلية، أطلق "رزق" أوامره بأن تُنقل شقيقته "نور" في الحال إلى شقته بمساعدة زوجته "ليلة"، ثم أصرف أعمامه ودائرتهم، ليبقى الآن هو وأبوه و"هانم" وأخواه "حمزة" و"سلمى" هنا بالصالة.
جلس "سالم" فوق الأريكة الضخمة مسندًا رأسه إلى قبضتيه المكوّرتين، مغمضًا عينيه متشنج العضلات بفعل حالته الذهنية السيئة، ربما يبدو الآن هادئًا، إلا إن براكين وحرائق تندلع بدواخله في هذه اللحظة، ومنذ الساعة التي ألمّ بابنته فيها جرحًا لن تنساه طوال عمرها.
ماذا يحدث له؟ أيّ شيطان رجيم دخل إلى حياته وقلب كل شيء رأسًا على عقب؟ حتى أولاده... إنه يكاد يخسر الواحد تلو الآخر... كيف يحدث هذا!!!!
- أبويا!
صحا "سالم" من شروده على نداء ولده "حمزة". لم يرفع رأسه إليه، لكنه قال بصوتٍ متحشرج جراء عصبيته المكبوتة:
- عايز إيه يا حمزة؟
تلجلج صوت الشاب وهو يعرض عليه:
- أنزل أجيب عم سباعي يجي يشوفك؟
المدعو "سباعي" يكون هو الطبيب الصيدلي القاطن لدى تخوم الحي، ولديه أيضًا صيدلية تحمل لقب عائلة "الجزار". أبى "سالم" عرض ابنه بحزمٍ:
- لأ، ماتنزلش في حتة. أنا كويس.
- أنا خايف أحسن يكون ضغطك عالي ولا يكون فيك أي حا...
- قولتلك أنا كويس!
قاطعه "سالم" وهو يرفع وجهه فجأة، فألجم تعبيره الوحشي لسان "حمزة" ولم ينطق.
في نقطة أخرى تلاقت عينيّ "سالم" بنظرات "هانم" الجامدة، من حيث كانت تجلس في الجهة المقابلة له، وجّهت إليه نظرة تحتمل أيّ شيء إلا الغضب. لم تكن غاضبة منه، ولم يكن بإمكانه سبر غورها، لم يهمه، ما يهمه يقبع الآن وراء باب هذه الغرفة الموصدة... "سلمى" و"رزق".
***
لقرابة الساعة لم يفعل "رزق" أيّ شيء سوى أنه جلس بجوار أخته الصغيرة فوق سريرها يضمها بين ذراعيه، ويده الحرة تمسك بمنديلٍ ورقي، يكفكف لها دموعها المتساقطة والدماء المنداحة من جروح شفتيها واللثة. كان يغمره الأسى والحزن عليها إلى حد لم يطيق النظر إلى وجهها كي لا يرى فعل أبيه المشين بها، كيف يفعل ذلك؟ كيف طاوعته نفسه؟ إنها مجرد طفلة صغيرة... لا تستحق ما حلّ بها مهما فعلت... ليته وصل إليها من قبله لكان انفض الخلاف وانتهى إلى خير مآل. ليته...
- سلمى!
غرّد صوته الحنون في أذنها بلطفٍ حذر، أخذ يداعب فروة رأسها وهو يستطرد:
- حبيبتي لازم نتكلم... أنا عارف إنك حزينة ومش قادرة تنطقي... بس ماينفعش أسيبك تنامي وإنتي في الحالة دي. مستحيل... ممكن عشان خاطري تستحمليني شوية وتجاوبي على أسئلتي؟
لما رفعت بصرها، ومن خلال شعرها المتشابك أمام عينيها لاحظ "رزق" أن مُقلتيها بلون العنبر الفاتح قد خيّمَت عليهما سحابة وديعة طردت عواصف الغضب، أجفل مبتسمًا لها بتكلفٍ بسيط وقال:
- مش هتقل عليكي... عايز بس أعرف إيه اللي حصل بينك وبين نور؟ ضايقتك في إيه خلاكي تنفعلي بالشكل ده؟
- ماحصلش حاجة!
جاوبت بهذه البساطة:
- ماضيقتنيش خالص.
تمهل "رزق" لهنيهة، ثم سألها مرةً أخرى حائرًا:
- طيب... ليه رميتي الهدوم في وشها؟ وليه كنتي عايزة تطرديها من الأوضة؟!!
مطت فمها قليلًا وردت بهدوء:
- ماعرفش... أنا حسيت إني مخنوقة شوية. اتعصبت وجت فيها هي.
- إيه اللي ممكن يعصبك كده يا سلمى؟
بدا أنه لم يصدق ادعاءاتها، فتريثت لبرهةٍ وأخبرته بثباتٍ مقنع:
- من ساعة ما جت وبابا مشغول عني بيها. والنهاردة لما كنا فوق كان مقعدها جنبه على السفرة. وبعد العشا قعدها على رجله وبيدلعها كتير قصادي... شكلي غيرت منها. فجأة كده بقت ليا شريكة في بابا بعد ما كنت الوحيدة اللي بقعد على رجله وكان ليا لوحدي!
إدراكًا لهذه الحقيقة التي استشفها سلفًا، صدقها هذه المرة، ورقت نظرته وهو يدنو منها مقبلًا جبهتها وخدها الذي لا يزال ملتهبًا بسبب الصفعات العنيفة التي تلقتها... ثم تمتم مبديًا تفهمه:
- يا حبيبتي. أنا فاهمك... مقدر كل اللي بتقوليه. وعارف إن مش قصدك كل اللي عملتيه... بس برده عايزك إنتي كمان تعرفي إن نور أختك. ورغم دخولها المفاجئ للعيلة إلا إنها من لحمك ودمك... هي بتحبك من قبل ما تشوفك. يا ترى ماتستاهلش منك تبادليها نفس المشاعر؟ لو على الحب والدلع اللي بتتكلمي عنه افتكري يا سلمى إنك عشتي عمرك كله بين أب وأم وأخوات وعيلة كاملة... في حين نور قضت عمرها من غير كل الحاجات دي. كانت مستنية تيجي وتعيش وسطنا...
وصمت للحظاتٍ، ثم قال محدقًا بعينيها:
- والأهم من كل ده يا سلمى... نور أختي الشقيقة. مش بقول كده وبقلل من قيمتك عندي. أبدًا... بس بوصلك إنها الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من أمي... لو بتحبيني وبعز عليكي يا سلمى هتحبي نور وتعاملِيها كويس!
ابتسمت له واعدة:
- حاضر يا رزق... هعمل اللي تقول عليه.
بادلها الابتسامة رابتًا على رأسها:
- حبيبة قلبي. مش بس اللي أقول عليه... المهم كمان يكون نابع من جواكي... أوعديني تتصالحوا وتبقوا كويسين مع بعض.
- أوعدك.
تنهد راضيًا وأمسك بيدها متهيئًا للنهوض:
- طيب يلا... تعالي معايا على فوق. أراضيكم على بعض ونقضي الليلة كلنا سوا. أنا وإنتي ونور وليلة...
جذبت يدها من يده وأبقته كما هو قائلة بتصميمٍ:
- لأ لأ... أنا مش هطلع من أوضتي.
- ليه يا سلمى؟
ببعد ترددٍ أفصحت منكسة الرأس بتخاذلٍ:
- مش عايزة أشوف بابا. مش عايزة أشوفه أبدًا... عشان خاطري يا رزق ماتغصبش عليا!
أمسك بيديها وشد عليهما مهدئًا إياها:
- خلاص يا حبيبتي... اهدي... مش لازم الليلة دي. خلاص... أنا هسيبك تنامي. وإن شاء الله هاكون عندك الصبح...
وعانقها للمرة الأخيرة، تمنى لها أحلامًا سعيدة، ثم خرج وأغلق باب الغرفة خلفه.
استغرق لحظة بقي فيها ساكنًا ويده على المقبض، قبل أن يلتفت صوب أبيه الذي انتصب في جلسته حال خروجه صابًا عليه نظراته وجام انتباهه، لم يكن "رزق" من الجنون أن يتطلع في وجهه مطولًا، إذ أيقن بأنه قد يفقد أعصابه بأي لحظة. فسرعان ما أشاح بوجهه عنه وهو يكوّر قبضتيه بشدة حتى نفرت عروق ساعديه، ثم انبلج صوته من بين أسنانه المطبقة يشتعل غضبًا:
- الظاهر ماكفكش ابن واحد هرست قلبه تحت رجليك وموّت جواه أي مشاعر حلوة سواء ليك أو للناس... النهاردة عرّضت بناتك الاتنين لنفس المصير ده...
- رزق!
هتف "سالم" منفعلًا، ليوقفه "رزق" بإشارة من كفه صائحًا:
- ماتنطقش اسمي... أنا مش طايق أبص لك أساسًا. وإنت عارف لولا نور ماكنتش رجعت... أنا هنا واقف قصادك وفي بيتك غصب عني لو بإيدي أمشي حالًا. بس كمان بعد اللي حصل مع سلمى... مش قادر أتجاهل إنها كمان أختي. ومش هقدر أسيبها لك تدمرها زي ما دمرتني... ولا حتى هسمح بكده. إنت فاهم؟؟؟
وأجبر عنقه المتشنج بالقوة ليلتفت وينظر إلى أبيه، حملق بعينيه نافثًا الهواء من فتحتيّ أنفه كثورٍ هائج وجرت الكلمات الأخيرة على لسانه بخشونةٍ:
- اسمع آخر كلامي يا سالم يا جزار... قدام أخويا ومراتك... غلطة كمان في حقي أو في حق أي حد يخصني. وحط تحت يخصني دي مليون خط... قسمًا بالله يكون آخر الخط بيني وبينك. وماتبقاش أبويا. تبقى عدوي... وإنت عارف عدوي ممكن أعمل فيه إيه. يا هاتموتني يا أموتك... وصلت؟ فهمت كويس؟!!!
كسا الوجوم وجه "سالم" من بداية وعيد ابنه لآخره، لم يأتِ بحركة أو كلمة، وكأنه قد حُنّط على هذا الوضع والشكل. بينما ضاق صدر "رزق" سريعًا، فاندفع باللحظة التالية مغادرًا الشقة كلها للأعلى وهو يسب ويلعن حياته كلها، وحقيقة أنه ابنًا لهذا الرجل الفظيع... المجرم... الجزار ككُنيته الحقيقية.
- اتأخرت ليه يا رزق؟
استقبلته "ليلة" بالهتاف الملتهف فور بلوغه عتبة باب الشقة، كانت تنتظره بالقرب، ولا يدري كيف التقيا وقفزت على حضنه، ضمّا بعضهما بقوة وغمغمت "ليلة" لاصقة خدها بعنقه:
- قلقتني عليك!
- كنت بطمن على سلمى.
جاوبها بفتورٍ يناقض مزاجيته السوداء، وما لبث أن استطلع أمر شقيقته:
- نور فينها؟ عاملة إيه دلوقتي؟؟
تباعدا قليلًا وطمأنته:
- كويسة ماتخافش.
- هي فين؟
ابتسمت "ليلة" وهي تتذكر:
- نور دي زي الأطفال. بريئة ورقيقة أوي... في الأول لما طلعنا قعدت تعيط. بس هديت لما حضنتها وفضلت أتكلم معاها شوية لحد ما نامت مني... دخلتها الأوضة التانية.
- يعني هي نايمة دلوقتي؟
- أيوة يا حبيبي نايمة وزي الفل... ماسبتهاش تنام زعلانة اطمن.
زفر "رزق" بارتياحٍ وقال بامتنانٍ:
- شكرًا يا ليلة.
- على إيه يا نن عين ليلة؟
سألته وتمرر أصابعها في شعره الأشقر:
- إنك اهتميتي بيها. كان لازم الأول أشوف سلمى قبل ما أجي لها.
هزت رأسها مبتسمة:
- أنا ماعملتش حاجة يا رزق. نور أختك وتهمك... يبقى طبيعي تهمني أنا كمان. أي حاجة تخصك تخصني. عيب تقول كده. إحنا مش بقينا واحد؟
- طبعًا!
وهمس وجذب رأسها ليقبلها على فمها بعمقٍ، وكأنها ترياق أحزانه وشفائه.
- ربنا يخليكي ليا...
غمغم من بين قبلاته، لتفاجئه بقولها بعد لحظة بصوتها اللاهث:
- أنا عايزة أجيب منك ولد يا رزق!
جمد لجزء من الثانية، ورفع وجهه المحمّر انفعالًا لينظر لها بذهولٍ:
- عايزة ولد. مني؟ إشمعنا ولد يا ليلة؟!
رفعت كتفيها قائلة:
- أهو كده... نفسي أخلف منك ولد. ساعدني في ده من فضلك!
وعضت على شفتها السفلى في بادرة تنم عن شبقٍ مستعر. تكونت ابتسامة تلقائية على شفتيه، وقد نجحت في إلهائه وتحريف مسار أفكاره بثانية، ليقول وهو يضع يدًا خلف ركبتيها وأخرى أسفل خاصرتها:
- بس كده؟ أنا تحت أمرك!
ومن ثم مرجحها بحركة قوية صغيرة ليسقطها بين ذراعيه، وفي طرفة عين كان يحملها بخفة، ويمضي بها تجاه غرفتهما وهما يتبادلان القبل برومانسية، كأنهما طيور الحب.
على هذا المنوال استأنفا الليلة أحداث شهر العسل!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثامن 8 - بقلم مريم محمد
رواية سمال الحب الفصل الثامن
_ غرام&; سام ! _
شعرت بأنها قد نامت طويل&;ا&; و أن جسمها متصلب&;ا و كأنها لم تتحرك طيلة فترة النوم&; في تقاطع حلم&;ا ما&; وعى عقلها&; أستيقظ&; و لكن بقى جسمها ثابت&;ا على حالته
لعله الخوف ما أبقاه هكذا&; إنما أيض&;ا قرون استشعارها الحساسة&; نبهتها هنا بقربه الشديد منها
و بينما هي أسيرة خوف م&;بهم يشل&; حركتها كلي&;ا&; أحست فجأة بكفه الضخم يلامس بشرتها العارية&; إنفتح جفناها دفعة&; واحدة&; في نفس اللحظة تعالت أصوات دق و قرع على باب و جرس الشقة ...
أفاقت "فاطمة" من غيبوبتها القاتمة&; لتجد زوجها و قد عبر من فوقها كنسمة هواء بالكاد شعرت به و لمحة طيفه قبل أن يخرج من الغرفة مسرع&;ا&; ذعرت حين تبي&;نت أكثر بأنها في الحقيقة عارية الآن.. عارية كما ولدتها أمها
خرجت شهقة من أعماقها و هبت تبحث عن ثوبها&; بعد تنقيب&; سريع و شاق وجدته هناك باقصى السرير يتدلى من الحافة إلى الأرض&; فالتقطته فور&;ا و ألقته فوق كتفيها&; بينما يتناهى إلى سمعها الحوار الآتي بين زوجها و أمه بالخارج ...
-إيـــه يا مصطفـى كل ده. نايم في الكهف &;!!
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
يقابل "مصطفى" أمه بابتسامة&; مشرقة حالمة قائل&;ا :
-صباح الف&;ل يا ست الكل
تجهمت ملامح "هانم" و هي ترد عليه باستهجان&; :
-صباح ! ده العصر وجب يا عين أمك.. و إيه إللي عامله في نفسك ده ...
و ما لبثت أن لاحظت الحال التي بدا عليها&; إذ كان يقف أمامها بسرواله الداخلي لا غير&; و قد تشع&;ث شعره و تلب&;دت بشرته الخمرية بمادة&; لامعة إنتثر بعض&; منها فوق صدره و كتفيه العريضين
رفعت "هانم" بصرها ليستقر على عينيه القريرتين ...
-لأ ماتقولش ! .. تمتمت "هانم" على نحو&; مذهول مباغت
نظرت لإبنها بإلحاح&; متسائل&; ليبتسم "مصطفى" مدرك&;ا مقصدها تمام&;ا و يومئ برأسه مفصح&;ا بخفوت&; :
-أيوة ياما.. حصل
أفلتت ضحكة مبتهجة من بين شفاهها و قد تبخر غضبها الذي جاءت به فجأة&; كبحت الضحكة بسرعة لتواصل إستجوابه و هي تقترب منه لتهامسه :
-الله أكبر. إن شالله يحيمك من العين يا حبيبي. بس إوعى.. إوعى يا مصطفى تكون غصبت على مراتك تاني. و لا تكون عملت فيها حاجة !!
إنبلج السأم على وجه "مصطفى" في الحال و هو يرد عليها بجفاء :
-غصب إيه ياما. هو إنتي مفكراني إيه.. أنا مش كده و كلكوا تعرفوا ده. إللي جرى أول مرة كان خارج عن إرادتي. وزة شيطان.. و ربنا خلتيني ندمت إني كنت باجي أفضفض معاكي
-ماتبقاش حمقي كده ياولا ! .. زجرته أمه بقسوة&; هش&;ة
وضعت يدها على كتفه المتشنج و أجبرته على النظر إليها ثانية&; و هي تقول :
-إفهمني يا عبيط. أنا أمك.. أنا أكتر واحدة تحمل همك و تتمنا لك السعادة و راحة البال. أنا كل غرضي أطمن عليك بس.. يا ابو مخ زنخ إنت يا غشيم
تراخت عبسته شيئ&;ا فشيء تحت تأثير مداعباتها الكلامية&; فقال بابتسامة لم تصل لعينيه :
-ماشي ياما.. طيب خشي واقفة على الباب ليه
و أفسح لها لتدخل&; لكنها إمتنعت هاتفة و هي تتذكر ما أتت لأجله :
-لأ مش جاية أضايف أنا.. صراحة كنت جاية أبستفك بس خلاص. سماح المرة دي طالما عرفت إللي فيها
-إيه إللي حصل &; .. تساءل باهتمام&;
-في إيه &;
تنهدت "هانم" بثقل&; و حكت له ما حدث ليلة أمس بإيجاز&; ...
-كل ده حصل و أنا مش داري &;&;!!
إبتسمت "هانم" قائلة بخبث&; :
-و هاتدرى إزاي يا عنيا &; لما تغرق في الغسل لشوشتك و الله لو قامت حرب على بابك ما هاتسمع ...
و ضحكت مشاكسة إياه&; فضحك بدوره و قد أتت مزحتها أكلها&; تراجعت للخلف خطوتين و أمسكت بمقبض الباب متمتمة :
-يلا أنا نازلة أشوف اخواتك.. انت كمان لو عوزت حاجة كلمني
-أنا داخل أخد دش بسرعة و نازل وراكي
-لأ.. ماتنزلش. خليك جمب مراتك ماتسيبهاش.. بالإذن يا عريس !
و غمزت له قبل أن تغلق الباب تمام&;ا ...
أنارت الابتسامة وجه "مصطفى" أكثر&; و ها قد إزداد ثقة و إعتداد أكثر في نفسه&; ول&;ى عائد&;ا إلى الغرفة النوم
ليجد زوجته الآن في ثوبها الأكثر إحتشام&;ا&; تقف أمام الخزانة لتعد بعض الملابس النظيفة تأهب&;ا للإستحمام ...
-بطة ! .. هتف "مصطفى" بهدوء&; و هو يقبل عليها
-بتعملي إيه كده &;
لاحظ إرتعاشة يداها و هي ترتب الثياب أمامها بينما تجيبه بثبات&; متكل&;ف :
-بطلع شوية هدوم ليا. لو هاتخش تستحمى انت الأول هاستناك.. مافيش مشكلـ آ ...
قاطعها لاف&;ا ذراع حول خاصرتها من الخلف&; و ممسك&;ا بإحدى يديها&; ضمها بقوة لاصق&;ا ظهرها بصدره و هامس&;ا بحرارة&; في أذنها :
-إنتي إيدك بتترعش كده ليه &; مالك يا حبيبتي حاسة بتعب و لا إين &;
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت بتوتر :
-لأ. أنا كويسة.. مافياش حاجة
-حقك عليا يا بطة !
أذهلها رده&; فسألته :
-عشان إيه بتقول كده &;
جاوبها بصوت&; يقطر عشق&;ا و حنان&;ا :
-على أي غلطة غلطتها في حقك. و على ليلة إمبارح.. سامحيني لو كنت قسيت عليكي حبة منغير قصد. اعرفي بس إني مية في المية بنسى نفسي و أنا معاكي. مش بشوف غيرك قصادي. و ماكنتش مصدق نفسي.. في كل ثانية مرت علينا و انتي في حضني كان بيتهيأ لي إنك حلم. و هاصحى ألاقيكي لسا غضبانة عليا. أنا لحد اللحظة دي خايف أكون بحلم يا فاطمة !
تمالكت نفسها من الانهيار اعتراض&;ا و رفض&;ا له&; و خفية&; بيدها الحر&;ة أخذت تقرص وركها بشدة مؤلمة لتنسى وجودها بين أحضانه و قالت :
-لأ ده مش حلم يا مصطفى.. و أنا أهو بين إيديك. بقينا إتنين متجوزين فعل&;ا و إللي حصل المرة دي كان برضايا.. عاوز إثبات إيه أكتر من كده &;
رد بلا تفكير&; :
-تخلفي لي. هو ده كل إللي ناقص لي من بعد ما رضيتي عني.. نفسي تشيلي عيال مني. عيال كتير أوي يا بطة
و كأنه ساعدها من خيث لا يدري لتتجاوز بعض مشاعرها المتنفرة منه&; لتلفت في مواجهته الآن&; و تضع يديها فوق صدره العاري قائلة في ما يشبه التضامن :
-في دي معاك كل الحق. أنا كمان عايزة أخلف يا مصطفى. عايزة أخلف عيال كتير ...
ركز نظراته على شفاهها المكتنزة و هو يدمدم مبتسم&;ا :
-طاوعيني بس. و كمان 9 شهور بالعدد و هانكون 3 في الشقة دي !
اومأت مرددة بآلية :
-أنا موافقة.. و كلي ليك و تحت أمرك
لم يصدق "مصطفى" ما تسمعه أذناه&; كان واقع&;ا جهنمي لم يخطر حتى على باله أن يحدث قط&; و ما كانت هناك إلا طريقة واحدة ليتأكد من صحة ما يعيشه
و هي ما إتبعها في الحال ملاقي&;ا إستسلام&;ا تام من جانب زوجته ...
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
مزاجها هذا الصباح في تحسن&; كبير
كانت فكرة جيدة أن تنتقل للعيش و لو مؤقت&;ا بشقة شقيقها و زوجته&; فقد حملاها على أكف الراحة كما ي&;قال&; و بفضل جهد ي&;ذكر لـ"رزق" ضحكت كثير&;ا على مائدة الغذاء و قد كانت كل لقمة بنكتة و مزحة
مع هذا لم تشعر "ليلة" بأي&; غيرة أو ضغينة&; إذ أن زوجها الذي حرص على إشباعها عاطفي&;ا و قد كانت هذه وظيفته طوال الليل بجانب نصيبه الخاص من المتعة&; و هذا ما يجعلها تشيد به و برفعة و حذاقة تصرفاته و أفكاره
أنه ينال ما يريد&; و يشبع شراهته الرجولية&; لكن في الوقت ذاته يراعي شريكته&; و يوفر لها كل س&;ب&;ل الراحة و الرضا&; لم يتركها إلا راضية و غافية بين ذراعيه كطفلة&; ...
-كلي دي من إيدي عشان خاطري !
سعى "رزق" محاول&;ا أن يزق الطعام بفم شقيقته
لتدعمه "ليلة" رابتة على ذراع الفتاة الشابة :
-ماتكسفيش أيده بقى يا نور. بيقولك عشان خاطره
وزعت "نور" نظراتها بينهما حائرة :
-أنا كلت كتير و الله.. مش قادرة آكل تاني
احتجت "ليلة" فور&;ا :
-لأ يا قلبي ماينفعش معايا الكلام ده.. إنتي ببؤك طلبتي تاكلي نجرسكو على الغدا. و أهيه قدامك بعد ما صحيت مخصوص عشانك و طبختها تسيبيها &; و الله أزعل
-كلت منها كتير. و حلوة صدقيني.. بس مش قادرة آكل أكتر من كده
تنهد "رزق" مستسلم&;ا لإرادة أخته و قال و هو يسقط اللقمة في طبقه ثانية&; :
-خلاص يا ليلة. سبيها براحتها.. نور أساس&;ا مش غريبة و ده بيتها. لو عازت أي حاجة هاتقوم تاخدها و تعملها. صح يا نور &;
اومأت "نور" بطفولية محضة&; فضحك لها و دنى منها ليقبلها على خدها ...
تنهض "نور" فجأة معلنة :
-طيب أنا هانزل تحت شوية !
عبس "رزق" قائل&;ا :
-تنزلي تحت فين &;!!
نور بعفوية : هانزل أشوف بابا. وحشني !
لوى "رزق" فمه مجاهد&;ا لموارة إنفعالاته&; الأمر الذي إنتبهت له "ليلة" فقامت هي الأخرى و ساندت "نور" قائلة :
-مافيش مشكلة يا حبيبتي. روحي طبع&;ا.. زي ما رزق قال البيت كله بيتك. تقدري تكلعي و تنزلي براحتك.. مش كده يا رزق &;
نكس الأخير رأسه مجيب&;ا على مضض :
-آه.. كده !
إبتسمت "نور" و جاءت من خلفه تحيط برقبته&; طبعت قبلة شقية على خده المشعر فجعلته يبتسم من قلبه و يقول بلطف&; :
-إنزلي يا حبيبتي. و انا شوية و هانزل بردو عشان أشوف كوكي.. أبقى أشوفك تحت و نعمل إللي إتفقنا عليه. ماشي &;
تنفست "نور" بعمق&; و قالت على ضمانته :
-ماشي. هاستناك
و قبلته مرة&; أخيرة&; ثم ركضت كريشة&; طائرة تجاه باب الشقة&; هبطت الدرج متم&;ة طابق&; لتصل أمام شقة أبيها
قرعت الجرس مرة
إثنان
ثلاث ...
ما من م&;جيب
أين ت&;راه ذهب !!!
-إزيك !
-هيييييييييييييييييييييه ! .. تلك الشهقة العميقة أصدرتها و هي تقفز مذعورة
عندما أتاها صوته فجأة&;
إلتصقت "نور" بلوح الباب و هي تحملق شاخصة في "علي" الذي ظهر من العدم بغتة&;&; بينما الأخير يرفع كف&;اه أمام عينيها مأخوذ&;ا بردة فعلها
اعتذر منها في الحال :
-أنا آسف. آسف ماقصدش أخضك و الله.. إنتي كويسة &;&;&;
لم تقو&; على الرد في الحال&; المفاجأة تقريب&;ا شل&;تها&; ليتفاقم قلقه و هو يقترب منها بحذر&; قائل&;ا :
-نور ! إنتي سمعاني &; أنا ماكنش قصدي أخضك. أنا كنت نازل و سمعت خطوتك.. كان بودي أسل&;م عليكي بس... نور !!
إستغرقها الوضع الحساس لحظات&; طويلة&; حتى تمكنت من النطق أخير&;ا :
-أنا... كويسة !
و كأن عقدة لسانها ح&;ل&;ت&; مضت متسائلة ببلاهة&; صبيانية :
-و إنت إزيك عامل إيه &;
إبتسم رغم&;ا عنه و قال مسترخي&;ا فجأة :
-الحمدلله.. تمام. إيه إللي موقفك على السلم كده &;
أشارت "نور" بيدها قائلة :
-كنت جاية أشوف بابا. بس شكله مش جوا
وافقها : هو فعل&;ا مش جوا. أنا لسا سايبه مش شوية هنا و كان قال نازل يفطر تحت مع إخواتك
-إمم ! .. همهمت بتفهم&;
ليسألها بطريقة غير مباشرة :
-إنتي أكيد مش هاتنزلي تحت تاني صح &;
عقدت حاحبيه ...
-لأ أكيد هانزل. وعدت رزق إني هانزل و هاتصالح مع سلمى
-هو إيه إللي حصل يا نور &;
صمتت أمام سؤاله بلا نية في الإجابة ...
فواصل متخذ&;ا خطوة أخرى صوبها :
-أنا عارف إنكم أختين مع بعض. و جايز ده مايخصنيش.. بس أنا مش قادر أرمي من على كتفي إنك مسؤوليتي. إللي يزعلك يزعلني. ماتستغربيش.. أنا من ساعة ما شوفتك و إنتي دايم&;ا في بالي. حتى لو ماكنتيش بنت سالم الجزار. كنت راجعلك. النشار ماجبلكيش سيرة &; أنا كنت طلبتك منه. في نفس اليوم إللي شوفتك فيه من سنتين و شوية ...
حدقت فيه ملء عينيها و بقيت صامتة&; فسألها بوهن&; :
-إنتي ساكتة ليه &; كلميني. معقول مش فاكرة اليوم إللي قضيناه سوا &;!
-فاكرة ! .. جاوبته متذكرة أحداث ذلك النهار كله حتى الأمسية الرائعة
كانت تحتفظ بتلك الذكريات في عقلها مثل أفلام&; قصيرة تلجأ إليها في وحشة الليالي و زحام النهار ...
يستطرد "علي" شامل&;ا إياها بنظرات&; فوضوية مبهورة :
-لما شوفتك هنا ماصدقتش.. البنت الوحيدة إللي لمست حاجة جوايا. إللي قدرت تحرك حاجات كنت مفكر إنها إستحالة تتحرك لواحدة.. فجأة بقت قصادي. لأ و أصل&;ا مكتوبة على إسمي.. و الأكبر من كده إنها عارفة و طلعت بتبادلني نفس المشاعر !!!!
أخذ قلبها يطرق صدرها بعنف&; الآن حين قطع المسافة الباقية بينهما ليذر بضع سنتمترات قليلة فقط&; و يقول بصوته الخفيض العذب مثبت&;ا عينيه الحادتين بعينيها الواسعتان البريئتان :
-قوليلي يا نور.. إنتي حبتيني بجد &;
من جديد اومأت له أن نعم
ليكتم صيحة بداخله شاد&;ا على أسنانه&; لوهلة&; خشت تصرفاته&; إلى أن تابع :
-إنتي خسارة فيا. تعرفي ده &; خسارة فينا كلنا.. لما شوفتك امبارح و انتي منهارة و بتعيطي. عرفت إن حياتك لو كملتيها هنا هـ ...
لم يستطع إكمالها&; فتجاوزها و أضاف هاز&;ا رأسه كأنما يحاول إقناع نفسه بالمقام الأول :
-أنا ماستهالكيش يا نور !
-مش فاهمة قصدك !! .. أجفلت باضطراب&;
حاول أن يشرح لها :
-أنا خايف عليكي !
ذهلت معق&;بة : من إيه &;
نظر "علي" لها نظرة قاسية و جاوبها :
-مني !
فغرت فاها و رفعت حاجبيها غير قادرة على الاستيعاب مطلق&;ا :
-إنت.. بتقول. كلام غريب أوي.. أنا مش فاهمة أي حاجة... إنت مش عايز تتجوزني يعني &;!!
تجرأ الآن بوضع كفه على خدها الأيمن و قال بما يشبه الهمس المنفعل :
-أنا مابقتش عاوز أي حاجة من حياتي غيرك. من يوم ما شوفتك... بس خايف أزعلك. خايف تكرهيني في يوم من الأيام. عاوز أبعدك عني. و في نفس الوقت مش طايق فكرة إنك تبعدي أو إن قلبك يميل لحد غيري بعدين !
لم تكن تعي حق&;ا معاني كلماته&; أو أبعاد معاناته&; لكنها فهمت أمر&;ا واحد&;ا فقط
أنه بالفعل خائف&; لذلك كان عليها أن تطمئنه&; و هو ما فعلته
إذ أخذت بيده الأخرى و ضمتها بقبضتيها الناعمتين&; و قالت مبتسمة برقة :
-ماتخافش يا علي. لو مشاعرك حقيقية و واثق من حبك.. ماتخافش. أنا كمان بحبك. و مش خايفة !
تلك الجني&;ة الصغيرة
لو تعلم فقط أن كلماتها لم تفعل شيئ&;ا إلا زيادة مخاوفه أكثر&; و إشتداد وساوسه بأنها قابلة للكسر كثير&;ا&; و أنه لن ينجح طويل&;ا بابقائها سليمة ...
&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;&;
تتظاهر بالنوم منذ الصبيحة&; موعد إستيقاظها قد مر&;&; و هي لا تزال قابعة بين الفرش و الدثائر
مكتئبة&; حزينة&; تشعر بسخونة و إلتهاب خدها&; حيث الصفعة التي تلق&;تها من كف أبيها&; لأول مرة في حياتها تنال منه مثل هذا العقاب
لو يعلم كم ذلك قاسي عليها.. إذا كانت معتادة ما كانت لتجزع... لكن المعضلة الكبرى أنه كان يعاملها كماسة تاجه
حتى تبي&;ن لها بالأمس أن تاجه الحقيقي كان و سيظل دائم&;ا "نور"... أختها التي ظهرت بحيانها كعفريت.. لتسرق منها كل شيء و تسلبها حب و إهتمام أبيها و جميع المحيطين بها
الآن هي مجرد نكرة
نكرة ...
أطبقت "سلمى" عينيها بشدة في هذه اللحظة&; عندما سمعت قرع&;ا على باب غرفتها&; لم تمر لحظة إلا و إنفتح الباب&; في البادئ لم تعرف من
لكنها بعد قليل أحست بالفراش يثقل بجوارها&; و سمعت احتكاك بعض الأواني و الصحون ببعضها&; ثم جمدت حين تغلغل بأذنها صوت أبيها :
-قومي يا سلمى. أنا جايبلك الفطار بنفسي لحد هنا.. قومي يا سلمى أنا عارف إنك صاحية !
و إرتعدت بقوة عندما لمس ساقها&; سحبت نفسها و قامت لتجلس على مسافة منه&; كان شعرها الناعم ينهمر فوق وجهها مخفي&;ا عيناها المتو&;رمتان من البكاء طوال الليل
طوت ساقيها و أحاطت بهما ذراعيها و مكثت هادئة أمامه&; ليطلق نهدة حارة من صدره و هو يرنو إليها بنظرات&; آسفة :
-تصدقي لو قلت لك أول مرة في حياتي أحس إني تعبان &; أول مرة قلبي يترعش بين ضلوعي. دماغي تلف.. رجلي ماتشلنيش.. كل ألم نزل على وشك من كفي ده يا سلمى. كان بينزل على قلبي الأول. على أد حزنك و زعلك مني. حسيت بكل إللي حسيتي بيه بسببي.. أراهنك إنك ماعرفتيش تنامي طول الليل. لأني أنا كمان مادوقتش طعم النوم !
لا زال لم ينجح باستمالة قلبها إليه&; فأردف ماد&;ا يده إليها :
-إنتي حتة من قلبي يا سلمى. إنتي بنتي حبيبتي.. إنتي الوحيدة إللي اسمك على اسمي. سلمى.. سلمى سالم الجزار. إزاي فكرتي إني مابحبكيش &; أو إن ممكن حد يزحزحك من مكانتك عندي. حتى لو نور.. كل واحدة فيكوا ليها مكانة خاصة. و كل واحدة بحبها بنفس الدرجة حتى لو اختلفت المعاملة.. انتي فكرتيني باخوكي مصطفى و موقفه من اخوكي رزق طول عمره. يمكن هو ده إللي جنني. و خلاني أعمل فيكي كده و ماشوفش قدامي ...
استرقت بعض النظرات إليه من خلال غلالة شعرها المتشابكة&; فابتسم بحزن&; و تأوه محتذب&;ا إياها بقوة لتستقر بين أحضانه في لحظة :
-حبيبتي يابنتي. حبيبتي يا سلمى. حقك على عيني. على راسي.. دموعك الغالية. قوليلي أعمل إيه عشان أمسحهم من جواكي... قوليلي يا سلمى عايزة إيه.. إللي إنتي عايزاه أنا هاعملهولك.. قولي يا حبيبتي ...
و كأن أخرى نطقت بلسانها&; و لكن في الحقيقة كانت هي&; بمنتهى الثقة و الثبات قالت :
-أنا عايزة أتجوز عاصم السويفي يا بابا !
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد
- يالله ياسميرة، ليه متأخرة كده؟ ده معادنا من بدري.
- معلش يا ماما غصب عني، كان عندي محاضرة مهمة ولسه مخلصة.
- ومفيش تليفون تعرفيني؟ مكنتش قلقانة عليكي خالص!
- أنا آسفة يا ماما، والله نسيت خالص.
- طيب يلا اطلعي غيري هدومك بسرعة، زمان عمك وعماتك جايين في الطريق.
- حاضر يا ماما.
صعدت سميرة إلى غرفتها وهي تشعر بالملل من هذا التجمع العائلي الذي يفسد عليها يومها.
تنهدت ثم دخلت غرفتها وخلعت عنها ملابسها وارتدت ملابس أخرى مريحة، ثم نزلت لمساعدة والدتها.
- ماما، أعمل إيه؟
- جهزي السفرة يا حبيبتي، زمانهم جايين.
- حاضر.
بدأت سميرة في تجهيز السفرة وهي تشعر بالضيق، فهي لا تحب هذه التجمعات العائلية التي لا تخلو من المشاكل.
بعد فترة ليست طويلة وصل الأقارب.
استقبلتهم والدتها بفرحة.
سلمت سميرة عليهم ودخلت المطبخ لمساعدة والدتها في إحضار الطعام.
- إيه يا بنتي، مش ناوية تفرحينا بقى؟
توقفت سميرة عن الحركة وهي تعلم أن هذا السؤال لن ينتهي أبدًا.
- لسه يا عمتي، لما يجي ابن الحلال.
- ابن الحلال موجود، بس انتي اللي مش عايزة تشوفيه.
- قصدك إيه يا عمتي؟
- قصدي ابن عمك فوزي، مهندس قد الدنيا ومحدش يطوله.
- يا عمتي، أنا وفوزي زي الإخوات، ومينفعش اللي بتقوليه ده.
- إخوات إيه بس يا بنتي، ده بيحبك وميت فيكي وانتي اللي مش راضية.
- عن إذنك يا عمتي، هروح أشوف ماما.
تركتها سميرة وذهبت إلى المطبخ وهي تشعر بالغضب من عمتها.
- مالك يا سميرة؟
- مفيش يا ماما.
- عمتك ضايقتك تاني؟
- وهي هتزهق من إيه غير الموضوع ده.
- معلش يا حبيبتي، استحمليها.
- لحد إمتى يا ماما؟ أنا تعبت بجد.
- خلاص يا حبيبتي، أنا هتصرف.
بعد الانتهاء من تناول الطعام، اجتمع الجميع في غرفة المعيشة، وبدأوا يتحدثون في أمور مختلفة.
سميرة كانت تجلس صامتة لا تتحدث، ولكنها تستمع لما يدور حولها.
- إيه يا سميرة، مش ناوية تتكلمي ولا إيه؟
- بتكلم عادي يا عمتي.
- هو ده كلامك؟ ده انتي طول النهار على الفيس بوك والتليفون مبتسيبيهوش.
- يا عمتي، أنا مش قاعدة على الفيس بوك طول النهار، عندي دراسة ومحاضرات.
- دراسة إيه بس يا بنتي، ده انتي خلاص كبرتي، المفروض تتجوزي وتخلفي.
- يا عمتي، أنا لسه بدرس، ومفكرتش في الجواز دلوقتي خالص.
- إيه يا سميرة، ناوية تعنسي ولا إيه؟
- بس بقى يا منى، سيبي البنت في حالها.
تحدث والدتها بغضب وهي تدافع عن ابنتها.
- أنا بتكلم لمصلحتها يا أم سميرة.
- مصلحتها عندي أنا، وانتي ملكيش دعوة.
- إيه يا جماعة، في إيه؟
تدخل والدها في الحديث وهو يشعر بالضيق من هذا الشجار.
- مفيش يا بابا، عمتي بس بتتدخل في حياتي.
- يا بنتي، عمتك زي والدتك، ومتقوليش كده.
- بس هي بتضايقني بكلامها.
- خلاص يا سميرة، اطلعي أوضتك.
صعدت سميرة إلى غرفتها وهي تشعر بالغضب الشديد من عمتها.
أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم جلست على سريرها وهي تبكي.
لماذا لا يتركونها في حالها؟ لماذا يتدخلون في حياتها بهذا الشكل؟
تمنت لو أنها تستطيع أن تذهب بعيدًا عن كل هؤلاء الناس.
بعد فترة، سمعت صوت والدتها تنادي عليها.
- سميرة يا حبيبتي، افتحي الباب.
- مش عايزة أتكلم مع حد يا ماما.
- يا حبيبتي، افتحي بس.
قامت سميرة وفتحت الباب لوالدتها.
- مالك يا حبيبتي؟
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
- كويسة إزاي وانتي بتعيطي؟
- أنا تعبت يا ماما، تعبت من كلامهم وتدخلهم في حياتي.
- معلش يا حبيبتي، أنا عارفة إنك بتتعبي، بس استحملي.
- لحد إمتى يا ماما؟
- خلاص يا حبيبتي، أنا هتصرف.
- هتتصرفي إزاي يعني؟
- هشوف حل للموضوع ده.
- يعني إيه؟
- يعني هكلم والدك، وهشوف حل لموضوعك.
- بجد يا ماما؟
- أيوة يا حبيبتي، بس انتي متزعليش نفسك.
- حاضر يا ماما.
احتضنت سميرة والدتها وهي تشعر ببعض الراحة.
نزلت والدتها لكي تتحدث مع والدها.
- إيه يا أم سميرة، في إيه؟
- عاوزة أتكلم معاك في موضوع سميرة.
- خير يا حبيبتي.
- سميرة تعبت من كلام أختك، ومينفعش كده.
- أختي بتتدخل في حياتها، وهي مش راضية تسكت.
- بس يا حبيبتي، أختي بتحب سميرة وعاوزة مصلحتها.
- مصلحتها عندي أنا، وهي مالهاش دعوة.
- بس يا حبيبتي، هي بتشوفها كبرت ومفيش عريس مناسب.
- ابن أختك ده أنا مش موافقة عليه.
- ليه يا حبيبتي؟ ده شاب كويس ومحترم.
- مش مناسب لسميرة، وسميرة مش بتحبه.
- بس يا حبيبتي، سميرة لازم تتجوز.
- هتتجوز اللي تحبه، مش اللي احنا نختاره ليها.
- خلاص يا حبيبتي، أنا هتصرف في الموضوع ده.
- يعني إيه؟
- يعني هتكلم مع أختي، وهفهمها إنها متتدخلش في حياة سميرة.
- بجد يا حبيبي؟
- أيوة يا حبيبتي، متقلقيش.
- شكراً يا حبيبي.
احتضنت والدتها والدها وهي تشعر ببعض الراحة.
صعدت والدتها إلى سميرة لتخبرها بما حدث.
- سميرة يا حبيبتي.
- نعم يا ماما.
- والدك هيتكلم مع عمتك، وهيحل الموضوع.
- بجد يا ماما؟
- أيوة يا حبيبتي، متقلقيش.
- شكراً يا ماما.
احتضنت سميرة والدتها وهي تشعر بالسعادة.
بعد فترة، ذهب الأقارب إلى منازلهم.
في اليوم التالي، ذهبت سميرة إلى جامعتها.
كانت تسير في الممرات وهي تشعر بالملل.
- سميرة.
التفتت سميرة لتجد صديقتها مريم.
- مريم، إزيك؟
- الحمد لله، وانتي عاملة إيه؟
- كويسة.
- مالك يا بنتي، شكلك مش عاجبني؟
- مفيش يا مريم، بس مضايقة شوية.
- ليه يا حبيبتي، في إيه؟
- عمتي كل يوم والتاني بتتدخل في حياتي، وعاوزة تجوزني ابنها.
- إيه ده، لسه برضه؟
- أيوة يا مريم، تعبت منها بجد.
- معلش يا حبيبتي، استحملي.
- لحد إمتى يا مريم؟
- خلاص يا حبيبتي، متزعليش نفسك.
- أنا زهقت من الحياة دي بجد.
- خلاص يا سميرة، متقوليش كده.
- أنا عايزة أبعد عن كل ده.
- خلاص يا حبيبتي، ربنا هيفرجها من عنده.
- يا رب يا مريم.
جلست سميرة ومريم في الكافتيريا، وبدأتا تتحدثان في أمور مختلفة.
بعد فترة، ذهبت سميرة إلى محاضرتها.
كانت تجلس في المحاضرة وهي لا تستطيع التركيز.
كانت تفكر في كلام عمتها، وفي حياتها.
تمنت لو أنها تستطيع أن تفعل أي شيء لكي تبتعد عن كل هذا.
بعد الانتهاء من المحاضرة، ذهبت سميرة إلى منزلها.
دخلت المنزل وهي تشعر بالضيق.
- ماما، أنا جيت.
- أهلاً يا حبيبتي، عاملة إيه؟
- الحمد لله.
- مالك يا حبيبتي؟
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
- شكلك مش عاجبني يا سميرة.
- أنا تعبانة شوية يا ماما، وعاوزة أنام.
- خلاص يا حبيبتي، اطلعي نامي.
صعدت سميرة إلى غرفتها وهي تشعر بالضيق.
أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم جلست على سريرها وهي تبكي.
تمنت لو أنها تستطيع أن تذهب بعيدًا عن كل هذا.
تمنت لو أنها تستطيع أن تعيش حياة هادئة بعيدًا عن المشاكل.
بعد فترة، سمعت صوت والدتها تنادي عليها.
- سميرة يا حبيبتي، افتحي الباب.
- مش عايزة أتكلم مع حد يا ماما.
- يا حبيبتي، افتحي بس.
قامت سميرة وفتحت الباب لوالدتها.
- مالك يا حبيبتي؟
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
- كويسة إزاي وانتي بتعيطي؟
- أنا تعبت يا ماما، تعبت من كل حاجة.
- معلش يا حبيبتي، أنا عارفة إنك بتتعبي، بس استحملي.
- لحد إمتى يا ماما؟
- خلاص يا حبيبتي، أنا هتصرف.
- يعني إيه؟
- يعني هشوف حل لموضوعك.
- بجد يا ماما؟
- أيوة يا حبيبتي، بس انتي متزعليش نفسك.
- حاضر يا ماما.
احتضنت سميرة والدتها وهي تشعر ببعض الراحة.
نزلت والدتها لكي تتحدث مع والدها.
- إيه يا أم سميرة، في إيه؟
- عاوزة أتكلم معاك في موضوع سميرة.
- خير يا حبيبتي.
- سميرة تعبت من كلام أختك، ومينفعش كده.
- أختي بتتدخل في حياتها، وهي مش راضية تسكت.
- بس يا حبيبتي، أختي بتحب سميرة وعاوزة مصلحتها.
- مصلحتها عندي أنا، وهي مالهاش دعوة.
- بس يا حبيبتي، هي بتشوفها كبرت ومفيش عريس مناسب.
- ابن أختك ده أنا مش موافقة عليه.
- ليه يا حبيبتي؟ ده شاب كويس ومحترم.
- مش مناسب لسميرة، وسميرة مش بتحبه.
- بس يا حبيبتي، سميرة لازم تتجوز.
- هتتجوز اللي تحبه، مش اللي احنا نختاره ليها.
- خلاص يا حبيبتي، أنا هتصرف في الموضوع ده.
- يعني إيه؟
- يعني هتكلم مع أختي، وهفهمها إنها متتدخلش في حياة سميرة.
- بجد يا حبيبي؟
- أيوة يا حبيبتي، متقلقيش.
- شكراً يا حبيبي.
احتضنت والدتها والدها وهي تشعر ببعض الراحة.
صعدت والدتها إلى سميرة لتخبرها بما حدث.
- سميرة يا حبيبتي.
- نعم يا ماما.
- والدك هيتكلم مع عمتك، وهيحل الموضوع.
- بجد يا ماما؟
- أيوة يا حبيبتي، متقلقيش.
- شكراً يا ماما.
احتضنت سميرة والدتها وهي تشعر بالسعادة.
في اليوم التالي، ذهبت سميرة إلى جامعتها.
كانت تسير في الممرات وهي تشعر بالملل.
- سميرة.
التفتت سميرة لتجد صديقتها مريم.
- مريم، إزيك؟
- الحمد لله، وانتي عاملة إيه؟
- كويسة.
- مالك يا بنتي، شكلك مش عاجبني؟
- مفيش يا مريم، بس مضايقة شوية.
- ليه يا حبيبتي، في إيه؟
- عمتي كل يوم والتاني بتتدخل في حياتي، وعاوزة تجوزني ابنها.
- إيه ده، لسه برضه؟
- أيوة يا مريم، تعبت منها بجد.
- معلش يا حبيبتي، استحملي.
- لحد إمتى يا مريم؟
- خلاص يا حبيبتي، متزعليش نفسك.
- أنا زهقت من الحياة دي بجد.
- خلاص يا سميرة، متقوليش كده.
- أنا عايزة أبعد عن كل ده.
- خلاص يا حبيبتي، ربنا هيفرجها من عنده.
- يا رب يا مريم.
جلست سميرة ومريم في الكافتيريا، وبدأتا تتحدثان في أمور مختلفة.
بعد فترة، ذهبت سميرة إلى محاضرتها.
كانت تجلس في المحاضرة وهي لا تستطيع التركيز.
كانت تفكر في كلام عمتها، وفي حياتها.
تمنت لو أنها تستطيع أن تفعل أي شيء لكي تبتعد عن كل هذا.
بعد الانتهاء من المحاضرة، ذهبت سميرة إلى منزلها.
دخلت المنزل وهي تشعر بالضيق.
- ماما، أنا جيت.
- أهلاً يا حبيبتي، عاملة إيه؟
- الحمد لله.
- مالك يا حبيبتي؟
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
- شكلك مش عاجبني يا سميرة.
- أنا تعبانة شوية يا ماما، وعاوزة أنام.
- خلاص يا حبيبتي، اطلعي نامي.
صعدت سميرة إلى غرفتها وهي تشعر بالضيق.
أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم جلست على سريرها وهي تبكي.
تمنت لو أنها تستطيع أن تذهب بعيدًا عن كل هذا.
تمنت لو أنها تستطيع أن تعيش حياة هادئة بعيدًا عن المشاكل.
في اليوم التالي، استيقظت سميرة من نومها وهي تشعر بالضيق.
قامت من سريرها، وتوجهت إلى الحمام.
بعد أن انتهت من الاستحمام، ارتدت ملابسها، ثم نزلت إلى الأسفل.
- صباح الخير يا ماما.
- صباح النور يا حبيبتي، عاملة إيه؟
- الحمد لله.
- مالك يا حبيبتي، شكلك مش عاجبني؟
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
- خلاص يا حبيبتي، تعالي افطري.
جلست سميرة على مائدة الطعام، وبدأت تتناول الإفطار.
كانت تفكر في حياتها، وفي مستقبلها.
تمنت لو أنها تستطيع أن تفعل أي شيء لكي تغير حياتها.
بعد أن انتهت من تناول الإفطار، ذهبت سميرة إلى جامعتها.
كانت تسير في الممرات وهي تشعر بالملل.
- سميرة.
التفتت سميرة لتجد صديقتها مريم.
- مريم، إزيك؟
- الحمد لله، وانتي عاملة إيه؟
- كويسة.
- مالك يا بنتي، شكلك مش عاجبني؟
- مفيش يا مريم، بس مضايقة شوية.
- ليه يا حبيبتي، في إيه؟
- عمتي كل يوم والتاني بتتدخل في حياتي، وعاوزة تجوزني ابنها.
- إيه ده، لسه برضه؟
- أيوة يا مريم، تعبت منها بجد.
- معلش يا حبيبتي، استحملي.
- لحد إمتى يا مريم؟
- خلاص يا حبيبتي، متزعليش نفسك.
- أنا زهقت من الحياة دي بجد.
- خلاص يا سميرة، متقوليش كده.
- أنا عايزة أبعد عن كل ده.
- خلاص يا حبيبتي، ربنا هيفرجها من عنده.
- يا رب يا مريم.
جلست سميرة ومريم في الكافتيريا، وبدأتا تتحدثان في أمور مختلفة.
بعد فترة، ذهبت سميرة إلى محاضرتها.
كانت تجلس في المحاضرة وهي لا تستطيع التركيز.
كانت تفكر في كلام عمتها، وفي حياتها.
تمنت لو أنها تستطيع أن تفعل أي شيء لكي تبتعد عن كل هذا.
بعد الانتهاء من المحاضرة، ذهبت سميرة إلى منزلها.
دخلت المنزل وهي تشعر بالضيق.
- ماما، أنا جيت.
- أهلاً يا حبيبتي، عاملة إيه؟
- الحمد لله.
- مالك يا حبيبتي؟
- مفيش يا ماما، أنا كويسة.
- شكلك مش عاجبني يا سميرة.
- أنا تعبانة شوية يا ماما، وعاوزة أنام.
- خلاص يا حبيبتي، اطلعي نامي.
صعدت سميرة إلى غرفتها وهي تشعر بالضيق.
أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم جلست على سريرها وهي تبكي.
تمنت لو أنها تستطيع أن تذهب بعيدًا عن كل هذا.
تمنت لو أنها تستطيع أن تعيش حياة هادئة بعيدًا عن المشاكل.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل العاشر 10 - بقلم مريم محمد
الفصل الرابع عشر
وصلت سارة للمستشفى وهي بتجري، وكانت قلقانة جدًّا، وبتدعي ربنا إن ميكونش حصل حاجة وحشة. وصلت عند الأوضة اللي فيها أمها، لقت أبوها قاعد على الكرسي وحالته مش كويسة خالص.
قربت منه بخوف:
"إيه يا بابا؟ ماما كويسة؟ إيه اللي حصل؟"
رد أبوها بصوت مبحوح:
"الحمد لله يا حبيبتي، بس جالها جلطة في القلب".
سارة بصدمة:
"إيه؟ جلطة؟ إزاي؟"
الأب:
"الدكتور قال إنها كانت متوترة شوية، والضغط بتاعها كان عالي، ونقلناها هنا على طول".
سارة قعدت جنبه وهي بتعيط:
"يا ربي، يا حبيبتي يا ماما، ليه كدة بس؟"
بعد شوية الدكتور خرج من الأوضة.
سارة جريت عليه:
"إيه يا دكتور، ماما عاملة إيه دلوقتي؟"
الدكتور:
"الحمد لله يا مدام سارة، قدرنا نسيطر على الوضع، بس لازم ترتاح تمامًا، ومفيش أي ضغط أو توتر عليها الفترة الجاية، وهنخليها تحت الملاحظة 24 ساعة".
سارة:
"طب أنا ممكن أشوفها؟"
الدكتور:
"هي نايمة دلوقتي، خليها ترتاح شوية، وممكن تشوفيها الصبح إن شاء الله".
سارة:
"تمام يا دكتور، ألف شكر لحضرتك".
سارة قعدت جنب أبوها، وأبوها كان بيطبطب عليها، وهي كانت بتعيط، لحد ما نامت في حضنه.
في صباح اليوم التالي، سارة صحيت، لقت أمها فاقت.
قربت منها وبوستها:
"حمد لله على السلامة يا حبيبتي، خضتيني عليكي أوي".
الأم بتعب:
"الله يسلمك يا حبيبتي، متقلقيش عليا، أنا كويسة".
سارة:
"لا يا ماما، أنا مش هسيبك لوحدك تاني، أنا هقعد معاكي هنا".
الأم:
"لا يا حبيبتي، روحي انتي شوفي شغلك وبيتك، أنا كويسة، وأبوكي معايا".
سارة:
"لا يا ماما، أنا مش هسيبك، أنا هجيب هدومي واجي أقعد معاكي".
الأم:
"اللي تشوفيه يا حبيبتي".
بعد شوية سارة مشيت، وقبل ما تروح البيت، عدت على حازم في شركته.
سارة:
"صباح الخير يا حازم".
حازم:
"صباح النور يا سارة، إيه اللي جابك بدري كدة؟"
سارة:
"ماما تعبت أوي إمبارح، وجالها جلطة في القلب".
حازم بخوف:
"إيه؟ جلطة؟ إزاي؟"
سارة:
"الدكتور قال إنها متوترة، والضغط عالي، وهقعد معاها في المستشفى الفترة الجاية، ومش هقدر أجي الشغل".
حازم:
"ألف سلامة عليها، متقلقيش على الشغل، أنا هتصرف، وخليكي معاها".
سارة:
"متشكرة أوي يا حازم".
حازم:
"على إيه بس؟ المهم إنها تبقى كويسة، أنا هجيلها بليل إن شاء الله".
سارة:
"تمام يا حبيبي، أشوفك بليل".
سارة مشيت من عند حازم، وراحت على البيت، لمّت هدومها، وخدت معاها أكل، وراحت على المستشفى.
مر أسبوع، وسارة كانت قاعدة مع أمها في المستشفى، وحازم كان بيجلها كل يوم، وكان بيطمن على أمها، وكان بيشوف لو محتاجين أي حاجة.
في يوم، سارة كانت قاعدة مع أمها، فجأة أمها قالت:
"سارة، أنا عايزة أقولك على حاجة".
سارة:
"إيه يا ماما؟"
الأم:
"أنا عارفة إنك زعلانة مني، بس أنا اللي عملته كان غصب عني".
سارة:
"إيه يا ماما اللي بتقوليه ده؟ أنا مش زعلانة منك، أنا بس كنت قلقانة عليكي أوي".
الأم:
"لا يا حبيبتي، أنا عارفة إنك زعلانة من اللي حصل، بس أنا كنت خايفة عليكي أوي".
سارة:
"خايفة عليا من إيه يا ماما؟"
الأم:
"خايفة عليكي من حازم".
سارة باستغراب:
"من حازم؟ ليه؟"
الأم:
"أنا اكتشفت إن حازم مش كويس، وإنه بيضحك عليكي، وإنه عايز يوصل لحاجة معينة".
سارة بصدمة:
"إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ حازم بيحبني أوي، وعمره ما يعمل كدة".
الأم:
"لا يا حبيبتي، أنا متأكدة من اللي بقوله، أنا شفته مع بنت تانية، وكانوا بيضحكوا وبيكلموا بعض، وكانوا قريبين أوي من بعض".
سارة:
"إيه؟ إزاي؟ إمتى؟"
الأم:
"أنا شفته من كام يوم، كنت رايحة أجيب حاجة من بره، وشفته معاها، وساعتها تعبت أوي، وجالي اللي جالي".
سارة قعدت تعيط:
"لا يا ماما، ده أكيد سوء فهم، حازم عمره ما يعمل كدة".
الأم:
"لا يا حبيبتي، أنا متأكدة من اللي شفته، أنا مش عايزة أخسرك، أنا عايزة مصلحتك".
سارة:
"بس أنا بحبه أوي يا ماما، وعمري ما أقدر أبعد عنه".
الأم:
"لازم تبعدي عنه يا سارة، ده مش كويس ليكي".
سارة قامت من جنب أمها، وخرجت بره الأوضة وهي بتعيط، وراحت قعدت في مكان بعيد، وفضلت تعيط.
بعد شوية حازم جه.
حازم:
"إيه يا سارة، مالك؟ بتعيطي ليه؟"
سارة قامت وقفت قدامه وهي بتعيط:
"إنت خاين يا حازم، إنت كداب، إنت بتضحك عليا".
حازم باستغراب:
"إيه اللي بتقوليه ده يا سارة؟"
سارة:
"ماما شافتني معاك، وشافتك مع بنت تانية، إنت خنتني يا حازم، إنت كداب".
حازم:
"إيه اللي بتقوليه ده يا سارة؟ أنا عمري ما أخونك، ولا عمري أعمل كدة".
سارة:
"لا إنت عملت، ماما شافت بعينها، إنت خاين".
حازم:
"طب ممكن تهدي وتسمعيني؟"
سارة:
"مش عايزة أسمع حاجة منك، إنت خاين، أنا بكرهك".
سارة مشيت وسابته، وحازم فضل واقف مكانه وهو مصدوم من اللي حصل.
سارة راحت على البيت، ولمّت هدومها، وسابت رسالة لحازم إنها مش عايزة تشوفه تاني، وإنها راجعة بيت أهلها، وقفلت تليفونها.
حازم راح على بيت سارة، لقى الباب مفتوح، ودخل لقى الرسالة، قعد على الكرسي وهو مصدوم من اللي حصل، وفجأة تليفونه رن، كانت أخته.
أخته:
"حازم، إيه اللي حصل؟ سارة قالتلي إنك خنتها، وإنها مش عايزة تشوفك تاني".
حازم:
"أنا مش عارف إيه اللي حصل، أنا عمري ما أخون سارة، أنا بحبها أوي".
أخته:
"طب خلاص، أنا هروح لسارة، وأفهم منها إيه اللي حصل".
حازم:
"تمام يا حبيبتي، أنا مستنيكي".
أخته راحت على بيت أهل سارة، لقت سارة قاعدة بتعيط.
أخته:
"سارة، إيه اللي حصل؟ إيه اللي بتقوليه ده؟"
سارة:
"حازم خاني يا أختي، حازم كداب، حازم بيضحك عليا".
أخته:
"إزاي بس؟ حازم بيحبك أوي، وعمره ما يعمل كدة".
سارة:
"ماما شافته مع بنت تانية، وكانوا قريبين أوي من بعض".
أخته:
"طب ممكن تهدي وتسمعيني؟"
سارة:
"مش عايزة أسمع حاجة، أنا بكرهه".
أخته:
"طب أنا هقولك على حاجة، حازم كان عنده شغل مهم، وكان لازم يسافر، وسافر مع صاحبة ليه في الشغل، والموضوع ده كان سري، ومكنش عايز يقولك عشان متقلقيش".
سارة:
"إيه؟ إزاي؟"
أخته:
"آه والله، أنا عرفت منه، وكان عايز يعملك مفاجأة، بس الظاهر إن الموضوع باظ".
سارة:
"يعني حازم مَخمنيش؟"
أخته:
"لا يا حبيبتي، حازم بيحبك أوي، وعمره ما يعمل كدة".
سارة قعدت تعيط:
"أنا آسفة أوي يا أختي، أنا ظلمته أوي".
أخته:
"خلاص يا حبيبتي، المهم إنك عرفتي الحقيقة، دلوقتي لازم تروحي لحازم وتفهميه كل حاجة".
سارة:
"أنا هتصل بيه دلوقتي، وأفهمه كل حاجة".
سارة اتصلت بحازم، وحازم رد عليها:
"ألو يا سارة، إيه اللي حصل؟"
سارة:
"أنا آسفة أوي يا حازم، أنا ظلمتك أوي، أنا عرفت الحقيقة".
حازم:
"إيه هي الحقيقة يا سارة؟"
سارة:
"أختك قالتلي إنك كنت مسافر مع صاحبة ليك في الشغل، وإنك مَخمنيش".
حازم:
"آه والله يا سارة، أنا عمري ما أخونك، أنا بحبك أوي".
سارة:
"أنا آسفة أوي يا حازم، أنا ظلمتك أوي، ممكن تسامحني؟"
حازم:
"أنا مسامحك يا حبيبتي، المهم إنك عرفتي الحقيقة".
سارة:
"طب ممكن تيجي دلوقتي؟ أنا عايزة أشوفك".
حازم:
"أنا جاي دلوقتي يا حبيبتي".
حازم راح على بيت سارة، وسارة أول ما شافته، جريت عليه وحضنته، وفضلت تعيط.
حازم:
"خلاص يا حبيبتي، متعيطيش، المهم إننا رجعنا لبعض".
سارة:
"أنا آسفة أوي يا حازم، أنا ظلمتك أوي".
حازم:
"خلاص يا حبيبتي، أنا مسامحك، أنا بحبك أوي، وعمري ما أقدر أبعد عنك".
سارة:
"وأنا بحبك أوي يا حازم، وعمري ما أقدر أبعد عنك".
بعد شوية، حازم وسارة راحوا على المستشفى، وشافوا أم سارة.
سارة:
"ماما، أنا آسفة أوي، أنا ظلمتك أوي، أنا عرفت الحقيقة".
الأم:
"إيه هي الحقيقة يا حبيبتي؟"
سارة:
"حازم مَخمنيش، كان مسافر مع صاحبة ليه في الشغل، والموضوع ده كان سري".
الأم:
"أنا آسفة أوي يا حبيبتي، أنا اللي ظلمتك، أنا اللي كنت فاهمة غلط".
حازم:
"خلاص يا طنط، المهم إنكم عرفتوا الحقيقة، أنا بحب سارة أوي، وعمري ما أقدر أخونها".
الأم:
"أنا آسفة أوي يا حازم، أنا اللي كنت فاهمة غلط".
حازم:
"خلاص يا طنط، المهم إنك بقيتي كويسة".
بعد يومين، أم سارة خرجت من المستشفى، ورجعت البيت، وسارة وحازم كانوا معاها.
في يوم، حازم طلب سارة للزواج مرة تانية، وسارة وافقت، وحددوا ميعاد الفرح.
في يوم الفرح، سارة كانت لابسة فستان أبيض جميل، وحازم كان لابس بدلة سودة أنيقة، وكانوا فرحانين أوي.
وبعد الفرح، راحوا على بيتهم الجديد، وعاشوا حياة سعيدة.