تحميل رواية «سمال الحب» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_ أنت ملاكي ! ٥ : ١٠ مساء الوقت يمتد إلى ما لا نهاية ... منذ هاتفته إبنة أخيه و أعطته البشرى، كان قلبه يدندن بخفقات سريعة مدوية، إبنه البكري، المفضل، نسخته الشبابية و إن ينكر هو ذلك. "رزق" سيعود اليوم. إبن "كاميليا".. إبن حبيبته.. هو و شقيقته، أخيراً سيجمع بينهما أمام عينيه. ٥ : ١٥ مساء يقف "سالم" وراء زجاج النافذة المطل على مركز الحي، نافذ الصبر ممتلئ بالمخاوف. شعر فجأة بيد زوجته تحط فوق كتفه، لم يلتفت إليه. لكنه سمعها تناديه برفق: - يلا يا سالم.. الغدا جاهز. يرد بلا اكتراث: - مش جعان يا هانم!...
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم محمد
_أعدها إلي!_
متأنقًا، وسيمًا، خلابًا للأبصار، كان "رزق" الليلة، يختال بحلته السوداء كليًا، لكن مسحة التجهم على وجهه لا تزول أبدًا، مبديًا بها عدم رضاه عن تلك الزيجة، ليس بيديه حيلة ما إذا كانت شقيقته تريد ذلك، وليس لأنه لا يحب "علي".. إنما الأمر يتعلق بالصورة العامة كلها.
إنها حياة لا يتمناها لنفسه لو كانت له القدرة على الاختيار، في موضعٍ آخر لم يوفر جهدًا لينصح شقيقته ويمنعها بكافة سُبُل العقل _دون أن يفصح لها عن مدى إجرام عائلتها_ لكنها لم تصغِ إليه أبدًا، طوال الستة أشهر المنصرمة، ومنذ علم بخطة أبيه وأنه ينوي تزويج "نور" لابن عمه "علي" خلال أسبوع، ثار وانتفض ورفض الزواج علانيةً، رفض بكل ما أوتي من قوة واستطاع أن يؤخر الزفاف كل تلك المدة، لكنه للأسف.. كان مجرد تأخير، والليلة سيقام.
وا أسفاه على "نور"!
إذ أعماها الحب المراهق، الحب الذي شب ونما معاها وهي سجينة برجها العاجي، تاقت للهبوط من البرج خصيصًا لأجله، ثم لأجل حبها ذاك، كم هو خائف.. يخشى عليها كثيرًا من الصدمات التي تنتظرها.
لكنه على أية حال سيظل معها، ولن يتركها أبدًا، هذا عهدًا قد قطعه على نفسه، سيبقى حتى لو مُكرهًا من أجلها، ثم عندما يحين الأوان، عندما تطلب بلسانها، سوف يأخذها ويرحل بلا رجعة، إنه يؤمن بذلك، حتمًا إن لم يكن اليوم فغدًا، سيخرج نهائيًا من هذا المستنقع...
- بـ. بـ با بـااااعععهه!
ملأت تأتأة الرضيعة ذات النصف عام أذن أبيها طربًا وهي تحاول نطق صفتها بالنسبة لها، بينما تترقرق عينا "رزق" دموعًا فرحة وهو يستمع إليها ويشجعها...
- شطورة يا كوكي. قولي. قولي كمان مرة.. بابا. بابا. أنا بابا يا روحي.
كان يجلسها على حجره، هنا بحجرة أمها، بينما الأخيرة تنهي ارتداء ثوبها المخصوص من أجل زفاف شقيقة زوجها، لم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تراقب اللحظات الخاصة بين الأب وابنته...
- بااباااعععهه!
نطقتها الرضيعة هذه المرة أسرع وبشكلٍ أكثر مثالية، فأشرق وجه أبيها وضمها في حضنه بحنانٍ يهدهدها ويقبلها:
- روح بابا. وقلبه.. معقول أنا عندي بنت قمر أوي كده؟ قوليلي إيه الحلاوة دي بس. أنا عايز آكلك أكل.
وأخذ يدغدغها ويداعبها في أكثر المناطق حساسية للضحك بجسمها الصغير وهي تكركر بين يديه بصوتها الحلو، اقتربت "نسمة" منهما لتراه يكاد يلتهما بقبلاته كما نوّه للتو، فعلقت بحيادية:
- على مهلك يا رزق. ما تعودش البت على التصرفات دي كفاية بوس فيها.
يلتفت "رزق" نحوها في نفس اللحظة هاتفًا بغلظة وقد انتفخت أوداجه:
- تصرفات إيه إنتي اتجننتي يا نسمة.. دي بنتي!!!
بررت في الحال:
- عارفة إنها بنتك وماقولتش حاجة. بس ما يصحش تتعود على كده. بعدين لما تكبر كل من هب ودب يمسكها ويبوس فيها بالشكل ده. إخواتك بيعملوا فيها زيك كده وأنا ما بعرفش أفتح بوقي معاهم وأنت عارف ليه.
ظل يرمقها بذهولٍ متمتمًا:
- لأ إنتي اتجننتي على الآخر.. إنتي سامعة بتقولي إيه؟ إنتي لسا قايلة إخواتي. إخوااااتي. يعني أعمامها بردو في مقامي بالظبط...
ولا يعرف ما الذي أخرسه فجأة وجعل عقله يستحضر ويُفرض أمام عينيه صورة ابنة عمه وزوجته "ليلة"، قضيتها ما خالها وكلمات "نسمة" ترابطت أمام عينيه وتردد صداها في أذنيه.
لعلها محقة بالفعل، ألم تكن "ليلة" في كنف خالها، والخال في مقام الوالد؟
هو الذي داس عِرضها وهتك براءتها، أجل، أجل "نسمة" على حق، وتلك الوساوس وإن كانت مبالغ فيها ينبغي أن يأخذها بعين الاعتبار، ليحافظ على ابنته ويدرأ عنها كافة الشرور ما ظهر منها وما بطن...
- أنا آسفة!
أفاق "رزق" على صوتها، تطلع إليها ثانيةً لتستطرد مقرة:
- أنا غلطانة وأنت عندك حق. جايز أكون شطحت بتفكيري دول أعمامها فعلًا. معلش اعذرني أنا ما أعرفش أوي في المشاعر دي. أنت عارف إني مقطوعة من شجرة ولا عرفت لي أب ولا أم ولا خال ولا عم.. آسفة حقك عليا.
وتبسمت في وجهه وهي تنحني لتلتقط زوجي حذائها...
الآن وقد عاد التجهم يغزو ملامحه من جديد، لم يحاول إزالته وهو يقوم واقفًا ويمد "كاميليا" الصغيرة بثوبها الباهظ متعدد الألوان لأمها قائلًا:
- طيب خدي البنت. كملي لبسها وشبعيها كويس قبل ما تطلعوا...
وأكمل بجديةٍ:
- ما تسبيهاش من إيدك أبدًا. لو نامت تدخلي معاها.
سألته رافعة حاجبيها:
- يعني لو حد أخدها مني. من أهلك أقوله لأ؟!
فكر للحظاتٍ دون أن يحيد ناظريه عنها، ثم قال بحزمٍ:
- لأ ما تقوليش لأ. بس عينك تبقى عليها. ما تتواربيش عنها لحظة يا نسمة. إنتي المسؤولة قدامي عن بنتي سامعة؟
أومأت له بانصياعٍ:
- حاضر يا رزق. ما تقلقش ما هي بنتي بردو.
تنهد بعمقٍ وهو يهز رأسه بخفةٍ، ثم مسح على رأس الرضيعة المكسو بالشعر الأشقر الفاتح، كان سيلتفت ليخرج وما كاد يفعل، ليندفع باب الغرفة لأول مرة ويقتحم أحدهم خلوته.
استدار بطرفة عينٍ متحفزًا غاضبًا وصاح بوجه الدخيل الذي لم يكن سوى أخيه الأصغر "حمزة":
- إيه ده. إيه اللي بيحصل ده. إزاي تدخل علينا بالشكل ده يا بني آدم؟!
نوعًا ما تراجع انفعال "رزق"... بينما يخبره "حمزة" ذو الوجه المصفرّ من بين لهاثه المهتاج:
- رزق. إلحق. أبويا عايزك حالًا.
استنطقه "رزق" بارتيابٍ كبير:
- في إيــه؟؟؟
أفصح له الأخير مرتجف الأطراف:
- سلمى.. سلمى هربت!
____________________
قبل يوم...
الضغط عليها من كل اتجاه، كان عليها أن تتفادى لفت انتباه أخيها الكبير إليها، بعد أن وعدته بقطع علاقتها بحبيبها، كان يجب أن تجعله يصدق أنها برّت بوعدها، خاصةً وأنه لا يقتحم خصوصيتها، لكن وعيده كان كافيًا.
من ناحية أخرى، عبر تواصلها السري مع "عاصم" أبدى لها نفاذ صبره، وبلغها قراره النهائي بأنها إن لم تهرب معه ليلة غد وهي الليلة الأنسب لهروبها بما أن الجميع سينشغل بالزفاف، فإنه سيتركها هذه المرة حقًا.
قضت الليل كله تحارب خوفها، كانت مترددة كثيرًا قبل الإقبال على تلك الخطوة، كانت تعلم بأن لا رجعة إن اتخذتها، هذا ما أخرها لكل هذا الوقت.
لكن ما أن أتى النهار حتى قامت وعقدت النية أخيرًا، من دون أن تأخذ أيّ شيء معها، رافقت فتيات العائلة، أختها نصف الشقيقة و"ليلة" و"فاطمة" الحبلى بجنينٍ ذكر في شهره الخامس.
كلهن توجهن إلى مركز التجميل الأشهر بقلب المدينة، وفي منتصف الطريق تذرعت "سلمى" بطارئٍ وقطعت رحلتها مع البقية على أنها سوف تعود إلى الحي.
لكنها لم تعد.
بل ذهبت رأسًا عند حبيبها، التقت به في المكان الذي حدده بعيدًا عن أهله وأهلها...
- أخيرًا!
قالها "عاصم" غير مصدقًا.
سمح لها أولًا أن تتقدمه إلى داخل البيت الحجري المؤلف من طابقٍ واحد، لم يكن هناك غيره بهذه المنطقة النائية، ما أثار ريبة "سلمى"، لكنها التزمت الصمت.
خطت إلى الداخل بترددٍ وعيناها تتفحصان محتويات المكان الذي كان عبارة عن صالة كبيرة مرفقة بمطبخٍ مفتوح، وغرفة نوم وحمام متجاورين، والأثاث والفُرش لا بأس بهم، بدا كل شيء هنا جديدٌ ومنظم...
- أنا مش مصدق نفسي يا سلمى!!!
التفتت "سلمى" لتواجه محدثها.
لم يهتز جفن "عاصم" وهو يواصل النظر إليها بقوةٍ مكملًا:
- نفذتي وعدك بجد وجيتي ليا. اطلبي اللي إنتي عايزاه مني.
بنظرتها المكسورة ولهجتها الخائفة قالت:
- عـ عاصم.. ما ينفعش أقعد معاك هنا من غير صفة. لازم نتجوز بسرعة.. وإلا هارجع. قبل ما حد يكتشف المصيبة دي!
انقلبت تعابيره المنفرجة بلحظة ليصير وجهه أكثر وجومًا وهو يقول بقتامة:
- ترجعي! بقى بعد ما سيبتي كل حاجة وراكي جاية دلوقتي بتفكري في الرجوع؟ ولا تكوني ندمتي يا سلمى؟
هزت رأسها نفيًا وقالت باضطرابٍ عصبي:
- لأ طبعًا ما ندمتش. بس خايفة.. إنت دلوقتي بتفكر في إيه عاصم فهمني لو سمحت!!
كتمت شهقة مفاجئة حين رفع كفه بلمح البصر وأحاط به خدها الطريّ، ارتعشت تحت لمسته بينما يطمئنها متمتمًا:
- ما تخافيش يا حبيبتي. إنتي خلاص بقيتي معايا. مع حبيبك.. أنا مش هضرك أبدًا. بليل هانتجوز يا سلمى. مش هالمسك إلا وإنتي مراتي. ما تخافيش!
_______________
وقفت "ليلة" أمام أفراد العائلة، أغلقوا باب الشقة عليهم، كلهم يحدقون فيها وهي تدلي أمامهم بأقوالها مخاطبة زوجها فقط:
- في نص الطريق قالت إنها نسيت إن صاحباتها جايين وفيهم واحدة ميك أب أرتيست هتعملها مكياج. وقفنا العربية ونزلت بعد ما تحايلت عليها بس نوصل وأبعت معاها السواق يرجعها. ما رضيتش خالص وصممت ترجع لوحدها. بعدين لما خلصت أنا قلت أرجع البيت لوحدي أقف مع الستات أعمل معاهم أي حاجة أساعد خاصة فاطمة بطنها مليانة وما تقدرش تعمل مجهود.. بس اتصدمت لما سألت حمزة وقالي سلمى ما رجعتش من ساعة ما مشيت معانا.. أنا قلبي مخلوع عليها يا رزق!!!
وأمسكت بساعدي زوجها متطلعة إليه بخوفٍ حقيقي عبر عيناها المرسومتان بالكحل السميك...
شق صراخ "سالم" المنفعل الأجواء من حولهما:
- هاتكون رااااااحت فيــن. بنتي راحــت فيــن. أختكــوا فيــن؟؟؟؟؟
كان "رزق" يمسك برأسه الذي راح يطن الآن باعترافات أخته وحديثهما السري قبل بضعة أشهر، ها قد حدث ما كان يخشى منه، ها قد نقضت "سلمى" بالعهد بينهما.
ماذا عليه أن يفعل الآن؟
هل يقول لهم الحقيقة؟ هل يخبر زوجة أبيه الباكية هناك أين ابنتها؟ هل يخبر أبيه نفسه ذهبت "سلمى"؟
كيف عساه ينطقها؟ كيف؟؟؟؟؟؟
- فين علي؟ فين علي الجزار؟؟؟؟
تساءل "رزق" متلفتًا حوله كالسكارى.
قفز "حمزة" مجيبًا إياه:
- راح يجيب نور من الكوافير وخد معاه عمي إمام وخالتي نجوى.
سأله "رزق" سؤالًا آخر بينما يستل هاتفه من جيب سترته:
- عمك عبد الله فينه؟
- تحت مع ستي هو خالتي عبير. أنده؟
- لأ!
يضع "رزق" الهاتف فوق أذنه، الكل صار يراقبه هو الآن. أخوه "مصطفى" مطبقًا فاهه وقد أخرسته الصدمة وشلّه الفزع على شقيقته وما يمكن أن يكون قد حدث لها.
لحظات، وصدح صوت "رزق" الحاد كالسكين القاطع:
- علي.. ارجع حالًا. هات نور وارجع على البيت حالًا.. مافيش فرح. الفرح اتلغى. سلمى مش لاقينهاااااااا...
وأغلق في وجهه صارخًا، ثم ألقى بهاتفه تجاه الحائط بكل قوته، ليسقط متهشمًا قطعة قطعة.
في نفس اللحظة يدق هاتف "سالم"، فينتزعه بعنف من جيب عباءته.
ألقى نظرة فإذا هو رقم ابنته المغلق منذ الصباح، رد بسرعة ولهفة منفعلة:
- سلمى. سلمى.. إنتي معايا؟ ررررردددددي عليا يا سلمى!!!
ثوان، وأتاه صوتها المتردد:
- بابا!
بكل ما فيه من لوعة وعصبية صرخ عبر السماعة:
- سلمى. إنتي فين يا حبيبتي؟ قولي لي مكانك فين. جرالك إيه يا سلمى رررددددي علياااا...
- ماتخافش عليا يا بابا.. أنا كويسة.
أخذ "سالم" وهو يسألها غير مستوعب أي شيء:
- أمال إنتي فين طيب؟ فينك كل ده؟ مارجعتيش البيت ليه؟!!
مع اقتراب "رزق" منه كالأسد المتربص، جاء جواب "سلمى" الصادم:
- أنا مع عاصم يا بابا. هربت معاه عشان نتجوز أنا وهو!
جحظت عينا "سالم" إلى حد أرعب الجميع، وتراصوا في هذه اللحظة أمامه مباشرة، محملقين به، بينما يتخلص بمشقة من عقدة لسانه قائلًا:
- بتقولي إيه؟ مش ممكن.. سلمى. إوعك. إوعك تعملي كده.. ارجعي يا سلمى.
ردت عليه بتصميم:
- لأ يا بابا. مش هاينفع. أنا خلاص أخدت قراري.
ارتعدت شفتا "سالم" وهو يشدد قبضته على الهاتف قائلًا بصوت أجش لا يخلو من التوتر:
- سلمى! ارجعي يا حبيبتي. أنا عارف إنك ممكن تكوني خايفة. ماتخافيش. ماتخافيش وارجعي.. أوعدك. محدش هايعملك حاجة. محدش هايقربلك خالص ولا حتى أنا.. بس ارجعي...
ردت في نفس اللحظة بذات الإصرار:
- عارفة إنك مش ممكن تأذيني يا بابا. بس أنا مش هارجع عشان أتحبس في البيت.. أنا قولتلك موافقة على جوازي من عاصم. وإنت اعتبرتني عيلة صغيرة ورميت كلامي ورا ضهرك... ياريتك فهمت إني فعلًا اخترت عاصم يا بابا!!!
فتح فمه ليقول شيئًا، فبادرت قاطعة سُبل النقاش نهائيًا:
- أنا هاتتجوز عاصم يا بابا وده آخر كلامي. اتصلت بيك بس عشان أبلغك وعشان عارفة إنك ممكن تكون قلقان عليا.. بس ماتحاولش معايا بأي شكل. أنا مش هاغير رأيي أبدًا. سلام يا بابا!
وانقطع الخط بينهما، لتسبح نظرات "سالم" في اللاشيء أمامه ويمتنع عن الرد بكلمة، لتقترب "هانم" وتقف في وجهه تمامًا مستجوبة إياه ودموعها تجري على خديها:
- بنتي فين يا سالم؟ سلمى بنتي فين؟؟؟؟؟
يخرج "مصطفى" هو الآخر عن صمته صائحًا:
- ما ترد عليها يابااااا. رررددد قولنا سلمى فيــــن!!!!
لحظات طويلة مرت كالدهر، ليرفع "سالم" وجهه في الأخير معلنًا في وجوههم جميعًا:
- سلمى هربت مع ابن السويفي.. هربت معاه عشان يتجوزوا!
الارتجاف يزلزل جسمها، الندم، الخوف، الخزي.
كلها أشياء حدثت كلها مرة واحدة لحظة إغلاقها الهاتف وبعد أن تحدثت إلى أبيها، تفكر ألف مرة في قرار العودة، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر وعقوبات.
كانت بوابتا جهنم والجنة أمامها، لكنها لا تعلم أي باب سلكت!!!
- حبيبتي!
انتفضت "سلمى" وهي تستدير بسرعة خلفها، لترى "عاصم" وقد عاد من الخارج حاملًا في يده حقيبة كبيرة من الجلد...
- اتأخرت عليكي؟
هزت رأسها للجانبين...
- إيه اللي شايله في إيدك ده يا عاصم؟
وضع "عاصم" الحقيبة فوق طاولة كبيرة بمنتصف الصالة واقترب منها قائلًا بنبرة خبث:
- دي حاجات تخصني. تخصنا.. أنا ليا مزاج معين كده.. كمان شوية هاتشوفي وأوعدك هاتحبي الموضوع أوي وهاتتعودي عليه بسرعة.
عقدت حاجبيها جاهلة ما يرمي إليه، لكن سؤالًا آخر كان يلح عليها فسارعت لطرحه:
- أمال فين المأذون يا عاصم. مش قلت خارج تجيبه؟!
ضحك باستهجان:
- مأذون إيه بس يا حبيبتي. إنتي قاصر. ماينفعش نكتب الكتاب دلوقتي. لما تتمي 18 سنة إن شاء الله.
ردت باستنكار:
- نعم! وبتقولي دلوقتي الكلام ده؟ إنت بتهزر صح؟!!
أخذ يهدئها ممسكًا بكتفيها:
- إهدي بس. إحنا كده كده هانتجوز ماتقلقيش.
- إزاي بقى.. فهمني!!!
أظهر "عاصم" لها ورقة فجأة وقال ملوحًا بها أمام عينيها:
- الورقة دي ماضي عليها اتنين شهود. وأنا كمان مضيت.. مش ناقص غير إمضتك إنتي.
فهمت "سلمى" على الفور ما يعني ذلك، فثارت هاتفًة:
- إنت تتجوزني عرفي؟ لأ. لأ يا عاصم مش أنا اللي أتجوز عرفــ...
بترت عبارتها بغتة. صفعة عنيفة نزلت على وجهها من كفه، ظل وجهها ملوحًا ونظراتها شاخصة بصدمة، بينما لم يمهلها الوقت، جذبها من ذراعها بشدة وجعلها تنظر إليه وترى لأول مرة القساوة بعينيه وهو يقول بصوت كالفحيح من بين أسنانه:
- أنا مايتقاليش لأ. سامعة؟ اللي أقوله يتنفذ بالحرف الواحد. وإلا هاتتعاقبي كل مرة عقاب أشد. وإنتي أساسًا لسه مادوقتيش عقابي ولا عرفتي أشكاله.. إنتي فاهمة أنا بقولك إيه!!!
من رعبها، وكأن أخرى غيرها هي التي هزت برأسها أن نعم، ليقربها في اللحظة التالية من الطاولة ويضع في يدها قلمًا آمرًا إياها بصوته الصلب:
- إمضي!
تحت الإجبار، اضطرت "سلمى" لوضع إمضائها على ورقة الزواج العرفي، ليبتسم "عاصم" من خلفها بظفر، ويسحب من تحت يديها الجامدتين عقد الزواج...
يطويه ويضعه بجيبه ثانية وهو يقول بخيلاء:
- شاطرة. كده تعجبيني. كل ما تكوني مطيعة كل ما أحبك أكتر وأكافئك كمان.. وأنا هاعلمك إزاي تكوني مطيعة يا سلمى.
لم تأتِ بحركة مطلقًا...
بينما يتوجه هو صوب الحقيبة خاصته، يفتحها وينقب بداخلها دون إفراغ محتوياتها، يطلق سبة غاضبة في أوج بحثه ويتمتم لنفسه بصوت عال:
- أكيد نسيته في العربية.. يلعن الحظ!
يرفع رأسه نحوها قائلًا:
- أنا طالع برا لحظة وراجع. مش هتأخر عليكي يا حبيبتي...
راقبت "سلمى" خروجه عبر خصلات شعرها التي تبعثرت من حجابها المهدد بالسقوط، ما إن اختفى من أمامها حتى انقضت على هاتفها المخبأ عن أنظاره.
سارعت بأصابع مرتجفة وأدمع متساقطة وطلبت رقم أبيها...
- وإحنا هانقعد كده مش هانعمل حاجة؟؟؟؟
صم صراخ "مصطفى" آذان العائلة، فضلًا عن نواح "هانم" وصمت البقية المصدومين، ما الذي يؤخرهم، ما الذي يمسكهم بهذا الشكل عن إبداء أي ردة فعل.. لا يعلمون!
ثم فجأة دق هاتف "سالم" للمرة الثانية، لينتفض مجيبًا بضراوة أشد وقد صحت غرائزه الشريرة بعد سبات قهري:
- سلمى. اسمعيني وإوعك تقفلي السكة. إ آ...
- بابا. إلحقني يا بابا...
قاطعته بهذه العبارة التي قلبت حالته رأسًا على عقب، ارتجف من قدميه لقمة رأسه وهو يهب واقفًا ليصيح في الهاتف:
- سلمى. ردي علي. فيكي إيه. سلمى...
- بابا. تعالى خدني.. تعالى خدني بسرعة يا باااب آاااااااااااه...!
انقطع صوتها اللاهث المذعور بصراخ حاد، ومعه اختل توازن "سالم" وهبط جفنه لا إراديًا، سقط الهاتف من يده وكاد هو يقع من طوله لولا ساعدي "رزق" اللتين امتدتا لتسنداه بسرعة.
تشبث به "سالم" من فوره، وتطلع إليه بضعف يراه "رزق" لأول مرة في أبيه، ثم قال بصعوبة يتوسله:
- هات لي أختك يا رزق. رجع لي سلمى!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد
الفصل التاسع عشر
كانت عواطفها مُشتتة، مشاعر متناقضة، شعور بالذنب، وشعور بالرضا، وكأنها تائهة في بحر متلاطم الأمواج. سقطت على الأرض، ودموعها تنهمر بحرقة.
فلاش باك:
دخلت "عشق" لتجد "عزيز" يحمل "نور" بين ذراعيه، والدم ينزف من رأسها. صرخت بفزع:
"نور!"
ركضت إليها وهي تصرخ:
"إيه اللي حصل؟!"
كانت "نور" فاقدة للوعي، و"عزيز" وجهه مُتغير، شاحب، وعيناه مليئتان بالخوف. قال بصوت مُرتعش:
"وقعت، راسها اتخبطت في طرف الترابيزة."
نظرت "عشق" إلى بقعة الدم على الأرض، ثم إلى رأس "نور" التي كانت تنزف بشدة. صرخت:
"يا لهوي! يا لهوي! شيلها يالا بسرعة نوديها المستشفى!"
حملها "عزيز" بسرعة وخرجت "عشق" خلفه، وقبل أن تخرج، رن هاتفها. كان "آدم"، تجاهلته وخرجت.
في المستشفى، بعد أن أدخلوا "نور" إلى غرفة الطوارئ، جلست "عشق" على الكرسي، و"عزيز" بجانبها. كانت تبكي.
قال "عزيز":
"يا رب ما يكون فيها حاجة."
نظرت إليه "عشق" بغضب:
"كل ده منك! أنت السبب في اللي حصلها!"
"عزيز":
"والله ما كنت أقصد، هي اللي وقعت."
"عشق":
"أنت كداب! أنت كداب! دي أكيد كانت بتدافع عني، وعشان كده أنت ضربتها، صح؟"
"عزيز":
"أنا ما ضربتهاش، هي اللي وقعت، أنا ما كدبتش عليكي."
قاطعهم صوت الطبيب وهو يخرج من الغرفة.
"نور" فاقت، وقالت إنها عايزة تشوف "عشق".
قامت "عشق" سريعًا ودخلت. كان وجه "نور" شاحبًا، ورأسها ملفوف بالشاش. احتضنتها "عشق" وهي تبكي.
"كده يا نور تعملي فيا كده؟ كنتِ فين كل ده؟"
"نور":
"كل ده كان غصب عني يا عشق."
"عشق":
"أنا مش مصدقاكي."
"نور":
"أنا آسفة يا عشق، أنا آسفة."
"عشق":
"حصل إيه؟ احكيلي."
"نور":
"أنا هحكيلك كل حاجة، بس مش هنا، المكان ده مش أمان."
"عشق":
"طيب، قومي بس، وهنروح مكان أمان."
"نور":
"عزيز هو اللي عمل فيا كده."
نظرت "عشق" إلى "نور" بصدمة.
"إيه؟!"
"نور":
"هو اللي خطفني، وهو اللي حبسني، وهو اللي كان بيعذبني عشان أقوله مكانك."
"عشق":
"أنتِ متأكدة من اللي بتقوليه ده؟"
"نور":
"أيوة، أنا متأكدة."
"عشق":
"طيب، قومي بس، وهنروح مكان أمان، وهفهم منك كل حاجة."
خرجت "عشق" من الغرفة لتجد "عزيز" أمامها. نظرت إليه بغضب.
"أنت إيه يا أخي؟ أنت شيطان، أنت شيطان في صورة إنسان."
"عزيز":
"أنا ما عملتش حاجة."
"عشق":
"أنت كداب! أنت كداب! أنت اللي خطفت نور، وأنت اللي حبستها، وأنت اللي عذبتها عشان أقولك مكاني."
"عزيز":
"أنا ما عملتش حاجة من اللي بتقوليه ده، أنا بريء."
"عشق":
"أنت كداب! أنت كداب! أنا هوريك، أنا هوريك."
تركته "عشق" ودخلت إلى "نور".
"عشق":
"قومي يا نور، هنروح من هنا."
"نور":
"بس أنا تعبانة."
"عشق":
"معلش، استحملي شوية، لازم نمشي من هنا."
"نور":
"طيب."
ساعدت "عشق" "نور" على القيام، وخرجتا من المستشفى.
"عزيز":
"أنتوا رايحين فين؟"
"عشق":
"ملناش دعوة بيك، أنت مش بني آدم، أنت شيطان."
تركت "عشق" "عزيز" وذهبت مع "نور". ركبتا سيارة تاكسي.
"نور":
"هنروح فين؟"
"عشق":
"هنروح عند آدم."
"نور":
"آدم مين؟"
"عشق":
"آدم ده اللي كان بيساعدني، وهو اللي كان بيحميني من عزيز."
"نور":
"طيب."
وصلتا إلى منزل "آدم". فتحت "عشق" الباب ودخلت هي و"نور". كان "آدم" جالسًا في الصالة.
"آدم":
"عشق، إيه اللي حصل؟"
"عشق":
"بعدين هقولك كل حاجة، بس دلوقتي، نور محتاجة ترتاح."
"آدم":
"طيب، تعالي يا نور، هوديكي أوضة ترتاحي فيها."
أخذ "آدم" "نور" إلى غرفة النوم، وتركها لترتاح. عادت "عشق" إلى "آدم".
"آدم":
"احكيلي إيه اللي حصل؟"
"عشق":
"عزيز هو اللي خطف نور، وهو اللي حبسها، وهو اللي عذبها عشان أقوله مكاني."
"آدم":
"أنتِ متأكدة من الكلام ده؟"
"عشق":
"أيوة، أنا متأكدة."
"آدم":
"طيب، أنا هتصرف معاه."
"عشق":
"أنا خايفة يا آدم."
"آدم":
"متقلقيش، أنا معاكي."
"عشق":
"أنا مش عايزة أفضل هنا، عايزة أرجع بيتي."
"آدم":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"عشق":
"طيب، هنعمل إيه؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
نامت "عشق" في أحضان "آدم" وهي تبكي.
في صباح اليوم التالي، استيقظت "عشق" لتجد "آدم" بجانبها.
"آدم":
"صباح الخير."
"عشق":
"صباح النور."
"آدم":
"أنا حضرتلك الفطار."
"عشق":
"شكرا يا آدم."
تناولت "عشق" الفطار مع "آدم". بعد الفطار، دخلت "نور" إلى الصالة.
"نور":
"صباح الخير."
"عشق" و"آدم":
"صباح النور."
"آدم":
"أنتِ عاملة إيه دلوقتي يا نور؟"
"نور":
"أنا أحسن دلوقتي."
"عشق":
"طيب، أنا هحكيلك كل حاجة."
"نور":
"أنا سمعاكي."
حكت "عشق" لـ "نور" كل ما حدث معها.
"نور":
"أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده."
"عشق":
"أنا كمان مش مصدقة، بس ده اللي حصل."
"نور":
"طيب، هنعمل إيه دلوقتي؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
"عشق":
"أنا خايفة يا آدم."
"آدم":
"متقلقيش، أنا معاكي."
"نور":
"أنا عايزة أرجع بيتي."
"آدم":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"نور":
"طيب، هنعمل إيه؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
نهاية الفلاش باك.
استيقظت "عشق" من نومها، لتجد "آدم" بجانبها.
"آدم":
"صباح الخير."
"عشق":
"صباح النور."
"آدم":
"أنتِ كويسة؟"
"عشق":
"أيوة، أنا كويسة."
"آدم":
"طيب، أنا حضرتلك الفطار."
"عشق":
"شكرا يا آدم."
تناولت "عشق" الفطار مع "آدم". بعد الفطار، دخلت "نور" إلى الصالة.
"نور":
"صباح الخير."
"عشق" و"آدم":
"صباح النور."
"آدم":
"أنتِ عاملة إيه دلوقتي يا نور؟"
"نور":
"أنا أحسن دلوقتي."
"عشق":
"طيب، أنا هحكيلك كل حاجة."
"نور":
"أنا سمعاكي."
حكت "عشق" لـ "نور" كل ما حدث معها.
"نور":
"أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده."
"عشق":
"أنا كمان مش مصدقة، بس ده اللي حصل."
"نور":
"طيب، هنعمل إيه دلوقتي؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
"عشق":
"أنا خايفة يا آدم."
"آدم":
"متقلقيش، أنا معاكي."
"نور":
"أنا عايزة أرجع بيتي."
"آدم":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"نور":
"طيب، هنعمل إيه؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
نهاية الفلاش باك.
استيقظت "عشق" من نومها، لتجد "آدم" بجانبها.
"آدم":
"صباح الخير."
"عشق":
"صباح النور."
"آدم":
"أنتِ كويسة؟"
"عشق":
"أيوة، أنا كويسة."
"آدم":
"طيب، أنا حضرتلك الفطار."
"عشق":
"شكرا يا آدم."
تناولت "عشق" الفطار مع "آدم". بعد الفطار، دخلت "نور" إلى الصالة.
"نور":
"صباح الخير."
"عشق" و"آدم":
"صباح النور."
"آدم":
"أنتِ عاملة إيه دلوقتي يا نور؟"
"نور":
"أنا أحسن دلوقتي."
"عشق":
"طيب، أنا هحكيلك كل حاجة."
"نور":
"أنا سمعاكي."
حكت "عشق" لـ "نور" كل ما حدث معها.
"نور":
"أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده."
"عشق":
"أنا كمان مش مصدقة، بس ده اللي حصل."
"نور":
"طيب، هنعمل إيه دلوقتي؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
"عشق":
"أنا خايفة يا آدم."
"آدم":
"متقلقيش، أنا معاكي."
"نور":
"أنا عايزة أرجع بيتي."
"آدم":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"نور":
"طيب، هنعمل إيه؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
هنا أدركت "عشق" أنها محاصرة في فخ لا نهاية له، وأن كل الحلول التي تتخذها لا تؤدي إلا إلى تعقيد الأمور.
في نفس الوقت، كان "عزيز" في منزله، يخطط للانتقام من "آدم" و"عشق".
قال "عزيز" لنفسه:
"أنا هوريك يا آدم، أنا هوريك يا عشق، أنا هخليكم تدفعوا تمن اللي عملتوه غالي."
ابتسم "عزيز" ابتسامة شريرة، وخرج من المنزل.
في مكان آخر، كانت "نور" تتحدث مع نفسها:
"أنا لازم أهرب من هنا، أنا لازم أرجع بيتي، أنا تعبت من كل ده."
حاولت "نور" الهرب، ولكن "آدم" منعها.
"آدم":
"أنتِ رايحة فين؟"
"نور":
"عايزة أرجع بيتي."
"آدم":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"نور":
"بس أنا تعبت."
"آدم":
"استحملي شوية، أنا هتصرف."
في منزل "عزيز"، كان "عزيز" يتحدث مع رجل غريب.
"عزيز":
"أنا عايزك تخلصلي من آدم وعشق."
الرجل:
"بكام؟"
"عزيز":
"اللي أنت عايزه."
الرجل:
"تمام، اتفقنا."
وفي منزل "آدم"، كانت "عشق" تتحدث مع "نور".
"عشق":
"أنا خايفة يا نور."
"نور":
"متقلقيش، أنا معاكي."
"عشق":
"أنا مش عايزة أفضل هنا، عايزة أرجع بيتي."
"نور":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"عشق":
"طيب، هنعمل إيه؟"
"نور":
"مش عارفة."
في نفس الوقت، دخل "آدم" إلى الغرفة.
"آدم":
"أنا لقيت حل."
"عشق":
"إيه هو؟"
"آدم":
"هنسافر بره مصر."
"عشق":
"بس إزاي؟"
"آدم":
"أنا هتصرف."
"نور":
"بس أنا عايزة أرجع بيتي."
"آدم":
"مينفعش ترجعي بيتك دلوقتي، عزيز ممكن يجيلك هناك."
"نور":
"طيب."
في منزل "عزيز"، كان "عزيز" يتحدث مع الرجل الغريب.
"عزيز":
"أنا عايزك تخلصلي منهم النهاردة."
الرجل:
"تمام."
وفي منزل "آدم"، كانت "عشق" و"نور" يستعدان للسفر.
"آدم":
"يلا بينا."
خرج "آدم" و"عشق" و"نور" من المنزل، وركبوا سيارة.
في الطريق، تعطلت السيارة.
"آدم":
"يا لهوي، العربية عطلت."
"عشق":
"يا رب استر."
"نور":
"هنعمل إيه دلوقتي؟"
في نفس الوقت، ظهر "عزيز" ورجاله.
"عزيز":
"أخيرًا لقيتكم."
"آدم":
"أنت إيه اللي جابك هنا؟"
"عزيز":
"جيت عشان أخلص منكم."
"عشق":
"أنت شيطان."
"عزيز":
"أيوة، أنا شيطان، وهوريكم الشيطان بيعمل إيه."
أمر "عزيز" رجاله بالقبض على "آدم" و"عشق" و"نور".
"عشق":
"سيبنا يا عزيز."
"عزيز":
"مش هسيبكم، أنا هوريكم."
"آدم":
"أنت مش هتقدر تعمل حاجة."
"عزيز":
"أنا هقدر."
بدأ رجال "عزيز" في ضرب "آدم".
"عشق":
"سيبوه يا كلاب."
حاولت "عشق" الدفاع عن "آدم"، ولكن رجال "عزيز" أمسكوا بها.
"نور":
"سيبوها يا مجرمين."
حاولت "نور" الدفاع عن "عشق"، ولكن رجال "عزيز" أمسكوا بها.
"عزيز":
"خدوهم على المخزن."
أخذ رجال "عزيز" "آدم" و"عشق" و"نور" إلى المخزن.
في المخزن، ربط رجال "عزيز" "آدم" و"عشق" و"نور" بالحبال.
"عزيز":
"أخيرًا وقعتوا في أيدي."
"آدم":
"أنت مش هتقدر تعمل حاجة."
"عزيز":
"أنا هقدر، أنا هوريكم."
بدأ "عزيز" في تعذيب "آدم".
"عشق":
"سيبه يا عزيز، سيبه."
"عزيز":
"مش هسيبه، أنا هخليه يموت قدام عينيكي."
"نور":
"أنت مجرم."
"عزيز":
"أيوة، أنا مجرم، وهوريكم المجرم بيعمل إيه."
استمر "عزيز" في تعذيب "آدم" حتى أغمي عليه.
"عشق":
"آدم، آدم."
"عزيز":
"دوره جاي عليكي يا عشق."
"عشق":
"أنت جبان."
"عزيز":
"أيوة، أنا جبان، وهوريكم الجبان بيعمل إيه."
بدأ "عزيز" في تعذيب "عشق".
"نور":
"سيبها يا عزيز، سيبها."
"عزيز":
"مش هسيبها، أنا هخليها تموت قدام عينيكي."
"نور":
"أنت شيطان."
"عزيز":
"أيوة، أنا شيطان، وهوريكم الشيطان بيعمل إيه."
استمر "عزيز" في تعذيب "عشق" حتى أغمي عليها.
"نور":
"عشق، عشق."
"عزيز":
"دوره جاي عليكي يا نور."
"نور":
"أنت مجرم."
"عزيز":
"أيوة، أنا مجرم، وهوريكم المجرم بيعمل إيه."
بدأ "عزيز" في تعذيب "نور".
"نور":
"يا رب، يا رب."
استمر "عزيز" في تعذيب "نور" حتى أغمي عليها.
"عزيز":
"أخيرًا ارتحت منكم."
خرج "عزيز" من المخزن، وترك "آدم" و"عشق" و"نور" مربوطين.
في نفس الوقت، كانت الشرطة قد وصلت إلى المخزن، بعد أن تلقت بلاغًا من أحد الجيران.
اقتحمت الشرطة المخزن، ووجدت "آدم" و"عشق" و"نور" مربوطين.
فك رجال الشرطة قيودهم، وأخذوهم إلى المستشفى.
في المستشفى، استيقظ "آدم" و"عشق" و"نور".
"آدم":
"إيه اللي حصل؟"
"عشق":
"عزيز."
"نور":
"هو اللي عمل فينا كده."
الضابط:
"متقلقوش، إحنا قبضنا عليه."
"عشق":
"بجد؟"
الضابط:
"أيوة، وهو دلوقتي في السجن."
"آدم":
"الحمد لله."
"نور":
"الحمد لله."
بعد أيام، خرج "آدم" و"عشق" و"نور" من المستشفى.
عادت "عشق" إلى منزلها، وعادت "نور" إلى منزلها.
"آدم" ذهب إلى منزله.
في منزل "عشق"، كانت "عشق" تجلس في غرفتها، وهي تفكر في كل ما حدث.
"عشق":
"أنا مش مصدقة إن كل ده حصل."
دخلت "نور" إلى الغرفة.
"نور":
"عشق، أنتِ كويسة؟"
"عشق":
"أيوة، أنا كويسة."
"نور":
"طيب، أنا هعملك حاجة تشربيها."
"عشق":
"شكرا يا نور."
خرجت "نور" من الغرفة، وعادت "عشق" إلى التفكير.
"عشق":
"أنا لازم أنسى كل اللي حصل، وأبدأ حياة جديدة."
في نفس الوقت، كان "آدم" في منزله، وهو يفكر في "عشق".
"آدم":
"أنا بحبها، أنا لازم أقولها إني بحبها."
في صباح اليوم التالي، ذهب "آدم" إلى منزل "عشق".
فتح "آدم" الباب، ودخل إلى المنزل.
"آدم":
"عشق، أنتِ هنا؟"
"عشق":
"أيوة، أنا هنا."
"آدم":
"أنا عايز أقولك حاجة."
"عشق":
"إيه هي؟"
"آدم":
"أنا بحبك يا عشق."
نظرت "عشق" إلى "آدم" بصدمة.
"عشق":
"إيه اللي أنت بتقوله ده؟"
"آدم":
"أنا بحبك، وعايز أتجوزك."
"عشق":
"بس إزاي؟"
"آدم":
"أنا بحبك، وعايز أعيش معاكي بقية حياتي."
"عشق":
"بس أنا مش عارفة."
"آدم":
"إديني فرصة، وأنا هخليكي تحبيني."
"عشق":
"طيب."
احتضن "آدم" "عشق"، وقبلها.
في نفس الوقت، دخلت "نور" إلى الغرفة.
"نور":
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
"آدم":
"أنا بحب عشق، وعايز أتجوزها."
"نور":
"بجد؟"
"آدم":
"أيوة."
"نور":
"مبروك."
احتضنت "نور" "عشق" و"آدم".
بعد أيام، تزوج "آدم" و"عشق".
عاش "آدم" و"عشق" في سعادة وهناء.
رزقهما الله بطفلين، ولد وبنت.
عاشوا حياة سعيدة، ومليئة بالحب والفرح.
أما "عزيز"، فقد قضى بقية حياته في السجن، عقابًا على جرائمه.
"نور" تزوجت من رجل صالح، وعاشت حياة سعيدة.
وهكذا، انتهت قصة "عشق" و"آدم" و"نور"، في سعادة وفرح.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد
الفصل الخامس عشر:
كانت تبكي بحرقة في غرفتها، والدموع تنهمر من عينيها كالشلال. سمعت طرقًا على الباب، فمسحت دموعها بسرعة وفتحت الباب. كانت سارة تقف أمامها، ملامحها تعكس القلق.
"مالك يا حبيبتي؟ كنتِ بتعيطي ليه؟"
أجابتها بصوت مختنق: "مافيش حاجة يا سارة، بس تعبانة شوية."
"تعبانة إيه بس؟ ما أنا عارفة إنك بتعيطي، صوتك واضح. في إيه يا أمل؟"
"مافيش حاجة يا سارة، سيبيني لوحدي دلوقتي."
"أمل، إحنا أخوات. إيه اللي حصل؟"
"يا سارة، ما فيش حاجة. سيبيني."
"طيب، أنا هسيبك، بس لو احتجتِ أي حاجة، أنا موجودة."
أومأت أمل برأسها، وأغلقت الباب.
في اليوم التالي، كانت أمل في الجامعة، لم تستطع التركيز في المحاضرة كعادتها. تفكر في كلام أدهم، وفي خوفها من أن يتركها.
بعد المحاضرة، ذهبت إلى الكافيتريا. رأت أدهم جالسًا مع فتاة أخرى، يضحكان ويتحدثان. شعرت بالغيرة تشتعل في قلبها، فذهبت إليهما.
"أدهم، ممكن أتكلم معاك شوية؟"
نظر إليها أدهم باستغراب: "أمل؟ إيه اللي جابك هنا؟"
"جيت عشان أشوفك."
"طيب، استني شوية، هخلص كلام مع صاحبتي."
"لا، دلوقتي."
"أمل، في إيه؟"
"في إيه؟ أنا اللي أسألك، مين دي؟"
نهضت الفتاة من مكانها، وقالت: "أنا سارة، زميلته في الجامعة."
"زميلته؟ وأنا كنت فاكراك بتحبني!"
"أمل، إيه الكلام ده؟"
"الكلام اللي أنتَ سامعه. أنا ماشية."
ذهبت أمل مسرعة، والدموع تملأ عينيها. تبعها أدهم، وحاول إيقافها، لكنها لم تستجب.
"أمل، استني، أفهمك!"
"تفهم إيه؟ خلاص، كل حاجة باينة."
"أمل، أنا بحبك، ومستحيل أخونك."
"كداب! كل الرجالة كدابين."
"أمل، أنا آسف لو كنت ضايقتك. بس سارة دي مجرد زميلة، ومفيش أي حاجة بينا."
"أنا مش مصدقاك."
"طيب، إيه اللي يخليكِ تصدقيني؟"
"أبعد عني، أنا مش عايزة أشوفك تاني."
تركت أمل أدهم، وذهبت إلى منزلها. كانت تشعر بالحزن والغضب، وتفكر في كلام أدهم. هل هو صادق؟ أم أنه يكذب عليها؟
في المساء، اتصلت سارة بأمل.
"أمل، أنا آسفة على اللي حصل النهاردة. أدهم حكى لي كل حاجة."
"حكى لك إيه؟"
"حكى لي إنه بيحبك، وإنه مستعد يعمل أي حاجة عشان تسامحيه."
"أنا مش عارفة أصدقه."
"أمل، أدهم بيحبك بجد. أنا شفته وهو بيتكلم عنك، كان باين عليه إنه بيعشقك."
"بس أنا شفته مع بنت تانية."
"دي أنا يا أمل. أنا اللي كنت معاه."
"إزاي؟"
"أنا كنت عايزة أساعده عشان يراضيكِ. عشان كده، اتفقنا إننا نمثل إننا بنتكلم مع بعض، عشان تشوفي غيرتك عليه."
"يعني كل ده كان تمثيل؟"
"أيوه يا أمل. كل ده عشان تعرفي قد إيه هو بيحبك."
شعرت أمل بالراحة، ولكنها كانت غاضبة من أدهم بسبب هذه الخدعة.
"طيب، هو فين دلوقتي؟"
"هو مستنيكي عند البيت."
"بجد؟"
"أيوه، روحيله، هو محتاجلك."
ذهبت أمل إلى الباب، وفتحته. كان أدهم يقف أمامها، ملامحه تعكس القلق.
"أمل، أنا آسف."
"ليه عملت كده؟"
"كنت عايزك تحسي قد إيه أنا بحبك. كنت عايزك تغاري عليا."
"بس أنا زعلت منك أوي."
"أنا عارف، وأنا آسف. بس صدقيني، أنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."
"أنا كمان بحبك."
احتضنته أمل بقوة، وشعرت بالراحة والأمان.
في اليوم التالي، ذهبت أمل وأدهم إلى الجامعة. كانت أمل تشعر بالسعادة، وابتسامة عريضة على وجهها.
"أدهم، أنا بحبك أوي."
"وأنا كمان بحبك أوي يا أمل."
في المساء، ذهبت أمل إلى منزلها. كانت تشعر بالسعادة، وتفكر في مستقبلها مع أدهم.
في اليوم التالي، استيقظت أمل مبكرًا. كانت تشعر بالحماس، وتفكر في الذهاب إلى الجامعة.
في الجامعة، رأت أدهم جالسًا مع سارة. شعرت بالضيق، لكنها تذكرت أنهما مجرد أصدقاء.
بعد المحاضرة، ذهبت أمل إلى أدهم.
"أدهم، ممكن أتكلم معاك شوية؟"
"أكيد يا أمل."
"أنا عايزة أقولك حاجة."
"قولي."
"أنا بحبك أوي يا أدهم، ومقدرش أعيش من غيرك."
"وأنا كمان بحبك أوي يا أمل."
"عايزة أطلب منك طلب."
"اطلبي."
"عايزة أتجوزك."
ابتسم أدهم، وقال: "أنا كمان عايز أتجوزك يا أمل."
احتضنته أمل بقوة، وشعرت بالسعادة تملأ قلبها.
في المساء، ذهبت أمل إلى منزلها. كانت تشعر بالسعادة، وتفكر في استعدادات الزواج.
في اليوم التالي، ذهبت أمل وأدهم إلى منزل والد أمل.
"بابا، أنا عايزة أقولك حاجة."
"قولي يا بنتي."
"أدهم طلب إيدي، وأنا وافقت."
نظر والد أمل إلى أدهم، وقال: "أنتَ بتحب بنتي؟"
"أيوة يا عمي، بحبها أوي."
"طيب، أنا موافق."
شعرت أمل بالسعادة، واحتضنت والدها.
في الأيام التالية، بدأت أمل وأدهم في استعدادات الزواج. كانت أمل تشعر بالسعادة، وتفكر في حياتها المستقبلية مع أدهم.
في يوم الزفاف، كانت أمل ترتدي فستان الزفاف الأبيض، وتبدو كالأميرة. كان أدهم ينتظرها في قاعة الزفاف، وقلبه ينبض بالسعادة.
عندما رآها، ابتسم ابتسامة عريضة.
"أمل، أنتِ جميلة أوي."
"وأنتَ كمان وسيم أوي يا حبيبي."
في المساء، انتهى حفل الزفاف. ذهبت أمل وأدهم إلى منزلهما الجديد.
"أدهم، أنا بحبك أوي."
"وأنا كمان بحبك أوي يا أمل."
عاشا حياة سعيدة معًا، وأنجبا أطفالًا. كانت أمل تشعر بالسعادة، وتفكر في حبها لأدهم، وفي حياتها الجميلة معه.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد
كان الدم يجري ملتهبًا في عروقه خلال مكوثه بداخل سيارته المغلقة، الليل في شطره الأخير تقريبًا، والأجواء قد اكفهرت فجأة، الرياح تعصف والمطر يهطل صافعًا نوافذ البيت المقام هناك على بعد أمتار منه.
من مكانه هنا في تلك الحارة المهجورة، ولأكثر من ساعة بقي يراقب كل شيء، كل حركة وسكنة، كالنمر المتربص، ينتظر أن يرصد ضحيته بأي لحظة.
مع أنه في الحقيقة قد فعل، ذاك المغتصب الحقير، إنه يعرفه بالطبع، لطالما جمعت بينهما مصالح الأعمال المشتركة فيما مضى. إنه يراه الآن، في هذه اللحظة تمامًا.
ها هو، يخرج أمامه من بوابة منزله برفقة اثنين من إخوانه.
جلس متحفزًا، بينما يتابع تحركاتهم، حتى تبين بأنهم قد سلكوا به طريقًا نحو مبنى جانبي صغير في غور الأرض، بيت بأنهم أوصلوه ثم صعدوا ثانية وأوصدوا الباب عليه.
انتظر حتى خلت الساحة تمامًا وعادت الأجواء هادئة من جديد.
عند ذلك ترجل بخفة من سيارته، مع علمه بأن المكان مراقب من قبلهم، رغم هذا، لم يهمه وتنقل كشبح بين الطرقات المعتمة متحديًا الطقس والأمطار، إلى أن استقر ظله الأسود أمام المبنى المنشود.
وقف ينقب بجيوبه عن الإزميل الحاد خاصته، بينما المطر قد بلله بالكامل.
***
- خلاص يابا. كله تمام!
انتفض "رضوان السويفي" مذعورًا رغمًا عنه لدى عودة أبنائه من الخارج.
استدار عن مقعده الضخم وتطلع إلى أوسطهم قائلًا:
- مشيت إللي في دماغك ياسي حسين؟ فكرك يعني الجزارين هايخفى عليهم الحركات دي. لو جم هنا...
- هايبقوا جم لقضاهم!! قاطعه "حسين" بصرامة.
- أي نفر منهم هايفكر بس يهوب نواحينا هانمحيه.
ثم التفت عن محيا أبيه غير الراضي، وجه تعليماته لبقية الرجال المنتظرين بالخارج أمام باب الشقة:
- تفتحوا عيونكوا كويس. مش عايز البيت من غير حراسة. والباقي يتوزعوا برا حوالين المنطقة، من هنا لحد الصبح النملة ماتدخلش ولا تخرج فاهمين؟
***
حالته المزاجية، وضعه النفسي كله في اضطراب مزري منذ تلقى خبر موتها، أو قتلها على يد شقيقها.
فتاته الصغيرة، دميته، و.. بطريقة ما حبيبته!
لقد كانت بين يديه قبل سويعات، ظفر بها من بعد عناء ومذلة لمدة تنوف عن عام وأكثر، علاوة على المتعة الساحقة التي اغتصبها منها، لم تكن هناك فتاة قادرة على إثارة شهوته ومشاعره في آن مثل "سلمى الجزار".
لقد أحب تلك الفتاة بشدة، هذا الاكتشاف عرفه فقط حين أيقن بأنها رحلت إلى الأبد، لم تعد موجودة، هكذا ببساطة.. ماتت "سلمى"!!!
إن هذا لم يكن ضمن مخططاته بالمرة، لم يفكر به ولا حتى بلحظة عابرة، يكاد يجن الآن.
لم يكن أمامه سوى مهرب واحد، وهو ما لم يتردد باللجوء إليه، إذ انكفأ على طاولة صغيرة وأخذ يتجرع المخدرات والشراب حتى النخاع.
لدرجة أنه لم يشعر بالدخيل بادئ الأمر، إنما شعر بضربة حادة على رأسه، ثم بعدها لم يرى ولم يشعر بشيء.
***
حي الجزارين في الصباح تزين بالأبيض استعدادًا للزفاف الميمون.
ولكن المساء، الآن تحديدًا يتشح بالسواد التام، والجميع كذلك.
إنصياعًا لأوامر نجله الكبير، انسحب "سالم الجزار" من الغرفة تاركًا ابنته وفلذة قلبه للمرأة المغسلة وبقية نساء العائلة ليكرمنها ويجهزونها لمثواها الأخير، كان الأمر كما ينتزع الشوك من الحرير، شق عليه كثيرًا تركها، لكنه فعلها في الأخير.
وذهب للغرفة المجاورة، حيث أمه تجلس فوق مقعدها المتحرك تبكي وتعدد:
- يا سلمى.. يا حتة من قلبي.. يا سلمى.. شبابك يا نوّارة البيت. يا بنتي.. يا سلمى...
قسم من النساء التففن حول السيدة العجوز لمواساتها، والقسم الآخر هناك أمامها، يولين بعض الاهتمام للأم المكلومة.
"هانم".
لقد ذهب من عندها الطبيب الصيدلي للتو مشيرًا عليهم بوجوب ذهابها إلى المشفى.
اقترب "سالم" منها حيث ترقد فوق السرير محمومة، تهذي وتنوح بين ذراعي "عبير" الباكية بحرقة بدورها.
أمرها "سالم" بنظرة واحدة أن تبتعد واتخذ هو مكانها محاوطًا كتفي زوجته.
- بنتي فين يا سالم؟
صوتها الضعيف المرهق من شدة البكاء والصراخ وكلماتها، لم تفعل به شيء سوى التشديد على جرحه المفتوح، لكنه قرر أن يتماسك الآن، مهما كلفه الأمر.
مسد على كتفها برفق متمتمًا لها الحقيقة بجلد وصبر:
- سلمى دلوقت عند إللي خلقها يا هانم. أحن وأرحم بيها منك ومني. اصبري.. اصبري!
رفضت "هانم" الإقرار بكلامه صائحة بينما تجري الدموع المحرقة على خديها:
- لأ.. لأ ماتقوليش كده. سلمى فوق. فوق في أوضتها بتذاكر. أو لأ. ممكن تكون بتتناقر مع حمزة. أو لأ.. بتحضر العشا لمصطفى. مصطفى بيرجع شايط لو مالاقش الأكل جاهز.. قوّمني يا سالم أطلع أشوفها أحسن يشد معاها. أنا بعرف أتصرف معاه. قوّمني يا سالم...
تشبثت بكتفيه محاولة النهوض عبثًا، بينما يعتصر جفونه بشدة مسيطرًا انفعالاته المحتدمة حد السواد، سلّمها للنساء مرة أخرى وعاد أدراجه للخارج حيث رجال العائلة وشبابها.
لكنه إصطدم برؤيته، قاتل ابنته، ابنه أيضًا.. "مصطفى"!!!
كان يجلس منهارًا فوق بلاطة الدرج الواسعة في وجه أبيه تمامًا، ما إن رآه حتى قفز واقفًا بترنح، بينما أتى "النشار" بسرعة ليقف أمام "سالم" ويمسك بذراعه كابحًا جماحه.
- على مهلك يا سالم! ردد "النشار" محذرًا كصوت ضميره.
فإذا بـ"سالم" يزيحه بقوة حازمة ويتقدم صوب ابنه.
تطلع "مصطفى" إلى أبيه كالسكران، وخلال تلك الثواني المعدودة، ضربته الصدمة مجددًا، واستعاد ذاكرته، ما فعله كله وأنكره طوال هذا الوقت حتى مجيئه إلى هنا وحده.
***
كان أول من وصل إليها.
وليتـه لم يكن.
ليته لم يراها هكذا، ليت روحه هي التي فاضت قبل أن يخجو خطوة نحوها، لكنه كان كالمسحور.
وهو يمشي صوبها، عيناه جاحظتين، تكاد تقعان من محجريهما، لا يصدق بأنها انتهكت بهذا الشكل.
أخته الصغيرة، شرفه المراق، مقيدة بسرير، عارية كما ولدتها أمها، ساقيها منشورين، وتنزف بغزارة.
بينما صوتها الغنغلي، أوه ومجروح، وهي تنتحب في مكانها كطفلة مقهورة.
كانت رؤيته بالنسبة لها تعني الحياة، وكأنه طوق النجاة الذي ألقي لها، والعجيب أنها لم تخجل منه ولم تخاف، كيف تخاف وهي المجني عليها؟
المغدورة...
الحق لها، وهو سلاحها، درعها، شقيقها!!!
- مصطفى!
نطقت "سلمى" اسمه كأنما ترشف إكسير الحياة، ترياق لجروحها، سالت دموعها أكثر وهي تهفو إليه بنظراتها الكسيرة.
- مصطفى!
مغيبًا عن وعيه، سحب سكينه من خلف ظهره، اقترب منها أكثر وانحنى فوقها.
مد يده أولًا ماسحًا على شعرها وخدها الرطب القاني، أبكتها لمستها الحنونة لوهلة، قبل أن يغطي عينيها باللحظة التالية بكفه.. ثم بيده الأخرى يسحب السكين على عنقها بعمق وبحركة حادة من الوريد إلى الوريد.
تمامًا كما يفعل بالأضحية...
ذبح أخته ووقف يراقب روحها تفرفر وأنفاسها تتحشرج، حتى انقطعت بالتدريج وخمدت نهائيًا!
***
لم يتحمل "مصطفى" قساوة الذكرى.
خاصة مع تراشق نظرات أبيه الثاقبة به، أفلت من بين شفاهه نشيج مكتوم وهو يطرق برأسه هاربًا من عيني "سالم".
لكنه هو أبى أن يرحمه، إذ كانت الجملة الوحيدة التي نطقها على شكل سؤال مستنكر:
- دبحت بنتي يا مصطفى؟
تعالت نهنهات الأخير بشكل محموم وهو يحني جزعه أكثر، يكاد يموت من شدة العذاب، عذاب ضميره وجرحه الأعظم.
لم يشفق "سالم" عليه، لم يتفهم حزنه وخجله وحماقته كلها، بل أشاح برأسه معلنًا وصيته أمام الجميع:
- لما أموت.. مصطفى مايقفش على غسلي. ولا يمشي في جنازتي!
واستدار عائدًا من حيث أتى أمام نظرات "مصطفى" المصعوقة.
جمد كصنم، ولم يلقى اهتمامًا من أحد، بينما يهبط "علي الجزار" الآن من الطابق الأعلى.
ويتجه مباشرة إلى النشار.
- سبت نور مع بطة وليلة فوق. حالتها وحشة أوي. مش عارف أعمل معاها إيه!!
تنهد "النشار" بثقل وقال:
- كتر خيرها يابني. إللي حصل مش قليل.. والله يكون في عون عمك. ده جبل عشان يستحمل بالشكل كده ويسكت.
رفرفت أجفان "علي" وهو يغمغم بتوتر:
- مهو ساكت عشان رزق اتكفل بطلبه. أنا قلقان عليه أوي.. بقاله ساعة أهو لا حس ولا خبر.
طمأنه "النشار" ممسدًا جفنيه بابهامه وسبابته:
- خير إن شاء الله.
- يارب!
ولفت نظره فجأة وجود "حمزة" بزاوية جانبية يبكي في صمت.
توجه ناحيته وأمسك بمؤخرة رأسه باثًا فيه قوة وبأس:
- حمزة.. إجمد ياض. الراجل مايبكيش. إمسك نفسك أمــال!!
يشهد الله أنه حاول، لكنه عوض ذلك انهار أكثر وبكى مثل ولد صغير، ليضع "علي" دور الناصح جانبًا ويسمح له بالتفريج عن كربه. عانقه بقوة رابتًا على ظهره، بينما "حمزة" يستغل الفرصة وينعي شقيقته وحسرته عليها من أعماق فؤاده وروحه.
***
كانت ضربة ماهرة، بحيث أفقدته الوعي للوقت المحدد بالتمام، وكان ذهنه أصفى ما يكون.
عندما استعاد صحوته بالكامل، أحس بنفحات واخزة من العفونة والرطوبة تتخلل فتحتي أنفه.
رائحة قمامة وفطريات وطين...
فتح عيناه في الظلام، إنه ممد على وجهه فوق أرض ترابية قذرة وباردة، جسده متصلب ومعصميه مقيدين بالحديد خلف ظهره، حلقه جاف، يشعر بالحمى ويرتعش.
وضعف مزري يؤلمه كليًا.
ما كاد يحرك ساكنًا، إلا وشعر بذلك الساعد القوي يقلبه للجهة الأخرى فجأة دافعًا به إلى جدار ارتطم بظهره بقوة مؤلمة.
تأوه "عاصم" وهو يكافح ليرى من هذا الشخص، ولم يحرمه الأخير من مراده، حيث دنى برأسه باللحظة التالية ليغمر وجهه ضوء مصباح مصفـر ومهزوز فوق رأس "عاصم" تمامًا.
- رزق الجزار!
عرف "عاصم" من فورعن هوية خاطفه بمنتهى الثبات والهدوء.
بينما تنقبض عضلات وجه "رزق" بلحظة وهو يرد عليه:
- تؤ.. عزرائيلك!!
قوس "عاصم" فمه بابتسامة ساخرة وهو يقول:
- دخلت منطقتي وجبتني من وسط أهلي. جرأة مش جديدة عليك. يمكن محدش توقعها.. هاتقتلني؟
لم يرد "رزق" ولزم الصمت، فاستطرد الأخير بمرونة:
- ومــاله. إقتلني. مستني إيه؟ ماعملتهاش ليه أصلًا أول ما شوفتني وجايبني في الخرابة دي ليه؟ إوعى تكون منهم. قصدي يعني تاخد تار أختك مني فـ تعمل فيا زي ما عملت فيها. لا يا رزق وحياة أبوك. أنا عشت راجل وعايز أموت راجل مش مرة.
وضحك ببذاءة يستفزه.
لكن ما طمره "رزق" بصدره كان أبلغ من أن يثار بهذه الطريقة. ابتسم بقتامة وهو يطرح عليه سؤاله المباشر:
- عملت فيها كده ليه؟
هز "عاصم" كتفيه وجاوبه ببساطة:
- إنت سيد العارفين. إبن قار زيك و بيفهم في الكيف. ده كيفي يا رزق.. حتى لو كان أبوك وافق عليا وإتجوزت أختك. كنت هعمل فيها كده كل يوم. وكانت هاتتعود وتحب عمايلي دي كلها وتطلبها وتتلهف عليها كمان.. بس يا خسارة. أخوك قتلها. مالحقتش أتمتع بيها.. بالمناسبة صحيح. أنا وسلمى مضينا عقد عرفي الليلة دي قبل ما ندخل. بطمنك يعني إن أختك ماعملتش حاجة في الحرام. مش خاطية يعني.
أخذت الدماء تفور بعروقه لحظة بلحظة بعد تتمة كلمات غريمه الحقير. انتصب في وقفته وتناول الكيس المصنوع من البلاستيك أسفل قدميه.
فتحه ومد يده داخله وهو يخبره بنعومة كجلد أفعى سامة:
- إنت سألتني ليه ماخلصتش عليك أول ما شوفتك صح؟ وليه جبتك هنا.. بص يابو الرجال.. إنت صح. زي ما قلت هاتموت مرة. بس إطمن. أنا مش هاعمل فيك زي ما عملت في أختي. ولا حتى هاجيب إللي يعملها فيك...
بدأ الخوف يجيش بصدر "عاصم" الآن وهو يراه يقترب منه مرة أخرى مدمدمًا بصوت كالفحيح:
- صحيح أنا ليا طقوس في الحالات دي. برتاح نفسيًا أوي لما أطلق الشيطان الرجيم إللي جوايا.. بس في حالتك إنت. أنا عندي هدف عاوز أحققه. عشان كده هامسك نفسي على قد ما أقدر وهابعتك لأبوك حتة واحدة. بس على طريقتي...
وأخذ يسحب من الكيس الأغراض التي أحضرها وراح يعرضها أمام ناظريه المصعوقين.
حمالتي صدر، سروال داخلي (فتلة)، قميص نوم شفاف وقصير أحمر اللون.
كلها أغراض شخصية تعود لزوجته.. "ليلة الجزار".
"سـالـــــــم يا جـزااااااااااااااااااار.. يـا أبــويـــاااااااااااااااااا!"
انتفض الحي بأكمله على نداء "رزق" الجهوري، وصعد "سالم الجزار" من جديد إلى الشرفة الرئيسية، إذ أدرك بأنه سوف يشاهد ما سيشفي صدره ويثلجه.
سوف يشاهد انتقامه، بيد ولده المفضل، وريثه، وكأنها يده هو.
كان الشهود مجتمعين في كل مكان، أهالي الحي، رجال العائلة وأعمامه جميعهم كانوا حاضرين أمام البيت، بينما هو، يسحب من المقعد الخلفي لسيارته مغتصب أخته.. "عاصم السويفي" في اللباس الحريمي شبه عاري.
أخذ يجرجره، بل سحله على وجهه حتى منتصف الباحة قابضًا على حفنة من شعره، وبينما كان لا يزال مقيدًا بنفس الأصفاد التي قيد بها أخته.
عاد "رزق" إلى سيارته وأخضر السكين الشهير الخاص بموروثات عائلته، كان الأضخم والأحد، حكه بالأرض محدثًا شرارة وصاح في الجميع بصوته المستوحش:
- الكل يشهد. ه عــاصــم السويـفــي.. و ده تـار ســـلمــــى الجـــزااااار...
وبدون أدنى تردد، انحنى صوب "عاصم" الخاضع على الأخير، قبض على شعره ثانية وشد رأسه بعنف، ثم سحب على عنقه نصل السكين ذهابًا وإيابًا ليعذبه أطول وقت ممكن.
تفجرت دماء الأخير في وجه "رزق" ولطخت يديه وساعديه، حتى انتهى منه.
ألقى به من يده وكأنه خرقة، ولكنـه في الواقع صار مجرد جثة تحتضر في ثوان.
التفت ليرى ردود الأفعال، والتي ما كانت سوى شيء مشترك واحد ارتسم على جميع الأوجه هنا، ألا وهو الخوف، الرعب وحده كان سيد الموقف، لكن الجريمة بشكل عام أرضت الجميع رغم ذلك.
رغم وحشيتها ودمويتها، استطاع "رزق" أن يميز النظرات المتشفية، وأن يسمع الأناهيد المرتاحة.
حتى نقل بصره إلى والده وشاهد بعينيه ألق العرفان والاعتداد، حينها وللمرة الثانية في هذه الليلة، أدرك "رزق" بأنه صار نسخة أبيه.. ولن يكون بامكانه نكران هذا بعد الآن!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم محمد
ليتك كنت!
في كيسٍ من القش الذي يُستخدم عادةً في تعبئة الفاكهة والخضروات، وضعت جثة "عاصم السويفي" بها بناءً على تعليمات ولي عهد عائلة "الجزار"، "رزق الجزار". انطلقوا به مجموعة من الرجال الموثوقين الأشدَّاء، وألقوا به في عقر داره، وسط ساحة الحي الذي ولد وترعرع به، ثم ولَّوا مدبرين بسرعة.
وعلى ما يبدو أن إخوته ورجالهم لم يكونوا على علم بعد بنبأ اختطافه، ناهيك عن نبأ قتله وتنفيذ حكم القصاص فيه بأبشع الصور.
كانت صدمة ماحقة، تلك التي نزلت عليهم جميعًا، حين أقبل الأخ الأوسط وكشف عن رأس أخيه المقطوع، لينتشر الخبر كالنار في الهشيم ويصل إلى مسامع الأب، فيندفع "رضوان السويفي" بين رجاله وأولاده صارخًا:
- لأاااااااااااااااااااا. عاصم. ابني. عاصم لأاااااااااااااااااااااااااااااا...
كان هو الوحيد الذي بدرت عنه الصدمة بالأفعال والانهيار الهستيري وهو ينكب فوق جثة ابنه ويمسكه تارة ويهزَّه بعنفٍ تارة، بينما البقية من حوله ساهِمون، مصعوقون، وغاضبون!
إذ رأوه، شاهدوا أخيهم وكبيرهم فوق أنه أُخذ من بينهم وذُبح، إنما قد ألبسوه أيضًا رداء العار، ثوب حريمي لا يستر عريه البتة.
كانت لطخة سوداء، وحل غرسوا فيه، لن يغسله إلا الدماء، ربما تكون دماؤهم جميعًا هذه المرة!
كان هو فقط الذي تجشَّم على نيل قسطٍ من الراحة، بعد أن بزغ الفجر وأشهد الحي كله على أخذه بثأر أخته الصغيرة أمام أعينهم، صعد في هدوء إلى شقته وألقى بجسمه فوق سريره موصيًا زوجته بإيقاظه قبيل الشروع بمراسم الجنازة.
نام كطفلٍ، وهو لا يزال مغطى بالدماء، دماء الوغد، الذئب الذي أكل أخته ونهش لحمها وعِرضها بلا رحمة، وكم كان مرتاحًا وقَريرَ العينين!
إن كان للحظ مسمَّى فهو بالتأكيد "ليلة".
لا يمكن أن يحصل عليها رجل ولا يشعر بالسعادة والعرفان، إنها امرأة لا يُكررها الزمان، حقًا، لعبت مع كل الأدوار التي هو بأمس الحاجة إليها.
وآخرهم الآن، حين أيقظته مبكرًا بلطفٍ، واصطحبته من يده إلى دورة المياه، وبدأت تحممه بأمومةٍ محضة وتنظفه وتعتني به جيدًا.
بينما هي، كان هدفها الأسمى هو انتشاله من تلك الحالة السوداوية، وإنقاذ عقله من الذكريات التصادمية التي خلَّفته جرائره مؤخرًا، وبذكائها نجحت بجدارةٍ، حيث ملأت له المغطس البيضوي وأجلسته فيه وطفقت تدلك كتفيه وعنقه الطويل الصلب بأصابعها السحرية، لدرجة أنه فعليًا كاد ينسى اسمه.
لولا همساتها قرب أذنه وإشعاره بأنفاسها الدافئة الحلوة:
- رزق. رزق.. إنت حبيبي. إنت نصي الثاني. وجوزي. روحي. روحي إنت يا رزق.. وأعظم راجل قابلته في حياتي. خليك واثق في نفسك دايمًا. خليك قوي. إنت كبير العيلة دي. كبير الحي كله. منغيرك كل حاجة تنهار.. سامعني يا رزق؟ إنت وبس يا حبيبي. إنت وبس!
كالمسحور بقى ينصت لكلامها مغمضًا عيناه، بينما لم تتوقف لحظة عن إلهائه وإشغال ذهنه، كانت تعلم بأنه يحتاج للدعم الشامل، وهو ما قدمته بكل ذرة من كيانها دون كللٍ ومللٍ.
- وبعدين يا عمي؟!
التفت "النشار" إلى عبارة "علي".
كان يناقش بضعة أمور مع أبناء عمومته الآخرين "إمام" و "عبد الله"، تطلع نحو "علي" قائلًا والأرق بادٍ عليه:
- في إيه يا علي؟
أبدى "علي" امتعاضه:
- عمي سالم مش ناوي يطلع من الأوضة. ده بايت جوا مع سلمى من ليلة إمبارح وخلاص صلاة الضهر ما فيش عليها كتير.. كده ما ينفعش.
ضم "إمام" صوته لصوت ابنه:
- والله أنا كنت لسه بقول كده. وبعدها مع سالم يا إبراهيم؟
حوَّل "النشار" بصره صوب "إمام" مرة أخرى مدمدمًا بجدية:
- أنا هاخش له!
في جهة أخرى، النساء يسندن "هانم" التي عاندت الجميع ونهضت صارخة بحرقةٍ:
- سيبووووووني. أنا عايزة بنتي. عايزة أروح أشوف بنتي.. سيبوووووووووووونـــي. يا سلمى. يا بنتي. آااااااااااااه بشرب نارك يا ضنى أمك. يا سلمى...
أصوات الصراخ التي انقطعت بشكل مؤقت خلال الساعات القليلة الماضية، ها هي تضج بجنبات المنزل من جديد، حتى أنها اخترقت مسامعه وهو بالطابق الأخير وبداخل غرفة نومه.
كان تحت تصرف زوجته، تشرف على تلبيسه طقمًا مؤلفًا من سروال جينز غامق وقميصٍ أسود مرفوع الأكمام، حتى أنها في الأخير مشطت له خصيلات شعره الحريرية ورتبته بشكلٍ جميل.
ثم كأنما كانت بانتظار اللحظة المناسبة، ارتدت خطوتين للخلف ونظرت بوجهه المتجهم مليًا، وقالت رافعة حاجبها:
- إنت إزاي تاخد لانجري من بتوعي بمنتهى البساطة كده منغير ما تقولي؟!
اعتلت نظرته الميتة لمعةٌ ضارية وهو يقول بهدوئه المخيف:
- إنتي إضايقتي يعني؟ كنت فاكرك هاتنبسطي لما تشتركي في أخد تار بنت عمك!
تنهدت "ليلة" بعصبيةٍ، وقالت عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
- لو كنت أخدت رأيي وإنت بتنقي كنت إديتلك اللانجري الفوشيا أبو ترتر!
المزاح... لم يكن في وارده حقًا بأيَّ طريقة كانت.
وهو الأمر الذي تعلمه، ومع ذلك حاولت، عندما لم يتبادر لديه أيَّ ردة فعل، اقتربت منه مرة أخرى وأحاطته بذراعيها هامسة:
- أنا بس عايزة أقولك إني دايمًا جنبك. عمري ما أسيبك وعلطول في ضهرك. ولحد ما تمر من الأزمة دي.. أنا هفضل معاك كل لحظة.
لعل هذا فقط ما كان بحاجة لسماعه منها!
ولأول مرة يصدر عنه تصرف نحوها، فاجأها إذ ضمها بساعِده بلحظة، عانقها بقوة ولم يتفوَّه بكلمة طوال دقائق.
ظهوره المهيب طغى على الأجواء فورًا.
الجميع انتبه له، أثناء هبوطه الدرج ومن خلفه زوجته، لبوؤته الشرسة القوية، كما لو أنها تشد عضده، تبث فيه قوة على قوته.
يشقُّ "رزق" طريقه داخل شقة الجدة "دلال"، أعمامه وأولادهم هناك، جميعهم يقفون أمام باب الغرفة التي ضمَّت كُلًا من أبيه وأخته الراحلة.
- كويس إنك جيت! قالها "علي" بامتنانٍ حقيقي عند رؤيته.
- اتصرف مع أبوك. مش عايز يفتح لنا.
تجاوزهم "رزق" بحزمٍ وتوَّجه ناحية الباب، قرع عليه مرتان وهو يهتف بثباتٍ:
- أبويا.. افتح الباب.
لم يُكرر "رزق" طلبه، دقيقة بالتمام وفتح "سالم" الباب الموصد من الداخل، ظهر من ورائه وقد كان في حُلَّته السوداء، الجلباب العباءة الشهيرة، تحيط بعيناه دوائر سوداء، ولا يبدو عليه أيَّ اتزان، لكنه لا يزال متماسكًا.
اقترب "رزق" منه وأمسك بذراعه كأنما يمدُّه بالعون وقال بخفوتٍ صارم:
- الجنازة هاتطلع دلوقت.
تعلَّقت نظرات "سالم" المتهالكة بنظرات "رزق" المحتدة، أومأ له مستسلمًا ومسلمًا له زمام أموره كلها، فأدار "رزق" رأسه وأشار إلى "علي" معطيًا إياه الضوء الأخضر.
تحرَّك الأخير يتبعه محارم الشابة الراحلة "حمزة" و "إمام" و "عبد الله"، بقى "رزق" مع أبيه للحظة يوصيه بتمالك أعصابه والبقاء هادئًا.
ثم ولج للداخل، كانوا رجال العائلة يهموا بالاقتراب من جثمان "سلمى" المكسو بالكفن الأبيض الملبَّد بالدماء، لكنه جمدهم بصوته الخشن:
- محدش يلمسها!
وأقبل هو عليها، وقف عند رأسها ومد يديه كاشفًا عن وجهها الشاحب حتى البياض الماهق، شعر بانقباضة قلبه وهو يمعن النظر ويشبع عينيه من رؤيتها للمرة الأخيرة.
خديها المكتنزين المتورِّدين وشفتاها، الدماء قد انسحبت منهم تمامًا، ماتت حقًا ولم يعد بها أيَّ ملمحٍ حي.
عض على شفته السفلى بقوة كابحًا دموعه التي ألحت لتطفو على سطح نظراته، صاح فجأة دون أن يحيد عنها طرفة عين:
- اندهوا مرات أبويا عشان تشوف سلمى..
كان يعلم من صراخ الأم المتواصل على الطرف الآخر بأنها لم ترها ولم تودعها حتى الآن، نفذت أوامره في الحال وذهب "حمزة" ليحضر أمه، عاد بها يسندها.
بينما يفسح لها "رزق" مجالًا، فترتمي "هانم" فوق جثمان ابنتها نائحة وباكية من عمق أحشائها، راحت تقبلها بكل ما وسعها وتحتضنها وهي تردد من بين نشيجها المحموم:
- سامحيني. سامحيني يا بنتي. أنا السبب. أنا اللي موتك ومش المرة دي. أنا موتك كتير أوي.. سامحيني يا سلمى. أنا مش هاسيبك يا قلب أمك. أنا جايالك قريب. مش هاسيبك لوحدك يا سلمى. يا حبيبتي يا بنت عمري. عمري كله...
بصعوبة انتزعوها من فوق ابنتها الهامدة، ليتخذ "رزق" محلها، فيدنو من أخته ويقبِّل جبينها مطولًا وهو يمسِّد على رأسها بحنو لآخر مرة، وتشَممها بقوة لآخر مرة أيضًا.
ثم غطى وجهها ثانيةً وحملها على ذراعيه برفقٍ، وضعها بالنعش وأغلق عليها بالغطاء.
وقبل أن يقدم على الخطوة التالية تفاجأ بزوجة أبيه تتجه نحوه باندفاعٍ، عبس دون أن ينبس بحرف، لتذهله أكثر حين قبضت على يده ورفعتها لتطبع قبلة متضرعة على ظاهرها على مرأى من الجميع.
حبس أنفاسه باللحظة التالية عندما بسطت ذراعيها حوله وعانقته، لم يصدق ما يحدث، بينما يسمعها تغمغم في أذنه:
- يا ريتك كنت ابني.. يا ريتك كنت ابني أنا يا رزق!
زم "رزق" شفتيه بشدة مسيطرًا على انفعالاته بمشقَّةٍ، حتى ابتعدت عنه "هانم" أخيرًا، وأخرجها "حمزة" من الغرفة.
وبالعد معًا رفع "رزق" مع بقية الرجال قواعد النعش، بينما يهتف "النشار" بصوته القوي:
- لا إله إلا الله.
ردد الجميع وراءه.
-لا إله إلا الله.
-يفنى العبد ويبقى الله.
-يفنى العبد ويبقى الله.
-لا إله إلا الله.
-لا إله إلا الله.
-يفنى العبد ويبقى الله.
وظلوا على هذا حتى خرجوا من البيت، وانطلقت الجنازة المهيبة التي ضمت حشدًا لا يمكن أن يجتمع لأجل طفلة!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم محمد
الفصل الثاني:
في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في الساعة السابعة، استيقظت رهف على صوت المنبه الذي يصدح في أرجاء الغرفة. قامت من سريرها بتثاقل، ودلفت إلى الحمام لتتوضأ وتصلي فرضها. ثم ارتدت ملابسها سريعًا ونزلت إلى الأسفل. وجدت والدتها تجلس على المائدة بانتظارها.
"صباح الخير يا ماما."
"صباح النور يا حبيبتي، يلا عشان تفطري."
"لا يا ماما أنا مش جعانة، أنا نازلة."
"يا بنتي ما يصحش كده، انزلي من غير فطار، ده أهم وجبة في اليوم."
"معلش يا حبيبتي، أنا متأخرة على الجامعة. أنا ماشية."
"طيب خلي بالك من نفسك يا حبيبتي."
"حاضر يا ماما، سلام."
خرجت رهف من المنزل مسرعة، كانت حقًا متأخرة على محاضرتها الأولى. ركبت أول سيارة أجرة مرت أمامها، وطلبت من السائق أن يسرع.
"لو سمحت يا أستاذ ممكن تسرع شوية، أنا متأخرة على الجامعة."
"حاضر يا آنسة."
وفي الجامعة، كانت رهف تركض في الممرات كالمجنونة، وهي تنظر إلى ساعتها.
"يا لهوي، أنا اتأخرت أوي."
فجأة اصطدمت بشخص ما، وسقطت الكتب من يدها. رفعت رأسها لتجد شابًا وسيمًا يقف أمامها. كانت عيناه بلون العسل، وشعره أسود فاحم.
"أنا آسف جدًا يا آنسة."
"لا أنا اللي آسفة، أنا اللي كنت بجري ومش واخدة بالي."
انحنى الشاب ليساعدها في جمع كتبها.
"طيب ممكن أعرف اسمك؟"
"أنا رهف، وأنت؟"
"أنا أدهم، سنة رابعة هندسة."
"أهلاً بيك يا أدهم، أنا سنة أولى."
"تشرفنا يا رهف، طيب ممكن رقم تليفونك؟"
"لا معلش يا أدهم، أنا لازم أمشي دلوقتي، أنا متأخرة جدًا على المحاضرة."
"طيب ممكن أشوفك تاني؟"
"ممكن، عن إذنك."
بعدما انصرفت رهف، ابتسم أدهم ابتسامة عريضة، وقال لنفسه: "يا جمالك يا رهف، لازم أشوفك تاني."
ذهبت رهف إلى المحاضرة، وكانت المرة الأولى التي تتأخر فيها. جلست في آخر صف، وحاولت أن تركز مع الدكتور، لكنها لم تستطع. كانت تفكر في أدهم، وفي عيونه التي خطفت قلبها من أول نظرة.
انتهت المحاضرة، وخرجت رهف مع صديقتها سارة.
"مالك يا رهف سرحانة كده ليه؟"
"مفيش يا سارة."
"لا فيه، أنا عارفة صاحبتي لما بتكون سرحانة."
"طيب هحكيلك، بس مش هنا."
"تمام."
ذهبت رهف وسارة إلى الكافتيريا، وطلبت كل منهما عصيرًا.
"ها يا ستي احكيلي، مين اللي واخد عقلك؟"
"بصي يا سارة، أنا النهاردة اتأخرت على المحاضرة، وكنت بجري في الممرات، فخبطت في واحد."
"وبعدين؟"
"وبعدين هو ساعدني ألم كتبي، وكان وسيم أوي يا سارة، وعينيه لونها عسلي."
"يا سلام، وقعتي يا بطة."
"يا سارة أنا بتكلم جد."
"وأنا كمان بتكلم جد، ده الحب من أول نظرة."
"يا سارة بلاش كلام فارغ."
"طيب اسمه إيه؟"
"اسمه أدهم."
"واه، أدهم، هو في أدهم غير أدهم اللي معانا في الكلية؟"
"معرفش، هو قال إنه في سنة رابعة هندسة."
"أه، يبقى هو، ده أدهم الصياد، صاحب أكبر شركات مقاولات في مصر."
"إيه اللي بتقوليه ده يا سارة؟"
"زي ما بقولك كده، ده أدهم الصياد، كل بنات الجامعة هيموتوا عليه."
"بس أنا مش عايزة كده يا سارة، أنا عايزة واحد يحبني بجد."
"يا حبيبتي، أدهم ده محترم جدًا، وكل الناس بتحبه."
"طيب أنا هقوم أمشي بقى، عشان عندي محاضرات تانية."
"ماشي يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك."
ذهبت رهف إلى محاضراتها، لكن عقلها كان مشغولًا بأدهم. هل هو حقًا أدهم الصياد؟ هل ستحبه؟
وفي المساء، عادت رهف إلى المنزل.
"حمد لله على السلامة يا حبيبتي."
"الله يسلمك يا ماما."
"أكلتي إيه النهاردة في الجامعة؟"
"أكلت ساندويتشات."
"طيب يلا عشان تتعشي."
"لا يا ماما أنا مش جعانة."
"يا حبيبتي ما يصحش كده، طول اليوم من غير أكل."
"معلش يا ماما، أنا تعبانة وعايزة أنام."
"طيب يا حبيبتي، تصبحي على خير."
"وأنت من أهله."
ذهبت رهف إلى غرفتها، وغيرت ملابسها، ثم وضعت رأسها على وسادتها. كانت تفكر في أدهم، وفي كلام سارة عنه. هل هو حقًا الشخص المناسب لها؟ هل ستحبه؟
نامت رهف وهي تفكر في أدهم، وفي عيونه العسلية التي أسرت قلبها.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم محمد
اتصلت ياسمين على أمها فردت عليها والدتها وقالت:
"ألو، ازيك يا ياسمين؟ عاملة إيه؟"
ردت ياسمين وهي صوتها مخنوق بالعياط:
"أنا مش كويسة خالص يا ماما، أنا تعبانة أوي."
قالت والدتها بقلق:
"مالك يا بنتي؟ بتعيطي ليه؟ في إيه؟"
ردت ياسمين:
"أنا عايزة أجيلك يا ماما، أنا مش قادرة أعيش معاه تاني."
قالت والدتها:
"مالك يا ياسمين، قوليلي في إيه؟"
ردت ياسمين:
"أنا جاية في الطريق يا ماما، أول ما أوصل هحكيلك على كل حاجة."
قفلت ياسمين السكة، ووالدتها كانت قلقانة جداً.
في شقة ياسمين، حسام كان قاعد على الكنبة وحالته صعبة جداً، بيبص على صور ياسمين ودموعه نازلة.
دخلت أخته وقالت:
"مالك يا حسام؟ بتعيط ليه؟"
رد حسام:
"ياسمين سابتني ومشيت."
قالت أخته:
"سابتك؟ ليه؟"
رد حسام:
"مش عارف، بس هي قالت إنها مش عايزة تعيش معايا تاني."
قالت أخته:
"طب اهدا كده واحكيلي إيه اللي حصل بالظبط."
في شقة والدة ياسمين، ياسمين كانت بتحكي لوالدتها اللي حصل.
قالت ياسمين:
"أنا مش قادرة أعيش معاه يا ماما، هو كل يوم بيضايقني ويزعقلي."
قالت والدتها:
"يا بنتي، ده جوزك، لازم تستحمليه."
ردت ياسمين:
"استحمله إيه يا ماما؟ أنا تعبت بجد، أنا عايزة أطلق."
قالت والدتها:
"طلاق إيه بس يا بنتي؟ ده خراب بيوت."
ردت ياسمين:
"أنا مش عايزة أعيش معاه."
قالت والدتها:
"طب اهدي بس كده، وبكرة الصبح نبقى نشوف هنعمل إيه."
ياسمين راحت أوضتها ونامت وهي بتعيط.
تاني يوم الصبح، كانت ياسمين قاعدة مع والدتها.
قالت والدتها:
"أنا هتصل بحسام وأشوف ماله، يمكن عنده مشكلة."
ردت ياسمين:
"مفيش داعي يا ماما، أنا مش عايزة أرجعله."
قالت والدتها وهي بتتصل بحسام:
"يا بنتي، لازم نعرف إيه اللي حصل بالظبط."
رد حسام على أمه وقال:
"ألو، أزيك يا حماتي؟"
قالت والدة ياسمين:
"أزيك يا حسام، عامل إيه؟"
رد حسام:
"الحمد لله، بس ياسمين سابتني ومشيت."
قالت والدة ياسمين:
"ليه يا حسام؟ إيه اللي حصل؟"
رد حسام:
"أنا مش عارف، هي قالت إنها مش عايزة تعيش معايا تاني."
قالت والدة ياسمين:
"طب ممكن تيجي عندي البيت نتكلم؟"
رد حسام:
"ماشي يا حماتي، أنا جاي في الطريق."
ياسمين سمعت المكالمة، وقالت لوالدتها:
"أنا مش عايزة أشوفه يا ماما."
قالت والدتها:
"يا بنتي، لازم تتكلموا عشان تعرفوا إيه المشكلة."
بعد شوية، حسام وصل لبيت والدة ياسمين.
دخل حسام وسلم على والدة ياسمين، وياسمين كانت قاعدة بعيد.
قالت والدة ياسمين:
"اقعد يا حسام، عايزين نتكلم."
قعد حسام، وقال:
"ياسمين، إيه اللي حصل؟ ليه سيبتيني ومشيتي؟"
ردت ياسمين:
"أنا مش قادرة أعيش معاك تاني، أنت كل يوم بتضايقني وبتزعقلي."
رد حسام:
"أنا آسف يا ياسمين، أنا عارف إني كنت غلطان."
قالت ياسمين:
"آسف على إيه؟ أنت كل يوم بتعمل كده."
رد حسام:
"والله يا ياسمين، أنا مش قصدي، أنا بس ببقى مضغوط في الشغل."
قالت ياسمين:
"يعني أنا اللي أستحمل ضغط شغلك؟"
رد حسام:
"لا يا ياسمين، أنا عارف إني غلطان، وأنا أوعدك إني مش هعمل كده تاني."
قالت والدة ياسمين:
"يا بنتي، ادي فرصة تانية لجوزك."
ردت ياسمين:
"أنا مش عارفة يا ماما."
رد حسام:
"أنا بحبك يا ياسمين، ومش عايز أخسرك."
ياسمين سكتت شوية، وبعدين قالت:
"طب اديني وقت أفكر."
رد حسام:
"ماشي يا ياسمين، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني."
ياسمين قامت ودخلت أوضتها، وحسام قعد مع والدة ياسمين.
قالت والدة ياسمين:
"ربنا يهديكم يا ابني."
رد حسام:
"يا رب يا حماتي."
بعد شوية، حسام مشي، وياسمين خرجت من أوضتها.
قالت والدتها:
"ها يا ياسمين، قررتي إيه؟"
ردت ياسمين:
"مش عارفة يا ماما، أنا محتارة."
قالت والدتها:
"صلي استخارة يا بنتي، وربنا هيدلك على اللي فيه الخير."
ياسمين دخلت أوضتها، وصلّت استخارة، وفضلت تفكر.
تاني يوم الصبح، ياسمين قررت ترجع لحسام.
قالت لوالدتها:
"أنا راجعة لحسام يا ماما."
قالت والدتها:
"ربنا يتمم بخير يا بنتي."
ياسمين رجعت بيتها، وحسام كان مبسوط جداً.
قال حسام:
"أنا آسف يا ياسمين، أوعدك إني مش هزعلك تاني."
قالت ياسمين:
"وأنا كمان آسفة يا حسام، أنا بحبك."
حضنوا بعض، ورجعوا يعيشوا حياة سعيدة.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم محمد
_لا أفرط بك!_
تعاقبت الأيام، طويلة وثقيلة، على عكس المألوف، لم يكن هناك تفاوت، بل توازن عام، الجميع في حالة حزن وكرب عظيم، الجراح لم تبرأ بعد.
لكن الحادث الأخير لم يمر مرور الكرام، والغارة التي شنها أولاد "السويفي" على "حي الجزارين" وصل صداها لكبار القوم، ثم جاءتهم مباشرة دعوة كبير عائلة "الجزار" إلى جلسة عشائرية، تلك التي لطالما كان يعقدها أبيه لحل النزاعات وتسوية المظالم وما شابه.
وهو ما سيتم اليوم، تحديدًا بعد ساعة من الآن، في وقت الظهيرة ذاك، داخل شقته، الآن يقف أمام المرآة الطويلة في عهدة زوجته، وقد نهضت باكرًا تضع لمساتها على عباءته بعد أن كوتها ووضبتها جيدًا.
ألبسته إياها، ثم أمسكت بقنينة العطر الثمينة وأخذت تنثر عليه وهي تدور من حوله ثلاثًا، مشطت له شعره ولحيته، وضعت الحذاء في قدميه في صورة تقليدية عتيقة عن الزوج المسيطر والزوجة المطيعة.
ثم أخيرًا، وقفت خلفه وطوقت خصره مسندة ذقنها فوق كتفه، كلاهما ينظر لانعكاس الآخر بالمرآة.. هي تبتسم له بعذوبة، وهو يقبض على يدها ضاغطًا بحنان.
- يومي مهما كان وكنت فين، لا يمكن أحسه بدأ من غير ما أطل على وشك وأسمع صوتك!
غزله الصريح دغدغ أذنيها ومشاعرها بعاطفة فياضة، لتزداد ابتسامتها اتساعًا وترد عليه برقة:
- روحي، تاجي ودرعي والهوا اللي بتنفسه.. أنا بقى حياتي كلها ما تنفعش من غيرك.
التفت لها محافظًا على عناقهما، استطاع أن يطوقها الآن بدوره وأن ينظر جيدًا إلى وجهها، فقال بنظرات عاشقة:
- ليلة، ليلي وقمر حياتي.. قولي لي أعمل إيه عشان تفضل الابتسامة دي على وشك على طول؟
ضحكت بخفة وقالت:
- أكتر من ما مستحوذة عليك وبقالك أسبوع مش سايبني؟ أنا كده أبقى طماعة أوي.
- يا ستي اطمعي كمان، أنا مديلك الإذن. اؤمريني بس.. أنا خدامك.
لمعت عيناها بحب وغمغمت بصوت ملؤه الشجن متشبثة بمنكبيه العريضين:
- أنا اللي خدامتك والله، الله يخليك لي. أنا مش عايزة من الدنيا غيرك صدقني.
لم يقاوم أكثر إغراء شفتيها المنفرجتين عن ابتسامتها الحزينة، أمسك رأسها من الجانبين ودنا ليلثم فمها كله بقبلة عميقة، متطلبة، لم تستطع حتى أن تبادله إياها من شدة اقتناصه لها.
فضلت أن تستسلم في الأخير.. حتى أنهاها من نفسه فجأة وطبع قبلة واحدة أخيرة وقصيرة فوق شفتها العليا.
- النهاردة يوم مهم بالنسبة لي!
تمتم مغمضًا عينيه ولا زال وجهه يلامس وجهها.
- مش عاوز دعواتك تسيبني.
طمأنته وهي تشد على يده مشجعة:
- ما تقلقش.. أنا نفسي مش هاسيبك، هاكون قريبة منك للآخر.. ما تقلقش يا حبيبي!
______________
لولاها...
تلك الصغيرة، ولأجل عينيها فقط، تحمل جدها "سالم الجزار" رفقة أمها، حتى يمضي معها بعض الوقت.
فهي وحدها، أجل هي التي بإمكانها التهوين عليه، وإبقاء باله في حالة من السكون والسلام، كانت سلواه.
مصغرة جدتها، حبيبته ومعشوقته الراحلة.. "كاميليا"...
كانت تلعب في حجره بهذا الوقت، بينما كانت أمها تعاون "هانم" بالمطبخ لتحضير وجبة الغذاء، عندما أتى "حمزة" فجأة وأبلغها علانية:
- نسمة.. رزق بينده لك، مستنيكي تحت في الشقة!
فورًا تهللت أساريرها، فسارعت بتجفيف يديها في مريولة الطبخ وهي تقول مخاطبة الأخ الأصغر:
- يا لهوي ومستني بقاله كتير؟!!
جاوبها "حمزة" بتلويحة من يده وهو يمضي نحو أمه ليعبث في طبق البطاطا المقلية التي أعدتها للتو:
- لأ ما بقالوش كتير، ده لسا نازل من عند ليلة، روحي له بقى بسرعة.
لم تنتظر "نسمة" دعوة أخرى، انطلقت بعد أن أخذت الإذن بسرعة من "سالم".. وفي ثوانٍ كانت ماثلة أمامه بالأسفل.
في شقة "هانم" سابقًا، وشقتها هي حاليًا بعد أن فرغت لها حين سافرت "نور" مع "النشار" وانتقل "حمزة" للمعيشة مع جدته، إذ أبى المكوث فيها من بعد وفاة، أو مقتل شقيقته.
حتى أنه لا يدخلها إلا للضرورة القصوى كي لا يتأذى بذكراها الأليمة...
- رزق!
هدلت "نسمة" بابتسامة كبيرة.
كان شعرها الحالك حلزوني الشكل اليوم لأنها اغتسلت ولم تمشطه، فأعطاها مظهرًا غجريًا جذابًا، فقط لباسها المحتشم زيادة عن اللزوم ما شكل عائق لآداب خلوتهما من وجهة نظرها.
فإذا بها تقول الرخصة منه على عجالة:
- اديني دقيقة بس يا حبيبي أغير هدومي وأجي لك، ريحتي كلها طبيخ...
- استني يا نسمة!
استوقفها برصانته المعهودة.
وقام حيث كان يجلس فوق أريكة بصدر غرفة الصالون، مشى ناحيتها ممسكًا بطرف عباءته، حركة عفوية ورثها عن أبيه.
نظرت له بارتياب، حتى وقف قبالتها مباشرة، وليبدد ريبتها الجلية ابتسم وهو يقول بهدوء:
- أنا مستعجل، ضيوفي بدأوا يوصلوا، أنا كنت جاي أقول لك كلمتين بس.
سودت خيبة الأمل وجهها، لكنها سألته بجمود:
- خير يا رزق؟!
تنهد بأريحية وهو يرفع يده ممسدًا كتفها بلطف:
- الأول طمنيني عليكِ، مش ناقصك أي حاجة؟ مش محتاجة فلوس؟ وكوكي مش عايزة حاجة؟
- أنت مكفينا وزيادة، وأنت عارف إن ما فيش حاجة ناقصانا...
وأكملت بأسلوب ذي مغزى:
- مش ناقصنا غيرك بس!
رد عليها ببرود متنصلًا من اتهاماتها:
- أنا موجود يا نوسا، وفي أي وقت تحتاجوا لي بكون معاكوا...
ثم قال مقرًا بذنبه مع ذلك:
- إلا بس الفترة الأخيرة وأنتِ عارفة الأسباب.. بس خلاص من الليلة في نظام تاني، وعلى مدار الأسبوع هاقضي يوم معاكِ ومع كوكي، ويوم مع ليلة فوق... لكن!
وصمت هنيهة محدقًا بنظراته الحادة إلى عينيها المترقبتين، وأردف:
- في نقطة مهمة حابب أتفق عليها معاكِ عشان نمشي على النظام ده مرتاحين كلنا.
ابتلعت ريقها مدركة بأن القادم أسوأ، لكنها استوضحته:
- تمام، قول اللي أنت عايزه.. أنا سامعة!
جاءها الرد أسرع وأوضح مما توقعت:
- ما فيش حمل لكِ، مش هاتحملي تاني.. إلا لما ليلة تتم علاجها وتحمل الأول.
عبست وفغرت فاها على الأخير صائحة:
- نعـــــم؟!!!
- وده إيه أصله ده؟!! أنت إزاي تطلب مني حاجة زي كده أصلًا؟ يعني ما أحملش عشان خاطر البرنسيسة بنت عمك؟ أنا مالي ومالها أصلًا؟!!!!
لم يأتِ بحركة، رغم تطاولها عليه بالحديث، بقى هادئًا وهو يزجرها بنظراته الصاعقة قائلًا:
- نسمة.. فوقي، اعرفي إني واقفة قصاد مين.. كلمة تانية مش هاسامحك، فاهماني؟
أرادت أن ترد في إثره، ليقاطعها بإشارة من يده هاتفًا بصرامة:
- خلاص.. أنا قلت اللي عندي، لو مش قابلة قراري أنتِ حرة، بس ما فيش أي قرب هايحصل بينا.
طفرت الدموع من عينيها على الفور وهي تقول بصوت باكٍ يختنق بالغصة:
- أنت كده جاي علي بزيادة وبتظلمني عشانها!!!
رمقها بنظرة لم تستطع تخطيها، رغم ثباتها على موقفها الواهن، إلى أن اقترب منها وحنى رأسه ليهمس قرب أذنها:
- إوعك تكوني فكراني مغفل، أو جاي من ورا الجاموسة مثلًا.. أنا عارف الحمل بتاع أول مرة تم إزاي يا نسمة، عارف إنه كان مقصود وعارف رتبتي إزاي ورأسي على الليلة كلها.. كل حاجة عملتها معاكِ تمت بمزاجي، ما تفكريش أبدًا إنك كنتِ ذكية.. وما تنسيش كلامي ده، أنا قاري دماغك دايمًا وممكن أقول لك حتى بتفكري في إيه دلوقت!
نجحت بإخماد صدمتها بأعماقها مظهرة فقط له وجه البراءة والمظلومية، لكنه لم يهتز للحظة وارتد عنها للخلف مسددًا لها نظرة أخيرة مكفهرة، ثم ولى متجهًا للخارج.
لتبقى هي وحيدة، بعد أن أغلق عليها باب الشقة، انهارت فوق أقرب كرسي، وأطلقت لنفسها العنان لتبكي هذه المرة صدقًا على حالها وهي تدفن وجهها عميقًا بظهر الكرسي، كأنما تواري نفسها عن العالم وقسوته الدائمة عليها.
______________
- المعلمين كلهم وصلوا!
عبارة "علي" المقتضبة التي استقبل بها ابن عمه وكبيرهم الحالي، استرعت انتباه "رزق" الذي توقف عند مؤخرة الدرج واستدار إليه.
حدجه بنظرة متفحصة وقال:
- مالك يا علي؟
- ماليش!
إجابته المختصرة الجافة وطدت شكوكه أكثر، فألح عليه موليًا له جام تركيزه:
- انجز يا علي، مش سايبك إلا لما أعرف مالك.. مالك يا ابني؟!!
مع تصميمه، اضطر "علي" للإفصاح أخيرًا:
- صراحة مش عاجبني الحال، مخنوق.
- إيه اللي مش عاجبك طيب، ما كله زفت من زمان!
تنهد "علي" بثقل وأجابه:
- موازين العيلة اختلت، حاسس إننا زي العقد وفرطنا، رغم إننا مع بعض.. بس موضوع سلمى لسا ما بردش، وأختي اللي على وش ولادة وابنها اللي هاينزل مش هايلاقي أب، الله أعلم أبوه غار فأي داهية.. وكمان...
وسكت لحظة مترددًا:
- غياب نور.. مأثر في، أنا مش عارف أنا عملت إيه عشان تمشي وما تقبلش تشوفني حتى.. أنت عارف لولا الترتيب اللي حصل بالصدفة وإني كنت كتبت عليها قبل الفرح بأسبوع، أنا واثق إنها دلوقت لو ما كانتش مراتي على سنة ورسوله عمرها ما كانت توافق تتجوزني، زي ما أكون أنا السبب في كل اللي حصل!!!!
الآن وقد تركه "رزق" يفصح عن مكنون صدره أمامه، كان مستمعًا جيدًا، رغم أنه ذكره بالمآسي التي مرت عليه مؤخرًا وهو الذي يكافح لينسى تفاصيلها ولو قليلًا.
وجد نفسه يؤازره رغم ذلك، وضع كفه على كتفه وضغط بخفة قائلًا:
- معلش يا علي، كلنا اتحرقنا بالنار دي، مش أنت بس ولا حتى نور.. أنت مفكر إني مبسوط وأنا لابس عباية الزعامة دي؟ لو فكرت كده تبقى ما تعرفنيش، أنا بس ما عنديش اختيار، وأبويا وقع، لو سبته دلوقتي كل الكلاب هاتنهش فيه وفيكوا.. أنا قاعد مكانه مؤقتًا بس، يشد حيله ويقوم تاني، أطمن عليه وعليكوا.. ومش عايز حاجة، مش عايز أي حاجة من دي وربي.
نظر له "علي" على نحو أقل اضطرابًا مما كان، ليضيف "رزق" مبتسمًا يهون عليه:
- ولو على نور، هي أكيد معذورة.. لازم تاخد وقتها، أنت عارف ظروفها وحالتها، نور زي البيبي بالظبط.
براءتها سهل جداً تنجرح.. فاهمني؟
أومأ له مرة واحدة:
- فاهم يا رزق.. فاهم.
- طيب يلا بينا أحسن كده هنتأخر على الناس. ولا إيه رأيك!
- يلا يا عم!
وتضاحكا معًا كعهدهما عادةً، ثم خرجا من البيت جنبًا إلى جنب.
الصغيرة وكأنها جاعت فتحت بالبكاء، ولم يستطع أحد إسكاتها أبدًا، مهما فعلوا، حتى "سالم" الذي هو من أقرب الأشخاص إليها، فشلت كل محاولاته معها.
حتى ظهرت "ليلة"، كأنما هي ملاك هبط من السماء لنجدته.
- ليلة. تعالي يا بنتي. تعالي شوفي البت مالها الله يخليكي!
ولجت "ليلة" عبر باب الشقة المفتوح وصوّبت ناظريها تجاه عمها، يجلس في أريكته الضخمة الأشبه بالعرش، والصغيرة "كاميليا" تكاد تنفطر من شدة البكاء في حضنه.
أسرعت إليه ومدت يديها لتحملها عنه وهي تقول:
- أمال فين مامتها؟ إزاي تسيبها كده بتعيط؟!
جاوبها "سالم" على قدر معرفته:
- كانت هنا من شوية. باين رزق ناداها تحت. مش عارف عندهم إيه بس أكيد لو خلصوا كانت طلعت.
في حينها، اشتعلت نيران الغيرة بصدر "ليلة" وهي تهز الصغيرة الباكية وتهدهدها بين ذراعيها، قالت فجأة وعينيها تقدحان شررًا خفيًا:
- كده.. طيب طالما اتأخرت كده يبقى مش طالعة. أنا هنزل أديها البنت. شكلها جاعت أو عايزة تغير الـ "Panty".
لم يمانع "سالم" من أجل الصغيرة، وأضاف على ذلك موصيًا إياها:
- طيب. بس ابقي اطلعي تاني. هتتغدي معانا. هانم ما بتاكلش. وأنا لوحدي مش بقدر عليها.
وعدته بدورها:
- حاضر يا عمي. مش هتأخر. طالعة علطول!
وأحبت الصغيرة إلى الأسفل محاوطة عليها بذراعيها كأنما تحمل جوهرة ثمينة.
أخذت نفسًا عميقًا عندما وصلت أمام باب الشقة، ثم مدت يدها وقرعت الجرس، مرة، اثنان، ثلاثة.
انفتح بعد برهة طويلة، وظهرت "نسمة" لا غيرها، ربما لم تلاحظ "ليلة" احمرار عينيها وانتفاخها من كثرة البكاء، إذ كانت مشغولة بالبحث عن زوجها لكنها لم تجده.
- البنت كانت بتعيط جامد فوق!
هتفت "ليلة" وهي تلج دون استئذان على أمل أن يظهر "رزق" وتضبطه متلبسًا.
كانت قد أودعت الصغيرة ذراعي أمها، لتضعها "نسمة" في أرجوحتها المتنقلة وتولي انتباهها لضرتها التي توقفت الآن بمنتصف الصالة تعاين كل شبر من الشقة.
وفجأة تراخت تعابيرها المنقبضة عندما تأكدت من عدم وجوده، والآن صار بإمكانها أن تتطلع بوجه غريمتها.
حرصت الأخيرة على إظهار وجه العبوس المتجهم لها وهي تبادر بالقول:
- ارتاحتي كده انتي صح؟
رفعت "ليلة" حاجبها مرددة:
- أفندم! تقصدي إيه يا نوسا؟!
ارتعش فمها من شدة الحقد وهي ترشقها بالكلمات:
- في الأول جيتي وشاغلتيه. قعدتي تخططي لحد ما أقنعتيه يتجوزك. هو أصلاً ما كانش في دماغه جواز. حتى بعد ما اتجوزك. مش سايباه وواخداه ليكي لوحدك. بتضحكي عليه إزاي؟
تفهمت "ليلة" الوضع جيدًا، فتصرفت على غرارها ونقيض أسلوبها ببرود وخباثة:
- أنا مش محتاجة أضحك عليه ولا أبذل أي مجهود. رزق لو مش حابب يفضل جنبي محدش هيغصبه.
ورمقتها بنظرة شمولية مقيمة، ثم قالت:
- ولو انتي حاسة ببعد. فممكن العيب مش منه. مش جايز انتي اللي محتاجة تكتشفي نقط ضعفك قدامه؟ ما تجربي تتعلمي طيب. مش عيب. الثقافة حلوة. جددي معاه وشوفي النتيجة. بس لو حاولتي وما فيش حاجة جدت يبقى العيب فيكي وش وما تلوميش عليا بقى.
وأطلقت قهقهة عالية استفزت أسوأ ما بداخل ضرتها.
- إنتي فكراه بيحبك؟ ما تحلميش يا حبيبتي. ده هو بس الغربال الجديد لازم يبقى له شادة زي ما بيقولوا. بكرة يزهق منك ويرجع لي. زي ما تملي يعمل.
صاحت "ليلة" بصوت ضحوك مستنكر:
- هو انتي بجد بتقارني نفسك بيا يا نوسا؟ بقولك إيه بلاش أنا. بلاش تقعي معايا. أنا عارفة كل حاجة. بلس حاجة مهمة جدًا. أنا يا قلبي بنت عمه. صلبه. دمه ولحمه. يوم ما هيختار. هتكون أنا. وعلى ثقة. مش إنتي.
وهزت رأسها ضاحكة وهي تحضر نفسها للمغادرة، ثم فجأة صاحت "نسمة" بكل ما فيها من غل وقد أصابت هدفًا لم يخب:
- على الأقل أنا خلفت له. الدور والباقي على اللي مش قادرة تجيب له ضفر عيّل!!!
وقعت كلمات ضرتها عليها أشد من الحجارة، انكمشت على نفسها وشعرت وكأنها صفعتها بالفعل.
وفجأة اشتعل الغضب بصدرها واستحال إلى غضب عارم وهي تنقض عليها، طرحتها أرضًا بسهولة وهي تشد شعرها بكلتا يديها، جثمت فوقها ثم قبضت على عنقها بكل قوتها صائحة بشراسة كالمجنونة:
- اللي مش قادرة تجيب له ضفر عيّل دي. قادرة دلوقتي تخنقك وتطلع بروحك. قوليلي مين يقدر يخلصك من إيدي دلوقتي. ميـــــــــــــــــن؟
وبينما تكافح "نسمة" شاخصة فاتحة فاها على مصراعيه وتتخبط تحتها تارة، وتمسك يديها تارة أخرى تحاول عبثًا إبعادهما لعلها تسحب نفسًا واحدًا.
أتى الرد من خلفها قاصفًا كالرعد:
- ليـــــــلة!
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم محمد
الفصل الثاني
وصلت إلى البيت، فتحت الباب ودخلت، أغلقت الباب خلفي، وجدت أمي تجلس في الصالة وتشاهد التلفاز.
نظرت إليّ، ثم قالت:
"يا هلا والله باللي نور البيت، الغايب الحاضر."
قلت لها:
"يا هلا فيك يا أمي، كيفك؟"
قالت:
"الحمد لله بخير، وين كنتِ؟"
قلت لها:
"كنت عند صديقتي نورا، عزمتني على قهوة عندها."
قالت:
"طيب يا بنتي، روحي غيري ملابسك عشان الغداء جاهز."
قلت لها:
"من عيوني يا ست الكل."
ذهبت إلى غرفتي، غيرت ملابسي، ثم ذهبت إلى المطبخ لأتغدى مع أمي. بعد ما انتهيت من الغداء، غسلت الصحون وساعدت أمي في ترتيب المطبخ.
بعدها ذهبت إلى غرفتي، أخذت جوالي وجلست أتصفح في برامج التواصل. وصلتني رسالة من رقم غريب، فتحت الرسالة، لقيت مكتوب فيها:
"مساء الخير يا ساره، كيفك؟"
استغربت، من هذا اللي يعرف اسمي؟ رديت عليه:
"أهلين، مين معي؟"
جاني الرد:
"أنا خالد."
استغربت، خالد مين؟
"خالد مين؟ والله ما عرفتك."
جاني الرد:
"أنا خالد، ولد عمك اللي شفتيني اليوم في بيت عمتك."
بعدها تذكرت أنه ولد عمتي، بس استغربت، كيف جاب رقمي؟
"أهلاً خالد، كيف جبت رقمي؟"
جاني الرد:
"أخذته من أمي."
قلت له:
"طيب ليش تبغى رقمي؟"
جاني الرد:
"والله يا ساره، من يوم ما شفتك اليوم وأنا ما قدرت أنساكِ، دخلتي قلبي من أول نظرة، حبيت أتعرف عليكِ أكثر."
استغربت من كلامه، ما توقعت أنه يقول كذا، حسيت بخجل، ما عرفت وش أرد عليه، سكتت.
جاني الرد:
"ساره، أنتِ معي؟"
قلت له:
"إيه معك، بس كلامك صدمني."
جاني الرد:
"أنا آسف إذا كلامي ضايقك، بس هذا اللي أحس فيه، مو بيدي."
قلت له:
"طيب خالد، أنا ما أقدر أكلمك كذا، إذا أنت جاد، تعال واخطبني من أهلي."
جاني الرد:
"أنا جاد يا ساره، وراح أجي أخطبك من أهلك، بس أبغى أتعرف عليكِ أكثر قبل ما أجي."
قلت له:
"أنا ما أقدر أكلمك من ورا أهلي، وإذا أنت جاد، تعال واخطبني."
جاني الرد:
"طيب يا ساره، أنا آسف إذا ضايقتك، بس حبيت أقول لك اللي بقلبي، وأتمنى إنك تفكرين في كلامي."
قلت له:
"إن شاء الله خير."
أغلقت الجوال وجلست أفكر في كلام خالد، ما توقعت أنه معجب فيني، ولا توقعت أنه يرسل لي. حسيت بشعور غريب، ما عرفت أوصفه، هل هو إعجاب؟ ولا خوف؟ ولا ارتباك؟ ما عرفت.
مرت الأيام، وخالد ما رسل لي ولا كلمة، ولا حتى شفته، قلت يمكن كلامه كان مجرد مزح، أو يمكن غير رأيه.
بعد أسبوع، كنت جالسة في الصالة مع أمي، سمعت صوت جرس الباب، قامت أمي وفتحت الباب، لقيت عمتي ومعها خالد. سلمت عليهم أمي، ودخلوا.
سلمت على عمتي وخالد، وجلسوا.
قالت عمتي:
"كيفك يا أم ساره؟"
قالت أمي:
"الحمد لله بخير يا أم خالد، أنتِ كيفك؟"
قالت عمتي:
"الحمد لله بخير."
بعدها عمتي بدأت تتكلم في الموضوع:
"والله يا أم ساره، احنا جايين اليوم نخطب بنتك ساره لولدي خالد."
أمي استغربت، ونظرت إليّ، ثم قالت:
"والله يا أم خالد، هذا الشيء يفرحنا، بس لازم نسأل البنت أول، ونشوف رأيها."
قالت عمتي:
"إيه أكيد، هذا حقها."
بعدها أمي نظرت إليّ، وقالت:
"ها يا ساره، وش رأيك؟"
أنا حسيت بخجل، ما عرفت وش أقول، نظرت إلى خالد، لقيته ينظر إليّ بابتسامة خفيفة.
قلت لأمي:
"اللي تشوفونه يا أمي."
أمي ابتسمت، وقالت:
"خلاص يا أم خالد، البنت موافقة."
عمتي فرحت، وقالت:
"مبروك يا ساره، ومبروك يا خالد."
خالد ابتسم، وقال:
"الله يبارك فيك يا عمتي."
بعدها اتفقوا على موعد الخطوبة، وبعد ما انتهوا من الكلام، عمتي وخالد راحوا.
أمي نظرت إليّ، وقالت:
"يا ساره، ليش ما قلتي لي إن خالد كلمك؟"
قلت لها:
"يا أمي، ما حبيت أشغلك بالموضوع، وكنت أنتظر أشوف وش بيسوي."
قالت أمي:
"طيب يا بنتي، ألف مبروك، الله يتمم لك على خير."
قلت لها:
"الله يبارك فيك يا أمي."
بعدها قمت رحت غرفتي، أخذت جوالي، لقيت رسالة من خالد، فتحتها، لقيت مكتوب فيها:
"مبروك يا خطيبتي، أحبك."
ابتسمت، ورديت عليه:
"الله يبارك فيك يا خطيبي، وأنا أحبك أكثر."
مرت الأيام، وجاء موعد الخطوبة، كانت الخطوبة بسيطة، بس جمعت الأهل والأقارب.
لبست فستان أبيض، وحطيت مكياج خفيف، ورفعت شعري. لما دخلت الصالة، الكل كان ينظر إليّ، حسيت بخجل، بس فرحت لما شفت خالد ينظر إليّ بابتسامة.
جلسنا جنب بعض، والكل كان يبارك لنا، بعدين قاموا يرقصون ويحتفلون.
بعد ما انتهت الخطوبة، خالد قرب مني، وقال:
"مبروك يا عمري، صرتِ لي."
ابتسمت، وقلت له:
"الله يبارك فيك يا قلبي، وأنت صرت لي."
بعدها خالد مسك يدي، وقال:
"أنا أحبك يا ساره، وما أقدر أعيش من دونك."
قلت له:
"وأنا أحبك يا خالد، وأنت كل حياتي."
بعدها خالد قرب مني، وباسني على خدي، حسيت بخجل، بس فرحت.
بعدها خالد راح مع أهله، وأنا رحت مع أمي إلى البيت.
دخلت غرفتي، جلست أفكر في خالد، وفي كلامه، وفي كل شيء صار، حسيت بسعادة غامرة، ما توقعت إني في يوم من الأيام راح أكون مخطوبة من الشخص اللي أحبه.
بعدها أخذت جوالي، ورسلت لخالد:
"تصبح على خير يا حبيبي."
جاني الرد:
"وأنتِ من أهله يا عمري."
أغلقت الجوال، ونمت وأنا أحلم بخالد، وبمستقبلنا مع بعض.
رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد
- ولكني أحببتك!
أمام قبر الفقيد، الأقرب والأحب إلى قلبه رغم جرائره وآفاته النفسية المعقدة، لم يُخَيَّل له أبدًا أن يأتي هذا اليوم، الذي يقف فيه أمام قبره، فقد توقع أن الأبناء هم الذين يدفنون آباءهم وليس العكس.
- أباه!
أتى ابنه الأوسط، بينما كان يجلس فوق كرسي خشبي يسقي بيده العشب والصبار المتراص حول مقبرة البكر الراحل.
- قول!
نطق "رضوان السويفي" بفتور ودون أن يلتفت له.
انبلجت ابتسامة متشفية على وجه المدعو "حسين" وهو يبشره شامتًا:
- مش هتصدق الخبر ده. سالم الجزار... مات يابا!
توقف "رضوان" للحظة، ثم أدار وجهه إليه وسأله مباشرة:
- حد منكم اللي عملها؟
هز "حسين" رأسه أن لا وقال:
- كل اللي عرفته إنه وقع ومات في فرشته.. بس إيه المهم يعني. أهم حاجة إنه طَب وغار في داهية.
اتقدت عينا "رضوان" فجأة إلى حد أرهب ابنه ورد منفعلًا وهو يضرب بقبضته فوق فخذه:
- طالما أجله ما جاش على إيدي ولا إيد واحد من عيالي يبقى لسا بيعملوا علينا. من اللحظة دي مش هاسمح لنفر من الجزارين يموت موتته المكتوباله. ما فيش نقطة دم هتنزل منهم غير بسلاحي أنا. سامعني؟ نهايتهم على إيدي أنا.. أنا رضوان السويفي!!!
أومأ "حسين" وقال يوافقه بلا أدنى شك:
- هيحصل يابا.. هيحصل!
_______________
ألف عيار ناري
تم إطلاقهم من الأسلحة على مختلف أنواعها، إلى سماء "حي الجزارين" حدادًا وكمدًا على كبيرهم، منذ إعلان الخبر قبل بضعة سويعات والجميع في حالة من الإنكار والجنون.
من الصغير إلى الكبير، وفي ساعتها حضر كبار الشيوخ وزعماء القُطر قاطبة، وصار الحي فجأة مكتظًا بالوافدين من كل حدب وصوب، جميعهم جاءوا لتأدية واجب العزاء والسير بجنازة "سالم الجزار".. متى تخرج الجنازة؟
لقد أدلى ولي العهد بأنه لن يخرج جثمان أبيه من بيته في جنح الليل، إنما سيكون موعدهم الصبح، تمامًا كما حدث مع أخته الراحلة قبل أشهر.
وما أكثر أحزانهم وأتراحهم مؤخرًا.. ما أكثرها...
لم يسمح لأحد، فقط هو.. "رزق الجزار" الذي اطلع على سوءة أبيه.
هو لا غيره الذي بقي معه بغرفة النوم وحمله على خشبة الغُسل وغسَّله بيديه، ثم كفَّنه ووضعه بالفراش لا يكشف سوى عن وجهه النائم الشاحب وقد خلا من الاحمرار الذي كان عادة ما يسبغ على وجنتيه في جميع الأوقات.
الآن
أبيه هو مجرد جثة
جثة هامدة
هكذا فجأة وببساطة... سقط الجبار!!!
كان "رزق" يجلس في هذه اللحظة في كرسي بجوار رأس أبيه، مطرقًا مصدومًا وتائهًا، وإذ سمع بغتة صياح الرجال بالخارج، وقد ميَّز من بينهم صوت "مصطفى" الصارخ والذي بيَّن بأنه خرج من جحره أخيرًا:
- أبوياااااااااااااا.. اوعوااااا من قدامي. لازم أشوفه. لازم أشوف أبوياااا.. يابااااااااااااااااااااااأااااااا. سامحني ياباااااااااااااااااااا. سامحني ...
وظل يرددها مرارًا وتكرارًا وهو يقاوم أذرع الرجال، بينما صوت "النشار" ينهاه بصرامة:
- أنت كنت واقف ساعة ما أبوك وصَّى يا مصطفى. لا هتُدخل على غسله ولا هتمشي في جنازته.. انتهى!
تطلب الوضع بعض الوقت حتى هدأت الأصوات في الخارج قليلًا، ولم يعد هناك أوضح وأنقى من صوت المقرئ الشجي الذي راح يتلو ما تيسر من سورة "القيامة":
"لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ * لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ..."
حالة متضاربة من الخشوع والضعف واليتم والخوف.. كلها ألمَّت به.
كلمات الذكر الحكيم على قدر بلاغتها ووعظها، لكنها رسمت أمام عينيه مصيرًا محتملًا لروح أبيه، صحيح أنه الآن بين يدي الله وتحت رحمته، إن شاء عذَّبه على ذنوبه وإن شاء رحمه.
كم هو فزع لأجله، لا يعرف هل حتى تاب قبل موته أم لا، وإن لم يتب فكيف إذن وفَّقه الله لنطق الشهادتين!
أصابته رجفة مفاجئة تزامنًا مع رفعه لرأسه حتى ينظر أخيرًا في وجه أبيه، لم يعد يتحمل الصمود أكثر من ذلك، وانهار باكيًا كالأطفال وهو يرتمي فوق صدر "سالم" محتضنًا إياه بقوة،
- بابا!
إنه الآن "رزق" الآخر، إنه "رزق" الولد، ابن "كاميليا" وحفيد الباشا، الصبي الرقيق النبيل، يتحدث بلسانه ويتصرف بأخلاقه...
- بابا. أنا عارف إنك سامعني. بابا.. أنا بحبك. بحبك دايمًا ولآخر يوم في عمري. أنا عمري ما كرهتك. أي كلمة قولتها بيَّنت لك كده مش حقيقة. أنت مهما عملت فيها وفيَّا عمري ما كرهتك. أنا عارف إنك حبيتها وحبتني. عارف إنك ما حبتش غيرنا.. وأنا كمان. والله وأنا كمان.. أنا مسامحك في حقي. مسامحك يا بابا. مسامحك ...
وغصت الكلمات بحلقه مانعة إياه عن التحدث أكثر.
وبعد ثوان، التقطت أذنه صوت قرع على الباب، ما لم يمنعه وهو يزمجر بصوته ذي النبرة الباكية:
- قلت محدش يخطي الناحية دي إلا الصبح. مش عاوز أشوف حد هنا.. الكل يمشي!!
لكنه بدل أن يلقى إذعانًا لأمره، سمع القفل ينفتح، يعقبه صوت إغلاق الباب ودخول أحدهم.
لم يتزحزح من مكانه، ليفاجأ بذراعين طريين، ثم تعرف فورًا على رائحة زوجته، حبيبته، وابنة عمه.. "ليلة الجزار"...
يعانق أبيه، بينما تنحني هي وتعانقه من الخلف، أحست بتصلبه وتشنجاته تحت لمساتها، مهدت طريقًا لمواساتها قائلة بصوتها الخفيض الرقيق:
- النشار وصل من شوية. أنا قبلها لما كلمته وبلغته الخبر وصيته ما يجيبش سيرة لنور على الأقل دلوقتي.. أنا عارفة إنك مش مركز. بس ما تقلقش. أنا هنا جنبك يا حبيبي ..
وطبعت قبلة مطولة على رقبته تبث فيها قوة وحنان يربط على قلبه المكلوم، لكن ما فعلته ضاعف مشاعره الحزينة أكثر، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يجهش ببكاء جديد مطلقًا العنان لنفسه أكثر بين ذراعيها ...
- أبويا!
غمغم "رزق" متأوهًا بمرارة:
- أبويا يا ليلة.. أبويا ...
أخذت تهدئه مشددة عناقها من حوله:
- إشششششش. اهدأ حبيبي. اهدأ.. أنا هنا. أنا جنبك.. حبيبي.