تحميل رواية «رحيل العاصي» PDF
بقلم ميار خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين. كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف. صرخت بهم: – ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا! اقترب منها أحد الأطباء وقال: – اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده! قالت بغضب عارم: – مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت. وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول: – هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟ تغيرت نظراتها فجأة...
رواية رحيل العاصي الفصل الأول 1 - بقلم ميار خالد
صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين.
كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف.
صرخت بهم:
– ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا!
اقترب منها أحد الأطباء وقال:
– اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده!
قالت بغضب عارم:
– مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت.
وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول:
– هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟
تغيرت نظراتها فجأة ونظرت نحو مصدر الصوت لتجده أمامها. ابتسمت بفرحة وأمل وتركت قطعة الزجاج من يدها ثم ركضت نحوه بسرعة وارتمت في أحضانه وكأن شيئاً لم يكن!
قالت:
– كويس إنك جيت.. خرجني من هنا خليني أمشي.
– طبعاً.
ثم نظر إلى أحد الأطباء فجاء بسرعة وحقنها بحقنة مهدئ، فارختخت بين يديه ولكنها ظلت تنظر إليه بعيون غارقة بالدموع. حملها بين يديه ووضعها على سريرها وجلس بجوارها للحظات.
لم تزاح عيونها عنه حتى همست له قبل أن تغمض عيونها:
– عاصي.
***
في مكان آخر، تململت في سريرها بملل وفتحت عيونها بعد محاولات كثيرة لتغط في النوم ولكن بدون فائدة. زفرت بضيق ثم نهضت من مكانها وجلست على سريرها للحظات.
ثم اتجهت إلى مرآتها ونظرت إلى انعكاسها لوهلة وتأملت ملامحها. عيونها الواسعة ذات اللون العسلي المائل للون الزيتون الأخضر والرموش الكثيفة وبشرتها البيضاء الصافية وأنفا الحاد الصغير وشفتيها الرقيقة والمميزة جداً للونها الوردي الطبيعي. كان وجهها ليس بالممتلئ أو الرفيع، كان رقيق كما يحوي به من ملامح ذات جمال هادئ.
أطالت النظر إلى نفسها حتى قالت:
– لازم أنفذ كل حاجة النهاردة!
ومع تلك الجملة ظهر إصرار كبير في نظراتها. خرجت من غرفتها بهدوء واتجهت إلى غرفة أختها وفتحتها بهدوء ثم اقتربت منها وهي نائمة. ظلت تطالعها للحظات حتى أخرجت عود كبريت من جيبها وأشعلته!
تململت أختها في سريرها وفتحت عيونها لتجد هذا المشهد أمامها فانتفضت مكانها بخوف وقالت:
– رحيل! أنتِ بتعملي إيه؟
– يا ترى النار دي لو وقعت على الأرض.. إيه اللي هيحصل؟
– أنتِ اتجننتي! اطفي الكبريت بسرعة قبل ما يقع على حاجة!
– ولو معملتش كده يا داليا؟
نظرت لها داليا بخوف وظلت تصرخ ببكاء وخوف حتى جاء على صوتها والدها ووالدتها. وعندما دلفوا إلى الغرفة وضغطوا على زر الضوء انتشر النور في المكان وظهر هذا المشهد ولكن على غير المتوقع.
نظر الاثنان إليها بملل وتهكم.
صرخت أختها:
– واقفين كده ليه؟ حد يعمل حاجة!
ابتسم الأب ابتسامة هادئة وقال:
– مش هتبطلي المقالب بتاعتك دي.
نظرت له رحيل بجمود ثم شقت الابتسامة وجهها ولمعت عيونها بشدة وضحكت بصوت عالٍ وضحك معها والدها ووالدتها.
قالت أمينة والدتها:
– حرام عليكي كده يا رحيل تخوفي أختك بالشكل ده، أنتِ عارفة إنها مش بتحب المقالب بتاعتك.
تحركت رحيل في الغرفة بمرح وقالت:
– مهما تقولي هفضل أعمل مقالب فيها هي بالذات.
صاحت بها داليا:
– وهو ده اسمه مقلب برضه!! كنتِ هتولعي فيا وتقولي مقلب.
– لما يجرالك حاجة أبقى اتكلمي. يلا أنا هروح أنام.
قالت تلك الجملة بابتسامة ثم ذهبت إلى غرفتها والابتسامة لم تفارق وجهها.
زفرت داليا بضيق وقالت:
– كده بقى كتير بجد، نفسي أفهم أنتم ليه ساكتين لها على عمايلها دي؟
قال بدر والدها:
– أنتِ عارفة إن رحيل مش قصدها حاجة جد، هي بتهزر.
– بس الهزار له حدود مش بالشكل ده!
قالت أمينة:
– خلاص يا داليا، أنتِ عارفة إن بابا مش بيحب يزعل رحيل بالذات. معلش يا حبيبتي عدي المرة دي.
نظرت لهم داليا بضيق ثم عادت إلى فراشها ونامت.
وعندما وصلت رحيل إلى غرفتها دلف إليها بابتسامة ونامت في فراشها براحة بعد أن أنهت تلك المهمة وغطت في نوم عميق لدرجة..
وفي اليوم التالي..
وخصوصاً على طاولة الفطور الذي كان يجلس عليها بدر وأمينة وكانوا في انتظار رحيل لأن داليا لا تستيقظ باكرًا.
زفرت أمينة وقالت:
– عاجبك عمايل رحيل دي.
– أمينة بعد إذنك مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني.
– لا لازم تتكلم فيه، مينفعش نظام حياتها ده.
– شايفه إيه في إيدي ممكن أعمله؟ طيب لو الهزار والمقالب اللي بتعملها دي هتخليها مبسوطة خلاص مش مشكلة.
– بس هي مبقتش صغيرة على كده، سابت إيه للمراهقين.
– أنتِ أكتر واحدة عارفة رحيل مرت بإيه، بلاش تقسي عليها أنتِ كمان.
تنهدت أمينة بحرارة وقالت:
– عارفة يا بدر بس أنت كده بتأذيها مش بتفيدها، ده مش حل.
– عارف إنه مش حل بس أنا كل اللي فارق معايا إنها تكون مبسوطة وبس.
– أنا كمان كده، أنت عارف إن بحب رحيل جداً مع أنها مش بنتي! بس لازم تغير طريقة حياتها، لازم تتحمل المسؤولية شوية.
– عارف.. وأنا فكرت في الموضوع ده من فترة.
نظرت له أمينة بعيون متسعة ثم قالت بسرعة:
– بجد! ووصلت لحاجة؟ طيب.
– أيوه متقلقيش.
– هتعمل إيه طيب؟
– هتعرفي كل حاجة في الوقت المناسب.. كل اللي عايزك تعرفيه إن كلها فترة ورحيل هتتغير تمامًا، أنا واثق من كده!
***
– تفتكر هينجح وهياخد الصفقة؟
كانت تلك الكلمات التي يتهامس بها الصحفيين خارج إحدى الشركات الهامة للاستثمارات.
قال أحد الصحفيين:
– أفتكر؟ طبعاً.
– ومتأكد ليه أوي كده؟ ما يمكن يفشل المرة دي.
– مستحيل يفشل، مفيش حد يقدر يرفض عرض شراكة مع أستاذ عاصي، هو شاطر جداً في شغله.
ولم تمر ثوانٍ حتى تحولت تلك الهمسات إلى أصوات عالية عندما هلّ عليهم سيد حديثهم هذا.. عاصي القاضي.
قالت إحدى الصحفيات:
– أستاذ عاصي هل شراكتك مع شركة الرحاب نجحت ولا لا؟
كان سيمضي في طريقه ولكنه توقف فجأة. ألتفت إليها ببطء وقال:
– أعتقد دي فرصة كويسة جداً وصعب أوي تيجي لأي حد، واللي عنده عقل وبيفكر صح أكيد مش هيضيعها.
– تفتكر إيه سبب نجاحك؟ ثقتك الزايدة بنفسك ولا شركتك واسمها المعروف؟
نظر لها عاصي بملامح خاوية وعدم اهتمام ثم ارتدى نظارته الشمسية وتحرك من مكانه. وظلت هي تطالعه بصدمة من رد فعله هذا ورحل هو من المكان.
قال أحد زملائها:
– أنتِ محظوظة أنه رد عليكِ أصلاً.
استقل الآخر سيارته ثم تحرك بها إلى شركته. وعندما وصل إليها رأى تجمع كبير من الموظفين وسمع العديد من المباركات لإتمام تلك الصفقة ولكنه لم يهتم ودلف إلى مكتبه. ثم اتجه إلى الحمام المرفق به وغسل وجهه. ثم نظر إلى انعكاسه في المرآة. كان حاد الملامح نوعاً ما ولكن يوجد شيء بعيونه يبعث الأمان. كان يمتلك بشرة قمحاوية مميزة مع لحية خفيفة وشعر ناعم بني اللون يميل للسواد. كانت ملامحه هادئة وعادية وكانت تخفي ما يجول في رأسه بمهارة كبيرة. وقد تلونت عيونه باللون العسلي لتكمل جماله الهادئ.
خرج من الحمام وجلس على مكتبه. وفي تلك اللحظة دلف إليه رامي مساعده الشخصي الذي قال:
– أنا آسف جداً إني بزعج حضرتك بس في حاجة مهمة.
– في إيه؟
– أستاذ بدر وافق على مشروع المول.
قال عاصي بعدم تركيز:
– أستاذ بدر مين؟
– صاحب سلسلة مطاعم البدر للحلويات.. طبعاً حضرتك عارف إن له اسم واسع في السوق. فكون إنك تشتري اسمه التجاري وتحطه في المول اللي حضرتك هتفتتحه ده هيبقى خطوة مهمة في نجاحه.
– آه افتكرت. تمام، حدد معاه مقابلة.
– حددت يا فندم وهو بكرة هيبعت بنت…
ولم يكمل جملته لأن هاتف عاصي صدع رنيناً. أمسك هاتفه ورد على المتصل وعيونه لم تزاح عن الأوراق أمامه. ولكنه بعد لحظات وعندما سمع كلمات المتصل نظر أمامه بعيون متسعة وانتفض من مكانه بفزع!
حاول رامي أن يفهم منه أي شيء فركض خلفه وقال:
– في إيه حضرتك؟ خير؟!!
قال عاصي:
– ليلى في المستشفى.
شهق رامي وتوقف مكانه. واستقل عاصي سيارته بسرعة وانطلق بها نحو المستشفى.
***
خرجت رحيل من غرفتها واتجهت إليهم بابتسامتها المعتادة التي لا تفارق وجهها.
قالت:
– صباح الخير.
قالت أمينة بابتسامة:
– صباح النور، يلا اقعدي افطري عشان بابا عايزك في موضوع مهم.
قالت رحيل بتساؤل:
– موضوع مهم؟ إيه هو؟
قال بدر:
– هتعرفي كل حاجة كمان شوية، كلي دلوقتي.
وعندما أنهى جملته تلك تناولت رحيل طعامها بسرعة وشربت بعض المياه. ولم تمر بضع دقائق حتى انتهت ووقفت مكانها بسرعة ثم قالت:
– أكلت أهو، موضوع إيه بقى؟
ابتسم بدر بهدوء ثم قال:
– طيب روحي المكتب استنيني هناك.
ذهبت رحيل إلى مكتبه وجلست به حتى جاء إليها بعد لحظات. جلس أمامها وظلت هي تطالعه بفضول. وعندما طال الصمت قالت:
– سمعاك قول.
– بصي يا رحيل، طبعاً أنتِ عارفة إني بحبك جداً وإن محدش يقدر ياخد مكانك جوه قلبي، صح؟
ابتسمت رحيل وقالت:
– أكيد عارفة.
– مش عايزك تزعلي من كلامي بس أنا شايف إنك لازم تغيري نظام حياتك شوية.
نظرت له رحيل بتساؤل وقالت:
– أغيره إزاي؟ مش فاهمه؟ أنا حياتي كويسة.
– مش قصدي يا بنتي بس أنتِ لازم تتحملي المسؤولية شوية أكتر من كده، الحياة مش كلها هزار وضحك ولا أنتِ إيه رأيك؟
– أنتم ليه واخدين فكرة عني إني مش بعرف أشيل المسؤولية؟ بابا، أنت أكتر واحد المفروض ميقولش الكلام ده لأنك عارف أنا مريت بإيه.
– وعشان كده أنا مستغرب يا بنتي، حد تاني مكانك كان هيبقى غير كده.
– أنا قد المسؤولية في أي حاجة.. بس أنا مش عارفة ليه حظي كده، كل حاجة بحاول أعملها صح بتبوظ.. كل ما بمشي خطوة بعمل مصيبة.
ثم زفرت بضيق وقالت:
– حظي هو اللي وحش، لكن أنا.. أنا كويسة.
ضحك بدر وقال:
– أنا عارف إنك كويسة يا حبيبتي بس لازم تتغيري. أنتِ عايزة تقنعيني يعني إن قرار التغيير ده مش في إيدك؟
– لا في إيدي.. بس أنا مش عايزة أفكر في بكرة، أنا عايزة أعيش النهاردة وبس.
– عايزة تعيشي النهاردة وبس ولا بتحاولي تنسي اللي حصل في الماضي؟
نظرت له رحيل وقد تكونت بعض الدموع في عيونها وقالت:
– أنا مش هقدر أهرب من الماضي لأن خيوطه بتربط الواقع اللي أنا عايشه فيه.. أنا بس خايفة يجي يوم وتزهق مني وتمشي أنت كمان.
تفاجأ بدر من كلماتها تلك فأمسك يدها وقال بحنان:
– إيه الكلام ده؟ أنا وعدتك من زمان إني عمري ما همشي، أنتِ بنتي يا رحيل.
– لا.. أنا مش بنتك! وأنا مش قادرة أنسى الفكرة دي، عايشة في رعب إني هرجع للعالم اللي كنت عايشة فيه قبل عشر سنين.
– أنتِ من دمي وربنا يعلم إني مش بفرق بينك وبين داليا.. هتفرق يعني ولاد عم من أخوات؟
– بنسبالي هتفرق.
وصمتت للحظات ثم قالت بحرج:
– خصوصاً اللي بابا عمله قبل ما يتوفى.
قال بدر:
– مش وقت الكلام ده.. أنا عايزك تنسي كل ده، أنتِ بنتي يا رحيل ودي عيلتك الوحيدة. أوعي تفكري بس إنك مالكيش مكان بينا ومش عايزك تاخدي أي نصيحة مني ليكي إني كده بعاقبك أو قصدي إني أجرحك.
ابتسمت رحيل وقالت:
– أنا أسفة.
ابتسم بدر وقال:
– شوفتي خليتي الكلام ياخدنا ونسيت أقولك على الموضوع اللي عايزك فيه.
اعتدلت رحيل في جلستها وقالت:
– موضوع إيه؟
– بصي يا ستي.. طبعاً أنتِ عارفة إن الحمد لله أحنا لينا اسم كويس جداً في السوق ولينا فروع في كل مكان في مصر.
– طبعاً الحمد لله.
– في خطوة مهمة جداً في شغلنا الفترة اللي جاية وأنا هعتمد عليكي فيها.
– خطوة إيه؟
– شركة القاضي قررت إنها تبني مول تجاري جديد وهيضم أسماء تجارية وماركات عالمية كتير. وطبعاً بسبب مجالنا الواسع في الحلويات عموماً واسمنا المعروف شركة القاضي عرضت علينا شراكة.
– بجد! طب ده كويس جداً.
– بالظبط.. أنا مش هقولك قد إيه المشروع ده مهم بنسبالي وعشان أنا بثق فيكي قررت إنك أنتِ اللي هتروحي بكرة وتتممي الصفقة دي.
– أنا!! اشمعنى أنا؟
– طبعاً مش عايزة تشيلي هم خالص، سيب الموضوع ده عليا.
– متأكدة؟ أقدر أعتمد عليكي يعني؟
لوحت رحيل بيدها وقالت بثقة كاذبة:
– طبعاً، اعتبري إن الصفقة دي تمت خلاص.
تنهد بدر براحة وقال:
– إذا كان كده ماشي، هسيبك ترتبي حياتك لبكرة.
ثم ابتسم لها وخرج من المكتب. وظلت رحيل بمفردها. وضعت إصبعها تحت أسنانها وقالت بخوف:
– خلاص، متخافيش من حاجة.. دي صفقة صغيرة يعني أنتِ قدها.. يارب بكرة بالذات حظي يكون حلو لأني مع كل خطوة بعمل مصيبة، مش عايزة بكرة يحصل أي حاجة!
رواية رحيل العاصي الفصل الثاني 2 - بقلم ميار خالد
استقل عاصي سيارته بسرعة وانطلق بها نحو المستشفى. وبعد فترة وصل إليها وتحرك بقلق بين ممراتها حتى رأى والدته أمام إحدى الغرف، فوقف مكانه واتجه إليها بسرعة.
كانت تعطيه ظهرها، وعندما وضع يده على كتفها التفتت إليه ليرى عيونها الغارقة بالدموع.
قال بقلق:
– في إيه! ليلي مالها؟
كانت والدته تبكي بصمت. فكرر سؤاله:
– ردي عليا، ليلي فيها إيه؟
– أهدى يا عاصي، مفيش حاجة تقلق، بس أنا بعيط من خضتي عليها.
– حصل إيه برضه؟ فهميني.
– هي كانت بتلعب في الجنينة وأنا كنت معاها، بس انشغلت عنها لحظة، لقيتها وقعت على دماغها وعمالة تنزف.
– إزاي تسبيها تغيب عن نظرك؟ ما أنتِ عارفة أنها شقيه جدًّا.
– غصب عني والله، وارجوك أنا على أخري، مش عايزة أي كلمة.
زفر عاصي بضيق، ثم دخل إلى الغرفة ليجدها نائمة في فراشها مثل الملائكة. وبجانبها إحدى الممرضات التي، بمجرد أن دخل عاصي إلى الغرفة، خرجت حتى تترك لهم بعض الخصوصية.
أقترب هو من تلك الفتاة ذات الشعر الذهبي اللامع النائمة بتعب وجلس أمامها. وبعد لحظات، وعندما شعرت به الفتاة الصغيرة ذات الخمسة أعوام، فتحت إحدى عينيها وتركت الأخرى مغلقة ونظرت له بخوف، ثم قالت:
– هتزعق صح؟
نظر لها عاصي بغضب وظل صامتًا ويطالع رأسها المضمد.
قالت ليلي بحروف غير واضحة:
– خلاص، ليلي آسفة، مش هتعمل كده تاني.
– أنتِ مش عارفه أن الحركة دي بتخوفني عليكِ ليه بتعملي فيا كده يا ليلي! أنتِ بتخليني أندم إني وافقت إنك تخرجي شوية، كل مرة تعملي مصيبة كده.
– صدقني المرة دي أنا مكنش قصدي. أنا كنت بس عايزة أشوف العصفورة الصغيرة اللي فوق الشجرة، وأما كنت هوصلها رجلي اتزحلقت ووقعت.
قال عاصي بغضب خفيف:
– يا ليلي مينفعش كده، لازم تاخدي بالك أكتر من كده.
– حاضر، ليلي بتوعدك إنها مش هتتعور تاني خالص.
نظر لها عاصي بطرف عينيه ثم نهض من مكانه بغضب، ولكنه قبل أن يتحرك مدت يدها الصغيرة وامسكت بيده وقالت:
– أنا آسفة خلاص بقى، هتمشي وتسيبني أنت كمان؟
نظر عاصي أمامه بصدمة من كلماتها تلك والتفت إليها بسرعة ونظر إليها ليجد الدموع قد ترقرقت في عيونها. جلس أمامها ثم مسح دموعها وقال بابتسامة:
– أنا وعدتك قبل كده أني عمري ما هسيبك، ليه الكلام ده دلوقتي؟
– عشان أنت زعلان مني وكنت هتمشي دلوقتي.
– أنا مش زعلان منك، أنا خايف عليكِ يا حبيبتي، أنتِ لو جرالك حاجة أنا مش هسامح نفسي.
ابتسمت ليلي ثم أشارت بيدها له أن يقترب، وعندما اقترب منها قبلته في وجنته وقالت:
– ليلي مش هتعمل كده تاني، اطمني.
ابتسم لها عاصي وبعد لحظات خرج من الغرفة وتركها حتى ترتاح قليلاً. بحث عن والدته للحظات حتى وجدها جالسة على إحدى المقاعد بجانب الغرفة، فذهب إليها وجلس بجوارها وصمت للحظات ثم قال:
– أنا آسف عشان كلمتك بطريقة وحشة من شوية.
ابتسمت حنان والدته وقالت:
– حبيبي، أنا مش بزعل منك.
– الحمد لله، ليلي كويسة، ربنا ستر المرة دي.
نظرت له حنان بدموع وقالت:
– عندك حق، الحمد لله.
أمسك عاصي يدها وقال:
– في إيه؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟
قالت حنان بألم:
– افتكرت مامتها، افتكرت أختك مريم يا عاصي.
أحس عاصي بوخزة في قلبه من ذكر اسمها أمامه وصمت. فأكملت حنان:
– نفس الموقف ده برضه حصل مع مريم وهي في سن ليلي، قلبي واجعني عليها أوي يا عاصي، مهما مرت سنين وأيام عمري ما هداوي قلبي من فراقها.
– ده أحسن ليها، هي دلوقتي مرتاحة.
– مرتاحة وهي بعيدة عننا كده؟ مرتاحة وهي حتى متعرفش أخبار بنتها إيه؟ عمري ما تخيلت إني هخلف بنت بالقساوة دي.
– مريم غلطت وكان لازم تتعاقب يا أمي.
– مش مريم بس اللي غلطت، لكن هي بس اللي اتعاقبت.
صمت عاصي وظل يستمع إليها فأكملت:
– عمري ما كنت أتخيل أن الحفرة اللي أنا وقعت فيها بنتي كمان هتقع فيها، مش عارفه ليه حصل كده، كل حاجة ادمرت، كل حاجة بنيتها وصلحتها رجعت انهارت. بعد اللي أبوك عمله معايا وأنا خليت كل حياتي ليكم، بس واضح أنه مكنش كفاية برضه. أنا مش قادرة أسامح نفسي، أنا السبب في اللي حصل لمريم، هي طلعت ضعيفة زيي.
– بلاش الكلام ده، أنتِ مش غلطانه. كل واحد كبير وعارف هو بيعمل إيه كويس. مريم قبل ما تقع في الحفرة دي أنا حذرتها مليون مرة ووصلت أني كنت هقطع علاقتي بيها وهي مدتش كل ده أي اهتمام وعملت اللي في دماغها، يبقى لازم تتعاقب.
مسحت حنان دموعها وقالت:
– هي مبسوطة عند خالتها طيب؟
– أيوة، أنا بطمن عليها باستمرار. هتفضل هناك في كندا فترة لحد ما تتحسن وتعرف قيمتنا أكتر، ساعتها هسمح لها أنها ترجع وسطنا تاني!
نظرت له حنان للحظات وظلت تطالعه كثيرًا حتى قال:
– بتبصيلي كده ليه؟
– أنت جبت القساوة دي كلها منين؟
– من جوزك، اللي هو أبويا!
– أنا عارفه أني غلطت في اختياري وأنكم أنتم اللي دفعتوا التمن، بس أنت إزاي وصلت للقساوة دي؟ فين عاصي أبني اللي قلبه أبيض وحنين مع كل الناس؟ كل يوم بتصدم فيك أكتر وبتصدم بلي وصلتله. حتى مريم بقت قاسية زيك واستكترت عليا بس إني أشوفها وأطمن عليها، حتى بنتها اللي ملهاش ذنب في حاجة رفضتها وخرجتها من حياتها. ده ذنب مين اللي بيحصل فيا ده.
بكت حنان بضيق وندم هو على كلماته تلك. أمسك يدها وقال:
– أنا آسف لو كلامي كان قاسي شوية واسف لو بجرحك بدون قصدي، سامحيني.
– الموضوع مش موضوع زعل يا عاصي، أنا مامتك يا حبيبي يعني مستحيل أزعل منك، بس أنا مش عاجبني حالك وأنت كده. أنا لو جرالي حاجة مش هبقى مرتاحة وأنا عيالي كد.
قاطعها عاصي وقال:
– بلاش السيرة دي، بعد الشر عليكِ.
– ده قدر ومكتوب ومحدش بيهرب من قدره، ريح قلبي عشان خاطري.
زفر عاصي بضيق ثم قال:
– إيه اللي يريحك طب وأنا هعمله.
– صلح كل حاجة، أرجع أبني اللي أعرفه وجمّعنا كلنا تاني.
صمت عاصي للحظات ثم نهض مكانه وقال:
– لأول مرة مش هقدر أنفذ حاجة أنتِ عايزاها. ابنك اللي أنتِ عايزاه أنتِ اللي قتلتيه بأيدك لما اختارتي أن أبوه يكون شخص أناني ومعندهوش ضمير. أنا مرتاح كده وأتمنى منتكلمش في الموضوع ده تاني.
قال عاصي تلك الجملة ثم تحرك من مكانه وتركها تبكي في صمت بقلب يحترق من الندم. تندم على اختيارها لهذا الزوج يومًا عن يوم، مع أنه قد ترك الحياة منذ أعوام إلا أن لعنته تلك لازالت تلاحقها حتى الآن. كيف تخبرهم أن أبيهم لم يكن بهذا السوء أو من الممكن هذا الذي كانت تواسي نفسها به. جلست مكانها بدموع ثم حدثت نفسها بصوت مسموع:
– اتحديت عيلتي وكل الناس عشانك. مركزتش لأي فروقات كانت بينا، شوفت الحب وبس. حاولت ابعدك عن حياتي عشان متتجرحش وتحس إنك أقل مني في حاجة. ناس كتير حذرتني بس أنا كنت واثقة فيك أكتر من نفسي. كل حاجة كانت كويسة لكن فجأة كل حاجة ادمرت. لحد دلوقتي مخي مش مستوعب اللي أنت عملته فيا قبل ما تموت. كل اللي بنيته طول السنين دي اتهد. عملت إيه في حياتك عشان حياة عيالك الاتنين تدمر كده.
وبكت بقهرة بعدها. كان عاصي يقف على مسافة قريبة منها وعندما سمع كلماتها تلك ترقرقت بعض الدموع في عينيه وقد تذكر كل شيء عن حياتهم الماضية. قد يبدو لك شخصًا عاديًا ولكن بداخله كم كبير من الذكريات والكدمات التي دمرت قلبه. لقد رأى الكثير في سن صغير وكان هذا كافياً لقتل كل معاني الحياة بقلبه لدرجة أنه قد نسى كيف هو شعور الفرحة والأمان. حقًا أنه لا يتذكر حتى آخر مرة ضحك فيها.
وبعدها أنهى عاصي أوراق المستشفى واصطحب ليلي ووالدته إلى البيت. ومر اليوم عليه بصعوبة بسبب كم الذكريات جاءت إلى رأسه دفعة واحدة.
***
في اليوم التالي، استيقظ من نومه بشعور سيء وجهز نفسه حتى يذهب إلى شركته. وعندما كان يمشط شعره جاءه اتصال من رامي. رد عليه:
– الو، في حاجة حصلت؟
– لا يا فندم، أنا بفكر حضرتك أن النهاردة عندنا اجتماع مهم جدًّا مع الشركة الكورية وبعدها عندك معاد مع صاحب سلسلة محلات البدر للحلويات.
– تمام فاكر، أهم حاجة ظبطت كل حاجة للفوج الكوري؟ ونسقت مع الفندق والمطار كل ده.
– طبعًا مش عايز حضرتك تقلق، هما دلوقتي على وصول خلاص.
– تمام، النهاردة بالذات مش عايز ولا غلطة، مفهوم؟ أنت عارف الفوج ده مهم أد إيه للشركة.
– طبعًا يا فندم ومش عايز حضرتك تقلق خالص، كل حاجة هتمشي زي ما حضرتك عايز.
***
عند رحيل.
كانت تقف أمام مرآتها تضيف بعض اللمسات الأخيرة إلى مظهرها. كانت ترتدي فستان كشميري ذو تصميم خاص ومميز، كان فضفاض ومريح وفي نفس الوقت يعطيها مظهر أنثوي رقيق. ولملمت جزء من شعرها واطلقت الباقي للعنان ووضعت به ربطة بنفس لون الفستان. لم تكن بحاجة إلى مستحضرات التجميل لأنها تمتلك جمال هادئ مميز. زفرت بقلق وحدثت نفسها بصوت مسموع:
– أنتِ قدها، صدقيني مش محتاجة كل الخوف والقلق ده، كل حاجة النهاردة هتمشي كويسة.
قالت تلك الجملة ثم نظرت إلى انعكاسها في المرأة وخرجت من غرفتها فوجدت بدر وأمينة وداليا على طاولة الفطور.
قالت:
– أنا خارجه يا ماما.
قالت أمينة:
– لا استني لما تفطري الأول.
– لا مش عايزة.
– قولت مفيش خروج، كلي أي حاجة عشان تاخدي الأدوية بتاعتك.
– طب ما أنا كويسة أهو.
نظر لها بدر وقال:
– حبيبتي أنتِ عارفه أنك ضعيفة جدًّا ولازم الأدوية دي عشان تقدري تقفي على رجلك، يعني حتى لو كويسة قدامي دلوقتي لازم تاكلي وتاخدي علاجك عشان تفضلي كويسة كده. أنتِ نسيتي أخر مرة نشفتي دماغك فيها وماخدتيش العلاج إيه اللي حصل.
قالت داليا بجمود:
– يومها تعبت وفقدت الوعي وفضلتوا جنبها طول الليل.
أكمل بدر الكلام بطريقة عادية ولم يلاحظ نبرة الحقد التي تكلمت بها داليا في تلك اللحظة، قال:
– الله ينور عليكِ، أنا مش مستعد اليوم ده يتكرر تاني.
ابتسمت رحيل بحب ثم جلست معهم وتناولت طعامها وأخذت علاجها قبل أن تخرج ومعه علبة طعام متوسطة. وبعد أن انتهت خرجت من البيت واستقلت سيارة أبيها وذهبت إلى وجهتها، ولكنها وبعد أن تحركت بها لدقائق وقفت السيارة فجأة. ترجلت منها حتى تعرف ماذا حدث، ولكن لسوء حظها أن السيارة توقفت في منتصف الشارع مباشرةً. ظلت تفحصها للحظات حتى شهقت بصدمة عندما تذكرت أنها كان من المفترض أن تضع لها بنزين من ليلة أمس قبل أن تتحرك بها. ضربت رأسها بنسيان وقالت:
– ودي حاجة تتنسي برضو حرام عليكِ، هعمل إيه دلوقتي؟
وأثناء تفكيرها هذا وبسبب مكان سيارتها الخاطئ أفاقت من هذا الشرود على صوت ارتطام قوي! نظرت خلفها بفزع لتجد سيارة أخرى قد ارتطمت بسيارتها بقوة!
***
في شركة القاضي.
كان عاصي يقف أمام شركته في انتظار الفوج الكوري الذي قد تأخر كثيرا في وصوله. وبعد لحظات وصلت السيارات أمام الشركة ونزل منها رجال ذو ملامح آسيوية مميزة. رحب بهم عاصي وأخذهم أحد الموظفين إلى قاعة الاجتماعات.
***
– إيه اللي أنت عملته في عربيتي ده!
نزل رجل من السيارة المقابلة لرحيل وقال بسرعة:
– أنا آسف جدًّا حقيقي.
– آسف إيه بس مش تفتح قدامك.
– حقيقي أنا بعتذر جدًّا وأنا مستعد أتحمل كل تكاليف تصليحها.
– أنا بسببك هتأخر عن ميعاد مهم.
– طيب اسمحيلي أصلح اللي أنا بوظته ده وأوصلك.
نظرت له رحيل للحظات ثم نظرت حولها وأدركت أنها لا تملك أي اختيار آخر. أومأت برأسها ثم استقلت بجانبه السيارة وانطلق بها إلى شركة القاضي. وأثناء تواجد الفوج الكوري في قاعة الاجتماعات ذهب عاصي إلى مكتبه حتى يأتي ببعض الأوراق. وعندما دلف إليه جاءه اتصال مهم من المهندس المسؤول عند تنفيذ المول التجاري فاتجه إلى نافذته ورد عليه. وفي تلك الأثناء وقفت سيارة أمام شركته فلفتت انتباهه قليلاً. ترجلت رحيل منها ومعها صاحب السيارة وقال لها:
– اتفضلي ده الكارت بتاعي. عربيتك هتكون عندك بعد يومين بإذن الله أو قبل بمجرد ما تتصلح وأنا بعتذر جدًّا.
ابتسمت رحيل وقالت:
– حصل خير.
ثم أخذت منه الكارت ودخلت إلى الشركة. وكان عاصي يتابع كل ما حدث ولكنه لم يولي الأمر أهمية. دخلت رحيل بسرعة إلى الشركة لأنها قد تأخرت كثيرًا عن الميعاد المحدد لها. نظرت حولها بسرعة وظلت تجول للحظات حتى وجدت قاعة الاجتماعات فركضت نحوها بسرعة. وقبل أن تدخل لها تذكرت أنها قد نسيت أوراق الصفقة في سيارتها! أمسكت رأسها بقلة حيلة ثم أخذت نفسًا عميقًا واقتحمت الغرفة ودلفت إليها. وعندما التفتت وجدت أمامها أشخاص ذو ملامح آسيوية ينظرون لها بتساؤل. ساد الصمت للحظات حتى تنحنحت هي وقالت بصوتٍ خفيض:
– غريبة يعني. بابا مقاليش أن صحاب الشركة مش مصريين. غير كده هما كتير كده ليه؟ كل دول مستنيني أنا!
تحركت أمامهم وقالت بتلعثم:
– اا أنا أسفه جدًّا على التأخير بس بس عربيتي باظت أقصد اتخبطت. عارفين أنتم الظروف دي أكيد.
ظهرت علامات التعجب والدهشة على وجوههم من كلماتها الغير مفهومة بالنسبة لهم. بلعت ريقها بتوتر ونظرت خلفها لتجد شاشة كبيرة وامامها لاب توب ويظهر بها عرض تقديمي. نظرت لهم لتجدهم يطالعوها بتساؤل وتكلم أحدهم بلغة غير مفهومة لها فقالت بسرعة:
– أهدى بس أنا مش فاهمه منك حاجة بس مش مستاهلة كل العصبية دي.
وقبل أن تتحرك تعثرت بإحدى الأسلاك الموصلة باللاب توب ووقعت على الأرض وكذلك هذا الحاسوب وقد خربت العرض التقديمي. وفي تلك اللحظة دلف عاصي إلى المكتب ومعه رامي وتسمر مكانه بصدمة عندما وجد هذا المشهد أمامه.
رحيل على الأرض وحولها العديد من الأسلاك وحاسوبه الشخصي الذي قد تحطمت شاشته أثر تلك الوقعة العنيفة والفوج الذي ينظر له بصدمة كبيرة.
رواية رحيل العاصي الفصل الثالث 3 - بقلم ميار خالد
وتسمر مكانه بصدمة عندما وجد هذا المشهد أمامه. رحيل على الأرض وحولها العديد من الأسلاك وحاسوبه الشخصي الذي قد تحطمت شاشته أثر تلك الوقعة العنيفة. والفوج الذي ينظر له بصدمة كبيرة.
قال عاصي بغضب مكتوم:
– إيه اللي بيحصل هنا؟!!
نظرت له رحيل بخوف وجاءت لتنهض من مكانها ولكنها تعثرت فوقعت مرة أخرى. نهض أحد الرجال الآسيويين وحدث عاصي بعصبية كبيرة. فاتجه إليه رامي وحاول أن يجعله يهدأ قليلاً. تركه عاصي يحدثه وظل ينظر إلى رحيل بتوعد.
أقترب منها قليلاً وقال:
– برا
نظرت له بخوف ثم قالت بتلعثم:
– أنا أنا مكنش قصدي كل ده
صرخ بها عاصي صرخةٍ قوية:
– قولت برا
نظرت له رحيل بفزع وقبل أن تتحرك من مكانها قال عاصي لرامي:
– خدها من قدامي واحبسها في أي مكان لحد ما أعرف أتصرف معاها
نظرت له رحيل بصدمة وقالت:
– يحبسني ليه! أنا معملتش حاجه والله كان غصب عني
صاح عاصي:
– رامي أتحرك!! البنت دي متخرجش من الشركة
أتجه إليها رامي وسحبها خلفه وسط صرخاتها حتى خرجوا من القاعة. أتجه عاصي إلى ضيوفه وحدثهم قليلاً فعادوا إلى أماكنهم بهدوء. التفت عاصي ونظر إلى حاسوبه المهشم والفوضى التي حدثت في المكان وتوعد لتلك الغبية على ما فعلته. أنقذ الموقف بمهاراته العالية وبعد فترة كان أنهى جميع عمله ونجحت صفقته مع هذا الفوج. وبمجرد أن خرجوا من الشركة تلاشت الابتسامة الصغيرة التي كانت تعلو شفتيه واحتل الغضب نظراته.
عند رحيل..
أدخلها رامي إحدى الغرف المخفية في الشركة وأغلق عليها الباب وسط صرخاتها:
– صدقني أنا مكنش قصدي .. أنا جايه أشوف مدير الشركة
وعندما وجدت أن صوتها لا يصل إلى أحد غيرها جلست مكانها على الأرض بتوتر وخوف. حدثت نفسها بصوت مسموع:
– أنا ليه بيحصل معايا كده هي المصايب ملقتش غيري يعني .. والله ما كان قصدي كل ده يحصل لو بابا عرف بكل ده هيزعل مني جداً
ترقرق الدموع في عيونها وقبل أن تتساقط وقفت مكانها وقالت بابتسامة:
– لا أهدي مفيش حاجة ده سوء تفاهم بس .. بصي بمجرد ما يجي أي حد دلوقتي قوليله أنك عايزه تشوفي المدير وقوليله إن اللي حصل ده كان من غير قصد واعتذري بس كده الموضوع سهل
كانت تقنع نفسها بتلك الكلمات ولكن قلبها كان يرتجف من الخوف. وفجأة شعرت أن باب الغرفة ينفتح. التفتت بسرعه لتجد عاصي أمامها عاقد ذراعيه ويطالعها بغضب مكتوم.
نظرت له بضيق وقالت:
– أنا عايزه أشوف مدير الشركة دلوقتي .. أنت متتكلمش معايا
– مين اللي باعتك
نظرت له بعدم فهم وقالت:
– مش فاهمه يعني إيه؟
أغلق عاصي الباب عليهم واقترب منها قليلاً فابتعدت هي بفزع. كرر عاصي كلماته بغضب مكتوم:
– قولت مين اللي باعتك؟!
قالت رحيل بغضب:
– وانا قولتلك إني مش عايزه أتكلم معاك! أنا عايزه المدير دلوقتي
وتحركت من أمامه بسرعه وقبل أن تتخطاه أمسك يدها بقسوة حتى يمنعها. صرخت به:
– أنت اتجننت!! سيب ايدي
ثم دفعته عنها ولكنه صرخ بها بقوة:
– جاوبي على سؤالي!!
انتفض جسد رحيل أثر صرخاته تلك وقالت:
– أنا محدش باعتني ومكنش قصدي أن كل ده يحصل
نظر لها عاصي وتذكر الرجل الذي كانت معه أمام شركته وتذكر عندما أعطاها هذا الرجل شيئاً ما. فنظر لها بتهكم وظن أنها تكذب. أقترب منها بغضب ورجعت هي خطوة إلى الوراء. قال بغضب مكتوم:
– أنا مش مصدق ولا كلمة من اللي أنتِ قولتيها وعارف إنك بتكذبي بس لو فاكرة إنك تقدري تخرجي من الشركة دي بدون أذني تبقي غلطانه!!
نظرت له رحيل بتوتر ثم قالت:
– صدقني أنا بقول الحقيقة أنا والله ما كان قصدي كل ده يحصل أنا عايزه أخرج من هنا لازم اشوف المدير
قالت تلك الجملة وركضت بسرعة ناحية الباب حتى تفتحه ولكنه كان مغلق بإحكام. ضحك عاصي بسخرية ثم قال:
– مش محتاجة مجهود عشان تشوفي المدير .. هو واقف قدامك
نظرت له رحيل بتساؤل ثم نظرت حولهم وقالت تلقائية:
– قدامي إزاي يعني مفيش غيرك قد..
وهنا استوعبت ما يحدث حولها فشهقت بصدمة وفرهت فمها وهي تنظر إليه بخوف. تنحنحت ثم ابتسمت بتوتر وقالت بتلعثم:
– طيب مش تقول يا جدع أنك المدير الواحد كان هيغلط
نظر لها عاصي بدهشة وصدمة في نفس الوقت من رد فعلها هذا. رفع إحدى حاجبيه وقال بتهكم:
– نعم!!
– طيب بما أنك المدير
قالت تلك الجملة ثم تنحنحت ووقفت برسمية وقالت بصوتٍ رزين:
– أنا اسفة جدًّا على اللي حصل أنا مكنش قصدي أنا مكنتش عايزه كل ده يحصل
ظل عاصي يطالعها للحظات ثم قال:
– وأنتِ فاكره أن كلامك ده كافي أنه يصلح اللي حصل؟
قالت رحيل بتلقائية:
– بس أنا قولت آسفة .. وأنا فعلًا مكنش قصدي
طالعها عاصي بغضب ثم أقترب منها وأمسك يدها بعنف وقال:
– كل الهبل اللي أنتِ بتعمليه ده مش هيدخل دماغي
– هبل؟!
نظر لها عاصي بحده ثم تركها وخرج من الغرفة وسط صرخاتها. وبعد خروجه حاولت أن تفتح الباب ولكنها فشلت فجلست مكانها على الأرض تبكي على حظها. عاد عاصي إلى مكتبه فوجد رامي ينتظره ومعه بعض الأوراق. تنهد بضيق وجلس على كرسيه وبعد لحظات قال رامي:
– حضرتك بخصوص البنت؟؟
– تفضل محبوسة في الأوضة دي ومتخرجش منها لحد ما تتكلم وتقول مين اللي باعتها
– حضرتك متأكد إن البنت دي حد باعتها .. ما يمكن بتقول الحقيقة
نظر له عاصي بحده وقال:
– أعتقد أنت وظيفتك إنك تنفذ الأوامر بس مش تناقشها
– آسف يا فندم اللي تشوفه
– تقريبا كان عندي إجتماع تاني النهاردة؟
– أيوة مع أستاذ بدر بس هو لسه مجاش ولا حد من عنده حتى
– ألغي الصفقة
– تمام
قال رامي تلك الكلمة ثم خرج من المكتب.
في منزل بدر..
كان يجلس على الأريكة وعلامات التوتر تحتل وجهه. اتجهت إليه أمينة وقالت:
– مالك وشك قافل ليه كده؟
– قلقان على رحيل خايف يحصل معاها حاجه
– متقلقش هتبقى كويسة بأذن الله
وفي تلك اللحظة جاءت داليا وقالت:
– ليه هي رحيل فين؟
قال بدر:
– أنا خليتها تمسك صفقة شركة القاضي
نظرت له داليا بصدمة وقالت:
– نعم!! أنت مش وعدتني أني أنا اللي أمسك الصفقة دي
– أيوة أنا وعدتك بس أنا محتاج أحط رحيل في الاختبار ده .. غير كده دي أخر سنة ليكي في الكلية محبتش أعطلك أو اشغلك عن مذاكرتك حبيت أن كل تركيزك يبقى مع دراستك
قالت داليا بضيق:
– أنا كنت هعرف أتصرف .. ليه كده أنت وعدتني يا بابا
– حبيبتي معلش قولتلك أن رحيل كانت لازم تاخد الخطوة دي
– هو كله رحيل دي فاشلة ومش هتقدر تحافظ على الصفقة أصلاً .. اراهنك أنها زمانها بوظت الدنيا دلوقتي
صاح بها بدر:
– عيب متتكلميش كده على أختك!!
– هي مش أختي! لو أنت نسيت كده أنا مش ناسية يا بابا
نظر لها بدر بصدمة من كلماتها تلك ثم ذهبت الأخرى إلى غرفتها لتبكي بصمت. وفي تلك الأثناء عاد إلى رأسها كل ذكرياتها منذ عشرة أعوام وخصوصًا اليوم الذي جاءت فيه رحيل إلى حياتها. وفجأة أصبح لها أخت كبرى. في بداية الموضوع أحبت الأمر لأنها قد وجدت من تلعب معه ويؤانسها في وحدتها. احبتها كثيرًا ونست حقيقة أنها ليست أختها ولكن بعد أن لاحظت أنها تحظى بكل الحب والاهتمام تغير هذا الحب وجاء مكانه الحقد الشديد. كانت دائمًا في المرتبة الثانية برغم أنها ابنتهم الحقيقية، أو هذا ما وصل إليها وليس كل ما نراه هي الحقيقة الكاملة.
في شركة القاضي..
نهض عاصي من مكانه واستلقى على الأريكة الموجودة بمكتبه بعد أن أغلق الباب عليه واغمض عينيه قليلاً فظهرت صورة رحيل أمام عينيه. فتح عيونه فجأة وظل يفكر في كلماتها وحركاتها وتعجب من هذه الفتاة وقاده الفضول أن يعرف ما تفعله في تلك اللحظة فنهض من مكانه واتجه إلى حاسوبه الآخر فهو دائما يكون لديه بديل آخر لكل شيء بحياته. فتح ملف كاميرات المراقبة وخصوصًا الغرفة التي توجد بها رحيل. كان يظن أنها قد تكون تبكي الآن ولكنه فره فمه عندما وجدها تجلس على الأرض وتأكل بعض الطعام وتحدث نفسها بصوتٍ عالي! رفع الصوت أكثر ليسمع كلماتها.
عند رحيل..
وبعد نوبة بكاء طويلة شعرت ببعض التعب فاتجهت إلى حقيبتها وأخرجت منها علبة طعامها وجلست مكانها تأكل على الأرض. قالت وهي تلوك طعامها:
– لو في مسابقة لسوء الحظ هكسبها بدون منافس .. أنا مش عارفه هو مكبرها ليه ما أنا قولتله إني آسفه .. بابا لو عرف أني بوظت كل حاجه هيزعل مني لازم أعمل أي حاجه
قالت تلك الجملة ونهضت من مكانها بحماس وبيدها علبة الطعام وفي اليد الأخرى تمسك قطعة طعام ولكنها بعد أن نهضت قالت بيأس:
– أنتِ تسكتي خالص بسببك كل ده حصل
ترقرقت الدموع في عيونها وسارت في الغرفة بلا هدف وظلت تكرر كلمات غير مفهومه. اندهش عاصي من تلك الفتاة وحركاتها ولكنه أقسم أن يعرف ما الذي دفعها لتخريب عمله هكذا، ولكنه قبل أن ينهض من على كرسيه توقف عندما سمع كلماتها وهي تقول:
– لا كله بسبب الراجل العصبي ده .. كويس أن بابا بعتني أنا أنا هعرف أتصرف معاه كويس أوي .. ما أنا قولتله مكنش قصدي ليه كل ده يعني غير كده هما مكانوش فاهمين حاجه مني أصلاً .. أنا لازم أنقذ الصفقة دي بأي طريقة وإلا..
نظرت أمامها بخوف وملئت فمها بالطعام ثم قالت بخدين منتفخين:
– وإلا بابا هيفقد ثقته فيا وهيتأكد أني مش قد المسؤولية .. لالا بأذن الله ده ميحصلش أكيد الراجل المتعصب ده ميعرفش أني رحيل بنت أستاذ بدر وإلا مكنتش الأمور وصلت لكده .. يارب أنا ليه بيحصل معايا كده في الأول العربية تتخبط بعدين يوصلني راجل غريب للشركة وبعدين كل ده يحصل
نظر عاصي أمامه بصدمة عندما أدرك هويتها وعلم حقيقة ما حدث، ولكن تلك الكلمات لم تكن كفاية حتى تقلل من غضبه الكبير. استدعى رامي فوراً وبعد لحظات كان أمامه. قال عاصي:
– هات البنت دي قدامي فورا!
أومأ رامي برأسه ثم ذهب من أمامه حتى يأتي برحيل أمامه.
في إحدى المصحات النفسية..
كانت تجلس في شرفة غرفتها بصمت كما اعتادت أن تفعل طوال سنواتها الماضية في هذا المكان، كما أنها اعتادت على هذا الدوار الذي أصبح يرافقها دوما كلما تحركت لوقت طويل بسبب كم الأدوية التي يعطونها لها. زفرت بضيق والتفتت بسرعه فشعرت بدوار شديد اختل توازنها على أثره وقبل أن تسقط شعرت بيد تسندها بقوة. تمالكت نفسها ونظرت للواقف أمامها وكان هذا الشخص يدعي شادي، وهو الطبيب المسؤول عن حالتها. أمسك يدها وقال:
– أنا قولتلك ترتاحي ومتتحركيش من مكانك ليه وقفتي برضو ؟
ظلت تطالعه بصمت وقد أعتاد هو على هذا الرد منها. اتجه بها إلى سريرها وجعلها تجلس عليه ثم قال:
– حلوة لفة الطرحة دي عليكِ .. اكيد الممرضة الجديدة هي اللي لفتهالك صح
ظلت الأخرى صامته فتنهد شادي بحرارة ثم أعطاها ادويتها حتى تتناولها ولكنها رفضت أن تأخذهم منه. قال:
– تاني يا سلمي .. ارجوكِ خدي الأدوية بتاعتك وبلاش تتعبيني معاكِ
نظرت له سلمي بصمت ثم قالت بصوت مبحوح:
– أنا مش كويسة ..
– حاسة بأيه؟
– حاسة بألم فظيع
نظر لها شادي بقلق فأكملت هي كلماتها وهي تشير إلى قلبها:
– ده مش كويس .. قلبي حاسس وكأن حد بيقطعه ببطء عشان يستمتع بكل لحظة ألم ليه
– أنتِ زي الفل بلاش تحطي الكلمات دي في دماغك عشان تخفي بسرعه وخدي علاجك
– وانت فاكر إن شوية الأدوية دول هما اللي هيخلوني أخف .. أخف من إيه؟ وهو وجع القلب ليه دوا؟!
– ملهوش .. بس إحنا اللي نقدر ننهي الوجع ده
– الكلام سهل طول ما أنت مش مكاني ولا عارف أنا حاسه بإيه
صمت شادي فاكملت الأخرى:
– هعتبرك إزاي الدكتور بتاعي وأنت حتى مش عارف فيا إيه
– بس ده مش صح
– لو بتحس بيا فعلاً خرجني من هنا أنا عايزه أخرج وارجع لحياتي .. خرجني من السجن ده
– صدقيني مهما كانت حياتك برا عاملة إزاي .. بس هنا أحسن بكتير
صمتت سلمي بدموع ثم قالت:
– عايزه أشوف عاصي .. خليه يجي هو وعدني أخر مرة شوفته أنه يخرجني
– لو اخدتي الأدوية بتاعتك أوعدك إني هخليه يجيبك
نظرت له سلمي بابتسامة ثم أخذت منه الأدوية وتناولتها بهدوء. ظل هو يطالعها بتمعن حتى أبتسم هو أيضًا وخرج من الغرفة.
في شركة القاضي..
ذهب رامي إلى الغرفة التي توجد بها رحيل ودلف إليها ليجدها تجلس على الأرض وتتناول بعض الطعام. نظر لها بدهشة فقالت هي:
– جاي تخرجني صح
– أستاذ عاصي طالب يشوفك
– هو اسمه عاصي؟! أتصدق لايق عليه جداً
قالت رحيل تلك الجملة وضحكت بمرح ولكن ملامح رامي ظلت ثابتة فنظرت له رحيل بإحراج وتلاشت الابتسامة عن وجهها. أخذها بصمت إلى مكتب عاصي ثم تركها أمام الباب وتركها تدخل بمفردها.
دخلت رحيل إلى المكتب فوجدت عاصي يقف في منتصف الغرفة ولا يظهر منه شيء سوى ظهره. تنحنحت رحيل ثم قالت بسرعه:
– أنا عايزه أعرفك إني ابقي..
قالت عاصي:
– بنت أستاذ بدر مش كده
نظرت له رحيل بدهشة وقالت:
– يعني أنت عارف!! وعملت كل ده برضه
اقترب منها عاصي فابتعدت هي عنه بفزع. ظل يقترب منها وتتراجع هي بخطواتها للوراء حتى التصقت بالحائط. قال الآخر:
– كويس إنك أنتِ اللي جيتي مش هو عشان تعرفي تتعاملي معايا كويس .. صح
نظرت له رحيل بصدمة! كيف وصلت إليه كلماتها تلك، نظرت له بتوتر ثم قالت بتلعثم:
– اا أنا مكنش قصدي حاجه بكلامي اا
– بس أنا عندي فضول أعرف هتعملي إيه؟
قال تلك الجملة ثم عقد ذراعيه وهو ينظر لها بتحدي. نظرت له رحيل بتوتر ثم قالت:
– مش لازم تعرف كل حاجه .. ولا أنت خوفت مني بجد ؟
قالت تلك الجملة وجاءت لتتحرك بسرعه من أمامه ولكنه أمسك معصمها بقوة وأحكم قبضته عليه ثم قال لها وهو ينظر لها بحده:
– واضح إنك متعرفيش أنتِ بتتعاملي مع مين وياريت تبطلي شغل الهبل بتاعك ده .. اوعي تفتكري إني ممكن اسامحك على المصيبة اللي أنتِ عملتيها قدام الفوج
– أنا قولتلك مك..
صاح بها عاصي:
– اخرسي!!
نظرت له رحيل بفزع وانتفضت من مكانها وحاولت أن تهرب من أمامه ولكن يده الممسكة بها قد منعتها. أخرج عاصي هاتفه من جيبه واستدعى رامي بسرعه وما هي إلا ثواني وكان أمامه. قال له عاصي وهو ينظر الى رحيل:
– صفقة أستاذ بدر زي ما هي متلغيش حاجة .. والمسؤول الكامل قدامي عنها هي البنت دي .. وفي خلال عشر أيام لو حصل حاجه خليتها تغيب عن الشركة يوم واحد .. الصفقة دي هتتلغي!
نظرت له رحيل بصدمة وقالت:
– نعم!! اجي ليه أنا مش شغالة عندك!
– لو عايزه تنقذي الصفقة دي معندكيش حل غير ده وياريت تفكري كويس قبل ما تجاوبي
نظرت له رحيل بتوتر وللأسف لم يكن أمامها إختيار آخر. قالت بضيق:
– أنت اللي متأكد؟ ما يمكن أنت اللي تمشيني مش أنا اللي أمشي
– معتقدش وياريت تفكري كويس .. متأكده؟
ابتلعت ريقها وصمتت فقال الآخر:
– تمام .. تقدري تمشي دلوقتي
– والصفقة؟؟
– هنمضي الأوراق بعد العشر أيام
نظرت له رحيل بتوتر ثم خرجت من المكتب بسرعه وذهبت إلى بيتها.
نظر له رامي بعدم فهم وقال:
– أنا مش فاهم حاجه حضرتك
– هتعرف كل حاجه في الآخر ..
رواية رحيل العاصي الفصل الرابع 4 - بقلم ميار خالد
وصلت رحيل إلى بيتها وعقلها مشوش، كانت تائهة تماماً في كلمات هذا الغاضب.
دلت إلى بيتها وضغطت على زر جرس الباب، وما إن دقائق حتى فتحت لها أمينة.
ولكنها لم تنتبه لها وتحركت من مكانها واتجهت إلى الداخل دون أن تتحدث.
وعندما لاحظ بدر وصولها، اتجه إليها وقال:
– حبيبتي طمنيني عملتي إيه؟
نظرت له رحيل بتوتر وابتسمت بصمت.
وقبل أن تتكلم، ظهرت داليا أمامها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وقالت:
– ساكته ليه؟ ما تحكي لينا إيه اللي حصل؟ ده لو مكنتيش بوظتي كل حاجة.
صاح بها بدر:
– داليا!! اتكلمي بأسلوب كويس.
صمتت داليا وظلت تطالع رحيل بحقد، والآخرة تقف بصمت لا تعرف ماذا تقول.
وبعد لحظات، فتحت فمها أخيراً لتقول:
– بابا أنت بتثق فيا صح؟
– طبعًا يا حبيبتي.. وإلا مكنتش خليتك تمسكي صفقة مهمة كده.
– وأنا مش عايزة أكتر من كده.
نظرت رحيل إلى داليا وقالت:
– النهاردة كل حاجة مشت تمام يا داليا والصفقة لسه في أيدينا. حتى صاحب الشركة ذوق جدًّا ومن كتر ما هو ذوق خلاني أنا اللي ماسكة كل حاجة بخصوص الصفقة دي. يعني أنا اللي هكون متابعة كل حاجة معاه. وعشان كده هروح الفترة اللي جاية الشركة عنده لحد ما كل حاجة تتظبط.
نظرت لها داليا بصدمة وفرهت فمها.
وطالعها بدر بضحكة واسعة هو وأمينة وركض نحوها بسرعة وأخذها في أحضانه وقال:
– كنت متأكد إنك هتكوني قد الثقة اللي أنا اديتهالك.. أنتِ مش متخيلة فرحتي بيكي أد إيه. جدعة يا حبيبتي.
نظرت رحيل إلى داليا وهي في أحضان أبيها، فطالعتها داليا بغضب ثم تحركت من مكانها بسرعة.
وبعد لحظات، ابتعدت رحيل عن بدر قليلاً وابتسمت له بتوتر ثم اتجهت إلى غرفتها.
وطالعها هو بتساؤل.
وعندما لاحظت أمينة تغير ملامحه هكذا قالت:
– في إيه يا بدر مالك؟
– مش عارف بس حاسس إن في حاجة تانية حصلت معاها.
– ليه بتقول كده؟ تلاقيها بس تعبانة عشان كده دخلت ترتاح.
– أتمنى.
في شركة عاصي..
وما أن خرج رامز من مكتبه حتى دلف إليه هذا الطبيب اليائس الذي يدعى شادي.
فتلك ليست المرة الأولى التي يزوره فيها.
وعندما وقع بصر عاصي عليه، عرف الموضوع الذي سوف يحدثه عنه.
دخل شادي إلى المكتب وجلس أمام عاصي.
فترك الآخر عمله وجلس يطالعه بتساؤل حتى قال:
– أخبارك إيه؟
– أنا الحمد لله.. بس أكيد أنا مش جاي عشان أطمنك على أحوالي.
– اتكلم.
– سلمي..
– مالها سلمي؟
– مش شايف أنه كفاية بقى لحد كده؟ دي بقالها خمس سنين في السجن ده.
– أنت أكتر واحد عارف حالتها إيه.. أنا مش هخرجها من هناك غير وهي متعافية تماماً.
– بس السجن ده مش هيخليها تتعافي.. إزاي كل السنين دي محدش من أهلها جه يسأل عليها؟ حتى هي متعرفش غيرك في الدنيا.
– مش دايماً الأهل بيكونوا سند يا شادي.. أنا عارف إن سلمي بتتألم جدًّا بس الألم ده هو اللي هيفوقها.
– وممكن هو اللي يقتلها برضو.. الألم لما بيزيد عن حده بيقتل!
– والمطلوب دلوقتي؟
– إنك تسمحلها تخرج.
– وأنا مش شايف أنها جاهزة عشان تخرج وتقابل العالم.. أنا عايزك تفهم إن سلمي أضعف من أنها تواجه كل الحاجات اللي مستنياها بره.
تنهد شادي بضيق ثم قال:
– طب أسمح لها أنها تشوف مريم أختك حتى لو مرة واحدة.. ده هيفرق معاها جدًّا. متنساش أن الاتنين كانوا أقرب من الأخوات في يوم من الأيام.
– مستحيل مريم ترجع مصر الفترة دي.
– أنت ليه قاسي أوي كده!! حرام عليك أنت بتأذي نفسك وبتأذي كل اللي حواليك.
– لو خلصت كلامك ياريت تتفضل.
نظر له شادي بدهشة ثم قال:
– عاصي ياريت متنساش إني قبل ما أكون دكتور سلمي أنا صاحبك! ولما طلبت مني أكون الدكتور بتاعها وحكيتلي وضعها أنا مرفضتش أبدًا بالعكس حبيت أساعدك بأي طريقة وأعوض بيها السنين اللي كنت مسافر فيهم وبعيد عن مصر.
– صدقني كل اللي أنا بعمله ده لمصلحتها.
– طب على الأقل خليها تكلم مريم مرة بجد ده هيفرق معاها صدقني.
تنهد عاصي بضيق ثم قال:
– حاضر هبقى أشوف الموضوع ده أوعدك.
– تمام أنا كده خلصت اللي عندي.. عن إذنك.
قال تلك الجملة ثم خرج من مكتبه فوراً.
وزفر الآخر بضيق وكأن هناك جبل ضخم من الهموم فوق صدره.
عاد بكرسيه إلى الخلف وسرح في ذكريات طفولته مع أثمن أشخاص بحياته وهم مريم وسلمي، فالثلاثة كانوا أصدقاء منذ نعومة أظافرهم وظلوا سويًا مهما كان يحدث في العالم.
ولكن هناك شعور واحد قادر على جمع وتفرقة الناس، ألا وهو الحب.
لقد جمع الحب بين مريم وذلك الخائن الذي سلب كل معاني الحياة من قلبها وتمكن من انتزاع ابتسامتها المميزة لتقع في نفس المؤامرة التي وقعت بها أمها ولكن تلك المرة كانت أقسى؛ ليتركها هذا الخائن بعد أن سلب منها شرفها وكانت تحمل ببطنها ابنتها ليلي وكانت هي الضحية الوحيدة لكل ما حدث.
استطاع الحب أن يفرق بين مريم وعاصي بسبب ما حدث واستطاع أن يفرق بين سلمي ومريم الذي نصحت مريم مراراً وتكراراً أن تبتعد عن هذا الخائن، كانت على يقين أنه يخدعها وفي النهاية كان جزائها هو تخلي الأخرى عنها كما أنها قد خسرت عملها وحياتها بسبب هذا الشخص وبسبب كل تلك الأحداث وفي النهاية وصل بها الحال في تلك المستشفى.
وكان عقاب عاصي لمريم هو نفيها إلى كندا بعيداً عنهم.
فلاش باك.
– مريم ابعدي عنه أنتِ متخيلة لو عاصي عرف الهبل اللي بتعمليه ده هيعمل فيكي إيه.. سيبك من عاصي اللي بينك وبينه حرام ربنا مش هيسامحك.
– أنا عارفه بعمل إيه كويس غير كده أنا بثق في أحمد وعارفه أنه مش هيتخلي عني هو قالي أنه هيروح يطلب أيدي من ماما أصلا.
– طب وعاصي؟
– ماما هتقنعه هو أصلاً كل ده لسه ميعرفش عاصي.
– بس أنتِ عارفه أنه عاصي هيرفضه عشان مستواه أقل مننا بكتير وأنتِ عارفه عقدة عاصي من العلاقات دي.
– أحمد غير بابا هو حاجة تانية.
– وهتفضلي مخبية اللي في بطنك ده لحد امتى.
ولحد ما…
وقبل أن تكمل جملتها نظرت إلى المرآة التي كانت في غرفتها لترى انعكاس عاصي بها وهو يطالعها بغضب مكتوم بعد أن استمع لكل كلماتها تلك.
وما حدث بعدها وكأن فيضان قد ضرب هذا المنزل.
باك.
نفض عاصي تلك الذكريات عن رأسه وأنهى عمله وعاد إلى منزله بصمت.
وبمجرد أن دلف إليه حتى ركضت نحوه ليلي بفرحة كبيرة وارتمت في أحضانه.
ابتسم الآخر وضمها إليه ثم نهض من مكانه وهي مازالت في أحضانه.
ابتسامة صغيرة من تلك الطفلة قادرة على اقتلاع تلك العتمة التي تحيط بقلبه.
أنه يعترف أنه معها بالتحديد يكون شخصاً آخر أكثر مرحاً وفرحة عن شخصيته الكئيبة المعتادة.
قالت ليلي بحزن:
– ليلي زعلانه منك جدًّا.. أنت وعدتني أنك هتفسحني امبارح بس أنت معملتش كده.. أنت علطول مش فاكرني.
– أنا آسف حقك عليا أنا فاكرك وعمري ما أقدر أنساكي.. بس خالوا مشغول جدًّا في حاجة معينة في الشغل واوعدك أول ما أظبط كل حاجة ليكي عندي فسحة عمرك ما هتنسيها.
نظرت له ليلي وقطبت حاجبيها بضيق.
تنهد الآخر وقال:
– إيه اللي يرضيكي دلوقتي طيب؟
– أني أقضي وقت كبير معاك.. أنا عايزة أشوفك كتير أنا عايزة أفضل جمبك علطول مش أشوفك مرة كل يوم.
ابتسم عاصي وقال:
– إيه رأيك بكره نتغدى برا طيب؟
نظرت له ليلي وعرفت الفرحة طريقها إلى وجهها فضحكت بسعادة وعانقته بحماس ثم قالت:
– موافقة جدًّا.
ابتسم عاصي ثم قال:
– خلاص يبقى روحي نامي بدري.
– حاضر.
قالت تلك الكلمة ثم ركضت بسرعة نحو غرفتها لتنام.
وكانت والدته في غرفتها هي الأخرى فلم يرغب في إزعاجها فذهب إلى غرفته بهدوء وأخذ دش دافئ ثم خرج ووقف أمام مرآته ليجفف شعره.
وفي تلك الأثناء ظهرت أمام عينيه صورة تلك المجنونة التي اقتحمت مكتبه اليوم.
كان لديه الفرصة في تلك الدقائق حتى يتذكر كل حركاتها العفوية والغير مدروسة بالمرة.
وتعجب للحظات من تلك الفتاة وسأل نفسه:
أيعقل أن يوجد في زمننا هذا فتاة بكل تلك العفوية والبراءة؟
ولكن تلك العفوية كانت سوف تكون سبباً في خسارة كبيرة له؛ لذلك نفض عن رأسه تلك المشاهد وذهب إلى فراشه ونام على الفور.
ولكن في جهة أخرى كان هناك عيون لم تقدر على النوم للحظات، وكانت وتلك العيون هي عيون رحيل التي كانت تجوب غرفتها بتوتر وخوف، لا تعرف ماذا يخبئ لها اليوم التالي.
ولكنها حاولت أن تسترخي وأخيراً فنامت وحاولت أن تتناسى كل هذا التعقيد، فالحياة دوماً كانت في غاية البساطة بالنسبة لها.
في الصباح التالي..
استيقظت رحيل قبل ميعادها بساعات فهي لم تقدر على النوم براحة؛ لذلك قررت أن تحضر الفطور لهم جميعاً في هذا اليوم.
وبالفعل قبل أن يستيقظ بدر بلحظات كانت انتهت من تحضير كل شيء.
سار نحوها الأخير بدهشة وهي ترتب أطباق الطعام على السفرة وقال:
– أنتِ اللي حضرتي الفطار النهاردة ولا إيه؟
– أيوة.. صحيت قبل ميعادي فقولت أحضر الفطار النهاردة.
– إيه الجمال ده جدعة.
جاءت أمينة خلفه وقالت:
– الله يسعدك يا بنتي والله صاحية جسمي مكسر مش قادرة أعمل حاجة.
– أنا مش عايزة أتأخر فهاخد أكل من امبارح معايا في العلبة زي ما متعودة ماشية.
قال بدر:
– اللي يريحك يا حبيبتي بس بلاش تنسي الأدوية بتاعتك.
– حاضر.
ابتسمت رحيل ثم تحركت من مكانها وذهبت إلى غرفة داليا حتى تتحدث معها قليلاً مع أنها تعرف أنها في هذا الوقت تكون في سبات عميق.
وبعد أن ذهبت نظر بدر إلى أمينة وقال:
– مش قولتلك أنا هحل كل حاجة.. شوفتي التغيير اللي حصل من أول يوم بس أنا كنت واثق فيها.
– بلاش تحكم على الحاجة بسرعة طيب لما نشوف آخرتها.. التغيير مش بيحصل من تحضير فطار ولا صحيان بدري يا بدر.
– يا ستي أنتِ ليه مصممة تكسري فرحتي خليني كده.
ابتسمت أمينة ثم تحركت من مكانها.
دلت رحيل إلى غرفة داليا وتركت الباب مفتوح وتفاجئت كثيراً عندما وجدتها تجلس على سريرها وتمسك هاتفها بملل.
دلت إليها وقالت:
– أنتِ لسه صاحية كل ده!
نظرت لها داليا بعدم اهتمام ثم أعادت بصرها إلى الهاتف.
اقتربت منها رحيل وجلست أمامها على السرير وقالت:
– أنتِ ليه بقيتي بتعامليني كده؟ أنا عمري ما كنت وحشة معاكي يا داليا.
– عارفه.
– طب ليه كل ده.. ليه بتعملي مسافات بينا؟
– مش أنا اللي عملت.. حتى لو بدون قصد بس أنتِ كل يوم بتجرحيني يا رحيل وأنتِ مش بتحسي.
– كل ده بسبب معاملة أهلك لي.
نظرت لها داليا بعدم فهم وتركت الهاتف من يدها وقالت:
– أهلك؟!
– أيوة أهلك يا داليا دي حقيقة مش هنقدر ننكرها.. أنتِ مينفعش تغيري مني لأني مجرد صورة لكن أنتِ الأصل. أنا عمري ما هكون زيك.. أنا بس كفاية عليا إني أعيش وسط ناس بتحبني وأحس أن ليا أهل.
– بس هما مش بيعتبروا كده.. أنتِ الصورة والأصل الوحيد في البيت لكن أنا مجرد هامش.
نظرت لها رحيل للحظات ثم تنهدت وامسكت يد داليا وقالت:
– يمكن دي أول مرة أحكيلك الكلام اللي هقوله بس أعتقد أنتِ بقيتي كبيرة كفاية عشان تفهميني.
ثم تنهدت بضيق وبدأت في الكلام:
– من يوم ما اتولدت وأنا حياتي مش مستقرة.. كل شوية أنا وأهلي نتنقل من مكان لمكان على حسب حالتنا المادية.. لما كبرت شوية بدأت استوعب كل اللي بيحصل حواليا وفهمت أن المشكلة كلها كانت على ورث جدي.. فاكرة الموضوع ده؟
– أيوه.
– بعدها حصل خلاف كبير بين بابا وعمي بسبب أن جدي كان كاتب كل حاجة لعمي عشان هو عارف إن بابا متسرع وكان ممكن يرمي فلوسه في أي حاجة بس برضو وصى عمي أنه يكون كويس مع بابا ويديله حقه كمان.. بس للأسف بابا مفهمش ده وبعد عنه واخدني أنا وماما معاه وسافرنا القاهرة وأنتم كنتم في البلد.. كان عندي تمن سنين وحالتنا المادية اتدهورت جدًّا.. اتدهورت لدرجة إن الناس كانت بتعطف علينا.. لدرجة إن هدومي كلها مكانتش بتاعتي.
نظرت لها داليا بعيون متسعة وقد مالت إلى التعاطف نوعاً ما.
تنهدت رحيل وقالت:
– شوفت فترة وحشة جدًّا.. عمرك ما هتتخيلي إحساس إنك نفسك في حاجة ومش عارفة تجيبيها بس كان عندي قناعة ومبسوطة إني على الأقل وسط عيلتي مع إني عيشت حياة الفقر بطريقة بشعة جدًّا.. ولما كملت الـ 15 سنة كل حاجة بين أبويا وأبوكي بدأت تتصلح وترجع تاني ولما كُنا راجعين البلد عشان نتجمع كلنا تاني وخصوصاً وأنا قاعدة في العربية كنت مبسوطة أوي.. لحد ما سمعت صريخ أمي ولحد دلوقتي صريخها مش عايز يخرج من دماغي ولا بيخليني أعرف أنام في سلام.. صرختها وهي بتترمي عليا عشان تحميني من الازاز اللي اترمي علينا والعربية بتتقلب بينا وبعدها محستش بأي حاجة.
صمتت رحيل وقد تكونت بعض الدموع في عينيها فقالت داليا بدموع:
– وبعدين؟
كشفت رحيل عن معصمها ليتبين جرح كبير على طول معصمها، أكملت:
– بعدين خسرت كل حاجة.. حتى حياتي البسيطة اللي كنت عايشاها اتحرمت منها.. لما فوقت أول حد شوفته كانت ماما أمينة وهي عمالة تعيط مكنتش عارفه هتقولي الخبر إزاي ولما فوقت كان عمي استلم جثة بابا وماما ودفنهم كمان.. بيقولي أن يومهم كل حاجة فيه كانت متيسرة اتغسلوا بسرعة حتى العربيات في ثانية حضرت.. مع أن المسافة كبيرة بين المستشفى والترب بس قالي أنهم وصلوا بسرعة وده اللي صبرني على فراقهم.
صمت رحيل للحظات ثم قالت:
– بعدها عمي اتكفل بيا وقال إن حق بابا كله هيكون ليا وأنه مش هيحرمني من جو العيلة وهيخليني واحدة منكم.. وربنا يعلم إني بعتبركم عيلتي وأغلى ناس في حياتي.. فجأة حياتي اتقلبت تاني فجأة لقيت نفسي في عالم غير اللي كنت عايشه فيه.. تفتكري كل ده سهل على البني آدم.
– لا.. أنا أول مرة أعرف الحكاية كاملة منك.
ضغطت رحيل على يد الأخرى وقالت:
– داليا أنا عانيت وجوايا جروح والله بحاول أشفي نفسي منها من غير ما حد ما يعرف.. مش معنى إني بضحك وإني باخد كل حاجة بهزار إني كويسة من جوه.. أنا من جوايا تعبانة لدرجة إن النفس اللي بتنفسه تقيل على قلبي.. قلبي بقى مش مستحمل حاجة ولا مستحمل نظرة الكره اللي في عينك لي.
نظرت لها داليا بعيون نادمة فتابعت الأخرى:
– أنا بس عايزة أقولك أن حتى لو أنتِ حاسة أن بابا وماما بيعاملوني بطريقة مختلفة ده مجرد عطف منهم عليا.. وأنا عارفه أنهم بيحبوني جدًّا بس دي الحقيقة يا داليا.. أنتِ مينفعش تغيري مني لأني عمري ما أتمنى إنك تشوفي اللي أنا شوفته.. أنا شوفت أهلي وهما بيموتوا قدام عيني أنا جت عليا فترة كنت بقول يارب طب ليه اخدتهم هما وخليتني أنا.
قالت داليا بسرعة:
– بعد الشر عنك بلاش تقولي كده.
ابتسمت رحيل وقالت:
– أنتِ مش وحشة يا داليا حتى قلبك طول عمره كان أبيض بلاش تخلي الشيطان يخش ما بينا.. أنتِ أختي أنا مليش غيرك في الدنيا اتسند عليه.. أرجوكِ ارجعي زي ما كنتِ ارجعي زي زمان لما كُنا بنشارك كل حاجة مع بعض.. ارجعي صدقيني بالشباب اللي كل شوية تعجبي بيهم.
ضحكت داليا بخفة ومسحت دموعها ثم قالت وهي تنظر إلى رحيل بحزن:
– أنا آسفة لو جرحتك بكلامي في يوم بس أنا كان جوايا غضب كبير أوي إهمال بابا وماما ليا جرحني أوي وكنت حاطه عليكِ الذنب كله.
– ده مش إهمال يا حبيبتي هما بيحبوكي جدًّا بس لو اهتمامهم بيا كان زايد شوية عشان كل اللي أنا شوفته.
– ليه مقولتليش كل ده قبل كده؟
– عشان مكنتش عايزة افتكر ولا أحكي كنت عايزة أفضل ناسيه.
– أنا آسفة اني فكرتك.
ابتسمت رحيل ثم قالت:
– يعني خلاص هنبدأ صفحة جديدة وننسى كل اللي فات.
ابتسمت داليا ثم عانقت رحيل بحب ولأول مرة منذ وقت طويل.
ابتسمت رحيل بفرحة كبيرة وشدت ذراعيها حولها وقالت:
– يعني كده هتسمحيلي أعمل مقالب فيكي تاني.
انتفضت داليا من مكانها وقالت:
– لا بالله عليكِ بلاش مقالبك دي.
ضحكت رحيل بصوت عالي وعانقت داليا مجدداً.
وهنا ظهر بدر وأمينة الواقفين عند باب الغرفة وعيونهم قد اغرقتها الدموع ولكنهم لم يرغبون في إزعاجهم أو قطع تلك اللحظة عليهم.
وبعدها خرجت من المنزل واتجهت إلى شركة القاضي لتبدأ يومها الأول في إقناع هذا الغاضب بالموافقة على الصفقة.
ولكن ترا ما الذي سوف يحدث لها وهل سيمر أول يوم بسلام أم به الكثير من الأحداث.
رواية رحيل العاصي الفصل الخامس 5 - بقلم ميار خالد
وصلت رحيل إلى الشركة وحمدت ربها كثيراً أنها لم تجد هذا الغاضب أمامها. من الواضح أنه لم يصل إلى الشركة بعد. تنهدت براحة وذهبت إلى مكتبه وجلست به حتى يأتي.
وفي تلك الأثناء، عند عاصي، كان يجهز نفسه للخروج ولكن وجهته لم تكن الشركة بل كانت مصحة الأمراض النفسية. خرج من غرفته ومن المنزل بأكمله دون أن يتحدث مع أي شخص.
وبعد خروجه بدقائق، استيقظت ليلي ومعها حنان جدتها. نهضت ليلي بنشاط على غير عادتها وفتحت دولابها لترتدي أفضل ما لديها، وكان عبارة عن فستان يكشف عن ساقيها الصغيرتين البيضاء والذي إذا التفت التف زيل الفستان حولها وكأنها زهرة تستنشق أنفاسها في بداية موسم الربيع. كان الفستان بلون الورد الأحمر الهادئ وبه رسومات من برامج كارتونية تحبها ليلي جدًّا. ومشطت شعرها الذهبي برفق وجمعته معاً وانزلت خصلتين منه فقط.
وما هي إلا دقائق وكانت قد انتهت وخرجت من غرفتها. وعندما رأتها حنان قالت بدهشة:
– رايحه فين بدري كده وإيه الجمال ده كله؟
– النهاردة خالوا عاصي وعدني أنه يفسحني عشان كده أنا لبست ورايحه ليه الشركة بتاعته.
– بس لسه بدري يا ليلي.
– أيوة عارفه بس هو وحشني وأنا بقالي أيام كتير أوي مش بشوفه عشان كده هروحله وهفضل معاه من أول اليوم.
– طيب هو عارف؟
نظرت لها ليلي للحظات ثم كذبت عليها وقالت:
– أيوة طبعاً عارف يا تيتا.
– خلاص ماشي بس برضو مش هتروحي دلوقتي استني شوية بعدين هبعتك مع السواق.
ضحكت ليلي بفرحه وجلست مع جدتها على المائدة حتى تتناول فطورها. وعندما انتهت خرجت من المنزل مع السائق حتى يتجه بها إلى شركة عاصي.
***
كانت تجلس في الجنينة المطلة على غرفتها بشرود وعدم تركيز كعادتها دوماً، حتى ميّز أنفها رائحته قبل أن يصل فانتفضت من مكانها بسرعه وظلت تنظر حولها وكأن عيونها تبحث عنه بشوق يتيم يبحث عن وجه أمه في كل الناس.
وكان إحساسها صحيح. فبعد ثواني طل عليها عاصي من بعيد وكان وجهه خالي من أي ابتسامة. وقفت مكانها بابتسامة ثم تلاشت تلك الإبتسامة عن وجهها وعادت مكانها مرة أخرى وغرقت في شرودها.
جاء الآخر وجلس بجانبها بهدوء وظل الاثنان بهذا الصمت حتى قال عاصي:
– أخبارك إيه؟
– شايف إيه؟
– شايفك كويسة.
نظرت له بدون أن تبدي أي ردة فعل ثم أدارت وجهها بعيداً عنه، قالت:
– عايزه أخرج من هنا.
– هنا أحسن ليكي.
– مش أنت اللي تحدد إيه الأحسن ليا .. أنا بس اللي من حقي أشوف إيه الأحسن ليا واعمله.
– لسانك لسه طويل زي ما أنتِ وأكيد لسه بتخبي اسرار برضو مش كده .. مفيش أي حاجه اتغيرت فيكي.
نظرت له بدموع وقالت:
– أرجوك كفاية لحد كده أنا تعبت .. أنا عايزه أرجع لحياتي من تاني.
– حياتك أنتِ اللي ضيعتيها من إيدك فمترجعيش تدوري عليها.
– مش كفاية لحد كده؟
– يوم ما أحس إنك اتغيرتي فعلاً وبطلتي كدب وأنك تخبي أسرار عني هخرجك من هنا.
– طيب اسمحلي اكلم صديقة عمري مره بس .. حرام عليك.
– إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده و أنتِ عارفه كويس الأخطاء اللي وقعتي فيها .. ولو خرجتي من هنا هتقعي فيها تاني وأنا مش هستني لما حياتك تدمر تماماً .. أنتِ وهي زي بعض واحده كدبت والتانية دارت.
ابتسمت بحزن وقالت:
– كل ده ولسه مدمرتش.
نظر لها عاصي بصمت فقالت الأخرى:
– أمشي.
ظل ينظر لها للحظات حتى نهض من مكانه وذهب وتركها تنفرد بوحدتها مرة أخرى.
***
في الشركة.
كانت رحيل تجول مكتب عاصي بملل شديد حتى وقعت عينيها على النافذة المغلقة بالمكتب فاتجهت إليها وفتحتها ليخترق نور الشمس كل أرجاء الغرفة ومعه بعض النسيم البارد التي جعل أنف رحيل يتحسس قليلاً. عادت ادراجها وظلت تجول في الغرفة مرة أخرى حتى وقع بصرها على هذا البرواز الصغير الذي يوجد على مكتب هذا الغاضب. اتجهت إليه ببطء وامسكته بين يديها لترى صورة عاصي مع فتاه صغيرة ذات شعر ذهبي مميز وملامح رقيقة وبريئة للغاية.
ابتسمت بطريقة تلقائية وهي تنظر إلى ابتسامة تلك الفتاه في الصورة ولكن تلك الابتسامة لم تدم طويلاً وخصوصاً بعد ملاحظتها لهذا الغاضب وهو يحتضن تلك الفتاة في الصورة، ولكنه كان يضحك! قالت:
– طب ما أهو طلع بيعرف يضحك أهو .. ليه عاملنا فيها الرجل الغامض بقى بس مين دي معقول بنته .. بس دي مش شبهه خالص.
وفي تلك الأثناء شعرت بباب المكتب الذي يفتح فتعثرت مكانها وتوترت بشدة حتى كادت أن تُسقِط ذلك البرواز عن يدها. التفتت بسرعه لتجد نفس الطفلة الصغيرة التي توجد في الصورة تقف أمامها ويديها الاثنين في خصرها وتنظر الى رحيل بتساؤل. قالت ليلي:
– أنتِ مين؟!
نظرت لها رحيل بصمت وتوتر حتى ابتسمت بعفوية وقالت:
– أنا رحيل.
– رحيل؟ أسم غريب أوى.
اقتربت منها رحيل وجثت على ركبتيها أمامها وقالت:
– فعلا أي حد بقوله أسمي بيستغرب جداً.
– رحيل يعني فراق صح؟
نظرت لها رحيل بصدمة، كيف تفوهت فتاة بهذا السن بتلك الكلمات. نظرت لها لوهله بصدمة ثم ابتسمت وقالت:
– شطورة .. بس برضو ليه معاني تانية غير الفراق.
– يعني إيه؟
– يعني يا ستي أنا أي شخص مضايق بيكلمني بيضحك في لحظة .. بقدر اخلي الشخص ده مبسوط واخلي الحزن يسيبه ويمشي.
نظرت لها ليلي وفرهت فمها بتركيز عندما استوعبت الجانب الآخر من اسم رحيل. ضحكت بشدة وقالت:
– أيوة صح.
– شوفتي خليتك تضحكي إزاي.
وبعدها ضحك الاثنان بمرح. قالت رحيل بمرح:
– لون شعرك حلو أوي تحسيه مزيج بين البرتقاني والأصفر.
– عارفه ماما كمان كان شعرها كده خالوا عاصي قالي كده.
تغيرت ملامح رحيل عندما سمعت اسم هذا الغاضب ولاحظت ليلي تغير ملامحها هذا فقالت:
– أنتِ زعلانه منه ولا إيه؟
نظرت لها رحيل بتوتر وقالت:
– إيه؟!
– أنا عارفه أنه بيزعل ناس كتير منه .. بس هو مش بيكون قصده ده صدقيني هو طيب أوي.
قالت رحيل بسخرية:
– طبعاً هتقوليلي.
ابتسمت ليلي وصمتت فقالت الأخرى:
– أنا مضطرة اسيبك دلوقتي حالًا هروح الحمام وراجعالك تاني اتفقنا لسه قدامنا كلام كتير.
– ماشي أنا قاعده هنا متتأخريش عشان نلعب سوا.
ضحكت رحيل بحماس وقالت:
– خلاص اتفقنا.
ثم تركتها رحيل وذهبت إلى الحمام المرفق في المكتب. ظلت ليلي تجول بملل حتي لاحظت تلك النافذة المتواجدة في المكان. اتجهت إليها بسرعه ولكنها كانت عالية جدًّا بالنسبة لقامتها الصغيرة. نظرت حولها فوجدت مقعد المكتب الخاص بعاصي فسحبته من مكانه وكان الكرسي بنهايته عجلات فساعدها هذا على تحريكه. ثبتته أمام النافذة وصعدت عليه ولكن رأسها لم يصل إلى النافذة بعد فنزلت واتجهت إلى الأريكة المتواجدة في المكتب وأخذت كل الوسائد من عليها ووضعتها على المقعد وعندما صعدت عليه تلك المرة كان خصرها يصل الى النافذة وليس رأسها فقط !!
في الحمام..
انهت رحيل استعمالها المرحاض ووقفت أمام مرأة الحمام تنظر إلى نفسها وتفكر بكلمات تلك الصغيرة وفهمت من كلماتها تلك أن عاصي هو خالها وليست أبنته كما كانت تظن. قالت:
– أنا قولت برضو مش ممكن بنت زي القمر وضحكتها تجنن كده تكون بنت البني آدم ده مع أنه شكله لذيذ برضو بس معرفش كل ميشوفني يطلع قدامه ميت عفريت .. بس يا أنا يا أنت يا أستاذ عاصي أنا هكرهك في حياتك لحد ما تندم إنك قولتلي اجي اشتغل هنا أصلاً.
ثم ابتسمت بعفوية وقالت:
– شكلي هرجع للمقالب تاني.
بالخارج..
وفي تلك الأثناء وصل عاصي بسيارته أمام الشركة. ترجل منها وعندما نزل ورأته ليلي صرخت بفرحه ولوحت بيدها له من النافذة وقد اخرجت جسدها منها !!
وعندما وقع بصر عاصي عليها وهي بتلك الوضعية اتسعت عيونه بفزع وصاح بها بصوتٍ عالي:
– ادخلي جوه هتقعي !!
لم تسمعه ليلي وظلت تلوح له. وفي تلك اللحظة خرجت رحيل من الحمام وعندما رأت ليلي بتلك الوضعية صرخت هي الأخرى وركضت نحوها بفزع!!
وبسبب صرخت رحيل تلك التفتت ليلي بفزع فاختل توازنها في لحظة وكادت أن تسقط حتى أصبح معظم جسدها بالخارج!!
صرخ عاصي:
– ليلي!!
ثم تحرك من مكانه بسرعه وهذا بعد أن لاحظ أن هناك يد قد أمسكت بها بسرعه، وركض بأقصى سرعته إلى مكتبه، وصل إليه واقتحمه بهلع وخوف يشع من عينيه ليجد ليلي في أحضان رحيل والاثنان على الأرض!!
اقترب منهم بسرعه فوجد ليلي تتشبث بقوة بملابس رحيل والأخرى تمسح على شعرها برفق وتهمهم بكلمات بصوتٍ خفيض حتى تهدأ من خوفها قليلاً. ظل واقف للحظات يتابع هذا المشهد وقد نسى نفسه لدقائق ولكن سرعان ما أفاق من هذا الشرود عندما وجد ليلي ابتعدت عن رحيل قليلاً وتمسح دموعها. انتشلها من أحضان رحيل بسرعة وجعلها تستقر في أحضانه بقلق وخوف ثم قال بصوت مرتجف:
– أنتِ كويسة؟!! فيكي حاجه؟
نظرت له ليلي بخوف وقالت:
– أنا آسفة والله مش هعمل كده تاني.
ترقرق الدموع في عيون عاصي وقد شعر بنخزة في قلبه بسبب نظرات الخوف التي تملأ عينيها. فقد وعد نفسه أن يحميها من ظلها حتى، أخذها في أحضانه مرة أخرى وقال بهدوء:
– اوعي تعملي كده تاني يا ليلي اوعي .. افرضي كان جرالك حاجه فكرتي خالوا هيحصل فيه إيه؟
– ليلي أسفه اوأويي ومش هتكررها.
ابتسم عاصي وكانت رحيل تتابع كل هذا بدهشه كبيره، ماذا حدث له في ثانية أصبح بهذا الضعف والوهن، أصبح على تلك الحالة عندما أحس أنه كان على وشك أن يفقد تلك الملاك الصغير. تذكرت كلمات ليلي منذ قليل “أنا عارفه أنه بيزعل ناس كتير منه بس هو مش بيكون قصده ده صدقيني هو طيب اوي”.
أدركت رحيل معنى كلماتها تلك وابتسمت برفق أثر هذا المشهد الذي يحدث امامها. وبعدها بلحظات ابتعدت ليلي عن عاصي وجاء رامي وأخذها في مكتبه حتي ينهي عاصي عمله. خرجت ليلي بعد أن لوحت بيدها إلى رحيل ولوحت الأخرى بيدها إليها أيضًا بقوة. خرجت الصغيرة فلم يتبقى في الغرفة سواهم.
تنحنح عاصي ثم قال:
– شكراً.
وقبل أن ترد رحيل قال:
– بس ده مش هيغير من حقيقة الكارثة اللي عملتيها امبارح.
نظرت له رحيل بدهشه ثم قالت:
– لا حول ولا قوة إلا بالله .. يا أخي طب اديني فرصة أرد.
صمت عاصي فتابعت الأخرى:
– على فكره بقى أنا مكنتش مستنيه منك شُكر أكيد مكنتش هفضل واقفة اتفرج عليها وهي بتقع يعني أي حد مكاني كان عمل كده.
ظل ينظر لها الآخر بدون إهتمام ثم قال:
– طيب ياريت نبدأ بالشغل.
والتفت عاصي فتغيرت ملامح رحيل وقلدت مشيته وهي خلفه وحركة وجهه العابس بشكلٍ مضحك. التفت عاصي إليها فاعتدلت بسرعه وقال:
– اقعدي.
جلست رحيل بهدوء وحاولت أن تهدأ ولا تتكلم كلمات ليس لها معنى. وبعد لحظات دلف رامي إلى الغرفة وجلس أمام رحيل هو أيضًا، قال عاصي:
– طيب .. بعد الكارثة اللي حضرتك عملتيها امبارح واللي كانت هتضيع مني شغل مهم جداً أنا مبقاش عندي ثقه فيكي ولا في شغلك من البداية.
قالت رحيل بانفعال:
– هو أنا المفروض أقول آسفه كام مره يعني أنت مكبرها ليه؟
– مكبرها؟ ما علينا المهم إنك وافقتي تشتغلي هنا لمدة عشر أيام بدون انقطاع.
ابتلعت رحيل ريقها بتوتر وقالت:
– أيوه بس برضو مش فاهمه هشتغل إيه وليه أصلاً.
– هتشتغلي إيه هتعرفيها كمان شوية .. هتشتغلي ليه ده عشان تحاولي ترجعي ثقتي في شغلك على الأقل وأقدر أكمل معاكم الصفقة دي وأنا مطمن.
وأومأت رحيل برأسها وقد تفهمت كلماته تلك، قال الآخر:
– أنتِ طبعاً زي ما أنتِ شايفه الشركة مش محتاجه موظفين وأكيد بتسألي نفسك .. هتعملي إيه هنا؟
ابتسمت رحيل بعفوية وقالت:
– الله ينور عليك جبت الذكاء ده كله منين.
ظلت ملامح الآخر جامدة أمام تلك الابتسامة الساحرة مع أسنانها المرتبة بشكل منتظم والتي أضافت إلى ابتسامتها طابع جذاب. كانت تمتلك عيون واسعه تلمع بطريقة غريبة، وكأنك إذا نظرت لهما سوف تصاب بلعنة سحرهم.
نظر لها عاصي بجمود وقال:
– أنتِ هتفضلي قاعده ولو احتاجت منك حاجه هبقى أطلب منك.
نظرت له رحيل بدهشة وقالت:
– نعم؟! طيب واجي ليه بقى ما أنا مش هعمل حاجه كده كده.
– هتيجي عشان أنا عايز كده وخلاص وأنتِ وحظك بقى ما يمكن يبقى فيه شغل.
نظرت له رحيل وقالت:
– بس أنا كده هزهق تخيل أفضل يوم كامل معملش حاجه حط نفسك مكاني غير كده لما اجي هقعد فين فين مكتبي؟
– مكتبك؟
ثم شاور بيده على الأريكة الموجودة في الغرفة وقال:
– شايفه الكنبة اللي هناك دي .. متتحركيش من عليها طول ما أنتِ في الشركة وطول ما أنا قاعد في المكتب ياريت تفضلي ساكته لأني من بحب الكلام الكتير.
– طب وهاجي ليه لما أنا مليش شغل؟!!
– قولتلك يمكن أحتاج مساعدتك في أي حاجه عشان كده لازم تكوني حاضره دايماً.
– بس…
– تقدري تتفضلي في مكانك الجديد ومش عايز جدال.
نظرت له رحيل بغيظ ثم قالت:
– مبسوط أنت كده وأنت بتضايق اللي حواليك؟
نظر لها عاصي بلا مبالاة وقال:
– جدال.
قالت هي بصوت خفيض:
– إيه المصيبة دي ياربي.
– قولتي حاجه؟؟
قالها عاصي بتعجب فنظرت له الأخرى بتوتر ثم ابتسمت بعفوية وقالت:
– لا ولا حاجه.
– طيب اتفضل.
نهضت رحيل على مضض وجلست على تلك الأريكة التي تقرب مكتبه بمسافة ليست كبيره. خرج رامي من الغرفة وطالع عاصي اللاب توب الخاص به وكان يعمل على إحدى ملفات الاكسيل وبيده اوراق مهمه تخص إحدى الصفقات.
تأففت رحيل بملل وظلت تنظر إلى أرجاء الغرفة للحظات وكانت تتفحصها بدقه. وبعد لحظات شعرت ببعض الجوع فأخذت حقيبتها وأخرجت منها علبة الطعام الخاصة بها وفتحتها بابتسامة واسعه وبدأت في الأكل وقد أحدثت ضجة نوعاً ما فازعجت هدوء عاصي القاتل. نظر لها الآخر ثم قال:
– ممكن تاكلي بهدوء شوية إيه كل الدوشه دي!
– آسفه ماخدتش بالي.
ثم نهضت من مكانها واتجهت إليه بسرعه وبيدها علبة الطعام ثم قربتها منه قليلاً وقالت بعفوية:
– نسيت أعزم عليك معلش بقى كنت جعانه .. شكلك بتحب المكرونة بالبشاميل صح؟
نظر لها عاصي بدهشه وقال:
– في حد يفطر مكرونة بالبشاميل!!
– وفيها إيه يعني مش أكل .. خد حتة البانيه دي هتعجبك صدقني.
صاح بها عاصي:
– اسكتي!!
– طعمه هيعجبك والله.
– قولت اسكتي! ارجعي مكانك.
نظرت له رحيل بتهكم ثم وضعت قطعة الدجاج في فمها وعندما كانت تلتفت سقطت قطعة دجاج أخرى من العلبة ووقعت على الأوراق الموجودة أمام عاصي وقد خربتهم بسبب الزيت التي كان يحيط بها!!
شهقت رحيل بفزع ونظر لها الآخر بصدمه من فعلتها تلك!!
رواية رحيل العاصي الفصل السادس 6 - بقلم ميار خالد
سقطت قطعة دجاج أخرى من العلبة ووقعت على الأوراق الموجودة أمام عاصي وقد خربتهم بسبب الزيت التي كان يحيط بها.
شهقت رحيل بفزع ونظر لها الآخر بصدمة من فعلتها تلك.
نظرت له بخوف ثم بكت بصوت رفيع وقالت بسرعة:
– مكنش قصدي والله ما كان قصدي.
– اسكتي!! أنتِ إيه مينفعش تقعدي خمس دقايق من غير ما تعملي مصيبة.
قالت رحيل ببكاء مضحك:
– أنا هقولك أنا والله أنا.
ثم أغمضت عينيها بخوف من ردة فعله وقبل أن ينطق بأي كلمة دلفت ليلي إلى الغرفة وقالت:
– يا خالوا أنت نسيتني ولا إيه.
نظر لها عاصي بغضب وقال:
– مين اللي قالك تيجي بدري كده يا ليلي!!
نظرت له الفتاة الصغيرة بدهشة وعيون متسعة وقالت:
– أنا آسفة بس أنت كنت واحشني أوي عشان كده.
قاطعها عاصي وقال:
– طيب يبقى خليكي في مكتب رامي لحد ما أخلص شغل.
نظرت له ليلي بحزن وعيون كادت تملأها الدموع وخرجت من الغرفة.
نظرت رحيل إلى عاصي بغضب ولأول مرة تتحدث معه بتلك الطريقة.
– أنت ازاي تتكلم معاها كده.
– ممكن تخليكي في حالك ومتنسيش أن كل ده حصل بسببك.
– حتي لو؟ مش مبرر عشان تكسر خاطرها كده حرام عليك.
نهض عاصي من مكانه وقطب جبينه بغضب.
– في إيه زعلان عشان بقولك الحقيقة يلا روح أعتذر لها.
– أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه!
– يا سيدي اسمك عاصي تمام بس مش لدرجة أنك تعصي كل الكلام اللي بيتقالك كده يلا روح زي الشاطر أعتذر لها.
قالت تلك الجملة وضربته بخفة على كتفه فصاح بها الآخر:
– اطلعي بره.
نظرت له رحيل بدهشة وقالت:
– كل ده عشان قولتلك الحقيقة.
– كلامي واضح من هنا لحد ما أخلص شغلي وامشي مش عايز أشوف وشك .. بره.
قالت رحيل وهي تلوح بيدها:
– يا سيدي برا برا هتطردني من قصر يعني.
تقدم عاصي خطوة للأمام بغضب فهرولت الأخرى خارج الغرفة بسرعة، وجلس الآخر على مكتبه وأمسك رأسه بتعب وتابع عمله.
وخرجت رحيل واتجهت إلى مكتب رامي بعد أن دلها عليه إحدى الموظفين حتى تصلح ما فعله هذا الغاضب.
***
في كندا.
تململت في سريرها بملل ونهضت من مكانها بعد أن تأكدت أن الصباح قد جاء وأخيراً بعد معاناتها طوال الليل حتى تنام قليلاً ولكن كعادتها يصاحبها هذا الأرق القاتل.
خرجت من غرفتها لتجد خالتها حضرت الفطور. كانت خالتها فريدة قريبة من عمرها فكانت في الثلاثينات من عمرها وهذا القرب كان له فضل كبير في التوافق بينهم.
اتجهت إليها وقالت:
– صباح الخير.
– صباح النور .. نمتي كويس.
ابتسمت بتعب وقالت:
– زي العادة.
– أنا مش قولتلك لازم تروحي لدكتور .. هتفضلي كده لحد امتي.
– كل ما أنام أحلم بكوابيس.
– بتحلمي بأيه؟
– بحلم بيها بتجيلي في أحلامي هي زعلانه مني عشان سيبتها ومشيت أنا اتخليت عن صاحبة عمري.
– لو نسيتي افكرك إنك مشيتي غصب عنك مش برضاكي .. أنتم الاتنين ادمرتوا بسبب الحيوان ده اللي اسمه أحمد ضحك على واحده وبوظ حياة التانية وطلع عليها سمعة وحشه.
– أيوة بس كان لازم نفضل مع بعض .. مكنش ينفع نبعد ونعاني بعيد عن بعض على الأقل كُنا نهون على بعض.
– متزعليش نفسك أكيد خير.
– كله بسبب عاصي .. هو اللي بعدنا وعمل كل ده وهو اللي مانعني أرجع مصر أنا مش فاهمه ليه بيعمل كده.
– عاصي عارف مصلحتكم كل ده عشانكم .. أنتِ عارفه أنكم الاتنين واحد عنده مش بيفرق مين أخته ومين مش أخته .. أنتم الاتنين اتربيتوا سوا وكبرتوا سوا وهتفضلوا أخواته.
– بس أنا مش مسامحاه على كل ده .. ولو هو فاكر إني هقبل بالمنفي ده ومش هرجع مصر يبقي غلطان.
– قصدك إيه؟
– قصدي أني هرجع مصر قريب أوي .. من غير ما يعرف طبعاً.
– أنتِ متأكدة؟
– أيوة .. هنشوف بقى هيعمل إيه لما يلاقيني قدامه!!
– طيب وليلى.
– ليلى الضحية الوحيدة في كل اللي بيحصل ده بس أنا هغير كل حاجة صدقيني! ومش هسيبها تاني.
***
دلفت رحيل إلى مكتب رامي لتجده يعمل على الحاسوب الخاص به وليلي تجلس على الأريكة بملل شديد وكلتا يديها على خديها.
وعندما وقعت عينيها على رحيل ابتسمت ابتسامة واسعة ولوحت لها بيدها فبادلتها الأخرى نفس الابتسامة ثم اتجهت إليها وجلست بجوارها.
– أنا زهقانه أوي هما علطول ساكتين كده.
– كل مره اجي أفضل قاعده لوحدي لحد ما خالوا يخلص شغل بعدين يفتكرني ويجي يخرجني.
خطرت فكرة على بال رحيل فابتسمت بغموض طفولي وقالت:
– إيه رأيك نعمل حاجه تكسر الملل ده.
لمعت عيون ليلي وهي تقول:
– بجد! إيه؟!
– نعمل مقلب مثلاً؟
ضحكت ليلى بشدة وكان رامي يسترق النظر إليهم وتعجب من حوارهم السري بصوت خفيض. وقبل أن ينهض من مكانه ليستكشف حديثهم صمت الاثنان.
– بتتكلموا في إيه؟
– وأنت مالك يا رامي.
– أيوة صحيح وأنت مالك يا رامي.
ظل يطالعها بصمت وملامح جامدة فقالت:
– هو ممنوع على أي حد في الشركة دي أنه يضحك ولا إيه .. متروق كده بلاش تبقى متنشن أنت هتعمل شبه التور اللي جوه ده.
– ياريت تتكلمي عن مستر عاصي بطريقة أحسن من كده.
– طيب يا سيدي متتحمقش كده.
نظر لها رامي بفتور ثم خرج من الغرفة.
وعندما تحرك من مكانه قفزت ليلي على أرجل رحيل وقالت بصوت خفيض:
– ها هنعمل إيه؟
– بصي يا ستي..
في مكتب عاصي.
كان منهمك في مراجعة بعض الأوراق في جهة وينظر إلى الحاسوب الخاص به في جهة أخرى.
واثناء كل هذا صدع هاتفه رنيناً برقم غريب، رد عليه وقال:
– الولم يجد رد من الطرف الآخر فكرر كلمته تلك حتى رد الطرف الآخر:
– احم .. الو.
– أيوة مين معايا؟
– مش لازم تعرف .. المهم تعرف أن ليلي معايا وأنت مستحيل توصلها تاني!
كاد عاصي أن يفقد أعصابه ولكن لحظة.. قد انتابه شعور غريب وكأنه يعرف هذا الصوت جيداً.
– والله؟
– ايوه والله.
صمت عاصي ثم ضغط على الحاسوب الخاص به فظهرت أمامه كل كاميرات المراقبة الموجودة في الشركة.
فاتجه إلى الكاميرا الموجودة في غرفة رامي ليجد رحيل في إحدى الزوايا معها ليلي ولم يكن رامي معهم في الغرفة.
لاحظ عاصي الهاتف الذي تمسكه رحيل في يدها وتبتسم بمرح ومعها ليلي ففهم على الفور ماذا يحدث.
– ده على أساس إني كده مش هعرفك وهيدخل عليا الحوار ده.
قالت رحيل وحاولت أن تغير صوتها أكثر حتى أصبح أكثر خشونة. لقد حاولت وبشدة ولكنها فشلت لأن صوتها له رنة خاصة ومميزة ورقيقة في نفس الوقت.
– أيوه أنت متعرفنيش لو عايز تشوف ليلي تاني اب….
ولم تكمل جملتها تلك حتى وجدت من يسحب الهاتف من يدها بقوة!
التفتت بسرعة وكادت أن تتكلم ففتحت فمها بغضب ولكن أصابها الخرس عندما وجدت عاصي أمامها يطالعها بتهكم.
نظر لها بانفعال وقال:
– ده بجد اللي بيحصل ده!! إيه الهبل اللي أنتِ بتعمليه ده المفروض إنك كبيرة على الكلام ده!!
قد نسيت رحيل فمها مفتوح من الصدمة وعندما أفاقت على كلماته تلك ابتسمت بعفوية وقالت:
– أيوه أنا كبيرة أكيد بس مفيش مانع لو هزرت شوية في إيه مش مستهله كل ده.
– أنتِ متخيله كم الأحداث اللي عملتيها في يوم واحد بس!
– بالعكس ده أنا حتى مكسوفه عشان مكان أول مره أكون فيه.
– فعلاً واضح جداً.
رفعت رحيل حاجبيها وانزلتهم مرات متكررة بسرعة وابتسامة طفولية على وجهها فصاح بها الآخر:
– اسكتي بطلي اللي بتعمليه ده!!
لم ينكر عاصي أنه كان على وشك الضحك من حركتها تلك ولكنه تحكم بنفسه ليبدو بهذا الثبات أمامها.
– طيب يا خالوا ده وقت غدا يلا بقى فسحني.
– وأنا بقول أنا ناسيه إيه .. استأذنكم أنا هروح أكُل.
أمسكت ليلي بيدها وقالت:
– مستحيل أنتِ كمان هتيجي معانا.
قال رحيل وعاصي في نفس الوقت:
– نعم؟!!
***
في بيت رحيل.
دلفت داليا إلى غرفتها بسرعة بعد أن تأكدت من خلو المنزل بعد خروج أبيها ووالدتها لزيارة إحدى الأقارب.
أمسكت هاتفها واتصلت برقم ما وبعد لحظات جاءها صوته عبر الهاتف:
– حبيبتي .. خرجوا ولا لسه في البيت؟
– لا لسه خارجين دلوقتي.
– جميل .. تحبي اجيلك دلوقتي ولا نخرج؟
– مش عارفه .. أنت شايف إيه.
– أنا شايف نفضل في البيت بدل الزحمة والحر.
فكرت داليا للحظات ثم قالت:
– خلاص اللي يريحك ماشي هستناك.
– ماشي يا حبيبتي أنا مسافة السكة وهكون عندك.
ابتسمت داليا وقالت:
– حاضر .. بحبك.
– وأنا كمان .. يلا سلام دلوقتي.
وبعد أن أنهت مكالمتها معه نهضت من مكانها وذهبت إلى المطبخ لتحضر لهم بعض الطعام.
وبعد فترة ليست طويلة صدع جرس الباب رنيناً فذهبت نحوه بابتسامة واسعة وفتحته ليطل عليها حبيبها الخفي حازم.
أبتسم الآخر إليها أيضًا. كانت ملامحه عادية هادئة، كان نحيل نوعاً ما مع بروز بعض العضلات في جسده طويل القامة تلون شعره باللون الأسود وتلونت بشرته باللون القمحي المائل للسمار المميز.
– أخبارك إيه.
– هنفضل واقفين عند الباب كده طيب.
قالها بابتسامة واسعة فقالت الأخرى:
– اكيد لا أدخل.
دلف حازم إلى الداخل وجلس على إحدى المقاعد وذهبت داليا وحضرت لهم الطعام ووضعته على الطاولة.
وبعد لحظات كان الاثنان على طاولة الطعام يتناولون قليلاً ويتحدثون قليلاً.
– أنا مش عاجبني الحال ده .. مش عاجبني أننا كل مره نتقابل في السر كده.
– ما أنت عارف الوضع بين عيلتي وعيلتك يا حازم.
– الوضع مش بالسوء ده لو حاولنا نحل الخلافات دي كانت اتحلت .. غير كده الخلاف بين أبويا وعمك يعني أنتم ملكوش دعوة.
– والله؟ أنت نسيت اللي حصل زمان.
– معرفش بقى.
– لا شكلك نسيت .. عمي باع حتة الأرض اللي كانت عنده لابوك وللأسف أخد الفلوس قبل ما يمضي العقد ده عشان كان أبوك واثق في عمي .. ويوم البيع عمي عرف أن أبويا مش موافق يبيع حصته في الأرض وأن عمي كان هيبيع بدون علم بابا .. وللأسف بعدها عمل حادثة وأتوفى هو ومراته وبابا هو اللي اتدبس في كل حاجة. أنت جربت تجيب سيرة عيلتي ولا أبويا حتي مع أبوك ولا لا؟
– حاولت.
– وإيه النتيجة؟
– مكنش طايق يسمع حاجة عنكم.
– بالظبط ده اللي عايزه اوصلهولك.
– طيب والحل يا داليا .. إيه نهاية اللي إحنا فيه ده أنتِ عارفه أني بحبك وإني مش هسيبك لحد غيري بس لازم نتحرك في علاقتنا أكتر.
تنهدت داليا بضيق ثم قالت:
– صدقني كل حاجة هتبقى كويسة .. بس أرجوك أقفل السيرة دي إحنا ما بنصدق نشوف بعض ده أنا حتى مجهزه شوية أفلام عشان نتفرج عليها هتعجبك أوي حتى الفشار.
ابتسم الآخر وقال:
– خلاص يا ستي اقفلي الموضوع ده.
وبعدها ضحك الاثنان ونسوا كل مشاكلهم تلك وجلسوا ليشاهدوا تلك الأفلام سوياً في جو من المرح والضحك.
كانوا يثقون بربهم أنه سوف يجمعهم سوياً رغم تخطيهم حدود دينهم في مقابلاتهم وعلاقتهم، كانا يعلمان أنه لا يجوز أن يجتمعوا في مكان ما بمفردهم ولكن برروا هذا أنهم لا يريدون أن يراهم أحد حتى لا تحدث أزمة كبيرة.
وللأسف هذا ما يحدث مع أغلب الشباب يعلقون خطأ تخطيهم حدود الدين والأخلاق على كلمة الحب.
على الجانب الآخر، في سيارة بدر وزوجته.
– الحمد لله أنه الراجل اللي خبط العربية تكفل بيها وصلحها بسرعة كان زماننا اتعطلنا عليها.
– أنا مش عارف رحيل إزاي متقوليش حاجة زي كده.
– معلش تلاقيها خافت.
– الحمد لله .. طيب بما أننا خلصنا بدري الزيارة دي تحبي نخرج شوية ولا نروح.
– أنت حابب إيه؟
– أنا بصراحة نفسي أرتاح شوية عشان ضهري واجعني من امبارح بس لو حابه نخرج أنا معنديش مشكلة إحنا كل فين وفين لما بنخرج أصلاً.
– لا يا حبيبي خلينا نروح دلوقتي المهم صحتك وراحتك .. ونخلي الخروجة بعدين كده كده رحيل هتكون في الشركة وداليا بتذاكر.
ثم اتجه بسيارته إلى منزلهم.
وفي تلك الأثناء عند داليا.
– أنتِ متأكدة إن أهلك مش راجعين دلوقتي؟
– متقلقش لسه بدري هما لما بيروحوا عند قرايبنا بيطولوا حبة حلوين.
– طيب غيري الفيلم ده أنا زهقت منه.
– ليه طيب ده جميل.
– مش عارف حسيته ممل شوفي حاجة تانية.
– خلاص ماشي استنى.
بدلت داليا الفيلم وبدأوا في فيلم جديد.
وقبل أن يصلوا إلى نصف الفيلم شعرت داليا بمفتاح الباب الذي أحدث صوت واضح وصوت والدتها التي تتحدث عند باب المنزل!!
نهض الاثنان بفزع ونظرت داليا إلى حازم بفزع لا تعرف ماذا عليها أن تفعل!!
رواية رحيل العاصي الفصل السابع 7 - بقلم ميار خالد
أمسكت ليلي بيدها وقالت:
– مستحيل. أنتِ كمان هتيجي معانا.
قالت رحيل وعاصي في نفس الوقت:
– نعم؟!!
– أيوة. مالكم؟ يلا يا خالوا أنا جوعت بقى.
نظر عاصي إلى رحيل وقال:
– هي متقدرش تيجي معانا. عندها شغل كتير.
قالت رحيل بسرعة:
– بالظبط كده. فعلاً عندي شغل كتير.
قالت ليلي بضيق طفولي:
– أنا مليش دعوة. أنا عايزه رحيل معانا. مش هتحرك من مكاني.
زفر عاصي بضيق ثم حمل ليلي وتحرك بها وقال:
– أنا مش فاضي للعب العيال ده.
ثم سحب ليلي خلفه. وظلت رحيل واقفة مكانها بحزن على منظر تلك الفتاة الصغيرة.
وصل عاصي إلى سيارته فأنزل ليلي وصعدت على المقعد المجاور له. وقد صمتت من بكائها ولكنها لم تتحدث بأي كلمة.
تنهد عاصي وصعد بجوارها. وقبل أن يتحرك بسيارته تسمر مكانه حين قالت:
– أنا مش بحبك. أنت زي ماما بالظبط.
نظر لها عاصي بعيون متسعة وقال:
– طيب ليه الكلام ده دلوقتي؟
– مش عايزه أتكلم معاك. أنا عايزه أروح. مش عايزه أخرج ولا أروح في حته.
– كل ده عشان موافقتش رحيل تيجي معانا؟ ده أنتِ لسه عرفاها النهاردة.
نظرت له الفتاة الصغيرة ذات الخمسة أعوام بعيون تكسوها الدموع وقالت:
– رحيل لما حضنتني قبل ما أقع حسيت أن ماما هي اللي بتحضني. أنت ليه جيت شيلتني من حضنها؟ كنت خليني شوية.
نظر لها عاصي بصدمة من كلماتها تلك. هل تفهم مدى عمق تلك الكلمات التي تفوهت بها؟ ولما لا تعرف قيمتها؟ فقد عاشت كل لحظاتها منذ أن جاءت إلى الحياة. لم تعرف ما هو شعور الأم في حياتها. كانت تسمع أصدقائها في الروضة وهم يحكون عن أمهاتهم ولكنها لم تعرف هذا الشعور. برغم وجود جدتها في حياتها ولكنها لم تملأ هذا الفراغ. لم تشعر بهذا الدفء والسكون إلا عندما عانقتها رحيل بخوف.
ظلت تنظر إلى عاصي بدموع ثم أبعدت بصرها عنه. أحس الآخر بألم في قلبه بسبب نظراتها تلك. ثم ترجل من سيارته بدون أن يتحدث وعاد إلى الشركة. ولاحظ أن رحيل كانت تتابعهم من نافذة مكتبه فصعد إليها. فتح مكتبه ودلف إليه. فاتجهت إليه رحيل وقالت:
– لسه بتعيطي؟
– ممكن بعد إذنك تيجي معانا؟ ليلي هتكون مبسوطة لو أنتِ موجودة. أنا عارف إن الشرط اللي بينا مش بيجبرك على كده بس...
قاطعته رحيل بابتسامة واسعة وقالت:
– مش محتاج تقول كل ده. طبعاً مفيش مشكلة.
ثم تحركت أمامه فنظر الآخر لها بدهشة كبيرة. كان يظن أنها سوف تستغل الوضع وتقول له أنها سوف تأتي معهم فقط إذا وافق على الصفقة! حسناً ليس كل الناس تفكر برأسه. لذلك أبتسم بهدوء وتحرك معها وخرج الاثنان من الشركة.
كانت ليلي تبكي بصمت حتى اقتحمت رحيل السيارة وجلست على المقعد الخلفي وقالت بصوتٍ مرتفع:
– أنتِ لسه بتعيطي؟ دموعك هتخلص كده.
نظرت لها ليلي بصدمة ثم نظرت لعاصي الذي استقل السيارة بجوارها وقالت:
– بجد؟ رحيل جايه معانا؟
قالت رحيل:
– أيوه. معقول صدقتي المقلب اللي حصل ده؟ عاصي كان بيهزر معاكي.
– بجد ده كان مقلب؟
قال عاصي في محاولة منه ليؤكد على كلام رحيل:
– اومال! أنتِ الوحيدة اللي مسموحلك تعملي فيا مقالب.
ضحكت ليلي بقوة وقالت:
– يعني أنتم ضحكتوا عليا وأنا صدقت.
ثم اختفت تلك الابتسامة عن وجهها وقالت:
– أنا أسفه أوي يا خالوا على كلامي من شوية ده. كان كلام وقت عصبية.
قالت رحيل:
– كلام وقت عصبية؟ أنتِ لسه صغيرة على المرحلة دي يا بنتي. غير كده جبتي الكلمة دي منين؟
أشارت بيدها على عاصي وقالت:
– من خالوا عاصي. كل ما يتعصب عليا وازعل يقولي كده.
– شوفت علمت البنت إيه.
قالتها رحيل بعتاب ثم ضحكت هي وليلي. ابتسم عاصي ابتسامة صغيرة ثم انطلق بسيارته ومعه الاثنان.
في منزل بدر..
حاول بدر أن يفتح الباب ولكن كان هناك مفتاح آخر في الجهة المقابلة فلم يستطيع أن يدخل.
قالت أمينه:
– تلاقي داليا هي اللي حطته في الباب لما قفلت على نفسها ونست اتصل بيها. طب ولا خبط بجامد.
حاولت أمينه أن تتصل بها والآخر دق على الباب بقوة. كان الاثنان بالداخل يلتفتون حول أنفسهم لا يعرفون ماذا يفعلون حتى أخذته داليا بسرعة إلى غرفتها حتى يختبأ بها. ثم اتجهت إلى الباب بسرعة وفتحته فدخلت امينه بعصبية وقالت:
– إيه كل ده!! أنتِ كنتِ بتعملي إيه؟
– أنا أسفه. راحت عليا نومه.
– طب واللي يروح عليه نومه ده ولا اللي داخل ينام أصلاً مش يشيل المفاتيح اللي في الباب ولا يولع الناس اللي برا.
– لا والله مش قصدي. أنا نسيت. أنا أسفه والله.
قال بدر وهو يربط على كتف أمينه:
– خلاص يا ستي حصل خير. ما هي بتقولك كانت نايمة أهي. أنا مصدع معلش هخش أرتاح شوية. ولو ينفع تعمليلي كباية أعشاب ياريت.
– حاضر. أدخل أنت.
ثم نظرت إلى داليا وقالت بغضب:
– حسابي معاكي بعدين. روحي جهزي معايا الغدا عقبال ما أعمل لابوكي حاجه يشربها.
– حاضر.
وقبل أن تتحرك قالت أمينه:
– استني كده. أنتِ لابسة طقم خروج ليه؟ أنتِ كنتِ رايحة في حته؟
نظرت لها داليا بصدمة وتلعثمت في الحديث ثم قالت:
– اا أنا أصل...
– متتكلمي في إيه؟!!
– لا أنا كنت بتصور. أكيد مش هتصور بهدوم البيت يعني. لقيت نفسي فاضية لبست وقعدت أتصور.
– والله؟ مش كنتِ نايمة من شوية؟
– إيه ده بابا بينادي صح. أنا هروح أشوفه.
ثم تحركت بسرعة من أمامها. قالت أمينه بغضب مكتوم:
– أكيد كانت خارجه تشوف الزفت اللي تعرفه ده. مع أني قولتلها تبعد عنه. مفيش فايدة ياربي. أنا هوريكي يا داليا.
ذهبت داليا من أمامها بسرعة ودخلت إلى غرفتها لتجد حازم يقف أمامها بغضب عارم. قالت:
– في إيه أنت كمان؟
– في إيه؟ عاجبك الوضع ده أنتِ؟
– طيب وطي صوتك أحسن ماما تسمع.
– مش فارقة تسمع بقا ولا لا. خليني أتكلم معاهم دلوقتي طب.
– مستحيل. دلوقتي أنت لازم تمشي.
زفر حازم بضيق فقالت الأخرى:
– اطلع ورايا دلوقتي. ماما في المطبخ.
– ماشي يا داليا.
خرجت داليا من الغرفة وحازم خلفها. وكانت تنظر حولها بخوف أن تخرج والدتها من المطبخ أو يخرج أبيها من غرفته. وبحركاتهم السريعة كانوا قد وصلوا إلى باب الشقة بسرعة. فتحت داليا الباب وخرج حازم ثم أغلقت الباب بسرعة والتفتت لتجد والدتها أمامها تنظر لها بتفحص مرعب!!
وصل عاصي بسيارته أمام أحد المولات ونزلت ليلي بحماس وامسكت بيد رحيل قبل أن تتحرك. نظرت لها رحيل بتعجب ولكنها ضحكت ثم نزلت إلى قامة ليلى واخذتها بين يديها. وكانت الفتاة نحيلة وصغيرة فلم تكن ثقيلة على رحيل بالمرة. أحاطت ليلي رقبة رحيل بذراعيها وعندما ترجل عاصي من السيارة وشاهد هذا المنظر انتابه شعور غريب نوعاً ما. اقترب منهم وقال:
– تحبي نعمل إيه الأول اليوم بتاعك؟
نظرت له ليلى بعيون تلمع من السعادة وقالت:
– ناكل الأول بعدين نروح الملاهي بعدين نروح نتفرج على فيلم في السينما.
– كل ده! لا يا إما ملاهي يا إما سينما.
– أنت مش قولت اليوم بتاعك.
نظر عاصي إلى رحيل واتسعت عيونه في إشارة منه لتحل هذا الموقف. قالت الأخرى:
– وبعدين هنفضل نتكلم كتير؟ ممكن نبدأ اليوم بقى بعدين نشوف موضوع السينما ده.
– ايوه بس هنروح.
– بس أنا كده هتعب يا ليلي. يا إما سينما يا إما ملاهي.
– لا مليش دعوة. أنا عايزه أروح الاتنين.
– وبعدين في الدلع ده!! كده هتخليني أزعل منك.
قالتها رحيل بصرامة فنظر لها عاصي بغضب. وقبل أن ينطق قالت ليلي:
– لا خلاص متزعليش. خلاص يا خالوا أنا اختارت الملاهي. خلي السينما يوم تاني.
ضحكت لها وقالت:
– أيوة كده شطورة.
ثم تحركت رحيل وليلى بين يديها نحو المول. قال عاصي في نفسه قبل أن يتحرك:
– الحمدلله طلع فيها شوية عقل.
ثم دخل الثلاثة وبدأوا رحلتهم. دلف بهم عاصي إلى أحد المطاعم الذي اعتاد أن يأكل فيها. وعندما جاء إليه العامل قال بفرحة:
– أول مره حضرتك تشرفنا مع عيلتك. ربنا يخليكم لبعض.
قال عاصي ورحيل في نفس الوقت:
– لا!!
نظر لهم العامل بفزع من صراخهم هذا. قال عاصي:
– إحنا مش عيلة. دي بنت أختي ودي المساعدة بتاعتي.
نظرت له رحيل بضيق فابتسم العامل وأخذ طلبهم وذهب من مكانه. قالت رحيل:
– إيه المساعدة بتاعتي دي؟ أنا مش بشتغل عند حد.
– ياريت تسكتي أنتِ وتخلي اليوم يعدي بهدوء.
– أسكتي أنتِ!! يعني إيه أسكتي أنتِ؟
– أهو قولت أسكتي وخلاص بقى.
– لا مش فاهمه يعني إيه أسكتي أنتِ؟ شايف شخصيتي ضعيفة للدرجادي يعني؟
وقبل أن يرد عاصي انفجرت ليلي من الضحك. ضحكت حتى أدمعت عيونها. وكان الاثنان ينظرون لها بدهشة. قالت ليلي من بين ضحكاتها:
– فكرتوني بحاجه. بس ينفع تمثلوا سوا؟
نظرت لها رحيل وضحكت على ضحكاتها رغماً عنها. وبعد لحظات جاء الطعام لهم وتناولوه وسط حديث ليلي عن مغامراتها في الروضة وفي البيت. وكانت رحيل تسمعها باهتمام بالغ. وقد أعجب هذا ليلي بشدة.
والتفتت لتجد والدتها أمامها تنظر لها بتفحص مرعب!!
قالت داليا:
– في إيه؟
– كنتِ بتكلمي مين على الباب؟
– محدش. كنت فاكره الجرس بيرن بس ملقتش حد.
– أنتِ بس اللي سمعتي الجرس اللي رن يعني؟
– يا ماما في إيه مالك من الصبح؟
صمتت أمينه للحظات ثم قالت:
– عارفه يا داليا؟ أنا لو عرفت إنك بتعملي حاجه من ورانا هعمل فيكي إيه. بلاش تخليني أقلب عليكِ. أنتِ عارفه قلبتي وحشه.
– مفيش حاجه صدقيني. خلصتي لبابا اللي كان عايزُه ولا لا؟
– ماشي أما نشوف.
قالتها بتوعد ثم عادت إلى المطبخ مرة أخرى. وتنفست داليا براحة وأخيراً.
كانت رحيل تتصرف بعفوية وتنظر إلى ليلي بابتسامة جميلة. فلم تلاحظ نظرات عاصي المعلقة بها. لم تكن نظرات إعجاب بل تعجب ودهشة. يحاول أن يفهم شخصية تلك الفتاة ولكنه لا يعرف كيف تفكر حتى. منذ اللحظة الأولى التي وقع بصره عليها فيها ومئات الأسئلة تدور برأسه عنها. هل هي عفوية بالفعل أم تفتعل كل هذا؟ هل هي بريئة كما يظهر عليها أم تصطنع كل هذا؟
قالت ليلي:
– خالوا أنت مش معانا ولا إيه؟
قالت رحيل:
– تلاقيه بيفكر في صفقه. ده شبه جهاز كومبيوتر لو فتحتي دماغه هتلاقي أسلاك كتير. مش كده برضو؟
– كلي وأنتِ ساكتة.
نظرت له رحيل بضيق ثم أكملت طعامها. وبعد قليل نهضت ليلي من مكانها وذهبت إلى الجانب المخصص للأطفال في المكان ولعبت فيه مع الأطفال. فلم يتبقى على الطاولة سوى رحيل وعاصي.
قالت رحيل:
– ممكن سؤال؟
– لا.
– هي فين مامت ليلي؟ اللي هي أختك؟
– أعتقد دي أمور عائلية. مش من اختصاصك.
نظرت له رحيل بضيق شديد. يتحدث عن الأمور العائلية وهو من طلب منها أن تأتي. لِما جاءت إذا حتى يعاملها بهذه الطريقة مجدداً؟ أحس عاصي أن طريقته كانت سيئة نوعاً ما معها. إنه غاضب منها في كل الأحوال بسبب تصرفاتها العفوية ولكن لا يصح أن يتحدث معها هكذا. نظر إليها ليجد وجهها لا يفسر وتوقفت عن الأكل. تنهد بضيق وقال:
– مسافرة برا مصر.
نظرت له رحيل ونست طريقته منذ قليل وقالت:
– طيب وليلي مش معاها ليه؟ مسافره في شغل يعني؟
– أيوه.
– هي عندها أولاد غير ليلي؟
– لا. ليلي بنتها الوحيدة.
– وبابا ليلي فين؟
نظر لها عاصي بصمت فأحست هي أن سؤالها هذا لم يكن في محله. قالت:
– أنا أسفه. هو متوفي ولا إيه؟
– ممكن تقفلي السيرة دي بعد إذنك.
وقبل أن ترد عليه رحيل أوقفها صوت صراخ ليلي التي وقعت من أعلى اللعبة التي كانت عليها. انتفضت رحيل من مكانها ومعها عاصي وهرولوا إليها بسرعة.
رواية رحيل العاصي الفصل الثامن 8 - بقلم ميار خالد
وقبل أن ترد عليه رحيل، أوقفها صوت صراخ ليلي التي وقعت من أعلى اللعبة التي كانت عليها.
انتفضت رحيل من مكانها ومعها عاصي وهرولوا إليها بسرعة.
وصلت إليها رحيل وحملتها في أحضانها بسرعة. كانت ليلى تبكي بشدة وظهر جرح صغير في ركبتها، ليس عميقًا، نفس الجرح الذي يوجد أثره بنا حتى الآن من طفولتنا.
أمسك عاصي ساقها بحذر وصاح بها:
– لحد امتى هفضل أقولك خدي بالك من نفسك.
ولم يكمل جملته، لأن من صاحت به تلك المرة كانت رحيل وهي تقول:
– أنت شايف ده وقت مناسب للتهزيق بتاعك ده، لازم نروح بيها أي صيدلية تعقم جرحها ونضمدها.
– صيدلية إيه؟ أنا هاخدها المستشفى.
– الموضوع مش مستاهل، مش كده يا لولي؟
نظرت لها ليلى بدموع وقالت:
– لا، أنا ركبتي وجعاني أوي، عايزة أروح المستشفى.
– طيب يا حبيبتي، بطلي عياط الأول وهنروح الصيدلية، لو لقينا الموضوع كبير هنروح المستشفى، اتفقنا؟
– ماشي، خالوا عاصي شيلني، مش قادرة أمشي.
وقبل أن يتحرك عاصي، قالت رحيل بصرامة:
– لا يا خالو، خليك مكانك، ليلى قوية وهتقدر تمشي لحد العربية لوحدها، هي مش بعيدة.
قال عاصي:
– مش هتقدر تمشي، خليني أشيلها.
– شوية وشوية طيب، اتفقنا يا لولي، لازم نحرك رجلنا عشان الوجع يقل، ماشي؟
– بجد؟
– أيوه طبعاً، بصي جربي تمشي كده وتنسي أنها فيها تعويرة، هتلاقي الوجع راح خالص، تيجي نجرب نمشي شوية.
حركت ليلى رأسها بالإيجاب، وتحركت مع رحيل ببطء حتى كادت أن تتحرك بطبيعية وكأن لا يوجد جرح بقدمها.
نظر عاصي إليهم بدهشة كبيرة.
وهنا جاءت إحدى الأمهات والتي كانت تقف بجوارهم، وهي من التقطت ليلى حين سقطت. قالت له:
– مامتها صح؟ لازم تتصرف معاها كده، لازم تحسس الطفل من صغره أنه يقدر يعتمد على نفسه، مش من أي حاجة تكون أنت مصدر المساعدة، لازم يساعد نفسه. لو هي مكنتش عملت كده، كانت البنت كل ما تقع هتستناك تيجي تقومها، مش هتقوم نفسها بنفسها، كده هتبقى أقوى وقادرة تعتمد على نفسها أكتر.
نظر لها عاصي وابتسم ابتسامة مجاملة، ثم لحق بهم.
وعندما اقترب منهم، سمع رحيل تقول:
– شوفتي الوجع قل خالص إزاي؟
– شوية أيوه، بس لو خالو شالني كنت هبقى مرتاحة أكتر.
– افرضي خالو مش موجود؟ هنفضل قاعدين في الأرض كده مستنين أي حد يجي يقومنا ولا نساعد نفسنا إحنا ونقوم؟
– نساعد نفسنا ونقوم.
– شوفتي بقى إنك بنوته شطورة، أنا حبيتك أوي.
– وأنا كمان.
اقترب منهم عاصي وقال للفتاة:
– حاسة بإيه دلوقتي؟
– وجعاني بس مش أوي.
وفي تلك الأثناء، كان وصل الثلاثة أمام السيارة. وأخذ عاصي ليلى ومعه رحيل إلى أقرب صيدلية، وتم تضميد جرح ليلى البسيط.
ثم عادوا إلى السيارة مرة أخرى.
وهُنا وقفت رحيل وقالت:
– كده هستأذن أنا بقى، أنا فرحت أوي باليوم معاكي يا لولي، مع أنه مكملش وكان لسه في خطط كتير، بس مش مشكلة.
نظرت لها ليلى بخوف وقالت:
– هشوفك تاني؟
نزلت رحيل إلى قامتها وقالت:
– أكيد هتشوفيني تاني.
نظرت ليلى لعاصي وقالت:
– هتخليني أشوف رحيل تاني يا خالو؟
نظرت رحيل بقلق من ردة فعله، وجاءت لتتكلم، ولكنه اسكتها حين قال:
– أكيد، وقت ما تكوني عايزة تشوفيها قوليلي.
صفقت ليلى بفرحة وقفزت في مكانها، فتأوهت بألم بسبب الجرح الصغير بركبتها.
قالت رحيل:
– طيب أنا همشي، مع السلامة.
قال عاصي بسرعة:
– استني، أوصلك معانا.
– لا، أنا بيتي قريب أصلاً.
ابتسمت لها ليلى، ثم طلبت من عاصي أن يحملها، ثم مالت بجسدها على رحيل وقبلتها في وجنتها.
وفي تلك اللحظة، في مكانٍ ما بعيد عنهم بخطوات، التقط أحدهم صورة لهم بتلك الوضعية، ثم التقط لهم العديد من الصور معًا!!
تفاجأت رحيل من حركتها تلك، ولكنها ابتسمت بعفوية وردت القبلة لها، ثم استدارت ولوحت بيدها لهم وسارت في طريقها إلى بيتها وهي تحمد ربها في سرها أن يومها الأول في تلك الشركة قد مر بأقل الخسائر.
في المصحة النفسية.
وبعد أن انتهت من إحدى الجلسات، عادت بها الممرضة إلى غرفتها. دلفت إليها بصمت وجلست على سريرها ونامت مكانها دون أن تتحدث. قد اعتادت منها الممرضة على تلك الأفعال، لذلك خرجت من الغرفة بملل.
وعندما أحست أنها بمفردها في الغرفة، نهضت من مكانها وأخرجت تلك الرسائل المخبأة تحت سريرها. لا تعرف من يرسل إليها تلك الرسائل، ولكن كل ما تعرفه أنها ترى العالم من خلالها. تصل لها رسالة كل أسبوع من شخصها المجهول. كانت تلك الكلمات المكتوبة فيها بمثابة بوابتها للعالم الخارجي. كانت تنتظر تلك الورقة كل أسبوع بشدة، كانت الوسيلة الوحيدة التي تهون عليها مرارة ما تعيشه.
في إحدى المرات، كانت رسالتها عبارة عن وصف الربيع وكيف تبدو الزهور في هذا اليوم. برغم الحديقة التي كانت تجلس بها كل يوم، ولكنها لم تشعر للحظة برائحة الزهور إلا عندما قرأت تلك الرسالة. رويدًا رويدًا، بدأت حواسها في الاستجابة.
أخذت تقرأ في الرسائل القديمة مجددًا، كانت تهون على نفسها حتى تأتيها الرسالة الجديدة. قالت:
– مين بيبعت الرسايل دي؟ معقول يكون هو؟ طيب لو هو، إزاي بتوصل هنا؟ وليه هيبعتلي رسايل أصلاً؟ ما هو كل ما بيبقى عايز يجي يشوفني بيجي.
وفي تلك اللحظة، دق الطبيب شادي على الباب. فأخفت الرسائل بسرعة تحت وسادتها، ولكن هناك ورقة ظهرت لم تنتبه لها. وضعت الحجاب على رأسها بسرعة وظلت صامتة واعتدلت على سريرها. ففتح الآخر الباب بحذر، وعندما وجدها تجلس مكانها، دلف إلى الغرفة. قال:
– أخبارك إيه النهاردة؟
نظرت له بصمت، ثم أشاحت ببصرها عنه. قال شادي:
– طيب، أنتِ بتعاقبيني ليه؟ أنا ذنبي إيه؟
– ذنبك إنك واحد من اللي حابسيني هنا.
وقف شادي أمامها وظل صامتًا. فنظرت له بتساؤل، وعندها قال:
– لو تعرفي حقيقة اللي بعمله عشان أخرجك من هنا، صدقيني مش هتقولي كده.
– ليه؟ مش دي الحقيقة؟ بسببك أنت وعاصي أنا هنا.
– عاصي مش بيأذيكي، أيوة هو طريقته غلط، بس أنتِ متعرفيش هو عمل كل ده ليه.
– عشان يعاقبني ويعاقبها. استفاد إيه لما فرقنا كده وبقت هي في بلد وأنا في بلد؟ طب أنا هونت عليه، ماشي. هي هانت عليه؟
– أنتِ ليه مركزة على وجودك هنا ومش بتحاولي تركزي أنتِ هنا ليه؟ أنتِ هنا عشان تتخطي شعورك بالكره ده.
– أنا بكره اللي آذوني، وأنت واحد منهم!
– من وجهة نظرك، أنا آذيتك في إيه؟
– عشان عارف إني سليمة ومش محتاجة علاج، وبرضو مصمم تخليني هنا.
– أنتِ زي الفل فعلاً، وأنتِ مش موجودة هنا عشان أنتِ مريضة ولا فيكي حاجة. قولتلك خدي وجودك هنا فترة راحة ليكي، تقدري تقوي نفسك عشان تخرجي للعالم من تاني.
– فترة راحة بقالها خمس سنين!!
– أنتِ الوحيدة اللي في إيدك إنك تنهي المدة دي. عمومًا، أنا مش عايزك تتعبي أكتر، أنا هسيبك ترتاحي دلوقتي.
تحرك من مكانه وقبل أن يخرج من الغرفة، قال:
– عايزك تفتكري إني مش عدوك، ولو احتجتي مساعدة، فأنا أول شخص فكري فيه، وتأكدي إني هساعدك. المهم إنك تثقي فيا بس وتمسكي في إيدي لحد ما نوصل للبر. صدقيني، أنا مش عايز أكتر من كده.
نظرت له للحظات، ثم خرج شادي من الغرفة. وتنهدت هي بتعب. ووقتها لاحظت الورقة التي قد ظهرت من أسفل وسادتها، فحمدت ربها أن شادي لم يراها.
لا تنكر أنها ارتاحت لكلماته قليلاً، ولأول مرة سوف تجرب حظها وتثق في هذا الطبيب!! قالت:
– بكرة هحكيله على موضوع الرسايل، ولو هو صادق فعلاً هيساعدني أعرف مين اللي بيبعتهم.
***
– بس يا تيتا، بعدين رحيل أخدتني في حضنها جامد كده وأنا كنت عمالة أعيط.
قالتها ليلى بحماس وهي تحكي لحنان عن تلك الفتاة التي تدعي رحيل، وكانت تتحرك في كل مكان وقد نست وجع ركبتها نهائيًا. كان عاصي يجلس أمامها ويضع يده على وجنته بملل من كلامها عن بطلتها الخارقة التي كادت أن تنهي مسيرته المهنية قبل يوم فقط من هذا الكلام.
ابتسمت حنان وقالت:
– ده مين اللي عاملة كده في ليلى بس؟ مين رحيل دي يا عاصي؟
– دي واحدة بيني وبينها شغل.
– طب ما ليلى كانت بتروحلك على طول، مكنتش بتشوفها يعني؟ ولا هي لسه متعينة جديد؟
– لا، ده موضوع طويل.
– طب ما تحكي، في إيه مالك؟ إحنا كل فين وفين لما بنقعد بنتكلم كده أصلاً.
تنهد عاصي، ثم حكى لحنان عن قصة تلك الفتاة وكم المصائب التي فعلتها في يوم واحد فقط. وفي النهاية ضحكت حنان.
فقال الآخر بدهشة:
– أنتِ بتضحكي!! أنتِ متخيلة لو مكنتش أنا لحقت الموضوع كان هيحصل إيه أو كنت هخسر إيه؟
– بس ده ميمنعش أن البنت لذيذة أوي، ضحكتني والله.
– لذيذة آه، دي أنا مش فاهمها بجد، مش عارف إيه النموذج ده. في لحظة تحس أن عفويتها بتوديها في داهية، وفي لحظة تانية تحس أنها فاهمة وعاقلة وناضجة كفاية. وفي اللحظة اللي بعدها تلاقيها اتغابت تاني.
قالت حنان بضحك:
– ده واضح أن مش ليلى بس اللي رحيل قدرت أنها تلفت نظرها.
– هي لفتت نظري فعلاً، بس بالهبل والتمثيل اللي هي بتعمله ده.
– تمثيل إيه بس؟
– أصل مفيش حد كده بصراحة.
ضحكت حنان، ثم نهضت من مكانها وأخذت ليلى إلى غرفتها حتى تبدل لها ثيابها. ونهض الآخر حتى يتابع عمله بعد أن نفض رحيل عن رأسه.
***
وفي طريق رحيل إلى البيت، شعرت بشعور غريب وكأن شخصًا ما يتبعها. وعندما اقتربت من المنزل، سمعت صوته خلفها وهو يقول:
– برضو مش ناويه تبعدي عنهم؟
التفتت رحيل بسرعة لتجد حازم أمامها وينظر إليها بغضب كعادته معها. قالت:
– أنت بتعمل إيه هنا؟
– ردي عليا، أنا مش حذرتك قبل كده وأنتِ عامله نفسك جدعة أوي ومش عايزة تسيبي البيت ده برضو.
– ده بيتي، أنت اتجننت؟
– لا مش بيتك، أنتِ دخيلة في البيت ده، وطول ما أنتِ فيه أبويا هيرفض أنه يدخله حتى.
– ليه كل ده؟
– بتسألي أكنك مش عارفه، أنتِ السبب في كل حاجة بتحصل بسبب أبوكي زمان اللي نصب على أبويا في فلوس الأرض، وبسببك دلوقتي عشان كل ما أجرب أفتح مع أهلي الموضوع يتقفل أول ما تيجي سيرة أبوكي وسيرتك.
– ده كان سوء تفاهم حصل زمان، ومعنى أن أهلك مش عايزين ينسوا ده مش ذنبي.
قالتها بصراحة والتفتت حتى تتحرك من مكانها، ولكنه أمسكها من ذراعها بقوة وأحكم قبضته عليها وقال:
– أنا هحذرك لأخر مرة يا رحيل، ابعدي عن داليا والبيت ده. اعتمدي على نفسك، سافري، اعملي أي حاجة، المهم تبعدي عنهم. وياريت لو تستقلي مادياً، كفاية كل المصاريف اللي بتاخديها كل السنين دي.
سحبت رحيل يدها بقوة وقالت بحده شديدة:
– لما تكون بتصرف عليا من فلوسك، أبقى اتكلم. بطل تحشر نفسك في اللي ملكش فيه.
– كل ده داليا فاكرة أن المشكلة في عيلتي أنا. أنا مش عايز أقولها إنك السبب، هي مش ناقصة، هي بتكرهك لوحدها أصلاً. أخرجي من حياتنا بقى، لآخر مرة هقولهالك.
نظرت له رحيل بتحدي وجفونها لم ترمش قط. رحل الآخر بضيق وتركها، وما أن التفتت حتى تبدلت نظراتها إلى الضعف والوهن.
فكرت في كلماته كثيرًا وهي تصعد إلى بيتها، حتى وصلت إلى باب الشقة بعدم تركيز. دقت على الباب بخفة، وبعد ثوانٍ فتحت لها داليا. قالت بصوت خفيض:
– مش هتتخيلي إيه اللي حصل من شوية.
لم تنتبه رحيل إلى كلماتها ودخلت إلى المنزل واتجهت إلى غرفتها بدون أن تتحدث مع أي شخص. نظرت لها داليا بتعجب ولحقت بها. وعندما دخلت، وجدت رحيل تجلس على سريرها بصمت. فقالت الأخرى:
– قوليلي، عملتي إيه النهاردة في الشركة؟
– أنا لازم أمشي.
قالتها رحيل بصوت خفيض. فقالت داليا بعدم فهم:
– بتقولي إيه؟ علي صوتك.
– بقولك لازم أمشي.
– تمشي تروحي فين؟ عندك مشوار تاني يعني؟
– لا، لازم أمشي وأسيب البيت ده.
– نعم؟!!
رواية رحيل العاصي الفصل التاسع 9 - بقلم ميار خالد
نعم؟!! إيه اللي أنتِ بتقوليه ده
أهدي بس واسمعيني
أنتِ لسه زعلانه مني طيب إحنا مش قولنا هنبدأ صفحه جديدة
أيوة والله وزي ما إحنا .. بس ده أحسن لينا
إيه اللي اتغير مش فاهمه عايزه تمشي ليه
لازم أعتمد على نفسي يا داليا
لا أنتِ تكلمي بابا في الموضوع ده بقى أنا مليش دعوة
ثم خرجت من غرفتها بسرعه واتجهت إلى غرفة بدر وأخبرته بما تقوله رحيل فانتفض الآخر من مكانه وتحرك مع داليا إلى رحيل، دلف إلى غرفتها وقال:
في إيه يا بنتي إيه الكلام اللي بتقوله داليا ده
ضحكت رحيل وقالت:
مش شايف أنه جه وقته أعتمد على نفسي بقى
وقبل أن يرد بدر قالت أمينه التي كانت تسمعهم:
عين العقل يا بنتي صح ما ده اللي كنت بقولك عليه .. إنك تبطلي المقالب بتاعتك دي والهزار والضحك مش كنت دايمًا أقولك لازم تتحملي المسؤولية شوية
قالت رحيل:
هعمل اللي أنتم عايزينه ومن النهاردة مش هيكون فيه لا مقالب ولا هزار ولا ضحك .. أنا بس عيشت يومين حلوين كنت برتاح فيهم عن كل اللي شوفته وكل المسؤولية اللي كانت عليا في سن صغير
اختفت الابتسامة عن وجه أمينه عندما قالت رحيل تلك الجملة وقالت:
إيه لازمة الكلام ده دلوقتي يا بنتي أنا مكنش قصدي كده بكلامي والله
عارفه يا ماما بس أنا شايفه إن كده أحسن
قال بدر بصرامه:
داليا!! أنتِ قولتي لأختك حاجه عشان تتكلم كده
وقبل أن ترد داليا قالت رحيل:
لا داليا مقالتش حاجه وملهاش ذنب
قال بدر بغضب:
اومال إيه اللي قلب دماغك فجأة كده .. معندناش بنات تعيش لوحدها طول ما أنا عايش أنتِ هتفضلي في البيت ده ومش هتخرجي منه لما أبقى أموت أبقي قولي عايزه استقر واخد بيت لوحدي
بعد الشر عليك يا بابا بس..
كلامي واضح ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني مفهوم
ثم خرج من الغرفة ولم يسمح لرحيل أن تتكلم، ثم خرجت أمينه أيضًا واتجهت إلى المطبخ، جلست داليا بجانب رحيل وقالت:
في إيه يا رحيل فهميني
مفيش حاجه صدقيني
لا في حاجه .. حد قالك حاجه طيب
نظرت لها رحيل للحظات وصمتت فتأكدت داليا أن هناك شيء ما حدث معها، قالت:
مش إحنا أتفقنا أننا هنفتح صفحه جديده يعني مش هنخبي حاجه على بعض صح يبقى احكيلي
تنهدت رحيل بضيق ثم قالت:
أنا عملت كل ده عشانك
عشاني ازاي؟
عشان تتجوزي أنتِ وحازم
نظرت لها داليا بدهشه فتابعت الأخرى:
أنا عارفه إني طول ما أنا هنا حازم مش هيقدر يجيب أهله ويجي
وميقدرش ليه يعني
بسبب المشكلة اللي أنتِ عرفاها بتاعت الأرض
صمتت داليا للحظات ثم قالت بشك:
هو حازم كلمك في حاجه؟
لم ترد عليها رحيل فكررت الأخرى سؤالها حتى قالت رحيل:
أيوة قبل ما اطلع البيت شوفته تحت واتكلم معايا على الموضوع ده
وهو يتكلم معاكي ليه أصلاً أنا فهمته كل حاجه
ماشي يا داليا هو عمل كده عشان يقربلك أنا عارفه أنه بيحبك
لا كده أنانيه منه مش حب أنا مش عايزاكي تحطي كلامه ده في دماغك أتفقنا
خلاص أنسي .. قوليلي ماما عاملة اكل ايه
ضحكت داليا وحدثت رحيل بمرح وفرحت الأخرى كثيراً بسبب هذا التغيير في داليا وارتاح قلبها وعقلها لهذا الموضوع..
في اليوم التالي..
استيقظت رحيل بتعب وبدلت ثيابها على عجله لأنها قد تأخرت كثيراً، ارتدت ملابس عصرية مكونه من سويت شيرت رقيق ومريح ذو لون سكري و بنطلون من الچينس فضفاض نوعاً ما ووضعت بعض اللمسات الصغيرة على وجهها مثل ملمع الشفاه والكحل وقد أعطي هذا شكل وجهها المميز مظهر ساحر كعادتها، خرجت من الغرفة بسرعه وجهزت علبة طعامها وأخذت علاجها وخرجت من البيت واتجهت إلى الشركة لتجد عاصي في مكتبه، دقت على الباب ودخلت بعفوية وقالت:
أنا آسفة جداً على التأخير بجد
ابتسم لها عاصي وقال:
محصلش حاجه اتفضل
نظرت له رحيل بتعجب شديد ورفعت حاجبيها بدهشه ثم قالت:
بجد؟
أيوة اتفضلي
تحركت رحيل بدهشه من مكانها وجلست أمامه بصمت، ترك الآخر ما بيده وقال:
أنا عايز أشكرك جداً على امبارح أنتِ مكنتيش مجبره إنك تعملي كل ده بس كون أنك عملتي كده عشان ليلى ده أنا احترمته جداً
ابتسمت رحيل وقالت:
طب ما أنت طلعت بتضحك أهو زي البشر
ابتسم عاصي فأكملت:
بجد مش محتاج تشكرني ولا حاجه أنا كمان انبسطت جداً
وعشان كده أنا قررت حاجه لازم تعرفيها
هي إيه؟
أمسك عاصي الأوراق التي كانت أمامه مره أخرى ومد يده بها إلى رحيل وقال:
دي أوراق الصفقة أنا مضيتها واسمكم التجاري هيكون معانا في المول بأذن الله طبعاً باقي التفاصيل بتاعت تجهيز المكان والتكاليف المحامي هيهتم بيه
نظرت له رحيل بصدمه كبيره وقالت:
لأااا .. ده بجد !!
أيوة مالك
بس أنت قولت عشر أيام وأنك مش هتسامحني بالساهل كده
دي حقيقة بس أنتِ قدمتيلي خدمه واعتبري الصفقة دي رد الجميل ليكي
ابتسمت رحيل بشدة وفرحت كثيراً أنها لم تخسر ثقة عمها وقالت:
أنا بجد مش عارفه أشكرك إزاي أنت مش متخيل الصفقة دي كانت مهمه عندي إزاي
عندي فضول أعرف ليه وافقتي من البداية على كل ده
ده موضوع كبير استني احكيلك
وبعد أن قالت تلك الجملة أخرجت علبة الطعام من حقيبتها وجلست براحه أكثر وكأنها في بيتها وقالت:
بص يا سيدي الصفقة دي كانت مهمه جداً لعمي عشان كده هو خلاني أنا اللي مسؤولة عن كل حاجه فيها ولما أنت…..
كانت رحيل تتكلم بعفوية وينظر لها عاصي بدهشة كبيرة وأثناء حديثها مدت يدها له بعلبة الطعام وقالت:
اتفضل الأكل طعمه تحفه
قال عاصي بسرعه:
شكراً مش عايز
اللي يريحك .. متستغربش أني دايمًا معايا علبة أكل أنا غصب عني لازم أمشي على النظام الغذائي بتاعي وأكل عشان أخد العلاج بتاعي
علاج إيه؟
حديد ومكملات غذائية على فيتامينات كده
أومأ عاصي برأسه ثم قال:
تمام تقدري تطمني عمك بقى خلاص يعتبر مبقاش فيه داعي أنك تيجي الشركة كل شوية
توقفت رحيل عن مضغ الطعام في فمها ثم ابتلعته وقالت:
بجد؟
أيوة خلاص
يا خسارة
خسارة إيه؟
ملحقتش أعمل فيك المقالب اللي كانت في دماغي
نعم؟!!
ده أنا كنت محضره ليك حاجات كتير كنت هتسلى والله يا خسارة
طب الحمدلله أني لحقت نفسي
ضحكت رحيل بصوتٍ عالي نوعاً ما فابتسم الآخر رغماً عنه، نهضت الأخرى من مكانها وامسكت حقيبتها بعد أن وضعت علبة الطعام بها ثم مدت يدها إلى عاصي وقالت:
أنا اتشرفت جداً بيك يا أستاذ عاصي وبأذن الله المشروع ده يكون خير علينا وعليك
رفع عاصي حاجبيه بأعجاب وقال:
إيه العقل ده
ضحكت رحيل فمد الاخر يده وصافحها مع ابتسامة صغيرة ثم خرجت رحيل من المكتب ومعها أوراق الصفقة حتى تعرضها على عمها وبعد أن خرجت دلف رامي الى المكتب، اعطي عاصي بعض الأوراق ثم قال:
غريبة آنسة رحيل مشت بسرعه
أيوه أنا وافقت على المشروع خلاص ملهوش داعي أنها تيجي تاني
ده تاني يوم ليها ؟! هي لحقت
للأسف قدمتلي خدمه عشان كده كان لازم اردهالها
أعتقد ليلى هتزعل أوي لو عرفت أنها خلاص مشت
عندك حق بس هو ده الصح
أومأ رامي برأسه ثم خرج من المكتب وذهب ليتابع عمله، خرجت رحيل من الشركة ووقفت تحتها للحظات ونظرت للملف بفرحه وقبل أن تتحرك أحست بقبضة قوية تمسك بذراعها، التفتت بفزع لتجد حازم أمامها، صاح بها:
أنتِ عملتي إيه !
عملت إيه في إيه مش فاهمه
أنتِ قولتي إيه لداليا ؟
مش فاهمه حاجه منك وسيب أيدي
اومال هي عملت كده ليه؟!!
فلاش باك..
وبعد خروج رحيل من البيت، دلفت داليا إلى غرفتها وأغلقت على نفسها وامسكت هاتفها وطلبت رقم حازم وبعد لحظات رد عليها فقالت:
الو إيه يا حازم
وكان الآخر مازال نائماً فقال بصوت يغلبه النعاس:
إيه يا حبيبي صباح الخير
مينفعش اللي أنت بتعمله ده على فكرة
اعتدل في جلسته وقال:
إيه الكلام ده في إيه ؟
في إنك مينفعش تكلم رحيل أختي كده يا حازم حتى لو كان عشان علاقتنا
رحيل وأختي؟؟ أنتِ كويسة ولا فيكي حاجه مش دي اللي مكنتيش طايقاها
أنا كنت غلط وفاهمه كل حاجه حواليا بطفوله وانانيه وأنا وهي اتصافينا خلاص بس ده برضو مش مبرر يخليك تعمل كده وتقولها كده
قال حازم بقلق:
هي قالتلك إيه بالظبط
قالت اللي حصل وخلاص أنا مكنتش متخيله إنك بالأنانية دي بجد حتى يا سيدي لو بيني وبينها مشكله تروح تقولها كده وتخليها كانت عايزه تسيب البيت وتمشي
مش ده اللي أنتِ كنتِ عايزاه غير كده لازم تعرفي أنها طول ما هي موجودة في عيلتكم مش هعرف أجيب أهلي واجي
لو أنت اناني أنا مش أنانيه زيك ومش هقدر اجي على حقها عشان نفسي أنت صدمتني فيك بجد
طيب ممكن تهدي ونتقابل في أي مكان نشوف الموضوع ده
لا .. صدقني لو شوفتك دلوقتي هقول كلام هيضايقك مني جداً سيب كل حاجه للنصيب بقى
أفهم من كده إيه يعني
أنا مضطرة أقفل سلام
ثم أنهت المكالمة بسرعه قبل أن يقول حازم أي شيء وجلست تبكي مكانها..
باك..
قالت رحيل وهي تسحب ذراعها بقوة من قبضته:
هي سألتني وأنا قولتلها اللي حصل أما أنت خايف كده هددتني ليه من الأول
وفي تلك الأثناء في مكتب عاصي قد ضاق صدره قليلاً فنهض من مكانه واتجه إلى النافذة الموجودة في مكتبه واغمض عينيه ثم استنشق نفساً عم عميقاً، ولكن لفت سمعه صوت صياح خفيض يأتي من أسفل شركته ففتح عينيه ليجد شخصاً ما يمسك ذراع رحيل بعنف وهي تصيح بوجهه بدون خوف، انتفض قلبه للحظه ولكنه لم يريد أن يتدخل في حياتها الشخصية وظل يتابع ما يحدث بهدوء حتى لاحظ أن المنافسة تزداد عنفاً وحده! لذلك تحرك من مكانه وقرر أن يرى ماذا يحدث في الاسفل ..
في المصحة النفسية..
ولأول مره تتطلب فيها سلمي أن ترى الطبيب شادي، عندما جاءت إليه الممرضة وأخبرته لم يصدق نفسه للحظات ولكنه نهض من مكانه بأمل وسعادة واتجه إلى غرفتها، دق على الباب ودخل ليجدها تجلس على سريرها وبجانبها أوراق كثيرة، التفتت إليه وقالت:
كويس أنك جيت
أول ما قالولي أنك بنفسك طلبتي تشوفيني استغربت
دلف إلى الداخل وجلس أمامها على إحدى المقاعد وقال:
اتكلمي سامعك
صمتت للحظات وظلت تفرك يدها بتوتر ثم قالت:
أنت ممكن تساعدني صح؟
طبعاً
يعني لو طلبت منك أي حاجه هتساعدني
أي حاجه غير إني أخرجك من هنا عشان الموضوع ده مش بأيدي
أيوة عارفه
عايزاني أساعدك في إيه؟
أمسكت الرسائل الكثيرة التي كانت على فراشها وقالت لشادي:
عايزه أعرف مين اللي بيبعت دول
إيه دول؟
ثم امسكهم بتساؤل ليجدهم رسائل من شخصها المجهول، قالت:
دي رسائل بتجيلي كل أسبوع .. عايزه أعرف مين اللي بيبعتهم
بتجيلك إزاي يعني وإزاي بتوصلك لحد هنا أصلاً
مش عارفه أنا بلاقيهم يا إما على سريري أو تحت الباب
أنا لازم اشوف الموضوع ده
نهض من مكانه وقبل أن يتحرك أمسكت هي بيده وقالت:
دي أول مره بعد فتره أجرب أثق في حد تاني بلاش تخليني أندم
عاد شادي إلى مكانه مرة أخرى وصمت فقالت:
الرسائل دي مأذتنيش في حاجه بالعكس أنا كنت بفرح أوي أول ما توصلي رساله منهم دول بنسبالي بوابه تانية بشوف بيها العالم
كملي
أنا عايزه أعرف مين اللي بيبعت الرسايل دي بس تقدر تساعدني
أكيد .. أوعدك إني هقولك بعد فتره صغيرة من اللي بيبعتهم
ممكن ده يفضل سر
أكيد برضو .. وشكراً جداً إنك وثقتي في
نظرت له الأخرى بقلق وصمتت..
في كندا..
لسه برضو عند قرارك في الرجوع لمصر
أيوه .. أنا عايزه اشوف أخر اللي بيحصل ده إيه
بلاش تقولي كده أنتِ عارفه أنها بتحبك جداً بس ما يمكن كلامك مش بيوصلها
مع إني سبت رقم موبايلي في رسالة منهم مفكرتش تتصل بيا ولا مره
متعرفيش اللي هي فيه ما يمكن..
وأثناء حديثهم هذا صدع هاتف أحدهم رنيناً، أمسكت فريدة الهاتف وقالت:
ده رقم من مصر!!
مين؟
مش عارفه شوفي مين
أمسكت الهاتف منها وفتحت المكالمة بقلق وتوتر وعندما أتاها هذا الصوت المرتجف اتسعت عيونها بصدمة!!
رواية رحيل العاصي الفصل العاشر 10 - بقلم ميار خالد
ظل يتابع ما يحدث بهدوء حتى لاحظ أن المنافسة تزداد عنفاً وحده.
لذلك تحرك من مكانه وقرر أن يرى ماذا يحدث في الأسفل.
ضغط حازم على ذراع رحيل بقسوة وغضب فصرخت الأخرى رغماً عنها ودفعته بعيداً عنها، ولكن بدون فائدة.
قال لها بنبرة تهديد:
– أقسم بالله يا رحيل لو ما حليتي الموضوع ده وخليتي داليا ترجع زي ما كانت لعيشك أيام سودة.
قالت رحيل بدون خوف:
– وأنت فاكر أني هسمح أن داليا تبقى مع واحد مريض زيك.
قال حازم بغضب مكتوم:
– أحنا في الشارع أنا مش عايز أعمل رد فعل وحش.
– أعمل اللي تعمله وداليا كويس أنها عملت كده وأنا لما أروح هقولها إنك شخص أناني ومتستاهلش أنها تبقي معاك أصلاً.
نظر لها حازم بغضب كبير.
وفي تلك الأثناء وصلت عاصي أمام الشركة.
وأثناء ما كان يتحرك باتجاههم فعل حازم رد فعل عنيف تجاه رحيل، وهو أنه قد لوى ذراعها خلف ظهرها فصرخت الأخرى بألم.
ركض عاصي نحوهم بسرعة ودفع حازم بقوة فترك ذراع رحيل فأمسكته بألم شديد.
صاح به عاصي بغضب:
– أنت اتجننت!! إيه اللي بيحصل هنا.
تجاهل عاصي وجاء ليتقرب منها مرة أخرى، ولكن الآخر امسكه من ملابسه بقوة حتى يمنعه.
وفي تلك الأثناء في جهة مخفيه عنهم تم التقاط صورة لعاصي بتلك الوضعية وبسرعة.
قال حازم:
– دي أمور عائلية ياريت متدخلش.
ولأن عاصي لا يعرف أي شيء عن رحيل أو حياتها تركه ونظر إليها فوجدها تبكي بألم.
وعندما نظر إليها قالت:
– ده كداب مفيش أي أمور عائلية ده واحد بيهددني.
نظر إليه عاصي وقال بهدوء:
– واضح إنك متعرفش يعني إيه أخلاق واحترام فياريت تتعامل بتحضر أكتر من كده ويا أما ندخل ونتكلم بهدوء ونوصل لحل يا أما تتفضل ومش عايز اللي حصل ده يتكرر تاني قدام شركتين.
نظر له حازم بسخرية واستخفاف ثم قال محدثاً رحيل:
– أنا كنت واضح معاكي .. قرري واختاري بس متندميش.
ثم تركهم ورحل.
التفت عاصي فوجد رحيل تمسح دموعها بعد أن أصاب الاحمرار عينيها.
قال:
– ممكن تهدي وتفهميني في إيه.
– مش قادره أتكلم معلش عايزه أمشي.
– أكيد مش هتمشي بالحالة دي هوصلك يلا.
– مفيش داعي أنا..
– خلاص بقى قولتلك هوصلك مش عايز جدال .. اتفضلي.
تحركت رحيل معه واستقلت السيارة بجواره وتم التقاط صورة أخرى لهم.
قالت له عنوانها فتحرك بسيارته إلى وجهتها.
وأثناء الطريق لم تتمكن رحيل من حبس دموعها أكثر فبكت بصمت رغماً عنها حتى توقف عاصي فجأة وقال:
– ممكن تفهميني في إيه أنا آسف إني بتدخل في خصوصياتك بس إحنا دلوقتي شركاء.
مسحت رحيل دموعها وقالت:
– دي حكاية طويلة جداً وزي ما هو قال مشكله عائلية.
– بس أنتِ نكرتي ده قدامه .. رحيل اتكلمي ومتخافيش لو الشخص ده بيهددك بحاجه اتكلمي معايا وأنا هعرف أتصرف معاه.
زفرت رحيل بضيق وامسكت رأسها بألم وأحست وكأن الهواء قد اختفى من حولها فظلت تتنفس بصوت عالي ولكن بدون فائدة حتى قالت:
– أنا أسفه ممكن توصلني في أي مكان غير البيت .. محتاجه أهدى شوية عشان لو روحت كده هتسأل مليون سؤال وأنا مش قادره اجاوب.
– تحبي نقعد في مكان ونتكلم طيب.
– أي حاجه.
وبعدها تحرك عاصي بسيارته واتجه بهم إلى أحد الأماكن المفضلة إليه.
***
أمسكت الهاتف منها وفتحت المكالمة بقلق وتوتر وعندما أتاها هذا الصوت المرتجف اتسعت عيونها بصدمة.
ثم نظرت إلى فريدة بسرعة وتركت لها الهاتف حتى ترد.
أمسكت فريدة الهاتف وردت عليه فأتاها صوت حنان أختها:
– الو .. مش بتردي عليا ليه يا مريم.
– أنا فريدة.
– هي اديتك الموبايل صح.
– عاصي عارف إنك اتصلتي.
– ملكيش دعوة بعاصي دلوقتي أنا بكلمك .. للدرجادي بقت كارهه كل حاجه تخصنا حتى أنا.
– مش كده والله بس أنتِ عارفه المشاكل اللي ممكن تحصل لو عاصي عرف إنك اتصلتي وكلمتيها عشان كده هي اديتني الموبايل.
– مش هي اللي سايبه رقمها في رسالة من اللي بتبعتهم ليا .. يعني خلاص مبقتش خايفة من عاصي ليه بقى مش عايزه ترجع قوليلها أن أمها مش مسمحاها.
– يا حنان بلاش الكلام ده بالله عليكِ ما أنتِ عارفه الوضع اللي إحنا فيه كلنا في وضع صعب.
– طب وبنتها مسألتش عليها ولا مرة.
نظرت فريدة إلى الواقفة أمامها وقالت:
– ليلى عاملة إيه.
نظرت لها الأخرى وترقرقت الدموع في عينيها ثم اشاحت بنظرها عنها.
قالت حنان:
– كويسة بس ناقصها أن تكون مامتها معاها.
– أنتِ عارفه أنه حل الموضوع ده في أيد عاصي مش في أيدينا.
– وأنتِ عارفه أن عاصي مش بيسمع كلام حد وأنه ماشي بدماغه.
– أنا مش عايزاكي تقلقي قريب اوي كل ده هيخلص.
– بجد يا فريدة .. أنا عايزه مريم تكون قوية كده وترجع وتقف في وش عاصي وترفض قراره أنه يبعدها عننا وعن بنتها كده .. أنا عارفه أنه ذنب مريم كبير والحادثة اللي عملتها زمان في ليلى مستحيل عاصي ينساه بس أنا عندي أمل أن كل ده يتحل.
– صدقيني كل حاجه قربت تخلص اطمني.
وبعدها أغلقت معها المكالمة وذهبت الأخرى إلى غرفتها بسرعة بدون أن تتحدث معها.
***
وصل عاصي مع رحيل إلى أحد الأماكن الهادئة والبسيطة المطلة على النيل.
ترجل الاثنان من السيارة ودلفا إلى المكان ورحب العمال الموجودين به بعاصي ومن معه.
جلست رحيل أمامه واغمضت عينيها فضربت نسمات هواء فبراير الباردة وجهها فداعبت أنفها قليلاً.
طلب عاصي لهم فنجانين من القهوة وظل يتأملها بتوتر نوعاً ما وينظر إليها قليلاً ثم يبعد عيونه عنها خوفاً منه أن تفتح عيونها بأي لحظة وتراه يتأملها بعيونه تلك التي تلمع بشدة.
تنهدت رحيل بحرارة وفتحت عيونها فوجدته ينظر للقهوة أمامه بصمت فقالت:
– شكراً.
– على إيه.
– مش عارفه بس شكراً.
– ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل معاك.
تنهدت رحيل ثم قالت:
– صدقني مفيش حاجه .. اللي شوفته ده اسمه حازم.
– خطيبك.
– لا طبعاً .. هو وأختي مرتبطين.
– بيهددك ليه.
– عشان بسببي مش عارفين يكونوا سوا.
– مش فاهم.
وقبل أن تتكلم قاطعهم مجئ طفل صغير يبيع بعض المناديل وقال:
– مناديل يا بيه.
نظر عاصي للطفل بجفاء وقال:
– شكراً مش عايز اتفضل.
نظرت له رحيل بعيون متسعة وتعجبت من رد فعله القاسي اتجاه الطفل الصغير وقالت:
– استني أنا عايزه مناديل.
نظر لها الطفل بعيون تلمع ومد يده لها بعلبة مناديل واحده فقالت:
– لا عايزه تلاته.
قال الطفل بحماس:
– بجد اتفضلي.
أخذتهم منه رحيل وأعطته أكثر من حقهم فقال الطفل:
– أنا مش معايا فكه بس خليكي هنا شوية هروح افك وهرجعلك الباقي بسرعة.
– مش مشكله خليهم معاك.
– بس دول كتير.
ابتسمت له رحيل بلطف فابتسم لها الطفل وتحرك من مكانه بفرحة كبيرة وتنهدت هي براحه.
نظر لها عاصي بتعجب فقالت رحيل:
– إيه اللي أنت عملت ده .. إزاي تعامله بقلة ذوق كده.
– معلش بقى سيبتلك الذوق كله.
– ممكن تبطل تبقى وقح معايا.
– مش واخده بالك أنك بقيتي جريئة زياده عن اللزوم في كلامك معايا.
– ما علينا برضو مكنش ينفع تتعامل مع طفل كده.
– المفروض ده اللي يحصل الناس دول بالذات لو ادتيهم وش هيستغلوكي.
– بس ده طفل صغير !!.
– الطفل الصغير بكره يكبر ويتعلم الخداع والاستغلال .. هي الناس دي كده.
– تقصد إيه بالناس دي. الفقر مش عيب على فكره.
– عندك حق مش عيب لكن العيب في الناس .. كل الطبقة دي استغلاليه ما بيصدقوا يمسكوا في أي حاجه تخرجهم من المستنقع ده وحتى لما بيخرجوا بيستمروا في استغلال كل اللي حواليهم لحد ما بيقضوا عليهم وعلى نفسهم .. طمع.
– صوابع إيدك مش زي بعضها.
– طول ما أنتِ معشتيش حياتهم يبقى بلاش تدافعي عنهم كده أنتِ متعرفيش حاجه.
توقفت رحيل عند هذه الجملة قليلاً وسرحت بذاكرتها فتذكرت سنواتها المظلمة في هذا المستنقع.
تذكرت نظرة الحسرة في عيونها وخصوصاً في الأعياد عندما كانت تتمنى أن تتألق بفستان جديد مثل أصدقائها.
تذكرت الأيام التي كانت تنامهم بدون طعام.
تذكرت كل ما عاشته في تلك السنوات ومعاناة أهلها، ولكنها لم تشعر بالأسى بل شعرت بالاشتياق فبرغم تلك الأيام كانت تعيش وسط عائلتها، كانت مدللة أبيها وصغيرة أمها.
على الأقل كانت تصحو وتنام على صوتها، برغم فقرها كانت تشعر وكأنها تملك كنوز العالم، فقط عندما كانوا معها.
لاحظ عاصي شرودها هذا وقطرات الدموع التي بدأت تتجمع في عيونها فحرك يديه أمام عينيها فانتبهت إليه.
قال:
– روحتي فين.
– عندك حق معرفش حاجه أبداً.
– مش فاهم بتتكلمي علي إيه.
– أنت بتقول أني طول ما أنا معشتش حياتهم يبقى مدافعهم عنهم وبتقول أني معرفش حاجه .. معرفش احساس الخوف والقلق من بكره يا عالم بكره كمان هنام من غير عشا ولا لا .. معرفش إحساس القهرة وأنا ببص على هدوم هموت واجيبها زي البنات وأفرح بيها .. معرفش إحساس الضيقة وأنا بحط الجنيه على الجنيه عشان يادوب يكفي مواصلاتي .. معرفش أي حاجه عندك حق.
نظر لها عاصي بعيون متسعة وقال:
– مش فاهم كلامك ده غرضه إيه.
– ولا حاجه أنسى .. بس أنت ليه بتقول عليهم كده مش فاهمه هما مأذوكش في حاجه.
انزلقت جملة عن لسان عاصي بعفوية فقال:
– أنا محدش آذاني قدهم.
قالت رحيل:
– يعني إيه.
– ولا حاجه .. لو معندكيش حاجه تقوليها بقول نمشي أحسن.
أومأت رحيل برأسها ثم نهض الأثنان.
أوصل عاصي رحيل إلى بيتها.
وقبل أن تترجل من السيارة قالت:
– شكراً على وقتك اللي اديتهولي أنا عارفه إن وقتك غالي عندك.
– كويس أنك عارفه.
مد يده إليها وقال:
– ممكن تكون أخر مره نشوف بعض واتمني تكون أخر مره فعلاً.
ابتسمت رحيل بهدوء وقالت:
– للدرجادي عملتلك إزعاج.
صمت عاصي فقالت الأخرى بابتسامه:
– عموماً متقلقش هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تكون دي أخر مره تشوف فيها الوش ده.
قالتها بابتسامه ونظرت له للحظات ثم ترجلت من السيارة وصعدت إلى بيتها وحرك الآخر سيارته وعاد إلى عمله.
وعندما قالت رحيل لعمها عن المشروع شعر بسعادة كبيرة وظل يطالعها بفخر أنها لم تخذله وطلب منها أن تأتي معه مخصوص غداً ليرى عاصي ويتحدث معه بخصوص هذا المشروع.
وقد فرحت رحيل لوهله أنها سوف تعود إلى الشركة مرة أخرى.
***
وعندما حل المساء.
شعرت سلمي وهي على سريرها بحركة أمام غرفتها التفتت لترى الرسالة التي أصبحت أمام الباب.
نهضت من مكانها بحماس كبير وامسكت الرسالة بسرعة حاولت فتح الباب ولكنه كالعادة مغلق عليها.
اتجهت إلى سريرها وفتحت الرسالة وقرأت ما بداخلها وكان محتوى الرسالة تلك المرة هو وصف لشتاء فبراير والبحر والسماء والرائحة المميزة للهواء حتى استطاعت هي أن تشعر بكل تلك الكلمات.
ابتسمت واحتفظت بالرسالة مع اخواتها ونامت بسعادة.
في غرفة الطبيب شادي، كان يجلس على مكتبه يفكر بطريقة حتى يساعد بها تلك الفتاة.
لا يعرف لماذا هي تحديداً يريد أن يخرجها من هذا العالم المظلم.
أنه طبيب للكثير من الحالات ولكن بالنسبة لقلبه هو طبيب سلمي فقط.
زفر بضيق ثم دق أحدهم على الباب فقال:
– اتفضل.
هنا فتحت الباب إحدى الأطباء التي تعمل معه وخطيبته بنفس الوقت وتدعى فاطمة.
قالت له:
– فاضي نتكلم شوية.
– أكيد تعالي.
دلفت فاطمه وجلست أمامه ثم قالت بغضب مكتوم:
– أنا عايزه أفهم سلمي كل ده في المصحة ليه هي كويسة عندها شوية مشاكل نفسية بس مشاكل تتحل بدكتور نفسي مش مصحه.
– أنا عارف.
– طيب ليه هي هنا.
– أنتِ عارفه أنه عشان عاصي.
– بس دي جريمة في حق البنت يعني إيه يفضل حابسها خمس سنين.
– طيب وهي في الخمس سنين دول حاولت تعترض ولا تفكر صح عشان تخرج من هنا.
– يعني إيه.
– يعني مفتاح خروجها في أيديها إحنا مش طالبين منها غير أنها تفكر صح وتعيد حساباتها وترجع للحياة بقلب جامد بدل ما هي منهزمة وكل تفكيرها غلط كده.
نظرت له فاطمه بضيق وصمتت.
فقال الآخر:
– مالك في إيه.
– سلمي لسه هنا عشان عاصي ولا عشان أنت عايزها هنا.
– لا وضحي كلامك.
– أنت فاكر إني مش واخده بالي من اهتمامك بيها.
– ده طبيعي عشان هي من المرضى بتوعي.
– لا يا شادي الموضوع مش كده .. سلمي بنسبالك مش مجرد مريضة.
– فاطمه أنا تعبان ومش قادر أتكلم في كل ده حقيقي.
– كنت عارفه أنك هتقول كده .. ماشي يا شادي.
ثم خرجت من الغرفة بعصبية وتركت الآخر يزفر بضيق.
وقفت في إحدى الزوايا في المستشفى تفكر بشيء ما ومر اليوم وسط أفكارها المتراكمة.
وفي اليوم التالي وما أن سطعت الشمس اتجهت إلى غرفة سلمي ودقت على بابها ثم فتحت الباب بالمفتاح ودلفت إلى الغرفة فاعتدلت الأخرى في مكانها ووضعت حجابها على رأسها بسرعة وعندما وجدتها فاطمه نزعت الحجاب مجدداً.
قالت فاطمه:
– أخبارك إيه النهاردة.
نظرت لها الأخرى ولم ترد عليها.
فاتجهت فاطمه إليها حتى وقفت أمامها وصمتت للحظات ثم حسمت أمرها وقالت:
– عايزه تخرجي من هنا.
نظرت لها سلمي وقد لمعت عيونها بشدة وقالت:
– أيوة طبعا تقدري تخرجيني.
– هساعدك تهربي.
***
وصل عاصي إلى مكتبه وقبل أن يدلف إليه أوقفه رامي وقال:
– في حد مستني حضرتك جوه.
– مين.
– مش عارف بصراحه بس هو مستني حضرتك من فتره.
– تمام في حاجه تانية النهاردة.
– آه أستاذ بدر أتصل بيا وقال إنه هيشرفنا النهاردة بأذن الله عشان يتكلم مع حضرتك.
– آنسة رحيل جايه معاه.
– تقريبا آه.
– خلاص تمام.
ثم دلف عاصي إلى المكتب ليرى ضيفه الذي ينتظره.
وعندما دلف نهض الرجل الأخرى عن كرسيه واقترب من عاصي ومد يده إليه فصافحه وقال عاصي:
– اتفضل.
جلس الاثنان أمام بعضهم فقال عاصي:
– خير.
ابتسم الرجل باستهزاء ثم قال:
– لا هو للأسف مش خير خالص.
قطب عاصي حاجبيه وقال:
– نعم.
فتح هذا الرجل الهاتف الخاص به ثم بحث به للحظات ثم مد يده به إلى عاصي وقال:
– اتفرج كده.
أمسك عاصي الهاتف ونظر له فاتسعت عينيه بصدمة كبيرة.