تحميل رواية «رحيل العاصي» PDF
بقلم ميار خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين. كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف. صرخت بهم: – ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا! اقترب منها أحد الأطباء وقال: – اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده! قالت بغضب عارم: – مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت. وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول: – هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟ تغيرت نظراتها فجأة...
رواية رحيل العاصي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميار خالد
في اليوم التالي، استيقظ الجميع بفزع على صوت دق قوي على باب الشقة. نهض الجميع بقلق ووقف بدر وعاصي، وخلفهم رحيل، وهم ينظرون إلى الباب. لا يعرفون ماذا عليهم أن يفعلوا، ولكن إذا انتظروا لحظة، فسوف يُكسر الباب عليهم.
تقدم عاصي إلى الباب وفتحه بحذر ليجد أمامه امرأة وأخرى خلفها. فاطمئن قليلاً وفتح الباب حتى يراهم بدر ورحيل. وكانت تلك الفتاة هي نفسها الفتاة التي رآها عاصي في الأمس، ففهم ماذا سوف تقول. كانت الفتاة تنظر له بإعجاب واضح، في حين قالت والدتها بغضب:
– أنت مين؟! وقاعد في شقة البت ورد ليه؟ وسع كده خلينا ندخل.
أفسح لها عاصي الطريق ووضع يديه في جيوبه، ثم التفت إلى رحيل. نظرت المرأة، والتي كانت تُدعى حليمة، إلى رحيل وبدر بتساؤل وقالت:
– تطلعوا مين أنتم كمان؟
نظر عاصي إلى رحيل وعقد ذراعيه أمام صدره وقال:
– اتفضلي قولي إحنا مين.
حمحت رحيل بابتسامة ثم قالت:
– أنا صاحبة ورد، اسمي رحيل.
– وقاعدين هنا ليه؟
قالت رحيل بعفوية:
– أوه، معقول كده يعني؟ دي ورد معروفة أنها جدعة، حتى أنا وقعت في مشكلة، تفتكري ورد هتسيبني يعني؟
ثم تحركت من مكانها بسرعة وأحضرت مفتاح الشقة واتجهت إليها وقالت:
– حتى بصي، أنتِ أكيد عارفه المفتاح بتاعها يعني، أهو.
أمسكت حليمة المفتاح ودققت به ثم قالت:
– آه والله، هو صح.
وكانت الفتاة، والتي هي ابنتها، عيونها على عاصي لم تزاح أبداً، حتى لاحظ هو نظراتها تلك وزفر بضيق. قالت حليمة بإحراج:
– لمؤاخذة بقى، أنا اتخضيت لما لقيت حد في الشقة. طب أنتِ وعرفنا أنتِ مين، مين دول بقى؟
وكانت تقصد بدر وعاصي. التفتت رحيل بسرعة وقالت:
– ده يبقى أبويا أستاذ بدر، وده…
ثم توقفت وهي تنظر إلى عاصي بابتسامة وإصبعها يشير إليه. رفع الآخر حاجبيه وانتظر ردها عليه. ابتلعت رحيل ريقها ثم ضحكت ببلاهة وقالت بتوتر:
– ده اا ده أستاذ عاصي.
– أيوه، يقربلك إيه يعني؟
وقبل أن تتكلم رحيل، قال بدر:
– يبقى ابن عمه.
نظرت له رحيل بسرعة وقالت:
– أيوه، ابن عمي، أبوه وأبويا إخوات.
نظرت له عاصي بدهشة ثم تحرك من مكانه بضيق عندما سمع سيرة والده، وقد فهم بدر سبب انسحابه هذا. قالت حليمة بإحراج:
– معلش يا بنتي على قلة الذوق اللي عملناها دي، بس أصل البت ورد غالية عليا أوي، قلقت لما البت ابتسام قالتلي أن في راجل غريب في الشقة.
ضحكت رحيل وقالت:
– لا ولا يهمك، طبعاً نورتينا.
– بس أنتِ شكلك مش غريب عليا.
قالت رحيل:
– ما أنا كنت ساكنه هنا برضو، بس من زمان أوي.
– ماشي، لو احتاجتي حاجة نادي عليا، ها أنا البلكونة اللي في وشك على طول.
أومأت رحيل برأسها ثم خرجت حليمة ومعها ابنتها. دلف عاصي إلى غرفته بضيق وأغلق بابها خلفه بقوة، وجلس على سريره. وبعد لحظات، دق أحدهم على الباب ثم فتحه بهدوء وطل منه. وعندما نظر عاصي ناحية الباب، وجد بدر أمامه. قال بدر:
– تسمحلي أدخل؟
– عايز أقعد لوحدي بعد إذنك.
كرر بدر سؤاله وقال:
– تسمحلي أدخل؟
نظر له عاصي بإحراج ثم اعتدل في جلسته وقال:
– اتفضل.
دلف بدر وترك باب الغرفة مفتوحًا، جلس أمامه وقال:
– اضايقت ودخلت الأوضة ليه، عشان جت سيرة أبوك بس؟
– مش عايز أتكلم في الموضوع ده.
– هتفضل تهرب منه لحد أمتى؟ زي ما بتقفل الموضوع معايا دلوقتي، متأكد أن كل ما حد بيحاول يكلمك في الموضوع بتقفله برضو؟
– مفيش موضوع عشان نتكلم فيه.
زفر بدر وقال:
– مش هقولك أن أبوك كان راجل عظيم وأنه مفيهوش غلطة. كان بني آدم بيغلط ويتعلم من غلطه، بس هي حاجة واحدة اللي ضيعته.
نظر له عاصي باهتمام، كان يريده أن يُكمل. أكمل بدر:
– إنه كانت ودنه خفيفة، يعني بيسمع لأي حد. ممكن يكون مقتنع بالحاجة مليون في المية ولو حد جه قاله حاجة عليها يغير رأيه. كان بني آدم مذبذب، بس رغم كل ده كان طيب جدًّا وغلبان.
قال عاصي بسخرية:
– غلبان؟! فعلاً اللي يضيع فلوس مراته على الأرض واللي يرجع بيته كل يوم مدمر بسبب القرف اللي أدمنه يبقى غلبان فعلاً.
ثم صمت للحظات وأكمل بانفعال:
– أنا وصّلت الشركة للمرحلة دي بتعبي وجهدي أنا!! صاحبك اللي بتقول عليه غلبان ده ضيع شغلنا وسابنا مفلسين بعد ما توفي، أنا اللي سهرت وتعبت وبنيت بنفسي وشركتي من أول وجديد بسببه. وضع بيتنا اتلغبط بسببه. أختي طلعت بني آدمة ضعيفة واتظلمت وأنا اتظلمت معاها.
– قبل ما ترمي اللوم عليه، فكر إيه اللي وصله لكده.
قال عاصي بغضب:
– تقصد إيه بكلامك؟ مش فاهم؟
– أقصد أن ممكن حد لعب في دماغ أبوك وخلاه يبعد عن الطريق الصح. ما يمكن حد هو اللي حط الزفت ده قدامه عشان يدمن وحياته تبوظ.
– حتى لو؟ كل واحد كبير وعارف هو بيعمل إيه. ربنا حط جوانا مخ عشان نفهم وندرك ونقرر. مفيش أي حاجة تبرر اللي هو عمله، مستحيل. وبطل تدافع عنه.
– أنا مش بدافع عنه، أنا عارف أنه غلطان ومش بقولك تحبه وتنسى اللي فات، بس على الأقل سامحه. سامحه لوجه الله وكمّل حياتك.
وفجأة تحول عاصي من هذا الشخص القوي الغاضب ذو النفوذ والعيون الحادة إلى شخص في غاية الضعف والوهن، وقد تغيرت نظراته إلى الحزن والانكسار، وكأن بدر استطاع بكلماته تلك أن يصل إلى أعماق عاصي، وخصوصاً تلك المنطقة التي لا يصل لها أحد. قال عاصي وقد ترقرق الدموع في عينيه:
– مش عارف أسامحه.. مش قادر.
نظر له بدر بحزن ثم أخذه في أحضانه بسرعة. ظلت يدي عاصي بجانبه للحظات، لم يعرف كيف يتصرف، ولكنه أغمض عينيه وترك الاختيار لقلبه تلك المرة، فوجد نفسه يرفع يديه ويعانق بدر وأخيرًا. قال بدر:
– سامحه لوجه الله، هو في النهاية أبوك.
ابتعد عنه عاصي لتظهر بعض الدموع في عينيه وقال بحدة:
– ياريت نقفل الموضوع ده.
ثم نهض من مكانه. وعندما وصل عند باب الغرفة، وجد رحيل أمامه تنظر له بعيون دامعة. نظر لها بعيون متسعة ثم تخطاها بسرعة وجلس في الخارج. دلفت رحيل إلى والدها وقالت بدهشة:
– أنت تعرف أبو عاصي منين؟ وليه هو بيكرهه أوي كده؟
– اقفلي الموضوع ده دلوقتي طيب، هو مش ناقص.
– عايزة أفهم طيب.
زفر بدر بضيق ثم شرح لها وضع عاصي مع والده المتوفي، فحزنت الأخرى وبشدة بسبب كل ما مر به وقالت:
– عشان كده عنده مشكلة مع الفقر، بسبب اللي أبوه عمله وأنه هو ومامته اتجوزوا برغم فرق المستويات اللي بينهم، وفي الآخر كسرهم كده.
زفر بدر وقال:
– خلاص بقى، اقفلي الموضوع. أنتِ فتحتي تليفونك ولا لسه قفلاه؟
– آه، فكرتني، هفتحه دلوقتي وهقول لعاصي برضو يفتح تليفونه.
وقبل أن تتحرك، أوقفها بدر وقال:
– حاولي تهوني عليه شوية. العقدة اللي جواه صعبة جدًّا ووجعها كبير، ربنا العالم بيه.
ابتسمت له رحيل وأومأت برأسها ثم ذهبت وفتحت هاتفها وذهبت لعاصي حتى تخبره أن يفتح هاتفه أيضًا، ولكنه بمجرد أن طلت عليه، نهض من مكانه بسرعة واستدار حتى لا ترى دموعه التي سالت على وجنته رغماً عنه. اقتربت منه وقالت:
– أفتح موبايلك، ممكن نسيته زيي.
أومأ الآخر برأسه بدون أن يستدير لها. قال رحيل بضحكة:
– بس حلو جو فيلم أبو علي اللي إحنا عايشينه ده.
مسح عاصي عينيه وأخذ نفساً عميقاً ثم استدار لها وقال:
– ودي حاجة حلوة؟ دول كانوا هربانين!
اتسعت عيون رحيل وهي تقول بضحكة:
– أنت عارف ناقصنا إيه؟
نظر لها عاصي باهتمام مصطنع، فقالت الأخرى:
– تعبان يقرصني زي ما حصل مع منى زكي.
رفع عاصي حاجبيه بدهشة وقال:
– أنا كنت شاكك إنك مجنونة، بس دلوقتي تأكدت.
ثم أمسك هاتفه وفتحه ليجد مكالمات كثيرة من والدته. كانت رحيل تود التهوين عليه، لذلك قالت بعفوية:
– أنا مش بكلمك؟ هات موبايلك ده.
وجاءت لتسحبه من يده ولكنه أمسك هاتفه بقوة وقال:
– رحيل، سيبيه عندي، مكالمات مهمة لازم أعملها.
– مش وقته دلوقتي، أنا بتكلم معاك.
وفي تلك المشادة وأثناء سحب الهاتف بقوة من كلا الطرفين، وقع الهاتف على الأرض وتكسرت شاشته تماماً وأعطت ألوان كثيرة دلالة على احتراقها. نظر عاصي إلى رحيل بعيون متسعة، لتنظر هي له بخوف وقلق.
***
في بيت بدر..
قالت داليا:
– محتاجة حاجة تاني ولا أجيب دول بس؟
قالت أمينة:
– لا، جيبي دول بس ومتتأخريش.
أخذت داليا مفاتيحها ومحفظتها ونزلت حتى تشتري بعض الأغراض، وفي رحلة عودتها كانت الأغراض بيدها ثقيلة، فوجدت فجأة من يأخذهم من يدها وكان فارس. نظرت له بابتسامة وقالت:
– فارس؟! بتعمل إيه هنا؟
– جاي أطمن عليكم بصراحة. امبارح كلمت عمي بدر وعرفت منه أنه مسافر، فقولت أجي أطمن عليكم وأشوفكم لو محتاجين حاجة. كنت هروح تحت البيت وأتصل بيكِ بس شوفتك أهو.
– شكراً، بس مكنش ليه داعي تعبك ده.
– تعب إيه بس؟ إحنا أهل، مفيش بينا الكلام ده.
– أهل؟
ضحك فارس وسار الاثنان باتجاه البيت، وكان على بُعد مسافة منهم يوجد حازم، والذي كان ينتظر الوقت المناسب حتى يتقرب فيه من داليا، حتى جاء فارس. نظر لهم بغضب وقال:
– أنا حبيتك بجد وكنت مستعد أبيع الدنيا وأهلي عشانك، بس أنتِ واحدة متستاهليش فعلاً. ولو فاكرة إنك ممكن تخلصي مني بمكالمة ولا مقابلة تبقي غلطانة، ماشي يا داليا.
وفجأة تحرك من مكانه واتجه إليهم ليقف أمامهم!! نظر له فارس بتساؤل وقال:
– خير؟
قال حازم ببرود:
– عايز داليا في كلمتين.
وقبل أن ترد داليا، قال فارس:
– ده على أساس أنها واقفة مع عيل صغير؟! تطلع مين أنت أصلاً؟
أبتسم الآخر باستفزاز وقال:
– في إيه يا حبيبتي؟ ساكتة ليه؟ ما تردي على الأخ وتعرفيه أنا أبقى مين.
نظر فارس إلى داليا بحدة وصمت ينتظر ردها عليه، وكانت تطالعه الأخرى بخوف وتردد.
***
كانت ليلى تجلس في غرفتها بملل وبيدها صورة عاصي مع مريم وسلمى. كانت تحفظ ملامح الاثنتين حتى إذا رأتهما تتعرف عليهم فوراً. تركت الصورة على سريرها وخرجت حتى تلعب في جنينة المنزل قليلاً.
كان يقف عند بوابة المنزل ينتظر اللحظة المناسبة حتى يدخل إليها، ولكنه عندما دلف من البوابة، وجد حارس العقار يتجه إليه وقال:
– خير حضرتك؟
قال أحمد بثبات:
– خير إن شاء الله، أستاذة حنان كلمتني عشان أجي أشوف الغسالة بقالها فترة مش بتشتغل كويس، هي مقالتلكش ولا إيه؟
– لا والله، مدّتنيش علم بس اتفضل.
أبتسم له أحمد ودلف إلى الداخل، ولكنه لم يدخل إلى باب الشقة بل تسلل من الحديقة الخلفية للبيت. وبحركة خفيفة استطاع أن يتسلق الحائط بالاستناد على المواسير الموجودة على الحائط حتى دلف إلى أحد الغرف. زفر بحماس ثم بحث عن غرفة ليلى بهدوء حتى وصل إليها. دلف إليها بسرعة وفتح دولابها وأحضر فستاناً صغيراً من ملابسها ثم اتجه إلى النافذة حتى يخرج كما دخل، ولكنه توقف فجأة عندما لاحظ شيئاً ما على سطح السرير. توقف وعاد خطوتين إلى الوراء واقترب قليلاً وأمسك الصورة بين يديه. اتسعت عيونه وهو ينظر إلى الصورة وعاد بذكرياته منذ أن تعرف على مريم. كانت فتاة جميلة ذات خصلات ذهبية مميزة، ضحكتها جميلة، كانت تضحك دوماً ووجهها الذي يكاد يضيء من توهجه. انبهاره هذا قاده إلى أن يقترب منها أكثر فوجدها طيبة وبسيطة، تكاد تصدق كل ما يقال لها بدون أن تشك. تثق بأي شخص بسرعة، لذلك استطاع هذا الخبيث أن يتسلل إلى قلبها، حتى تكونت تلك الروح الصغيرة بداخلها. مازال يتذكر ذلك اليوم عندما أخبرته أنها حامل.
فلاش باك..
– أنت لازم تيجي تكلم أخويا وماما في أسرع وقت.
قال أحمد ببرود:
– ليه يعني؟ في إيه؟
نظرت له مريم بخوف وقالت:
– أنا حامل.
انتفض أحمد من مكانه ونظر لها بصدمة وقال:
– متأكدة؟
– أيوه، بص تعالى كلم أخويا وأنا هدعمك في أي حاجة وهقف جنبك. غير كده أنت عملت إيه في المشروع اللي أنا اديتك فلوسه؟
تهرب أحمد بعيونه منها وقال:
– شغال أهو بس لسه مجابش ربح، بفكر أفركشه.
– ده المشروع الكام اللي هتفركشه؟ المهم دلوقتي، كلم ماما على الأقل.
– أكلمها وأنا مش معايا أي حاجة، لا شقة ولا فلوس ولا حاجة.
– أنا هديلك فلوس كل حاجة بس كلمها. فكر في ابننا اللي جاي الدنيا، أنا مش عايزاه يتأذي من قبل ما يجي.
– حاضر، متقلقيش، هلاقِي حل. في حد يعرف الموضوع ده غيري؟
– سلمى بس. أنت هتتصرف أمتى؟
– قولتلك متقلقيش، بتثقي فيا صح؟
نظرت له مريم بدموع وقالت:
– بثق فيك أكتر من نفسي.
– خلاص، متقلقيش، روحي أنتِ دلوقتي.
أومأت له برأسها ثم تحركت من مكانها وعادت إلى منزلها. وما أن تحركت، حتى تغيرت نظرات أحمد إلى القلق الشديد ثم ضرب الأرض بقدمه وأيقن وقتها أنه لا يوجد حل آخر سوى الهروب من تلك المصيبة.
وبالفعل، في مساء هذا اليوم، كان قد اختفى عن الوسط. وفي نفس المساء أيضاً، كان عاصي قد عرف كل شيء عندما سمع حديث مريم مع سلمى. وعندما استقر أحمد في مكان بعيد، اتصل بسلمي وعندها ردت عليه قال:
– قولي لمريم أني مش قد المسؤولية دي، أنا مش هقدر أتحمل مسؤولية طفل دلوقتي.
صاحت به سلمى:
– هتوقع إيه من واحد حيوان زيك. حسبي الله ونعم الوكيل، أقسم بالله ما هسيب حقها كده. وبما إن عاصي أخوها عرف كل حاجة، أنا هخربها على دماغك، ومهما كنت فين عاصي هيدور عليك وهيجيبك!
قال أحمد بسخرية:
– والله؟ ويطلع مين عاصي ده؟
– عاصي القاضي. ولا صحيح، أنت هتعرفه منين؟ أنت مش هتعرف غير الأشكال الزبالة اللي زيك.
نهض أحمد من مكانه وقال:
– يعني مريم تبقى أخت عاصي القاضي؟
– هي قالتلي ده ورث؟!
– ضحكت عليك عشان تخبي حقيقة عيلتها. خليك عارف إنك انتهيت.
ثم أنهت المكالمة في وجهه، وقد ندم أحمد بعدها لأن مريم كانت فرصة عظيمة له حتى يدخل إلى عائلة عاصي. وقد سرح بخياله أيضاً أنه كان من الممكن أن يصبح ذراعه اليمين في كل شيء، ولكنه قد استوعب هذا بعد فوات الأوان.
وبعدها عَلِم أن سلمى مازالت في محاولاتها حتى تعثر عليه، فما كان منه سوى أن يدمر حياتها. حيث أطلق عليها سمعة سيئة في مكان عملها وبسببه تم طردها بشكل مهين، كما أنه كان السبب في تخلي أهلها عنها. وبعدها ماتت والدتها ورفض أخوها أن يتواصل معها مجدداً، لذلك أخذ عائلته وسافر بعيداً وظلت سلمى بمفردها. وكان ذنبها الوحيد والذي عاقبها عليه عاصي هو أنها من البداية قد كتمت سر مريم مع هذا الشخص عنه.
باك..
آفاق أحمد من ذكرياته تلك بسرعة وتمالك نفسه، ثم أخذ الصورة ووضعها في جيبه والتفت ليخرج، ولكنه تسمر مكانه حين وجد ليلى تقف أمامه تنظر له بتساؤل!! ثم قالت:
– أنت مين؟
رواية رحيل العاصي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ميار خالد
أفاق أحمد من ذكرياته تلك بسرعة وتمالك نفسه، ثم أخذ الصورة ووضعها في جيبه والتفت ليخرج ولكنه تسمر مكانه حين وجد ليلى تقف أمامه تنظر له بتساؤل.
قالت:
– أنت مين؟
نظر لها أحمد بصدمة ولأول مرة يرى فيها طفلته وهي أمامه بهذا القرب، أنه لم يكن أبًا لها يومًا وقبل أن تأتي إلى تلك الدنيا هو أول من تخلى عنها، ولكنه أقسم أن يبقيها بعيدة عن كل شيء لا يعرف لماذا هل هذا إحساسه بالذنب أم أنه يعتبر نفسه والدها حقا، لا يقدر على التفسير.
قال أحمد بتوتر:
– أنا اا جيت أصلح حاجه في الغسالة و..
وقبل أن يكمل زفرت ليلى بضيق وقالت:
– مش مهم خلاص بس الحمام من هنا خالص دي اوضتي أنا.
أبتسم أحمد وقال:
– أنا برضو استغربت معقول اوضة حلوة كده يتحط فيها غسالة.
ضحكت ليلى واقتربت منه قليلاً ثم قالت:
– ممكن تلعب معايا شوية.
ابتلع احمد ريقه وقال:
– مش هينفع لازم اروح اشوف شغلي.
نظرت له ليلى بحزن ثم ذهبت وجلست على سريرها وقالت:
– أيوة عندك حق.
نظر لها أحمد للحظات وأردف:
– بلاش تزعلي روحي العبي مع حد تاني.
قالت ليلى بحزن:
– أنا لوحدي محدش بيلعب معايا، حتى الحضانة قعدت منها عشان العيال هناك بيغيظوني أنهم عندهم ماما وبابا وأنا لا، لما بيسألوني فين مامتك مش بتيجي تاخدك ليه بعيط عشان كده مبقتش أروح وهنا لوحدي تيتا مش بتقعد معايا كتير.
تحرك أحمد من مكانه وجلس بجانبها، نظر لها بعيون دامعة وقال:
– فين مامتك باباكِ؟
– ماما مش هنا تيتا قالتلي أنها مسافره بس أنا زعلانه منها أوي لو رجعت مش هتكلم معاها أبداً.
– وباباكي؟
نظرت له ليلى للحظات ثم قالت:
– مش عارفه.
طالعته أحمد بصمت فأكملت:
– تيتا ولا مرة كلمتني عن بابا وكل ما اسألها متردش عليا، معقول يكون بابا راح الجنة وهما مش عايزين أني أعرف.
– أكيد موجود بس ممكن هما اللي مش عايزينه يوصلك.
نظرت له ليلى بعيون متسعة أردفت:
– بجد يا عمو تفتكر كده!
– طيب لو عايزاني أوصل رسالة لباباكِ لو اتقابلنا اقوله إيه.
ابتسمت ليلى ابتسامه جميلة وقالت:
– قوله إن ليلى بتحبه أوي وهتفضل مستنيه أنه يجي ويخرجها زي صحابها علطول ويجبلها حاجه حلوة.
ثم نهضت من مكانها وطبعت قبلة على وجنته وقالت:
– واديله البوسة دي كمان.
نظر لها أحمد بعيون متسعة وقهرة تشع منهم ثم أبتسم بصعوبة ونهض من مكانه فوراً وعندما خرج من غرفة ليلى اتجه إلى إحدى الغرف بهدوء وخرج من نافذتها كما دخل ثم خرج من البيت بأكمله وهو في حالة يرثى لها.
***
– في إيه يا حبيبتي ساكته ليه ما تردي على الأخ وتعرفيه أنا أبقى مين.
نظر فارس إلى داليا بحده وصمت ينتظر ردها عليه وكانت تطالعه الأخرى بخوف وتردد.
قالت داليا:
– ده قريبنا من بعيد.
نظر لها فارس بشك ثم قال:
– وبيقولك حبيبتي ليه؟
نظرت له داليا بصمت فتدخل حازم مرة أخرى وقال:
– طيب هي شكلها مكسوفة تقولك، أنا وداليا مرتبطين تقدر تقول زي المتجوزين كده.
نظرت له داليا بعنف وقالت:
– أنت اتجننت إيه اللي أنت بتقوله كده؟!
قال حازم بوقاحه:
– شيفاني قولت حاجه غلط ؟؟
– كلامك كله غلط.
نظرت إلى فارس وقالت:
– طيب يا فارس أنا وحازم كُنا مرتبطين بس وفركشنا من فترة أصلاً ومكناش زي المتجوزين ولا حاجه ده كدابة.
قال حازم باستفزاز:
– أنا مش عارف أنتِ ليه مصممه تغلطي كلامي بس خلاص يا ستي مش عايز اوقعك في مشكلة أنتِ صح.
نظر لها فارس بعيون مصدومة ثم التفت لحازم وقال:
– طيب بوظت الدنيا وقولت اللي عايز تقوله، اتكل على الله بقى.
نظر لها حازم بشماته ثم تحرك من مكانه، نظر فارس إلى داليا بطرف عينيه وقال:
– لو مش عايزه تقولي حاجه ياريت تتحركي عشان والدتك متقلق.
قالت داليا بانفعال:
– حازم كداب! أنا وهو كُنا مرتبطين بس.
نظرت لها فارس بدهشه وقال:
– عايزاني اسقفلك يعني ولا إيه؟! ده على أساس أن الإرتباط حاجه صح أساساً مش غلط كون أنك مرتبطة بيه من ورا أهلك ده عادي بنسبالك لا وبتقوليها كمان إحنا كُنا مرتبطين بس، لا كتر خيرك.
نظرت له داليا لوهله ثم قالت:
– أنا شايفه أن مكنش فيه حاجه غلط عشان كُنا بنحب بعض بجد حتى هو لأخر لحظة كان عايز يجي يكلم بابا وأنا اللي بعدت عنه مش هو.
صمت فارس للحظات ثم نظر إليها وقال بحده:
– الحاجه اللي بدأت غلط ربنا مش بيبارك فيها، لو علاقتكم من الأول كانت صح كان زمانكم دلوقتي مع بعض.
نظرت له داليا بصدمة وصمتت ولسانها ربط عن الكلام، قالت:
– بس إحنا..
قاطعها فارس وقال:
– تبرير الذنب اسوء من الذنب نفسه، لو في شعور لازم تحسي بيه دلوقتي فهو الشعور بالندم مش التبرير.
صمتت داليا بحزن وتحرك الآخر من مكانه وتحركت هي خلفه حتى اوصلها إلى بيتها وقال:
– أبقي سلميلي على والدتك.
– مش هتطلع تسلم عليها ؟
– ميصحش أدخل بيتك وأبوكي مش موجود، رقمي معاكي لو احتاجتي حاجه كلميني.
قال تلك الجملة ثم تحرك من مكانه وسار في طريقه، ظلت تنظر له داليا للحظات ثم صعدت إلى بيتها بشرود.
***
وفي تلك المشادة وأثناء سحب الهاتف بقوة من كلا الطرفين وقع الهاتف على الأرض وتكسرت شاشته تماما واعطت الوان كثيرة دلالة على احتراقها.
نظر عاصي إلى رحيل بعيون متسعة لتنظر هي له بخوف وقلق.
قالت ببكاء:
– والله ما كان قصدي والله العظيم ما..
قال عاصي:
– خلاص أهدي واسكت.
قالت رحيل بتعجب:
– بجد؟ يعني مش هتزعقلي.
– اتعودت على المصايب اللي بتعمليها اكتسبت مناعة.
ضحكت رحيل بعفوية وقالت:
– دي إشارة عشان أعمل مصايب براحتي ومخافش يعني.
– رحيل أمشي من قدامي أنا مش ناقصك.
– استني بس تعالى، أمسك موبايلي أهو أعمل منه المكالمات اللي أنت عايزها وحط الخط بتاعك عليه.
أمسك الآخر هاتفها وأدخل شريحته به واتصل بوالدته فورًا، كانت حنان تجلس في غرفتها بتوتر وعقلها يرسم لها آلاف القصص السيئة لما حدث مع أبنها حتى صدع هاتفها رنيناً برقم عاصي فأمسكته بسرعه وردت عليه، قالت:
– يا أبني حرام عليك ينفع كده يعني اختفيت فجأة ولا بترد عليا ولا بتروح الشركة حرام عليك.
– غصب عني أنا عايزك تهدي بس أنا كويس.
قالت ببكاء صارخ:
– حرام عليك أنت بتعمل فيا كده ليه أنا تعبت منك ومن عقابك لكل اللي حواليك مش كده يا عاصي.
قال الآخر بهدوء:
– قولتلك أهدي بعد أذنك.
جلست حنان على سريرها بتعب وأخذت أنفاسها بسرعة، ظل عاصي معها على الهاتف حتى هدأت قليلاً وقالت:
– أنت فين؟
– أنا في أزمة الفترة دي مخلياني لازم أبعد، بس غيابي مش هيطول يومين وهرجع تاني.
– أزمة إيه؟؟
– بخصوص الشغل، أنا مش عايزك تقلقي وخدي بالك من ليلى أوي اوعي تخرجيها من البيت وخلي موبايلك جنبك دايمًا.
– حاضر بس فهمني في إيه؟
– لما أرجع بس خلي بالك من نفسك ومن ليلى.
ثم أنهى معها المكالمة واعطى الهاتف لرحيل، أخذت هي هاتفها وتحرك هو واتجه إلى الشرفة ولكنه عندما وجد ابتسام تقف في الشرفة المقابلة لهم وتتابعهم بفضول عاد ادراجه واتجه إلى أحد الأركان في المنزل حتى يجلس بها بهدوء.
في منزل عاصي..
بحثت ليلى عن الصورة التي تركتها على سريرها ولكنها لم تجدها فبكت بضيق وخوف من أن تخسر الشيء الوحيد الذي يجمعها بوالدتها، اتجهت إلى غرفة حنان ببكاء فانتفضت الأخرى من مكانها بقلق، اتجهت ليلى إليها وقالت:
– تيتا ممكن تتصلي بعمو بتاع الغسالة شكله أخد حاجه بتاعتي بالغلط.
– حاجة إيه وغسالة إيه؟
مسحت ليلى دموعها وقالت:
– يا تيتا عمو اللي جه الصبح عشان يصلح الغسالة أنا كنت سايبه صورة ليا على السرير بتاعي شكله أخدها معاه أنا دخلت اوضتي لقيته قدامي هو مش إحنا الغسالة بتاعتنا بايظة برضوا.
نظرت لها حنان بقلق وقالت:
– لا يا حبيبتي مفيش حاجه بايظة ده تلاقيه حرامي! أنتِ ازاي متناديش عليا.
نظرت لها ليلى بعيون متسعة ثم بكت بصوتٍ عالٍ عندما أيقنت أنها من المستحيل أن تستعيد صورتها مرة أخرى.
وفي تلك الأثناء عند رحيل، كانت تمسك هاتفها وقبل أن تتصل بوالدتها جاءت رسالة على شريحة عاصي، وعندما فتحتها فرهت فمها بصدمة حين وجدت الرسالة الأولى هي عبارة عن صورة لعاصي وبرفقته فتاتين والصورة الأخرى هي صور لإحدى فساتين ليلى التي قد سبق ورأتها به وأسفل الصور مكتوب” قدامك ٢٤ ساعه عشان تبلغنا بموافقتك على الصفقة، الأيام بتجري بس من عمرك ومش محتاج أعرفك لو مظهرتش من جحر الفران اللي أنت فيه ده إيه اللي هيحصل”.
تحركت رحيل من مكانها بصدمة حتى وقفت أمام عاصي، نظر لها الآخر بتعجب وقال:
– في إيه ؟
نظرت له بعيون متسعة ومازالت الصدمة مسيطرة عليها، نهض الآخر من مكانه بقلق وأمسك هاتفها ليجد تلك الرسائل أمامه، ولكن صدمته الحقيقة كانت في تلك الصورة.
عند شريف..
أرسل إلى عاصي تلك الصور وابتسم بانتصار وبعدها لاحظ أحمد الذي يجلس بشرود أمامه، قال له:
– مالك في ايه؟
– شوفت ليلى النهاردة، شكلها من قريب مختلف أوي.
يضحك شريف بسخرية وقال:
– يا حنين، أنت صدقت إنك ابوها بجد ولا إيه.
– أيوة أنا مكنتش عايزها في البداية بس، لما شوفتها النهاردة حسيت بشعور غريب.
– طيب شيل الشعور ده من جواك عشان هيضيعك، إحنا قربنا من هدفنا عاصي زمانه وصله الصور دي وبكرة بالكتير هيظهر وهيوافق على الصفقة، وساعتها هيكون شغلنا خلص وهيكون دخل المصيدة.
– هو عاصي هو اللي قتل ابوك؟
قالها أحمد بتساؤل فرد عليه الآخر:
– لا بس كان سبب.
– يعني إيه؟
تنهد شريف وقال:
– شركة أبويا أفلست وكان في صفقة واحده بس قادرة تنقذها وكانت مع شركة الرحاب اللي عاصي قدر أنه يقنعهم أنهم يسحبوا صفقة المول التجاري مع شركة أبويا وياخدها هو.
– وعشان كده قررت تدمره.
– بالظبط، هانت شوية وقت واحقق اللي أنا عايزُه.
عند عاصي..
وفي تلك اللحظة اتصلت به حنان فرد عليها بسرعه وهُنا سمع صوت بكاء ليلى ووالدته تقول:
– عاصي الحقنا في حرامي دخل البيت!
قال عاصي بغضب:
– ليلى بتعيط ليه؟!
وقبل أن تتكلم حنان أخذت منها ليلى الهاتف وقالت:
– خالوا الحرامي ده دخل الاوضة بتاعتي أنا كنت فكراه عمو جاي يصلح الغسالة بتاعتنا هو قالي كده بس هو سرق صورة بتاعتي أنا بحبها، أنا عايزه الصورة بتاعتي يا خالوا عشان خاطري.
– وأنتِ جبتي الصورة دي منين يا ليلى ؟!
صمتت ليلى عن البكاء ونظرت أمامها بصمت لا تعرف ماذا تقول، زفر عاصي بضيق ثم قال لها أن تعطي الهاتف إلى حنان مرة أخرى وقد أوصى حنان أن تحافظ على ليلى جيدًا وعلى نفسها أيضاً.
وعندما أنهى المكالمة نظرت له رحيل بقلق وقالت:
– هنعمل إيه دلوقتي؟
– للأسف لازم نظهر أنا مش هقدر أضحي بحد من عيلتي.
– أنا بقول كده برضو نرجع بكره وخلي عز معانا برضو عشان لو حصل أي حاجه، طب والصفقة؟! هتوافق عليها.
– غصب عن عين.
نظرت له رحيل بصدمة وقالت:
– نعم؟!! يعني أنت ناوي توافق عليها فعلاً.
صاح بها عاصي وقال:
– شايفه قدامي حل تاني!!
– مليون حل غير إنك تأذي غيرك.
صاح بها بقوة:
– أنا خسرت أختي مرة ومش مستعد أخسر بنتها مرة تانية.
قالت رحيل بتحدي:
– أختك أنت اللي عملت فيها كده أنت اللي بعدتها وسفرتها بره وأنت اللي حرمتها من بنتها.
– لو تعرفي اللي هي عملته في بنتها وهي صغيرة كنتِ عملتي نفس اللي أنا عملته فيها وبعدتيها عنها!!
نظرت له رحيل بتعجب وقالت:
– مش فاهمه تقصد إيه؟
– مش مهم تعرفي ولأخر مرة هفضل أقولك خليكي بعيدة عن حياتي الشخصية ابعدي عني، أنا مشوفتش شخصية متطفلة زيك في حياتي مهما ابعدك مفيش فايدة من يوم ما ظهرتي وأنا كل يوم في مشكلة وكل يوم بتورط أكتر.
نظرت له رحيل دامعة ثم أردفت:
– أنا كمان نفسي أبعد، بس للأسف قدري مربوط بيك.
ثم تحركت من مكانها وفتحت باب المنزل ونزلت إلى الشارع، ضرب عاصي الأرض بقدمه ثم تحرك بسرعه حتى ينزل خلفها ولكن خرج بدر من غرفته وقال:
– رحيل راحت فين؟
– نزلت.
– نزلت إزاي يعني ؟!
– أنا رايحلها أرتاح أنت ممكن احتاجت حاجه من تحت.
أومأ بدر برأسه ونزل عاصي خلف رحيل ليجدها تقف على سلالم البيت تبكي بصمت، نزل إليها حتى وقف أمامها فحاولت أن تهرب بعيونها عنه، نظر لها عاصي ولأول مرة بحزن وأسف ثم قال:
– أنا آسف..
طالعته هي بصمت فتابع الآخر:
– ساعات بقول كلام بيجرح اللي قدامي بس بيكون وقت عصبية.
قالت رحيل بدموع:
– كلام يكسر اللي قدامك مش يجرحه بس، لكن أنت انان.
نظرت له عاصي بدهشه فأكملت:
– كنت عايز بمجرد ما تقولي آسف اسقفلك مثلاً؟ أنت انان يا عاصي مش لوحدك اللي اتجرحت ومش لوحدك اللي دوقت مرارة الدنيا ومش لوحدك اللي خسرت حبايبك، أنا أعرف كتير عنك لكن أنت تعرف حاجه عني؟
طالعها بصمت فتابعت كلامها:
– تعرف أنا بحس بأية تعرف أنا النار اللي جوايا عاملة إزاي، طبعًا هتعرف إزاي ما هو أنت الوحيد اللي تعبان وأنت الوحيد اللي من حقك تتعصب لكن أنا، مش مسموح لا أنا بني أدمه تافهة باخد كل حاجه بهزار وضحك صح.
صمتت للحظات ثم ترقرقت الدموع بقوة في عيونها لتقول ببكاء ينتفض له القلوب:
– أنا كان نفسي حد يشوف دموعي اللي ورا ضحكتي دي كان نفسي حد يشوفني صح ويحس بيا، رحيل تعبت مبقتش قادرة حتى تضحك رحيل ضحكتها نفسها مبقاش فيها حيل تظهر، رحيل النفس اللي بتاخده بقى تقيل عليها، رحيل كل دقة قلب ليها بتكون مصدر ألم، قلب رحيل بياخد انفاسة الأخيرة.
قالت تلك الجملة ثم سقطت مغشياً عليها وهي على درجات السلم.
امسكها عاصي بسرعه قبل أن تسقط من أعلى درجات السلم ودلف بها إلى الداخل وعندما وجدها بدر في تلك الحالة اتجه إليها بسرعه وقال بقلق:
– حصل إيه ؟!!
قال عاصي بقلق:
– مش عارف أنا كنت بتكلم معاها فجأة وقعت كده.
قال بدر بقلق:
– البنت وشها أصفر كده ليه أنا هنزل اجبلها الدكتور.
– خليك أنت أنا هنزل بسرعه.
وبالفعل خرج عاصي من البيت ونزل إلى الشارع واتجه الى أقرب صيدلية أمامه واستدعى الطبيبة الموجود بها ثم صعد بها إلى رحيل، فحصتها الطبيبة لتجد دقات قلبها غير منتظمة وقد سمعت صوت غير طبيعي في دقات قلبها فأبعدت السماعة وقالت:
– ضغطها نزل شوية بس.
قال بدر بعفوية:
– تلاقيها ماخدتش الأدوية بتاعتها.
– أدوية إيه ممكن أشوفها ؟
ذهب بدر من أمامها وأحضر الأدوية ثم عاد إليها ومد يده لها بالشرائط، نظرت الطبيبة إلى الأدوية بدهشه كبيرة وقد تعرفت عليهم على الفور، قال بدر:
– دي شوية فيتامينات وحديد عشان هي ضعيفة شوية.
نظرت له الطبيبة بتعجب وقالت:
– فيتامينات وحديد؟! لا خالص الأدوية دي لحاجه تانية.
نظر له عاصي وقد انتابه القلق فقال:
– أومال الأدوية دي بتاعت إيه؟
– ردي عليا دي أدوية إيه؟؟
نظرت له الطبيبة وقالت:
– طيب واضح أن المريضة مش معرفاكم بس مش بياخد الأدوية دي غير مريض القلب، للأسف المدام عندها مشاكل في صمامات القلب ومحتاجة عملية أصلاً وده يفسر عدم انتظام ضربات قلبها والصوت الغير الطبيعي اللي ظهر في السماعة.
وقد وقعت تلك الكلمات كالصخرة الضخمة على رأس بدر وعاصي.
رواية رحيل العاصي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ميار خالد
ردي عليا، دي أدوية إيه؟
نظرت له الطبيبة وقالت:
– طيب، واضح إن المريضة مش معرفاكم، بس محدش بياخد الأدوية دي غير مريض القلب. للأسف المدام عندها مشاكل في صمامات القلب ومحتاجة عملية أصلاً، وده يفسر عدم انتظام ضربات قلبها والصوت الغير طبيعي اللي ظهر في السماعة.
وقعت تلك الكلمات كالصخرة الضخمة على رأس بدر وعاصي. وعندما نظروا إلى رحيل، استطاعوا رؤية الشحوب الذي قد ظهر في وجهها وفي شفتيها. نظر بدر إلى الطبيبة بصدمة وقال:
– أنتِ متأكدة؟
– أيوة. ويا ريت لو تتابع مع دكتور قلبية في أسرع وقت. عموماً، هي شوية وهتفوق، يا ريت تفضل مستمرة على الأدوية دي، وبالشفاء إن شاء الله. استأذن أنا.
ثم نهضت من مكانها وتحركت. وتحرك بدر معها أيضاً حتى يوصلها، وظل عاصي مكانه متجمداً، غير قادر على الحراك. لا يقدر على إحصاء عدد الدقائق التي مرت وهو ينظر إليها هكذا، حتى فتحت هي عيونها بتعب. حاولت أن تنهض من مكانها، فاتجه إليها بسرعة ومنعها. قالت:
– حصل إيه؟
تكلم عاصي وهو في حالة يرثى لها:
– أغمي عليكي.
نظرت له رحيل لتجد عيونه قد تكونت بها بعض الدموع، فقالت بدهشة:
– أنت مدمع ليه؟
مسح عاصي عينيه بسرعة وقال:
– مفيش حاجة.
قالت الأخرى بقلق:
– أنت كويس؟
ظل عاصي يطالعها للحظات ثم قال:
– إزاي تخبي موضوع زي ده؟
قالت بتساؤل:
– أخبي إيه؟
– موضوع مرضك.
نظرت له رحيل بعيون متسعة وصدمة وردت عليه:
– مرض إيه؟ مش فاهمة.
فأمسك الأدوية التي قد تركتها الطبيبة بجوارها وقال:
– أومال الأدوية دي بتاعت إيه؟
أخذتهم منه رحيل بسرعة وقالت بتوتر:
– دول فيتامينات بس و..
قاطعها عاصي وقال:
– كنتِ هتفضلي مخبية لحد أمتى؟ لحد ما تموتي؟
نظرت له رحيل للحظات ثم ترقرقت الدموع في عينيها وبكت رغماً عنها، قالت:
– على الأقل هكون مع بابا وماما. مش هحس بالشفقة، ولا هتعب، ولا هعافر تاني. مش عايزة أحاول تاني، همشي وبس. أنا عرفت مرضي ده من كام شهر. لما أنا كنت بتألم عشان أرسم الضحكة على وشي وأعمل مقالب في اللي حواليا، كلهم كانوا شايفين إني تافهة وإني معرفش أشيل المسؤولية. محدش شاف وشي التعبان ولا عيوني اللي بتكذب. أنا تعبت، وأيدي سابت كل الخيوط اللي كانت بتربطها بالحياة.
امسك يدها بحركة عفوية منه وقال:
– لا! مينفعش. أنتِ بالذات تقولي كده.
وقاطعه اقتراب بدر منهم وهو ينظر إليها بعيون غارقة بالدموع، قال:
– حقك عليا. أنا كنت أعمى فعلاً. طب أنتِ فكرتي لما أشوف أبوكِ بعد ما أموت هقابله بأنهي وش بعد كلامك ده؟
نهضت رحيل من مكانها بسرعة وقالت:
– لا! متزعلش مني، أنا مقصدش.
– ليه خبيتي عني؟ مش أنا أبوكِ يا رحيل؟ أنا مش بعتبر نفسي عمك، أنتِ بنتي.
قالت رحيل بدموع:
– كفاية همي عليك كل السنين دي. مكنتش عايزة تشيل هم جديد.
وقبل أن يرد عليها بدر، رن هاتف رحيل على شريحة عاصي، وكان المتصل هو عز الدين. أمسكت هاتفها وأعطته لعاصي ورد الآخر عليه، قال عز:
– عندكم جديد؟
– النهاردة اتبعتلي تهديد. وصلوا لحاجات من بيتي وصوروها. لازم أظهر، مفيش حل تاني.
– على الأقل اختفوا يومين.
– مفيش فايدة يا عز، أنا قولتلك من البداية الهرب مش حل. غير كده رحيل تعبانة جدًّا، لازم نرجع عشان تروح للدكتور.
– تعبانة مالها؟
– هبقى أفهمك بعدين. المهم إننا هنرجع بكرة.
– والناس دي هتتصرف إزاي؟ هتوافق على الصفقة؟
زفر عاصي بضيق وقال:
– مش عارف، صدقني. بس كده كده مش هاخد قرار غير لما أعرفك.
– تمام، بكرة هبعتلك عربية ترجعكم.
أنهى عاصي المكالمة وقال لرحيل:
– زي ما سمعتي، إحنا هنرجع بكرة. وأول حاجة هنعملها هي إنك تروحي للدكتور، وأنا بنفسي اللي هاخدك.
قالت رحيل بعِناد:
– ده أمر يعني ولا إيه؟ أنا مش عايزة أروح.
قال عاصي بابتسامة باردة:
– هتروحي يا رحيل، ومش عايز جدال.
ثم تحرك من مكانه وترك بدر ورحيل يتعاتبون بسبب ما حدث.
***
في المصحة..
ومنذ قرارها أن تتغير، وكل شيء قد تغير في تلك المصحة. وكأن قدر قليل من الطاقة الإيجابية انبعث من المكان، وكان مصدره هي وحدها. كانت تحاول أن تعود إلى نفسها التي قد ضاعت منها قبل سنوات.
كانت تجلس في الجنينة تقرأ إحدى الروايات التي قد أحضرها لها شادي، حتى اتجه هو إليها، قال بابتسامة:
– عاملة إيه النهاردة؟
ابتسمت له وقالت:
– منمتش من امبارح، مش عارفة أسيب الرواية.
– بجد؟ معني كده إنها عجبتك؟
– أيوة، ذوقك حلو.
– وبتمدحيني كمان؟ أنا مبسوط أوي بالتغيير ده، خلي بالك.
ابتسمت هي وقالت:
– وأنا كمان مبسوطة. وصدقني، قريب أوي أنت هتودعني وأنا خارجة من باب المصحة دي.
اختفت الابتسامة عن وجه شادي عندما أدرك تلك النقطة، قال لها:
– أول ما تخرجي من هنا هتعملي إيه؟
صمتت للحظات ثم قالت بحزن:
– هحاول أصلح الأخطاء اللي أنا عملتها وأرجع ثقة عاصي فيا.
– ولو معرفتيش تصلحيها؟
– هحاول مرة واتنين وتلاتة لحد ما أنجح.
ابتسم شادي ثم انزلقت كلمة عن لسانه:
– هتنسيني؟
نظرت له بتعجب وقالت:
– أنساك؟ ليه؟ أنت ناوي تسيبني بعد ما أخرج من هنا؟
– مستحيل، بس ما يمكن أنتِ اللي تكوني مش عايزة تتكلمي معايا عشان هفكرك بالماضي.
ابتسمت وقالت:
– بس إحنا الاتنين صحاب. علاقتنا مش علاقة دكتور بالمريضة بتاعته، ده بنسبالي على الأقل.
ابتسم شادي وظل يطالعها للحظات بعيون لامعة، وقد أيقن أن خروجها من هذا المكان قد اقترب بشدة.
***
كان شريف وأحمد يتحدثون بأحد المواضيع، حتى جاء اتصال لشريف ورد عليه. ظل يتحدث للحظات ثم أنهى المكالمة. نظر له أحمد بتساؤل وقال:
– في إيه؟
– في حركة غريبة في بيت من البيوت القريبة لعاصي.
– طب وفيها إيه؟
– فيها إن البيت ده بإسمهم برضو.
– وأنت عرفت منين؟
– مش وقته. عرفت منين، كده بنسبة كبيرة ممكن يكونوا هما اللي فيه أصلاً.
قال أحمد بتهكم:
– أكيد هما مش بالغباء ده يعني.
– ما يمكن. عايزك بكرة تروح تشوف البيت ده وتعرف إيه مصدر النور اللي فيه وجواه حد فعلاً ولا لا.
– اللي تشوفه.
وكان ذلك البيت الذين يتحدثون عنه هو نفسه بيت فريدة التي تقيم فيه حالياً مريم.
ظل أحمد يطالع شريف للحظات ثم قال له:
– أنت متأكد إنك عايز تدمر عاصي بسبب الصفقة اللي أبوك خسرها بس؟
طالعه شريف بتساؤل وقال:
– تقصد إيه؟
– أقصد إني مش شايف ده سبب كافي لكل النار اللي جواك منه يعني. غير كده، إزاي أنت اسمك شريف المحمدي وأبوك اسمه أدهم الشاذلي؟
صمت شريف للحظات ثم قال:
– وهو الأب اللي بيخلف ولا اللي بيربي؟ أنا كبرت في ملجأ، بس اللي رباني وابويا الوحيد هو أدهم. هو صاحب الفضل عليا وأنا معرفتش أرد له نص اللي هو قدمهولي. الصفقة دي بسببها هو مات. لو عاصي كان اداله فرصة، ممكن كان معانا النهاردة.
نظرت له أحمد بشك لأنه لم يقتنع بكلماته وشعر أنه يخبئ شيئاً آخر عنه.
***
وقد مر اليوم بصعوبة على عاصي، الذي كان يجلس في إحدى الأركان لا يفعل أي شيء سوى التفكير في حل للخروج من تلك المتاهة التي وقعوا فيها. ذهبت رحيل وجلست بجانبه بعد أن حضّرت لهم كوبان من الشاي. أمسك الكوب منها وشكرها وصمت الاثنين، حتى قال عاصي:
– يوم ما كُنا قاعدين على النيل وحصل الموقف بتاع الولد اللي بيبيع المناديل، ليه قولتيلي كده يومها؟
– قولت إيه؟
– إنك عيشتي حياة الناس دي وعشان كده بتدافعي عنهم.
ابتسمت رحيل وقالت:
– عشان دي الحقيقة. في فترة من عمري كانت حالتنا المادية وحشة جدًّا، عشان كده أنا حاسة بالناس دي وحاسة هما أد إيه بيعانوا.
صمت عاصي، فقالت رحيل بهدوء دافئ:
– مش عارف تسامح باباك برضو؟
وقال عاصي وهو ينظر لكوب الشاي بيده:
– مش عارف ألاقي ليه عُذر جوايا، مش عارف.
– مش يمكن عشان أنت اللي مش عايز؟ كفاية عقلك كل السنين دي. أدي فرصة لقلبك أنه يقرر.
– ولو قلبي اتعامل هضعف واندم.
– ولو عقلك اللي اتعامل هتتعب وتموت.
نظر لها بعيون متسعة، فأكملت:
– كفاية عقل كل السنين دي، كفاية قسوة وجمود. خلي قلبك يتنفس شوية. صدقني مش هتندم. وحتى لو ندمت، وماله؟ هي دي سنة الحياة، نغلط ونتعلم.
ثم ابتسمت له ونهضت من مكانها وذهبت إلى غرفتها لتنام. وظل عاصي يفكر طول الليل في جملتها تلك: “كفاية عقلك كل السنين دي، أدي فرصة لقلبك أنه يقرر”.
وفي الصباح التالي..
جهزت رحيل نفسها ومعها بدر وكذلك عاصي، وكانوا في انتظار السيارة التي سوف تعيدهم مرة أخرى. اتجه عاصي إلى بدر وقال:
– ممكن أتكلم معاك شوية؟
قال بدر بترحاب:
– طبعًا، اتفضل.
ثم دلف الاثنان إلى غرفة بدر وتركوا رحيل بالخارج. جلس بدر أمام عاصي وقال:
– شكلك منمتش من امبارح، صح؟
– بفكر.
– ووصلت لحاجة؟
مرت لحظات كساها الصمت، حتى أردف عاصي وكأنه يفكر بصوتٍ عالٍ:
– الحكاية بدأت بموضوع الصور، وكل الابتزاز كان على موافقتي إني أساعدهم في تهريب القرف ده، عشان مخسرش شغلي. بس لو فكرنا فيها من جهة تانية، هتلاقي إني في الحالتين هخسر شغلي. وممكن كل ده تكون خطة منهم عشان أخسر.
قال بدر تكملة على كلامه:
– وعشان كده لما خطفوا رحيل محدش آذاها، عشان مش دي غايتهم. ولا يأذوك حتى، هما عايزينك تدمر مش تموت.
– يبقى الحل إني ألعبهم بنفس طريقتهم، وأحرق ورقهم قبل ما يفكروا يستخدموه.
نظر له بدر بعدم فهم وقال:
– تقصد إيه؟
– أقصد إن بدل ما هما يفاجئوني بالأخبار اللي هتكون عني بسبب الصور دي، أنا اللي أعملهم مفاجأة.
نظر له بدر بتساؤل ولم يقدر على فهم تفكيره، حتى نهض عاصي من مكانه. فقال له بدر:
– أنت بتكرهني؟
طالعه عاصي بدهشة ورد عليه:
– هكرهك ليه؟ لو عشان الموضوع القديم، لولا الظروف اللي إحنا فيها مكنتش هقدر أعرف أنك غيره وأعرف اللي جواك بجد. وحالياً أنا بعزك مش بكرهك خالص.
أبتسم بدر ثم ربط على كتفه وخرج الاثنان إلى رحيل. قالت لهم:
– كنتم بتقولوا إيه؟
قال بدر:
– كُنا بنتكلم في الموضوع ده.
نظرت رحيل إلى عاصي وقالت:
– لقيت حل؟
أبتسم عاصي بثقة وقال:
– بكره كل حاجة هتنتهي.
وبعدها جاءت السيارة واخذتهم من هذا البيت.
***
في المصحة..
استيقظت من نومها على صوت الباب الذي يُفتح، وكانت سهام ممرضتها. نهضت من مكانها بنعاس وقالت:
– صباح الخير.
قالت سهام:
– صباح النور. قومي، في حد جاي يزورك.
انتفضت هي من مكانها بدهشة وقالت:
– مين جاي يشوفني؟ غريبة، هو راجل طيب؟
– لا، واحدة.
سقطت جبينها بتساؤل وقالت:
– جت هنا قبل كده؟
– لا، أول مرة أشوفها. يلا بس عشان مستنياكي من بدري.
نهضت من مكانها بتوتر وساعدتها سهام في تجهيز نفسها، وخرجت معها وقلبها يدق بسرعة. وكان التوتر قد وصل بها إلى أقصاه، حتى وصلت إلى غرفة معينة للزيارة. فتحت سهام الباب ودلفت سلمى إلى الداخل. وعندما وقع بصرها على الفتاة الواقفة أمامها، نظرت لها بصدمة وعيون متسعة ثم قالت:
– أنتِ؟
رواية رحيل العاصي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ميار خالد
نهضت من مكانها بتوتر وساعدتها سهام في تجهيز نفسها، وخرجت معها وقلبها يدق بسرعة وكان التوتر وصل بها إلى أقصاه، حتى وصلت إلى غرفة معينة للزيارة.
فتحت سهام الباب ودلفت هي إلى الداخل، وعندما وقع بصرها على الفتاة الواقفة أمامها، نظرت لها بصدمة وعيون متسعة ثم قالت:
– أنتِ؟!! أنتِ رجعتي من كندا؟!!
اتجهت إليها الأخرى ونظرت لها للحظات ثم قالت:
– عاملة إيه؟
– عاملة إيه؟ سلمى ومريم اللي كانوا يعرفوا بعض أكتر من نفسهم جايه بتسأليني عاملة إيه؟ أنتِ إزاي جيتي هنا وعاصي عارف إنك هنا أصلاً؟
قالت الأخرى باستهتار:
– أنا مبقاش فارق معايا حد ومش هخاف من عاصي تاني.
– رجعتي ليه؟
– عشان نساعد بعض، إحنا مكنش ينفع نتفرق كان لازم نفضل مع بعض ونقوي بعض.
– أنا مش عايزة أتكلم معاكي، أمشي.
ثم استدارت ونادت على سهام حتى تعود بها إلى غرفتها، ولكنها قبل أن تغادر الغرفة سمعت الأخرى تقول لها:
– أنا رجعت عشانك وعشان ليلى ومش هتخلى عنكم تاني.
– أتأخرتي أوي، مش محتاجة حد فيكم وأنا هقف على رجلي لوحدي وهرجع تاني بس مش بفضلكم.
ثم تحركت مع سهام وعادت إلى غرفتها مرة أخرى لتنفجر في البكاء عندما ظلت بمفردها.
وبعد ساعة كان شادي قد وصل إلى المستشفى، وبمجرد وصوله ذهبت إليه سهام وقالت بقلق:
– دكتور شادي، في حاجة حصلت لازم تعرفها.
– حصل إيه؟
– قبل ما حضرتك تيجي في واحدة جت طلبت تشوف سلمى وأنا أخدتها وروحت بيها للأوضة فعلاً، بس مطولتش خالص، يا دوب خمس دقايق لقيت سلمى بتناديني أني أرجعها لأوضتها ومن ساعتها وهي عمالة تعيط ومنهارة.
– مين البنت دي؟ تعرفي اسمها؟
– مش فاكرة، هي مقالتش اسمها قدامي بس أكيد سلمى عارفة.
– تمام، شكرًا يا سهام.
ثم تحرك من مكانه واتجه إلى غرفة سلمى ليسمعها تبكي بصوت مرتفع، دلف إلى الغرفة بسرعة ومعه سهام ليجدوا الأخرى في حالة يرثى لها من البكاء.
اتجه إليها شادي بسرعة وحاول تهدئتها قليلاً، وبعد محاولات كثيرة هدأت هي نوعاً ما.
نظرت له بدموع وقالت:
– هي جت، أنا شوفتها.
نظر شادي إلى سهام وصمت للحظات ثم قال بتوتر:
– مريم؟
نظرت له بسرعة وظلت تطالعه للحظات حتى تساءل هو من نظراتها الشاردة تلك، وكررت هي الاسم على لسانها وقالت:
– مريم.
أيقن شادي أن من زارتها كانت هي، لذلك لم يود أن يتحدث معها في هذا الموضوع وخصوصاً وهي بتلك الحالة، فتركها حتى تهدأ قليلاً وقد نامت على سريرها وخرج هو وسهام.
***
كانت داليا تجلس في غرفتها، وكلما كانت تتذكر كلمات حازم الذي قالها أمام فارس ينتابها الحزن والتوتر، وفي لحظة تحولت كل ذرة حب بقلبها لحازم إلى كره، استطاع بأفعاله تلك أن ينتزع حبه من قلبها.
أمسكت هاتفها واتصلت بفارس، لم يرد عليها في البداية ولكنه في نهاية الأمر رد عليها بفتور، قال:
– خير يا داليا.
– مكنتش عايز ترد عليا؟
– المفروض بعد اللي سمعته امبارح أعمل إيه؟
– المفروض إنك تصدقني مش تصدقه هو.
– ما يمكن بيتكلم صح، ما يمكن علاقتكم كانت متطورة أوي للدرجادي.
– أنت مش بتثق فيا؟
صمت فارس للحظات ثم قال:
– مش عارف يا داليا، صدقيني مش عارف، أنا كنت شايفك بطريقة معينة، كنتِ حاجة نقية وحلوة أوي في عيني، فجأة الصورة دي اتشوهت.
أردفت داليا بحزن:
– أنا لسه زي ما أنا، لكن أنت اللي بقيت عايز تشوفني بطريقة تانية، أنا معاك إنّي غلطت، بس متخطتش الحدود! عارفة إن علاقتي بحازم كانت غلط، لكن عمري ما تخطيت حدودي في الارتباط ده، وعايزة أقولك إن حتى قبل ما أنت ما تظهر علاقتي بحازم كانت خلصت لأنه بان على حقيقته قدامي.
ظل فارس صامت لا يعرف ماذا يقول، ولكن جانب منه تعاطف مع كلماتها تلك، ولكنه قبل أن يرد قالت داليا:
– أنت تخليت عني قبل ما تتمسك بيا حتى، تخليت عني قبل بداية الطريق.
– المفروض مين اللي يكون مخذول من التاني؟
– أنا مش بنكر إني غلطانة، بس أنا بقولك استاهل فرصة، أنا استاهل تديني فرصة تانية، استاهل نبدأ من جديد صح، استاهل أننا نبدأ صفحة جديدة.
– بلاش نتكلم في أي حاجة لحد ما والدك يرجع من السفر، تمام؟
– تمام.
– لو احتاجتي أي حاجة كلميني، هتلاقيني عندك في ثواني، ولو البني آدم ده عمل أي تصرف يضايقك عرفيني برضه.
ابتسمت داليا وقالت:
– حاضر، متقلقش.
ثم أنهى معها المكالمة وبدأ عقله في التفكير، لا يعرف هل يعطيها فرصة أخرى أم تظل مذنبًة في عيونه، وهل إذا أعطاها فرصة أخرى سيقدر على النظر في عيونها دون تذكر كلمات هذا الكاذب؟ لحظة! إن عقله يعترف أنه كاذب، إذا لماذا يرفض أن يعطيها فرصة أخرى؟ وفي النهاية زفر بضيق وترك تلك المسألة إلى الوقت.
***
وصلت السيارة تحت بيت بدر، وقبل أن يترجلوا من السيارة قال عاصي:
– أنا بستأذن منك، ممكن آخد رحيل مشوار الأول بعدين هروحها؟
– هتروحوا فين؟
– المستشفى.
نظرت له رحيل بدهشة، فأكمل:
– على الأقل نطمن على حالتها.
قال بدر:
– عندك حق، بس أنا عايز أجي معاكم.
– أنت تعبت جدًّا اليومين دول، ارتاح وأنا هكون معاها خطوة بخطوة وهبلغك بكل حاجة.
قالت رحيل باعتراض:
– بس أنا مش...
قال بدر وعاصي في نفس الوقت:
– مفيش بس!
تنهد بدر ثم قال:
– عاصي عنده حق، المهم دلوقتي نطمن على حالتك، وعموماً طول ما أنتِ معاه أنا مطمن، أنا بثق في عاصي.
طالع عاصي بابتسامة وترجل بدر من السيارة، ثم تحرك بهم عاصي وذهب إلى أحد المستشفيات.
وأثناء الطريق قالت رحيل:
– غريبة.
نظر لها وقال:
– هي إيه اللي غريبة؟
التفتت إليه وقالت بصياح:
– أنت مالك إذا كنت تعبانة ولا لا، أنا حرة، أنا اللي أقرر حياتي تمشي إزاي، أنا مكنتش عايزة أتكلم قدام بابا عشان ميضايقش مني، بس...
وفي حركة عفوية منه وضع يده على فمها لتسكت قليلاً وصاح بها:
– ابلعي ريقك شوية، في إيه!!
وبحركة سريعة وضعت يده تحت أسنانها وعضته بقوة، فصرخ الآخر بألم وسحب يده ثم نظر لها بغضب. وقبل أن يتكلم امتص غضبه وصمت.
وعندما وجدته رحيل بهذا الصمت قالت:
– أنت مش كنت بتتمنى من كام يوم أني أختفي من حياتك وأنك متشوفش وشي تاني؟
– تختفي من حياتي وأنا عارف إنك بخير وكويسة، مش تختفي بطريقة تانية.
ردت عليه رحيل:
– مش هقدر ألومك لأني من يوم ما ظهرت في حياتك كل حاجة بتبوظ، وكأن حظي مكفاهوش حياتي راح يبوظ حياة غيري.
نظر عاصي أمامه بتردد ثم أمسك يدها، فنظرت له هي بدهشة، ثم قال:
– كل حاجة بتحصل في الدنيا لسبب، وأنا مش بصدق أن في حاجة اسمها حظ، لكن في حاجة اسمها قدر، في ناس معينة بيكون قدرنا مرتبط بيهم بطريقة غير مباشرة، طريقة عقلنا مش بيقدر يستوعبها.
– والناس دي ممكن تأذينا؟
– ممكن تأذينا وممكن لا، أنتِ ونصيبك، في ناس ممكن يكونوا عوض وناس تانية ممكن يكونوا درس جديد من الدنيا.
– وأعرف إزاي؟
– إنك تحسي وتسيبي قلبك هو اللي يقرر.
ابتسمت رحيل بسخرية وقالت:
– عاصي اللي بيقول الكلام ده، مش معقول!
– مش ده كلامك؟ كفاية عقلك كل السنين دي، أدي فرصة لقلبك أنه يقرر، وأنا قررت أسمع كلامك ولأول مرة واسيب قلبي هو اللي يقرر.
نظرت له رحيل بابتسامة وخجل، ثم غيرت الموضوع:
– ممكن نروح نشوف ليلى بعد مشوار المستشفى؟ وحشتني جدًّا.
– لازم أروح لعز، خليها يوم تاني طيب.
– مش مشكلة، روح أنت لعز ووصلني لليلى، أقعد معاها شوية.
أومأ عاصي برأسه، ثم وصل الاثنان إلى المستشفى، وتعرضت رحيل لأكثر من كشف وأجرت بعض التحاليل والأشعات، وكان للأدوية التي تتناولها فضل كبير في استقرار حالتها، ولكن يجب أن تجري العملية في أسرع وقت وإلا سوف تسوء حالتها ولم تنفعها الأدوية بعد الآن.
وعند خروجهم من المستشفى قال عاصي:
– نتيجة التحاليل هتظهر بكرة، كده كده هاجي أشوفك، هبقى أجيب لك النتيجة، ارتاحي أنتِ وامشي على كلام الدكتور بس.
ظلت رحيل تطالعه بدهشة نوعاً ما، ولكنها ابتسمت في نهاية الأمر عندما دق قلبها الضعيف بطريقة غريبة وجانب منها أحب كلماته تلك، أومأت برأسها، ثم تحرك الاثنان وأوصلها عاصي إلى بيته.
وقبل أن تنزل قال لها:
– صحيح، هاتي الخط بتاعي.
أخرجت رحيل الشريحة الخاصة بعاصي من هاتفها وأخذها منها، ثم تركها أمام المنزل، وعندما تأكد أنها دلفت إليه اطمئن.
وقبل أن يتحرك سمع حارس العقار وهو يصيح بها:
– استني، أنتِ رايحة فين؟!
نظرت له رحيل بفزع وقالت:
– عايزة أشوف ليلى.
صاح بها الآخر:
– أيوة مين يعني؟!
وقبل أن ترد رحيل ترجل عاصي من السيارة وأخبره أنه يعرفها، فقال منصور:
– معلش يا بيه، معرفش أن حضرتك تعرفها، أنا آسف والله، عشان سبت الحيوان ده يخش كده، بس هو ضحك عليا والله، أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه.
قال عاصي بتركيز:
– أنت شوفت الشخص ده؟؟ تقدر تفتكر ملامحه يعني؟
– أيوة طبعاً.
نظر عاصي إلى رحيل وقال:
– اطلعي أنتِ طيب.
وبعد ذهابها طلب عاصي من حارس العقار أن يذهب معه إلى القسم حتى يقول مواصفات هذا الشخص حتى يتعرفوا عليه.
***
صعدت رحيل إلى البيت وفتحت لها حنان عندما دقت على الباب، وبعد نوبة كبيرة من الترحاب والقلق والتوتر جلست رحيل على إحدى المقاعد وفي أحضانها ليلى التي ظلت متعلقة بها وكانت تبكي بين الحين والآخر.
قالت حنان بقلق:
– أنا عايزكي تحكيلي كل حاجة، عاصي مش راضي يفهمني وأنا قاعدة هنا على أعصابي.
صمتت رحيل للحظات ثم قصت عليها كل ما حدث معهم حتى الآن، منذ موضوع الصور إلى اختطافها وحتى هروبهم في إحدى المناطق المخفية، وكانت حنان تسمعها بعيون متسعة.
قالت:
– إزاي عاصي يخبي عني حاجة زي دي؟!!
– صحيح، مين اللي دخل هنا؟ ليلى شافته صح؟
أومأت حنان برأسها، ثم أبعدت رحيل ليلى عن أحضانها قليلاً وقالت:
– أنتِ زعلانة ليه يا عمري؟
قالت ليلى بدموع:
– عشان عمو ده أخد صورة ماما منين؟
نظرت لها رحيل بدهشة، ثم نظرت إلى حنان بعدم فهم وقالت:
– صورة إيه؟
ثم تذكرت الصورة التي رأتها على هاتفها عندما أخبرت عز، ولكنها لم تركز في معالم الصورة وشخصياتها، لذلك فتحت هاتفها مرة أخرى واتجهت إلى الرسائل، فظهرت الصورة مرة أخرى. وضعت الهاتف أمام ليلى وقالت:
– هي دي مش كده؟
ضحكت ليلى بفرحة وقالت بصوت عالٍ:
– أيوة هي دي.
نظرت رحيل إلى حنان وقالت:
– أنا ممكن أطبع الصورة تاني من الموبايل، ممكن آخد ليلى ونروح تقريباً في استوديو قريب من هنا، صح؟
نهضت ليلى من مكانها ثم عانقت رحيل بقوة وهي تبكي بفرحة، وظلت تصيح:
– أنا بحبك أوي، أنا بحبك قد الدنيا.
كانت تلك الصورة مهمة للغاية بالنسبة لليلى، فهذا الشيء الوحيد التي تملكه من والدتها، وعندما رأت حنان فرحتها تلك ابتسمت وأومأت برأسها، ثم نهضت ليلى من مكانها وجهزت نفسها وخرجت من البيت هي ورحيل.
***
في المديرية.
تم أخذ إفادة حارس العقار وتم رسم صورة بملامح الشخص الذي وصفه لهم، ولكنه كان مألوفاً نوعاً ما بالنسبة لعاصي ولكنه لم يقدر على تحديد هويته.
قال له عز:
– هنفتش كاميرات المراقبة اللي حوالين البيت وأكيد هنوصل لحاجة، متقلقش.
قال عاصي:
– أنا عايزك في موضوع مهم.
انتبه له عز وقال:
– اتكلم، سامعك.
– هقولك خبر دلوقتي، عايزُه يكون تريند، بكرة الصبح يكون ظاهر للناس كلها.
– خبر إيه؟
صمت عاصي للحظات ثم أخبره ما يفكر فيه، فنظر له عز بصدمة وقال:
– أنت اتجننت!!
– اعمل اللي بقولك عليه بس.
– أنت متخيل عواقب الخبر ده ممكن تكون إيه؟ فكر تاني.
– فكرت وعارف بقولك إيه.
أردف عن رغماً عنه:
– اللي تشوفه.
– ابنك عامل إيه؟ أنا آسف مسألتش كل ده.
– لا الحمد لله، هو بس بسبب التقلبات اللي بتحصل في الجو تعب شوية.
– ربنا يحفظه لك، صحيح أنت صاحبك علي دكتور صح؟ ممكن تعرفلي منه رقم جراح قلبية كويس جدًّا يكون ثقة.
– حاضر بس ليه؟
– محتاجه، بلاش تنسى.
– تمام.
ثم خرج من المكان وذهب ليشتري له هاتف جديد، ثم طلب إحدى السيارات حتى يعود إلى بيته بعدما ترك السيارة التي قد أرسلها له عز أمام المديرية.
***
– مبسوطة يا ستي؟
قالها عاصي بابتسامة بعد أن طبعت الصورة لليلى، وكانت الأخرى تمسكها بيدها بتشبث وفرحة.
قالت ليلى:
– أيوة مبسوطة أوي، بس هبقى مبسوطة أكتر لما نلاقي البنت اللي في الصورة هي اللي هتقولي فين ماما.
قالت رحيل بتساؤل:
– بنت مين؟
أشارت ليلى على إحدى الفتاتين في الصورة وقالت:
– البنت دي، أنتِ مش فاكرة دي؟ شوفناها في الحمام في المطعم.
أمسكت رحيل الصورة ودققت بها ثم قالت بصدمة:
– دي هي فعلاً؟!!
قالت ليلى:
– أكيد، دي تعرف مامتي فين مش كده؟ عشان لو هي ماما كانت عرفتني علطول.
قالت رحيل بصدمة وهي تسير:
– يعني دي سلمى!! بس إزاي عاصي قالي أنها في المصحة.
– وقفتي ليه؟ أمشي يلا.
كانت ليلى تنظر لنقطة أمامها بصدمة كبيرة وقد تسمرت مكانها لم تتحرك أبداً.
نظرت رحيل إلى النقطة التي تنظر لها ليلى لتجد الفتاة الأخرى في الصورة تتحرك أمامها في بداية الشارع حتى دخلت إلى إحدى البيوت المجاورة لهم!!
قالت ليلى بصدمة:
– ماما.
نظرت رحيل إليها بصدمة وأدركت أن التي تحركت أمامهم منذ لحظات هي بنفسها الفتاة الموجودة في الصورة أي والدة ليلى!! لذلك أمسكت يد ليلى بقوة واتجهت إلى هذا البيت.
رواية رحيل العاصي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ميار خالد
نظرت رحيل إليها بصدمة وأدركت أن التي تحركت أمامهم منذ لحظات هي بنفسها مريم والدة ليلى.
لذلك أمسكت يد ليلى بقوة واتجهت إلى هذا البيت.
عندما اقتربت من البيت شعرت بمن يمسكها من ذراعها برفق، فالتفتت بسرعة لتجد عاصي أمامها.
قال:
– بتعملوا إيه هنا؟
نظرت له رحيل بتوتر وقالت:
– ولا حاجة، كنت بتمشى أنا وليلى.
قالت ليلى باعتراض:
– بس إحنا كُنا رايحين…
قاطعتها رحيل وقالت:
– أنا طبعت الصورة تاني لليلى بدل اللي اتسرقت عشان كده.
نظر عاصي إلى ليلى بضيق وقال:
– ليلى اللي كذبت عليا واتصرفت من دماغها.
نظرت له ليلى بحزن وقالت:
– أنا أسفه يا خالو متزعلش مني، بس أنا كنت عايزة أشوف ماما وأنت مش عايز.
تنهد عاصي ثم حمل ليلى بين يديه وقال:
– مش زعلان منك يا ليلى، أنا زعلان عشان اتصرفتي من ورايا، بس غير كده كل حاجة في وقتها حلو. أنا عايزك مهما حصل أو إوعي تتصرفي من ورايا أو تخبي عليا حاجة، ساعتها هيبقى زعلي منك كبير.
ابتسمت ليلى وقالت:
– اتفقنا يا خالو.
ثم قبّلته في وجنته وتحرك بها وهو يحملها بيد واحدة، ومد يده الأخرى إلى رحيل حتى تمسك بها دون أن ينظر إلى الخلف.
ظلت تطالع يده قليلاً وشردت للحظات، ولكنها بعدها قد مدت قلبها قبل يديها لتمسك بيده.
***
قالت أمينة بفرحة:
– ده البيت نوّر يا حبيبي.
– في إيه يا أمينة، مكنش يوم اللي غيبت فيه.
– برضو والله البيت ما كان ليه حس ولا روح من غيرك، ربنا يخليك لينا.
– ويخليكِ يارب، لما رحيل ترجع حاولي تصلحي اللي أنتِ عملتيه معاها.
– تلاقيها لسه زعلانه مني، بس أنا والله قولت الكلام ده وقت عصبية، بس أنا أعصابي كانت بايظة.
– هي أعصابها كانت بايظة برضو، بس مقالتش الكلام اللي قولتي. راضيها.
– حاضر عيوني.
– وعايزك تهتمي براحتها أوي والأدوية اللي بتاخدها.
– ليه هي تعبانة ولا إيه؟
– لا كويسة، بس كل اللي بيحصل ده أكيد بوظ أعصابها، خليها ترتاح.
قالت أمينة بعد أن زفرت بضيق:
– طب وهو الموضوع ده هيخلص على إيه؟
– عاصي قالي أنه هيحل الموضوع ده بكرة، لما نشوف هيعمل إيه.
وفي تلك الأثناء، عاصي وصل مع رحيل بسيارته تحت بيتها بعدما أوصل ليلى إلى بيته أولاً.
قال:
– أنا كلمت عز وهاخد منه رقم جراح قلبية كويس عشان العملية بتاعتك.
– ولو موافقتش؟
– أنتِ عايزة تموتي؟
– محدش بياخد غير نصيبه، ولو ده عمري خلاص. أنت بتعمل كل ده ليه بجد، شفقة؟
تنهد عاصي ثم قال:
– مش أنتِ قولتيلي سيب الفرصة لقلبك أنه يقرر، وأنا قلبي مش عايزك تموتي.
نظرت له بدهشة وقالت:
– اشمعنا؟
– مش عارف، بس أنا مش هسيبك غير لما تبقي كويسة.
– ولما أبقى هتمشي وتسيبني؟
– أيوة.
نظرت له رحيل بغضب وقالت:
– بس أنا ملحقتش أعمل فيك مقالب.
– يا شيخة ارحميني، مش كفاية المصايب اللي إحنا فيها دي.
– تمام خلاص.
وقبل أن تترجل من السيارة، تذكرت ليلى ومريم التي قد رأتها منذ لحظات.
نظرت إلى عاصي، وعرف هو أنها تريد أن تقول شيئاً ما.
قالت:
– ممكن سؤال بس متتعصبش، هو أنت ليه مانع مريم أختك أنها تشوف ليلى؟ في الشقة القديمة قولتلي لو تعرفي اللي مريم عملته في ليلى وهي صغيرة هتعرفي اتصرفت كده ليه، مريم عملت إيه في بنتها؟
زفر عاصي بضيق ثم قال:
– رحيل أرجوكِ، إحنا مش ناقصين مشاكل ووجع دماغ تاني، كفاية اللي إحنا فيه. أوعدك بمجرد ما مشكلة الصور دي تخلص أنا هقولك اللي حصل.
ابتسمت له رحيل ونظرت له بثقة ثم قالت:
– صحيح، مش لازم تيجي بكرة عشان التحاليل، أنا كده كده جايالكم.
– ليه؟
– ملحقتش أقعد مع ليلى النهاردة.
– بس أنتِ لازم ترتاحي، خليكي وأنا أجيب ليلى ليكِ.
قالت رحيل بسرعة:
– لا!! أنا هروح لها، بلاش تتعب نفسك.
– تمام، عموماً لما تشوفي الأخبار بكرة أكيد هتكلميني نبقى نشوف وقتها.
– ليه مالها الأخبار؟
– ساعات وتعرفي كل حاجة، يلا.
نظرت له رحيل بعيون ضيقة ثم ترجلت من السيارة ودلفت إلى بيتها، وظل هو يطالعها للحظات.
وفجأة شعرت هي بدوار خفيف فاختل توازنها قليلاً.
وعندما لاحظ عاصي أنها تترنح مكانها، نزل من سيارته بسرعة واتجه إليها ثم قال بقلق:
– أنتِ كويسة؟ نرجع المستشفى.
قالت رحيل وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها:
– أنا كويسة، بس دوخت شوية.
ثم ساعدها وجلست على درجات السلم.
قال بتوتر:
– حاسة بأيه؟
– ضيقة نفس وحاسة رجلي وجعاني أوي كأنها وارمة.
ثم وضعت يدها على قلبها وحاولت أن تنظم انفاسها.
قال عاصي بقلق:
– تعالي نرجع المستشفى يلا.
أمسكت رحيل يده وقالت:
– لو دخلت المستشفى مش هطلع يا عاصي، خليني هنا!
قال الآخر بغضب يكسوه القلق:
– إزاي يعني؟!
صمتت رحيل.
طالعها عاصي بعيون تكاد تخرج من مكانها من كثرة القلق وقال:
– رحيل أنتِ عندك إيه بالظبط؟
تنهدت وقالت:
– أنا عندي مشكلة في صمامات القلب، محتاجة عملية ترميم صمام ده على حسب كلام الدكتور معايا من كام شهر، مش عارفه الوضع بقى أسوأ دلوقتي ولا لا، لو أسوأ هضطر أعمل عملية استبدال صمام. الدكتور في العملية بتاعتي هيعمل فتحة صغيرة في قلبي غير عمليات القلب المفتوح، بس حتى الفتحة الصغيرة دي أنا مرعوبة منها وخايفة.
نظر لها عاصي بعيون متسعة أردف:
– يعني وإحنا بنعمل كل الأشاعات والكشوفات دي كنت عارفة مرضك إيه وبرضو خبيتي؟!
– كنت عايزني أقولك إيه؟
وقبل أن يرد عاصي، انتبه الاثنان لداليا الواقفة خلفهم والتي قد سمعت كل حديثهم هذا.
وقد خرجت داليا من غرفتها بعدما رأت رحيل قد ترجلت من سيارة عاصي.
نظرت داليا لرحيل بدموع مجمعة في عيونها.
تحركت الأخرى من مكانها بسرعة وامسكت داليا التي كانت تنظر أمامها بصدمة، عقلها لم يستوعب الكلمات التي سمعتها منذ لحظات.
قالت رحيل بابتسامة وهي تهز أكتاف داليا:
– ده مقلب، متصدقيش حاجة بجد، ده مقلب.
كانت رحيل تضحك وتحاول أن توهم داليا، ولكن بدون فائدة.
قالت داليا:
– ياريت المرة دي كانت مقلب بجد.
ثم بكت بقوة وارتمت في أحضانها.
نظرت رحيل بدموع إلى عاصي الواقف أمامهم وداليا في أحضانها، ونظر لها الآخر لثواني ثم خرج من البيت واستقل سيارته وتحرك بها قبل أن يبكي أمام رحيل.
***
كانت ليلى تمسك الصورة في أحضانها ولا تسمح لأي شخص أن يلمسها، وكان كل تفكيرها في الوصول إلى والدتها.
لم تخبر أي شخص أنها قد رأتها قريبة من بيتهم غير رحيل التي كانت معها.
وبعقلها الطفولي فكرت أن تهرب من البيت حتى تذهب إلى والدتها.
وبالفعل حاولت، فقد انتظرت حتى هدأت الأوضاع في البيت ثم وقفت على إحدى الكراسي الصغيرة التابعة للمطبخ وفتحت الباب وخرجت من الشقة.
نزلت إلى الأسفل وقبل أن تخرج من البوابة امسكها حارس العقار وقال:
– رايحة فين لوحدك؟ تعالي.
نظرت له الصغيرة بتوتر وقالت:
– اا أنا أنا سمعت صوت عربية الآيس كريم بتعدي يا عمو فنزلت أجيب.
– آيس كريم في الجو ده غلط عليكِ يا ليلى، غير كده مفيش حاجة عدت، العربية دي بتعدي في الصيف بس.
– بجد؟ بس أكني سمعتها.
– بتتهيألك يا حبيبتي، يلا ارجعي تاني عشان حنان هانم متقلقش عليكِ.
نظرت له ليلى بضيق ثم تحرك من مكانه وامسكها من يدها وعاد بها إلى البيت ثم أدخلها وأغلق الباب خلفه.
تنهدت ليلى بضيق وقالت:
– أكيد لو طلبت من رحيل أنها توديني عند ماما هتوديني النهاردة، كان هيحصل كده أصلاً، بس أكلم رحيل إزاي دلوقتي.
عند رحيل..
كانت داليا في أحضانها تنتفض بدموع وكانت هي تحاول أن تجعلها تهدأ فقالت لها:
– أهدي طيب بالله عليكِ، أنا مش عايزة ماما تعرف.
مسحت داليا دموعها وقالت:
– كنتِ تعرفي من أمتى؟
– من كام شهر.
– ومجتيش تقوليلي ليه؟ أنتِ إزاي تستهوني بالموضوع كده!
قالت رحيل بضحك:
– ده على أساس إنك كنتِ طيقاني أصلاً.
كانت رحيل تقولها بمزاح، ولكن داليا قد انفجرت في البكاء مرة أخرى وظلت تردد:
– أنا آسفة، حقك عليا.
وبعد مدة هدأت داليا قليلاً وقد وعدت رحيل أن يظل هذا الموضوع سر بينهم حتى عمها، لأنها لم تود أن يعرف ما هو تشخيصها وحالتها، حتى لا يقلقوا عليها أكثر، يكفي ما توقعهم به.
وصعد الاثنان إلى البيت ورحبت أمينة برحيل بحرارة وقد اعتذرت لها عن ما قالته، وقد سامحتها رحيل بسرعة وعلى وجهها ضحكتها المعتادة، ثم دلفت إلى غرفتها لترتاح قليلاً.
في بيت عاصي..
وبمجرد دخوله إلى البيت ركضت نحوه ليلى وقالت:
– خالو خالو، أنا عايزة رحيل، ممكن تتصل بيها اكلمها.
– أنتِ ورحيل وراكم إيه؟ أنا مش مرتاحلكم.
– أنا مقعدتش مع رحيل كتير النهاردة عشان كده بقولك أتصل بيه.
نظر لها عاصي ثم قال:
– ماشي، أنا كده كده كنت هتصل اطمن عليها أصلاً.
ثم جلس على الأريكة وجلست ليلى في احضانه وضغط على رقم رحيل، ولكن ليلى خطفت منه الهاتف بسرعة وقالت له:
– هو أنت بتحب رحيل يا خالو؟
وفي تلك اللحظة فتحت رحيل الخط لتسمع تلك الكلمات، تجمدت للحظات.
فقال عاصي بانفعال:
– وأنتِ مالك بالكلام ده؟ أنتِ لسه صغيرة علشان تفهمي الكلام ده.
– أقولك حاجة؟ إيه رأيك تتجوز رحيل وتيجي تعيش معانا هنا ونفضل كلنا سوا.
– ليلى، لآخر مرة هقولك متدخليش في الكلام ده، أنتِ لسه صغيرة على كل ده، أنتِ عايزاني أزعل منك؟!
– لا خلاص.
ثم سحب منها الهاتف ليجد الخط مفتوح ورحيل من الممكن أن تكون قد سمعت كلماتهم تلك.
قال بتوتر:
– الو؟!
لم ترد رحيل وظلت صامتة.
وعندما كرر كلمته قالت:
– معلش فتحت الخط ونسيت أرد، كنت بعمل حاجة، خير يا عاصي؟
حمد عاصي ربه أنها لم تسمع كلماتهم تلك وقال:
– أنتِ كويسة؟ عاملة إيه دلوقتي؟
– برتاح شوية.
– طيب أنا مش هطول عليكِ، ليلى عايزة تتكلم معاكي.
ثم أخذت ليلى الهاتف وركضت بعيداً عنه حتى تتحدث مع رحيل.
قالت ليلى بصوت خفيض:
– رحيل ممكن تيجي تاخديني لماما؟
قالت رحيل:
– حاضر، هجيلك بكرة وأنا وأنتِ هنروح لماما، اتفقنا، بس ياريت الموضوع ده يفضل سر بينا ها، أوعي تقولي لحد.
– حاضر مش هقول.
ثم أنهت معها المكالمة وعادت بالهاتف إلى عاصي وقالت بابتسامة:
– اتفضل يا خالو، شُكرًا.
ثم قبّلته في وجنته وركضت من مكانها.
وكان عاصي مازال متوتراً بسبب سؤالها هذا، حب؟ ورحيل؟ كيف اجتمعت تلك الكلمتين في جملة واحدة؟
تلك الفتاة كانت كالعاصفة بالنسبة له، أفقدته الكثير من الأشياء منذ أن ظهرت، وأول ما أفقدته إياه هو عقله.
يشعر وكأنها تنتزع العاصي الذي يحتل عقله وقلبه، لذلك رفض وبشدة أن يخضع لها.
قال بحده:
– رحيل حالياً مجرد حالة إنسانية بالنسبالي، أكيد مش هسيبها تموت، وبمجرد ما تخف أنا هرجع لحياتي الطبيعية بعيد عنها وعن مصايبها.
كان يوهم نفسه بتلك الكلمات ونهض إلى غرفته.
وبعدها جاءت إليه والدته وعاتبته عن سكوته وعدم إخبارها بما يحدث معهم، ولكنه استطاع أن يصلح الأمور معها مجدداً وجعلها تهدأ أكثر ووعدها أنه في الغد سوف تنتهي كل تلك المسألة.
وفي اليوم التالي..
كانت المفاجأة التي هزت كل المنصات الإعلامية والمدونات الإلكترونية.
كان شريف يتناول فطوره بهدوء حتى اقتحم عليه أحمد المكان بقلق وقال:
– مصيبة!!
نهض شريف من مكانه وقال بقلق:
– في إيه على الصبح؟
– أنت مقراتش الأخبار؟
– لا، لسه، في إيه؟
– كل حاجة كُنا بنخططلها باظت، عاصي حرق ورقنا قبل ما نلعبه.
ثم أعطى له الهاتف ليقرأ الخبر الأول والذي قد تصدر كل المنصات وكان بعنوان: ” رجل الأعمال المعروف عاصي القاضي يعلن عن خطبته بشريكته المدعوة رحيل الصاوي وسوف يقام عقد القران بعد فترة، بارك الله لهما.”
نظر له شريف بصدمة.
فقال أحمد:
– كده حتى لو ظهرنا الصور هتكون طبيعية جداً، ومش بعيد الناس تدافع عنه كمان، صورته وهو بيتخانق عشانها الناس هتاخدها بشجاعة منه أصلاً، كل حاجة باظت. قولتلك ننشر الصور وخلاص، أنت اللي فضلت تقول صفقة ومش صفقة، أنت اللي ضيعت كل حاجة.
صاح به شريف:
– أسكت، عايز أفكر!!
– تفكر في إيه؟ كله راح.
– مستحيل! مستحيل أخسر من عاصي تاني، لا، لازم يدوق طعم الفقر اللي أنا دُقته.
وفي تلك الأثناء، كان عاصي قد ذهب إلى القسم واتصل على الرقم الذي كان في الرسالة النصية، وعز بجانبه، وكان رقم شريف.
أمسك شريف هاتفه وتعرف على رقم عاصي فوراً فرد عليه ولكنه صمت.
فقال الآخر بضحكة يكسوها الشماتة:
– إيه رأيك في أخبار النهاردة، مفاجأة صح؟
– كنت عارف إنك ذكي وعارف إنك بتعرف تتصرف في كل الأمور، بس المرة دي فاجأتني فعلاً.
صمت عاصي للحظات ثم قال:
– عايز إيه؟
– تتنازل عن مشروع المول، صدقني لو متنازلتش هتتعب أوي، فريح دماغك واشتري عيلتك وتنازل عنه.
– أشتري عيلتي؟ وأنت فاكر أنك تقدر تقربلهم أصلاً؟
– شكلك نسيت الصورة وفستان الأميرة الصغيرة اللي بعتهولك.
– أنت استغليت إني مكنتش موجود عشان كده قدرت تعمل كل ده.
– ودلوقتي فاكر إني مش هقدر؟ اعتبره تحدي جديد ده.
– اعتبر زي ما تحب، المفروض تكون عرفت أن أي تحدي معايا هتكون خسران فيه، فياريت تراجع نفسك وحساباتك تاني.
ثم أنهى المكالمة في وجهه.
نظر شريف أمامه بغضب كبير.
فقال أحمد:
– هنعمل إيه دلوقتي؟
– اللعب هيكون على المكشوف، هو حرق ورقي وأنا هحرق حياته.
***
نهضت رحيل في الصباح وقررت أن تذهب إلى بيت عاصي حتى تأخذ ليلى وتذهب بها إلى مريم في الخفاء، وذلك قبل أن يقرأ أحد في البيت أي أخبار، فليست من عادتهم أن يمسكوا هواتفهم كثيراً وخصوصاً عقب استيقاظهم من النوم.
فأخذت دوائها وخرجت.
وبعد فترة وصلت إلى بيت عاصي وكانت ليلى في انتظارها.
دلت إلى البيت ورحبت بها حنان ثم جلسوا سوياً وتناولوا فطورهم، وبعده قالت رحيل:
– لو تسمحيلي عايزة أخد ليلى ونخرج شوية، ممكن؟
نظرت ليلى بترقب إلى جدتها.
فقالت حنان:
– طب استنوا لما عاصي يجي.
قالت رحيل بسرعة:
– لا! يعني عايزين نبقى بنات لوحدينا، مش كده يا لولي؟
– أيوة يا تيتا، وافقي بالله عليكِ.
نظرت لها حنان للحظات ثم قالت رغماً عنها بابتسامة:
– خلاص ماشي، بس خلوا بالكم من نفسكم بالله عليكم وارجعوا بسرعة عشان عاصي ميزعلش مني.
قالت رحيل:
– متقلقيش، مش هنتأخر خالص.
ثم أخذت ليلى وخرجت من البيت.
وساروا للحظات حتى وصلوا أمام البيت التي دلفت إليه الأخرى في الأمس.
كادت رحيل أن تسمع دقات قلب ليلى من قوتها، ولم تنكر، فكانت هي أيضاً متوترة كثيراً وتشعر بحرارة في جسدها.
أمسكت يد ليلى بقوة وقالت:
– جاهزة يا ليلى؟
نظرت لها ليلى بحماس وقلق وقالت:
– أيوة، يلا.
سارت الاثنتان حتى وقفوا أمام باب البيت وضغطت رحيل على الأزرار الذي بجانب الباب فصدع جرس البيت رنيناً.
وبعد لحظات فتحت لهم الأخرى ونظرت له بتساؤل.
قالت:
– خير؟
طالعوها بأنفاس محبوسة ثم حمحمت رحيل وقالت:
– ممكن ندخل؟
نظرت لهم مريم بعدم فهم ولفت انتباهها نظرات الطفلة الصغيرة التي كانت تلمع بشدة.
فقالت:
– اتفضلوا.
دلف الاثنان ووقفوا أمام بعضهم.
لم تود رحيل أن تصمت أكثر فقالت بدون مقدمات:
– دي ليلى بنتك يا مريم.
طالعتهم الأخرى بصدمة ثم نظرت إلى ليلى وقد ترقرق الدموع في عينيها ثم قالت:
– عاصي يعرف أنكم هنا؟
قالت رحيل:
– لا، وأنا مش عايزة تخافي منه.
وأثناء حديثهم هذا، نظرت ليلى إلى لون شعر الواقفة أمامهم فوجدته أسود اللون ولا يشبه لون شعرها أبداً.
قالت ليلى:
– إيه ده؟ خالو قالي أن ماما شعرها نفس لون شعري، بس أنتِ لون شعرك أسود.
انتبهت لها رحيل ونظرت لها بدهشة.
وهُنا نطقت الواقفة أمامهم بدموع وهي تقول بانهيار:
– أنا مش مريم.
نظرت لها رحيل بدهشة وقالت:
– اومال أنتِ مين؟
– أنا سلمى.
نظرت لها رحيل بعدم فهم وقالت:
– لو أنتِ سلمى، اومال مين اللي في المصحة..
ثم توقفت فجأة وطالعتها بعيون مصدومة واردفت:
– مريم!
رواية رحيل العاصي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ميار خالد
نظرت لها رحيل بعدم فهم وقالت:
– لو أنتِ سلمى اومال مين اللي في المصحة..
ثم توقفت فجأة وطالعتها بعيون مصدومة واردفت:
– مريم!!
نظرت لها ليلى بعدم فهم وقالت:
– يعني ماما فين؟!
نظرت رحيل إلى سلمى الحقيقية بدون أن تنتبه لكلام ليلى وقالت:
– أنا لازم أفهم كل حاجة دلوقتي!!
نظرت سلمى إلى ليلى ثم عادت بنظرها إلى رحيل ففهمت الأخرى، طالعت رحيل الصغيرة وقالت:
– ليلى أنا عارفه إنك بنت كويسة، ممكن تفضلي هنا لحد ما أتكلم مع طنط سلمى شوية بعدين هرجعلك تاني.
نظرت لها ليلى بدموع وقالت:
– يعني دي مش ماما صح؟
صمتت رحيل بحزن ثم قالت:
– للأسف لا يا حبيبتي بس أوعدك إني هوديكي لمامتك.
– لو مش دي ماما يعني البنت التانية هي اللي ماما بس أنا لما شوفتها هي معرفتش أني ليلى إزاي.
– عارفه البنت التانية هي ماما فعلاً يا ليلى دلوقتي أنا هتكلم مع طنط سلمى وهوديكي لماما.
نظرت ليلى إلى سلمى بدموع وقالت:
– ممكن لو تعرفي ماما فين تخليني أروح لها مرة بس وهمشي مش هزعلها منين.
نظرت لها بتأثر وقالت:
– حاضر.
ثم تحركت رحيل ومعها سلمى ودلفوا إلى إحدى الغرف، نظرت إليها رحيل بترقب وانتظرت أن تتكلم ولكنها صمتت فقالت هي:
– إزاي مريم هي اللي في المصحة؟! وليه خبيتوا السر ده عن الكل طول السنين دي حتى طنط حنان فاكرة إن مريم هي اللي في كندا، ليه اللخبطة دي.
قالت بحزن:
– عشان عاصي اللي كان عايز كده.
– مش من حق عاصي يعمل كده!! إزاي يفرق أم عن بنتها كل السنين إزاي يسمح لنفسه أن ليلى تكبر من غير ما تشوف أمها ولا مرة مع أنها معاها في نفس البلد، حتى لما شافوا بعض معرفوش بعض!
نظرت لها سلمى بصدمة وقالت:
– هما شافوا بعض؟!
– مرة صدفة كُنا في مطعم وأنا وليلى شوفناها في الحمام، مش عارفه إزاي خرجت من المصحة وقتها لو هي اللي هناك فعلاً، أنتِ برضو مردتيش عليا ليه مريم اللي في المصحة؟!
تنهدت سلمى ثم قالت:
– أنا هحكيلك كل حاجة..
فلاش باك..
وبعد ولادة مريم لطفلتها ليلى، وخصوصاً عندما كانوا في المستشفى، كان عاصي يجلس بالخارج عقله لا يتوقف عن التفكير منذ أن رأى صورة هذا الخائن وهو يبحث عنه في كل مكان، ولكن لم يبقى له أي أثر، جاءت الممرضة ومعها ليلى على يدها ثم اقتربت من عاصي وقالت بابتسامة:
– ألف مبروك بنوته زي القمر.
حملها عاصي بين يديه وقد ترقرق الدموع في عيونه، لينظر إلى أجمل طفلة رأتها عينيه ذو شعر ذهبي مميز وملامح صغيرة، رفع يده ومرر إصبعه على وجنتها فحركت الرضيعة يدها الصغيرة وامسكت بإصبعه وهي نائمة، كانت مولودة بحالة جيدة جداً لذلك لم تحتاج أن توضع في الحضانة فحضروا لها سرير بجانب سرير أمها مريم، وبعد وقت خرجت مريم من العمليات وانتقلت إلى غرفة عادية وظلت ساعات حتى تستعيد وعيها.
وبعد مرور ساعات..
تركها عاصي قليلاً وذهب ليتصل بوالدته التي لم تقدر على المجيء معهم وظلت معها سلمى في البيت في وسط متوتر، وفي تلك الأثناء استعادت مريم وعيها، فتحت عيونها وظلت للحظات حتى استوعبت أنها قد أنجبت الطفل وأخيراً، حاولت أن تنهض من مكانها ولكنها لم تقدر من شدة ألمها ولكنها استندت على السرير ونهضت ببطء وظلت تستند على الأشياء حتى وصلت إلى سرير ابنتها، وعندما وقعت عيونها عليها ظلت تبكي بحرقة وقهره على حالها وما وصلت إليه وهي بهذا العمر، كانت تستحق أفضل مما حدث لها ولكنها من أوقعت نفسها في كل هذا، قالت بانهيار:
– أنا السبب في كل ده، أنا هظلمك معايا أنتِ متستاهليش أن أمك تكون واحدة غبية زيي.
ظلت تبكي بهيستيرية ثم حملت الرضيعة بيد مرتجفة وقالت بعدم وعي:
– أنتِ كمان هتعاني زيي ولما تكبري حد هيفقدك الثقة في كل الناس أنتِ كمان نهايتك هتكون زي أمك عشان كده أنا مش هسمح بكده.
ومع تلك الجملة أعادت ليلى مكانها واستمرت في بكائها الهيستيري ثم عادت إلى سريرها بتعب وأخذت الوسادة التي كانت تنام عليها وعادت إلى ليلى، نظرت لها بعيون لا ترى ما تفعله وقلب لا يشعر بما سوف يحدث، قالت:
– أنتِ غلطة كل ما أبصلها هفضل افتكر غبائي كل ما أبصلك هفتكر كل اللي حصلي عشان كده مينفعش تعيشي، صدقيني ده أحسن ليكي الدنيا وحشة أوي أنتِ هتتظلمي.
ثم وضعت الوسادة على وجه الرضيعة ولم تمر ثواني وكان عاصي قد دفعها بعيداً عن السرير وحمل ليلى في أحضانه بصدمة ثم صرخ بها:
– أنتِ اتجننتي إيه اللي بتعمليه ده!!
قالت مريم ببكاء:
– ده أحسن ليها هي مينفعش تعيش هي هتتظلم زي ما أنا اتظلمت مش هينفع تعيش.
وفي تلك اللحظة جاءت الممرضة أمسكت بها أيضًا، نظر لها عاصي بقسوة وقال:
– اعتبري بنتك ماتت من اللحظة دي، من اللحظة دي أنسي إنك تشوفيها ولا حتى تعرفي عنها أي حاجة.
نظرت له مريم ببكاء وقالت:
– أنا مش عايزة أعيش، اقتلني بدل ما أنا أقتل نفسي.
ينظر لها عاصي وصاح بها:
– فوقي بقى كفاية اللي بتعمليه ده أنتِ دمرتي نفسك!!
– مش عايزة أحاول أنا عايزة أموت أبعد عني.
باك..
نظرت لها رحيل بعيون متسعة ثم قالت:
– وبعدين حصل إيه؟
– وبعدها مريم حاولت تنتحر أكتر من مرة ومكنش في حل غير أنه يحطها في مصحة على الأقل هناك هيكونوا عينيهم عليها، في الوقت ده كان واحد صاحبه اسمه شادي راجع من السفر وكان دكتور نفسي ولسه متعين في مصحه نفسية، هو اللي ساعده في الموضوع ده ومريم دخلت المصحه باسمي أنا، مع أنه عارف الحقيقة بس خبى عن كل اللي في المستشفى هويتها الحقيقة ومبقتش تسمع غير اسمي ليها، وطبعاً عشان مريم تخش المصحه كان لازم أنا اختفي.
قالت رحيل بتساؤل:
– يعني إيه مش فاهمه؟
تنهدت سلمى وقالت:
– كان لازم اختفي أنا مكان مريم، كان لازم حد يسافر كندا عند فريدة خالة مريم عشان ماما حنان متعرفش حاجة، فريدة عارفه كل حاجة بعلم عاصي لكن ماما حنان متعرفش حتى اللي حصل مع مريم في المستشفى وأنها حاولت تقتل ليلى وهي لسه عندها ساعات و..
وتوقفت سلمى عن الكلام عندما شعرت بحركة أمام الباب فقالت بخوف:
– يارب يكون اللي في دماغي غلط.
ثم نهضت من مكانها بسرعة وفتحت الباب لتنظر أمامها بصدمة، فوجدت ليلى تقف عند الباب وقد سمعت حديثهم كله وكل هذا بسبب فضولها كطفلة، وقد دمر فضولها هذا صورة والدتها في عقلها، ترقرق الدموع في عينيها وهي تنظر لسلمى ثم قالت:
– عشان كده ماما مرجعتش كل ده هي مش عايزاني ولا بتحبني.
ركضت رحيل عندها بسرعة وقالت:
– لا يا لولي أنتِ فهمتي غلط.
قالت ليلى ببكاء:
– لا أنا ماما مش بتحبني ومش عايزة تشوفني.
نظرت لها رحيل بتأثر فتحركت ليلى بدموع ووقفت عند باب المنزل وقالت:
– أنا عايزة أمشي خلينا نروح عند تيتة.
نظرت رحيل إلى سلمى ثم قالت:
– هبقى أرجعلك تاني كلامنا لسه مخلص.
قالت سلمى:
– ياريت عاصي ميعرفش إني هنا عشان المشاكل متكبرش.
– حاضر.
ثم خرجت مع ليلى من البيت والتفتت رحيل حتى تلوح بيدها إلى سلمى وفي تلك اللحظة تركت ليلى يد رحيل وركضت على الطريق!! فصرخت رحيل وركضت خلفها بسرعة!
***
دلف شادي إلى غرفتها ليجدها تجلس على سريرها بصمت وقد عاد الشحوب إلى وجهها مرة أخرى، اتجه إليها ووقف أمامها ثم قال:
– كويسة دلوقتي؟
نظرت له بعيون تائهة وقالت:
– مش عارفه.
– أنتِ وعدتيني إنك هتتغيري وتكوني أقوى مش كده.
مسحت الأخرى دموعها وقالت:
– دموعي دي مكنتش عشان أنا شوفتها، لما شوفتها شوفت الماضي بتاعي قدامي.
– أنتِ هتقدري تتخطي الماضي ده وتخرجي من هنا أنا واثق فيكي.
– إزاي بتطلب مني أني أتخطاه وإني أخرج من هنا وأنت حتى مش بتناديني باسمي الحقيقي.
صمت شادي ولم يقدر على الكلام، فتابعت هي:
– عارف لما قولت مريم قدامي امبارح أنا كررت الاسم ليه؟ عشان كان بقالي كتير مسمعتهوش، من ضمن عقابي أني حتى محرومة أسمع اسمي بس أنا تعبت و نفسي أخلص من الدوامة دي.
– أنا نفسي تخلصي منها أكتر من نفسك، أنا نفسي ترجعي تثقي وتحبي.
نظرت له مريم بدموع وقالت:
– وأنا كمان بس مش عارفه نفسي أرجع أثق في الناس مش عارفه، حتى كل ما أحاول أقنع نفسي إني بثق فيك وانسى بفتكر إنك كنت سبب أني أفضل هنا بعد عاصي..
نظر لها شادي بتأثر وقال:
– صدقيني دي كانت أنسب حاجة وقتها لو فضلتِ برا كنتِ أذيتي نفسك.
– وأنتم هنا أذيتوني.
نهض شادي من مكانه ونظر لها بغضب نوعاً ما ثم قال بانفعال:
– محدش فينا آذاكِ يا مريم أنتِ محدش آذاكِ غير نفسك!! ومستمرة برضو تعيشي في دور الضحية! ليه كل تفكيرك سلبي.
نظرت له مريم ببكاء وقالت:
– مش عارفه أنا بكره نفسي وبكره كل حاجة حواليا مش عارفه أبص بإيجابية مش عارفه مش لاقية سبب أعيش عشانه.
– طب وبنتك؟!
نظرت له مريم بعيون متسعة ثم قالت:
– بنتي ماتت من زمان، عاصي مستحيل يسمح أني أشوفها.
نظر لها شادي بقسوة وقال:
– عايزة تشوفيها؟!
نظرت له مريم بصمت وترقرق الدموع في عينيها فكرر الآخر سؤاله فقالت بدموع:
– خايفة يكون عاصي قالها ساعتها مش هتسامحني.
– عاصي مقالش لليلى أي حاجة عاصي مش وحش أوي زي ما أنتِ فاكرة عاصي بسببه أنتِ لسه عايشة لحد دلوقتي عاصي كان ونعم الأخ معاكي لكن أنتِ مكنتيش ونعم الأخت معاه.
نظرت له مريم بصدمة من كلماته تلك فقال:
– كلامي قاسي أيوة بس لازم تعرفي كده مينفعش تعيشي دور الضحية أكتر من كده فوقي واقفي على رجلك تاني، ووقت ما تبطلي طريقة تفكيرك دي عارفه مكتبي فين ومن هنا لوقتها أنا مش عايز أشوفك..
قال تلك الكلمات ثم خرج من غرفتها وتركها في حالة صدمة، وعندما خرج أزاحت عن شعرها الحجاب لتظهر خصلاتها الذهبية ذات اللون المميز والتي قد ورثتها عنها ليلى ابنتها، ما فعله شادي في تلك اللحظة كان أصح ما يمكن فعله، للحظة شعر شادي باختناق بسبب تفكيرها السلبي، نعم كان يعرف حقيقتها كل تلك السنوات وبرغم ذلك كان يناديها دوماً باسم سلمى حتى اعتادت هي عليه، كان يظن أنها سوف تتحسن في يوم على الأقل تُحدث استجابة بسيطة، ولكن بدون فائدة شعر شادي وكأن تعب خمس سنوات قد اختفى..
***
كان عاصي يتناقش مع عز الدين قليلاً حتى قال عز:
– خطتك نجحت فعلاً بس إيه الخطوة اللي جايه؟
– مش عايز أفكر في أي حاجة لحد ما رحيل تخف وتعمل العملية.
– عملية إيه؟
– رحيل عندها مشكلة في صمامات القلب ومحتاجة عملية ضروري.
نظر له عز بعيون متسعة وقال:
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. عرفتوا أمتى؟
نظر له عاصي بانفعال ثم أخبره بما حدث معهم في الشقة القديمة، وحاول عز أن يجعله يتفاءل قليلاً، فابتسم الآخر بحزن وقال:
– أنا متفائل لكن هي لا، عقلي مش مستوعب إزاي بنت فيها كل ده وبرضو لسه بتضحك وكلها بهجة!! أنا ندمان على كل لحظة زعلتها فيها لأول مرة أحس قلبي واجعني كده.
نظر له عز وقال:
– لازم دلوقتي تكون جنبها وتدعمها الوقت ده أكتر وقت محتاجه فيه ليك، لما ملك مراتي عملت الحادثة ووشها اتشوه كل اللي كان فارق معاها أنا، أنا شايفها إزاي، أنا لسه بحبها ولا لا، هفضل جنبها ولا هتخلى عنها زي الناس كلها، مرينا بوقت صعب وهي نفسيتها كانت مدمرة بس وجودي جنبها هون عليها كل ده ومع بعض تخطينا ورجعت حقها وحق أبوها من اللي قتله وشوف دلوقتي الحمدلله وضعنا مستقر وبقى عندنا مال.
نظر له عاصي بصمت ثم قال بتوتر:
– أنا محترم كلامك ده بس أنت فهمتني غلط رحيل مجرد صديقة بالنسبالي وشريكة حتى إشاعة الخطوبة اللي أنا طلعتها دي عشان موضوع الصور بس وبعد فترة هنقول محصلش توافق وإن كل واحد راح لحاله وخلاص.
ابتسم عز وقال:
– أنت بتفكرني بنفسي أيام ما كنت مقتنع إني مش بحب ملك، كنت بقول ملك مجرد عملية وقضية بالنسبالي وعلقت اهتمامي بيها على حبي واخلاصي لشغلي لأني كنت مسؤول عن حمايتها من اعدائها، سيب نفسك يا عاصي سيب رحيل تداوي.
نظر له عاصي بشرود ثم نهض وخرج من المكان، ظل يفكر بكلمات عز كثيراً حتى قال في نفسه ” وإني أخاف أن يكون حبي ثقيلاً على قلبك الوهن فيضعفه أكثر” ثم زفر بضيق واستقل سيارته واتجه إلى بيته، ولكن لم يكن في حسبانه أنه سوف يقابل مفاجأة مفزعة على الطريق..
***
كان بدر يجلس على المائدة ويتناول فطوره حتى جاء إليه اتصال من فارس، رد عليه وقال:
– فارس أخبارك إيه؟
قال فارس بفتور نوعاً ما:
– الحمدلله يا عمي وأنت أخبارك إيه رجعت من السفر ولا لسه؟
– آه رجعت امبارح كنت هكلمك.
– ربنا يخليك يا عمي بس أنا مش متصل عشان موضوعي أنا وداليا.
قال بدر بدهشة:
– والله؟ اومال ليه؟
قال فارس بابتسامة:
– أنا اتصلت أبارك لحضرتك عشان رحيل ألف مبروك، بصراحة أنا استغربت جداً عشان حضرتك قولتلي أن عندك مشكلة كبيرة وشوية لخبطة كده بس الحمدلله أنك تخطيت ده وإن الفرحة رجعت لحياتكم تاني.
قال بدر بتساؤل:
– رحيل؟ ليه عملت إيه؟
قال فارس:
– مش رحيل اتخطبت؟
نهض بدر من مكانه وقال بصدمة:
– رحيل مين اللي اتخطبت لا محصلش!
قال فارس بدهشة:
– نعم؟! بس الخبر ده منتشر في كل مكان.
– خبر إيه بالظبط؟
– إن رحيل وأستاذ عاصي القاضي اتخطبوا.
– نعم!! لا مفيش خطوبة ولا حاجة.
– دي إشاعة يعني؟
وهُنا صمت بدر فجأة وقد استوعب أن تلك كانت خطة عاصي لينهي مشكلة الصور وذلك عندما ربط كلامه ببعض، قال فارس؟
– عمي أنت معايا؟
– لا مفيش حاجة حضرتك محتاج حاجة طب؟
– ربنا يعزك يا ابني.
ابتسم فارس ثم أنهى المكالمة، وعندما أنهى بدر الكلام مع فارس فتح هاتفه بسرعة وتصفح الأخبار ليتأكد من صحة الخبر، تحرك بغضب ثم بحث بهاتفه قليلاً حتى عثر على رقم عاصي واتصل به..
وبعد أن تركت ليلى يد رحيل ركضت على الطريق بسرعة فتحركت رحيل من مكانها وركضت خلفها بفزع وكذلك سلمى، كانت الطفلة تركض بين السيارات المارة بخطورة ورحيل تركض بكل قوتها خلفها وتنادي عليها..
كان عاصي قد اقترب من بيته عندما صدع هاتفه رنيناً فنظر إلى الهاتف ليجد رقم بدر فنظر إلى الطريق ورد عليه فصاح به بدر:
– انت إزاي تعمل تصرف زي ده من غير ما ترجعلي!
– صدقني ده كان أنسب حاجة.
وفجأة وعاصي ينحني بسيارته اتجاه اليمين وعندما دخل إلى الشارع الذي يقع بيته في نهايته، ظهرت ليلى أمامه ورحيل تركض خلفها وفي تلك اللحظة توقفت رحيل مكانها ووضعت يدها على قلبها بتعب وظلت تتنفس بصعوبة وتتعرق بشدة، نظر لها بصدمة ثم وقع الهاتف من يده وقد فقد قدرته على التحكم في السيارة فنظرت ليلى للسيارة القادمة نحوها والتي قد أصبحت أمامها مباشرةً بخوف ثم أغمضت عينيها..
رواية رحيل العاصي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ميار خالد
وفجأة وعاصي ينحني بسيارته اتجاه اليمين وعندما دخل إلى الشارع الذي يقع بيته في نهايته، ظهرت ليلى أمامه ورحيل تركض خلفها.
في تلك اللحظة توقفت رحيل مكانها ووضعت يدها على قلبها بتعب وظلت تتنفس بصعوبة وتتعرق بشدة.
نظر لها بصدمة ووقع الهاتف من يده.
وقد فقد عاصي قدرته على التحكم في السيارة.
فنظرت ليلى للسيارة القادمة نحوها والتي قد أصبحت أمامها مباشرة بخوف ثم أغمضت عينيها.
وفي أخر لحظة توقفت السيارة ولكنه لم يتمكن من تفادي ليلى فاصطدمت بالسيارة.
ليس بقوة ولكن تلك الصدمة كانت كفيلة لتُظهر جرح طويل في جبينها.
فتحت الطفلة عيونها برعب وألم.
ووقتها ركضت سلمى بسرعه واخذتها في أحضانها.
ظل عاصي ينظر أمامه بصدمة لا يعرف ما الذي حدث قبل لحظات.
ومن هول صدمته لم يستوعب أن من تقف أمامه الآن هي نفسها سلمى التي كسرت كلمته وعادت إلى مصر بدون أذنه.
ترجل عاصي من السيارة واتجه إلى ليلى بسرعه وقال بقلق:
– أنتِ كويسة فيكي حاجه.
وظل يتفحصها بهلع، حتى وقع بصره على الجرح الطويل الموجود في جبينها.
كانت ليلى تغمض عيونها بتعب وتفتحها وكأنها تُبدي مقدمات أنها سوف تفقد وعيها.
نظر لها عاصي برعب وحملتها سلمى بين يديها ثم قالت:
– لازم ناخدها المستشفى.
وفي تلك اللحظة انتبه عاصي لسلمى الواقفة أمامه فقال بغضب:
– أنتِ.
وقبل أن يتكلم صاحت رحيل:
– عاصي.
نظر لها الآخر بعيون غاضبه ولكن هذا الغضب اختفى وحل محله القلق عندما وجدها بتلك الحالة، تضع يدها على قلبها بتعب وألم، ووجهها المتعرق بشدة وعيونها الجاحظة والتي مالت للاحمرار، وانفاسها الغير منتظمة بالمرة وكأنها تنازع حتى يصل الأكسجين إلى صدرها.
نظرت له رحيل وقالت بتعب شديد:
– قلبي.
ثم نظرت له بعدم تركيز واغمضت عينيها وسقطت مغشياً عليها فامسكها الآخر بقلق، ضربها على وجنتها بخفه وردد بقلق:
– رحيل ردي عليا أنتِ سمعاني.
ولكن بدون فائدة.
نظر عاصي لرحيل الواقعة بين يديه ولليلى التي قد فقدت وعيها هي أيضًا بين يدين سلمى ثم نظر إلى السماء وكأنه يناجي ربه أن يلهمه الصبر والقوة لكل هذا.
حملها بين يديه بسرعه واتجه إلى السيارة.
فتحركت سلمى وفتحت له الباب الخلفي وجلست هي وليلى على يدها وأخذت رحيل في احضانها هي أيضًا، واستقل عاصي السيارة بسرعه واتجه بهم إلى أقرب مستشفى.
وبعد ساعات.
وصل بدر إلى المستشفى لأن عاصي قد أخبره وبمجرد استقرار حالة رحيل حتى لا يقلق.
تحرك بدر في المستشفى بقلق حتى وجد عاصي أمام إحدى الغرف ويجلس على أحد المقاعد ويضع رأسه بين يديه بتعب.
قال بدر بقلق:
– حصل إيه بنتي مالها.
قال عاصي بحزن:
– حالتها بتسوء لازم تعمل العملية في أسرع وقت، النهاردة كان بينها وبين الموت خطوة.
قرقت الدموع في عيون بدر رغماً عنه وقال:
– لما تعمل العملية هتكون كويسة صح وهتعيش عمر طويل.
– هتكون كويسة بأذن الله وتعيش عمر طويل أكتر مني ومنك بس لازم تقنعها أنها توافق على العملية.
مسح بدر دموعه وقال:
– ينفع أدخل اطمن عليها صح.
– أيوة بس بلاش تتعبه.
ربّت بدر على كتفه ثم دلف إلى الغرفة حتى يطمئن على رحيل.
كان بدر جيش أبنة أخيه الوحيد، أو بمعني أصح ابنته لأنه يعتبر تلك الفتاة هي قطعه من روحه، قطعه إذا شعرت بألم بسيط يشعر هو بأضعافه، وهذا يجعلنا ننتبه أنه في بعض الأحيان يكون رابط الدم قوي جدًّا لهذه الدرجة.
دلف بدر إلى رحيل وتحرك عاصي باتجاه سلمى التي كانت تقف أمام الغرفة الموجودة بها ليلى والتي قد إستعادة وعيها ولكنها ترتاح قليلاً من أثر الصدمة.
ثم نظر لها بقسوة ففهمت الأخرى واتجهت إليه، قال عاصي بغضب مكتوم:
– ممكن أفهم أنتِ بتعملي إيه هنا ليه رجعتي مصر من غير ما تقوليلي.
قالت سلمى بعِناد:
– عشان مكنتش هتوافق أني ارجع.
– وهو أنا حابسك يا سلمى.
أنا مش فاهمك بجد عايشه هناك أحسن عيشة ومش محتاجه تشتغلي ببعتلك فلوس ومكفياكِ وزيادة مش فاهمك بجد ليه كل ده لو حد متضرر في كل ده فهو أختي مريم.
– وهو ده السبب اللي رجعني، أنا مش فارق معايا كل ده مش هاين عليا إني أكون عايشه أحسن عيشة وهي مدمرة كده مش عارفه أشوف العيشة الوردية اللي أنت عاملهالي هناك دي طول ما هي تعبانة كده.
– ومستنيه إيه من رجوعك دلوقتي.
– أنها تخرج وترجع أحسن من الأول.
– تخرج عشان ترجع تأذي نفسها تاني مش كده.
ومش بعيد تأذي ليلى معاها وأكون ضيعت كل اللي أنا بعمله كل السنين دي.
– مريم اتغيرت أنا شفتها.
نظر لها عاصي فجأة ثم قال بحده:
– يعني إيه شوفتيها مش فاهم.
أخذت سلمى نفساً عميقاً وقالت:
– أنا روحت لها المصحه، مريم اتغيرت وبقت أقوى مني ومنك نظرة عينيها مبقاش فيها اليأس والجنون اللي كانت فيه، عارف قالتلي إيه يومها.
نظر لها عاصي بترقب فقالت:
– قالت أنا هقف على رجلي لوحدي وهرجع تاني بس مش بفضلكم.
قال عاصي بعدم تصديق:
– مش مصدقها.
– اديها فرصة وخرجها، أرجوك فكر في الموضوع ده أنت طول عمرك بتثق فيا كفاية عقاب لحد كده كفاية خمس سنين.
صمت عاصي ثم زفر بضيق وهُنا خرجت ليلى من الغرفة بتعب وذهبت باتجاههم وعندما رآها عاصي اتجه إليها بسرعه وقبل أن يتكلم قالت له بدموع:
– رحيل كويسة مش كده هي تعبت بسببي عشان جرت ورايا كتير أنا وحشه.
نزل عاصي إلى قامتها وقال:
– لا أنتِ مش وحشه بس الحركة اللي عملتيها دي كانت سبب في أن رحيل تتعب، مينفعش تتصرفي بالطريقة دي افرضي كان جرالك حاجه افرضي أنا مقدرتش أوقف العربية، مينفعش تتصرفي كده يا ليلى عشان كده هتأذي نفسك وتأذي كل اللي حواليكي وشوفتي نتيجة اللي حصل كانت إيه رحيل تعبت.
– هي عندها إيه هتخف صح.
– رحيل قلبها ضعيف أوي لدرجة أنها متقدرش تجري زي ما أنتِ جريتي بسرعه كده وشوفتي لما جربت تجري وراكي حصل إيه.
نظرت سلمى إلى عاصي بصدمة وقالت:
– هي مريضة.
نظر لها عاصي بطرف عينيه وقال:
– عندها مشكلة في صمامات القلب محتاجه عملية.
نظرت له ليلى بدموع ثم حملها عاصي بين يديه وادخلها إلى غرفتها حتى ترتاح وعاد إلى سلمى ثم قال بتساؤل وغضب:
– أنتِ قولتي لرحيل إيه بالظبط.
– مين رحيل الأول.
أنت اتجوزت.
– ردي عليا الأول عرفتيها إيه.
– كل حاجه بس مش دي المشكلة، المشكلة ان ليلى سمعتنا وعرفت أن مريم حاولت تقتلها وهي صغيرة وأنها مكنتش عايزاها.
ضرب عاصي الأرض بغضب عارم وقال:
– حرام عليكِ، ضيعتي كل حاجه في لحظة.
– ليلى بنت طيبة وكويسة وأكيد هترجع تحب مريم تاني بس أنت وافق أنها ترجع وكل ده هيتحل هي أمها في الآخر.
وفي تلك الأثناء رن هاتف عاصي فأمسكه ليجد والدته تتصل به، رد عليها فقالت بقلق:
– إيه يا عاصي فينك.
– في مشوار في حاجه.
– معرفش رحيل خرجت مع ليلى ومن ساعتها مرجعوش قلقت عليهم أوي هي كلمتك.
– أنا معاهم دلوقتي متقلقيش.
– بجد طب الحمدلله هترجعوا أمتى.
نظر عاصي إلى سلمى للحظات ثم قال:
– شوية وليلى هتروّح معاها ضيفة.
قالت حنان بتساؤل:
– مين.
ظل عاصي ينظر إلى سلمى وقال:
– حد مش غريب عليكِ حضّري اوضة تانية في البيت عشان الزيارة المرة دي هتطول شوية.
– خلاص تمام.
ثم أغلقت المكالمة بتساؤل وظلت تفكر من تلك الضيفة التي يتحدث عنها.
وبعدها ودع عاصي ليلى وسلمى بعد أن تأكد أن ليلى بخير تماماً فقط تحتاج إلى الراحة، وطلب لهم سيارة أجرة وخرج الاثنان حتى يعودوا إلى البيت وكانت سلمى تفكر في رد فعل حنان عندما تراها.
في غرفة رحيل بالمستشفى.
كانت نائمة على سريرها بإرهاق وأمامها بدر وحولها العديد من الأجهزة التي تُظهر حالتها الصحية.
دلف عاصي إلى الغرفة فوجد بدر يجلس على الكرسي أمامها ويمسك رأسه بين يديه، وعندما أحس به بدر فتح عيونه ونظر إليه للحظات ثم قال:
– معلش ممكن تخليك جنبها شوية لازم اعمل مكالمة.
قال عاصي بسرعه:
– أكيد اتفضل.
فخرج بدر من الغرفة واتصل بأمينة وقرر أن يُخبرها بمرض رحيل وعندما فتحت الخط صاحت به:
– أنت روحت فين وسيبتني في المصيبة دي الموبايل مبطلش إتصال الناس كلها اللي يبارك واللي يزعل هو في أي رحيل وعاصي مين اللي اتخطبوا.
صاح بها بدر:
– أنتِ ممكن تهدي.
صمتت أمينه فقال:
– أنا هفهمك كل حاجه بس الأول لازم تعرفي إن رحيل مريضة.
قالت هي بعدم فهم:
– مريضة إزاي يعني عندها إيه.
تنهد بدر ثم قص عليها كل ما حدث معهم.
في الغرفة.
فتحت رحيل عيونها ببطيء لتجد عاصي بجانبها، وعندما انتبه أنها استفاقت قال بقلق:
– حاسة بأيه.
أومأت رحيل برأسها ثم قالت:
– أنا كويسة، عايزه أخرج من هنا.
نظر لها عاصي بقلق واردف:
– مش هتخرجي من هنا غير لما تعملي العملية وتبقي كويسة.
– وأنت عارف إن طول ما أنا مش موافقة محدش هيقدر يخليني هنا مش كده، في حاجات لازم اخلصها قبل العملية.
– أهم حاجه دلوقتي صحتك وبس.
– أفرض مخرجتش من العملية وقلبي مستحملش.
أمسك عاصي يدها وقال بانفعال:
– بلاش الكلام ده هتخرجي وتبقي كويسة أنا مش هسمح إن يجرالك حاجه.
– أنت مش كنت كاره وجودي وبتقول إني بعملك مصايب في كل خطوة ليا! الفرصة جاتلك اهي أبعد عني وأرجع لحياتك الطبيعية.
نظر لها عاصي بتمعن ثم قال:
– وأنتِ فاكره إني هسيبك بعد ما بوظتي حياتي كده، مستحيل لازم تصلحي كل اللي أنتِ عملتيه.
صمتت رحيل للحظات ثم قالت:
– سلمى قالتلي كل حاجه بس أنا عايزه أسمع منك، ليه عملت كل ده.
ليه أقنعت الكل أن مريم مسافرة وهي في المصحه وكمان سفّرت سلمى مكانها، ليه حتى اسمها وحياتها اخدتهم منها ليه عملت اللغبطه دي حتى لو غلطت مكنتش تستاهل كل ده.
– ساعات غلطة واحدة بتكون قادرة أنها تدمر كل حاجه، أنسب حل وقتها كان المصحه لو أنتِ مكاني كنتِ هتعملي كده.
– لو أنا مكانك مكنتش هعمل كده.
كنت هحتويها واعوضها عن كل اللي شافته مريم مغلطتش هي حبت بس مكنتش تعرف أنه حيوان وهيغدر بيها، أنت متخيل دلوقتي أنها مش هتقدر تثق في حد تاني ولا حتى في نفسها حتى لو حصل هتبقى قاسية أوي وأنت هتكون السبب في كل ده.
– الحب اللي كان سبب في تدميرها مستحيل يكون سبب في علاجه.
نظرت له رحيل بضيق وقالت بغضب:
– أنت اختارت الطريق السهل واتخليت عنها أنت كمان، العصيان اللي جواك ده دمر كل حاجه وأولهم حياة أقرب الناس ليك، أنت بتعاقب أبوك في حياتكم أنت مستوعب.
– خلاص اقفلي الموضوع ده.
– ولو مقفلتهوش.
كل مره بتعمل كده وفي الأخر تقولي اقفلي الموضوع.
قالت تلك الجملة ثم بدأت بالتنفس بصوتٍ عالي وارتفعت دقات قلبها فقال الآخر بسرعه:
– خلاص أهدي أرجوكِ عشانك انسيني أنا دلوقتي أهدي عشان صحتك.
حاولت رحيل أن تنظم أنفاسها مرة أخرى وهدأت نوعاً ما، قال عاصي بهدوء:
– إيه يرضيكي دلوقتي.
نظرت له رحيل بدهشه ثم ابتسمت وقالت:
– ده بجد.
– أيوة إيه يرضيكي وأنا هعمله.
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت:
– أنك تخّرج مريم من المصحة.
استدعى شريف أحد رجاله وقال له أن يعطي خبر لأحمد حتى يأتي له وبعد لحظات كان الآخر أمامه، قال أحمد:
– في إيه.
قال شريف:
– مش أنت كنت عايز تعرف سلمى فين، وصلت لمكانها.
قال أحمد بسرعه:
– بجد.
فين.
– في مصحه نفسية.
نظر له أحمد بدهشه وقال:
– مصحه.
إزاي يعني مصدقش أكيد في حاجه غلط.
صمت شريف للحظات ثم قال:
– في حاجه غلط فعلاً.
نظر له أحمد بتساؤل فأكمل الآخر:
– وصلي خبر أن أخت عاصي رجعت مصر، حد من رجالته عرفت اجيبه لصفي وهو نقلي أخبار كتير عنه منهم خبر المصحه ومنهم خبر أخته.
– جميل وبعدين.
قال شريف بعدم فهم:
– الغريب إني لما وصلت لاسامي الناس اللي جت الشهر اللي فات في رحلات من كندا ملقتش أسم مريم أخته.
لقيت أسم سلمى طب إزاي وهي المفروض في المصحه وكذا حد أكد لي أنها كانت في المطار فعلاً.
نظر له أحمد بدهشه ثم تحولت نظراته إلى الصدمة حين قال:
– معقول يكون اللي بفكر فيه صح.
نظر له شريف بنفس النظرة والعيون المتسعة وقال:
– أن اللي في المصحة دي مريم وعاصي مخبي عن الكل.
نظر له أحمد بعيون متسعة ثم نهض من مكانه وقال:
– معقول الجحود وصل بيه لكده.
ضحك شريف وقال:
– اتحلت.
كل حاجه اتحلت خلاص.
نظر له أحمد بنفس الصدمة وقال:
– هي إيه اللي اتحلت.
ضحك شريف بصوتٍ عالٍ ثم قال:
– هو حرق لنا الصور بس مش هيقدر يحرق لنا الخبر ده.
تخيل لما الخبر ده يظهر إيه اللي هيحصل تخيل لو الخبر ده وصل لحقوق الإنسان، عاصي هيروح في داهيه.
كان شريف يتحدث وعقل أحمد في عالم آخر، ضحك شريف بانتصار ثم التفت لأحمد وقال:
– أنا مش هستنى لحد ما كل حاجه تضيع زي المرة اللي فاتت الخبر ده لازم يتنشر دلوقتي، أنا أعرف بنت من حقوق الإنسان هي هتظبط الدنيا كلها دلوقتي أنت تطلع على أي صحفي وتقوله الخبر ده.
كان أحمد في حالة صدمة فاقترب منه شريف وصاح به.
قال له أحمد بخوف:
– بلاش أنت كده مش هتأذي عاصي هتأذي مريم أخته.
– يا حنين، ده على أساس أنها فارقة معاك أنت هتجنني.
ما يولعوا كلهم.
– معنى إن مريم في المصحة أن حالتها وحشه جدًّا كفاية الأذى اللي أنا عملته فيها أنت حسابك مع عاصي مش معاها.
هيدفعه شريف بغضب وقال:
– بقولك إيه أنا ما صدقت مسكت حاجه على عاصي.
اوعي تفكر بس إنك تمنعني عشان ساعتها هدوسك واعدي أعمل اللي أنا عايزُه خليك في صفي أحسن.
طالع أحمد بتردد وصمت، نظر شريف أمامه ثم قال:
– نهايتك قربت.
رواية رحيل العاصي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ميار خالد
كانت تفكر تُرا من هذا الضيف الذي حدثها عنه عاصي.
وفي الدقيقة التالية رن جرس المنزل وسمعت هي صوت ليلى عند الباب فنهضت من مكانها وذهبت حتى تفتح الباب.
وقبل أن تتكلم وعندما وقع بصرها على الواقفة أمامها نظرت لها بعيون متسعة وقالت:
– سلمى؟!!
ابتسمت لها الأخرى ثم تركت ليلى يدها ودلفت إلى الداخل ثم ذهبت إلى غرفتها ولم تتحدث مع جدتها.
وعندما أفاقت حنان من صدمتها تلك ولم تلاحظ الجرح البسيط الموجود في رأس ليلى، قالت:
– أنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟!
ابتسمت لها سلمى ثم دلف الاثنان وجلسوا سوياً فقالت حنان:
– أنتِ كنتِ مسافره عند اهلك ولا إيه؟
– أنا كنت مسافره فعلاً بس مش عند أهلي، أهلي من ساعة اللي حصل وهما مش بيكلموني ولا حد فيهم فكر يتصل بيا مره.
– اومال أنتِ كنتِ فين؟
وقبل أن تتكلم سلمى فكرت قليلاً واردفت:
– أنا شايفه أننا نستنى لما عاصي يجي الأول وهو هيقولك على كل حاجة.
نظرت لها حنان بعدم فهم وصمتت ولكن انبعث بداخلها شعور غريب تشعر وكأن عاصفة قوية سوف تضرب هذا البيت.
***
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت:
– أنك تُخرج مريم من المصحة.
ناظرها عاصي بصمت وقبل أن ينهض من مكانه أمسكت يده حتى تمنعه، طالعته بعيون دامعة وقالت:
– لو عايزني أعمل العملية وافق إن مريم تخرج من المصحة.
قال عاصي بانفعال:
– دي حياتي وأنا الوحيد اللي أقرر إيه المناسب عشان أعمله، أنتِ ليكِ طريق وأنا ليا طريق معتقدش الاتنين ممكن يتقابلوا عشان كده متحطيش حاجة في حياتك قُصاد حاجة في حياتي!
– بس أنا عايزة أساعدك! أنا وعدت نفسي إني أخرجك من دوامة العصيان دي.
– برضو دي مشكلتي أنا، ركزي في حياتك أنتِ مش حياتي.
– أنت بتأذي نفسك ليه أرجوك يا عاصي أعتبر ده طلبي الأخير.
طالعها بصمت وعيونه كانت ترتسم بها الكثير من المشاعر، جانب منه يود أن يخضع لها ويترك لها زمام الأمور بسبب إرهاقه من تلك الحياة، وجانبه العاصي يرفض الخضوع لها ويحارب حتى يظل هو المسيطر على كل الأمور، ولكنه حسم أمره حين تذكر كلماتها عندما قالت له ” كفاية عقلك كل السنين دي أدي فرصة لقلبك أنه يقرر”.
نظر لها فكررت كلماتها:
– أرجوك وافق ده طلبي الأخير صلّح كل حاجة.
زفر عاصي باستسلام وقال:
– هوافق لو قولتيلي ليه بتعملي كل ده؟
ابتسمت رحيل وقالت:
– عشان مش هاين عليا تفضل عايش في شخصية واحد تاني مش أنت.
– يعني إيه؟
– يعني أنت مش وحش ولا قاسي أنت بس مصمم تعاقب نفسك على غلط أنت ملكش ذنب فيه، وبتعاقب كل اللي حواليك عليه.
صمت عاصي للحظات وكان يفكر بكلماتها تلك، طالعها بشرود وللحظة لم يقدر على تحديد شعوره اتجاهها، كل ما يعلمه فقط أنه يرغب بوجودها بجواره، كان يشعر دوماً بالعصيان اتجاه كل شيء حتى ظهرت هي وبطريقة غير مقصودة استطاعت من اقتلاع شعوره بالعصيان، ولكنه لم يكتشف هذا بعد أو ربما قد توصل لتلك الحقيقة ولكن جانبه العاصي يرفض تصديقها.
حركت يدها أمامها حتى ينتبه لها فقال:
– حاضر.
نظرت له بدهشه وقالت:
– حاضر إيه؟!!
أخذ نفساً عميقاً ثم قال:
– بكره الصبح هروح أخّرج مريم من المصحة وهرجعها البيت.
نظرت له رحيل بعيون متسعة وقالت بفرحه:
– بجد!! خدني معاك طيب.
– أنتِ تعبانة مش هينفع.
قالت بإصرار طفولي:
– عشان خاطري بالله عليك.
ابتسم رغماً عنه وقال:
– خلاص مش عايز صداع، لو نفع تخرجي هاخدك معايا.
ابتسمت وقالت:
– طبعاً هينفع أخرج ده أنا قلبي زي الحديد يا أبني عيب عليك.
– آه ما هو واضح.
ابتسمت رحيل وصمتت للحظات ثم قالت فجأة:
– صحيح هي ليلى فين وعاملة إيه؟!
– روحت مع سلمى من شوية زمانهم وصلوا البيت دلوقتي، كويسة متقلقيش.
صمتت رحيل قليلاً ثم حمحمت وقالت:
– هي سلمى هتقعد عندكم ولا إيه؟
أردف عاصي:
– أكيد مش هخليها تفضل لوحدها قعدتها معانا أحسن.
ابتسمت رحيل ابتسامه صفراء وصمتت، ثم خرج عاصي من الغرفة واتجه إلى بدر وقال:
– حابب أنها تفضل في المستشفى ولا تخرج؟
تنهد بدر بحزن كبير وقال:
– أنا عارفها لو فضلت هنا هتعمل مصيبة عشان تخرج، الأحسن أنها تخرج وأنا بلغت اللي في البيت بتعبها هما هياخدوا بالهم منها جداً وهنفضل برضو متابعين مع الدكتور.
– خلاص تمام أنا هروح أخلص إجراءات خروجها وأنت خليك جنبها.
وقبل أن يتحرك عاصي أوقفه بدر، طالعه بابتسامة ممتنه وقال:
– شكرًا أوي على كل حاجة، أنت مش مجبر إنك تعمل كل ده ولا مجبر أنت تشوفني كل شوية لأني عارف الذكريات اللي أنا بفكرك بيها.
***
كانت امينه تجلس على أعصابها بسبب الكلام الذي سمعته من بدر، تندم كل يوم بسبب الكلمات التي قالتها ذلك اليوم ولكنها قالت هذا تحت تأثير الغضب والتوتر، ولقد وعدت نفسها أن تحمي رحيل حتى من نوبات غضبها تلك.
قالت لداليا الجالسة أمامها:
– هما اتأخروا كده ليه مش أبوكِ قالك أنهم جايين.
– أيوة يا ماما أهدي زمانهم على وصول.
وفي تلك الأثناء وصلت لداليا بعض الرسائل من فارس وكان مضمونها أنه يريد الاطمئنان على رحيل بعدما سمع من إحدى صديقات داليا أنها مريضة، وقد ردت عليه داليا بفتور أنها بخير.
وعندما ردت عليه أتصل بها فوراً وكأنه ينتظر تلك الفرصة حتى يتحدث معها، نهضت من مكانها وذهبت إلى غرفتها بسرعه وفكرت للحظات ثم فتحت الخط وقالت:
– الو.
صمت فارس قليلاً وأردف هو الآخر:
– أولاً أنا مش متصل عشانك أنا عايز اطمن على رحيل.
استنفست داليا بغضب ثم قالت:
– والله! خلاص اتجوز رحيل أحسن بقى.
– أنتِ مجنونه يا بنتي اتجوز إيه؟!
– اومال إيه القلق ده كله عليها.
– هي مش أختك، للأسف أي حاجة تخصك مهمة عندي.
ابتسمت ببلاهة وقالت:
– بجد.
ثم انتبهت لِما تقوله فحمحمت بضيق وقالت:
– رحيل كويسة لو متصل عشان تطمن عليها فبطمنك متتصلش بيا تاني بقى.
– خديلي ميعاد مع أبوكِ.
قالها فارس بدون مقدمات فصمتت داليا بصدمة ونظرت أمامها بعيون متسعة ثم قالت:
– مش فاهمه!
قال الآخر بانفعال:
– هو إيه اللي مش فاهمه بقولك خديلي ميعاد مع أبوكِ عشان اتنيل اجي أطلب إيدك.
– تتنيل؟ أنت مغصوب عليا ولا إيه لا كرامتي مسمحلكش!
تنهد فارس وصمت قليلاً ثم قال بضيق:
– أنا كنت محتاج وقت أفكر واخد قرار هعمل إيه وصليت استخاره كذا مره ودعيت ربنا كتير وفي كل مره كانت الإجابة واحده، هي أنتِ.
ثم صمت للحظات وأكمل:
– عشان كده قررت إني أنسى أي حاجة قديمة وهديكي فرصة تانية تثبتي فيها العكس، هتغاضي عن أي حاجة كانت في الماضي وهنبدأ صفحة جديدة.
قالت داليا بحزن:
– أنا مستاهلكش.
– أتمنى نكون لبعض عوض عن اللي شوفناه، أنا دلوقتي بقولك كده وخايف تخذليني.
– أنت مش بتثق فيا صح؟
– دي في إيدك تبنيها من تاني، في إيدك تخليني بثق فيكِ أكتر من نفسي.
مسحت داليا دموعها التي تساقطت على وجنتها وقالت:
– وأنا أوعدك إني هبني الثقة دي ومش هسمح لحاجة تهدها، وهنسى أي حاجة في الماضي وهبدأ معاك صفحة جديدة في عمري.
– غلطه واحدة ممكن تنهي كل حاجة، متخذلنيش قدام نفسي.
ابتسمت داليا وقالت:
– أوعدك.
ثم ضحك الاثنان وأنهت داليا المكالمة وهي تضحك بفرحه كبيرة، ولكنها في لحظة عبست وتذكرت حازم، كيف تمكنت من نسيانه بتلك السرعة، كيف تمكن قلبها من انتزاعه منها وكذلك عقلها لينساه وكأنه لم يكن!! وهُنا نقول ” سبحان مُغير مقامات الناس بقلوبنا ”.
***
نظرت رحيل إلى عاصي بعد أن وصل بهم تحت منزلهم وقالت:
– هتعمل اللي قولتلك عليه بكره صح؟ هستناك تيجي تاخدني.
قال بدر بتساؤل:
– ياخدك فين؟
قالت رحيل:
– مشوار مهم عاصي اتأخر عليه جدًا وأنا عايزة أكون معاه.
طالعها بدر باعتراض وأردف:
– أنتِ مش شايفه حالتك مستحيل أوافق إنك تخرجي.
قالت رحيل بعِناد:
– هروح يعني هروح مليش دعوة.
نظر بدر إلى عاصي حتى يتدخل ويقنع تلك المجنونة أن تهتم بصحتها قليلًا، أردف عاصي:
– معلش بكره بس رحيل هتيجي معايا مشوار كده وبعدين مش هتتعب تاني في حاجة.
نظر له بدر للحظات ثم وافق رغماً عنه بسبب إصرار رحيل، ولكنه قال:
– تمام بس مش عايزها تتأخر ولو تعبت أو حصل حاجة …
وقاطع كلام بدر رنين هاتف عاصي برقم شادي، نظر إلى الهاتف بدهشه ثم نظر إلى رحيل وقال:
– المكالمة دي من المصحة!
قالت رحيل بدهشه:
– رد طيب يمكن في حاجة.
فتح عاصي الخط وقبل أن يتكلم صاح به شادي:
– مصيبة!
– في إيه قلقتني ؟!
– في ناس من حقوق الإنسان هنا وعايزين أختك!
نظر عاصي أمامه بصدمه وقال:
– مريم؟! وهما عرفوا منين أنها في المصحة أصلاً أنا معرف الكل أن سلمى هي اللي هناك!!
– معرفش أتصرف أنا دلوقتي بحاول امنعهم بأي طريقة لو حد وصل منهم لمريم الدنيا هتخرج عن السيطرة.
– تمام أنا جاي حالاً.
نظرت له رحيل بقلق ففهم هو نظراتها تلك وطلب منهم أن يترجلوا من السيارة حتى يذهب ولكنها لم ترضى وقالت:
– حصل إيه فهمني؟
– ناس من حقوق الإنسان في المصحة دلوقتي طالبين يشوفوا مريم!
قال بدر بصدمه:
– مريم مين اللي في مصحه يا عاصي؟! مريم أختك!! أنت اتجننت حاطط أختك في مصحه!!
نظرت رحيل إلى والدها وطلبت منه أن يهدأ قليلاً حتى يفكروا بهدوء ليجدوا حل في تلك الازمة.
أمسك عاصي رأسه بألم ثم قال باستسلام:
– كل حاجة ضاعت، وأنا تعبت من المحاولة خلاص.
صمتت رحيل ولم تظهر أي فكرة في بالها ولكنها لم ترغب أن يشعر بكل هذا الانهزام فقالت:
– بس أنا معرفش عنك إنك بتستسلم بسهولة، حاول تاني والمرة دي أنت مش لوحدك أنا معاك ومش هسيبك في الأزمة دي زي ما أنت مسبتنيش في مرضي.
ينظر لها عاصي بعيون مرهقه من كل تلك الأحداث التي يتعرض لها، ثم نظر إلى بدر وقال:
– مشوار بكره مضطرين نعمله دلوقتي، عارف إن عندك أسئلة كتير وأنا هجاوبك عليها بس مش دلوقتي.
ينظر لهم بدر بغضب ثم ترجل من السيارة وتركهم في رحلتهم الصعبة تلك، وصعد إلى بيته وتحرك عاصي ومعه رحيل إلى المصحه.
وهناك كان يوجد إمرأة ورجل ومعهم العديد من الأشخاص وكذلك صحفيه حتى تغطي هذا الحدث، قالت الصحفية بشماته:
– الخبر ده هيبقى ضربه مميته لعاصي القاضي.
وهُنا صاحت المرأة التي جاءت من مؤسسة حقوق الإنسان والتي تُدعى منى:
– أنتم رافضين أننا نشوفها ليه أنا مش فاهمه أنا متأكدة أن مريم القاضي هنا.
قال شادي:
– يا فندم ياريت تراجعي معلوماتك إحنا معندناش حد بالاسم ده.
صاحت منى بغضب:
– ممكن تبعد عني وتسيبني أنا أدور عليها ونشوف مين فينا اللي صادق.
ثم تحركت من أمامه وخرجت من مكتبه وظلت تسأل جميع الممرضات عن مريضة بأسم مريم القاضي ولكن لم يتعرف عليها أي شخص، شعرت ببعض الإحراج وقبل أن تقول اي شيء تذكرت شيئاً ما فعادت إلى إحدى الممرضات وسألتها عن مريضة بأسم سلمى!! وقد قال لها شريف تلك التفاصيل، وحينها قالت لها الممرضة عن مكان غرفة المريضة التي تدعو سلمى كما عرفها جميع من في المصحة.
التفتت منى إلى شادي وطالعته بسخرية وشماته ثم قالت:
– واضح فعلاً أنها مش هنا.
ثم اتجهت إلى غرفة مريم وقد تحركوا جميعاً خلفها وجاء معهم شادي ورغماً عنه فتح الغرفة لهم بعدما دق على بابها حتى تضع الأخرى حجابها على رأسها، فُتِح الباب ودلفوا جميعاً ليجدوا مريم تجلس على سريرها بهدوء كعادتها وتنظر الفراغ، قالت مريم وكانت تظن أن شادي فقط من في الغرفة:
– جيت ليه؟ مش قولت مش هتيجي هنا غير لما أتغير وأبطل أفكر بسلبية.
وعندما أحست بأنفاس كثيرة في الغرفة التفتت إليهم وعندما رأتهم أمامها انتفضت بخوف وركضت بسرعه لتقف خلف شادي وتقول:
– مين دول؟!
قالت منى بقوة :
– أنتِ مش لوحدك أنا جيت هنا عشان اخرجك من السجن ده وأنتِ ترجعي لحياتك وتوديهم في ستين داهيه كمان.
نظرت لها مريم بعدم فهم وفي تلك اللحظة وصل عاصي ومعه رحيل إلى المصحه.
دلف الاثنان واتجه هو إلى غرفة مريم ورحيل خلفه وبالفعل وصلوا عندما قالت تلك المرأة هذه الكلمات، دلف عاصي إلى الغرفة وعندما وقع بصره على مريم نظر لها بقلق وطالعته هي بفتور، قالت منى:
– أنت كمان جيت!
ثم نظرت إلى مريم وقالت:
– كلمة واحده منك هتغير حياتك وقدرك، كفاية خوف اتكلمي ورجّعي حقك واخرجي من هنا وعاقبي كل اللي كان سبب في وجودك هنا، اتكلمي وأنا مش هسيبك لوحدك أبداً.
ثم تحركت منى ودفعت شادي عنها وقالت:
– محدش هيضغط عليكِ اتكلمي وأنا معاكي، مين اللي حابسك هنانظرت لها مريم للحظات ثم حركت عينيها ونظرت إلى عاصي نظرة مطولة، كانت تبعث له آلاف الكلمات والمشاعر، وفجأة تحولت تلك النظرات إلى الاصرار والتحدي فقالت بقسوة:
– هتكلم ومش هخاف من حد كفاية كده.
نظرت لها رحيل بخوف ولكن الأخرى قالت:
– عاصي هو اللي حابسني هنا من خمس سنين ورفض إني أخرج وأنا كويسة تماماً.
ووقتها أغمض عاصي عينيه باستسلام وانتظر كلماتها التي قد تكون مثل السكاكين التي سوف تمزق قلبه وحياته وشركته.
رواية رحيل العاصي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ميار خالد
نظرت لها مريم للحظات ثم حركت عينيها ونظرت إلى عاصي نظرة مطولة.
كانت تبعث له آلاف الكلمات والمشاعر.
وفجأة تحولت تلك النظرات إلى الإصرار والتحدي فقالت بقسوة:
– هتكلم ومش هخاف من حد. كفاية كده.
نظرت لها رحيل بخوف ولكن الأخرى قالت:
– عاصي هو اللي حابسني هنا من خمس سنين ورفض إني أخرج وأنا كويسة تماماً.
ووقتها أغمض عاصي عينيه باستسلام وانتظر كلماتها التي قد تكون مثل السكاكين التي سوف تمزق قلبه وحياته وشركته.
نظرت له منى بانتصار وقالت:
– جدعه. كملي كلامك.
وبعدها نظرت لها مريم وقالت:
– بس مين حضرتك؟
قالت منى:
– أنا من مؤسسة حقوق الإنسان. أنا هنا عشانك. لما جالي خبر أن عاصي القاضي حابسك هنا جيت عشان أساعدك علطول.
ابتسمت مريم بثقة وقالت:
– وطبعاً لما أنا قولت كده أنتِ فرحتي جدًّا، بس مش دي الحقيقة.
نظرت لها منى بدهشة وقالت:
– يعني إيه مش فاهمه؟
– يعني أنا محدش حابسني هنا. أنا موجودة هنا بإرادتي.
فتح عاصي عينيه بدهشة ونظر إليها ثم طالع رحيل ليجدها تناظره بدهشة أيضاً.
قالت منى باعتراض:
– قولتلك متخافيش واتكلمي. محدش هيقدر يعملك حاجه. أنا معاكي! عاصي هو اللي حابسك صح؟
– ما أنا بتكلم أهو وقولتلك اللي عندي. عاصي مش حابسني. أنا هنا بإرادتي.
قالت منى بانفعال:
– يعني إيه موجودة هنا بإرادتك؟! أنتِ كويسة وبتتكلمي زي أي إنسان سليم يعني ملهوش داعي وجودك هنا. غير كده أنا متأكدة أن عاصي القاضي هو اللي حابسك هنا. بلاش تنكري. هو حابس أخته في مصحة!
تقدم عاصي قليلاً وعيونه مُعلقة على مريم وقال محدثاً منى:
– أنتِ جايه هنا عشان تاخدي إجابات مش كده، وأنا هديكي الإجابات اللي أنتِ عايزاها.
وقبل أن يُكمل كلامه قالت مريم بسرعه:
– أنت مش مضطر تبرر لحد حاجه. وأي حاجه حصلت أو هتحصل فى دي بيني وبين أخويا وبس!
نظرت لها منى وقالت:
– وأنا مش مصدقة كلامك ومتأكدة إنك محطوطة تحت ضغط عشان كده مش هسيبك وامشي.
وقبل أن تتكلم مريم قال عاصي:
– للأسف مريم هي اللي هتسيبك وتمشي.
نظرت له مريم بتساؤل. فاتجه عاصي إليها حتى وقف أمامها وقال:
– أنا جاي عشان أخد مريم معايا. وبمجرد ما تخرج من المصحة دي مش هترجع لها تاني حتى لو بإرادتها.
قالت منى بسرعه:
– يعني أنت معترف أهو إنك أنت اللي حبستها هنا!
نظرت لها مريم بعنف وغضب ثم قالت:
– قولتلك أني هنا بإرادتي أنا محدش أجبرني. عاصي جه أكتر من مره عشان يخرجني وأنا اللي كنت رافضه. حالتي مكنتش تسمح أني أشوف ناس تاني.
قالت منى بإصرار:
– فاكره نفسك بتضحكي على مين، مين يقرر أنه يعيش سنين في مكان زي ده بإرادته.
نظرت لها مريم بجمود وقالت:
– المكان ده بنسبالي أرحم من العالم، أرحم من إني اشوف بشر زيكم والتعامل معاهم. بشر كلهم خبث وحقد وحسد وغدر وكل حاجه وحشه. حتى دلوقتي أنتِ مش جايه عشان تساعديني زي ما بتقولي أنتِ جايه تاخدي اللقطة مش أكتر زيك زيهم، تخيلي بقى لما يكون مكان زي ده رحمه بنسبالي عن البشر!
نظرت لها منى بعيون متسعة ولم تقدر على الرد عليها. كان جميع من في الغرفة ينظرون لها بصدمة وعيون متسعة من كلماتها.
نظرت مريم إلى عاصي بدموع وقالت:
– أنا مش عايزه أخرج. عايزه أفضل هنا.
أمسك عاصي يدها ثم قال بصوتٍ عالٍ:
– كلوا يطلع بره. عايز أتكلم معاها على انفراد.
لم يتحرك أحد من مكانه وظلوا يطالعوهم بتساؤل حتى صاح بهم شادي وأخرج كل من في الغرفة ولم يتبقى سوا مريم وعاصي.
***
صعد بدر إلى بيته ووضع المفتاح في الباب وعندما فتحه ودلف اتجهت إليه أمينه بسرعه وقالت:
– فين رحيل؟
نظر لها بدر بفتور وقال:
– راحت مشوار مهم مع عاصي.
– عاصي تاني!! مش كفاية المشاكل اللي اتحطينا فيها بسببه. غير كده البنت تعبانة. مشوار إيه ده.
طالعها بدر بلامبالاة. وقبل أن يتحرك أمسكته هي وقالت:
– في إيه؟ أنت بتبصلي كده ليه.
قال بدر بانفعال:
– ببصلك كده عشان قبل أيام بس مكنتيش طايقة رحيل وفجأة بقت بنت أخويا مش بنتك وأنها سبب كل المصايب اللي بتحط علينا مش كده.
– ده كان كلام وقت عصبية.
– ده أصدق كلام بيخرج من البني آدم، وأنتِ مش صغيرة يا امينه أنتِ واعيه ومدركه لكل حاجه بتقوليها. وعموماً أنا لو رجعت رحيل من المستشفى عشان أنا اللي أخد بالي منها. مش عايز خدمات منك لرحيل. شكراً.
قال تلك الكلمات ثم تحرك من مكانه وذهب إلى غرفة داليا. وقفت أمينه مكانها بعيون حزينة وندم قاتل بسبب ما تفوهت به أمام بدر، ولكنها قالت تلك الكلمات في لحظة غضب منها، وقد رفضت كلماته تلك وعزمت على الاهتمام برحيل، حتى إذا رفض هو.
دق بدر على باب غرفة داليا وعندما سمع صوتها دلف إليها فنهضت الأخرى من مكانها وقالت باهتمام:
– حمدالله على السلامة يا بابا. رحيل بره صح. عايزه اطمن عليها.
قال بدر بتعب:
– سيبي رحيل دلوقتي. أنا عايزك في موضوع.
نظرت له بتساؤل وقالت:
– موضوع إيه؟
ابتسم بدر ثم أمسك يدها وجلس الاثنان على سريرها. قال:
– في حد طلب ايدك مني. أنتِ تعرفيه كويسن.
نظرت له بتوتر وأدركت أنه موضوع فارس فأردفت:
– مين؟
– فارس.
حاولت داليا أن تتفاجأ فنظرت له بعيون متسعة وصمتت بخجل. ابتسم بدر وقال:
– إيه رأيك؟
– رأيي في إيه؟
– رأيك فيه يا بنتي. هو أنا اللي هتجوز ولا أنتِ!! أنتِ تعرفيه أكتر مني فقوليلي رأيك قبل ما أسأل عليه برض.
صمتت داليا بخجل وظلت تفرك بيدها بتوتر. نظر لها بدر بخبث وقال:
– ارفضه يعني؟
قالت داليا بسرعه:
– لا!
ابتسم بدر وقال:
– اديله فرصه يعني أنتِ موافقه؟
ابتسمت داليا بخجل وقالت:
– اللي تشوفه يا بابا.
ضحك بدر بسبب خجل داليا وأخذها في أحضانه. قال:
– أنتِ عارفه إنك أنتِ ورحيل عيوني الاتنين. لو جرالي حاجه عايزكم أنتم الاتنين تفضلوا مع بعض وبتحبوا بعض. بلاش تسمحي لحد أو حاجه أنها تخش بينكم. رحيل أختك مش كده.
قالت داليا بتأكيد:
– طبعاً يا بابا. أنا كنت طفلة في تفكيري وبجد كل ما أشوف رحيل بتأسف لها على أي حاجه عملتها ضايقتها. بس بلاش الكلام ده بعد الشر عليك.
ابتسم بدر ثم قال:
– خلاص أنا هتصل بفارس دلوقتي وأبلغه أنه يقدر يجي. الولد ده طلع عينه معايا مكالمات والله بس أنتِ كنتِ شايفه الوضع اللي إحنا فيه. بس شكله جدع ومحترم. أنا مرتاحله جدًّا.
ابتسمت داليا ثم قبّلها بدر في جبينها وخرج من غرفتها. وقد أتصل بفارس واتفق الاثنان على أنه سوف يأتي لكي يطلب يدها مع عائلته بعد يومين. كانت داليا تبتسم بفرحه كلما تذكرت كلمات والدها عن فارس. وعكر صفو جلستها تلك هي الرسائل التي جاءتها من حازم.
أمسكت هاتفها وفي تلك اللحظة أتصل الآخر بها فردت عليه وقالت:
– أنا سبق وقولتلك أن علاقتنا انتهت بس برضو أنت مش عايز تفهم وده مش ذنبي. كمل حياتك يا حازم زي ما أنا هكمل وأنا بتمنالك الخير وأنت كمان اتمنالي الخير.
قال حازم بسخرية:
– ده بجد؟؟ يعني بعد اللي الواد ده عرفه برضو مصمم عليكِ ده مفيش كرامة خالص!
انفعلت داليا وهي تقول:
– أولا هو ليه أسم أسمه فارس. ثانياً لو أنت شايفني وحشه اوي كده أبعد عني يا سيدي هو قابلني بكل حاجه.
قال حازم برجاء:
– داليا أنا عارف إنك بتعملي كده عشان تغظيني بس أرجوكِ كفاية أحنا كُنا كويسين حصل إيه، كل ده بسبب رحيل يعني.
– رحيل كانت سبب من ربنا إنك تظهر على حقيقتك. وأنا مش عايزه أتعب وبندم على علاقتي بيك كل يوم. بندم على كل لحظة قضيتها من عمري معاك. بندم أني مصبرتش على اختيار ربنا ليا واختارت بنفسي واختياري آذاني جدًّا. بندم إني مصبرتش على الحلال والنور واختارت الحرام والسر. الحمدلله إني لحقت نفسي وفوقت قبل ما كل حاجه تبوظ بجد. الحمدلله أنه ربنا رزقني بيه عشان يكون أكتر حاجه صح حصلت في حياتي.
قال الآخر بصوت مرتجف:
– وهو بقى الاختيار الصح ليكِ، هو اللي هيخليكي مبسوطة؟
قالت داليا بإصرار:
– هو اختيار ربنا ليا. واختيار ربنا دايماً من غير تفكير بيكون الأحسن. ما يمكن عشان إحنا علاقتنا من الأول كانت غلط ربنا مباركلناش فيها.
قال هو بانفعال:
– بس إحنا معملناش حاجه غلط!! إحنا حبينا بعض بس من أمتى الحب كان حرام. حتى لما كنت بمسك إيدك كانت نيتي اتجاهك خير. أنا في نيتي إني أكمل معاكي فعلاً فين الغلط في اللي إحنا عملناه.
قالت بسخرية:
– أنت بتضحك على مين؟ الأعمال بالنيات فعلاً بس لو زي ما بتقول مكنش حد غُلب بقى، كان كله هيغلط ويقول بس أنا نيتي كانت غير كده.
تنهد حازم وقال:
– يعني أنتِ عايزه إيه دلوقتي.
– متتصلش بيا تاني ولا تبعتلي رسايل. وعموماً أنا قرايت فاتحتي كمان أيام خلاص. ياريت تتمنالي الخير.
قال بصوت حزين:
– مش هعرف. للأسف مش هعرف اتمنالك الخير.
ثم أنهى المكالمة في وجهها وجلس يبكي بحزن وكل ما ظهر في رأسه هو أنها انانيه، ولم تكن تستحق حُبه لها، لم تستحق مشاعره تلك، وقرر أنه كما انتزعت منه قلبه هكذا سوف يرد لها هذا الأذى ولكن بطريقته.
في بيت عاصي..
خصوصاً في غرفة ليلى التي كانت تجلس بها الصغيرة بحزن وانكسار، وكأن الحياة لم تكتفي أن تضع حِملها على الرجال والنساء فاتجهت إلى الأطفال أيضاً لتضع على قلوبهم هموماً وحزن قادر على مسح الابتسامة البريئة عن وجههم. كانت ليلى تتذكر كلام سلمى عن والدتها وتبكي بصمت. كانت تشعر كل يوم أنها غير مرغوبة في تلك الحياة كانت تشعر أنها مجرد رقم زائد في تلك العيلة.
قالت بدموع:
– حتى ماما دلوقتي برضو مش عايزاني. طب يارب أنا ليه هنا. أنا مش مبسوطة. خدني عندك في الجنة هبقى هناك مبسوطة.
ثم مسحت دموعها بسرعه عندما أحست بباب الغرفة يُفتح عليها. وكانت سلمى التي أرادت أن تطمئن عليها. دلفت إلى الداخل وجلست بجانبها وقالت:
– قاعده لوحدك ليه؟
اشاحت بوجهها عنها وظلت تفرك في عينها وهي تقول:
– عايزه أنام.
ثم نزلت تحت غطائها واغمضت عينيها بتصنع فنظرت لها سلمى بحزن على حالتها ثم خرجت من الغرفة. وعندما تأكدت الصغيرة أنها خرجت نهضت من تحت الغطاء وعادت إلى جلستها الاولى. وعندما خرجت سلمى اتجهت إليها حنان وقالت:
– هو في إيه ليلى مش بتتكلم مع حد ليه؟
نظرت لها سلمى بضيق وقالت:
– هي مضايقة شوية بسبب موضوع مامتها بس.
نظرت لها حنان بقلة حيلة وقالت:
– ومين مش مضايقة. الموضوع بس نعمل إيه. لو مريم تتشجع مره بس وترجع مصر وتكسر كلام عاصي بس أقول إيه. الاتنين أعند من بعض.
نظرت لها سلمى بتوتر وقالت:
– مريم غصب عنها.
وصمتت بقلق. نظرت لها حنان بشك وقالت:
– يعني إيه غصب عنها؟! أنتِ مخبيه حاجه عليا؟
– قولتلك لما عاصي يجي.
وقبل أن تتحرك أمسكت بها حنان وقالت بقلق كبير:
– مش هستنى لما عاصي يجي. أنتِ لو مقولتليش دلوقتي مريم بنتي فين هتزعلي مني اوي! ردي عليا مريم فين هي مش مسافره صح.
نظرت لها سلمى بخوف من ردة فعلها وقالت:
– عارفه الرسايل اللي كانت بتجيلك من كندا.
نظرت لها حنان بدهشه وتفاجُئ وقالت:
– وأنتِ عرفتي منين بموضوع الرسايل ده؟
– عشان أنا اللي كنت ببعتهم!
ناظرتها حنان بصدمة وقالت:
– يعني إيه؟! يعني أنتِ اللي كنتِ في كندا مش مريم!!
أومأت سلمى برأسها وقد تجمعت الدموع في عيونها. اتسعت عيون حنان وطالعتها بصدمة ثم قالت بأنفاس محبوسة:
– مريم ماتت؟ عملت حاجه في نفسها وأنتم مش عايزين تعرفوني صح.
أشارت سلمى برأسها بالنفي وقالت:
– لا.
بكت حنان وهي تقول:
– أنتِ بتضحكي عليا بنتي ماتت وأنتم مخبين عليا. مريم بنتي ماتت.
وفي تلك اللحظة جاء صوت فتاة من خلفهم وهي تقول:
– أنا عايشه يا ماما.
نظرت حنان أمامها بصدمة وعيون متسعة. هذا الصوت التي تمنت لسنوات أن تسمعه. تلك الكلمه التي قد اشتاقت لها من فوهتها. لم تدرك للحظات هل ما سمعته حقيقة أم مجرد تخيل من عقلها الباطن. وعندما نظرت إلى سلمى ووجدتها تضحك بدأت في تصديق ما يحدث حولها. التفتت برهبه ونظرت إليها لترى ابنتها، صغيرتها، حياتها، صديقة دربها، مريم.. ولكنها كانت بوجه شاحب وبنيه نحيلة. اقتربت منها بلا وعي وامسكت وجهها بين كفوفها وقالت:
– أنتِ واقفه قدامي بجد يعني أنا مش بحلم!
نظرت لها مريم بابتسامة وأومأت برأسها تأكيداً لكلامها. ثم التفتت مريم ونظرت إلى عاصي ورحيل الواقفين خلفهم وكانت رحيل تضحك بفرحه كبيرة. وبدون تفكير أخذت حنان ابنتها في احضانها. للحظة كانت على وشك أن تعتصرها بين ذراعيها من قوة ذلك العناق. استنشقت رائحتها باشتياق وظل الاثنان هكذا حتى عرفت الدموع طريقها إلى عيونهم وظلوا يبكوا.
نظر عاصي إلى رحيل بعيون لامعه وغارقة بالحب وعندما وجدها تضحك هكذا سرح بضحكتها للحظات حتى نظرت إليه بعيون ضاحكة ووجه يشع بالأمل. قال عاصي بابتسامة:
– لحد دلوقتي محدش قدر أنه يخليني أعمل حاجه أنا مش عايزها، إلا أنتِ.
ابتسمت رحيل وقالت:
– طلع فيا شوية عقل صغننين فعلاً.
ضحك عاصي وظل ينظر لها بعيون تلمع وبهم تلك النظرة التي تتمنى كل فتاة أن تراها بعيون من أحبت. تلك النظرة التي تجعل العيون وكأنها لؤلؤتين مقيدتين في عشق إحدى الحوريات. وهنا لا أتكلم عن اللؤلؤ أو الحور بل عن عاصي ورحيل.
ابتعدت مريم عن حنان فمسحت الأخرى دموعها وقالت:
– أنتِ كنتِ فين ووشك تعبان كده ليه خسيتي أوي.
التفتت مريم ونظرت إلى عاصي فتقدم الاثنان منهم. وقبل أن يتحدث عاصي قالت سلمى وهي تنظر إلى رحيل:
– هتتكلم قدامها؟
نظر عاصي إلى رحيل بعيون مُحِبه وقال:
– هي السبب أننا كلنا نكون هنا دلوقت.
نظرت له حنان وقالت:
– أنت ممكن تفهمني في إيه؟ مريم كانت فين هي مكانتش في كندا صحت.
تنهد عاصي ثم قال:
– مريم كانت في مصحه نفسية من خمس سنين.
نظرت له حنان بعيون متسعة وشهقت بفزع، فأكمل الآخر:
– يوم ولادة ليلى مريم حاولت تقتلها وبعدها حاولت تقتل نفسها. للأسف ده كان الحل الوحيد وقتها لو فضلت برا المصحه كان زمانها ميته دلوقت.
تجهت إليه حنان وامسكته من ملابسه بعنف وقالت:
– أنت إزاي تخبي عني السر ده كل السنين دي !! إزاي فكرت تعمل كده.
صمت عاصي فنظرت له رحيل وقالت:
– أحكي إيه اللي حصل في المصحة.
وقبل أن يتكلم ويقول لها ماذا حدث في المصحة وكيف أقنع مريم أن تعود معه دق الباب بعنف فشعروا جميعاً بالفزع. ذهب عاصي بسرعه وفتح الباب ليظهر أمامه حارس العقار منصور وعلامات القلق والفزع على وجهه. نظر له عاصي بتساؤل وقال:
– في إيه؟
كان منصور يبكي بحسرة ولم يقدر على الكلام فزاد قلقهم كلهم. صاح به عاصي:
– مالها ليلى!!
بكى منصور للحظات ثم قال بصعوبة:
– الهانم الصغيرة.
نظر له عاصي وقد تغيرت ملامحه إلى الخوف:
– مالها ليلى!!
بكى منصور للحظات ثم قال بصعوبة:
– وأنا رايح الجنينة لقيتها مرميه على الأرض وحواليها دم. شكلها وقعت من شباك الاوضة بتاعتها. أنا طلبت الإسعاف يارب تكون عايشه.
وبعد كلماته تلك تجمدوا جميعا مكانهم، وكأن هناك قوى خفيه تمسك بأجسادهم فمنعتهم من الحركة.
رواية رحيل العاصي الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميار خالد
بكى منصور للحظات ثم قال بصعوبة:
– وأنا رايح الجنينة لقيتها مرمية على الأرض وحواليها دم. شكلها وقعت من شباك الأوضة بتاعتها. أنا طلبت الإسعاف، يارب تكون عايشة.
بعد كلماته تلك، تجمدوا جميعاً مكانهم، وكأن هناك قوى خفية تمسك بأجسادهم فمنعتهم من الحركة.
وكان أول من تحرك منهم هو عاصي، وبعده رحيل وحنان ثم سلمى. وظلت مريم مجمدة مكانها لا تقدر على الحراك.
تحرك عاصي بجنون حتى وصل إلى الجنينة وبحث بعيونه عنها حتى رآها مكومة على وجهها على الأرض ورأسها ينزف دماً بغزارة. ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينتشلها من على الأرض ليظهر وجهها أمامه والذي كان غارقاً بالدماء.
شهقت رحيل بفزع ثم أمسكت رأس ليلى بسرعة وضغطت على الجرح. كانت حنان تبكي بفجعة وعاصي ينظر لها بعيون مجمدة، يشعر وكأن الحياة قد تجسدت في شكل كابوس مرعب لا يعرف كيف يهرب منه. لماذا تتلذذ بأن تجعله يذوق العذاب بشتى الطرق؟ لماذا؟
وبعد دقائق وصلت سيارة الإسعاف وأخذت ليلى. وصعدوا جميعاً معها وبقت سلمى في البيت من أجل مريم. وعندما وصلوا إلى المستشفى، دخلت ليلى إلى العمليات فوراً.
جلس هو أمام الغرفة ووضع رأسه بين يديه. ولأول مرة يشعر بكل هذا العجز. حتى عندما كانت مريم في تلك الأزمة لم يشعر بكل هذا العجز. مشاعر كثيرة لا يمكن وصفها من الألم والقلق والخوف والندم.
جلست رحيل بجواره وأمسكت يديه وأنزلتهما عن رأسه لتجد الدموع قد ترقرقت في عينيه ووجهه قد تلوث بدماء ليلى التي كانت على يديه. أخرجت منديل من حقيبتها ومسحت الدماء عن وجهه برفق وكذلك عن يده. نظر لها عاصي بعيون دامعة وقال:
– هي هتعيش، صح؟
ابتسمت رحيل برفق وقالت:
– هتعيش. ليلى متقدرش تسيب خالها وتمشي.
قال بلا وعي:
– كانت غرقانة في دمها وهي بين أيدي. أنا السبب، لو كنت جنبها مكنش حصل كده. أنا وعدت نفسي إني أحميها من كل حاجة، حتى من نفسها.
أدمعت عيون رحيل فحركت يدها وربتت على كتفه وقالت:
– أنت ملكش ذنب في حاجة. بلاش تعاقب نفسك، ده قدر ونصيب. وهي هتبقى زي الفل. خليك قوي وأنا معاك، صدقني هنعدي كل ده.
ابتسم لها عاصي بحزن ثم نهض من مكانه واتجه إلى والدته وجعلها تهدأ قليلاً. وبعد ساعة ونصف خرجت لهم إحدى الطبيبات من غرفة العمليات واتجهت إليهم بوجه عابس. اتجهوا إليها وقال عاصي بقلق:
– ليلى كويسة؟
صمتت الطبيبة للحظات ثم قالت:
– للأسف الوقعة كانت قوية جدًا لبنت في عمرها. فيه كسر في أيديها ورجلها. وبسبب الخبطة حصلها نزيف داخلي في المخ. إحنا الحمدلله عرفنا نسيطر على الوضع. بس احتمال كبير يحصل مضاعفات. وطبعاً مش هنقدر نعرف هي إيه غير لما تفوق. للأسف لو فاقت.
نظر لها عاصي بدون تصديق وقال:
– يعني إيه لو فاقت؟
– بندعي أنها تتخطى مرحلة الخطر. بندعي أنها متدخلش في غيبوبة. ادعولها لأن وضعها صعب فعلاً، بس مفيش حاجة بعيدة عن ربنا.
قال عاصي بلا وعي:
– عايز أشوفها.
قالت الطبيبة:
– للأسف الزيارات ممنوعة دلوقتي. حالياً هننقلها للعناية المركزة. وخلال ٢٤ ساعة ندعي أنها تتخطى مرحلة الخطر وتستعيد وعيها.
ثم تحركت من مكانها وتركتهم في حالة يرثى لها. قالت رحيل بتفاؤل:
– هتكون كويسة، صدقني. ليلى بنت قوية وهتستحمل.
التفت لها عاصي بعيون قد التهبت وتلونت باللون الأحمر. كان وجهه شاحب، قلق، يكسوه التوتر، الخوف، الكثير من المشاعر الكافية لتنتزع الطمأنينة من أي إنسان. لم يشعر بنفسه إلا وهو يتشبث بيد رحيل. فتمسكت الأخرى بيده بقوة وقالت:
– هتكون كويسة، صدقني. أنا معاك، أهدي واتمالك نفسك. ليلى محتاجاك جداً دلوقتي.
نظر لها عاصي وقال بدموع:
– لو جرالها حاجة، مش هسامح نفسي.
وقتها جاءت حنان وعانقته بألم وحزن. وظلت رحيل ممسكة بيده بقوة ورفضت أن تتركها للحظة.
في بيت عاصي.
وقعت مريم مكانها ولم تستوعب ما حدث. أهذا عقاب جديد لها؟ ألم يكفِ ألمها وعقابها كل تلك السنوات؟ هل علمت الحياة أن قلبها قد وُلد فيه ذرة تحمل جديدة فقررت أن تختبرها مجدداً؟ لماذا تحدث كل تلك الأحداث معها؟
اتجهت إليها سلمى وساعدتها فنهضت من مكانها. قالت سلمى:
– متخافيش، ليلى هتكون كويسة وترجعلك. أهدي.
– ده اختبار جديد، مش كده؟ كفاية اختبارات، أنا تعبت!
– أهدي أرجوكِ.
وفي تلك الأثناء، دق أحدهم على الباب. فتحركت سلمى بسرعة وفتحت الباب ليطل عليها شادي الذي نظر لها بقلق وقال:
– مريم موجودة؟
طالعته سلمى للحظات وقالت:
– أنت دكتورها شادي؟
أومأ برأسه بدهشة فقالت الأخرى:
– جيت في وقتك، الحمدلله.
طالعها بقلق فقصت عليه سلمى ما حدث معهم. فاتسعت عيونه بقلق شديد ودلف بسرعة ليجد مريم على الأرض تبكي بعدم تركيز بسبب ما يحدث. جلس بجانبها على الأرض وأمسك يدها فنظرت له بعيون دامعة. وعندما تلاقت عيونهم قالت له ببكاء:
– ليلى راحت. فرصة أني أصلح كل حاجة راحت مني. كل حاجة ادمرت من قبل ما تبدأ.
وضع شادي يده على فمها وقال بإصرار:
– ممكن تهدي! مفيش حاجة باظت. ده أكتر وقت ليلى محتاجاكِ فيه. ده الوقت المناسب عشان تصلحي فيه كل حاجة وترجعي بنتك لحضنك.
ناظرته بعيون دامعة ورموش ملتصقة ببعض من كثرة الدموع. أردف شادي:
– حصل إيه في المصحة وعاصي قالك إيه عشان ترجعي معاه؟
طالعته بصمت ثم تذكرت ما حدث وقصت عليه.
***
لم يتحرك أحد من مكانه وظلوا يطالعوهم بتساؤل حتى صاح بهم شادي وأخرج كل من في الغرفة ولم يتبقى سوى مريم وعاصي.
مرت لحظات كساها الصمت حتى قال عاصي:
– مقولتيش الحقيقة ليه؟
– لو أنت تقدر تأذيني، أنا مش هقدر أسببلك أذى.
– برضو لسه بتقولي أذية!
تنهدت مريم وقالت:
– متقلقش على موضوع الناس دي. أمشي دلوقتي وأنا هحله. مكنش لازم تيجي، صدقني مكنتش هستغل الموضوع وأسببلك أذى.
– بس أنا مش جاي عشانهم.
طالعته مريم بسخرية وقالت:
– أكيد مش جاي عشان تاخدني معاك، بجد؟
ابتسم عاصي وقال:
– جاي عشان نفتح صفحة جديدة، ننسى فيها اللي فات ونبدأ من جديد. الوقت عدى وكل واحد فينا كبر. مش عايز نكبر أكتر وإحنا جوه الدوامة دي. كفاية بُعد ومشاكل.
ابتسمت مريم بسخرية وقالت:
– والله؟ ده أنت اللي بتقول الكلام ده، مش مصدقة. طب وبنتي اللي حرمتني منها، هتسمح إني أشوفها تاني؟
– أنتِ اللي مكنتيش عايزة ليلى أصلًا. ولو كنتِ بره وقتها كنتِ قتلتيها وقتلتي نفسك. المفروض تشكريني عشان أنقذتك من اللي كنتِ هتعمليه.
صمتت مريم ثم ترقرقت الدموع في عيونها وقالت:
– ودلوقتي مش خايف إني أكرر ده تاني؟
ابتسم عاصي وقال:
– مش خايف لأني متأكد إنك مستحيل تكرري ده تاني. أنا قولتلك قبل كده مش هخرجك من هنا غير لما أحس إنك اتغيرتي فعلاً وده اللي أنا شايفه فعلاً. أنتِ بقيتي أقوى من الأول دلوقتي. أنا مش خايف عليكِ. بلاش تبقي غبية وتضيعي يوم تاني من عمرك في إنك تستوعبي اللي بيحصل. أنا بديكي الفرصة إنك تصلحي كل حاجة وبديكي الفرصة إنك تكسبى ليلى. كفاية السنين اللي هي عاشت فيها من غير أم، ارجعي وعوضيها عن كل السنين دي.
أردفت وهي تطالعه بعيون دامعة:
– بس أنا أم مش كويسة، أنا كنت هقتل بنتي وهي لسه عندها ساعات.
– مكنتيش في وعيك، كنتِ في صدمة ولسه صغيرة. طبيعي كان يبقى ده رد فعلك. دلوقتي أنتِ اللي بتعاقبي نفسك وبترفضى تكملي في حياتك. كفاية كل التعقيد ده، الدنيا أبسط من كده.
نظرت له مريم بتساؤل ودهشة ثم قالت:
– وأنت من أمتى كنت بتشوف الدنيا بالبساطة دي؟
– لو وافقتي ترجعي معايا، هحكيلك إيه اللي غيّر نظرتي دي.
ثم مد يده لها وانتظر جوابها. ظلت تطالعه بعيون خائفة نوعاً ما، ولكن في لحظة نفضت هذا الخوف وامسكت يده بإصرار وقالت:
– موافقة.
***
قالت مريم بدموع:
– وبعدها خرجنا من المستشفى زي ما أنت شوفت.
طالعها شادي بصمت ثم قال جملة وانتظر ردها عليه، وتلك الجملة سوف تظهر له شيئاً ما. وكانت تلك الجملة:
– هتعملي إيه دلوقتي؟
نظرت له مريم بضياع، ولكن فجأة تغيرت نظراتها ونهضت من مكانها ثم قالت بعيون حادة:
– لازم أفضل جنب ليلى. أنا مش هسمح إني أخسرها تاني. حتى لو هي تعبانة، أكيد لما تحس بيا جنبها هتخف وتبقى كويسة، صح؟
ابتسم شادي وقال:
– هتكون كويسة.
وبعدها اتصل شادي بعاصي وطلب منه أن يخبره باسم المستشفى حتى يأتي بمريم إليهم. ولكن عاصي رفض وبشدة، وخصوصاً بسبب حالة ليلى الغير مستقرة. ولكن شادي لم يخبر مريم بالحقيقة، لذلك أخبرها أن ليلى مازالت في العمليات وانتظارها هناك لن يشكل أي فرق. وبصعوبة أقنعها أن تظل في المنزل.
***
كان أحمد يجلس بجوار شريف عندما أتى للآخر اتصال حتى يعرف ماذا حدث في المصحة. وانزعج بشدة عندما علم أن الأمور لم تسير كما كان يرغب. ولكن عندما أتاه خبر تلك الصغيرة التي تنازع في المستشفى حتى تتمسك بالحياة، ابتسم بشماتة وكأنه نسي أن ليلى ما هي إلا طفلة صغيرة ليس لها ذنب بكل هذا الخبث والحقد.
أنهى المكالمة فقال له أحمد بترقب:
– حصل إيه؟
– كالعادة هرب منها، مريم متكلمتش تضده وقالت إنها قاعدة في المصحة بإرادته.
لم يتكلم أحمد وكأنه قد شعر بسرور بسبب كلمات شريف. كان يساعد في تدمير عاصي ولكن بأي طريقة تكون بعيدة عن ليلى ومريم. وحتى الآن لم يفهم أحمد تصرفاته تلك. هل شعوره بالذنب تجاههم هو الذي يتحكم به؟ لا يعرف. ولكن شعوره بالسرور هذا انتهى حين أكمل شريف:
– في خبر بالنسبة لك هيبقى وحش، بس بالنسبة لي لا. ليلى في المستشفى.
انتفض أحمد من مكانه وقال:
– ليه؟ جرالها إيه؟
– احتمال تكون ماتت. اللي وصلي أنها رمت نفسها من شباك أوضتها. هو الشباك مش عالي قوي بالنسبة لينا ككبار، بس ليها عالي قوي. مسكينة البنت لسه صغيرة. شوف عاصي وصل بنت صغيرة أنها تموت نفسها. ربنا العالم هي كانت حاسة بأيه ولا فكرت في إيه عشان تتصرف كده.
لم يصدقه أحمد للحظات فظل يطالعه بعيون متسعة وصدمة ظهرت في ملامحه. لم يستوعب هل من يتكلم عنها تلك ويقول إنها من المحتمل أن تكون ماتت هي ليلى؟ ابنته التي لم يشعر يوماً أنه أبًا لها، ابنته التي قد ندم على تخليه عنها. ولكن لِما الندم؟ فهو من تخلى عنها باختياره وإرادته.
ربت شريف على كتفه وقال:
– أنا كنت فاكرك هتضايق، بس في إيه مش مستاهلة كل ده.
نظر له أحمد بعنف ثم قال:
– بتقولي احتمال تكون ماتت ومش مستاهلة كل ده، أنت اتجننت!
طالعه شريف بتهكم وسخرية وأردف:
– ما تفوق بقى من العالم اللي أنت عايش فيه ده. شوية تقولي بنتي وشوية تقولي خرّج مريم من أي حاجة. أنت نسيت إنك أنت اللي دمرت حياتهم؟ أنت بتضحك على مين بالظبط؟ عشان كده أنا مش مصدقك ولا هصدقك.
وبدون أن ينتبه أحمد لكلماته تلك، طلب منه أن يعطيه اسم المستشفى الموجودة بها ليلى. وقد ماطل شريف في الحوار قليلاً حتى أخبره في النهاية عن اسمها فخرج الآخر وبسرعة واتجه إليها.
ولكن شريف لم يعجبه ما يحدث وقد شعر أن بعد أيام أحمد سوف يصبح مصدر أذى بالنسبة له، لذلك شعر ببعض القلق.
***
مرت ساعات.
وتم نقل ليلى إلى غرفة العناية المركزة. وعندما علم بدر بما حدث، جاء إليهم المستشفى وحاول أن يقنع رحيل أن تعود معه بسبب مرضها، ولكنها رفضت وبشدة. وقد أحضر معه بعض الطعام التي جهزته أمينة لهم.
كان عاصي يقف أمام الغرفة ينظر إليها وهي بين كل تلك الأجهزة الطبية ويدها ورجلها المحاطين بجبيرة طبية. اتجهت إليه رحيل ومدت يدها إليه ببعض الطعام بعد أن أعطت حنان أيضاً والتي قد رفضت في البداية ولكنها صممت فتناولت بعض اللقيمات في النهاية. نظر عاصي للطعام ثم قال:
– مش عايز.
قالت رحيل وهي تنظر له بابتسامة:
– كنت عارفة إنك هتقول كده، بس على فكرة أنا كمان مأكلتش لحد دلوقتي ومش هاكل غير لما تاكل. أنت حر بقى.
زفر عاصي بحنق وضيق ورد:
– رحيل بالله عليكِ، أنا على أخري. كُلي أنتِ وملكيش دعوة بيا.
– وربنا ما يحصل لو مأكلتش أنا مش هاكل.
نظر عاصي أمامه بصمت ثم قال:
– أنتِ تعبانة، روحي مع باباكِ.
– لا، أنا كويسة.
صاح بها عاصي:
– أنتِ ليه مش بتسمعي الكلام؟ قولتلك روحي مع باباكِ!!
تجاهلت رحيل صياحه هذا وقالت:
– لما أطمن على ليلى وعليك هبقى أمشي.
صمت الآخر ولم يعرف كيف يرد على اهتمامها هذا. ولأول مرة يعيش مشاعر من هذا النوع. ولم تعطيه رحيل فرصة أن يفكر فقد سحبته من يده وجعلته يجلس على أحد المقاعد الموجودة أمام الغرفة. ثم جلست بجواره وفتحت علبة الطعام وأطعمته بيدها. نظر لها عاصي بذهول فقالت هي:
– هو أنت ليه كنت بترفض تاكل معايا في الشركة مع أن الأكل جميل وبسمسم أهوه.
ابتسم عاصي رغماً عنه وظل يطالعها بعيون تلمع. فأكملت هي بضحكة:
– كنت خايف لأكون عملالك مقلب في الأكل وحاطه سكر بدل الملح ولا إيه؟ أنا عبيطة آه بس مش للدرجادي يعني. ده أكل مستحيل إني...
كانت تتكلم بمرح وتضحك بين الحين والآخر. وكان عاصي في عالم آخر هي المسيطرة فيه على عقله. شريط يُعاد أمام عينيه منذ أول لحظة رآها فيها حتى تلك اللحظة. كان يدعي في بداية الأمر أن تختفي من حياته والآن أصبحت هي محور حياته.
جلس أمامها مسلوب الإرادة، هي تطعمه في فمه وهو في عالم آخر من التفكير والشرود. ولم يفق إلا على صوت سلمى التي جاءت بمفردها إلى المستشفى. قالت بقلق:
– ليلى فين؟
ثم نظرت إلى رحيل بدهشة وتساؤل. من تلك الفتاة التي كانت السبب الرئيسي في إصلاح الأمور كلها؟ قد فعلت ما لم تقدر سلمى نفسها على فعله. من تلك الفتاة التي تمكنت من سلب عقل عاصي واخضاعه لها فأصبح يتصرف بطريقة لا يصدق أحد أن عاصي من يفعلها.
تنهد عاصي ثم نهض من مكانه وقال لها:
– في العناية. جيتي ليه؟ مش قولتلك خليكِ مع مريم.
– شادي هناك معاها. أنا قولت أجي أطمن على ليلى بسرعة بعد ما عرفت المستشفى من ماما حنان.
قال عاصي بانفعال:
– شادي الدكتور بتاعها وكل حاجة، بس مينفعش يكون معاها في نفس البيت لوحدهم!! ولا أنتِ العيشة في كندا خليتك تنسي الأصول؟
قالت سلمى بهدوء:
– هرجع لهم دلوقتي حالاً وهاخد طنط حنان معايا كمان. بس طمني على ليلى حالتها إيه؟
– حالتها مش مستقرة وبندعي أن الـ ٢٤ ساعة دول يعدوا على خير.
رفعت سلمى يدها ووضعتها على كتف عاصي وقالت بتهوين:
– هتكون كويسة، هي بس لما تحس أن مامتها جنبها هتتحسن.
نظرت رحيل إلى يدها التي هي على كتفه وشعرت وكأن شعلة من النار قد أُوقدت بداخلها. وبحركة لا إرادية منها وجدت نفسها تمسك يد سلمى الموجودة على كتف عاصي وقالت مغيره الموضوع:
– بس ليلى عملت كده في نفسها بسبب مامتها وخصوصاً اللي سمعته منك. يعني هتاخد وقت كبير لحد ما تعرف تحبها تاني.
نظرت سلمى إلى يدها التي أصبحت في يد رحيل. وقبل أن تتكلم، قال عاصي بتساؤل:
– ليه؟ هي ليلى سمعت إيه بالظبط؟ سمعت منك إيه؟
قال تلك الجملة ثم نظر إلى سلمى بتساؤل. وللحظة قد ندمت رحيل على ما قالته. وقبل أن تتكلم سلمى، سبقتها رحيل بقولها:
– بصراحة في حاجة أنت متعرفهاش. أنا عملتها.
ثم نظرت له بخوف وقلق. طالعها عاصي لثواني ثم تنهد ووضع يده على وجهه حتى يمتص بعضاً من غضبه وقال بهدوء:
– عملتي إيه؟ أنهي مصيبة المرة دي؟
وضعت رحيل إصبعها أسفل أسنانها ثم قصت عليه ما حدث معهم منذ أن رأت الصورة على هاتفها ثم سلمى أمامها. وأنها قد وعدت ليلى أن تأخذها إلى والدتها ظناً منها أنها هي. كان عاصي قد استنتج كل هذا منذ وقت وخصوصاً بعدما قالت له سلمى أن ليلى قد سمعتهم. ولكن مفاجئته الحقيقية عندما أدرك السبب وراء تصرف ليلى هذا. قد أدرك كم الاكتئاب التي أصابت تلك الطفلة لتقرر أن تنهي حياتها وهي بهذا العمر.
قالت رحيل:
– صدقني أنا مكنش قصدي أن كل ده يحصل. أنا مكنتش أعرف إن ليلى ممكن تعمل كده في نفسها أو أنها ممكن تسمعنا أصلاً. أكيد هي عملت كده بسبب كلامنا.
طالعها عاصي بعيون متعبة ومرهقة وقال:
– حرام عليكِ، ليه اتصرفتي من دماغك حاجة زي كده؟ المفروض ترجعيلي الأول.
– تقومي مخبية وتعملي اللي في دماغك وادي نتيجة أفعالك! ليلى بين الحياة والموت، برافو.
ثم صفق لها بغيظ. ظل يطالعها بغضب حتى وجد نظراتها تتغير إلى الرعب وكانت تنظر إلى شخصاً ما يقف خلفه. وفجأة أمسكت يد عاصي بخوف ونظرت له بعيون دامعة. طالعها عاصي بدهشة ثم استدار هو وسلمى لينظروا إلى الشخص التي تطالعه رحيل بكل هذا الرعب.
وكان هذا الشخص هو أحمد. الذي كان يقف أمامهم بثبات وسط نظراتهم المصدومة.