تحميل رواية «رحيل العاصي» PDF
بقلم ميار خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين. كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف. صرخت بهم: – ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا! اقترب منها أحد الأطباء وقال: – اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده! قالت بغضب عارم: – مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت. وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول: – هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟ تغيرت نظراتها فجأة...
رواية رحيل العاصي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ميار خالد
ضحك عاصي وتنهد بحب.
قبل أن يتحرك، جاءه اتصال مهم فرد عليه فوراً.
ليتغير وجهه الضاحك إلى العبوس والغضب.
ثم تحرك من مكانه وخرج من البيت بأكمله واستقل سيارته وذهب بها.
وما حدث هو أن عز الدين قد اتصل به وأخبره أن شريف يعبث في أمر ما وأنه سوف يخرب تلك الخطوبة بأي طريقة.
فما كان من عاصي سوى الخروج فوراً من البيت وذهب بسيارته إلى بيت شريف، الذي هو في الأساس البيت الذي قد اختطف به أحمد ليلى.
وبعد بحث عاصي قد وصل لكل تلك الأمور.
وصل إلى بيت شريف وترجل من السيارة ودلف إلى الداخل بغضب.
وقد تفاجئ شريف عندما وجده أمامه.
فنظـر له بسخرية وقال:
– إيه المفاجأة دي، للدرجادي مش صابر على هديتي.
صاح به عاصي:
– أنت حسابك معايا أنا! بطل تخلط الأمور واتعامل زي الرجالة بلاش الشغل ده.
أبتسم الآخر بشماتة وقال:
– عاصي أنا لو عايز أدمرك هدمرك، لكن أنا لحد دلوقتي سايبك.
أبتسم عاصي بتهكم وقال:
– والله؟ ولا عشان بتحسب خطواتك أوي عشان خايف تسيب وراك دليل.
– خالص والله أنا لو مش عايز اخرجك من هنا حي مش هخرجك أصلاً، لكن أنا عايز اقهرك زي ما قهرت أمي وماتت بسببك.
طالعه عاصي بصمت ثم قال:
– وأنت فاكر أنها هتكون مبسوطة بيك وأنت بتدمر حياتي؟ هتكون مبسوطة وهي شايفاك بني آدم مؤذي كده، هتبقى مرتاحة في تربتها.
ترقـرقت الدموع في عيون شريف وقال:
– أيوة على الأقل هتكون فخورة بيا وتعرف أن ابنها مسابش حقها.
ظل يطالعه عاصي بتهكم ثم رد:
– ده على كده بقى المفروض تنتقم من اللي هدوا البيت، والسمسار ورجالة الأمن اللي خلوها تمشي من الشركة، كل اللي كان ليه سبب في أنها تتوفي، أنت مش مركز أن ده قدرها وده عمرها، حتى لو كان الموضوع بعيد عني هي كانت هتموت.
بكى شريف رغماً عنه، فأكمل عاصي:
– أنا لحد دلوقتي متعاطف معاك، أنا هقدملك عرض، أنسى الانتقام ده صدقني مفيش منه فايدة والنتيجة هتكون الخسارة وبس، أنا هنسى كل حاجه عملتها وهساعدك تقف على رجلك تاني وتبني شركتك من أول وجديد وهسندك، بس أنت تتغير وتسيب السواد والغل ده كله.
ثم مد يده إليه ونظر الآخر له للحظات وفكر بكلماته.
ولكنه في نهاية الأمر ضرب يده بقوة ورفض كلماته تلك.
وهكذا قد ارتاح ضمير عاصي حتى إذا رد إليه الأذى بالأذى لا يشعر بأي أسى.
قال شريف بابتسامة باردة:
– أنا شايف إنك المفروض دلوقتي تكون في بيتك عشان هديتي على وصول مش معقول حد غيرك اللي يستقبلها.
نظر له عاصي بغضب مكتوم ثم قال وهو يجز على أسنانه:
– صدقني لو حد حصله حاجه من عيلتي مش هرحمك.
ضحك شريف ببرود.
ثم خرج عاصي وعاد إلى بيته بتوتر وقلق.
وعندما وصل وجد رحيل عند الباب الخارجي تستلم أحد الطرود المقفولة.
فأسرع إليها وصرخ:
– لا!
نظرت له بفزع وقالت:
– في إيه؟
أخذ عاصي الطرد من يدها وتحرك عامل التوصيل وذهب من مكانه.
أمسك عاصي الطرد بخوف وقلق وفتحه ببطء وتوتر.
وكانت رحيل تطالعه بعدم فهم.
وكان الطرد عبارة عن تهنئة مع هدية من أحد الشخصيات الهامة لبدر.
فتنهد عاصي براحة.
قالت رحيل:
– في إيه؟ واختفيت فجأة ليه كنت فين.
– جالي شغل مهم، أنتِ كويسة.
– أنا كويسة بس إحنا كل ده معطلين تلبيس الدبل عشانك عايزينك تكون موجود.
– حصل حاجة وأنا مش هنا.
– لا كله زي الفل.
قبل أن يتحرك معها، فجأة صدع صوت انفجار بسيط في الداخل.
فشهق بقلق وركض بسرعة.
ولكن هذا الصوت كان لإحدى مفرقعات الحفلات والذي قد أطلقها ضياء بفرحة.
نظرت رحيل إلى عاصي بقلق وامسكت وجهه بين يديها وقالت:
– في إيه وشك مصفر كده ليه.
– خليكِ جنبي متتحركيش بعيد عشان لو حصل حاجة.
– أهدى طيب مفيش حاجة.
وفي تلك اللحظة جاءه اتصال من شريف.
فرد عليه ليقول الآخر:
– شوفت إحساس أنك تكون عايش في توتر عامل ازاي، خليك مش عارف ولا متوقع الأذى هيجيلك منين، خليك عمال تبص حواليك بقلق وخوف، وصحيح مبروك عليك أنت ورحيل الدبلة في إيدك تحفة، يا خسارة والله.
ثم أنهى المكالمة في وجهه.
أغمض عاصي عينيه بغضب ثم نظر إلى رحيل ليجدها تطالعه بقلق.
فلم يريد أن تشعر بالضيق من كل تلك الأحداث فابتسم لها.
وأمسك يدها ثم قبّلها في كفها وقال:
– بلاش تتوتري مفيش حاجة، أنا بس قلقان أن حاجة تحصل.
شدت قبضتها على يده وقالت بابتسامة مطمئنة:
– مش هيحصل حاجة صدقني.
أبتسم لها عاصي ثم تنهد براحة وقال:
– أنا محضرلك مفاجأة النهاردة على فكرة.
نظرت له بعيون لامعة وقالت:
– بجد!
أمسك يدها ثم عاد معها إلى الاحتفال.
وبمجرد ظهورهم اتجه إليهم بدر بتوتر وقال:
– أنتم كنتوا فين كل ده؟! الفرح كله متعطل عليكم.
أعتذر منه عاصي بأسف وأخبره أنه قد ظهر إليه عمل ضروري لذلك اضطر أن يذهب.
فقال بدر:
– مش مشكلة خلاص بس يلا عشان عايزين نلبس الدبل.
أومأ عاصي برأسه ولكنه قبل أن يتحرك طلب من بدر أن يتحدث معه قليلاً على انفراد.
وعادت رحيل إلى داليا التي كانت تجلس مكانها بتعب، كل جسدها به ألم أثر تلك الحادثة.
ولكنها تقاوم من أجل رحيل وفارس حتى لا تكسر فرحتهم.
نظرت إلى رحيل بابتسامة ولاحظت أن دبلتها ليست في يدها فقالت بتساؤل:
– فين دبلتك.
نظرت رحيل إلى يدها بعفوية فلم تجد بها الدبلة بالفعل.
فقالت لها بذهول:
– كانت في أيدي من شوية معقول وقعت مني.
– أنتِ كنتِ فين طيب من شوية.
– كنت عند البوابة، هروح أدور عليها هناك وراجعه طيب لو عاصي سأل عليا قوليله أني في الحمام أو أي حاجة.
أومأت داليا برأسها وعادت إلى فارس الذي كان يجلس بجوارها ويطالعها بحب.
قالت بقلق:
– أنا خايفة حازم يعمل حاجة في يوم زي ده.
أبتسم لها فارس وقال:
– متقلقيش أنا عامل احتياطي لكل حاجة ومفيش أي حاجة هتحصل النهاردة، اطمني وارتاحي بس.
– حليت موضوع الرقصة.
– أيوه مش هتكون في الفقرات متقلقيش أنا عارف إنك تعبانة جداً.
– أنا مش قادرة أتحرك، بس كله عشان رحيل.
أمسك يدها وطبع عليها قبلة ثم قال:
– نعوض كل حاجة في الفرح بقى، عشان يكون في علمك الخطوبة دي مش هتطول أوي، يادوب هخلص الشقة ونكمل العفش ونعمل كتب الكتاب والفرح علطول.
– وهي الشقة فاضل عليها أد إيه.
– يعني شهرين كده.
– بس دي مدة صغيرة أوي لا! اديني فرصة استوعب شهرين إيه.
ضحك فارس وقال:
– مش وقت الكلام ده طيب اضحكي للكاميرا.
وفي تلك الأثناء كان المصور يلتقط لهم بعض الصور مع تصوير الفيديو.
تحركت رحيل ووصلت إلى البوابة وظلت تبحث عن الخاتم ولكنها لم تجده فتنهدت بضيق.
وقبل أن تتحرك وتعود إلى الداخل شعرت بأحد يمسكها من ذراعها.
فالتفتت بسرعة إليه لتجده حازم.
قال:
– قولي للأمن يدخلوني.
سحبت يدها بقوة وقالت:
– لا! مستحيل أنت بتعمل إيه هنا أصلاً.
– جاي أحضر فرحها، هو حرام ولا إيه.
– بعد المصيبة اللي عملتها في الاتيليه المفروض منشوفش وشك تاني أمشي بقى.
وكادت أن تتحرك ولكنه أمسكها بقوة مرة أخرى وأخرج سكين من ظهره.
فنظرت له بعيون متسعة.
طالعها الآخر بسخرية وقال:
– متخافيش مش هعملك حاجة، السكينة دي كانت لأختك بس ملهاش نصيب، عرفيها أني لو سيبتها النهاردة مش هسيبها بكره، والسكينة دي هتكون من نصيبها دلوقتي أو بعدين.
نظرت له رحيل بصمت وخوف.
وفي تلك اللحظة جاء عاصي راكضاً عندما رأى هذا المشهد عن بعد.
فما كان منه سوى إعطاء هذا حازم لكمة قوية توقعته أرضاً.
ولكنه نهض بابتسامة باردة ثم رحل من أمامهم.
نظر عاصي إلى رحيل بقلق وقال:
– عملك حاجة.
قالت بسرعة:
– أنا كويسة متقلقش.
طالعها بغضب ثم صاح بها:
– أنا مش قولتلك متتحركيش من جنبي! بتعملي إيه هنا.
– كنت بدور على حاجة بس ملقتهاش.
ثم تحركت من أمامه بضيق وعادت إلى الداخل.
ووقفت بجوار داليا التي قد سألتها عن دبلتها مجدداً ولكنها لم تجدها أيضًا.
وفي تلك الدقيقة سمعت صوت عاصي وهو يتحدث في الميكروفون.
نظرت له بدهشة وذهول وتقدمت قليلاً.
فقال هو بابتسامة وهو يقف في المنتصف.
قال:
– طبعاً أنا مبسوط جداً بوجودكم النهاردة، وألف مبروك لفارس وداليا أتمنى ليكم كل خير وإن ربنا يتمملكم على خير، بس أنا أناني شوية وحابب النهاردة بدل الفرحة تكون اتنين، طبعاً أنتم عارفين أني أنا ورحيل أعلنا من فتره أننا اتخطبنا بس مسمحتش الظروف أننا نعمل حفلة صغيرة، عشان كده أنا هستغل الليلة دي وهجدد خطوبتي مع رحيل بس المرة دي وكلكم معانا.
وصاحب كلماته تلك صوت تصفيق عالي على رأسهم بدر الذي كان يصفق بضحكة واسعة وعيون دامعة.
ثم اتجه عاصي إلى رحيل وأمسك يدها وتحرك بها حتى وقفوا في المنتصف على الاستيدچ.
نظرت له بصدمة وهي فارهه فمها فقال لها بضحك:
– إيه الريأكشن ده.
– ده بجد!! اللي بيحصل ده بجد.
ثم نظرت إلى والدها لتجده يطالعها بابتسامة عريضة وكذلك أمينه.
نظر لها بدر بحب وتذكر كلمات عاصي إليه قبل لحظات.
***
تحرك عاصي مع بدر وحدثه وهم بمفردهم.
قال عاصي:
– أنا هكلمك بصراحة وهختصر كلام كتير.
نظر له بدر باهتمام فأكمل عاصي:
– أنا بحب رحيل وعايز اتجوزها.
ضحك بدر بصوتٍ عالٍ للحظات فنظر له عاصي بذهول من رد فعله هذا.
وفي النهاية صمت بدر وقال:
– وأخيراً يا أخي حرام عليك، شوفت الموضوع سهل إزاي.
طالعه عاصي بعيون متسعة وإحراج وقال:
– هو للدرجادي كان باين.
– هو شعري الأبيض ده مش بيوضحلك حاجة؟ أنا من ساعة ما قولتلي على موضوع الخطوبة دي حتى لو لعبه عشان الصور وأنا فاهم كل حاجة.
أبتسم عاصي ثم قال:
– أعمل إيه، مجنونة وجننتني معاها الله يسامحها.
ضحك بدر ثم ربّت على كتفه وعاد الاثنان إلى الداخل.
***
طالعها بحب ثم قال بابتسامة:
– فين دبلتك.
نظرت له رحيل بعيون متسعة ثم خبأت يدها خلف ظهرها بسرعة وقالت:
– ليه.
تغيرت نظراته وهو ينظر إليها ثم قال:
– ضيعتيها.
قالت بتوتر وبسرعة:
– لا أنا بس، هو وقع مني هنا هلاقيه متقلقش.
فجأة تغيرت نظراته من الغضب والذهول إلى الضحكة وأخرج الخاتم من جيبه ووضعه أمام عينيها.
فنظرت له بذهول وقالت:
– أنت لقيته فين.
أبتسم الآخر وقال:
– يعني، ممكن أكون سرقته من إيدك من غير ما تحسي.
ضربته بخفة على كتفه وقالت:
– يا أخي خليت قلبي يقع حرام عليك خوفت يكون ضاع مني.
يضحك الآخر ثم وضع الدبلة في يدها وسط تصفيق حاد من الحاضرين.
وكذلك هي وضعت دبلته في يده مجدداً.
ثم اقترب منها وصدع صوت أغنية حولهم فرقصوا عليها وسط جو من الرومانسية والانسجام.
من أول مقابلة سحر عينه ناداني..
بالطريقة شد قلبي بالطريقة ..
دوبت فيه سلمت من أول دقيقة..
وأعمل إيه كان لازم أضعف في الحقيقة..
دي عيون ثبتوني نص ساعه في مكاني..
عاودت عيني.. على الضحكة دي
وأنا زاد حانيني.. المرادي
يوهم يا عيني.. لا مش عادي
بحلم يكون جنبي ومعايا ..حبيبي …حبيبي …حبيبي …
وقد بكت رحيل رغماً عنها بسبب تلك الأجواء.
كان عاصي ينظر في عيونها بحب وعشق.
كادت عيونه أن تخرج من مكانها من كثرة مشاعره اتجاهها.
وعندما ضحكت رحيل زادت اللمعة الموجودة بعيونه.
ليست عيون محبه فقط بل عيون غارقة في العشق.
أقترب منها ثم قال لها:
– بحبك.
فبادلته هي بنظرات عشق وخجل وظلت تضحك بسعادة.
وبعدها تم الاحتفال بداليا وفارس والبسوا بعض الدبل في جو كساه الفرحة والبهجة.
وهكذا انتهت تلك الليلة بسعادة كبيرة من كل الأطراف.
وعندما انتهى الاحتفال صعدت رحيل وخلعت الفستان عنها ولبست ملابس عادية ثم نزلت وودعت كل أهلها وسط دموع وخوف.
ثم أمسك عاصي يدها وتحرك بها واستقلوا سيارته وذهب بها إلى المستشفى حتى يتم احتجازها للغد حتى تتم عمليتها.
كانت تلك الليلة صعبة جداً على عاصي وكذلك رحيل.
كانت تطالعه بخوف وقلق لم يقترب النوم من عيونهم.
وظل هو بجانبها حتى غفل مكانه رغماً عنها، وكذلك هي.
شعروا وكأن الوقت يركض بسرعة كبيرة، يقطع أشواطاً واسعة حتى جاء الصباح وأتت تحاليل رحيل وقد تأكدوا أن ليس لديها أي حساسية من أي نوع مخدر أو دواء معين.
وفي الصباح جاءت كل عائلتها حتى يكونوا معها وقت العملية.
وكذلك حنان والدة عاصي.
كان يجلس بجانبها ويمسك يدها بتشبث، حتى قالت رحيل بتعب:
– أنا خايفة.
طبع قبلة على يدها وقال:
– أنا معاكِ وكلنا معاكِ أنتِ مش لوحدك متقلقيش، هتخرجي وتكوني زي الفل.
تنفست رحيل بخوف وقلق.
ودلف إليها كل عائلتها، كانوا يقفون أمامها بابتسامة صغيرة ولكن قلوبهم ترتجف برعب.
كانوا يبعثون بها الطمأنينة وهم يشعرون بالخوف أكثر منها.
دلت الممرضات التي سوف يجهزونها للعملية وظلت هي متشبثة بيد عاصي لا تتركها.
كانت تقبض عليها بقوة حتى مالت يدها للون الأزرق.
ولكنه سحب يده منها بصعوبة وخرج من الغرفة.
وأثناء تلك الأحداث صدع هاتفه رنيناً برقم عز الدين الذي كان عند أحمد في المستشفى والآخر قد تحسنت حالته قليلاً.
تحدث عز الدين مع عاصي وأخبره ببعض الأمور فسمعه الآخر بتركيز.
وبعد وقت من الحديث خرجت الممرضات وهم يحركون سرير رحيل التي تنام فيه.
أسرع عاصي وأمسك يدها وظل يقول:
– خليكي قوية وارجعي لينا تاني، كلنا مستنينك وكلنا عايزينك وسطنا، بلاش تخافي كلنا معاك.
نظرت له رحيل بابتسامة جميلة وشددت قبضتها على يده.
ثم استدار السرير وصار رأسها أمام غرفة العمليات فوقفوا بها الممرضات ثواني.
ونظرت هي لكل عائلتها الواقفين أمامها بابتسامة حزينة.
ثم لوحت لهم بيدها وتحرك عاصي الذي كان على رأسهم وأمسك يدها مجدداً فقالت هي:
– عايزة لما أخرج تكون أنت أول واحد أشوفه.
طبع قبله على يدها وقال:
– هستناكي، بلاش تتأخري عليا.
ابتسمت له رحيل ثم طبعت قبله على يده أيضاً وتحركوا بها الممرضات واختفت عن أنظارهم حين دلفت إلى غرفة العمليات.
وبمجرد دخولها جاء اتصال لعاصي من رقم معين فرد عليه.
قال الطرف الآخر:
– هوصلك لرامي، أنا عارف مكانه أكيد هو معاه أدلة هتفيدك.
أومأ عاصي برأسه ثم قال:
– أجيلك فين.
وأخبره الآخر بمكان معين حتى يذهب إليه.
وما أن أنهى المكالمة حتى تحرك من مكانه بسرعة واتجه إلى هذا المكان.
وذهب أولاً إلى أحد المحلات واشتري شيئاً ما، ثم خرج وذهب إلى وجهته.
وصل عاصي إلى المكان المطلوب، فوجده عبارة عن منزل قديم نوعاً ما وبجانبه أحد المشاريع التجارية التي هي من إنجازاته خلال السنين الماضية.
دلف من بوابة البيت ليجد العديد من الرجال الذين وبمجرد أن وقعت أعينهم عليه حتى أمسكوا به بعنف.
ثم دلفوا به إلى البيت ليجد شريف أمامه وبيده مسدس.
وواضح من الشر المتجسد بعيونه ما ينوي فعله.
رواية رحيل العاصي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ميار خالد
وصل عاصي إلى المكان المطلوب، فوجده عبارة عن منزل قديم نوعاً ما وبجانبه أحد المشاريع التجارية التي هي من إنجازاته خلال السنين الماضية.
دلف من بوابة البيت ليجد العديد من الرجال الذين وبمجرد أن وقعت أعينهم عليه حتى أمسكوا به بعنف. ثم دلفوا به إلى البيت ليجد شريف أمامه وبيده مسدس، واضح من الشر المتجسد بعينيه ما ينوي فعله.
ظل عز الدين يتصل به ولكن بدون فائدة، لم يرد عليه عاصي. ثم جلس بقلق وشعر أن عاصي يفعل شيئاً ما بدون علمه، فحاول أن يتعقب مكانه عن طريق هاتفه. وقد نجح في هذا، فقد تتبع مكانه وهو يتحرك بسيارته حتى وقف في موقع معين. وقد تم رصده، فنهض من مكانه بسرعة وجهز دعماً احتياطياً لأنه لا يضمن الظروف.
اتجه شريف إلى عاصي بغضب مكتوم، ثم ضربه بقوة بالمسدس في وجهه فسالت الدماء من فمه. نظر عاصي إليه بسخرية وتهكم وقال:
– نفسي مرة تتعامل زي الرجالة وتيجي دوغري، لو متعرفش حاجة غير اللف والدوران قولي هعلمك.
نظر له شريف بغضب وقال:
– يعني أنت مش خايف؟
قال الآخر بسخرية:
– أخاف منك أنت؟ أنت ليه عاطي نفسك حجم أكبر منك.
فضربه مرة أخرى في وجهه، فأكمل عاصي بسخرية:
– مكنتش محتاج تقولي كل ده ولا تسحبني بموضوع رامي، أنت فاكرني زيك جبان بضرب وأجري.
صرخ به شريف:
– أخرس! ده أنت بجح يا أخي، مش كفاية اللي عملته فيا!
– أنا معملتش حاجة، أنت اللي واحد مريض، وياريت عارف تأذيني حتى.
طالع شريف بغضب عارم ثم قال:
– هأذيك، بلاش تستعجل على رزقك، آه موضوع صفقة السلاح باظ ومعرفتش أدمرك ولا أكون سبب في موت رحيل، بس صدقني مش هتخرج من هنا، أنا هندمك على كل كلمة قولتها دلوقتي.
– أنا لما بقول حاجة بكون قدها مش زيك، أنت واحد جبان.
وللمرة قد زاد جنون شريف، فضربه بالمسدس ضربة قوية على رأسه فظهر جرح بها ووقع أثرها على الأرض فاقداً الوعي ولم يشعر بأي شيء بعدها.
***
في غرفة العمليات..
تم تخدير رحيل بالكامل حتى يبدأوا في العملية، حتى غابت هي عن الوعي وذهبت إلى عالم اللاوعي.
رأت نفسها جالسة على شط البحر وتداعب المياه بأقدامها، ولكنها عندما سمعت صوته ينادي عليها التفت بسرعة فلم تجده أمامها. فعادت إلى جلستها ليتكرر صوته مرة أخرى وعندما نظرت باتجاه الصوت لم تراه. انتابها الفضول فنهضت من مكانها ونفضت يدها عن الرملة، وتحركت ببطء نحو صوته الذي يناديها، حتى وصلت إلى بيت يشبه بيت عاصي أو قد شبهته هي إليه. وبرغم أن البيت مزين من الخارج ومبهج ومرتب بشكل جميل، إلا أنها عندما دلفت إليه وجدته مظلم للغاية واثاثه قديم ويكسو الغبار الأسود كل شيء.
وضعت يدها على فمها حتى لا تتنفس الغبار، وتحركت حتى تكتشف الغرف واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى إحدى الغرف ودخلت إليها لتجد عاصي أمامها ينظر لها بابتسامة عريضة. ابتسمت رغماً عنها وارتاحت عندما رأته أمامها، ولكنها قالت بعتاب:
– أنت كنت فين؟ بدور عليك من بدري.
– أنا موجود طول الوقت، بس معرفتش اجيلك.
– أنا خايفة أوي من المكان ده، ضلمة وكله تراب وعنكبوت، إيه البيت ده؟
تحرك عاصي من مكانه وأمسك يدها وطبع قبلة في كفها كعادته، ثم تحرك بها حتى يخرجوا من المنزل. وطوال هذا الطريق ظهر لهم بعض الثعابين والفئران الموجودين بالمكان، وكانت رحيل تشعر بالرعب ولكن وجوده بجوارها هون عليها الكثير، فظلت متشبثة بيده ترفض أن تتركه أو تبتعد عنه، حتى وصلوا إلى خارج المنزل. ترك هو يدها ثم التفت حتى يعود إلى الداخل، فأوقفته وقالت:
– أنت رايح فين؟!
– لازم أرجع تاني، ده مكاني أنا حياتي هنا.
قالت رحيل بسرعة:
– لا! المكان هنا وحش أوي وكله تعابين وفران، لو فضلت هنا هتموت!
ابتسم لها عاصي وقال:
– أنا هبقى كويس صدقيني، خلي بالك من نفسك.
رفضت أن تتركه وقالت:
– لا أنت هترجع معايا، أنت وعدتني تفضل معايا، مش هسيبك هنا، لو فضلت هتموت.
وظلت متشبثة بيده ورفضت أن تتركه، وكان هو يحاول أن يبتعد عنها بابتسامة ولكنه لم يستطع، وظلوا هكذا حتى ظهر شريف أمامها وقد خرج من هذا البيت أيضاً وبيده مسدس ثم أطلق الرصاص على عاصي لتستقر إحدى الطلقات في رأسه وسقط ميتاً، وصرخت رحيل بفزع وهلع.
وفي تلك الأثناء في العملية، انتفضت هي بين أيديهم وزاد معدل تنفسها وكذلك نبضات قلبها، وقد جعل هذا حياتها بخطر، فحقنها الطبيب بإحدى الإبر لتعود نبضات قلبها إلى معدلها الطبيعي.
***
وبسبب تحسن حالة أحمد سمح له الطبيب أن يخرج من المستشفى، وذلك بعد قرار عز الدين بالإفراج عنه لأن عاصي قد سحب شكواه ضده. وأول مكان فكر في الذهاب إليه هو بيت عاصي ليرى ابنته.
كان شادي في المنزل أيضاً وذلك بناءً على طلب مريم لأنها خافت أن تتواجد بمفردها، لأن جميعهم ليسوا في البيت وسوف يأتي عمال ليزيلوا كل الأضواء والزينة المتراكمة من ليلة أمس. كان شادي يقف مع العمال وأتت لهم مريم ببعض العصائر ثم وقفت بجانبه وتحدث معه قليلاً. ولكن بعد ثوانٍ تغيرت نظراتها عندما رأت أحمد يتجه نحوها بتعب. وبحركة لا إرادية منها اختبأت خلف شادي.
قال أحمد بسرعة:
– صدقيني مش هعمل حاجة، أنا عايز أشوف ليلى بس وهمشي علطول.
قالت بانفعال:
– لسه فاكر دلوقتي أن عندك بنت، مش دي اللي أنت رميتها زمان ولا سألت فيها حتى، أنسى مستحيل.
قال أحمد برجاء:
– أنا اتغيرت والله وبحاول أكون إنسان كويس، أنا زهقت من حياة القرف اللي كنت فيها، وأول حاجة هصلحها هي علاقتي مع بنتي، أرجوكِ.
– قولت لا! أمشي بعد إذنك، مش عايزة أشوفك ولا بنتي تشوفك تاني، اعتبرها ماتت من اليوم اللي رفضتها فيه، مش كنت مش قد المسؤولية برضو، إيه اللي حصل دلوقتي؟!
– كل واحد فينا اتغير، لو مش عشاني عشان ليلى على الأقل، بلاش تكبر من غير أهلها أكتر من كده.
وقبل أن تتكلم مريم قال شادي للآخر:
– تسمحلنا نتكلم على انفراد طيب؟
نظر له أحمد بتساؤل وقال:
– أنت مين؟
وقبل أن يرد شادي قالت مريم بسرعة:
– ده شادي خطيبي، وهنتجوز بعد فترة يعني من حقه يقرر مصير ليلى زيي زيك.
نظر لها شادي فجأة وعيونه قد لمعت من ردها هذا، ولكنه تمالك نفسه وتحرك بها ليقف معها بعيداً عن أحمد. قال بهدوء:
– أنتِ ليه رافضة يشوف بنته؟ ده حقه.
قالت بانفعال وصوت عالٍ:
– عشان هي مش بنته! لسه فاكر دلوقتي حق إيه اللي بتتكلم فيه.
قال شادي بانفعال:
– ممكن توطي صوتك! أيوة من حقه، هو اتغير وعايز يكون إنسان كويس عشانها، أنتِ إيه المانع.
نظرت له بضيق وصمتت، فأكمل هو:
– مش عايزة تشوفيه صح؟! أنا عارف ومقدر أنك مش طايقة تبصي في وشه، بس عشان بنتك، فكري في ليلى بس، طول ما هو معاها يا ستي مش شرط تكوني موجودة، خلي البنت تعيش سنها ويخرجها ويفرح بيها وتفرح بأبوها برضو، غير كده ليلى حباه أصلاً ومحتاجاه فى كده، هيكون حرام لو منعتيه ولا انتِ شايفه إيه.
– أنا شايفه أنه ظلمني وجه عليا وعلى ليلى.
– بس اتغير وعايز يكون أحسن، اديله فرصة لأن أنتِ في يوم كنتِ محتاجة الفرصة دي برضو، بلاش تكوني قاسية أوي كده.
ظلت تطالعه بصمت وتفكر بكلماته، وبعد دقائق تحركت من مكانها وعادت إليه لتجده يطالعها بترقب. طالعته بغضب مكتوم ثم قالت:
– هسمحلك تشوفها النهاردة بس، يكون عاصي فاق من اللي هو فيه وتتكلم معاه بقى، أنا مليش دعوة.
أومأ برأسه وقبل أن يتحرك معها قال:
– ألف مبروك، ربنا يتمملكم على خير، أنتِ تستاهلي كل خير، وأنا مكنتش خير.
نظرت له مريم بطرف عينيها ثم زفرت بضيق وتحرك الثلاثة حتى وصلوا إلى غرفة ليلى. دلفت إليها مريم أولاً حتى ترى ما الذي تفعله، ولكن كعادتها كانت تمسك الهاتف بملل وتلعب إحدى الألعاب الخاصة بالبنات. كانت تشعر بالملل الشديد بسبب جلوسها المستمر بهذه الجبيرة الطبية. وعندما رأت مريم ضحكت لها، فابتسمت الأخرى وجلست بجوارها وقالت:
– بتعملي كده؟
– بلعب باربي، بصي فستانها حلو إزاي.
طبعت مريم قبلة على رأسها وقالت:
– أول ما تخفي هجبلك فستان أحلى منه بكتير، بس دلوقتي في حد عايز يشوفك.
نظرت لها ليلى بتساؤل، ووقتها دلف أحمد إلى الغرفة وعيونه على وشك البكاء. نظرت له ليلى بعيون متسعة وفرت فمها، وصرخت من فرحتها. فجلس أحمد بجوارها وعانقها برفق، ولكنه شعر بألم في صدره بسبب تلك الطعنة. شعرت بسعادة كبيرة وهي تراه أمامها وظلت تحاوره بفرحة وعيون لامعة. فنهضت مريم من مكانها وعادت بجوار شادي، فطالعها الآخر وقال:
– شوفتي كنتِ هتحرميها من فرحة أد إيه، متركزيش ليه هو ركزي في مصلحة ليلى.
ناظرته مريم قليلاً ثم أومأت برأسها وعادت بنظرها إليهم.
***
وصل عز الدين إلى المكان الذي قد رصده من هاتف عاصي. ترجل ببطء من سيارة الشرطة وتحرك معه بعض العساكر ودلف إلى المكان ليجده عبارة عن بيت قديم ولكنه فارغ.
تقدم نحو البيت حتى وصل إلى الباب ودق عليه ومر دقائق ثم فتح له رجل كبير في السن. سأله عز:
– عاصي موجود؟
قال العجوز بعدم فهم:
– عاصي مين؟ مفيش حد بالاسم ده والله.
نظر له عز الدين بشك، كيف يمكن هذا وسيارة عاصي مازالت مكانها أمام البيت! بالتأكيد هناك شيئاً آخر، فأخرج إذن بالتفتيش وقال:
– أنا لازم أفتش البيت ده.
طالعه العجوز بدهشة ثم قال:
– اللي تشوفه يا ابني اتفضل.
وبالفعل دلف عز الدين وفتش البيت بأكمله ولكن لم يكن هناك أي أثر لعاصي. اعتذر من العجوز ثم خرج من البيت ونظر حوله بعدم تركيز وشرود ثم قال:
– روحت فين يا عاصي؟
مرت ساعات..
كان الجميع يشعر بالقلق بسبب اختفاء عاصي المفاجئ، وأكثر ما يرعبهم هو سؤال رحيل عليه عندما تخرج. ولكن الطبيب قد أخبرهم أنها سوف تستغرق وقتاً حتى تستعيد وعيها. كانت عمليتها صعبة للغاية لذلك قد استغرقت أكثر من ثمانِ ساعات. وأخيراً خرج إليهم الطبيب وبعث الطمأنينة بهم عندما أخبرهم أن عمليتها قد نجحت وأنها الآن بخير.
حمدوا ربهم كثيراً وشكروه، ولكن زاد القلق في قلب حنان على ابنها الذي لا يرد على هاتفه وشعرت أن مكروهاً ما قد حدث إليه، لأنه من المستحيل أن يترك رحيل بتلك الحالة. تم نقل رحيل إلى غرفة عادية لترتاح إلى أن تستعيد وعيها. كانت الغرفة مريحة بها أريكة وتلفاز وثلاجة صغيرة، فقررت أمينة أنها ستبقى معها تلك الليلة. وتحول قلقهم على رحيل إلى توتر وخوف على عاصي.
تكلم بدر أمام الغرفة محدثاً حنان:
– ازاي متعرفيش حاجة عنه؟
قالت حنان بتوتر:
– أنا حاسة أنه فيه حاجة، قلبي مش مرتاح.
طالعها بدر بقلق ثم اتصل بعز الدين فوراً وعندما رد عليه قال:
– عاصي فين؟!
قال عز الدين بصوت يكسوه القلق:
– أنا مش ساكت وبدور عليه في كل حتة بس ملهوش أثر.
صاح به بدر بغضب:
– يعني إيه ملهوش أثر! عاصي فين؟!! ابني فين!!
قال عز في محاولة منه لتقليل غضب الآخر:
– أنا عايزك تهدي وأنا هوصل لعاصي صدقني، أهم حاجة دلوقتي رحيل متعرفش أي حاجة لما تخرج من العملية وتفوق، أنا مستني يعدي ٢٤ ساعة عشان آخد إجراءات تانية عايزك تفضل واثقة فيا بس.
– يا الله، خليك معايا أول بأول طيب.
وافق عز الدين ثم أنهى المكالمة، فنظر بدر إلى حنان التي كانت تبكي عندما فهمت وأدركت كلماته تلك، وسألت نفسها سؤال واحد، ترا أين هو عاصي.
***
وبعد خروج عز الدين من منزل ذلك العجوز، وبعد مرور دقائق دق شخصاً آخر على الباب ففتح له الرجل المسن وكان هذا الشخص هو شريف. ابتسم إليه ثم دلف إلى المنزل، وقال:
– شكراً أوي على المساعدة دي يا عم رجب والله مش هنساها.
قال رجب بابتسامة:
– عيب يا ابني متقولش كده، دي الحاجة والدتك كانت غالية عليا اوي، بس عايزك تفهمني في إيه؟ ومال إيدك اتعورت من إيه؟
هرب شريف بنظراته عنه للحظات ثم طالعه بغضب وقال:
– بنتقم لأمي.
– يعني إيه مش فاهم؟
– الشخص اللي أنت شوفته فاقد الوعي لما جيت ده السبب في قتله.
نظر له رجب بعدم فهم وقال:
– يا ابني هي مش الحاجة فريدة ماتت بسكتة قلبية الله يرحمها، السبب إزاي؟
– وده كان بسبب إيه؟ شقتنا اتهدت بسببه.
طالعه رجب بضيق وقال:
– لا أنت كده هتزعلني منك، حتى لو كان سبب عند ربنا يا شريف، هو ربنا بيسيب حق حد يعني، ربنا قال للناس فيما معناه ارتاحوا أنتم وأنا هجبلكم حقكم.
– هو آذاني كتير!
– ربنا اللي هيحاسبه، أنت ملكش دعوة، كده فريدة مش هتسامحك، هو فين دلوقتي؟
طالعه شريف بغضب ثم قال:
– سايبه مع الرجالة، وأنا مش هقدر أسيب حقها وربنا هيجعلني سبب إني أدمره! ولو معرفتش أدمره هخلص منه، مينفعش أنا وهو نكون عايشين في نفس الدنيا.
ثم خرج من المنزل بغضب عارم.
في المديرية..
كان يجول غرفته بتوتر ويحاول أن يصل لأي خيط يجمعه بعاصي. وفجأة دلف إليه أحد العساكر وعلى وجهه علامات القلق. قال عز الدين:
– في إيه؟!
تقدم نحوه العسكري وقال:
– إحنا لقينا كيس قدام المديرية، عربية سابته وجرت.
تغيرت نظرات عز الدين إلى القلق والصدمة، ثم خرج بسرعة وذهب إلى هذا الكيس وفحصه قبل أن يذهب به إلى معمل التحاليل. وكان للأسف الشديد ذلك القميص هو آخر قميص كان يرتديه عاصي، حتى أنه مازال يحمل عطره. تحرك الآخر بسرعة وأرسل القميص للتحليل. وبعد فترة طويلة ظهرت النتيجة وبمجرد ظهورها تحرك عز الدين وقارن البصمات الموجودة بالتحليل مع البصمات الموجودة في سجل شريف ليجدها متطابقة تماماً.
ووقتها ابتسم وقال:
– وقعت.
ثم تحرك بسرعة وأخذ دعماً معه واتجه إلى بيت شريف الذي كان يجلس فيه بضيق، فكر بكلمات هذا العجوز ولكنه رفض أن يحرر عاصي. فلم يشعر إلا بمن يدق الباب عليه بقوة فنهض من مكانه على مضض وذهب ليفتح الباب، واتسعت عيونه عندما وجد عز الدين أمامه. نظر له بضيق وحنق وقال:
– خير، في إيه؟
– أنت مطلوب القبض عليك بتهمة قتل رجل الأعمال عاصي القاضي!!
نظر له شريف بتوتر وصدمة ثم قال:
– نعم!!
رواية رحيل العاصي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ميار خالد
نظر له شريف بتوتر وصدمة ثم قال:
– نعم!!
ثم ابتلع ريقه وقال:
– إزاي يعني أنا معرفش حاجه عن الموضوع ده.
وبدون أن ينظر إليه أمر عساكره أن يمسكوا به ووضعوا القيود بيده، تحرك معهم هو بصدمة! قتل؟ وعاصي؟! كيف تم هذا؟ آلم يتركه مع رجاله مقيد في إحدى البيوت المهجورة الخاصة بشركته القديمة؟ كيف تم قتله هذا!
وذهب عز الدين إلى المديرية وأول ما فعله هو التحقيق مع شريف، وقد أنكر الآخر بشدة أنه لم يقتله، ولكن عز الدين بالطبع لم يصدقه وتركه بمفرده وخرج من غرفة التحقيق.
نظر شريف حوله بتوتر وأمسك رأسه بغضب، كيف يحدث كل هذا؟ هناك خطأ ما، الآن مخرجه الوحيد من هذا المأزق هو ظهور عاصي! ولكن كيف والآخر مازال فاقد الوعي وتلك آخر كلمات قالها له رجاله.
دلف إليه عز الدين مجدداً بعد فترة وجلس أمامه، ثم قال بهدوء:
– أنا عارف إنك أجبن من أنك تقتل عاصي، قول خطفته فين، عقوبة الخطف أقل من القتل! لو اتعاقبت على الخطف بس هتقعد تلت أربع سنين وتخرج لكن لو قتل مع سبق الإصرار هتاخد مؤبد! راجع نفسك تاني.
طالعه شريف بصمت ولم يرد عليه فتابع عز:
– كده كده التهمة لبساك، ومعانا أدلة قوية أوي ضدك، والدافع كمان وهو موضوع الصفقة، أنقذ نفسك أحسن لك.
ثم خرج وتركه يفكر بكلماته.
***
في المساء..
فتحت عيونها بتعب، ظلت تطالع سقف الغرفة بعيون زائغة ثم نظرت بجوارها لترى أمينة تنام على الأريكة الموجودة بغرفتها، فتحت فمها وتنفست بعمق، شعرت بألم الخياطة قليلاً فقط.
قطبت بحاجبيها، ثم تأوهت بصوتٍ خفيض، ووقتها انتبهت لها أمينة التي كانت تغمض عيونها فقط وليست مستغرقة في النوم، نهضت إليها بسرعه عندما وجدتها استعادت وعيها وفتحت عيونها، طالعها بقلق وقالت:
– أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟
لم ترد عليها رحيل فخرجت أمينة بسرعه واستدعت الطبيب وجاء الآخر وفحصها وجاء بدر وحنان أيضاً حتى يطمئنوا عليها وكانت داليا قد عادت إلى البيت لترتاح قليلاً.
كانت رحيل بصحة جيدة ولكنها تحتاج إلى الراحة التامة، وعندما اطمأن عليها تمنى لها الشفاء وخرج، وقفوا جميعاً أمامها بابتسامة عريضة وطالعتهم هي للحظات وأول كلمات تفوهت بها كانت:
– عاصي فين؟
ووقتها ذهبت الابتسامة عن وجههم وتقدم بدر منها وأمسك يدها ثم قال:
– عاصي جاله شغل مهم عشان كده أضطر يمشي، لكن أكيد هيرجع عشانك.
طالعته رحيل بتساؤل وقالت:
– شغل إيه؟
– في الشركة.
– مستحيل، هو وعدني حتى لو جاله شغل هيفضل معايا على الأقل دلوقتي.
حاول بدر أن يقنعها فقال:
– طيب يا حبيبتي يعمل إيه ما هو راجل عنده شغله برضو، وأنتِ عارفه أن عاصي تعب لحد ما عمل اسمه وشركته لازم يهتم بيهم.
طالعته بشك وقالت:
– أنتم مخبين حاجة عليا صح؟ عاصي جاله حاجة؟
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا بنتي محصلش حاجة بلاش تفرضي السوء، شوية وهو هيجي متقلقيش.
– طب أتصل بيه أكلمه.
طالعها بتوتر فتدخلت أمينة بسرعه وقالت:
– الدكتور قال إنك لازم ترتاحي، مينفعش اللي بتعمليه ده.
ورغماً عنها وبسبب تعبها أغمضت عيونها وغطت في النوم مرة أخرى، نامت بعمق وتعب.
فرأت نفسها تلك المرة على حافة الهاوية لإحدى الجبال العالية، كانت تتأمل المشهد بهدوء، حتى سمعت صوتها المستفز خلفها، اقتربت منها سلمى وقالت:
– قولتلك أتمنى المرة دي ينفذ وعده فعلاً، بس أنتِ مصدقتنيش.
التفتت لها رحيل ثم اقتربت منها وابتعدت عن الحافة وقالت:
– تقصدي إيه؟
– أقصد أنه عمل معاكِ زي ما عمل معايا زمان، منفذش وعده ليكِ وسابك لوحدك ومشى بس المرة دي مش هيرجع.
نظرت لها رحيل بضيق ثم قالت بعنف:
– أنتِ كدابة!! عاصي مستحيل يخذلني هو وعدني!
– أومال هو فين؟ مش وعدك يكون أول واحد تشوفيه لما تفوقي؟ هو فين؟
ثم اقتربت منها فعادت رحيل بخطواتها إلى الخلف، صاحت بها:
– أكيد حصل حاجة بس هو هيرجع تاني.
– كنت بقول كده وفي الآخر خسرت، وجه دورك عشان تخسري.
ثم دفعتها بيدها بقوة وهي عند حافة الجبل فكادت أن تسقط ولكن فجأة ظهرت يد وأمسكت بها وسحبتها نحو الداخل فاصطدمت بجسد ذلك الشخص الذي سحبها.
ظلت تتنفس بخوف وتوتر واختفت سلمى من المكان، ابتعدت عن هذا الشخص ونظرت إليه وما كان سوى عاصي الذي كان يطالعها بقلق وخوف، أمسك وجهها بين كفيه وقال:
– أنتِ كويسة؟
نظرت له رحيل بحزن وترقرقت الدموع في عيونها ثم بكت وارتمت بين ذراعه، قالت:
– أنت فين، إزاي تمشي كده؟
قال عاصي بدموع:
– صدقيني غصب عني، لو عليا مش عايز أبعد عنك ولا لحظة، بس المرة دي الموضوع أكبر مني ومنك.
– يعني أنت مش كويس صح؟! أنا كنت عارفه أنه فيك حاجة.
أمسك يدها وقبّلها ثم قال:
– عايزك تعرفي أني عمري ما خذلتك، أنا في بير مش عارف أخرج منه، على عيني أني أسيبك لوحدك في اللحظات دي.
ثم ترك يدها وطبع قبلة على جبينها وقال:
– أنا لازم أمشي دلوقتي.
أمسكت يده وقالت بدموع:
– أنت فين طيب، أنت جرالك حاجة صح هما بيكذبوا عليا.
– أي حاجة هتحصل خير، أنا مش عايزك تزعلي مني، خليكي عارفة أني بحبك أكتر من أي حاجة، بحبك أكتر من نفسي.. سامحيني.
يقبّل يدها مرة أخرى ثم تركها وابتعد عنها حتى اختفى عن أنظارها.
وفي العالم الواقعي سقطت دمعة حارة من عيون رحيل وهي نائمة على سريرها في المستشفى بدون أن تتغير تعبيراتها.
***
دلف عز الدين إلى غرفة التحقيق حيث يوجد شريف مرة أخرى وذلك بعدما تركه يفكر لوقت كبير، جلس أمامه وقال:
– قررت إيه؟
قال شريف بدون أن ينظر إليه:
– أنا مقتلتش حد.
قال عز ببرود:
– ما أنا عارف، بس نعمل إيه بقى كل الأدلة ضدك، أنت هتتعرض على النيابة الصبح، أحسن لك تتكلم دلوقتي أحسن ما كل حاجة تبوظ أكتر.
طالعه شريف بصمت، لا يقدر على الاستسلام وفي نفس اللحظة يريد أن يخرج من هذا المأزق، قال:
– وإيه هي الأدلة اللي ضدي؟
– قميص عاصي، وبصماتك عليه ده غير إن الدم اللي عليه ليك برضو وده باين من الجرح اللي في إيدك.
نظر شريف إلى الجرح الموجود بيده وتذكر كيف حدث له.
**فلاش باك**
وقع عاصي على الأرض فاقداً الوعي ولم يشعر بأي شيء بعدها، ظل يتحرك أمامه بغضب، ثم أمر رجاله أن يحملوه بسرعة ويتحركوا معه نحو البيت المجهول وعاد العجوز إلى بيته.
وعندما وصل شريف مع رجاله إلى هذا البيت وأثناء إنزالهم لعاصي وتحركهم به نحو الداخل جُرحت يد شريف بسبب إحدى القطع الحادة البارزة في الباب الخارجي لهذا المنزل، فتساقطت قطرات الدم على قميص عاصي بجانب تلوث ياقة القميص أصلاً بدماء عاصي التي سالت من فمه، ولكن شريف لم ينتبه لهذا إلا عندما قال له عز الدين.
**باك**
قال عز الدين:
– وقتك بيعدي، أنت حر.
ثم نهض من أمامه وقبل أن يخرج من الغرفة، ابتسم شريف بغضب وغل ثم قال:
– تمام، هقول هو فين.
كان عز الدين يعطيه ظهره فابتسم براحة وأخيراً ثم عاد إلى ملامح الجمود والتفت إليه، قال:
– تمام، ياريت نتحرك دلوقتي، واحسن لك بجد أننا نلاقيه سليم.
ابتسم شريف بغضب وقال:
– مش معنى أنه بينتصر في كل مرة إني هستسلم، بيني وبينه الأيام.
ثم تحرك عز الدين فوراً وجهز قوات وتحرك بهم ومعه شريف الذي وضع عز القيود بيده، وبعد فترة طويلة وصلوا إلى هذا البيت، انتشرت العساكر بحذر حول للبيت ودلف عز الدين في المقدمة، ثم اقتحموه ولكن المفاجأة كانت عندما وجدوا أن هذا البيت فارغ تماماً!!
بحث عز الدين بجنون عدة مرات داخل وحول البيت ولكن بدون فائدة، لا يوجد أثر لعاصي! عاد عز الدين بغضب عارم نحو شريف ثم ضربه لكمة قوية جعلت الدماء تسير من أنفه، صرخ به:
– أنت بتلعب معايا!! فين عاصي!
نظر له شريف بذهول وقال:
– والله العظيم كان هنا!
قال عز الدين بذات الصراخ:
– المكان فاضي مفيش حد! أنت فاكر نفسك بنضحك على مين؟
قال شريف بصدمة:
– أكيد في حاجة غلط أنا منقلتهوش من هنا! صدقني ده المكان الوحيد اللي نقلتوا ليه.
ضربه عز الدين بغضب وتدخل ضابط آخر معه حتى يبعده عنه، ظل شريف يردد:
– أنا محركتهوش من هنا! عاصي كان هنا أكيد في حاجة حصلت أنا قولتلك الحقيقة!
ثم عادوا به العساكر إلى سيارة الشرطة، نظر عز الدين حوله بتوتر وقلق بالغ وقال:
– أنت روحت فين! إزاي ملكش أثر، إيه اللي حصل معاك يا عاصي.
ثم عادوا جميعاً إلى المديرية.
***
كانت مريم تجلس بتوتر على أخيها الذي اختفى فجأة، كانت تقرأ الأخبار بتوتر وقلق، كل الأخبار تتحدث عن خبر اختفاءه، ساعة يتحدثون أنه قد تم اختطافه، وساعة أخرى يتحدثون أنه قُتل، وساعة يتحدثون أنه قد سافر بدون علم أحد، إشاعات مستمرة وكل الصفحات والمدونات تتحدث كما يحلوا لها، حتى جاءت إليها سلمى وجلست بجوارها ثم قالت:
– هيكون كويس بلاش تقلقي، عاصي قوي ومش هيجراله حاجة بسهولة كده.
قالت بقلق:
– خايفه عليه أوي، أنا مش فاهمه الدنيا ماشية كده ليه، كل ما أقول خلاص والدنيا هتحلو معانا ونبدأ من جديد حاجة تحصل تعكر عليا فرحتي كده.
– أنا عارفه أنه مش وقته بس أنا جايه أبلغك حاجة.
نظرت لها مريم باهتمام فأكملت:
– أنا هسافر كندا تاني.
اعتدلت في جلستها ونظرت لها بصدمة ثم قالت:
– ليه؟!
– أنا مليش مكان هنا، هناك مع فريدة هكون أحسن واهو نونس بعض.
قالت مريم بتفهم:
– كل ده عشان عاصي قرر يتجوز رحيل صح؟
– أبقى كدابة لو قولتلك لا، أنتِ عارفه إني بحب عاصي من زمان، بس النصيب أقول إيه بقى، خليني هناك أحسن ليا وليه.
– وأنتِ كنتِ عايزة ترجعي عشانه هو بس يعني؟ مش عشاني؟
– أكيد لا يعني، أنتِ سببي الأساسي عشان أرجع، بس الحمدلله أنتِ بقيتي كويسة أهو وخرجتي من الحفرة اللي كنتِ واقعة فيها، يعني لو سافرت هكون مطمنه عليكِ.
أمسكت مريم يدها وقالت بإصرار:
– بس أنا عايزاكِ تفضلي، أنتِ صاحبتي وأختي أنا ما صدقت اتجمعنا بعد كل السنين دي.
ابتسمت لها سلمى وقالت:
– كل حاجة اتغيرت، أنتِ كلها كام شهر وهتتجوزي وهتستقري مع شادي وبنتك وكذلك عاصي، وأنا هفضل لوحدي، بلاش تخليني أحس بشعور وحش لو بتحبيني فعلاً خليني أسافر.
نظرت لها مريم بحزن ثم قالت:
– طب ممكن تسيبي الكلام ده دلوقتي، عاصي يرجع الأول بعدين نتكلم في كل ده.
أومأت سلمى برأسها وصمتت، وبعدها اتصلت بفريدة واخبرتها أنها من الممكن أن تعود لها كندا مرة أخرى، وقد فرحت فريدة بشدة لأنها سوف تؤنس وحدتها.
ومر هذا اليوم أيضاً ولم يظهر أي خبر بخصوص عاصي، حتى أتى صباح اليوم التالي، وفي المديرية كان عز الدين يجهز كل شيء لتحويل شريف إلى النيابة العامة، وبقلبه حزن كبير بسبب اختفاء عاصي وعدم قدرته على إنقاذه من الحفرة الذي يقع بها، لأنه لا يعرف مكانها حتى، كانت كل الأدلة ضد شريف لاختفاء عاصي، وقبل تحرك شريف بسيارة الشرطة دلف إليه عز الدين وقال:
– هعمل كل اللي أقدر عليه عشان يجيلك إعدام مش بس مؤبد!
كان عقل شريف لم يتوقف عن التفكير بسبب ما حدث، عقله لم يستوعب كيف حدث ذلك وأين اختفى هذا عاصي، وكيف أتي القميص نفسه إلى المديرية، شعر وكأن لعبة خفية تحدث وهو لا يفهم أي شيء، نظر إلى عز الدين وقال:
– أنا قولتلك اللي عندي واخدتكم لحد المكان كمان، صدقني أنا معرفش غير اللي قولته، أنا مش في مصلحتي أني أخفيه أكتر من كده، لأني أنا اللي في الآخر هضيع، لكن فعلاً أنا معرفش هو فين، ومش فاهم أي حاجة بتحصل حواليا.
نظر له عز الدين بغضب وقبل أن يكسر عظام وجهه أخذه العساكر وبالفعل تم تحويله إلى النيابة وتم حبسه على ذمة القضية حتى يصلوا إلى جثة عاصي أو إيجاده حياً، لم يعرف كيف يخبر عز الدين أهل عاصي أنه لم يتمكن من الوصول إليه لأنهم كانوا في حالة يرثى لها من القلق أيضاً.
في المستشفى..
فتحت رحيل عيونها في صباح اليوم التالي، وهكذا قد مر ثلاث أيام على اختفاء عاصي، نظرت بجوارها لم تجد أحد، فقط هاتف أمينة بجانبها من الواضح أنها قد خرجت لتفعل شيئاً ما، وكانت الأخرى قد خرجت لتشتري لها بعض القهوة، وجلست مع بدر وحنان تتحدث معهم في الخارج عن التطورات التي حدثت بقضية عاصي، منذ عملية رحيل ولم تتركهم حنان للحظة وكأنها تعوض مكان ابنها وسطهم.
حاولت رحيل أن تنهض ولكن بدون فائدة شعرت بألم وبعض الدوار، فضغطت على نفسها حتى وصلت إلى هاتف امينه، امسكته واتصلت برقم عاصي الذي تحفظه عن ظهر قلب ولكن هاتف الآخر مغلق، فلم تتمكن من الوصول اليه، فتحت الانترنت على الهاتف وبعثت له رسائل على الواتساب ورأت آخر وقت فتح فيه لتجده قبل ثلاث أيام وخصوصاً في وقت عمليتها، سرى القلق والخوف في أوصالها وتأكدت أنه قد حدث له شيئاً ما.
جاءت بعض الإشعارات للهاتف بمجرد أن فتحت الانترنت كالعادة، فكادت أن تقفل الهاتف وتعيده مكانه ولكنها توقفت فجأة حين وقع بصرها على رسالة مبعوثة إلى والدتها من أحد الأقارب يطمئنون فيها على عاصي!
فتحت المحادثة بسرعة لترى مكتوب بها:
" إيه الأخبار دي خير يا أمينة هو بجد عاصي جراله حاجة، ورحيل عاملة إيه دلوقتي؟ "
تنفست بسرعة ونظرت أمامها بعيون متسعة وصدمة، ثم فتحت إحدى الصفحات الخاصة بالأخبار وبمجرد أن دلفت حتى تلك الصفحات حتى وجدت مئات الأخبار عن عاصي! وجحظت عيونها عن هذا الخبر:
" اتهام رجل الأعمال السابق شريف المحمدي صاحب شركة الأدهم بقتل رجل الأعمال المعروف عاصي القاضي "
وخبر آخر:
" ما هو السر وراء اختفاء رجل الأعمال عاصي القاضي لمعرفة المزيد
صمت.. صوت صفير عالٍ ظهر في أذنها.
أيعقل أن تكون تلك النهاية، أيعقل أن يحقق اسم رحيل العاصي معناه ويختفي من حياتها كما ظهر فيها، يختفي بحادثة كما ظهر في البداية.
قوي اجتاح قلبها ولكن تلك المرة ليس بسبب المرض الجسدي، بل بسبب مرض الحب.
تفوهت بقهرة ودموع:
– عاصي..
رواية رحيل العاصي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ميار خالد
صمت.. صوت صفير عالي ظهر في أذنها.. أيعقل أن تكون تلك النهاية، أيعقل أن يحقق اسم رحيل العاصي معناه ويختفي من حياتها كما ظهر فيها، يختفي بحادثة كما ظهر في البداية.. ألم قوي اجتاح قلبها ولكن تلك المرة ليس بسبب المرض الجسدي، بل بسبب مرض الحب..
تفوهت بقهرة ودموع:
– عاصي..
ثم تنفست بصوتٍ عالٍ ووقع الهاتف من يدها، ثم نزعت الغطاء عنها وحاولت أن تنهض بتعب وقد شعرت ببعض التخدير في قدمها. بكت بحرقة وقهره وجاءت لتسند على الثلاجة الصغيرة الموجودة بجانب سريرها ولكنها أوقعت كوب الماء على الأرض وتكسر بقوة وتناثرت القطع في كل مكان.
عندما سمع بدر صوت التكسير نهض بفزع وكذلك أمينه وحنان واتجهوا إلى الغرفة بسرعه فوجدوا رحيل على الأرض تبكي بانهيار وحولها الزجاج. أسرعت أمينه وامسكت إحدى الأقمشة ولملمت قطع الزجاج بعيداً حتى لا يُجرح أحد. أمسك بدر رحيل واوقفها ولكن الأخرى كانت تبكي بهيستيرية وعيون مغلقة. صاح بها حتى تفيق من تلك الحالة وركزت قليلاً لتقول:
– كلكم كذابين، عاصي مات أنتم كذبتم عليا ابعدوا عني!
ثم بدأت بدفعه عنها بضعف.
فقال بدر بنفي:
– مين قالك كده! مفيش حاجة عاصي كويس وهيرجعلك.
– لا! ابطل تكذب، أنا حلمت بيه كذا مرة هو مش كويس كلكم كذابين.
نظر بدر إلى حنان بقلة حيلة، ثم أبتعد عن رحيل. تعبوا من كل تلك الأحداث الذي تتراكم. وفجأة نظرت رحيل أمامها بغضب وصاحت:
– كلكم خبيتوا عليا أنا مش هثق فيكم بعد كده.
أخذت نفساً عميقاً، شعرت أن جرحها يؤلمها نوعاً ما ولكنها لم تهتم، وركضت من أمامهم بسرعه وخرجت من الغرفة. في لحظة استيعابهم ما حدث كانت الأخرى قد خرجت وظلت تركض في أرجاء المستشفى حتى وصلت إلى الباب الخارجي. نظرت حولها بعدم تركيز ودموع، تشعر أنها تائهة. ثم نزلت على سلالم المستشفى ببطيء ولكنها شعرت بدوار قوي ولم تعد الرؤية واضحة بعيونها فاستسلمت للسقوط واغمضت عيونها.
ولكن فجأة ظهر هو وأمسك بها بسرعه قبل أن تسقط من أعلى درجات السلم. أحست به رحيل، أحست بتلك اليد التي تحفظ لمساتها عن ظهر قلب، تلك اليد نفسها التي أنقذها من السقوط من حافة الهاوية، والآن جاءت لتنقذها مرة أخرى. فتحت عيونها بسرعه لتلتقي عيونهم ببعض!
إنه عاصي يقف أمامها وذراعيه حولها. ووقتها وصل بدر ومن معه إلى الباب الخارجي وتسمروا مكانهم حين رأوا هذا المشهد، رحيل توشك على السقوط وعاصي متمسك بها.. إنها فرحة القلب الضعيف. لم تصدق عيونها، إذا كان حلم تمنت أن يطول لعمر طويل، فقط تنظر بعيونه وترضي شوق قلبها منه..
ظلت تطالعه بعيون متسعة وصدمة كبيرة، قالت:
– ده حلم زي كل مرة صح، أنت مش موجود بجد.
ثم اعتدلت في وقفتها ونظرت له بعيون دامعة ووجه قد هربت منه الدماء، فحصته بعيونها لترى الجروح الموجودة بوجهه وعند فمه. ابتسم لها عاصي وقال:
– أتأكدي بنفسك أنه مش حلم.
نظرت إليه والدموع معلقة بعيونها ثم حركت يدها ووضعتها على وجهه، شعرت وكأنها لامست الحياة مرة أخرى وليس وجهه فقط. شعرت بحرارة جرت في أوصالها وكأنها إشارة لها حتى تستعيد قدرتها على العيش. ثم نظرت له بعيون زائغة وعدم تركيز وسقطت مغشياً عليها، فأمسكها عاصي بسرعه.
ووقتها لاحظ أنها تنزف! ففهم أن الجرح قد فُتِح! لذلك تم نقلها إلى غرفة العمليات مرة أخرى. وبمجرد دخولها، ركضت حنان إليه بسرعه وارتمت في أحضانه، وبدأت في البكاء بشكل هيستيري وكأنها كانت تحبس بداخلها آلاف الألم والدموع. وتركها عاصي حتى تهدأ تماماً قد أبعدها عنه برفق ومسح دموعها. وبعدها عانقه بدر بقلق ثم أمينه.
وبادرت حنان فوراً:
– أنت كنت فين!
طالعها عاصي للحظات ثم قال:
– ده موضوع طويل أوي، نطمن على رحيل الأول، بس أنا لازم أعمل مشوار مهم.
وقبل أن يتحرك أمسكه بدر تلك المرة وقال بعنف:
– أنت إزاي قادر تكون بارد ومعندكش دم كده! أنت مش مقدر اللي إحنا عيشناه!
صرخ به عاصي صرخة قوية قد حملت كل الألم الذي يحمله بقلبه:
– واللي أنا عيشته إيه!! محسسني أني كل اللي حصل ده كان بمزاجي.
طالعه بدر بقلق وقال:
– إحنا لحد دلوقتي مش فاهمين أي حاجة، إيه الإشاعات دي ومادام ما أنت كويس ليه اختفيت، والجروح اللي في وشك دي جت منين!
أمسك عاصي رأسه بتعب ثم قال:
– هقول كل حاجة بعدين، لازم أمشي دلوقتي وهرجع تاني.
ثم تحرك بسرعه ولم يترك لهم الفرصة حتى يتناقشون معه في شيء. وكانت وجهته بمجرد خروجه هي المديرية حتى يرى عز الدين الذي كان يلتهب قلقاً عليه.
في المديرية..
اتصلت ملك بزوجها عز الدين حتى تطمئن عليه، فهو ومنذ اختفاء عاصي لم يعود إلى بيته حتى يرتاح أو يراهم. قالت بقلق:
– لحد دلوقتي مفيش جديد برض.
وقال عز الدين بتعب وإرهاق:
– مفيش جديد، لأول مرة أفشل، عاصي لو جراله حاجة فعلاً أنا مش هسامح نفسي.
حاولت ملك أن تهون عليه قليلاً فقالت:
– بلاش الكلام ده هيكون كويس، أنت عملت اللي عليك وزيادة كمان.
زفر بضيق ثم قال:
– حقك عليا إني مقصر معاكِ اليومين دول بس أنتِ شايفه الوضع.
ابتسمت ملك وقالت:
– أنا استحملك لأخر العمر من اليومين دول بس، خلي بالك من نفسك أنت وبلاش تشيل همنا.
– أنتِ اللي خلي بالك من نفسك ومتنزليش شركتك اليومين دول ارتاحي، ولو حصل أي حاجة كلميني.
ثم أنهى معها المكالمة وفجأة دق أحدهم على الباب. قال بدون أن ينظر:
– اتفضل.
دلف عاصي ووقف في منتصف الغرفة ثم قال:
– مساء الخير.
فتح الآخر عيونه باتساع ثم نظر إليه بسرعه ليرى عاصي أمامه بوجهه الذي يكسوه الجروح بصدمة. وبسرعه نهض من مكانه وامسكه من ياقة ملابسه وصاح به:
– أنت كنت فين!!
قال عاصي بهدوء:
– أقعد وأنا هفهمك كل حاجة.
صرخ به عز الدين:
– أقعد إيه! أنت مش متخيل أنا عايش في إيه بقالي تلت أيام! أنا كنت هتجن أنت حصل معاك إيه!
صمت عاصي للحظات ثم قال:
– كنت بجيبلك الدليل.
قال عز الدين بعدم فهم:
– دليل إيه؟
– الدليل اللي يدخل شريف السجن، اللي يخليه يتعاقب.
ثم أخرج من جيبه فلاشه صغيرة وقال:
– دي فيها كل بلاوي شريف!
طالعه عز الدين بعيون جاحظه وقال:
– أنت عملت كل ده أمتى وجبت الفلاشه دي منين!
أبتسم عاصي بمكر وخبث ثم قال:
– عشان أنا عاصي القاضي مثلاً؟
***
فلاش باك..
تحدث عز الدين مع عاصي وأخبره ببعض الأمور فسمعه الآخر بتركيز. وبعد وقت من الحديث خرجت الممرضات وهم يحركون سرير رحيل التي تنام فيه. أسرع عاصي وأمسك يدها وظل يقول:
– خليكي قوية وارجعي لينا تاني، كلنا مستنينك وكلنا عايزينك وسطنا، بلاش تخافي كلنا معاكِ.
وبعد دخول رحيل إلى العمليات ركز عاصي بكلمات عز الدين عندما أخبره أن رامي قد ترك البلد بأكملها مع عائلته وأن فرصتهم لإمساك دليل على شريف يكاد يكون شبه مستحيل. فزفر عاصي بضيق.
وبمجرد دخولها إلى العمليات جاء له إتصال من رقم معين فرد عليه، قال الطرف الآخر:
– هوصلك لرامي، أنا عارف مكانه أكيد هو معاه أدله هتفيدك.
أومأ عاصي برأسه ثم قال:
– اجيلك فين؟
وأخبره الآخر بمكان معين حتى يذهب إليه. وعندما انتهت المكالمة علم عاصي أن هذا مجرد فخ له من شريف مجدداً، لأنه يعرف أن رامي ليس بمصر أساساً!! فابتسم بخبث وقرر أن يلعب معه بطريقته.
وخرج بسرعه من المستشفى وذهب أولاً إلى أحد المحلات واشتري شيئاً ما، وهذا الشيء كان عبارة عن جهاز تسجيل صغير جداً يكاد يكون غير ملحوظ. وخبأه جيداً في ملابسه ثم ذهب إلى المكان، وأمسك به الرجال ودلف إلى شريف ثم دخل في مناقشة حادة معه حتى قال شريف بغضب عارم:
– هأذيك، بلاش تستعجل على رزقك، آه موضوع صفقة السلاح باظ ومعرفتش أدمرك ولا أكون سبب في موت رحيل، بس صدقني مش هتخرج من هنا أنا هندمك على كل كلمة قولتها دلوقتي.
– أنا لما بقول حاجة بكون قدها مش زيك، أنت واحد جبان.
وضربه بعدها بالمسدس في رأسه فسقطت فاقداً الوعي. وعندما استعاد وعيه بعدها وجد نفسه في أحد البيوت المهجورة القديمة. وكان المكان كله محاط برجال شريف. نهض عاصي واستعاد قوته قليلاً ولاحظ قطرات الدم الموجودة على قميصه ولكنه لم يهتم.
ودلف وقتها كما يقولون قائد تلك الرجال أو الذي له سلطة عليهم. اتجه لعاصي وعندما تأكد أنه قد استعاد وعيه جاء ليخرج ولكن عاصي أوقفه حين قال:
– وعدكم يديكم كام؟
التفت إليه وقال بعدم فهم:
– تقصد إيه مش فاهم؟
أبتسم عاصي وقال:
– يعني وعدكم يديكم فلوس أد إيه، ده لو كان حاسبكم على القديم أصلاً.
نظر له الرجل بصمت ثم قال بعنف:
– ياريت تنقطنا بسكاتك لحد ما نعرف هنعمل إيه فيك.
استمر عاصي في الكلام وكأنه لم يسمعه:
– واللي يديك فلوس تلت أضعاف اللي وعدك بيها التاني، أنت وكل رجالتك اللي برا، تقول إيه؟
– أقول أنك تسكت احسنلك، ولو فاكر أنك بالكلمتين هتستفاد حاجة تبقى غلطان.
أبتسم عاصي بمكر ثم قال:
– طب جرب كده واطلب منه فلوس وشوف رده هيكون إيه، وساعتها هتعرف إني صح، كده كده شريف هيقع بلاش تقع معاه، أنا عندي استعداد اشغلك معايا وتبقى من رجالتي ده غير الفلوس اللي هتاخدها، بلاش تبقى غبي وفكر صح.
ظل يطالعه بغضب ثم خرج هذا الرجل من الغرفة، وكان يُدعى أكرم. وظل يفكر بكلمات عاصي وقرر أن يتصل بشريف بالفعل. وكان الآخر في بيته يجول المكان بتوتر بعد كلام هذا العجوز حتى جاءه الاتصال، فرد عليه وقال:
– في إيه حصل حاجة؟
قال أكرم:
– لا، بس أنا كنت فلوس أنا قايلك من فتره وأنت كل شوية تطنش.
رد عليه شريف بتوتر وقال:
– ماشي متقلقش اديني شوية وقت بس وهجبلك فلوس.
صمت أكرم بشك ثم قال:
– شوية وقت دول اللي هما أد إيه؟
صاح به شريف:
– ما خلاص بقى قولتلك فتره وهديك فلوس بلاش تزن كتير، هو فاق ولا لسه؟
صمت أكرم للحظات وفكر قليلاً ثم قال:
– لا لسه غايب عن الوعي.
قال شريف بسرعه ثم أنهى المكالمة:
– خلاص تمام لما يفوق بلغني.
أنهى أكرم المكالمة بوجه عابس. وظل يفكر قرابة العشر دقائق ثم تحرك واتجه إلى الغرفة الموجود بها عاصي وفتح الباب ودلف إلى الداخل. كان الآخر يعطيه ظهره ولكنه أبتسم بثقة حين سمع الباب يُفتح وزادت ابتسامته حين قال أكرم:
– موافق.
التفت له عاصي ثم قال:
– موافق على إيه؟
– موافق أكون أنا وكل اللي برا من رجالتك، بس تنفذ وعدك في الفلوس وإحنا هنعمل اللي تؤمر بيه.
تجه إليه عاصي ثم قال:
– حالاً وقبل ما نتحرك من هنا فلوسكم كلكم هتكون موجودة، وبعدها هقولك عايز منكم إيه!
نظر له أكرم للحظات وكان يشك بعاصي أيضاً ولكن هذا الشك قد اختفى تماماً حين أجرى عاصي مكالمة هاتفية واحده فقط ثم أغلق الهاتف مجدداً بعدها وذلك بعدما أخذه من أكرم. وبعد فتره كان كل واحد من الرجال أخذ حصته وأكثر من المال حتى سال لعابهم!
نظر أكرم إلى عاصي بابتسامه بعدما أخذ أكثر من الأموال الذي قد اتفق عليها مع شريف ثم قال:
– كلنا معاك، تؤمر بأيه؟
أبتسم عاصي ثم قال:
– طبعاً عايزك في البداية تكون عارف أنه الحق معايا، يعني أنا أي حاجة هعملها مش هظلم بيها شريف هو اللي جنى على نفسه..
ثم خلع قميصه بحذر وقال:
– أنت قولتلي أن الدم اللي هنا ده بتاع شريف صح؟
رد أكرم:
– أيوة اتجرح وإحنا بننقلك هنا.
– جميل، خدوا القميص ده وخلي جزء من الرجالة يتحركوا بالعربية ويرموه قدام المديرية.
نظر له أكرم بعيون متسعة ثم قال:
– ليه؟
– عشان يتهموا شريف بقتلي! وخلال فتره صغيرة عايز كل صفحات الأخبار تتكلم عن الإشاعة دي.
طالعه أكرم بعدم فهم وقال:
– طب ليه؟
– لما يتقبض عليه هيكون الحل الوحيد عشان يخرج من كل ده أنه يظهرني، وطبعاً هو هيختار عقوبة الخطف مش القتل، وساعتها هيجي جري هنا عشان يخرجني بس مش هيلاقيني.
نظر له أكرم بأعجاب وقال:
– إيه الدماغ دي!! بس مش هيلاقيك ليه هتكون فين؟
ضحك عاصي وقال:
– هكون في بيته بجمع الأدلة اللي أنا عايزها، أنا مش هظهر ولا هرجع غير لما أجيب الدليل اللي يخليه في السجن طول عمره، وطبعاً هحتاج مساعدتك.
وبالفعل هذا الذي حدث بعدها، تم القبض على شريف ثم خرج عاصي مع رجاله الذين اختاروه بعدما أثبت لهم حسن نيته. وبمساعدة أكرم وصل إلى كل الأدلة التي يحتاجها ضد شريف! وقرر أن يعود وأخيراً وكانت وجهته هي المستشفى لرحيل وبمجرد وصوله رأى مشاهدها وهي على سلالم المستشفى..
***
باك..
كان عز الدين يطالعه بعيون متسعة، ما هذا العقل وهذا التفكير وهذا التهور والجنون! نطق وقال:
– وافرض رجالة شريف مرضوش يبقوا في صفك! كنت هتعمل إيه.
– أنا كنت حاطط مليون حل، أنت كنت عايز الدليل وأنا كان لازم أجيبه.
نظر له بصدمة كبيرة وعيون جاحظة ثم قال:
– أنت مجنون! بجد أنت مجنون مفيش بني آدم عاقل يعمل كده.
أبتسم عاصي فتابع الآخر:
– ليه مقولتليش! إزاي تتحرك من دماغك.
– مكنش فيه وقت، وأنا كنت واثق في ربنا وفي كل خطوة بمشيها، المهم إني حققت في الآخر اللي كنت عايزُه.
وضع عز الدين يده على جبينه ثم قال:
– إزاي قدرت تسيب رحيل في الوقت ده وتمشي.
صمت عاصي للحظات ثم قال:
– في أوقات لازم العقل هو اللي يشتغل ويقرر وأوقات تانية بنسيب القرار للقلب، المرة دي مكنش ينفع قلبي هو اللي يقرر، كان لازم أشغل عقلي بسرعه واختار، أنا بلي عملته ده ريحت دماغي من اللي اسمه شريف وهعرف أركز في حياتي وشغلي بقى.
نظر عز الدين إلى الفلاشه ثم قال:
– ودي عليها إيه بالظبط؟
– عليها تسجيل بصوته باعتراف منه أنه حاول يقتل رحيل، وكمان أنه هو اللي ظبط موضوع صفقة السلاح، وفيه رسايل ومحادثات بينه وبين ناس في مافيا السلاح، المحادثات دي أصلاً كفاية توديه في داهيه، ده غير شوية مصايب كده لقيتها في طريقي مش خسارة فيه.
ضحك عز الدين ضحكة واسعة ثم قال وهو يضرب عاصي على ذراعه بخفه:
– وأنا اللي فاكر نفسي مجنون، أنت غلبتني، عمري ما كنت أتخيل أنك تعمل كل ده.
ضحك عاصي ثم قال:
– دلوقتي بقى أصعب جزء.
طالعه عز الدين بتساؤل فتابع الآخر:
– رحيل..
ضحك عز الدين ثم قال:
– أنت ربنا معاك بقى أنا مجرب الموضوع ده، يعني شوية زعيق على ضرب كده زي ما ملك عملت فيا قبل كده لما اختفيت برضو، بس هتتراضي في الأخر متقلقش، المهم دلوقتي أنت هتقدم أفادتك وبعدين تقدر تمشي عشان أعرف أمشي في الإجراءات مع شريف.
قال عاصي بخبث:
– مش أنا لوحدي اللي هقدم إفادة.
طالعه عز الدين بتساؤل ثم قال:
– مين تاني هيشهد ضده؟
ووقتها فُتِح الباب ودلف أحدهم لينظر إليه عز الدين بدهشه..
***
استيقظت داليا من نومها العميق على مكالمة من والدتها حين أخبرتها أن رحيل قد استعادت وعيها مرة أخرى. شعرت الأخرى براحة وسرور وحمدت ربها أن الأخرى بخير. ثم نهضت من مكانها بسرعه وبدلت ثيابها وقررت أن تذهب لزيارتها.
وفي تلك الأثناء أتصل بها فارس، فأخبرته أن رحيل قد استعادت وعيها وأنها الآن ترتدي ثيابها حتى تذهب إليها. ولكن فارس قال لها:
– استني أنا هاجي اخدك متنزليش لوحدك.
قالت بتساؤل:
– ليه؟
– استني بس.
– مش مستاهلة بلاش تتعب نفسك المستشفى مش بعيدة ده غير إني هطلب عربية دلوقتي مش هروح لوحدي.
قال فارس بإصرار:
– معلش استني.
ولحظتها شعرت بمفتاح يوضع في الباب فتعجبت قليلاً لأن أمينه لم تخبرها أن بدر أو هي سوف يعودون الآن فقالت:
– مين اللي جه دلوقتي؟ هو مش بابا وماما في المستشفى.
قال فارس بعدم فهم:
– إيه؟!
وفي اللحظة التالية فتح حازم الباب ووقفت هي تطالعه بصدمة وعيون متسعة. كيف استطاع هذا أن يصل إلى مفتاح بيتهم وما تلك الجراءة التي يمتلكها!! طالعته بعيون خائفة وقالت:
– حازم..
رواية رحيل العاصي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ميار خالد
وفي اللحظة التالية فتح حازم الباب ووقفت هي تطالعه بصدمة وعيون متسعة، كيف استطاع هذا أن يصل إلى مفتاح بيتهم وما تلك الجرأة التي يمتلكها!
طالعته بعيون خائفة وقالت:
– حازم! أنت بتعمل إيه هنا ودخلت إزاي أصلًا.
دلف حازم بسرعة وأغلق الباب خلفه، حاولت داليا أن تصرخ ولكنه أسرع وأمسكها جيداً ووضع يده على فمها، وظلت الأخرى تنازع وتدفعه عنها بقوة حتى قال:
– أنا جاي أتكلم معاكي وأمشي، لو صرختي هأذيكي بجد مفهوم!
سمعت داليا كلماته ونفذتها والتزمت الصمت، فأبعد الآخر يده عن فمها وأمسكها من ذراعها بقوة ثم تحرك بها وأجلسها على إحدى المقاعد وجلس أمامها بصمت، طالعته بخوف وقلق حتى قال الآخر:
– ليه؟ ليه عملتي كل ده إحنا مش اتفقنا نفضل مع بعض.
– أنت ليه مش عايز تفهم ولا تتقبل، ده النصيب ودي الدنيا مش كل حاجة عايزنها بتبقى لينا، الموضوع مش مستاهل كل اللي أنت عامله ده.
– بس أنا بحبك! ده ميستاهلش.
– بس الحب مش بالعافية، والحب نفسه مش كفاية عشان يخلي اتنين يتجوزوا.
– يعني إيه؟
– يعني الحب مش بيبني بيت يا حازم، وعشان كده أنا اخترت فارس عشان قبل ما أحبه أنا شايفاه أب كويس لعيالي، أنت غلط يا حازم راجع نفسك.
– طب أنا هتغير عشانك بس ارجعيلي.
– مبقاش ينفع خلاص، حازم أنت شخص كويس ومن عيلة كويسة ليه مصمم تضيع نفسك كده، غير كده إن عارف إن عيلتك مكنتش هترضى بيا أصلاً يعني كل اللي حصل ده خير ليه مش عايز تفهم!
– مش عايز أفهم عشان بحبك، مش قادر أتخيل إنك هتكوني مع حد غيري.
– طيب وأنك تأذيني ده حل؟ نفرض إنك آذيتني دلوقتي إيه اللي هيحصل، هتدخل السجن ومستقبلك هيضيع حتى يوم ما تخرج كل الناس هتتجنبك ومش هتبقى عايزة تتعامل معاك، ليه تحط نفسك الزاوية دي! ليه مصمم تخلي نفسك وحش ليه مصمم تكون أناني، لو تفتكر الأنانية دي هي اللي ضيعتني منك، على الأقل فكر في أهلك واللي هيجرالهم.
– بس أنا عملت كل ده عشاننا! دي مش أنانية دي حب.
– أنت كده فاهم غلط، بص يا حازم نصيحة أنت لازم تتغير عشان يوم ما تحب وتتحب تاني اللي معاك متختارش إنها تمشي بسبب أنانيتك دي.
صمت حازم وظل يطالعها وقد ترقرت الدموع في عيونه، فأكملت هي وهي تطالعه بابتسامة:
– أرجوك بلاش تكون وحش أنت مش كده ولا عمرك كنت كده، الشيطان دخل عقلك فترة بس ارجع لعقلك تاني، بلاش تضيع نفسك مش مهم أنا.
ثم بكى رغماً عنه ووضع يده على وجهه، فربّتت هي على كتفه رغماً عنها، ثم هدأ الآخر بعد لحظات وقال:
– حاضر يا داليا، هبعد عنك وأتمنالك الخير، بس أنا هتفضل جوايا نار.
ابتسمت داليا ثم قالت:
– فاكر قريبتك اللي مامتك كانت عايزة ك تخطبها وأنت رفضت عشاني، ما تجرب وتديها فرصة.
– مش هعرف طول ما أنا عقلي وقلبي معاكي وهيفضلوا معاكي.
– ده لوقت بس، سيب كل حاجة على ربنا وبلاش تقفل كل الأبواب على نفسك، وأنا هتمنالك الخير.
ظل يطالعها بدموع، عيونه تكاد تخرج من مكانها وتستقر بكفوفها من كثرة حبه لها، ولكن النصيب لا يعطينا ما نريد في بعض الأحيان، أو تصرفاتنا الغبية قد تكون سبب في ضياع من نحب من بين أيدينا، ثم نعود للبحث على مكاننا بقلبه، بدون أن نعلم أننا من انتزعنا مكانتنا تلك من داخل هذا القلب بطريقة بشعة، بطريقة تجعلنا ننسى وكأننا لم نكن.
نهض حازم من مكانه ثم خرج من البيت، وبمجرد خروجه وتحركه بسيارته وصل فارس إلى بيت داليا ركضاً وصعد إليها بسرعة ليجد الباب مازال مفتوحاً لأن الأخرى من صدمتها تجمدت مكانها، ولم تتحرك لتغلق الباب حتى.
ركض فارس نحوها وقال بقلق وهو يتفحصها:
– أنتِ كويسة؟ أنتِ قولتي حازم في آخر المكالمة هو هنا!! عملك حاجة.
نظرت له داليا بعيون متسعة وقالت:
– لا، مشي.
طالعها بعدم فهم وقال:
– مش فاهم؟
قالت داليا بنفس الصدمة:
– يعني هو كان جاي عشان يأذيني، بس لما اتكلمت معاه اقتنع ومش.
طالعها فارس بشك وقال:
– متأكدة إنه مشي عشان مقتنع مش عشان يعمل خطة جديدة؟
– لا، حازم من النهاردة هيشلني من قلبه خلاص، أنا عارفاه.
طالعها فارس ببعض الغيرة، فقالت:
– الحمد لله إنه كل حاجة عدت على خير، ياريت نتحرك دلوقتي ونروح المستشفى عشان رحيل بس ياريت محدش يعرف اللي حصل بالله عليك.
أومأ فارس برأسه ثم تحرك معها إلى المستشفى.
وبمجرد خروج حازم من البيت، وعندما استقل سيارته اتصل بوالدته وعندما ردت عليه قال:
– أنا موافق.
قالت والدته بعدم فهم:
– طب السلام عليكم الأول، موافق على إيه بقى.
حمحم حازم ثم قال:
– احم، مش أنتِ كنتِ عايزاني أخطب ياسمين بنت خالي أنا موافق.
صرخت والدته بفرحة:
– بجد!! بالله عليك أكلم أخويا يعني.
– آه، كان عندك حق المفروض كنت أدي فرصة أشوفها حاجة تانية غير قريبتي بس.
لاحظت والدته أن صوته قد تغير قليلاً فقالت:
– أنت مال صوتك؟؟ أنت بتعيط.
قال حازم من بين دموعه:
– لا أنا كويس متقلقيش، أمشي في الموضوع وبلاش تشيلي همي بس.
ثم أنهى المكالمة ووقف بسيارته في إحدى الأماكن وانفجر في البكاء، لا يعرف هل يبكي لأنه تركها ترحل بدون أن يأذيها، أم يبكي لأنها لم تهون عليه أن يمسها بسوء، أم يبكي لأنه سوف يعطي فرصة لواحدة أخرى غيرها أن تحتل قلبه، وهل ستتمكن والأخرى قد تمكنت منه لدرجة كبيرة، لم يقدر على إبقائها بجانبه أو حتى إيذائها، لم يقدر على فعل أي شيء سوى البكاء، ولكن الحمد لله أن جانبه الطيب وعقله المتزن وقلبه اللين قد توهج من كلماتها، ولم يتركها لشيطانه.
يدعو الله أن ينتزع حبها من قلبه، يدعوه أن يقدر على نسيانها، أن يقدر على النظر بعيون غيرها بحب.
قال عاصي بخبث:
– مش أنا لوحدي اللي هقدم إفادة.
طالعه عز الدين بتساؤل ثم قال:
– مين تاني هيشهد ضده؟
ووقتها فُتِح الباب ودلف أحدهم لينظر إليه عز الدين بدهشة، وكان هذا الشخص هو أكرم! الذي يعتبر الذراع الأيمن لشريف.
تقدم منهم أكرم وقال:
– أنا أعرف كل حاجة عن شريف، المصايب اللي عملها واللي اشترك فيها واللي لسه هيعملها.
طالعه عز الدين بتساؤل وقال:
– وبتخونه بسهولة كده وتيجي تعترف ضده؟
– أكيد لا، بس هو اللي عمل كده في نفسه وبصراحة مش كل يوم بتيجي فرصة للواحد إنه يكون كويس وشغله نضيف، وأنا ما صدقت أخرج من العالم ده وعاصي قدملي الفرصة دي، مش هقبلها ليه؟ غير كده أنا عارف قد إيه شريف مؤذي عشان كده مش عايز أكون سبب في أذية أكبر.
طالع عز الدين إلى عاصي بإعجاب، كيف تمكن هذا من غسل عقل هذا الذي يدعى أكرم بتلك الطريقة! لا يجب أن نستهون بهذا عاصي.
ثم خرج الثلاثة وقدم عاصي وأكرم إفادتهم وطلب عاصي أن يرى شريف لآخر مرة، دلف إليه في غرفة التحقيق وكانت يداه مقيدتين، جلس عاصي أمامه فقال شريف بسخرية:
– ما أنت لسه عايش وزي القرد أهو.
– شوف حتى دي فشلت تعملها.
ضحك شريف باستفزاز وقال:
– حتى لو اتحسبت كذا سنة، هخرج وهجيب حقي منك!
– لو ليك حق عندي صدقني كان ربنا نصرك عليا! لكن اللي بيكسب في الآخر الخير ومعنى إنك تخسر إنك مكنتش صح من الأول.
– أنت مش قولت اللي عندك وخلاص عملت اللي كنت عايزُه، امشي بقى.
– كل مرة بتأكد إن مضللتكش، أنا اديتك فرصة أكتر من مرة عشان أساعدك عشان تسيب انتقامك ده لكن أنت في كل مرة كنت بتضرب إيدي اللي بتتمدلك دي، أنت حر بقى.
صمت شريف للحظات ثم نظر له وقال:
– أنت بجد بتصدق النهايات السعيدة؟ إحنا في دنيا كلها غدر وخبث وكُره، حتى لو خلصت مني هتلاقي غيري وغيري عايزين ينتقموا منك! بس أتمنى اللي يجي بعدي يكون أقوى عشان يعرف يكسرك!
– معتقدش، طول ما أنا على حق ومش بأذي حد أنا مش خايف.
ثم نهض من مكانه ونظر إلى شريف للمرة الأخيرة وخرج من الغرفة، ثم خرج من المديرية بأكملها واتجه إلى المستشفى حيث توجد رحيل وكان الوقت قد تأخر قليلاً.
في المستشفى.
عادت رحيل إلى غرفتها مجدداً بعدما خرجت من غرفة العمليات، وظلت فاقدة الوعي وقد أخبرهم الطبيب أنها فترة قصيرة وسوف تستعيد وعيها ليست كالمرة السابقة، وصلت داليا ومعها فارس إلى المستشفى وعندما رأتها أمينة اتجهت إليها بسرعة وقبل أن تتكلم تفحصت وجه ابنتها الشاحب وقالت:
– أنتِ وشك أصفر كده ليه؟
وضعت داليا يدها على وجهها ثم قالت:
– مفيش حاجة لا.
ثم نظرت أمينة إلى فارس وقالت:
– كويس إنك جيت معاها كنت قلقانة تيجي لوحدها في الوقت ده.
قالت داليا:
– هي فاقت صح؟
– غابت عن الوعي تاني؟
– ليه حصل إيه؟!!
فقصت عليهم ما حدث وعودة عاصي مرة أخرى ثم انضموا جميعاً معاً، ودلفوا إلى غرفة رحيل ليظلوا بها حتى تستعيد وعيها، وبعد فترة طويلة نوعاً ما استعادت وعيها وفتحت عيونها ببطء فنظروا جميعاً إليها بترقب، نظرت إلى وجوههم بتفحص وعندما لم تجده منهم ابتسمت بحزن وقالت:
– كان حلم صح؟ عاصي مجاش لسه.
وقبل أن يرد بدر عليها دلف عاصي إلى الغرفة، اتجه إليها ثم جلس أمامها وأمسك كفها ودفنه بين يديه ثم قال:
– يا ستي أقسم بالله ما كان حلم، أنا أهو قدامك.
نظرت رحيل إليه بعيون متسعة ثم قالت:
– يعني أنا لو عضيتك دلوقتي هتتعور؟
– جربي كده.
ثم وضع يده أمام فمها فقالت هي:
– شيل إيدك بدل ما أعضك بجد وأنا مش قادرة.
ثم قالت بغضب عارم ولكنه ضعيف بسبب حالتها:
– أنت كنت فين! وإيه الأخبار دي وازاي تختفي كده! أنا قولتك أول حد عايزة أشوفه لما أفوق أنت!
– صدقيني كان غصب عني.
قال بدر:
– طيب أنت ممكن تحكي إيه اللي حصل!
تنهد عاصي ثم بدأ في سرد ما حدث معه، وكانت تعبيراتهم تتغير أثناء حديثه، وعندما انتهى طالعته رحيل بضيق شديد وصمتت، نظر لها وقال:
– مش هتقولي حاجة؟
قالت بضيق:
– اطلعوا بره، مش عايزة أشوف حد عايزة أفضل لوحدي.
قال عاصي بانفعال:
– أنا بكلمك طيب ردي عليا!
– مش عايزة أرد عليك! ولا عايزة أشوفك تاني، أنا كنت بموت هنا وأنت رايح تعمل خطط وتنفذ، مفكرتش فيا للحظة حتى! مفكرتش أنا هعمل إيه لما أصحى وألاقي ك مختفي لا وكمان أنت اللي نشرت الأخبار الكذب إنك اتقتلت! مستني مني أسقفلك مثلاً!
– مكنش قدامي حل تاني!! كان لازم أعمل كده عشان أعرف أبص لقدام في حياتنا.
– وده كان وقت مناسب!! كنت قادر تعمل كل ده في وقت تاني وقت أكون أنا كويسة فيه، اللي اسمه شريف ده بيقع كتير أكيد كنت هتعرف توقعه! أنت سبتني بين الحياة والموت ومشيت تنفذ خطط وتعمل حاجات مكنش وقته.
نظر لها عاصي بصمت ولم يقدر على الرد عليها، وللأسف قد تعاطف الجميع مع كلماتها هي واقتنعوا أن الحق هذه المرة معها، قالت رحيل:
– اطلع برا يا عاصي بعد إذنك، عايزة أفضل لوحدي يا جماعة.
ثم نامت مكانها حتى يخرجوا جميعاً، وبمجرد خروجهم وأخرهم عاصي الذي كان يود أن يظل معها ولكنه أحترم رغبتها وخرج، بكت بحزن بسبب ما حدث، أنها لا ترى في الحكاية سوى أنه قد تخلى عنها وتركها في أكثر لحظة كانت هي بحاجة إليه فيها.
ظل يجول المكان أمام الغرفة بضيق، لا يعرف كيف سوف يرضيها حتى تسامحه، فاتجه إلى بدر وقال بانفعال:
– شفت كلامها! والله ما كان قدامي حل تاني.
أخذ بدر نفساً عميقاً ثم قال:
– بص يا عاصي، في الموضوع ده اللي يسمعك يقول معاك حق واللي يسمعها يقول معاها حق، بس أنت لازم تحترم قرارها برضو، هي بالنسبة ليها دلوقتي إنك اتخليت عنها، ومتزعلش مني مكنش وقت كل الأحداث دي ورحيل تعبانة، أنت متخيل إنك سبتها في العمليات ومشيت! دي هتفضل في نفسيتها.
– مكنتش هألاقي فرصة تانية عشان أخلي شريف يقع، على الأقل دلوقتي هركز لحياتي مع رحيل، وهركز في شغلي تاني، ده كان موضوع حياة أو موت بالنسبالي محسساني إني سيبتها بمزاجي ومشيت!
– بلاش تضغط عليها برضو عشان هي تعبانة وبراحة كده فهمها وجهة نظرك.
زفر عاصي بضيق، ووقتها صدع هاتفه رنيناً برقم غريب! أبتعد عنهم للحظات ثم رد عليه وكان المتصل هو أحمد الذي قال بسرعة بمجرد أن رد عليه عاصي:
– الو، عاصي.
قال عاصي بتساؤل:
– مين معايا؟
– أنا أحمد، أنا كلمت عز الدين دلوقتي وهو قالي اللي حصل حمد الله على سلامتك.
صمت عاصي ولم يرد عليه ثم قال بعد فترة بانفعال:
– لو فاكر إن سحبت شكوتي ضدك ده هيديك الحق إنك تقرب مننا تاني تبقى غلطان، أنا عملت ده بس عشان أنت قلت الحقيقة مش أكتر!
– أنا مش بعمل أي حاجة وحشة والله، أنا بس كنت متصل أطمن عليك وأبلغك حاجة.
صمت عاصي لوهلة ثم قال:
– حاجة إيه؟
– أنا هشهد ضد شريف، هقول كل اللي أعرفه عنه في المحكمة ولو في أي أدلة هدور عليها وأقدمها برضه.
قال الآخر:
– تمام على الأقل تعمل حاجة واحدة صح في حياتك.
– صدقني أنا اتغيرت عشان ليلى، وأنا هسيب الأيام هي اللي تثبت لك بس بالله عليك خليني أشوفها كل فترة، أنا مش طالب منك أكتر من كده.
زفر عاصي بضيق ثم قال:
– تمام نعدي الأحداث دي بس.
– تمام، أنا عارف إنك مش هتحتاج مني حاجة بس لو احتاجت أي حاجة كلمني برضو يمكن أقدر أساعدك.
أومأ عاصي برأسه ثم أنهى المكالمة وارتاح نوعاً ما لكلمات أحمد، ثم عاد إليهم وتلك المرة أخذه فارس وتحدث معه على انفراد، قال:
– عايزك تهدي كده، وتفكر دلوقتي هتصالح رحيل إزاي.
رد عاصي بانفعال:
– بس أنا معملتش حاجة! أنا لو غلطت في حقها هراضيها بس بجد أنا مش شايف إني غلطان.
– بس هي واخدة على خاطرها، نعمل إيه بقى لازم تراضيها حاول تشوف الموضوع من وجهة نظرها هي.
زفر عاصي بضيق ثم أمسك رأسه وقال:
– أنا تعبت والله واعصابي مش مستحملة حاجة، لا عندي طاقة أصالح ولا أبرر، أنا قولتلها أسبابي وهي مش عايزة تفهمني ومصممة على رأيها.
– مش أنت بتحبها؟
– بموت فيها يا سيدي مش بحبها بس لكن هي كمان لازم تحس بيا مش كده.
– طيب والحل دلوقتي؟
– معرفش بقى أنا تعبت حقيقي ومش عايز أتكلم تاني.
ثم ذهب ووقف بمفرده للحظات حتى يفكر بهدوء، جانب منه يلومه بسبب تركه لها، وجانب آخر يقول إنه محق في ما فعله، شعر بتعب كبير برأسه وبعيونه التي كانت تحرقه بشدة، فتحرك من مكانه ودلف إلى غرفتها مجدداً ثم جلس على الأريكة، قالت هي:
– أنا مش قولت عايزة أفضل لوحدي، بعد إذنك بره.
قال لها عاصي بوقاحة:
– مش جاي عشان أتكلم معاكي أصلاً أنا عايز أنام ساعتين وهقوم تاني.
طالعها عاصي ببرود وقال:
– أيوة، ياريت تسكتي شوية بقى عشان عايز أرتاح.
ثم نام بجسده على الأريكة ووضع يده على بطنه واليد الأخرى على عينيه، طالعته بغضب ثم قالت:
– صحيح نسيت أنا بكلم مين، بني آدم مستفز.
ثم أغمضت عيونها لتنام، وعندما تأكد عاصي أنها قد أغمضت عيونها نظر إليها بابتسامة جميلة، وكانت عيونه تشع بالحب لها، ثم قال بداخله:
– بكرة هعملك مفاجأة هتخلي أي زعل يتنسي، بكرة هخليكي تلمسي السما بإيدك من كتر ما هتكوني مبسوطة، بكرة هقولك أنا آسف بس بطريقتي.
رواية رحيل العاصي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ميار خالد
ثم أغمضت عيونها لتنام.
عندما تأكد عاصي أنها قد أغمضت عيونها، نظر إليها بابتسامة جميلة. كانت عيونه تشع بالحب لها، ثم قال بداخله:
– بكرة هعملك مفاجأة هتخلي أي زعل يتنسي. بكرة هخليكي تلمسي السما بإيدك من كتر ما هتكوني مبسوطة. بكرة هقولك أنا آسف بس بطريقتي.
في اليوم التالي.
استيقظت رحيل على صوت ضجة في غرفتها. فتحت عيونها بتعب لترى أمينة ومعها حنان يتحركون من هنا إلى هناك بسرعة وبيدهم الكثير من الأغراض.
قالت بتساؤل:
– إيه اللي بيحصل هنا؟!
طالعتها أمينة بدهشة وقالت:
– أنتِ صحيتي! معلش مكنش قصدنا نعمل دوشة.
– في إيه طيب؟
ابتسمت أمينة ثم قالت:
– أصل إحنا عندنا فرح النهاردة.
ابتسمت رحيل ثم قالت:
– كل ده عشان هخرج النهاردة؟ أنتم سألتوا الدكتور الأول ينفع أصلاً؟
– لا مش عشانك خالص.
قالتها أمينة بهدوء. فطالعتها الأخرى بدهشة وقالت:
– اومال عشان مين؟
– عاصي هيتجوز النهاردة.
انتفضت من مكانها بفجعة وقالت:
– نعم!! هنتجوز إزاي يعني؟
– هنتجوز إيه؟ عاصي اللي هيتجوز مش أنتِ.
طالعتها رحيل بدهشة وقالت:
– والله! وهيتجوز مين إن شاء الله؟
– سلمى.
قالتها حنان بابتسامة. نظرت لها رحيل بعيون متسعة ثم قالت:
– وعاصي موافق! أنا مش فاهمة حاجة. أنتم بتضحكوا إزاي أصلاً؟ أنا وعاصي مخطوبين!
قالت أمينة:
– مش أنتِ طردتيه امبارح؟ هو أخد الموضوع على كرامته أوي وفركش الخطوبة وقرر يتجوز سلمى وكلنا لازم نفرحله طبعاً.
طالعتها رحيل بصدمة واندهشت من الهدوء التي تتكلم به. ثم أزاحت الغطاء عنها ونهضت بغضب، ولكنها تأوهت بألم بعدها فعادت مكانها. اتجهت إليها أمينة وحنان بقلق.
قالت رحيل بغضب:
– أنا عايزة عاصي، خليه يجي.
وقتها دلف عاصي إلى الغرفة ووقف أمامها وابتسامة خفيفة على وجهه.
طالعته بغضب كبير ثم نهضت من مكانها وقالت:
– اللي بيقولوه ده صح؟
– هو إيه ده؟
– أنت وسلمى هتتجوزوا؟!
ابتسم عاصي باستفزاز وقال:
– مش معقول، حتى دي لحقتي تعرفيها! ده أنا بادئ التجهيزات.
طالعته رحيل بعيون منكسرة وقد تكونت بها الدموع:
– يعني بجد! أنت ما صدقت اتخليت عني في لحظة كده ومشيت! وفي الآخر روحت لسلمى؟ ملقتش غيرها دي مش سالكة!
– مين قال كده؟ دي طيبة جداً.
طالعته رحيل بغضب مرة أخرى ثم قالت:
– عاصي أنت بتتكلم بجد! بس إحنا مخطوبين.
قال الآخر ببرود:
– فين ده؟ مفيش دبل في إيدكم.
نظرت إلى يدها بسرعة ولم تجد بها دبلته، فتذكرت أنها وقت دخولها للعمليات قد خلعت دبلتها وأعطتها لوالدتها. فقالت بسرعة:
– بس أنا قلعتها عشان العملية.
– مش مبرر.
أظلت تطالعه بغضب ثم بدأت في ضربه بضعف وقالت بجنون:
– هو بمزاجك تحبني وبمزاجك تكرهني؟ هو في إيه! أنت ليه بتحرق دمي بقى يا أخي حرام عليك.
ووقتها أمسك كلتا يدها وقال بابتسامة:
– أنا مش فاهم ليه أنتِ مش عايزة تصدقي. طيب يا ستي عشان تصدقي أنا هخليكي تشوفي بنفسك.
ثم أمسكها من يدها وتحرك بها خارج المستشفى. وكان قد أنهى أوراق خروجها وسمح له الطبيب أن يأخذها بشرط المتابعة. فخرج بها بدون أن يتناقش مع أي شخص. كانت الأخرى تصرخ به بغضب حتى يتركها ولكن بدون فائدة. كانت بملابس المستشفى حتى لم يترك لها الفرصة حتى تبدل ثيابها. ثم استقلت السيارة بجانبه بالإجبار وتحرك هو بها إلى أحد القاعات النهارية المطلة على النيل مباشرةً. ظلت تصرخ به حتى قال هو بصياح:
– أنتِ ممكن تهدي!
قالت بنفس الجنون والصياح:
– أنت ليه مصمم تحرق دمي! خلاص مش عايزة أشوف حاجة. نزلني بقولك.
وبسبب صراخها هذا أضطر أن يضع يده على فمها واليد الأخرى كان يتحكم بها في سيارته. وامسكت هي يده وضعتها تحت أسنانها بقوة فصاح بألم وصرخ:
– يا بنت العضاضة أيدي!!
نظرت له بعيون متسعة وقالت:
– أنا أمي عضاضة!! طب نزلني يا عاصي بدل ما أرمي نفسي بقولك نزلني!!
تركها تصرخ ثم أقفل الباب حتى لا تفقد عقلها وتفتحه بالفعل. وبعد فترة وصل إلى تلك القاعة المطلة على النيل. ثم ترجل من السيارة والتف ناحيتها وفتح لها الباب. فطالعته بدهشة وقالت:
– أنت هتخليني أدخل بهدوم المستشفى بجد! أنت مجنون.
صاح بها عاصي:
– وأنتِ خليتي فيا عقل! انزلي.
وبالفعل سحبها برفق ودلف بها إلى الداخل. نظرت إلى المكان بعيون لامعة وقد ترقرقت الدموع في عيونها لأنها تمنت لو كان زفافها هي على عاصي وليست سلمى.
كان المكان مبهج، مزين بالورود البيضاء ذات رائحة الياسمين. وكانت طاولة عقد القران مزينة بطريقة رائعة مع تجانس الأقمشة الحريرية البيضاء مع اللون الذهبي الراقي والمميز الموجود بالكراسي. وتلك الأضواء الخافتة، كان كل شيء يظهر بشكل ساحر.
وفجأة وجدت داليا وفارس أمامها، هم أيضاً يتأكدون من الترتيبات. فنظرت لهم بغضب ثم اتجهت إلى داليا وضربتها بخفة على كتفها وقالت:
– أنتِ بتعملي إيه هنا! ازاي تخونيني كده؟
ناظرتها داليا بملامح مبهمة ومستفهمة ثم نظرت إلى عاصي وقالت:
– الناس قربت توصل والعروسة مجهزتش لحد دلوقتي. أنت بتهزر!
نظرت لها رحيل بدموع وقالت:
– أنا بكلمك ردي عليا، إزاي تخونيني كده إزاي تجهزي فرح عاصي على اللي ما تتسمى دي؟ طب وأنا؟ أنتِ عارفه إني بحب عاصي!
وهنا صاح عاصي فجأة وقال:
– بس اثبتي على الجملة دي. أنا مش عايز أكتر من كده. والله وعاصي كمان بيحبك.
التفتت إليه رحيل بغضب وقالت:
– مش عيب عليك لما تكون هتتجوز حد تاني ولسه بتقولي بحبك.
أمسكتها داليا من ذراعيها وقالت بعيون متسعة:
– ده بجد والله! انتِ كل ده مش فاهمه؟!
قالت رحيل ووجهها عابس وغاضب لدرجة كبيرة:
– مش فاهمه إيه؟
– إن أنتِ العروسة!
قالت رحيل بنفس الغضب:
– عروسة مين؟!
– عروسة عاصي! أنتِ العروسة يا رحيل مش سلمى.
وفجأة تغيرت ملامح رحيل مائة وثمانون درجة وضحكت ضحكة عريضة لدرجة أن ضحكتها قد أغلقت عينيها وقالت بابتسامة بلهاء:
– بجد والله.
وهنا أمسك عاصي يدها وقبلها في كفها ثم قال:
– رحيل أنتِ ليه غبية؟ من أول لحظة شوفتك فيها وأنا انبهرت بغبائك. يعني معقول مفهمتيش كل ده أنه أنتِ! إزاي جه في دماغك أني ممكن اتجوز حد غيرك أصلاً!
قالت بعتاب:
– ما يمكن عرفاك مجنون.
– والله أنا لو بقيت مجنون فعلاً فى ده بسببك، أنتِ مخلتيش فيا عقل.
ابتسمت رحيل بخجل ثم اتسعت عيونها وقالت بفجعة:
– طب وأنا هحضر كتب كتابي بهدوم المستشفى!!
ضحك الجميع عليها وبسبب خوفها الحقيقي هذا ثم قال عاصي:
– أنا خلصت كل حاجة. دلوقتي هتروحي مع داليا. البنت اللي هتعملك ميك أب مستنياكي والفستان موجود برضو. كل حاجة جاهزة مكنش فاضل غيرك.
قالت بنفس الصدمة:
– وبابا وماما! جايين صح؟
نظر عاصي إلى داليا بنفاذ صبر وقال:
– مشيها من قدامي هغير رأيي وربنا.
ضحكت داليا وتحركت مع رحيل وذهبوا لينتهوا من تجهيز رحيل. وبعدها اتصل عاصي بعز الدين وأخبره أن يأتي هو وعائلته. واتصل بمريم التي كانت تجهز نفسها هي وصغيرتها ليلى وأخبرته أن شادي سوف يأتي بها. ورفضت سلمى أن تأتي معهم.
وبعد ساعتين.
في تمام الساعة الرابعة عصراً تحديداً.
كان المعازيم والصحافة قد وصلوا إلى المكان، ووصلت مريم ومعها شادي وابنتها إلى الزفاف. وتفاجئت بوجود أحمد وما أن رأى ابنته حتى ركض نحوها بحماس. وفرحت ليلى بشدة وهي تجلس على كرسيها المتحرك لأن ميعاد فك الجبيرة الطبية لم يأتي بعد. وظل أحمد مع ابنته وتركت له مريم المساحة أن يظل معها وتحركت هي مع شادي في المكان وهي تضع يدها بيده. كانت تشعر ولأول مرة أنها تستطيع أن ترتاح الآن من شقاء تلك الحياة فقط وهو بجوارها.
وصل عز الدين ومعه ملك التي قد تأنقت بشدة وبيدها مالك صغيرها الجميل الذي يشبه والده بشدة. نفس ملامحه القمحاوية وعيونه مميزة اللون. أقترب عاصي من عز الدين وضحك له بفرحة وألقى التحية على ملك وداعب ابنهم مالك. ثم مال على رأس عز الدين وقال:
– حصل حاجة جديدة؟
– عنده جلسة الأسبوع اللي جاي، بس بنسبة كبيرة أنا عارف الحكم خلاص ده على أساس كل اللي قدامي. إحتمال كبير ياخد ١٧ سنة سجن. هو انتهى خلاص، حكايته خلصت.
– ربنا يهديه. أنا عايزك تنسى كل ضغط الفترة اللي فاتت وافرح ليا النهاردة وبس.
ضحك عز الدين وقال:
– ألف مبروك يا صاحبي. ربنا يكملكم على خير يا رب.
ووقتها انتبه عاصي لوصول رحيل بسبب صوت التصفيق العالي فالتفت ليرى أجمل فتاة قد رآتها عيونه تتجه إليه وهي بيد عمها بدر الذي قد أدمعت عيونه بشدة بسبب رؤيتها بهذا الجمال. وكذلك أمينة التي بكت رغماً عنها.
كان فستانها هادئ ووضعت طوق من الورد على رأسها مع بعض اللمسات الهادئة من المكياج. كانت تشعر بألم الخياطة ولكن هذا المشهد أمامها قد أنساها كل الألم. أقترب منهم عاصي ببدلته السوداء، كان يبدو وسيماً أكثر من أي يوم في حياته. أقترب من بدر وعانقه ثم وضعت رحيل يدها في ذراع عاصي وتحركت معه نحو طاولة عقد القران.
قال لها بعيون لامعة:
– شكلك زي القمر.
– وأنت كمان شكلك جميل.
طالعها بعيون غارقة في الحب ثم قال:
– عايز أبوسك.
ضربته بخفة في ذراعه بخجل وقالت:
– أحترم نفسك.
– في إيه؟ كلها دقايق وتبقي مراتي.
ابتسمت رحيل بحماس ثم جلسوا وبدأ المأذون في عقد قرانهم، وقد شهد على زواجهم عز الدين وفارس. نظر عاصي إلى رحيل وهو يقول "موافق" وتلك الكلمات كانت تذكره لدخول حياة جديدة في عالمها وقلبها. وكانت كلمة "موافقة" بمثابة بداية جديدة لها في دنيا العاصي الذي قد تحول على يدها إلى عاشق مقيد، وليس العاصي الذي قد اعتاد عليه الجميع. كانوا ينظرون لبعضهم بحب وعشق متناسين كل الناس الموجودين حولهم. ثم مال على أذنها وقال:
– حقك عليا، أنا آسف وبحبك.
ثم أخرج الدبلة من جيبه والذي قد أخذها من والدتها وألبسها لها في يدها اليسرى. ابتسمت له رحيل ثم أمسكت يده وأغمضت عيونها وفتحتها بسرعة كإشارة لمسامحتها. وبعدها صدع صوت المأذون "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".
ووقتها صدع صوت ما يسمعوه "الزغاريد" في المكان. وما أن نهضت رحيل حتى عانقها عاصي بقوة ورفعها عن الأرض بيديه وسط ضحكاتها العالية. ولكنه حاول أن ينتبه قليلاً بسبب الجرح الموجود بقلبها فهي لم تتعافى تماماً. ثم أبتعد عنها وقبلها في رأسها.
واتجه إليه كل الموجودين حتى يهنئوه. وعندما هنئته مريم ومعها شادي وعانقت رحيل، مال الآخر نحوها وقال:
– مش عقبالنا ولا إيه؟
ضحكت مريم بخجل وقالت:
– قريب بأذن الله.
ضحك شادي ثم أمسك يدها وقبلها بها. فنظرت له بخجل وحب. كم عوض الله جميل وراضي للقلوب المتعبة. كم أن الله لطيف ورحيم بعباده ويعطيهم ما يرضي قلوبهم ويعوضهم عن كل ما رأوه. وعلى جانب عز الدين مالت ملك عليه وقالت:
– شكلهم حلو أوي بجد ما شاء الله.
– وأنتِ شكلك زي القمر، مش عارف أشوف غيرك. شوفيلي حل.
ابتسمت بخجل وقالت:
– عز بطل كلامك ده بلاش تحرجني.
تنهد بحرارة ثم قال:
– ماشي نروح بيتنا بس.
ابتسمت الأخرى بخجل. وعلى جانب آخر عند داليا وفارس كان الآخر يلح عليها أن يعقدوا قرانهما الآن معهم. فضحكت داليا وقالت:
– لا أنا عايزة حفلة لوحدي مليش دعوة.
قال فارس بإلحاح:
– يا ستي فرصة أهو. أنا عايز أحضن زي عاصي برضه.
ضربته بخفة في صدره وقالت:
– عاصي صبر كتير. أنت كمان اصبر.
ثم تحركت من مكانها وتركته يطالعها بابتسامة عاشقة.
أمسك عاصي يد رحيل واتجه بها إلى الاستيدچ، ورقص معها على أنغام أغنية رومانسية أنستهم ما تبقى من عقلهم. وأصبحت عيونهم لا ترى أي شيء سواهم.
شايفه فيك..
كل حاجة حلوة أنا اتحرمت منها..
كل ضحكة شفايفي كانوا مستنيينها..
كل إحساس بالأمان كان نفسي أعيشه..
وسط دنيا غريبة ومحدش ضامنها..
للنهـايـة
هـتلاقـيـني ماسكة في إيديك للـنـهايـة
أصـلـي مـن قبـلك أنا مجـرد حـكـايـة
فيها خوف وتعب وفيها جراح كتيرة
بـس بـقـى مـسك الـخـتـام إنـك مـعـايـا
ناسـيـة بـيك
ذكـريـات مش حلوة كانت بتهاجمني
دنـيـا عـلى أحـلامـي كانت بتساومـني
طـول ما أنـا مسنودة على كـتـفك حـبـيبي
واقفة أنا في وش الحياة دي ومش هاممني…
نظرت إليه رحيل بعشق ثم قالت له:
– بحبك.
فابتسم لها الآخر وقال:
– أنا مش عارف إزاي كل ده حصل، وأزاي وصلنا لهنا، بس كل اللي أعرفه أني مش هقدر أعيش يوم من غيرك. عارفه أنا بحمد ربنا ألف مرة على اليوم اللي خلاني أفكر بس أعرض شراكه عليكم فيه.
قالت له برفق:
– عاصي أنت سامحت باباك صح؟
صمت الآخر للحظات ثم ابتسم وقال:
– سامحته ونسيت.
ابتسمت رحيل بحب ثم قالت بخجل:
– أنا عشت عشانك، وهكمل علشانك، ومن النهاردة مضطر تستحمل غبائي وجناني بقى.
– أنا بحبك.
ثم عانقها برفق ووضع يده في خصرها ثم التف بها وصرخ جميع الحاضرين بحماس وحب من جمال المشهد. وكان فستانها يلتف حولهم ليظهروا وكأنهم محاطين بداخل وردة ربيعية تتفتح ولأول مرة.
وابتعد عنها برفق ثم نظر لها بعشق وكذلك هي.
وقرروا أنهم من تلك اللحظة لم يفترقوا أبداً.
ولم يحققوا الإسم الذي يفرقهم وهو رحيل العاصي.
بل كان هذا الاسم سبب في جمع قلوبهم واسمائهم إلى الأبد في عقولنا.
هي رحيل ذات الضحكة المميزة والعفوية وهو العاصي الذي قد استطاعت هي انتزاع عصيانه من أعماقه بضحكة واحدة منها.
ولكن الأمر كان كالحرب بالنسبة لهم.
رحيل العاصي.