تحميل رواية «مهرة و بدر» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من داخل مستشفى السلامة التخصصي للولادة، المتواجد في منطقة محطة الرمل وسط الإسكندرية. نصعد الدور الثاني، نجد غرفة العمليات بابها مغلق، ويقف أمامه الحاج أحمد النعمان وولديه عادل وياسر، وحفيديه بدر ومصطفى، ومعهم حسن المحامي وأبيه الحاج حسين صاحب الجد. وعلى مسافة ليست بالقليلة، نجد سيدة رغم كبر عمرها إلا أنها ما زالت تتمتع بجمال باهر، لما لا وهي تركية الأصل، هي أم بريهان زوجة الشهيد محمد. نجدها تجلس على أحد مقاعد الانتظار، تتمنى مرور الوقت حتى تخرج ابنتها بعد خضوعها لعملية ولادة قيصرية، وها قد قاربت...
رواية مهرة و بدر الفصل الأول 1 - بقلم فريدة الحلواني
من داخل مستشفى السلامة التخصصي للولادة، المتواجد في منطقة محطة الرمل وسط الإسكندرية.
نصعد الدور الثاني، نجد غرفة العمليات بابها مغلق، ويقف أمامه الحاج أحمد النعمان وولديه عادل وياسر، وحفيديه بدر ومصطفى، ومعهم حسن المحامي وأبيه الحاج حسين صاحب الجد.
وعلى مسافة ليست بالقليلة، نجد سيدة رغم كبر عمرها إلا أنها ما زالت تتمتع بجمال باهر، لما لا وهي تركية الأصل، هي أم بريهان زوجة الشهيد محمد. نجدها تجلس على أحد مقاعد الانتظار، تتمنى مرور الوقت حتى تخرج ابنتها بعد خضوعها لعملية ولادة قيصرية، وها قد قاربت على الخروج.
عادل: اقعد يا حج ارتاح شوية، أنت بقالك ساعة واقف على رجلك.
الجد النعمان: سيبني يا عادل، أبوك لسه ما عجزش عشان يتعب من الوقفة، أنا مش هرتاح غير لما أشيل بنت الغالي على إيدي، دي هي أملي الوحيد إني أشم ريحته.
ياسر: ربنا يطلعها بالسلامة يا حج وتعيش وتربيها.
ثم نظر لأخيه وقال: سيبه براحته يا عادل، ده الحج شباب أكتر مننا.
ضحك الجميع على مزحته حتى يهونوا على الجد صعوبة الموقف.
وما هي إلا ثوانٍ وسمعوا صرخة الطفلة المنتظرة.
هللوا جميعًا فرحين بقدومها.
خرجت بعد قليل ممرضة وهي تحمل طفلة أقل ما يقال عنها ملاك، آية من الجمال، واتجهت مباشرة إلى الجد.
الممرضة: سمي الله يا حج، عروسة أحلى من القمر.
الجد: مد يده وحملها واغرورقت عيناه بالدموع حينما رأى وجهها الجميل، ثم أذّن لها واحتضنها بشدة وهو يقول: أهلًا ببنت الغالي، ربنا عوضني بيكي عنه.
حسين: ألف مبروك يا حج تتربى في عزك.
قبل أن يرد عليه، وجد من يشده من عباءته وهو يصيح على الجد.
بدر: هات مهرة يا جدي، بالله عليك ما حد يشيلها قبلي.
نظر الجميع لهذا الطفل وتصميمه على حملها قبل الجميع، لا وأيضًا أطلق عليها اسمًا دون الرجوع لأحد.
عادل: بس يلا مش هينفع، وبعدين مين اللي قالك إن اسمها مهرة؟
رد عليه بدر البالغ من العمر حينها ١٢ عامًا، وقال بشجاعة:
متخافش يا بابا عمرها ما تقع وهي معايا، واسمها ده أنا اخترته مع عمي محمد الله يرحمه قبل ما يسافر آخر مرة، وكمان وصاني عليها.
نظر له الجميع باستغراب، ولكن نظرة الجد كانت أكثر عمقًا.
فالصغير دون أن يدري أعلن حمايته لها، وأقر بعدم سماحه لوقوعها وهي معه. إذاً من سيحمي مهرة النعمان ويحافظ عليها؟ هو ذلك البدر خليفة النعمان.
أعطاه الجد إياها وقال له بطريقة غريبة: خدها يا بدر، بس أوعى تفلتها من إيدك يا خليفة النعمان، دي وصيتي أنا كمان ليك.
بدر: عمري، عمري أبدًا يا جدي ما هسيبها من إيدي، ووعد مني أحافظ عليها عمري كله.
نظر الجميع للموقف في ذهول، وكأنهم فهموا ما يدور في ذهن النعمان.
في تلك الأثناء، خرجت بيري من غرفة العمليات إلى غرفة عادية، وطمأنهم الطبيب على صحتها وأنها أمامها عشر دقائق تستفيق فيهم ويستطيعوا أن يدخلوا لها.
أخذت الممرضة الطفلة إلى طبيب الأطفال للاطمئنان عليها، وبالطبع ذهب معهم بدر وأبيه.
بعد فترة، داخل غرفة بيري.
بيري: ها يا حج، أظن استلمت حفيدتك، ممكن بقى استلم ميراثي من محمد عشان أنا هسافر مع مامي تركيا.
ياسر: طب بنتك مش هترضعيها؟
بيري: لا طبعًا، أنت عايز جسمي يبوظ أكتر من كده؟ وبعدين أنا قلت لكم مسافرة، مش هينفع أقعد هنا أكتر من كده.
النعمان بحدة: خلاص انتهينا، المحامي بره معاه كل الأوراق اللي هتمضي عليها للتنازل عن حضانة مهرة، وبعدها هسلمك الشيك بالمبلغ اللي اتفقنا عليه، مع العلم إن ورثك من جوزك هو معاشه وبس، لأن ما فيش أي حاجة يمتلكها غير وظيفته، بس أنا ما يهمنيش فلوس الدنيا قصاد حفيدتي تبقى في حضني.
بيري: إزاي ما يمتلكش حاجة؟ أمال كل المحلات والفلوس اللي في البنوك دي إيه؟
الجد: دي فلوسي، والمحلات باسمي وولادي مش هيمتلكوا حاجة منها غير بعد موتي.
رد الجميع بخضة: بعد الشر عليك يا حج، ربنا يبارك في عمرك.
مريم أم بيري: خلاص يا بيري خلصينا بقى، أنتِ اتفقتي معاهم وهما نفذوا، ما لوش لازمة كتر الكلام، امضي وخلصينا.
وبالفعل مضت على كل الأوراق التي تثبت تنازلها عن أي شيء يخص ابنتها.
مع وعد أنها كلما سنحت لها الفرصة للنزول إلى مصر ستمر عليهم كي تراها.
غادروا جميعًا المستشفى بعد الاطمئنان على الطفلة من الطبيب.
في سيارة عادل، وهو يتولى القيادة وبجواره والده، وبالخلف يجلس مصطفى ابن ياسر، وبجانبه بدر يحمل الطفلة ويضمها إلى صدره في حماية.
مصطفى: هاتها يا بدر أشيلها شوية.
بدر: بس يا واد، إياك تلمسها أنت أو غيرك.
مصطفى: ليه بقى؟ إشمعنى أنت؟ ما هي بنت عمي أنا كمان.
بدر: بس أنا اللي سميتها، وأنا اللي عمي الله يرحمه وصاني عليها، وأنا اللي هربيها وأصرف عليها كمان.
مصطفى: يا سلام، هو أنت مصروفك هيكفي إنك تصرف عليها؟
بدر: لا يا أهبل، أنا هشتغل عشان أجيب لها كل حاجة.
هنا تدخل عادل الذي كان يتابع هو والجد حديث الصغار باهتمام.
نظر لولده من خلال المرآة وقال: وأنت بقى يا معلم بدر قررت من نفسك إنك تشتغل وتصرف عليها واحنا روحنا فين يا واد؟ وبعدين هتسيب المدرسة عشان تشتغل أنت...
قاطعه الجد بحكمة وقال: استنى بس يا عادل، ما تبقاش حمقي كده وافهم الأول.
ثم التفت بجسده إلى الخلف ينظر لحفيده ويكلمه بهدوء ليفهم منه.
الجد: بالراحة كده يا بدر الأول، وصية إيه اللي عمك وصاك بيها؟ وشغل إيه اللي عايز تنزله؟ فهمني واحدة واحدة وأنا هعمل لك اللي أنت عايزه لو صح.
بدر: يا جدي، عمي محمد الله يرحمه قبل ما يسافر آخر مهمة ليه كان بيحضر شنطته وأنا كنت معاه.
فلاش باك
بدر: أنت مسافر خلاص يا عمي؟ كنت قعدت معانا شوية.
محمد: معلش يا حبيبي، اتصلوا بيا من الكتيبة عشان أقطع الإجازة، عشان فيه مهمة ضروري أحضرها.
بدر: توصل بالسلامة يا عمي بس ما تتأخرش عشان تشوف النونة لما تتولد.
ترك محمد ما بيده واتجه إلى الأريكة التي يجلس عليها بدر وجلس بجانبه ومسك يده ثم قال: اسمعني يا بدر كويس واحفظ اللي هقوله ده كويس.
سكت قليلًا ثم أكمل:
أنت عارف إنك صاحبي، وبرغم إنك صغير في السن بس أنت راجل من يومك، عشان كده كنت دايماً بحب أتكلم معاك في أي حاجة تخصني.
أنا مسافر ومش عارف هرجع إمتى، عايزك توعدني إنك تاخد بالك من بنتي لما تتولد، أنا مش عارف هرجع ولا لأ.
قاطعه بدر صارخًا: بس يا عمي، إن شاء الله ترجع بالسلامة وتتولد على إيدك.
محمد: اسمعني للآخر عشان خاطري، أنا حاسس إني مش هرجع، أوعدني إنك تحافظ على بنتي وما تخليش في يوم دمعة تنزل من عينيها، عوضها عني وعن أمها لأني متأكد إن بنتي هتكون يتيمة أم وأب، أوعدني ما تحسسهاش باليتم أبدًا يا بدر.
بكى الصغير واحتضن عمه وقال: أوعدك إني هشيلها في عينيا وهتكون عندي أهم من أي حد في الدنيا.
محمد وهو يشدد من احتضانه ويقول: جدع يا بدر، طمنت قلبي، هو ده خليفة النعمان بصحيح.
ثم أبعده ومسح دموعه واستطرد: ها بقى هتسميها إيه يا بدور؟
بدر: مهرة، هسميها مهرة النعمان.
استغرب محمد كثيرًا من الاسم وسأله: إشمعنى الاسم ده؟ مش غريب شوية؟
بدر: ما هو عشان غريب مش هيليق غير بيها، فرسة عربية أصيلة ما لهاش زي.
أنا من أول ما قلت لي إن طنط بيري حامل في بنت وأنا عمال أدور على اسم يليق بيها لحد ما لقيته، ها إيه رأيك؟
محمد: خلاص تبقى مهرة محمد النعمان.
ثم قام من مكانه ليذهب إلى عمله، احتضن الصغير وهو يوصيه:
مهرة يا بدر أمانة في رقبتك، وقول لجد بنتي أمانة في رقبته، أوعى يخلي أمها تاخدها، خليه هو يربيها زي ما ربانا على الأخلاق والدين.
بدر: ما تخافش يا عمي هقوله، وأنا كمان هكون قد الأمانة.
باك
بكى الجد وعادل على حديث الصغير، وبعد أن تمالك الجد نفسه، ابتسم لحفيده وقال: خلاص يا بدر، مهرة مسؤوليتك، وأنا عارف إنك راجل وقدها، بس ليه تسيب المدرسة؟ كمل علامك وفي الإجازة انزل شغل.
بدر: مين قال إني هسيب المدرسة يا جدي؟ أنا هشتغل وأدرس، وأنت عارف إني شاطر، حتى أنا الوحيد في إخواتي اللي مش باخد دروس وبطلع من الأوائل.
عادل: طب لو قصرت في دراستك نعمل إيه؟
بدر: أوعدك مش هقصر والله العظيم وهتشوف.
الجد: خلاص يا معلم بدر من بكرة تطلع من المدرسة عالشغل، وأنا هربطلك يومية محترمة، إيه رأيك؟
بدر: اتفقنا يا جدي.
عادل: بعد إذنك يا أبا هركن هنا، أنزل بس أشتري اللبن اللي الدكتور كتبه للبت عشان ترضع منه.
الجد: لا ما لوش لزوم، أختك نوال هترضعها مع بنتها، هي لسه والدة من أسبوع وهي اللي قالت لي كده.
عادل: على خيرة الله، ربنا يقويها.
بعد فترة، وصل الجميع إلى منزل النعمان، واستقبلته الجدة نعمة بدموع عينيها وهي تحمل الصغيرة وتضمها إليها، تجد بها ريح ابنها الشهيد الذي راح في أوج شبابه، كان يبلغ الخامسة والثلاثين ربيعًا، اختطفته يد الغدر منهم ومن ابنته الوحيدة دون رحمة.
بكى الجميع على هذا المشهد الصعب.
الجد بتأثر: خلاص يا حاجة بكفاكي بكاء، حتى عشان عينيكي.
ريهام: خلاص يا ماما بقى، أهي الحمد لله بقت في وسطينا وكلنا معاها، وهنعوضها كلنا، أمهاتها والله.
فاطمة: آه والله يا ماما، يعلم ربنا هنربيها زي أولادنا وأكتر.
انتفض بدر غاضبًا وصرخ بهم فجأة: باااااس يا حاجة أنتِ وهي، تربوا مهرة؟ ما حدش ليه دعوة بيها غيري، أنا اللي هربيها وأعمل لها كل حاجة، أنا سايبكم بس انهارده تهرسوا في البت أحضان، بس بعد كده إياك ألاقي حد يلمسها.
نوال: لا والنبي إيه يا سي بدر من إمتى الكلام ده؟ وبعدين أنا اللي هرضعها وإلا أنت ناوي ترضعها كمان؟
ضحك الجميع ورد بدر بغيظ يقول: لا يا عمتي، ممكن أجيب لها لبن صناعي عادي يعني.
ياسر: ما تهمد يلا واقعد، إيه اللي بتقوله ده؟
قلب بدر عيناه في ملل ونظر لجده وقال: قول لهم أنت يا جدي عشان ما عنديش خلق أحكي.
عادل: يا واد لم نفسك واتكلم عدل.
الجد: بس أنت وهو، أنتم كلكم عليه؟ بدر بيتكلم صح.
ثم حكى لهم اتفاقهم سويًا.
أعجب الجميع بهذا الصبي، ومن داخلهم واثقين أنه لن يخلف وعده أبدًا.
وبالفعل أثبت بدر صدق وعده، فها هو يذهب إلى مدرسته ويعود سريعًا للمنزل يطمئن على مهرته ويأخذها بين ذراعيه وهو يستذكر دروسه، ثم يسلمها أمانة للجدة على أن تعده ألا تدع أحدًا يحملها، خاصًا الصبية، حتى يعود من عمله.
يذهب سريعًا إلى عمله مع جده ويعمل بجد كما لو كان شابًا كبيرًا، وفي نهاية اليوم يأخذ راتبه ويشتري به كل ما يلزم صغيرته من حفاض أطفال أو ما شابه على قدر ما معه من مال.
ولكن كان ما يؤرقه هو نوم مهرته في منزل عمته ليلًا، حتى إذا جاعت في الليل تقوم العمة نوال بإرضاعها مع ابنتها مها، كان يتمنى أن تنام الصغيرة في أحضانه، فهو منذ قدومها ترك منزل أبيه وأخذ جميع متعلقاته وانتقل للعيش في منزل الجد حتى يكون قريبًا منها.
وكانت الصغيرة شعرت به، فبعد ستة أشهر امتنعت عن الرضاعة من تلقاء نفسها، وأصبحت تأكل طعام الأطفال وتشرب العصائر، وهذا ما أسعد بدر جدًا وأصبح يحضر لها كل ما تشتهيه.
وكان يقلب الدنيا رأسًا على عقب إذا اكتشف أن أحدًا اشترى لها أي شيء يخصها.
فأصبحوا يشترون احتياجات المهرة سرًا، فبالطبع لم يستطع مرتب الصغير تلبية احتياجات طفلة بعمرها.
ولكن الجد رفض أن يشعره بهذا، وأصبح يكمل ما ينقصها سرًا.
مرت الأيام وأصبح الصغير شابًا يسر الناظرين، فقد تخرج من كلية الهندسة هو وسليم صديقه الصدوق، وباقي الشباب ما زالوا يدرسون.
وأصبحت مليحة في التاسعة من عمرها، في الصف السادس، ولكن عبارة عن شيطانة يسير عليها على الأرض أينما وطأت، ويؤكدها من أنثى كارثة، لكن منها أو من ذلك البدر الذي أصبح مثل المصارعين ويأكل بأسنانه كل من يدوس على طرفها، إذا حقًا كانوا ليفعلونها.
فهو يناصرها إذا كانت ظالمة أو مظلومة.
لكن فيما بينهم، فيعلمها خطأها مع وعد منها بالتسجيل، وهو واثق بوعدها فهي الإبداع لا تكذب عليه ولا يمكن أن تداري عنه شيئًا مهما كان تافه بمحض إرادتها.
فهو بالنسبة لها محور الكون.
هي تحب الجميع وتنادي عمتها ماما لأنها أمها بالرضاعة، ولكن بدرها فهي تضعه في مكانة تخصه منفردة لا يستطيع أحد أن يصل إليها.
فهو بالنسبة لها الدنيا وما فيها.
دعونا نرى فيما بعد كيف ستسير حياة أبطالنا.
أوعدكم بكثير من الضحك والعشق والغموض.
ماذا سيحدث؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الثاني 2 - بقلم فريدة الحلواني
في منزل النعمان، كانت تجلس الجدة في صالة المنزل وقت الظهيرة تسبح على مسبحتها، بينما كانت كل من ريهام وفاطمة زوجتا ابنيها، ومعهما نوال ابنتها، يقفن داخل المطبخ يحضرن وجبة الغداء التي تضم دائمًا جميع العائلة.
دلف عليهم كل من بدر وسليم، فالباب دائمًا مفتوح نظرًا لأن العمارة كاملة تخصهم ولا يوجد بها غيرهم، وأيضًا لأن باب البيت من أسفل مغلق ببوابة حديدية كبيرة.
بدر: سلامو عليكو.
وتوجه إلى الجدة والتقط كف يدها ليقبّله وهو يداعبها: إيه القمر ده يا نعناعة، أنتي كل يوم الصبح تحلوي أكتر.
الجدة بضحك: بس يا واد يا بكاش أنت. تعالَ يا سليم عامل إيه، بقى لي كام يوم مش بشوفك يا واطي، هو أكمن ما خلصت الكلية أنت وبدر ومبقاش فيه مذاكرة هتقطع بينا كده؟
سليم بخضة وهو يقبل يدها: لا لا والله أبدًا يا ستي، أنا مقدرش أستغنى عنكم بس والله غصب عني. حتى اسألي بدر، إحنا بقى لنا كام يوم مفحوتين في الشغل مش عارفين نريح خمس دقايق. حتى دلوقتي كنا بنحمّل طلبية ولولا إن قميص بدر اتقطع كنا كملنا، بس لما لقيته جاي يغير قلت أجي معاه أطمن عليكم.
الجدة: خلاص سماح المرة دي بس ما تغيبش تاني، أنت عارف إنك عندي زي العيال دي بالظبط.
بدر: خلاص يا حاجة سيبي الواد في حاله.
ثم نادى على من في المطبخ: أما يا ريهام أنتي يا حجة أنتي وهي، أي واحدة فيكو تعملنا كوبايتين شاي ع السريع على ما أغير هدومي.
خرجت له عمته نوال وهي معصبة وتمسك بيدها ملعقة خشبية تقلب بها الطعام: مالك يا ولا داخل بزعابيبك كده ليه، أنت لو ما كنتش تجعر وتسمّع الناس بينا ما ترتاحش، ما تطلب اللي عايزه بالراحة.
بدر: خلصتي روحي بقى يا نونة اعملي...
وقبل أن يكمل دخل عليهم إعصار مكون من مصطفى يمسك في كل من يديه فتاة يعلقها من ملابسها من الخلف، وبمجرد ما وصل منتصف الصالة قذفهم ناحية بدر وهو يصرخ بهم: خد بقى البلاوي دول، وإياك حد يقولي روح هاتهم من المدرسة تاني، فااااااهمين!
بدر ببرود: هادي أعصابك يا شبح بس وقولي في إيه.
نوال: أكيد عملوا مصيبة زي عوايدهم.
إحدى الفتاتين ببكاء مرير: والله ما عملت حاجة يا عمتو، دي مهرة عورت الولد وخر دم من دماغه.
نظرت لها تلك الشيطانة الصغيرة وهي تقول ببلطجة وغيظ من بكاء ابنة عمها: ما خلاااااص بقى يا بسكوتة، طول الطريق وأنتي عمالة تعيطي على حتة خربوش.
لميس بصراخ: يا سلام ده الولد نزل دم كتير وقال هايودينا للشرطة.
مهرة: أنتي عبيطة يا بت ولا يقدر يعملنا حاجة، ده إحنا بنات النعمان.
صرخت بهم الجدة ليصمتوا حتى تفهم ماذا حدث بعد أن وجدت كل من كنتاها وابنتها وبدر وسليم ومصطفى يتبادلون النظر للفتاتين ببلاهة علهم يفهمون ما حدث.
الجدة: بااااااس يا مقصوفة الرقبة منك ليها. في إيه يا مصطفى؟
مصطفى: أبدًا يا ستي، رحت أجيب الهوانم من المدرسة لقيتهم عند المدير ومعاهم ولد سايح في دمه، قال إيه عاكسهم قامت البلطجية اللي ربنا ابتلانا بيها حدفته بطوبة فتحت دماغه واتخيطت خمس غرز، والهَانِم كمان مش عاجبها.
لميس: والله يا تيتا ما عملت حاجة، أنا وزينة قولنالها نمشي بس هي ما رضيتش.
ريهام بطيبة: بس يا حبيبتي بطلي عياط.
وأخذتها في حضنها.
مهرة: ما تنشفي شوية يا بت، ده إيه ده.
نوال وهي تتحرك لكي تضربها غيظًا من كلامها، ولكن مهرة سريعًا وقفت خلف بدر حتى لا يطالها شبشب عمتها: والله أنا ما لاقية كلام أقوله، أوعى يا بدر خليني أربيها.
بدر: إييييه يا حاجة تربي مين، أنا اللي هربيها محدش له دعوة بيها.
نوال بغيظ: إذا كنت أنت أصلًا مش متربي وادي النتيجة، يعني أنتوا الاتنين عايزين اللي يربيكوا.
فاطمة بهدوء: استني بس يا نوال، خلوا العيال تقعد وتفهمنا إيه اللي حصل يمكن الولد يستاهل.
سحب بدر مهرة من خلفه وجلس على إحدى المقاعد وأوقفها أمامه وبهدوء قال لها: ها، ارغي وقولي إيه اللي حصل من غير تحوير.
مهرة: كده يا بدّور، وأنا عمري حوّرت عليك؟
قالتها ببراءة لا تمت لها بصلة.
نوال: شوف البت بريئة إزاي.
مهرة: أهدي يا ماما خليني أركز، آآآقصدي أحكي. بص يا بدر أنا كنت واقفة أنا وزينة ولميس عند باب المدرسة من جوه زي ما أنت منبه عليا، لقيت الـ...
قاطعها بدر بصراخ: نهاااااار اللي جابوكي أسود.
وجذبها من ملابسها وقال: أنتي يا بت روحتي المدرسة وشعرك مفرود، فين الكااااااااااب؟
صرخت نوال باهتياج: حراااااام عليك سايب المصيبة اللي هببتها وماسك في شعرها المفرود، هتجلطني!
بدر: بس يا حجة أنتوا حسابكوا معايا بعدين.
مهرة سريعًا: أهدي يا بدوري أنا هافهمك اللي حصل.
بدر: ارغي.
مهرة ببراءة مصطنعة: الصبح ماما نوال كانت تعبانة شوية فما قدرتش تلم لي شعري، فتيتا هي اللي سرحتهولي وسابته مفرود، قلتلها لا يا تيتا بدر هيزعل مني ويزعقلي، قالتلي ما يقدرش يعملك حاجة طول ما أنا موجودة وصممت أنزل بيه مفرود زي البنات، وأنا كنت متضايقة بس مقدرش أكسر كلامها، بس كده هو ده اللي حصل.
ثم غمزت لجدتها في الخفاء حتى تؤيد قصتها (هي قالت إن جدتها من فعل ذلك لأنها متأكدة أن بدر لا يستطيع أن يراجع جدته في أي أمر).
ذهلت النسوة الواقفة تستمع إلى كذب تلك الشيطانة وبراعة تمثيلها، حتى إنهن صدقن ما قالته رغم أنه بعيد كل البعد عن الحقيقة.
فلاش باك صباحًا
مهرة: بالله عليكي يا مامتي خليه مفرود وبلاش الكاب النهار ده.
نوال: بس يا بت بلاش خوثة، أنا مش ناقصة قلة أدب مالي مربيكي ييجي يفتح لي صوته بسببك.
مهرة بدموع زائفة لاستعطافها: عشان خاطري يا ماما، هو أنا مش زي البنات يعني؟ اشمعنى أنا اللي دايمًا لبسي كله زي الولاد، نفسي أبقى زي البنات مرة.
تأثرت نوال بحديثها كثيرًا وضمتها إلى حضنها وقالت: خلاص يا نن عيني ولا تزعلي، هسيبه مفرود وهتبقي أحلى من كل البنات.
ثم سكتت ثواني وأكملت بقلق: بس هنعمل إيه في هولاكو لو شافك ده ياكلنا.
ردت مهرة سريعًا: ما تخافيش هو عنده شغل كتير النهار ده ومصطفى اللي هيجيبنا، ولو حصل وشافني أنا هتصرف، يلا بقى يا مامتي.
باااك
نوال في سرها: يخرب بيتك ده أنا صدقتك.
بدر وهو يحاول التحكم في غضبه: ليه كده يا ستي، أنتي مش شايفة شعرها عامل إزاي، ده أنا بلبسها هدوم صبيان ومش خالص، ما بال بقى لما تنزل كده.
الجدة: خلاص يا ابني ما جراش حاجة من مرة، المهم خليها تقول اللي حصل عشان نشوف المصيبة اللي هببتها.
نظر بدر لمهرة بغيظ بمعنى حسابنا فيما بعد وقال: كملي يا أختي.
مهرة: كنا واقفين لقينا الولد ده جاي يعاكس لميس، طلبت منه بالراحة يبعد ما سمعش الكلام ومسك شعري.
بدر بصريخ: آآآآآيه يا روح أمك مسك إيه؟
مهرة سريعًا: كان كان هيمسكه بس أنا بعدت بسرعة وجبت طوبة حدفته بيها واتعور خربوش صغير خاااالص يا بدوري، بس هو ده اللي حصل.
مصطفى بغيظ: يا بت ده أنا شايف الولد متغرق دم، منك لله يا شيخة، وأنا كمان مني لله لو فكرت أروح معاكي مكان.
بدر بحدة طفيفة: خلاص يا مصطفى هي مش غلطانة، يعني عايزاه يعاكسهم وتسكت، أنا هروح بكرة المدرسة وهطلع ميتين أمه عشان يحرم يبص لبنات النعمان.
مصطفى: لا يا أخويا ما تتعبش نفسك، هو جاي لجدك هو وأبوه عشان يشتكي له، قابل بقى يا عم، يلا أنا ماشي سلام.
وخرج سريعًا قبل أن يرد عليه أي أحد.
بداخل سنتر للدروس الخصوصية، نجد فتاتين منتظرتين وصول وليد ليقلهما إلى المنزل، فبنات النعمان يعاملن كالأميرات، كل طلباتهن مجابة، ودائمًا يجب على أحد شباب العائلة توصيلهن من وإلى المدرسة أو أي مكان حتى يحميهن من أي شخص تسول له نفسه الاقتراب منهن.
لوجي بضجر: إيه يا ست مها رني على أخوكي شوفيه اتأخر ليه، عايزة أنااااام.
مها: خلاص لسه مكلماه من شوية زمانه داخل علينا، أهدي شوية ما هو لو كان سولي كان زمان النوم طار من عينك.
ههههههههه.
لوجي: هاهاها خفة يا بت، أما نشوف يا أختي لما حظابط يرجع من الكلية بتاعته هتعملي إيه.
مها: هييييييح ظبوطة قلبي ده يرجع بس ده وحشني أوووي المرة دي.
لوجي: هانت خلاص أهو قرب يتخرج وإن شاء الله يجيله التعيين في إسكندرية، يلا وليد وصل أهو.
قامت الفتاتان وتوجهن إلى سيارة وليد أخو مها وابن عمة لوجي.
ركبت مها بجانب أخيه ولوجي في الخلف.
لوجي بمرح: إزيك يا دكتورة إيه أخبارك، طمنّي على الجثث بتوعك.
ضحك وليد عليها وقال: عارفة يا لوجي لولا خوفي من أخوكي هولاكو كان زماني حاطط لك جثة محروقة في حضنك وأنتي نايمة عشان تحرمي تتريقي عليهم.
مها بضحك: يااالهوي هو بدر على طول كده عامل رعب للكبير والصغير.
ضحكن جميعًا وأكملوا الطريق حتى المنزل.
بعد صلاة العصر كان يجتمع كل من الجد النعمان وابنه ياسر والحاج حسين ومعهم مصطفى وبدر وسليم ووليد يتناقشون في بعض أمور العمل.
الجد: ها يا وليد حملت طلبية الحاج عبد الحميد؟
وليد: أيوه يا جدي وقفت على إيدهم لحد ما العربية اتحركت قبل ما أروح أجيب البنات من الدرس.
حسين: طب ابقى هات لي الفواتير عشان أخلي المحاسب يأيدها أول بأول.
وليد: حاضر يا جدي.
أثناء ذلك دخل عليهم رجلان وشاب وطفل صغير.
محمد والد الطفل: سلامو عليكم.
الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله.
الجد: اتفضلوا.
مال مصطفى على بدر وقال: قابل يا عم أهو هيتعمل قاعدة بسبب فرستك.
زجره بدر بحدة فسكت مصطفى سريعًا خوفًا من بطشه.
والد الطفل: أنا ليا حق عندك يا حاج نعمان وجاي آخده.
ياسر بهدوء: اقعد بس خد واجبك وبعدين قولنا أنت مين وحق إيه اللي ليك عند الحاج.
سليم نادى على حمص (عامل المقهى): قوله طقم شاي وعصير للصغنن ده في السريع.
سليم: عنيا يا حاج.
عم الطفل بعصبية: ما لوش لزوم إحنا مش جايين نضايف.
تجهم بدر وقال بحدة: ابلع ريقك بس يا شبح واعرف أنت واقف فين وبتكلم مع مين. في شكوى عندك قولها بأدب.
ثم ربّت على كتف الرجل بقوة وهو يقول: آآآمين يا شبح.
خاف الرجل كثيرًا وازدَرَدَ ريقه بتوتر ونظر للنعمان وقال: يرضيك يا حاج حفيدتك تضرب ابن أخويا وتفتح له دماغه خمس غرز؟
نغز سليم بدر في الخفاء ومال عليه مقلدًا مهرة وهي تقول: خربوش صغير يا بدوووري.
زجره بدر بحدة وهمّ بالرد على ذلك الرجل ولكن عمه ياسر سبقه.
ياسر: طب يعني بنتنا هتعوره من الباب للطاق ولا لازم يكون ابنكم عمل حاجة وحاجة كبيرة كمان عشان يبقى رد فعلها كده، اسأل ابنك الأول وبعدين اشتكي ولا إيه؟
نظر الرجل إلى الطفل ونهره وقال: انطق ياض إيه اللي حصل؟
خاف الطفل وأطرق وجهه ناظرًا في الأرض خاصة خوفًا من هذا الوحش الذي منذ دخولهم وهو ينظر له بطريقة أرعبته حقًا.
بدر: أقولك أنا، ينفع ابنك المحترم يعاكس بنات لا وكمان عايز يمد إيده على واحدة فيهم؟
والد الطفل: إيه الكلام ده يا أستاذ، دول أطفال وابني لا يمكن يعمل كده.
مصطفى: أهو ابنك قدامك اسأله.
عم الطفل: ما تنطق ياض الكلام ده صح؟
سكت الطفل ونكس رأسه في خزي.
الجد: خلاص يا أستاذ ما حصلش حاجة، بس قبل ما تسمع كلام عيل اتأكد الأول قبل ما تحط نفسك في موقف وحش قدام الرجالة ولا إيه؟
بدر: يا ريت تربوا ابنكم وعلموه الرجولة من صغره وإن اللي هيعمله مع بنات الناس هيتعمل في أخواته.
اعتذر الرجلان منهم وأخذوا الطفل بغضب وخرجوا من المحل وهم يصرخون على الطفل الذي وضعهم في موقف محرج.
وليد: هو إيه اللي حصل أنا مش فاهم حاجة.
بدر: تعالى بس وأنا هأفهمك بعد إذنك يا جدي.
الجد: هتروح محل الأزاريطة دلوقت ولا بعد ما ترجع من المخزن؟
بدر: لا هعدي عليه الأول، سلامو عليكم. يلا يا سليم.
خرج الشباب من المحل ووقفوا في جانب يتحدثون.
بدر: بقولكم إيه أنا عايزكم في موضوع ضروري.
سليم: خير يا رب.
بدر: لا مش هينفع دلوقت، أحمد زمانه على وصول إن شاء الله بالليل هنتجمع كلنا على السطح وأقولكم اللي فيها.
مصطفى: مادام فيها سهرة على السطح يبقى ربنا يستر.
تركهم بدر دون أن يعير حديثهم أدنى اهتمام واتجه إلى سيارته وانطلق بها حتى يتابع أعماله وهو متأكد أنه ما إن يأمرهم بشيء وجب عليهم التنفيذ.
يا ترى ماذا يريد هذا البدر منهم؟
سنرى.
انتظروني.
بقلمي / فريدة
رواية مهرة و بدر الفصل الثالث 3 - بقلم فريدة الحلواني
وصل أحمد منزله في إجازة قصيرة من كلية الشرطة، فهو أخيرًا سيتخرج هذا العام منها.
دلف وهو يصرخ:
"أنااااا جيت يا بشر!"
خرجت أمه ريهام سريعًا من المطبخ تستقبل ولدها الغالي بعد غيابه أكثر من شهرين.
وجدته يقبل يد جدته ويحضنها بحب.
ريهام: "حبيبي يا ابني، حمد الله على سلامتك."
احتضنته وهي تبكي وتقول:
"كده برده يا أحمد تغيب عني ده كله؟ كان لازمتها إيه كلية الشرطة ووجع القلب ده؟ كنت دخلت أي كلية مع إخواتك وخلاص."
ضحك أحمد وهو يقول:
"أيوه أيوه، هما نفس الكلمتين بتوع كل إجازة، خلاص بقى يا ربمو، بقالك أربع سنين بتقوليهم."
ريهام: "أخس عليك كده برده! ما هو غصب عني، أنا ما أتحملش غياب حد فيكم عن عيني."
قبلها من جبهتها وقال:
"خلاص يا ست الناس، أهو هانت كلها شهرين بإذن الله وأتخرج وأبقى جنبك على طول."
الجدة: "تعالى يا حبيبي اقعد ارتاح، أحسن لو فضلت واقف مش هتخلص من أمك دي، ما بتصدق تفتح في العياط."
ريهام: "الله يا ياما، مش ابني وكان واحشني؟"
الجدة: "خلاص يا أختي، أهو قال لك هانت ويبقى جنبك، قومي حضري له لقمة ياكلها، الواد جاي هفتان."
أحمد: "لا يا ستي مش هأقدر، أنا نازل لجدي وهأبقى آكل معاكم على الغداء. أنا بس هأقوم آخد دش وأغير وأنزل على طول."
جاء وقت الغداء المقدس لدى عائلة النعمان، فلا يستطيع أحد التغيب عنه إلا لعذر قهري.
اجتمعت العائلة حول طاولة الطعام في جو ملىء بالحب والدفء.
الجد: "عادل، في حاجة ناقصة لافتتاح فرع جليم؟"
عادل: "لا يا حج، كله تمام، وياسر وزع الدعوات. حتى أعضاء مجلس الشعب عزمهم."
بدر: "آه خليهم ييجوا ياخدوا صورتين مع الحج عشان يضمنوا أصوات الدايرة في جيبهم."
مصطفى: "آه والله عندك حق، ما هم عارفين إن اللي جدي يديله صوته يبقى الحي كله هيديهوله، وبعد ما ينجحوا محدش بيشوف وشهم."
ياسر: "هنشوفهم ليه؟ ما خلاص بقى نجحوا."
أحمد: "ده النائب محمد العراقي لسه مقابلني وأنا راجع. وقف يسلم عليّ وقال إيه يقول لي: يلا يا بطل أنا موصّي عليك عشان أول ما تتخرج تمسك قسم العطارين وتبقى جنبنا."
وليد: "ده أهبل ده ولا إيه؟ هو حفيد النعمان محتاج واسطة؟ ده جدي خيره على الكل."
مهرة: "أنزل أديله بوكسين في وشه يا بدوري عشان يحرم يعمل نمرة على قفانا."
نوال بغلب: "ياااااهوي ياما، هو أنتِ يا بت إمتى هتكلمي زي البنات؟ أشق هدومي منك، تموتي في المصايب!"
بدر بحدة طفيفة: "يا عمتي، الله لا يسيئك، ما لكيش دعوة بيها. أنتِ عايزاها تبقى تتمايص زي البنات المايعة ولا إيه؟"
فاطمة: "يا ابني هي يا تبقى زي الولد البلطجي يا تبقى بنت مايعة، خير الأمور الوسط، حتى تبقى زي أخواتها البنات."
مهرة: "أنتِ عايزاني أبقى بسكوتة زي لميس ولا مسهوكة زي لوجي ولا دلوعة زي مها وزينة؟ لا يا مرات عمي، أنا عجباني كده، وبدر صح في كل حاجة واللي يقولي عليه هأعمله."
ضحك الكل عليها، وغضبت الفتيات الصغار على الألقاب التي تطلقها عليهن.
نوال بصوت: "هتجلطني والله هتجلط، عاجبك كده يا سي بدر؟ بوظت البنت وارتحت؟"
بدر ببرود: "آآآه ارتحت، بنتي وأنا حر فيها، أربيها بالطريقة اللي تعجبني."
مهرة بسهوكة: "أي حاجة منك حلوة يا بدوري، سيبك منهم."
وليد: "إيه ده؟ طب ما أنتَ بتعرف تتكلم زي البنات أهو يا برعي، أومال بتخن صوتك علينا احنا ليه؟"
قذفه بدر بالملعقة وهو يصرخ به:
"بسسس يااااض، هأقوم لك!"
وليد بخوف: "حاضر يا كبير، احنا آسفين يا ريس."
انفجر الجميع في الضحك، فتلك المناوشات دائمًا ما تحدث بينهم.
في المساء، اجتمع الشباب فوق سطح المنزل كما طلب منهم بدر.
فهم أعدوا سطح المنزل للسهرات أو الرياضة.
فهو لكبر مساحته قسموه إلى عدة أجزاء.
جزء بُنيت فيه غرفة واسعة تضم جميع الآلات الرياضية لتصبح جيم ليمارس به الشباب التمارين الرياضية.
وجزء زُرع فيه بعض الورود وأيضًا بعض الخضروات لاستخدامها في الطهي.
وجزء يوجد به قعدة عربي وبعض الكراسي وأريكة كبيرة يجلسون بهذا الجزء وقت سهراتهم سويًا.
وآخر جزء بعيد إلى حد ما، بُنيت غرفة يوجد بها سرير صغير وأريكة وخزانة ملابس صغيرة ومنضدة، ويوجد أيضًا مرحاض صغير بداخلها.
هذه الغرفة مخصصة لبدر ولا يسمح لأحد بالدلوف فيها، فهي خلوته الخاصة ولا أحد يعرف ما بداخلها.
جلس الشباب على القعدة العربي أرضًا منتظرين تحدث بدر عن الأمر الهام.
مصطفى: "خير بقى يا بدر؟ أدينا كلنا متجمعين، قول بقى أنا قلقان من الصبح."
بدر: "ما فيش قلق من حاجة، أنا عايزكم في شغل."
أحمد: "شغل إيه ده؟"
بدر: "هأفهمكم. في واحدة صحبتي كانت معايا في الجامعة، أبوها يبقى صلاح الشيخ أكبر مصدّر أنتيكات في مصر، كانت فاتحتني كذا مرة إني أشاركها في مصنع لتصنيع الانتيك، وأبوها هيأخد كل شغلنا ويصدره. أنا عاجبني الموضوع بس رفضت أشاركها، بس قولت لها إني هأدرس الموضوع ولو عجبني هأفتح ورشة أبتدي بيها مع إخواتي ونكبرها واحدة واحدة. وفعلاً درست الموضوع وطلع مربح جدًا."
مصطفى: "طب ليه ما نفتحش مصنع على طول؟"
بدر: "عشان الشغل ده على قد ما مكسبه حلو بس صعب، لازم نتوّدَك (يعني يتقنه) فيه الأول ونكبره واحدة واحدة."
سليم: "طب أنتَ ليه ما تصدّرش لبره على طول؟ هو لازم وسيط؟"
بدر: "أولاً لأن صلاح الشيخ واكل السوق بقاله سنين، وصعب ننافسه واحنا لسه بادئين. وثانيًا على ما نكبر الورشة وتبقى مصنع بإذن الله، هنكون عملنا اسم في سوق الانتيك وعرفنا دهاليزه (مخابئه) كويس، وقتها نبدأ نصدر باسمنا."
وليد: "ده أنتَ دارس الموضوع جامد مش سايب حاجة."
بدر: "طبعًا، أومال هندخل حاجة مش فاهمينها؟ المهم هي مش هتبقى ورشة بالمعنى، لا هتبقى مصنع صغير كده لحد ما الدنيا تمشي. نيجي بقى للمهم."
انتظر قليلًا ثم أكمل:
"احنا هنعمل المشروع ده لوحدنا من غير ما ندخل الكبار فيه. يعني كل واحد فينا هيطلع الفلوس اللي محوشها ونشترك كلنا سوا، قلتوا إيه؟"
أحمد بهزار: "منين يااااافرج؟ ده أنا بشحت."
أصدر بدر صوتًا غليظًا من فمه دليلًا على اعتراضه ثم قال:
"أحاااااا، جرى إيه يا عرس منك له؟ ده احنا دافنينه سوا. هي مش أمهاتنا بتعمل لينا جمعيات واللي بييجي عليه الدور ويقبض ما يقدرش يصرف جنيه منها، وكل ما تخلص جمعية يعيدوها وفلوسها تتحط على قبلها؟ يعني احنا الخمسة معانا قد بعض صح ولا أنا غلطان؟"
سليم: "أيوه يا بدر ما قلناش حاجة، بس أنا كنت متفق مع مصطفى نفتح مكتب هندسي صغير على قدنا."
بدر: "وليه يبقى مكتب صغير؟ ما يبقى شركة مقاولات كبيرة."
مصطفى: "إزاي بس؟"
بدر: "أنا في دماغي إن لو ربنا سهّل معانا في شغل الانتيكات، كبيرها ثلاث سنين إن شاء الله ونكون فتحنا مصنع كبير وبدأنا نصدر. ومن مكسبه هنفتح شركة مقاولات كبيرة، لأن شغل المقاولات بالذات لازم تبدأ فيه كبير عشان تاخد وضعك في السوق بسرعة. ها، إيه رأيكم؟"
الكل: "تمام معاك طبعًا."
أحمد: "طب اللي معانا هيكفي ولا كل واحد هيكمل من أبوه ولا إيه؟"
بدر: "والله عيب علينا لما نبقى شحطة وكل واحد فينا قد ضرفة الباب ويأخد من أبوه فلوس. على العموم أنا عامل دراسة جدوى، اللي معانا هيكفي، هينقص بس حاجة بسيطة تدبّر بعدين ما تقلقش."
ضحك وليد وقال:
"كده تمام، بس بعد شركة المقاولات تفتحوا لي مستشفى خاص، بس أحمد هنعمل فيه إيه؟ هنفتح له قسم شرطة خاص برده؟"
الكل هههههههههههه.
بدر: "قول يا رب. المهم إن احنا هنبقى شركاء في كل ده."
أحمد: "أحلى حاجة إني هدفع فلوس ومش هأشتغل، هأقبض على الجاهز."
بدر: "لا يا روح أمك، يوم إجازتك هتنزل تتفحت معانا، ويوم ما تطلع من شغلك بدري هتيجي تساعدنا، وأنتَ يا وليد زيه كده."
مصطفى: "طب وشغلنا مع جدك هنعمل إيه؟"
بدر: "هَنقسم نفسنا، كل واحد فينا يمسك المصنع يوم، والباقي هيكون زي ما هو في شغله مع جدي. احنا هنتعب في الأول بس صدقوني ربنا هيكرمنا بعدين."
وليد: "طب جدك وآباءنا هيوافقوا إن يبقى لينا شغل خاص؟"
بدر: "دول أصلاً هيفرحوا إنهم ربوا رجالة عايزة تعتمد على نفسها مش على فلوس أهلها. يلّا نقرا الفاتحة."
وبالفعل قرأوا الفاتحة تأكيدًا على وحدتهم واتفاقهم.
وقد كان.
بعد مرور ثماني سنوات، تغير فيهم الكثير والكثير.
قد نجح مشروع الشباب وأصبح لديهم مصنع كبير لتصنيع الانتيكات والتحف، وأصبحوا يصدرون للخارج لعدة دول ولكن أكثرها بلجيكا وفرنسا وألمانيا.
تخرج أحمد وتلقى العديد من الترقيات لما يبذله من جهد في تحقيق العدالة.
تخرج وليد وها هو أصبح جراح قلب شهير رغم صغر سنه.
دخلت مها ولوجي كلية فنون جميلة.
وأصبحت مهرة ولميس وزينة في الصف الثالث الثانوي.
من هنا تبدأ قصتنا مع مغامرات أبطالنا.
دعونا نرَ ماذا سيحدث وكيف ستكون حياتهم.
يا ترى فلنرَ.
انتظروني.
بقلمي / فريدة
رواية مهرة و بدر الفصل الرابع 4 - بقلم فريدة الحلواني
داخل إحدى أرقى المدارس الخاصة التي لا يرتادها إلا أبناء الطبقة الثرية.
في فناء المدرسة، في مكان بعيد إلى حدٍ ما عن تجمعات الطلبة وضجيجهم، نجد ثلاث فتيات، رغم جمالهن وثراء عائلاتهن، إلا أنهن يرتدين ملابس محتشمة عكس معظم فتيات جيلهن أو من معهن في هذه المدرسة.
زينة متحدثة بسخط: "أوف بقي، أنا مش عارفة إيه اللي يخلينا نيجي المدرسة وإحنا في تالتة ثانوي، يا ريتنا كنا في مدرسة حكومي، كان زمانا بنام براحتنا وبنعتمد عالدروس وخلاص."
لميس بهدوء: "خلاص بقي يا زينة هانت، كلها شهرين ونخلص منها خالص، ولا إيه رأيك يا مهرة؟"
أين مهرة؟ فهي في عالم آخر لا تشعر بمن حولها.
زينة باستغراب: "مهرة! مهرررررة!"
مهرة بخضة: "إيه يا زفتة؟ في حد يصرخ كده؟ ما أنا جنبك أهو، خضتيني."
زينة بغيظ: "والله يا حبي أنتِ جنبنا بجسمك بس، إنما عقلك وروحك في حتة تانية، أنتِ كنتِ بتعملي إسقاط نجمي ولا إيه؟"
مهرة: "هاهاهاها، خفّة يا بت!"
لميس: "مالك بس يا ميمو؟ أنتِ فعلًا من الصبح مش معانا خالص، شكلك مدايق."
مهرة بغلب: "أنا مش مدايقة، أنا هطق، مقهورة قهره السنين ومش لاقية حل للي أنا فيه."
زينة بتعقل: "أنتِ اللي جايبة وجع القلب لنفسك، إحنا ياما حذّرناكي من حبك المجنون لبدر، وهو مش شايفك أكتر من بنته وأمانة عمه اللي سابهاله، بس أنتِ مصرة توهمي نفسك بإحساسك الغلط. هو مش شايفك أصلًا، أنتِ طفلة بالنسبة له."
لميس بحزن على حال مهرة نهرت زينة وقالت: "بس يا زينة، إيه اللي بتقوليه ده؟ عيب كده، كلامك بيوجع، بالراحة عليها مش كده، أنتِ مش شايفة حالتها عاملة إزاي؟"
زينة بعصبية: "ما أنا عشان شايفة حالتها لازم أفوقها، لازم تعيش حياتها اللي موقفّاها في انتظار كلمة منه، وهو ولا حاسس بيها."
مهرة بحزن: "ومين قال لك إنه مش حاسس بيه؟ ده ما فيش حد في الدنيا بيفهمني ويحس بيا قده، ومهما تقولوا أو تحاولوا تقنعوني إنه مش بيحبني أضعاف حبي ليه مش هقتنع. أنا وبدر روح واحدة بجسدين، كل واحد بيحس باللي جوه التاني ويفهمه من غير ما يتكلم، بس هو اللي مش عايز يفهم إحساسه بيا، أو بالأصح فاهم بس رافض يصدق."
زينة بحدة: "خليكِ في الوهم ده لحد ما تلاقيه متجوز ومخلف، وأنتِ واقفة محلك سر. أنا عمري ما شفت واحدة لاغية شخصيتها كده عشان واحد بتحبه، مع إنك أصلًا أقوى شخصية فينا، بس بتيجي لحد بدر وبتلغي عقلك وتسيبيه هو يمشيكي بكيفه. أنا برغم إني بحب مصطفى وواثقة في حبه ليا، بس عمري ما هلغي شخصيتي علشانه ولا أتنازل عن كرامتي قدامه."
لميس بزعل: "زينة كفاية كده بقي، أنتِ إيه مش حاسة بالدبش اللي بتحدفيه؟ أنتِ من امتى كده؟"
مهرة بحزن بين: "سيبها يا بسكوتة، أنا خدت على كلامها ومش هقعد كل شوية أفهمها، لأن اللي بيني وبين بدر عمر ما حد هيفهمه غيرنا."
ثم نظرت لزينة وأكملت: "صدقيني يا زينة، أنتِ لو بتحبي مصطفى قد ما هو حبك مش هتقولي كده، أنا شايفة إنه بيتنازل كتير في بعض المواقف أنتِ بتبقي غلطانة فيها، بس هو بيحاول يراضيكي. بس للأسف أنتِ بتحبيه آه بس بتحبي نفسك أكتر. وعالعموم خلي رأيك لنفسك، ويا ستي لما حياتي تبوظ وآجي أشتكيلك أبقي قولي مليش دعوة."
زينة: "يا مهرة ما تزعليش، أنتِ عارفة أنا بحبك إد إيه وخايفة عليكي." ثم احتضنتها وقالت: "حقك عليا يا ميمو، والله مش قصدي."
ثم أكملت بهزار حتى تخفف من حدة الموقف: "يا أختي أنتِ ليل نهار بتقراي روايات لما قرفتينا، وأنا متأكدة إن هي اللي بوظت لك دماغك. ما فيش أي فكرة فيها تنفع تعمليها مع بدر يمكن ينطق؟"
ضحكت مهرة بغلب وقالت: "كل الروايات بتحكي عن البطل اللي أكبر من البطلة، وهو اللي بيحاول معاها، يعني حتى في الخيال ما فيش في خيبتي. بعدين تلاقي البطلة طفلة بريئة ومش عارفة حاجة في الدنيا، طب أنا هجيب البراءة منين؟"
ضحكت الفتاتان عليها بشدة وأكملتا يومهما الدراسي حتى يحين موعد المغادرة.
في شقة الجد، كانت تجلس الجدة وكنتاها وابنتها يحتسين الشاي ويتحدثن في مواضيع شتى. فهم بعد ذهاب رجال العائلة للعمل، والفتيات يذهبن إلى الجامعة أو المدرسة، يقمن بتوضيب المنزل ثم يجلسن لأخذ استراحة بسيطة ثم يقمن لإعداد الطعام قبل عودة الجميع، وهكذا كل يوم نفس الروتين.
وجدن الباب يُطرق رغم أنه مفتوح، فعلمن أن من جاءهن ضيف.
أم فتحي جارتهم في نفس الحي طرقت الباب وأردفت: "العوافي عليكم يا حجة نعمة."
من الداخل قامت فاطمة زوجة ياسر ترحب بها وتستصحبها إلى حيث يجلسن.
فاطمة: "يا أهلًا يا أم فتحي، اتفضلي يا حبيبتي، خطوة عزيزة."
أم فتحي: "يعز مقدارك يا حبيبتي، إزيك يا حجة؟ ليكِ وحشة والله." قالت هذا للجدة ثم سلمت على نوال وريهام وجلست.
الجدة: "يا بكاشة، لو وحشناكِ كنتِ تطلي علينا، ده أنا بقالي ييجي ٣ شهور ما شفتكش."
أم فتحي: "معلش يا حجة والله الدنيا تلاهي، وأنا يدوب على ما بفطّر الرجالة قبل ما ينزلوا وأخلص شغل البيت والأكل، يبقى اليوم خلص، ومقصوفة الرقبة بنتي مش بتمد إيديها في حاجة، قال إيه بتذاكر، ومرات فتحي ما بتنزلش من شقتها قبل الظهر أكون أنا خلصت. مش زي النبي حارسهم بناتكم إيديهم بإيديكم في كل حاجة."
كبرت نوال في سرها خوفًا على الفتيات من الحسد وقالت: "والله يا أم فتحي كل البنات كده، مين اللي قال إنهم بيعملوا حاجة معانا؟ أنتِ شفتيهم يعني؟"
أم فتحي بإحراج: "لا لا أشوفهم فين، أنا افتكرت إنهم بيساعدوكم يعني، عشان اسم الله عليكي أنتِ ومراتات إخواتك شطار وإيدكم على إيد بعض في كل حاجة، فأكيد البنات زيكم."
ريهام بغيظ حتى تنهي هذا الحديث المستفز فالمراة تحسدهم جهرًا دون حياء: "تشربي إيه يا أم فتحي ولا أحضر لك فطار أحسن؟"
أم فتحي: "لا يا أم بدر يدوم العز، أنا لسه فاطرة وشاربة الشاي مع الحاج قبل ما أجيلكم." ثم نظرت للجدة وأكملت: "أنا جاية للحجة وقصداها في موضوع طول الليل بدعي ربنا إن يحصل قبول."
الجدة بحكمة فهي استشفت ما تريد التحدث عنه ولكن آثرت الصمت حتى تسمع منها: "خير قولي، ولو في إيدي حاجة مش هتأخر."
أم فتحي: "ده العشم يا حجة يا نوارة بيتنا، وإن شاء الله بإيدك الخير كله. القصد إمبارح كان ابني اسم النبي حارسه وصاينه نبيل، ما أنتِ عارفاه يا حجة مهندس قد الدنيا في الخليج، ونزل إجازة من يومين. المهم كان واقف مع أبوه وشاف ست العرايس مهرة حفيدتك وهي واقفة مع الحاج، ولما سأل أبوه عنها عرفه تبقى مين، جالي جري عالبيت ويقول لي جوزها لي ياما."
ثم ضحكت بسماجة وأكملت: "كان مصمم أجيلكم بالليل، قلت يا ابني ما ينفعش الصباح رباح، وأنا من النجمة هاروح أطلبها لك، ها يا حجة نقول مبروك؟"
دخل عليهم إعصار قد يدمر الأخضر واليابس، ومن غيره بدر، فهو قد عاد إلى المنزل لنسيانه بعض أوراق العمل وسمع ما تحدثت به تلك البلهاء.
بدر بهمجية: "مبروك على إيه يا حجة معلش؟"
ارتعبت السيدة من مظهره الذي يدل أنه قد يقتل أحدًا. ولطمت أمه وعمته وزوجة عمه وجوههم لمعرفتهم ماذا سيحدث لاحقًا. أما الجدة كانت تجلس بأريحية وهي مبتسمة على شيء ما في نفسها.
أم فتحي برعب: "إيه يا معلم بدر في إيه دا دا أه دا نبيل ابني شاف المحرو..."
قطع كلامها بصراخ: "طب لو أنتِ عايزة تحافظي على عين ابنك أو حياته أيهما أقرب يعني، خليه يرجع الخليج، لأن لو شفته في الشارع عليا الحرام من ديني لأخذ له عينه اللي بص بيها على بنت من بنات النعمان. فاااااااهمة؟"
قامت السيدة تجري نحو الباب وهي تقول برعب: "خلااااص يا معلم هخليه يسافر لاااا هو سافر خلاص."
واختفت خارج المنزل وهي تهرول حتى تنقذ ابنها من براثن هذا الوحش.
نوال بعصبية: "أنت يا ولا هتفضل همجي كده؟ ما فيش تفاهم بالعقل أبدًا؟"
بدر: "آه هفضل كده طول ما أنتم مصممين تدخلوا في حاجة ما تخصكمش."
ريهام: "يا ابني أنت شفتنا وافقنا، بعدين يعني هو أول واحد يتقدملها، ما هو جالها كت..."
قطعت كلامها حينما رأت تحوله وأصبح أكثر هياجًا.
التقط بدر المنضدة التي تتوسط الغرفة ورفعها عاليًا ثم قذفها لتنزل على الأرض قطعًا صغيرة من خشب أو زجاج وهو يصرخ بهن: "كمااااان يعني بيجيلها عرسان وأنا ما عرفش! أنتم لغيتوا وجودي إزااااي؟"
الجدة بعصبية: "في إيه يا ابني؟ هي أول ولا آخر بنت يتقدملها عرسان؟ بعدين الكل عارف إن البنات كلها مخطوبة مش فاضل غيرها." ثم أضافت بخبث كي تثيره أكثر: "بعدين البت فايرة وحلوة وعليها العين وألف مين يتمناها، يكش هي بس اللي مش عايزة توافق على حد."
جن جنون بدر على الأخير وصرخ: "أنتم كمان بتاخدوا رأيها في العرسان وهي بترفض؟"
لحقت نوال الموقف فهي فهمت قصد أمها: "لا لا لا يا ابني والله ما حد جاب لها سيرة، ده إحنا لما بنتكلم عادي معاها إن ربنا يرزقها ونفرح بيها زي البنات هي بترفض وتقول أنا مش بفكر في الجواز دلوقت."
بدر باهتياج: "طب مش تعرفوني ولا أنا خول ماليش لازمة؟"
صاحت به الجدة بعد ما فاض بها: "ما تتهد بقي يا ولاااا! إيه الصياعة اللي أنت فيها دي؟ أنت ما حدش مالي عينك لما حد بيتقدملها، أنا بقول لجدك ولا أنت هتعمل كبير على جدك كمان؟"
بدر وهو يستدير ليترك المنزل حتى لا يحطم باقيه: "لااا يا ستي ولا كبير ولا زفت، ربنا ياخدني عشان أرتاح وأريحكم، أنا غاير في داهية."
ذهب سريعًا وكان شياطين الأرض تلاحقه. أخذ يمشي سريعًا حتى وصل إلى سيارته القابعة أمام أحد محال النعمان. صعد داخلها وانطلق سريعًا حتى أصدرت عجلات السيارة صوتًا قويًا إثر احتكاك عجلاتها في الأرض. ولم ينتبه إلى نداءات أبيه أو جده، هو لم يسمعها من الأساس.
الجد لعادل: "خير يا رب، مال بدر؟"
عادل: "مش عارف يا حج، ده لسه من شوية قال لي إنه طالع البيت عشان يجيب ورق الأرض بتاع الساحل."
الجد: "طب اتصل بيه يا ابني طمني عليه، جيب العواقب سليمة يا رب."
أخرج عادل هاتفه من جيب بنطاله وأخذ يحاول الاتصال مرارًا وتكرارًا ولكن لم يتلق أي رد، وفي الأخير وجد الهاتف أغلق.
عادل: "ما ردش يا حج وقفل التليفون خالص."
الجد بقلق: "طب أنا هدخل أتصل على أمك في البيت يمكن حصل حاجة."
دلف الجد داخل المعرض الذي يعد من أكبر معارض الأثاث وأحد الأفرع المملوكة له، ولكن هذا المعرض تحديدًا له مكانة خاصة لدى النعمان نظرًا لأنه أول محل يمتلكه قبل أن تنتشر فروعه في شتى الأنحاء. لذلك هو دائم التواجد به وباقي الفروع يتولى إدارتها أولاده وأحفاده.
أمسك الجد سماعة الهاتف الأرضي واتصل على منزله وانتظر حتى يجيب أحد عليه وهو قلق للغاية.
الجد: "أيوه يا فاطنة إديني الحاجة."
فاطمة: "حاضر يا حج أهه معاك."
الجدة: "أيوه يا حج، أمرني يا أخويا."
الجد: "هو في حاجة حصلت في البيت؟"
الجدة بقلق من معرفة النعمان بما حدث.
الجدة: "لا يا أخويا أنا قاعدة أهو مع بناتك، هو في حاجة؟"
الجد وقد استشعر توترها: "أمال بدر ماله نازل من البيت واخد في وشه وجري بالعربية؟ إيه اللي حصل؟"
لم تجد الجدة بدًا من إخباره فقصت عليه كل ما حدث من أول زيارة أم فتحي حتى تحطيم بدر للمنضدة وصراخه عليهم.
الجد: "ماشي يا حجة اقفلي وأنا هتصرف، بس ما حدش يفتح كلام في اللي حصل ده معاه أو مع أي حد."
وأغلق معها ووجد ولده ينظر له بقلق ينتظر معرفة ما حدث لولده.
عادل: "خير يا حج؟"
الجد سرد له ما حدث، وبعدما انتهى وجد ابنه غاضبًا جدًا مما حدث.
عادل: "طب والله لما يرجع لأعرف شغلي معاه، هو عشان رباها خلاص هيتحكم فيها، ما هي مسيرها للجواز ولا هي هتترهبن يعني، مش كفاية كل أخواتها البنات اتخطبوا إلا هي، أنا هعرف أوقفه عند حده."
الجد بغيظ لعدم فهمهم لبدر، فهو الوحيد الذي يعرف بما يشعر به حفيده حتى وإن لم يكن حفيده نفسه يعرف أو يعترف بما بداخله.
"والله إنكم كلكم بهايم وما فاهمين حاجة."
عادل باستغراب: "في إيه يا أبا؟ هو أنا قلت حاجة غلط؟"
الجد بغلظة: "بس ولا قلت ولا ما قلتش، ومالكش دعوة ببدر وما تفتحش الموضوع ده معاه خالص ولا كأنك عرفت حاجة."
عادل: "أيوه يا أبا بس آآآ..."
قاطعه الجد بحدة: "خلااااص يا عادل، أنا هتصرف بس ما حدش يتكلم أو يدخل، وربنا يعمل اللي فيه الخير."
داخل جامعة الفنون الجميلة.
أخرجت لوجي هاتفها من حقيبة يدها واتصلت برقم ما وانتظرت الرد الذي جاء سريعًا.
سليم بخضة: "حبيبتي في حاجة حصلت لك؟ أنتِ مش لسه قافلة معايا من عشر دقايق ودخلتي المحاضرة؟"
لوجي سريعًا: "اهدى يا حبيبي ما فيش حاجة، بس المحاضرة اتلغت فقلت أبلغك عشان أروح."
سليم: "طب أعمل إيه دلوقت؟ أنا في الساحل وكنت عامل حسابي إن قدامك ثلاث ساعات على ما تخلصي أكون خلصت شغلي وجئت لك. ومش هينفع تستني كل ده لوحدك خصوصًا إن مها ما راحتش انهارده معاكِ."
لوجي: "خلاص خليك كمل شغلك وأنا هوقف تاكس."
قاطعها سليم سريعًا: "لا لا لا، ما ينفعش تركبي مع حد غريب لوحدك، اقفلي خمس دقايق بس هتصل بحد من الشباب هأشوف مين الأقرب لكِ يجي ياخذك."
لوجي: "يا حبيبي الموضوع مش مستاهل، ده كلها ربع ساعة بالتاكس من الجامعة لحد البيت، وعشان ما تبقاش قلقان خليك معايا عالفون لحد ما أوصل، وأهي فرصة تحب فيه شوية يا بشمهندس، إلا أنت ناسيني خالص اليومين دول."
سليم بحب: "ده أنا أنسى روحي ولا أنساكِ، بس أنتِ عارفة ضغط الشغل اليومين دول، والله غصب عني."
وأخذ يتحدثان معًا حتى أوقفت لوجي أحد سيارات الأجرة وركبت بها وأملته العنوان وأكملت حديثها مع سليم حتى تصل إلى المنزل. فهي قد تم خطبتها على سليم منذ عام بعد انتهاءها من المرحلة الثانوية على أن يتم الزفاف بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية، وهذا ما أغضب سليم كثيرًا لاضطراره الانتظار أربع سنوات ولكن لا حيلة له أمام أوامر الجد. فهو فعل ذلك عند خطبة كل من أحمد ومها وزينة ومصطفى وأيضًا وليد ولميس.
حكم الجد عليهم جميعًا بإتمام الزواج بعد انتهاء الفتيات من التعليم الجامعي.
هذا ما قاله الجد للجميع ولكن بداخله وأمام رفيقة دربه الحاجة نعمة فقط من تعلم السبب الأساسي لتأجيل زواج الأحفاد، ويدعو الله دائمًا أن لا تطول فترة الانتظار لما يتمنون.
بعد مدة من الوقت وصلت لوجي أمام باب منزل النعمان وحاسبت السائق وترجلت من السيارة وما زال سليم معها على الهاتف.
لوجي: "خلاص يا سولي وصلت، اقفل بقي وأما أطلع أغير هدومي وأريح شوية تكون خلصت شغلك وأكلمك."
أغلقت معه وأخرجت مفتاح الباب الخارجي للمنزل من حقيبة يدها وفتحت به وهي حريصة ألا تُصدر صوتًا حتى تستطيع أن تفتعل مقلبًا من مقالبها مع نساء البيت كما تعودت. ولكن ما سمعته جعلها تقف كالصنم لا تستطيع التحرك.
بالداخل بعد تنظيف المكان من أثر الحطام الذي حدث. جلسن السيدات يتناقشن فيما حدث.
نوال: "والله يا ماما أنا ما عارفة آخرة اللي بيعمله الولد ده إيه، ما ينفعش كده موقف حال البنت."
الجدة: "يا بنتي ما هو غصب عنه برضه، يعني تبقى مراته وكل شوية يجيلها عريس؟"
ريهام: "طب ما الناس هتعرف منين يا ماما؟ ده البنت نفسها ما تعرفش إنها متجوزة، أنتِ ناسيه شرط الحاج وقتها وكانت إيه سبب الجوازة أصلًا؟"
سرحت الجدة فيما حدث قبل خمس سنوات حين أتمت مهرة الثالثة عشرة وقد بلغت وبدأ يظهر عليها علامات الأنوثة. طلب الجد من بدر أن يرجع يقيم في بيت أبيه لأن مهرة أصبحت آنسة ولا يجوز وجوده معها في نفس المكان دون رابط نظرًا لأنها أصبحت كبيرة وبالأكيد أنها لا تستطيع أن تكون على راحتها سواء في لباس البيت أو ترك شعرها أمامه دون حجاب، فوجوده سيقيد حريتها.
رفض بدر هذا القرار فعرض عليه الجد الزواج منها إذا كان يريد المكوث معهم كما كان والتعامل معها بحرية كما اعتاد. رفض بدر في بادئ الأمر ولكن علمه الجد أنه مجرد زواج صوري ويعلم به أحد حتى تشهر ثماني سنوات لها وقتها إذا أرادها زوجة له فليطلبها ويأخذ رأيها، وإن كان على رأيه أنها مجرد ابنته وقتها ويتركها لمن يختاره النصيب. وافقت على التمتع بكرم الزواج دون بالفعل معرفة مهرة أو البنات نظرًا لأن الجد قانونًا هو الوصي عليها. وجميع من في العائلة يعرف ذلك الأمر إلا الفتيات.
مرجعت الجدة من تلك الذكرى على قول فاطمة: "فاطمة: طب هنعمل إيه؟ أدي الله وأدي حكمته، وبصراحة كده كويس إن البنت ما تعرفش حاجة، أنا حاسة إنها مايلة له وبتحبه بس هو ولا هو هنا، حاجة تقهر."
نوال: "طب وإحنا بإيدينا إيه أعمله؟ ما فيش على لسانه غير إنها بنته وأمانة عمه، هنخليه يتحملها غصب؟"
الجدة: "لذلك أنتم حمير ما فيش حد فيكم فاهم حاجة."
ريهام: "طب رسينا يا ماما على حل ينوبك ثوابه."
الجدة بخبث: "حل إيه يا معدولة؟ ابنك بيموت في التراب اللي بتمشي عليه مهرة وبيغير عليها من الهوا الطاير، بس هو مش عايز الطب ده وبيداري أميله وغيرته عليها بحكاية أمانة عمه. طب مش لوجي أخته بنت أمه وأبوه ما بيعملش معاها ربع اللي بيعمله مع مهرة؟ ده رغم إنه قافل عليها ومش بتتنفس غير بإذنه إلا إنه ما يقدرش يرفض ليها طلب ويهد الدنيا لو حس إنها مدايقة، وبعد كل ده يقول لي بنته، مش بقول لكم عبط."
بهتت لوجي مما سمعت من حقائق متخفية عليهم. عادت بظهرها سريعًا ولكن بحرص حتى لا تُصدر صوتًا ويشعروا بها.
نزلت جري على السلم، بحلول الصباح وصلت إلى البيت ودخلت إلى الشقة، وجريت لعدة مجموعات عرفية التي يقيمها الجد لفض.
دخلت بسرعة وأخرجت هاتفها من الحقيبة بأيادي مرتعشة تأثرًا بما سمعت وهي تقول لنفسها: "يا حبيبتي يا مهرة، كل ده حاصل من وراءكِ وسايبينك تتعذبي! طب والله يا بدر لَتَشوف أيام سودة بحق كل دمعة نزلت من مهرة بسببك."
اتصلت سريعًا بأحد الأرقام وانتظرت الرد على حر من الجمر و...
يا ترى ماذا سيحدث؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الخامس 5 - بقلم فريدة الحلواني
داخل مصنع آل النعمان، نجد العم صالح رئيس العمال يذهب إلى مكانٍ خالٍ حتى يستطيع التحدث دون أن يسمعه أحد.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وطلب رقمًا وتمنى أن يأتي الرد سريعًا.
عم صالح: ألو يا أحمد باشا، عامل إيه؟ معلش هعطلك.
أحمد: لا ولا يهمك يا عم صالح، خير اؤمرني.
صالح: والله يا ابني ما عارف أقولك إيه، المعلم بدر وصل من شوية ومن ساعتها وهو مبهدل الدنيا ومتعصب على الآخر، حتى طرد تلات عمال غير الخصم اللي أخده نص العمال، ومن شوية لقيت السكرتيرة بتاعت مكتبه نازلة تجري عليه مرعوبة لما سمعته بيكسر في مكتبه.
اتصلت بباشمهندس مصطفى ما ردش، وباشمهندس سليم في الساحل ما لقيتش غيرك قدامي تيجي تلحقنا.
أحمد: طب يا عم صالح ما تخليش حد يحتك بيه، وأنا نص ساعة وأكون عندك.
صالح: الله يجبرك يا ابني، توصل بالسلامة.
وأغلق معه وهو يدعو ربه أن يأتي سريعًا قبل أن يطال غضب هذا البدر أحدًا آخر.
عند لوجي:
اتصلت سريعًا بمهرة وحينما لم يأتيها الرد علمت أنها بالأكيد بداخل الفصل تتلقى إحدى دروسها ولا يمكنها الرد.
فأرسلت إليها رسالة عبر الواتساب لتنبهها بضرورة محادثتها فور خروجها.
(مهرة أول ما تخلصي حصصك كلميني ضروري جدًا، لازم أكلمك قبل ما توصلي البيت).
أوصدت هاتفها وصعدت إلى الأعلى لتسلم على نساء البيت سريعًا ثم صعدت إلى شقة أبيها حتى يتسنى لها التفكير فيما سمعته وكيف ستخبر مهرة وما سيكون رد فعلها حينما تعلم أن عشقها ومحور الكون بالنسبة لها كما تقول دائمًا يكون زوجها حلالها.
في مدرسة الفتيات:
قد انتهى اليوم الدراسي وخرجن إلى فناء المدرسة.
أخرجت زينة هاتفها كي تتصل بمصطفى فهو من عليه الدور اليوم في إيصال الفتيات.
وجدته يهاتفها فردت سريعًا: أيوه يا مصطفى، إحنا أهو خارجين.
مصطفى: طب يلا بسرعة، أنا واقف بره، سلام. وأغلق معها دون انتظار الرد.
زينة بغضب: أهو مصدر لي الوش الخشب من أولها.
كانت في هذه الأثناء تطلع مهرة على رسالة لوجي وقد أصابها القلق فهمت بمحادثتها.
زينة: بتكلمي مين يا مهرة؟ خلصي، مصطفى واقف بره وشايط مش عايزين نتأخر عليه.
نظرت مهرة لها بعصبية دون أن ترد عليها ووضعت الهاتف على أذنها في انتظار رد لوجي.
حتى انفتح الخط.
مهرة سريعًا: في إيه؟ حد حصله حاجة؟
لوجي: لا لا ما تخافيش، كلهم بخير. أنا بس عايزاكي في حاجة مهمة.
مهرة وقد وصلت للسيارة فأكملت وهي تركب في المقعد الخلفي هي ولميس في حين أن زينة استقلت المقعد الأمامي بجانب خطيبها مصطفى.
مهرة: طب قولي في إيه؟ وجعتي بطني.
لوجي بسرعة: أنتي ركبتي العربية؟
مهرة: آه، اخلصي بقى.
لوجي: بس يا زفتة اصبري ومتبينيش حاجة قدام مصطفى، اسمعي ومترديش.
أول ما توصلي البيت غيري واطلعي لي بيتنا على طول، موضوع ضروري يخص بدر هيغير حياتك كلها.
مهرة بقلق بالغ وهي تحاول ألا تفسر ردها: طب قولي إيه على ما أوصل بالله عليكي.
لوجي: مش هينفع الكلام على الفون، يلا أنا هقفل عشان محدش ياخد باله، سلام.
وأغلقت سريعًا لأنها تعلم جيدًا أنها لم تكف عن مواصلة الحديث حتى ترضي فضولها وتعرف فيما تريدها.
زينة موجهة حديثها لمصطفى فهي تعلم أنه غاضب منها منذ الصباح: إيه يا صاصا؟ مفيش سلام ولا كلام كده؟
نظر لها بغضب ولم يرد.
زينة بغضب وصوت عالي نوعًا ما: خلاص بقى يا مصطفى! قلت لك ده ملمع مش روج، وبعدين ما كل البنات بتحط ميكب كامل كمان، اشمعنى أنا يعني؟
مصطفى بعصبية منها لعلو صوتها أولًا، وثانيًا لأنه حذرها كثيرًا ألا تتناقش في أمورهم الخاصة أمام أحد: أولًا ما تعليش صوتك، وبعدين في بنات بتلبس محزق وبنات بتلبس لبس ما لوش صلة بالحجاب، إيه هتعملي زيهم؟
جاءت لترد عليه قاطعها بعصبية وحدة: زيييينه! اقطمي في الكلام لحد ما أجيلك البيت عندكم ونبقى نتفاهم، تماااااام؟
سكتت زينة على مضض فهي لم تعترف بخطئها ولكن لم تطل الحديث حتى لا تتسبب لها بالحرج أمام صديقاتها من أسلوبه معها.
أما مهرة ولميس لم يحاولن التدخل لعلمهم أن مصطفى لا يحبذ التدخل في خصوصيته دون أن يطلب هو، فآثرن الصمت.
بعد وقت ليس بقليل مر في صمت مطبق عليهم، وصلوا أخيرًا.
همت زينة بالنزول أولًا وأغلقت الباب بحدة زادت من غضبه أكثر، نزلن الفتاتان دون حديث ودخلتا إلى منزل النعمان سريعًا.
وصلت زينة إلى شقتها القابعة في المنزل المقابل لمنزل النعمان.
وجدت أمها وجدتها يجلسن في صالة المنزل.
لاحظوا عليها تجهم وجهها فسارعت جدتها في سؤالها.
الجدة نادية: مالك يا زينة؟ البنات مين زعلك يا بيضة؟
زينة بعصبية: هو في غيره اللي ربنا ابتلاني بيه.
أمها عزة بحدة وغضب: اخرسي يا قليلة الرباية، والله ده هو اللي اتبلى بيكي، أنا عارفة بيحب فيكي إيه ولا إيه اللي مصبره عليكي وأنتي كل يوم والتاني حرقة دمه.
زينة: أنتي على طول كده تدافعي عنه، هو أنتي أمي أنا ولا هو؟
عزة: لا يا بت بطني أمك أنتي، بس أنا ما يعجبنيش الحال المايل، وأنا من قبل ما تنزلي الصبح نبهت عليكي وقلت لك بلاش عشان ما تجبيش لنفسك المشاكل، نشفتي راسك وآدي النتيجة.
زينة: ما هو اللي كل حاجة يقول عليها لا، أنا زهقت وعايزة أعيش سني.
الجدة بحكمة: يا بنتي ما هو بيعمل مع أخته كده وأكتر، وأهو أنتي شايفة البنات عندهم كلهم، ما في واحدة بتحط كحلة في عينها.
هو لو مش بيحبك ويخاف عليكي مش هايعمل كده.
زينة: ما ليش دعوة بحد، أنا حرة، أبويا موجود وهو اللي له حكم علي.
أمها بغضب وصراخ: طب والله يا زينة لما ييجي أبوكي وسليم لأقولهم على عمايلك السودة، وشوفي بقى هيعملوا معاكي إيه.
قامت زينة بغضب وقالت وهي تتجه لغرفتها: بدل ما تقفي في صفي زي الأمهات بتعملي فيَّ كده؟ أقولك احفري تربة وادفنيني فيها أحسن.
واختفى صوتها حين ولجت غرفتها وأغلقت الباب بشدة وغضب.
تحت أنظار أمها الحزينة من أفعالها وتوعدتها بإعادة تأهيلها من جديد.
صعدت مهرة إلى لوجي بعد أن بدلت الزي المدرسي وارتدت بيجامة أنيقة وفوقها الإسدال تحسبًا لرجوع أي من الشباب فجأة كما يحدث.
فتحت الباب بالمفتاح الموجود خارج الباب دائمًا حتى يسهل على أي شخص الدلوف.
مهرة بصوت عالي وهي تبحث عن لوجي: فينك يا اللي وقفتي قلبي من الرعب، أنتي يا بت!
خرجت لوجي من المرحاض وهي تهتف: خلاص يا حجة، كنت في الحمام، ولا بلاش كمان؟
مهرة: يا بت منك لله، قلبي هيقف، انطقي قولي في إيه؟
أخذتها لوجي من يدها ودلفت بها إلى غرفتها الخاصة وهي تقول: تعالي بس نقعد على السرير وأنا بحكيلك عشان لو أغمي عليكي تبقي في الأمان.
مهرة بعصبية: أقسم بالله لو ما نطقتي لأنا اللي هخليكي يغمى عليكي من كتر الضرب، اديني اترزعت، انطقي بقيييييييي!
نظرت لها لوجي بتعاطف وهي لا تستطيع استنتاج رد فعلها وبدأت بالحديث: أنا بعد اللي هقوله ده مش عارفة هيبقي رد فعلك إيه، بس أيًا كان أوعديني واحلفي بحياة بدر أنك مش هتجيبي سيرة لحد إن قلت لك.
مهرة بفقدان صبر: وأنا من امتى طلعت سر حد بره؟ ومع ذلك يا ستي وحياة بدر مش هقول لحد حاجة، هااااا بقى؟
ازدردت لوجي لعابها في وجل وبدأت تقص عليها كل ما سمعته دون زيادة أو نقصان.
وبعد فترة.
صمت صمت صمت.
كل ما يُسمع هو صوت أنفاسهن معًا.
لوجي تجلس مترقبة ومتوجسة من رد فعل مهرة.
ومهرة تحاول إعادة كلمات لوجي داخل عقلها حتى تستطيع استيعابها.
ماذا يقولون؟
زوجته منذ خمس سنوات؟
ينتظر إتمامي ١٨ عامًا ليتركني؟
أختار غيره؟
وهل أنا من الأصل أرى غيره حتى أختار؟
هل من الأساس يوجد رجل غيره في هذا العالم؟
يا لك من قاسٍ أيها البدر!
بعد فترة صمت قطعتها لوجي بتوجس: إيه يا ميمو؟ رحتي فين؟ بالله عليكي ما تزعلي نفسك، هو الخسران.
نظرت لها مهرة بتيه ولم تستطع النطق.
وفجأة تضحك بقوة وهي تضرب كفًا بآخر ودموعها تنزل بغزارة.
ولندعُ لوجي تحدد هذا بكاء أم ضحك حد البكاء.
ولكنها حقًا متألمة على أختها كثيرًا، أخذتها سريعًا بين ذراعيها لعلها تهدأ في أحضانها ولكن....
ترى ماذا ستفعل؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل السادس 6 - بقلم فريدة الحلواني
أمام مصنع آل النعمان
توقفت سيارة دفع رباعي أحدث طراز، يتماشى طرازها مع قوة وصلابة صاحبها.
ترجل أحمد سريعًا وأغلق السيارة، ثم دلف سريعًا داخل المصنع قاصدًا مكتب أخيه.
دلف داخل المكتب وقد صعق مما رأى.
فالمكتب عبارة عن حطام، لا يوجد به شيء سليم، وكأن إعصارًا أصابه.
حتى الأريكة التي وجد أخاه مسطحًا عليها وهو واضع يده فوق عينيه، كأنه في عالم آخر، قد أصابها التلف هي الأخرى.
وكسرت أرجلها فأصبحت مائلة، ولكن المتسطح فوقها لم يبالِ لحالتها.
فكل ما كان يبتغيه هو إراحة جسده من أثر المجهود الذي بذله في تحطيم مكتبه.
وأيضًا إراحة رأسه من مراجل النار المشتعلة به.
وأيضًا يحاول إطفاء لهيب جزء آخر في جسده لا يعلم سر اشتعاله بهذه الطريقة.
ألا وهو قلبه.
يشعر به يئن من الوجع الذي أصابه جراء ما حدث صباحًا، ولا يعرف سببًا لتلك القبضة الدموية التي أصابته.
اقترب أحمد بهدوء بعدما أوصد الباب خلفه، وجلس على عقبيه بجانب أخيه ظنًا منه أنه نائم.
فجأة رفع بدر يده من على عينيه ونظر له بتيه وهو يسأله:
"إيه اللي جابك هنا؟"
أحمد:
"أنا اللي المفروض أسألك، إيه اللي حصل معاك يوصلك للي أنت فيه ده؟"
اعتدل بدر وجلس معتدلًا حتى يفسح مجالًا لأخيه.
ثم وضع رأسه بين يديه وأردف بتعب:
"أحمد، الله يخليك أنا تعبان ومش قادر أتكلم، روح شوف شغلك وسيبني في حالي."
أحمد بحدة:
"أنت عبيط ولا بتستعبط؟ أسيبك إزاي وأنت كده؟"
احتد بدر وجذب نفسه من ملابسه وهو يقول:
"كده إزاي؟ أنت شايفني مجنون؟ سيبوني في حالي بقي!"
أحمد محاولًا تهدئته:
"اهدأ يا بدر، أنا أول مرة أشوفك كده، قل لي في إيه وكل حاجة وليها حل بإذن الله، إحنا من إمتى بنخبي حاجة على بعض؟"
ثم طبطب على فخذه حتى يحثه على الحديث.
نظر له بدر بنظرة تائهة تدل على عدم وعيه:
"أنا نفسي مش عارف مالي، حاسس بنار جوايا، حاسس إني موجوع. في إيد ماسكة قلبي عمالة تعصر فيه لدرجة إني مش عارف أتنفس. أنا نفسي مستغرب من حالي."
أحمد:
"طب في حاجة حصلت في البيت؟ عشان أنا عارف إن الشغل تمام، حتى لو فيه مشاكل عمرك ما هتعمل كده بسببها."
بدر:
"أنا هقولك يمكن أنت تفهم مالي."
ثم قص عليه ما حدث صباحًا، ثم أردف:
"من ساعة ما مشيت من البيت وأنا على الحال ده، وكلام ستك عمال يتردد في دماغي كأنه شريط وبيتعاد. طب ما أنا ياما كلموني ناس عشان يخطبوها وأنا كنت برفض من غير ما حد في البيت يعرف، حتى لو حد اتقدم لجدك برضه بيرفض من سكات."
"اشمعنى المرة دي؟"
أحمد بتعقل:
"هتسمع مني ولا هتقفل عقلك؟"
بدر:
"هسمع هسمع يمكن أرتاح."
أحمد:
"المرة دي اختلفت عشان كانت أم العريس في البيت، يعني معنى كده إنك خفت إن مهرة تعرف. وكمان كلام ستك عنها أكد لك اللي أنت مش عايز تعترف بيه إن البنت كبرت واحلوت."
هدر به بدر وهو يلكزه في كتفه ويصيح به:
"ما تلم نفسك يا واد يا عرس، أنت إيه احلوت دي!"
ضحك أحمد:
"خلاص يا عم أنا آسف ما قصدش، بلاش طولت لسان أهلك دي."
"المهم أنت بقى خفت إن الستات في البيت يعرفوها إن بيتقدم لها عرسان، خصوصًا إنهم قالوا لك إنهم فاتحوها قبل كده وهي رفضت."
"كل ده ما يفهمكش مالك؟"
نظر له بدر بتصنع الجهل وقال:
"لا مش فاهم."
أحمد بعد أن ابتعد عنه حتى لا يطاله غضبه بعد الذي سيتفوه به:
"بص يا بدر من الآخر كده، أنت بتحب مهرة."
انتفض بدر وصاح به:
"أنت هتخرف ولا إيه؟ ما تخلينيش أندم إني كلمتك. دي بنتي يا عالم!"
أحمد بحدة حتى يفيق ذلك الأبله:
"بقولك إيه، فكك من النغمة دي، آه أنت ربيتها بس أنت ابن عمها وتحل لها، وإلا ما كنتش كتبت عليها عشان مش قادر تستحمل سواد الليل اللي هتنام فيه بعيد عنها."
"أنت قافل عليها وبتغير عليها من الهوا، ده أنت مانع حد مننا يسلم عليها بالإيد، حتى وليد اللي أنت عارف إنه أخوها في الرضاعة منعته."
"ده أنت يا فاجر بتهد الدنيا على دماغها لو حضنت جدها ولا حد من عمامها."
"طب لوجي أختك مش بتعمل معاها كده ليه؟"
بدر بحدة:
"لا بعمل معاها، بس لوجي عندها أبوها إنما مهرة ما لهاش غيري."
أحمد:
"لا ليها، ليها جدها وعمامها مش هقولك إحنا."
"بس أنت مش قادر تتقبل الفكرة، أنت عايزها ليك لوحدك تحت أي مسمى أنت بتقنع بيه نفسك."
"طب أنا مش هتكلم عنك، أنا هسألك يا معلم بدر يا اللي من بصة بتفهم اللي قدامك."
"و صعت صياعة السنين مع البنات أيام الجامعة، عايز تفهمني إنك مش واخد بالك من حب مهرة ليك برغم إنك أكتر واحد فاهمها وحافظها؟"
زاغ بدر ببصره وأردف:
"عارف وحاسس بس هي في مرحلة مراهقة وأكيد لما تكبر مشاعرها هتتغير."
أحمد:
"برغم إني مش مقتنع بحكاية المراهقة دي لأن مهرة دماغها توزن بلد، دي تربيتك يا ابني. بس هسألك سؤال وهسيبك ترد عليه بنفسك."
"بعد سنة ولا اتنين لما البنت تزهق منك وتفقد الأمل فيك، لأنها إنسانة برضه وكرمتها هتوجعها من كتر صدك ليها، فتقرر إنها توافق على أي حد مالي بيتقدم لها."
"أنت بقى هتقدر تطلقها وما يبقاش ليك أي حق فيها؟"
"هتقدر تسلمها بإيدك لواحد غيرك يبقى كل دنيتها مكانك؟"
طبطب على كتفه وأردف:
"شوف إجابتك على الكلام ده وأنت هتعرف إيه اللي فيك."
"سلام."
ثم تركه شاردًا ومبهوتًا تمامًا من حقائق رماها أخيه في وجهه، وتركه يغرق في بحر أفكاره.
بعد أن بكت مهرة في أحضان لوجي لفترة ليست بالقليلة، وقد بكت أيضًا لوجي حزنًا على أختها وصديقتها الأقرب لقلبها.
أبعدتها قليلًا ولكنها ما زالت تحتويها وسألتها:
"ها، أحسن شوية؟"
ابتعدت مهرة واستندت على ظهر الفراش وردت بتعب:
"آه الحمد لله."
لوجي:
"طب ناوية على إيه؟ ما ينفعش حد يعرف إنك عرفتي خصوصًا بدر."
مهرة بعد أن استعادت بعضًا من قوتها أردفت:
"أنت هبلة يا لوجي؟ ده بدر بالذات ما ينفعش يعرف إني عرفت حاجة."
لوجي بحيرة:
"طب أنت ناوية على إيه؟"
مهرة:
"مش عارفة، بس كل اللي نفسي أعمله إني أطبق في زمارة رقبته وأطلعها بإيدي."
"ليه كده هنت عليه يعذبني كل ده؟ وأوعي تقولي ما يعرفش بحبي ليه، ده كلكم ملاحظين ده، عم عبده بتاع السوبر ماركت اللي على أول الشارع عارف، يبقى هو اللي حافظني أكتر من نفسي ما يعرفش؟"
ثم أردفت بحزن يقطر من حروفها:
"طب ليه كده يا بدر؟ ده أنا مش بشوف الدنيا غير بعيونك، أنت حياتي كلها مختصرة على حروف اسمك."
"هنت عليك تشوف حبي ليك في عيوني وتهرب منه؟"
"وكل ما أحاول ألمح لك تغير الكلام كأنك مش واخد بالك؟"
"طب ما صعبتش عليه؟ ده دايمًا يقول لي لما بتتعب بشوية برد بحس إن أنا اللي تعبان، معقولة ما حسش بوجع قلبي؟"
"أنا هتجنن، أنت عارفة أنا بحبكم قد إيه؟ وأقسم بالله بتمنى لكم الخير وبفرح لفرحكم، بس غصب عني حسيت إني أقل منكم كلكم عشان كل واحد من الشباب شاف فيكم اللي بيتمناه وإنها نصه التاني."
"طب هو أنا وحشة قوي كده عشان ما يبص لي ولا ما استاهلش اتحب؟"
نهرتها لوجي سريعًا حتى تفيق مما هي فيه:
"إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟ أمال لو ما كنتيش أحلى واحدة فينا غير جدعنتك مع الصغير قبل الكبير، وأصلًا إحنا بنعتمد عليكي في حل مشاكلنا برغم إنك أصغر واحدة فينا كنتي قولتي إيه؟ تعالي نتكلم بالعقل شوية، هو برضه غصب عنه شايف إن ما ينفعش يربيكي وفي الآخر يحبك كده عادي."
"أنت طفلة بالنسبة له يا ميمو."
انتفضت مهرة من مكانها بعد أن نفضت ضعفها بعيدًا:
"طب وحياته عندي إن ما خليته ييجي لحد الطفلة اللي بيقول عليها دي بنفسه ويعترف بعشقها مش بس حب، ما بقاش أنا مهرة."
"وهاخليه يشوف مهرة تربية إيده هتعمل إيه."
لوجي ممثلة الرعب:
"يا لهوي يا بنت! أنت ناوية على إيه مع أخويا؟"
مهرة:
"على كل خير إن شاء الله، والحمد لله إنه جوزي عشان يبقى كله بالحلال."
لوجي:
"يعني إيه يا مهرة؟ مش فاهماكي."
مهرة:
"يعني هلعبها على الشناكل يا قلب أختك."
ثم فركت كفيها ببعضهما دلالة على بدء المعركة وأكملت:
"يلا استعنا على الشر بالله، والله صعبان عليه يا بدوري كنت جدع وطيب بس أنت اللي جبته لنفسك."
"ههههههههههههههه."
ضحكت الفتاتان معًا وهما يتخيلان ما هما مقدمتان عليه.
مهرة بعد أن فكرت قليلًا قالت:
"بقولك يا لولو، تعالي معايا ننزل أوضتي عشان عايزة أنزل شنط شواري من فوق الدولاب."
لوجي باستغراب:
"ليه؟ هو أنت جبتي حاجة جديدة وعايزة تشيليها؟"
مهرة بخبث:
"لا يا أختي، وأنا من إمتى بشتري حاجة لشواري؟ أنت ناسية إن هو اللي بيشتري لي كل فترة حبة حاجات، حتى منع عمتك أو تيتا إنهم يشتروا لي حاجة."
لوجي:
"أمال إيه؟ فهميني مش مرتاحة لك."
غمزت لها مهرة بشقاوة وقالت:
"أنا هطلع منهم كام حاجة كده لزوم الخطة عشان نويت أقرأ الفاتحة على ميكي وبطوط."
"وأبدأ بقى أوريه إن العيلة كبرت خلاص، ودي أول خطوة والباقي ييجي على الهادي، وأما نشوف نفس مين فينا أطول."
لوجي:
"يخرب بيتك دماغك دي إيه سم!"
"بس يا فالحة، أنت ناسية حاجة، لو حد من ستات البيت وبالذات عمتك شافوكي باللبس ده هتقول لهم إيه؟"
مهرة بغيظ:
"أنت هبلة يا بنت؟ وهو أنا هلبسه قدامهم؟ إحنا أصلًا بنقعد معاهم بره أوضنا بالاسدال، إنما جوه أوضتي ببقى براحتي، وأصلًا بدر مانع أي حد يدخل لي من غير ما يخبط حتى تيتا."
"وبعدين أنا مش هلبسهم في أي وقت، وكمان مش هلبس قمصان نوم مش للدرجة يعني."
"أنا مثلًا هطلع طقم هوت شورت أو كاش مايوه حاجات تبان عادية بس في نفس الوقت تولع، فهمتي؟"
لوجي ببلاهة:
"يخرب بيتك وبيت دماغك! ده أنا لما شوفتك وأنت عمالة تعيطي وتولولي من شوية، قلت البنت هيجيلها انهيار عصبي ومش هتقوم منه."
مهرة:
"أنت هبلة يا بنت؟ أنت فاكراني فرفورة؟ دانا مهرة النعمان، عارفة يعني إيه؟"
"يلا بقى كفاية رغي."
"دقت ساعة العمل ههههههه."
وبالفعل قامت الفتاتان وتوجهتا إلى الأسفل حتى تقوما بما اتفقتا عليه.
أخرجت مهرة بعضًا من ملابس عرسها، فاستغربت لوجي من اختياراتها وقالت:
"إيه يا بنت قلة الأدب دي؟ ده اللانجري أرحم من اللي مطلعاه ده."
مهرة بغمزة:
"مش هو اللي منقيهم بنفسه؟ خليه يتمتع بشوفتهم عليه وأهو كله بالحلال يا معلم هههههههههههههه."
بعد فترة قبيل معاد الغداء، اتصل الجد ببدر لكي يطمئن عليه وكان قد فتح هاتفه.
الجد:
"ألو يا بدر، فينك يا ابني من الصبح؟"
بدر بإرهاق:
"في المصنع يا جدي، في حاجة ولا إيه؟"
الجد وقد قرر أن لا يخبره أنه علم بما حدث:
"أبدًا يا حبيبي، أنا بس عشان ما شفتكش من الصبح وأنت ما اتصلتش خالص فاطمئن عليك."
بدر:
"تسلم لي يا جدي، بس عندنا طلبية مستعجلة فواقف على إيد العمال عشان ينجزوا."
الجد:
"طب يلا تعالى اتغدى وأبقى ارجع تاني."
بدر بتهرب:
"آآآآ معلش يا جدي مش هينفع، هبقى آكل أي حاجة هنا مش هاقدر أسيب الشغل."
الجد وقد قرر أن يتركه ينفرد بنفسه حتى يستعيد توازنه:
"براحتك يا ابني الله يقويك، أشوفك بالليل."
أغلق بدر مع جده وهو في حالة شرود تام، يشعر أنه لا يستطيع رؤيتها أمامه الآن حتى لا تقرأ ما بداخله، فهي الوحيدة التي تعرف ما به وتفهمه دون حديث.
قال لنفسه:
"ما بك يا بدر؟ ألتلك الدرجة أصبحت مشاعرك مكشوفة أمام الجميع بعدما شيدت حصونًا صلبة حول قلبي حتى لا يكشف ما بداخله؟"
"أيظنون أني لا أريدها؟"
"أكيد أصابهم الجنون، من يعرف مهرة ولا يقع في عشقها دون أن يدري؟"
"أنا غارق بها، كل ما بها يجعلني صريع هواها."
"لا أطيق لمس أحد لها حتى لو مجرد سلام."
"أنا متيم بها، ولكن ماذا سأقول لأبيها حين أقابله يوم الموقف العظيم؟ أأخبره أنني طمعت في ابنتك التي تركتها أمانة في عنقي؟ ويعلم الله أني فعلت كل ما بوسعي وأكثر حتى أحافظ عليها."
"فهي حتى دون وصايتك هي جوهرة نادرة أخاف عليها من أن تخدش."
"فما أنا بفاعل؟"
"كنت دائمًا أصبر نفسي أنها ما زالت صغيرة."
"ولكن المليحة كبرت وأصبحت هدف لكل من يتمنى اقتناء الجواهر النادرة."
"فما حجتك الآن يا بدر؟"
"هل ستستطيع تركها لرجل آخر ينعم بها أم ستدعها تجلس بجانبك دون أن تبني لها حياة مثل قريناتها؟"
رفع وجهه للسماء يتوسل إلى ربه ليريحه:
"ياااااااااا الله ساعدني."
"لا أنا قادر على قربها وخيانة الأمانة، ولا أنا بقادر على تركها."
"أجرني يا الله."
في منزل النعمان اجتمعوا كالعادة على طاولة الطعام، مع استغراب الجميع من غياب بدر، إلا هي فكانت متيقنة أنه لن يأتي اليوم حتى يهرب منها إذا ما سألته عن حاله.
قالت في نفسها وهي تتصنع تناول الطعام أمامهم:
"مااااشي يا قمري، هتروح مني فين، أنا وأنت والزمن طويل."
ثم ضحكت حينما تذكرت سبب تسميتها له بقمري.
فلاش باااااك
خرجت طفلة ذات ثلاث سنوات من غرفتها وهي تفرك في عينيها ببراءة وتوجهت إلى الغرفة المقابلة لها، وسحبت كرسيًا صغيرًا قد وضعه بدر لها بجانب باب غرفته حتى يتسنى لها الوقوف عليه لفتح الباب ومنع أي أحد أن ينقله من مكانه.
صعدت فوق الكرسي وفتحت الباب ثم نزلت وأرجعته مكانه ودلفت للداخل.
كان بدر يتسطح على فراشه يتصفح هاتفه بملل.
اعتدل فور رؤيتها وهي تتجه نحوه، رفعها ووضعها على أرجله وضمها بحنان وهو يمسد على شعرها ويقول:
"مالك يا فرستي؟ إيه اللي مصحيكي دلوقت؟"
مهرة:
"مس عالفة أنام فجيت بس تده (مش عارفة أنام فجيت بس كده)."
بدر بحنية:
"طب تعالي نامي جنبي وأنا هحكيلك حدوتة."
مهرة:
"لا مس عايزة حدوتة أنا عايزة أعلف حاجة تانية (لا مش عايزة حدوتة أنا عايزة أعرف حاجة تانية)."
بدر باهتمام:
"إيه يا حبيبتي؟ قولي."
مهرة:
"هو يعني إيه مهلة وأنت ليه بتقولي فلستي (يعني إيه مهرة وأنت بتقولي فرستي)؟"
بدر:
"المهرة دي تبقى بنت الحصان العربي الأصيل، ولما تكبر بتبقى فرسة، فهمتي؟"
فكرت قليلًا ثم أردفت:
"طب يعني إيه بدل (طب يعني إيه بدر)؟"
بدر:
"مش أنت بتشوفي القمر في السما؟"
هزت رأسها علامة الموافقة.
أكمل هو:
"أهو القمر لما بيبقى كامل ومدور كده في السما بيتسمى بدر، فهمتي؟"
سكتت قليلًا تفكر ثم قالت:
"طب مس أنت مس تخلي حد يقول لي فلسة غيلك (طب مش أنت مش تخلي حد يقول لي فرسة غيرك)؟"
أومأ لها بدر موافقًا.
أكملت هي:
"خلاص يبقى أنا هقولك قملي ومس تخلي حد يقول تده غيلي اتفقنا (خلاص يبقى أنا هقولك قمري ومش تخلي حد يقول كده غيري اتفقنا)؟"
ضحك بدر عاليًا وقبلها بقوة على خدها وقال:
"والله أنت اللي قمري ودنيتي، خلاص موافق بس بشرط."
مهرة:
"شرط إيه؟"
بدر:
"ما تقوليش قمري دي قدام حد، تقوليها لما نبقى لوحدنا بس، ده سرنا الصغير، قلتي إيه؟ اتفقنا؟"
ارتمت مهرة داخل حضنه الدافئ وقالت وهي تتثاءب:
"اتفقنا يا قملي (اتفقنا يا قمري)."
ثم غاصت في نوم عميق.
رجعت المليحة من ذكراها المحببة إلى قلبها وهي تتوعد له بما يجعل النوم يهرب منه والدنيا تضيق به حتى لا يجد ملجأ له إلا هي.
فماذا ستفعل يا ترى؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل السابع 7 - بقلم فريدة الحلواني
دلفت لميس إلى حجرة مهره بعد أن طرقت الباب كما أمرهم بدر بذلك، حتى في عدم وجوده يلتزمون بأوامره.
لميس: يا نهار أبيض عليكي، أنتي لسه ملبستيش؟ فاضل ساعه عالدرس ووليد مستنينا تحت عشان هو اللي هيوصلنا بسرعة لأنه عنده عملية النهارده.
مهره: خلاص ثواني وهكون جاهزة، أنتي عارفة إني مش بتأخر في اللبس. انزلي له وأنا هحصّلك على طول.
خرجت لميس سريعًا وأغلقت الباب خلفها واتجهت للخارج.
بدأت مهره في ارتداء ملابسها بعد أن اتصلت ببدر ووضعت الهاتف على مكبر الصوت.
رد بدر سريعًا كما لو كان في انتظاره.
بدر وهو يحاول تصنع المرح: فرصتي اللي مسألتش عليه النهارده، لعل المانع خير.
مهره وهي أيضًا تتصنع الحدة: آه آه، خدوهم بالصوت ليغلبوكم.
بدر: بت، اظبطي بدل ما أجي أظبطك، ولا عشان بهزر؟ بعدين أنتي لسه منزلتش الدرس ليه لحد دلوقتي؟
مهره: أبدًا، خلاص بلبس ونازلة، بس قولت أعرفك قبل ما أنزل. اتأخرت لأني مدايقة ومكنش لي مزاج أروح، بس البنات قالولي مينفعش عشان المستر منبه على عدم الغياب.
بدر بقلق: طب إيه مدايقك؟ حد زعلك؟ قوليلي وأنا أهد الدنيا على دماغ اللي جابوهم.
مهره: طب يا ريت تنفذ اللي قولته في نفسك بقي، لأن أنت اللي مزعلني. وسلام بقي عشان اتأخرت وزينة معايا على الوايت.
ثم أغلقت سريعًا دون أن تسمع منه ردًا، متعمدة بذلك إشعال غضبه.
بهت بدر ونظر إلى الهاتف وقال محدثًا نفسه: يا نهار اللي جابوكي مش فايت يا بت الجزمه، بتقفلي السكة في وشي دي؟ عمرها ما حصلت.
ثم فتح تطبيق الواتساب سريعًا ليرسل لها رسالة يخرج بها غيظه، فهو لم يحبذ مهاتفتها لوجودها مع الفتيات. أرسل لها:
(ليلة أمك طين على دماغك يا مهره، والعرق التركي اللي بينقح عليكي ده كل فترة، أنا هعرف أستأصله منك إن ما ربيتك مبقاش أنا بدر)
ثم أغلق الهاتف وهو يكاد يجن مما حدث، فهي لأول مرة تفعلها وتوعد لها بالكثير.
أما عند تلك الشيطانه وهي داخل السيارة عندما قرأت الرسالة، انفجرت في الضحك تحت استغراب وليد ولميس وزينة.
وليد: ما تضحكينا معاكي.
مهره بدون انتباه وهي تضحك: أبدًا، أصل بدر بيشتمني، ههههههههههه.
زينة باستغراب وحدة: وأنتي مبسوطة إنه بيشتمك يا جبله؟ أنتي أخدتي على التهزيق؟
مهره عندما انتبهت على ما قالت ردت عليها بهجوم حتى تنهي الحوار دون تدخل من أحد آخر: بقولك إيه يا زينة، خليكي في كوزك لحد ما نعوزك يا قطة. ودور الـ Independent Woman اللي أنتِ عايشة فيه ده آخره خراب عليكي، كلي عيش أحسن لك.
انفجر وليد ولميس من الضحك وقال وليد في نصف ضحكاته: ههههههههههه، دي طيرت الجبهة خالص، مش قصفتها يا زينة؟ يا عيني عليك يا مصطفى يا أخويا، هتتجوز واحد فاقد جبهته.
مهره ولميس: هههههههه.
زينة بغضب وعصبية: أنتو هاتتسلو عليا ولا إيه؟ وبعدين يا ست مهره، هو أنا عشان بحافظ على كرامتي يبقى هخرب على نفسي؟ على العموم، أنا عمري ما هبقى زيك وأخلي أي حد يدوس بالجزمه على كرامتي عشان بس أنول الرضا.
بهتت مهره مما سمعت وأحست بالدموع تتجمع داخل عينيها، ولكن أبت أن تزرفها حتى لا تظهر ضعفها وتأثرها بما سمعت.
أما وليد فقد نهرها بشدة: زينة، أقسم بالله أنا لو مش عايز أعمل مشكلة بينك وبين مصطفى كنت قلت له، بس أنا لي كلام تاني مع سليم أخوكي، لأن ملاحظ كده بقالك فترة مش مظبوطة، وأنا مينفعش أتعدى مصطفى أو سليم وأوجه لكِ أي انتقاد. بس قدام وصلت للتجريح بالطريقة الوسخة دي، فـ أنا مش هسكتك.
كادت أن ترد عليه ولكن قال بحدة: خلااااص، وصلنا، انزلوا.
ثم وجه بصره للميس المصدومة مما حدث وقال: حبيبتي، أنا مش هعرف أرجع آخدكم بعد ما تخلصوا عشان عندي عملية، وقتها مش أقل من خمس ست ساعات. على العموم، وأنا ماشي دلوقتي هتصل ببدر أقوله عشان يشوف مين فاضي يجيلكم، وهبعت لكِ رسالة أبلغك.
لميس: تمام، يلا ربنا معاك ويوفقك يا رب. خد بالك من نفسك، سلام.
نزلت من السيارة وجدت زينة ومهره قد سبقوها بالدلوف داخل سنتر الدروس دون التفوه بحرف.
قام وليد أثناء القيادة بمهاتفة بدر.
وحينما فتح الخط تحدث وليد بحدة غير مقصودة: أيوه بدر، أنا وصلت البنات ومشيت، بس مش هعرف أجيبهم عشان عندي عملية، فاتصرف أنت وشوف مين فاضي فيكم يروح يجبهم وقولي عشان أبلغ لميس.
بدر بتوجس: ماشي، أنا هتصرف. بس فيه إيه؟ مالك متعصب ليه كده؟
وليد بتوتر: هاا، لا ولا حاجة، أنا بس مستعجل عشان متأخر.
بدر بحدة: ولاااا شغل لؤم الدكاترة ده مش عليا، إيه اللي حصل معصبك كده؟ مع إنك بتحاول متبينش إنطقك.
لم يجد وليد بدا من إخباره بما حدث، أولًا لأنه حزن كثيرًا على مهره، ثانيًا لأنه هو أو باقي الشباب لا يستطيعون إخفاء أي شيء عليه (بيعترفوا من أول قفزة).
حكى له كل ما حدث مع الفتيات ثم أكمل: بس بالله عليك يا بدر ما تجيب سيرة قدام مصطفى، أنت عارفه عصبي، واصلاً شكله قافش معاها اليومين دول، فبلاش إحنا نزودها، وأنا بما إني كنت حاضر اللي حصل فهشتكي لسليم.
بدر بهدوء قاتل: لا طبعًا، متقولش لسليم حاجة. إحنا هنخيب وندخل في شغل البنات الخايب ده، ولا إيه؟ خلاص، أقطع الكلام لحد هنا، ولا كأن حصل حاجة. هما بنات مع بعض، يسطفلوا.
وليد بتوجس: أنت شايف كده؟
بدر ببرود: آه، أنا شايف كده. كبر دماغك، وأنا اللي هاروح أجيب البنات من الدرس. يلا بقي سلام عشان ألحق أخلص شغلي قبل معادهم.
ثم أغلق دون انتظار رد، وهو يغلي بداخله.
هل صغيرته تهان بسببه دون أن يدري؟
هل يرونها عديمة الكرامة لأنها تظهر حبها لي دون انتظار مقابل مني؟
هل الجميع يعلم بما تكنه لي، إلا أنا الوحيد الذي أنكر ذلك؟
هل وصل تجاهلي لمشاعرها حد الإهانة والمعايرة ممن حولها؟
أين كنت أنا من كل هذا؟ كيف لم أرَ أو أسمع من قبل؟
هل أنت مجنون يا بدر؟ نعم مجنون، فمن يستطيع أن يوجه لها كلمة سيئة أو يدوس لها على طرف في وجودك؟
حسنًا يا مهرتي، إن لم أرد الصاع صاعين لمن أحزنك، لم أسمَّ قمر.
كانتظريني يا صغيرتي.
بعد مرور ساعتين، خرجت الفتيات في صمت. وجدن بدر يقف وهو يستند على جانب سيارته في انتظار خروجهن.
مهره وهي تتصنع المزاح حتى تحاول مداراة ما حدث: إيه ده؟ بدوري بنفسه جاي يوصلنا؟ يادي الهنا، يادي الهنا.
بدر وهو يفتح الباب الأمامي لمهره في حركة تقديرية منه لها رد عليها وقال: اتفضلي يا برينسس، اركبي. بس الأول، بعدين أنا عندي كام فرسة عشان أوصلهم.
ركبت الفتيات تحت زهول وصدمة مما يحدث، أهذا بدر؟ لا والله.
مهره بعدما صعدت السيارة وقد استبغ وجهها بالحمرة من شدة الإحراج (وهذا بالطبع نادرًا ما يحدث مع جنيتنا الصغيرة).
علقت مهره بمرح حتى تداري خجلها: ماااشي يا بدروي، مقبولة منك. أحبك وأنت بتحاول تصلح غلطتك.
بدر بمزاح وهو يخرج من تابلو السيارة كيسًا مليئًا بما تشتهي الأنفس من شوكولاتة وحلويات وتسالي مما تعشقها مهرته وأردف: لا ولسه، خدي ده كمان عربون صلح، على ما تفكري إيه يرضيكي يا برينسس، وأنا تحت أمرك في أي حاجة.
تحدثت لميس وهي فرحة للغاية بما يفعله بدر، فهي قد استشفت أن يكون وليد قد حكى له ما حدث، فكان ما يفعله بدر بمثابة رد اعتبار لمهره دون أن يشعرهم بعلمه بما حدث.
لميس: أيوه بقي يا بدور، وأحنا ملناش نصيب من الحلويات دي ولا إيه؟
بدر بسماجة: لا، ملكوش. عندك خطيبك ولا أخوكي يجيب لكِ، ويا رب اللي تاخد حاجة منها تطفحها، مش ناقصة طفاسة هي.
انفجرت لميس ومهره ضحكًا، بينما زينة تجلس مبهوتة ومصدومة مما يحدث، فها هو بدر من اتهمته بإهانة كرامة مهره يأتي بنفسه ويدللها أمامهم دون خجل... أممم، عفواً عفواً، منذ متى والخجل يعرف طريقه إليه؟
ظلوا هكذا حتى وصلوا أمام المنزل.
زينة دون أن تنظر إليهم وهي تهم بفتح باب السيارة قالت: سلام يا بنات. متستنونيش النهارده عشان تعبانة شوية ومش هقدر أذاكر.
وخرجت سريعًا دون انتظار رد منهن تحت نظرات بدر المشتعلة لها.
أدار وجهه حتى يقابل وجه مهره وقال لها باقتضاب: استنيني في أوضتك، متطلعيش تذاكري مع البنات دلوقتي.
مهره بقلق: فيه حاجة يا بدر؟
بدر بحدة طفيفة: اسمعي الكلام وأنتي ساكتة، يلا. أنا هروح أبص على جدي وأرجع لكِ على طول، يلااا.
مثلت لأمره ونزلت هي ولميس سريعًا من السيارة، ثم دلفن المنزل تحت نظراته.
تحدثت لميس وهي تصعد بجانب مهره: هو فيه إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. إيه اللي قلبه فجأة كده؟ هو بيتحول ولا إيه؟ أنا خفت والله.
مهره وهي هائمة فيما فعله معها أمام الفتيات قالت: متخفيش يا قلب أختك، أنا فاهمة وعارفة فيه إيه. اطلعي أنتِ مع البنات في شقة المذاكرة على ما أخلص معاه وأطلع أفهمك يا بسكوته يا حلوة أنتِ. هههههه.
لميس بذهول من تحولها هي الأخرى: ربنا يشفيكي يا بنتي. أنا طالعة، متتأخريش، ورانا هم ما يتلم.
ذهبت كل فتاة إلى وجهتها بعد أن ألقوا التحية على جدتهم ونساء المنزل.
دلفت مهره إلى حجرتها سريعًا حتى تبدأ أولى مخططاتها.
بينما لميس دلفت إلى شقة أبيها في الطابق الثاني، وأبدلت ملابسها لملابس بيتية مريحة وارتدت فوقهم الإسدال، ثم صعدت إلى الطابق الثالث حيث توجد به شقة مجهزة بأثاث راقٍ حديث مخصصة للفتيات، حيث يجتمعون بها لاستذكار دروسهم أو يتلقون بها بعض الدروس الخاصة، حيث تأتيهن مدرسات خصيصًا لهن لشرح بعض المواد المكررة عليهن.
وجدت لوجي ومها يجلسون في الردهة في انتظار وصولهن.
ألقت السلام عليهما وجلست بجانب مها كي تطمئن عليها.
لميس: عاملة إيه يا ماهي؟ (ماهي دلع مها) أحسن دلوقتي؟
مها: آه الحمد لله، أحسن كتير. العلاج اللي كتبهولي وليد أخويا طلع جامد وجاب نتيجة بسرعة، خلاني أخيرًا اقتنعت إنه دكتور. هههههه.
ضحكت الفتيات وأردفت لميس بغضب مزيف وهي تلكزها في كتفها: اخس عليكي، ده وليد أحسن دكتور في مصر كلها، بس أنتِ اللي مش عارفة قيمته.
مها: شوفي يا بنتي، أنتِ هتجلطيني والله، حتى في زعلك بسكوته. يابت خديها نصيحة مني، خليكي شبح في نفسك كده، الرقة دي مش هتنفعك.
لوجي بدفاع: بس يا باردة، سبيها في حالها. خلينا نحس إن فيه وسطنا بنوتة بدل ما نبقى كلنا جعفر كده.
الفتيات: ههههههه.
لميس بحزن: ضحكتوني والله، مع إني أصلًا زعلانة ومقهورة أوي من اللي حصل النهارده.
مها: ما عاش اللي يقهرك يا بسكوته، مالك؟ مين زعلك؟
قصت لميس عليهن ما حدث من أول رسالة بدر إلى أن وصلا أمام المنزل.
لوجي باندفاع: طب أقسم بالله ما هاسبها. زينة الكلب دي، هي مالها اليومين دول شغالة حرق دم في مهره؟ البت دي إيه اللي جرالها؟ هي آه فيها شوية غرور، بس مكنتش كده.
لميس: من ساعة ما صاحبت سمر النويري بنت رجل الأعمال المشهور ده، وهي اتشقلب حالها، مع إن أنا ومهره نصحناها كتير تبعد عنها لأنها مش شبهنا ولا أخلاقها زينا، بس هي مش قابلة منا كلام عنها وبتدافع عنها باستمرار.
مها: محدش يكلمها تاني، خليها وراها لحد ما تغرقها. هي فاكرة سمر مصحباها لله والوطن؟ لا طبعًا، دي عينها من مصطفى، عشان كده بتقرب منها وبتوقمها عليه عشان المشاكل تكثر بينهم ويسيبها وتاخدو. هي مفكرة إن مصطفى النعمان ممكن يبص لواحدة زيه؟
لوجي: يانهار أسود ومنيل، وأنتي عرفتي الكلام ده منين؟ وليه مقلتيهالهاش؟
مها: أنا لسه عارفة من أجل صدفة. كان الشباب سهرانين فوق السطوح وأنا كنت بعلمهم الشاي اللي طلبوه مني، سمعت مصطفى وهو بيكلمهم عليها إنها من جوه ما شافته مرة في شركة أبوها وهي حطاه في دماغها تكلمه على الفيس ورفضها بلوك، فسكتت ولمت. لا طبعًا، كل شوية تعمل وسوف تتضرر منه، فأنا ربطت الجملة بالعقل وفهمت نيته.
لميس: المفروض تعرفها عشان متخربش على نفسها أكتر من كده. أنا ملاحظة فعلاً اليومين دول إنها كل شوية تعمل مشكلة مع مصطفى، وهو خلاص على تكه ونفجر فيه.
مها: تفتكري لو قولتلها هتصدق؟ دي معمول لها غسيل مخ، ياما اللي خلاها بتعمل معانا مشاكل ومش مستحملة منا كلمة، يبقى هتصدقني؟
لوجي: طب أنا هحاول أفهم شخص سليم غير مباشر عن اللي بتعمله، وهو يعرف الاشتراك من غير ما يحسسها إنه عرف حاجة.
هكذا كذب الفتيات حتى يحاولن إنقاذ صديقتهن من الغرق، فمهما فعلت بالخير فهي تربت معها منذ الصغر واختفت لهن.
في شقة الجد، دلفت بدر وألقى السلام على جدته وباقي النساء، ولم يعطِ فرصة لأحداهن للتحدث المباشر، بل توجه إلى غرفة مهره.
ولاحظت النساء ذلك، فعلمن أنه يوجد عاصفة على وشك القيام، فمن المشهد بدر وتجهم وجهه، فأثره لا ينتبه إلى المراسلين إلا إذا تأكد أن الأمراء المشاهير من بطشه إذا أثرن من البداية.
فتح الباب دون طرق عليه كما يفعل دائمًا، ولكن تصنم مكانه مدهوشًا مما رأى.
فقد كانت تلك الشيطانة الصغيرة ترتدي كاش مايو قطني من اللون الكحلي بحمالات رفيعة وطوله يصل إلى نصف الركبة، ضيق جدًا من عند الصدر وينزل باتساع حتى الركبة، فتكون حقًا مهلكة بمنحنيات جسدها الأنثوية التي لأول مرة تراها.
تمثلت كانها فلوريدا أمام المرآة، أنها تمشط شعرها الأشقر الذي يتعدى طوله منتصف فخذيها.
استدارت له وهي تقول بهدوء متخطية صدمته: بدوري، اتأخرت ليه؟ أنت مش عارف إن ورايا مذاكرة كثيرة؟
بدر، أين بدر؟ والله هو نفسه لا يشعر بوجوده، ويحمد الله وأنه ما دام قادرًا على حمله، وبدلة الاتصال صامد ولا يغشى عليه من هول صدمته.
حاول بدر تشتيت نفسه وقال مرارًا وتكرارًا، حاول تجميع أن يفعل غليظًا، ولكن غصبًا يخرج متحشرجًا من فرط ما يشعر به.
انتظر منها ومد يده سريعًا وأمسك كتلة من شعرها وهو قسمها لأمام ولخلف بغضب: دانتي ليلة أهلك مش فايتة يا بت الجزمه، إيه اللي أنتِ هبلاه في نفسك ده؟ يا بتمسكي؟
مهره: مهره يدوي حتى شهريا تجريبه شده على شعرها وينتهي بمنتهى البراءة المزيفة: إيه يا قمري ده؟ كاش مايو عادي يعني؟ عادي.
بدر بحدة أكبر: كاش إيه يا روح أمك؟ فين ميكي وبطوط يا بت؟
مهره وهي تجربة إيقافه عن هزها: ماتوا ماتوا خلاص، ودفنتهم أنا. كبرت عليهم.
بدر: كبرتي؟ كبرتي؟ إمتى؟ ومين شافك وأنتي كده؟ انطقي!
مهره بخوف حقيقي: والله ما حد شافني، أنا أول مرة ألبسه. ثم مدت يدها وأمسكت بقميصه حتى يبدو في عينه، وهي تكمل بجدية، فأصبحت تقريبًا داخل أحضانه، فهو ما وصل يمسكها ولكن توقف عن هزها.
نظرت في عينه بقوة وأسندت يدها فوق صدره، واقتربت أكثر حتى امتد صدرها الغض الطري بصدره الصلب، بهمس مسموع ونبرة صوت تقطر حب: أنا كبرت من زمان يا بدر، بس أنت اللي مش واخد بالك، أو الأصح شايف بس مش عايز تتكلم.
نظر لها بدر فوجد عينه على نهديها الظاهرين جزء منهم بوضوح، ثم حول نظره إلى شفتاها الممتلئة ومنفرجة، واضحك لشربها. ربااااه، ما هذا البهاء؟
أيعقل أن تكون بكل هذا الكمال؟ فاق سريعا وهر نفسه على تلك الأفكار التي أكثر انحرافًا، أو ربما يطبقها على أرض الواقع إن لم يبتعد فورًا.
أبعدها عنه بعنف وصرخ بها وهو يتوجه إلى باب الغرفة سريعًا هربًا من نفسه قبل أن يكون منها.
صرخة: هخرج خمس دقايق، أرجع ألاقيكي مغيره ده.
ثم قام بتصفية وأغلق الباب بعنف اهتزت له أركان المنزل.
ذهب سريعًا إلى المرحاض وأغلق بابه وتوقف قليلا وهو ينهج كما لو أنه كان في سباق.
قال بعنف: من ذاهب؟ إيه اللي أنا شوفته ده؟ هو صدر كبر كده إمتى؟ ولا رجليها لمبة بتنور في ضلمة؟ ولااا.....
فاق لنفسه ونهرها: إييييه يا بر فوق، لأني دانت ملكات جمال بتترمى تحت رجلك وأنت مبتتهزش فيك شعرة، تيجي عيلة طولها واصل لنص صدرك تعمل فيك كده؟ اااه يا غلبك يا بدر يا غلبك ومرارك الطافح. البت جتتي قايدة نار من غير ما تعملي حاجة.
ااااخ، والله ما هاسيبك يا بنت دوج يا أوزعة، إن ما وريتك مبقاش أنا. مااااشي يا مهره، أنا هعيد تربيتك من أول وجديد.
ثم جهاز صنبور الماء البارد لفتحه رأسه تحته، لعله يخفف من فوران رأسه.
وأخذ يتوعدها بعقاب العقاب لما فعلته به، ومن هنا تبدأ الحرب.
لمن غالبًا يا ترى؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الثامن 8 - بقلم فريدة الحلواني
الساعة الثالثة صباحًا
داخل غرفة بدر، نجده متسطحًا أعلى فراشه يجافيه النوم، وكل فينة وأخرى ينظر إلى هاتفه يرى كم الساعة، كما لو أنه في انتظار أحدٍ ما.
وفجأة انفتح الباب.
طلت منه حورية هاربة من عالم الأساطير، بشعرها الأملس الطويل الذي يفقده عقله، ناهيك عن تلك القطعة من القماش الشفاف التي ترتديها، وتظهر كافة جسدها المهلك. فما الفائدة منها؟ سيكون أكثر من سعيدٍ إن تخلت عنها.
دلفت ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء، وتوجهت إليه حينما فتح ذراعيه لها دون أن يتحرك من موضعه، وفهمت هي دعوته ولبتها مرحبة بها دون حديث.
اتجهت إليه سريعًا وتسطحت فوقه بجسدها كاملًا، ودفنت رأسها في تجويف عنقه، أما هو فحاوط خصرها بيديه القوية وأخذ يستنشق عبير شعرها المحبب له برائحة الياسمين، وهو يقول بحشرجة من فرط مشاعره:
"حبيبتي اتأخرت عليَّ أوي كدة ليه؟ مش عارفة إني مستنيكي من بدري؟"
ردت عليه بكسل ودلال وهي على نفس وضعها:
"امممم أبدًا، قولت عشان أوحشك شوية."
قال وهو يمرر يده على ظهرها حتى وصل إلى مؤخرتها المستديرة بكمال وأخذ يضغط عليها برفق:
"أنا بشتقلك وإنتي في حضني أساسًا، أنا بحس بجسمي قايد نار ومش عارف أطفيها."
رفعت رأسها قليلًا فأصبح وجههما مقابل وجهه، حد تلامس شفتيهما وأنفهما معًا، وقالت بهمس مثير وهي تتحسس لحيته النابتة برقة:
"أنا بين إيديك، طفي نارك زي ما تحب."
لم يستطع الانتظار بعد تصريحها، والتقم شفتاها بقوة وشره وهو يعتصر مؤخرتها بيده، ثم رفع يد واحدة ووضعها خلف رأسها حتى يعمق قبلته أكثر.
أخذ يمتص شفاهها السفلى ثم العليا بنهم وتلذذ، فتحت هي فمها مرحبة به فأعطته الفرصة لسحب لسانها وامتصاصه بنهم وهي تئن من المتعة، فأصابته بالجنون. فصل القبلة وانتقل إلى تجويف الرقبة وامتص جلدها بقوة وهي تتحرك بعشوائية فوقه جعلته يشعر برجولته تستجير.
ابتعد قليلًا حتى ينتقل إلى أماكن أخرى هو أكثر احتياجًا لتذوقها... ثم انتفض فجأة وهو يلهث ويبحث عنها فلم يجدها.
حاول التركيز حتى استطاع بعد عذاب أن يفيق قليلًا من تشوشه حينما اكتشف أن كل ذلك مجرد حلم.
أخذ يتنفس بقوة ثم التقط كوب الماء وارتشفه دفعة واحدة، وقال لنفسه بصوت مسموع:
"إيه ده؟ كل ده حلم! لا لا لا استحالة أنا أعمل كدة."
ثم وضع يده على رأسه وهو يضغط عليها ويكمل:
"أكيد ده كابوس، آه آه هو كابوس، مش معقول أتأثر فيه للدرجة دي. تلاقيني عشان بحب الجنس وبقالي كذا سنة ملمستش واحدة."
نعود إلى بطلنا.
نظر فجأة إلى ثيابه، وجد أن حلمه طبع أثرًا ليس بالهين عليها. قام سريعًا اتجه خارج الغرفة قاصدًا المرحاض ليأخذ دشًا باردًا علّه يطفئ ما به من حمم نارية تأكل جسده وعقله معًا، ولسان حاله يقول:
"شاطر يا معلم بدر، بقيت مراهق بتحلم وبتجيبهم على نفسك. مبارك عليك ما وصلت له."
في مكان أول مرة نزوره، تحديدًا في قصر راقٍ من قصور إسطنبول، يدل مظهره البديع على ثراء أصحابه الفاحش.
نجد بداخله تجلس سيدتان أنيقتان، لا تستطيع تحديد من هي الأم أو الابنة إلا عندما تقترب منهن، فكثرة عمليات التجميل أظهرتهم أقل من أعمارهن بكثير، حتى أنهم أقرب أن يكن أختان من أن يكن أم وابنتها.
هما أم مهرة وجدتها التركية.
الأم:
"ها يا بيري، ناوية على إيه مع بنتك؟"
بيري أم مهرة:
"متقلقيش، أنا رتبت خطة كدة مش هتخيب أبدًا. ده أنا بقالي أسبوع بفكر فيها، أمال إنتي عايزة فلوس عزيز تضيع مننا؟ استحالة."
الأم:
"طب فهميني، ناويه على إيه؟ إنتي شايفة صهيب ابن جوزك كل شوية يسأل على المعاد اللي هتوصل فيه مهرة تركيا بعد ما ضحكتي عليه وقولتيلو إنها موافقة عالجواز منه، وإنتي أصلًا مكلمتيش بنتك بقالك شهور."
بيري:
"طب كنتي عايزاني أعمل إيه؟ وهو عمال يزن عليَّ ياخد رقمها يكلمها أو ينزل مصر يقابلها. إنتي عارفة إنه مهووس ومتملك ولما يعوز حاجة بيشبط فيها، فاضطريت أقوله إني كلمتها ووافقت بس مش هينفع يكلمها أو يقابلها، لإن أهل أبوها صعايدة وقافلين على بناتهم، وأقنعته هما قد إيه ناس رجعية ولو عرفوا إنه كلمها ممكن يجوزوها حد من ولاد عمها، فسكت على أساس إنها هتيجي تركيا بحجة إنها تكمل تعليمها وأول ما توصل يتجوزها، وكمان تكون تمت ١٨ عشان يكون الجواز قانوني."
الأم:
"طب وبنتك اللي مفيش بينك وبينها عمار، وبترد عليكي فالفون بالعافية لما إنتي أصلًا تفتكري ترني عليها كل كام شهر، وبقالك أربع سنين منزلتيش مصر تشوفيها، تفتكري هتوافق تسيب أهل أبوها وتيجي هنا؟ ولو افترضنا إنها اقتنعت بحجة التعليم هتوافق على جوازها من ورا أهل أبوها وتعصاهم وهي أصلًا روحها فيهم؟"
بيري:
"مانا اليومين دول هتصل بيها دايمًا وحبة حنية على شوية دموع أكيد هتقربلي، وأنا وقتها هقنعها إنها تيجي تكمل دراستها هنا حتى عشان أعوضها سنين بعدي عنها، وهي مهما كانت عيلة وهتفرح بالسفر، وأكيد مع الحنية والهدايا اللي هغرقها بيها هتحن لي، أنا مهما كان أمها. وأول بس ما توصل هنا برضاها أو غصب عنها هجوزها صهيب، ومفيش حد هينجدها مني. أمال إنتي عايزة المليارات دي كلها تضيع من إيدي؟ لو عزيز مات هورث منه شوية ملاليم وكل العز ده هيروح لصهيب ابنه."
"وده اللي استحالة أقبله بعد ما شبابي ضاع مع واحد قد أبويا."
الأم:
"إنتي اللي اخترتيه محدش غصبك، بعدين متنكريش إنك استفدتي كتير منه. ده المجوهرات اللي عندك تساوي لوحدها ثروة، ده غير الشركة والقصر ده ما هم باسمك."
بيري بطمع:
"ودول ييجوا إيه في بحر الفلوس اللي عنده؟ هي مهرة سبيلي الوحيد."
"أول لما أرجع من النادي هكلمها، يلا باي بقى عشان اتأخرت."
وتركتها وذهبت، وكل من الأم وابنتها يحلمون بما سيأخذوه مقابل مهرة التي من الأساس لا تعنيهم بشيء.
نرجع مصرنا الحبيبة، تحديدًا في شقة المذاكرة حيث يجتمعن الفتيات:
لوجي، مها، لميس، مهرة، مع تغيب زينة لليوم الثاني، حتى أنها لم تهاتف أحدًا منهن منذ موقف أمس.
لوجي بتعب:
"خلاااص مش قادرة، تعالوا نريح شوية يا بنات، إحنا بقالنا أربع ساعات متحركناش."
مها:
"والله سبقتيني، أنا فصلت أصلًا."
مهرة:
"خلاص قوموا ريحوا شوية وأنا هقوم أعملنا نسكافيه يفوقنا شوية."
أعقبت حديثها بتحركها ناويه الذهاب إلى المطبخ لإحضار المشروب، ولكن أعاقها إمساك لوجي ليديها تمنعها من المتابعة وهي تقول:
"لا يا أختي إنتي بالذات تقعدي جنبي وتحكيلي على اللي حصل امبارح بالتفصيل، كفاية إنك خلعتي امبارح ومطلعتيش تذاكري وأنا قاعدة على ناري، حتى لما بعتلك عالواتس مردتيش."
جلست مهرة بجانبها ورفعت رجليها بتربيع فوق الأريكة وأردفت بهزار:
"يا قلب أختك، كل ده شايلاه في قلبك وساكتة، اخس عليَّ."
مها:
"خلصتي استظراف ولا لسه؟ احكي بقى."
مهرة:
"طب إنتي حكتلهم يا لوجي اللي عرفناه، وإلا الميكروفون هيبقى معايا وهحكي مالأول."
لميس:
"لا حكتلنا، ولحد دلوقت مذهولة ومش قادرة أصدق إنكم متجوزين."
مهرة:
"طب استعدي للصدمة اللي جاية، مع إني خايفة أخدش حياءك باللي هتسمعيه."
البنات:
"ههههههههههههههه."
مهرة بجدية:
"خلاص بقى، شوية جد. أنا مش عايزة زينة تعرف الموضوع ده."
لميس بطيبة:
"ليه كده يا ميمو؟ إحنا من إمتى بنخبي حاجة على بعض؟ معلش بقى، خلي قلبك كبير وسامحيها عشان خاطري."
مهرة:
"عارفة إني عقلي كبير ومش حابة زعل هينسوني عشرة سنين."
"بس أنا شادة نظري إن زينة البديلة معانا كلنا، وبتجرح الكلام بقصد مش مجرد نصيحة، فأنا ماضمنش لو عرفت بجوازي من بدر تعمل أي قصة لكي توصل لمصطفى إنها عارفة، وطبعًا مصطفى هيعرف بدر، وهنا تبقى الكارثة اللي هتبوظلي كل مخططاتي."
"لأن بدر هياخد موافقتي جواز ممتاز بفكرتين، يا لإن أنا وافقت رد جميل للي عمله معايا طول حياتي، أو إني هفرح دلوقت لسن المراهقة، وهفرح شوية سن وبعده ولا اتنين، مشاعري هتتغير، أوه حد يقابل من سني أحبه وأندم إني وافقت على جوازي منه."
لوجي:
"معقولة بدر يفكر كدة؟ وإنتي عرفت إزاي؟ يمكن تخمينك خطأ."
مهرة:
"يا بنتي أنا وبدر كان كل واحد داخل جوه دماغ التاني وبيفكر بداله."
"إنتي لسه هتعرفي عنا كده."
"المهم أنا مش عايزة أعرفه إني مهتمة بحوار الجواز ده، غير لما أخليه يتأكد إني بعشقه مش بس بحبه، وينسى حكاية إني صغيرة وأمانة عمه ليه وبلا بلا اللي قارفني بيها."
مها:
"طب افترضي يا فالحة بعد ده كله مخبكي، وده وارد، قلوبنا مش بإيدينا يا ميمو."
مهرة:
"إنتي هبلة يا بنت؟ هو أنا لو مش متأكدة إن حبه ليَّ مذهل حبي ليه، كنت هعمل ده كله؟ هو بس عايز زقة."
لميس:
"طب إيه خلاكي تتأكدي؟ هو لمحلك؟ يعني لو فعلًا بيحبك كبيرش ليه؟"
مهرة بتأفف من كثرة الأسئلة:
"بقولكم إيه، من غير شرح ورغي كتير، بعدين هتشوفوا بعينكم. تعالوا أقولكم بني إيه فيه امبارح."
أخذت تقص عليهم ما حدث دون إخفاء أي شيء تحت صدمتهم من جرأتها.
ثم انفجرت في الضحك وهي تقول:
"ههههههه، مشوفتهوش هههههه وهو بيسألني على ميكي وبطوط ههههههههه وأنا أقوله ماتوا هههههههه كان يقوله مسخرة أقسم بالله هههههههه آآآه بطني مش قادرة هههههههه كان فاضل يعيط عليهم وياخد عزاهم ههههههههه."
لم تتمالك الفتيات أنفسهن من الضحك على مهرة وهي تشرح لهم ما حدث بشخصية طريفة.
تمالكت نفسها وأكملت:
"آآه مش قادرة، المهم بس ده كل اللي حصل، ومشوفتش وشه أخيرًا دلوقت، وخفت أطلع يقابلني ويغيب عليَّ ويديني بالبوكس في وشي لكي يفش غله."
لوجي:
"أنا مش قادرة أتخيل اللي بيه بجد، عيني عليك يا أخويا."
كادت مهرة أن تعنفها ولكن استمعن لرنين الهاتف الأرضي، ردت لميس سريعًا بما في ذلك الأقرب، فوجدت الجدة تحثهم على النزول فقد حان وقت العشاء، العشاء قد حضر وفي انتظارهم. أخبرتهم فتحركوا معًا سريعًا حتى تحقيق ما انتوت عليه مهرة مع معذبها وقت الغداء أمام الكل.
فما هي بفاعلة يا ترى؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل التاسع 9 - بقلم فريدة الحلواني
في منزل العم حسين جد سليم وزينة، كانت تدور مناقشة حامية بين كل من عزة وزوجها حسن حول أحوال ابنتهما المتغيرة.
عزة بقهر: والله يا حسن أنا ما رضيتش أشكي لكِ منها إلا بعد ما فاض بيِّ، البت اتبدلت، ما بقتش زينة اللي نعرفها، دي كل شوية تتخانق مع مصطفى، لو ما كنتش عارفة إنها بتحبه كنت قلت بتطفشه، ولا زعلها مع البنات اللي معتبرينها أختهم وما كانوش بيفترقوا، بقالها كام يوم ما راحتش تذاكر معاهم.
وأخذت تسرد له بعض المواقف المخزية من زينة.
حسن: إزاي كل ده يحصل وما تقوليليش؟ أنتي مستنية لما بنتك تخرب على نفسها وبعدين تعرفيني؟!
زييييينه! زييييينه!
عزة بسرعة ورعب: مش هنا، زينة خرجت.
حسن بحدة: أنتي مش قلتي مخاصمة البنات ومش بتروح عندهم؟
عزة: لا ما هو أصلها خرجت مع واحدة صاحبتها غريبة عننا بس هي معاها في المدرسة.
حسن بصريخ وهو يخرج هاتفه للاتصال على ابنته: كمااااان خرجت بره المنطقة من غير معرف ومع واحدة ما تعرفيهاش؟!
قطع كلامه حينما جاءه الرد على الهاتف.
حسن: أنتي فين يا زينة؟
زينة برعب: أأأنا أأأأ...
حسن مقاطعًا إياها: حالًا ترجعي من المكان اللي أنتي فيه، وأبوكي ما يعرفهوش يا محترمة!
وأغلق الهاتف دون سماع رد منها، وجلس يغلي وهو في انتظارها.
بينما زينة كانت في كافيه مع سمر النويري وبعض الفتيات.
قامت سريعًا وهي تلملم أشياءها وتذهب للحاق بما ينتظرها.
قاطعت طريقها سمر ممثلة القلق عليها: في إيه يا زيزي طمنيني؟
زينة: بابا عرف إني خرجت من وراه ومستنيني في البيت.
سمر: طب يا قلبي روحي بسرعة وأنا هكلمك أطمن عليكي، تلاقيه سأل عليكي اللي عاملين فيها صحابك وهما اللي قوموه عليكي عشان تبقي تسمعي كلامي.
زينة: مش عارفة، مش عارفة.
قالت ذلك برعب وهي تهرول خارج الكافيه واستقلت سيارة أجرة سريعًا وهي تكاد تموت رعبًا مما ينتظرها.
عادت سمر تجلس مكانها ببرود وهي تبتسم بتشفٍّ.
إحدى الفتيات: أنا مش عارفة يا سمر إيه الأشكال اللوكل دي مستحملاها إزاي وهتستفادي إيه من اللي بتعمليه؟
سمر بغل: هستفاد كتير يا ماما، أولًا هبعدها عن العقارب دول، لأنها بتسمع كلامهم فبالتالي مش هعرف أخليها تتغير مع مصطفى، لازم أفضل وراها لحد ما تزهقه بعمايلها لحد ما يسيبها أو هي تسيبه، أيهما أقرب مش فارقة.
الفتاة: طب حتى لو ده حصل إيه يضمن لك إنه يجيلك وهو رافض أي تواصل معاكي؟
سمر: لا وقتها أنا هعرف أخليه يجيلي بنفسه بس الأول أشيلها من طريقه.
وأكملوا جلستهم بين الأحاديث التافهة التي تناسب طريقة حياتهم.
حول طاولة الطعام في منزل النعمان نجدهم جميعًا ملتفين حولها بعد أن هبطت الفتيات من أعلى.
في جوٍّ مليء بالدفء والمحبة التي رسخها الجد بينهم.
كانت تدور بينهم أحاديث بسيطة في شتى المواضيع حتى أردفت لميس: خلصي يا ميمو بسرعة بالله عليكي مش عايزين نتأخر على الدرس.
مهرة بمزاح: يخربيت الرقة اللي هتجلطني دي، يا بت انشفي كده وتخني صوتك شوية خليكي شبح في نفسك كده.
صرخ وليد سريعًا: لااااااااا ورحمة أبوكي ما ليكي دعوة بيها، هي حلوة كده بسكوتة وعجباني.
احمر وجه لميس بخجل بينما تدخل الجد متصنعًا الحدة: اتلم يا عديم الرباية، إيه بسكوتة دي؟
وليد بقهر: الله يا جدي ما كلهم بيقولولها كده، جات عليَّ قرمط وهتنشفها.
ياسر والد لميس: آه يا أخويا أنت بالذات مش مسموح لك تكلمها أصلًا، أنا مش عارف كان عقلي فين وأنا بوافق على خطوبتها من جزار زيك.
وليد: دكتوووووور، عليَّ النعمة دكتور يا عمي، أعمل إيه يا ناس عشان يقتنع؟
ياسر: ده الجزار أرحم منك، على الأقل بيقطع بهايم مش زيك بتقطع بني آدمين.
أطلقت مهرة صافرة من فمها ببراعة مثل الصبية وبعدها هتفت: بااااااس، أنا آسف أنا آسف، أنا مني لله إني اتكلمت.
ضحك الجميع عليها.
نوال: عارفة يا بت لو ما كنتش أمك ولداكي قيصري كنت قلت إنهم سحبوكي من لسانك، الله يسامح اللي رباكي بقى هقول إيه.
مهرة بدفاع حقيقي: ماله بقى اللي رباني إن شاء الله؟ إسكندرية كلها ما فيهاش زيه ولا جدعنته ومربيني أحسن تربية الكل بيحلف بيها، هو في زي بدر ولا طيبة بدر ولا.....
قاطعتها نوال صارخة: بااااااس، يخرب بيتك، مصورة واتفتحت.
بدر أخيرًا تدخل، فهو من وقت جلوسه كان شاردًا يحاول أن يظهر طبيعيًا مندمجًا في طعامه، لكن انتبه لما يحدث وأحس أن ما قالته مهرة لم يكن مجرد دفاع عنه في سبيل المزاح، ولكن كلماتها وهي تصفه خارجة من صميم قلبها، وقد تأكد من ذلك حينما لمح لمعة عينيها حين تغير لونهم وهي أخفضتهم سريعًا حتى لا يلاحظ أحد لأنها للأسف يتغير لون عينيها حسب حالتها.
بدر: طب ليه كده يا عمتي، إيه مش عاجبك فيها بس؟ دي ست البنات كلهم، وبعدين هي كده واللي مش عاجبه... أممممم بعد ما جدي ينزل أبقى أقولك يعمل إيه.
الكل: هههههههه.
الجد: لا والله تشكر يا معلم بدر على احترامك ده.
بدر: على راسي يا جدي حبيبي. وألقى له قبلة.
مها: طب أقطع دراعي لو ما كانت عملت الفيلم ده كله عشان تزوغ من الدرس.
مهرة: أحببتِ أمّوها يا اللي فهماني.
لميس بخضة: لالالا مينفعش، ده درس مهم جدًا والمستر منبه علينا عدم الغياب.
مهرة: ينبه على نفسه، أنا أصلًا عايزة أغيره مش بفهم منه.
انتبه بدر لما يسمع وهو يشعر أن القادم لم يعجبه.
لميس بحسن نية: طب والله أنتي مفترية، ده شرحه ممتاز وأنتي بالذات بيهتم بأي حاجة تسألي فيها، وبعد كل حصة بيقعد يسألك لو في حاجة مش فاهماها عشان يعيدلك شرحها.
إلى هنا وكفى. انتفض بدر حتى أوقع كرسيه إثر وقفته العنيفة وهدر بمهره: معناه إيه الكلام ده يا بت؟
ردت مهرة ببراءة مصطنعة: أبدًا مش معناه حاجة يعني هو عشان أنا شاطرة شوية بس.
بدر وقد استشعر أن الأمر أكبر من ذلك: مهرررررره، انطقي أنا سامع.
مهرة وقد أيقنت أنها قد أوصلت بإيمائها ما تريد أن يفهمه.
نظرت حولها بتوجس ورأت أن الكل وقف في مكانه بترقب.
أأأصل أهو الصراحة. أغمضت عينيها وأكملت سريعًا: عايز يتقدملي.
صمت عم المكان إلا من صوت هذا الثور الهائج حتى أن أحمد ومصطفى ووليد اقتربوا من موقع وقوفه تحسبًا لأي تهور.
أما الجد والجدة لم يعنهم ما يفعله حفيدهم بل بالعكس كانا يكملان الطعام وهما يشاهدان ما يحدث باستمتاع... أمممم وكثير من الشماتة فيه.
بينما صدح صوت أبيه متدخلًا خوفًا من تهوره أن يؤذي تلك الجنية التي ستفقد ولده عقله عن قريب.
عادل: ما تتهد يلا واتكلم بعقل عشان نفهم، أنت ما فيش حد مالي عينك.
بدر بهدوء مميت: لحظة يا حج معلش، قولي تاني كده عايز إيه؟
مهرة برعب حقيقي من هدوئه: أأهو لمحلي كذا مرة إنه عايز يتقدملي، ولما ما اديتوش وش كلم واحدة صاحبتنا معانا في الدرس، ولأن أنا وزينة أو لميس بنمشي على طول فما فيش فرصة إنه يكلمنا.
بدر: كملي.
مهرة: أنا أصلًا ما اديتهاش فرصة تكمل كلامها لأني رفضت أسمع عشان أنا رافضة الموضوع من أساسه.
نوال: طب يا بن...
قاطعها بدر هادرًا: ثواني يا عمتي معلش، محدش يدخل.
ثم أكمل لمهرة التي لم يحيد بنظره عنها: وأنتي بقى كبرتي وبقى يتقدملك ناس وأنتي ترفضي من غير ما ترجعي لنا؟ ليه شايفاني مش راجل خلاص ولا كبرتي عليه؟
مهرة بقوة وجدية بعيدًا عن خطتها الخرقاء: ولا عشت ولا كنت يوم ما أكبر عليك، وبعدين أنا مش معترفة إن في راجل غيرك أصلًا.
قالتها باندفاع وحينما سمعت شهقة الفتيات وجحوظ أعين الجميع عليها ارتبكت وأردفت: أأاه قصدي أنت ورجالة العيلة يعني، ما فيش في عيني رجالة غيركم.
بعدين هو أصلًا لو كان راجل كان قابل حد فيكم وأنتم تبلغوه بالرفض أو القبول، إنما هو اختار يكلم بنات يبقى ما يستاهلش يترد عليه أصلًا.
بدر مادًا يده لها: تليفونك.
مهرة باندهاش: نعم مش فاهمة ماله؟
بدر بصريخ: هاااااتيه.
جرت سريعًا وأحضرته له من غرفتها.
حاول فتحه ولكن وجد كلمة السر قد تغيرت ولم تخبره.
أظلمت نظرته وهو يهدر بها: الباسووووورد إيه؟
مهرة بإحراج نطقت بخفوت: قمري.
صعق بدر ولكن فتح الهاتف وأخرج منه رقم ذلك الذي أنهى حياته بيده وسجله على هاتفه ووضع الهاتفين في جيبه ثم قال: ما فيش دروس عنده تاني وحسابك لما أرجعلك.
قال هذا وهو يتجه نحو الباب مثل الطلقة مع صراخ أبيه وعمه عليه ولكنه لم يرد.
تحرك الشباب سريعًا خلفه لمحاولة منعه من أي تهور.
وجدوه قد صعد سيارته سريعًا لينطلق بها وكان الأسرع فيهم أحمد حيث فتح الباب الخلفي سريعًا والسيارة تبدأ في التحرك وقفز داخلها.
أما مصطفى ووليد فقد لحقوا بهم بسيارة مصطفى مع الاتصال بسليم حتى يكون حاضرًا معهم تحسبًا لأي عراك بعد أن أخبروه باختصار ما حدث.
بالأعلى دخلت الفتيات غرفة مهرة وهم يموتون رعبًا مما حدث ما عدا تلك الجنية التي ترتسم على شفتيها ابتسامة بلهاء وهي تواسي لميس الأكثر انهيارًا.
لميس: أنا آسفة والله ما كان قصدي.
مهرة وهي تحتضنها: آسفة على إيه بس؟ ده أنا هاين عليَّ أبوسك من بوقك اللي بينقط عسل ده بس للأسف بوقي محجوز.
لميس باندهاش: يعني أنتي مش زعلانة؟
مهرة: لا طبعًا، ده أنتي خدمتيني من غير قصد.
لوجي: طب يا فالحَة مبسوطة كده وهو رايح يكسر عضم المستر؟ ابقي جهزيله عيش وحلاوة بقى.
مها: ولا يقدر يعمله حاجة، ده بدر النعمان، وبعدين حمادة ظبوطة قلبي مش هيسمحله يعمل كده.
البنات في نفس الوقت: ياااااااا محنووووو.
بالخارج نجد الجد يأمر ولديه بالقيام للذهاب لعملهم.
عادل: شغل إيه بس يا حج، أنا مش قادر أتلم على أعصابي وأنا بتخيل اللي بدر هيعمله.
الجد بحزم: أحسن، خليه يربيه واللي يكسره فيه أنا هصلحه عشان يحرم بعد كده يكلم بنات الناس.
ثم وجه حديثه لزوجته: اعملي حسابك يا حجة، بكرة بأمر الله عندنا قاعدة صلح، هبعتلك الأكل لما أنزل مع حمصة عشان تلحقوا تجهزوه من الليل.
الحجة: دايماً عامر بحسك يا حج، ما تشلش هم، قبل الضهرية بأمر الله كله يكون جاهز.
وصل الشباب إلى سنتر الدروس بعد أن هاتف بدر المدرس واصطنع الهدوء وأخبره بقدومه للحديث معه في أمر ما، رحب هذا الأبله كثيرًا ولا يعرف ما ينتظره.
هجم بدر عليه بمجرد دخوله وأخذ يكيل له اللكمات وهو يسبه بأبشع الألفاظ.
"جاتلك الجرأة يا خول تبصلها؟ ده أنا هطلع ميتين أمك يا بن الكلب يا عرس يا بن الـ..."
أمسكه الشباب بعد أن تركوه قليلًا حتى يخرج غضبه ولكن حينما وجدوا الأمر قد زاد وفقد الرجل وعيه وهو غارق في دمائه تدخلوا فورًا وكبلوا أيديهم بالقوة حتى لا يقوم بقتله.
بدر بهياج: سيبونييييي، سيبوني بدل ما أفرمكم مكانه.
قال سليم وهو يحاول معهم لإخراجه من المكان: اتهد بقى، كل اللي عملته مش مكفيك؟ الراجل سايح في دمه.
بدر بصراخ: ما تقولش راااااجل، ده خول وأنا هقطعهوله عشان أقلبه مرة ونخلص.
نجحوا أخيرًا في إخراجه ووضعه داخل السيارة التي انطلق بها وليد سريعًا حتى لا يعطي له الفرصة للنزول مجددًا.
بينما أحمد وسليم رجعوا للداخل وحملا المدرس سويًا وتحركوا به للخارج ووضعوه في السيارة واتجهوا إلى أقرب مشفى لمحاولة إسعافه.
ليلًا، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كانت تقف مهرة أمام شرفة غرفتها من الداخل تنتظر رجوع بدرها على أحر من الجمر، غير آبِهة بما قد يفعله بها.
فما جهزته له سينسيه ما حدث.
أو هكذا تأمل.
وأخيرًا حضر معذبها، جرت سريعًا نحو فراشها الموضوع عليه جهاز اللابتوب خاصتها وضغطت على تشغيل أغنية شيرين (أنا كلي ملكك) ووضعتها على وضع التكرار وجعلت صوت الجهاز منخفضًا قليلًا ولكنه مسموع لمن داخل الغرفة بوضوح.
ثم تسطحت بجانبه فوق منتصف فراشها بعد أن تجمع شعرها على كتفها الأيمن فأصبح مفترشًا يُخطف الأنفاس.
وكما هو متوقع تمامًا وجدت بابها يفتح بعنف ويُغلق طبقة أخرى ولكن سمعته يكت المفتاح فتوجست خيفة.
أدارت جسدها وهو يضغط على زر الإضاءة ظنًا منه أنه سيجدها تمثل النوم وياليته ما فعل.
تصنم في مكانه غير قادر على الحركة.
قامت هي بالهجوم المباغت قبل أن يفيق من صدمته.
تحركت بتمهل سريعًا إليه وعلى شفتيها ابتسامة كادت أن تقتله.
وقفت قبالته واقتربت منه حتى ألصقت به ومسكت يده ووضعتها على خصرها ثم لفت يدها حول خصره وارتاحت رأسها موضع قلبه الذي ينبض بشدة.
وقف مبهوتًا مما يحدث ولا هو قادر على إبعادها ولا يستجيب لها بقوة.
بعد فترة ليست بالقليلة عندما لم تتلقَ أي رد فعل منه.
رفعت رأسها وهي تتكلم داخل حضنه.
رفعت بها لاهًا وهاوت التوجه وهي في حالة شفاء بسبب نبرة صوتها التي تقطر عشقًا.
مهرة: مالك يا قمري ساكت ليه؟
أخذ نفسًا عميقًا محاولًا الخروج من تلك الحالة ونطق بحشرجة: إيه اللي أنتي عاملة ده؟
طبعت يدها على شفتيه تمنعه من الحديث وهمست مغوية: عشان خاطري يا بدر، بلاش كلام تقول أي حاجة، أنا محتاجة لحضنك بس.
رفع يده وأزال يدها وقال بعذاب: يا نار بدر وعذابه أنتي.
مهرة: لا أنا جنتك وراحة بالك، عمرك ما هتلاقي مريح غير معايا.
سكتت بعد ذلك وأردفت: ممكن أطلب منك طلب؟
بدر: قولي.
مهرة وهي تداعب شفتيه بإصبعها: بوسني، نفسي أحس بشفايفك أوي، أريد أعرف إذا كانت زي ما بتخيلها ولا أحلى.
بهت وجف حلقه من هول ما يسمع. مهرته تطلب شفتيه، حبيبته تتمناه. يا ويلك يا بدر، ماذا أنت بفاعل؟
عندما رأت علامات الرفض بدأت في الظهور، اتجهت إلى أسلوب آخر: أوعى ترفض وتكسرني، ساعتها بس هحس إني رخيصة.
هل سيجد أو تجد ما يقوله؟
هجم على شفتيها في قبلة كأنه يلتهمها بجوع ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا حتى يصل لعمق نقطة وهو يسحب لسانها يمتصه، وعندما تذكر حلمه فجن أكثر. فصل القبلة بصعوبة دون أن يبتعد وهمس: ما عاش ولا كان اللي يكسرك يا قلب بدر وعذابه.
ثم هجمها مرة أخرى وكثرها حتى لفت أرجلها حول خصره وتحرك نحو الحائط أسندها عليها وأصبحت يده تمررها على الأزرار الظاهرة من القميص القطني ذو الأشرطة الرفيعة التي ترتديه.
وقد فقد السيطرة على نفسه وأصبح يضغط عليها بجسده وهو في قمة اشتياقه حتى رنين هاتفه.
صعق مما كان منه، غير قابل للتصديق أنه طاوعها وفقد السيطرة على نفسه.
أنزلها سريعًا وصفعها على وجهها لأول مرة في حياته يفعلها و...
ترى ماذا سيحدث؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل العاشر 10 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن لطمها، وقفا الاثنان ينظران في أعين بعضهما بصدمة، لا هو يستوعب كيف طاوعته يداه ومدت عليها، ولا هي تصدق أنه يفعلها يومًا.
رفع يده ونظر لها بصدمة، ثم أخذ يشد شعره الطويل وهو يسحبه للخلف، ويدور حول نفسه مثل الطير الجريح.
بدر: إزاي! أنا مش قادر أستوعب إني أمد إيدي عليكي.
ثم نظر إليها بقهر وقال وهو يلومها: انتي خليتيني أعمل حاجتين عمري في حياتي ما تخيلت إني أعملهم: إني ألمسك وإني أضربك.
وأخذ يلوم نفسه وهو يقول: أنا طول عمري باقول إني أبوكي، فيه أب يعمل مع بنته كده؟
إلى هنا وكفى، لن تحتمل المزيد من تلك الترهات التي يظل يتفوه بها لعله يقنع حاله أولًا قبل الآخرين.
اقتربت منه بشراسة أنثى تدافع عن حقها.
أمسكت ياقة قميصه وجذبته لها حد الالتصاق، ونظرت في عينيه بقوة وقالت: بص في عنيا وقولي إني بنتك، قولي اللي كان مفصول عن الدنيا وهو جوه حضني وبيبوسني كأنها آخر حاجة هيعملها في الدنيا بيعتبرني بنته.
هزته بضعف وهي تضربه بقبضة يدها الحرة على صدره وهي تهدر به: انطق! قولها وأنا أقسم بالله من بكرة أول واحد هيتقدملي هقبله.
أمسكها من كتفيها وصرخ بها: بس بس بقى كفاية، إياكي تفكري حتى فيها!
ثم قال بضعف: انتي مش فاهمة حاجة، صدقيني مش هينفع، غصب عني.
سحبت يدها الممسكة به وانهارت تجلس أرضًا على ركبتيها وهي تبكي دمًا بدل الدموع وتقول: هو أنا لو قادرة أعملها وأشوف غيرك كنت قبلت على نفسي كل الوجع والإهانة دي؟
جلس أمامه سريعًا وحاوط وجهها وهو يمنعها من هذا الحديث.
أموت لو هنتك وأكون تحت التراب لو مسيت كرامتك، انتي تاج راسي افهمي.
أبعدت يده عن وجهها بعنف وقالت من بين شهقاتها: لاااااا، لا وجعتني لما حسيت بحبي ليك وهربت منه، وبقيت تكلم بنات عشان تتشغل عني.
أقولك عرفت كام واحدة غيري، نمت مع كام واحدة غيري؟
إحنا ما قلناش لبعض كلمة حب، بس أنا وانت عارفين كويس إن إحنا بنعشق بعض، ومن غير اتفاق بينا كل واحد بيفدي التاني بروحه.
أنا عمري ما شفت راجل غيرك، مش معترفة بيهم أصلًا، أنت محور حياتي، أنا ما بأعرفش أخبي عليك حاجة حتى لو كانت حاجات بنات.
أنت تعرف النفس اللي بأتنفسه.
خليت البنات يعايروني إني ما عنديش كرامة عشان بأجري وراك وأنت مش شايفني أصلًا، خفت... خفت أقولهم إنك بتحبني أكتر مني يقولوا عليا مجنونة.
أنا فعلًا مجنونة بيك، مش هأعرف أشوف غيرك، مش هأقدر حد يلمسني غيرك، مش بأتمنى أكون أم لأولاد غيرك، أقسم بالله مش هأقدر صدقني.
طب طب لو أنا فيا حاجة مش عاجباك قولي أغيرها.
طب هو أنا وحشة، هو أنا ما ينفعش أتحب؟
خطفها لأحضانه وهو يبكي، نعم يبكي، فما سمعه لم ولن يتخيله.
ما هذا العذاب! يا ليتك مت قبل أن تعذب حبيبة عمرك هكذا.
بدر: اهدي اهدي، انتي ست البنات كلهم، انتي ما فيكيش غلطة، العيب فيا أنا.
تفتكري سهل عليا إني كل يوم تكبري وألف عين عليكي وأنا عايز أصرخ وأقول دي بتاعتي ملكي أنا ومش قادر؟
تفتكري سهل عليا أشوف نظرة عينك ليا وأهرب منها؟
بس غصب عني، مش هينفع والله صعب، يا عالم حسوا بيا صعب.
ابتعدت عنه قليلًا ومسحت دموعه بمنتهى الرقة وهي تقول: ولا أنا ولا أي حد في الدنيا دي كلها يستاهل إن بدر النعمان ينزل دمعة من عينه عشانه.
وقد قررت إنهاء تلك الليلة إلى ذلك الحد حتى لا يأتي ضغطها عليه بنتيجة عكسية، وأيضًا لأنها حقًا أرهقت مما حدث، فلتُعطه فرصة للانسحاب حتى يختلي بحاله ويرتب أوراقه وتنتظر النتيجة فقالت:
قوم يا قمري قوم نام عشان تبقى فايق للقعدة بتاعة بكرة، اليوم كان طويل ومرهق وأنت أصلًا بقالك كام يوم مش بتنام.
ابتسم بغلب وقال: وانتي إيش عرفك، بتراقبيني؟
لا، قلبي اللي قالي يا بدر، مش بيبقى مرتاح وبأحس إنه واجعني لما تكون مدايق أو مخنوق أو في حاجة شغلاك.
مش عارفة أشرحلك بس بأحس باللي جواك أيًا كان فرح أو زعل.
بدر: طب ودلوقتي إيه اللي جوايا؟
مهرة: دلوقت جواك قهر وعذاب ونار لو خرجت هتحرق الدنيا وما فيها، صح ولا أنا غلطانة يا معلم بدر؟
احتضنها بضعف وقال: آااااه، صح صح يا غلب بدر وعذابه.
ثم أخرجها وساعدها على الوقوف واتجه إلى فراشها وهو يقول: نامي يا فرستي وارتاحي، بس ليّ طلب وغلاوة قمرك عندك، انسى أي حاجة حصلت أو اتقالت انهارده.
لم تُحبذ اعتراضه، فكفى ما حدث إلى الآن، تسطحت على فراشها ثم دثرها جيدًا ومال عليها مقبلًا جبهتها قبلة عميقة وتركها وأغلق الإضاءة ثم خرج وأغلق خلفه الباب.
وترك الشقة صاعدًا إلى خلوته فوق السطح لعله يجد بعض الهدوء ليستطيع ترتيب الفوضى التي انتشرت بداخله.
صباحًا في منزل زينة.
دخلت الأم عليها فوجدتها ما زالت نائمة ولا تبالي بما حدث من أبيها أمس حينما رجعت، وفور دلوفها منزلها أمسكها أبيها من حجابها وهو يشد شعرها تحته وسحبها للداخل وهو يصرخ بها: بقي انتي يا بنت الكلب تخرجي من ورايا وكل دي مصايب عَمْلاها وأنا معرفش!
تدخلت أمها سريعًا لتنقذ ابنتها وهي تحاول تهدئته فتركها، ولكن هدر بها: عاملة مشاكل مع خطيبك ليه يا بت، وصحابك اللي معتبرينك أختهم سايقة العوج عليهم ليه، ورايحة تتلمي على ناس لا نعرفلهم أصل من فصل؟
زينة ببكاء: يا بابا والله العظيم أنا ما عملتش حاجة، مصطفى هو اللي خانقني وعايز يتحكم فيا وكل حاجة يقول عليها لا.
وصحبتي اللي خرجت معاها دي تبقى سمر النويري رجل أعمال مشهور عادي يعني إني أصاحبها.
نهار أبوكي أسود! مصاحبة بنت تاجر مخدرات!
انتي عارفة إن مصطفى راحله شركته ورفض يعمل معاه شغل بملايين عشان سمعته مشبوهة.
صُعقت زينة مما سمعت وظنت أن أبيها يقول ذلك كي يبعدها عن سمر.
ظلوا بين شد وجذب حتى وعدت أبيها كذبًا أنها ستفعل ما أمرها به حتى تنهي هذا الجدال الذي لن يغير من قناعتها.
الأم وهي توقظها: زينة يا زينة، قومي يلا اتأخرنا على الجماعة.
زينة: روحي انتي وأنا شوية وهأحصلك. قالت لأمها ذلك حتى لا تُبلغها برفضها ويحدث ما لا يُحمد عقباه مع أبيها.
لكن في قرارة نفسها ستكمل نوم ثم تذهب وحدها إلى أحد دروسها.
صدقتها الأم سريعًا ونبهت عليها عدم التأخير وذهبت سريعًا إلى منزل النعمان حتى تساعدهم كما المعتاد في تلك العزائم، حيث أن في نهاية كل جلسة صلح يعقدها النعمان في منزله يقدم لطرفي النزاع وكل من حضر وليمة كبيرة إكرامًا لضيوفه وتأكيدًا للصلح.
كان العمل في منزل النعمان يجري على قدم وساق، حتى الفتيات لم يذهبن إلى المدرسة أو الجامعة حتى يساعدن أمهاتهن فيما يفعلن.
بعد صلاة الظهر اجتمع في منزل النعمان في الشقة الأرضي المخصصة للجلسات العرفية.
كل من الجد وأولاده وأحفاده وطرفي النزاع وبعض من كبار الحي حتى يكونوا حاضرين وشاهدين فيما سيحدث.
بدأ الجد الحديث مرحبًا بضيوفه وطلب من أيمن الحديث.
(أيمن شاب مكافح صديق بدر والشباب، ومتخرج أيضًا من كلية الهندسة ويعمل في أحد محال النعمان منذ أن كان في الصف الأول الثانوي حتى يستطيع إكمال تعليمه وأيضًا مساعدة والده في مصروف المنزل فهو من أسرة فقيرة ولكنه يملك عزة نفس وكرامة لا يملكها بعض أصحاب الملايين).
يا جدي أنت عارف إني خاطب عبير بنت عمي عاطف بقالي ٣ سنين، ويعلم ربنا وأنت شاهد أنا مش مخلي في جهدي جهد عشان نتمم الجواز، ينفع أبوها يفسخ الخطوبة من غير ما يقولي عشان عايز يجوزها لقريبه اللي جاي مالخليج وعنده ٤٥ سنة ومتجوز اتنين، ولما البت اتصلت بيا من وراه تبلغني ضربها وكسر دراعها واتجبس.
تجهم وجه كل من كان حاضر تلك الجلسة من دناءة هذا المسمى برجل.
الجدة بحدة: الكلام ده صح يا عاطف؟
عاطف بلجلجة: آآه ما هو يا حج أنا عايز أفرح ببنتي وهو راكنها جنبه سنين.
قاطعه أيمن: ما أنا جبت الشقة يا عم عاطف.
عاطف: جايبها قسط ولسه كام سنة على ما توضبها وتجيب العفش.
بدر: بعيدًا عن كل الهري اللي أنت بتقوله ده يا عم عاطف، أنت عايز تبيع بنتك لواحد قد أبوها؟
عاطف بوقاحة: أنا أبوها وأدرى بمصلحتها، وبعدين حد يكره العز والفلوس؟
الجدة: تصدق إنك راجل ناقص، بقي عايز تبيع البت عشان تكسب من وراها قرشين تصرفهم على الهباب اللي بتطفحه.
ثم أخذهم الحديث بين شد وجذب حتى جاء وقت حكم النعمان فجلس الكل ينصت.
الجد: أنت يا أيمن قولت إن الشقة فاضل عليها قسط واحدة صح؟
أيمن: أيوه يا جدي، وبعدها أبدأ في الفرش والعفش يعني قدامي سنة كمان.
عاطف: لا ما يلزمنيش.
وكاد أن يقف من مكانه حتى وجد يدًا حديدية تُحط فوق كتفه وهو يُحدجه بنظرات نارية.
بدر: فكر بس تقوم من مكانك من غير ما الحج يأذنلك وأنا أدفنك في أرضك.
الجد بحزم: خلاص اسمعوا حكمي، كتب الكتاب يوم الجمعة عندي في البيت وأنت يا أيمن تأخذ عفشك من عندي.
أيمن: آسف يا جدي، سامحني، مش هأفرش بيتي غير من شقايا.
أحمد: أنت بتعارض حكم الحج يا واد؟
أيمن: لا يا صاحبي، الحج كلمته سيف على رقبتي، بس أنت ما تردهاش.
ياسر: طب خلاص بعد إذنك يا أبا، أيمن يأخذ العفش من عندنا بس بالقسط وكده تبقى اتحلت.
عاطف: ولما يدفع قسط عفش وشقة هيأكلها منين ولا هينزلها تشتغل وتصرف عليه؟
هنا ولم يتحمل الشباب فالتفوا حول عاطف في منظر مهيب حتى كاد أن يُغشى عليه من الرعب.
مصطفى: لهنا وكفاية عشان ما أقلش منك قدام الرجالة، أيمن أرجل من عشرة زيك، ولولا إن بنتك غلبانة مش شبهك كان سابها من زمان.
أبو أيمن: الله يكرم أصلك يا ابني.
النعمان بعد أن دق الأرض بعصاه حتى يصمت الجميع.
وقال بحدة: هي كلمة مش هتتنيها، كتب الكتاب الجمعة عندي، والفرح آخر الشهر تكون فرشت شقتك وأول قسط للعفش تدفعه بعد ما تخلص آخر قسط للشقة.
تمام؟
عاطف بطمع: بس البت ناقصها حاجات ياما وأنا ما عاييش أجيب لها حاجة، أنا أصلًا مش عايزها بعد ما عصت كلامي.
أيمن: خلاص أنا مش عايز حاجة.
عادل: حاجتها عندي تمام كده؟
النعمان منهيًا الحديث: تمام، يلا يا شباب اطلعوا هاتوا الأكل.
وبهذا انتهت الجلسة بعد صعود الشباب لجلب الطعام.
مر اليومان سريعًا بدون أحداث تُذكر غير اختفاء بدر من المنزل بحجة العمل، وحزن مهرة الظاهر وصمتها، وحين حاولت الفتيات معرفة سبب حزنها أو ما حدث معها هي وبدر رفضت الحديث وطلبت منهم أن يتركوها حتى تستطيع التحدث وحينها ستُخبرهم ما حدث.
كان العمل يجري على قدم وساق داخل منزل النعمان، فقد تجمعت نساء الحي حتى يساعدن في تجهيزات اليوم.
بينما الفتيات تجمعن مع العروس في شقة المذاكرة حينما حضرت الميكب أرتيست لتجهزهن مع العروس في جو ساده المرح مع محاولات مهرة رسم الابتسامة.
في الأسفل دلف بدر ينادي على عمته وحينما أتت إليه سحبها داخل ممر الغرف بعيدًا عن أعين النساء المتطفلة.
بدر: نونا العسل اللي ما فيش منها.
نوال: آآه، ما دام بدأتها بالأونطة يبقى عايز مصلحة، خلص من غير كهن عشان مش فاضيالك.
بدر: ماشي يا عمتي، خدي الشنطة دي اديها لمهرة فيها فستان، بس لو سألتك مين جابه قوللها إنك ما شفتنيش رجعت البيت من يومين فقولتي لوليد يجيبه مع فستان لميس.
نوال: وأنت فاكر هيدخل عليها الحوار الأهبل ده؟
ما لكيش دعوة، اعملي اللي بأقولك عليه بس.
بأقولك إيه ما تدخلنيش ما بينكم وسيبيني أشوف اللي ورايا.
وتركته وذهبت ولكنه ظل يدور حولها وهو يحايلها غير آبه للنظرات المتلصصة عليهم حتى خضعت له عمته ونفذت أمره حتى تستطيع الخلاص منه.
مر اليوم سريعًا وجاءت لحظة عقد القران، وحينما جلس أيمن أمام المأذون ويقابله عاطف وكيل العروس للبدء في المراسم أوقفه بدر.
بدر: استنى يا عم الشيخ مش هينفع تكتب دلوقت.
انصدم الجميع مما قاله ووقف أيمن بخضة يسأله: ليه يا بدر إيه اللي حصل؟
ترى ما الذي يمنع القران؟
سنرى.