تحميل رواية «مهرة و بدر» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من داخل مستشفى السلامة التخصصي للولادة، المتواجد في منطقة محطة الرمل وسط الإسكندرية. نصعد الدور الثاني، نجد غرفة العمليات بابها مغلق، ويقف أمامه الحاج أحمد النعمان وولديه عادل وياسر، وحفيديه بدر ومصطفى، ومعهم حسن المحامي وأبيه الحاج حسين صاحب الجد. وعلى مسافة ليست بالقليلة، نجد سيدة رغم كبر عمرها إلا أنها ما زالت تتمتع بجمال باهر، لما لا وهي تركية الأصل، هي أم بريهان زوجة الشهيد محمد. نجدها تجلس على أحد مقاعد الانتظار، تتمنى مرور الوقت حتى تخرج ابنتها بعد خضوعها لعملية ولادة قيصرية، وها قد قاربت...
رواية مهرة و بدر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة الحلواني
ذهب بدر لإيقاف عقد القران.
وقف أيمن بسرعة، بعد أن نزع يده من يد وكيل العروس، واتجه يقف أمام بدر وهو يبتلع ريقه بخوف. بينما بدر كان يقف ببرود، يلعب على أعصاب الجميع.
"ليه يا بدر؟ ليه؟ إيه اللي هيمنع كتب الكتاب؟" سأل أيمن.
صمت بدر قليلاً ونظر إليه ليزيد من توتره، ثم ابتسم له ابتسامة عريضة وقال: "عشان لازم تمضي الأول على عقد شغلك في شركة النعمان للمقاولات بصفتك مسؤول التصميمات."
"معلش مش فاهم." قال أيمن بعدم استيعاب.
ضحك الشباب عليه من مظهره المصدوم.
خبطه بدر في كتفه بمزاح وقال: "إيه يا واد، أنت ناسي إننا أسسنا شركة مقاولات وافتتحها كمان أسبوعين؟ وبما إنك كنت أشطر واحد فينا في التصميم، فأنت هتمسك القسم بالمرتب اللي يعجبك يا بشمهندس أيمن."
دمعت عين أيمن فرحًا، وانقض عليه يحتضنه بقوة وهو يقول: "طب قولي أعمل معاك إيه؟ أنا لو عندي أخ مش هيعمل معايا كده."
أبعده بدر وقال: "ما إحنا إخوات بجد يا واد. وبعدين لو مصمم أوي إنك تعمل معايا حاجة، يبقى أول ولد سميه بدر."
ضحك الجميع عليه، وحينها قال أيمن: "عهد عليا أول ولد يبقى بدر، ولو بنت تبقى قمر."
الجميع: هههههههه
اقترب منه النعمان وربت على كتفه، ووجه حديثه متعمدًا حتى يرفع من شأن أيمن ولا يعتقد أحد من ذوي النفوس الحاقدة أنهم يتصدقون عليه.
"مبروك عليك يا ابني. أوى تفتكر إن ده تكرماً منا، أبداً. والله أنت طول عمرك شغال معانا وعمرك ما قبلت قرش زيادة عن مرتبك، وحتى لما اتخرجت جبت تقدير أكبر من أحفادي، يعني أي شركة تتمنى تشغلك، بس إحنا لا يمكن نستغني عنك."
بكى أيمن من فرحته، ورفعت رأسه عاليًا أمام الجميع بفضل هذه العائلة التي لا يوجد لها مثيل. وكان متأكدًا أنه مهما فعل معهم لن يستطيع رد جزء بسيط مما فعلوه، ولكنه سيحاول.
انحنى أيمن ممسكًا كف الجد ليقبله إجلالًا واحترامًا له، تحت صافرات الشباب وتهليلهم.
ثم تم عقد القران تحت حقد عاطف وفرحة آخرين.
انتهت الليلة بسلام. وبعد مغادرة ضيوف الحفل، جلس آل النعمان جميعهم يتسامرون فيما بينهم فيما حدث بالحفل، حتى قالت الجدة: "ليه يا مهره مش لابسة فستان سهرة زي أخواتك؟ معقول بدر نسي يجبلك؟"
نظرت مهره لبدر نظرة عتاب وأخفتها سريعًا وهي تقول: "معلش يا تيتا، هو أصلًا بقاله يومين مش بيبات في البيت عشان يلحق يخلص الشركة قبل معاد الافتتاح."
ولم تحبذ أن تذكر الفستان الذي ادعت عمتها أن وليد أحضره لها، لتيقنها أن بدرها هو من جلبه لها، ولكنها أبت أن ترتديه لتشعره بالذنب.
"كويس إنها ملبستش زي البنات، إذا كانت بملابس عادية وجالها ييجي عشر عرسان النهاردة." قالت فاطمة.
ضمها الجد من كتفيها لأنها كانت تجلس بجانبه وقال: "حبيبة قلب جدها مش هياخدها إلا اللي يستاهلها."
قالت مها بمزاح: "آه آه يا جدو، دلع فيها عشان أصلًا ملونة، يعني شعرها أصفر وعينيها مش عارفين لها لون. طب إحنا ذنبنا إيه إن ملناش جدة تركية؟"
هنا وكفى، لم يتحمل هذا الهراء أكثر.
صرخ بهم بدر فجأة: "خلاااااص! عرفنا إنها اتهبلت، كبرت والعرسان واقفين طوابير، كأن مفيش غيرها."
ثم نظر لجده بقهر وقال: "وأنت خلاص بقى يا جدي، كفاياك تفعيص في البت."
أردف قوله بقيامه سريعًا واتجه إليها وسحبها من جانب جدها تحت زهول الجميع.
أمسكها من رسغها، أوقفها، ثم قام بإلقائها ناحية ممر الغرف وهو يقول بعصبية: "وإنتي يا أختي، عاجبك التلزيق؟ امشي غوري اتخمدي عندك مدرسة الصبح، اللي بقالك يومين ما عتبتيهاش."
زعقت مهره لطلبه وذهبت سريعًا دون الالتفات أو التحدث، وظهرت على محياها ابتسامة جميلة فرحًا بما حدث، فكل الظروف تعمل لصالحها دون أدنى مجهود منها.
أما الجد فصرخ ببدر: "يا بن الكلب يا عديم الرباية! جدك بيفعص برضه؟ دي حفيدتي يا طور!"
بدر ببرود، فهو أكثر راحة الآن بعد أن أبعدها: "آسف يا جدي، مقصدش. حقك عليا."
"الكلب الواطي يجيب لأهله الأسية، وأنا بسببك كل شوية بتشتم." قال عادل بغيظ.
بدر ببرود أكثر، فمهما قالوا لا يعنيه الآن شيء: "آسف يا حج، خلاص كده؟ مرضيت؟"
"آه يا أخويا، الأدب نزل عليك دلوقتي بعد ما اطمنت إنها دخلت ومحدش هيقرب لها ولا يلمسها." قال وليد.
الكل: هههههههه
أشرق صباح جديد مليء بالأحداث.
كان بدر يجلس داخل مكتبه هو وسليم يتناقشون في بعض أمور العمل.
دق باب المكتب، ودخلت السكرتيرة تقول باحترام وعملية: "بشمهندس، في واحد بره اسمه عابد السيوفي، طالب يقابل حضرتك."
"وإيه اللي حدفه علينا ده؟" قال سليم.
"والله ما عارف." قال بدر، ثم نظر للسكرتيرة وأمرها بإدخاله.
دخل رجل أربعيني، من مظهره تعرف أنه فاحش الثراء.
"بدر باشا، عامل إيه؟ بقالي كتير مشوفتكش، والله واحشني." مد يده سلم على بدر ثم سليم.
"أهلاً بيك يا عابد، اتفضل اقعد. تشرب إيه؟"
"ولا أي حاجة. أنا جاي في مصلحة شغل ومش هعطلك."
"بس معتقدش إن في شغل مشترك بينا. أنت ليك سكة وإحنا سكتنا عكسك تمام."
"لا، ما أنا ناوي إن طرقنا تتقابل ونأكل الشهد كلنا. قول يارب."
"طب ما تجيلي سكة ودغري بدل اللف والدوران اللي أنت عارف إني مبكرهوش."
"تمام، وأنا هدخل في الموضوع على طول. أنت عندك شحنة أنتيك مسافرة بلجيكا كمان أسبوع، صح؟"
بدر دون أن يرف له جفن، لأنه فهم المغزى من فحوى حديثه، إلا أنه يراقبهم ويعرف معلومات عن عمله: "ما فعلًا؟ ده أنت متابع بقى، بس يا ترى ليه؟"
"عشان عندي حاجة عايز أشحنها مع شغلك، ومش هلاقي آمن ولا أحسن منكم."
بدر وقد فهم ماذا يريد، ولكن أراد أن يتأكد: "وإيه بقى الحاجة اللي عايزة أمان وسمعة كويسة؟"
"كلك نظر يا معلم بدر، هي حتة قد كف إيدك بس سرها باتع. هتتحط جوه أي تمثال من بتوعك، وأول ما توصل رجالتى هيستلموها ويتصرفوا فيها، وحقك طبعًا محفوظ."
بدر بهدوء ينذر بعاصفة بعده: "وأنت إيه اللي مخليك تعرض عليا حاجة زي دي وأنت متأكد إني هرفض؟"
"مش أنا والله يا معلم بدر، ده الناس الكبار اللي فوق هما اللي اختاروك. وأنت عارف الناس دي محدش يقدر يقف قصادهم. كلمة 'لا' عندهم بطلقة، بس الله أعلم هتصيب مين."
انتفض بدر ولف حول المكتب سريعًا وأمسكه من تلابيبه وهو يهدر به: "لا عاش ولا كان اللي يهدد عيلة النعمان، يابن الكلب! وقول للي مشغلينك إن اللي يقرب بس مننا يبقى هو الجاني على روحه."
نفض يده وهو يكمل: "يلا يا عرص من هنا، مبقاش غير تاجر آثار ييجي يهددنا."
اتجه عابد نحو الباب، ولكن قبل أن يخرج قال: "أنا مقدر المفاجأة وكنت متوقع رد فعلك، بس أنا جدعنة مني مش هقول اللي حصل ليهم وهسيبك كام يوم تفكر. وأه، قبل ما أنسى، الشحنة مش هتعرف تخرجها من المينا إلا بإذن منهم."
خرج سريعًا دون أن يعطيهم فرصة للرد، وترك خلفه بركانًا يغلي.
"معناه إيه الكلام ده يا بدر؟" سأل سليم.
"معناه إنهم هيقرفونا في شغلنا وهيعطلوا الشحنة في المينا، فبالتالي هيروح علينا ميعاد التسليم، والبس بقى يا معلم في الشرط الجزائي."
سليم بذهول: "يا نهار أسود! ده إحنا كده هنخسر جامد! أنت عارف قيمة الشرط قد إيه؟"
"عارف يا عم، بس إن شاء الله ليها حل."
"طب فهمني الله يخليك."
"مصطفى مسافر بكرة ألمانيا، هيقعد تلات أيام. هخليه بعدها يطلع على بلجيكا يعتذر لهم ويحاول يأجل المعاد. وبما إنها أول مرة تحصل من أول ما اشتغلنا معاهم من أربع سنين، فاكيد هيوافقوا. بعدين الناس بتوع بلجيكا حبايبنا، وبيتر مدير الشركة صاحبي، والأهم إنه ليه معرفة مع المافيا الإيطالية، يعني لو اتأزمت أوي هنا ومعرفناش نحلها، يبقى هخليه يدخل."
سليم بصدمة: "استنى بس! أنا مش قادر أستوعب اللي أنت بتقوله! وصلت للمافيا؟ وأنت عرفت الكلام ده منين؟ دي ليلة كبيرة أوي يا بدر."
"يا ابني، طول ما أنت اخترت مجال فيه حيتان، يبقى لازم تحاول تعرف خباياهم، والأهم توصل لنقطة ضعفهم عشان يوم ما يفكروا يبلعوك، يلاقوا قصادهم سمكة قرش مبيقدرش يقربوا منها. فهمت؟"
"ربنا يستر على اللي جاي. طب هتقول لجدك والشباب ولا إيه؟"
"طبعًا لازم يعرفوا عشان اللي جاي مش سهل وهتبقى عينينا في وسط راسنا. أنت فكرك إنه هيسيبني يومين أفكر؟"
"مش هو قال كده؟"
"تبقي حمار لو صدقته. هو هيكن لحد معاد الشحنة ما يعدي عشان يثبت لنا إنه يقدر يأذينا في شغلنا، بعدها هيعمل كام حركة وسخة من بتوعه عشان يخوفنا ونروح له برجلينا."
"لا، أنا دماغي وقفت، مش عارف أفكر."
"سيبها على الله. إحنا هنتجمع كلنا بالليل عالسطح ونشوف الدنيا هتمشي إزاي. ابقي قول لأبوك وجدك. يلا بقى نكمل شغل، كفاية عطلة."
في المدرسة عند الفتيات.
كانت تجلس مهره ولميس ينظرن بغيظ إلى زينة وهي واقفة مع سمر وشلتها.
"البت دي اتجننت! وأنا سبتها كتير، مش هينفع أسكتلها أكتر من كده. لو سبتها هتضيع نفسها." قالت مهره.
"طب وإحنا بإيدينا إيه نعمله؟ هي اللي بعدت بمزاجها. حتى وإحنا جايين المدرسة الصبح ركبت معانا بالعافية عشان متبينش لأمها إنها مش بتكلمنا. وطول الطريق ماسكة الفون عشان متتكلمش معانا. ووليد أخد باله وكان هيكلمها، بس أنا غمزتله فسكوت." قالت لميس.
"يا بنتي، زينة مهما عملت برضه أختنا. ولو مضحوك عليها يبقى لازم نفوقها، وإلا منستاهلش نبقى أخوات."
"طب شوفي عايزة تعملي إيه وأنا معاكي."
مهره وهي تقف من مكان جلوسها: "لا، انتي بالذات يا بسكوته مينفعش تعملي حاجة. خليكي بعيد واتفرجي."
ثم تحركت في اتجاه زينة حتى وصلت إليهم، ووجهت حديثها لزينة وقالت: "أول مرة أشوف واحدة واقفة مع ضرتها."
بهتت سمر، فقد علمت أن مهره تنوي فضحها، ولكن ما الذي تعلمه مهره؟
"إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟" قالت زينة.
سمر سريعًا: "سيبك منها، هي متغاظة عشان مش بتكلميها فبتهبل في الكلام." ثم كادت أن تسحب يد زينة لكي يغادروا المكان سريعًا، إلا أن زينة اعترضتهم.
"لا، ده انتي بجحة! طب أنا هتصل بمصطفى ييجي دلوقتي يا ست سمر، وهو يعرفك معنى كلامي."
زينة بعصبية: "في إيه يا مهره؟ وإيه دخل مصطفى بسمر؟ وإيه هيعرفها منين؟ وليه؟"
"هقولك يا قلب أختك اللي عاملة صاحبتك وبعدتك عننا، وبسبب نصايحها الغالية ليكي خلتك كل شوية تعملي مشكلة مع خطيبك، لأن ببساطة عينيها منه."
"اخرسي! قطع لسانك! أنتِ كدابة." قالت سمر.
"لا يا روح أمك مش كدابة. وكل رسايلك سواء من حسابك أو الحسابات الفيك اللي بتعمليها، كل ما مصطفى يعملك بلوك، معمولها اسكرين شوت. حتى المكالمات وأرقامك اللي كلها عالرفض، برضه موجودة. هتنكري إيه بقى؟"
زينة بدموع: "يعني أنتِ بتعملي كل ده وخلتيني بسبب كلامك أعمل مشاكل معاه لدرجة إني كنت هسيبه عشان تاخديه؟"
سمر بغل بعد أن انكشفت: "أمال مفكرة إيه؟ عشان جمالك مثلاً؟ كفاية إني استحملت أكلم واحدة لوك مش من مستوايه، كل ده عشانهم."
مهره: "وهي فعلاً مش من مستواكي، لأن هي بنت ناس محترمة ومتربية، إنما أنتِ واحدة وسخة، ملقيتش اللي يربيها. تعالي بقى أوريكي اللوك اللي بجد."
جزبتها من شعرها وأوقعتها أرضًا، وجلست فوقها تكيل لها من اللكمات تحت صراخ سمر وعدم قدرتها على رد هذا الهجوم المفاجئ الذي حدث في لمح البصر.
أخذ صراخ الفتيات اللاتي كن يشاهدن المعركة يعلو دون التدخل خشية مما يحدث، حتى جاء بعض مدرسين المدرسة والأمن وأخذوا الجميع للمدير.
في هذه الأثناء، اتصلت لميس ببدر حتى تخبره ما حدث خوفًا من تفاقم الأمر.
حضر بدر سريعًا هو ومصطفى وأحمد، ووجدوا أيضًا والد سمر.
عندما دلفوا إلى المكتب، وجدوا والد سمر يهدد الفتيات وهو يقول: "أنا مش هسكت أبدًا على اللي حصل ده. البنات دي لازم تتطرد."
"مين دول اللي تتطرد يا حج؟ أنت مش واخد بالك هما مين؟" قال بدر.
توتر والد سمر كثيرًا، فهو لم يكن يعلم هوية الفتيات وقال: "بشمهندس بدر، هما تبعك؟ أنا معرفش والله."
سمر بوقاحة: "وإيه المشكلة إنك تعرفهم يا بابي؟ الزبالة دي..." ولم تستطع إكمال إهانتها حينما قاطعها مصطفى بصراخ: "اخرسي! ساااامعة؟ أنتِ عارفة مين هي الزبالة، ولا تحبي نعرف كلنا قدام... بابي؟"
خافت سمر أن يفضح أمرها، ولكن أنقذها والدها حينما قال: "خلاص يا بشمهندس، حصل خير، وأكيد مش هنزعل من بعض عشان بنات صغيره."
"لا، أنا مش هازعل. أنا ههد الدنيا على دماغ أي حد يدوس على طرف بنت من بنات النعمان."
المدير خوفًا من تفاقم الموقف: "خلاص يا بدر بيه، حصل خير وهما في الآخر أصحاب."
وبعد شد وجذب، انتهى الموقف بعد أن أصر بدر على اعتذار تلك الوقحة للفتيات، رغم أنه دهش من مظهرها الرث، حيث كان شعرها مشعث ووجه مليء بالكدمات.
أوصل أحمد الفتيات المنزل بعد استئذان المدير بالذهاب لعدم تمكنهم من إكمال اليوم الدراسي. أما بدر ومصطفى، كان لديهم عمل هام، ذهبوا لإنجازه.
مر باقي اليوم دون جديد، حتى أتى المساء سريعًا، وقد صعد رجال النعمان ومعهم سليم وأبيه وجده إلى سطح المنزل للتحدث فيما حدث اليوم في زيارة عابد السيوفي، بعيدًا عن سيدات المنزل حتى لا يصيبهن الذعر.
بعد مناقشات عديدة فيما بينهم، قد تم وضع خطة محكمة تفاديًا لحدوث أي شيء سيء، مع التأكيد على تأمين الفتيات جيدًا.
كانت مهره تجلس على مكتب صغير داخل غرفتها تحاول أن تراجع بعض المواد الدراسية، ولكن عقلها أبي أن يفهم أو يرى أيًا من حروف كتابها.
كانت تستمع لأغنية توصف حالها تمامًا.
وقفت فجأة وقالت: "لا، ماهو كده مش هينفع. أنا سيبته كام يوم بس، مش هقدر أستنى أكتر من كده."
بدلت ملابسها سريعًا، وارتدت قميصًا قطنيًا يصل لنصف ساقيها، ورفعت شعرها لأعلى بعشوائية، ورشت من عطرها المفضل له، ثم توجهت إلى باب غرفتها وفتحته ببطء.
كان هو يجلس على الأريكة الموجودة داخل غرفته بصدره العاري ويرتدي بنطال جينز، وقد فك حزامه ولكن لم يخلعه. كان يرجع رأسه إلى الوراء يسندها على ظهر الأريكة وعيناه تتطلع على سقف الغرفة، وقد فرد ذراعيه الاثنتين أيضًا على ظهره.
لم يعر الباب الذي فتح وغلق أدنى اهتمام، وكأنه يعلم هوية الزائر ومن غيرها معذبته.
جرت عليه ممثلة الخوف وهي تجلس على ساقيه وتسند ساقيها بجانب ساقيه فوق الأريكة، ثم لفت يدها حول خصره ودفنت رأسها في تجويف عنقه وهي تقول برعب مصطنع: "الحقني يا بدر، أنا خايفة أوي، كابوس وحش أوي."
لم يتحرك قيد أنملة وظل ساكنًا على حالته. ولما طال هذا السكون دون أي رد فعل منه، ابتعدت قليلًا حتى تنظر له وهي تسأله: "انت مش بترد عليا ليه؟"
نظر لها مليًا، ثم قال باستهانة: "هو بعيدًا عن إن لون عينك فضحك عشان متغيرش لما خوفتي، وبعيدًا عن إنك ممثلة فاشلة قصادي، هو فيه واحدة تصحى من النوم بالشياكة والحلاوة دي؟ ولا ريحتها جايبة آخر الشارع؟ معلش يا فنانة، مضطرين نعيد المشهد تاني."
احمر وجهها وضغطت على شفتها السفلى من شدة الإحراج.
"ها، كل الفيلم ده ليه؟"
"عشان وحشتني ومش عارفة أشوفك من يوم ما... أنت عارف بقى."
بدر بهدوء وهو ينظر لها: "وبعدين مش قولنا مش هينفع؟ وقولتلك تنسي اليوم ده."
مهره بهمس وتلصق صدرها بصدره: "ولو قولتلك مش هقدر عال بعد."
لف يده حول خصرها ليثبتها بقربه وقال: "لازم تقدري عشان نرجع زي ما كنا، عشان خاطري. أنا بني آدم ومش عايز أضعف قدامك تاني. اديني بقولهالك من غير كسوف."
مهره: "وأنا برضه جايلك بنفسي من غير كسوف وبقولك بحبك وعايزاك ومش بتمنى غيرك."
بدر: "اطلب منك طلب أو رجاء، أرجوكي ابعدي. أنتِ أقوى مني، أنا مش عايز القرب ده، بس مش عارف أبعد."
سكتت قليلًا ثم نظرت إلى عينيه وأحاطت وجهه بيديها وقالت: "طب أنا موافقة، بس بشرط."
بدر برغم حزنه إنها وافقت: "امري، اللي عايزاه هعمله."
مهره: "وعد."
بدر: "وعد."
قربت مهره وجهها أكثر حد التصاق ثغرها والأنف، وأردفت: "تعالي ننسى كل التعقيدات اللي في حياتنا، انسي إنك رافضني الليلة دي، بس خليني أعيش معاك اللي يصبرني على بعدك، خليني أحتفظ بذكرى وحيدة بيني وبين حبيبي، وبعدها أوعدك إني بعدها هرجع زي الأول ومش هتسمعي مني كلمة بحبك تاني. ارجوك."
رفع يده واحدة وسحب مشبك شعرها لينسدل على ظهرها وهو يقول:
بدر: "أنتِ بتلعبي بالنار."
مهره: "أنا راضية وعايزاها تحرقني."
لم ينتظر ولن ينتظر، فشوقه لها يحرقه أكثر منها. من بعد ما ذوقها، التهم ثغرها التهام الملهوف لقطرة ماء.
فصل القبلة وهو يلهث وانتقل إلى عنقها يوزع عليه قبلات رطبة ومليحة، تأن وتفقد عقله. شد قميصها القطني سريعًا حتى ظهر له مقدمتها من تحت حمالتها، فلم يطق صبره حتى ظهر أمامه مقدمتها. رباه، ما هذا الجمال والكمال!
أمسكهم يعتصرهم بيده ومال قليلًا حتى يلتقم أحدهما داخل فمه بنهم. أخرج صوته متحشرجًا يدل على متعته الفائقة. أما مليحته فكانت تجذب شعره وتتأوه دليلًا على متعتها.
ابتعد وأوقفها سريعًا وقام من مكانه وأجلسها هي بعد أن قطع أيضًا لباسها، آخر قطعة كانت تفصله عن نعيمه. جلس على عقبيه، ينظر لأسفلها ولم ينتظر. أدخل رأسه بين ساقيها وأخذ يمتص رحيقها. كان يحاول أن يسرع حتى لا يطيل الأمر كثيرًا، ولكن حقًا لم يستطع. حينما أغرقته رغبتها، سحبها من يدها ومددها على الأرض وهو يقسم إنه إذا لامس الفراش وهي معه، سيجعلها امرأته قولًا وفعلًا وليذهب العالم إلى الجحيم. انتزع بنطال بشق الأنفس وما تحته، ثم جس على ركبتيه يحاوط بهما جسدها، ونظر لها قائلًا: "سامحيني، مش قادر." مال قليلًا ومسك وحشته بيده ووضعها بين مقدمتها وضغطهم بيده وأخذ يتحرك سريعًا. وحينما اقترب أن يقرف، وضع يده فوق مقدمة وحشته حتى لا يغرقها.
بعد أن انتهى، تسطح جانبها أرضًا ولا أحد منهما لديه مقدرة على النطق بحرف من فرط مشاعرهم ورغبتهم التي عاشاها معًا.
بعد فترة، تحركت مهره قليلًا ومالت عليه وقبلته بجانب شفتيه ببطء، وقالت: "شكرًا. وفقط."
اعتدلت سريعًا والتقطت قميصه الملقى على فراشه، ارتدته وخرجت سريعًا متوجهة إلى غرفتها.
أما هو، فمكث دون حراك لأكثر من نصف ساعة، ثم انتفض من مكانه، مثل الذي أصابه مس. أخذ يبحث عن هاتفه حتى وجده وطلب أحد الأرقام وانتظر الرد.
"إيه يا بدر؟ حصل حاجة؟ في إيه؟" سأل مصطفى بخضة.
"خمس دقايق وتحصلني عالسطح."
"ده الفجر قرب يا ابني، في إيه؟"
"خلص يلااااااا!" قال بدر بصراخ، ثم أغلق الخط سريعًا واتجه إلى خزانة ملابسه، التقط أول شيء طالته يده وخرج سريعًا متجهاً إلى سطح المنزل.
صباحًا.
رن منبه الهاتف في السادسة صباحًا، فقد وضعته مهره حتى تستطيع القيام من نومها الذي لم يكمل ساعتين حتى تذهب إلى مدرستها.
أغلقته سريعًا وهي تقاوم فتح عينيها والتفت لتضعه على الكومودين بجانب فراشها.
ولكن لفت نظرها رزمه نقود موضوع تحتها ظرف.
أزاحت النقود وأمسكت الظرف، فتحته سريعًا.
وجدت فيه خطابًا.
أخذت تقرأه وهي لا تمتلك الرؤية بوضوح من غزاره الدموع المنهمرة منه.
ترى ماذا كتب فيه؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة الحلواني
ما هذا الثقل الجاسم على قلبي، ماذا حل بي؟ أكاد أن اختنق، أنفاسي تعاندني، أصبحت ألتقطها بصعوبة، كأني غريق يحاول النجاة، ولكن أين لي بالنجاة؟ طوق نجاتي هجرني.
هل أختلق لك عذراً جديداً، أم أكتفي من كمالها أعذاري؟ لا تنضب، كلما أوجعتني أجد لك ألف عذر، ولكن إلى متى؟ حقاً تعبت. ألا من يومٍ آتٍ أحظى به برحمتك وإشفاقك على قلبٍ صغيرٍ ذاب وتعب من الانتظار والاشتياق أيضاً.
كانت تلك الكلمات تدور داخل مهرة بعد أن قرأت الخطاب مرات عديدة، تحاول استيعاب ما خطه لها بيده، ووقعت في حيرة كبيرة، هل تشفق عليه أم على حالها؟ أم تمقت المسماة بأمها وتحقد عليها لأنها سبب في جزء كبير من المعاناة التي تحياها. ربما لو كانت مثل باقي الأمهات، هي من تولت رعايتها وتربيتها، لكان الوضع اختلف.
ولكن أيضاً بداخلها تكن لها بعض الشكر، لأنه لولا تخليها عنها منذ ولادتها، ما كانت ستحظى بكل الحب والدلال والرعاية التي وهبها لها حبيبها. لا والله، يجب عليها شكرها لأنها أتاحت لها الفرصة لتكبر في كنف رجلٍ لن يتكرر كثيراً. فهي تقسم أن والدها -رحمه الله عليه- لو كان على قيد الحياة، وعاش هو وأمها حياة طبيعية وأنا معهم، مهما قدّموا لي لم يكن مثل ما فعله ويفعله معي هذا البدر.
التقطت الخطاب للمرة التي لا تعلم عددها، وبدأت في قراءته بتركيز:
(مهره... سامحيني، أنا بترجاكي تسامحيني. أنا مش عارف عملت كده إزاي، ضعفت، أيوه ضعفت. هعترفلك بحاجة يمكن أقدر أريحك، مع إن اعترافي مش هيغير حاجة، بس انتي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها في حياتي. وبعد اللي حصل بينا، لو مت هكون خلاص أخدت كل حاجة من الدنيا ومفيش حاجة تانية تستاهل إني أعيش لها.
انتي الذنب اللي بدعي ربنا في كل صلاة إني ما أتوبش منه. بس أنا اتكسرت قدامك، مكنش لازم أضعف وأطاوعك. اوعي تلومي نفسك، أنا السبب في اللي وصلنا له. لو كنت قدرت أخبي اللي جوايا كويس، ما كنتيش انتي أخدتي الخطوة دي... بس للأسف برضه مهما حاولت أخبي، كنتي هتحسي، لأن زي ما بتقوليلي دايماً، إحنا مراية بعض.
أنا مش عارف أبص لنفسي في المراية، ولا هقدر أبص في عينك انتي بالذات، أو أي حد من اللي حوالينا. بقيت أنا بعد ما كنت أمانك وحمايتك أعمل كده؟ طب هقف قصاد أبوكي في الآخرة أقوله إيه؟ أنا طمعت في الأمانة اللي سبتها في رقبتي. آآآه، مش عارف أعبر، بس انتي أكيد فهماني. حقك على قلبي يا بنت قلبي.
أنا سافرت، أو بمعنى أصح هربت، يمكن الكام يوم دول أقدر ألملم قلبي اللي هينفجر جوايا وأرجع لعقلي اللي أصلاً مش قادر يستوعب إنه هيبعد عنك بإرادته. أنا سبتلك فلوس تكفيكي لمصاريف الأيام اللي هغيبها. لو مكفتش، انتي عارفة مكان الفيزا الاحتياطي شايلها فين، خوديها خليها معاكي. اوعي يا فرستي، اياكي تعاقبيني وتاخدي فلوس من حد، لو عملتيها هتكسري اللي باقي فيه، يبقى كده انتي بتقوليلي إنك خرجتيني من حياتك.
وأنا اللي مصبرني على اللي أنا فيه، إنك لسه منورة حياتي. متزعليش من قمركم، ومتعيطيش. سلام يا غلب بدر وعذابه وناره.)
طوت الخطاب وقبلته، ثم قامت من فراشها متوجهة لخزانة ملابسها ووضعته فيه مع النقود، بعد ما أخذت منها بعض الورقات النقدية حتى تشتري بها ما يلزمها كما وصاها بدرها. أغلقت الخزانة والتقطت حقيبتها ووضعت ما بيدها بها، وهي تحاول التماسك. اتجهت إلى باب غرفتها وفتحته حتى تذهب إلى المرحاض، وقبل أن تصل إليه سقطت مغشياً عليها. تزامن هذا مع خروج الجدة من غرفتها، وعندما رأتها ممددة على الأرض صرخت بقوة، مما أدى إلى تجمع أهل المنزل.
في مطار برج العرب الدولي بالإسكندرية، كان يجلس بدر بنصف عقل، يحاول أن ينتبه لحديث مصطفى الذي يحاول أن يفهمه ما بهم.
مصطفى: يا ابني فاهمني، بس إيه اللي خلاك تغير رأيك فجأة وتسافر؟
بدر بعصبية: متزهقنيش بقى وبطل زن، قولتلك عشان بيتر صاحبي، والأحسن إني أقابله بنفسي عشان نرتب البلاوي اللي إحنا فيها دي.
كاد أن يرد عليه، ولكن أعلن عن ميعاد الطائرة، فقام مصطفى بتوديعه ووقف حتى اختفى عن أنظاره، فتوجه خارج المطار. استقل سيارته، وقبل أن يبدأ في تشغيلها، أخرج هاتفه واتصل بمعذبته التي لا يعلم ما سبب تبدل حالها معه. انتظر الرد قليلاً، ثم فتح الخط.
ردت عليه وهي تبكي، فانخلع قلبه رعباً عليها.
مصطفى: زينة، انتي بتعيطي ليه؟ حبيبتي مالك؟ في حاجة تعباكي؟ ردي عليا طمنيني.
زينة وقد زاد بكاؤها بسبب تأنيب ضميرها مما كانت تفعله معه بمنتهى الغباء. لامت نفسها بعد ما سمعت صوته الملهوف عليها، وأقسمت أن تفعل ما بوسعها لكي تعوضه وتعتذر له عما بدر منها في الأيام السابقة. حاولت تمالك نفسها وأجابت:
زينة: أنا كويسة، متقلقش، بس مهرة اللي تعبانة.
مصطفى بخضة: ليه مالها؟ وانتي فين دلوقتي؟
زينة: أنا اتصلت بيها من شوية عشان نروح المدرسة مع بعض، مردتش عليا. اتصلت بلميس، قالتلي إن تيتا لقيتها واقعة على الأرض مغمى عليها وسخنة مولعة. وليد كشف عليها، لقي حرارتها معدية الأربعين. ركبلها محلول وأداها حقنة تخفض الحرارة، بس لحد دلوقتي بقالها أكتر من ساعتين ولا فاقت ولا الحرارة نزلت. وأنا أول ما عرفت روحت أنا وماما عندكم، وادينا كلنا حواليها مستنينها تفوق.
ثم أكملت ببكاء: أنا خايفة عليها وزعلانة أوي يا مصطفى.
مصطفى: لا حول ولا قوة إلا بالله. أكيد عرفت بسفر بدر، لأن الحالة دي بتجيلها لما بتزعل جامد. أيوه يا جدعان، ده لسه راكب الطيارة من خمس دقايق بس، يعني لو كلمتك بدري شوية كان عرف ولغى سفره ورجعله. بس خلاص كده، مش هينفع حد يقوله وهو مسافر عشان لو عرف هيتججن.
زينة: لا، الأحسن إنه ما يعرفش، وربنا يشفيها. بس شكلهم هنا في البيت مكنوش يعرفوا بسفره بدري، غير لما جدو النعمان قال لهم.
مصطفى: ماشي حبيبتي، اقفلي وأنا اتحركت، مسافة الطريق هكون عندك بإذن الله. لو أي جديد كلميني.
زينة: حاضر، على مهلك وأنت سايق يا حبيبي، سلام.
أغلقت الخط وجلست بجانب الفتيات مرة أخرى في انتظار استيقاظ الأميرة النائمة. هكذا شبهتها زينة بداخلها. إذاً، كل هذا المرض الذي أصاب أميرتنا بسبب غياب وحشها اللطيف عنها؟ فهم دائماً يشبهونها بالأميرة والوحش لفرق الحجم الواضح جداً بينهم، ولكنه وحش وسيم وهمجي أيضاً. لهذا الحد بلغ عشقه داخلها ما يجعلها تغيب عن الدنيا بغيابه عنها؟ وأنا التي ظلمتها وأهنتها واتهمتها بإهدار كرامتها لأجل شخص لا يشعر بها؟ ولكني أقسم أني كنت غبية. فما يظهره بدر لها من دلال أمام العالم أجمع، دون الاهتمام بشكله أمام الناس، يدل على عشقه هو الآخر لها، ولكن نجهل سبب اعترافه به. حتى أنها تذكرت موقفاً ما استغربت وقتها مما حدث.
في العام الماضي، كانوا يقضون بعض أيام من عطلة الصيف في الشاليه الخاص بعائلة النعمان، القاطن داخل إحدى القرى السياحية الموجودة بالساحل الشمالي. كان الشباب والفتيات يتنزهون ليلاً داخل أحد المولات المتواجدة داخل القرية. وفجأة وقفت مهرة، فنظر لها بدر لمعرفة سبب وقوفها، وبالتالي توقف الجميع.
مهرة: ثواني بس، هقف على جنب أربط الكوتشي اتفك مني.
بدر: انتي هبلة يا بت، تتوطي كده قدام الناس؟ ولم يعطها فرصة للرد، ونزل سريعاً، جلس على إحدى ركبتيه وثنى الأخرى، ثم أمسك بقدم مهرة ووضعها فوق ركبته المثنية، وقام بربط حذائها. الوضع كان ملفتاً لدرجة أن بعض رواد المكان وقفوا يشاهدون هذا الموقف بإعجاب من بعض الفتيات والحقد من أخريات على مهرة، أنها تحظى برجل كهذا. وأطلق بعض الشباب الصافرات تحية له على ما فعل.
ظلت زينة تتقاذف على عقلها ذكريات ومواقف كثيرة جعلت ضميرها يؤنبها أكثر على ما اقترفته في حق هذه المخلوقة الجميلة من الداخل قبل الخارج، خاصة آخر شيء فعلته لأجلها في المدرسة. فبرغم كل ما فعلته معها، إلا أنها دافعت عني وأرجعتني إلى الطريق السليم. واحدة غيرها بعد الذي فعلته معها، كانت اكتفت بالمشاهدة والشماتة أيضاً فيما سيحدث لي.
أفاقت من شرودها على لكزة لوجي في كتفها.
زينة بخضة: إيه؟ إيه؟ في إيه؟
لوجي باستهزاء: أبداً يا روحي، بقالنا ساعة بنكلمك وانتي ولا هنا.
زينة: اللي أخد عقلك يا زوزو.
زينة ببكاء: انتو اللي واخدين عقلي، أنا إزاي كنت غبية كده وكنت هبيع أخواتي وعشرة عمري عشان حبة كلام من واحدة زي دي؟ أنا إزاي كنت عامية ومش شايفة اختلافها عننا؟ وبرغم كده مهرة اللي مسكت إيدي ورجعتني غصب عني عشان تنقذني. واللي قاهرني أكتر من نفسي، إنكم بتتعاملوا معايا عادي، حتى ما عاتبتونيش.
أخذتها لوجي بأحضانها وهي تهدئها:
لوجي: بطلي هبل يا بت، انتي حد يشوف أخته بتغرق ويسيبها؟ وبعدين إحنا عارفينك هبلة وبيضحك عليكي بكلمتين، وكان ممكن نقولك من الأول، بس قولنا نسيبك شوية وندخل في الوقت المناسب عشان بس تتعلمي الدرس كويس. وبعدين حوشي شوية من دموعك دي لحد ما مهرة بس تفوق، عشان ناوينلك على علقة محترمة تخليكي متنسيش اللي حصل طول عمرك، وتعرفي تختاري الناس اللي تصاحبيهم بعد كده.
خرجت زينة من حضنها وهي تمسح دموعها وتقول بإصرار:
زينة: لالالالا، خلاص توبة أصاحب حد تاني. وبعدين أنا عندي أربع أخوات مش أصحاب، ومش هلاقي ولا أجدع ولا أحسن منهم، يبقى أعرف حد جديد ليه؟
ردت مها بمزاح: طفاسة وفراغة عين يا قلب أختك.
ضحكت الفتيات بخفوت وهن يحاولن إلهاء أنفسهن عن القلق الذي ينهش قلوبهن على رفيقة دربهم.
في الخارج، كان يجلس الجد مع أولاده وهو يسأل وليد عن حالة حفيدته الغالية.
الجد: ما تشوف حاجة يا ابني تديها للبت تفوقها، هنقعد نتفرج عليها كده وهي مش دريانة بالدنيا.
وليد: مينفعش يا جدي، أديها حاجة تاني. الحقن اللي أداها لها مفعولها قوي، وبعدين انت عارف الحالة دي بتجيلها لما بتزعل وبتفوق لوحدها.
الجدة بحزن: طب يكون إيه بس اللي زعلها؟ ما إحنا لحد بدر ما دخلها تنام كانت كويسة وبتتهزر معانا.
ريهام: يمكن أمها كلمتها، تلاقيها حرقت دمها زي عوايدها، منها لله. مش عايزة تسيب البت في حالها، ولا هي عايشة معاها تراعيها، ولا حتى عاجبها عيشة البت معانا. مش عارفة عايزة إيه.
نوال بغيظ: آآآه يا ناري، اللي يسبني عليها أكلها بسناني الصفرا دي. أكيد وراها حاجة. دي بتقعد بالشهور مبترنش رنة عالبت، إنما اليومين دول شغالة كل شوية، إيشي اتصال، إيشي هدايا بتبعتها لها من تركيا. وأنا أقطع دراعي إن كل ده وراه هدف في دماغها.
ياسر: مهما كان اللي في دماغها، تفتكري إننا هنسمحلها تعمل حاجة؟ ما تحطيهاش في دماغك، سيبيها لما تجيب آخرها.
الجد: لله الأمر من قبل ومن بعد. يلا يا ولاد، كل واحد يروح يشوف اللي وراه، وكده كده البنات قالوا هيقعدوا مع مهرة، مش هيروحوا في حتة، وأنا كمان قاعد النهارده.
عادل وهو يقوم من مجلسه: ماشي يا حج، هنتوكل على الله إحنا. وأي حاجة تحتاجها اتصل بينا على طول.
أحمد: طب مش هتقولوا لبدر؟ لو عرف إن خبينا عليه هيزعل.
الجد بخضة: لالالا يا ابني، أوعى حد يبلغه. إنت عارف هو رايح في إيه، بلاش نشغل دماغه، سيبه يبقى فايق ومركز. الله يعينه على الجاي، وإحنا كلنا حواليها أهوال.
الجدة وقد أصابها القلق مما قاله الجد: ليه يا حج؟ إيه؟ هو مش مسافر شغل برده؟ ولا في حاجة تانية يا خويا؟ طمني الله لا يسيءك.
الجد بحدة من الضغط الواقع عليه: ولا تانية ولا تالتة، جري إيه يا نعمة؟ مالك مسكتي في الكلام ليه؟ إيش عرفك انتي في شغلنا؟
الجدة وقد التمست لرفيق دربها العذر وتأكدت أنه يوجد أمر جلل وراء سفر حفيدها المفاجئ، مما جعل الجد في تلك الحالة العصبية التي تنتابه فقط في المواقف العصيبة، فقالت:
الجدة: حقك عليا يا حج، أنا بس بطمن. روق كده وقول يا رب. أنا هقوم أعملك كوباية قهوة محوجة من إيديا تعدل دماغك، وأدخل أصلي ركعتين لله، لعله يخفف عنا ويسترها معانا إن شاء الله.
نظر لها الجد بأسف وامتنان، فهي من كافحت وصبرت معه وساندته في أصعب الظروف، ولولا وقوفها بجانبه ما كان استطاع أن يصل لما هو عليه الآن.
داخل شركة السيوفي للاستيراد والتصدير، التي تعد من أكبر الشركات في الشرق الأوسط، والتي يتخذها مالكها عابد السيوفي كستار له لتهريب الآثار، فهو يعد الذراع الأيمن والواجهة للمهربين الكبار الذين يتقلدون مناصب كبيرة في الدولة، تخاف فقط أن تذكر أسماؤهم. وأيضاً يعتبر وكيل أعمال المافيا الإيطالية داخل مصر وبعض الدول العربية.
داخل مكتب عابد، نجده يجلس هو وممدوح، رجله وزراعه الأيمن وكاتم أسراره، يتباحثون فيما سيفعلونه مع بدر إذا رفض التعامل معهم، وهو المتوقع.
عابد: ها يا ممدوح، إيه الأخبار؟
ممدوح: كل حاجة تمام يا باشا. وقفنا ورق المينا، وبكده البضاعة هتفضل مركونة لحد ما نشوف رده إيه علينا.
سكت قليلاً ثم أردف: بس في حاجة مش فاهمها يا باشا ومحيراني.
عابد: حاجة إيه؟ ماتنطق على طول.
ممدوح: إنهرده كان ميعاد سفر مصطفى لألمانيا، ورجالتنا اللي مراقبينهم 24 ساعة شافوه نازل هو وبدر. فضلوا وراه لحد المطار، واستنوا لحد ما بدر طلع عشان يكملوا مراقبة. بس اللي حصل إن بدر هو اللي سافر، ومصطفى هو اللي خرج من المطار، ركب عربيته وقعد ربع ساعة يتكلم في التليفون، بعد كده طلع عالبيت طوالي. وبعدها بشوية كل واحد راح شغله عادي، بس النعمان منزلش ولا هو ولا حد من البنات، حتى زينة بنت المحامي بتاعهم وخطيبة مصطفى راحتلهم الصبح بدري هي وأمها، ولحد دلوقتي منزلش.
عابد باستغراب: يعني إيه الكلام ده؟ ممكن يكونوا حسوا بالمراقبة فاشتغلونا، وبدر بدل ما يكون مع مصطفى في آخر لحظة؟ وإيه حكاية قعاد النعمان والبنات في البيت ده كمان؟ مش غريب.
ممدوح بعقلانية: لا مفتكرش إنهم حسوا بحاجة. وبعدين ده سفر بطيارة بره مصر، مش معقول هيبدلوا في المطار، هو سوبر جيت ولا إيه؟ هو الأكيد إنهم واخدين القرار من الأول، بس مقالوش، وإلا كان الراجل بتاعنا بلغنا. بس قعاد الراجل الكبير ده هو اللي مش قادرين نعرف سببه. الاحتمال الأكبر إنه يكون تعبان، والبنات قلقانة عليه، وانت عارف هما بيحبوه قد إيه.
عابد: آه يا خويا عارف. بس لو كلامك عن السفر ده صح، يبقى بدر بدأ يشغل دماغه علينا وياخد حذره، وده دماغه سم، لو اشتغلت ممكن يضيعنا كلنا.
ممدوح: طب والحل؟
عابد: هبدأ الضرب من تحت الحزام، مش هخليه يعرف الضربة هتجيله من أنهي ناحية عشان أشته، ومايعرفش يفكر، ويضطر في الآخر ينخ لي.
ممدوح: طب هنبدأ بإيه؟ ودلوقتي ولا هتستنى لما يرجع؟
عابد: لاااا، استنى إيه؟ ده أنا هخليه يرجع على مِلي وشه. اتصل بعبدالحميد النجار، خليه يجيلي بكرة الصبح الساعة 10 يكون قدامي في المكتب. بس يارب قعدة البنات متطولش جنب جدهم عشان نعرف نضرب أول ضربة صح. آه صحيح، برضه مش لاقي سكة مع حد جوه المصنع.
ممدوح: للأسف لا، كلهم ولاؤهم ليه، وكل عامل وموظف عنده استعداد يفديه بروحه. المعلم بدر اختار الناس اللي حواليه صح، دا غير إن جمايله مغرقاهم، دا غير معاملته الحلوة ليهم......
قاطعه عابد بغيظ: خلاص يا ممدوح، انت عايز تنقطني؟ دانت فاضل ترشحه للانتخابات، ما تروح تشتغل معاه أحسن! أدام عجبك أوي كده.
ممدوح: مش قصدي يا باشا، أنا بس بوضح لك الصورة.
عابد: خلاص خلصنا، قوم يلا شوف وراك إيه، وبلغني بالجديد أول بأول.
مر يوم بطيء على النعمان، وقد أفاقت مهرة بعد وقت طويل. أهل قضايا المنزل قلق الكبار عليها، ولكن بعد أن استعاد وعيها وانخفضت حرارتها ببساطة، طمأنتهم عليها أنها بخير، ولا يجوز لهم حضورهم حولها وتعطيل شؤونهم أكثر من ذلك. أكلت قليلاً من الطعام واستراحت، والدواء الذي أحضره وليد لها بعد أن انتزع عنها المحلول المعلق. وقد استأذنت منهم حتى تنام قليلاً ولم تشعر بالوهن بعد، فخرج الجميع وتركوه ليرتاح، ولكن كل الوقت أثر على إحدى الفتيات للاطمئنان إذا ما لاحظتها وشعرت برحيلها مراراً وتكراراً.
كان الجد يجلس على أريكة داخل غرفته يسبح بمسبحته الفضية وهو يناجي ربه أن يحفظ أحفاده ويقف بجانبهم فيما مقبلين عليه. قاطع تسبيحه رنين هاتفه برقم نابولي، كان ينتظره بفارغ الصبر، التقطه وفتح الخط سريعاً وقال:
الجد: بدر يا ابني، وصلت بالسلامة؟ طمني.
بدر: على مهلك يا جدي، أنا لسه واصل حالا، يدوب عربية تاكسي توصلني الفندق. مردتش أستنى لما أوصل واتصلت بيك على طول.
الجد: طب الحمد لله يا ابني، طمنتني. هي يريح قلبك.
بدر بتردد: اااا جدي، إنت شفت مهرة النهارده ولا لأ؟ هي النهاردة يومها مليان، هتطلع مدرسة على درسين أو بعض، يعني مش قدامها جواد على ما تخلص، بس مش عارف قلبي مقبوض عليها ليه.
الجد: اطمن يابني، هي بخير، حتى أنا خليت أحمد اللي يوصلهم.
بدر: بص يا جدي، بعد إذنك، أنا بعد ما أقفل معاك هكلم مدير المدرسة ياخد لها هي والبنات إجازة الكام يوم دول، وأخيراً ما رجع، وبلاش لوجين ومها يروحوا الجامعة برد.
الجد: طب ليه كده؟ إنت ليه غيرت اللي خفيته عليه؟
بدر: معلش يا جدي، كده أحسن، عشان أبقى مطمن أكتر. أنا مكنتش عامل حسابي عالسفر بس حصل.
الجد: طب ودروسهم يابني؟ ده الامتحانات عالأبواب، وبعدين قعدتهم مرة واحدة هيلفت النظر.
بدر: لا، هيروحوا الشعر بشكل عادي، ولكن بعد ذلك، أربع كلمات، شركة حراس خاصة بتاعة ظابط صاحبي، استقالتها، هيعين لهم حراسة سرية من غير حتى ما يحسوا بيها، لذلك منضمنش الثاني في الدرس إيه اللي ممكن لازم يعين لهم مؤقتاً.
الجد: لحقت تفكر في ده كله وتنفذه إمتى يا ابني؟
بدر: وأنا في الطيارة يا جدي، الوقت كان لفترة طويلة، قدرت أفكر بهدوء وأخد القرار ده بعد ما استأذنك طبعاً.
الجد: اللي تشوفه صح اعمله، أنا بثق فيك يا خليفة النعمان.
بدر: ربنا يخليك لينا يا جدي، أنا هقفل معاك، وأول ما أوصل الفندق هعمل اللي تقول لي عليه، وأبلغك بالنتيجة.
الجد: ربنا معاك يا ابني، في حفظ الله.
قبل أن يغلق، أوقفه بدر.
الجد: إيه يا حبيبي؟
بدر بخجل: خد بالك من مهرة يا جدي، حاسس إن فيها حاجة، قلبي واجعني عليها أوي، يمكن لذلك أول مرة أبعد عنها من يوم ما اتولدت.
الجد: أمانتك في عنيه، متخافش عليها. ويمكن من هنا لما ترجع بالسلامة، يكون ربنا هداك و تريح قلبك من وجعه.
رد بدر بعد فترة وقال: ......
ترى ماذا سيرد على جده؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريدة الحلواني
بعد منتصف الليل في منزل النعمان.
كانت مهره متسطحة على فراشها، يجافيها النوم.
كانت حالتها الصحية قد تحسنت قليلاً.
كانت تتمدد بجانبها لوجي، غارقة في النوم.
فقد أصرت على المبيت معها اليوم، حتى تكون بالقرب منها إذا ما ارتفعت حرارتها مرة أخرى.
بعد ما تأكدت أنها لم تستطع النوم مرة أخرى، نظراً لنومها ساعات النهار كاملة، قامت من فراشها بهدوء حتى لا تشعر لوجي بها.
فتحت خزانتها والتقطت بعض الملابس واتجهت للمرحاض، حتى تنعم بحمام دافئ، فقد تعرقت كثيراً بسبب درجة حرارتها المرتفعة.
ولا تتحمل ملابسها المبتلة قليلاً أكثر من ذلك.
أنهت حمامها سريعاً، وقد أحست أنها في حال أفضل كثيراً الآن.
خرجت من المرحاض واتجهت لغرفة بدر.
تمددت على فراشه واحتضنت وسادته وهي تشمها بعمق.
ثم اعتدلت والتقطت هاتفها، الذي أخذته قبيل خروجها من غرفتها، حتى لا تعود مرة أخرى وتزعج لوجي.
فتحت الاستوديو، ومنه ملف صور كامل لبدرها في جميع مراحل عمره.
أخذت تقلب فيهم كثيراً، وأحياناً تقبل شاشة الهاتف كأنها تقبله هو.
فكرت للحظة، ثم خرجت من الملف وفتحت الواتس.
ثم بدأت في الكتابة:
"جدو طمني إنك وصلت بالسلامة.
بس مش عارف تكلمني عشان مشغول.
مع إنك عمرك ما بتشغل عني لو مهما حصل.
بس أنا عاذراك وهفضل أعذرك لآخر نفس فيا.
مفيش مكان في قلبي للزعل منك مهما عملت.
حبيت أقولك طمن قلبك يا نبض قلبي.
أنا عمري ما اتغيرت ولا أقدر أخرجك من حياتي.
إذا كنت أنت حياتي أصلاً.
أنا هفضل زي ما أنا، ومهما تغيب هستناك لو عمري كله.
يا بدر أنت تستاهل إن أعذرك وأصبر عليك.
حتى لو جبت بعد الصبر صبر، حتى لو الصبر مل مني.
أنا مش همل أبداً.
برغم إني عارفة إنك مش هترد عليا، بس أنا كل يوم هبعتلك رسايل.
عشان أستأذنك لو خرجت وأحكيلك تفاصيل يومي لما أرجع، زي ما اتعودنا.
خد بالك من نفسك يا قمري، عشان خاطر فرستك اللي هتموت من القلق عليك.
تصبح على راحة قلب وبال يا قلب وعمر وحياة فرستك اللي راحت واللي جاية."
أغلقت الهاتف وهي تشعر ببعض الراحة.
فهي أحبت أن تطمئنه أنها أبداً لن تتغير معه ولا تستطيع البعد.
وأنها ستظل كما هي معه، وسيظل هو رجلها الأوحد ولا يضاهيه رجلاً في عينيها.
ثم قامت بنشر بوست على صفحتها في الفيسبوك تقول فيه:
"💘 عفواً أيها الرجال، فأنتم لا تشبهون...
...ظل حبيبي 💘"
مر ثلاث أيام دون أحداث تذكر.
غير أن بدر قد أنهى عمله في ألمانيا اليوم.
وقرر الخروج ليتسوق بعض الهدايا لعائلته، والكثير منها لمهره.
حتى يحاول شغل نفسه لحين ميعاد رحلته إلى بلجيكا في تمام الثالثة صباحاً بتوقيت ألمانيا.
وأيضاً بدأ من اليوم ستبدأ الفتيات للذهاب إلى دروسهن، بعد أن أمن لهم بدر حراسة خاصة دون علمهم.
في مكتب عابد السيوفي.
دخل عليه رجل بدين وطويل القامة قليلاً.
فقد أجل موعده الذي كان حدده عابد له لمدة يومين لظهور أمر طارق له.
وها هو حضر في الموعد الجديد.
عبدالحميد النجار: صباح الفل يا عابد باشا.
رحب به عابد ودعاه للجلوس.
وبعد أن طلب من السكرتيرة إحضار كوبان من القهوة.
صمتا قليلاً حتى أحضرتهما وأغلقت الباب، حتى يستطيعا التحدث دون مقاطعة.
عابد: بكرة هتنفذ اللي اتفقنا عليه.
عبدالحميد: مش هينفع يا باشا.
عابد بغضب: انت هتستعبط؟ إيه اللي مش هينفع؟ انت رجعت في كلامك ولا إيه؟
عبدالحميد بخوف: لا لا لا يا باشا، وأنا أقدر برضه.
بس ابني، الله يخرب بيته، سافر هو وأصحابه رحلة لمدة أسبوع.
مع إني مفهمه على الليلة واللي فيها، بس هقول إيه؟
ابن الكلب غفلني وسافر، ولما عرفت وكلمته قالي مش هينفع يسيب أصحابه ويرجع وقفل تليفونه خالص.
عابد بجنون وقد قام من مكانه وأخذ يدور حول نفسه وهو يقول:
مش هينفع كده، كل حاجة هتبوظ.
كان لازم ننفذ قبل رجوع الزفت ده من بره.
وللأسف مش هينفع أجيب حد غيرك للخطوة دي.
عبدالحميد بخبث: ده احنا كده الحظ خدمنا يا باشا.
وحتى لو ابني رجع برضه نستنى رجوع بدر عشان بدل ما نضرب ضربة، لا يبقوا اتنين أتقل من بعض في وقت واحد.
انتبه عابد لهذا الحديث، فجلس في الكرسي المقابل له وهو يسأله:
مش فاهم، رسيني على الدور بسرعة.
عبدالحميد: هقولك...
عابد بإعجاب: يابن اللذينة، جبتها منين الفكرة دي؟
ده أنت بتحبهم أكتر مني بقى، هههههههههه.
عبدالحميد: تلميذك يا باشا.
بعد أن رجعت الفتيات من دروسهن واسترحن قليلاً، تجمعن معاً في شقة المذاكرة.
ولكن لم يكن لديهن أي رغبة في استذكار دروسهن، بسبب قلقهم على رفيقة دربهم وأختهم الصغيرة التي أصابتها حالة من السكوت والشرود.
وقد فقدت الرغبة في التحدث في أي شيء، إلا من بعض الردود المقتضبة إذا ما وجه لها أحدهم حديثاً ما.
زينة وقد جلست بجانب مهره وأمسكت بيدها وهي تقول بمزاح مصطنع:
وبعدين يا صغنن، أنت هتفضلي في الكآبة دي كتير؟
مش متعودين منك على كده.
مهره: مالي يا بنتي؟ مانا كويسة وقاعدة معاكم أهو.
مها: معانا ومش معانا؟ إيه اللي جرالك يا ميمو؟
ده أنتِ العقل المدبر لينا كلنا.
جيتي لحد عند موضوع يخصك وعقلك صدّ ولا إيه؟
أمال فين الخطط والمؤامرات اللي جننتيه في يومين؟
مهره: مش عارفة، حاسة إني تايهة.
لميس: بت يا مهره، سمعت أغنية انهاردة بالصدفة، حسيتها بتتكلم عنك.
استنوا يا بنات نسمعها سوا.
(أغنية "بفكر فيك" لشيماء المغربي)
"بفكر فيك ومش بنساك وباقية عليك ومش هأيس
بكل ما فيه أنا عيزاك، أدام عايشة وبتنفس
حرام الحب بعد سنين يضيع في كلمة ولا اتنين
حبيبي أنا وأنت بني آدمين، غلطنا بيبقى مش مقصود
في بعدك عايشة مهمومة، من اللي عملته مصدومة
وحاسة كأني مقسومة، ونصي التاني مش موجود
بكل ما فيه أنا عيزاك، ونفسي إنك تكلمني
عشان حسيت وأنا في تاك، بروحي بتتسحب مني
تعالى قولي أي كلام، أنا هصالحك أكيد بعده
أنا مش عايزة بينا خصام، عشان أنا قلبي مش قده
حرام البعد بعد سنين، يضيع بكلمة ولا اتنين
حبيبي أنا وأنت بني آدمين، غلطنا بيبقى مش مقصود
بفكر فيك ومش بنساك، وباقية عليك ومش هأيس
بكل ما فيه أنا عيزاك، أدام عايشة وبتنفس"
انتهت الأغنية مع علو صوت شهقات البكاء.
فهم بكوا على بكاء مهره الحاد، تأثراً بكلمات الأغنية التي وصفت حالتها أفضل وصف.
أخذتها زينة في حضنها، وقامت مها لتجلب لها كوب ماء لتهدأ قليلاً.
مع اعتذار لميس، فهي لم تقصد أن تحزنها.
ابتعدت مهره من أحضان زينة ومسحت دموعها وقالت مهونة على لميس:
بالعكس يا بسكوته، دي حلوة أوي.
أنا بس اللي صدقت أقدر أعيط، وهي الصراحة داست لي على الجرح.
بالله عليكي ابعتيلي اللينك بتاعه.
لوجي: لااااا، بلاش والنبي! هتقعدي ليل نهار تسمعيها وتسحي من عنيكي ومش هنخلص.
مهره: لا والله هبعتها لبدر.
لوجي وقد جاءتها فكرة مجنونة ونفذتها في الحال.
اصطنعت أنها تعبث بهاتفها وقامت بفتح مسجل الفيديو.
وحاولت أن ترفع الهاتف قليلاً حتى تظهر مهره في الصورة (تغفيلة يعني بس صوت وصورة).
وقالت حينما بدأ التسجيل:
بصي يا ميمو، أنا لو مكانك لما يرجع بدر، تحاولي تتجاهليه وتعيشي حياتك بدماغك أنتِ.
وهو لو عايزك هيجيلك لحد عندك.
ولو فضل على حاله خلاص، الله غالب.
وإنتي كلها كام شهر وتدخلي الجامعة، وأكيد هتقابلي اللي ينسيكي أو يحاول يعوضك.
ما تتدخلي دون أن تعلم بما تفعله لوجي.
لوجي: بصراحة يا مهره، لوجي صح.
وبعدين من غير زعل، أكيد إحساسك إن بدر بيحبك غلط.
عشان أنتِ بس نفسك يحصل.
هو في واحد يبقى قدامه واحدة بتحبه الحب ده كله وهو يكون بيحبها ويسكت؟
طب ليه ده؟ أنا أحمد خاطبني من وأنا في تالتة إعدادي، ومهما نزعل من بعض بيبقى هيتجنن عشان نتصالح.
والصراحة بقى من غير زعل، أنتِ مش أقل مننا عشان تحطي نفسك في الوضع ده.
بالعكس، أنتِ فيكِ ميزات كتير مش موجودة في ولا واحدة فينا.
أنتِ تستاهلي اللي يجري وراكي بالمشوار عشان بس يطول نظره منك.
مهره وهي تمسح دموعها تأثراً بما تسمع:
خلصتوا ولا في حد عنده حاجة يضيفها؟
حينما لم تجد رد قالت:
عارفين عمركم ما هتفهموا اللي بيني وبينه، لسبب بسيط إن كل واحدة فيكم في علاقتها مع حبيبها مفيهاش حاجة اسمها "إحنا".
دايماً بتتعاملوا على أساس "أنا وأنت".
إنما إحنا دايماً مفيش بينا "أنا وأنت"، في "إحنا".
مش مهم مين زعل التاني، المهم إننا مننمش في يوم متخاصمين.
بتتهموني إني بهين كرامتي، طب واحدة فيكم تقول على موقف واحد بس يثبت كده.
ده بدر بجلالة قدره، اللي رجالة بشنب بتخاف من سيرته، بييجي عندي أنا ويعمل أي حاجة عايزاها، ولا يهمه شكله ولا مكانته، حتى لو لعب معايا في الملاهي.
زي ما أنا مش بخبي عليه حاجة، هو كمان أدق تفاصيل حياته عندي.
انتوا فاكرين إني زعلانة وبعيط عشاني؟ أنا لا طبعاً.
أنا مقهورة عليه من اللي كاتمه جواه.
كل واحد فيكم عمال يتهمه إنه مش بيحبني، وكل شوية يلاقي عريس متقدم لي، كأنكم عمالين تحرقوه بالنار في قلبه وهو مش قادر يصرخ ويقول: "موجوع".
على الأقل أنا بقدر أخرج اللي جوايا بلمحة ساعات، أو بفضفض معاكم.
إنما هو حابس وجعه جواه وساكت.
وياريتكم رحيمينو، لا ده كل شوية بتدبحوه بسكينة تلمة.
أنا لما بقرب منه أو قلت له إني بحبه، مش عشان أعرفه اللي جوايا.
لا، هو عارفه من قبل ما أنا أكتشفه أصلاً.
أنا بس بحاول إني أطمئنه وأقول له: أنا جنبك ومش هبعد مهما حصل، ولا عمري هتخلى عنك لحد.
بس ما يقدر يتصالح مع نفسه ويعرف إن كل اللي بيفكر فيه ولا يفرق معايا.
بدر بيحميني من نفسه، لأن حبه صعب وغيرته شديدة.
خايف يخنقني بيها وأكرهه.
ده غير فرق السن ١٢ سنة مش قليلة بالنسبة له، مع إني مش حاسة بيها.
كل ده كوم، والناس اللي هتقول إنه بعد ما رباني طمع فيا.
أظن أنا كده فهمتكم جزء من تفكيره، مع إني مش ملزمة إن أبرر لحد.
بس أنا قلت عشان بعد كده مش هسمح لأي حد مين ما كان إنه يوجعه بكلمة أو يفتح الموضوع ده تاني.
اتفقنا معاكم إني هجننه لحد ما يعترف لي، كنت فاكرة إنكم حاسين بيه، بس قدام ده تفكيركم عنه يبقى ستوب وكفاية لحد كده.
سيبونا في حالنا بقى.
أنهت حديثها بقيامها سريعاً متوجهة للأسفل دون أن تعطيهم فرصة للرد.
وتركتهم في صدمتهم.
حتى لوجي استغرقت لحظات حتى استفاقت سريعاً وقامت بالضغط على عدة أزرار في هاتفها.
من بعدها تم إرسال الفيديو إلى أخيها.
دلفت مهره شقة جدها ومنها إلى غرفتها، ولم تعطي فرصة للموجودين بسؤالها عن حالتها.
كان الجد يجلس في بهو المنزل مع النساء.
وحينما رأى حالتها قام سريعاً ولحقها.
طرق الباب ودلف إليها، وجدها تجلس على الأريكة ضامة ركبتيها إلى صدرها وبينهم رأسها وهي تبكي دم بدل الدموع.
جلس جانبها وأخذها في حضنه وأخذ يطبطب على ظهرها ويمسح على رأسها وهو يرتل بعض الآيات القرآنية حتى هدأت تماماً.
أبعدها قليلاً وسألها:
مالك يا قلب جدك؟ يا ريحة الغالي؟ ليه عاملة في نفسك كده؟
مهره: أبداً يا جدو، مخنوقة شوية.
الجد: بتحبيه وهتقدري تستحمليه يا مهره؟
ردت عليه دون مواربة:
ولا عمري حبيت ولا هحب غيره يا جدو.
واستحمل منه أي حاجة، المهم نبقى سوا.
الجد: أنتِ عارفة إنه بيعشقك، مش بس بيحبك، صح؟
لولا دماغه الجزمه دي.
مهره بفرحة: يعني أنت عارف إنه بيحبني يا جدو؟ أخيراً حد غيري فهمه.
الجد: فاهم وعارف.
وكفاية لحد كده.
مهره: مش فاهمة قصدك إيه؟
الجد: قصدي إن لو فضلنا نستناه ينطق، يبقى بنضيع أحلى سنين في عمركم.
بعدين ده عدى الثلاثين، هنستنى إيه تاني؟
ورحمة أبوكي يوم ما يرجع من السفر، لأخليه ينطق غصب عنه.
بس أنتِ وافقيني فيما هعمله، ومالكيش دعوة.
مهره بمرح: مش مرتحالك يا حج أحمد، ناوي للولد على إيه؟
الجد وهو يضربها على جانب رأسها بمزاح:
يابت، هو أكل ولا بحلق؟
وبعدين عايزك تنشفي وجمّدي قلبك الرهيف ده عشان نوقعه على بوزه.
مهره بغمزة: معاك يا كبير.
الجد: هقولك...
في اليوم التالي في مدينة بروكسل، عاصمة بلجيكا.
خرج بدر من المطار، وجد صديقه بيتر في انتظاره.
بيتر بترحيب: هلا هلا بفرعون مصر، يا ريحة الحبايب!
أنت اشتقتلي كتير يا زلمي، ليش كل هالغيبة يا أزعف؟
بدر: أهلاً أهلاً بنص الخواجة! اشتقت لي أنا ولا الحبايب اللي في مصر؟
ضحك بيتر ومشى معه حتى ركبا السيارة ووضع الحقائب في الخلف.
ثم تولى بيتر القيادة بعد أن استقر بدر بجانبه.
بيتر: لك شوف أخي، هالموضوع اللي حاكتلي إياه ما ينفع نحكي فيه بالشركة، من شان هيك راح آخدك عبيتي.
أنت عارف إني قاعد لحالي، بلا منها تقييد الفندق.
ومشان نعرف نتكلم على رواق، شو رأيك؟
بدر: تمام زي الفل، اتوكل على الله.
مد بيتر معصمه في وجه بدر وهو ينهره ويقول:
لك العمي على قلبك يا زلمي، كل هالصليب ما معبي عينك؟
شو أعمل لك أنا؟ حتى تعرف إني مسيحي.
بدر: ببببببس! الله يرب بيتك، كل ده عشان بقولك اتوكل على الله؟
أمال نريد نتتوكل على مين؟ البابا بتاعكم؟
كاد يقاطعه بيتر، ولكن بدر أوقفه:
صلي على النبي في قلبك كده وروّق، هنخسر بعض عشان حتة رسمة على إيدك.
بيتر بعجز من هذا الحديث المكرر بينهم في كل مرة يقابلون بها عندما يأتي بيتر زيارته لمصر:
خلص خلص، هقولك كيف؟ ما بتقلي دايماً "عيسى نبي وموسى نبي".
بدر: وكل من له نبي يصلي عليه.
نظر إليكم وانفجرا ضاحكين ههههههه.
بعد هذه الأحداث بعده أيام.
في منزل النعمان مساءً.
كانت العائلة كاملة تجلس معاً في انتظار تحضير وجبة العشاء.
حتى مساءً، إن زينة أيضاً حاضرة معهم بناءً على طلب الجد.
فبعد أن أنهت ضيقة من مراجعة دروسهم، مصر الجديد عليهم أن لا تعينهم.
ولكن كانت مهره هي الوحيدة الغائبة عن هذا التجمع، وبالطبع بدر.
جدو من يدخل عليهم فجأة، وكان الجد الأسرع في استقباله:
بدر يا ابني، حمد الله عالسلامة.
بركة خير إنك ما قلتليش إنك جاي، كنت بعتلك حد المطار.
إزالة بدر من أحضان جده، ممسكاً كفه العظامها باحترام ورد عليه:
قلت أعملها مفاجأة.
احتضنه أبيه وهو يقول:
أحلى مفاجأة يا ابني ده، كنت هتجنن! أول مرة تتجاهلنا يا بدر.
ثم توالت عليه السلامات من جميع الحاضرين.
ولكن عينه كانت تبحث عنها.
الحصار أن يسأل، كانت عمته الأسرع في إجابته على سؤاله قبل أن يسأله، فهي لاحظتها بعينها.
نوال: اللي بتدور عليها نايمة جوه في أوضتها.
بدر بخده: ليه؟ هي تعبانة؟ مالها؟
نوال: لالا يا ابني مش تعبانة ولا حاجة.
هي بس كان عندها درس أون لاين حضرته على اللاب توب بتاعها.
هتنّام شوية، وأخيراً العشاء ما يجهز.
هدخل أصحيه.
الكلم ينتظر بدر أكثر وقال وهو يتجه إلى غرفتها:
لا، أنا هدخلها.
انتظرت الفتيات قليلاً.
وعندما دخل بدر غرفة مهره، ولحسن حظهم أنه نسي أن يغلق الباب أو أنه غير مهتم.
قاموا بسرعة لإرضاء فضولهم عن رد فعل مهره حين تراه.
دلف بدر الغرفة ببطء، ظناً منه أنها نائمة كما يُقال له.
ولكن وجدها تجلس على فراشها وهي تسند ظهرها على ظهر الفراش وتضع سماعة الأذن تستمع لبعض الأغاني.
ورغم أن السماعات داخل أذنها، إلا أنها تقوم بتعليّة الصوت حتى أنه يصل إليه ما.
وللأسف كانت تلك الأغنية التي أرسلتها له من عدة أيام.
كانت شاردة بشكل منفصل عن العالم، ولا تشعر بمن حولها.
فجأة مد يده وانتزع عنها سماعات الأذن، لتعود إلى الواقع.
رفعت عينيها سريعاً بخضة للحظات، ثم وقفت على الفراش وهي مذهولة، لا تتمتع بحماية ما لها.
ثم قالت بعد فترة:
أنت بجد ولا أنا بتهيألي زي كل يوم؟
يقترب ويمد يده ويخطفها في أحضانه.
وتتعلق هي بذراعيه حول رقبته، وتثني سُريتها.
وهو يعاملها ويقول:
لا بجد، بجد يا فرستي، وحشتيني أوي أوي.
ثم توقف عن دورانه، ولكن لم ينزلها.
وعندما طال صمتها، قال هو:
إيه يا فرستي؟ هو أنا مش وحشتك؟
مهره وهي تضربه بقبضتها على ظهره قالت وهي تبكي:
وحشتني، وحشتني، ووجعتني يا بدر.
بعدك عني جرحني.
أنزلها عنه شاملاً، ثم احتضن وجهها بكفيه وجلسها في عينيها وهو يقول:
أنا اللي جرحتك، وأنا اللي بنزف، يا أغلى بدر وقلب بدر وعذاب بدر.
ثم...
ثم ماذا؟
أمـممـم...
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريدة الحلواني
بدر: أنا اللي جرحتك وأنا اللي نزفت يا نار بدر وقلب بدر وعذابه.
هكذا أثلج قلبها الموجوع منه وعليه ببعض كلمات خرجت من صميم روحه.
مال عليها قليلًا ثم قبّل جبينها قُبلة طويلة أودع فيها كل عشق واحترام واعتذار يشعر به داخله.
ثم اعتز ثانياً وقال: حقك على قلبي وروحي يا بنت قلبي، بس أنتِ فاهماني وحاسّة بيا صح يا فرستي؟
سكت وانتظر الإجابة علّها تريحه من تلك الأفكار الماكثة بعقله، وكأنها جيوش العالم قد احتلت تفكيره وهو الفارس الوحيد المتصدي له بدون سلاح.
نظرت له بابتسامة حلوة وهو يمسح دموعها بيده وقالت: عمري ما أزعل منك أبداً وعذراك وهستناك لآخر نَفَس فيه لحد ما تزهق وتقول خلاص سلمت، وأنت عارفني عنيدة ومش بتنازل عن حقي، وأنت حقي من الدنيا يا بدر. هسيبك في حالة واحدة لو قلتلي مش عايزك وأنت عينك في عيني، وقتها بس هختفي من حياتك. إنما طول ما أنا مسمعتهاش يبقى هفضل جنبك حتى من غير ما تطلبها بلسانك، يكفيني إني أحسها جواك، وإن كل لمسة أو كلمة أو نظرة تمني منك بتبصها لي سرقة وفاكر إني مش واخدة بالي، كل ده بيترجاني إني ما أسمعش كلامك وأفضل جنبك، وأنا اتعودت معاك إني بفهم اللي أنت عايزه من نظرة عين وأنفذه على طول.
هقولك حاجة بس ما تستغربش.
نظر لها بعين تلمع عشقاً ووجع يترجاها أن تكمل.
مهرة: أنا بعتلك رسالة إني نزلت الدروس يوم واحد بس ومش هنزل تاني غير لما ترجع، عارف ليه؟
بدر: ليه يا فرستي؟
مهرة: عشان اليوم اللي نزلت فيه كنت خايفة، لا ده أنا كنت مرعوبة.
بدر بفزع: ليه، حد اتعرضلك؟
مهرة: لا بالعكس، أنا روحت أنا والبنات وأحمد هو اللي وصلّنا وقعد كمان جوه السنتر لحد ما خلصنا وأخدنا عالبيت. بس أنا كنت مرعوبة، أول مرة ما أحسش بالأمان، كنت حاسّة إني متعريّة وبردانة برغم الحر. أنت لما بتبقى هنا أنا بنزل وبروح وأجي في أي حتة وأعمل مشاكل كمان من تفكير عشان بس حاسّة إنك في ضهري، وأول ما أطلبك هلاقيِك قصادي. نعمة كبيرة ما حسيتش بقيمتها غير لما أنت غبت عني لأول مرة، مع إن جدو وعمامي وحتى إخواتي سواء الشباب أو البنات كلهم حواليا ومتاكدة إن لو حاجة حصلت لي هيقفوا جنبي. بس أنت غير يا بدر، بحس إن لا يمكن حاجة تضرني طول ما أنت جنبي وده مش تقصير منهم أبداً والله. بس المشكلة فيا أنا، أنا اللي مش شايفة غيرك في الدنيا واليوم اللي تغيب عني فيه أتمنى إني أتعمي عشان ما أشوفش غيرك.
احتضنها بدر بشدة حتى شعرت بتكسير عظامها، وهي أكثر من مرحبة بهذا الألم مادام في حضن حبيبها.
بدر: طب أقولك إيه، كتير عليا كل ده، ما أستاهلش منك كده، أعمل إيه؟ قوليلي أعمل إيه؟
خرجت مهرة من أحضانه حينما أحست ببوادر انهياره، وهذا ليس وقته، فلتصبر حبيبي قليلًا حينما نختلي ببعضنا دون تطفل، فلتنهار معي وأنا أبكي معك، فنحن غطاء لبعضنا.
هذا ما فكرت به وهي تبتعد عنه قليلًا وتبتسم له وتقول: ولااااا أي حاجة، ولا تقول ولا تعمل أي حاجة دلوقت، وأنا عند وعدي ليك مش هقولك بحبك تاني ولا هضغط عليك تقولها لحد ما ربنا يحلها من عنده.
بدر: هو بعد كل اللي أنتِ قلتيه ده في كلمة حب ممكن تتقال بعده؟
مهرة بمزاح حتى تخفف حدة الموقف: ياااااااه يا فرج، أنت لسه شوفت حاجة.
جاراها في مزاحها وهو يمسكها من ملابسها من الخلف ويهزها للأمام والخلف ويقول: مين فرج ده يا بت، ده أنا هنفخك.
مهرة: ده إفيه يا بدر، إفيه، إيه ما تعرفش الشات والأفلام؟
بدر: لا يا أختي ما أعرفهاش، وبلا بقى، الوقت انتهى، روحي البسي الإسدال عشان نطلع للبشر اللي بره دول.
ثم التفت إلى الفتيات اللاتي مازلن يقفن يشاهدن الموقف بتأثر بالغ، فتارة يبكين وتارة يبتسمن، ولكن التعبير الأكثر ظهوراً عليهن هو الذهول من هذا البدر، من أين أتى هذا الملقب بالهمجي بكل تلك الرومانسية التي لم يروها في أقوى روايات أو أفلام الحب.
أفاقهم من شرودهم وهو يسقف بيديه ويقول: يلا يا أبلة أنتِ وهي، العرض خلص أتمنى تكونوا استمتعتوا.
ولما لم يجد أي رد فعل منهم صرخ بهم: يلااااااا يا بت اتحركي.
ولم يكمل حتى جرت الفتيات ووقعن فوق بعضهن على أثر تدافعهن، جلسن في الأرض في وسط ممر الغرف وانخرطن في الضحك حتى جاءت إليهم العمة نوال و ريهام زوجة عادل، فهما كانتا الأقرب لهن حينما سمعتا صوت سقوطهن.
نوال: يخيبك أنتِ وهي، إيه اللي مهببينه في نفسكم ده.
ريهام بشك: هو حد كان بيجري وراكم؟ كنت سامعة بدر بيزعق.
اعتدلت الفتيات واحدة تلو الأخرى ولكن من تحدثت هي لوجي: آه يا ست الحبايب، ابنك حبيبك كان بيبهدلنا. وسعوا بقى عشان نلحق نقعد قبل ما يطلع يكمل علينا.
نوال: لا يا معدولة أنتِ وهي، قدامي عالمطبخ عشان نغرف الأكل، يلا منك ليها، بلا دلع بنات مرق.
في وقت لاحق بعد أن تناولوا وجبتهم في جو يسوده المرح حتى أن الجد كان اتصل بسليم ليحضر هو وباقي أسرته ليقضوا باقي السهرة معًا احتفالًا بعودة حفيده الغالي... أممممم ولسبب آخر سنعرفه لاحقًا.
اجتمعوا جميعاً ليحتسوا بعض المشروبات وقد تولى الشباب فيما سبق نقل جميع الحقائب التي أتى بها بدر وتركها بالأسفل.
أخذ بدر يفتح الحقائب الواحدة تلو الأخرى يوزع عليهم جميعاً الهدايا القيمة التي ابتاعها لهم من ساعات وعطور للرجال وميك أب وعطور وحقائب للنساء، وكلها من أحدث الماركات العالمية، شكروه جميعاً عليها وقد أعجبتهم كثيرًا.
وقد لفت نظر لوجي حقيبة باللون البينك متروكة جانباً لم يمسسها أحد فأردفت: لسه في شنطة ما اتفتحتش يا بدر، فيها إيه دي لونها حلو أوي.
تنحنح بدر بقليل من الإحراج ورد عليها: دي فيها شوية حاجات لمهرة تشيلها في شوارها.
ردت لوجي بغيظ مصطنع: يا سلااااام، واشمعنى مهرة تجيب لها شوارها من بره؟ ما جبتليش زيها ليه؟ هو مش أنا أختك بردو؟
رد بدر وقد استعاد همجيته: وأنا أجيبلك ليه يا أختي؟ أنتِ مش عندك أبوكي وأمك مفتشّاها في الطلعة والنزلة عشان تجيبلك اللي أنتِ عايزاه؟ يبقى أنا مالي بيكي بقى؟ هو أنا خلّفتك ونسيتك؟
لوجي: يعني أنت كنت خلّفت مهرة ولا هي حجج والسلام؟
بدر: آه يا حلوة أنا أبوها ولازم أجهزها جهاز محدش يحلم بيه، ليكي شوق في حاجة؟
التقط الجد طرف الحديث فهو وجده فرصة لتنفيذ ما انتوى عليه، وكان يفكر كيف يفتح الحديث ولكن جاءت لوجين حبيبة جدها وأعطته الحل دون أن تدري.
الجد: طب يا بدر والله أنت فيك شيء لله، كان قلبك حاسس.
بدر وقد توجس خيفة من فحوى الحديث: مش فاهم يا جدي تقصد إيه؟
الجد: أنت عارف محمود الشيمي طبعاً من أكبر تجار الموبليا، غير إنه بلديتنا من سوهاج، جالي من كام يوم يطلب إيد مهرة لابنه الدكتور معتز اللي لسه راجع من بلاد بره وبيجهز للمستشفى الخاص اللي هيفتحها في جليم.
بدر وقد أصبح كمن يجلس على لهب، ولكن حاول أن يتماسك ويصبر نفسه أن الموضوع كغيره سيقابل بالرفض وانتهى.. ولكن ما أرعبه أن لأول مرة يعلن الجد عن أحد تقدم لها على الملأ، فدائمًا كان يرفض دون إخبار أحد، ولكن فلتنتظر بدر حتى تعرف ما هدف الجد من هذا الإعلان.
بدر: عادي يا جدي، يكش يكون وزير الصحة، ما يلزمناش، البت لسه صغيرة وأنا مش هجوزها دلوقت.
احتد الجد عليه وأقسم أن يكسر أنفه هذا البدر الغبي.
الجد: بس المرة دي غير يا بدر، أنا اديت للراجل كلمة.
انتفض بدر واقفًا يحاول استيعاب تلك الكارثة، فكلمة الجد لا يمكن أن ترد.
بدر: يعني إيه الكلام ده يا جدي؟ يعني إيه اديتله كلمة؟
الجد وهو يجلس بارياحية: يعني أنا فضلت أجيله يمين وشمال عشان يفهم إني رافضين، بس الراجل مصمم. قلتله لسه صغيرة وهتكمل علام، قال هيستناها. قلتله أنا ما أقدرش أخليها تعيش بعيد عني وهتسكن معايا، قالي إني ما أردهاش على نفسي بس ممكن يسكنوا في شقتهم القديمة اللي في شارع العطارين، ما أنت عارف إنه ساكن دلوقت في سموحة، بس ابنه هيتنازل عن المكان الأبهة اللي عايش فيه ويسكن في منطقة شعبية لأجل خاطرنا. وفي الآخر طلب إنهم ييجوا يتغدوا معانا يوم الجمعة والبت والولا يقعدوا مع بعض يمكن يحصل قبول.
صرخ بدر عاليًا: عليييييي جثتي لو لمح طرفها.
وقف الجد غاضبًا: أنت بتعلي صوتك عليا وعايز تكسر كلمتي يا بدر؟
حاول المحيطون بهم التدخل لتهدئة الوضع وقد علت الأصوات، فضرب الجد بعكازه في الأرض وقال: بسسسسس، ولا نفس، محدش يدخل.
ثم نظر لبدر داخل عينيه بتحدٍ وقال: هاااا يا معلم بدر، هتمنعها إزاي بقى قولي؟
بدر بهياج: همنعها، هحبسها، محدش له كلمة عليها غيري، ولو عايز ينام قتيل قدامك يا جدي خليه يعتب الشارع بس مش البيت، وأنت عارف إني أعملها.
الجد وقد أراد أن يضغط أكثر عليه حتى ينفجر.
الجد: أنت بتتحداني يا ابن الكلب؟ دي آخرة تربيتي ليك؟
بدر بجنون: أيوه بتحداك، وأتحدى أي حد يقف في طريقي عشان دي مراااااتي.
الجد وقد وصل لمبتغاه: مراتك بحتة ورقة عرفي؟ أنا اللي كتبتها وأنا اللي هقطعها.
بدر وقد زاد جنونه من كلام جده قال: طب يبقى أنت اللي اخترت يا حج، وعشان أثبتلك استنى وهتشوف.
ثم جرى سريعًا إلى غرفته لحظة وخرج منها ممسكًا سلاحًا ناريًا يمتلكه وأيضًا مرخص ولكنه لا يستعمله.
رفع السلاح بيده أمام الجميع وهو يهدر: أهووووو ديتو طلقة، وأنت هتبقى السبب يا حج نعمان.
صفعة قوية نزلت من يد الجد على وجه بدر الذي لم يتحرك إنشًا واحداً على أثرها، وظل مثبت عينه بعين جده بتحدٍ سافر وعدم تراجع عما نوى، وقد تحولت عينه لكتلة من اللهب.
صمت صمت صمت هو ما ساد الغرفة بعد صوت الصفعة، تلاها شهقات الجميع وبكاء الفتيات خاصًا مهرة التي وضعت يدها على فمها تكتم صراخها فهي أحست بوجع الصفعة كأنها هي من تلقتها.
بمنتهى الهدوء في لحظة خاطفة شد بدر صمام الأمان ومسك يد جده ووضع بها السلاح ووجه فوهته في صدره وقال: يبقى موتي بإيدك يا جدي، كده موتة وكده موتة.
إلى هنا وكفى، لم تستطع مهرة التحمل أكثر.
صرخة خرجت من قلبها وهي تقول: بسسسس بس بقى كفاية، حرام عليكم، لو هتعملوا في بعض كده بسببي يبقى موتي أحسن.
أتبعت كلماتها بجريها سريعًا متوجهة خارج الشقة صاعدة إلى أعلى، فهي لن تتحمل أكثر من ذلك، وحقًا لم تكن تتوقع أن اتفاق الجد معها سيؤدي لما حدث، فهي أقصى ما توقعته أن بدر سيصرخ قليلًا ولكن يصل الأمر حد القتل لااااا.
جرى وراءها الفتيات حتى أمسكن بها وأدخلوها عنوة شقة المذاكرة حتى يحاولن تهدئتها.
بالأسفل وقع المسدس من يد الجد أرضًا فالتقطه سليم سريعًا حتى لا يتهور بدر ويحدث ما لا يحمد عقباه.
الجد: عايزني أقتلك بإيدي يا خليفة النعمان وأنت أول ما شافت عيني من أحفادي؟ لا وكمان بتتحدى جدك وعايز تكسر كلمته؟
بدر وقد فقد القدرة على التحمل وفاضت عينيه دمًا بدل الدمع وقد انهار حقاً وركع على ركبتيه يقول وهو ينتحب كطفل صغير تاه عن أمه ولا يجد سبيل لإيجادها وأردف: لا عشت ولا كنت يوم ما أكسر كلمتك يا جدي، بس غصب عني مش قادر، موتني قبل ما تديها لغيري يا جدي، أبوس إيدك موتني وارحمني من النار اللي هنا، وأخذ يضرب بقبضة يده موقع قلبه ويكلم بقهر محدش حاسس بيه، عمالين تدوسوا تدوسوا كأني جماد ما بيحسش، بس صدقني يا جدي خلاص أنا اتكسرت، الجمل نخ يا جدي.
جلس الجد قبالته وهو يبكي أيضًا تأثراً بحالة حفيده، جذبه لأحضانه ثم همس له: ريح قلبك يا ابني وريحها معاك، مش صعبة عليك؟
بدر ابتعد عن جده وهو يقول بقلة حيلة: طب هقول لأبوها إيه في الآخرة؟ طمعت في أمانته، طب الناس هتقول إيه؟ بلاش كل ده، تضمن منين إن كل اللي هي فيه ده مجرد مراهقة وتتغير لما تكبر أو حتى يكون رد جميل ليا على اللي عملته معاها؟
الجد بتعقل وحنية: أبوها لو عايش هو اللي كان هيطلب منك تجوزها، والناس يا ابني مش بتبطل كلام، أما على اللي جواها ليك أنت أدرى واحد بيه يا ابني، البنت مش شايفة غيرك وبتحبك فوق الحب حب، وأنت عارف إنها عاقلة ودماغها كبيرة، مش زي البنات بتوع اليومين دول.
نظر له بدر بتيه يريد أن يجد طريق.
الجد بتشجيع: قوم قوم يا بدر يا ابني، اطلع راضيها وطمنها وريح قلبك وقلبها. إحنا اللي داخلين عليه مش هين وعايز بال مرتاح ودماغ صافية، وأنت طول ما قلبك مش مرتاح يبقى عمرك ما هتركز في اللي جاي، اللي الغلطة فيه بفورة، والأهم من ده كله تريح عمك في تربته، وأنا كمان يا ابني نفسي أفرح بيكم قبل ما أقابل وجه كريم.
بدر رد سريعًا: بعد الشر عنك يا جدي، ربنا يخليك لينا.
الجد: طب قلت إيه؟ ريح قلبي يا ابني.
التقط بدر كف الجد وقبّله ثم قال: اللي تأمر بيه سيف على رقبتي، حاضر يا جدي، هريحك وأرتاح أنا كمان.
الجد وهو يجذبه ليقفا معًا: طب يلا اطلع راضيها وهاتها في إيدك عشان نتكلم في الجد بقى.
بدر: كلام جد إيه يا جدي؟ ما هي مراتي أصلاً.
أحمد بهمس لمصطفى: شوف يا أخي بقى يقول مراتي بسهولة إزاي، مش هو اللي بقالنا سنة بنحاول نقنعه؟ لا وشوف الجبروت اللي هو فيه، أمال مين اللي كان منهار من شوية؟
مصطفى بنفس الهمس: جدك ده لعيب أقسم بالله، سكت سكت وفي الآخر جابه على بوزه، ما خدش في إيده غلوة.
الجد: أنت فاكر هتاخدها بالسهل كده؟ المهم بس دلوقت اطلع لها ولما تنزلوا نتفاهم.
انطلق بدر وكأنه كان في انتظار تلك الدفعة لكي يتحرر من مخاوفه.
خرج سريعًا وقد أخذ يصعد كل درجتين معًا حتى يصل إلى معذبته وراحته معًا، وصل أخيرًا وأخذ يطرق الباب بشدة حتى فتحت مها الباب وهي تنظر له بغضب ولكنها لا تستطيع التعبير عنه.
بدر بسفالة: يلا يا بت أنتِ وهي من هنا، ومد يده تجاه الباب في إشارة صريحة لطردهم.
انسحبت الفتيات سريعًا خوفًا من بطشه مع وقوف مهرة من مكان جلستها متحفزة لعراك حاد معه.
أغلق الباب وأكد على غلقه بالمفتاح حتى لا يقتحم أحد عليه خصوصيتهم، فهو لا يعلم مقدار الوقت الذي سيأخذه في إخراج ما بداخله معها وأيضًا وضع الإطار الذي سيحدد علاقتهم ومدى قبولها له.
اتجه إليها ببطء ثم أمسك رسغها يقربها له، كادت أن تتحدث ولكنه كان الأسرع في وضع يده الحرة على فمها حتى يسكتها، وتحدث هو بحدة وغضب و..... حنان يفيض من عينيه: هغير عليكي وهخنقك.
موافقة؟
مش هتنزلي مالبيت إلا معايا.
موافقة؟
هلبسك النقاب.
مش محتاجة حد يشوفني غيرك.
هتتعبي من حبي.
عمري ما أتعب من اللي اتمنيته.
كانت كل كلمة تنطقها يقابلها كثيرًا من الدموع المنهمرة من عينيها.
قربها منه أكثر وقال بضعف وخجل: اااا أنا بحب الجنس وأنتِ صغيرة مش هتستحملي.
لم تجد رد على آخر حديث له إلا أنها انقضت عليه وسقطت شفتاها بشفتاه حتى تثبت له أنها تتمناه مثله وأكثر.
أسلم هو دِفة القبلة فأخذ يمتص شفاهها السفلى ثم العليا ثم يقبل ويقبل حتى كادت أن تزهق روحها من انقطاع النَفَس، فصل القبلة ولم يبتعد، وضع جبينه على خاصتها وهو يلهث ويقول: أخيرًاااااا.
مهرة: أخيرًااااا وليس آخرًا يا قمري، خلاص مش هتبعد؟
بدر: بموتي لو بعدت، أنا بحبك، بعشقك، بموت في التراب اللي بتمشي عليه، أوعي تسيبيني خليكي ماسكة إيدي، أنا معاكي زي العيل الصغير اللي دايمًا محتاج حضن أمه، أنتِ بتقولي إنك خفتي لما سافرتي، لا أنا بقى اللي بتعرب لو غبتي عن عيني، خايف تكبري وحد ياخدك مني يا فرستي، أموت والله أموت، فقوليلي من دلوقت لو في احتمال لو 1% إنك ممكن تبعدي قولي من دلوقت.
مهرة: هقولك نفس كلمتك، بموتي لو بعدت عنك، ومسير الأيام تثبتلك إن كل خوفك كان مجرد أوهام حرمتنا من بعض.
أخذ بدر يقبلها في سائر وجهها بعد أن أزال الإسدال عنها وسحبها وتحرك بها حتى جلس على أقرب أريكة وأجلسها فوق ساقيه وهو يقول: مشتاقلك أوي يا فرستي، من يوم ما ذقت شفايفك وأنا مش قادر أتحكم في جسمي، نار قايدة فيه. كان يتحدث من بين قبلاته لها ويده تعتصر نهديها.
أخرجهما من ملابسها وهو يقول: أنا عايزك دلوقت، مش قادر. أردف قوله بالتهام ثدييها واعتصار الآخر وأخذ يبدل بينهما، وهي تتحرك فوق رجولته بعشوائية من فوق ملابسهم وتقول وهي تشد رأسه وتلهث: ولا أنا قادرة، هموت عليك. ظل يمتص ثدييها وهو ممسك بها بيد واليد الأخرى أدخلها داخل ملابسها حتى وصل إلى أنوثتها التي وجدها مبتلة وأخذ يحرك إصبعيه ببطء ثم ضغط عليها فصرخت من الألم والمتعة.
أبعدها قليلًا حتى يتسنى له فتح بنطاله ثم أخرج رجولته وأزاح عنها بنطالها ولباسها الداخلي ورفع رجولته حتى لامست بطنها ثم أجلسها عليها وأمسكها من خصرها حتى يستطيع التحكم وأخذ يحركها ببطء وهو يقبلها ويقول: أنتِ نعيمي وجنتي عالأرض، أول ما تخلصي امتحانات هنتجوز على طول عشان أعرف أمتعك صح، ماشي حبيبي موافقة؟
قالت وهي مغيبة: موافقة، ااااه موافقة، أنا عايزاك أوووي، مش قادرة.
أسرع من احتكاكهم ببعض وهو يعض نهديها ويقول: معلش حبيبي استحملي، مش هقدر أسرع، خايف يفلت وأنا عايزك بالفستان الأبيض، أهووو قربتي حبيبي.
اااه اااه قربت.
أنا كمان، يلااا نجيبهم سوي، اااه جننتيني. ثم صرخا معًا صرخة خلاصهم من هذا الجنون الذي تلبسهم.
احتضنا بعضهما بقوة وزفرا معًا زفرة ارتياح أنهم أخيرًا معًا.
أبعدها قليلًا وقبّل جبهتها وأردف: تعالي نتشطف أنا وأنتِ بسرعة عشان ننزلهم، زمانهم استغربونا وقالوا إني بعذبك، وبعدين نبقى ناخد دش على رواق.
قالت بدلع: طب ما أنت فعلاً كنت بتعذبني.
بدر: لا لا لا، أبوس إيدك، أنا لسه أصلاً ما شبعتش منك، مش وقت دلع، بعد ما الكل ينام هتبقى سهرتنا أنا وأنتِ صباحي، أبقى تدلعي براحتك.
مهرة بعد أن قبلته قبلة سطحية قامت من على ساقيه وقالت: حاضر يا قمري، يلا أنا هدخل الحمام بسرعة...
قبل أن تكمل كان يقف ويقاطعها ويسحبها نحو المرحاض وهو يقول: اسمها هندخل سوي عشان من هنا ورايح كل حاجة هتبقى مشتركة بينا.
بعد قليل نزلا معًا وهم مشبكين أيديهم معًا، كان كل واحد منهم يخاف أن يضيع الآخر منهم، وكان مشهدهم خير دليل أن الأمور بينهم أصبحت على خير ما يرام.
جلس بدر وأجلسها بجانبه بعد وهو ما زال ممسكًا يدها، ثم نظر للجد وقال: أدينا جينا، أمرني يا جدي.
الجد: أولًا تعالي جنبي هنا يا مهرة.
نظرت مهرة لبدر علامة على أخذ الإذن منه مما أثلج قلبه كثيرًا فمال عليها يعطيها الإذن وهو يقول لها بهمس: ماشي روحي بس من غير تلزيق.
ضحكت له وقامت وجلست بجانب الجد مع ترك مسافة بسيطة لتريح بدرها.
الجد: ها يا معلم بدر، مش فيه أصول لازم نمشي عليها ولا إيه؟
بدر: .......
ترى ما طلبات الجد؟ أمممممممم
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريدة الحلواني
أردف بدر بعد ما فهم قصد الجد من اتباع الأصول:
"ومفيش أحسن من الأصول اللي اتربينا عليها يا جدي، وأنا هتبعها. وأطلب منك قدام كل اللي قاعدين، بعد إذن أبويا طبعًا، بطلب منك إيد مهرة بنت عمي على سنة الله ورسوله."
هلّل الحاضرون فرحًا بما يحدث، ولكن أوقفهم الجد قائلًا:
"وأنا مش هأمن عليها غير معاك، بس هتقدر على مهرها؟"
بدر بحزم:
"تشاور بس وأنا أحط الدنيا تحت رجليها."
الجد:
"كلام جميل، بس أنا عايز مهرها نص اللي تملكه يتكتب باسمها."
نظرت مهرة سريعًا إلى جدها مستنكرة حديثه وهي تقول باعتراض:
"إيه الكلام ده يا جدو؟ أنا مش عايزة حاجة."
أسكتها بدر ونظر لجده بتصميم:
"استني أنتِ يا مهرة متدخليش في كلام الرجالة. لا يا جدي مش هينفع."
ثم سكت قليلًا حتى يثير فضولهم وأكمل:
"أنا هكتب لها كل حاجة أملكها، عملتها من عرق جبيني. وأهو عم حسن موجود يجهز العقود، ومن الصبح هكتب لها كل حاجة بيع وشرا ونسجلها في الشهر العقاري كمان."
الجد:
"متأكد ولا بتبيع كلام؟"
بدر بزعل:
"أنت تعرف عني كده يا جدي؟ إمتى أنا وعدت بحاجة أو قلت كلمة ورجعت فيها؟ بعدين أنا لو أطول أجيب لها نجمة من السما مش هتأخر. دي بنت عمري وقلبي، دي مهرة يا جدي، عارف يعني إيه مهرة؟"
الجد بفرح وتأثر:
"عارف يا ابني عارف."
قاطعتهم مهرة:
"بس أنا أخدت مهري خلاص يا جدو."
الجد:
"أخدتيه إزاي يا بنتي مش فاهم؟"
مهرة وهي تنظر في عين بدر بنظرات تقطر عشقًا وتقول:
"أخدته أول ما اتولدت وهو أول واحد شالني وسمّاني. ولما نزل اشتغل وهو عيل ابن ١٢ سنة عشان ينفذ وعده لأبويا برغم إنه مش محتاج يعمل كده. ولما بدأت أكبر على إيده يوم بعد يوم وهو بيعلمني ويفهمني. لما كان يرجع من كليته جري عشان يأكلني لأنه عارف إني هقعد من غير أكل لحد ما يرجع يأكلني بإيده، بعدها يقعد يذاكر لي وميسبنيش إلا لما أخلص حتى لو اتأخر على شغله.
أخدته لما بدأت أكبر وكان يسيب صحابه وخروجاتهم يوم إجازته عشان يخرجني ويلعب معايا كأنه في سني.
أخدته لما دلعني وغرقني بحنينه كأنه أبويا.
ولما حافظ عليا واحتواني وحطني تاج فوق راسه كأنه أخويا.
ولما كان يلاقيني زعلانة ويأخذني في حضنه كأنه أمي.
ده حتى لما بقيت آنسة كبيرة بقى يتكلم معايا ويسمعني كأنه صاحبتي."
ثم نظرت لجدها وأكملت:
"يعني باختصار يا جدو، بعد ما بدر قدم لي عمره وحياته واتنازل عن حاجات كتير كان ممكن يعيشها لو مكنتش في حياته، يبقى كده دفع لي مهر محدش في الدنيا دي كلها قدمه لحد."
انبهر الجميع بما قالته تلك الصغيرة ومما تكنه لبدرها.
كان بدر مبهوتًا من كلمات صغيرته ولم يستطع تمالك نفسه، وقف سريعًا ونظر لجده وقال بلهفة:
"سامحني يا جدي، أنا آسف غصب عني مش قادر."
وقبل أن يفهم الجد مقصده، كان بدر قد اختطف مهرة وحملها وأخذ يدور بها وهو يصرخ:
"بحبببببك! بعشقك يااا فرااااااستي!"
أخذ الشباب يطلقون الصافرات والنساء والفتيات يطلقن الزغاريد وكاد قلبهم يقفز من الفرح.
أنزلها بدر وضمها تحت كتفه وهو يقول:
"متقلقش يا جدي، أنا برده هكتب لها زي ما قلت، بس لي عندك طلب."
الجد:
"قول، مش مرتاح لك."
بدر:
"هنقرا الفاتحة دلوقتي، وبكرة بإذن الله هننزل نشتري الشبكة ونعمل خطوبة يوم الجمعة الجاية. وبعد ما تخلص امتحاناتها بشهر هتكون تمت الـ ١٨، نعمل كتب كتاب ودخلة."
الجد:
"كل اللي قلت عليه ماشي إلا الدخلة، مش قبل ما تخلص تعليمها."
جرى بدر نحو جده وجثا على عقبيه أمامه وهو يقبل يده ويقول:
"لا لا لا والنبي يا جدي الله يخليك، ده أنا داخل على الواحد وتلاتين هستنى لحد إمتى تاني! الله يخليك جوزها لي وأنا أوعدك إني مش هخليها تقصر في تعليمها."
وأخذ يلح عليه بإصرار.
الجد بإشفاق مصطنع:
"خلاص خلاص صعبت عليا. أنا موافق بس ناخد رأي العروسة الأول لو تقدر توفق بين بيتها وكليتها يبقى مفيش مانع."
ثم نظر لمهرة وقال:
"ها يا قلب جدك إيه رأيك؟ أنا شايف إنك مش هتقدري."
مهرة سريعًا:
"لا لا لا يا جدو هقدر متقلقش، ما هو بدر هيذاكر لي."
ضحك الجميع على لهفتها، ونغزتها مها وقالت لها موبخة:
"طب حتى اعملي مكسوفة أو حتى قولي اللي تشوفه يا جدو، أي منظر بدل الدلقة السودة دي."
ردت مهرة سريعًا دون الانتباه لما يخرج منها:
"يعني أعمل مكسوفة وأديله فرصة الشيطان يلعب في دماغه البخت من تاني؟ ده أنا حالًا هغير حالتي على الفيس لمتزوجة من بدر عادل أحمد السيد النعمان، وهحط صورته كمان عشان أدبسه وميرجعش في كلامه من ناحية، ومن ناحية تانية ألم البنات اللي تدب في عنيها رصاصة اللي قاطرينه في الراحة والجاية يحلو عليه. خلينا نخلص بقى من أم التسبيل ده أن..."
وضعت لوجي يدها على فم مهرة حتى توقفها مما تتفوه به أمام هذا الجمع.
زامَن هذا مع قول وليد:
"واقعة واقعة مفيش كلام يعني! هنيالوووووو يا عم بدر."
انخرط الجميع في الضحك وبعدها جلسوا يقرأون الفاتحة إتمامًا للاتفاق.
وأخيرًا قد انقضت الليلة بفرحة عارمة.
بعد أن ذهب الجميع إلى النوم، وقد استأذن بدر من الجد قبل قليل بصعوده هو ومهرة إلى سطح المنزل ليتحدثا قليلًا. وافق الجد لأنه استشف حاجة الاثنين للتحدث.
داخل الغرفة الخاصة ببدر القابعة في آخر جزء من السطح.
كان بدر يجلس على كرسي موضوع بجانب الفراش، وتجلس مهرة على ساقيه، ويحيطها بذراعيه وهي تسند رأسها على كتفه في هدوء وسكينة طالما تمنوها.
بعد وقت ليس بالقليل رفعت رأسها ونظرت له وهي تقول:
"مش قادرة أصدق اللي حصل، حاسة إني بحلم يا قمري."
بدر:
"لا يا قلب قمرك، أنتِ في حضني بجد. بس المهم بقى مين اللي قال لك إننا متجوزين؟"
توترت مهرة وزاغت بعينيها وهي تقول:
"إيه يا بدر؟ ما أنت لسه قايل قدامنا كلنا!"
بدر وهو يشد على نواجذه غيظًا:
"مهرررره! مبروم على مبروم ميلفش! أنا عرفت إنك عرفت بجوازنا من أول يوم لبستِ فيه من غير هدوم، ولا عايزة تفهميني إنك قربتِ مني وأنا مش حلالك يبقى معرفتش أربي والله."
مهرة حتى تتهرب من الإجابة:
"إيه لابسة من غير هدوم دي؟ عيب كده!"
بدر بتحذير:
"مهرررره!"
مهرة سريعًا:
"الصراحة واحدة من البنات سمعت تيتا وماما ومامتك وطنط بيتكلموا في الموضوع ده وجات قالت لي، بس بالله عليك ما تسأل هي مين."
بدر بعد أن قبلها قبلة سطحية قال:
"أنا قلت برضه بنوتي عمرها ما تفكر تعمل حاجة حرام حتى لو معايا."
مهرة:
"إلا صحيح أنت ليه مغطي حيطان الأوضة دي كلها بالستاير؟ هي الرطوبة وكلاها ولا إيه؟"
بدر بغيظ:
"الرطوبة وكلاها! أبو شكل فصلانك يا شيخة! قومي يا أختي أطمنك على الحيطة."
قامت وهي تضحك عليه بشدة ونظرت له وهو يزيح جميع الستائر بالريموت الخاص بهم.
مهرة:
"هااااااا إيه ده؟ مش ممكن!"
نظر لها بقلة حيلة وقال:
"أعمل إيه كان لازم أصبر نفسي."
كانت حوائط الغرفة مليئة بصور مهرة منذ أن كانت رضيعة حتى الآن.
جرت عليه وأخذت تقبل فيه على وجهه بعشوائية وهي تقول:
"بحبك بحبك بحبك! طب قولي أحبك أكتر من كده إيه؟ أعمل معاك إيه بس؟"
ضحك بدر وأبعدها عنه وقال:
"بس يا مجنونة كفاية، ويا حبيبتي مش عايزك تعملي معايا حاجة غير إنك تحبيني وبس."
مهرة:
"أوعدك إني مش هأعمل حاجة في عمري غير إني أحبك وبس."
قبلها فوق جبينها وقال:
"ربنا ما يحرمني منك يا فرستي. يلا بقى ننزل عشان جدك زمانه واقف لنا على الباب ومش بعيد ألاقيه طالع لنا كمان."
مهرة بدلع:
"خلينا شوية يا قمري."
بدر:
"طب خافي على نفسك بقى عشان واحدة كمان من قمري بالطريقة دي ومش هتنزلي من هنا غير وأنتِ حامل في توأم."
أطلقت ضحكة رنانة.
قال هو على إثرها:
"اللهم صلِّ! يلا يا بت بلاش مرقعة، عندك مدرسة الصبح."
مهرة وهي تتحرك معه اتجاه الباب:
"هو أنا هروح بكرة؟"
بدر وهو يغلق الباب بالمفتاح بعد ما خرجا من الغرفة:
"آه يا حبيبتي، كفاية غياب وأنا اللي هوصلك."
نزلا سويًا واتجه معها حتى سطحها على الفراش ودثرها كما كان يفعل دائمًا، ولكن قبلته تلك المرة تركت جبينها وحطت على شفتيها.
انقضى اليوم بكل أحداثه، وها قد أتى يوم جديد مليء بالأحداث.
ذهب بدر إلى المصنع بعد أن أوصل الفتيات المدرسة، بعد أن هاتف سليم يوصيه بضرورة ذهابه له بعد أن يوصل لوجي ومها إلى جامعتهن.
وصل مكتبه بعد كثير من ترحيب العاملين به بعد غيابه.
وجد أحمد ينتظره.
أحمد:
"أيوه بقى هنبدأ الدلع من أولها كده تأخير!"
بدر:
"مش كنت بوصل البنات يا بهيم أنت! المهم قولي عملت إيه مع اللواء رشدي؟"
أحمد:
"كله تمام، بلغته اللي اتفقنا عليه وهو ظبط لنا كل حاجة، وإدام أنت رجعت يبقى هنبدأ على طول."
بدر:
"أحمد مش عايز أي تقصير، الغلطة بفورة، لازم كل حاجة تمشي زي ما مخططين لها بالضبط، بلاش بالله عليك تجود من عندك."
أحمد:
"والله المرة دي متخافش، مش هعمل حاجة قبل ما أقول لك الأول."
وظلا يتباحثان سويًا حتى انضم لهم سليم وقد أطلعوه على ما فاته.
بعد عدد ساعات أما مدرسة الفتيات.
خرجن الفتيات يمشين للأمام قليلًا حتى يصلن إلى سيارة مصطفى الذي اضطر أن يقف بها بعيد قليلًا لعدم وجود مكان للانتظار اليوم.
وجدن شابين يعترضان طريقهن وواحد منهم أمسك يد زينة وهو يقول لها:
"شكلك أنتِ الهادية اللي فيهم، تعالي معايا."
ضربته مهرة سريعًا بحقيبتها على رأسه وهي تسبه، حينها أتى مصطفى سريعًا وأبرح الشاب ضربًا مع السباب بأفظع الألفاظ:
"يا ابن الكلب يا خول بتمد إيدك على مين يا .............."
ثم قام بثني يد الشاب حتى كسرها.
في تلك الأثناء اتصل الحرس الخاص المكلف بحماية الفتيات وأخبر بدر بما حدث، فهو لا يستطيع التدخل حتى لا يكشف أمره.
أمره بدر أن ينتظر قليلًا وإذا الأمر تطور مع مصطفى حينها يتدخل كشخص عادي يفصل بين المتشاجرين، وظل معه على الهاتف حتى بلغه أن مصطفى أخذ الفتيات ورحل بعد أن كسر ذراع الشاب.
في السيارة كانت زينة ولميس منهارين من البكاء أما مهرة فهي تمثل الصمود.
زينة ببكاء:
"والله يا مصطفى ما ع..."
قاطعها صارخًا وهو يهبط بيده على طارة القيادة:
"اخرسسسسسي سامعة!"
مهرة بغيظ:
"في إيه أنت بتزعق للبت كده ليه؟ هو إحنا عملنا حاجة؟"
مصطفى بتهديد:
"ابقي اسألي بدر لما يعرف وهو يقول لك عملتوا إيه. أنتِ مش عاملة فيها الشحات مبروك وبتضربي الولا، قابلي بقى اللي هايجرى لك."
حاولت التحدث ولكن قاطعها بحزم:
"خلص الكلام مسمعش صوت لحد ما نوصل."
في تلك الأثناء رن هاتف مصطفى، رد سريعًا حينما وجد بدر هو المتصل:
"أيوه إحنا في الطريق."
بدر:
"............"
مصطفى:
"الولا شهاب ابن عبد الحميد النجار."
بدر:
"......."
مصطفى: تمام أهه معاك.
ثم مد يده بالهاتف للخلف، ففهمت عليه مهرة وأخذته، أول ما وضعته على أذنها جاءها أمره.
بدر: تروحي انتي والبنات عالبيت ومفيش نزول انهارده خالص، وحسابنا لما أجيلك.
فقط أغلق الهاتف.
وضع الهاتف في جيبه والتقط سلسلة المفاتيح سريعًا، وانطلق هو وسليم خارج المصنع، صعد السيارة المصطفة أمام الباب وانطلق بها بسرعة قصوى وهو يقول لسليم: اتصل بأحمد ووليد خليهم يحصلونا على دكان جدي.
نفذ سليم ما أمره به، وما هي إلا أقل من نصف ساعة وقد وصلا عند الجد، ووجد أحمد وقد قص للجد ووالده وعمه ما حدث.
عادل: هتعمل إيه يا بدر؟
بدر: أكيد زمانهم على وصول، عبدالحميد مش هيسكت على اللي اتعمل في ابنه.
ثم قام بالنداء على عامل القهوة بصوت عالٍ: حمصة! حمصاااااا!
جاءه الأخير جريًا ليلبي طلبه.
حمصة: اؤمرني يا معلم.
بدر: اطلع هات رعد وتيجر وحصلني عالبيت (رعد وتيجر كلبان بيتبول شرسين).
حمصة: هوا يا معلم.
بدر موجهًا كلامه لمصطفى وسليم: اتصلوا بصحابنا جمعوهم على ما أوصل البيت وأرجع يكونوا اتجمعوا.
أعقب كلامه بذهابه سريعًا للمنزل وصعد جريًا.
دخل وجد النساء ولم يجد الفتيات فسأل: البناااات فين؟
أمه بخضة: فوق يابني في إيه؟
رد على أمه وهو يخرج هاتفه ويتصل بمهرة: ثواني بس ياما.
فتح الخط فقال: انزلي انتي والبنات في ثانية تبقوا قدامي.
أغلق الخط واتجه إلى غرفته ولم يرد على هتاف نساء البيت اللاتي يسألن عما يحدث.
أخرج من خزانته بنطال قطني أسود وتي شيرت رصاصي حتى تساعده في الحركة السريعة إذا ما حدث عراك.
أصبحت هيئته تلك مع شعره الطويل وجسده الضخم تشبه كثيرًا رجال العصابات.
خرج وجد الفتيات يجلسن بجانب الجدة يتحامين فيها.
قال لهم باستخفاف: اصبروا بس أخلص من الليلة اللي تحت دي وأفوقلكم. محدش يفتح الباب مهما حصل ولا أشوف خيال واحدة فيكم في البلكونة آآآمين.
الجدة: في إيه يابني ماتفهمنا؟
بدر وهو يخرج من الباب بعد أن سمع صوت حمصة ينادي عليه: بعدين يا ستي بعدين.
نزل السلالم جريًا ودلف سريعًا إلى الشقة الأرضي، أخذ منها بعض الأشياء وخرج.
أمسك الباب الحديدي بعد أن أغلقه ولف حوله جنزير بقفل كبير تأكيدًا على غلقه، ثم ربط به الكلبان اللذان بثا الرعب في قلوب المارة من منظرهم المرعب ونباحهم الشرس.
أخذ الأشياء الأخرى التي أحضرها وساعده حمصة في حملهم.
وصل إلى محل الجد وكان المشهد مهيب، فقد اكتظ الشارع عن آخره بالشباب الذين حضروا بمجرد أن هاتفهم مصطفى وسليم فلبوا النداء سريعًا.
رحب بهم بدر وشكرهم على حضورهم.
كان الشباب يشكلون مجموعات، منهم من يقف ومنهم من يجلس على الرصيف، وفي وسط كل هذا أمام محل الجد اصطفت بعض الكراسي الخشبية جلس عليها الجد.. عادل.. ياسر.. الجد حسين.
ألقى بدر ما بيده هو وحمصة في وسط الشارع.
نظر الجميع لما ألقي، وجدوا جميع أنواع الأسلحة البيضاء، وكان بينهم اتفاق ضمني أو إشارة ما، ودون حديث تحرك الشباب والتقط كل واحد منهم السلاح المناسب له، أما بدر فاحتفظ بجنزير حديدي ضخم يحب استخدامه في مثل هذه المواقف.
اتفق معهم على ما يجب فعله، وانتقى من بينهم سبعة شباب ضخام الجثة يلتفون حول الجد النعمان والجد حسين وقت المعركة.
وحينما شاهد أهالي الحي ذلك المشهد المهيب قاموا بإغلاق محلاتهم تفاديًا لأي خسائر، فهم ما يرونه أمامهم ينبئ بمعركة حامية.
سحب بدر كرسي خشبي ووضعه في منتصف الشارع وجلس عليه بأريحية شديدة وهو يضع يده داخل جيب بنطاله ويُريح ظهره للوراء مع التفريق بين ساقيه، من يراه يظن أنه يجلس على شط البحر.
ما هي إلا لحظات ووجد عبدالحميد النجار وشهاب ولده ويصطحبون معهم مجموعة من البلطجية، وحينما اقترب من بدر قال: ده أنت مجهز حالك كويس أهو.
انتظر بدر قليلًا وهو يرمقهم باستخفاف وفي نفس الوقت يقيم عددهم ومدى قوتهم، ثم وقف بتكاسل وقال: ...........
ماذا قال يا ترى؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة الحلواني
وقف الجميع في حالة تأهب حينما حضر عبد الحميد النجار بصحبة عدد لا بأس به من رجاله، وأيضًا استعان ببعض البلطجية المأجورين.
وقف بدر بتكاسل واستخفاف، والجميع مستعدون في انتظار إشارة منه للبدء في المعركة.
بدر: والله إحنا أصحاب وجيران في بعضينا، واقفين في شارعنا نتشمس. أنتَ بقى لامم شوية البلطجية دول وداخل بيهم منطقتنا ليه؟
عبد الحميد: ليَّ حق وجاي آخده.
بدر: لو ليك حق يبقى تطلبه بأدب من كبير المنطقة.
كاد أن يتحدث ولكن قاطعه بدر بنظرة تحذيرية وأردف: قلت المنطقة ليها كبير، هو اللي هيرد عليك.
ثم تنحى جانبًا إشارة منه ليتجه إلى مكان جلوس الجد الذي لم يتحرك من كرسيه قيد أنملة، وهو ينظر إلى حفيده بفخر.
وقف عبد الحميد وابنه أمام النعمان وهو يلقي السلام عليه.
رد الجد السلام وهو ما زال جالسًا ثم وقف قبالته.
عبد الحميد: إحنا لينا حق عندك يا حج وجايين ناخده.
النعمان: لو ليك حق هتاخده بس بأدب، ما اتخلقش لسه اللي يدخل بلطجية في منطقة كبيرها النعمان يا عبد الحميد. ومع ذلك هاسمعك قدام كل الرجالة اللي واقفة دي.
عبد الحميد: دول مش بلطجية يا حج، دول رجالاتي. المهم ينفع حفيدك يكسر ذراع ابني؟
النعمان: طب ابنك عمل إيه وكان فين وقت ما حفيدي عمل فيه كده؟
شهاب برعونة: أنا كنت واقف مع أصحابي قدام المدرسة وزي...
اخررررررررس! كانت هذه صرخة بدر حينما وجده سيذكر اسم زينة، وهو على يقين أن ما كان سيقوله ليس بهين على سمعتها.
أعقب صرخته بالنظر إلى جده يأخذ منه الإذن.
بدر: جدي.
الجد: أدبه.
وكانت كلمة الجد هي نقطة البداية لمعركة دامية. وقف أحفاد النعمان وأصدقاؤهم، كل اثنين ظهرهم مقابل لظهر بعض، وأخذوا يضربون بكل ما يمتلكون من قوة، وحاولوا عدم إصابة من أمامهم بالأسلحة، ويكون العراك بالأيدي فقط. ولكن حينما وجدوا الغدر منهم اضطروا لاستخدامها ولكن بغرض إحداث إصابة تسبب الألم لا القتل. فكانوا يصوبون في الأيدي أو الأرجل.
ولكن عندما وقع نظر مصطفى على شهاب وهو يحاول الهروب دون أن يشعر أحد، جرى سريعًا وأمسكه من تلابيبه وضربه في وجهه بالمطواة التي يحملها وهو يقول: عشان كل ما تبص في المراية تفتكرني يا خول يا ابن...
في هذه الأثناء تسحب شاب ملثم داخل محل النعمان الذي يتولى إدارته عادل، وهو مقابل لمحل الجد. استغل انشغال الجميع بالمعركة ودلف سريعًا، ألقى كيسًا أسود تحت المكتب ثم خرج وأعطى إشارة لعبد الحميد بإتمام المهمة، الذي بدوره أشار لرجل آخر كان يقف بعيدًا عن المعركة لإتمام مهمته هو الآخر.
وبالفعل تسحب الرجل إلى داخل المعركة متجهًا إلى هدفه.
وحينما اقترب أخرج من جيبه سكينًا صغيرًا يسمى خنجر، وحينما اقترب للانقضاض على بدر به كان قد لاحظه أحمد فصرخ وهو يخرج سلاحه الميري: بببببببببدر حاااااااسب.
ثم صوب سلاحه نحو ذراع الرجل المرفوعة تجاه ظهر بدر وانطلقت الرصاصة، ولكن قبل أن تصيبه كانت السكين قد غرزت في كتف بدر من الخلف وأصابت الطلقة ذراع الرجل.
حينها انطلقت الصيحات المفزوعة، تزامن هذا مع انسحاب عبد الحميد وبعض من رجاله مع سماع دوي صافرات عربات الشرطة التي حضرت بناءً على طلب أحمد منذ بدء المعركة. أما باقي رجاله فقد أمسك بهم الشباب وكبلوهم بالحبال ولم يبالوا بإصابتهم.
أسرع الجد والجميع ملتفون حول بدر بخوف وهو يجثو على عقبيه، لم يستطع الوقوف من ألم الإصابة. جلس بجانبه الجد وهو يقول لوليد: الحق أخوك يا وليد.
حينما صرخ وليد على الشباب ليساعدوه في حمله ليذهبوا به إلى أقرب مشفى.
انتبهوا جميعًا للضابط المدعو حسام وهو يقول: معانا أمر بتفتيش محلات النعمان.
انطلق إليه أحمد سريعًا وهو يصرخ به: أنت اتهبلت في نفوخك يا حساااااام، تفتيش إيه! أنا اتصلت بيكم عشان العركة.
رد حسام عليه ببرود فهو زميل أحمد في العمل ولكنه يكرهه ويغار منه كثيرًا لما يعرف عن أحمد بالتميز في عمله والسمعة الطيبة، أما هو فمعروف عنه أنه ضابط فاسد ويتلقى الكثير من الرشاوى ولكن للأسف لم يستطع أحد إثبات ذلك عليه حتى الآن: والله يا أحمد بيه البوكس اللي وراء ده هو اللي جاي للخناقة، إنما أنا معايا إذن من النيابة بالتفتيش بموجب إخبارية وصلتنا إن عادل أحمد السيد النعمان بيتاجر في المخدرات.
ساد هرج ومرج بين الحضور، أعقبه إخراج أحمد لسلاحه موجهًا إياه في وجه حسام وهو يصرخ به: قبل ما تفكر إنك تخطي خطوة واحدة ناحية دكان أبويا هكون مفرغ الخزنة فيك، وأنت عارفني مابهدتش ساااااااامع!
وقف الجد الذي كان يجثو بجانب بدر الذي رفض التحرك من مكانه حينما سمع حديث حسام، مما اضطر وليد لإحضار حقيبة إسعافات أولية يحتفظ بها في سيارته وقد جلبها له سليم وحاول إسعافه سريعًا ليوقف النزيف وإعطاءه أيضًا مسكنًا قويًا لحين انتقاله إلى المشفى، وأيضًا قام بإسعاف الرجل الذي أصيب في كتفه ولكنه فقد وعيه سريعًا فمهما فعل ضميره المهني كطبيب يحتم عليه ذلك.
دق الجد بعكازه على الأرض وهو يقول بصرامة: أحمددددد، نزل سلاحك.
امتثل أحمد فورًا لأمر جده وحاول التحدث ولكن أشار له الجد بيده ليصمت، واقترب منهم ووجه حديثه لحسام وهو ينظر له نظرة جعلت الأخير يرتعب بداخله ولكن حاول إظهار بعض القوة: ها يا حسام بيه خير؟
حسام ببعض التوتر: معايا أمر بالتفتيش زي ما سمعت يا حج.
النعمان: وإحنا مش هنعطل شغل الحكومة، شوف شغلك وبعدين نتحاسب.
حسام: أنت بتهددني يا حج، ده شغلي و...
قاطعه الجد بحدة: خللللللص يلاااااا.
أعقب هذا ولوج بعض العساكر إلى محلات النعمان للتفتيش ثم خروج أحدهم بكيس أسود يحتوي على أكياس صغيرة معبأة بمادة بيضاء.
أعطاها أمين الشرطة لحسام الذي بدوره فتح واحدًا منها وأخذ القليل على إصبعه وتذوقها بطرف لسانه وأردف باستهزاء: بودرة بودرة يا أحمد بيه في مكتب أبوك!
أحمد بسرعة بديهة: وإيش عرفك إن ده بالذات مكتب أبويا؟
حسام: هااااا اااه، ما الإخبارية جاية عليه.
ثم أردف: حط الكلبشات في إيده وخدوه على البوكس يا عسكري.
كان في ذلك الوقت قد اقترب منهم بدر بعد أن تحسن قليلًا بفعل المسكن الذي حقنه وليد به فاستطاع الوقوف.
اتجه إلى حسام وبرغم بطء حركته إلا مظهره يبث الرعب في الأنفس.
أمسك حسام من تلابيبه بيده السليمة وقال له بلهجة خطرة من يسمعها يوقن أن نارًا حامية ستندلع بعدها وأردف: فكر ها فكر بس تعملها وإن من غير قسم هدفنك في أرضك ولا ليك عندي دية وكل البشر اللي واقفة دي بما فيهم العساكر بتوعك هيشهدوا إنك ما دخلتش شارع النعمان من أساسه؛ لإن ما حدش فيهم هيضحي بنفسه عشان خاطرك فااااااااهم.
لم يستطع حسام النطق بحرف بعدها لتيقنه أن ما قيل له ليس بتهديد، وهذا البدر قادر على تنفيذ ما تفوه به في اللحظة التي سيفكر فيها المساس بأبيه. هو الآن حقًا عاجز على اتخاذ أي قرار ولكن...
جاء أمر الجد بإنقاذ موقفه وحفظ ماء وجهه، وهو كان أكثر من مرحب باقتراح الجد.
الجد بحزم: أحمد، خد أبوك في عربيتك ووصله لحد القسم وأنا هاحصلك.
جاء بدر ليعترض بوهن فهو لم يعد باستطاعته التحامل على ألمه مع كثرة النزيف ولكنه يجاهد حتى يظل واقفًا ولا يفقد وعيه.
ولكن الجد أوقف اعتراضه حينما قال: خلصت خلاص وأبوك هيبات في فرشِته انهارده مهما كان الثمن.
وكان هذا تهديدًا صريحًا من الجد وأنه كشر عن أنيابه.
ثم أكمل: يلا يا عادل روح مع ابنك.
في وقتها كانوا ينفذون أمر الجد وبمجرد انطلاق سيارة أحمد يتبعها سيارات الشرطة كان بدر ينهار أرضًا، ولكن لحقه وليد وسليم قبل أن يمس جسده الأرض، قال لهم قبل أن يغيب عن وعيه: البنات البنات يا سليم، خلي أيمن يقف عند البيت هو والشب...
وانقطع صوته فاقدًا وعيه، وقد أصبحت ملابسه تقطر دمًا من كثرة النزيف.
صرخ بهم الجد حتى يفيقهم من صدمتهم: أنتم بتتفرجوا عليه! شيلوه على المستشفى بسرعة يلااااااا.
أعقب صراخ الجد حملهم لبدر ووضعه في السيارة التي أتى بها مصطفى.
وانطلقوا مسرعين وقد أحضر بعض أصحابهم سيارة نقل كبيرة لتحمل أكبر عدد ممكن من الشباب والجيران الذين سيذهبون وراء بدر، صعدوا فوقها وانطلقوا سريعًا. أما باقي الجيران والشباب ذهبوا سيرًا على الأقدام متجهين إلى قسم الشرطة القريب من حيهم خلف الجد الذي استقل السيارة التي يقودها ابنه ياسر ومعهم الجد حسين الذي أخرج هاتفه ليحادث ابنه المحامي.
وحينما رد عليه قال: أيوه يا ابني تعالى على قسم العطارين بسرعة.
حسن بقلق: ليه يا حج خير؟
حسين: أخذوا عمك عادل يا ابني، متهمينه في تجارة البودرة، وأخذ يسرد عليه ما حدث بإيجاز، وعلى أثره أغلق حسن الخط مع أبيه وانطلق خارج مكتبه متجهًا إليهم.
فيما كان الجد يحدث أيمن صديق أحفاده في الهاتف ويقول: أيمن اسمعني كويس، الولد اللي ضرب بدر قبل ما أمشي خليت حمصة ينقله على المخزن اللي في شارع الليثي من غير ما حد يحس بيه. روح لدكتور محمد الأعسر، خده من العيادة ووديه يكشف عليه وهات له كل اللي يحتاجه عشان يخرج منه الطلقة من غير ما ينقله من المخزن سامع! وأنا هاتصل بيه أفاهمه على اللي حصل على ما توصل عنده، ولما يخلص اقفل عليه ووقف أربع رجالة يحرسوه، مش عايز حد يشم خبر إنه موجود عندنا سااامع!
أيمن: تامرني يا جدي بس وليد موصيني أقف أنا وشوية من أصحابنا عند البيت عشان ما حدش يستغل إن الشارع بقى فاضي ويعمل حاجة.
الجد: الولد ديجو عندك؟
أيمن: أيوه يا جدي معايا أهو.
الجد: اديهولي.
وعندما أمسك ديجو وهو أحد أصحاب بدر لديه صالة رياضية وأيضًا مدرب كمال أجسام قال: أمرني يا جدي، رقبتي ليك.
الجد: تسلم يا ابني وده العشم، ربنا يحميكم لشبابكم. يلا هاقفل معاك وأي حاجة تحصل رن عليا.
قد وصلت سيارة الجد منذ قليل أمام القسم لقرب المسافة، ولكنه لم يترجل منها قبل أن ينهي محادثاته، وقد بقي له محادثة واحدة قام بإجرائها فور إغلاقه مع ديجو.
انتظر الجد قليلًا حتى جاءه الرد فقال بحدة وجبروت لا يظهر كثيرًا: ابني أخذوه من منطقته قدام عيني ببودرة، أنا قدام القسم نص ساعة لو ما كنتش قدامي يا سيادة اللواء ما تلومنيش على اللي هيحصل.
و... فقط أغلق الهاتف دون انتظار الرد.
حتى لو كان من يحدثه هو اللواء رشدي العاصي مدير أمن الإسكندرية، هو لا يهتم.
فهم من أخرجوا الأسد من عرينه فليتحملوا.
نزل بكل هيبة من السيارة هو ومن معه، وقد رأى التجمهر الذي أحدثه أهالي الحي أمام القسم للوقوف مع هذه العائلة التي لم تترك كبيرًا كان أو صغيرًا وساعدته دون طلب أو كلل، فقد حان الوقت أن يردوا جزءًا من أفضالهم.
اتجه إليهم النعمان وشكرهم ثم أمر مصطفى الذي كان يقف معهم بعد أن ترك سيارته لسليم بعد أن أحضرها لنقل بدر.
الجد: خليك واقف مع الرجالة لحد ما أدخل للمأمور وبعدها هاقولك تعمل إيه.
مصطفى: حاضر يا جدي بس بالله عليك طمني.
أومأ له الجد ثم التف دالفًا إلى القسم متجهًا إلى مكتب المأمور رأسًا.
أمام غرف العمليات في إحدى المشافي الخاصة كان يقف عدد كبير من الرجال والشباب الذي كان يصاحبهم سليم غير العدد المتواجد بالخارج في انتظار خروج أي شخص يطمئنهم على حالة بدر القابع بالداخل لأكثر من ساعة.
خرجت من الغرفة ممرضة تهرول إليهم ومن مظهرها أصابهم الرعب.
قالت لهم: محتاجين دم بسرعة، هو فصيلته O يعني هتقبل من أي فصيلة تانية، من فضلكم بسرعة، المريض نزف دم كتير وقلبه وقف وانعشناه.
اتجه الجميع مهرولًا إلى مكان التبرع الذي أرشدتهم إليه.
داخل غرفة العمليات كان الأطباء يحاولون تهدئة وليد من بكائه و...
وماذا حدث يا ترى؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريدة الحلواني
كانت النساء والفتيات يجلسن في منزل النعمان، وقد انضم إليهم أيضًا الجدة نادية، جدة سليم، هي وأمه.
وكانت حالة من القلق والبكاء تسود المنزل بعد أن سمعوا صوت المعركة وتيقنوا أنها شديدة، ومن المؤكد ستقع إصابات.
وحين هدأت الأصوات فجأة ولم يرجع أحد من رجال النعمان، لم تستطع الجدة الانتظار أكثر وضربت بتحذيرات بدر عرض الحائط.
اتجهت إلى الشرفة المطلة على الشارع، ووجدت عددًا لا بأس به من أصدقاء أحفادها يقفون أمام باب المنزل، وحينما لمحت ديجو قالت:
"واااد يا ديجو!"
ديجو:
"أيوة يا ستي محتاجة حاجة؟"
الجدة:
"هي العركة خلصت؟ أنا مش سامعة صوت ومحدش رجع من العيال ليه عشان يطمني؟" (تقصد أحفادها)
ديجو وقد اختلق كذبة حتى لا يقلقها:
"اه خلصت يا ستي وكله تمام متقلقيش، وجدي وعم عادل وبدر ومصطفى قاعدين مع الرجالة بره عالشارع، وأحمد وعم ياسر راحوا القسم عشان البوكس أخد عاطل مع باطل هيجيبوا العيال اللي اتاخدت من عندنا ويقفلوا المحضر ويرجعوا على طول."
الجدة:
"طب يابني ريحتني، إلهي يريح قلبك يارب."
ثم دلفت إلى الداخل وقصت عليهم ما قيل لها.
ولكن مهرة رفضت أن تصدق حرفًا مما قيل وأردفت:
"كل ده كدب، الولا ده بيحور علينا، أنا قلبي حاسس إن بدر جراله حاجة."
فاطمة:
"فال الله ولا فالك يا بنتي، أنتي بس عشان قلقانة."
مهره بتصميم وهي تحاول الصمود، فهي ما يميزها أنها في المواقف العصيبة تكون متماسكة لأبعد حد إلى أن يمر الموقف، وقتها تسمح لنفسها بالانهيار:
"أنا قلبي عمره ما كدب عليا يا طنط، أنا حاسة إن في إيد ماسكة قلبي بتعصر فيه."
ريهام رغم إحساسها بنفس شعور مهرة على ولدها، ولكن حاولت طمأنتها:
"يا أختي أنا أهو أمه ومش حاسة بحاجة، لو بعيد الشر كان في حاجة كنت حسيت، اهدي يا بنتي وإن شاء الله يرجعوا لينا سالمين غانمين يارب."
أمن الجميع وراءها فيما قامت مهرة متجهة إلى الداخل وهي تقول:
"أنا هروح أتوضى وأصلي ركعتين لله وأدعيله ينجيه من كل سوء يمكن قلبي يرتاح شوية."
في المشفى بعد مرور أكثر من ساعتين على وجود بدر في غرفة العمليات، خرج أخيرًا ليضعوه في العناية المركزة حتى يكملوا له نقل الدم وتتم إفاقته.
أمسك سليم يد وليد قبل أن يدلف مع بدر إلى العناية وقال:
"طمني يابني عمل إيه؟"
وليد وهو يزيح يده سريعًا ليدلف إلى بدر:
"الحمد لله بس سيبني أدخل أعلقله الدم وهطلع أطمنكو."
قال هذا واختفى خلف باب العناية.
بعد أن هرب عبد الحميد من المعركة بعد أن حقق أهدافه من ورائها، فتلك المعركة ما هي إلا خطة وضعها هو وعابد السيوفي لدس المخدرات في المحل الخاص بعادل النعمان، ولكن عبد الحميد اقترح عليه أن يستأجروا قاتل محترف يندس وسط المعركة ويطعن بدر.
ذهب سريعًا إلى عابد السيوفي ليعلم ما هي الخطوة القادمة.
دخل عليه المكتب بعد أن استأذن، رحب به عابد وقال بلهفة:
"ها طمني سبع ولا ضبع؟"
عبد الحميد:
"عيب عليك أباشا، أسد طبعًا، عادل اتاخد تلبس وبدر حاله صعبة في المستشفى."
عابد بفرحة:
"عفارم عليك يا عبدو، هو ده الكلام، يومين ونبدأ في الخطة الجديدة."
عبد الحميد بخوف:
"طب ما نهدي شوية يا باشا وبعدين أنا اللي في وش المدفع."
عابد:
"حلاوتها في حموتها يا عبدو، أنا عايزهم في ظرف أسبوع يكونوا عندي بيطلبوا العفو والسماح."
عبد الحميد:
"ده أنا كنت جاي أقولك إني هختفي كام يوم لحد ما الدنيا تهدي."
عابد بحدة:
"أنت اتهبلت ولا جرى لمخك حاجة؟ إذا كان وجودك واللي متوقعينه إنهم هيعملوه معاك هو أساس خطتنا، اعقل كده وجمد قلبك، ما هو اللي هتاخده بعد ما يحصل المراد مش قليل وهيعوضك أضعاف الخساير اللي هتحصلك ولا إيه؟"
وافقه عبد الحميد الرأي مرغمًا فهو من وضع نفسه في تلك اللعبة، ولكن انسحابه منها ليس بيده.
في قسم الشرطة دخل اللواء رشدي مدير الأمن مع حراسته وهو يتجه إلى مكتب المأمور بغضب.
دلف إلى الداخل ووجد كلًا من النعمان وولديه عادل وياسر وحفيده أحمد ويجلس معهم مأمور القسم والضابط حسام، نظر لهم ووجد الجميع في وضع تحفز، فقد نشب خلاف شديد بين أحمد وحسام لأن الأخير كان يريد أن يضع عادل في الحجز، ولكن مع تهجم أحمد عليه وتدخل المأمور حينها حضر النعمان وإكرامًا له طلب المأمور الجميع التوجه إلى مكتبه لحين بدأ التحقيق مما أقلق حسام وأشعره أن ما خطط له قد يفشل.
وقف الجميع مرحبًا باللواء ثم جلس خلف مكتب المأمور بعد أن تركه له وقال:
"إيه التجمهر اللي بره القسم ده ينفع كده يا حج؟"
حسام متسرعًا:
"ما هو ده اللي بقوله يا فندم، ما ينفعش كده لازم نفضه ولو بالقوة يا نعملهم قضية إثارة شغب."
اللواء رشدي:
"هو ده الحل اللي وصلتله يا حضرة الضابط؟ لا برافو عليك."
كاد أن يتحدث حسام لكن اللواء أسكته بحدة:
"أنت تسكت خالص لحد ما نعرف نحل المصيبة اللي عملتها وحسابك بعدين."
ثم نظر إلى النعمان وأردف:
"ها يا حج ينفع تمشي الناس اللي بره دي وبعدين نتفاهم؟"
نظر له الجد نظرة خطرة ورد بكلمتين فقط:
"نتكلم لوحدنا."
وعلى إثرها أمر اللواء المأمور وقال:
"خدهم يا سيادة المأمور واقعدوا في مكتب أحمد لحد ما نخلص، وأنت يا حسام على مكتبك ما تتحركش منه لحد ما أبعتلك."
بالفعل غادر الجميع مغلقين الباب خلفهم.
اللواء رشدي:
"ينفع كده يا حج؟ ما كانش العشم، إشحال ما إحنا بنعتمد عليك في استتباب الأمن في المنطقة."
الجد بحدة:
"أهو أنت اللي قولت بنفسك، أنا طول عمري في ظهركم، من أيام الثورة لما أخدت الظباط المهددين بالاغتيال وخبّيتهم عندي لحد ما الداخلية رجعت تقف على رجليها، ولا من أول ما أحفادي مسكوا خمس خلايا إرهابية كانوا متأويين في المنطقة وجبتهم لك تحت رجليك متعبّيين في زكايب، ولا المنطقة اللي نضفتهالك من البلطجية والشمامين، وحاجات تانية كتيييير أنا معنديش وقت أحكيها بس أنت أكيد عارفها كويس."
"وقصاد ده كله عمرررري، شوف عمري ما طلبت حاجة ليا أو لأولادي منكم، يبقى بعد ده كله ابني يبات في القسم ده على جثتي."
"أنت عارف كويس إن عابد السيوفي ده حشرة أفعصه برجلي بس عشان اللي وراه كبار وأنت عايزهم برده، قولت أخدمك وأهو بجملة الجمايل، بس يوم ما الموضوع ده يكون سبب في أذية حد من ولادي يبقى ما تلومنيش على اللي هعمله."
هنا قد أدرك اللواء أنه إذا ما نفذ طلبات النعمان سيحدث ما لا يحمد عقباه، فهو صديقه من سنوات منذ أن كان عقيد ويعرفه حق المعرفة.
وأيضًا هو بحاجة له للقبض على ذلك التشكيل العصابي الخطير.
فنطق بكلمة واحدة:
"طلباتك."
الجد:
"في خلال ساعتين يكون المعمل الجنائي أخد عينة وحللها وطلع تقرير إنها سكر مطحون، هوصل لحد المستشفى أطمن على بدر وأرجعلك تسلمني ابني وكل الرجالة اللي اتمسكت في العركة اللي يخصونا بس طبعًا."
اللواء:
"تمام يا حج، في أقل من ساعتين كله هيكون خالص، أنا أصلًا بعد ما قفلت معاك كلمت المعمل الجنائي و زمانه على وصول."
"وأنا مش هقولك زعلان منك بس هنتعاتب بعدين يا صاحبي."
الجد:
"تمام سلامو عليكم."
خرج الجد ومر على مكتب أحمد ليبلغهم بذهابه إلى المشفى وأمر ياسر أن يخرج للجلوس مع الرجال المتجمهرين بدلًا من مصطفى ابنه لأنه سيأخذه معه.
وفي طريق خروجهم قابلوا عبد الرحمن زوج نوال يأتي مهرولًا، فهو كان مقيمًا في بلدهم سوهاج منذ ثلاثة أشهر لافتتاح فرع جديد لهم هناك.
الجد:
"عبدو إيه اللي جابك يا ابني ولحقت تيجي إزاي؟"
عبد الرحمن:
"كنت بكلم عوض المحاسب أسأله على حاجة وقت ما العركة بدأت وهو حكالي، قفلت معاه جريت عالمطار من حسن حظي لقيت طيارة فضلها نص ساعة حجزت فيها وأول ما وصلت جيت مالمطار على هنا."
الجد حسين:
"طب خد نفسك يا ابني براحة ما تقلقش."
النعمان:
"تعالى معانا نطمن على بدر على ما حسن المحامي وأحمد يخلصوا مع عادل وفي الطريق هنحكيلك اللي حصل."
وصلوا جميعًا إلى المشفى ووجدوا أمامها حشدًا لا يقل عن الذي تركوه أمام قسم الشرطة، شكروهم جميعًا وصعدوا إلى حيث غرفة بدر التي انتقل إليها بعد أن أنهوا له نقل ثلاث أكياس من الدم واطمأنوا على استقرار حالته وها هم في انتظار إفاقته.
حينما وصلوا أمام الغرفة وجدوا بعض الشباب مع سليم منتظرين خروج وليد ليطلعهم على إذا ما أفاق أم لا.
الجد:
"طمني يابني فاق ولا لسه؟"
وقبل أن يرد عليه سليم كان وليد يخرج مهللًا ويبشرهم بإفاقته.
هرولوا جميعًا إلى الداخل حتى أصبحت الغرفة لا يوجد بها موضع قدم فارغ، اقترب الجد من حفيده الغالي الأخير يحاول الاعتدال.
الجد بلهفة:
"لا لا خليك يابني بركة إنك بخير يا خليفة النعمان."
ثم نزلت منه دمعة محاها سريعًا ولكن لاحظها بدر فأمسك كف جده وقبله وهو يقول بإجهاد:
"ما تقلقش يا جدي أنا كويس بس أبويا..."
وأعقب قوله بمحاولة قيامه.
ولكن جرى عليه وليد وهو ينهره:
"أنت أجننت عايز تروح فين؟ أنت مش هتتحرك قبل أسبوع."
بدر بعصبية:
"أنا مش هقعد دقيقة واحدة هنا وأبويا محبوس سااااااامع!"
وليد وقد انهار تمامًا وتذكر ما حدث له داخل غرفة العمليات حينما وقف القلب نتيجة لفقدان جسده كمية كبيرة من الدماء وحاولوا إنعاشه بالصدمات الكهربائية حتى استعادوا النبض، وقتها انهار وليد من البكاء وحاول من معه تهدئته وأيضًا لأن الضربة كانت قريبة من القلب من جهة الظهر فكانت كما يقولون ضربة في مقتل.
عندما تذكر كل هذا صرخ به:
"مش بمزاجك سااااامع! أنت مش ملك نفسك عشان تعمل فينا كده، أنت كنت بتموت يا غبي وقلبك وقف في العملية، قولي لو جرالك حاجة إحنا هنعمل إيه من غيرك؟ أنت عارف إن كلنا برغم سننا مقارب لبعض بس إحنا بنعتبرك كبيرنا وكلنا بنعتمد عليك، وأي واحد فينا لما بيعمل مصيبة ولا بيقع في مشكلة بنجري عليك، يبقى عايز تسيبني لمين ااااااااانطق!"
كان يقول كل ذلك ودموعه تنهمر منه والجميع وقف متأثرًا من هيبة الموقف.
استند بدر على عمه ياسر حتى توجهه إلى وليد وأخذه تحت ذراعه السليم وهو يهدئه بمزاح، ولكنه تأثر بشدة مما سمع:
"خلااااص ياااض، رجالة النعمان مش بتعيط انشف كده أنا كويس والله."
ثم مال على أذنه وهمس:
"ده أنت اللي طلعت بسكوتة مش لميس، ما جمع إلا أما وفق الصراحة."
ضحك وليد واحتضنه وهو يدعي من صميم قلبه:
"ربنا يديمك سند في حياتنا يا بدر، أنا عارف إنك أخويا وغالي عندي بس ما كنتش متخيل إني هحس باللي حسيته لو جرالك حاجة."
فصل الجد هذا العناق حينما خاف على أحفاده من نظرة الموجودين لهم وقال:
"خلاص بقى يا وليد سيبه يرجع يرتاح في سريره، هو مش هيخرج، أنا شوية ورايح أجيبلك أبوك لحد عندك."
ونظر لبدر نظرة مفادها سأفهمك لاحقًا.
أذعن بدر لأمر الجد ومثل الإرهاق حتى يرحل من بالغرفة ويتسنى له الانفراد بالجد ليعرف منه ما آلت إليه الأمور.
تولى ياسر وسليم وعبد الرحمن شكر الجميع على وقوفهم جانبهم وأصروا عليهم بالذهاب فلا داعي لبقائهم في الشارع.
وبالفعل انصرف الجميع وبقي في الغرفة رجال النعمان فقط ومعهم الجد حسين.
وقد سرد الجد لبدر كل ما حدث في غيابه لم يفوت حرف.
بدر:
"طب والراجل اللي أنت رابطه في المخزن ده هتعمل بيه إيه؟"
الجد:
"أكيد ليه عوزة أومال أنا حابسه ليه؟"
مصطفى:
"طب والحل يا جدي كده الموضوع وسع أوي."
بدر:
"ما إحنا كنا متوقعين حركاته الوسخة والحمد لله إننا كنا عاملين حسابنا، عالعوم أخرج بس وهنهي الموضوع ده مش هخليه يطول زي ما كنا مرتبين عشان أتجوز ببال رايق."
ضحك الكل عليه وأردف ياسر ممازحًا:
"الله يحرقك يا شيخ، اتهد بقى أنت في إيه ولا في إيه."
بدر بقهر:
"والله أنا مقهور قهرة السنين، كنت هاخد البت أجبلها شبكتها انهارده، ما كانش قادر يأجل الفيلم ده لبكرة ابن الكلب ده، بس وديني لأنفخه."
الكل:
"ههههههههههه."
"بص يا ليدو بما إنك طلعت دكتور بجد مش جزار زي ما عمي ياسر بيقولك، فأنت زي الشاطر كده أكتبلي على خروج وكمل علاجي في البيت."
وليد:
"يابني ما ينفعش أنت أخد 25 غرزة لازم راحة، وأنت لو روحت مش بعيد تنزل تاني يوم الشغل."
الجد:
"لو ينفع يكمل علاجه في البيت يبقى أكتبله خروج وأنا أضمنلك إني مش هخليه يعتب باب البيت ده من ناحيتي، ده غير مهرة اللي مش هتخليه ينزل من عالسرير أساسًا."
سليم:
"يكون أحسن لأن ما تنساش إن الجماعة في البيت ما يعرفوش اللي حصل ولو عرفوا هيقلبوها مندبة وهنضطر نجيبهم يطمنوا عليك، وأنا ما أرجحش خروجهم في الظروف دي، ما دام وصلت للقتل يبقى اللي جاي أصعب."
وبالفعل بعد مرور عدة ساعات.
كان اللواء رشدي قد نفذ وعده للنعمان وقد طلب أحمد من الجد انتظاره في المشفى فلا داعي لأن يذهب إلى القسم فهو سيأتي لهم هو وأبيه.
وبالفعل وصلوا إلى المشفى وبعد الاطمئنان على جرح بدر أخذوه وذهبوا جميعًا إلى المنزل.
حينما دلفوا إلى المنزل استقبلوا صدمة النساء بما حدث وتحملوا عتابهم لهم ثم كثيرًا من الأسئلة عن السبب التي أنهاها الجد بقوله:
"خلاص بقى ما قولنا غيرة تجار وكانوا قاصدين يحطوا السكر ده كإنه بودرة عشان يشوشروا على سمعتنا، بس الحمد لله الكل عارف إحنا مين وأهو ربنا ستر، يلا بقى كل واحد على بيته خلي الولد يدخل يرتاح عشان الجرح ما يشدش عليه."
كل هذا حدث تحت سكون مهرة المريب التي لا تصدق تلك القصة المختلقة وحدثها ينبئها أن الأمر له أبعاد أخرى خطيرة لذلك يتوجب عليها الوقوف بجانب بدرها في تلك الأيام العصيبة حتى تمر، وإن لم يخبرها الحقيقة يكفي أن تشعره بوجودها جانبه دائمًا.
ذهب كلًا إلى مسكنه بعد أن ساعد الشباب بدر على التسطح داخل فراشه مع توصية مهرة بالاتصال إذا ما أصابه شيء.
فهي استأذنت من الجد بالجلوس بجانبه لمراقبة المحلول المعلق بيده وإعطائه خافض للحرارة إذا ما ارتفعت.
ووافق الجد فهي فالأخير زوجته والأولى برعايته وأيضًا لشعوره بحاجة حفيده لوجودها بجانبه.
أغلقت مهرة الباب بعد أن انصرف الجميع وظلت واقفة مكانها مستندة على الباب وهي تنظر له.
فهم عليها بدر وقد عرف أن وقت انهيارها قد حان.
مد ذراعه له وهو يقول:
"تعالى...." وفقط.
لم تنتظر هرولت إليه جالسة بجانبه السليم ومالت برأسها حتى أسندتها على صدره وحاوطها هو بذراعه وما هي إلا لحظة وأجهشت في بكاء مرير، أخذ يمسد على ظهرها دون أن يتفوه بحرف حتى تخرج كل ما بداخلها.
مر بعض الوقت حتى هدأت تمامًا إلا من بعض الشهقات إثر البكاء.
اعتدلت في جلستها حتى لا تضغط عليه وتؤلمه.
قال لها:
"كل ده ليه بس يا حبيبي ما أنا كويس قدامك أهو."
أمسكت مهرة يده وقبلتها تحت دهشته من فعلتها وقالت:
"حمد الله على سلامتك يا قلب حبيبك وعمره ودنيته."
"كده يا بدر أنا مش موصياك تاخد بالك من نفسك عشاني، ما فكرتش في إيه هعمل إيه من غيرك؟"
وبكت:
"أنا كان قلبي حاسس وقولتلهم إنك جرالك حاجة بس محدش صدقني."
اقترب منها بدر على مهل وسحبها بذراعه السليم من خصرها وأخذ ثغرها في قبلة رقيقة حتى يبث داخلها الأمان ويطمئنها أنه ما زال معها.
فصل القبلة وقال بحنان:
"حقك على قلبي بس والله غصب عني، أنا الأول ما كانش يهمني وبدخل أي عركة بقلب ميت يمكن عشان كنت بتمنى الموت لأني مش قادر أطولك، بس لأول مرة أتعارك وأنا عامل ألف حساب إني ما اتصبش بخدش واحد يخليكي تقلقي عليا، بس أعمل إيه الله غالب واتأخدت غدر."
مهرة بتعقل:
"أنا مش هسألك عن سبب اللي حصل لأني مش مقتنعة بالفيلم اللي حكيتوه بره، ومتأكدة إن الموضوع أكبر من كده بكتير وواثقة إن لو كان ينفع تحكيلي كنت عمرك ما هتخبي عني، بس اللي بطلبه منك لحد ما ييجي الوقت اللي ينفع تحكيلي فيه تاخدي بالك من نفسك عشاني."
"خليك دايما حاطط في دماغك إن في واحدة بتعشقك وملهاش غيرك ولا تعرف تعيش من غيرك، بتكون قاعدة في بيتك مستنياك ترجعلها بالسلامة."
بدر:
"حاضر حاضر يا عمر بدر اللي جاي واللي راح."
"تعالي بقي قلعيني التيشرت ده مش مستحمل حاجة على جسمي."
مهرة بهزار:
"طب ليه الإغراء ده بقى؟"
بدر وهو يقرصها في إحدى مقدمتها:
"عشان تدوقي شوية من اللي عملتيه فيا."
مالت عليه بدلال وهي تخلع عنه قميصه ثم قبلته في صدره مكان قلبه ثم وزعت بعض القبل على باقي صدره صعودًا إلى رقبته، ابتعدت قليلًا وهي تقول:
"وحشني حضنك أوي يا قمري."
خطفها وقبلها قبلة ساحقة وبعد مدة فصلها وهو ينهج ويقول:
"مش أكتر مني، هموت عليكي، أنا مش عارف هتنام جنبي إزاي انهارده من غير ما أقدر ألمسك، أقسم بالله لو ما كنت متأكد إن جدك وستك هيعملوا دوريات علينا وكل ساعة هيفتحوا الباب حتى من غير ما يخبطوا، قال إيه بيطمنوا عليا، لكنت نمت معاكي للصبح ولا يهمني جرح ولا غيره."
ضحكت مهرة وقالت وهي تبتعد:
"لا لا لا على إيه، خلينا باحترامنا بدل ما نتقفش في وضع مخل بالآداب على رأي خالتي فرنسا."
ثم تحركت وهي تقول:
"أنا هروح أجيب فوطة وطبق فيه مية دافية عشان أمسحلك جسمك وتعرف تنام مرتاح."
لحظات ورجعت مرة أخرى وهي تحمل ما جلبته.
بدر:
"المية دي ريحتها شبهك."
مهرة:
"آه ما أنا حطيت فيها زيت عطري بستخدمه لما باخد شور."
شاكسها بدر وهو يمد يده داخل ملابسها ويقرص مقدمتها وهو يقول:
"آآآخ أمتي بقى ناخد شور سوا ونتزفلط في الزيت ده مع بعض."
وفجأة فتح الباب و............
ترى ماذا حدث؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريدة الحلواني
اقتحمت الجدة غرفة بدر فسحب يده سريعًا ولحسن الحظ أن مهرة كانت ظهرها للباب.
بدر: إيه يا ستي، دخلت المخبرين دي!
الجدة: ما هو ده اللي ينفع معاك يا عديم التربية، كان قلبي حاسس إنك هتستفرد بالبت.
بدر: وأنتِ شوفتيني عملت حاجة؟ ما إحنا لسه بهدومنا أهو.
شهقت الجدة وقالت: هاااااا! لهو أنت كنت ناوي على إيه يا صايع يا ضايع يا اللي ما لقتش حد يربيك؟ اسمع يا ولا أنت، أنت تلم هدومك وتروح عند أمك، ما لكش قعاد هنا ثاني، أنت ما تضمنش.
بدر: لما يطلع المشمش اللي من غير بذر أبقى أمشي من هنا. ليه شايفاني حرمة قدامك عشان أروح لأمي؟ قال لم هدومك قال.
الجدة: طب هنشوف كلام مين اللي هيمشي، وهقول لجدك.
بدر بوقاحة: آه والنبي يا ستي قوليله إنك قفشتينا عشان يستر علينا ويلم الفضيحة بسرعة.
أخذا يتمازحان تحت ضحكات مهرة وخجلها من ردوده الوقحة، حتى انتهى من الجدة ووجه كلامه لها قائلًا:
بدر: وأنتِ يا أم فشة عايمة خلصنا خلاص، تعالي اقلبيتي على باطني عشان أعرف أنام وأتلقحي جنبي من غير صوت. والله ودار عليك الزمن يا بدر، وهتنام جنب حتة القشطة دي زي أختها، يا غلبك يا بدر ومرار الطافح.
أذعنت لطلبه وهي لا تستطيع التحكم في ضحكاتها، وخروج الجدة الذي صاحبه كثيرًا من السباب على حفيدها الوقح.
في فيلا عابد، كان يجتمع مع حسام وهو يكاد أن يجن لفشل خطته. فهو كان ينوي مساومة بدر على سجن أبيه، هو يخرجه مقابل موافقة بدر على تهريب الآثار، ولكنه لم يتوقع أن نفوذ هذه العائلة وجبروتهم يصل إلى حد أن مدير الأمن شخصيًا يبدل المخدرات بمسحوق سكر، وأخذ يخرج غضبه في القابع أمامه.
عابد: أنا عايز أفهم سبتهم ليه يعملوا كده؟ هو أنت اللي بتلهفوا شوية؟ انطق!
حسام: طب وأنا كان بإيدي إيه أعمله أكتر من اللي عملته؟ كفاية البهدلة اللي أخدتها من مدير الأمن.
عابد: كان ممكن تعمل كتيييير، كنت فتحت المحضر أول ما وصلت وكنت احتفظت بالحرز في مكتبك، ما كانوش قدروا يبدلوا.
حسام: أصلك ما شوفتش اللي حصل، ده كان شارع القسم متغربل ناس ما لهاش أول من آخر، وأول ما دخلنا القسم لسه باقول للعسكري ياخدوا عالحجز، أحمد أفندي مسك فيه والمأمور أدخل وخدنا كلنا على مكتبه. ما فاتش ساعة ومدير الأمن وصل والدنيا اتقلبت غير البهدلة اللي بهدلهالي.
عابد بغيظ: آه يا أخويا ما هو صاحب النعمان من زمن لازم يجاملوه. بس محلولة، اللي جاي ولا رئيس الجمهورية نفسه هيقدر عليه.
حسام: يعني إيه؟ ما ترسيني على الدور.
عابد: هاقولك...
مرت أربعة أيام سريعًا على تلك الأحداث، لم يحدث فيها شيء يذكر غير أن بدر التزم الفراش تحت تعليمات مهرة المشددة التي لم تفارقه لحظة، حتى أنها امتنعت عن الذهاب لدروسها مع الفتيات واكتفت بالدراسة أون لاين عبر الإنترنت، وقوبل هذا برفض قاطع من بدر إلا أنه مع إصرارها وافق بلا حيلة. وقد كانت تحضر دروسها عبر اللابتوب خاصتها وهي جالسة معه في غرفته، حتى أنها نقلت جميع كتبها الدراسية معها، وكان هو كثيرًا ما يساعدها في دراستها. ولكنه وقت الراحة أو تناول الوجبات الغذائية كان يتدلل عليها كثيرًا ويجعلها تطعمه بيديها، ولا تخلو هذه الأوقات من وقاحته معها، حتى أنهم تم الإمساك بهم وهم يتبادلون القبل أكثر من مرة، ولكنه حقًا لم يهتم، وأيضًا كان يقابل استنكار من يراهم بهذا الوضع بكثير من الوقاحة والتبجح، حتى في مرة من المرات كانت عمته هي من شاهدته وحينما عنفته ووجدت منه لا مبالاة وسمعت منه كلمات أفحمتها قالت له بقلة حيلة:
العمّة: أقول عليك إيه وأنت فيك كل العبر! فوضت أمري إليك يا رب، الحمد لله إن قعدتك مش هتطول، لأن أكتر من كده البت هتطلع حامل.
ضحك بدر وفرح كثيرًا وهو يطالبها بالدعاء لحدوث ذلك سريعًا.
اليوم قد تحرر بدر أخيرًا من الإقامة الجبرية التي فرضتها عليه مهرته، مما أثار استغراب الجميع أنه لم يعترض فهو يكره الجلوس في المنزل لوقت طويل، فقد صدق الجد حينما وعد وليد أنه سيلتزم بتعليماته لأنه كان متأكد من استسلامه لطلب مهرته بالراحة حتى تمام شفائه، وقد كان.
بعد أن أدى النعمان صلاة العصر في المسجد المقابل لمحله هو وجميع أحفاده وولداه وعبد الرحمن زوج ابنته ومعهم سليم ووالده وجده، خرجوا جميعًا ووجدوا ديجو ومعه بعض الأصدقاء في انتظارهم بناءً على طلب من بدر.
رحب الشباب بأصدقائهم ثم استأذن منهم بدر واتجه هو والجد فقط داخل المحل وأغلقوا الباب خلفهم ليحظوا بخصوصية أكثر.
أخرج الجد هاتفه من جيب جلبابه وطلب رقمًا ما وانتظر الرد.
كان يجلس عابد مع الرجل الكبير ويدعى عاصم المصري يتباحثان فيما بينهما في ما حدث ويحيكان مكائد جديدة أكثر حقارة لإجبار بدر على الرضوخ لهم.
رن هاتف عابد مقاطعًا الحديث وحينما رأى اسم المتصل أصابته الدهشة والذهول وأيضًا الخوف.
نظر إلى عاصم وقال: ده النعمان بنفسه هو اللي بيتصل.
قال عاصم سريعًا: رد بسرعة وافتح السبيكر.
حينما فتح عابد الهاتف على آخر رنة قبل انقطاعه، قبل أن يلفظ حرفًا كان النعمان يتحدث بنبرة حازمة ومرعبة أيضًا ويقول:
النعمان: بعد المغرب هستناك في بيتي يا عابد.
نظر عابد إلى عاصم بذهول ولكن استجمع رباطة جأشه ورد:
عابد: ليه هو أنا غبي عشان أجيلك لحد عندك وتغدر بيه؟
الجد بغضب: الغدر والخيانة دول طبعك أنت اللي اتعلمته من الصهاينة اللي بتتعامل معاهم يا عابد. أوعى تفتكر إني ما أقدرش أجيلك في قلب مكانك وأفعصك برجلي، بس قدام أحمد السيد النعمان بيقولك تعالى بيته يبقى بيديك الأمان، مع أن واحد زيك ما يستحقهوش، بس أنا عارف إنك كلب سيدك قصره. أنا في انتظارك عشان نخلص من الليلة دي، ولو ما جيتش يبقى أنت اللي عايزها حرب... هستناك.
فقط أغلق الهاتف.
عابد: أعمل إيه يا باشا؟
عاصم: روحله ومتخافش، النعمان قدام أدالك الأمان عمره ما يعملك حاجة في بيته، لازم تروح شوف طلباته إيه يمكن تعجبني.
عابد: طب واللي اتفقت عليه مع عبد الحميد؟
عاصم: لا لا لا، وقف كل حاجة لحد ما نشوف النعمان الأول.
عابد: تمام يا باشا هقابله وأقولك.
خرج بدر بعد انتهاء المكالمة حاملًا على كتفه الكثير من العصي الغليظة (شومة يعني).
حينما رأوه الشباب أسرعوا إليه ليأخذ كل واحد منهم واحدة، وحينما هموا بالذهاب نادى الجد على بدر يوصيه:
الجد: بدرررر، مش عايز دم!
أشار له بدر بمعنى تمام وانطلق هو وإخوته وأصدقاؤهم إلى وجهتهم تحت أنظار المارة التي وقفت على جانبي الطريق كما لو أنهم يشاهدون موكب ملكي.
على بعد شارعين من شارع النعمان كان يجلس عبد الحميد أمام إحدى محلاته التي كانت بجانب بعضها.
انتفض من مكانه حينما سمع صرخة بدر باسمه.
بدر: عبد الحميد يا نجاااار! أنا جايلك منطقتك وفي قلب مكانك أخد حقي بدراعي مش بشوية بلطجية.
عبد الحميد برعب حاول يداريه بعد أن التف حوله بعض رجاله الذي هو متأكد أنهم لم يستطيعوا صد هذا الهجوم:
عبد الحميد: عيب يا معلم بدر اللي بتعمله ده، ولو فكرت تلمس حاجة تخصني يبقى ما تلومش إلا نفسك.
بدر: هو ده تمامك؟ اللوكلك زي النسوان، بس أنا هوريك شغل الرجالة يا عرس.
ثم وجه كلامه لمن معه:
بدر: مش عاااايز حتة سليمة في أي دكان، واللي مستغني عن عمره يفكر يدخل في اللي هيحصل، يلاااااا!
وها قد بدأ الهجوم تحت ذهول الحاضرين ولا أحد استطاع التدخل بعد هذا التهديد الصريح. انتشر الشباب كل مجموعة استلمت محل وقاموا بتكسير محتوياته حتى الحوائط لم تسلم منهم. في ذلك الوقت كان عبد الحميد يقف بعيدًا يشاهد الخراب الذي يحدث في محلاته الأربعة وهو يمسك هاتفه يحاول محادثة عابد ولكنه لم يجيب عليه.
حتى وجد الشباب قد خرجت من المحلات بعد أن تركوها حطامًا.
وجد بدر يتقدم إليه وحينما وقف أمامه قال بعلو صوته:
بدر: دي قرصة ودن بس عشان قبل ما أي حد عقله يوزه إنه يعادينا يفكر ألف مرة في اللي هيجراله بعدها. ونصيحة مني ليك يا عبدو، الرجالة ما بتضربش حد في ضهره، وعشان أنت خول كبير لازم أسيبلك بصمتتي.
أردف قوله هذا باحتضانه لعبد الحميد مكبلًا إياه بقوة وهو يغرز المطواة الممسك بها في مؤخرة عبد الحميد وهو يقول:
بدر: كده أنا علمت عليك.
سحبها سريعًا مع خروج صرخة ألم من الأخير تلاها وقوعه أرضًا مع انسحاب بدر ومن معه وهم يضحكون ويفتخرون بما فعلوه.
رجع الشباب إلى شارع النعمان وقد سردوا للجد وعادل وياسر والجد حسين ما حدث.
وانطلقت الضحكات الرجولية على ما فعله بدر بمؤخرة عبد الحميد وأخذوا يطلقون النكات البذيئة عليه، حتى أسكتهم الجد وهو يقول:
الجد: تتعب أنت يا بدر لو ما حطيتش علامة الجودة بتاعتك صح! أنا مش منبه عليك يااض، مش عايز دم!
رد بدر بوقاحة:
بدر: طب ما أنا ما ضربتهوش في حتة تجيب دم يا جدي، دي أكيد هتن...
وضع مصطفى يده سريعًا على فم بدر حينما استشف ما سيقوله وهو ينهره:
مصطفى: باااااس! الله يحرقك، ده جدك مش واحد مننا.
ضحك الجميع ثم قاموا بعد استئذانهم من الجد ليذهب كلٌ إلى عمله.
انقضى باقي اليوم لا جديد به، وقد حان موعد مقابلة عابد التي حددها الجد.
نبه مصطفى على نساء المنزل بعدم الخروج من شقة الجد وأيضًا إغلاق الباب الذي دائمًا يترك مفتوحًا لوجود أشخاص غرباء مع الجد في الأسفل.
وصل عابد في الميعاد المحدد ووجد وليد في انتظاره على أول الشارع ليقوده إلى المنزل، فهو لأول مرة يأتي إليه، وكان يصطحب معه سيارتان دفع رباعي بها ثمانية رجال من الحرس الخاص به.
نظر له وليد باستخفاف وقال له:
وليد: مش محتاج الزفة اللي أنت جاي بيها دي كلها، أنت هنا في أمان يا... يا باشا.
عابد بتعالي: ده العادي بتاعي على فكرة، مش بروح حتة من غيرهم.
ثم تحركوا سويًا متجهين إلى المنزل.
عند النساء، كن يقفن وهن يحضرن مشروبات الضيافة التي ينتظرها سليم وأحمد حتى سألت الجدة:
الجدة: واد يا أحمد هو مين الناس اللي مع جدك تحت دول؟ شكلهم أغراب وهو ما قاليش إن في قعدة صلح.
أحمد بهروب: بالك أنتِ يا ستي لو حد من العساكر سمعك وأنتِ بتقولي واد يا أحمد دي هتضيعي الهيبة خالص والله.
نوال: بطل لف ودوران يا ولا وقول مين دول.
أحمد: أنا ولا بلف ولا بدور، أبي اسألي أبوكي لو عايزة تعرفي وخلصونا بقى، الناس وصلت أهه.
فاطمة وهي تعطيه صينية مليئة بأكواب العصير وتناول سليم أخرى وهي تقول:
فاطمة: خد يا ابني وروح شوف ضيوفكم إحنا عارفين مش هناخد منكم حق ولا باطل.
أحمد وهو يتحرك للأسفل: شطورة يا بطة فاهميهم بقى ينوبك ثواب.
بالأسفل كان يجلس النعمان وأحفاده وأولاده ومعهم سليم بعد أن قاموا بتقديم واجب الضيافة لعابد وأيضًا أخرجوا بعضها للحرس المرابط أمام الباب الخارجي.
بدأ عابد الحديث:
عابد: ها يا حج، أديني جيت لحد عندك في مكانك، خير.
الجد: كل خير يا عابد، من غير لف ولا دوران إيه اللي ينهي اللي إحنا فيه ده؟ عشان أنا ما بحبش المشاكل، بس لو خبطت على بابي يبقى يا مرحب بالمعارك.
عابد: والله يا حج لو حفيدك وافق على طلباتنا اللي هو عارفها يبقى كل حاجة هتنتهي، لا وفوقيها ٣ مليون بوسة، ها إيه رأيك؟
بدر: بس إحنا مش ناقصنا فلوس، لا وكمان حرام.
الجد: أنت عارف إنها مش سكتنا، أنت بقى تاخد كام وتنهيها بمعرفتك؟ لأن الدم اللي نزل من حفيدي يخليني أفديه بكل ما أملك.
عابد: وأنا برضه باقولك أنا مش محتاج فلوس وحفيدك عارف إن صحاب الحاجة أكبر مني بكتييير، وهما اللي اختاروه يبقى واجهة ليهم وأنا عبد المأمور يا حج. نصيحة مني خليه يعملهم اللي عايزينه لأنهم مش ناويين على خير.
بعد مداولات كثيرة وشد وجذب بين الحاضرين وعابد، وقد تعمد الجد إطالة المناقشة ما بين الشدة واللين والرفض والتفكير حتى يصل إلى هدفه، وبعد أكثر من ثلاث ساعات قال الجد كلمته الفاصلة:
الجد: آخر القول يا عابد، أنا اللي هقوم بالموضوع ده بنفسي، بس مش هتعامل معاك أنت، صحاب الحاجة هما بنفسهم اللي هيسلموهالي، وأنا هسلمها لحفيدي هو يحطها وسط الشحنة بمعرفته.
عابد: بس دول عمرهم ما قابلوا حد يا حج واستحالة يوافقوا.
الجد: ده آخر كلام عندي، الكبير مش هيتعامل غير مع الكبير اللي زيه، وعشان أطمنك أكتر هيكون مكان المقابلة في شاليه الساحل بتاعي بعيد عن العين، وكمان لو عايز تاخد مفتاحه من دلوقت عشان تروحوا تأمنوا المكان وتتأكدوا إن ما فيش غدر من ناحيتي أنا موافق، بيتهيألي ما فيش أكتر من كده. بدر طلع المفتاح واديهوله.
عابد بتشتت: لا لا لا استني بس، أنا مش هاخد حاجة دلوقت، أنا قولتلك أنا عبد المأمور، أنا هعرض عليهم كلامك وهما يقرروا، بس حتى لو ما وفقوش أنتوا مضطرين تنفذوا طلباتهم.
الجد بتهديد وهو يقف: لو رفضوا هتبقى خراب عالكل وأولهم أنت. مصطفى ورّيله الفيديو.
استغرب عابد من كلام الجد ولكن ما هي إلا لحظات، وقد حل مكان الاستغراب حالة من الرعب لم يستطع مداراتها حينما شاهد الرجل الذي طعن بدر يعترف عليه بأنه هو من حرضه على قتل بدر وحكى الخطة كاملة مع تسجيل صوتي لعابد وهو يأمره بالتنفيذ، كان موجود على هاتف الرجل فهو من قام بالتسجيل لعابد حتى يؤمن نفسه إذا باعه.
بهت عابد وقال: طب أنا بإيدي إيه أعمله؟
النعمان: لا كتييير يا عابد، أنت عارف كويس هتدخل للناس دي منين عشان تقنعهم باللي قولته.
عابد: من الآخر يا حج أنت ناوي على إيه؟
الجد: ناوي على اللي قولتهولك عشان أخلص بقى بس خلي بالك، هي المرة دي وخلصنا عشان تبقى على نور.
ثم وقف وهو يقول:
الجد: شرفت يا عابد، بكرة بالكتير يكون وصلني ردك.
خرج عابد وهو يكاد لا يرى أمامه، لا يعرف كيف وصل إلى سيارته ومتى انطلق السائق به حتى وصل أمام الفيلا القاطن بها فهو أجل جميع مواعيده وقرر الاختلاء بنفسه حتى يفكر جيدًا فيما سيفعل.
صعد رجال النعمان إلى الأعلى ومجرد ما جلسوا فاجأهم بدر عندما وجد أمه وعمته يهمون بالقيام لتحضير الطعام، منعهم وهو يقول:
بدر: استني يا ماما أنتِ وعمتي ما تعملوش حاجة.
استغرب الجميع مما يقول، ولكنه لم يبالِ لأحد واتجه لجده وجلس بجانبه وهو يلتقط كفه يقبله ويقول باستعطاف:
بدر: بالله عليك يا حج وحياة أم عادل عندك توافق على اللي هقوله.
الجد بشك: طب قول الأول وأنا أشوف.
بدر: ننزل كلنا كده بربطة المعلم نشتري شبكة مهرة ونطلع نتعشى بره.
هللت الفتيات فرحًا باقتراحه ولكن أسكتهم الجد وهو يقول بتعقل:
الجد: يا ابني الساعة داخلة على عشرة يعني عشان البنات تلبس فيها ساعة على ما نوصل هتكون الصاغة قفلت خليك بكرة.
بدر: لا لا لا ما تقلقش، أنا كلمت محمد القاضي يستناني مش هيقفل لحد ما نروحله، يعني على ما البنات يلبسوا نكون إحنا صلينا العشا اللي راحت علينا بسبب ابن المحروقة ده، وبعدين بين العطارين والمنشية خمس دقايق مش بعيد، وكمان أنا اتصلت بمطعم أبو شقرة اللي في بحري حاجز عنده ٤ ترابيزات ومفهمه إن هيبقى على المتأخر وهما أصلًا بيسهروا للصبح.
قال مصطفى بذهول:
مصطفى: أنت لحقت عملت كل ده إمتى يا ابني؟ أنت كنت في إيه ولا في إيه؟ أنت دماغك دي إيه!
ردت مهرة كالعادة مدافعة عنه قالت وهي ترفع يديها الاثنتين في وجه مصطفى:
مهرة: الله أكبر خمسة في عينك! وأنا أقول اللي بيجراله ده مش من شوية، أتاري من عينك المدورة، والله لأروح عند أبو ماضي العطار أجيب منه بخور جاوي وعين العفاريت وأبخره من كل عين شافته ولا صلتش على النبي!
ضحك الجميع وهم يقولون: اللهم صلِّ عليك يا نبي.
عندما رأى الجد نظرة التوسل في عين بدر وفرحة مهرة قال:
الجد: شوفت بقى لما ريحت قلبك بالك راق إزاي وبقيت بتدور الدنيا كلها من مكانك، الله أكبر عليك عشان الست مهرة ما تخمسش في وشي أنا كمان.
الكل: هههههههههههه.
أكمل الجد: والله ما هكسر بخاطركم، يلا يا ولاد روحوا البسوا بسرعة، السهرة بره صباحي النهارده لجل عيون الغاليين.
هلل الجميع وأطلق الشباب صافرات تحية للجد.
ثم قال الجد مقاطعًا إياهم:
الجد: يلا بقى عشان ما نعطلش الراجل اللي هيفضل فاتح محله إكرامًا لينا، أنتوا عارفين بتوع الدهب في شارع فرنسا آخرهم ١١.
هرولت الفتيات والنساء لتبديل ملابسهم بينما قام الرجال لتأدية الصلاة، ثم قام عادل بالاتصال بالجد حسين حتى يأتي هو وعائلته معهم.
وبالفعل بعد مرور أقل من ساعة كانوا الجميع يقسمون أنفسهم مجموعات حتى لا يأخذون سيارات كثيرة لتسهل الحركة، وفي أقل من ربع ساعة كانوا يجلسون داخل محل مجوهرات شهير يحاولون انتقاء طاقم من الذهب، ولكن كل ما عرض عليهم كان رائعًا فاحتارت مهرة كثيرًا حتى وقع اختيارها أخيرًا على أحدهم. وحين انتهت وانتقلت أيضًا الدبل لها ولبدر تفاجأوا جميعًا ببدر وهو يقول:
بدر: ........
ترى ماذا قال هذا البدر؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن انتقت مهرة طاقمًا من الذهب أبهر الجميع من روعته، قال لها بدر:
"تمام كده حبيبي، ولا نفسك في حاجة تانية؟ شاوري بس."
مهرة:
"ربنا يخليك ليا، كده تمام قوي."
عادل:
"طب يلا بقى حاسب بسرعة عشان الناس عايزة تقفل."
محمد صاحب المحل:
"لا يا حج براحتكم، المكان مكانكم."
شكره الجميع، ولكن صمتوا حين قال بدر:
"طب يلا يا حاج محمد، هات اللي اتفقنا عليه، مش جاهز بردو؟"
محمد:
"جاهز من إمبارح، وزي ما طلبت بالظبط."
أردف قوله بالتفاته للخلف، وقام بفتح خزانة وأخرج منها علبة زرقاء وأعطاها لبدر تحت ترقب الجميع لمعرفة ما تحتويه.
أخذها بدر ووقف أمام مهرة، ثم قام بفتحها، وما هي إلا لحظة واعتلت شهقات الفتيات ومهرة التي وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها وهي تحاول التماسك حتى لا تنهمر دموعها.
فقد كانت العلبة تحتوي على طاقم ماسي رائع الجمال، السلسال عبارة عن حبلين من الألماس معلق بآخرهما دلاية على شكل فرسة بشعر طويل، وكانت الفرسة مرصعة بأحجار بلون الزمرد، والأسورة والخاتم نفس الشكل، أما القرط فكان أيضًا على شكل فرسة تلتصق بشحمة الأذن.
أخذت الفتيات تطلق عبارات الانبهار بجمال الطقم الماسي، ثم التقطته منه مها لتريه لباقي الموجودين.
مهرة وهي تنظر له بعيون تقطر عشقًا وقالت:
"إيه ده؟"
مال عليها بدر ليقول هامسًا:
"ده لون عيونك وأنتِ في حضني، لونهم بيبقى شبه الزمرد، واللون ده ما شفتهوش في عينك خالص غير لما بوستك أول مرة، بعد ما سيبتك قعدت أدعي ربنا إنك تكوني ليا، وحلفت لو حصل تكون شبكتك فرسة ألماس بلون الزمرد يا فرستي."
مهرة بدموع الفرحة:
"مش عارفة أقولك إيه؟"
بدر:
"مش دلوقت، بكرة... بكرة هنخرج وحدنا وهسمعك."
قامت النساء بإطلاق كثيرًا من الزغاريد ابتهاجًا لتلك الفرحة التي كانوا يتمنونها لهذا الثنائي.
بعد قليل انطلقوا جميعًا إلى مطعم شهير في منطقة بحري، ووجدوا الطاولات الأربعة مصفوفة بجانب بعضها حتى أصبحت كأنها طاولة كبيرة تسعهم جميعًا.
جلسوا جميعًا يتسامرون حتى حضور الطعام المعروف أنه يتأخر في تحضيره، كما المتعارف عليه في مطاعم الكباب والكفتة، ونظرًا لعددهم الكبير فأكيد الانتظار سيطول قليلًا.
لوجي:
"بس الصراحة يا بدر الطقم ده جامد، كأنه معمول عمولة."
بدر:
"ما هو فعلًا معمول مخصوص ليا، أنا روحت له ووصفت له اللي في دماغي وهو نفذه."
أحمد:
"وعملته إمتى وأنت بقى لك أسبوع متلقح في البيت؟"
بدر:
"يوم العركة الصبح قبل ما أروح المصنع، عديت عليه وأصلًا كنت رايح المنشية عشان أطبع دعوات الفرح."
الجد:
"فرح إيه يا ابني؟"
بدر:
"إيه يا جدي أنت نسيت ولا إيه؟ لا ركز معايا الله يكرمك، مش خطوبتي أنا ومهرة بعد بكرة بأمر الله الجمعة زي ما اتفقنا."
الجد:
"أنا قلت بعد اللي حصل هتتأجل."
بدر:
"لاااااااا، الله يخليك، ما فيش تأجيل."
عادل:
"يا ابني بالعقل كده، هنلحق نجهز القعدة إمتى ونعزم الناس ولا الأكل والمشاريب؟ اصبر كام يوم."
بدر:
"كل حاجة جاهزة يا أبا، فاضل التنفيذ."
ياسر:
"طب إزاي؟"
بدر:
"الدعوات انطبعت بقى لها كام يوم، هتصل بصاحب المطبعة يجيبها لي دلوقت هنا، وأبقى أراضيه بقرشين زيادة. بكرة بقى بأمر الله هنقسم نفسنا، أنت وأبويا وعم عبد الرحمن وعم حسن هتقفوا مع بتوع الفراشة وهم بيعلقوا النور ويفرشوا الشارع، وإخواتي لو كل واحد أخذ شوية كروت ووزعها ساعتين زمن هيكونوا مخلصين. وأنا متفق مع الحاج عثمان الشمبري بتاع شارع الرحمة، حاجز لي ثلاث عجول الصبح، هاروح أجيبهم منه عشان ندبح من بالليل."
وليد:
"لا لا ثانية معلش، أنت رتبت كل ده إزاي وإمتى؟ ده أنت تقريبًا كده مخلص كل حاجة."
سليم:
"ترتيب فرح ياخد له شهر، خلصوا هو في يوم يا جبروتك يا أخي!"
الجد بضحكة فرح وفخر:
"هاقولها لك تاني يا خليفة النعمان، طول ما قلبك ارتاح هتحرك الدنيا كلها بصباعك الصغير، ربنا يحميك يا بتي."
ثم نظر لمهرة يمازحها:
"أهو بدعي له مش بحسده."
الكل:
"هههههههههههههه."
مهرة بإحراج:
"خلاااااص بقى يا جدو، أنت ما صدقت تمسك علي كلمة قلتها، وبعدين ما هما بيحسدوه بجد أهو، سي سليم يقول يا جبروتك، ووليد مش عارف إيه، هو ما فيش غير بدر يعني؟"
نوال بغيظ مصطنع:
"أهووو، ماسورة واتفتحت مش هنخلص من قصيدة بدر اللي بتسمعها لنا، يلا هأقول إيه، حلة ولقيت غطاها."
الكل:
"هههههههههه."
بدر بتسبيل:
"يسلم لي أبو قلب طيب ويعيش ويدافع عني، هو أنا لي غيره؟"
صفر الشباب وقال مصطفى:
"أهو أنا هتشل من الحركة دي، يبقى عمال يجعر وصوته جايب آخر الشارع وهو أصلًا صوته تخين، وفي نفس اللحظة لو كلم فرسته تلاقي المحن والحنية والتسبيل اشتغلوا."
الكل:
"ههههههههههههههه."
ظلوا يتمازحون حتى حضر الطعام وشرعوا في تناوله في جو مبهج يسر الناظرين، حتى أنهم لفتوا أنظار رواد المطعم بضحكاتهم، حتى أخذت الجدة تردد في سرها بعض الآيات القرآنية لتحصنهم.
لميس:
"طب أنتِ هتلبسي إيه يا ميمو كده؟ ما حدش منهم فاضي بكرة ينزل معانا نشتري فساتين."
زينة:
"ولا الميك أب هنعمل فيه إيه؟"
مهرة بقناعة ورضا تام:
"مش مهم يا جماعة أصلًا، بدر كان جايب لنا فساتين من بره نلبسهم وخلاص، هما جمال قوي والله، والميك أب نحط لنفسنا وخلاص، ما إحنا هنبقى في البيت يعني."
بدر بحب:
"طب بالله عليكم أعمل معاها إيه؟ وتلوموني إني مستعجل؟"
ثم وجه كلامه لمهرة وقال:
"تفتكري يا فرستي أنا هأعمل ده كله وأنسى فستان فرحك؟ أنا طلعت من عند الجواهرجي على أتيليه منال القاضي في محطة الرمل، واختارت فستان من كتالوج كان لسه جاي لها من بره، ما اتنفذتش منه ولا تصميم، اتفقت معاها تخلصه في ثلاث أيام، حتى لو هتشغل الأتيليه كله لحسابنا عشان تخلصه. بكرة بإذن الله بعد ما أجيب العجول وأرجع، هآخذك نجيبه سوا بعد إذن جدي طبعًا."
نطقت الفتيات في نفس الوقت:
"طب وإحنااااااا!"
بدر:
"مع إني ما ليش فيه بس ماشي، خليها عليا، مصطفى وسليم بعد ما يرجعوا من عزومة التجار يبقوا ياخدوكم تشتروا اللي أنتم عايزينه، وعلى حسابي كمان."
مها:
"أيوه بقى هو ده الكلام، بس طب والبيوتي سنتر؟"
بدر بزعيق:
"ياااالهوي، أنا زهقت! محجوز محجوز يا أختي بيوتي سنتر كبير في مول الديب اللي في رشدي، تمام كده ولا في حاجة تانية؟"
أحمد:
"آه فاضل الزفة والعربيات."
بدر:
"جاهزة بس هأسيبها مفاجأة."
أخذوا يتحدثون لبعض الوقت حتى انقضت السهرة سريعًا، وانطلقوا عائدين لينالوا قسطًا من الراحة حتى يستطيعوا إتمام المهام المكلفين بها.
سطعت الشمس سريعًا واستيقظ النائمون في تمام السابعة صباحًا حتى يبدأوا هذا اليوم الشاق.
بعد الإفطار ذهب بدر إلى منطقة تسمى شارع الرحمة مشهورة ببيع المواشي، وفي أقل من ساعة قد أتم شراء ما يلزمه، واتجه به إلى بيته وساعده الشباب في إنزالها وربطها حتى يأتي الجزار ليقوم بعملية الذبح والتجهيز للوليمة التي ستقام غدًا على شرف خطبة أغلى أحفاد النعمان.
صعد بعدها سريعًا وجد مهرة جاهزة وفي انتظاره، استأذنها ليأخذ دشًا سريعًا ويبدل ملابسه، وما هي إلا نصف ساعة وكانوا يستقلون سيارته منطلقين بها إلى وجهتهم.
أخرج هاتفه ليطلب رقمًا ما، وحينما جاءه الرد تحدث بكلمات مقتضبة.
بدر:
"آه طلعت في الطريق."
...........
بدر:
"لا ثلاثة بس كفاية لو احتجناهم."
...........
"لا ما أظنش هيدخلوا لأن ما فيش باب خلفي، أنا هأراضي بتاع الأمن اللي على باب الطوارئ."
........
بدر:
"تمام ربع ساعة وأبقى عندك."
بعد أن أغلق الخط وجد مهرة تقول:
"إيه شغل الألغاز ده يا بدر؟ أنت كنت بتكلم مين؟ اعترف بسرعة."
التقط بدر كف يدها وقبّله ثم قال:
"النهارده ما فيش أسئلة، كل اللي مطلوب من حبيبي إنه يتفرج ويستقبل مفاجآت وبس، ممكن؟"
مهرة باستغراب:
"مش فاهمة، هو مش إحنا هنجيب الفستان ونرجع على طول علشان تلحق اللي وراك؟"
بدر:
"الساعة دلوقت تسعة، وإحنا ميعادنا في الأتيليه اثنا عشر، وأصلًا مش هنبدأ نلف عشان نوزع الكروت قبل الساعة اثنتين، هنكون رجعنا."
مهرة:
"حلو قوي الثلاث ساعات اللي قبل الأتيليه اللي أكلتهم في تص الكلام إيه ظروفهم بقى؟"
بدر:
"يا بت بطلي لماضة واصبري على رزقك."
ثم صف سيارته أمام أحد المولات الصغيرة وقال:
"يلا وصلنا انزلي."
نزلت دون التفوه بحرف، فهي معه أينما ذهب فلما تشغل بالها بالأسئلة.
أمسك يدها وتوجه إلى داخل المول.
بينما كانت وراءه سيارة فضية اللون، احتار سائقها في أمرين، أولًا أن يركنها وينزل خلفهم أم يظل مكانه ينتظر خروجهم.
ثم قال لنفسه:
"أنا أستنى في العربية على ما يخلصوا، أكيد جايين يشتروا حاجة الفرح، ولف بقى ووجع رجل وأنا مش ناقص، وكده كده المول ما لوش باب وراني يعني مش هيعرف يزوغ."
وكان هذا من حسن حظ بدر أو كما توقع، فهو على علم أنه مراقب، فلذلك اتفق مع أيمن أن ينتظره بسيارة أخرى في شارع جانبي، وقد دفع لحارس الأمن المرابط أمام باب الطوارئ الخاص بالمول مبلغًا محترمًا حتى يسمح لهم بالخروج منه، وقد كان، وجد أيمن يقف في انتظاره بجانب سيارة سوداء بزجاج معتم، وصل إليه وأخذ منه المفاتيح ثم فتح الباب الجانبي وأجلس مهرة وأغلق الباب ثم اتجه إلى أيمن قال له بضع كلمات ورحل.
انطلق بالسيارة سريعًا تحت ذهول مهرة لما يحدث، التي لم تستطع السكوت أكثر وقالت:
"إيه جو الأكشن ده يا بدر؟ فهمني في إيه؟"
بدر:
"عايز أخدك مكان سري ومش عايز حد يعرفه، وعربيتي إسكندرية كلها عارفاها، فخليت أيمن يأجر لي العربية دي في الخباثة عشان ما حدش يحس بحاجة، فهمتي؟"
مهرة:
"مع إن بردو الفيلم ده مش داخل دماغي، لأن ببساطة كان ممكن تتقابلوا في أي شارع وخلاص، لزومها إيه بقى المول ورشوة؟ بس هعديها بمزاجي مع اللي قبلها وهأصبر لحد ما أفهم، خلينا النهار ده في فرحتنا وبس يا قمري."
بدر وهو يسحبها بذراعه الحرة ويضمها لصدره ويقول:
"قلبي هيقف من كتر حبك، أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان ربنا يكافئني بيكي؟"
قبلته مهرة أعلى صدره وهي تقول:
"أنت تستاهل كل حاجة حلوة في الدنيا يا قمري، أنا اللي حاسة إنك كتير عليا."
بعد قليل وصل بدر إلى وجهته وصف السيارة تحت برج سكني يدل على ثراء قاطنيه، بعد أن أوقف محرك السيارة التفت بجسده ينظر لها بخجل وهو يقول:
"مهرة، المكان ده ما فيش مخلوق في الدنيا يعرفه ولا دخله حد قبل كده، بس أيًا كان اللي هتشوفيه فوق ما تقوليش عليه مجنون."
مهرة بقلق من حالته التي أول مرة تراه عليها:
"في إيه يا حبيبي؟ قلقتني."
بدر:
"لا لا لا ما فيش حاجة تقلق."
ثم سكت قليلًا وأردف:
"أنا مش عارف أشرح لك، تعالي نطلع وأنتِ هتفهمي كل حاجة."
ثم التفت للخلف والتقط حقيبة كانت موضوعة في الكنبة الخلفية وهو يقول:
"يلا بقى قبل الأكل ما يبرد."
مهرة بمزاح:
"تصدق من أول ما ركبت وأنا شامة ريحة شاورما واتكسفت أسألك."
بدر بضحك:
"لا وش كسوف قوي يا بت."
دلفا إلى الداخل ثم استقلا المصعد حتى وصلا إلى الطابق العشرين، خرجوا منه وكان يقابلهم باب شقة وحيد في الطابق كله، أدخل بدر المفتاح في الباب وأداره حتى فتح الباب وهو في قمة توتره من ردة فعلها، أدخلها وأغلق الباب ثم مد يده ليشعل الضوء، وحينما أنار المكان اتسعت عين مهرة مما تراه، وكلما تقدمت خطوة زاد ذهولها، فما تراه أمامها ليس بجنون بل هو الهوس بعينه، فكانت تقف في بهو كبير حوائطه مليئة بصورها، حتى الأرائك الموجودة كان موضوع عليها وسائد صغيرة مطبوع عليها صورتها، حتى حينما تقدمت قليلًا حتى اقتربت من المطبخ المفتوح على الصالة نظام أمريكان، كانت توجد به العديد من المجات بجميع أحجامها أيضًا مطبوع عليها صورتها.
وفي جانب آخر يوجد حائط بأكمله من الزجاج مرسوم عليه فرسة بيضاء تبهر العين ويطل على شرفة كبيرة مليئة بالأزهار وتستطيع رؤية البحر منه لعلو المكان.
كل هذا وهو واقف مكانه يتابع كل حركة أو انفعال يصدر منها.
بعد أن تمالكت نفسها قليلًا والتفتت إليه تسأله بعينيها ما كل هذا.
اقترب منها بدر حتى وصل أمامها وأخذ يسحب مشابك حجابها حتى أزاحه من عليها ويحرر شعرها من ربطته وهو يقول:
"أخذت الشقة دي من خمس سنين لما مرة كنتِ بتتكلمي معايا وقلتِ لي نفسي أسكن في شقة تكون آخر دور عشان يكون ليها روف كبير أزرع فيه ورد ويا سلام لو كانت بتطل على البحر تبقى عظمة. قلتِ لي كده بالنص بعدها بشهرين لقيتها اشتريتها على طول وعملتها زي ما أنتِ شايفة كده. كنت كل ما أحس إني خلاص مش قادر أتحكم في نفسي وعايز أملي عيني منك، آجي هنا أفضل قاعد مش بأعمل حاجة غير إني أتفرج على صورك وأشم ريحتك اللي في هدومك اللي كنت بأسرقها منك بعد ما تغيريها."
نظرت له بذهول ودموع تنهمر منها.
ولكنه أكمل:
"أيوه اااايوه، ما هو مهووس بيكي، كنتِ فاكراني مش حاسس بيكي ولا مش بأحبك؟ طب إزاي وأنا بأتنفسك، بأموت في التراب اللي بتمشي عليه؟"
احتضنته مهرة بهدوء يعاكس ثورة مشاعرها وهي تقول:
"ولا أنا ولا أنت بقى فيه كلام في الدنيا ينفع يوصف مشاعرنا يا قمري، على قد ما أنا حاسة بنار جوايا من كتر حبي ليك وإني عاجزة إني أعبر لك عنه، على قد ما أنا حاسة وأنا في حضنك إن قلبك سامع وحاسس باللي عايزة أقوله."
أبعدها بدر ثم كوب وجهها بيديه ومال عليها التقط ثغرها وأخذ يقبل فيها بنهم، امتص ثغرها السفلي ثم العليا ثم التهمهما معًا وابتعد قليلًا وهو يقول:
"أنا عايزك دلوقت، محتاجك مش جنس أقسم بالله، بس عايز أطمن وأنا في حضنك، أنا بأمر بأيام صعبة وخايف ومش هيقويني غيرك يا مهرة، فهماني؟"
مهرة:
"فهماك يا قلب مهرة، ومن غير ما يكون فيه سبب، أنا مراتك حلالك وقت ما تحب، وأنا كمان مشتاقة لك وهموت عليك."
أخذ يخلع عنها ثيابها ويلقيها في الأرض وهو يتجه بها إلى إحدى الغرف، فتح بابها ودخل سريعًا وكان قد انتهى مما يفعل حتى وقفت أمامه بثيابها فقط، وقف يمتع نظره بما يراه، وبرغم لهفته إلا أنه قرر أن يأخذها على أقل من مهله، نظر لها وقال:
"قلعيني هدومي يا مهرة."
ومهرته لم تنتظر، أخذت تفك أزرار قميصه على مهل وهي ملتصقة به، ثم جثت على ركبتيها وحلت حزام بنطاله ثم سحبه وأنزلته مع رفع ساقه ليخرجها منه، وقفت على مهل وهي تطوي البنطال والقميص وأدارت ظهرها وهي تتجه إلى كرسي موضوع بجانب الغرفة لتضع عليه الملابس بترتيب وتركته يقف بشورت قصير فقط، وحينما مالت بدلال لتضع ما بيدها وجدته قد تحرك سريعًا والتصق خلفها وهو يقول بعدما مال عليها محاوطًا خصرها وهي بهذا الوضع:
"هو أنا ناقص جنان عشان تعملي في كده؟"
ضحكت بدلال وهي تلتصق خلفها به أكثر وتملس على يده وتقول:
"هو أنا عملت حاجة يا قمري؟"
رد بدر سريعًا وهو يقبل ظهرها من أول رقبتها وينزل إلى الأسفل:
"لا ما تعمليش، أنا اللي هأعمل."
أعقب كلامه بتقبيل كل إنش في ظهرها حتى وصل إلى خلفها وأزاح عنها تلك القطعة الفاصلة بينه وبين نعيمه، أكمل تقبيله لها وهو يعتصرها بيده ثم اعتدل واقفًا وأنزل لباسها حتى أصبح عاريًا تمامًا، أمسك وحشه ووضعها بين فلقتي خلفها وحرص على أن يجعل وحشه مرفوعة طوليًا وأخذ يحتك بها تحت أناتها المستمتعة وهي تحاول كتمها حتى قال لها بصوت لاهث من فرط الإثارة:
"ما تكتميش صوتك، عايز أسمعه، اصرخي باسمي."
مال عليها وهو يتحرك وحاوطها بذراعه ليعتصر مقدمتها، ظل هكذا فترة ثم ابتعد وأوقفها سريعًا وهو يحيطها ويتحرك بها نحو الفراش، ألقاها عليه بعد أن عدلها فأصبح وجهها مقابله، تمدد فوقها وأخذ يقبل فيها ثم أمسك مقدمتها، اعتصر واحدًا بيد والآخر يمتصه بفمه، ومهرته تصرخ باسمه وتتحرك تحته بعشوائية تريد الخلاص.
بدر:
"تعبتِ؟ عايزاني حبيبي؟"
"عايزاااااك يا بدررر، هموت عليك، أرجوك ريحني."
"قولي عايزة إيه؟"
قال هذا وهو يمد يده يلمس أسفلها.
"آآآه عالية!"
خرجت منها جعلته يجن، ابتعد قليلًا ووقف ينظر لها برغبة قاتلة وقد هطلت دموع الرغبة من عينيها تريد الخلاص.
تمدد جانبها ومال بنصفه العلوي عليها وهو يتحسس بيده على جسدها وقال:
"نفسي أحس بشفايفك عليه بس خايف تقرفي مني أو ما تكونيش حابة كده."
لم تنتظر، اعتدلت وقامت بدفعه ثم ركعت على ركبتيها وأمسكت وحشه ووضعتها في فمها بعدم خبرة وهي تدخله وتخرجه وهو يزمجر ويشد على رأسها حتى أبعدها واستلقى بجسده كله على الفراش ومددها فوقه بطريقة معكوسة فأصبحت أسفلها مقابل وجهه ووحشه مقابلها.
انقض الاثنان يلتهم كل منهما الآخر بمنتهى الرغبة حتى ارتوى كل منهما بماء الآخر.
وأخرجا صرخة خلاصهم سويًا.
استراحوا قليلًا دون حركة ثم بدأ بدر بالاعتدال وأخذها بين ذراعيه بضمة قوية تعبر عن شكره وامتنانه لما تقدمه له.
بعد فترة قاما معًا لأخذ دش سريع ولم يخلو من مداعبات بدر لها ثم ارتديا ثيابهما على عجل حتى قرروا أن يتناولا الطعام وهم في الطريق نظرًا لمرور الوقت سريعًا دون شعورهم به.
أتموا شراء الفستان الذي انبهرت به مهرة ولونه أيضًا كان بلون الزمرد، وحينما سألته ما باله بهذا اللون قال لها:
"ما أنا قلت لك يا حبيبي ده لون عيونك وأنتِ في حضني، ومن يوم ما شفته وحياتي كلها اتلونت بيه."
رجعا إلى حيهم، صعدت مهرة إلى المنزل أما هو فبقي مع الرجال لإكمال مهام اليوم.
مر اليوم سريعًا وقد انتهوا من كافة التجهيزات حتى أصبح شارع النعمان مليئًا بالإضاءة الملونة والأقمشة ذات الألوان المبهجة، وكثيرًا من الكراسي والمناضد التي سيقدم عليها الطعام، وقد ذهبت أيضًا الفتيات لشراء ما يلزمهم.
وانتهى اليوم سريعًا وها نحن في انتظار الغد الذي يحمل الكثير من الفرح والمفاجآت.
صباحًا كان شارع النعمان ومنزله خلية نحل، بعد أن ذهبت الفتيات إلى البيوتي سنتر، امتلأ المنزل بنساء الحي اللاتي أتين للمساعدة ومشاركتهم الفرحة أيضًا.
أما بالأسفل فقد جهزوا الشقة الأرضي بجميع المستلزمات التي سيحتاجها الطاهي المختص بصنع طعام الفرح.
وانتشر الشباب وأصدقاؤهم الذين أتوا من كل حدب وصوب للوقوف بجانب بدر ومشاركته فرحته، فمنهم من يرسم الشارع بنشارة الخشب الملونة، ومنهم من يأتي بالطلبات التي يحتاجها الطاهي، ومنهم من يرقص على أنغام الأغاني الشعبية المنطلقة عبر مكبر الصوت.
حتى أتى المساء وانطلق موكب مهيب من السيارات والموتوسيكلات للإتيان بالعروس، وقد ارتدى بدر بدلة سوداء ولكنه رفض ارتداء رابطة عنق وقد هذب لحيته فكان مظهره خاطفًا للأنفاس، وصل أخيرًا إلى مركز التجميل لجلب حبيبته التي انبهر من طلتها ولم ينطق حينما رآها إلا بكلمة واحدة:
"أنتِ بتاعتي."
ولم ترد أيضًا إلا بكلمة:
"آه بتاعتك."
...... وفقط.
ساعدها في الدلوف إلى الكنبة الخلفية في السيارة المزينة بالورود الحمراء، ثم لف حول السيارة وركب من الجهة الأخرى.
انطلق الموكب على طريق البحر كورنيش الإسكندرية، وأخذ أصدقاء بدر يفعلون حركات بهلوانية بالموتوسيكلات مع إطلاق كثير من الصواريخ تحت ابتهاج مهرة والفتيات.
استمروا على هذا النهج حتى وصلوا أول حي العطارين وهنا كانت المفاجأة.
أمر بدر أحمد الذي كان يقود به السيارة بالوقوف جانبًا، وبالطبع وقف الجميع.
نزل بدر والتف ليفتح باب مهرة وينزلها تحت دهشتها وعدم فهمها ولكن بالأخير أذعنت لطلبه، ولكنها بمجرد نزولها قد فهمت ما يحدث تحت صراخ الفتيات وفرحتهم مما رأوا، سحبها من يدها وهو يقول:
"أنتِ مش كان نفسك تتزفي يوم فرحك بالكارته؟ أهو جبتها لك."
(الكارته هي عربة خشبية مكشوفة يجرها حصانان أو أربعة) كانت العربة مزينة بالأنوار الصغيرة الملونة وأيضًا الكثير من الورود.
ساعدها على صعودها وهي ستطير من السعادة والابتسامة تزين وجهها.
لم تتوقف المفاجآت إلى هذا الحد فقد كان في مقدمة العربية فرقة موسيقى بالزي الصعيدي والمزمار ما يطلق عليها (الطبل الصعيدي) التي تعشقها مهرة، وقد ارتدى أعمامها ياسر وعادل وأيضًا عبد الرحمن الزي الصعيدي مثل الجد وأخذوا يتراقصون بالعصي على أنغام المزمار وتعالت الهتافات والتهليلات وتشارك أيضًا بعض التجار الرقص مع الجد، كل هذا وهم يسيرون ببطء في اتجاه شارع النعمان، وقد تعالت الصافرات حينما وجدوا حصانًا أسود عليه سرج فضي يسحبه أحد الأشخاص، وقف الجميع ينظرون إليه باستغراب ماذا يفعل هذا هنا.
ذهب التعجب حينما وجدوا بدر يترجل من مكانه ويتجه نحو الحصان وامتطاه بمهارة وسط تهليل الحاضرين، حتى أن مهرة من فرحتها أطلقت زغرودة عالية تعبر بها عن فرحتها، أخذ الحصان يتمايل به بحركات راقصة وهم يتحركون على مهل، وتفاجأ الجميع بالجد الذي رفع عصاه ليتراقص بها وهو يسير أمام حصان حفيده بمنتهى الاحترافية تعبيرًا عن فرحته وقد التف حوله أحفاده وأولاده يشاركوه هذه الرقصة.
حي العطارين بأكمله كان يشاهد هذا المشهد المبهج حتى الشرفات امتلأت بالنساء وقد أطلقت النساء الزغاريد برغم عدم معرفتهم بهم وأخريات أخذوا يرشون عليهم الملح ليحفظهم من الحسد.
مهما وصفت المشهد لا يسعني أن أعبر عنه من فرحة احتلت قلوبهم وأيضًا مشاركة الحي بأكمله هذه الفرحة فهم عائلة تستحق الوقوف معها في أي وقت.
ظل المشهد هكذا حتى وصلوا أخيرًا إلى شارع النعمان وقد ترجل الجميع من السيارات أمام الشارع ليترجلوا على أرجلهم حتى وصولهم إلى المنزل، وقد قام أصدقاء بدر بالغناء والدق على الدفوف بأيديهم مع إطلاق الأغاني الفلكلورية التي يتغنى بها الشباب في الأعراس الشعبية وبدأوا بالرقص الشبابي حتى وصلوا بعد فترة طويلة إلى باب المنزل، صعدت مهرة والفتيات إلى مجلس النساء بالأعلى بينما بدر فظل مع الرجال.
خلع الشباب جاكت البدلة الخاص بهم وقد شمروا أكمام قمصانهم وبدأوا في تقديم الطعام للحضور وأيضًا المشروبات وزجاجات المياه وأيضًا كثيرًا من الرقص على أنغام الدي جي.
التفوا حول بدر ورفعوه عاليًا كلما هبط يقذفوه تعبيرًا عن فرحتهم به وهو كانت الدنيا لا تسعه من فرحته فهو أخيرًا أعلن للعالم أن هذه المهرة خاصته.
رواية مهرة و بدر الفصل العشرون 20 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن رحّب بدر كثيرًا بضيوفه ورقص مع الشباب، صعد إلى الأعلى حتى يُلبس مهرته شبكتها.
استقبلته النساء بالزغاريد حتى وصل للمكان الذي خُصص لهم وجلس بجانبها.
تلقى كثيرًا من المباركات تحت غيظ مهرة من نظرات البنات المعجبة ببدرها، وينظرن إليها بحقد لفوزها به.
طلبت من لوجي، التي كانت تقف بالقرب منها، أن تأتي سريعًا بالشبكة حتى لا يطيل جلوسه أمامهم.
عندما ذهبت لوجي لتنفيذ طلبها، جاءت سريعًا فتاة تسكن معهم في الحي ووقفت مكانها وهي توجه حديثها لبدر بدلع:
"يرضيك يا معلم بدر من بدري بنتحايل على مهرة عشان ترقص مش راضية مع إننا كلنا رقصنا."
بدر:
"هو أنتي عمرك شفتي ملكة بترقص؟"
صعقت الفتاة من رده وانسحبت بإحراج مع ضحك الفتيات عليها.
أتت لوجي بصينية مزينة بالتل الأزرق والورود البيضاء، موضوع عليها علبة قطيفة تحتوي على الطقم الذهبي فقط. بدأ بدر في إلباسها قطعة قطعة إلا القرط حتى لا يضطر لإبعاد حجابها. ثم أمسكت يده وألبسته هي الأخرى دبلته الفضية.
بعدها مال عليها وقال بهمس:
"أومال مجابوش الطقم الألماظ ليه؟"
همست له مهرة:
"أنا ما رضيتش، ده ما يتلبسش إلا لحبيبي وإحنا في بيتنا لوحدنا."
غمز لها بشقاوة وقال:
"اشمعنا؟"
ردت له الغمزة وهي تقول:
"أصلي مجهزة له طقوس خاصة."
أطلق ضحكة رجولية صاخبة وقال لها بعض الكلمات الوقحة ثم غادر للأسفل مرة أخرى.
وهكذا انتهت ليلة من أجمل الليالي التي مرت عليهم.
انقضت الحفلة في تمام الساعة الثالثة صباحًا.
وقد اجتمعت العائلة يتسامرون قليلًا حول أحداث الحفل ثم ذهبوا في سبات عميق.
صباحًا، استيقظ الجميع في وقت الظهيرة لأول مرة.
واجتمعوا على طاولة الإفطار كالعادة، وكانوا أيضًا يتحدثون عما حدث بالأمس.
مها:
"أما يا بدر، فكرة الكارته والطبل الصعيدي دي كانت جبارة، العطارين كلها بتتكلم عليها."
لوجي:
"هي العطارين بس؟ ده إسكندرية كلها يا بنتي، صحاب بدر صوروا الزفة كلها ومنشرينها في صفحات كتير."
لميس:
"بس الصراحة محترمين، محدش فيهم صور الناحية اللي البنات واقفة فيها، مصورين رقص الرجالة وبدر الحصان كده يعني."
وليد:
"يا بنتي غير إنهم بيراعوا حرمة عيلتنا، هما أصلاً عيال جدعة وولاد بلد وبيعتبروا أخواتنا زي أخواتهم وإحنا كمان، فمحدش بيعتدي على حرمة التاني. إحنا هنا في العطارين اتربينا على الأصول والجدعنة."
الجد:
"ربنا يحفظكم يا ابني من شر ولاد الحرام."
أمن الجميع وراء الجد ثم تحدث بدر وقال:
"إحنا كده تمام، هيصنا وفرحنا واتفسحنا كمان، تلموا نفسكم بقى يا بتوع الثانوية العامة وتذاكروا، فاضل شهر على الامتحان."
لميس:
"إيه ده؟ إنتوا مش هتخرجوا انهارده سوا ولا إيه؟ هو هيضحك عليكي من أولها كده يا ميمو؟"
بدر بغيظ:
"آآه يا سهونة، أنتي عايزة تهربي فبتلبسيني في حيطة."
مهرة:
"لا يا بدر مش قصدها، هي بتتكلم إن تاني يوم الخطوبة لازم العريس يخرج عروسته يتفسحوا بقى وكده."
بدر:
"وأنا قولت حاجة؟ شوفي مكان ما تحبي أوديكي بعد إذن جدي."
الجد:
"اخرجوا يا ابني وافرحوا، أنا ما عنديش مانع."
مهرة:
"لا يا جدو مش هينفع نخرج."
بدر:
"ليه يا فرستي، تعبانة ولا إيه؟"
مهرة:
"لا يا حبيبي أنا كويسة، بس الصراحة بقى أنت بقالك أكتر من أسبوع مانزلتش شغل وأكيد عندك حاجات كتير متعطلة، وأنا كمان عايزة أذاكر شوية ولما تبقى فاضي نخرج براحتنا، الدنيا مش هتطير يعني."
عادل:
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي ويهدي سركم يا رب."
الجد:
"بجد يا مهرة ولا هتبقي زعلانة عشان ما عملتيش زي البنات؟"
مهرة:
"والله جد يا جدو. وبعدين أزعل من إيه وبنات مين اللي أبصلها؟ هو اللي تتجوز بدر النعمان ينفع تقارن نفسها بحد؟ وهو أصلاً ياما خرجني وعمره ما حرمني من حاجة، يبقى واجب عليا أراعي ظروفه حتى من غير ما يطلب، مش تفاهة وخلاص هي."
مصطفى بغيظ:
"أنا بوقي وجعني من التصفير كل شوية على كلامك يا مهرة، هحاول أقلم نفسي على كلامك اللي هيفقع مرارتي قريب."
الكل:
"ههههههه."
مها:
"بص يا مصطفى والكلام للكل، مهرة حالة خاصة ملناش دعوة بيها. ثم نظرت إلى أحمد وأكملت: يعني أي واحد هيفكر يقول لواحدة فينا بصي مهرة بتعمل إيه ولا استحملي زيها، يبقى هو اللي جابه لنفسه. وبعدين أبسط رد هتلاقوه مننا لما يبقى واحد فيكوا يعاملنا زي معاملة بدر ليها يبقى ييجي يتكلم."
أحمد بغلب:
"طب هو أنا اتكلمت ولا فتحت بوقي؟"
مهرة بخوف:
"ياااا لهوي! إنتوا بتحسدونا عيني عينك كده؟ شوفت يا جدو كان عندي حق لما أخاف من الحسد."
الكل:
"ههههههه."
الجد بتعقل:
"ربنا يحفظكم يا بنتي من كل شر. بعدين يا ولاد كل واحد بيحب بطريقته ودرجة التفاهم بين أي اتنين بتختلف عن غيرهم، ما فيش حد شبه حد. بس هو اللي بيميز مهرة وبدر إنهم لاغيين ما بينهم كلمة 'أنا اتنازلت عشانك'. يعني لو بدر عمل حاجة لمهرة الناس شايفاها تنازل منه، هو بيشوفها واجب عليه. كذلك مهرة عارفة اللي بيريحوا وبتعمله من غير عند ولا إنها تصمم على حاجة لمجرد إنها تمشي رأيها وخلاص. وبرده هي شايفة إن ده الصح مش تنازل منها. يعني باختصار، دابوا في بعض لحد ما بقوا فعلًا شخص واحد. ده بيتفاهموا مع بعض بالنظرة ويدور حوار بالعيون بينهم وإحنا كلنا قاعدين مش فاهمين حاجة.
غير إحساسهم ببعض، لو واحد جرى له حاجة، بدليل لما مهرة تعبت أول يوم بدر سافر فيه لقيته بيتصل بيه يقولي طمني عليها يا جدي أنا قلبي واجعني عليها. وكذلك الأمر هي يوم العركة، هي حست وصممت إنه حصله حاجة وإنتوا ما صدقتوش. وحاجات كتير ومواقف أكتر هي اللي كبرت اللي بينهم. والأهم من ده كله واللي خلاهم يوصلوا للي هما فيه، إن مهرة ربنا اختار أبوها قبل ما تتولد وابتلاها بأم خلتها يتيمة أم وأب بس هي صبرت ومابصتش لحد عايش في وسط أبوه وأمه وقالت اشمعنى. وبدر كفل يتيم وحطها في عنيه وحافظ عليها حتى من نفسه وما كانش مستني مقابل، حتى لما حس إنه بيحبها حارب حبه ليها بكل قوته عشان بس ما يضيعش ثوابه ويبقى رباها وفي الآخر طمع فيها. فربنا سبحانه كافأهم هما الاتنين إنه يعطي لكل واحد أكتر حاجة اتمناها وهما الاتنين ما تمنوش حاجة من الدنيا غير بعض، فهمتوا يا ولاد؟"
تأثر الجميع بحديث الجد وقد وصلهم المغزى منه.
مها:
"أقسم بالله يا جدو أنا بهزر، أنت عارف إحنا كلنا بنحب بعض قد إيه ودايمًا بنتمنى الخير لبعض، ومهرة مش أختي في الرضاعة بس لا دي صاحبتي وروحي فيها، وفرحتلها أكتر من نفسي لما ربنا رضاها وريح قلبها."
الجد:
"أنا عارف ومتأكد لإن اللي أنتي بتقوليه ده هو اللي زرعته فيكم، والحمد لله ربنا أكرمني في زرعتي وأرضي اتملت خير. بس أنا حبيت أوضح الموضوع ده عشان كل واحد يبقى عارف الطريقة اللي بيحب بيها نصه التاني، فهمتي يا بنتي؟"
مها:
"فهمت يا جدو، ربنا يخليك لينا."
أمن الجميع على دعائها.
بدر كان يسأل مهرة:
"دروسك هتبدأ من الساعة 2 صح؟"
مهرة:
"لا خد التقيلة بقى، أنا أصلاً قررت إني مش هنزل من البيت الشهر اللي فاضل على الامتحان وهدرس أون لاين."
بدر:
"نعم يا روحي؟ قررتي مع نفسك كده؟"
ياسر:
"بلاش تستهتري يا مهرة دي ثانوية عامة مش هزار."
مهرة:
"يا جماعة افهموا وجهة نظري الأول. أولًا يا بدر أنا كنت هقولك قبل ما تنزل بس أنت اللي سألت. ثانيًا بقى إحنا قفلنا المنهج من شهر وبقالنا شهر فات وشهر جاي كمان في مراجعات. وبصراحة بقى نزول وطلوع وزحمة طلبة وتهريج، كل ده تضييع وقت، فأنا قولت أوفر وقت ومجهود وأراجع في البيت أحسن. واللي أكون نسيته أو واقف معايا أشوفه على النت أو أنت تشرحهولي. وعلى فكرة أنا بتكلم عن نفسي بس يعني زينة ولميس يروحوا عادي براحتهم."
نظر بدر لها وقد فهم قصدها من ذلك، هي تحاول أن تخفف عنه حمل القلق عليها وهي في الخارج لينتبه لما هو فيه.
وقد فهمت هي نظرته فقال لها:
"لو عملتي كده هتبقي تمام ولا هيقصر معاكي في حاجة؟"
ردت عليه أيضًا بنظرة مفادها ساتحمل معك ولم أخذلك وهو أيضًا فهم عليها وقالت:
"لا كده أحسن بكتير والله يا بدر."
بدر:
"خلاص يا حبيبي اللي يريحك اعمليه وأنا واثق فيكي."
... وفقط.
أغلق الحديث على ذلك وقام الجميع ليذهبوا إلى عملهم.
كان بدر يجلس في مكتبه داخل المصنع مع سليم ومصطفى، ووجد عابد يهاتفه فرد عليه:
"أيوه يا عابد، اختفيت يعني بقالك يومين؟"
عابد:
"كنت بظبطها صح يا بشمهندس. المهم أنا بتصل بالحج تليفونه غير متاح وأنا عايز أقابله ضروري، أقدر أجيلكم أمتي؟"
بدر بدون تفكير:
"انهارده الساعة 8 وأنا هبلغ جدي."
عابد:
"تمام، 8 بالدقيقة هكون عندكم، سلام."
أغلق بدر الخط دون الرد على سلامه.
مصطفى:
"تفتكر وافق؟"
بدر:
"ده أكيد وإلا ما كانش طلب يقابل جدك."
سليم:
"يعني كده دخلنا في الجد، ربنا يستر."
أمن على دعائه بدر ومصطفى، وكلا منهم تدور في عقله مئات الأفكار لما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة.
عند عابد كان يجلس مع عصام المصري وبعد أن أغلق الهاتف مع بدر قال:
"كده تمام يا باشا، هروح انهارده وأبلغهم بطلباتك خلينا نخلص بقى."
عصام:
"أوعى تحسسهم إننا بعتنا ناس اقتحمت الشاليه بتاعهم."
عابد:
"هو أنا عبيط يا باشا عشان أقوله إحنا روحنا بيتك فتشناه عشان نأمن نفسنا قبل ما نجي لك."
عصام:
"كان لازم أعمل كده. هو فاكرني أهبل وهاخد منه المفتاح؟ لا طبعًا، أنا كان لازم أبعت حد من وراه عشان أضمن إنه ما يكونش متفق مع الحكومة ويكونوا زارعين أجهزة تصنت. ما تنساش إني أول مرة أظهر لحد وبرغم كل شيء أنا واثق في النعمان. هو مش في طبعه الغدر، ومتأكد إنه أجبر حفيده إنه يوافق عشان يخلص مننا ويحافظ على أحفاده ههههههه ما يعرفش إن اللي رجله بتغرز معانا مرة بيفضل طول عمره مغروز وما يطلعهوش إلا الدم."
عابد بقلق داخلي فهو من أقنعه بالموافقة خلال اليومين المنصرمين قال:
"صح كلامك يا باشا وده هيبقى مكسب كبير لينا."
انقضى باقي اليوم حتى جاء المساء ومعه موعد عابد وقد حضر في موعده.
وها هو يجلس مع الجد ومعهم بدر ومصطفى وياسر وفقط، والباقي كلا في عمله.
عابد بعد أن شرب فنجانًا من القهوة قد طلبه حينما وصل وعندما أنهاه وضعه أمامه فوق الطاولة وقال:
"بكره يا حج تكون في الشاليه بتاعك أنت وبدر بس، من الصبح تقعد تستنى في أي وقت هكون عندك أنا والباشا الكبير."
الجد:
"ليه؟ هو حد قالك إننا مقاطيع ما ورناش غيركم ولا إيه؟"
عابد:
"معلش يا حج تعالى على نفسك، أنت ما تعرفش أنا عملت إيه عشان أقنعه يظهر، دي عمرها ما حصلت. هو برده قلقان ولازم يأمن نفسه، هو مش قليل في البلد."
بدر:
"مش النعمان اللي يقعد يستنى حد ساعة واحدة مش يوم بطوله. بص بقولك إيه، فوكك من الحوار ده، أنا مش عايزه أصلاً وقولت لجدي أنا كفيل إني أوقفكم عند حدكم بس جدي اللي عايز يقصر الطريق."
عابد:
"شاهد يا حج حفيدك، ينفع كده؟ ده أنا بقالي يومين بحايل فيه وبأقنعه وأول ما يوافق إنتوا ترجعوا في كلامكم."
ياسر:
"عمرها ما حصلت ولا إننا نرجع في كلمة قولناها، حاسب على كلامك يا عابد."
وبناء على تعمد من الجد هذه المرة أيضًا، قد طال الحديث بينهم بين شد وجذب حتى مرت ساعتان وقال الجد قراره.
الجد:
"مش كل مرة تنشف ريقي في الكلام يا عابد، أنا مش حمل مناهدة. خلاصة القول، أنا وياسر وبدر هنكون موجودين من الساعة 4 لحد 7 لو ما جيتوش يبقى أي اتفاق بينا لاغي، والجدع منكم يقرب لنا."
عابد:
"تمام يا حج، هطلع من عندك عليه أنتظر مني اتصال خلال ساعة."
ثم غادر سريعًا إلى حيث ينتظره عصام المصري وحينما وصل إليه قال له عصام بلهفة:
"هااا، طمني وافق؟"
حكى له عابد كل ما حدث حتى أبلغه بآخر قرار للجد.
عصام:
"ههههههههههههههه كنت متأكد، أنا نظرتي ما تخيبش."
عابد بدهشة من ضحكه قال:
"أنا مش فاهم حاجة."
عصام:
"يعني ده كان اختبار ليه ونجح."
عابد:
"إزاي يعني؟"
عصام:
"يعني لو هو متفق مع الحكومة عشان يوقعني، كانوا هيخلوه يوافق على أي حاجة أقولها. حتى لو قولته اقعد يومين مش يوم بطوله، عشان هيكونوا مراقبين المكان وهيعرفوني. أنا فاهم كويس طريقة تفكيرهم.
إنما رفضه ده مع كل محايلتك عليه ساعتين، أكدتلي إن رأيه من دماغه، لإن هو ده النعمان، لا عمره انتظر حد ولا عمره خلى حد يتحكم فيه."
عابد:
"طب يعني دلوقت هنعمل إيه؟"
عصام:
"هقولك..."
ترى ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.