تحميل رواية «مهرة و بدر» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من داخل مستشفى السلامة التخصصي للولادة، المتواجد في منطقة محطة الرمل وسط الإسكندرية. نصعد الدور الثاني، نجد غرفة العمليات بابها مغلق، ويقف أمامه الحاج أحمد النعمان وولديه عادل وياسر، وحفيديه بدر ومصطفى، ومعهم حسن المحامي وأبيه الحاج حسين صاحب الجد. وعلى مسافة ليست بالقليلة، نجد سيدة رغم كبر عمرها إلا أنها ما زالت تتمتع بجمال باهر، لما لا وهي تركية الأصل، هي أم بريهان زوجة الشهيد محمد. نجدها تجلس على أحد مقاعد الانتظار، تتمنى مرور الوقت حتى تخرج ابنتها بعد خضوعها لعملية ولادة قيصرية، وها قد قاربت...
رواية مهرة و بدر الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم فريدة الحلواني
اهتم بدر بحبيبته في تلك الأيام ودللها كثيراً. كان يأتي بالطعام إلى فراشها، وحينما كانت تتذمر أو تمل، كان يحضره على طاولة الطعام بالخارج ويحملها إليها، يجلسها على ساقيه، يطعمها بيده، ويعود بها إلى الفراش حاملاً إياها حتى المرحاض.
كان يحملها إليه. وحينما تشتاق إليه، برغم استخدامه لأقصى درجات التحكم حتى لا يلتهمها، ولكنه بطرقه الخاصة كان يستطيع أن يروي عطشها له. كان في معظم الليالي يقضيها في صلاة قيام الليل، ولكنه كان يجعلها تصلي وهي جالسة على كرسي.
وبعدما مر شهر على غيابه، بدأت العائلة تتصل به ليعود، ولكنه تحجج أنه لم يشبع منها بعد. وحينما كان سليم ومصطفى يحادثونه ليعود إليهم لاحتياجهم له في أمور تخص العمل، كان رده عليهم إما السباب أو التهديد. ولكنه في الأخير اضطر أن يتابع معهم العمل من خلال الهاتف، فلابأس مادام يفعل هذا وهو بجانب حبيبته، أو تكون في غفوة لبعض الوقت.
كانت مهره تعجز عن وصف ما تشعر به بسبب ما يقدمه لها من حب ورعاية، وأصبحت تناجي ربها أن يكرمها، ليس لأنها تريد أن تصبح أماً، ولكن ليكون حملها مكافأة له بعد كل ما فعله معها. وها قد حان وقت تكليل مجهودهم وتعب بدر خاصته.
ذهبا معاً إلى الطبيب في الميعاد المحدد لهما لإجراء اختبار الحمل. وها هم بعد أن سحبت الممرضة عينة دم صغيرة من ذراع مهره لتجري عليها التحليل. بعد أكثر من ساعة، دلفت الممرضة إلى الطبيب وبيدها ظرف أبيض بداخله ورقة مطبوع عليها نتيجة الاختبار. ابتسم وطلب منها أن تأتي بهم إليه.
وما هي إلا لحظات، وكان يجلسان أمامه وينظران إلى ابتسامته البشوشة في صمت. ولكن قطعه الطبيب وقال: "مالكم يا شباب مخضوضين كده ليه؟"
بدر، حينما مسكت مهره يده وضغطت عليها من شدة توترها، قال: "طمنا يا دكتور بالله عليك."
رحمهما الطبيب حين قال: "مبروك يا مدام، الحمد لله ربنا كرمك وبقيتي حامل."
بكت مهره ولم يكن لديها القدرة على النطق بحرف. أخذها بدر تحت ذراعه وهو يجاهد ألا يبكي معها، وأخذ يقول: "بس حبيبي، بلاش دموع، ربنا كرمنا يبقى نحمده ونشكر فضله."
لم تنطق بغير: "الف حمد وشكر ليك يارب."
الطبيب: "اللي يشوفكم كده يقول بقالكم عشر سنين متجوزين."
بدر: "لا، الموضوع ملوش دعوة بالوقت يا دكتور، بس الفكرة إن لو معملناش العملية بدري كانت نفسيتها هتتعب وهي مفكرة إنها مش بتخلف، فأنا اختصرت الطريق على نفسي لأني مش هستحمل أشوفها حزينة."
الطبيب: "ربنا يبارك لك يابني، المهم اتفضلي يا مدام عشان نكشف بالسونار ونطمن على وضع الجنين."
أخذها بدر مع الممرضة لمكان السونار وساعدها في التمدد على الفراش الخاص. وجهزتها الممرضة، ثم حضر الطبيب وبدأ عمله، وهو يمرر جهازاً صغيراً فوق بطنها ويركز بعينه على شاشة صغيرة أمامه. ظهر عليه معالم الاندهاش قليلاً، بعدها ابتسم باتساع ونظر لهما وقال: "أنا قولتلك إنك حامل، قعدتي تعيطي، مش عارف لو قولتلك إنك حامل في ثلاثة هتعملي إيه؟"
ظهرت معالم الصدمة عليهما ولم يستوعبا ما يعنيه الطبيب، والأخير ينظر لهما بتسلية وينتظر حتى يستوعبا الصدمة.
بدر، بعدم استيعاب: "معلش يا دكتور، مش فاهم، ممكن توضح."
الطبيب: "إيه اللي مش مفهوم في اللي قولته؟ مبروك يا بشمهندس، ربنا أكرمكم بثلاث توائم."
لم يرد بدر بكلمة، ولكنه خر ساجداً لله وهو يبكي. أما مهره، فقد شهقت بقوة ووضعت يدها على فمها لتمنع صرخة فرح كادت أن تخرج منها، مع ازدياد انهمار دموعها.
سبقهم الطبيب إلى الخارج حتى يتيح لهم الفرصة لتخطي تلك المفاجأة السارة. قام بدر من سجوده واحتضنها بقوة وهو يقول: "شوفتي كرم ربنا علينا يا فرستي، مش قولتلك اصبري وقولي يارب."
شبثت به مهره وهي تقول من بين دموعها: "أقسم بالله يا بدر، أنا بعد اللي أنت عملته معايا الأيام اللي فاتت، بقيت بدعي ربنا إني أطلع حامل عشان تعبك معايا ما يروحش هدر ويكافئك بالذرية، مش عشان أبقى أم."
أخذ يحمد ربه كثيراً، وبعد فترة، كانوا يجلسون مجدداً أمام الطبيب ليستمعوا لتعليماته.
الطبيب: "أنا هكتبلك على شوية فيتامينات وحقن تثبيت للاحتياط مش أكتر، إنتي حالتك فوق الممتازة بس زيادة أمان. أهم حاجة تهتمي بأكلك كويس وتقدرى تمارسي حياتك عادي بس تقللي المجهود. وبالنسبة للعلاقة، ياريت أول شهر بس نمنعها برضه للاحتياط، أو مفيش مانع لو مارستوها مرتين خلال الشهر بس على خفيف." ثم غمز لبدر بمزاح.
استعلم منه بدر على أشياء كثيرة، وبعدها قال: "دكتور، من فضلك، ليا طلب صغير عندك."
الطبيب: "اتفضل، قول اللي انت عايزه."
بدر: "طبعاً في المتابعة أكيد هييجي معانا أمي أو أمها أو حتى حد من أخواتها البنات، فأنا مش حابب يعرفوا حاجة عن العملية، يعني أنا هقول قدامهم إنه حمل طبيعي."
الطبيب: "على فكرة هي متفرقش حاجة عن الحامل بطريقة طبيعية، كل الحكاية إننا اختصرنا وقت مش أكتر. وفي العموم، أكيد أنا مش هطلع أسرار مرضاي بتوعي لحد، متقلقش."
شكر بدر بشدة وغادر هو ومهره، وكأنهم لا يلامسان الأرض من فرحتهم.
قضى يومان آخران في شقتهما، واليوم ميعاد عودتهم إلى العائلة التي احتجت كثيراً على غيابهم. وقد رفض بدر طلب مهره أن يبلغهم بخبر حملها في الهاتف حتى يرى وقع الخبر عليهم أمام عينيه. وقد غادر شقته مساءً حتى يضمن وجودهم جميعاً.
في تمام الحادية عشر مساءً، كانت عائلة النعمان جميعاً يجلسون في انتظار تحضير طعام العشاء. على صياحهم حينما دلف عليهم بدر وهو حاملاً مهره. وقبل أن يقترب أيٌ منهم إليه، قال: "ثواني بس، أقعدها ترتاح ونسلم بعدها براحتنا."
أجلسها على أقرب كرسي تحت استغراب الجميع، ولكنهم لم يعلقوا، وتهافتوا عليه بالسلام والأحضان من كثرة اشتياقهم له. كما هجمت الفتيات والنساء على مهره، يمطرونها بالكثير من القبلات، فهي لأول مرة في حياتها تغيب عنهم.
بعد فترة، جلس الجميع يطمئنون على أحوالهم، حتى وقف بدر وقال: "اهدوا بقى شوية وركزوا معايا عشان عندي خبر ليكم هيفرحكم."
تساءل الجميع، فأسكتهم وقال: "مهره حامل."
سكت الجميع لاستيعاب الخبر، وأول من فاق من صدمته هو الجد، الذي انتفض من مجلسه محتضناً حفيده بقوة وهو يبارك له.
قبل بدر يد جده ورأسه، وألقى بقنبلته: "هاتريك يا جدي."
الجد: "مش فاهم يابني، يعني إيه؟"
ضحك بدر عالياً وقال: "يعني تلاتة، مهره حامل في تلات توائم."
كبر الجميع وهللوا مع مزاح الشباب وحسدهم عليه وسؤالهم كيف فعلها. وحينما أطلقت عمته زغروطة، وكان سيصاحبها الكثير، أوقفهم سريعاً وقال: "باااااس، بلاش تسييح بالله عليكم، أنا مش عايز حد غيرنا يعرف بالحمل ده غير بعد فترة عشان ربنا يكرمنا ويكمل على خير، والنبي."
الجده: "صح يا ضنايا، عندك حق، دي العين فلقت الحجر."
نوال: وهي تضم مهره إليها وتقول بدموع الفرح: "مبروك يا قلب أمك، ألف بركة يا بنتي، إنتي تستاهلي الخير كله يا بنت قلبي."
قبلت مهره يدها وقالت: "ربنا يخليكي ليا يا مامتي، بلاش عياط عشان خاطري."
ريام بفرحة: "أنا من هنا ورايح كل يوم هعملك أكل بالسمن البلدي عشان تتأوتي يابنتي إنتي واللي في بطنك."
بدر: "آه يا ماما، زغطيها، الدكتور موصي على الأكل."
إياسر باستغراب: "دكتور؟ دكتور راجل يعني يا بدر؟ طب إزاي دي عمرها ما حصلت؟"
بدر وقد فهم على عمه، لأنه طول عمره حينما تمرض يذهب بها إلى طبيبة، وأيضاً يغار عليها منهم، فكيف بطبيبة نساء؟ ولكن كان قد حضر الرد مسبقاً وقال: "آه يا عمي، دكتور، مانا مش هخاطر بيها عشان غيرتي عليها. إحنا كنا بنتمشى في شرم وفجأة وقعت من طولها، اغمي عليها، خدتها وجريت على أقرب مستشفى وطلبت دكتورة تكشف عليها، وأجارك الله يا عمي، وشها يقطع الخميرة من البيت، طبعاً قالت لنا إنها حامل والحمل خطر عليها عشان صغيرة."
سمع شهقات الجميع، ولكنه أكمل: "أنا اترعبت طبعاً ومهره انهارت، روحنا الفندق وأنا مش عارف أعمل إيه، افتكرت واحد صاحبي كان متجوز بقاله خمس سنين ومخلفش وربنا كرمه ومراته حملت وكان حملها صعب، دخّلها على الدكاترة لحد ما عثر في دكتور اسمه يحيى عثمان، هو كان السبب بعد ربنا إن حملها يكمل على خير."
وليد: "أنا فعلاً أسمع عنه، شاطر جداً ومشهور في مجاله."
بدر: "المهم كلمت صاحبي وأخدت الرقم، تواصلت معاه وأخدت معاد ونزلت من شرم عليه. هو بقى كشف وعملها تحليل وطمنا، الحمد لله. هو سنه كبير بس شاطر وتحسه كده وشه بشوش وبتاع ربنا. فبإذن الله هنكمل متابعة عنده وربنا يعيني وأستحمل بقى."
عادل: "ربنا يا ابني يحميهم لك ويكمل فرحتك على خير."
أمن الجميع على دعائه، ثم قال الجد: "أنا هدبح عجلين وأخرجهم لله."
بدر: "من غير ما تقول يا جدي، أنا هدبح خمسة بإذن الله، بس مش هفرقهم هنا."
أحمد: "أمال هتوديهم فين وليه مش هنا؟"
بدر: "هوديهم بنك الطعام، هما يفرقوهم للي يستاهلهم. وهنا في العطارين، إحنا نعرف كام عيلة على قد حالهم، هروح بنفسي من غير ما حد يحس وهدي لكل واحد مبلغ كده. وليه مش هوزع هنا؟ لأنهم أكيد هيسألوا عن السبب، ولو مقولناش خد عندك بقى قر وحسد وقرف، وهيقولوا عيلة النعمان من كتر فلوسها مش عارفة توديها فين، وإنت عارف بقى، فخليها كده في الخفي أحسن، بس ندعي ربنا يتقبلها منا."
أمن الجميع ودعوا لهم بصلاح الحال وإكمال فرحتهم على خير.
بعد تناول الطعام وتوزيع الهدايا التي أحضرتها مهره للفتيات والنساء من شرم، تحت تذمر الشباب لعدم إحضارهم هدايا لهم أيضاً واعتبروها تفرقة عنصرية برعاية الليدي مهره، انتهت السهرة وذهب كلٌ إلى بيته. وقد حزنت الجدة كثيراً لأن البيت أصبح فارغاً بعد انتقال بدر ومهره إلى مسكنهم الخاص. وحينما أفصحت بذلك، وعدها بدر ومهره أنهما كل فترة سيباتون عنده.
مر شهران على هذه الأحداث، كان بدر يدلل فيها مهره بشكل مبالغ فيه، وحينما كان يذهب إلى عمله صباحاً، كان يحملها إلى الأسفل حتى تتلقى الرعاية من نساء المنزل حتى يعود لها. وخلال اليوم، كان يهاتفها كل ساعة تحت تذمر عمته ومشاكسة الفتيات لها بأنه لا يطيق بعده عنها ساعة واحدة.
هم: "يالهوي على بدر واللي جراله ده، مبيلحقش يقفل ويرجع يتصل، هو موراهوش شغل ده ولا إيه؟"
لوجي: "ده سليم ومصطفى هيتشلوا منه بسبب التليفون اللي مبقاش ينزل من على ودنه."
مهره: "الله أكبر، ما تتلمي يا كلبة البحر إنتي وهي، عينيكم هتجيبنا الأرض. وبعدين يا أختي إنتي وهي، مانتوا برضه طول النهار لوكلوك في الفون ده، غير الزنقة والبوس اللي تحت بير السلم من ساعة ما كتبوا عليكم، متخلوشنيش أسيح بقى."
لميس: "باااااااس، الله يحرقك يا شيخة، إنتي كل ده و مسيحتيش."
مهره: "آه، لسه فيه فوق السـ..." كتمت زينة سريعاً فم مهره حتى لا تفضحهم أكثر وهي تقول: "آسفين، وحياة ربنا آسفين. البيه باشا بدر يعمل اللي هو عايزه، ولا هننطق."
أزاحت مهره يدها، ثم رفعت حاجبها الأيمن وقالت بتجبر: "أيوه كده، ناس تخاف متتخشش."
لوجي: "ربنا عالمفتري إنتي، يابت، الجواز قوي قلبك وخلاكي مفترية أكتر ما كنتي."
مهره: "المهم، سليم وأحمد عايزين يعملوا فرحكم قبل دخول الجامعة وكلموا بدر عشان يكلم جدي، بس أنا قولتله يستنى لما آخد رأيكم الأول عشان متعملوش زي لميس وزينة اللي العلم خلاص أخد حقه أوووي معاهم وعايزين يستنوا سنتين تلاتة وبعدين يتجوزوا."
مها بفرحة: "لا، أنا فاشلة أصلاً وماليش غير بيتي وجوزي، يعني خدنا إيه من التعليم غير الهم والصحيان بدري."
ضحكت الفتيات على حديثها، ثم قالت لوجي: "أنا عن نفسي معنديش مانع."
زينة: "إنتوا فشلة أصلاً."
مهره: "أنا مش عارفة يا زينة إنتي ولميس مكبرين الموضوع ليه؟ طب مانا أهو دخلت هندسة بعد ما كنت هقدم في حقوق ولا آداب، مش فارقة، لولا إن بدر رفض وصمم عالهندسة، وأديني متجوزة وحامل كمان، فين المشكلة؟ ولا هو دلع مرق وخلاص؟"
لميس: "مش دلع والله يا ميمو، بس الفكرة إن سواء طب أو هندسة، الاتنين أصعب من بعض. وافرض طلعنا حوامل أول ما اتجوزنا هنعمل إيه؟ وقبل ما تقولي إنك بردو في هندسة، هقولك يعني باسم الله ما شاء الله، الله أكبر، يعني اللي بيعملوه معاكي بدر محدش غيره هيعمله. ده بعلاقاته خلاكي تدرسي أونلاين عشان متعبيش من روحتك الجامعة، ده غير إنه برده قدملك على كورسات إيطالي وألماني برضو أونلاين، وأهو قبل الدراسة ما تبدأ جابلك كل الكتب والملازم بتاعت سنة أولى وبيرجع من شغله يذاكرلك. إحنا بقى نعمل إيه يعني؟ وليد معندوش وقت، ما بين المستشفى والمصنع، ومصطفى من بعد افتتاح شركة المقاولات من شهر وبدر سلمه إدارتها هو وسليم ومبقاش بيقعد في البيت، يادوب بييجي على الأكل أو النوم، ودائماً هلكان، يبقى هيساعدونا إزاي؟"
لوجي: "على فكرة بقى، الصراحة، سليم ومصطفى بيستهبلوا ومكبرينها على الآخر، يعني هما الاتنين ماسكين إدارة شركة ومعاهم أيمن بيساعدهم، وسابوا حمل المصنع كله على بدر لوحده، وبرغم كده بيروحلهم من وقت للتاني يساعدهم في شغل الشركة، يبقى العيب فيهم مش في الشغل على فكرة."
زينة: "وده اللي أنا بقوله. مصطفى خلقه في مناخيره، ويبقى هجيب صبر منين يقعد يذاكرلي ولا هايستحملني مثلاً لو قصرت معاه في حاجة بسبب الدراسة؟ لا طبعاً، يبقى نريح نفسنا ونعدي سنتين ولا تلاتة من الدراسة ونتجوز. على الأقل اللي فاضل مش هيبقي كتير، نستحملهم وخلاص."
مهره: "والله إنتوا معاكم حق، بس الفكرة في المدة، كتير أوي تلات سنين. بس عموماً، كل واحد أدرى باللي يقدر عليه."
دلفت عليهن ريهام تسأل مهره: "بقولك يا ميمو، مش معاد المتابعة بتاعتك النهاردة ولا أنا حسبت غلط؟"
مهره: "لا يا ماما، إنتي صح، النهاردة إن شاء الله. هروح أنا كده في نص التالت، وأنا بروح في أول الشهر ونصه وآخره."
زينة: "نفسي بقى تبدأي في الرابع عشان نعرف نوعهم إيه. نفسي تجيبي بنت شبهك يا ميمو، ملونة كده زينا."
مهره: "متقلقيش، خير ربنا كتير جوه، أكيد هيطلعوا ولاد وبنات، ماهو مفيش جنس تالت."
الكل هههههههههههههه.
مر شهران آخران، وقد أصبحت مهره في نصف شهرها الخامس، وبشرهم الطبيب أنها حامل في ثلاث ذكور، ولم تسع الفرحة الجميع، خاصة الجد بهذا الخبر. وأيضاً قد تحدد موعد زفاف سليم ولوجي وأحمد ومها بعد شهر من الآن.
في أحد الأيام، كان يجلس بدر ومهره سوياً بعد ما قضيا معاً وقتاً حميمياً، يحاول كلٌ منهما أن يروي عطشه من الآخر. بعد الانتهاء، أخذها بدر في أحضانه وهما عاريان تماماً كما اعتادا، وقد كبرت بطن مهره كثيراً نظراً لحملها في ثلاث توائم، فمن يراها يعتقد أنها في الشهر الثامن. وقد كانت تعتقد أن شكلها أصبح قبيحاً بسبب ملء جسدها، ولكن بدرها كان حرفياً يأكل بطنها من كثرة إعجابه بمظهرها.
بدر: "حبيبي، إنتي كويسة ولا تعبتك انهارده؟ معلش اتعفيت عليكي شوية، كنتي وحشاااااني أوووي."
مهره وهي تنظر في عينيه وتقول: "لا حبيبي، أنا كويسة، اطمن. بس عنفك ده مكنش بسبب إني وحشاك."
توتر بدر قليلاً وسألها: "امال هيكون ليه يعني يا فرستي؟"
مهره: "لحاجة من اتنين، يا إما مخبي عليا حاجة، أو عايز تقولي حاجة عرف إنها هتزعلني. ها بقي؟ انهي فيهم؟"
بدر، بعد أن قبلها سريعاً قال: "يبت، إنتي على طول فقساني كده، مبعرفش أخبي حاجة عنك أبداً."
مهره: "طب مانا كمان زيك، ويمكن أكتر. ساعات لو حصل حاجة مش بصبر لما ترجع وبتصل أحكيلك. المهم، متهربش وقول بقى."
بدر بزعل: "في مشاكل في الشغل اللي بنصدره ولازم أسافر بنفسي عشان أحله."
مهره، وقد اصفر لون بشرتها من وقع خبر سفره، ولكنها تمالكت نفسها حتى لا تحزنه. فعمله الذي كافح فيه كثيراً ليُوصله لما هو عليه له عليه حق، فلا يجب أن تكون أنانية أو طفلة مدللة لا ترغب في ترك أبيها لها، يجب عليها أن تتحمل غيابه مهما كلفها الأمر لكي تقف بجانبه وتؤازره في شتى مجالات حياتها.
هكذا فكرت مهره بداخلها، وهو يضمها بين ذراعيه. نطقت أخيراً وقالت: "حبيبي، ولا يهمك، إن شاء الله إنت قدها وهتقدر تحلها بإذن الله. ولو عليا، متشلش همي، أنا هاخد بالي من نفسي لحد ما ترجعلي بالف سلامة."
ثم أكملت وحروفها تنطق بالرجاء: "إنت مش هتطول صح؟"
بدر بلهفة: "لالالا، مش كتير والله، هما يومين بس. يعني حجزت، هسافر، هنزل على الشركة أخلص معاهم وأرجع على الفندق، هبات ليلة واحدة لحد معاد الطيارة. بس أنا شايل هم بعدي عنك يا مهره، ده أنا ببقى جنبك وكل شوية أتصل بيكي، وساعات بسيب شغلي في نص اليوم عشان أجي أشوفك وأرجع تاني، يبقى إزاي هستحمل؟"
مهره: "معلش حبيبي، إحنا الاتنين لازم نستحمل عشان خاطر شغلك. وبعدين كل شوية هكلمك فيديو عشان أبقى معاك على طول."
قبلته قبلة عميقة وهي تتحسس بيدها على رقبته، وبعد فترة فصلتها وقالت: "إنت هتسافر امتى يا قمري؟"
بدر: "........."
متى سيسافر؟ وإلى متى سيغيب يا ترى؟ ننتظروني.
رواية مهرة و بدر الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم فريدة الحلواني
سافر بدر بعد عدة ساعات من إخباره لمهرته، فهو قد جهّز كل الترتيبات منذ يومين، ولكنه لم يشأ أن يخبرها إلا قبيل سفره بساعات حتى لا يحزنها.
وقد قضى الساعات المتبقية له وهو يأخذها بين أحضانه، يبثها عشقه ويحاول الارتواء منها، ولكنه حقًا لم يستطع، فلو عاش الباقي من عمره بين أحضانها لم ولن يكتفي.
كان رجال النعمان يعلمون بأمر سفره، ولكنهم تكتموا أيضًا بناءً على طلبه، وتفاجأت النساء بخبر سفره حين نزل لهم بدر صباحًا يحمل مهرته كالمعتاد، ويوصيهم عليها، وقد أمرها بالبقاء مع الجدة لحين رجوعه حتى لا تبيت وحدها، ولكي يكون مطمئنًا عليها.
ودعه الجميع وذهب معه مصطفى وسليم لإيصاله للمطار.
وصاهم كثيرًا على مهرته وأطفاله، وأكد على مصطفى وهو يقول:
"مصطفى، معاد متابعة مهرة كمان عشر أيام، لو ملحقتش أرجع وديها أنت، وخد بالك منها، أنا سايبها هي وأولادي أمانة في رقبتكم."
انقبض قلب مصطفى من حديث أخيه فاحتضنه بقوة وهو يقول:
"بتوجّع قلبي ليه؟ ربنا يرجعك بالسلامة لينا كلنا، وأنت اللي توديها بنفسك."
احتضنه سليم أيضًا ثم تركهم وغادر، وفي قلبه ابتهال لله أن يرجعه سالمًا، ليس لأجله ولكن لمهرته التي لن تتحمل بعده عنها. قال بصوت هامس:
"ياااا الله."
ها قد جاء المساء، والكل مجتمع في شقة الجد يحاولون تهدئة مهرة التي تبكي وقلبها منقبض، وما زاد الأمر عليها أنه من المفترض أن يكون بدر قد وصل إلى وجهته منذ أكثر من ساعتين، وقد وعدها بمجرد نزوله من الطائرة سيعيد تشغيل هاتفه ويحادثها.
ولكنه إلى الآن لم يفعل وهاتفه مغلق.
نوال:
"يابنتي استهدي بالله، حتى عشان اللي في بطنك، تلاقي الطيارة اتأخرت ولا حاجة."
لم ترد مهرة ولسانها لم يكف عن قول:
"ياااا رب."
رن هاتف الجد بصوت رسالة وهو متجه إلى المرحاض ليتوضأ، وقف في مكانه ليخرج هاتفه من جيبه ليراها.
وما هي إلا لحظات وكان يقع على الأرض دون حراك.
انتفض الجميع وأسرعوا إليه، وكان الأقرب وليد.
أخذوا من حوله يصرخون باسم الجد، فصرخ بهم وليد بعد أن أتى بحقيبته:
"بااااااس، اخرسوا، مش عايز أسمع نفس لحد ما أكشف عليه!"
وبمجرد ما انتهى من كشفه انتفض سريعًا يأمرهم بحمله وقال:
"لازم يروح المستشفى حالًا، جدي جتله جلطة عالقلب."
صرخ النساء، ولكن كان الأكثر صراخًا كان مصطفى وهو يصرخ ويقفز من على الأرض وهو يقول:
"أخوووووويا! لاااااا! بددددددر لااااا! يا رب!"
نهره أبوه ليصمت، فما الذي جاء بسيرة بدر وجده هو المريض؟ فقال:
"بس يااااااض أنت اتجننت! جدك اللي تعبان."
مصطفى بصراخ:
"بدددددر ماااااات يابا! سندنا مات!"
صفعة قوية نزلت على وجه مصطفى من أبيه تزامنت مع سقوط مهرة مغشيًا عليها.
ساد الهرج والمرج والعويل، والاثنان ممددان أمامهم على الأرض، وقد شعروا بالجنون مما يحدث. أول من تمالك نفسه حتى لا تنفلت الأمور أكثر هو عادل، صرخ بهم وهو يلتقط كرسي خشبي يرفعه ويلقيه نحو حائط بعيد ويقول:
"بااااااااس، بس يا خول منك ليه! هتولولوا زي النسوان وجدكم ومرات أخوكم مرميين كده!"
صمت مطبق حل على المكان.
ثم أكمل:
"إيه اللي أنت قولته يا مصطفى؟"
أعطى مصطفى لعمه هاتف جده ليرى ما سبب كل ما حدث دون التفوه بحرف، ولكن دموعه أبت التوقف.
أمسك عادل هاتف أبيه ونظر فيه ونزلت دموعه دون صوت.
فكانت الرسالة مرسلة من عابد كتب فيها: (أنا كده أخدت حقي منك يا نعمان، اقتلت أغلى أحفادك، وهرمي جثته في البحر ياكلها السمك عشان أزود حسرتك لما يموت وكمان ملوش قبر تزوره فيه).
وأعقب رسالته بفيديو مصور يظهر فيه بدر فور خروجه من المطار، أطلقت عليه رصاصة أصابت قلبه مباشرة، وقع على إثرها غارقًا في دمائه، وبعد لحظة أتى ثلاثة ملثمين حملوا جثته بإهمال وألقوها في سيارة معتمة ورحلوا سريعًا.
رفع عادل عينه من الهاتف ومسح دموعه وقال:
"وليد، اتصل بسليم يجيلك حالًا بالعربية ودي جدك المستشفى بسرعة، وأنت يا مصطفى شيل مرات أخوك دخلها أوضته وروح هتلها دكتور بسرعة."
"وأنت يا ياسر خد أحمد واطلع على مديرية الأمن قابل اللواء رشدي يشوفلنا الكلام ده صح ولا لعبة من عابد، يلااااا!"
نفذ الجميع أوامره، وقد اجتمع أهل الحي على صوت الصراخ، وحزنوا جميعًا حينما شاهدوا النعمان ذاك الرجل القوي برغم سنه وهو محمولًا على أيادي أحفاده.
قدم الجميع المساعدة، فمنهم من ذهب مع الجد، ومنهم من انتظر ليكون مع النساء إذا ما احتاجوا شيئًا في غياب رجالهم.
أحضر مصطفى طبيبة تعمل في عيادة بالقرب منهم، وحينما كشفت عليها قالت:
"هي في حاجة زعلتها؟"
أجابتها مها:
"آه، سمعت خبر وحش، وكمان جدو تعب شوية."
قالتها وهي تبكي.
الطبيبة:
"هي واضح إنها اتعرضت لصدمة عصبية عملتلها انهيار عصبي حاد، وللأسف دخلت في غيبوبة مؤقتة، تقريبًا هي بتهرب بيها من واقع رفضاه، هي الحالة دي جتلها قبل كده؟"
مها:
"أيوه، هي لما بتزعل جامد بيغمى عليها، وحرارتها بترتفع وممكن تفضل نايمة أو مغمى عليها يومين كاملين لحد ما هي تصحى لوحدها."
الطبيبة:
"كده أنا فهمت، أنا هعلقلها محلول فيه نسبة مهدئ بسيطة، مش هقدر أعمل معاها حاجة أكتر من كده عشان الحمل، ويفضل إن الدكتور اللي متابع حملها هو اللي يكشف عليها عشان يكتبلها العلاج المناسب وكمان يطمن عالحمل، لأن واضح إنه اتخبطت جامد لما أغمى عليها."
أعقبت قولها بالانصراف.
ريهام وهي تبكي:
"روح يا مصطفى هات الدكتور بتاعها يشوفها، روح يا مصطفى عشان نطمن على أمانة أخوك."
وانخرطت في البكاء.
نظر مصطفى للوجي وقال:
"البسي بسرعة وتعالي معايا عشان توريني مكان العيادة."
جرت في الحال، ارتدت ما طالته يداها ولفت حجابها بإهمال وذهبت معه.
في المشفى، تم الكشف على الجد الذي أصابته جلطة في القلب كما شخصها وليد، ولكن ما منع ضررها عليه تلك الحقنة التي أعطاها وليد للجد فور تشخيصه، فحقنه بمادة تساعد على إذابة الجلطة سريعًا، وهي دائمًا ما يحملها معه هي وأدوية أخرى في حقيبته الطبية.
ولكن الأطباء فضلوا بقاءه في العناية المركزة لحين استقرار حالته.
داخل مكتب اللواء رشدي في مديرية أمن الإسكندرية كان قد استدعى محمود وحازم فور وصول أحمد وياسر وعبد الرحمن إليه وقصهم لما حدث مع إعطائه الهاتف ليرى ما عليه.
محمود:
"إحنا حاولنا نتتبع الرقم اللي اتبعت منه الرسالة، لكن آخر إشارة ليه كانت قدام المطار، واضح إن اللي عملها كسر الخط بعد ما بعتها."
أحمد بعصبية:
"يعني إاااااايه أخويا مات بجدددددد؟"
حازم:
"اهدأ يا أحمد، أنا تواصلت مع رجالتنا في إيطاليا وهما اتحركوا فورًا وهبلغونا باللي حصل أول ما يوصلوا لأي معلومة."
ياسر بدهشة:
"إيطاليا ليه يا ابني؟ بدر مسافر بلجيكا!"
حازم:
"مكان إشارة التليفون اللي اتبعت منه الرسالة في إيطاليا يا حج، ممكن يكون قالكم كده بس هو كان في دماغه حاجة تانية."
انتظروا أكثر من أربع ساعات على أمل وصول أي معلومة تكذب الخبر ولكن لا جديد.
اضطروا للذهاب حينما اتصل بهم مصطفى ليبلغهم أنه سيتم نقل مهرة إلى المشفى بناءً على تعليمات الطبيب.
ياسر:
"هي حالتها خطر يا ابني؟ طب كلم الدكتور اللي هي متابعة معاه."
مصطفى:
"يابا، أنا روحت جبته مالعيادة بتاعته وكشف عليها، قال الوقعة كانت جامدة مع تقل جسمها بسبب الحمل، وكمان خايف من السخونية اللي جتلها والغيبوبة اللي هي فيها دي، فقال لازم تتنقل المستشفى عشان يعملوا إشاعات يطمنوا عالحمل وكمان هيحجزها في العناية لحد ما تفوق مالغيبوبة عشان يحاولوا يسيطروا عالسخونية وكمان يتابعوا حالة حملها."
ياسر:
"لله الأمر من قبل ومن بعد، طب أنت هتوديها؟"
مصطفى بحزن:
"لا، الدكتور طلب الإسعاف عشان محدش يحركها حركة غلط تأثر عليها."
ثم سمعوا صوت صافرة الإسعاف فقال:
"الإسعاف جت، هقفل معاك وهكلمك وأنا في الطريق."
أغلق معه الخط واستقبل رجال الإسعاف الذين دلفوا حاملين سريرًا نقالًا ليحملوا عليه مهرة بعد أن ألبسها الفتيات عباءة وحجابًا طويلًا، ولكن الطبيب أمرهم بعدم ارتداء النقاب لصعوبة تنفسها.
انطلقت سيارة الإسعاف حاملة مهرة ومعها نوال وخلفهم سيارة الطبيب ويليهم سيارة مصطفى مصاحبًا معه ريهام ومها ولوجي.
وبقيت لميس وزينة وفاطمة لمراعاة الجدة التي تكاد تفقد عقلها مما حدث.
مر يومان على تلك الأحداث العصيبة مع بقاء الجد في العناية ولكن تحسنت حالته قليلًا.
أما مهرة فقد دخلت في غيبوبة تامة لا يعلم أحد متى تفيق منها، ولكن كان كل الخوف على أطفالها الذين يحتاجون إلى التغذية.
وقد سافر حازم بنفسه إلى إيطاليا للتأكد من خبر وفاة بدر بعد أن أكده له أحد رجاله هناك، ولكنه رفض التصديق وراح يتأكد بنفسه، حتى إذا كان الخبر صحيحًا على الأقل يحاول الوصول لجثمانه ليرجع به ويدفن في وطنه إكرامًا له، وقد رفض أن يبلغ عائلة النعمان بهذا الخبر المشؤوم حتى يتأكد من صحته.
خرج الجد بعد أربعة أيام من المشفى بعد أن تحسنت حالته الصحية كثيرًا، ولكن الأطباء كانوا يفضلون بقاءه يومين إضافيين لتستقر حالته أكثر.
ولكنه رفض رفضًا قاطعًا، فليس هذا بوقت المرض أو الراحة.
يجب أن يقف على رجليه حتى لا تقع العائلة من ورائه، فلا ينبغي غيابه وغياب خليفته في وقت واحد، فليصلب طوله ويبحث عن حفيده الغالي ويهتم بمهرته وأولاده حتى يعود، وحينها سيأتي وقت الراحة يا نعمان.
هكذا قال الجد لنفسه وهو متجه في سيارة وليد إلى المشفى التي ترقد بها فرسة حفيده.
وصل إلى مكان مرقدها ووجد نوال وريهام ولميس وزينة يجلسون على المقاعد المتراصة أمام غرفة العناية.
الجد:
"ها يا ولاد طمنوني، البت عاملة إيه؟"
هرولوا عليه وهن يقبلوه ويحمدوا الله أن رأوه واقفًا مرة أخرى.
نوال وهي تبكي:
"ألف حمدلله عالسلامة يابا، شوفت اللي جرالنا يابا، هموت من قهرتي عالعيال!"
نهرها الجد وقال:
"بكفاكي عويل يا أم وليد، واللي هسمعها بتبكي وبتفول عالعيال مش هرحمها أقسم بالله."
"أمال فين مصطفى وعادل؟"
لميس:
"مصطفى راح يجيب قهوة، وعمو عادل عند الدكتور."
الجد:
"تعالى يا وليد وديني عنده عشان أطمن على أختك يا ابني."
وصل الجد عند الطبيب ووجد ولده يستفسر عن حالة مهرة.
عرّفه بنفسه وجلس يستمع لما سيقوله الطبيب.
دكتور يحيى:
"الحقيقة أنا حزين جدًا على اللي جرالهم هما الاتنين، ليهم معزة خاصة عندي من أول يوم زاروني فيه، وأنا بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ على الحمل اللي بدأ يسوء حالته بسبب قلة التغذية، لأن طبعًا المحاليل الطبية عمرها ما هتبقى بديل للأكل."
"بس اللي مطمني إن الحرارة الحمد لله رجعت لمعدلها الطبيعي."
الجد:
"طب ممكن أشوفها يا دكتور بالله عليك؟ ومش هطول عندها، خمس دقايق بس."
الطبيب:
"مفيش مشكلة يا حج، اتفضل معايا."
بعد أن تجهز الجد بزي معقم خاص بالعناية دلف إليها، وجلس بجانبها على طرف الفراش الممددة فوقه بغير حول لها ولا قوة، هاربة بإرادتها من عالم اختفى منه البدر، فما حاجتها بدنيا أصبحت مظلمة بدون بدرها.
أمسك الجد كف يدها ورفعه لفمه وقبله، وقد نزلت دموعه فوقه وقال:
"قومي فوقي يا مهرة النعمان، قومي يا فرسة عشان خيالك يرجع، أنتي اللي هتطمنيني إنه لسه عايش، لأنك دايمًا بتحسي بيه، اصحي يا مهرة طمني قلب جدك على قمرك، وأنا هصدقك والله هصدقك بس اصحي وقولي إنه عايش."
"قومي يا قلب جدك عشان عيالك اللي في بطنك، دول ولاد بدر حبيبك، يرضيكي يرجع ويلاقيكي تعبانة أنتي وهما؟ لازم تقومي عشان تحافظي على ولادكم، أنتي قوية يا مهرة، يلا قومي اقفي على رجليكي واهتمي بولادك لحد ما الغالي يرجع."
وصل الجد مكتب اللواء رشدي بعد انتهاء زيارته لمهرة، وقد رفض رفضًا قاطعًا أن يصغي لوليد الذي توسل إليه أن يرجع إلى المنزل ليرتاح قليلًا ويؤجل هذه الزيارة إلى الغد.
رحب به اللواء رشدي ولكنه قابل ترحيبه بوجه متجهم وقال:
"حفيدي فين يا رشدي؟ طبعًا متعرفش وميهمكش إنك تعرف، خلاص أخدت اللي أنت عايزه أنت والظباط بتوعك وأخدتوا مكافآت وطلعتوا في الجرايد (الصحف الورقية) واتكرمتم مالوزير كمان، يبقى هتفتكروا اللي رمى نفسه في النار عشانكم ليه؟ بس الغلط عندي أنا لما وثقت فيك إنك هتأمن ولادي، إنما أنت لقيت إنه فات شهر فالتاني ومحصلش حاجة، قولت خلاص كفاية عليهم كده ورفعت عنه الحماية، صح؟ اااااانطق!"
كان اللواء رشدي يستمع إلى النعمان وهو منكس الرأس من الخزي، وكلمات النعمان تخترق صدره كأنها طلقات نارية.
ولكنه يعلم الله لم يكن أبدًا في نيته التقصير، ورفعه الحماية عن بدر كانت بطلب من الأخير.
وبرغم رفضه إلا حينما ألح عليه أنه لا داعي لها فالأمور أصبحت مستقرة، اضطر أن يرضخ لطلبه.
رشدي:
"أقسم لك بالله يا أحمد أنا عمري ما قصرت معاكوا، وأنت عارف إن أحفادك زي أولادي بالظبط، بس بدر جالي من شهر وطلب مني أرفع الحماية، وأنا رفضت، بس هو اللي أصر وقالي إن الأمور استقرت ولو كانوا في نيتهم حاجة كانوا عملوها من زمان."
الجد:
"عالعموم مش وقت حساب دلوقتي، أنا عايز أعرف حفيدي فين."
تنهد رشدي كثيرًا ولكنه فضل مصارحته:
"رجالتنا اللي في إيطاليا اتأكدوا من الخبر بس معرفوش فين الجثة، بس حازم رفض يصدق وسافر من يومين عشان يتأكد بنفسه ولو صح..."
صمت ونكس رأسه لا يستطيع قولها.
بكى وليد بصمت، أما الجد وقف وقال بصلابة لا يعلم من أين أتى بها:
"يبقى أقل حاجة تعملوها معانا إنكم تلاقوا..."
صمت ليحاول التحكم في دموعه وأكمل:
"إنكم تلاقوا جثته وتكرموه بدفنة على أرضه، وإحنا كمان نبقى عارفنله مكان نزوره فيه ونترحم عليه."
ثم التف وخرج دون النطق بحرف آخر وأعقبه وليد.
سرادق كبير مليء بالرجال الذين حضروا لتأدية واجب العزاء في أغلى الشباب وأحسنهم.
أصدقاء منهارون بعض منهم يجلس على الرصيف يبكي، والبعض الآخر ينهرهم غير مصدقين رحيل رفيق دربهم.
رجال أشداء يقفون في أول السرادق يستقبلون العزاء في أغلى أبنائهم ويتظاهرون بالتماسك أمام الناس.
نساء متشحات بالسواد وأصوات عويلهن تصم الآذان قهرًا على من فقدوه.
وأخيرًا مهرة حزينة ما زالت غائبة عن دنيا اختفى منها قمرها.
ليل مظلم غطت الغيوم على بدره فأصبح شديد الظلام.
كل تلك الأحداث التي تمت بعد رجوع حازم من إيطاليا وعدم عثوره عليه.
كانت تأكيدًا على شيء واحد ألا وهو......... قد مات البدر.
ماذا سيحدث؟
سنرى.
رواية مهرة و بدر الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فريدة الحلواني
بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث الحزينة، وحتى الآن لا يستوعبون ما حدث ولا يصدقه صديقه.
بيتهم الذي كانت تشع من جوانبه السعادة وكان يعج بالبهجة، متشح بالسواد. وضُحّي بروحه، وجوده بينهم هو كل شيء حلو في حياتهم.
وبعده، تبدأ حياة كئيبة لا روح فيها، لا طاقة لهم لفعل أي شيء، لا عمل... لا طعام... لا حياة.
حتى أحمد أصر على الاستقالة من عمله كضابط شرطة لإحساسه بالذنب، فلو كانت تلك الوظيفة نافعة، لكان استطاع حماية أخيه.
وقرر أن يحاول أن يكون بديلاً لأخيه الراحل في العمل، فهو يعلم جيدًا عشق بدر لهذا المصنع الخاص، وأقسم أن يظل عليه لأجله، فهو كان حلمه وسيعمل عليه حتى لا يختفي كما اختفى صاحبه.
استيقظ الجد على رنين هاتفه، وقام مزعورًا على صوته، وسرعان ما وجد أن من يهاتفه هو طبيب مهرة.
رد سريعًا وقال:
"أيوه يا دكتور، خير، مهرة جرالها حاجة؟"
قال الطبيب سريعًا:
"لا لا لا اطمن يا حج، أنا بتصل أبشرك إنها فاقت من نص نومها، والحمد لله هي والولاد بخير."
أخذ الجد يحمد الله وهو يبكي ويقول:
"ربنا يبشرك بالخير يا ابني، ألف حمد وشكر ليك يا رب، أنا جاي حالًا."
أغلق سريعًا وخبر الجدة بما قاله الطبيب وهو يجري اتصالًا آخر، وعندما فتح الخط قال سريعًا:
"قوم يا عادل، النجمة الغالية فاقت، البس بسرعة خلينا نروح لها."
أغلق مع ولده ونظر وجده تبكي فضمها وقال:
"بلاش بكي يا نعمة، الحمد لله ربنا رضانا والبنت فاقت، والعيال كويسين."
"كفاية بقا كده وبلاها الرقدة دي، أنتِ من يوم اللي حصل وأنتِ ما قمتيش من فرشتك."
بكت الجدة وقالت:
"شايلاه يا أحمد، الغالي راح وكسرني، ده أنا حاسة إن حيطان البيت حزينة عليه."
"هو ده بيتنا اللي كان مليان ضحك وهزار."
الجد:
"قدر ربنا ولازم نصبر ونحتسب، أنا عارف إن اللي راح مش هين، بس أهو ربنا عوضنا وسابلنا ذريته اللي إن شاء الله يوصلوا على خير، يبقوا خلف لأبوهم الله يرحمه ويخلد اسمه في الدنيا."
"بعدين أنا شايل هم مهرة لما تعرف إنه خلاص هتعمل إيه وهتستحمل ولا لأ."
"يبقى إحنا لازم نيجي على نفسنا ونقوى عشان نقدر نقف بجانبها لما تقدر تستوعب اللي حصل."
الجده:
"وده اللي شايلة همه يا حج، زعلنا كلنا كوم وهي كوم تاني، ربنا يربط على قلبها ويلهمها الصبر."
أمن النعمان على دعائها، ولكن لم يعد بعد.
وهي فترة تلك المواجهة.
بعد قليل، وصل النعمان وعادل وأحمد إلى المشفى القاطنة بها مهرة، وبعد أن قابلهم الأطباء وطمأنوهم على منفردها هي وأطفالها، رافقهم إلى إحدى الغرف التي نقلوها إليها بعد الإفاقة.
دلفوا لها الثلاثة محاولين رسم ابتسامة زائفة، ولكنهم حقًا فشلوا، وعندما رأوها ممددة وهي تسند ظهرها على ظهر الفراش وعيونها حالمة بالرجاء أن يطمئنوها على بدرها.
دون حديث، اقترب منها الجد وضمها بحنان وهو يربت على ظهرها.
وكانت تلك إشارة لها لتنفجر في بكاء مرير، بل كل من بالغرفة يبكي جميعًا.
بعد فترة، تمسكت بجدها:
"بدر رجع يا جدو."
بكى الجد وهو يقول:
"أنتِ مؤمنة يا بنتي، وده قضاء ربنا لاز..."
قاطعته صارخة:
"لاااااااا، لا يا جدو، أبوس إيدك ما تقولهاش، بدر عايش، قلبي بيقولي إنه عايش، أنا صحيت حسيت عليه، صوت وهو بيقومني ويقولي: "قومي يا فرستي، الحقي ولادنا هيقعوا، الحقي ولادك بسرعة"، صحيت مخضوضة لقيت الولاد بيرفسوا جوه بطني، بس هو مش موجود، هاتلي بدر يا جدي، أقسم بالله عايش بس وحشني، هو قالي مش هتأخر، طيب أنا ما زعلتوش في حاجة، أنا مش هعرف أعيش من غيره."
"مش حاسة إني بتنفس يا جدي، مش قادرة أتنفس."
"هو مش هيخليني يتيمة صح؟ مش هيتمنى أنا وولاده؟"
أخذت تهذي بكلمات غير مترابطة بين شهقاتها، وقال أحد الأطباء لطوارئ خاصة بهم:
"اهدوا يا جماعة، ما ينفعش كده، أنتوا لازم تكونوا أقوية عشان تقدروا تساندوها في اللي جاي."
ثم اقترب من مهرة وقال:
"اهدي يا بنتي واسمعيني."
ولكن لم تلتفت له إلا حين قال بقوة:
"ولادك هيضيعوا."
انتفضت مهرة والتفتت له وهي تحاوط بطنها المنتفخ بيديها لحماية أطفالها، تقول برعب:
"ااااا، يعني إيه ولادي؟"
قال الطبيب بعد أن تمكن من جذبها:
"أيوه يا بنتي، ولادك ممكن يضيعوا لو فضلتي في مؤتمرك ده، أنتِ بقالك ثلاث أسابيع في غيبوبة، وعايشة على المحاليل، ودي طبعًا استحالة تنفع في تغذية الثلاث توائم، ده غير حالتك النفسية اللي برضه ممكن تتأثر عليهم."
"أنتِ لو حامل في طفل واحد كان الموضوع هيبقي أسهل."
"إنما في حالتك دي أقل مجهود ممكن يخليكِ أنتِ اللي بتضحي بأولادك."
"أنتِ أكثر واحدة شوفتي بدر كان فرحان قد إيه بحملك، وإزاي كان مهتم بيكي، وبيعد الأيام عشان ربنا يكملك على خير ويشوفهم."
"يبقى سواء صدقتي اللي حصل ورضيتي بقضاء ربنا، أو حاشا لله اخترتي ده، شيء يرجعلك أنتِ، بس ما يكونش الثمن ولادك اللي أكيد قبل ما يسافر وصاكي عليهم، يبقى أنتِ لازم تكوني قوية وتتغلبي على حزنك عشان تقدري ترتاحي وتنفذي وصيته ليكي."
"أنا عارف إن هيبقي صعب وربنا يعينك، بس كل ما تحسي بحركة ولادك جواكِ، انظري لها إنها رسالة ليكي من بدر إنه موجود جواكِ."
"والله يا بنتي من أول يوم دخلتوا فيه عليا وأنا حبيتكم لله في الله كده، وحبيت أكثر حبكم لبعض اللي نادر جدًا في الزمن ده."
"أنا ما عنديش حاجة تاني أقولها لك غير إن على قد حبك لبدر، على قد ما هتكون قوتك إنك تعافري وتتغلبي على ألمك، عشان تفرحيه بولاده أيًا كان مكانه فين دلوقت."
أنهى حديثه واستأذن منهم وخرج.
صمت مطبق يسيطر عليهم.
ولكن كلماته كان لها إسهام كبير على مهرة، فقد نزلت على جمر قلبها كقطرات ماء أطفأت لهيبه، واقتنعت بكل حرف قاله لها، بل أقسمت أن تنفذه بالحرف، حتى متى يعود بدرها لينير جميعها التي أظلمت من بعده، تجده كانت على قدر المسؤولية واستطاعت بنجاح أن تربي أولادها.
لا يهم إن كان الفضاء يمكن تجربته أم لا، الأهم هو يقينها الذي ينبئها كذبًا على الكائنات الحية.
هكذا تحدثت مهرة بنفسها ثم قالت:
"أنا أريد أن أرجع بيتي يا جدو."
الجد:
"حاضر يا قلب جدك، أنا هكلم الدكتور يسمح لك بالخروج ونروح على طول، ده ستك فرحت قوي إن ربنا يرجعك لينا بالسلامة، وقامت تجهز لك أوضتك كمان."
مهرة:
"بعد إذنك يا جدو، أنا مش هسيب بيتي لو سمحت."
أثر عادل في الحديث:
"يا بنتي ما ينفعش تقعدي لوحدك، وحتى لو البنات قعدوا معاكِ، دخولك الشقة وهو مش فيها مش هتستحمليه وهيتعبك زيادة."
قال هذا بحزن.
مهرة وهي تعود للبكاء وتقول:
"يعني أنتِ مش مصدقين إنه لسا عايش؟ ده براحتكم وحاجة تخصني، ما قلتش حاجة، إنما كمان تريدون تحرموني من المكان اللي كان بيجمعنا سوى، وتبعدوني عن ذكرياتي معاه، حرام عليكم."
اقترب منها عادل واحتضنها وهو يقول بلهفة:
"لا لا لا، والله ما أقصد يا الغالية، أنا بس خايف عليكِ ما تستحمليش."
مهرة:
"وحياة بدر يا عمي، سيبني براحتي، وأنا والله العظيم هستحمل أي حاجة عشان ولاده، وبالعكس وجودي في بيتي مش هيتعبني، على الأقل هشم ريحته فيه."
قبل أعلى رأسها وقال:
"حاضر يا نن عين عمك، كل اللي يريحك هعملهولك، بس ليا طلب عندك."
نظرت له بتساؤل فقال:
"خليكِ ماشية بالنظام اللي كنتم عليه، يعني كام يوم كده اقعدي فيهم في بيتك لحد ما حالتك تستقر بالكامل، تنزلي الصبح تقضي اليوم معانا وبالليل تطلعي تنامي في شقتك، والبنات يبقوا معاكِ ماشي يا حبيبتي؟"
مهرة باستسلام:
"حاضر يا عمو."
أحضر أحمد الطبيب الذي وافق على خروجها مع تعليمات مشددة بالالتزام بمواعيد الأدوية والتغذية مع الراحة.
وبالفعل بعد فترة كانت تجلس في منزل النعمان وسط جميع العائلة الذين فرحوا أخيرًا بخروجها هي وأطفالها سالمين، ولكن ما بقلبها ينقبض هو وحاح النساء بالسواد.
اختنقت كثيرًا ولم تعد تحتمل هذا المشهد أكثر من ذلك.
مهرة:
"معلش يا جماعة، هستأذنكم، هطلع أرتاح شوية."
الجدة بلهفة:
"ليه يا حبيبتي؟ أنا وضبتلك أوضتك القديمة تقعدي فيها، ولو عايزة تقعدي في أوضة الغالي الله يرحمه براحتك."
نزل دعاء الجدة على قلبها كخنجر مسموم أدمى روحها، ولكن لا بأس، مهرة اعتادت على سماعها منهم، ورحمة الله تجوز على الحي... والميت.
مهرة:
"معلش يا تيتا، أنا مش هرتاح إلا في بيتي، وهبقى أنزل أقضي اليوم معاكم زي ما كنا متعودين."
اعترض الجميع على قولها ولكنهم أذعنوا لرغبتها حتى لا يزيدوا الضغط عليها، ففي كل الأحوال ستكون الفتيات معها لرعايتها.
نوال:
"خلاص يا قلب أمك، اطلعي خدي دش وارتاحي، وأنا هعملك الأكل وأطلعهولك لحد عندك."
أعقب كلام العمة صعود مهرة والفتيات إلى الأعلى حيث بيتها وحياتها وذكريات مهما طال الزمن لم ولن تمحى.
بمجرد ما دلفت إلى بيتها وقفت في مكانها وأغمضت عينيها تشتم رائحة المكان الذي كل جزء فيه يحمل ذكرى لهما معًا، فحبيبها كان يحرص على صنع ذكرى جميلة في كل ركن من أركان بيتهم، سواء هنا أو في منزلهم السري.
نظرت الفتيات إلى بعضهن بحيرة ووجع، فهم يشعرون بحزنها، فهن لا يعلمن ما يتوجب عليهن فعله للتخفيف عنها، ولكن سيحاولن.
اقتربت منها مها تمسك مرفقها لتحثها على التحرك وهي تقول:
"تعالي يا ميمو، اقعدي ارتاحي حبيبتي، بلاش تقفي كتير."
فاقت مهرة من حالتها وقالت:
"أنا هدخل أوضتي أريح شوية."
زينة:
"تعالي حبيبتي نو..."
قاطعتها مهرة:
"معلش، مش عايزة حد معايا، سيبوني على راحتي."
أعقبت قولها بدلوفها غرفتها وأغلقت الباب عليها، وهنا سمحت لنفسها بالانهيار.
جلست على فراشهم تتحسس عليه وتميل عليه علها تجد رائحته ما زالت عالقة في المكان، وقالت من بين شهقاتها:
"أنا زعلانة منك يا قمري، كده هنت عليك تغيب عني كل ده؟ والله لما ترجع هخاصمك، بس ارجع أرجوك حبيبي ارجع."
في تلك الأثناء شعرت بركلة من أحد أطفالها فاعتدلت وابتسمت من بين دموعها وقالت وهي تمسد على بطنها بحنان:
"أنت مش عايزني أعيط يا حبيبي؟ حاضر خلاص أنا سكت، هههه، هو قمري قالك تعمل كده عشان ما أعيطش؟"
"خلاص أنا هسمع الكلام بس قوله ما يتأخرش عشان وحشني."
مسحت دموعها المنهمرة في وسط حديثها وقامت أخرجت عباءة بيتية مريحة وبعض الأغراض ثم خرجت لتنعم بحمام دافئ لعله يريح تيبس عظامها بسبب نومتها الطويلة.
وجدت الفتيات يرتبن المنزل ويزيلن بعض الأتربة التي تراكمت فترة غلقه.
حاولت أن تمزح معهم قليلًا لتشعرهم أنها بخير:
"أنا شايفة إنكم واخدين راحتكم ومنتشرين في البيت ما شاء الله كأنه بيت أبوكم هو."
جاريتها لميس في المزاح:
"براحتنا، بيت أختنا وأخونا نع..."
قطعت حديثها حينما دمعت عين مهرة بذكر كلمة (أخونا).
اقتربت منها الفتيات واحتضنوا بعضهم وانخرطوا في البكاء.
انفصلت عنهم مها وهي تسحب مهرة لتجلس على الأريكة قائلة:
"بقول لكم إيه، بلاش عياط بقى، إحنا طالعين نهون عليها ولا ننكدها زيادة؟"
جلسن الفتيات دون حديث.
قطعت مهرة الصمت وهي تقول:
"ما فيش نكد ولا حاجة يا موها."
ثم نظرت للأرض تستجمع نفسها وبعد لحظات أكملت:
"أنا عايزة أطلب منكم طلب ولو سمحتوا توافقوا."
لوجي:
"إيه يا بنت الأدب اللي نزل عليكي فجأة ده؟ بتستأذني عشان تطلبي طلب مننا؟ الله يرحم أيام الافتراء علينا وتخلينا نعمل اللي أنتِ عايزاه بالعافية."
قالت هذا لتمزح معها ولكن أتى حديثها بأثر عكسي.
حيث بكت مهرة وهي تقول:
"اللي كان مقويني غايب عني."
ثم مسحت دموعها وأردفت:
"أنا بس بترجاكم بلاش تلبسوا أسود، بلاش تحسسوني بغيابه بالطريقة البشعة دي، إحساسي إنه عايش هو اللي مخليني قاعدة معاكم دلوقت وبحاول أقاوم، بس بكل السواد اللي هنا ده صدقوني هنهار، وأنا لازم أحاول أبقى قوية وأحمل أمانة ولاده."
انخرطت في البكاء وأكملت:
"أرجوكم بالله عليكم ساعدوني."
بكت الفتيات وهم لا يعرفون ماذا يفعلون.
مر شهر وشهران على تلك الأحداث، لا جديد، استمر عدم اهتمام مهرة بصحتها من أجل صغارها، والتزمت بالأدوية في مواعيدها، وأكلت بشراهة بسبب بلوغها نصف الشهر السابع.
وقد بدأت الدراسة وذهبت الفتيات إلى جامعتهم، وعندما طلب منها الجد أن تنضم إليهم حتى ولو يوم في الأسبوع لإثبات حضورها.
ردت عليه ردًا أفحمه:
"يا جدو، حتى لو السنة راحت عليا مش هقدر أنزل من البيت من غير إذن بدر، أنا رحت للدكتور للي هو قبل ما يسافر شدد عليا إني أروح ميعاد المتابعة."
لم ينطق الجد، فهو لم يجد ما يقوله، وترك لها الحرية فيما تفعل، فإذا كان إيهام لنفسها أن حبيبها يكذب عليها هو سبيلها في تخطي الحزن والتأقلم على غيابه، فلتفعل ما تشاء ما دامت بخير أمامه هي وروحها.
حتى أنها كل تلك الفترة لم تخرج من المنزل إلا مرتين لزيارة الطبيب الذي طمأنها كثيرًا على حالتها الصحية، وكان فرحًا وفخورًا بها رغم سنها الصغيرة وقوة الصدمة التي مرت بها إلا أنها اجتازتها.
وعندما أصرت مهرة على اصطحاب عمها عادل والد حبيبها ليكون معها هو ما دام ولده غائبًا.
ولكن كل هذا الادعاء كان أمامهم فقط، ولكن حين تدلف شقتها لتبيت فيها هي وإحدى الفتيات أو جميعهن، ولكن بشرط أن تنام وحدها في غرفتها وهن في غرفة الأطفال.
وعندما زاد استغراب الفتيات لما رأوه من استثناءات غريبة منها، وعليها، خبروا أن لسبب كبير ليكتشفوا وتوصلوا إلى ما ينقذوها مما هي فيه.
نوال:
"يا بنتي ماهي كويسة وبدأت تضحك تاني، أنتِ هتخوفيني ليه؟"
مها:
"يا ماما أنا مش بخوفك، أنا بقولك على اللي بيحصل، أنتِ عارفة ساعات نبقى قاعدين نلاقيها قامت تعمل كوبايتين نسكافيه، ولما نسألها لمين التاني تقولنا لبدر، بس ولاده هيشربوه بداله ما يرجع."
"لو جاعت وحطت أكل على السفرة برضه تحط طبقين، واحد قدامها وواحد قدام الكرسي اللي كان بيقعد عليه بدر، تاكل شوية من طبقها وبعدين تقوم تقعد مكان بدر وتاكل اللي في طبقه كله."
"ده غير برفانات اللي طول اليوم ترش منها في الشقة كلها، مجرد ما تحس إن الريحة بدأت تروح ترش تاني، هي بتمثل قدامكم إنها بقت كويسة، إنما من جواها ربنا اللي يعلم بيها."
وهكذا مرت تلك الأيام.
حتى جاء يوم كان يجلس فيه جميعهم في المحل الخاص به هو وعادل والجد حسين.
وجدوا آخر شخص يمكنهم الدخول.
صهيب:
"السلام عليكم."
وقف الجميع وردوا السلام تحت اندهاشهم، ولكن في الأخير رحبوا به.
الجد:
"اتفضل يا ابني، خير إن شاء الله."
بعد أن جلس صهيب قال:
"أولًا البقاء لله، أنا آسف إني ما قدرتش آجي أعزي من بدري."
الجد:
"ولا يهمك، الملك والدوام لله."
صهيب بتوتر لكن تمالك نفسه وقال:
"أنا الحقيقة جاي لك في طلب يا حج، أنا عارف إنه مش وقته بس أنا حبيت أعرفك."
الجد بتوجس:
"قول، لو في إيدي هنفذه."
سكت قليلًا ثم قال:
"أنا جاي أطلب إيد مهرة قبل ما حد يت..."
قاطعه عادل صارخًا بعد أن انتفض وعليه ممسكًا في تلابيبه وقال:
"أنت جاي تطلب أرملة ابني يا ابن الكلب؟"
رد صهيب بقوة وهو يبعده عنه:
"قصدك أرملة... أرملة ابنك يا حج."
صاح الجد ولكن بصوت يقطر حزنًا:
"عاااادل، اقعد مكانك، من امتى ابننا يعتدي على ضيف عندنا."
الجد حسين:
"والله يستاهل الدبح ما دام ما عندوش دم ومش مراعي لا الوقت ولا الظروف، دي لسه في عدتها."
النعمان:
"خلاااااص انتهينا، ما أسمعش صوت حد فيكم."
ثم نظر إلى صهيب وقال:
"أنت مش شايف إن بدري قوي على كده، وناسي كمان إن هي حامل؟"
صهيب:
"أنا عارف إنه مش وقته يا حج، بس أنا حبيت أسبق وأتقدم لها، أكيد هيجيلها ناس كتير لسه، وتعتبر ما دخلتش دنيا، وأنا هستني المدة اللي هتولد فيها بعد ما تولد عشان تفكروا في طلبي اللي أنا عليه مصر، وأتمنى توافقوا."
عادل بغضب:
"بس البنت ما هتوافق، دي بسبب الوقت مفكرة إن جوزها عايش."
صهيب:
"الوقت كفيل ينسي الإنسان أي حاجة، وبراء لو كان في حد جنبها بيحبها وبيتمناها ويقدر يعمل أي حاجة ليها، مش معقول هتلاقي كل ده وترفض لمجرد إنها تعيش على ذكرى إنسان مات وهي لسه ما كملتش 19 سنة... أنا كده خلصت كلامي، وفي انتظار ردكم، وأكيد هيكون لي زيارة تانية في وقت أفضل من كده عنكم."
أعقب كلامه وهو يخرج من المكان، ترك عبق كلماته المسمومة تخنق صدورهم.
وما كان أمامهم إلا حقيقة واحدة، بدرهم مات حقًا.
بكى عادل، ذلك الأب المكلوم على فلذة كبده، فهدأه الجد وقال:
"اهدأ يا ابني، ما تزعلش نفسك، بعدين هو أول واحد ولا آخر واحد هيتقدم لها، البنت لسه صغيرة وحلوة ومين يتمناها حتى لو معاها عشر عيال."
عادل بقهر:
"يعني إيه يا أبا؟ هتوافق تدي حبيبة الغالي لراجل تاني؟ هنفرط في أمانته لينا يا أبا؟ طب وعياله هنسيبهم لراجل تاني يربيهم؟"
الجد:
"لا يا ابني أنا ما أعملش كده ولا أفرط في ضفر عيل من عيال الغالي، بس يا ابني دي سنة الحياة، وأنا ما أقدرش أظلمها وآخد وضع في الموضوع ده من غير ما أرجع لها."
حسين:
"يعني إيه يا حج؟ هتقولها إنه اتقدملها؟"
النعمان:
"آه هقولها، وهي ليها الحق تقبل وتكمل حياتها مع راجل تاني، أو ترفض وتعيش وسطينا تربي ولادها وهي مخلصة لذكرى جوزها."
في فيلا صهيب، دلف إليها بعد أن رجع من زيارته للنعمان، وجد زوجة أبيه تجلس في انتظاره، فهي لا تعلم إلى أين ذهب وحينما هاتفته لم يرد عليها.
بيري:
"أنت فين يا صهيب من الصبح وبتتصل بيا مش بترد."
حكى لها صهيب كل ما حدث معه.
انتفضت بيري تنهره:
"طبعًا ما ده المتوقع منهم، لازم يرفضوا عشان الملايين اللي هتورثها من أبوها وجوزها، ما تروح بره، ده مش بعيد يجوزوها لواحد من ولاد عمامها على مراته عشان يضمنوا ورثها، أنت كان لازم تقولي عشان أروح معاك وأعرف أقنع بنتي."
صهيب:
"بنتك إيه بس اللي أنتِ ما جيتيش تعزيها في جوزها وتقفي معاها في محنتها؟ تفتكري لو روحتلها دلوقت هترضى تسمعك أصلًا؟"
بيري:
"آه هتسمعني غصب عنها، ولو ما وافقتش بالذوق، أنا عندي طرق تانية تخليها توافق."
صهيب:
"يعني إيه مش فاهم؟"
بيري:
"مش مهم تفهم دلوقت، أنت لك النتيجة، المهم خلي السواق يحضرلي العربية على ما أغير هدومي عشان ألحق أروحلها قبل ما العقارب دول يطلعولها ويسمموا أفكارها، عشان الرفض يبقى منها هي وهما يا حرام مش هيقدروا يغصبوا عليها."
أعقبت حديثها بصعودها إلى الأعلى لتفعل ما قالته.
صعد النعمان إلى منزله قبل ميعاده ليحادث مهرة على انفراد، فهو يعلم أن تلك اللعينة بيري لن تصمت وبالتأكيد ستأتي لتحادث ابنتها.
بعد أن دلف شقته وجد النساء تجلس مع مهرة يتسامرن معًا إلى وقت عودة الفتيات من جامعتهم الذي اقترب وها هن في طريق العودة.
نظرت له الجدة وقالت:
"خير يا أحمد، أنت تعبان ولا إيه؟ راجع بدري عن ميعادك."
الجد:
"ما تخافيش يا نعمة، أنا كويس الحمد لله، بس عايز مهرة في موضوع بيني وبينها."
ثم نظر إليها وهو يتحرك للداخل:
"تعالي يا مهرة ورايا."
قامت مهرة خلف الجد وسط اندهاش الجميع وهي أولهم.
أغلقت باب غرفة جدها بعد أن دلفت وراءه وطلب منها ذلك، ثم توجهت وجلست بجانبه على الأريكة.
ساد صمت مقلق لكلاهما، هي لا تعرف ماهية ما يريده منها الجد، وهو لا يعرف من أين يبدأ، ولكنه في الأخير قرر الحديث.
الجد:
"أنتِ عارفة إنك أنتِ والغالي أغلى أحفادي عندي، وكل اللي يهمني راحتكم صح؟"
هزت مهرة رأسها علامة الموافقة ليكمل:
"طب أنتِ دلوقتِ يا بنتي لسه صغيرة واللي قدك لسه ما اتخطبوش حتى، والحي أبقى من الميت، وأنا مش هقدر أظلمك معانا بقعدتك جنبي."
مهرة ببوادر بكاء وقد فهمت مغزى كلام الجد ولكنها سألته:
"يعني إيه كلامك ده يا جدو؟ مش فاهمة تقصد إيه؟"
تنهد الجد بهم وقال:
"يعني صهيب اتقدملك تاني أنهارده."
وحينما كادت أن تتحدث أوقفها الجد بإشارة من يده وأكمل:
"استني يا بنتي اسمعي كلامي للآخر، أنا ما وافقتش ومش من حقي أقرر عنك، بس يا بنتي هو ولا هيكون أول ولا آخر واحد هيتقدم لك، أنتِ لسه صغيرة، ومحدش هيفهم ولا يحس باللي جواكِ غير اللي عارف أنتِ وبدر بتحبوا بعض قد إيه، أنا قلتلك عشان أخلص ضميري قدام ربنا ومهما كان قرارك أنا هدعمك فيه وهبقى في ضهرك."
مهرة وهي تحاول أن تهدأ:
"طب يا جدو أنا مش هتكلم كتير ولا هقول إني متجوزة عشان ما تقولوش عليا مجنونة، بس مش أنت حكتلنا عن ستات قرايبك في الصعيد أزواجهم ماتوا وهما صغيرين وهما ما اتجوزوش وقعدوا يربوا أولادهم؟"
الجد:
"أيوه كتير منهم أم عبد الرحمن جوز عمتك."
مهرة:
"طب ده حرام شرعًا يعني إني أفضل أربي ولادي من غير جواز؟ ده ربنا حرمه يعني؟"
الجد:
"لا طبعًا، اللي بتعمل كده بيكون ثوابها كبير عند ربنا وأجرها بيبقى مضاعف."
مهرة:
"طب بعيدًا عن أي شيء تاني أو إحساسي اللي جوايا، أنا هقعد أربي ولادي وآخد الأجر مضاعف يا جدي ممكن؟"
احتضنها الجد وقال:
"ممكن طبعًا يا عيون جدك، وأنا هكون فخور بيكي وهساعدك كمان."
في تلك الأثناء سمعوا أصواتًا عالية بالخارج فهرولوا سريعًا.
وجدوا بيري تريد مقابلتها ونوال تنهرها ولا تريد أن تدخلها.
اقتربت منهم مهرة وقالت موجهة حديثها لنوال:
"في إيه يا ماما، مالك واقفة كده ليه؟"
قبل أن ترد نوال، كانت بيري تزيحها لتدخل عنوة وهي تقول:
"في إنها مش عايزة تدخلني أشوف بنتي."
ابتسمت مهرة باستهزاء وقالت:
"لا إزاي يا بيري هانم، اتفضلي، إكرام الضيف واجب، بس يا ترى إيه سر الزيارة دي وأنتِ كنتِ بترفضي كل اتصالاتي؟"
بيري:
"عايزة أتكلم معاكي لوحدنا في موضوع مهم."
مهرة:
"ما فيش بينا أسرار، اللي عايزة تقوليه قوليه قدام أهلي."
بيري بعصبية:
"اسمعي كلامي يا بنت، أنا أمك."
دلف في هذا الوقت أحمد ومصطفى والفتيات فقال أحمد بعصبية:
"الست دي إيه اللي جابها هنا؟"
نهرها الجد:
"اااااحمد، دي ضيفة وتبقي أم مرات الغالي، تكرم لأجل خاطرها، محدش يدخل بينهم سااااامعين."
بيري باستخفاف:
"قصدك أرملته يا حج."
مهرة بضيق:
"مهما كانت المسميات مش موضوعنا، أنتِ عايزة إيه دلوقت؟"
بيري:
"جاية أفتح عينك على اللي عايزين ينهبوا فلوسك ويحرموكي إنك تعيشي حياتك ويدفنوكي بالحياة بحجة تربية العيل اللي هتخلفيه، صهيب عايز يتجوزك وهيتكفل بابنك و..."
صرخت بها مهرة بقوة:
"ااااانتي اتجننتي؟ عايزاني اتجوز وأنا متجوزة؟"
في لحظة خاطفة لطمتها بيري على وجهها بصفعة قوية وهي تقول:
"بتغلطي في أمك يا عديمة التربية؟"
ساد صمت وصدمة حلت على الجميع.
وضعت مهرة يدها مكان الصفعة وقالت بقهر:
"لو بدر كان موجود عمرك ما كنتِ تقدري تعمليها."
وتلك كانت بداية الجنون.
انطلقت نوال بغل وأمسكت بيري من شعرها وأوقعتها أرضًا وانهالت عليها بضرب مبرح ساعدتها فيه ريهام وفاطمة، والتفت الفتيات حول مهرة.
أما الرجال فكانوا ينظرون بتشفٍ وفضلوا عدم التدخل.
في تلك الأثناء استمع الحرس الخاص ببيري صوت استغاثتها فهرولوا إلى الأعلى، وبقي واحد منهم يتصل بصهيب الذي كان ينتظر بيري في عربته خارج شارع النعمان بعد أن صمم أن يأتي معها ولكنها أقنعته أن ينتظرها بالخارج حتى تقنع ابنتها أن تأتي معها.
أغلق الاتصال وهرول سريعًا وحينما وصل وجد أحمد ومصطفى وسليم وعادل وياسر يبرحون الثلاثة حراس ضربًا بعد أن صعدوا لإنقاذ بيري من أيدي النساء.
دلف سريعًا يحاول تهدئة الموقف ونجح أخيرًا بمساعدة الجد الذي أمر أولاده والنساء بالكف عن الضرب.
وكذلك صرخة مهرة التي أسكتت الجميع.
مهرة:
"بااااااس، بس كفاااايه، حرام عليكم، أنا تعبت."
ثم وجهت حديثها إلى بيري:
"وأنتِ من هنا ورايح أنتِ موتِ بالنسبالي، أنتِ أصلًا عمرك ما كنتِ عايشة في حياتي، واللي أنتِ جاية تاخدي مراته لواحد تاني هو اللي كان بيتحايل عليا عشان أكلمك."
تدخل صهيب قائلًا:
"بس هو مات يا مهرة وأنا مستعد إن..."
قاطعته مهرة صارخة:
"ااااانت تخرس خالص، سااااامع، اسمي ما تنطقهوش على لسانك الوسخ ده، أنا مش شايفاك أصلًا، ولا في راجل يملي عيني وقلبي غير جوزي وأبو ولادي، ولا هعترف بوجود راجل أصلًا غيره، وأنا بقولكم كلكم أناااااا مرااااات بددددر النعمااااان، وسواء صدقتوني إنه عايش أو لأ ما يهمنيش برضه، أنا مراته وهفضل مراته لآخر يوم في عمري، وحتى لو إنه... زي ما بتقولوا، اللي عشته معاه يكفيني أعيش عليه باقي عمري، ده بدر يا ناااااس، عارفين يعني إيه بدر؟"
وفجأة سمعوا صوتًا لم يتوقعوه حتى أنهم ظنوا أنه حلم.
بدر بعد أن استمع لما قالته دخل سريعًا وهو يقول:
"وبدر رجعلك يا قلب وعمر بدر."
وانقض على صهيب يبرحه ضربًا حتى الجميع من أثر الصدمة لم يستطيعوا الحراك.
مهرة:
"بدددددددر!"
بدر:
"..."
رواية مهرة و بدر الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم فريدة الحلواني
ساد الهرج والمرج داخل منزل النعمان بعد دخول بدر وإبراحه لصهيب ضربًا حتى فقد وعيه تحت صرخات مهرة باسمه وشهقات النساء ودموعهن.
وأيضًا صدمة الرجال وعدم استطاعتهم التحرك.
ولكن أول من فاق من الصدمة كان الجد الذي ألقى بعكازه أرضًا والتف بدر من فوق صهيب وضمه بشدة وشوق ويقول من بين بكائه:
"ولدي، ولدي، ونن عيني! أنت بجد يا بدر؟ أنت عايش يا خليفة النعمان؟ ظهري اتكسر في بعدك يا ضنايا."
كان الموقف مهيبًا لا يوصف.
أبعده بدر قليلًا وهو يمسح دموع الجد بيده ويقول:
"ما عاش ولا كان اللي يكسر ضهرك يا نعمان، أنت اللي سندنا كلنا."
وكاد يكمل إلا أنه سمع همس مهرته باسمه.
فالتف لها هو والجد ثم شده الجد ليقف معه وهو يقول:
"يا ريتني صدقتك يا مهرة، الفرسه كانت حاسة بفارسها وعارفة إنه عايش، وإحنا ما صدقناش وقولنا اتجننت."
اقترب منها بدر ببطء لا يعرف ما عليه فعله، وحينما وصل إليها ركعت أرضًا لم تستطع الوقوف أكثر.
ركع قبالتها وهو ينظر لها ويحاوط وجهها بيده ويبكي ويقول:
"أيوة بدر يا عمر بدر وقلبه ودنيته، كنت خايف أرجع ألاقي جرى لك حاجة بسببي، بس قلبي قال لي إنك حاسة إني عايش وهتستني رجوعي."
مهره ببكاء شديد وهي تحتضن وجهه بيدها هي الأخرى وتشتكي له من بين شهقاتها كالطفل الصغير:
"قلت لهم إنك عايش ما صدقونيش يا بدر، افتكروني مجنونة، أنا زعلانة منك، بس أنا قعدت في بيتنا وخليت ولادنا ياكلوا مكانك... أنا أنا كنت تعبت بس أنت مش هنا، لبسوا أسود يا بدر... أنا أنا مش عارفة أنا مخصماك، أنت اتأخرت."
كانت تنطق جملًا غير مترابطة بين شهقاتها ولكنه فهم عتابها، وكان كل الموجودين يبكون قهرًا عليها وبرغم اشتياقهم له إلا أنهم تركوها تأخذ وقتها معه فهي الأحق باستقباله بعد الذي عانته بغيابه.
أكملت بعد أن أخذت نفسًا عميقًا:
"قالوا لي مات، بس أنا ما صدقتش، أقسم بالله ما صدقتش، لأن لو كان حصل كان قلبي هيقف وهموت زيك، بس أنت كنت وحشني يا بدر وما رضيتش أنزل من البيت... وأنا ما رحتش الكلية بس الدكتور قال لي."
أخذها بدر في ضمة قوية ليوقف انهيارها حتى لا تتأذى، وأخذ يهدئها كالطفل الصغير ويمسح على ظهرها ويقول:
"اهدي يا قلب بدر، أنا أهو جنبك وأنتِ أهو في حضني وعمري ما هأبعد عنك تاني، بس والله غصب عني مش برضاي أبعد عنك."
أخرجها قليلًا وحاوط وجهها مرة أخرى وهو يقول:
"اهدي حبيبي وأنا هأحكي لك كل اللي حصل، ها؟ اهدي حبيبي عشان خاطر قمرك، هأسلم بس عليهم وأقعد أقول لك كل اللي حصلي، ماشي حبيبي؟"
هدأت قليلًا ومدت يدها تمسح دموعه وهي تهز رأسها علامة الموافقة.
ساعدها على القيام من الأرض وأجلسها على أقرب مقعد، ثم التف ينظر إلى أبيه، عمه، إخوته، نساء وفتيات النعمان، كلهم يبكون ونظرتهم تقطر اشتياقًا له.
"يا الله كيف أشكر نعمك علي!"
هكذا فكر بدر ثم تحرك اتجاه أبيه ومسح له دموعه، وحينما كاد يميل ليقبل يده سحبه عادل سريعًا وهو يحتضنه ولا يقوى على الحديث من قوة بكائه وهو يشم رائحة ولده ويتحسس عليه ليتأكد من وجوده.
التقفه إخوته بالأحضان والدموع وعبارات الشكر لله على رجوعه، أما النساء والفتيات فحدث ولا حرج، احتضنوه جميعًا الواحدة تلو الأخرى، وحينما وصل إلى أمه ارتمت على صدره وهي تبكي وتقول:
"ابني، حمد الله بسلامتك يابن عمري، كنت هاموت عليك يا ضنايا، والبنت يا عيني تقول لنا بدر عايش وإحنا ما صدقناهاش."
أخذت تقبله تارة وتحدثه تارة إلى أن هجم عليه الفتيات، لأول مرة يحتضنوه لميس وزينة ومها، فبرغم أنهم يعتبروه شقيقهم ولكن في حدود، إلا أن الأمر الآن فاق كل الحدود فرموا بكل شيء عرض الحائط واحتضنوه احتضان الأخ الغائب حتى يصدقوا وجوده، أما لوجي فتعلقت بعنقه وأخذت تقبل في وجهه ويده فهو أخيها وأبيها وكل شيء لها ورجوعه بمثابة رجوع الحياة لها.
بعد أن أنهوا سلامهم الحار عليه وهدأت ثورة مشاعرهم جلسوا جميعًا.
ولكن بدر تحرك نحو المطبخ تحت أنظارهم المشدوهة.
رجع إليهم وهو يحمل إناءً مليئًا بالماء، ألقاه على بيري وصهيب الممدين في الأرض مغشيًا عليهما حتى انتفضا فزعين، وقبل أن يستعيدا انتباههما قال لهم:
"أنت يا عرس، أنت تاخد بنت الوسخة دي وتغروا من هنا، وأقسم بالله لو لمحت حد فيكم هنا بعد كده مش هيخرج منها وهأدفنه في أرضه، فاهمين؟"
اعتدلا الاثنان واقفين وهما يهرولان إلى الأسفل، ولكنهما يتفوهان بتهديدات عقيمة لا تغني ولا تثمن من جوع، وجدوا الحرس الخاص بهم مكومين بالأسفل لا يستطيعون الحراك، فأخرج صهيب بهم غضبه ولامهم على تقصيرهم في حمايته، ثم صعدوا سيارتهم وغادروا بلا رجعة.
أما بالأعلى فقد جلس بدر على الأريكة وأجلس مهرته بجانبه وهو يأخذها تحت ذراعه، وتلك المرة لم ينهره الكبار أو يمازحه الشباب فحقه أن يخبئها داخله إن استطاع.
الجد:
"فهمنا يابني إيه اللي حصل وإزاي أنت عايش بعد الفيديو اللي بعتهولنا ابن الكلب عابد وقال إنه هيرميك في البحر، حتى الظابط حازم سافر إيطاليا يتأكد من الخبر ورجع قال إنه صحيح، وإزاي أنت كنت في إيطاليا وأنت كنت في بلجيكا؟"
بدر:
"بالراحة يا جدي، أنا هأفهمكم كل حاجة بالتفصيل."
"أنت عارف إن بيتر كان على تواصل معايا عشان يحاول ينبهني لو المافيا حاولت تعمل معايا حاجة بعد ما هربت عابد، وأنا ما رضيتش أبلغ عن مكانه، وده اللي شفع لي شوية عندهم."
أحمد بذهول:
"أنت كنت عارف مكان عابد وما بلغت عنه؟ طب ليه وإزاي؟"
بدر:
"عشان عابد شخص مهم جدًا عندهم، ولو بلغت عن مكانه كان انتقامهم هيبقى مضاعف، لأنهم بيصفوا أي حد يكون السبب في سقوط أي شبكة تبعهم عشان يبقى عبرة لأي حد يبلغ عنهم، فأنا اكتفيت بسقوط الشبكة اللي هما عاملينها في مصر وحافظت لهم على عابد اللي كانوا هيتجننوا عليه وعايزين يهربوه بره مصر، فأنا ساومتهم عليه بواسطة بيتر اللي استغل عهد الدم اللي عامله معاهم عشان ما يأذوش حد فينا، وكان تخمين بيتر إنهم هيضروني في شغلي وده أقل عقاب لينا ولازم ينفذوه عشان يحافظوا على هيبتهم وكده."
مصطفى:
"طب إيه اللي سفرك إيطاليا وأنت راكب طيارة بلجيكا قدامي أنا وسليم؟"
بدر:
"بيتر كلمني وقال لي لازم أسافر لأن مارك ابن رئيس المافيا عايز يقابلني ضروري عشان يصفي الموضوع بأقل خساير ممكنة، وهو اللي طلب من بيتر يبلغني إني أركب طيارة بلجيكا ومنها على إيطاليا كتمويه عشان محدش يعرف حاجة، وبيتر سبقني على إيطاليا."
وليد:
"يعني بيتر باعك ليهم؟"
بدر:
"لا لا لا، هو اتغفل زيه زيي، أنا أول ما خرجت من المطار انضرب عليا نار وما حسيتش بحاجة غير بعد أسبوعين."
فلاش باك
________________
فاق بدر من غيبوبته المؤقتة وحاول فتح عينيه، وحينما اعتاد على الضوء وأخذ يتلفت حوله وجد نفسه في غرفة غريبة عنه وبيتر ينام على فراش بجانب فراشه، وكان معلقًا في يده محلول طبي.
ووجد صدره عاريًا ويلتف حوله شاش طبي.
حاول الاعتدال ولكنه شعر ببعض الألم، فنادى على بيتر حتى يفيقه.
وحينما انتبه عليه انتفض من مكانه يتجه إليه ويقول:
"لك يا زلمي، ألف حمد إلك يا الله، خفت عليك كتير."
بدر بتعب:
"أنا فين وإيه اللي حصل؟"
بيتر:
"رح نادي الطبيب هلا، وبعدين راح أحكي لك كل شيء."
اتجه إلى الباب المغلق وطرق عليه عدة طرقات حتى رد عليه أحدهم من الخارج قائلًا باللغة الإيطالية:
"ماذا تريد؟"
بيتر:
"أريد الطبيب حالًا، قد فاق صديقي من غيبوبته."
الحارس:
"انتظر قليلًا، سآتي به."
بدر باستغراب:
"هو إيه اللي بيحصل يا بيتر، إحنا محبوسين هنا ولا إيه؟"
بيتر:
"إيه محبوسين؟ بدر، رح ألك على اللي مرقني بيه أنا وياك، بس هلأ بيجي الطبيب يطمني عليك."
وبعد قليل فتح الباب من الخارج ودلف طبيب كبير في السن بمرافقة الحارس.
كشف عن جرحه الذي التأم معظمه واطمأن على مؤشراته الحيوية وأبلغ بيتر أنه أصبح بخير وصحته تحسنت كثيرًا، شكره بيتر ثم خرج الطبيب والحارس وأغلق الأخير الباب بالمفتاح من الخارج كما كان بعد أن أبلغهم أنه بعد قليل سيحضر لهم الطعام.
بدر:
"اتفضل بقى فهمني إيه اللي حصل."
بيتر بحزن:
"مارك أضحك علي وخلاني أجيبك لهون حتى يقوصك."
بدر:
"مش فاهم، يعني إيه ضحك عليك؟ هو أنت صغير؟"
بيتر:
"وحياة الله أنا ما خنتك أبدًا بدر، أنا صدقته لما حاكاني إنه بدو يشوفك من شان يصفي القصة بيناتكن، بس هو كان إله ترتيب تاني."
"بعد ما وصلت لإيطاليا قبلك بيوم نزلت بأوتيل من شان أبيت فيه لتاني يوم حتى توصل."
"اتفاجأت بيه جاي لعندي قبل ما أسيب الأوتيل لأروح لعندك، استغربت كتير لما خدني معه بسيارته من غير ولا كلمة، كل اللي طلبه مني إني بروح معه من شان يفرجيني شغله."
"أول ما وصلنا قدام المطار كنت وقتها أنت خارج، وفي لحظة ما أوصك كان بيرش علي بنج."
"بعدها فقت لقيتني هون أنا وياك والباب مسكر علينا، وكنت أنت ما داري بهالدنيا وصدرك مربط وإيديك فيها هالمحاليل."
"هديت الدنيا لحتى أكسر هالباب، بس لقيته دلف لعندي وأنا عم أصرخ عليه حتى يقول لي شو بيصير."
"قال لي إنه اللي صار هاد عقابه إلك، ولأنه ما بيضمني جابني معك، أنا ما فهمت شيء، مالي قاله ولما سألته حكاني خطته اللي دبرها."
بدر:
"وإيه هي الخطة بقى؟"
بيتر:
"إنه أنا أحاكيك تيجي لعنده هون ويقوصك، بس موصي القناص ما يجيبها في مناطق حيوية و..."
بدر بتوجس:
"كمل وإيه؟"
بيتر:
"ويبعت تصوير لأهلك بمصر ليعتقدوا إنك مت."
انتفض بدر بفزع:
"يعني أهلي كده عرفوا إني ميت؟ إزاي؟ أنا لازم أكلمهم، أنا عايز أطلع من هنا!"
وأخذ يطرق على الباب بقوة.
حاول بيتر سحبه ليجلسه مكانه خوفًا عليه وهو يقول:
"لك شو بتعمل يا زلمي؟ أنت جنيت على الآخر، اقعد هون لحتى أفهمك، كل اللي بتعمله ما له فايدة، ما حدا راح يرد عليك."
بدر بجنون:
"يعني إيه؟"
بيتر:
"يعني هو ما كان قاصد يقتلك، هو كل اللي بده إياه إنه يأدبك أنت وأهلك على اللي عملتوه معه، وهاد الألم اللي راح تعيش فيه أنت وعيلتك أقل عقاب فكر فيه من شان عهد الدم اللي بيناتنا، وجابني لهون وحبسني معك لحتى ما أخبر عيلتك إنك بخير."
بدر:
"وأنا بقالي قد إيه هنا؟ وهيفضل حابسنا هنا لامتى؟"
بيتر:
"هلأ صار لنا أسبوعين على هالحبسة، بس أنت كنت بتاخد مخدر من شان يخفف الألم وكمان ليقصر المدة عليك."
"وراح نضل هون شهرين فات منهن أسبوعين، هاد كل اللي صار."
بدر بغلب:
"يعني إيه؟ هأفضل محبوس هنا وأنا ميت بالنسبة لهم؟ دي مراتي حامل وممكن يجرى لها حاجة!"
"يا رب صبرهم وصبرني."
باك
____________
"بس وفضلنا كده محبوسين في نفس الأوضة ما نعرفش حاجة عن الدنيا، لحد ما الشهرين اللي كان محددهم مارك عدوا."
"بعت لنا الحارس بتاعه خد نا نقابله تحت في مكتبه، اتاريه كان مقعدنا في القصر بتاعه."
"وقال لي اللي أنا عملته معاك أقل عقاب ليك أنت وعيلتك، وبكده صفحتنا مع بعض اتقفلت وطرقنا مش هتتقابل تاني، عشان لو حصل ساعتها اللي هيفصلنا الدم."
"بس وكان مجهز تذكرتين سفر، واحدة ليا على مصر وواحدة لبيتر على بلجيكا."
"ده كل اللي حصل."
سليم بدموع:
"يعني أنت استحملت كل ده وخبّيت علينا من الأول عشان تفدينا بنفسك؟ يااااه يا بدر، أنت كل شوية بتثبت إنك فعلًا سند لينا ومن غيرك هنقـ..."
قطع كلامه صراخ مهرة فانتفض الجميع وانصدموا من مظهرها وهي تصرخ:
"الحقني يا بدر بولد!"
ارتعب بدر وهو يتفحصها ويقول:
"تولدي إزاي؟ أنتِ لسه في السابع!"
نوال بصراخ فهي كانت بجانبها:
"الحقوها يا ولاد، المية نزلت دي ولادة!"
حملها بدر وهو يقول:
"هاتوا العربية قدام الباب بسرعة وحد يتصل بالدكتور!"
أسرع مصطفى بالجري لأسفل لإحضار السيارة أمام الباب، بينما قام الجد بالاتصال بالطبيب وشرح له الموقف فطلب منهم سرعة حضورهم بها إلى المشفى الخاص به وهو سينتظرهم هناك.
بعد أقل من ساعة كانت مهرة ممددة على الفراش النقال بعد أن جهزوها فور وصولها لإجراء جراحة قيصرية.
أمسكت يد بدر وهو يسير بجانب الفراش المتجه إلى غرفة العمليات وقالت بدموع:
"أنا خايفة يا بدر، خليك معايا ماتسبنيش، ولادنا يا بدر."
بدر وهو يجاهد ألا يبكي:
"متخافيش يا قلب بدر، أنا معاكي وبإذن الله هتطلعي أنتِ وولادنا بخير."
انفصل عنها عند الباب وأسند رأسه عليه بعد إغلاقه من الداخل وهو يقول:
"يا الله نجيهم لي يا رب."
ظل واقفًا وحوله الجميع لم يتبق أحد في المنزل.
الجدة:
"يا ولاد مهرة ما اشترتش حاجة خالص للعيال، هنعمل إيه؟"
ريهام:
"مش عارفة ياما، ما هي كل ما كنا نقولها تنزل تشتري كانت بترفض وتقول مقدرش أخرج من غير إذن جوزي، وإحنا افتكرناها بتخرف من الزعل."
التفت بدر لهم وهو ينظر بدموع مما يقولون ولسان حاله يقول:
"ماذا عانيتِ أيضًا يا مهرتي في غيابي؟"
وليد:
"أنا هآخد لميس ونروح نشتري أي لبس من أقرب مكان مؤقتًا لحد ما تخرج بالسلامة."
وافقه الجميع الرأي وانطلق هو وزوجته لشراء ملابس للأطفال.
بعد ساعتين مروا ببطء شديد.
استمعوا أخيرًا لبكاء الأطفال الذي أثلج قلوبهم وأنسهم كل ما مروا به.
خرجت ثلاث ممرضات كل واحدة تحمل في يدها ملاكًا صغيرًا واتجهوا إلى بدر ليعطوه أطفاله.
حمل الأول ونظر له وقال:
"حمد الله بالسلامة يا محمد بدر عادل النعمان."
ثم الثاني:
"حمد الله بالسلامة يا أحمد بدر عادل النعمان."
ثم الثالث:
"حمد الله بالسلامة يا محمود بدر عادل النعمان."
التفت إلى جده وأبيه الذين يقفان يبكيان وعمه ياسر أيضًا وخلفه ممرضتان تحملان طفلين أما الثالث فيحمله هو.
مد يده إلى عمه ياسر:
"خد أذن لمحمد يا عمي."
ثم أخذ طفلًا آخر أعطاه لأبيه:
"خد أذن لأحمد يا أبا."
ثم الثالث الذي تركه مفاجأة لجده:
"خد أذن لمحمد يا جدي."
حينما حمله الجد شهق وبكى أكثر وهو يؤذن له فكان الولد نسخة من ابنه الشهيد والد مهرة، أما أحمد فكان شبيه جده النعمان، والأخير محمود شبيه أبيه بدر ولكن قد أخذ لون عين أمه.
تهافتت الفتيات والنساء لحمل الأطفال ولكن الممرضات طلبن منهن الانتظار حتى يأخذوهم لطبيب الأطفال للاطمئنان عليهم أولًا.
بعد فترة نجد مهرتنا الغالية تجلس نصف جلسة على فراش داخل غرفة فاخرة وحولها الجميع ويجلس بجانبها بدرها وحبيب عمرها يمسك يدها ويقبلها كل حين وآخر.
دخلت الممرضات عليهم وهن حاملات الأطفال الثلاث لترهم الأم وترضعهم.
بكت مهرة حينما حملتهم الواحد تلو الآخر وهي تقبلهم وتقول:
"حلوين أوي يا بدر."
مازحها بدر حتى تكف عن البكاء:
"بدر هينفخك يا قلب بدر."
نظرت له بدهشة من بين دموعها وقالت:
"ليه طيب؟ أنا عملت إيه؟ دانا لسه خارجة من العمليات."
بدر:
"أنتِ يا بت كنتِ بتشتغليني أيام حملك بإنك عايزة تجيبي العيال شبهي، وفي الآخر واحد شبه جدك وواحد شبه أبوكي، حتى العيل اللي حيلتي وطلع شبهي أخد لون عينك أنتِ يعني مش شبهي صافي زي التانيين."
ثم أكمل بغضب زائف:
"أنتِ أكيد كنتِ بتتفرجي على صور أبوكي وبتبصي لجدك من ورايا صح؟ اعترفي!"
انهار الجميع في الضحك عليه.
مهره:
"والله العظيم أبدًا يا بدوري أنا كنت بتوحم عليك أنت."
بدر بتسبيل:
"آآآه، أهي بدوري دي اللي جابتني الأرض والله."
نوال:
"طب يلا يا جماعة كلنا نطلع بره عشان ترضع العيال."
صرخ بدر:
"لاااااااا!"
اتجهت أنظار الجميع إليه بتعجب وهم في انتظار تفسير لتلك اللا التي أطلقها.
الجدة:
"لا إيه يابني مش فاهمين؟"
زاغ بدر ببصره حتى لا يرى أحد ما في عينه وقال بتوتر:
"آآآه، قصدي يعني إنها تعبانة وضعيفة فإحنا نرضعهم صناعي أحسن."
ريهام:
"كلام إيه ده يابني؟ هو فيه أحسن من لبن الأم؟"
نوال بانتباه:
"ولا يا بدر ينيلك، أنت غيران عليها من عيالها يا ولا؟"
انفجر الجميع في الضحك حينما كشفته عمته.
فقال بغيظ:
"آآآه، بأغير، فيها حاجة دي؟ وبعدين دول تلاتة يعني مش هتلحق ترضع واحد التاني هيعيط وهكذا، أنا بقى هأبقى فين وهتفضى لي إمتى؟"
قالها كطفل صغير يغار على أمه من إخوته.
أمسكت مهرة يده وقبلتها في حركة مفاجئة أمام الجميع وقالت:
"لو جبت عشر عيال مش تلاتة يا بدر عمري ما هنشغل عنك، ده أنت نور عيني اللي بأشوف بيه، حد يحب يعيش في الضلمة؟"
بعد مرور سبع سنوات.
نجد الجنون بعينه داخل شقة بدر، فبعد أن أتم الثلاثة توائم العامين أجرى عملية أخرى رزق فيها بولدين عمر وعبد الله، وبعدها بعام تفاجأوا بحمل مهرة دون أي تدخل طبي ورزقت ببنت أسمتها تاج لديها ثلاث سنوات.
خرجت مهرة من المرحاض تهرول حينما سمعت احتدام الشجار المعتاد بين بدر وطفلها المشاكس محمد.
وجدت بدر يمسكه من ملابسه من الخلف ويرفعه إلى الأعلى والطفل يصرخ بأبيه.
محمد:
"نزلني أحسن لك يا بابا."
بدر:
"ولو ما نزلتكش هتعمل إيه ياااض؟"
أمسكت مهرة طفلها وجذبته حتى تركه بدر وأنزلته أرضًا وهي تصرخ بهم حينما ابتعد الطفل قليلًا فأصبحت في المنتصف بينهما:
"بااااس حراااام عليكم أنا تعبت منكم!"
محمد من خلفها:
"أنا ما عملتش حاجة، أنا قاعد في أمان الله لقيت داخل عليا بزعابيبه."
بدر بجنون:
"ياااض يابن الكلب مش أنت السبب إن كل شوية عمك مصطفى يتعارك معايا؟"
محمد:
"وأنا مالي؟ أنت وأخوك حرين مع بعض، وبعدين هو اللي مش عايز يعترف بالأمر الواقع."
مهره بغلب:
"وإيه هو الأمر الواقع يا قلب أمك؟"
محمد ببرود:
"إني جوز بنته."
مهره:
"ياااااا لهوي!"
بدر:
"لا يا أختي صوتي زيادة لما تعرفي إنه قفشه وهو بيبوسها."
مهره:
"الكلام ده صحيح يا ولا؟ يخرب بيتك دي عندها ٦ شهور!"
محمد:
"وفيها إيه؟ ما أنا هأربيها."
بدر:
"ربي نفسك الأول يابن الكلب، أمال البنات اللي معلقهم في المدرسة دول إيه؟"
محمد باستفزاز:
"لا أنا بسلي نفسي معاهم لحد ما ريتال تكبر."
حاول بدر الهجوم عليه ولكن منعته مهرة وهي تهدئه.
أخذ بدر يسب ابنه ويتوعد له حتى سمعه يقول.
محمد وهو يبتعد عن مرمى أبيه:
"لمي قمرك يا فرسه أحسن له."
إلى هنا وكفى سيقتله، ليس من حق أحد أن يقول فرسه غيره.
أزاح مهرة بعيدًا وهو يهرول خلف ولده وهو يسبه ويقول:
"وديني ما أنا سايبك يابن الكلب إلا الفرسه!"
جرى الطفل سريعًا إلى الأسفل ليحتمي بجده النعمان فهو أصبح قليل الحركة بسبب تقدمه في العمر، وبالطبع سيدافع عن حفيده الغالي محمد حتى إن اضطر أن ينهر أبيه فهو أغلى أولاد أحفاده عنده للشبه الكبير بينه وبين ولده الشهيد لذلك يدلله كثيرًا.
هجم محمد على شقة الجد وهو يتجه نحوه ويصرخ باستغاثة:
"الحقني يا جدي، الحق يا نعمان، حفيدك عايز يضربني!"
التقفه الجد وخبأه خلف ظهره حينما وجد بدر وفي يده حزام البنطال وخلفه مهرة تحاول تهدئته.
الجد:
"في إيه يا ولا؟ هو ما فيش غير محمد في البيت ده كل يوم والتاني عامل معاه مشكلة!"
بدر بقهر:
"أهو بدأنا بقى كالعادة من قبل ما تعرف اللي حصل بتدافع له."
والشيطان الصغير يخرج لسانه لأبيه من خلف الجد ليغيظه.
مهره بتعب وهي تجلس:
"أنا تعبت يا جدو بجد، كل يوم على الحال ده وأنا حامل ومش مستحملة اللي بيعملوه ده."
بدر بتفاجؤ:
"أنتِ حامل يا فرستي؟"
مهره بغيظ:
"أيوة يا قلب فرستك، حاااامل، لسه عاملة الاختبار حالًا بس طلعت على الخناقة ما لحقتش أقول."
هللت الجدة والجد فرحًا بهذا الخبر السعيد فهم بالنسبة لهم (العيال عزوة).
نطقت نوال بغيظ مفتعل:
"يا بنتي يا ضنايا حرام عليكي، هو أنتِ وأخواتك البنات عاملين مسابقة اللي تجيب عيال أكتر؟ زينة طلعت حامل وراها لميس وراها مها وأهو أنتِ كمان، وأراهنك كام يوم ولوجي تبشرنا هي كمان."
الكل ههههههههه.
الجدة:
"الله أكبر سيبيهم يا نوال، دي العيال عزوة."
فاطمة بغلب:
"أيوة ياما، هو أنتِ ولا هما خسرانين حاجة؟ ما إحنا اللي بيطلع عينينا هما يخلفوا ويرموا عيالهم ليا أنا ونوال وريهام وهما يدلعوا مع أجوازهم."
الجد:
"ربنا يزيد ويبارك يا رب."
"فرحتيني يا... مهرة النعمان..."
تمت.