تحميل رواية «كفى عذابك» PDF
بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تستيقظ من النوم كعادتها، فهي متزوجة في هذا الشهر، جسدها مرهق بسبب ما يفعله هذا الشخص. عارية ودموعها الجافة على وجهها، وهو يقف أمام المرآة ينظر لنفسه بتكبر وغرور شديد، ينظر لها باستمرار وهي الضعف بادٍ على وجهها. نظرت حولها، رأت قميصه ملقى على الأرض، مدت يدها وهمت بأخذه حتى تستر نفسها، فقال بغضب: "متلمسيش القميص أي حاجة بتاعتي، متمديش إيدك عليها." ثم صرخ في وجهها: "فاهمة؟" نظرت له بثبات، فهذه الطريقة اللي تتعامل بها سكوت وثبات، لفّت نفسها بالملاءة ودخلت إلى المرحاض لتخفي آثار الإهانة اللي تتلقاها...
رواية كفى عذابك الفصل الأول 1 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
تستيقظ من النوم كعادتها،
فهي متزوجة في هذا الشهر،
جسدها مرهق بسبب ما يفعله هذا الشخص.
عارية ودموعها الجافة على وجهها،
وهو يقف أمام المرآة ينظر لنفسه بتكبر وغرور شديد،
ينظر لها باستمرار وهي الضعف بادٍ على وجهها. نظرت حولها،
رأت قميصه ملقى على الأرض،
مدت يدها وهمت بأخذه حتى تستر نفسها،
فقال بغضب:
"متلمسيش القميص أي حاجة بتاعتي، متمديش إيدك عليها."
ثم صرخ في وجهها:
"فاهمة؟"
نظرت له بثبات،
فهذه الطريقة اللي تتعامل بها سكوت وثبات،
لفّت نفسها بالملاءة ودخلت إلى المرحاض لتخفي آثار الإهانة اللي تتلقاها منه كل يوم. نزل إلى الأسفل لكي يتناول الفطور بكل برود وكأنه لم يهين هذه البنت من قليل.
نعم، هو القاسم.. قاسم داود،
عمره ٣٣ سنة،
شخصية معقدة جداً جامدة.. زير نساء على الرغم من ذلك متزوج من بطلتنا ويعتبرها من ضمن هؤلاء النساء..
رجل أعمال ناجح، فيمتلك شركة المعمار تسمى "القاسم"،
فهو في الأصل مهندس معماري،
حياته ما هي إلا نساء وشرب وعمل،
وسيم للغاية ببشرة برونزية وجسد معضل،
لكن عينه والغضب واحد. البطلة "زمرد شاهين" في العشرين من عمرها،
في كلية هندسة،
جميلة بملامح رقيقة،
ذات شعر كيرلي وعيون رمادية كالزجاج،
بشرتها من اللون الخمري،
متزوجة من قاسم داود اللي تعاني معه وتحاول تغييره،
ولكنه حجر لم ينهزم،
ولكنها شخصية عنيدة جداً ولم تستسلم بسهولة. تقف تحت المياه تبكي بألم وحرقة،
فماذا تفعل؟
تزوجته وهي تحبه على أمل تغييره،
لم تعرف بأنه ذو قلب متحجر إلى هذه الدرجة.
فهي عاشت حياتها في جو عائلي هادئ لم ترَ كل هذا الشر والبرود من جانب شخص.
ظلت تحك نفسها وجسدها بقوة لتمحو آثار الأمس،
على استعداد لإهانة جديدة منه،
ألم جديد منه،
هذه حياتها. يفطر بكل برود على وجهه،
معالم الاشر يتناول طعامه وكأنه يشرب مياه بلا طعم،
لم يفكر في هذه الفتاة اللي تتحطم،
لم يأنبه ضميره للحظة عليها. ذهب إلى عمله،
دخل الشركة وكل الفتيات ينظرون إليه بإعجاب ويتهافتون عليه،
وهو الغرور والسلطة تأكل قلبه،
فكل فتاة من هؤلاء نامت معه ليلة أو أكثر،
كل واحدة منهم ترتدي أحسن ما عندها وأفضل ما عندها حتى يثير القاسم صاحب السلطة والمال. دخل مكتبه،
ظل يتابع عمله بتركيز شديد،
دخل عليه صديقه أو بالمعنى دَراعه اليمين "عمر محمدي"،
يمتلك من الوسامة قدر كبير،
شخصية مرحة على عكس قاسم،
ولكنه أيضاً زير نساء،
صديق قاسم يشاركه في جميع أعماله،
يعرف كل شيء عن قاسم. = الوفد البريطاني في غرفة الاجتماع.
قاسم ببرود:
"تمام خمسة وجاي."
عمر:
"هتسهر النهاردة ولا إيه؟"
ابتسم قاسم نصف ابتسامة:
"طبعاً هسهر."
عمر بترقب:
"أمم ومراتك هتسيبها؟"
نظر له قاسم نظرة أسكتته:
"ليه هخاف منها ولا إيه، أنت اتهبّلت؟"
عمر وهو يرفع يده:
"مش قصدي، بس كل يوم يعني تزعل ولا حاجة، والصراحة ليها حق."
قاسم ببرود وعدم مبالاة:
"تتفلق ولا تغرق."
عمر وهو ينظر له بلوم:
"يابني حرام عليك، هي عملتلك إيه؟ ملهاش ذنب في اللي حصلك."
ضرب قاسم بيده على المكتب بقوة:
"عمر متدخلش في اللي أنا بعمله ومتتكلمش على اللي حصل تاني علشان منخسرش بعض."
نظر له عمر بغضب:
"ماشي مش هتكلم، بس بكرة تندم."
وتركه وخرج.
قاسم بابتسامة سخرية:
"هندم."
.................................................................
تجلس في غرفتها تبكي..
تبكي على حالها،
من شهر كانت فتاة بريئة في جامعتها،
يحبها الجميع،
متفوقة في دراستها،
وعندما ذهبت إلى العمل في شركته كمتدربة..
أحبته ولم تتصور بأنه ينظر لها نظرة فاجرة لجسدها فقط وليس لآخر،
تزوجها في أسبوع وظنت بأنه متعجل لها ولأنه يحبها،
ولكن ظهر ذلك عندما اغتصبها أول يوم لها،
ومن وقتها وهي علمت مبتغاه،
يأتي كل يوم في الثالثة فجراً سكران،
يأخذ منها كفايته أو بمعنى أصح ينومها ويذهب في دنيا أخرى،
وهي تنام ودموعها الحارقة على وجهها،
ولكن الأدهى من ذلك لم تكره أبداً وإنما تحبه وتحاول معرفة ماذا به. صعدت لها الخادمة وقالت لها:
"مدام زمرد، تحبي تفطري هنا ولا تحت؟"
زمرد وهي تشاور لها على عدم رغبتها:
"مش عايزة أكل."
الخادمة:
"تمام مدام زمرد."
.....................................................................
في الاجتماع يجلس بكل فخر يناقش الموضوع بطريقة سلسة،
وهذه المرأة اللي تجلس أمامه لم تحِد نظرها عنه وهو يعرف ذلك. بعد الاجتماع خرج الجميع ومازالت هذه المرأة تنظر له بتفحص شديد.
اللغة طبعاً إنجليزي بس هترجم عربي علشان يبقى أسهل وأوضح.
المرأة بهمس نسائي:
"أريدك بشدة."
نظر لها من فوقها لتحتها ثم أردف بالحديث:
"موافق، أستطيع أن أقضي معك ليلة مميزة."
قامت من مكانها واتجهت ناحيته،
قبلته بقوة من شفتيه وقالت بإغراء:
"انتظرك المساء في الملهى الليلي."
لم يهتز قاسم من هذه القبلة لأنه كل يوم على ذلك،
وأردف بنفس نبرة البرود:
"انتظرك... عذراً ما اسمك؟"
المرأة بتدلل وإغراء في صوتها:
"سحر."
قاسم:
"انتظرك سحر."
خرجت سحر وهي تتمايل بإغراء وهو ينظر عليها وعلى جسدها المنحوت،
يظهر منه أكثر ما يخفي،
ترتدي فستان لمنتصف الفخذ وفتحة صدر واسعة لم تغطِ شيئاً وشعرها الأصفر القصير. حل المساء،
ذهب قاسم إلى الملهى الليلي،
رآها تنتظره وتحمل في يدها كأس من الخمر،
شاورت له. فذهب ناحية البار،
طلب طلبه الخاص وهو (الفودكا)،
فقالت بطريقة مثيرة:
"أووه فودكا، من الواضح عليك بأنك رجل قوي جداً."
نظر لها بعدم اهتمام ومن أخذ الكأس وشربه مرة واحدة،
وأخذ الثاني والثالث،
ثم نظر لهذه المرأة في لحظة،
تخيل له بأنها زمرد،
فبدأ السكر يتلمسه،
فوضع يده على خصرها وقال بسكر:
"يالا."
أسرعت معه إلى الغرفة،
فهي تنتظر هذه اللحظة من أول ما رأته في الشركة.
لم يعلم لماذا يراها زمرد،
لماذا يفكر بهذه الفتاة،
ضرب أفكاره عرض الحائط،
وعندما انتهى من مجونه هذا ارتدى ثيابه وذهب.
.................................................................
تجلس على الكرسي،
ركبها أمام وجهها،
تنظر أمامها فقط،
تنتظر مجيئه بخوف. دخل وهو يترنح كعادته،
عندما رأته هكذا وضعت وجهها في ركبتها وأغمضت عينيها بقوة،
منتظرة ما سيفعله. نظر لهيئتها ولم يظهر على وجهه أي مشاعر،
اتجه ناحيتها وشدها من يدها،
قفت على أرجلها وهي تتخبط،
نظر لها وعينه تغلق وتفتح،
ثم انحنى أمام شفتيها وقبلها بقوة،
قبله دموية جعلتها تقسم بأن روحها ستنتهي الآن،
وبعد عدة دقائق ابتعد عنها ووضع رأسه على كتفها. نظرت له بغضب ممزوج بالبكاء،
رأته نائماً على كتفها.
سندته حتى وصلت أمام السرير،
دفعته بقوة،
ثم دخلت الحمام تبكي بقهر،
تغسل وجهها بقوة،
فرائحة الخمر المقززة اللي تشتمها كل يوم أصبحت وكأنها عادة من حياتها. خرجت وظلت على الكرسي مكانها،
تنظر له بقهر وغضب وكل المشاعر السيئة. في الصباح استيقظ من نومه،
رأى نفسه بملابسه،
فهذه من المرات القليلة اللي يستيقظ بها بملابسه وبهذه الطريقة،
وهي نائمة على الكرسي،
نظر لها بغضب،
رأى شفتيها وآثار الدماء عليها،
تذكر ما فعله بالأمس،
لم يعنَ لذلك،
دخل الحمام أخذ شاور ثم خرج،
ارتدى ثيابه المكونة من بدلة رمادية بقميص أسود وارتدى ساعته السوداء وحذائه الأسود. فتحت عينيها،
رأته كعادته ينظر لنفسه بكل فخر وغرور،
فباتت تكره هذا الصباح ووجهه المغرور،
ماذا تفعل؟ قامت من كرسيها،
اتجهت ناحية غرفة الملابس،
أخذت لها ملابس خروج،
ذهبت إلى الحمام اغتسلت وارتدت ثيابها المكونة من فستان إلى ركبتيها وحذاء هاف بوت وأخذت الجاكت في يدها وخرجت. كان هو في الأسفل،
صفّفت شعرها وخرجت.
نزلت على السلالم ببطء،
عندما سمع صوت حذائها نظر خلفه،
كانت هي في آخر السلم،
وقفت أمامه وقالت بتوتر:
"أنا خارجة."
وكانت على وشك الذهاب.
رأت من يصفق بيده بقوة ويقول بسخرية:
"لا برافو عليكي والله وطلعلك لسان."
ثم غيّر نظرته وقال بغضب:
"اغرقي فوق، مفيش خروج، مكانك في أوضتك، وقت ما أحب أغرقك هغرقك."
تجمعّت الدموع في عينيها ولكنها ابتلعت غصة البكاء وقالت بقوة:
"يعني إيه هتحبسني هنا؟ أنا هخرج أشوف أهلي."
نظر لها وهو يضحك بسخرية:
"أنتي النهاردة فاجئتيني والله، كنت فاكرك خَرْسة، طلعلك صوت أهوه."
ردّت ومازالت في قوتها:
"معلش بس أنا هخرج."
وهمت على الذهاب. في ثانية رأت نفسها مجرورة من شعرها على السلم،
دخلها الغرفة ودفعها على الأرض،
ثم جلس على ركبه أمامها وقال بفحيح الشر:
"مكانك هنا، آخرك تنزلي الجنينة دي، لو نفسك لسه جيباكي، غير كده في أحلامك يا حلوة."
زمرد ببكاء:
"أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا عملتلك إيه؟"
ضحك بشر:
"علشان أنا عايز كده، مش كفاية متجوزك ده؟ أنتي كده ملكي."
قالت بصراخ:
"طلقني وريّحني، أنا بكرهك."
لم يعنَ لكلامها أي اهتمام وكأنه لم يسمع شيئاً،
ضرب على خدها وقال بجمود:
"لو شفت اللي حصل ده تاني هتشوفي اللي لسه مش شفتيهوش، ومتتسرّعيش على الشر أوي، مش بيقولوا التقيل جاي."
ضحك بسخرية:
"التقيل جاي."
ودفعها واتجه إلى عمله. صَرَخت بقوة والم،
فلماذا يفعل معها ذلك؟
لمَتى؟
ستقول لماذا يفعل معها ذلك؟
لماذا ولماذا. بعد ذهابه ظلت تبكي لفترة،
ثم وقفت على أرجلها ونظرت أمامها والدموع تتساقط بغزارة من عينيها:
"مش هسمع كلامك تاني وهخرج يا قاسم."
.............................................................
يجلس في عمله يتابع عمله بتركيز شديد،
ولم يأنبه ضميره للحظة على ما فعله بها،
بل يجلس في أبهى حالته. دخل عليه عمر:
"إيه يا عم هتيجي حفلة بالليل أنت ومراتك؟"
ابتسم قاسم بسخرية:
"أنا ومراتي؟ أنا هاجي، مراتي مش جاية."
رد عليه عمر بتعجب من حالته:
"أومال متجوزها ليه طالما مش معتبرها أي حاجة؟"
نظر له بشراسة:
"أنت مالك؟ اعتبرها مراتي، اعتبرها زفت، ملكش تتدخل."
وقف عمر أمامه وقال بلوم:
"تمام مليش أدخل، بس أنا بعتبرك أكتر من أخويا، ولما أشوفك بتظلم بنت ملهاش ذنب في حاجة، هي ملهاش دخل فيها يبقى لازم أقف وأتكلم."
أغمض قاسم عينه بقسوة ثم فتحها مرة أخرى:
"وانا برضو ماكنش ليا ذنب، ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني، سيرتها متجيش هنا تاني، اعمل اللي أنا عايزه معاها."
وقف عمر وقال بحسم:
"تمام، بس افتكر كلامي كويس، لما تضيع من إيدك متقولش ياريتني."
وخرج من المكتب.
نظر قاسم للباب قليلاً ثم رجع إلى ما كان يفعله ووضع على قلبه التراب مرة أخرى حتى لا يفكر فيها ولا في ضميره.
....................................................
خرجت من باب القصر متجهة إلى البوابة الرئيسية وهي تتصنّع الجدية. الحراس يقفون على البوابة الرئيسية فقالت بجدية:
"افتحوا البوابة."
أحد الحراس وهو ينظر على الأرض:
"مينفعش حضرتك، الباشا محذر علينا منخرجيش."
قالت بحدة:
"ولو قلتلك إن الباشا هو اللي قالي اخرجي هتقول إيه؟"
سكت الحارس،
فقالت هي بحدة:
"هاه؟ افتحوا البوابة، أنا رايحاله الشركة وكده هتأخر."
فتحوا الحراس البوابة فقال الحارس:
"اتفضلي حضرتك، على أن نجهزلك عربية؟"
زمرد وهي تكاد تقفز من السعادة:
"لا مش عايزة عربيات، أنا هرجع معاه بالعربية، ملوش لازمة."
وخرجت سريعاً،
أوقفت تاكسي ركبت بسرعة. تجلس وابتسامة الانتصار تشق وجهها:
"هههه مفكرني ساذجة للدرجة دي ومش هعرف أعمل حاجة.. هعمل بعد كده أي حاجة عايزاها مهما كانت العواقب."
ذهبت إلى بيت أهلها،
أول ما فتحت الباب أسرعت أختها الصغيرة تحتضنها:
"زوزي وحشتيني أوي."
زمرد بدموع فرحة:
"وأنتي يا دهب وحشتيني أوي."
ظلت تشتم عبقها وتقبلها حتى جاء والديها،
أسرعت ناحيتهم سلمت عليهم بحرارة.
والدتها بحنان:
"أومال فين جوزك؟"
زمرد في سرها:
"غرق في داهية."
فاقت على نفسها وقالت:
"في الشغل يا ماما، قالي روحي زوري أهلك علشان بقالي زمان وكده."
والدتها بحنان:
"وحشتيني يا زمرد أوي، البيت فاضي علينا."
زمرد والدموع تتجمع في عينيها،
فهي بالفعل تحس بالوحدة الشديدة،
فابتسمت بتصنّع وقالت:
"أومال دودو بتعمل إيه؟"
والدتها:
"دهب علطول أعدّة على الكرتون مبتسّبهوش."
زمرد وهي تحتضن أختها بقوة:
"لسه الكارتون ده بتتفرجي عليه؟ إيه حالا؟"
دهب بطفولة:
"بتفرج على روبانزل طبعاً ومولان وسنو وايت."
سكتّت قليلاً تتذكر.
آه وسندريلا طبعاً.
ابتسمت زمرد بحنان لها وقالت في نفسها:
ياااه أيام ماكنت بعد أنا وأختي نتفرج على الكرتون ولا بينا بالدنيا.
ابتسمت بسخرية على حالها الآن ثم جلست مع أهلها تستمتع بوقتها معهم.
جاء قاسم من عمله دخل بهيبته من باب القصر فقليلاً ما يأتي في هذا الوقت ولكن لكي يتجهز ويذهب إلى الحفلة المخصصة لرجال الأعمال.
ذهب إلى الغرفة فتح باب الجناح نظر في جميع أركان الغرفة لم يرها دخل الحمام أيضاً لم يعثر عليها.
ضرب الباب بقوة واحمرت عينيه بغضب:
بتمشي كلامك عليّا.
نزل بسرعة أمام البوابة:
المدام خرجت من إمتى؟
أحد الحراس:
هي خرجت وقالت لنا إنها رايحة لحضرتك الشركة.
قاسم بغضب:
وإنتوا بهايم وصدقتوها صح ماشي حسابكم معايا...
يعلم بأنها ذهبت إلى بيت أهلها ولكن سيذيقها العذاب ألوان حتى تأتي.
دخلت من باب القصر والابتسامة تشق وجهها فخروجها في هذا الوقت كان نجدة لها من الموت الحتمي من كثرة حزنها.
كان يجلس في بهو القصر يضع رجل فوق الأخرى.
دخلت ولم تنظر إليه صعدت على السلالم ببطء غير عابئة به.
أغلقت الغرفة على نفسها وجلست على الكرسي وأغمضت عينيها براحة وسعادة لم تراها من شهر.
دخل الغرفة يتهادى في مشيته وقف أمامها ينظر لها ولم تظهر أمامه أي معالم.
قال بهدوء عاصف:
..................
رواية كفى عذابك الفصل الثاني 2 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
قال بهدوء عاصف: قومي غيري لبسك والبسي فستان سهره.
نظرت له بتعجب، فهي كانت تظن بأنه سيأتي لمعاقبتها لإهانتها، ولكنها تعجبت من حديثه: ليه؟
أمسكها من يدها وقال بفحيح عاصف: أنا قولت جملة ومش هقررها تاني.
دفعها بقوة واتجه ناحية غرفة الملابس. ارتدى بدلة سوداء بقميص أسود بدون رابطة عنق، حذاء أسود لامع، وصفف شعره وارتدى ساعته الفضية وخرج.
كانت مازالت على حالها. اتجه ناحيتها وقال ببرود: امم، مستنية أنا اللي ألبسك يعني؟ عادي مفيش مشكلة.
اتجه ناحيتها وشدها من يدها بقوة، ونظر لها بقسوة، ثم شق فستانها بقوة وقسوة.
صرخت بخضة وخوف من هيئته، ووضعت يدها على صدرها تحاول أن تخفي جسدها.
فقال وعلى وجهه ابتسامة قاسية: يلا، سهلت عليكي الصعب.
دفعها ناحية غرفة الملابس بقوة حتى اصطدمت رأسها بباب الغرفة، ولكنها تمالكت نفسها ودخلت إلى الغرفة.
أغلقت على نفسها تبكي بقهر. فلم تبات تشعر بفرحتها حتى جاء وعكر مزاجها وفرحتها.
ارتدت فستان في غاية الروعة من اللون البيج. ترتديه ودموعها تتقطع ألف قطعة. ارتدته وأخذت فورير فوقه لأنه عاري الأكتاف.
تركت شعرها منساب على ظهرها بطريقة عشوائية. نظراً لأنه كيرلي ولكنه جميل يفعل لها طلة خلابة.
خرجت له بعد أن وضعت القليل من المكياج، ولعله يخفي أحزانها التي تؤلمها. كانت جميلة.
نظر لها من فوقها إلى أسفلها وقال بسخرية: وإنتي هتخرجي بكتفك اللي باين ده ولا إيه؟
جاءت أن تبرر له، إلا أنها قالت بحده: وإنت مالك؟ هاه؟ وبعدين إنت اللي شاري الارف ده.
وبخ نفسه من داخله، فهو من اشترى لها كل الفساتين، ولكنه تغاضى عن ذلك وقال بحده: حطي الزفت ده على كتفك وخلصينا.
نظرت له بضيق شديد، ثم وضعته على كتفها بغضب، وهو يتابع ما تفعله ويتساءل بداخله: لماذا فعل ذلك؟ لماذا أصر على أخذها معه؟
تغاضى عن ذلك وقال بسخريته المعتادة معها: يلا يا هانم.
نظرت له بإحتقار شديد، ثم تقدمته ونزلت أمامه.
ركبوا السيارة. فهذه أول مرة تخرج معه قبل زواجها منه. كانت تتمنى ذلك، ولكن الآن لا تطيق الجلوس بجانبه.
خرجها من أفكارها صوته الحاد: طول الحفلة تترزعي في مكانك، مشوفش وشك في أي مكان.
ردت بسخرية: وخدتني ليه طالما أنا مش مشرفاك؟
ثم قال وهي تحاول أن تغضبه: ولا خايف إني أهرب منك زي النهارده؟
ضحك بقوة وبسخرية على حديثها: إنتي مفكرة نفسك مشيتي كلامك عليا؟ ولا عشان سكتلك هتفكري نفسك عملتي حاجة؟ لأ يا حلوة، لسه حسابك معايا. وكويس إنك روحتي لأهلك، محدش عالم هتروحي تاني امتى.
أدركت معنى حديثه وقالت بحده: يعني إيه؟ معتش هشوف أهلي تاني؟ ليه خاطفني؟
نظر لها وعلى وجهه ابتسامة سخرية.
جعلتها تهيج وتلقائياً دفعته في كتفه: يعني إيه؟ فاكرني هسكتلك؟ لأ مش أنا. مش معنى سكوتي ليك إني ضعيفة.
مسك يدها بقوة وقال بفحيح غاضب: إيدك دي لو اتمدت تاني هقطعهالك، إنتي فاهمة؟ ومش عايز أسمع صوتك لحد ما نرجع، فاهمة ولا لأ؟
نظرت له بغضب، وبداخلها حزن وغضب وإهانة، وكل ما ينحصر تحت الحزن.
وصلوا أمام باب الفندق. فتح باب السيارة. كانت تظن بأنه يأتي لكي يفتح لها، ولكن من.
فتحت باب السيارة ودفته بقوة، وجاءت أن تمشي أمامه، إلا أنه وضع يده في خصرها. لم تعرف ما هذه الرعشة التي سرت في جسدها في هذه اللحظة، على الرغم بما يفعله بها كل يوم، ولكن بررت لنفسها بأنها مجرد عادات ومظاهر وليس أكثر.
دخلوا إلى المكان المقام فيه الحفلة. جميع الأنظار سلطت عليهم وعلى وسامة قاسم وجمال زوجته.
أجلسها في ركن بعيد وهادئ وقال ببرود: مكانك هنا لحد ما نروح. وتركها وذهب.
ظلت جالسة بملل تنظر حولها تريد أن تفعل أي شيء. وعندما نظرت له رأته واقف مع بعض رجال الأعمال وسيدات الأعمال أيضاً، في يده كأس يتحدث بغرور وابتسامة لم تراها عليه من قبل.
فرددت في نفسها: بيضحك معاهم ومعايا بيبقى عامل زي الرجل الأخضر. ثم قالت بنبرة متوعدة: ماشي يا قاسم.
جاءت له امرأة شديدة الجمال ترتدي فستان طويل مفتوح إلى ركبتها وفتحة صدر واسعة، تقول بإغراء: قاسم وحشتني أوي.
نظر لها من أعلاها إلى أسفلها وقال ببرود: أهلاً.
المرأة وهي تمسكه من يدها وتقول بدلال: تعالى نرقص.
وافق قاسم وأخذها إلى ساحة الرقص، وضع يده في خصرها وظل يرقص معها على نغمات هادئة.
نظرت له بغضب وبداخلها إهانة كبيرة. فقامت تسير في منتصف القاعة وهي تتدلل في مشيتها. ذهبت إلى البار وطلبت كأس، على الرغم من أنها لم تشربه وتقرف من رائحته، ولكنها طفح بها الكيل من كثرة إهانته له. يجب أن تعرفه من هي زمرد.
يقف أيضاً رجل على البار يشرب، ظل ينظر لها من رأسها إلى أخمص قدميها، إلى جسدها وبشرتها القمحية الناعمة، وخاصة أنها خلعت الفورير فظهر جمال رقبتها وأكتافها. اتجه ناحيتها وقال بخبث: غريبة، يعني إنتي مش مرات قاسم داوود؟
نظرت له بحنق وقالت: آه، عندك مانع؟
نظر لجسدها بشهوة: معنديش مانع، بس إزاي سايب الجمال ده يعني؟ وبييرقص مع حد تاني؟
نظرت لقاسم وهو يرقص مع هذه المرأة بغضب وحزن. وشربت الكأس دفعة واحدة. ظل يقترب هذا الرجل بخبث وقال وهو يمسك يدها: إنتي محتاجة حد يقدرك ويقدر جمالك.
نظرت له وإلى يده التي لمست يدها. نظرت إلى قاسم الذي يرقص مع هذه المرأة. اقترب الرجل أكثر ووضع يده في خصرها: تعالي نطلع بره نشم هوا.
زمرد بصوت ضعيف وهي تحاول الابتعاد عنه: لا، مش عايزة أخرج.
ظلت جالسة تنظر له بحزن شديد وهو يرقص معها والدموع متحجرة في عينيها.
انتهى هو من الرقص وذهبت عينه على مكانها، ولكنه لم يراها. غضب كثيراً منها. ظل ينظر في جميع أركان المكان. رآها تجلس عند البار ورجل يقترب منها ويضع يده على شعرها.
أسرع ناحية الرجل لكمه بقوة في وجهه. وهي فاقت من غيمة الحزن الذي انحصر داخلها. رأته يضرب الرجل والجميع يحاول التدخل لتخليص الرجل.
قاسم بغضب: إيه اللي بتعمله مع مراتى يا و...
الرجل بتألم: هي اللي قاعدة معايا.
زمرد وهي تهز رأسها بضعف دلالة على الرفض: كذاب، كذاب، أنا معملتش كده.
ذهبت تجاه قاسم ومسكت يده وقالت: روحني حالا، أنا مش قادرة أعد في المكان ده أكتر من كده.
نظر لها بغضب. فعندما رأى ذلك الرجل يلمسها وقريب منها أحس بداخله بنار تحرق قلبه. ليس أحد له الحق فيها إلا هو. هو فقط من يلمسها وليس أحد آخر.
مسكها من يدها بقوة، جرها وراه وهي ضعيفة في يده، ولكنه لم يقدر حالتها. دفعها في العربية بقوة وأخذ مكانه وظل يسوق بسرعة عالية.
ثم صرخ بها وقال: أنا هوريك إزاي كلامي ميتسمعش. أنا هوريك اللي عمرك مشوفتيه.
فقالت بغضب دفين: أومال خدتني ليه علشان ترميني وتروح ترقص وتشرب مع ال...
أمسكها من شعرها بقوة وهدر بصوت عالٍ: صوتك ده ميعلاش، إنتي فاهمة؟ متزوديش حسابك معايا.
ثم دفعها في زجاج السيارة. وضعت يدها على رأسها تتألم من الدفعة. فكم مرة يدفعها ويهينها. فالموت أرحم لها.
وصلوا إلى القصر. نزل بسرعة من السيارة. فتح لها الباب وشدها من يدها وسحبها خلفه إلى الغرفة. وأول ما دخل ظل يتذكر الرجل وهو يقترب منها ويلمس شعرها ورقبتها وشربها الخمر.
حتى أعماه الغضب. دفعها على السرير وخلع جاكيت البدلة ثم القميص. وهي ظلت تتراجع بخوف شديد وتقول بخوف وبكاء: لالا، والنبي أنا مليش ذنب، هو.. هو.
شدها من رجلها حتى أصبحت في منتصف السرير. اقترب منها والغضب أعماه عينه وقلبه. مزق فستانها بدون رحمة ونزل على رقبتها يقبلها بقوة وشراسة وهو يتذكر الموقف وهي تدفعه بقوة وتردد: مليش ذنب.. معملتش حاجة.
ظلت تدفعه وتدفعه، ولكن لم تستطع، فقوته تغلب قوتها. انتهكها بكل قوته وقسوته، وهي أحست بأن روحها ستذهب الآن من قسوته معها من أوجاعها.
ولكن غريب، الليلة عندما انتهى من فعلته أخذها في حضنه وحاوطها بجسده.
ظلت تبكي وتبكي على حالها، فماذا فعلت في حياتها كي يحدث لها ذلك؟ ماذا فعلت؟
في صباح يوم جديد. فتح قاسم عينه ببطء. رأى نفسه يحتضنها بقوة وكأنها ستهرب منه. وهي نائمة كالجثة الهامدة وآثار الدموع على وجهها. نظر لها بقلق لهيئتها. وضع يده على عرقها النابض.
تنهد بارتياح. قام ببطء وخلصها من قبضته المتملكة. دخل إلى الحمام أخذ شاور ومن ثم خرج ارتدى ثيابه وخرج مسرعاً من الغرفة إلى شركته.
أما هي. استيقظت من نومها والألم يفتك بجسدها. ظلت تحاول القيام ولكن جسدها يؤلمها. ظلت على السرير تتذكر ما حدث بالأمس وقسوته عليها. فنعم، يفعل ذلك كثيراً، ولكن ليس بهذا الغل والقسوة. مدت يدها وأخذت قميصه الملقى على الأرض حتى تستر نفسها. وظلت تبكي بتعب وحسرة. تبكي على الخذلان الذي رأته معه. تبكي على الإهانة التي تلقتها على يده. يعاملها وكأنها عاهرة أو فتاة ليل وليست زوجته. ولكنها قررت المواجهة. نعم.
المواجهة بالنسبة لي هي القوة. فالشخص الذي يواجه ويقف هو شخص قوي يستحق أن يهنأ بعيشه هادئة. لكن الشخص الضعيف الذي يحصر نفسه في الذل ويظل مرخي الأكتاف لم أقول يستحق، وإنما يتحمل نتيجة سكوته. واجه. وضع في رأسك بأنك إذا فعلت ذلك لم تموت. إذا خسرت من أمامك فهو لا يستحق، وإنما لم تخسر نفسك، لم تخسر كرامتك التي تكون لك أساسك.
يجلس في غرفة الاجتماع مع الوفد البريطاني يناقش موضوع ما.
أحد الجالسين ويدعى مارتن: يجب الذهاب إلى هذه المنطقة (العلمين).
عمر مؤيد كلامه: بالتأكيد، يجب الذهاب والوقوف من موقع الحدث.
ووجه حديثه لقاسم: رأيك إيه؟
قاسم بعملية: أحسن طبعاً، نشوف الشغل بيقوم إزاي.
عمر وهو يوجه حديثه للوفد: حسناً، يوم الخميس سنتواجد هناك.
انتهى الاجتماع وظل قاسم وعمر في الغرفة. نظر له عمر بترقب: هتاخد مراتك ولا هتسيبها؟
تذكرها وتذكر القسوة التي عاملها بها بالأمس. ودائماً يتعامل معها ببرود، استهزاء، سخرية. ولكن هذه المرة أحس بالغيرة، بالغيظ، بنار تكوي قلبه. أصبح له مشاعر من ناحيتها حتى ولو لم تكن طيبة. أول مرة يحس بتأنيب الضمير.
فاق على طرقعة أصابع عمر أمامه: إيه يا عم؟ عموماً براحتك.
قاسم: نفسي أعرف مهتم هاخد مراتى أوي كده ليه؟
تنهد عمر وأردف: عشان الصراحة البت صعبانة عليا.
غضب قاسم وقام فجأة: متجبش سيرتها لا بخير ولا بشر. تعرف ولا لأ؟ عشان متزعلش في الآخر.
ضغط عليه عمر فهو يريد أن يعرف ما في قلبه: لأ هجيب سيرتها بس مش بالشر، بالخير وبكل خير كمان.
تلقى لكمة قوية من قاسم طاحت به أرضاً. وقف قاسم أمامه بغضب وقال: قسماً بالله، سيرتها لو جيت تاني على لسانك مش هعملك أي اعتبار إنك صاحبي ولا زفت. وخرج من غرفة الاجتماع بغضب، صفق الباب بقوة. وعندما خرج ابتسم عمر: وقعت ومحدش سما عليك. نفسي تنسى هويتك اللي مخلياك بالطريقة دي مع رجالة وستات.
وصل قاسم إلى القصر ومنه إلى الغرفة. رأها تجلس على السرير كما تركها. تعجب من ذلك ولكنه لم يعبأ لذلك. دخل إلى غرفة الملابس غير ملابسه بأخرى مريحة. فخرج وكان على وشك النزول إلا أنه سمع صوتها الحاد يقول: استنى.
استدار ونظر لها وقال بعدم صبر: أنا مش فاضي لارفك ده.
بلعت إهانته وتماسكت على نفسها وقامت من على السرير تسير ببطء شديد. نظر لحالتها المذرية بتأنيب الضمير، ولكنه أصر على السكوت.
وقفت أمامه ظلت تنظر له بغضب، بعتاب، بألم، وكل المشاعر. ثم قالت بهمس: ليه؟
تعجب من طريقتها في التحول، ولكن ببروده المعتاد: ليه إيه؟ انجزي.
زمرد بقوة مجدداً: ليه بتعمل معايا كده؟ عملتلك إيه؟ رد عليا. ليه؟ استغليتك مثلاً؟ مش من مستواك؟
ظلت تغير تعابير وجهها بين كل كلمة والأخرى. ولا إنت كده ولا إيه بالظبط؟ ولا إيه؟ ثم صرخت في وجهه: ليه كده؟ عملتلك إيه؟
صرخ في وجهها بقوة: صوتك ميعلاش عشان مأوريكيش الوش التاني.
ابتسمت بسخرية وقالت: ليه؟ هو فيه أولاني ولا إيه؟ أنا فكرت بدأت معايا بالتاني؟ كنت بتستضيفني لارفك.
مسكها من القميص الذي ترتديه بقوة وغضب: قسماً بالله، صوتك ده وقلة أدبك لو مبطلتيه لدفنك مكانك حالا.
دفعته بكل قوتها وقالت بصراخ: ياريت والله، أنا مدفونة أصلاً. أنا مت. لا، كل يوم بموت وأصحى على علقة، على إهانة منك. خليها موته من غير قومة بقى وريحني.
قالت هذه الجملة وهي تدفعه في صدره.
ظل ينظر لها بدون تعابير قليلاً. ثم ابتسم ببرود: ياريت تكوني قولتي كل اللي جواكي. حقك برضه.
نظرت له بقلة حيلة والدموع في عينيها. أصبحت كالزجاج. لم تراه أمامها إلا صورة مهزوزة. رجعت إلى الخلف قليلاً ثم دورت وجهها. وكانت في طريقها إلى الحمام، ولكن الرؤية أمامها أصبحت معدومة من الدموع والتعب. وفي لحظة وقعت على الأرض على ركبتها وهي حانية وجهها للارض بتعب.
أسرع عندما سمع صوت اصطدام. لف وجهه ورأى منظرها هذا. أسرع ناحيتها بسرعة. جلس أمامها على الأرض. ظل يتفحص وجهها بسكوت تام. ثم قال بهدوء وحنان لم تعاصره هي من قبل: عيطي يا زمرد.
وكانت هذه أول مرة يناديها بإسمها. كانت تنتظر هذه الكلمة ودخلت في نوبة بكاء شديد. فاحتضنها قاسم بقوة وأغمض عينه هو أيضاً بقوة وتعب. فبكل بساطة هي بيته، هي حياته. ولكن عقله غير متقبل ذلك.
ظلت تبكي لفترة طويلة، بكاء الشهر الذي عاشته معه. نعم، هو يعترف بأنها لم تفعل شيئاً، ليس لها ذنب. ولكنه بدونها لمات من كثرة وجعه وماضيه وكنيته التي يستعار منها.
سكتت. ولكن مازال شهقات خفيفة. قبل رأسها ببطء وقال بجمود: آسف يا زمرد، بس أنا مش هتغير.
نظرت له بحزن وقالت: يبقى تطلقني.
قاسم.
...
رواية كفى عذابك الفصل الثالث 3 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
نظرت له بحزن وقالت:
"يبقى تطلقني."
ظل ينظر لها ويفكر: ماذا إذا تركته سيعيش؟ لا، سيصبح لديه نهار وليل كباقي البشر؟ لا، لم يرد على حديثها فهو لن يضعف أكثر من ذلك. حملها واتجه إلى الحمام، أجلسها على سلمة البانيو، ملأ البانيو بالماء ووضع فيه الشاور ثم حملها ووضعها داخله وقال بدون مشاعر:
"خدي دش سخن وجسمك هيفك بعدها."
وخرج بدون كلام آخر.
أما هي وضعت رأسها خلفها ببطء وأغلقت عينيها بيأس من تغييره.
ذهب إلى النادي الليلي، شرب كثيرًا وفي النهاية قضى الليل مع فتاة كعادته وذهب في الصباح. رآها نائمة على السرير براحة شديدة فلم ينتهكها بالأمس ويخرج قسوته عليها. دخل إلى غرفة الملابس، أخذ بدلة له. ارتدى ثيابه وصفف شعره وخرج. في هذا الوقت كانت خارجة من المرحاض بطلتها الخاطفة، فكانت ترتدي برنس يصل إلى ما قبل ركبتيها وشعرها الغجري الذي يثيره أكثر. كانت تجفف شعرها ولم تدرِ له ولكنه اقترب منها وأردف بالحديث:
"جهزي نفسك علشان مسافرين بكرة وحضري شنطتك."
أدركت حديثه وقالت برفض حاسم:
"مش جاية في حتة، روح شوف حالك."
فرد بسخرية ونبرة تهكمية:
"لا معرفش أشوف حالي غير معاكي يا زوزو."
ثم قلب لهجته في ثانية وأردف بحدة:
"أنا مش هعيد كلامي، وإنتي وحريتك الشخصية عايزة تجيبي لبس معاكي أو لأ براحتك. أما إنتي هتيجي غصب عنك."
قالت بحدة:
"بقولك مش هاجي، هو بالقوة حتى! ده قوة كمان! روح لوحدك إنت مش هتحتجلي في حاجة."
ثم أرادت مضايقته:
"آه ولا إنت عايزني علشان شهواتك وبس."
ظل يضحك بصوت عالٍ على حديثها:
"ههها أعوزك إنتي يا بنتي، إنتي متجيش حاجة جنب أي واحدة بتترمي تحت رجلي."
دفعها بيده قليلًا وقال بسخرية:
"بصي في المرايا، مش عشان عينك ملونة تبقي حلوة."
ظل يشاور بيده على جسدها:
"لا فيكي جسم ولا بصي لشعرك، تيجي إنتي إيه للي شعرهم حرير."
خبط على خدها براحة وقال بسخرية:
"بصي في المرايا يا حلوة متأخديش مقلب في نفسك."
أبعدت يده بقوة وقالت وما زالت على نفس تعابير وجهها:
"طالما أنا وحشة أوي كده، جسمي وحش، شعري وحش، بتنام معايا ليه؟ بتعمل اللي بتعمله معايا ليه وإنت بسم الله ما شاء الله ربنا فاتحها عليك في الستات؟"
ثم ابتسمت ابتسامة ثقة:
"بس رأيك ميهمنيش، واثقة في نفسي وفي كل حتة فيا اللي مش عجبك عاجب ناس تانية."
وفي لحظة رأت عنقها في يده وهو يقول بغضب:
"مين الناس ديه؟"
وهدر بصوت عالٍ:
"وحياتك اللي إنتي مش حباها معايا ديه لو جبتي اسم راجل ولا سيرة حتى لموتك."
ابتسمت بسخرية وهو ما زال يقبض على عنقها وهي تنظر له من أسفل عينها:
"مش قولتلك ياريت تموتني؟ مش قولتلك حياتي مش فارقة طول ما أنا عايشة مع واحد زيك؟"
ثم غيرت نبرتها للحدة:
"ومتفكرش إني بخاف منك لأ. أنا بس كنت مفكراك حاجة كده."
ثم سكتت قليلًا وابتسمت ثانيًا:
"حاجة بقت متنفعش ليك."
نعم استفزته، جعلته يضغط على عنقها بقوة وهي ما زالت ترمي عليه نظرات السخرية على الرغم من أن وجهها أصبح على وشك الانفجار من الاختناق وتنفسها الزائد. فاق على نفسه عندما أدرك ما يفعله فكل ما كان في عقله كيف تجرأت وتحدثت معه بهذه الطريقة.
تركها ومن ثم دفعها بقوة أدت إلى سقوطها على الأرض وألقى عليها نظرة شر وخرج. أما هي ظلت مكانها لم تتحرك ولم يرف لها جفن فلن تصبح ضعيفة مرة أخرى ورددت مع نفسها:
"ممكن مكنش حلوة بس أشرف من العاهرات اللي بتشوفهم."
ثم ضحكت بخبث وقالت:
"هههه ماشى يا قاسم باشا هوريك مين زمرد شاهين."
.......................................................................................
في صباح يوم جديد، تجلس زمرد على الكرسي ترتدي بنطلون من الجينز وتيشيرت تضعه بداخل البنطلون، رافعة شعرها في كعكة غجرية بشعرها هذا وشنطة سفرها بجانبها. تململ في نومه، فتح عينه رأى من تجلس أمامه على الكرسي تدندن بأغنية ما. ظل ينظر لها بتعجب شديد، أهذه من رفضت البارحة؟ نظرت له بطرف عينيها وابتسمت بداخلها وأقسمت على جنونه. دخل الحمام، أخذ شاور وارتدى ملابسه المكونة من قميص أسود يبرز عضلات صدره وجينز أسود وحذاء أسود. أحضر حقيبة ملابسه وخرج. فأول ما رأته قامت من مكانها، أخذت شنطتها وذهبت أمامه وهي تتدلل في مشيتها فقال في سره:
"يارب مموتهاش حالا."
نزل ورائها، أخذ الشنطة من يدها بقوة وهو يزفر من طريقتها هذه.
ركبوا السيارة وطوال الطريق تدندن بصوت خافض فقال بملل:
"ما خلاص يا أم كلثوم."
نظرت له بتعالٍ وقالت:
"لسانك ولا لساني، إيه ده ياربي!"
زفر بغضب:
"متخلينيش أتغابى عليكي."
لم تعرِ لكلامه أي انتباه ووضعت يدها على مشغل الأغاني واشتغلت الأغاني بصوت عالٍ. ظلت تغني معها بصوت خافض وتنظر له وتبتسم لغضبه منها.
أغلق المشغل بنفاذ صبر:
"بت عدي الطريق ده على خير علشان مرزعكيش قلم ينيمك طول الطريق."
زمرد بنبرة طفولية:
"أوووف بقا حتى الأغاني."
نظر لها بطرف عينه وابتسم على طريقتها وطفولتها التي اكتشفها مؤخرًا.
ظلت تنظر من شباك السيارة بشرود. تريد أن تسير حياتها معه ولكن بطريقتها. من يعلم بأن تكون هذه زمرد المليئة بالأمل تريد فعل ذلك وذلك أهدافها الغير متوقفة ولكن لم يحدث شيء من مخططها. تتذكر عندما كانت تريد تسجيل أغنية ولكنها أصرت على عملها أولًا حتى يصبح لديها مال خاص بها فهي تحب الغناء كثيرًا. ابتسمت بسخرية على حياتها فأصبحت وكأن عمرها الخمسين وليس العشرين. فاقت على صوته القوي يناديها:
"زمرد!"
فاقت زمرد على نفسها وعلى الوضع الحالي وقالت بهدوء:
"نعم."
قاسم وهو يشير على درج في العربية:
"افتحيه."
فتحته بتعجب، رأت كيكات، بسكوتات، شوكولاتة وعصائر.
قال ببروده المعتاد:
"كُليه على أما نوصل."
والغريب بأنها لم ترفض طلبه وأخذت كيكة وعصير ظلت تأكل فيهم ببطء وتنظر للخارج مرة أخرى.
وصلوا إلى الفندق. دخلوا إلى الغرفة كانت زمرد قد تعبت من الطريق كثيرًا، جلست على كنبة وخلعت الحذاء فقال هو بجمود:
"هطلب الفطار علشان تفطري."
زمرد بهدوء:
"لا مش عايزة أنا هنام لأني تعبت من الطريق، كُل إنت."
= "تمام عمومًا أنا خارج حالًا علشان ورايا شغل."
زمرد وهي تتجه ناحية السرير وقالت وهي تغمض عينيها:
"أوك."
نظر لها نظرة أخيرة ثم دخل إلى الحمام أخذ شاور ثم خرج. فتح الشنطة ومن وقت لآخر يلقي نظرة عليها.
ارتدى بدلة سوداء بقميص أبيض وكعادته لم يرتدِ رابطة عنق وحذاء جلد أسود، انتهى من ملابسه. ذهب ناحيتها ووقف أمامها ظل يتفحص ملامحها بحب، بندم ولكن ما زال عقله لم يستوعب ذلك. انحنى ناحيتها قليلًا، قبلها من جبهتها وجاء أن يقوم ولكن أغرته منظر شفتاها كثيرًا، قبلها قبلة خفيفة من شفتاها ثم قام وتركها وذهب إلى عمله.
...........................................................................................
يجلس قاسم مع الوفد البريطاني ويتناقشون حول العمل وتلك تلقي عليها النظرات وهو يعلم نواياها جيدًا لذا لم يعرها أي انتباه. انتهوا من العمل ورحل الجميع إلا هذه المرأة.
عمر:
"أنا هروح أنا علشان أرتاح شوية."
أومأ له قاسم بالموافقة ثم نظر لتلك الجالسة:
"ماذا تريدين إلسا؟"
إلسا بإغراء:
"أريدك قاسم."
سكت قليلًا فعندما قالت له ذلك تذكر زمرد تلقائيًا فقالت إلسا بازدراء:
"اممم لا تريد أن تأتي خوفًا على مشاعر زوجتك صراحةً لا أعلم ما مدى تحمل هذه الفتاة."
قاسم بغضب:
"لا أريد سماع أي كلمة عن زوجتي، علاقتي معك مجرد استمتاع فقط."
إلسا:
"آسفة كثيرًا قاسم."
ثم سكتت قليلًا وقالت بإغراء:
"هيا بنا قاسم نذهب إلى الغرفة."
سكت قليلًا وظل يفكر فيها لكنه قال لنفسه:
"بدأت أضعف أوي قدامها، لأ لأ مش هضعف مش هضعف."
قال بشموخ بعد أن فاز عقله ككل مرة:
"هيا."
دخلوا إلى غرفة في الفندق، قضوا مدة طويلة سويًا في الشرب والأشياء الأخرى ولكن كل لمسة وقبلة لهذه المرأة تخيل زمرد مكانها.
...........................................................................................
ظلت جالسة حتى الصباح تنتظره وتعلم أنه الآن مع فتاة. ينام في حضن فتاة أخرى، ما أشد ذلك عليها فلو كان جبل لوقع لو كان حجر لنفلق. ظلت تبكي مكانها فدائمًا تجلس وحيدة كذلك لم يجمعهم إلا القسوة وهذه العلاقة التي تتقزز منها ولكنها فاقت على نفسها ومسحت دموعها بقوة. دخلت إلى الحمام، تحممت وارتدت ثياب أخرى وخرجت تنتظره فهي من بعد الآن ستخرج وتفيض بكل ما بداخلها في وجهه مهما كانت العواقب حتى لا تختنق:
"مش هسكت إلا أما أخرج من الهم ده، مش هستسلم مش هضعف، هخرج من هنا أحقق أحلامي، هرجع براءتي ثاني، هحقق أحلامي اللي اندفنت وأنا معاك."
ثم رددت وهي تغمض عينيها:
"إن مع العسر يسر، إن مع العسر يسر."
فاقت على فتحة الباب يدخل منه يتهادى ببطء. نظر لها ببرود ثم تخطاها فرددت بسخرية:
"هي كانت حلوة أوي كده؟ طب كنت خليك معاها يومين كمان."
التفت لها ونظر بحدة فمن متى وهي تسأله عن ذلك. أمسكها من ذراعها بقسوة:
"وإنتي مالك هاه؟ حسك عينك أسمعك بتتكلمي معايا كده، إنتي فاهمة؟ الظاهر إني إديتك وش بزيادة أوي."
دفعها بقوة حتى كادت أن تسقط ولكنها تماسكت وابتسمت بسماجة:
"اديتني وش بزيادة؟"
اقتربت منه ببطء وقالت بنصف عين:
"امتى ده هاه؟"
ابتعدت عنه وقالت بحدة:
"مش معنى إني سكت على كده كتير إني مش فاهمة ولا هبلة، لأ يا قاسم بيه أنا عارفة كل حاجة بس أنا مش هستحمل كده كتير، أنا عندي كرامة والأكتر من كده عندي قلب. عارف يعني إيه قلب ولا معداش عليك؟"
رد قاسم بعد أن صنع البرود وعدم الاهتمام على وجهه:
"لا عدى عليا وبدليل إنك عايشة."
صرخت في وجهه:
"طب ما تموتني وترتاح ساعتها بس هحس إن عندك قلب."
ابتسم بسماجة:
"خلصتي المرشح ولا لسه؟ لو خلصتيه اغربي من وشي."
هدأت من نفسها قليلًا وقالت:
"طب خلي عندك دم، ذرة دم بس وطلقني."
اقتربت منه وقالت:
"عايزة أعيش حياتي اللي ضاعت مني مع واحد يقدرني."
صفعة! أنفاس تتعالى، شهقات تخرج. صفعها بغضب وقوة عند سماعه لحديثها جعلها تطيح على الأرض. نزل إلى مستواها وقال بفحيح غاضب:
"لو سمعتك بتقولي طلاق، راجل والهبل ده مش هضربك بالقلم، قسمًا بالله لأخليكي تتمني تموتي في اليوم ألف مرة."
قام بغضب دخل إلى المرحاض ورزع الباب بقوة.
قامت من مكانها وأصبح الشر يعمي عينيها من ناحيته. ظلت واقفة مكانها فهي عاهدت نفسها على عدم الضعف. لا لم أضعف.
خرج من الحمام وهو يلف جسده بمنشفة. ظلت متصنمة مكانها. أخذ ملابس نوم من الشنطة فهو سيستلقي قليلًا حتى وقت خروجه بالليل.
ارتدى الملابس وخرج نظر لها ثم اتجه على السرير.
اتجهت ناحيته ووقفت أمامه والغضب يتطاير من عينيها. نظر لها ببروده المعتاد ثم كان على وشك أن يغمض عينه حتى رآها تضع يدها على رقبته وتضغط عليها بغضب وقوة.
فقال بغضب:
"إنتي بتعملي إيه؟ اتهبلتي ولا إيه؟"
قالت وهي تصرخ فيه وتضغط على رقبته:
"آه اتهبلت وهموتك يا قاسم هموتك."
كانت عيناها تتسع بالغضب وهي تصرخ. أمسك يدها بقوة وهو يشدها على السرير وهي تصرخ بجنون:
"إوعى سيبني، متلمسنيش."
حاول تهدئتها فمن الممكن أن يحدث لها سكتة قلبية بحالتها هذه.
زمرد وما زال الغضب والجنون يعمي عينيها:
"بقولك ابعد عني... ابعد عني."
قاسم وهو يهدهدها:
"اهدئي، اهدئي، مش هعمل حاجة."
زمرد مغمضة عينيها وما زالت تصرخ:
"متلمسنيش، ابعد عني."
قال بصوت عالٍ وهو يحاول إفاقتها:
"زمرد... فوقي."
زمرد وما زالت على حالها:
"لا لا."
أحكم حركتها بجسده وشد هاتف الفندق. اتصل بأحد من العاملين لجلب لها مهدئ. ظل متحكمًا في جسدها وهي تصرخ. دق الباب فأسرع لأخذ المهدئ وأغلق الباب وهي ما زالت في حالة الهستيريا. اتجه ناحيتها، أمسك وجهها بقوة ودس الدواء في فمها وشربها المياه. ظلت تصرخ وتهذي بهذه الجملة:
"ابعد عني، هموتك."
بدأ مفعول الدواء وبدأت هي تستكين بين يديه. احتضنها بقوة وأغمض عينيه بندم على ما فعله، فمن الواضح بأن حالتها ساءت كثيرًا بسببه. أغمض عينيه بقوة وظل طوال الليل يأنب نفسه على ما فعل، فماذا سوف يتعامل معها بعد الآن.
لم يذهب إلى العمل فاعتذر منه، ففي حالتها هذه لا يصح تركها بمفردها، غير ذلك هو خائف عليها جدًا.
في الليل فتحت عينيها ببطء. نظرت لنفسها، رأت نفسها في حضنه وهو يحتضنها بقوة وكأنها ستهرب. ظلت تبعد يده بنفور وبقوة. فاق على حركتها وإبعادها ليده فتركها حتى لا تسوء حالتها.
زمرد بحدة:
"أوعى كده، إياك تلمسني تاني."
تماسك قاسم حتى لا يغضب عليها، وابتعد عنها بهدوء. وظلوا في هذا الهدوء كثيرًا حتى قالت وهي تغمض عينيها:
"أنا ما عدتش قادرة أستحمل."
لم يرد قاسم عليها فأكملت هي:
"تعبت، ما عادش عندي طاقة إني أتحمل."
نظرت له والدموع في عينيها:
"لازم تقتنع إن كل واحد فينا عنده طاقة، ولما بتخلص ممكن يعمل أي حاجة، وأول حاجة ظهرت اللي حصل الصبح، بعد كده مش عارفة نفسي هعمل إيه وأذي مين."
ثم قالت بترجي:
"وديني لبيت أهلي وخليني على ذمتك علشان تضمن إني مش هتجوز تاني بس سيبني في حالي."
ظلت تنتظر منه جوابًا أو أي تعبير دليل على القبول، لكن وجهه يقول غير ذلك. قال وهو يحاول بث الهدوء في نفسه:
رواية كفى عذابك الفصل الرابع 4 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
ظلت تنتظر منه جواب أو أي تعبير دليل قبوله، ولكن وجهه يقول غير ذلك. قال وهو يحاول بث الهدوء في نفسه: "آخر مرة اتكلمنا في الموضوع ده كانت نهايته وحشة، وسبق وقولتلك إن مش هطلّق ومش هسيبك، ولو على مراوحك لأهلك هبقى أوديكي تشوفيهم... غير كده لازم ترد." باستفهام وتعجب من رفضه لطلاقها: "ليه... طالما إنت مبتحبنيش وبتكرهني أوي كده سيبني في حالي وشوف واحدة على ذوقك إنت." كان على وشك أن يقول بأنه في عمره لم يكرهها، وإنها تعني له الكثير، كان على وشك أن يقول بأنه يحبها ويعشقها، ولكن... لماذا يأذي الرجل من يحب؟ لماذا؟ رد بجمود: "أنا قولت اللي عندي، أنا قولتلك قبل كده إني مش هتغير، بس بقولك حالا هحاول، بس متنتظريش كتير لأنها صعبة أوي." أغمضت زمرد عينيها بفقدان أمل منه ومن طريقته... في صباح يوم جديد تستيقظ زمرد، تنظر حولها، لم تره في الغرفة، فأدركت بأنه ذهب مبكرًا.. تذكرت حديثه بالأمس، فماذا سوف تفعل معه؟ كيف تتعامل بعد كل ما حدث؟ كيف.. جاء الليل وهي مازالت على تفكيرها.... دخل الغرفة بتعب وإرهاق، فهو من الصباح يباشر عمله من الموقع اللي يشرف عليه... دخل ببطء، نظر لها، كانت تجلس تشاهد التلفاز على كرتون. ابتسم ابتسامة خفيفة... أخذ ملابسه له ودخل الحمام، تحمم وغيّر ملابسه.. خرج وهو يجفف شعره، نظر تجاهها وقال بتساؤل: "كلتي؟" زمرد وهي مازالت عينيها على التلفاز: "لا." قال بحدة: "متبصيش وأنا بكلمك." ردت ومازالت عينيها على التلفاز: "مش فارقة." غضب من برودها، فذهب ناحيتها ومسكها من ذراعها بقوة: "هو أنا كلامي مبيتسمعش؟ ليه ولا إنتي بتحبي التهزيئر؟" رفعت حجابها: "يعني هتفرق معاك ببصّلك ولا لا؟ هتشوف سواد عيوني ولا إيه؟" ضحك بسخرية: "ولا سواد عينك ولا خضار عينيك، هبصّلك على إيه؟" دفعت يده بقوة وقالت بحدة: "طب إوعي متبصّش، لوحده وحشة ومش من مستواك." ثم أردفت بفخر وغرور: "أنا بحب نفسي كده، بحب شكلي كده.. أنا اللي واحد يتمنّاني ويقدرني." مسكها من وجهها بقوة وقد أعمى الغضب عينه: "أقسم لك بالله إن جبتي اسم ذكر تاني لوريكي السواد، وبتقولي بتوريني الوش التاني هوريكي الأسود منه.." ودفعها على السرير بقوة.. ارتطمت رأسها بقوة في السرير فأنّت بخفوت... نظر لها بجمود، فعندما يسمع لسانها يتحدث عن أي ذكر عقله يجن.. ستظل له ملكة، هو لا أحد آخر يمتلكها غيره. جلس يتابع بعض الأعمال على اللاب، ويختلس إليها النظرات من الوقت لآخر.. فهي جالسة على السرير تهز في قدمها بقوة وملل، وتستغفر في سرها... زمرد بملل: "أنا زهقت، عايزة أروح." نظر لها قاسم بخبث وقال: "هتروحي فين؟" قالت بتلقائية: "الفيلة." ابتسم على كلمتها وقال: "لسه يومين." شهقت زمرد وقالت: "نعم، أنا زهقت بجد، أنا عايشة الـ24 ساعة كده بين أربع حيطان." نظر لها قليلاً ثم قال بنبرة عملية: "تحبي نتعشّا برّه؟" قفزت من على السرير: "بجد؟ هنزل أشوف الشارع أخيرًا.." فقالت بنبرة فرحة: "ماشي، أنا موافقة." ضحك على طريقتها الطفولية: "طب قومي البسي يالا." أسرعت ناحية شنطة ملابسها، أخذت فستان أسود يصل لكاحلها، وحذاء لونه بينك بكعب عالي، وجمعت جزء من شعرها وتركت الباقي حرّ.. خرجت له وقالت بحماس: "جهزت، يالا نمشي بقى." نظر لها من فوقها إلى أسفلها بتفحّص وإعجاب شديد، وخاصة بشعرها اللي يجذبه كثيرًا.. يريد أن يضع أنفه بداخله يشمّ رحيقه، يغرق في بحورها.. كان هو يرتدي بدلة كاجوال سوداء وأسفلها تيشرت أبيض... خرجوا معًا إلى خارج الفندق، ذهبوا إلى مطعم راقي، جلسوا على طاولة في ركن هادئ. قاسم: "تاكلي إيه؟" زمرد بحيرة: "مش عارفة." ابتسم لها وقال: "طب أطلبلك زيّي." ردّت له الابتسامة بأحسن منها: "ماشي." ابتسمت بداخلها، فحبيبها لأول مرة يبتسم لها هكذا، يعاملها هكذا بهدوء... طرّق بأصابعه أمامها: "روحتي فين؟" فاقت زمرد على نفسها: "هاه؟ نعم." قاسم: "بقولك روحتي فين؟" زمرد بتوتر: "مفيش، سرحت شوية بس." نظرت له زمرد وتساءلت: "هو أنا ممكن أسألك سؤال؟" سكت قليلاً ثم قال: "اسألي." "بتعمل إيه هنا في العلمين؟" قاسم بنبرة عملية: "مشروع جديد، بنعمل فندق." زمرد وقد دخلت في الحديث: "ده المشروع اللي كنتوا بتشتغلوا عليه لما كنت في الشركة." تذكّرت عندما كانت في الشركة، كانت تحب العمل كثيرًا.. فكانت بارعة في عملها. زمرد: "كان عاجبني فكرته أوي، وكمان كان عندي تكّة كده." قاسم بترقّب: "إيه هي التكّة دي؟" زمرد وهي تشرح له بمهارة وذكاء كبير: "المطعم اللي في الفندق المفروض ميكونش مجرّد مطعم، فأنا كنت فكّرت إن نعمل فيه أكتر من طراز، أكتر من أسلوب دولة، يعني نعمل الركن المصري، الركن التركي، الكوري، هندي، الإيطالي، وهكذا بقى بشكل وثقافة كل دولة.. كده بتجذب كم كبير من الناس، وفكرة جديدة بتجمع بين ثقافات الدول، وطبعًا المطبخ تبع كل دولة." ظلّ يستمع إليها بإعجاب شديد، ينظر لها ولحركة يدها اللي تشرح بها ويبتسم... نظرت له ثم سكتّت بإحراج، فالأكل وضع أمامها وكل شيء جاهز، وهو ينظر إليها فقط، وبالفعل معجب بأفكارها. قالت بإحراج شديد: "هو... هو أنا مختش بالي إني اتكلّمت كتير، أسفة." ابتسم لها وقال: "لا عادي، أنا استمتعت جدًا بكلامك وعجبتني الفكرة.. وهنقشّها مع الوفد بكرة." برقَت بعينيها وقالت بذهول: "بجد؟" ضحك على طريقتها وقال: "أه بجد." يا الله، ما هذا الكائن المتقلب الأحوال؟ يضحك ويصرخ ويفعل كل شيء. "يالا كلي علشان الأكل ميبْرَدْش." نظرت إلى الأكل وقالت بخفوت: "ماشي." ظلّوا يأكلون في صمت تام، فأول مرة تكون خجلانة منه إلى هذه الدرجة، لأن المعاملة غير... نعم بالفعل. "حبيبي ما هذه الصدفة الجميلة." نظر لها قاسم بدون مشاعر: "أهلاً إلسا." نظرت لها زمرد ثم نظرت إليه بتعجب شديد. أكملت حديثها: "ماذا تفعل هنا؟" شاور بيده على زمرد: "كما ترين، نتناول العشاء أنا وزوجتي." نظرت لها بتمعّن شديد وقالت: "زوجتك جميلة، طالما ذلك لماذا تأتي وتقضي معي وقت؟" أحست زمرد بدوخة خفيفة تغزو رأسها عندما قالت ذلك، حسنًا فهي تدري بما يفعله، ولكن لم تتوقّع بأن تراه بعينيها. قال ببرود: "ليس لكِ دخل، أنا رجل أفعل ما أريده." ثم قام وأخذ زمرد من يدها وجرّها خلفه... فقالت إلسا بصوت عالي: "أريدك غدًا، إنني اشتقت إليك." ثم ذهبت ناحيته وقالت وهي تنظر لزمرد بقوة: "فهذه الفتاة صغيرة لا تقضي حاجتك." عندما سمعت زمرد ذلك أحست الأرض تنهار من تحتها، ما كل هذه الإهانات. رد قاسم بغضب: "ليس لكِ دخل بزوجتي، وحسنًا سوف نتقابل الغد." ضحكت بإغراء: "سأنتظر هذا الوقت." وتركتهم ورحلت وهي تتمايل في مشيتها... لم ينظر قاسم لزمرد أو يبرّر الموقف، لا بل يقول لها نتقابل الغد.. أهي قبيحة لهذا الحد بالنسبة له.. علم قاسم بأنها غاضبة وحزينة من ما حدث، ولكنه لا يريد أن يضعف أو يبرّر موقفه أمامها، يريد بأن يريها بأنه صعب التغيير. وصلوا إلى غرفتهم في الفندق، فكل هذا وزمرد تسير معه بلا روح، مكسورة، أكثر شيء يحزن المرأة هي الخيانة وكرامتها... دخلوا إلى الغرفة، وكان على وشك الذهاب من أمامها، سمعها تقول: "هو أنا وحشة أوي كده؟" أكملت حديثها بألم: "للدرجة دي مش فارقة معاك، ولو واحد في المية.. مش فارقة معاك إنك متقولّهاش كده أودامي... شايفني مش من مستواك.. جسمي طفلة، شكلي وحش، شعري مش حلو، وهي وغيرها ملكات جمال." فالآن قلبه تألّم عليها، بالفعل لماذا يفعل ذلك معها؟ ما الغرض؟ ماذا يريد أن يثبت لها؟ التفت لها ووقف أمامها، وكان أن يتكلّم إلا أنها قالت والدموع تهطل من عينيها: "أنا وحشة يا قاسم." انفطَر قلبه من دموعها، وظلّ ينظر لها من تحت عينيه، ثم مدّ أنامله ومسح دموعها برفق وقال بهمس: "مين قال كده؟" نظرت له بتعجب وقالت ومازالت الدموع عالقة على رموشها: "إنت." ابتسم على طريقتها الطفولية، فهو بالفعل يعلم أنه من قال ذلك، ولكن يريد إخراجها من حالتها. قاسم ومازال يمسح عيونها ثم قال بحنان: "إنتي جميلة أوي يا زمرد." نظرت له بتعجب، فمن هذا الشخص؟ مرة يقول قبيحة ومرة جميلة. علم ما في خاطرها فأكمل حديثه: "أكيد بتقولي عليّا إزاي يقول كده.. صح وهو قالي إني وحشة." تنهّد ببطء ثم قال: "لأن بكل بساطة بضايقك." زمرد بتردّد: "طب ليه؟" قاسم بنظرة تائهة: "متسألنيش ليه، لأني مش عارف." ظلّ ينظر لها ولمعالم وجهها بغموض لم تفهمه، وهي تنظر حولها وإلى الأرض. اقترب منها وقبّلها قبلة رقيقة على شفتيها، ثم ابتعد عنها وقال: "إنتي مراتي." نعم تعرف بأنها زوجته، وهذا أكثر ما يؤلمها ويحرق قلبها.. ابتعد عنها ببطء، ثم اتّجه إلى المرحاض بعد أن أخذ ملابس بيته، وهي غيّرت ملابسها سريعًا واتّجهت إلى السرير. ظلّت تفكر في حديث المرأة، في نظراتها له، وهو بكل تساهل يقول لها انتظريني غدًا... أغمضت عينيها بقوة وضربت يدها بقوة على السرير: "أوف أوف، يعمل اللي يعمله بقى، أنا تعبت." خرج من الحمام ومن ثم اتّجه إلى السرير، رآها مغمّضة عينيها بقوة، فعلَم بأنها مستيقظة ولكنها تتصنّع النوم. ابتسم على طفولتها، ثم طلع بجانبها، ثم مدّ يده وشدّها من خصرها ناحيته. فشهقت وقالت بخجل: "يا ماما." فسمعَت صوته الرخيم يقول: "أنا يا زمرد، مفيش حد تاني غيرنا...." ظلّ السكون سائدًا بينهم، زمرد تفكر في الموضوع، وهو يفكر فيها وماذا يفعل... سمعها تقول ببطء متوترة: "قاسم، هو إنت هتروحلها بكرة؟" نظر لها من أعلى كتفه، فماذا يجيبها؟ فهو لا يريد الضعف أمامها، فقال بصوت جعل فيه الحدّة: "أه، ومتسألنيش." حزنت زمرد كثيرًا، فظنّت بأنه سيتغاضى عن ذلك، فقالت بتردّد: "طب ممكن متروحش؟" لم يرِد على حديثها، فتنّهدت بألم ثم أغمضت عينيها بيأس. كان أن يقوم من جانبها ويتركها، إلا أنها تشبّثت فيه بقوة وقالت بخجل وحزن أيضًا: "طب خليك معايا هنا النهاردة، مش إنت رايحلها بكرة؟" إلى هنا وانتهى، فحصونه تهدّمت أمامها، فقوّته التي يتحلّى بها أمامها انهارت... ظلّ ينظر لها كثيرًا، نظرات لم تفهم معناها، ثم في لحظة اعتلاها فشهقت هي وقالت بهمس زاد من رغبته فيها: "قاسم." أكمَل هو بهمس: "أنا تعبان أوي." تلقائيًا وضعت يدها على وجهه وقالت: "مالك يا حبيبي؟" ماذا قالت؟ حبيبي.. حبيبها، مازالت تكنّ له المشاعر رغم كل ما يفعله بها.... انقضّ على شفتيها يقبلهما بألم وحزن وحب وعشق لها، فهو ضعيف المشاعر، دائمًا يغلب مشاعره السيئة تجاهها، وتنتصر على حبه وعشقه، دائمًا يضع الماضي أمامه، يضع الماضي على وجهها ويعاملها وكأنها هي الماضي. هذه الليلة كانت تختلف عن أي ليلة، لأنه كان رومانسيًّا وحنونًا معها، ليس قاسيًا، ليس سكرانًا، ولم تنكر بأنها فرحت من ذلك، وكانت تبادله بحب شديد. فتح عينه في الصباح، رآها تنغمس في أحضانه، وهو يحاوطها بيده وجسده بقوة.. تذكّر أحداث أمس وكيف كانت بين يديه تبادله مشاعره، وهو لم ينكر بأنه كان سعيد بما يحدث.. بدأت تتملْمَل في نومها، أغمض عينه بسرعة، يريد أن يرى ردّة فعلها. فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت بجانبها، رأت نفسها في حضنه، ورأسها على صدره الصلب، تحتضنه وهو نفس الحال، فخجلت كثيرًا، فهي أول مرة تفعل هكذا بإرادتها، ولكنها ابتسمت ووضعت يدها على وجهه، تمرّرها ببطء على ملامح وجهه، ظلّت تمرّر يدها على لحيته وكأنها تمشّطها..... أما هو فحرارة جسده ارتفعت من ما تفعله، أراد أن يفتح عينه ويأخذها إلى جولة أخرى، ولكنه لا يريد أن يضعف مرة أخرى، وأيضًا لا يريد أن يحزنها ويكسر بخاطرها، ولكنه فتح عينه ببطء. فأوّل ما رأته ابتسمت له بحنان وقالت: "صباح الخير." رد ببرود: "صباح النور." وقام من جانبها بهدوء، وظلّت تنظر لأثره، ماذا حدث.. ندم على ما فعله بالأمس، فهو يفعل هذا كثيرًا معها، ولكن من دون مشاعر وهي أحست بذلك.. وضعت يدها على رأسها بتخبّط، وأغمضت عينيها بقوة، وفي داخلها حزن وتخبّط شديد.... خرج من المرحاض يجفّف شعره، مرّر نظره عليها ببطء وبرود، أدرك حزنها، ولكنه يقاوم ذلك، لا يريد أن يضعف أمامها مرة ثانية، فهو قاسم لا يهتز لمرأة، لا يجعل مشاعره تسيطر عليه...
دخل غرفة ملابسه، ارتدى بدلة رمادية بقميص أبيض، صفّف شعره وخرج.
نظر لها ثانية، رايها تجلس على السرير تنظر أمامها بحزن شديد، فتألم قلبه من أجلها كتير.
قال بصوت قوي:
"أنا نازل."
فتحت عينيها بقوة وقالت بحدّة:
"براحتك."
اقترب منها وهو يقول بغضب:
"اتكلمي عدل ووطّي صوتك علشان ما زعلكيش."
قالت ببرود:
"زعلني؟ أصل أنا فرحت ليلة، كفاية عليّا، صح ولا إيه؟"
نظر لها وضحك بسخرية، ثم اقترب منها ببطء ومسكها من يدها بقوة:
"أمم، أنا شايف إنك معتيش بتخافي."
تألمت من مسكته القوية ولكنها تغاضت عن ذلك وقالت بقوة:
"أنا عمري ما خوفت، بس زي أي بنت بحس عندي كرامة، دم حاجات كده بتخلّي الواحد يزعل لكن أخاف؟"
وضحكت بسخرية:
"لا، مش أنا، أنا زمرد شاهين."
نظر لها بتفحّص شديد ثم ضحك بقوة:
"يبقى لازم تخافي."
نظرت له بتحدّي، أرسلها إليها بنظرة سوداء جعلت ما بداخلها يرتعش، ودفعها على السرير، خلع جاكيت بدلته وألقاه على الأرض، شمّر ساعده ببطء وهو ينظر لها بخبث.
نظرت له وقالت بحدّة:
"لو لمستني ولا عملتلي حاجة، هتندم.. هندمك يا قاسم، إنت فاهم؟"
خلع حزامه ولفّه حول يده وظل يقترب منها بخبث، يلمع في عينيه...
رواية كفى عذابك الفصل الخامس 5 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
خلع حزامه ولفه حول يده وظل يقترب منها بخبث.
لمح في عينيها ارتعاشه.
كفيف يعلم بأن داخلها يرجف.
انحنى ناحيتها وهى أصبحت وتيرة أنفاسها عالية:
"مسمعتش بتقولي إيه؟"
دفعته بقوة:
"بقولك لو قربتلي هتندم يا قاسم. مش هضعف أودامك تاني. ولما نرجع هتطلقني، مش هعيش معاك تاني. ولو مرضتش تطلقني هرفع عليك قضية خلع."
ضرب بالحزام بقوة بجانبها على السرير جعل جسدها يعلو بخضة.
وقال بفحيح غاضب:
"هو أنا مش قولت كلمة طلاق دي متجيش على لسانك؟"
ثم شدها بقوة من شعرها جعلها تتأوه من شدته:
"قلت لو كلمة طلاق دي جت هتشوفى وش مش هيعجبك."
قالت بغضب:
"كل حاجة تهديد."
دفعته بيدها بقوة وأكملت حديثها:
"مفكرني عبده عندك ولا إيه؟ مش أنا اللي يتعمل معايا كده."
ثم صرخت في وجهه بغضب:
"إيه اللي مخليك متمسك بيا كده ومش عايز تسيبني؟"
قال بحده:
"لأني إنتى ملكي أنا، وكل حاجة من ممتلكاتي مبتخلاش عنها."
ردت بحده وغضب:
"ليه شايفني عربيتك ولا فيلتك؟ أنا نفسي. أنا محدش يقدر يتحكم فيا. أنا زمرد شاهين وعمرك.. عمرك في حياتك ما تهنى وأنا هسكتلك."
نظر لها بغضب وجاء أن يتحدث، إلا إنها قالت بهدوء وكأنها لم تثور من قبل:
"خلاصي منك امتى؟"
نظر لها وقال بصوت دفين:
"موتك أو موتي."
نظرت له وداخلها يحترق منه.
فقالت بحده وهى تعدل وقفتها:
"تمام.. موتك ميهمنيش في حاجة."
ثم أسرعت أمام المرأة تبحث عن أي شيء حاد.
رأت زجاجة برفيوم.. كسرتها بقوة وأخذت الجزء الحاد منها.
أسرع ناحيتها يحاول تهدئتها، فصرخت في وجهه:
"اوعى متلمسنيش. متخافش مش هموتك، مش هوسخ إيدي بيك. هموت نفسي وأخلص منك."
قاسم وصوته يغلب عليه التوتر:
"زمرد أهدى."
ظل يقترب منها بهدوء وهى تضع الزجاجة على رقبتها بقوة حتى خدشت رقبتها.
صرخت في وجهه بقوة:
"ابعد.. ابعد عني."
ظل يقترب منها وهو ينظر في عينيها ويقول بهدوء ولكن صوت يشوبه الخوف:
"مفكرة موتك هيفرحني؟ ها؟ مفكرة هعرف أعيش لو انتي مش موجودة؟ أرجوكي متعمليش كده. انتي كده بتموتيني أنا."
ظلت تنظر له وتهز رأسها برفض والزجاجة تغرس في رقبتها:
"لالا انت كذاب.. انت كذاب."
وفي لحظة رأته يشد يدها بقوة حتى سقطت الزجاجة على الأرض مصدرة صوت حاد.
أما هو شدها ناحيته واحتضنها بقوة وأغمض عينه بقوة وقال بألم أول مرة يظهر أمامها:
"ليه.. ليه عايزة تعملي كده فيا؟"
قالت بضعف:
"علشان ترتاح مني.. علشان انت بتعذبني علطول."
أغمض عينه بألم.
ثم حملها ووضعها على السرير بهدوء.
نظر لرقبتها رأى دماء عليها.
وضع يده ببطء.
تأوهت بضعف وهى تبعد يده:
"اوعى متلمسنيش."
نظر لها بحزن ثم دخل الحمام اتى بعلبة الإسعافات.
وضع القطن في المطهر ووضع القطنة على جرحها.
جاءت أن تبعد يده ولكنه أمسك يدها برفق وقال:
"زمرد معلشي سيبيني أنضفه.. مش هعملك حاجة."
تركت يدها من يده ووضعتها بجانبها.
نظف الجرح ثم اقترب من رقبتها وقبل مكان الجرح ببطء وأسف شديد.
أما هي فتحت عينيها بضعف.
نظرت له بحزن ولوم.
فلماذا يفعل ذلك؟ لماذا يحارب من الجهتين؟
لم تعد تدرى ماهيته ما في قلبه ولكنها أقسمت بداخلها بأنها ستعرف وستجعله يعترف بذلك.
فيجب أن تعطى له الدواء المناسب لمرضه.
وضع لزقة طبية على مكان الجرح ثم وضع الغطاء عليها بإحكام.
ومن ثم انحنى وقبل جبهتها وقال برفق:
"معتيش تعملي كده تاني."
ثم قال بهمس شديد:
"لأني أنا من غيرك هموت."
أغمضت عينيها بتعب شديد ودخلت في غابة النوم.
أما هو جلس أمامها وظل يحدث نفسه:
"كان نفسي أبقى غير كده معاكي. كنتي تستحقي واحد يقدرك. كل حاجة فيكي شكلك، قلبك، حنيتك وطيبتك. بس وقعتي مع الشخص الغلط. وللأسف مش هعرف أسيبك. لو سيبتك هحس إني متشرد مليش ملجئ. لأنك انتي بيتي. بعمل كل حاجة بره حلوة ووحشة. بس صدقيني ببقا مستني لحظة رجوعي البيت للدفا اللي بحسه وأنا معاكي."
تنهد بقوة.
ثم أخرج هاتفه واتصل بعمر:
"أيوة يا عمر. أنا هرجع القاهرة بكرة. خلص انت كل حاجة هنا."
عمر بتعجب:
"ليه فيه حاجة ولا إيه؟"
نظر لزمرد ثم قال بتنهيدة حارة:
"مفيش يا عم. زمرد تعبت شوية وهنروح."
عمر:
"طب الف سلامة. ارجع انت وأنا هخلص كل حاجة وهحصلك."
قاسم:
"تمام."
أغلق الهاتف.
ثم نظر لها بحب ومسك يدها بحنان قبلها.
ثم قام ببطء حضر ملابسهم في الشنط.
ثم جلس في انتظارها حتى تستيقظ للذهاب من هذا المكان.
استيقظت زمرد من نومها الذي كان بمثابة هروب من واقعها الأليم.
نظرت حولها رأته جالس على كرسي بجانبها ورأسه في الخلف نائم.
ظلت تتفحصه جيدا ومازالت كلماته تتردد في عقلها بأنه لن يستطيع العيش بدونها.
أغمضت عينيها بقوة ثم فتحتهم مرة أخرى وهي عازمة على معرفة ماذا به.
قامت من على السرير.
وعندما أحس بحركتها وقف سريعا واتجه ناحيتها:
"رايحة فين؟"
زمرد بنبرة هادئة:
"داخلة الحمام أغسل وشي."
قاسم:
"تمام. ظبطي نفسك كده علشان هنرجع."
هزت رأسها فقط ثم اتجهت إلى الحمام.
طوال الطريق يسود الجو الهدوء من الطرفين.
لم يتحدث أي أحد منهم.
ينظر لها فقط من الحين للآخر وهي تستند على الزجاج تنظر إلى الطريق بتريث شديد.
دخلت الغرفة وجلست على السرير.
ثم رددت بتوتر:
"مش انت كنت قولتلي هتوديني لأهلي أشوفهم؟"
هز رأسه بإيجاب:
"ولسه عند كلمتي. بس كلي وارتاحي شوية وهوديكي."
ابتسمت له بفرحة:
"بجد هروح؟ أنا مبسوطة أوي."
ابتسم لسعادتها وقال:
"الوقت اللي إنتى عايزة تروحي فيه هوديكي. ولو أنا في الشغل كلميني وخذي السواق من هنا وروحي."
هزت رأسها بسعادة.
ثم أسرعت ناحيته تحتضنه بفرح.
أما هو فرح بشدة لسعادتها وحملها من على الأرض وهي متشبثة به بسعادة.
ورددت من وسط سعادتها:
"شكرا أوي."
أنزلها على الأرض ثم حاوط يده وجهها وقال:
"هعملك اللي إنتى عايزاه بس متقوليش طلاق وهسيبك تاني."
نظرت له ومازالت على وجهها البسمة وفي داخلها تقول: سأظل بجانبك حبيبي.
زمرد:
"ماشي."
ثم رددت بطفولة:
"يلا هاتلي الأكل علشان أروح."
مسكها من خصرها وقال بمشاكسة:
"وبالنسبة للنوم؟"
توترت في البداية من مسكته لخصرها:
"لا مش جايلى نوم. هاكل بس وبعدين أروح دهب وحشتني أوي وماما وبابا."
قاسم بتساؤل:
"دهب دي أختك؟"
زمرد وهي تهز رأسها:
"امم أختي الصغيرة. مكناش بنفترق عن بعض. كنا دايما بنعمل فشار وحاجات تسالي ونتفرج على كرتون."
ظلت تتذكر أيامهم سويا:
"وكنا نفضل نغني. وكنت بفضل أغنيلها لغاية ما تنام."
تنهدت وقالت:
"أيام."
نظر لأنحاء وجهها.
فما هذه الطفلة التي كانت تعيش حياة بريئة لم يكن فيها كل هذا الألم والوجع؟
فبالفعل انتهك براءتها قلبها الطفولي.
تذكر طفولته المؤلمة.
كانت طفولة بالغة فهو لم يعش طفولته كأي طفل لم يعش شبابه كأي شاب.
تغاضى عن ذلك.
ثم نظر لها وابتسم:
"هطلب الأكل حالا علشان تاكلي وتروحي وسلميلي على دهب."
ضحكت بسعادة وقالت:
"ماشي."
كانوا يأكلون في جو يسوده الهدوء ولكنه ينظر لها أكثر ما يأكل.
تأكل بسرعة وتملئ فمها كالأطفال.
فضحك:
"اهدئ يا بنتي هتشرقي كده."
زمرد ومازال الأكل في فمها.
ابتلعت الطعام ثم قالت:
"بآكل بسرعة علشان أروح عند أهلي."
نظر لها بترقب:
"خايفة لحسن أغير رأيي."
نظرت له ثم قالت بتوتر:
"لا.. عادي. أنا بس.. هما وحشوني."
ابتسم لها ثم قال:
"طب يلا بسرعة اغسلي إيدك وغيري لبسك علشان أوديكي."
قامت بسرعة تجري على الحمام حتى كادت أن تقع في طريقها:
"أوبس."
أسرع ناحيتها امسكها من خصرها:
"اهدئ هوديكي والله."
نظرت له بخجل فتصرفها بالفعل طفولي بقدر الجنون.
طوال الطريق تتحدث معه عنها هي وأختها وكيف كانوا يقضون الوقت.
ولكن عندما أتت إلى نقطة.
زمرد:
"وكان أوقات أحمد بيجي يعد معانا بردوا بس كان بيخلينا نتفرج على أفلام رعب."
نظر لها قاسم بغضب:
"ومين أحمد ده إن شاء الله؟"
زمرد:
"أحمد جارنا من وأنا صغيرة في نفس سني."
قاسم بضيق:
"آه. وإنتي كنتي بتعدي معاه بصفته إيه؟ أخوكي ولا جوزك؟"
نظرت زمرد لضيقه وحاولت امتصاص غضبه:
"أحمد زي أخويا. متربيين مع بعض. علاقتنا في حدود الأخوة بس."
قاسم بحنق:
"وإنتي متأكدة أوي إنه مبيبصلكيش غير من الناحية دي؟"
زمرد بعدم تصديق ودفاع:
"لا طبعًا. أحمد مش كده. إحنا أخوات وبس وأنا بحبه زي أخويا."
قاسم بغضب:
"متقوليش بحبه ولا أخوكي ولا أبوكي. ده مش أخوكي. وإياك أشوفك تكلميه."
زمرد وقد تناست هدوئها:
"لا طبعًا استحالة أعمل كده. بقولك متربيين مع بعض."
قاسم بنفس الغضب:
"أنا قولت كلمة."
زمرد بعند:
"وأنا قولت كلمة."
وقف السيارة حتى أصدرت صوت.
ومسكها من ذراعها بقوة:
"يعني إيه قولت كلمة؟ ها؟ هو إنتي كلمتك هي اللي هتمشي عليا ولا إيه؟"
زمرد بقوة وثقة:
"إنت قولت رأيك وأنا بصححه مش أكتر. بقولك أدي يعني عنده عشرين سنة مع بعض في الجامعة بنرجع مع بعض ولو حد شافنا بقوله أخويا."
ضرب على الدركسيون بغضب:
"كمان بتروحي معاه الجامعة بصفته إيه يا متعلمة يا بتاعة الأخلاق."
قال بتهديد ونبرة غاضبة:
"إياك أسمع اسمه على لسانك تاني."
نادته بغضب:
"قاسم لو مش عاجبك أخلاقي وتربيتي إحنا فيها وديني لأهلي وابعتلي ورقتي. أنا زهقت."
قال بحده:
"أنا مش هحاسبك على اللي إنتي قولتي ده حالا. أنا هوْديكي وأجي آخدك علشان بس وعدتك."
ردت بحده وغضب:
"يعني إيه معتش هروح تاني؟"
لم يرد عليها وأدار السيارة مرة أخرى.
وصلت أمام بوابة المنزل وجاءت أن تنزل.
إلا إنه مسك يدها بقوة وقال بحده:
"إياك تكلمي الولا ده. أنا بقول أهو."
دفعت يده بقوة وقالت بغضب:
"بقولك أخويا يا أخي. بقا أخويا رضيعين على بعض. ارتحت؟ أخويا في الرضاعة."
هدأ قليلا من موجة غضبه ولكنه أيضًا يغير حتى ولو كان أخوها.
فقال بصوت حاد:
"أخوكي بس. إياك تحضنيه ولا تبوسيه. إنتي فاهمة؟"
نظرت له بضيق ونفاذ صبر:
"أووف. ماشي. يلا أنا نازلة."
قاسم:
"هبعتلك السواق الساعة خمسة علشان أنا هكون في الشغل. أجى ألاقيكي في البيت."
نظرت له بملل من هذه المحاضرة المملة ومن ثم دخلت إلى العمارة.
فتحت الباب بهدوء فهي معها نسخة من مفتاح المنزل.
ثم دخلت بسرعة وهي تقول بسعادة:
"أنا جيت. نورت البيت."
أسرعت أختها عليها وهي تقول بسعادة:
"زوزي جيت. زوزي جيت."
حملتها زمرد بسعادة:
"حبيبتي وحشتيني."
دهب بسعادة:
"وإنتي يا زوزي."
زمرد:
"حبيبت قلب زوزي. أنا جايه النهارده ومصرة إن نعمل فشار ونجيب تسالي وننادي لأحمد ونتفرج على فيلم كوميدي. أوك؟"
قفزت دهب مكانها من كثرة الفرحة وقالت:
"هروح أناديه على ما تعملي الفشار وتظبطي القعدة."
زمرد بسعادة وهي تضرب يدها بيد أختها:
"أوك. يلا."
دخلت لوالدتها المطبخ وقالت بصوت عالٍ:
"جيت."
فزعت والدتها ووضعت يدها على قلبها:
"يا لهوي."
زمرد وهي تحتضنها من الخلف:
"أنا يا جميل. زوزي."
استدارت والدتها وأخذتها بالأحضان:
"وحشيني أوي يا زمرد. لازم تعدي كتير كده أما تيجي."
زمرد بأسف:
"معلش يا ماما. كنت مع قاسم في العلمين علشان عنده شغل فمعرفتش أجي."
والدتها بحنان:
"ربنا يخليكوا لبعض يا حبيبتي."
زمرد وهي تحتضن والدتها بعمق وتقبل رأسها:
"حبيبتي يا ماما."
حضرت زمرد الفشار وبعض المسليات الأخرى وعصائر وخرجت وضعتهم على التربيزة أمام التلفزيون.
في هذا الوقت رن الجرس.
أسرعت تفتح الباب.
رأت أحمد.
قالت بسعادة وهي تحتضنه وتضرب بكلام قاسم بعرض الحائط:
"أبو حميد."
رواية كفى عذابك الفصل السادس 6 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
رأت أحمد قالت بسعادة وهي تحتضنه: "أبو حميد".
أحمد بسعادة أيضاً: "زوزي وحشتيني يا بت".
زمرد بسعادة: "وأنت متعرفش نفسي أتفرج معاك على ماتش قد إيه أو ألعب معاك جيم بلاي ستيشن".
أحمد بمشاكسة: "مستعدة للخسارة؟"
زمرد متذمرة: "هكسب المرادي هلعب بليفربول".
أحمد يضرب كفه بكفها: "اشطا هلعب ببرشلونة طبعاً".
فردت بتهكم: "برشلونة؟ خليك في برشلونة وميسي". ثم غيرت بنبرتها لحماس: "وأنا مع صلاح".
أحمد: "اشطا هندخل النهارده ولا هفضل مطرود بره؟"
قالت بمشاكسة: "إزاي بقا هتفضل مطرود بره؟ طبعاً... هههه".
دفعها بخفة ودخل جلس على الأريكة بأريحية وأخذ طبق الفشار وظل يأكل فيه.
ذهبت ناحيته وأخذت طبق الفشار: "أنت مش شايفنا ولا إيه؟"
أحمد بتأكيد: "شايفكم طبعاً بس أنا جعان".
ردت وهي تضع يدها في خصرها: "هاه يعني الفشار هيسد جوعك؟ ده بيخسس يا بني".
أحمد: "آه اتاري كل البنات يحبوا الفشار عشان يخسوا".
زمرد وهي ترفع حاجبها: "والله مش هاكل بقا. هاه يالا يا دهب نتفرج".
ظل يضحك عليها بقوة.
فهذه الحياة الهادئة البريئة التي كانت تعيشها، حياة لا تعرف طريق الشر، حياة بسيطة، أكبر أحلامها تجلس أمام التلفاز تشاهد كارتون، فيلم، وليست المغامرات التي تعيشها معه، ولكنها أصبحت مصرة أكثر على تغييره ومعرفة ما بداخله. تحبه، تحبه بقوة، كل شيء به تحبه وتعشقه. استمتعوا بوقتهم جداً، فقد افتقدت هذا الود العائلي. أخذها الوقت مع أهلها حتى أصبحت الساعة السابعة وهي لم تعُد، وقد تناست ما قاله قاسم.
رجع قاسم إلى المنزل الساعة السابعة. دخل الغرفة لم يراها، ظن بأنها بالأسفل. نزل بالأسفل ودور عليها في كل مكان ولم يعثر عليها أيضاً. أخرج الهاتف بسرعة وقال بلهفة: "إنت مروحتش تجيب زمرد؟"
السائق بحرج: "أنا مستنيها من الساعة خمسة وهي منزلتش وأنا واقف مستني".
قاسم بغضب دفين: "طب روح أنت يا عم عبده أنا هروح أجيبها".
السائق: "أوامرك يا باشا".
اتجه قاسم إلى السيارة وهو يتوعدها بداخله، فدائماً تعاند معه وتحزن في النهاية على صراخه عليها. بعد مدة وقف أمام المنزل. أخرج هاتفه واتصل بها.
في الأعلى مازالت زمرد تلعب هي وأحمد وقد تناست موعد رجوعها إلى المنزل، نعم كانت تحتاج إلى هذه الجلسة.
اتجه قاسم إلى السيارة وهو يتوعدها بداخله، فدائماً تعاند معه وتحزن في النهاية على صراخه عليها. بعد مدة وصل أمام منزلها. اتصل بها لكي تنزل.
في الأعلى سمعت صوت هاتفها يرن، أخذته لترى من. جحظت عيناها عندما رأت رقم قاسم.
زمرد بخوف: "يالهوي قاسم ده هيموتني النهارده".
ردت بصوت مهزوز حاولت جعله هادئ: "ألو".
قاسم بغضب: "إيه يا هانم، متعدي حبة كمان؟"
زمرد بتوتر: "أنا... أنا نسيت".
قاسم بصوت قاطع: "اخلصي، أنا واقف قدام البيت".
زمرد بخوف من القادم: "حاضر".
نظر لها أحمد وقال: "مين؟"
حاولت جعل صوتها طبيعي: "قاسم".
أحمد: "طب فرصة والله أسلم عليه، يالا".
مسكته من يده بسرعة: "خليك حالا، ابقى شوفه في وقت تاني".
أحمد: "يابنتي هسلم عليه بسرعة يالا". ومسكها من يدها وخرجوا.
ينظر قاسم بغضب إلى العمارة وهو يتوعد لها. عندما لمحها خارجة من العمارة ولمح من بجانبها. نزل بسرعة وغضب من السيارة، جذبها بقوة من يد أحمد وهو يهدر به بغضب: "إنت ماسكها كده ليه؟ إنت اتجننت؟"
زمرد وهي تحاول تهدئته: "قاسم اهدى بس، ده أحمد اللي قولتلك عليه".
نظر لها قاسم بغضب ثم هدر بصوت عالٍ: "وأنا قولت إيه؟ محدش يلمسك صح؟ ولا إنت بتحبي تعانديني؟"
أحمد يحاول تهدئة الموضوع: "اهدئ بس يا أستاذ قاسم، دي أختي والله".
قاسم يشاوره بيده دليلاً ليصمت: "متدخلش أنت".
أحمد وقد ظهر عليه معالم الغضب: "بس أنت بتزعقلها وأنا واقف، وأنا محبش حد يكلمها كده حتى لو كنت جوزها".
نظر له قاسم وظهرت على وجهه ضحكة سخرية. دفع جسد زمرد برفق وقال بهدوء عاصف: "اركبى العربية".
زمرد وهي تحاول التحدث: "قاسم هو مش..."
قاطعها قاسم بصراخ: "قولت اركبى العربية".
خافت زمرد من نظرته إلا أنها قالت له بعند: "لا، أنت هتضربوا".
أحمد: "اركبى يا زمرد". قال هذه الجملة وهو يدفعها من ذراعها بخفة للذهاب. إلا أن قاسم أمسك يده بقوة ودفعها بعنف. ونظر لزمرد نظرة سوداء، مسكها من يدها بقوة ودفعها بالسيارة وأغلق باب السيارة.
اتجه ناحية أحمد ومسكه من ياقة قميصه وقال بفحيح عاصف: "بالنسبة للكلام اللي قولته ده لو حسبتك عليه حالا هتزعل أوي، بس لو شفتك لمستها تاني هخليك تتمنى الموت ومتطولوش".
أحمد باستفزاز: "ميهمنيش كل كلامك ده، زمرد أختي فاهم ولا إيه، وليا حق عليها زيك وأكتر منك كمان".
لكمه قاسم في وجهه بقوة ومسكه من ياقة قميصه: "لا مش فاهم، ومش قاسم داوود اللي حد يمشي كلمته عليه". ودفعه بيده حتى وقع على ظهره.
أما قاسم اتجه إلى السيارة، فتح الباب ودفعه بقوة مما أفزع زمرد، ولكنها قالت بغضب: "إيه اللي أنت عملته ده؟ إزاي تضربه كده؟ هاه؟" رفعت إصبعها في وجهه وقالت: "أنا مش هسمحلك".
مسكها قاسم من ذراعها بقوة وهدر بصوت عالٍ: "إنتي لو مسكتيش حالا هـ..."
قاطعته بسخرية: "إيه؟ هتضربني ولا هتغتصبني؟ خلاص اتعودت على كده. عملت معايا كل حاجة، كفاية عليا يوم حلو".
ترك ذراعها ونظر أمامه والغضب والندم ينهشان قلبه. بدأ في قيادة السيارة وهي تجلس وعلى وجهها معالم الحزن.
بعد مدة وصلوا إلى المنزل. نزلت زمرد بغضب وأسرعت إلى الغرفة. أما هو نظر في أثرها وأغمض عينه بقوة ثم فتحها مرة أخرى وذهب خلفها.
أبدلت ملابسها وجلست على أريكة تنظر أمامها بحزن ووجع، الأيام تتجمع بداخلها، فمهما حاولت التأقلم يأتي هو ويهدم كل شيء. مهما حاولت النظر له بنظرة أخرى جاء هو ومحى هذه النظرة.
دخل الغرفة، تدور عينه في أنحاء الغرفة حتى وقع نظره عليها. نظر لها قليلاً ثم اتجه إلى غرفة تغيير الملابس، أبدل ملابسه ثم خرج، رآها على نفس وضعيتها.
وقف أمامها وقال: "قومي نامي على السرير".
نظرت له بغضب: "ده أمر ولا طلب بقا؟"
أغمض عينه لتهدئة نفسه: "قومي يا زمرد نامي على السرير واتمسي".
نظرت له نظرة حادة: "أتمسي؟ هو أنت إيه يا أخي معندكش دم؟"
صرخ بها بصوت عالٍ: "زمرد".
ردت ومازالت على نبرتها: "تعرف أنا مش هتكلم وأقولك زهقت وقرفت والجواب باين من عنوانه، بس هقولك حاجة خليك فاكرها أوي. بكرة هتندم. أنت كبير عليا، وقادر عليا، بس أنت مش كبير على ربنا، ومتقدرش على ربنا. أنت قد كده قدام ربنا، وده في حد ذاته نصر ليا".
ألقت الكلام على مسمعه وانحنت على الأريكة في موضع النوم وأغمضت عينيها وهي تبتسم براحة. نعم، رأت في عينه نظرة لم ترها من قبل، نظرة توهان، عدم قدرة على التحدث. نعم، هذا انتصارها. أحياناً قلة الكلام تصبح انتصاراً.
تسطح على الفراش ومازال كلامها يدور برأسه، ظل يتقلب في السرير يميناً ويساراً، فهي ليست بجانبه وهو اعتاد عليها بجانبه دائماً.
في حركة سريعة وقف أمامها يتحسس نومها، فرأى ضربات قلبها منتظمة، فحملها بهدوء ووضعها على السرير، ثم طلع بجانبها، قبل رأسها واحتضنها بحنان، ومن ثم أغمض عينه وذهب في ثبات عميق.
صباح جديد. فتحت زمرد عينيها ببطء، أحست بشيء غريب بجانبها. نظرت حولها، رأت نفسها في حضن قاسم وعلى السرير. نظرت له نظرة غامضة تحمل معاني كثيرة، نظرة تتحدث وتقول: "لماذا؟ لماذا تفعل هكذا؟ لماذا تحارب من الجهتين؟" كل يوم يزيد تصميمها على معرفة ما به، فالإنسان لم يُخلق بوجهتين.
فتح عينه هو الآخر ونظر لها، فأول ما رأته: "جبتني هنا ليه؟"
نظر لها نظرة طويلة ثم قال: "علشان أنا مش هعرف أنام غير كده".
ردت باستغراب: "يعني إيه مش هتعرف تنام غير كده؟ إنت بتتعامل معايا بكام شخصية بالظبط؟"
قاسم بنبرة هادئة عكس الأمس تماماً: "شخصية واحدة بس، بتبقى فيه عوامل حواليكِ أحياناً بتأثر على الشخصية". ثم غير نبرته لنبرة سخرية قليلاً: "زي كده الزرعة الخضرة الحلوة لما عوامل البيئة تأثر فيها، أو زي القصر القديم اللي بان عليه عوامل الزمن. زي كده بالظبط".
فكت نفسها منه ببطء وهدوء وجلست على ركبتيها: "طب احكيلي، إيه العوامل دي؟ كل حاجة ليها حل. الزرعة دي ممكن نسقيها ونهتم بيها وترجع زي الأول وأحسن، والقصر ده ممكن نرممه من أول وجديد وهيرجع برضه زي الأول وأحسن".
نظر لها وقد بدا الماضي أمامه، فرد بوجه جامد: "الزرعة مش لازم تعيش، ممكن نهتم بيها وتكون هي ماتت، والقصر هتروح قيمته ومش هيرجع زي الأول".
أحست حزنه ويأسه في هذه اللحظة، لأول مرة تراه بهذه الحالة. حاوطت وجهه بيدها وقالت بحنان: "أنت مش الزرعة ومش القصر، أنت إنسان، طول ما فيك النفس لازم تعافر، لأنك لو معملتش كده مش هتتصنف من ضمن البشر. أنت ربنا ميزك بعقلك ليه مموته ليه؟ قاطع نفسك بإيدك وعايش زي الزرعة ولا القصر. دي حتى الزرعة بتتنفس وبتعافر وبتستنانا نهتم بيها، ليه عايش بحزنك؟ ليه واخد حزنك في كل موقف وكل مكان؟"
نظر لها وقد بدا عليه الحزن وقال بصوت عالٍ نسبياً: "لأني لوحدي، ملقتش اللي يقولي قوم وعيش حياتك، ملقتش اللي يخاف عليا، ملقتش غير أرف وفجر لحد ما بقيت زيهم".
نظرت له وقد تجمعت الدموع في عينها وقالت بنفس نبرة الحنان والحكمة: "كلنا لوحدنا في الدنيا دي، مين قالك إنك أنت اللي لوحدك؟ طب سؤال، أنت هتموت مع حد؟ حد هيبقا جنبك وأنت في قبرك وهيدافع عنك وهيتحاسب مكانك؟ أنت لوحدك بس اللي حواليك عوامل مساعدة مش أكتر على استمرار الحياة".
نعم، اقتنع بحديثها، فقال بهدوء: "وإنتي إيه في حياتي؟"
نظرت له نظرة حنان: "أنا العامل المساعد ده علشان تستمر حياتك".
احتضنها بقوة وهي أيضاً بادلته حضنه بحنان وحب، فأحس بجانبها بأنها أمه أكثر من كونها زوجته.
زمرد: "افتحلي قلبك واحكيلي، ممكن تحكيلي؟"
نظر لها قاسم وقد رجع فكره لماضيه ولوالدته ولوالده وكل الأحداث الكريهة في حياته، فرد بجمود: "لا".
زمرد بتعجب: "..."
رواية كفى عذابك الفصل السابع 7 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
زمرد: افتحلي قلبك واحكيلي، ممكن تحكيلي؟
نظر لها قاسم وقد عاد فكره لماضيه ولوالدته ووالده وكل الأحداث الكريهة في حياته، فرد بجمود:
لا.
نظرت له بخيبة أمل:
ليه.. ليه مصر على رأيك؟ مصر إني مليش أي قيمة في حياتك، ليه؟
رد بصوت يشوبه الوجع الممزوج بالحسرة:
لأنك ببساطة هتحتقريني أكتر ما انتي محتقراني حالاً.
أمسكت بيده وهي تقول بحب وصبر:
مين قالك كده؟ أنا مش بحتقرك، صدقيني. أنا نفسي أوصل لحل يرضينا كلنا، نفسي نعيش زي أي اتنين متجوزين، نفسي أحضرلك أكلك، لبسك، نفسي تشاركني كل اهتمامتك وأنا أشاركك كل اهتماماتي. مش كتير كل ده. بفكر كتير ليه اتجوزتني، بس مش عارفة أوصل لإجابة. أرجوك فهمني.
قاسم وقد بدأ يتعاطف مع حديثها ولكنه مصر على عدم مقدرته للقيام بذلك:
وأنا مش هقدر أديكي الحاجة القليلة دي، مش هقدر أبقى زي أي زوج، ولازم تتقبليني كده.
ردت وقد بدأ الغضب يتملك منها:
خلاص، أنت من طريقي وأنا من طريقي.
رد بنفس نبرته المتملكة:
مش هيحصل، طريقنا واحد.
زمرد وباتت الدموع تتجمع بعينيها:
متتقليش طريقنا واحد، لأنك معترف بكده. أنت ليك حياتك اللي كلها ألغاز، وأنا ليا حياتي اللي بحلم بيها من يوم ما فهمت يعني إيه حياة.
ومن ثم أشهرت أصبعها في وجهه:
عمري ما هتخلى عن أحلامي، عمري ما هتخلى إني أعيش حياتي اللي أنا راسمها لنفسي، حتى ولو كنت...
اندفعت في الحديث وكادت أن تفضح سرها، فأكمل حديثها:
حتى لو كنتي إيه؟
توترت ورددت بصوت خافت مرتعش:
حتى لو كنت.. لو كنت جوزي.
ظل ينظر لها ولدموعها المتجمعة والتي تحاول إخفائهم بصوتها وحديثها، فهو أيضاً بداخله يعترف بحبه لها ورغبته في العيش معها بهدوء، يعيش معها حياة طبيعية، ولكنه لا يريد فتح قلبه والإفصاح عما به.
أكملت حديثها ولكن بصوت قوي:
لآخر مرة هقولك طلقني.. بالذوق، لأن بعد كده مش هسكت وهطلق.
عند سماعه لهذه الكلمة غضب وكأن عفاريت الدنيا أمامه:
مش هطلقك يا زمرد، واعملي اللي عندك.
ردت وقد بدأ الغضب يتملك منها أكثر واندفعت تجاهه:
لكمة في صدره:
خلي عندك رحمة بقى.. لكمة أخرى، خلي عندك دم. بقولك مش عايزة أعيش معاك، بكرهك يا أخي بقى، سيبني في حالي.
تركها تخرج كل ما بقلبها، ولكنه لا يستطيع الاستغناء عنها.
هدأت بعد فترة وقالت له بصوت هادئ حزين:
اطلع بره.
ترك الغرفة وصفع الباب بقوة. أما هي فارتمت على السرير تبكي بقوة وقهر على أيامها التي تعيشها معه، ورددت بصوت يملؤه الحزن:
هطلق منك يا قاسم، هطلق. مادام مصمم على رأيك كده وعايزنا نكمل على الوضع ده، استحالة أقبل بكده، استحالة.
تمر الأيام وهو لا يأتي إلى البيت، وهي تفكر كيف ستطلق منه، ولكنه شغل تفكيرها. أين هو؟ لما لا يأتي إلى البيت منذ أسبوع؟ ولكنها حاولت إشغال نفسها في أي شيء بعيداً عنه.
كانت جالسة تفكر ماذا ستفعل، فهي بالفعل أخذت قرار الطلاق بلا رجعة، ولو كانت تحبه. فالحب أحياناً يصبح نقمة في حياة الإنسان عندما يكون أخذاً بلا عطاء.
زمرد لنفسها:
لازم أرفع قضية خلع، حتى لو بحبك يا قاسم، بس أنا مش هقدر أعيش كده معاك.
فكرت قليلاً ثم أخذت هاتفها واتصلت على زميلة لها:
الو يا ياسمين.
أيوة يا حبيبتي، عاملة إيه؟ فينك؟
أنا أهو، الحمد لله بخير يا حبيبتي، كنت بقولك عايزة خدمة منك.
اتفضلي يا حبيبتي، تأمري.
عايزة محامي شاطر كده.
ليه؟ خير يا حبيبتي.
زمرد وقد أغمضت عينيها بقوة وأخذت نفس قوي وأخرجته:
عايزة أرفع قضية خلع.
ليه يا زمرد؟ إيه اللي حصل؟
هبقى أحكيلك لما أشوفك. المهم هقابلك بكرة في كافيه ٠٠ تكوني شفتيلي حد كويس.
ماشي، مع إني مش فاهمة في إيه.
ربنا يخليكي يا ياسمين، شكراً تعبتك معايا.
لا يا حبيبتي، ولا تعب ولا حاجة.
***
في شركة قاسم، وبخاصة من داخل مكتبه:
يا بني ارجع، حرام عليك، بقالك أسبوع في القوقعة دي.
قاسم ببرود:
انت مالك يا أخي، امشِ وسيبني في حالي.
كريم بتصميم:
يعني بذمتك موحشتكش؟
قاسم من وراء قلبه:
ليه يعني؟ ده أسبوع، هتوحشني فيهم ليه؟
كريم:
لو عايز تضحك، متضحكش عليا. أنا فاهمك وفاهم كل اللي بيدور في دماغك. أنت بتحبها لدرجة خايف تقولها اللي جواك... بس أنت غلطان. لو أنت بتحبها بجد وشايف فيها كل حاجة، كنت حكيتلها على الأقل... كنت شفت ردة فعلها. لكن أنت قاعد تتحامى في ضربك وزعيقك وخلاص.
أغمض قاسم عينيه بقوة وغضب ورد بصوت عالٍ:
اطلع بره يا كريم، متخلينيش أخسرك. اطلع بره أحسنلك.
كريم:
يا بني افهمني، صدقني مش هتستحمل كل ده. وطلبها للطلاق صح جداً، مغلطتش.
في لحظة رأى كل ما على المكتب في الأرض وأمسكه من ياقة قميصه بغضب:
مش هطلقها يا كريم، وهفضل كده، ولو سمعتك بتتكلم معايا في الموضوع ده تاني، صدقني مش هفتكر أي حاجة من صحوبيتنا.
نظر له كريم بغضب، خرج وصفع الباب خلفه. أما هو جلس على أقرب كرسي ينهج بصوت عالٍ وإصابعه تتخلل بداخله شعره، يكاد يخرجها من جذورها.
...
في صباح الغد، استيقظت زمرد وهي عازمة على خطوتها التي اتخذتها. ارتدت ثيابها وخرجت إلى وجهتها.
في المطعم... تجلس تنتظر صديقتها والمحامي. تدقق النظر على الباب بتوتر وقلق من فعلتها، ولكنها عزمت على ذلك ولا تتراجع فيه. رأت ياسمين تدخل ووراءها المحامي. بعد التعارف والسلام، جلسوا على الطاولة وبدأوا في الحديث.
المحامي:
سمعت أن حضرتك عايزة ترفعي قضية خلع.
زمرد بتوتر:
آه، عايزة أطلق.
المحامي:
ينفع أعرف إيه أسبابك علشان تساعدنا في القضية؟
زمرد:
يعني مش مرتاحة معاه، ودايماً في مشاكل مع بعض، وهو مش راضي يطلق.
المحامي:
يمكن عنده ضغوط، مادام مش عايز يطلق يبقى متمسك بيكي.
ابتسمت بسخرية:
لا، مفيش أي حاجة من دي. ده عندي بس مش أكتر، وأنا أخذت قراري، أنا هرفع القضية.
المحامي:
زي ما حضرتك عايزة، من بكرة هرفع القضية.
وظلوا يتحدثون في أمور الطلاق. وطوال الجلسة زمرد تشعر بالذنب والتوتر.
خرجت زمرد من الكافيه لا تدري أ تذهب إلى بيتها أم بيته، ولكنها قررت الذهاب إلى بيته إلى أن يعرف بأمر الطلاق.
دخلت من باب الغرفة، رأت النائم على السرير بكل أريحية وكأنه لم يحدث شيء من قبل. ولكن من قال بأنه نائم؟ فهو نائم يتوعد لخروجها بدون علمه. دخلت الغرفة بهدوء وهي تسير على أطراف أصابعها، وإذا فجأة سمعت صوته يقول:
ده على أساس إني مش سامع يعني.
فزعت من دخوله المفاجئ وردت بقوة زائفة:
ميهمنيش تسمع أو لأ، عادي، أنا حرة.
فجأة رأته قفز من على السرير ووقف أمامها وهو يقول بغضب:
يعني إيه ميهمنيش؟ ويعني إيه حرة؟
ردت وهي تنظر في اتجاه غير عينيه:
زي ما سمعت كده، أنا حرة.
ضحك بسخرية:
وده من إيه؟ وإنتي وأنا ليا حكم عليكي؟
ضحكت هي الأخرى بسخرية:
ده كان زمان، حالاً ملكش حكم عليا.
أمسكها من معصمها بقوة:
متستفزينيش علشان متزعليش مني.
نظرت له بتحدي:
وأنا ميهمنيش، مش قولتلك هخلص منك قريب أوي أوي؟ مش هيكون ليك أي مكان في حياتي، هتبقى صفحة واتقفلت.. لا، مش اتقفلت، هحرقها خالص ومش عايزة أفتكر فيها أي حاجة.
أصبحت عينه حمراء تتطاير منها الغضب وقال بغضب وصوت عالٍ:
أنت فكرك تقدر تعملي حاجة؟ أنا قاسم داود، وكلمتي هي اللي هتمشي غصبن عنك وعن أي حد.
نظرت له ببرود:
هعمل كتير يا قاسم، وبكرة تشوف.
ومن ثم فكت وثاقها منه وخرجت من الغرفة. أما هو فجلس على السرير وشياطين الدنيا تدور حوله.
اليوم الثاني.. ذهب مبكراً إلى عمله بعد الاطمئنان على وجودها في البيت وتشديد على عدم خروجها.
في مكتبه يجلس وكلامها يتردد في أذنه، فقال بغضب:
مش هسيبك يا زمرد، مش هتقدري تخلصي مني.
دخلت السكرتيرة عليه وهي تقول:
الظرف ده مبعوت لحضرتك من محامي اسمه خالد عزام.
أخذه منها وقال:
روحي انتي.
خرجت من المكتب، أما هو فتح الظرف ورأى ما جعله يريد أن يهدم الدنيا. طلب زمرد الطلاق منه. مزق الورقة وقام من مكانه بسرعة:
بترفعي عليا قضية خلع يا زمرد؟ أنا هوريكي.
وخرج بسرعة من المكتب، قابل كريم:
رايح فين يا قاسم؟ الاجتماع هيبدأ.
قال وهو يسير بسرعة:
ألغِ أي زفت حالا.
ركب سيارته وانطلق تجاه القصر.
في غرفة زمرد:
زمرد: أنا بقولك أنت يا أحمد علشان هتفهمني، أنا مش قادرة أعيش كده، مخنوقة.
أحمد وهو يحاول تهدئتها:
متخافيش، طول ما أنا موجود، أنا أخوكي وهقدر أحميكي منه بأي شكل وأي طريقة.
زمرد بامتنان:
ربنا يخليك يا حبيبي، وميحرمنيش منك. بجد أنت نعمة كبيرة في حياتي.
في لحظة رأت الباب يفتح على مصراعيه ورأت الشرارات التي تنطلق من عينيه كأنها براكين ملتهبة.
رواية كفى عذابك الفصل الثامن 8 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
في لحظة رأت الباب يفتح على مصراعيه ويدخل قاسم، الذي تنطلق من عينيه شرارات تكاد تحرق الأخضر واليابس.
فزعت من دخوله المفاجئ، وزاد فزعها عندما رأت وجهه وعلامات الغضب الموجودة عليه.
قاسم: رافعة عليا قضية خلع، عايزة تطلقي مني؟ فاكرة إن كده بتلوي دراعي و بتهدديني؟
زمرد وقد استجمعت شجاعتها: آه، رفعت قضية خلع عشان انت مش عايز تطلقني بالذوق، ومش لوي دراع. أظن أنا مش مهمة في حياتك عشان مش موافق تطلقني.
أغمض عينيه رافضًا الحديث التي تتحدث به: وانتِ فاكرة إنك هتقدري تطلقي عشان رفعتِ قضية خلع؟
زمرد: آه أقدر، عشان أنا زهقت.
أمسكها قاسم من ذراعها بقوة، وعينيه أصبحت حمراء كالدم: مافيش طلاق يا زمرد، الكلمة دي مش عايز أسمعها تاني، وإلا هتشوفي مني وش مش هيعجبك.
زمرد وهي ترفض الحديث التي تفوه به وهي تهز رأسها بقوة: لا لا، أنا مش هعيش معاك كده. انت مريض، لازم تتعالج. أنت مبتحبنيش عشان تتمسك بيا كده، انت عايز تملكني وبس. لا، هطلق.
قاسم بصوت عالٍ: أيوه، أنا مريض، مريض يا زمرد، ومش هسيبك.
زمرد بنفس نبرة الغضب: ليه؟ انت إيه؟ قولي إيه مخليك متمسك بيا كده؟ سيبني في حالي بقى.
قاسم: انتِ ليه مصممة تتتعبي نفسك على الفاضي؟ إيه اللي تاعبك وأنتي معايا؟ غيرك يتمنى يبقوا معايا وقاعدين في مكانك.
ضحكت زمرد بسخرية: اللي يقبل يعيش معاك يبقى معدوم الكرامة. عشان إيه؟ فلوس؟ تغور الفلوس، ولا عشان انت قاسم داوود؟ كل ده ميفرقش معايا. أنا كل اللي كنت عايزاه حياة بسيطة أعيش فيها مع راجل يحبني، بيت هادي وعايشين عيشة طبيعية.
قاسم: وإيه المشكلة في عيشتنا؟
زمرد: المشكلة إن مفيش بينا أي حاجة تدل على إننا متجوزين أصلًا، وخاصة انت. أنا من أول يوم وكنت بتعامل كزوجة عادية، لكن شوفت وشك الحقيقي من أول يوم.
قاسم وقد حن قلبه عليها وعلى كل ما تريده، ولكن هو بالفعل ضعيف، هو من يضع نفسه في هذا الموقف الصعب. ما الخطأ في أن يعيشوا حياة طبيعية كأي زوجين؟ ما المشكلة في ذلك؟
أغمض عينيه بقوة ثم فتحها وقال بهدوء: طب انتي عايزة إيه يا زمرد؟
زمرد والدماء قد بدأت تتجمع في عينيها: أنا... أنا كل اللي كنت عايزاه نعيش مبسوطين. أنا مبكرهكش أبدًا وبتمنى أن نعيش بجد وتنسى أي حاجة مزعلاك. كنت فاكرة إني أقدر أغيرك أو على الأقل أشاركك أحزانك، مكنش كل ده حصل. بس انت مش موافق بكده، ولا موافق نطلق. أنا مش بطلب منك الطلاق عشان أنا بدلع، ولا عشان ست عايزة تهدم بيتها. أنا بطلب منك الطلاق عشان يرضينا كلنا، سواء أنا أو انت.
قاسم بصوت هادئ وقد تأثر بكلامها بالفعل، وحاوط وجهها بيده: وأنا ميرضينيش إننا نطلق يا زمرد. عشان أنا مقدرش أعيش من غيرك. أنا مليش غيرك في الدنيا دي كلها. انتي كل حاجة في حياتي ومش هسيبك أبدًا، لأنك انتي حياتي. الوحيدة اللي مستحملاني في الدنيا دي بقرفي وبهمي وبكل ما فيا. متجيش تطلبي الحل الأصعب ليا.
زمرد وقد نظرت له بعينيها المليئة بالدموع تتفحص وجهه بدقة تنتظر المزيد من الحديث.
أكمل حديثه: أنا عارف إني غلط، عارف إنه صعب أتعاشر، بس مفيش حد في الدنيا عاملني زي ما انتي عملتيني، ومفيش حد استحملني زي ما انتي استحملتيني. أنا نفسي أتغير، مش عشان نفسي، عشانك انتي.
زمرد وقد بدأت تحن لكلماته: أنا معاك طول ما انت عايز تتغير، طول ما انت مقبل على الحياة وعايز تعيشها بكل ما فيها، بس لو اخترت الحل الأسهل... مش هقدر يبقى ليا مكان معاك.
قاسم: وأنا اخترت الحل.
سكت قليلاً ينظر في عينيها الرمادية الذي تحثه على الحديث المناسب.
اخترت الحل اللي هتكوني معايا فيه، مهما كلفني تعب، بس انتي معايا يا زمرد، صح؟ انتي معايا ومش هتطلبي الطلاق.
زمرد وقد أدمعت عينيها من حديثه: أنا معاك طالما انت بتحاول، معاك وهنتخطى ده سوا مع بعض.
احتضنها بقوة وهو يغمض عينيه دلالة على راحته، يشم رائحتها كأنها النفس الذي يتنفسه، كأنها الدنيا وما فيها.
بعد مدة ليست قصيرة من حضنه لها، خرجت زمرد من حضنه بهدوء وقد بات الخجل يتخللها عندما رأت نظراته على وجهها، فلأول مرة ينظر لوجهها بتمعن كأنه يتفقده لأول مرة.
أرادت زمرد الهروب من أمامه فقالت بتوتر: بما إننا هنفتح صفحة جديدة، فلازم أعملك الغدا النهارده من إيدي.
وجاءت أن تخرج بسرعة إلا أنه أمسكها من يدها وهو يقول: لأ.
زمرد بتوتر: ليه؟ انت أكلت قبل ما تيجي؟
قاسم وهو مازال ينظر لخلجات وجهها المرتعشة: أنا عايز حاجة تانية.
زمرد: إيه؟
اقترب قاسم من وجهها ببطء إلى أن وصل إلى شفتيها، رآها مغمضة عينيها بقوة، وضع يده على خصرها وهو يقول بصوت حنون: متخافيش يا زمرد، أنا مش هعمل أي حاجة غصب عنك بعد كده.
زمرد بتوتر: هو... هو...
وضع إصبعه على شفتيها: أنا عارف انتي حاسة بيه، ومقدر كده.
زمرد: أنا عايزة نبدأ صح المرة دي، واحنا مطمنين، وبالأصح وأنا مطمنة إنك مش هتجرحني تاني.
قاسم: أنا بس عايز أقولك خليكي معايا. لو في يوم رجعت تاني، مش سهل إني أتغير بسرعة، بس طول ما انتي معايا، سهل إني أرجع وأبقى أحسن من الأول.
حاوطت وجهه بحنان وقالت: وأنا طول ما انت بتحاول، أنا معاك وفي ضهرك.
احتضنها بقوة وهو يخبئ وجهه في شعرها، وبحمد الله ألف مرة على هذه النعمة الثمينة التي رزقه بها الله، نجده له من الواقع الأليم التي يعيشه.
................................................................................
في صباح يوم جديد مفعم بالأمل الجديد، تأتي فيه الشمس ضاحكة على الفرصة الجديدة التي في يومها.
تفتح بطلتنا عينيها تنظر حولها وهي تحاول أن تستوعب الوضع، فرأت رأسه على صدرها ويده محاوطة خصرها وكأنه سيفقدها.
ابتسمت بحنان وهي تضع يدها في شعره تمسد عليه براحة، وتتذكر الكلام الذي ظل طوال الليل يقوله بأنه سيتغير ويحاول من أجلها، ولكن يجب أن تبقى معه.
فاقت من شرودها على صوته وهو يقول بنعاس: ده أحلى صبح في حياتي، ولا إيه؟
انتبهت لحديثه، ومن ثم ابتسمت: ليه بقا؟
قاسم وقد زاد من احتضانها وقال: أولًا، صاحي على وش يحسسك إن الدنيا بخير، إن أنا في أمان، رغم إن اللي المفروض يحس بالأمان انتي، وانتي معايا، بس أنا حاسس عكس كده.
زمرد: ومين قالك إن مش بحس بالأمان معاك؟ بس لما بتتعصب بخاف منك أوي، وفي نفس الوقت قلبي كان بيقولي إنك شخص كويس، إنك بتطلع ضيقتك دي في عصبيتك وغضبك.
نظر لها نظرات امتنان: مش عارف إزاي كنت كده معاكي، مش عارف إزاي استغليت طيبتك لصالحي بالشكل ده.
مسحت دمعة كادت أن تسقط من عينها وقالت بحنان: خلاص، إحنا قفلنا الصفحة دي وهنبدأ صفحة جديدة. انت بتحاول وأنا هحاول وهنوصل مع بعض.
قبلها من جبينها وهو يقول بصوت مليء بالحب والامتنان: هحاول عشانك انتي. انتي اللي تستحقي إن أحاول عشانها في الدنيا دي.
زمرد: يلا بقا، أعملك أحلى فطار من إيديا.
قاسم: يلا.
.........................
يجلس على مكتبه، ولأول مرة في حياته يمتلك الأمل. نعم، يمتلك الأمل والحنان الذي افتقده من قبل، الذي هو عقدة حياته من الأساس.
يبتسم على حنيتها البالغة ووقوفها بجانبه وعدم تركها له رغم ما فعله بها من البداية.
قطع عليه تفكيره صديقه كريم.
كريم: أنا مش مصدق نفسي، قاسم بيضحك؟ لالا، انت سخن.
نظر له قاسم بازدراء بعد أن رجع الواقع: تصدق يالا، أنا هقوم أضربك حالا.
كريم: اضربني يا عم، بس أشوفك بتضحك كده. ثم أكمل وهو يغمز له: إلا قوللي، هي رضيت عنك ولا إيه؟
قاسم: انت مالك يالا.
كريم بمراوغة: يا باشا، ده أنا حافظك أكتر من نفسي. فاكر إني مش عارف إيه أكتر حاجة بتفرحك؟ رغم إنك مبتبينش، بس أنا عارف.
قاسم سرح في جمالها وحنانها عليه، وكأنها... كأنها أمه، والتي هي عقدة حياته في الواقع.
فهم كريم ما يدور في عقله فقال: سامح عشان تنسى، لأنك لو مسمحتش مش هتنسى أبدًا وهتفضل تأذي اللي حواليك، وأولهم زمرد.
نظر له قاسم وقد بدأت تعود لذاكرته ذكريات أليمة، يحاول أن يتلاشاها ولكن عقله رافض كل ذلك، رافض النسيان، ومحكوم عليه فقط بالوجع.
فنظر لكريم وقال بحزن أليم: ومين قالك إن مش عايز أنسى؟ مين قالك إني مش نفسي أعيش من غير عقدة تسود عليا حياتي وتخليني أذي الناس اللي بحبها؟
تردد كريم في قول ذلك: قاسم، انت لازم تروح دكتور نفسي عشان تقدر تكمل حياتك صح.
رد عليه قاسم: أنا بالفعل بدأت أتابع مع دكتور نفسي، وكل ده عشان ما أأذي الناس اللي بحبها.
كريم: زي زمرد مثلا؟
قاسم: انت النهارده جاي مزاجك رايق، قاعد تتكلم. روح شوف شغلك.
كريم: متعترف إن عشانها؟ مش حرام؟
قاسم: آه، عشانها يا كريم، عشانها هعمل أي حاجة عشان تكون سعيدة وأعوض الأيام اللي ضيعتها معاها.
ابتسم كريم وقال: ياااه، الحب حلو كده.
ابتسم قاسم بدوره وهو يقول: حلو يا خويا، حلو.
تجلس زمرد تشاهد التلفاز بعد أن قامت بتحضير الغداء. تشعر بملل وتريد أن تحدثه لتذهب لترى أهلها، ولكنها مترددة وخائفة من رده، ولكنها حسمت رأيها بأنها ستحدثه.
زمرد وهي تحدث نفسها: هقوله، هو مش هيقولي حاجة، هو اتغير معايا وهيوافق، مش هيخذلني.
أخذت هاتفها وطلبت رقمه وانتظرت الرد.
: الو.
زمرد: أيوه يا قاسم.
ابتسم قاسم على ترديدها لاسمه، فهي لأول مرة تناديه باسمه: أنا اسمي حلو أوي كده؟
ابتسمت زمرد بخجل وحاولت تغيير الموضوع: كنت عايزة أطلب منك حاجة.
قاسم بحب: اطلبي اللي نفسك فيه.
زمرد بتردد: كنت عايزة أروح أشوف أهلي، يعني أعد معاهم حبة، عشان أنا زهقانة.
تردد قاسم في موضوع ذهابها، ليس لسبب سوى ذلك الشخص الذي يمقتنه، أحمد، فهو يغار عليها حتى ولو كان أخاها، ولكنه لا يستطيع اليوم أن يخذلها ويقول لها لا.
ماشي، بس متتأخريش. هبعت معاكي السواق يوديكي ويجيبك. وأحمد ده مالكيش علاقة بيه.
زمرد وهي تحاول أن تفهمه علاقتها بأحمد: قاسم، هو أخويا والله، وعشرة عمر مع بعض. مينفعش مكلموش، وكمان أنا بحبه.
يااااااا لهذه الوقعة التي أوقعت نفسها بها! لماذا ألقت الزيت على النيران؟
قاسم غضب: نعم ياختي....
رواية كفى عذابك الفصل التاسع 9 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
نعم يختي، بتحبي مين؟
زمرده بتعجب من عصبيته المفرطه: إيه المشكلة؟ هو فيه حد بيكره أخوه؟ أنا مش فاهمه، فيه إيه؟
قاسم وقد هدأ من غضبه قليلا: زمرد، أنا مش عايز أسمع كلمة بحبك لأي حد ذكر، إنتي فاهمه؟ أخوكي، بقا أبوكي، عمك، مش عايز أسمعها.
زمرد وضعت يدها في خصرها وهي تقول: يعني إيه مقولش كلمة بحبك لحد؟ أمرك غريب أوي صحيح. وبعدين لو مقولتش لأبويا وأخويا إني بحبهم، هقولها لمين؟
قاسم بمراوغة: وبالنسبة لجوزك، ملوش الكلمة دي.
خجلت زمرد وحاولت أن تضيع الحديث: المهم، أنا هروح عند ماما كمان حبة، ماشي.
تفهم قاسم خجلها: ماشي يا زمرد، وزي ما فهمتك، مفيش كلام مع أحمد ده.
زمرد وهى تحاول أن تنهى الحديث بسلام حتى لا يرفض ذهابها: وهي تود الذهاب.
ذهبت زمرد إلى عائلتها، فهي تشتاق إليهم دائماً، فهم خير العائلة بحق.
دقت جرس الباب بقوة وهي مشتاقة لرؤية والدتها وأختها وأبيها.
فتحت دهب الباب.
دهب بفرحة عارمة: زمرد جت، جت!
أخذتها زمرد بأحضانها وهي تشم رائحتها، وهي تهمس بصوت ملئ بالاشتياق: وحشتيني أوي يا دودو.
دهب بحب: وإنتي يا زمرد، وحشتيني أوي.
ومن ثم ظلت دهب تنادي على والدتها: يا ماما، بابا، زمرد جت، زمرد جت!
هرولت والدتها إلى الخارج، وأول ما رأت ابنتها قالت بلهفة: زمرد حبيبتي.
زمرد بلهفة: ماما، وحشتيني أوي.
احتضنتها والدتها بحنان وحب وهي تقول: البيت وحش من غيرك يا حبيبتي.
أغمضت زمرد عينيها بقوة وهي تحاول التخلص من الأيام المرة التي مرت بها: أنا موجودة أهو يا ماما، مش هتطول الغيبة دي تاني أبداً.
فقالت والدتها بسعادة: ده إنتي أمك داعيالك يا زمرد. عاملة النهاردة بط ومحشي، إنما إيه، هتاكلي صوابعك وراه.
زمرد: الله الله! هو من حيث أمي داعيالي، فهي داعيالي أوي.
والدتها: طب يالا يا حبيبتي، اقعدي وأنا هحضر الأكل عقبال ما أبوكي ييجي من الصلاة. آه، وبالمرة خلي دهب تروح تنادي للولد أحمد، إنتي عارفاه بيموت في البط.
زمرد بابتسامة وهي تتذكر أيام زمان عندما كانت تذهب له ليأكل الطعام معهم، وخاصا إذا وجد البط.
زمرد: طب أنا هروح أنادي له عشان وحشني أبو حميد.
والدتها: طب يالا روحي ناديه بسرعة عقبال ما أحضر الأكل.
يجلس في مكتبه يتفحص الأوراق التي أمامه، وعقله يشرد فيما حدث بينهم والفرصة التي أعطتها له.
يتخيل كيف ستكون حياتهم معاً بعد ذلك، من دون ضغط عليها وعدم مبالاة.
دخل عليه كريم، ففاق قاسم من شروده، ونظر لكريم بغضب: يابني، هو الباب ده معمول مش عشان تخبط عليه؟
كريم بسخط: شوف، إنت دايماً ظالمني. أنا قعدت أخبط ومردتش. ثم غير نبرته لمراوغة: مين اللي واخد عقلك يا جميل؟
نظر له قاسم بازدراء: هتفضل طول عمرك كلامك زبالة.
كريم: زمرد اللي واخدة عقلك، اعترف كده وقول إنك وقعت.
نظر قاسم في الفراغ وهو يبتسم، ثم قال: أنا واقع من زمان أصلاً.
صفق كريم وهو يقول: أوباااا بقا يا باشا، ما إنت زينا أهو، بتحب وعندك مشاعر. أومال فالح بس تقول حب إيه وبتاع إيه.
نظر له قاسم نظرة قاتمة، ثم قال: اطلع بره يالا، أحسن أقوملك.
كريم: إهدى يا عم، بس كده. هطلع. بس قول لي صحيح، إيه شعورها من ناحيتك؟
أخذ قاسم قلماً أمامه وحدفه به وهو يقول: اطلع بره.
ضحك كريم بسماجة: طيب، طيب، متزوقش.
جاء أحمد وزمرد بعد أن ذهبت له ليتغدى معهم.
فتح لهم والدها وهو يقول: حبيبتي يا زمرد. وأخذها في حضنه وهي تقول له: وانت يا بابا، وحشتني أوي. إنت عامل إيه؟
والدها: كويس يا حبيبتي، طول ما إنتي كويسة.
زمرد: أنا كويسة، الحمد لله.
جاءت والدتهم من خلفهم وهي تقول: يالا ادخلوا، أنا جهزت الغدا.
أحمد: ياااه، مستني أنا الأكلة دي من زمان أوي.
ضحكت زمرد: بتموت في الأكل، وياريت باين عليك حاجة. لا وكمان عامل عضلات. بتعمل كل ده إمتى يا بني؟
ضحك أحمد بتكبر: يابنتي، دي قدرات، مش أي حد بيعرف يعملها.
زمرد: ماشي يا أبو قدرات. يالا نروح نقضي على البط والمحشي ده.
جلسوا على طاولة الطعام في جو عائلي يملئه الدفء والحب. نظرت زمرد حولها، فهذا الجو الذي كانت تريد أن تفعله في بيتها، تجلس معه على طاولة الطعام، يأكلون ويتثامروا، يحكي لها يومه وتحكي له يومها. ولكنها ضحت بكل ذلك من أجل حبها له، تحملت الكثير وستتحمل أكثر حتى ترى من خفق له قلبها كيف سيصبح بعد وعده لها.
بعد الغداء، قاموا بالتحلية وجلسوا يشاهدون التلفاز وهم يضحكون ويتثامرون.
مر الوقت سريعاً وجاء وقت الذهاب.
والدتها: ابقي تعالي على طول يا زمرد، متطوليش الغيبة علينا.
زمرد: حاضر يا ماما، والله.
والدتها: وسلميلي على قاسم أوي.
زمرد: الله يسلمك يا حبيبتي.
أحمد: تعالي أوصلك بقا، يالا.
زمرد: لا لا، أنا هكلم السواق ييجي ياخدني حالا، متتعبش نفسك انت.
أحمد: ماشي يا عم، سواق بقا وعربيات.
ضحكت زمرد: يا شيخ اسكت.
وصلت زمرد القصر، دخلت وهي بداخلها أمل جديد تريد أن تعيشه معه، حب وحنان، تريد أن تغمره.
أضاءت نور المكتب، فاتجهت ناحية المكتب وفتحت الباب وهي تقول: أنا جيت.
رفع رأسه عن اللابتوب، فابتسم أول ما رآها: تعالي.
اتجهت ناحيته وهي تقول: اتأخرت عليك.
قاسم: اتأخرتي أوي.
زمرد بتعجب: إزاي؟ أنا جايه بدري.
قام قاسم من مكانه واتجه ناحيتها ولف يده حول خصرها: لما بدخل البيت ومش بلاقيكي، بحس أن الدنيا فاضية عليا.
ابتسمت زمرد ووضعت يدها حول رقبته: بجد؟
ابتسم لها بحب وحنان: بجد. سكت قليلاً ثم قال بأسف: زمرد، إنتي ملجأي وبيتي وحياتي. أنا قسيت عليك ودخلتك في دايرة مش بتاعتك، ومكنش ينفع تبقي فيها. علشان كده بقولك، أنا آسف. آسف يا زمرد على كل حاجة وحشة عملتها فيكي.
تعجبت زمرد، قاسم القاسي يعتذر ويتأسف حقاً. فردت بتوتر: أنا قابلاَك بعيوبك، بس لازم تتكلم معايا وتفهمني كل اللي في قلبك، يمكن أقدر أساعدك.
شرد أمامه ولم يعقب على كلامها، ففهمت مقصده وقالت بحنان وهي تحاوط يدها على وجهه: أنا مش هضغط عليك وأجبرك تقول لي حاجة، بس خليك دايماً عارف إني هفضل جنبك طول ما إنت عايز تبقى أحسن، طول ما إنت بتحاول توصل لبر الأمان، حتى لو موصلتش، بس إنت بتحاول.
استمع إلى كلامها وحنيتها المفرطة تجعله يندم الآلاف المرات على أفعاله السابقة. احتضنها بقوة وهو يدفن رأسه في عنقها، كأنه يهرب من العالم ومن أفكاره ومن كل شيء.
ظلت تربت على ظهره بحنان وحب، وهي مبتسمة، آماله في حياة أفضل.
في صباح يوم جديد، تستيقظ زمرد بحماس.
زمرد وهي تنظر لقاسم النائم: عسل يا ناس.
ابتسم قاسم وهو مغمض عينيه: منا عارف إني عسل.
فزعت زمرد عندما سمعت حديثه: إيه ده؟ إنت صاحي؟
فتح عينيه والتقطها من خصرها حتى أصبحت فوقه. نظرت له بخجل شديد وهي تقول: قاسم، عيب كده.
نظر بتعجب: عيب إزاي؟ إنتي مراتي يا زمرد.
ردت بخجل وهي تتحاشى النظر لعينيه: عارفة، بس بتكسف.
نظر في عينيها بعمق، فكم مرة أخذها غصباً، وكانت تحاول معه بشتى الطرق بالصراخ والكلام، وهو لم يبالي. ولم تضيع براءتها وكأنها طفلة إلى الآن.
قالت زمرد وهي تحاول القيام من فوقه: هقوم أعملك الفطار.
أحكم يده على خصرها وقال: متعمليش أي حاجة، هما تحت.
زمرد: مش نفسك تاكل حاجة من إيدي، ولا إيه؟
قَبّلها يدها: نفسي طبعاً، بس أنا مش عايز أتعبك، ارتاحي إنتي وأنا هكلمهم يجيبوا الفطار هنا.
زمرد: لا، هنزل أعمل الفطار وناكل تحت في الجنينة، إيه رأيك؟ أنا بحب أوي أقعد في الأماكن المفتوحة، وخاصا وسط الزرع والخضرة.
قاسم: خلاص، اللي يعجبك.
قفزت زمرد من فوقه: حيث كده بقا، هنزل أعملك أحلى فطار.
ابتسم قاسم وهو يقول: يالا يا شيف زمرد.
في جنينة المنزل.
تجلس زمرد وبجانبها قاسم، أمامهما طاولة صغيرة عليها طعام الإفطار والفاكهة الطازجة.
يضع قاسم الفراولة في فم زمرد.
زمرد بخجل: خلاص يا قاسم، كل انت. أنا باكل أهو.
ابتسم قاسم على خجلها: منا باكل أهو.
زمرد وهي تضيق ما بين حاجبيها: بتاكل فعلاً؟ إنت من ساعتها قاعد تأكلني، وبعدين أنا مش عايزة أتخن.
نظر على جسدها نظرة متفحصة: تتخني مين يا زمرد؟ إنتي رفيعة أوي أصلاً.
زمرد: قصدك إيه؟ إني أنا وحشة؟
حاوطها من خصرها: إنتي أجمل ست شوفتها في حياتي، بس قصدي إنك مش محتاجة تخسي أكتر من كده. جسمك حلو، كمان لو تخنتي شوية مفيش مشكلة، هتبقي أجمل وأجمل.
خجلت زمرد من كلامه ومن تذكرت كلامه السابق بأنها ليست جميلة، فنظر لعينيه بإستفهام وقال: مالك؟ عينك فيها حزن كده ليه؟
نظرت له وقالت: إنت بتضحك عليا صح؟ لأنك قولت لي قبل كده إني مش جميلة، وإني إنت شوفت بنات أحسن مني بكتير.
حاوط وجهها بحنان وقال: وأنا فاكر بردوا إني قولتلك بعدها إني بحب أضايقك بس، لكن إنتي جميلة من جوه وبره يا زمرد، وده صعب تلاقيه في أي إنسان في الوقت ده.
دمعت عينيها وهي تستمع إلى كلامه، فقال بحنان: مش عايز أشوف دموعك دي تاني يا زمرد. أنا عارف إني كنت قاسي عليكِ أوي، بس صدقيني، غصب عني.
حاوطت وجهه أيضاً وقالت بحنان وحب: خلاص، أنا نسيت الأيام الوحشة دي، وهنعمل مع بعض أيام جميلة، صح يا قاسم؟
ابتسم بحب: صح يا قلب قاسم.
تركته، ثم أخذت توست ووضعت عليه المربى ووضعته أمام فمه: يالا كل بقا دي واشرب قهوتك علشان متتأخرش على الشغل.
فأكل منها وقلبه في أقصى سعادة، فهو لم يعش هذه السعادة من قبل، والحياة الوردية الهادئة، لم يعش الحنان والحب هكذا، ولكن ستسطر حروف جديدة باسم الحب بجانبها.
يجلس في مكتبه يحاول إنهاء شغله سريعاً ليذهب إليها ويأخذها في أحضانه، فقد اشتاق إليها كثيراً.
دخل كريم مكتبه، ولكن على وجهه قلق غريب، ليس كعادته.
نظر له قاسم بتعجب: مالك يا بني؟
نطق كريم بقلق: قاسم، بص والله أنا مكنتش عايز أجيب سيرة الموضوع ده، بس...
قاسم بتأهب: بس إيه؟ انطق يابني.
كريم: أمك...
اشتعلت عين قاسم بالغضب عند سماعه اسمها: انطق يا كريم، علشان مهدش الدنيا حالا.
كريم: خدت جرعة بودرة كبيرة، وهي في العناية المركزة حالا.
نظر له قاسم وكأنه لم يسمع شيئاً: وبعدين؟
كريم يعلم ما في قلب صاحبه، فأكمل حديثه: يعني كمان بعدها كانت في وضع مخل مع حد من اللي دايماً معاهم، وبعدها حصل اللي حصل ده، وهي حالا بين الحياة والموت.
نعم، فهو يعلم بأفعال والدته المخلة التي بسببها أصبح قاسم ما عليه الآن.
أخذ قاسم مفاتيح عربيته وغادر المكتب دون أن يرف له جفن، فقط ينظر أمامه.
ركب سيارته واتجه إلى مكانه لينسى ما سمعه في أسرع وقت، التي أيضاً بسببها كان يزوره أكثر من بيته.
تجلس زمرد تنتظره، فهي لم تعد تهاب رجوعه مثل من قبل، فأصبحت تريد رؤيته دائماً، أصبحت تريد أن تحتضنه دائماً، فهي تعلم بأنه يريد ذلك.
ارتدت قميصاً من الستان لونه أحمر يصل إلى كاحلها به فتحة كبيرة من الجنب، وتركت شعرها حراً، فهي تريد أن تبدأ حياتها معه برضاها هي وتفتح صفحة جديدة.
يجلس قاسم في البار يشرب كما لم يشرب من قبل، لعله يتناسى ما يريد دائماً أن ينساه، يتناسى حرقة قلبه التي بسببها هي دائماً.
ظل يشرب كأساً وراء الآخر حتى أصبح في حالة عدم اتزان كامل.
نظر حوله وأحس بأن الدنيا تدور من حوله، وصوت الموسيقى الصاخب ظل يضحك وهو ينهج ويشرب كأساً آخر.
حتى أصبحت الساعة الثالثة صباحاً، دخل كريم البار، رأى صديقه على هذا الوضع.
كريم وهو يحدثه بصوت عالٍ وصدمة من منظره: قاسم، فوق!
نظر له قاسم بنصف عين: أنا فايق أهو. أنا مبسوط جداً.
حاول كريم أن يسنده حتى وصلوا إلى السيارة، وضعه فيها، ثم قادها كريم إلى بيت قاسم.
تجلس زمرد في البلكونة تنتظره، فقد تأخر الوقت كثيراً، وهو كان سيعود في وقت مبكر.
ظلت تناجي ربها بأن يحفظه، وهي تفرك في يدها وقلبها خائف من أجله.
رأت سيارته تدخل المنزل، فابتسمت ووقفت تنتظره، ولكن هزها هذا المنظر.
كريم يسند قاسم، وقاسم عينه نصف مغلقة ويهذي بأشياء عديدة.
ارتدت إسدالاً سريعاً ونزلت لتقابله.
فتحت الباب. نظر لها كريم بتوتر، فقالت هي بلهفة وهي تمسك يد قاسم: ماله؟ قول لي فيه إيه؟
كريم: هو شارب جامد أوي. تسمحي لي بس أطلعه يرتاح، وبكرة يبقى يحكيلك.
قاسم بصوت عالٍ يشوبه السكر: امشي انت، امشي. أنا هطلع لوحدي.
أدمعت عين زمرد من منظره هذا، فكان غير ذلك وقت ذهابه. فماذا حدث له الآن؟ ماذا يحدث؟
فقالت لكريم: شكراً يا أستاذ كريم، اتفضل انت، وأنا هطلعه فوق.
نظر لها كريم بشفقة وقال: طب أساعد حضرتك.
فردت وهي تحاول التحكم في دموعها: لالالا، هطلعه أنا. شكران.
نظر لها بأسف ومن ثم غادر. نظر لها قاسم وضحك بصوت عالٍ: أحسن حاجة إنك مشيتيه، عشان أعرف آخد راحتي معاكي.
نظرت له زمرد وعينيها تزرف الدموع وهي تقول: يالا نطلع الأوضة. وسندته حتى وصلوا إلى الغرفة، وهو مازال يهذي بكلام غير مترابط، وهي تبكي على حالته.
أجلسته على السرير وهي تقول: هنزل أعملك قهوة علشان تفوق.
وجاءت أن تخرج إلا أنه قام ببطء حتى وصل إليها وأمسكها من خصرها وهو يقول بترنح: أنا فايق جداً.
وأصبحت نظراته معتمة، فخافت منه وتذكرت أيامهم الماضية التي تكرهها. فحاولت التفاهم معه: استنى بس يا قاسم، هعملك حاجة تفوق الأول، وبعدين نتفاهم.
اقترب منها وهو ينظر لها برغبة ولم ينطق بكلمة سوى أنه قبلها بقوة، وهي تحاول الإفلات منه، ولكن ظل على وضعه ذلك، وهي باتت أن تختنق وتضربه في صدره حتى ابتعد عنها وهو يجرها معه إلى السرير: لالا، إنت وعدتني مش هتعمل كده. إنت مش هتعمل كده.
قاسم لم يسمع كلامها وكأنها خيال يتحدث، وهي تبكي بقوة: إنت وعدتني إنك مش هتعمل كده يا قاسم. حرام عليك.
دفعها على السرير بقوة وهبط فوقها يق*طع ملا*بسها بقو*ه، ولم تسمع منه غير قول واحد: كلكم أوساخ.
وهي تبكي وتدفعه ولكن لا حياة لمن تنادي. اغتصب روحها قبل جسدها. فهذه المرة كانت بالنسبة لها النهاية، فقط أغمضت عينيها بإستسلام تام، فلم تعد تشعر بمن حولها ولا من ارتمى بجانبها غارقاً في النوم. فأغمضت عينيها واقعة في عالم تريد أن لا تستيقظ منه أبداً.
رواية كفى عذابك الفصل العاشر 10 - بقلم الكاتبة شهد عبدالحليم
في الصباح، استيقظ قاسم. نظر حوله يحاول استيعاب ما حدث وما سيحدث. ظل يتذكر ما حدث بالأمس وما فعله بحبيبته التي وعدها بحياة جميلة وهادئة، ولكنه هدم كل ذلك بيده.
ظل يبحث عنها حوله. رأى منظرها وهي تجلس على الأرض بجانب السرير، ملحفة بالغطاء الأبيض وكأنه كفن لها، وتنظر أمامها بشرود تتذكر حياتها الماضية وحياتها الآن.
اتجه ناحيتها وهو يعلم القادم، يعلم بأنها أعطته فرصة لا يستحقها.
"زمرد."
لم يستمع إلى رد وكأنه هواء.
كرر حديثه: "زمرد ردي عليا علشان خاطري."
ظل يهزها بيده ولكنها تنظر أمامها بشرود تام وهو يردد: "لازم تسمعيني."
"زمرد."
نظرت له نظرة جافة لم تنظر له من قبل، ثم نطقت كلمة فقط: "طلقني."
ظل يهز رأسه بهستيريا ويقول: "لا لا انتي مش هتسبيني. اسمعيني... اديني فرصة أخيرة لازم تسمعيني. انتي مش هتسبيني."
نظرت له وما زالت نظرة الجمود على وجهها، ورددت نفس كلمتها: "طلقني."
نظر لها يحاول استعطافها، فهي حياته. كيف تتركه في هذا البئر المظلم؟ من سينتشله من هذا البئر غيرها؟
ظل يردد وهو يحاوط كتفها: "زمرد انتي مش هتسبيني. أنا هموت لو سبتيني. متعمليش فيا كده. أنا غلطان والله أنا آسف سامحيني واديني فرصة أخيرة، فرصة أخيرة بس."
ردت بقسوة: "موت. انت ديتك إنك تموت علشان طول ما انت عايش هتفضل تموتني كل مرة، كل يوم. ملحقتش أعيش يومين مبسوطة. ملحقتش أديك الأمان. ملحقتش أحقق أحلامي معاك. موت علشان انت طول ما انت عايش هتفضل تدمرني."
وكأنها أطلقت سهامًا في قلبه، فكلامها كان بمثابة رصاص يخترق قلبه ألف مرة. فعلم حينها أنه فقدها بالفعل.
أكملت حديثها: "هتطلقني علشان لو مطلقتنيش أنا اللي هموتك بإيدي وهتخسرني دنيا وآخرة."
فرد بضعف: "انتي فعلاً هتموتيني. بعدك عني هيموتني."
قامت من مكانها ودخلت إلى الحمام ودفعت الباب من خلفها.
جلس مكانها على الأرض، وضع يده على رأسه وهو نادم، وقلبه يحترق. وهو يتذكر من جعله بهذه القسوة. نزلت دمعة منه حارقة لقلبه وهو يتذكر والدته الراقصة المشهورة التي بسببها أصبح قاسم زير النساء والخمر وقسوة القلب.
***
خرجت من المرحاض بعد مدة، فقد استعادت فيها وعيها. دخلت سريعا إلى غرفة الملابس، لملمت ملابسها فقط التي أتت بها من بيت أبيها ومتعلقات خاصة بها، وتركت كل شيء خاص به. ارتدت ملابسها وخرجت.
رأته جالسًا على الأرض في حالة ندم وضعف لم تشهده على القاسم. لم تعتني له وظلت في طريقها. إلا أن فتحت الباب، فقام قاسم من مكانه سريعًا ناحيتها وأمسك يدها.
"لا يا زمرد متسبينيش. أنا هحكيلك على كل حاجة، أنا هعرفك أنا بقيت كده ليه. اسمعيني."
نظرت له زمرد ببرود: "مش عايزة أسمع حاجة. ميهمنيش إني أسمع حاجة. عارف ليه؟ لأن مفيش مبرر يخلي شخص بالقسوة دي. مفيش أي مبرر يخلي شخص معندوش قلب للدرجة دي. وأنا اكتفيت. وأنا بقولك ورقة طلاقي توصلني في أقرب وقت. مش عايزة أي حاجة تربطني بيك."
لم يستطع الرد بعد هذا الكلام، فقط ظل ينظر في عيونها لعله يرى أي نظرة تمسك، ولكن لم يرَ غير قسوة.
خرجت من باب الغرفة وهي تجر حقيبتها خلفها. تجر خيبة آمالها به. ظنت بأن الحياة ستبتسم مرة أخرى، ولكن أخطأت بالفعل.
أما هو، جلس مكانه. نظر حوله. نعم، فهو أصبح وحيدًا في البئر وسيظل في هذا البئر إلى أن يموت.
***
ذهبت زمرد إلى بيت والدتها. دقت على الباب وبداخلها حزن وقلق من ردة فعل أهلها. فهي تحملت كثيرًا من أجل الحب التي تكنه في قلبها تجاهه، ولكنه لم يقدر ذلك الحب.
فتحت والدتها الباب فتفاجأت من منظر ابنتها وبجانبها تلك الحقيبة.
أول ما رأتها زمرد، ارتمت في أحضانها لعلها ترتاح. ظلت تبكي وتربت والدتها على ظهرها وهي تقول بقلق وحزن على حال ابنتها: "مالك يا زمرد؟ احكيلي يا بنتي، متقلقينيش عليكي."
فاقت زمرد من غيمة بكائها وقالت بصوت باكي: "أنا هطلق يا ماما من قاسم."
نظرت لها والدتها بصدمة، ثم استفاقت وقالت لها: "ادخلي يا بنتي نتكلم بس."
دخلت زمرد مع والدتها وقالت: "أنا هطلق يا ماما، مش هقدر أكمل، مش هقدر."
والدتها: "طب فهميني يا بنتي، فهميني إيه اللي حصل؟"
ترددت زمرد في قول ما حدث معها، ولكنها قالت: "مش مرتاحة معاه يا ماما، مش مرتاحة."
والدتها بتعجب: "إزاي مش مرتاحة يا بنتي؟ هو ده سبب؟ أكيد فيه حاجة حصلت. احكيلي يا قلب أمك، احكيلي يا بنتي، متوجعيش قلبي عليكي."
قالت زمرد بتعب: "ماما ارجوكي افهميني. أنا من يوم ما اتجوزت مرتحتش يا ماما، مرتحتش في كل حاجة. مكنتش دي الحياة اللي أنا راسمها لنفسي، مش هي دي الحياة اللي كنت بحكيلك دايما إني هعملها."
بكت والدتها على حالتها تلك، فبالتأكيد حدثت أشياء تجعلها تشعر بذلك الشعور. احتضنتها والدتها بحنان وهي تربت على ظهرها وتقول: "متخافيش يا حبيبتي، طول ما أبوكي وأنا موجودين متخافيش من أي حاجة. واللي انتي عايزاه هنعملهولك يا حبيبتي. تعالي أدخلك أوضتك ترتاحي شوية لغاية ما أبوكي ييجي ونشوف الموضوع ده."
اصطحبتها والدتها إلى غرفتها، وضعتها على السرير وأغلقت الأنوار وخرجت.
عندما خرجت والدتها، فتحت عينيها ولم تستطع تمالك نفسها وظلت تبكي. فهي كانت تحبه بقوة وما زالت تحبه. فهو حبيبها الأول التي من رأته حتى تعلق قلبها به بشدة. تبكي أيضًا على استسلامها له طوال المدة، فقد جعلته يتمكن منها. كل يوم كانت تعطيه فرصة، كل صباح كانت تعطيه فرصة من أجل اليوم، من أجل بناء حياة معه في كنفه.
***
يجلس في غرفته يدخن بشراسة. فمنذ خروجها من هذا البيت وهو بهذه الحالة. في يده أن يذهب ويأخذها عنوة، ولكنه لا يريد إجبارها ككل مرة. فحالتها تلك لم تسمح بالمزيد من الوجع. فهو الآن ما زال على أمل بأن تسامحه، بأن تسمعه وتتفهمه. فلا يريد إهدار هذا الأمل.
سمع صوت صديقه وهو ينادي من الأسفل. اتجه إلى خارج الباب. نظر لصديقه ثم قال: "عايز إيه؟"
نظر له كريم ولحالته فقال: "جاي أطمن عليك."
فرد قاسم ببرود: "واطمنت."
كريم بحزن: "لا متطمنتتش. حالتك مش كويسة يا صاحبي."
ابتسم قاسم باستهزاء: "من امتى وأنا حالتي كويسة؟ هاه؟ أنا طول عمري عايش في نار وعذاب. حياتي نار ومماتي نار بردوا. هفضل عايش كده بموت في اليوم مية مرة. هفضل تعيس." ثم غير نبرته لحزن: "بس هي اللي كنت معاها بدأت أحس إني عايش، إن فيه حاجة حلوة في يومي. إن في حياتي شخص نقي ونضيف بدل القذارة اللي أنا عايش فيها طول عمري. من يوم ما فتحت عيني على الدنيا وأنا عايش في قذارة."
صعد كريم السلالم سريعًا ووقف أمامه وهو يقول: "هي مشيت."
قاسم بحزن: "مشيت يا كريم. كلامك كان صح فعلاً إني هندم وندمت ندم عمري إني محفظتش عليها من أول يوم دخلت فيه البيت هنا. لا بالعكس، أنا عملت أوحش حاجة ممكن يعملها الواحد مع مراته. أنا اللي ضيعتها بإيدي."
حزن كريم على صاحبه، فهو أكثر شخص يعلم ماضيه ويعلم حاله. فقال: "طب روحالها واحكيلها كل حاجة. احكيلها يمكن تفهمك، يمكن تديك فرصة تصلح غلطك."
ضحك باستهزاء: "تصدق أنا بقيت خايف آخد فرصة تانية لضيعها."
كريم: "لا متقولش كده. انت هتاخد فرصة وهتصلح كل اللي حصل وهتعيش حياة تستحقها من زمان يا صاحبي. فوق كده ومتستسلمش. الحياة دي مش عايزة غير الإنسان اللي يعافر فيها بإيده وسنانه عشان متودش عليك."
تنهد قاسم بتعب من حياته المؤلمة وقال: "هحاول يا صاحبي. أتمسك في آخر أمل إني أعيش إنسان سوي زي كل الناس."
ربت كريم على كتفه وقال: "وأنا معاك في أي حاجة يا صاحبي."
ومن ثم احتضن قاسم بحنان أخوي. فقاسم صديقه منذ الطفولة، عاصر معه كل أوجاعه وآلامه ويعلم حاله. ولكنه دائمًا كان يحاول أن يجعله يخرج من دائرته الموجعة، ولكنه فشل. ولكن لم يستسلم وظل بجانبه في كل خطوة يخطوها.
الصداقة الحقيقية كنز من كنوز الحياة حقيقي. من الحاجات الحلوة اللي بتتطلع بيها من حياتك إنك تعمل صديق يبقى أخ وأب وصديقة تبقى أخت وأم.
***
في منزل زمرد.
والد زمرد: "لازم تفهميني إيه حصل يا بنتي، متخافيش أنا معاكي واللي انتي عايزاه هيحصل."
زمرد وهي تحاول أن تتماسك: "يا بابا أنا مش مرتاحة معاه. حياته مش زي حياتنا. أنا غلطت إني اتجوزته من الأول."
والدها: "طب صارحيني يا بنتي، ضربك أو عمل فيكي حاجة؟"
زمرد في مخيلتها: فَعَلَ شيئًا أمر من الضرب. فتماسكت على نفسها وردت: "لا يا بابا مضربنيش." حاولت أن تلفق أي شيء في الحديث، فهي لا تريد أن تبوح بأي شيء حدث من ضرب أو اغتصاب أو أي شيء حتى لا تقهر والديها. وفي نفس الوقت لا تريد أن تبوح بسر زوجها حتى ولو كان لم يستحق.
"مش بيهتم بيا وبيجي كل يوم متأخر من الشغل وعايشة كأني ميتة."
والدتها بحزن: "بعد الشر عليكي يا بنتي، إن شاء الله اللي يكرهوكي. ثم نظرت إلى زوجها وقالت: "كلميه ييجي هنا نفهم منه إيه اللي بيعمله ده؟ هو إحنا مجوزينه حيطة؟ دي ست البنات، هو يطول ياخد ضفرها حتى."
ردت زمرد بسرعة: "لأ لأ يا ماما مش عايزة أشوفه. كلموه خليه يبعتلي ورقة طلاقي وخلاص ونخرج من غير مشاكل."
رد والدها بحزم: "مفيش حاجة اسمها كده يا زمرد. أنا هكلمه ييجي هنا نتفاهم وبعد كده اللي انتي عايزاه هعمله."
سكتت زمرد، فهي خائفة من أن يحكي ما فعله. فهي تعلم أنه لا يهاب أحد، ومن الممكن أن يتحدث. ثم ردت على نفسها بقول: "ما يقول اللي يقوله، هو هيفضحني ولا هيفضح نفسه؟"
تنهدت بحزن، ومن ثم دخلت غرفتها لتبكي بحرية. فقلبها يؤلمها على كل وقت قضت وقتها فيه معه. فأحيانًا كانت تراه وحشًا قاتلًا، وأحيانًا كانت ترى في عينيه حزنًا دفينًا، وأحيانًا حنانًا يكفي لاحتوائها. ولكن أكثر ما يحزنها في اليومين الماضيين، كانت تشعر بسعادة تضاهي العالم. والآن أصبحت تعيسة. فهي تعلم من بعده لن توجد سعادة. ولكن في هذا الوقت تشتري كرامتها بدلاً من أن تشتري حبًا ضائعًا.
***
في عز حزنها، رأت بابها يفتح ويدخل منه أحمد. وهو يقول بمرح زائف حاول إخراجها حتى يخرجها من حزنها. فوالدتها أرسلت له ليأتي وفهمته حالتها.
"زوزو، أبه بتعمل ايه؟"
نظرت له وحاولت تلملم نفسها سريعًا وردت بابتسامة زائفة: "مفيش، قاعدة مش بعمل حاجة."
أحمد: "طب ممكن أعد معاكي شوية؟"
زمرد: "طبعًا تعالى."
اتجه ناحيتها وجلس أمامها. تنهد ثم قال: "أنا عارف يا زمرد اللي فيكي، متحاوليش تخبي عليا حاجة."
نظرت له زمرد بحزن ثم قالت: "مش عارفة أقولك إيه يا أحمد بجد، بس كل اللي أقدر أقوله إني تعبانة أوي."
رد أحمد بحزن: "عارف يا حبيبتي، عارف. علشان كده عايزك تطلعي كل اللي في قلبك. قوليلى إيه اللي وصلك للمرحلة دي."
ردت بتوتر ثم قالت: "مفيش، زي ما حكيت لماما وبابا كده. عايزة أطلق علشان مش مرتاحة."
أحمد تكلم بهدوء: "انتي مصدقة اللي بتقوليه ده يا زمرد؟"
زمرد بتوتر: "أيوه طبعًا مصدقة، مش هضحك عليكوا يعني."
نظر لها أحمد وقال: "انتي مفكrاني مكنتش ببقى حاسس لما بتيجي هنا إن فيكي حاجة. أنا عارف إنه مكنش بيرضى يجيبك هنا وإنك بتبقى مرعوبة وانتي مروحة. كل ده كنت بشوفه في عينك."
نزلت الدموع من عين زمرد بقهر على أيامها الماضية. ثم نظرت له وقالت: "كنت مفكرة نفسي قوية وأقدر أغيره، أقدر أفهم اللغز اللي في حياته. لكن للأسف أنا معرفتش أعمل حاجة غير إني طلعت مجروحة بالشكل ده."
نظر لها أحمد نظرة متسائلة: "انتي بتحبيه يا زمرد؟"
ردت زمرد بابتسامة خفيفة وسط دموعها: "وفكرك إن لو مكنتش بحبه كنت هتجوزه من الأول ليه؟ علشان فلوسه ولا منصبه؟ أنا عمري ما كنت كده وده كان آخر حاجة أفكر فيها."
أحمد: "أنا عارف أكيد إنك متجوزتيهوش علشان فلوسه، بس كان في عينك شخص مناسب. معرفش إنك بتحبيه."
زمرد: "أنا حبيته من أول يوم روحت فيه الشركة، حبيته أوي. بس أنا كرامتي فوق كل شيء ومش هتزل عن كده."
أحمد: "يعني مش مستعدة تديله فرصة تانية يا زمرد؟"
ضحكت زمرد بسخرية: "فرصة تانية! أنا لو اديتلوا الفرصة دي مش هتبقى التانية يا أحمد."
علم أحمد بأنها مجروحة لدرجة كبيرة، فأراد أن يغير الحديث حتى لا يضغط عليها كثيرًا. فقال بابتسامة: "طب بصي، سيبك من جوزك. النهارده فيه ماتش للأهلي."
فهي تعلم بأنه يحاول إخراجها من حالتها. فجارته في الحديث: "بجد؟ أنا معتش متابعة خالص. إيه أخباره في الدوري؟"
نظر لها بخزي: "مش عارف أقولك إيه بس هو المركز التالت."
وضعت يدها على قلبها وقالت: "نعم؟ مين اللي مركز تالت؟ أكيد بتضحك عليا."
ابتسم أحمد، فبالفعل زمرد تعشق الأهلي كثيرًا وهو القادر على إخراجها من تلك الحالة حتى ولو مؤقتًا: "والله زي ما بقولك كده. آخر عشر ماتشات مستواه وحش جدًا، تعادلات بالهبل وخسارة يعني حاجة مقولكيش."
ردت بحزن طفولي: "حتى ده وحش كمان؟ ألاقيها منين ولا منين ياربى."
ضحك أحمد على منظرها في الحديث وقال: "بس انتي عارفة الأهلي هيرجع أقوى. هو معودنا إنه يرجع أقوى من الأول. مهما يقع هيقوم، ولما يقوم مش هيخلي."
فتذكرت زمرد ضعفها ورددت بتأكيد: "فعلاً هيقوم ومش هيخلي. أنا واثقة في كده."
أحمد: "طب تعالي يالا نتفرج على الماتش ده."
قامت زمرد معه: "يالا نتفرج. إحنا ورانا إيه؟"
ضحك أحمد: "لا هو من ناحية ورانا فهو ورانا كتير. انتي ناسيه الكلية يا بنتي."
زمرد: "أوبسسس! أنا بقالي شهر ونص مبروحش. بس خلاص هرجع من بكرة."
أحمد: "أيوه كده، دي زمرد اللي أنا عارفها."
***
في المساء.
تجلس زمرد تشاهد التلفاز بجانب أحمد. فبعد مشاهدة الماتش جلسوا ليشاهدوا فيلمًا معًا، ولكن زمرد تنظر أمامها بشرود. وأحمد تركها ولم يحاول الضغط عليها. ولكنها استفاقت على صوت الجرس: "هقوم أفتح بسرعة."
فذهب أحمد خلفها ليرى من وهو يقول: "استني أفتح أنا."
وهي تردد: "يا عم اعد خليك في الفيلم بتاعك."
فتحت الباب وكانت الصدمة، قاسم. تفاجأت من مجيئه الآن. ظلت تنظر إليه بعتاب وهو بندم. لم تقوى على الرد، ولكن هيئته كانت خير دليل. فرغم بأنها تركته في الصباح، ولكن الآن غير، فظاهر على وجهه الإرهاق والتعب الشديد. إلا أنها تغاضت عن ذلك وقالت بجمود: "جاي ليه هنا؟ مش قولتلك تطلقني؟ انت مبتفهم؟"
فرد قاسم بصوت هادئ: "باباكي طلبني أجي."
ثم نظر خلفها رأى أحمد يضع يده على كتفها ويحتويها. فأحضانها وهو يقول: "واللي ييجي بيجي الساعة 11 بليل."
نظر له قاسم بغضب وهو يحاول أن يتماسك أمامها: "انت مالك هاه؟" ثم أبعد يده عن كتفها وهو يقول: "وانت حاطط ايدك على كتفها كده ليه؟ انت اتهبلت؟"
جاء أن يرد إلا أنها ردت بغضب: "انت مالك؟ يحط إيده براحته. متدخلش بعد كده في حاجة تخصني خلاص. خلصت. شيل إيدك بقى من اللي يخصني."
فأغمض عينه بغضب ثم رد بهدوء: "زمرد انتي لسه مراتي ومن حقي أقولك أعملي إيه ومتعمليش إيه."
ضحكت بسخرية: "والله؟ وانت مفكر إني هبقى على زمتك يوم واحد كمان؟"
قطع حديثها والدها وهو يقول: "مين يا زمرد؟"
رد أحمد بسخرية: "قاسم بيه جه."
تركته زمرد ودخلت غرفتها وأحمد خلفها.
فأدخله والدها إلى الصالة ليتحدثوا. فنظر قاسم حوله، ولكن رأى باب غرفتها مغلق وبالتأكيد أحمد معها. فضغط على يده بقوة وغضب وهو يقول لوالدها: "ممكن تخليها تيجي علشان نتكلم؟"
فقال والدها بحزم: "كلامك معايا أنا. إيه اللي انت عملته ده؟" فظن قاسم أنها حكت لوالدها فقال: "أنا عارف إني غلطان، بس عايزها تسمعني الأول."
فرد والدها بحزم: "يعني إيه تسمعك؟ تسمعك وانت مش موجود أصلًا وانت متجاهلها أصلًا ولا كأنها عايشة معاك في بيت واحد؟"
تعجب قاسم من الكلام، وفي النهاية وصل إلى أنها بالفعل لم تحكي لوالدها شيئًا مما حدث. فندم ألف مرة على فعله معها. فرد بهدوء: "طب خليها تسمعني لآخر مرة. أنا عارف إني غلطان، بس لازم تسمعني."
خرجت زمرد من غرفتها وهي تحاوط يدها على صدرها وتقول: "وأنا قولت مش عايزة أسمع حاجة خلاص. أنا مش مرتاحة معاك يا أخي، طلقني بقى."
فقال والدها بحزم: "بص يابني، أنا أهم حاجة عندي بنتي. ومادام هي مش مرتاحة، فزي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف."
فقلبه أصبح ينبض بقوة، فهو يعلم بأنه سيسمع هذا الحديث، ولكنه كان يأمل في أن تسمعه. فأغمض عينه بقوة ثم نظر لها بنظرة لم تفهمها وقال: "وأنا مش هطلقها."