تحميل رواية «حتى اقتل بسمة تمردك (1» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات. أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات. ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما. عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا ي...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الأول 1 - بقلم مريم غريب
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات.
أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات.
ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره.
ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما.
عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا يزال شعره مبللا، وضع المنشفة على ظهر الكرسي ثم شرع يلبس ساعة يده.
ثم اتجه نحو هاتفه ليجد شقيقه يعاود الاتصال مرة أخرى، فأجاب بصوت حازم قوي.
"أهلاً يا باشا.. أخيراً حنيت علينا!"
ثم سأله بصوت أجش: "كنت فين يا عمر؟"
فأجاب شقيقه ببرود وضجر: "إيه يا عز مالك؟ ما تهدّي عليا كده، في إيه؟"
"والله! مش عارف في إيه يا أستاذ؟ بكلمك بقالي يومين وحضرتك يا إما قافل موبايلك أو مابتردش. والهانم أختك فين هي كمان؟ بقي دي تعليماتي اللي قلت عليها تتنفذ في غيابي؟ يعني لما أحب أطمن على سيادتكوا أتصرف إزاي مثلاً؟ ما ترد يا خويا ساكت ليه؟"
"يوووه يا عز وأنا مالي أنا يا أخي متعصب عليا أنا ليه؟ ما تكلمها هي وتطمن عليها، ما تركزش معايا أنا بقي، ما بقيتش طفل يعني."
"تصدق إنك بني آدم عديم الفايدة والمسؤولية.. ورحمة أبوك لما أرجع لك.. هظبطك يا عمر."
"إيه هظبطك دي؟ شايفني أريال؟ وبعد..."
وقبل أن ينبس بحرف آخر، أغلق الخط بوجهه وهو يسب ويلعن ويتوعد له.
فيما كان يبحث عن رقم شقيقته بقائمة الاتصالات حتى وجده، فأجرى الاتصال بها.
ليأتي صوتها بعد لحظات: "الووو."
قالتها بغنج وقد بدا على صوتها آثار النعاس، فأعادها صوت أخيها الغاضب إلى رشدها.
"مساء الخير يا هانم.. ولا نقول صباح الخير بما إن حضرتك لسه نايمة لحد دلوقتي؟"
أجابته متعلثمة: "أاا.. ع.. عز.. عز الدين.. صصباح الخير يا حبيبي، ازيك؟"
"صباح الخير! إحنا بقينا العصر يا حبيبتي.. والله دي بقت حاجة كويسة خالص يا ست عبير.. أغيب عن البيت كام يوم فتاخدي راحتك أوي كده انتي والبيه التاني.. ماشي."
لفظ آخر كلماته بتوعد، فبدا التوتر على صوت شقيقته: "يا عز اهدي بس، ما فيش حاجة حصلت تستاهل كل ده."
"لما أرجع أكيد هاشوف لي حل معاكوا.. سلام يا هانم وما تنسيش تكملي نومك."
قال كلماته الأخيرة ساخراً وهو يغلق الخط بوجهها.
ثم استلقى على الفراش بثقله، واضعاً يديه خلف رأسه، ثم أغمض عينيه بكسل وإرهاق.
ليقفز الماضي كله أمام عينيه، ليمر كل ما حدث في حياته في ومضات سريعة بمخيلته.. هجر أمه، وفاة أبيه، نضوجه المبكر، وكل شيء.
منذ ستة عشر عاماً عندما رحلت عنهم والدته النجمة السينمائية "كاميليا فهمي" وتركت المنزل الزوجي بعدما تعرفت إلى رجل ذي قيمة في عالم السينما، صانع أفلام.
فأسلمته نفسها من أجل تحقيق الشهرة، ولم تكتفِ، بل وذهبت معه ضاربة بمصير أبنائها الثلاث عرض الحائط.
فكان جزاؤها هو الطلاق من زوجها والد أبنائها "فريد نصار".
كان "عز الدين" في السادسة عشر عندما انفصلا والداه، وكان له شقيق يصغره بخمس سنوات وشقيقة أخرى كانت طفلة وقتما ذهبت أمهم من حياتهم بلا رجعة.
فيما كانت تسعى إلى الشهرة وإثارة دهشة الرجال، متكئة بذلك على جمالها الأخاذ والذي هو كل ما تملكه ميراثها الوحيد.
ولم يمر وقت طويل أيضاً حتى توفي "فريد نصار".
فكان نصيب "عز الدين" باعتباره الوريث الأكبر أن يظل إلى جانب أشقائه يرعاهم ويستكمل مسيرة والده في العمل، مما جعله ينضج بسرعة ما يجب.
وحتى الآن لم يغفر لأمه فعلتها، رغم توسلاتها ومراسلاتها المتواصلة بالسماح لها برؤيته وأشقائه.
لم يغفر لها أبداً، بل يمقتها ويرفضها، يكن لها كره عظيم وكأنه لم يولد من رحمها.
بسببها أصبح يمقت إلى جانبها كل أصناف النساء، إن كل ذرة من كيانه ترفض العطف على أي أنثى.
أصبح مستبداً قاسياً للغاية.
من جهته، يعتقد أن النساء يستخدمن جمالهن لإدارة الرجال حسب أهوائهن كما فعلت أمه.
فامرأة جميلة مثلها قادرة على تحويل رجل جبار إلى صبي بلا إرادة.
لذا انعدمت ثقته في النساء.
ولكن حياته لم تكن خالية من وجودهن فيها طوال هذه السنوات، فهو بلغ منذ أشهر اثنان وثلاثون عاماً.
ولكنه مفرط الذكاء.
بالطبع أنه يتمتع بصحبتهن كثيراً في بعض الأحيان، إلا أنه لا يستسلم لأية امرأة.
بل إنه يبتسم لهن بازدراء بعينيه الذهبيتين البراقتين ما أن ينتهي منهن، ثم يدير ظهره ويرحل.
هو لا يحب النساء، بل يمتع نفسه بهن عندما يحلو له.
فهو ذو براعة مشهورة في اصطيادهن، ولكن لا يحترمهن أبداً، متذكراً دائماً أمه اللعوب والجذابة إلى حد كبير التي تخلت عن زوجها وأبنائها من أجل أغراض وضيعة.
أفاق من شروده حينما سمع طرقاً عنيفاً على باب غرفته.
قفز من موضعه بغضب وخطى بعصبية نحو الباب حتى وصل إليه وجذب مقبض الباب بقوة، ليزداد غضباً عندما وقف وجهاً لوجه أمام "خالد" ابن عمه.
"إيه يا عز، أنت كنت نايم ولا إيه؟ هو ده ينفع برضو؟ أنت مش عارف إن ورانا طيارة بعد ساعتين؟"
قال ذلك وهو يتمطى بتعب وكأنه كان واقفاً هناك منذ مدة طويلة.
بينما رمقه "عز الدين" بغيظ ثم قال بحنق: "عارف لو كان حد غيرك خبط عليا بالطريقة دي كنت عملت فيه إيه؟ فزعتني يا بني آدم."
ثم استدار وعاد إلى الغرفة تتآكله عصبيته.
بينما أغلق "خالد" الباب وتبعه إلى الداخل قائلاً: "مالك يا عز الدين؟ عصبي كده ليه؟ في حاجة حصلت؟"
ألقى "عز الدين" بنفسه فوق الأريكة بتعب ثم تنهد بثقل وهو ينظر إليه قائلاً: "تعبان.. تعبان يا خالد وإخواتي تعبوني أكتر، مش عارف أعمل معاهم إيه."
جلس "خالد" بجانبه ثم سأله بلطف: "مالهم بس؟ مضايقينك في إيه؟"
"البيه.. الباشا.. المحروس."
"مين ده؟ عمر؟"
"هو في غيره!"
"ماله طيب؟"
"الدكتور بتاعه اللي في الجامعة اتصل بيا من شوية وبلغني بخبر رفده من الكلية."
"يا نهار أسود.. اترفض! ليه عمل إيه؟"
"اتعرض لبنت في الجامعة وضرب شلة صيع كمان، ولما جه الأمن يتدخل مسك فيهم هما كمان ونزل في واحد منهم ضرب لحد ما كان هيخلص فيه.. عملي فتوة حضرته."
قال جملته الأخيرة بانفعال غاضب.
فهدأه "خالد" قائلاً: "طيب بس بس، اهدا.. اهدا، كلها كام ساعة وهنرجع مصر.. المهم انت كلمته يعني؟"
"آه كلمته من شوية بس ما قلتلوش إني عرفت حاجة."
صمت لثوان ثم تابع بتوعد: "ورحمة أبويا لهفرجه.. مش هسيبه ولو فضل على كده وديني لكون طرده من البيت ومالوش عندي حاجة ويبقى يوريني شطارته."
"خلاص بقي يا عز قلتلك اهدا وهنتصرف معاه."
ثم تابع متسائلاً: "هو ده بقي كل اللي مضايقك؟ حوار عمر؟"
ابتسم بسخرية ثم قال: "وهو ما فيش غيره بيغلط؟ والهانم الصغيرة."
"عبير! عملت إيه هي كمان؟"
حدق "عز الدين" به في غضب ثم قال: "ما هو حضرتك لو راجل..."
قاطعه "خالد" مسرعاً: "ال ال ال.. طب ليه الغلط ده بس؟"
"بس اسكت خالص.. شكلي كنت غلطان لما وافقت على خطوبتكوا."
"ليه بس؟ أنا عملت إيه طيب؟"
تنهد "عز الدين" بضيق ثم قال: "شوف يا خالد.. أنا لما وافقت أجوزك أختي ما فكرتش إلا حاجة واحدة بس."
فسأله "خالد" بإصغاء: "إيه هي دي؟"
"أولاً انت ابن عمها يعني هتحافظ عليها وعمرك ما هتفرط فيها."
"وثانياً؟"
"ثانياً بقي عشان أنا خلاص تعبت من وهي طفلة لحد النهاردة شايل همها وكل يوم بيزيد قلقي عليها. الشغل باعدني عنها ومش عارف أتابعها كويس، لا عارف هي بتقضي نهارها إزاي ولا حتى ليلها إزاي. وسبع البرومة اللي معاها في البيت بني آدم عديم المسؤولية وما بعتمدش عليه في حاجة. كنت فاكرك انت بقي اللي ممكن تشيل عني حملها شوية بس واضح إن كنت غلطان."
"يا عز بتقول كده ليه بس؟ ربنا يعلم أنا بحبها وبخاف عليها أد إيه وانت شخصياً عارف أنا بحب عبير إزاي. بس أختك راسها ناشفة وعنيدة وأنا لو شديت عليها هتزعل مني وأنا ما بحبش أزعلها فبسيبها براحتها، وهو كله سنة تخلص كليتها و هنتجوز وهتكون من وقتها يا سيدي مسؤوليتي أنا لوحدي."
"انت حمار يا خالد! إيه اللي انت بتقوله ده؟ إيه راسها ناشفة وما بحبش أزعلها وبسيبها براحتها دي؟ انت مش راجل يابني ولا إيه؟"
"لأ راجل طبعاً."
"مش باين.. شفت مش أنا أخوها؟ أنا بقي بقولك شد عليها براحتك ان شاء الله تعقدها في عيشتها أحسن ما تبوظ مننا وهي مدلعة وانت عارف. والله دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية. وأنا بقولك أنا بعمل اللي عليا وبحافظلها على فلوسها هي والأفندي التاني فمش هتكون غلطتي نهائي لو حصلها حاجة هتبقى انت وهي المسؤولين قدامي."
اندفع الكلام من فم "خالد" بعصبية فقال: "ليه يعني كل ده يا عز؟ أختك متربية على فكرة وكل اللي انت بتفكر فيه ده ملوش وجود إلا في دماغك وبس.. وكل ده بسبب عقدتك القديمة بس لازم تفهم يا عز الدين عبير مش طنط كاميليا سامع؟"
كان وجه "عز الدين" متجهم هادئ بينما كان يتأجج غضباً في صمت بداخله.
فيما انتبه "خالد" إلى ما قاله، فكبت انفعاله وقد صدمته أقواله، فأسرع يعتذر منه حيث قال بلطف مرتبك: "أنا.. أنا آسف يا عز.. ما كانش قصدي أقول أي حاجة من دي بس..."
قاطعه "عز الدين" في حزم بحركة من يده ثم قال: "بتعتذر على إيه؟ ما تعتذرش خالص، أنت ما قلتش حاجة غلط.. كلامك كله صح والناس كلها لسه فاكرة فضيحتنا."
ثم صمت قليلاً وتابع بعنف شرس: "قد إيه بلوم بابا إنه طلقها وبس.. لو ما كنتش صغير وقتها كنت اتصرفت أنا وعملت اللي كان لازم يتعمل."
لانت نبرة "خالد" كثيراً وهو يحدثه: "أنا مقدر صدمتك يا عز.. وعارف إنها لسه معلمة جواك وهتفضل معلمة.. لكن ده مش مبرر يخليك شكاك أوي كده."
ساد الصمت قليلاً، قطعه "خالد": "طيب.. أنا نازل أعمل check out وهستناك تحت في اللوبي، ما تتأخرش بقى."
أومأ "عز الدين" رأسه في هدوء وهو يحدق أمامه في اللاشيء.
بينما غادر "خالد" الغرفة تاركاً إياه وحده مع ظنونه وأفكاره!
---
وقفت أمام مرآتها، ألقت نظرة أخيرة على نفسها فتنهدت بسعادة راضية عن مظهرها المثير وملابسها الفادحة التي لابد وأن تدير رؤوس معظم الرجال لها، ثم خرجت من غرفتها.
اجتازت مسافة قصيرة بالرواق العلوي، وقبل أن تهبط الدرج سمعت صوتاً غريباً آت من داخل حجرة شقيقها.
توقفت للحظة ثم استدارت وذهبت لتتفقد الأمر بنفسها.
ومن دون استئذان فتحت باب الحجرة وطلت برأسها للأمام، ثم جالت بنظرها بأرجاء المكان حتى شاهدت أخيها مستلقياً على فراشه غارقاً في النوم، وجهه شاحب اللون به كدمات بسيطة.
شهقت من الصدمة وتوجهت مسرعة نحو النوافذ لتزيح الستائر جانباً ليغمر ضوء الشمس الغرفة وينيرها.
بينما أزعجه الضوء الخافت الذي سرت أشعته إلى الغرفة، فتململ في فراشه بضيق قبل أن يفتح عينيه.
وعندما رآها أمامه، حملق فيها بغضب ثم صاح بعصبية:
"أنتي! بت انتي أنا مش قلتلك مليون مرة تخبطي قبل ما تدخلي عليا أوضتي؟ ثم دخلتي ليه أصلاً؟ وكمان بتضايقيني أكتر وبتفتحي الستاير؟ وربنا لولا إني تعبان كنت قمت كسرتك."
اعتادت شقيقته على تلك الوقاحة التي دائماً ما تبدر منه، فتجاهلت إهانته قائلة: "أولاً أنا مادخلتش إلا لما سمعتك بتقول آه أو حاجة زي كده، دخلت أطمن عليك مش أكتر، بس شكلي كنت غلطانة أصلاً. ثانياً بقي أنا لو كنت خبطت على حضرتك عمرك ما كنت هتقوم ولا حتى كنت هترد كالعادة، بس بما إنك رديت عليا بأسلوبك المعتاد ده خلاص أنا اطمنت كده إنك قرد ما فكش حاجة. بس إيه اللي في وشك ده يا عموري؟ مين اللي روقك كده؟"
ارتفع "عمر" بجذعه، ساند ظهره إلى حائط فراشه وارتكز على مرفقه، فسقطت الأغطية حتى وسطه حيث بدا صدره العاري.
فيما قال لها باستنكار متهكم: "مين ده يا بت اللي يعرف يروقني؟ دي إصابات خفيفة زي ما انتي شايفة، مجرد خراشيش. عايزة تشوفي اللي اتروقوا بجد كنتي تيجي الجامعة انهاردة الصبح."
"وإيه اللي حصل في الجامعة انهاردة الصبح؟"
"أبداً ولا حاجة.. اتخانقت مع شلة عيال كده وواحد من الأمن حب يتدخل فأخد نصيبه هو كمان."
جلجلت بأذنه ضحكة شقيقته المرحة الصاخبة.
بينما سألته: "وبعدين يعني؟ بعد كل ده إيه اللي حصل؟"
"ما فيش.. رحنا على مكتب العميد فكتب لي جواب فصل قمت مقطعاه قدامه ومشيت، ماعرفش بقي عمل إيه مع الباقي."
شهقت "عبير" بصدمة قائلة: "يا نهار أسود.. اترفض يا عمر! دي هتبقى ليلة سودة لو أخوك عرف."
"ما يعرف يعني هيعملي إيه؟ انتي فاكراني عيل صغير هيحرمني من المصروف ولا هيعلقني من رجلي في السقف."
"يابني الصياعة دي مش هتنفعك قدامه، ابقي استلقي وعدك بقي.. شفت آخرت تصرفاتك الطايشة؟"
تأفف قائلاً: "بقولك إيه يا بت.. غوري من قدامي دلوقتي مش عايز أسمع حرف زيادة، يلا امشي."
أومأت رأسها قائلة: "ماشي يا خويا ماشية.. استمتع بقي بوقتك أو باللي فاضل من وقتك قبل ما يرجع عز الدين."
ثم التفتت وقبل أن تذهب، استوقفها قائلاً: "استني هنا يا بت.. رايحة فين كده بالهدوم دي؟"
استدارت مرة أخرى لتكون في مواجهته ثم قالت: "رايحة party في بيت لينا صحبتي، إيه؟"
برقت عيناه بابتسامة خبيثة ثم قال: "لينا! البت الشقرا أم شعر كيرلي دي؟"
"أيوه يا خويا هي."
"طيب ما تاخدني معاك.. من زمان وأنا نفسي أتعرف."
ضحكت بقوة قائلة: "يا خويا اقعد على جنب.. هتيجي معايا إزاي وهتتعرف إزاي وأنت مشلفط كده ههههه؟"
في ثانية اختفت ابتسامته، بينما استمرت تضحك، فأمسك بوسادته وقذفها بها، فصرخت راكضة إلى الخارج...!
---
أسدل الليل ستاره حين انقضت الطائرة ذات اللون الفضي في مدرج مطار القاهرة الدولي.
وصل "عز الدين" أخيراً إلى الأراضي المصرية.
بعد أن أنهى كافة الإجراءات بالمطار غادر برفقة "خالد".
استقلا السيارة معاً، قام بتوصيل "خالد" أولاً ثم توجه إلى منزله.
على بوابتي ذلك القصر الفاخر توقف "عز الدين" بسيارته الفارهة حتى انفتحت له الأبواب.
فانخرط بالسيارة إلى اليسار وسار مسافة قصيرة حتى توقف تماماً.
دخل "عز الدين" منزله، اجتاز بهواً طويلاً أرضه رخامية بيضاء مضاء بمصابيح وثريات برونزية مصقولة بأناقة بين الركائز والأعمدة الفخمة التي تتوسطها مرايا كبيرة محفورة بداخل الحائط موضوعة على الأثاث العاجي الضخم.
وفي وسط القاعة الكبيرة التي تكفي للاستضافة حشد عظيم، وقف وهتف باسم أحد الخدم.
لم تمر لحظات حتى أتت بنت متوسطة في العمر ترتدي بذلة العمل البيضاء.
انحنت أمام "عز الدين" لتحييه ثم قالت: "حمد لله على السلامة يا بيه."
ابتسم "عز الدين" ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم قال: "الله يسلمك يا فاطمة.. عاملة إيه؟"
"الحمد لله يا بيه بخير."
"طيب كويس.. أومال فين عمر وعبير؟"
"عمر بيه رجع من الضهر ولسه في أوضته وباين نايم.. والست عبير خرجت من بدري ولسه مارجعتش."
ثم صمتت قليلاً وسألته: "تحب أحضر لك العشا؟"
"لالا يا فاطمة.. روحي انتي نامي أنا أكلت في الطيارة."
أومأ الفتاة برأسها ثم انسحبت بهدوء.
بينما شعر "عز الدين" بألم في رأسه، كان يود أن ينتظر أخته ولكن غلبه الألم كثيراً، فصعد إلى غرفته ليستريح...!
---
استيقظت "داليا" في الصباح التالي متأخرة.
قامت منتفضة من فراشها تركض إلى حجرة الجلوس لتنظر في الساعة المعلقة هناك.
لقد تأخرت في النوم كثيراً.
أسرعت إلى غرفتها وبدلت ملابسها بسرعة، غادرت المنزل على عجل وسارعت باستيقاف سيارة أجرة.
أخبرت السائق بالمكان الذي تقصده.
دقائق وكانت أمام مقر الشركة.
أعجبها المكان كثيراً لرُقيه وتأثيثه الأكثر رُقياً.
عندما دخلت إلى الشركة كانت السماعات المنتشرة في جوانب السقف تبث موسيقى هادئة متناغمة متوافقة مع الديكور الداخلي.
ساعدتها تلك الأجواء في استعادة حيويتها.
كانت هناك فتاة ذات مظهر أنيق خلف مكتب الاستقبال.
حدثتها بصوت خافت وأعطتها استمارة لتملأها.
لم تكن "داليا" متأخرة كثيراً.
يوجد ثلاث أو أربع فتيات في انتظار المقابلة الشخصية.
أخذت "داليا" الاستمارة وجلست على أحد المقاعد الوثيرة الموزعة في قاعة الاستقبال.
أسندتها إلى منضدة صغيرة بجوارها وبحثت في حقيبة يدها عن قلم وعيناها على الأخريات.
واحدة فقط لفتت نظرها بملابسها الأنيقة، الأخريات لم تر فيهن منافساً محتملاً.
كن إما صغيرات جداً أو كبيرات جداً.
نظرت إلى الاستمارة فوجدتها مليئة بعشرات الأسئلة عن مؤهلاتها وخبراتها وعن بياناتها الشخصية وكذلك عن أحلامها وأفكارها وطموحاتها ونظرتها للمستقبل ومدى رغبتها في الاستقلال وإنشاء عمل يخصها.
لم تكن قد رأت شيئاً كهذا من قبل.
لم تملأ أساساً استمارة سيرة ذاتية كهذه في أي عمل تقدمت له من قبل.
وفي ذروة تركيزها سمعت صوتاً يقول:
.........
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثاني 2 - بقلم مريم غريب
ممنوع تسيبي أي سؤال فاضي حتي لو عن شيء صغير أو حاجة مش في الـ cv بتاعك.
كان هذا صوت موظفة الإستقبال التي هتفت لتنبه "داليا" بينما سارعت "داليا" ونظرت إلي تلك الإستمارة. وجدت أن خانات الأسئلة لا تزال فارغة، ثم فجأة تذكرت كلام "فاتن" زميلتها في العمل السابق عن أن قليل من الكذب لا يضر وإنما يجمل. لم يكن هذا رأيها وبرغم أن بعض الأسئلة حيرتها كثيراً لكنها قررت أن تقول الصدق وليساعدها الله.
ملأت الإستمارة بتمهل وهي تراقب بين الحين والآخر الفتيات وهن يدخلن ويخرجن. جاءت فتاتان بعدها فأحست براحة لذلك، فهي لا تحب أن تكون أخر من جاء. أعادت الإستمارة للفتاة المسؤولة عن الإستقبال ثم عادت إلي مكانها مرة أخرى وتساءلت في نفسها، هل يقرءون تلك الإستمارات فعلاً؟
وبعد قليل بدأت "داليا" توتر. كانت ماهرة في عملها السابق حيث كانت تعمل لدي مكتب صرافة ولكنها لم تكن متحدثة لبقة ولهذا تم إستبعادها من الوظيفة. تمنت في تلك اللحظة أن يكون هناك إختبار للقدرات في هذا المكان وعندها سيتحدث عنها عملها. أما هي فلن تستطيع التحدث عن نفسها.
فكرت "داليا" في أن تسأل إحدي الفتيات عند خروجها من المقابلة، لكنهن كن يذهبن خارج المكان بمجرد خروجهن من الحجرة المخصصة للمقابلة الشخصية.
كانت تحتاج إلي العمل، ولكنها لم تكن واثقة من الحصول عليه تماماً ولكنها أيضاً لم ترد أن تفقد الأمل. توقعت أن دورها سيحين على الفور ولكن هذا لم يحدث فقد أخذت كل فتاة وقتاً طويلاً جداً في إجراء المقابلة مما زاد من توترها. فشعرت بالعرق يملأ راحتي يديها فأخرجت منديلاً قطنياً وفردته في هدوء ثم جففت به يديها في بطء وعادت تطويه وتضعه في حقيبة يدها.
مرت دقائق أخرى خالتها "داليا" دهراً. وفي هذه اللحظة اقتربت منها موظفة أخرى نحيلة ذات مظهر طيب وطبيعة حسنة ترتدي زي العمل الرسمي ثم قالت لها:
اتفضلي معايا يا انسة دور حضرتك.
نهضت "داليا" وهي تشعر بعدم الثقة بنفسها رغم أنها كانت تبتسم مما ضاعف عصبيتها وارتباكها. كانت تعلم قدرتها على العمل، لكنها شكت في قدرتها على توصيل ذلك لهم. ولكنها أخيراً أخذت نفساً عميقاً ثم تبعت الموظفة عبر الممر الطويل المغطاة أرضه بالسجاد الأحمر.
كانت أعصابها مشدودة كالوتر ولم تكن تعرف ماذا تتوقع فهي على بعد خطوات من حجرة المقابلة حيث يجلس رب العمل. فتحت الموظفة أبواباً بيضاء مزدوجة وأشارت لها بالدخول. دخلت "داليا" إلى الحجرة المخصصة للمقابلة الشخصية. حدقت إلى تلك السجادة السميكة ذات اللون الرمادي التي وضعت على أرض بيضاء رخامية وإلى ذلك الأثاث الفاخر. شعرت وكأنها خارج نفسها بصورة يائسة. تفحصت المكان في ذهول لم يحدث لها أن رأت مثل ذلك الترف في حياتها أبداً. مقاعد بيضاء جلدية وستائر قرمزية، خشب أسوجي وطاولات تكسوها مفروشات حريرية. وقفت في ملابسها المتواضعة البسيطة وكأنها بمكتب ملكي وليس مكتب عادي لإجراء مقابلة عمل. اتضح لها أن تلك المقابلات كانت تتم هنا، بمكتب رب العمل.
أفاقت من تآملاتها وخيلاتها على صوت الموظفة:
يا انسة .. ده مستر عز الدين نصار صاحب الشركة ورئيس مجلس الإدارة.
سرت بأوصالها قشعريرة خفيفة فيما كان يجلس "عز الدين" خلف مكتبه بهدوء محدقاً فيها. ألتقتت نظراتهما للحظة وجيزة قبل أن يتوجه بالحديث إلى الموظفة:
تقدري تتفضلي انتي يا انجي .. مش جبتي إستمارة الأسئلة إللي مليتها الانسة ؟؟
ايوه يافندم الاستمارة والـ cv اهم الاتنين.
قالت الموظفة ذلك وهي تضع الملفات على المكتب. بينما أذن لها "عز الدين" بالإنصراف فأنسحبت بهدوء. ثم حول نظره إلى "داليا" وقبل أن يتفوه بكلمة تناول علبة بلاتين أنيقة وأخرج سيكارا وضعه بين أسنانه وأشعله. شعرت "داليا" في تلك اللحظة كأنما ركبتاها ستبدآن بطرق الواحدة الأخرى. فيما كانت عيناه تتفحصانها بجرأة ساخرة إلى أن نطق أخيراً حيث قال بهدوء آمراً مشيراً إليها بالجلوس في أحد المقاعد الجلدية قرب مكتبه:
اتفضلي اقعدي يا انسة.
تقدمت "داليا" وجلست ببطء في المقعد قبالة المكتب. كانت خجولة من مواجهته وجهاً لوجه فأخذت تحدق بالأرض حتى انتفضت لدى سماعها صوته:
انتي خريجة ايه يا انسة ؟؟
كان يحدق فيها من خلال نصف عينيه المقفلتين حيث بدا غير مبال بها. فتعلثمت وهي تقول:
تجارة انجلش حضرتك .. وبعدين كل المعلومات اللي هتعوز تعرفها عن مؤهلاتي موجودة في الاستمارة اللي مليتها قبل ما ادخل.
رفع حاجبه وهو يهز رأسه ساخراً ثم قال:
بس اعلان الوظيفة طالب موظفة دارسة ادارة اعمال يا انسة .. لان بجانب بوظيفة تخصصك هتكوني سكرتيرة عام للشركة.
أجابت "داليا" في انزعاج أمام نظرته المتهكمة الثاقبة:
انا عارفة حضرتك الاعلان طالب ايه وجاهزة للوظيفة والا ماكنتش جيت. انا بعد ما خلصت كليتي عملت دراسات عليا في ادارة الاعمال والكمبيوتر ده غير اني بعرف انجليزي وفرنسوي واسباني.
هز رأسه مراراً بسخرية ثم تناول إستمارتها بينما جفلت عيناها بتوتر. فيما كان يقرأ بلا اكتراث وسيكاره يميل على جانب فمه، عينيه تستشعران أثر الدخان كجسدها المتوتر. انتهى من القراءة سريعاً ثم ألقى بالأوراق على المكتب ثم نظر إليها بإمعان قبل أن يقول:
إيدك .. كانت بتترعش وإنتي بتكتبي !
لم تجب. فقط صمتت وهي تعض بقوة على شفتها. بينما تنهد وهو يطفئ سيكارته بعد أن امتص عبقها الأخير بعمق. كم يستلذ بذلك النفس الأخير منها. ثم تناول الـ cv وتصفحه سريعاً ثم ألقاه فوق الإستمارة:
طب عندي سؤال.
قال ذلك بإرتقاب. بينما نظرت إليه متسائلة فقال:
ليه استبعدوكي من الوظيفة الاخيرة اللي كنتي فيها ؟؟
أجابته "داليا" بصراحة مطلقة:
المكتب اللي كنت بشتغل فيه كان بسيط شوية فكنت واخدة مكان موظفة الاستقبال وحضرتك عارف ان موظفة الاستقبال شغلها الرد على المكالمات وخلافه فلازم تكون متحدثة لبقة والحقيقة دي ميزة مش فيا انا مش بعرف اتكلم كويس انما بعرف اشتغل كويس.
هز رأسه ببطء وهو يحلل كلامها. بينما حدقت فيه جيداً. لم يكن أبداً كما تصورت إذا اختلطت فكرتها عنه بصور غير واضحة عن رجال أعمال ناجحين بدينين ملامحهم غير اعتيادية. لم يكن "عز الدين" بظهوره أحداً من هؤلاء الأشخاص فقد بدا لها طويلاً عندما وقف فجأة. فوقفت تلقائياً. لم تكن قصيرة القامة ومع ذلك اضطرت للتطلع إلى أعلى لتكون في مواجهته. كان نحيلاً ذا جسداً ممشوقاً مكدساً بالعضلات يتمتع بقامة قوية صلبة بالإضافة إلى أناقته المتناهية. كان يرتدي ثياباً باهظة الثمن وربطة عنق من اللون الرمادي. غير أن بشرته برونزية ملامحه قاسية بعض الشيء عينان عسليتان، فمه حسن التكوين شهواني عليه مسحة قسوة. شعره أسود غزير وأملس.
إرخت ركبتا "داليا" من الصدمة. هذا أسوأ .. أسوأ بكثير مما توقعت وكأنها في مواجهة وحش بشري. فوق هذا كله تلك البسمة الساخرة السريعة وكأنه قرأ أفكارها فقال:
طيب .. انتي هتاخدي معاكي الـ cv بتاعك وهتسيبلنا الاستمارة ولو تم اختيارك هيوصلك مننا اتصال.
تلك الجملة لم ترضها، بل شعرت بالضيق. فلملمت أشيائها وغادرت الشركة ثم وصلت إلى بيتها. حاولت إقناع نفسها بأن حصولها على هذا العمل لا يهمها في شيء لكنها لم تنجح في ذلك. من كانت تخدع؟ إنها في حاجة ماسة لهذا العمل حقاً. أنه ليس آخر عمل يمكنها التقدم إليه، لكن المكان أعجبها كما أنها تعلم أن لديها الكفاءة اللازمة للعمل ولم يكن من العدل ألا تحصل على الوظيفة بمجرد أنها لا تحسن تقديم نفسها والتعامل مع الغرباء!
تساءلت .. ترى كم سيكون أجرها لو حصلت على هذا العمل؟ .. ضايقها التفكير في النقود فضمت قبضتيها بشدة وهي تتنهد بثقل وفكرت، سحقاً لهذا المال. لا يملك الإنسان ما يكفي منه أبداً...!
استيقظت قلقة عند منتصف النهار حينما شعرت به يمرر أنامله على وجهها. تململت بضيق ثم فتحت عينيها ونظرت إليه باسمة ثم قالت بغنج ودلال:
حبيبي .. صحيت امتى ؟؟
من بدري يا حبيبتي.
أجابها ثم تابع بقلق:
عبير .. يا حبيبتي انتي لازم تقومي تمشي دلوقتي بقي. انا خايف وقلقان بصراحة من وجودك هنا من امبارح.
قهقهت "عبير" بغنج ثم قالت:
يا جبان .. خايف من ايه بس ؟ انت مش عارف ان عز مسافر بقاله 3 ايام ؟ ولسه مارجعش.
ايوه بس اخوكي عمر ..
قاطعته مرة أخرى ضاحكة ثم قالت:
عمر ! .. لا يا سيدي عمر ده في وادي تاني لوحده.
وقبل أن يتفوه بحرف آخر قالت بحزم:
حسام .. قلتلك بطل جبن بقي خايف من ايه ؟؟
يا حبيبتي بصراحة قلقان من وضعنا ده. انا مجرد موظف عند اخوكي في الشركة وكل ما بفكر كده مع نفسي لو عز عرف حاجة ! يا نهار اسود دي هتبقى كارثة اخوكي متهور و الله يقتلني مجنون و يعملها.
إستنكرت "عبير" جملته فقالت بحدة:
و بعدين معاك ؟ لما انت جبان اوي كده وبتخاف ارتبطت بيا ليه من الاول ؟؟
يا بيرو يا حبيبتي افهميني. لازم نحط احتمالات لكل خطوة تخصنا زي ما المثل بيقول مش كل مرة تسلم الجرة. وبعدين ماتنسيش خالد ابن عمك انتي لسه ماقنعتيش عز الدين بفسخ الخطوبة.
لا يا بيبي من الناحية دي اطمن انا مستحيل اتجوز خالد انا بحبك انت وقريب كل شيء بيني وبينه هينتهي.
قطع حديثهما صوت رنين هاتفهها. مدت يدها إلى حقيبة يدها الملقاة أرضاً وأخرجته لتجد المتصل "خالد". فنظرت إلى الهاتف في استغراب وقلق في آن واحد. فسألها "حسام" بقلق مماثل:
ايه يا عبير. في ايه مين بيتصل بيكي ؟؟
قالت ببطء شديد وعيناها معلقة على شاشة الهاتف وكأنها شاردة:
ده خالد. بس ده رقمه اللي هنا! .. معني كده إنه رجع مصر. ممكن يكون رجع من غير عز ؟!
يانهار اسود .. يعني اخوكي رجع ؟ .. شفتي يا عبير .. شفتي روحنا في داهية.
شششش اسكت دلوقتي.
قالت بحدة ثم أخذت نفساً عميقاً وأجابت بثبات:
الو !
ليأتي صوت "خالد" الهادئ:
حبيبتي. صباح الخير. عاملة ايه يا بيرو ؟؟
أجابته بشيء من التوتر:
يا خالد انا تمام الحمد لله. بس ايه ده انت بتتكلم من هنا ولا ايه ؟؟
اه يا حبيبتي. ايه انتي ماتعرفيش ان انا وعز وصلنا امبارح بليل ولا ايه ؟؟
فإرتبكت قائلة:
آآ .. لأ .. لأ ماعرفش اصلي اكيد كنت نايمة لما عز وصل.
ممم .. ماشي يا ستي عموما انا اخدت من عز اجازة النهارده بالعافية عشان اجي اشوفك واقضي اليوم كله معاكي.
إنتفضت بذعر قائلة:
ايه ! .. هتيجي ؟ هتيجي امتي ؟؟
انا بلبس اهو. ربع ساعة بالكتير وهكون قدامك يلا يا قلبي سلام مؤقت.
ما أن أغلق الخط معها حتى قفزت من موضعها وارتدت ملابسها بسرعة كبيرة. بينما سألها "حسام" بقلقه المعتاد:
ايه اللي حصل يا عبير قوليلي في ايه ؟؟
كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها وأخذت حقيبة يدها ثم قالت له وهي تغادر راكضة:
عز. عز الدين رجع من امبارح بالليل يا حسام.
رحلت "عبير" فقال "حسام" في نفسه:
عز الدين رجع ؟ .. يانهار اسود ياربي امتى هخلص من البت دي بقي .. !
دخلت "ياسمين" إلى المنزل وهي تلهو بمفتاحها حاملة حقيبتها وبعض دفاتر الدراسة ووضعتهم فوق منضدة صغيرة توسطت حجرة الجلوس. ثم هتفت وهي تعبر الردهة الداخلية الصغيرة:
داليا ! .. انا جيييت .. انتي هنا ؟؟
إلا أن أحداً لم يجب. فرمقت "ياسمين" ساعة يدها متسائلة فوجدتها الثانية والنصف بعد الظهر. فظنت إنه ربما تعثرت "داليا" بالطريق وستأتي في أي لحظة. توصلت إلى تلك النتيجة ثم تنهدت ونزعت معطفها وألقته تعبة على الأريكة. بينما سمعت صوتاً آت من داخل إحدى الغرف. تتبعت أثر الصوت تاركة حاسة تقودها فوصلت أخيراً إلى المطبخ. كان وقع تساقط الدسم من قطع اللحم تحت المشواة مثيراً للشهية. حين دلفت "ياسمين" إلى المطبخ وهي تهمهم منتشية. واكتشفت وجود شقيقتها. فنظرت إليها بتساؤل قائلة:
ايه يا دودو .. باين رجعتي ها طمنيني بقي. عملتي ايه في المقابلة ؟؟
تنهدت "داليا" بثقل قائلة:
روحت. قابلت مدير الإدارة.
ها يعني ! .. ايه اللي حصل ؟؟
سألتها بإرتقاب. فأجابت بإختصار:
لو اتقبلت هيتصلوا بيا يا ياسمين.
زمت "ياسمين" شفتيها ثم ربتت على كتف شقيقتها قائلة:
ان شاء الله هتتقبلي يا حبيبتي وهتقولي ياسمين قالت.
إبتسمت "داليا" ابتسامة لم تصل إلى عينيها ثم قالت:
طيب .. يلا عشان نتغدى انتي مش جعانة ولا ايه ؟؟
لأ طبعا جعانة ده سؤال ! .. بس انتي غديتي ماما الأول ؟؟
هستنى حضرتك لما تقوليلي مثلا ! .. طبعاً غديتها.
ماشي يا ستي هروح اغير هدومي بسرعة اهو وجاية.
ثم توجهت إلى غرفتها. بينما تعد "داليا" طعام الغداء بذهن مشوش تملأه الأفكار...!
عادت "عبير" إلى المنزل بسرعة قصوى ومن ثم إلى غرفتها. حرصت على أن لا يراها أحد. بدلت ملابسها سريعاً لتسمع في تلك اللحظة طرقاً على باب غرفتها. هتفت متسائلة:
مين ؟؟
انا فاطمة يا ست عبير.
عايزة ايه يا فاطمة ؟؟
خالد بيه وصل تحت وقالي اطلع أدبّك خبر.
طيب ماشي. روحي انتي وانا نازلة اهو.
أطاعتها الفتاة وذهبت بهدوء. فيما تنفست "عبير" الصعداء. فحتماً لو لم تكن تصرفت بهذه السرعة لكانت الأن في مواجهة العديد من المشاكل والتساؤلات. ولكنها لا تزال قلقة. ترى هل اكتشف "عز الدين" غيابها عن المنزل ليلة أمس؟ لا، مؤكد لم يكتشف. فلو كان علم حقاً لكان طوى الأرض بأكملها بحثاً عنها.
غادرت الغرفة بسرعة وهي متوترة الأعصاب لدرجة فائقة. فلا تزال المفاجآت المخيفة مؤثرة عليها. كانت أشعة الشمس تتدفق على جوانب ذلك البيت الفسيح. في مكان بإحدى زوايا الحديقة ذهبت "عبير" حيث كان يجلس "خالد" إلى طاولة خشبية صغيرة يحتسي القهوة.
إبتسمت إليه رغماً عنها عندما وقف لها احتراماً ومحبة. إقتربت منه فإبتسم قائلاً بعدما وضع قبلة على جبهتها:
حبيبة قلبي .. مش ممكن تتصوري انتي وحشتيني قد إيه !
إصطنعت ابتسامة وهي تسحب مقعداً لتجلس عليه. بينما مد "خالد" يده ومرر أصابعه على يدها بحنان قائلاً:
مالك يا بيرو ؟ .. شكلك متغير كده ليه ؟ في حاجة مضايقاكي ؟؟
نفت "عبير" ظنونه سريعاً حيث قالت:
لا ابداً مش متضايقة خالص بس بصراحة متفاجئة.
فسألها:
متفاجئة من ايه يا حبيبتي ؟؟
هزت كتفيها قبل أن تقول:
يعني .. رجعت كده انت وعز امبارح من غير ما تقولوا لحد !!
السفر جه فجأة والله يا حبيبتي. اصلنا خلصنا الشغل بسرعة وكل حاجة تمت على الخير الحمد لله فقطعنا التذاكر علطول ورجعنا.
كده من غير ما تبلغونا ؟!
عادي يا عبير. ايه المشكلة ! .. المهم قوليلي انتي ايه اخبارك ؟ عاملة ايه وعملتي ايه في اليومين دول لوحدك ؟؟
تنهدت "عبير" وراحت تحاكيه بملل:
الحمد لله انا كويسة. وهعمل ايه يعني كنت قاعدة في البيت طبعاً.
معلش يا ستي عارف انك زهقتي بس انا هظبط يومين كده وهخرجك في الحتت اللي انتي عايزاها.
أومأت رأسها في ملل. بينما إنفرج ثغره بإبتسامة حينما قال:
انا بقي جبتلك هدايا كتير لما كنت في السفر ان شاء الله هتعجبوكي.
إصطنعت ابتسامة ثم قالت:
آه. ميرسي يا خالد تعبت نفسك ليه بس ما أنا عندي كل حاجة.
يا حبيبتي انا لو اطول اجيبلك الدنيا كلها تحت رجلك مش هتأخر.
أغمضت عيناها بغيظ لأنها لم تعد قادرة على النظر إليه.
ههههه خالد نصار بيتكلم بالشعر يا رجالة.
كان هذا صوت "عمر" الذي انضم إليهم فجأة. ثم تابع بمرحه المعتاد:
اموت واعرف بتحب فيها ايه ! .. يعني من جمالها ولا من رقتها اااخ يابني ده انت هتاخد حتة مقلب .. هتبقى غلطت عمرك دي مابتعرفش تعمل كوباية شاي هههههه.
بينما أجابه "خالد" مستنكراً:
دي هتبقى عمري كله يا استاذ عمر.
ثم ابتسم بنعومة وأضاف:
وبعدين مين قالك اني عايزها تتعلم في الحاجات دي لا حبيبي دي هتعيش ملكة في بيتي.
فضحك "عمر" قائلاً وهو يجلس بجانبه:
طب يا حبيبي اشبع بيها والله هتكون عملت فينا معروف لما هتاخدها من هنا.
فيما لاحظ "خالد" بعض الكدمات البسيطة بوجه "عمر" فقال:
واضح ان اثر الخناقة لسه ما اختفاش يا استاذ عمر. عز لسه ماشافكش صح ؟؟
لسه.
قال بضجر ثم تابع:
وحتي لو شافني يعني هيعمل ايه ؟؟
هيعمل كتير يا بيه.
كان هذا صوت "عز الدين" الذي وصل لتوه. نظر إليه الجميع بقلق عدا "عمر" رمقه ببرود. فرفع حاجبيه وسحب مقعداً ثم وجه إليه نظراته الثاقبة الغاضبة وقال بهدوء مرعب:
ايه اللي في وشك ده يا عمر ؟؟
تأفف "عمر" قائلاً:
بقولك ايه يا عز. انت عارف كل حاجة فماتلفش وتدور هات من الآخر.
فهمهم "عز الدين" قائلاً:
همم. عندك حق. نجيب من الآخر أحسن بلاش نخش في تفاصيل.
ثم تابع بصوت أجش:
قدامك اختيارين يا عمر. يا تنزل من بكرة معانا في الشركة وتمسك الشغل. يا تطلع من البيت ده وماشوفش وشك تاني نهائي.
فصرخ "عمر" بإنفعال:
والله ! .. ده على أساس إيه الكلام ده إن شاء الله ؟!
أجابه "عز الدين" بهدوء أعصاب:
على أساس إن كل مليم سابه أبوك مكتوب باسمي.
نظر "عمر" إلى أخيه والشرر يتطاير من عينيه قائلاً:
انت بتهددني يا عز ؟؟
انا بخيرك يا حبيبي مش بهددك. يا تيجي تشتغل معايا في شركة أبوك وتقعد في بيتك معزز مكرم. يا ترفض وماشوفش وشك تاني.
فصر على أسنانه قائلاً:
طب والكُلية ؟؟
كلية إيه بقي انت مش اترفدت ؟؟
يعني إيه ؟ .. هتسكت مش هتتصرف وترجعني ؟!
فقال "عز الدين" بإنفعال:
يا راجل! خايف دلوقتي على مستقبلك ؟ .. وكان فين خوفك ده لما هببت الدنيا في الجامعة وضربت الأمن كمان. ما تقول سكتت ليه ؟؟
صمت "عمر" لم يجد ما يضيفه. فتنهد "عز الدين" قائلاً:
ماشي. هديك فرصة. مش هتدخل الامتحانات السنة دي وهتنزل الشغل معانا زي ما قلتلك. مشيت صح السنة الجاية هتكون في كليتك اتعوجت انت عارف الحل البديل إيه.
كبت "عمر" إنفعاله بجهد. بينما حول "عز الدين" نظره إلى شقيقته فقال:
وانتي يا هانم. كنتي فين امبارح ؟ لما رجعت مالاقتكيش !
توترت "عبير" بينما سألها "خالد" مستغرباً:
انتي مش قولتيلي انك كنتي قاعدة في البيت ؟!
تماسكت "عبير" واختلقت كذبة قائلة:
اصل لينا صحبتي كان عيد ميلادها امبارح وعزمتني ولما روحت ماتبسّطش أوي فرجعت وكنت متضايقة شوية لدرجة إني نسيت أقولك لما سألتني أصلاً.
هز "خالد" رأسه بتفهم. بينما نهض "عمر" بغضب تاركاً إياهم. ثم تبعته "عبير" قائلة:
طيب أنا هروح أشوفهم حضروا الغدا ولا لأ. هتتغدى معانا يا خالد مش كده.
أومأ رأسه باسماً. بينما ذهبت مسرعة. فنظر "خالد" إلى "عز الدين" وسأله:
ها يا سيدي. طمني الشركة عاملة إيه ؟؟
كويسة.
أجابه بإختصار. فسأله:
طب وعملت إيه في موضوع السكرتيرة ؟ .. اخترت حد ولا لسه ؟؟
نظر إليه متردداً. فهز "خالد" رأسه قائلاً:
لأ. لأ الله يخليك. ماتقولش إنك طفشت الناس اللي جت.
يا عم ما طفشتش حد.
قال بضيق ثم تابع بإنفعال:
أنا مش فاهم بس لازم تكون سكرتيرة ماينفعش سكرتير !
يا عز سكرتير إيه بس بقي انت عايز وجهة الشركة يبقى راجل! يا أخي قول كلام غير دا. بقولك إيه ماتعملش فيها شهيد مش عليا الكلام ده رغم كل حاجة إنت بتميل ساعات للستات فمتعملهاش حكاية بقي وشوف هتختار مين عشان في شغل كتير متعطل.
تنهد "عز الدين" مستسلماً. ثم فجأة قفزت برأسه صورتها حينما قالت "أنا مش بعرف أتكلم كويس. انما بعرف اشتغل كويس". فقال:
اختارتها خلاص.
في صباح اليوم التالي جلست "داليا" تتناول الفطور مع شقيقتها على طاولة تتوسط المطبخ. كانت علامات الحزن والخذلان والضيق عالقة بمحياها. وكانت "ياسمين" تسترق النظر إليها بحزن بين الحين والآخر.
ثم فجأة تعالى صوت رنين الهاتف المنزلي. فقالت "ياسمين":
خليكي انتي يا دودو. أنا هرد.
وذهبت لتجيب. لم تمر لحظات حتى هتفت:
داليااااا. تعالي بسرعة ...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث 3 - بقلم مريم غريب
اخترقت "داليا" فناء شركة "النصار" للنقل البحري، التي بنيت منذ زمن بعيد وتميزت بأروقتها النظيفة الملساء والمروج المحيطة بها. دهشت أيضاً لروعة المكاتب التي احتلتها الشركة.
قابلت "داليا" العاملين في الممر الطويل بتواضع، ثم أخذت طريقها إلى المصعد. صعدت إلى الطابق الأول حيث يوجد مكتب رب العمل. كان كل شيء هادئاً في هذا الطابق، صمت تام.
اقتربت "داليا" من حجرة مكتب "عز الدين" وكادت تطرق الباب، إلا أن صوتاً أنثوياً أوقفها.
"يا آنسة! على فين حضرتك؟"
كان هذا صوت السكرتيرة الخاصة بمكتب "عز الدين". رفعت "داليا" يدها التي كادت تطرق الباب للتو، ثم التفتت نحو مصدر الصوت قائلة:
"أنا جالي اتصال من شؤون العاملين هنا وبلغوني إني اتقبلت للتوظيف وإني عندي مقابلة تانية مع مستر عز الدين."
هزت الفتاة رأسها بتفهم قائلة:
"آه، طب ثواني هديله خبر."
أجلستها في غرفة انتظار أنيقة ريثما تبلغ "عز الدين" بحضورها. في هذه اللحظات، شعرت "داليا" بالتوتر الشديد وهي تسمع، في شيء من الخوف، دقات الساعة الزجاجية المثبتة في الحائط. كانت منذ يوم واحد فقط يائسة من فكرة حصولها على تلك الوظيفة، ولكن ها هي عادت مرة أخرى وفي انتظار استعداد "عز الدين" لمقابلتها.
وبينما كانت مستغرقة في تأملاتها، قطعت السكرتيرة حبل أفكارها قائلة:
"اتفضلي معايا يا آنسة.. مستر عز الدين منتظرك في مكتبه."
دعته لترافقها إلى مكتب "عز الدين" حيث توقفا أمام باب عاجي عريض. فتحته السكرتيرة وابتعدت مفسحة لها مجالاً للدخول إلى تلك الغرفة الواسعة ذات الأثاث الفاخر، والتي أجرت بها "داليا" المقابلة الشخصية في المرة السابقة.
أغلقت السكرتيرة الباب خلف "داليا" التي تقدمت ببطء، استياءً من مكتب "عز الدين" الذي كان منكباً على بعض الأوراق والملفات. فلم يرفع رأسه لتوه. مرت لحظة مشحونة بالتوتر، ثم رأته فجأة يوجه نظره إليها، حيث رمق قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين.
ظلت "داليا" جامدة مكانها. كانت خجلة من النظر إليه. أحست بالدماء تجري حارة في وجنتيها تحت وطأة نظراته الفاحصة. ذلك الهدوء ضاعف عصبيتها وتوترها أكثر، فحدقته بنظرة خاطفة، حابسة أنفاسها. كان أنيق الملبس كعادته، يرتدي كنزة كشمير صوفية زرقاء اللون وبنطالاً كحلياً من الصوف الناعم.
بينما شعر هو بمدى توترها، فابتسم بسخرية قائلاً:
"تعالي اقعدي يا آنسة.. اتفضلي واقفة ليه؟"
تقدمت "داليا" ثم جلست قبالته على مقعد قرب المكتب، ثم رفعت رأسها لتواجه نظراته الساخرة. شعرت بانزعاج من تلك النظرة الدائمة التي يوجهها إليها باستمرار. تساءلت في نفسها: هل مظهرها البريء أوحى له بضعفها كي يتصرف معها على هذا الأساس الساخر؟
بينما سمعته يسألها:
"تشربي حاجة يا آنسة؟"
كان حلقها جافاً أثر قلقها وتوترها، وتمنت لو يقدم لها شراباً بارداً، لكنها عدلت عن رأيها حيث قالت باسمة:
"لا حضرتك، مش عايزة حاجة."
أومأ رأسه موافقاً ثم قال بلهجة حازمة، باسطاً يديه القويتين فوق مكتبه:
"ماشي.. نتكلم في الشغل."
"أيوه!"
أجابته بإصغاء، بينما قال:
"بالنسبة لتفاصيل شغلك، هبعت آنسة إنجي توصلك مكتبك وهي هتشرحلك كل حاجة. أما بالنسبة للمرتب، فأنتي أكيد خدتي فكرة عنه في الإعلان، مش كده؟"
أومأت رأسها بهدوء، بينما تابع بسخرية عينيه الذهبيتين:
"طيب.. شوفي بقى يا آنسة.. لازم تعرفي حاجة مهمة جداً.. الوظيفة اللي اتعينتي فيها دي أنا مشيت منها ناس كتير أوي لعدم الكفاءة اللازمة. بصراحة أنا راجل بحب شغلي يبقى مظبوط على أكمل وجه. ولازم تعرفي كمان إن لما وقع اختياري عليكي، كان تفكيري في كلامك عن الشغل هو السبب. حسيت إنك جادة في التعامل على عكس الباقيين اللي اتقدموا قبلك وبعدك. بس زي ما بيقولوا، التجربة خير برهان.. هاجربك وأتمنى فكرتي عنك تكون في محلها."
حاولت قدر إمكانها الاحتفاظ بمظهر هادئ، حين حدقت بعينيه بثقة قائلة:
"أنا هثبت لحضرتك إني قد المسؤولية وإني أقدر أدبر أمري كويس أوي. وزي ما قلت لحضرتك قبل كده، أنا مش بعرف أتكلم كويس، إنما بعرف أشتغل كويس، وشغلي هو اللي هيتكلم بالنيابة عني إن شاء الله."
هز رأسه متنهداً، ثم ضغط زر الجرس المتصل بمكتب سكرتيرته الخاصة قائلاً:
"إنجي جاية دلوقتي وهتاخدك عشان توريكي مكتبك وتفهمك تفاصيل الشغل."
أومأت رأسها، فيما تمنت فجأة لو أنها تستطيع سحب طلب العمل. ليس لأنها لا تتقن مهنتها، أو تعجز عن التعامل معه، بل لخوفها من أمر أعمق وأشد تعقيداً. إنه شعور بالخوف فهمت معناه، لكنها رفضت استمرار التفكير في الأمر.
دخلت السكرتيرة حجرة المكتب، فتوجه "عز الدين" إليها بالحديث قائلاً:
"إنجي.. هتاخدي الآنسة... أاا..."
سارعت "داليا" معرفة:
"داليا."
فعاد يقول:
"هتاخدي الآنسة داليا لمكتبها.. توريها كل حاجة وتفهميها تفاصيل الشغل طبعاً، وأي سؤال ليها أكيد عندك الإجابة عليه، مش كده؟"
"تمام يا فندم.. اتفضلي معايا يا آنسة."
نهضت "داليا" استعداداً لموافاة السكرتيرة، بينما استوقفها "عز الدين" فجأة قائلاً:
"استني يا آنسة، لو سمحتي."
فالتفتت إليه في تساؤل، فيما انتصب واقفاً واتجه نحوها. فحدق به في حيرة، بينما كانت عيناه تلمعان كعيني أسد متربص. وفي غطرسة وقحة، أخذ يدور حولها ناظراً إليها من كل زاوية، ثم أخيراً وقف أمامها وجهاً لوجه.
"اتفضلي يا آنسة."
قال ذلك، ماداً يده ببعض الأوراق النقدية. بينما تسمرت "داليا" في مكانها مندهشة بشكل كبير، ثم سألته:
"إيه ده حضرتك؟"
هز كتفيه ساخراً ثم قال:
"فلوس!"
"أيوه، ما أنا عارفة إنها فلوس.. بس آخد فلوس ليه وأنا لسه ما اشتغلتش؟"
أجابها بهدوء بارد:
"المبلغ ده مش ليكي شخصياً يا آنسة.. انتي دلوقتي واجهة الشركة، يعني لازمك هدوم وحاجات تانية كتير لازم تكوني شيك قدام العملاء ومظهرك مناسب.. انتي بتمثليني أنا وشركتي.. فاهمة؟"
حدق ملياً بوجهها الذي تضرج بحمرة الخجل، فقد أصاب منها وتراً حساساً. بينما نظرت إليه مباشرة بعينين ملؤهما الكبرياء والرفض، ثم قالت:
"أنا مش محتاجة للمبلغ ده حضرتك.. وبالنسبة لمظهري، فأنا شايفة إنه مناسب جداً، ده أولاً. ثانياً، أنا جاية هنا عشان أشتغل مش عشان أعمل Fashion show!"
رفع حاجبه بذهول، فكان ردها هذا هو آخر ما توقع سماعه من أنثى تحديداً. حتماً لو كانت فتاة أخرى مكانها، لكانت قبلت المبلغ بكل سرور وترحيب. بينما أحست "داليا" بموجة عارمة من الغضب تجتاحها، فقد جرحت مشاعرها بذلك العرض التافه، وخاصة أمام سكرتيرته الخاصة. شعرت بالوهن يغلي بصدرها، ولكنها تمسكت برباطة جأشها أمامه.
"طيب.. أنا محترم وجهة نظرك."
قال ذلك بلطف هذه المرة، ثم تابع:
"بس زي ما قلتلك، انتي واجهة الشركة بتمثليها وبتمثليني كمان، فلازم تقبلي المبلغ ده عشان تقدري تحسني من مظهرك شوية."
ها جرح آخر.. أغمضت عينيها بألم، ثم قالت معترضة، وقد زادت مشاعر التحدي والكبرياء في نفسها:
"آسفة.. مش هقدر أقبل من حضرتك أي مبلغ غير مرتب."
"و بعدين؟"
بات صوته أكثر حدة، وحركاته أكثر قوة، ثم تابع بغضب:
"اسمعي يا آنسة.. أنا مش فاضي للشد والجذب ده، أنا ورايا شغل. وقلتلك إن المبلغ ده مش ليكي شخصياً.. ده عشان الشغل. أهم حاجة عندي لما تيجي شركتي، تبقي في مظهر مناسب. برا شركتي بقى لو لبستي إيه، شيء ما يخصنيش، فاهماني؟"
شعرت "داليا" بالرعب يملأ أوصالها من عينيه الحادتين الغاضبتين. لم تعد قادرة على تحديه أكثر من ذلك، فقد كان صوته مليئاً بالعنف، ونفسه مليئة بالإرادة والتصميم. وبدا وكأنه ممزق من المماطلة والرفض اللذين تمارسهما بحقه. وقبل أن تتفوه بحرف، أمسك يدها ووضع النقود بها، مطبقاً كفها عليها، ثم قال بلهجة آمرة وهو يتجه إلى مكتبه:
"ودلوقتي اتفضلي مع إنجي على مكتبك، ويا ريت تبدأي الشغل فوراً، في شغل كتير متعطل."
لم يعطها فرصة للرد عليه أو الاحتجاج، إذ أنه جلس معتدلاً وبدأ بفتح بعض الملفات فوق مكتبه، بينما كان الغضب يملأ شرايينها. فها هي بطبيعتها الضعيفة البسيطة أمام الرجل الذي يملك كل شيء. وبكل الحنق الذي تخزنته في نفسها، أطبقت بكفها على النقود في شدة، ثم استدارت دامعة العينين ورافقت السكرتيرة إلى مكتبها..!
***
وقف أمام المرآة وأخذ يحدق بوجهه جيداً. لم يختفِ أثر الكدمات بعد. تأفف لهذا، ثم انحنى إلى طاولة صغيرة والتقط هاتفه وسلسلة مفاتيحه الذهبية. ألقى نظرة أخيرة على نفسه مفعمة بالحسرة على مظهره وملامحه الجذابة التي باتت قاسية.
غادر غرفته واجتاز الرواق العلوي بخطوات واسعة، ثم هبط الدرج بخفة وتابع سيره حتى وصل إلى ساحة المدخل أمام المنزل مباشرة، حيث كانت سيارة مرسيدس بيضاء تلمع تحت أشعة الشمس الذهبية. فيما صعد هو إلى السيارة ثم أقلع بهدوء وروية، حتى توقف قليلاً أمام بوابتي القصر الكبيرتين، فانفتحت له الأبواب سريعاً. ثم فجأة، وعند خروجه من البوابة، اعترضته سيارة تشبه سيارته ولكن لونها مختلف.
رفع نظارته الشمسية عن عينيه ليتفاجأ برؤية صديقته التي ترجلت بسرعة من سيارتها واقتربت منه باسمة، بينما تمتم بغضب:
"يادي النهار اللي مش فايت.. جاية تهبب إيه دي؟"
"عمر.. حبيبي.. إزيك يا بيبي عامل إيه؟"
قالتها الفتاة عندما وصلت إليه، بينما حدثها بحنق عبر شباك سيارته:
"إيه اللي جابك يا يارا؟ عايزة إيه؟"
"الله يا عمر! بقي دي مقابلة تقابلني بيها؟ وأنا اللي دوست على كرامتي ونسيت عمايلك فيا وقلت أجي أشوفك وأطمن عليك، تقوم تقابلني كده!"
"وليه يا ستي تدوسي على كرامتك عشان واحد ندل زيي؟ لأ، انتي كرامتك غالية، وعشان كده بقى خدي بعضك واتكلي من هنا، يلا."
شهقت بصدمة قائلة:
"انت بتطردني يا عمر؟"
أومأ رأسه قائلاً:
"آه بطردك، وبصراحة مش عايز أشوف وشك تاني ومن غير سلام."
قال جملته الأخيرة بتهكم، ثم أدار عجلة القيادة وانطلق بسيارته سريعاً حتى قطع مسافة طويلة، ثم توقف أخيراً أمام فيلا بسيطة تحيط بها الأشجار الكثيفة. ترجل من سيارته وألقى التحية على البواب المسن، ثم مضى في سبيله إلى الداخل.
على أعتاب المنزل، طرق الباب لتفتح له إحدى الخادمات باسمة، بينما أنزل نظارته قليلاً بحركة رشيقة من إصبعه، وتفرس فيها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها بوقاحة وبساطة، حتى سمعها تقول مرحبة:
"أهلاً أهلاً يا عمر بيه.. اتفضل ادخل."
تقدم "عمر" إلى الأمام وعيناه لا تزال تتفحصانها جيداً.
"الست كاميليا قاعدة في الهول الكبير بتشرب قهوتها."
قالت ذلك باسمة، ثم سألته:
"تحب أجيب لك قهوة برضو ولا عايز حاجة تانية؟"
"أي حاجة يا قمر.. مش قمر بردو؟"
ابتسمت الفتاة مصطنعة الخجل ثم قالت:
"أيوه."
"اسم على مسمى وربنا."
اتسعت ابتسامتها لتضحك بإغراء، ثم توجهت نحو المطبخ تتبختر في خطاها. بينما أخذ "عمر" طريقه إلى حيث أرشدته. دخل إلى قاعة الجلوس ثم توجه بسرعة نحو امرأة جلست بأناقتها المعهودة على أريكة مغطاة بالصوف الأحمر. لا يمكن تقدير عمرها بأكثر من أربعين عاماً.
تلك هي الممثلة الشهيرة التي تدعى "كاميليا فهمي". لا تزال تنبض بالحيوية والجمال، بشرتها بيضاء ناعمة جداً، وعيناها زرقاوتان لا أثر للتعب فيهما، وشفتاها قرمزيتان تضجان حياة وإغراء ودعوة. اقترب منها "عمر" ثم دنا نحوها قائلاً بحرارة وهو يقبلها على جبينها:
"مامي.. وحشتيني."
ابتسمت الممثلة القديرة بنعومة وهي تداعب وجه ابنها الذي يحمل شبهاً كبيراً لوجهها، ثم قالت:
"يا روحي.. انت وحشتني أكتر يا حبيبي.. بس أنا زعلانة منك."
"زعلانة مني ليه بس يا مامي؟"
"بقالك قد إيه مسألتش عليا؟"
قال معتذراً:
"معلش سامحيني. عارف إني قصرت معاكي الفترة اللي فاتت، بس كان غصب عني. انتي عارفة إني بجيلك من ورا عز.. ولما جاله شغل برا وسافر، كنت مخطط إني أجي أقعد معاكي كام يوم والله، بس حصلت ظروف بقى كده، وكنت قاعد في البيت بقالي يومين بسببها."
سألته باهتمام:
"ظروف إيه دي يا حبيبي؟"
صمت قليلاً ثم نزع نظارته عن عينيه، فشهقت أمه بهلع وصدمة قائلة:
"يا خبر! إيه اللي في وشك ده؟ مين اللي عمل فيك كده؟"
تحسس وجهه ثم أجابها:
"ماتقلقيش أوي كده يا مامي.. دي كانت خناقة بسيطة في الجامعة وأنا قدامك أهو كويس."
قالت بصوت حزين وهي تتأمل ملامحه:
"كويس إيه بس! ده وشك كان وسيم أوي زي أخوك عز الدين.. دلوقتي ملامحك بقت قاسية شوية.. انت عاجبك اللي عملته في نفسك ده؟"
"خلاص بقى يا كوكو ماتكبريش الموضوع، ما أنا زي الفل قدامك أهو، وكلها كام يوم ووشي يرجع زي ما كان."
نظرت إليه في عتاب. فقال:
"خلاص بقى يا مامي، أنا جاي أقضي يوم حلو معاكي.. مش كده بقى ابتسمي عشان يبان جمال عينيكي."
فابتسمت أمه رغماً عنها قائلة:
"ماشي يا مجرم، كل بعقلي حلاوة كل."
ثم سألته:
"المهم قولي.. أختك عبير عاملة إيه؟"
"زي القردة، هتعمل إيه يعني."
ضحكت بنعومة ثم تابعت سؤالها:
"قولتلها إني عايزة أشوفها؟"
أومأ رأسه قائلاً:
"آه يا مامي، قولتلها.. بس..."
"بس إيه؟"
سألته بإرتقاب، بينما تردد قليلاً قبل أن يقول:
"أصلها خايفة من عز.. انتي عارفة هو بيمنعنا عنك إزاي.. بس وعد، طالما عايزة تشوفيها، أنا هجبهالك لحد عندك قريب."
أومأت رأسها، ثم تابعت سؤالها:
"طب وأخوك عز الدين.. عامل إيه؟"
نظر "عمر" إلى وجه أمه الذي امتلأ بالحزن فجأة، ثم قال في محاولة للتخفيف عنها:
"قرد هو التاني.. أنا مش عارف، بس انتي بتسألي ليه على عيال مالهمش لازمة زي دول؟ خليكي معايا أنا يا كوكو.. أنا حبيبك اللي بيدلعك يا قطة."
نجحت محاولته، حيث ابتسمت أمه بعفوية. بينما قال:
"بقولك إيه.. أنا جعان. طابخين إيه النهارده ولا نطلب دليفري؟"
أجابته ضاحكة:
"حالا يا حبيبي هقولهم يحضروا الغدا."
ثم هتفت باسم أحد الخدم وأعطت أوامرها بإعداد مائدة الطعام...!
***
"داليا!"
هتفت "ياسمين" وهي تنادي على شقيقتها، مستغربة لتوجهها من باب المنزل إلى باب حجرتها مباشرة. وقبل أن تلحق بها "ياسمين"، أوقفتها قائلة:
"ياسمين من فضلك سيبيني لوحدي دلوقتي وما تدخليش علي خالص."
قالت ذلك، ثم أغلقت الباب خلفها. بدلت ملابسها سريعاً، فارتدت قميصاً خفيفاً من القطن الأبيض بدون أكمام، ثم توجهت نحو مرآتها وحدقت بوجهها. رأت نفسها جميلة نوعاً ما، غير أنها كانت معتادة على التعبير الصريح عن إعجاب الرجال بها، تتلقاه دون حرج أو غرور منذ كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وبعد أن تحولت من تلك الفتاة الصغيرة المكتنزة إلى تلك المرأة الجذابة ذات القوام الجميل والأنوثة الصارخة رغم بساطتها.
لكن هذا الرجل، رب عملها الكامل الرجولة، المعتد بنفسه، سخر منها، تصرف معها وكأنها نكرة، وكأنها فتاة صغيرة أو غلام لا يثير فيه أي رغبة. لم يضايقها هذا كله بقدر ما شعرت بالقهر عندما أعطاها المال من أجل شراء بعض الملابس وأدوات التجميل. كادت تبكي، ولكنها منعت نفسها بقوة وحزم. عليها أن تقوم بإنقاذ نفسها فيما بعد. فإلى متى ستظل ضعيفة، واهنة، مغلوبة على أمرها؟
تنهدت بثقل، ثم سارت نحو فراشها وأسترخت عليه. لم تنم كثيراً، أو هكذا خيل إليها. وما أن استيقظت في وقت لاحق، حتى هبت من فراشها مذعورة وقلبها يخفق بشدة غريبة. رفعت يدها لتغطي وجهها، وكأنها تهرب من واقعها الأليم ومن مسؤوليتها التي أثقلتها. بينما نحيبها يملأ الغرفة بنشيج متقطع، اختلطت فيه الدموع بالتنهدات والآهات. أحست وكأنها على شفا الانهيار العصبي.
رفعت رأسها عن راحتيها قبل ثوانٍ قليلة من فتح باب غرفتها. وعندما انتصبت جالسة في فراشها وجسدها مشدود كوتر قاس، دلفت شقيقتها فزعة، ثم اقتربت منها بسرعة وخاطبتها بقلق ولطف:
"داليا! مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟"
أجابتها "داليا" بصوت ضعيف متقطع:
"مافيش حاجة يا ياسمين.. أنا كويسة."
فاقتربت منها أكثر قائلة:
"لأ، شكلك مش كويسة خالص.. قوليلي يا داليا مالك؟"
"قلتلك مافيش حاجة يا ياسمين."
أجابتها بضعف واهنة، ثم سألتها:
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
"12 بعد نص الليل تقريباً."
صرخت باستغراب:
"مش معقول!"
قربت "ياسمين" ساعة يدها من وجه شقيقتها لتؤكد لها الوقت، فهزت رأسها قائلة:
"بيتهيألي إني نمت دقايق مش ساعات."
ثم فجأة ارتجفت دون إرادة، وانهمرت الدموع الغزيرة على وجنتيها الشاحبتين الناعمتين. فصاحت أختها قلقة:
"لأ.. لأ، انتي فيكي حاجة مش طبيعية يا داليا، قوليلي في إيه من فضلك.. في حاجة حصلت في الشغل النهارده؟ ده كان أول يوم ليكي، حد ضايقك؟"
سألتها بإلحاح، فقصت عليها "داليا" كل ما حدث.
"طب وإنتي إيه اللي مضايقك في كده يا داليا؟ ما هو قال لك إن المبلغ ده مش ليكي شخصياً، إنما لشيء يخص الشغل. وبعدين يا ستي، لو الموضوع مضايقك أوي كده، اعتبريهم سلفة ورديهم من أول مرتب ليكي."
"أنا اتجرحت أوي من التصرف ده يا ياسمين."
قالت بصوت حاد، ثم تابعت:
"كان هاين عليا أسحب ورقي وأسيب الوظيفة وأرميله فلوسه وأمشي."
ابتسمت "ياسمين" ثم قالت تهدئها:
"يا داليا يا حبيبتي، أنا عارفة إن عندك عزة نفس وكرامة، بس هنا الموضوع مختلف عن النقطتين دول.. ده شغل يا حبيبتي، وزي ما بيقولوا، الشغل شغل. وأي بني آدم ذكي بيعرف يستغل الفرص في شغله أوي. وهو مش هيحسن عليكي، هو زي ما قالك، انتي واجهة الشركة، يعني طرف مهم ولازم تكوني في نفس المستوى اللي هو فيه، لأنك بتمثليه فعلاً قدام العملاء زي ما قالك. بصراحة، هو ما غلطش، انتي بس اللي حساسة زيادة عن اللزوم."
ثم صمتت قليلاً وأضافت:
"ومع ذلك يا ستي، زي ما قلتلك، لو الموضوع مضايقك أوي، اعتبري المبلغ سلفة ورديه من أول مرتب ليكي."
أومأت "داليا" رأسها تعبة، فيما تركتها شقيقتها لتستريح بعد أن أطمأنت عليها تماماً.
رتبت "داليا" الوسادة تحت رأسها وأراحت جسدها المنهك. وبعد قليل، بدأت أجنحة النوم تحوم فوق عينيها، وهي غير قادرة على إبعادها عن ذهنها. ستكون معجزة حقاً إذا استطاعت أن تهرب منه، ولكنها اعتادت منذ صغرها على الانتصار في معاركها الحاسمة.
وعندما دقت بمنزلهم ساعة حجرة الجلوس التي تردد صدا صوتها بالإرجاء معلنة حلول الواحدة صباحاً، كانت "داليا" قد أخلدت إلى نوم عميق...!
***
أسدل الليل ستارة فوق قصر "النصار".
في الداخل، وقف "عز الدين" أمام الستيريو وأدار بعض الموسيقى الخافتة والحالمة. ثم تقدم من الأريكة التي توسطت حجرة مكتبه وأسترخى عليها بثقله، واضعاً يديه خلف رأسه، وأغمض عينيه يستمتع بموسيقى "شوبان". كان يفكر بهدوء في أمور عديدة. بدا شكله غير مرتب، وقد تدلت خصلة من شعره الغزير الناعم فوق جبهته. كان هادئاً مرتاح البال، حتى قفزت صورته فجأة برأسه. كم تعجب كثيراً اليوم! تساءل في نفسه: هل يمكن أن يتنازلن النساء عن أي مال مقدم لهن بهذه السهولة؟ بل بهذه الصرامة والقوة التي استخدمتها تلك الفتاة التي تدعى "داليا"؟
ما زال لا يصدق، ولن يصدق. فكلهن في نظره سواء. وكيف لا، وقد أصابته والدته في الصميم، حيث قتلت بداخله كل مشاعر الشفقة والعطف على أي أنثى. ثم فجأة، طرد صورة وجهها الجميل البريء من ذهنه، في حين سمع صوت سيارة تصطف بالمرآب المنزلي قرب نافذة المكتب. استنتج أنه شقيقه قد وصل لتوه، فنهض من موضعه وحمل أسطوانة الموسيقى ووضعها في غلافها، ثم خرج من مكتبه لموافاة شقيقه.
دلف "عمر" إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل. وعندما كان يقف "عز الدين" بركن مظلم من البهو المؤدي للدرج، هتف بقسوة:
"عمر."
استدار "عمر" قبل أن يصعد درجات الدرج نحو الزاوية المظلمة التي انبعث منها الصوت. فيما اقترب "عز الدين" قليلاً حتى سطع ضوء الثريات المعلقة بالجدران على وجهه الغاضب الذي تعلوه مسحة قسوة مفزعة. تنهد "عمر" بضيق ما أن رآه، ثم قال:
"نعم يا عز؟"
"كنت فين؟"
سأله بهدوء غاضب، بينما أجاب "عمر":
"يعني انت صاحي مستنيني لحد دلوقتي عشان تسألني السؤال ده؟"
فهمهم "عز الدين" قائلاً:
"هممم.. واضح يا عمر إنك ماسمعتش كلامي كويس إمبارح لما قلتلك يا تيجي تشتغل معايا في الشركة، يا مالكش مكان في البيت هنا."
تأفف "عمر" قائلاً:
"لأ سمعت يا عز، واطمن، أنا جاي بكرة الشركة.. النهاردة بس كان عندي مشوار مهم وما حبيتش آجله."
"مشوار إيه ده إن شاء الله؟"
"مشوار وخلاص يا عز."
"مساء التجمعات."
كان هذا صوت "عبير" التي انضمت إليهم فجأة، ثم تابعت:
"إيه خير؟ متجمعين في تص الليل كده ليه؟"
ثم نظرت إلى "عمر" وسألته:
"و انتي يا عموري لسه راجع دلوقتي؟ هي كوكو كانت ماسكة فيك ولا إيه؟"
اتسعت حدقتا "عمر" في فزع وغضب، بينما قطب "عز الدين" حاجبيه مستغرباً، ثم قال:
...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع 4 - بقلم مريم غريب
-مين كوكو دي؟
نظر "عمر" إلى أخيه مرتعدًا وهو يفكر كيف سيخرج من هذا المأزق الذي وضعته به شقيقته، بينما أدركت "عبير" حجم الكارثة التي ستحدث نتيجة إنفلات لسانها.
وفي وسط تلك الأجواء المشحونة بالتوتر تصاعد رنين هاتف "عز الدين". أخرج هاتفه من جيب كنزته ليجد المتصل "خالد" فأجاب:
- الو يا خالد!
بينما استغل "عمر" الفرصة فقال وهو يفر راكضًا إلى غرفته:
- طيب أنا طالع أنام، تصبحوا على خير.
فيما انسحبت "عبير" خلفه سريعًا، بينما أكمل "عز الدين" المكالمة:
- في حاجة ولا إيه؟ أومال بتتصل ليه في الوقت ده؟ آه.. آه.. انت قولتلها كده يعني؟ متأكد إنها عارفة؟ طيب.. طيب يا خالد خلاص أنا هشوف الموضوع ده.. يلا سلام.
أنهى "عز الدين" الاتصال ثم صعد الدرج وتوجه إلى حجرة شقيقته. طرق الباب ثم دلف بعدما أتاه صوتها سامحًا له بالدخول:
- انتي مابترديش ليه على خالد لما بيكلمك؟
قال "عز الدين" ذلك بنبرة حادة موجهًا حديثه إلى شقيقته التي انتصبت جالسة على فراشها، بينما أجابت متعلثمة:
- آآ أنا أنا.. اصلي كنت ككنت عازمة بنات صحابي النهارده على الغدا هنا وكنت مشغولة معاهم من الصبح ولسه شايفة الموبايل دلوقتي يا عز.
أومأ رأسه متجهماً ثم سألها بجمود:
- طب وبالنسبة لميعادكوا النهارده اللي على الأساس متفقين عليه من يومين.. إيه اللي خلاكي تطنشيه بقى؟ عشان صحابك! بتفضلي شوية بنات زي دول على خالد؟
ارتبكت فأقسمت كاذبة:
- والله نسيت خالص نسيت بجد، ومع ذلك برضه أنا هتصل أعتذر له.
- يبقى أحسن برضه.
قال ذلك بقسوة ثم تابع محذرًا:
- كلها فترة قصيرة وهتتجوزي خالد.. مش عايز ده يتكرر تاني يا عبير.. مش عايز أسمع شكوى من خالد عنك مرة تانية حتى لو كانت عن شيء تافه، مفهوم؟
أومأت رأسها في ارتباك بينما غادر أخيها غرفتها يتبعه ظله الغاضب، فتنفست الصعداء وهي تسب وتلعن وتحقد على "خالد".
بعد مرور شهر كامل على مكث "داليا" بعملها في شركة الـ "نصار" للنقل البحري، اعتادت على أشياء كثيرة منها تقلب مزاج رب عملها القاس المتغطرس. على الأقل استطاعت تحديد صفاته السيئة والطيبة، وعليها وجدت ثمة طرق سلسة للتعامل مع كل صفة، وتعلمت أيضًا متى تخوض في الحرب معه ومتى تنسحب. فلو بلغت المسألة حد كبريائها أو كرامتها تشد عتادها وتقف بوجهه. ولأنه كعادته يهوى فرض سيطرته ولأن الاستسلام قموسه محال، عندما تشعر بالكفاية في أي نزاع بينهما تنسحب سريعًا قبل أن يفقد أعصابه وبقايا تعقله مع الإناث.
كان ظهراً بارداً من أيام ديسمبر، حيث أشعة الشمس الخفيفة المنبثقة من نوافذ شركة الـ "نصار" تتراقص في أرجاء غرفة الاجتماعات التي وضعت بها طاولة طويلة التف حولها عملاء وموظفون يترأسهم "عز الدين"، الذي أصرف "داليا" إلى مكتبها لعدم حاجته لها ببقية الاجتماع.
اجتازت "داليا" الردهة المؤدية إلى مكتبها ثم التقت بزميلها "عماد" فتوقفت قليلاً وابتسمت له تحييه. رد لها التحية قائلاً:
- أهلاً يا داليا.. إيه الاجتماع خلص ولا إيه؟
- لا يا سيدي لسه ما خلصش، أنا اللي دوري خلص لحد كده.
أجابته "داليا" ثم تابعت سيرها إلى مكتبها فلحق بها قائلاً:
- شكل الباشا بتاعنا مزاجه زفت النهارده.
جلست "داليا" خلف مكتبها ثم قالت موافقة:
- آه عندك حق، مزاجه زفت أوي.. لاحظت كده أوي بالذات لما شاف الآنسة اللي اسمها.. آه جومانا خطاب.
قال "عماد" على الفور:
- آه هي آنسة جومانا خطاب دي أكتر ست بيحترمها مستر عز الدين شوية.
- طب إيه اللي حصل يعني؟ مش طايقها دلوقتي كده ليه؟ دي المفروض أهم عميلة في الشركة.
- أصلها كانت عايزة تدبسه في جواز بعلاقة يعني وكده.
تضرّجت وجنتا "داليا" بحمرة الخجل، ولكنها تابعت سؤالها:
- طب وانت عرفت الحكاية دي إزاي؟
أجابها بصوت خفيض:
- رانيا عزيز دي أكبر رغّاية في الدنيا كلها، تبقي عميلة برضه عندنا في الشركة، ده غير إنها انتيمت جومانا كمان. عايز أقولك إن الخبر مابيباتش في بؤها يوم، عشان كده جومانا استغلتها وحكتلها التفاصيل بهدف إن الأخبار تنتشر عنها هي وعز الدين بعد ما قطع علاقته الودية بيها نهائي لما اكتشف لعبتها اللي كانت عايزة توقعه بيها في شبكة الجواز. مسكينة هي أساساً كانت فاكرة إنها تقدر تعمل اللي ماقدرتش ولا واحدة قبلها تعمله.
- جايز سلوكها ماكنش عاجبه يا عماد، وبعدين هو أكيد مش هيعيش باقي عمره راهب، لازم هيتجوز لو ماكنتش هي هتبقى غيرها.
هز "عماد" رأسه بقوة مؤكداً:
- لالالالا مستحيل.. عز الدين نصار! مش ممكن.
سألته "داليا" مستغربة:
- هو إيه ده اللي مستحيل ومش ممكن؟
- مستحيل عز الدين نصار هيتجوز دي حاجة أكيد مستحيل تحصل.
قال ذلك ثم سألها:
- عمرك شفتي حد نط من الدور الـ 50 ونزل سليم؟
فأجابت:
- لأ!
- عمرك شفتي إنسان ماشي على وش الماية مثلاً؟
- لأ!
- آهو فكرة إن عز الدين نصار ممكن يتجوز دي زيها زي الأفكار المستحيلة دي.
- يسلاااام! وليه ده كله يعني؟
تنهد "عماد" قائلاً:
- ياااه.. دي حكاية طويلة أوي وتقريبًا كل الناس عرفاها.
- شوقتني.. حكاية إيه دي؟
صمت "عماد" لبرهة وكأنه يفكر ثم قال:
- هحكيلك.. بس أوعي تتكلمي مع حد خالص في الموضوع ده.. تسمعي مني وبعدها كأنك ماسمعتيش أي حاجة، ماشي؟
- ليه كل ده بس؟ هو انت هتقولي سر الخريطة؟
- الموضوع ده حساس جدًا بالنسبة لـ عز الدين.. الكل عارف آه بس محدش بيجرؤ يتكلم ويحكي في اللي فات تاني وبالذات هنا.
أومأت "داليا" رأسها تحثه على الحديث قائلة:
- ماشي يا سيدي احكي بقي وأنا مش هتكلم.
بينما سألها:
- تسمعي عن كاميليا فهمي؟
رددت "داليا" الاسم في شرود:
- كاميليا فهمي!
ثم هبت قائلة:
- آه عارفاها.. الممثلة.
- آه هي دي بقى يا ستي تبقي والدة عز الدين نصار.
اتسعت عيناها بذهول قائلة:
- إيه ده بجد؟
أومأ رأسه مؤكداً كلامه، فيما كان ينظر إليها قائلاً بجدية بالغة:
- أيوه بجد.. بس الحقيقة إنه مش بيعتبرها أمه، بالعكس ده بيكرهها جدًا من صغره، تقريبًا متبري منها، حتى اسمها مش بيطيق يسمعه.
- يا خبر! ليه؟ ليه كل ده؟
ثم نظرت إليه بعينين حزينتين مذهولتين وكأنها تستجديه أن ينفي ذلك، ولكن أكد بقوله:
- كل اللي قلتهولك ده حصل فعلاً.. الحكاية بدأت من زمان من يجي 16 سنة كده، أيام ما كان لسه عايش فريد بيه والد عز الدين. ساعتها مدام كاميليا كانت صغيرة أوي وحلوة أوي، كانت برضه مهووسة بالتمثيل وبتحلم بالشهرة. مشيت بقى في الموضوع ده من ورا جوزها لحد ما اتعرفت على منتج كبير تقريبًا.. اضطرت وقتها إنها تتنازل عن حاجات كتير أوي عشان تحقق الشهرة اللي كانت بتحلم بيها، وفجأة في يوم كانت سايبة البيت وراحت عشان تعيش معاه. فريد بيه كان عاقل ساعتها، لو كان اتهور كانوا ولاده الـ 3 هيضيعوا من بعده خصوصًا إنهم كانوا صغيرين ومالهمش حد أكبرهم، عز الدين وقتها كان عمره 17 سنة تقريبًا، وطبعًا شهد على كل اللي حصل ده، ومن ساعتها وهو بيكرهها. تقدري تقولي عقدته في الصنف كله، مابقاش عنده ثقة في أي ست، عمره ما حب إطلاقًا، لكن حياته ماكنتش نضيفة يعني، طول السنين من مميزاته إنه محبوب أوي خصوصًا من الستات، فلما كانت بتجيله الفرص ماكنش بيضيع وقت، كان بيستمتع بوقته يعني.. وبس يا ستي، هي دي كل الحكاية.
توقف "عماد" لحظة طويلة، ثم نظر إلى وجهها ليرى تأثير كلماته عليها. بدت هادئة مندهشة جدًا، ثم قالت بعد صمت طويل:
- مصدومة.. بجد مش عارفة أقول إيه! بس على الأقل بعد الكلام ده قدرت أفهمه شوية.
هزت رأسها ثم تابعت:
- شكله معقد فعلاً!
انهمكت "داليا" في عملها خلال الأيام التالية مستخدمة أجمل مكتب شاهدته في حياتها، ولكنها فكرت.. أن جمال المكتب لا يضاهي أبدًا جمال من منحها إياه. كانت دائمة التفكير فيه، لم يفارق ذهنها أبدًا، أخذت تتساءل في نفسها.. هل يعيش هذه الحياة منذ فترة طويلة حقًا؟ أحقًا لم يذق طعم الحب في صباه أو شبابه؟ كيف استطاع أن يحصن نفسه ضد النساء بل ضد الوقوع في الحب طيلة هذه السنوات؟ كيف وهو المحبوب الذي تلتف حوله جميع الجميلات؟ وكيف هو قادر على التصرف بإنسانية وحرارة عاديتين؟
- أنا بقالي مدة بصراحة وأنا هموت وأتعرف عليكي يا آنسة داليا وأخيرًا جت الفرصة.
كان هذا صوت "عمر" الذي اقتحم مكتب "داليا" فجأة، ثم انحنى أمامها قليلاً وهي تجلس وراء مكتبها تعمل بجد ونشاط. أخذ ينظر إلى أوراقها بسرعة ثم حول نظراته إلى عنقها الجميل وتمتم قائلاً:
- مكتبي جميل أوي.. زيك.
حبست "داليا" أنفاسها بقوة ثم قالت في ثبات جامد:
- على ذوقك يا أستاذ عمر، والحقيقة إني اتشرفت بمعرفة حضرتك كتير، بس أنا حاليًا مشغولة أوي زي ما انت شايف ومحتاجة أخلص شغلي بسرعة.
ابتسم بخفة قائلاً:
- عايزة تقوليلي أمشي يعني؟
ثم هز كتفيه ضاحكًا وجلس قبالتها في مقعد مريح قرب المكتب، وبدت على وجهه فورًا ملامح المشاغبة والدلال، ثم تمتم قائلاً:
- أحلى حاجة عملهالي أخويا هنا إنه مش بيديني شغل معقد، فبالتالي بخلص بسرعة كل اللي ورايا وأنا دلوقتي فاضي، وزي ما قلتلك كان نفسي أتعرف عليكي من مدة.
تجهم وجه "داليا" حيث قالت بنبرة حادة:
- أرجوك لو سمحت.. أنا مش فاضية للكلام ده ومش بحب أتعرف على حد ولا أطور علاقات هنا خارج حدود العمل، وبالنسبة لي حضرتك واحد من أصحاب الشركة ليك عندي كل الاحترام والتقدير وبس.
- ياااه.. انتي قاسية أوي يا آنسة داليا.. كنت فاكر إن قلبك رقيق زي بشرتك الحلوة دي.
- أرجوك كفاية!
خاطبته "داليا" بحدة ظاهرة وتوتر واضح ثم تابعت:
- حضرتك حاسس بالملل ومش لاقي حاجة تعملها أحسن من إنك تيجي هنا وتقولي كلام مايصحش أبدًا يتقال.
ثم نظرت بصدمة إلى تلك الأوراق التي أمامها قائلة:
- شفت دلوقتي خلتني أعمل إيه؟
ارتكبت عدة أخطاء في الكتابة لا يمكن تصحيحها بدون تشويه الورقة بكاملها. نظرت إليه غاضبة وقالت:
- امشي.. لو سمحت!
- ماكنتش أعرف إني ممل أوي كده، بس أعمل إيه طيب لو أنا شايفك بنت حلوة ولطيفة ومش قادر أقوم وأسيبك؟ انتي تجنني بصراحة.
ثم حدق بوجهها باسمًا وقال:
- واو يا آنسة.. بقالي كتير ماشفتش بنت خدودها بتحمر زيك كده، بيتهيألي لو جبت عود كبريت وحطيته على خدك هيولع!
صرّت على أسنانها قائلة:
- أنا اللي هولع فعلاً يا أستاذ لو مامشيتش حضرتك دلوقتي حالا.. أرجوك روح اتسلى في مكان تاني، أنا عندي شغل للزم يخلص في وقت محدد، مستر عز الدين طالب الشغل ده بنفسه.
هب "عمر" واقفًا ثم قال:
- لااا خلاص خلاص، حقك عليا يا ستي طالما الشغل ضروري ولـ عز كمان أنا همشي حاضر ومش هزعجك.. بس هشوفك تاني.
ثم ابتسم بخفة وغادر المكتب على الفور، بينما تأففت "داليا" بضيق وغضب ثم عادت إلى عملها.
كان "خالد" قد اشترى سوارًا ذهبيًا لـ "عبير" بمناسبة عيد مولدها، ثم قدمه إليها بحب حين كانا يجلسان قبالة بعضهما بحديقة القصر تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم التي تلألأت على مدى أبعاد متفرقة.
كانت تود لو تلقي السوار بوجهه لولا أنها تذكرت غضب أخيها الجامح الذي يحرق بحممه الأخضر واليابس إذا أثاره أحدهم، فأبعدت عن رأسها هذه الأفكار وقبلت هدية "خالد" على مضض، ثم نهضت وشكرته بحرارة زائفة، حيث وضعت ذراعيها حول عنقه وقبلته على وجنته سريعًا ثم عادت تجلس بمكانها.
سعادته في تلك اللحظة جراء ما فعلته دفعته إلى القول:
- بيرو.. إيه رأيك يا حبيبتي لو نتجوز أول الشهر الجاي؟ أنا مش شايف إن في أي سبب للتأجيل أكتر من كده، بقي كل حاجة جاهزة، البيت وكل حاجة، مش ناقص غيرك انتي يا روحي.
ارتعشت في ارتباك ثم قالت متعلثمة:
- آآ إيه يا خالد.. انت مستعجل كده ليه؟ وبعدين احنا محددين الميعاد بعد سنة لما أخلص كليتي، لسه بدري.
- يا حبيبتي ما انتي ممكن تكملي دراسة وإحنا متجوزين برضه، مافيش مشكلة.
زادتها كلماته ارتباكًا فقالت منفعلة:
- وبعدين بقى يا خالد من فضلك اقفل على الموضوع ده دلوقتي خالص، وما تفتحهوش قدام عز الدين، أوعى أحسن ده ما يصدق وممكن يسمع كلامك.
- طب وما له يا حبيبتي.. ده أنا بحلم باليوم ده يا بيرو.. أنا استنيتك كتير بقالي 10 سنين متخيلة؟ بعد الأيام يا عمري ونفسي تفوت بسرعة بقى.
تجهمت "عبير" ثم قالت محاولة إخفاء سخريتها:
- يسلاااام! بتحبني أوي؟ عايز تفهمني إن عمرك ما عرفت غيري مثلاً! حتى لو قلت لأ أنا مش هصدق طبعًا.
- عبير!
هتف بدهشة، بينما سألته بتهكم:
- إيه؟ قلت حاجة غلط؟ يعني انت عمرك ما انجذبت لأي واحدة حلوة مثلاً.. جاوب بصراحة عادي أنا مش هزعل منك خالص صدقني.
زادت دهشته ثم قال:
- أنا عمري ما فكرت في واحدة غيرك يا عبير.. بس بجد أدهشتيني! انتي شايفة إن لو خونتك أو لو حبيت واحدة تانية غيرك دي عادي؟ ممكن تقبلي بكده؟
- آه عادي.. إيه المشكلة؟ الحاجات دي مش بالإرادة، ممكن في لحظة تجذبك واحدة وتلاقي نفسك معاها وبتحبها.
- يسلاااام! طب ويا ترى الكلام ده ساري على الراجل بس؟
- لأ عادي، وعلى الست كمان.
- بجد! يعني انتي مثلاً من الممكن أو من السهل إن راجل غيري يجذبك؟
أوقعها بمأزق فأجابته بسرعة في ارتباك:
- انت بتاخد الأمور كلها بجد! إحنا بنتناقش.
أومأ رأسه موافقًا:
- صح بنتناقش.. بس مستغرب لتكون دي في الحقيقة وجهة نظرك يا عبير!
تجاهلت الموضوع برمته قائلة:
- بقولك إيه.. كفاية مناقشة بقى لحد كده.
ثم قالت لتجذب انتباهه:
- أحلى حاجة إنك أول واحد افتكر عيد ميلادي، لأ وجبتلي هدية حلوة كمان.
نجحت محاولتها في التمويه عن النقاش، حين برقت عيناه بابتسامة عشق، ثم مد يده وأمسك يدها الملقاة على الطاولة الصغيرة التي كانت تفصل بينهما، ثم طبع عليها قبلتين.
- طيب.. أنا لازم أمشي دلوقتي بقى عشان الوقت اتأخر.. بس عايز أقولك إن أنا برتب ليوم إجازة كده هاخدك فيه وأخرجك في أي حتة بمناسبة عيد ميلادك.
قال "خالد" ذلك ثم وقف استعدادًا للرحيل، بينما وقفت "عبير" في مواجهته وأصطنعت ابتسامة، فيما اقترب منها وقبلها على وجنتها بحرارة، تمالكت نفسها حتى لا تبتعد عنه، ثم تنفست الصعداء ما إن غادر وتركها.
يا داليا إحنا كده هنروح في داهية.. لو الورق ده ما امضاش في أسرع وقت كلنا هنروح فيها، ده ريسك كبير أوي على الشركة.
قال ذلك أحد الموظفين الذين اجتمعوا دفعة واحدة داخل مكتب "داليا"، بينما تساءلت:
- طب يا جماعة محدش معاه رقم مستر عز الدين؟
أجابها موظف كان يقف على مقربة منها:
- محدش هنا في الشركة معاه رقمه خالص.
- طب فين الأستاذ خالد ابن عمه والأستاذ عمر، فين؟
فأجابها "عماد":
- خالد بيه واخد إجازة النهارده، أما الأستاذ عمر ده بقى ماشي بهواه، ييجي وقت ما يحب ويمشي وقت ما يحب.
ثم تابع بحنق:
- الحكاية دي أول مرة تحصل في الشركة، أول مرة يسيبوها كلهم سايبة كده، أنا مش فاهم إيه اللي حصل!!
تابعت "داليا" سؤالها قائلة:
- يعني إيه؟ محدش معاه رقم أي حد منهم! مش ممكن!
ثم فجأة هب "عماد" قائلاً:
- أيوه أيوه.. أنا معايا.. معايا رقم خالد بيه.
فسارعت "داليا" قائلة:
- طب هاتيه هاتيه بسرعة.
ثم دونته على هاتفها وأجرت الاتصال به، ليأتي صوت "خالد" بعد لحظات:
- الو!
- أيوه مستر خالد؟
- أيوه أنا مين معايا؟
- أنا داليا.. داليا عبد المجيد حضرتك السكرتيرة العام للشركة.
- آه آه آه.. أهلاً يا داليا، إيه خير في حاجة؟
- في حاجات حضرتك.
- إيه يا داليا في إيه اتكلمي؟
- ورق الـ 3 شحنات اللي واقفين في المينا لسه ماتضماش حضرتك، ومستر عز الدين مش موجود، والورق ده مهم جدًا ولازم يتمضي فورًا، لو ماتبعتش منه نسخة للفرع اللي في باريس مش هيبعتوا البضاعة والجمارك هتحجز عليها والفلوس كمان هتروح علينا، إحنا مابقاش معانا وقت كده، خطر يافندم.
بدا القلق على صوت "خالد" حين قال:
- أيوه يا داليا أيوه.. بس للأسف أنا مكاني بعيد عن الشركة دلوقتي، ده غير إن عز الدين تعبان بقاله كام يوم ومستريح في البيت مابيخرجش، فمعلش يا داليا لو سمحتي لازم تروحي تمضيه على الورق ده بسرعة وترجعي تبعتي منه نسخة علطول لفرع الشركة.
- أنا! أنا أروح أمضيه؟ قصد حضرتك في البيت يعني؟
سألت "داليا" بدهشة فأجابها:
- آه يا داليا، معلش أرجوكي، بقولك هو تعبان أوي والله ومش هيقدر يروح في أي حتة، وبعدين الموضوع مش هياخد أكتر من نص ساعة.
أجابته متعلثمة في تردد:
- آآ أيوه حضرتك فاهمة.. بس.. بس أنا ماعرفش السكة.
فقال على الفور:
- هاتي ورقة وقلم واكتبي العنوان.
دونت "داليا" العنوان بورقة صغيرة ثم أسرعت وغادرت الشركة، استوقفت سيارة أجرة وأخبرت السائق بالعنوان، استغرقت دقائق حتى أدّى بالسيارة طريقًا جانبيًا يكسوه الغبار إلى بوابتي حديد كبيرتين. ترجلت "داليا" من السيارة وطلبت من السائق أن ينتظرها، ثم اتجهت نحو بوابة ذلك القصر الفاخر الذي قرأت على لافتته "قصر فريد نصار". اعترضها حارس البوابة قائلاً:
- نعم حضرتك! عايزة مين؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تلمح بعيني الحارس تعبير الفضول والتساؤل، ثم قالت:
- أنا جاية أقابل الأستاذ عز الدين نصار.
- لو كان عندك ميعاد مع عز الدين بيه كان بلغنا قبل وصولك.. أنا آسف بس ماقدرش أدخلك.
صمتت لثوان ثم قالت تستجديه:
- من فضلك.. أنا لازم أقابله حالا، أنا بشتغل عنده في الشركة وجايبة معايا ورق مهم لازم يمضيه بسرعة وإلا هتحصل كارثة كبيرة في الشغل.
هز رأسه بإصرار صارم قائلاً:
- آسف يا آنسة، هي مش وكالة من غير بواب، أنا شغلتي هنا حراسة البوابة دي، ما أخلي حد يدخل أو يخرج بدون أوامر عز الدين بيه.
فقالت تترجاه:
- لو سمحت.. طيب ادخل قوله إنّي هنا.. قوله بس داليا عبد المجيد السكرتيرة.
هز رأسه بعند وإصرار، فتأففت "داليا" بضيق، ثم فجأة قفزت برأسها فكرة، أخرجت هاتفها وأجرت الاتصال بـ "خالد" فأجاب بعد لحظات:
- أيوه يا داليا عملتي إيه؟
- يا خالد بيه أنا وصلت قدام القصر أهو حضرتك بس الحارس مش راضي يدخلني.
- طب هاتيه هاتيه.
ناولت "داليا" الهاتف للحارس الذي نظر لها بضيق حانق قائلاً:
- اتفضل معاك الأستاذ خالد نصار.
أخذ الحارس الهاتف من يدها ثم أجاب على المنتظر:
- الو! .. أيوه يا خالد بيه.. بس عز الدين بيه ما أدانيش خبر إن في حد جاي يزوره.. أدخلها يعني؟ .. مافيش مشكلة حضرتك متأكد؟ .. حاضر.. حاضر يا خالد بيه تحت أمرك.
ثم أعاد الهاتف إلى "داليا" وفتح لها البوابتين، فمرت عبرهما فيما أوصدهما الحارس بعد دخولها. وقفت قليلاً قبل أن تتابع طريقها وشعرت بيديها ترتجفان، فكان هذا المكان بمثابة عالم آخر بالنسبة لها. تقدمت إلى الأمام وأكملت سيرها في هذا الممر الحجري الطويل حيث أشعة الشمس تداعب بشرتها وتلك الأشجار الكثيفة أيضًا المنتشرة هنا وهناك، والتي رأت من خلالها على بعد خطوات طويلة منها المنزل الرئيسي بهندسته الهولندية الجميلة وبنائه الضخم، مما أثار دهشتها. لم تكن تتوقع أن يكون منزل رب عملها صاحب الوجه الصارم والغضب الجامح بهذا الجمال الفائق، تصورت أن يكون منزله يتمتع بجمال وحشي ولكن هذا الجمال.. رقيق!
تابعت "داليا" طريقها في الرواق المؤدي للمنزل حتى وصلت أمام الباب أخيرًا. ضغطت زر الجرس عدة مرات لتفتح لها إحدى الخادمات. ابتسمت لها "داليا" بتوتر قائلة:
- آآ أهلاً.. ممكن أقابل أستاذ عز الدين من فضلك؟
- مين حضرتك؟
سألتها الخادمة مستفسرة، فصمتت "داليا" لثوان وقررت إعادة الاتصال بـ "خالد" مرة أخرى عوضًا عن التوضيح والشد والجذب:
- إيه يا داليا في إيه ناني؟
أجابها "خالد" بضيق، فقالت:
- معلش حضرتك بس أنا واقفة دلوقتي قدام باب البيت مع واحدة تقريبًا بتشتغل هنا وهي بتسألني أنا مين.. ممكن حضرتك تقولها أنا مين.
قالت آخر كلماتها بإرهاق ضجر، فسمعت موجات ضحك "خالد" الذي ضحك من قلبه قائلاً:
- هههه طيب يا داليا هاتيها.
أنهت الخادمة الاتصال مع "خالد" الذي شرح لها الأمر، ثم رافقت "داليا" إلى الطابق العلوي من القصر حيث توجد الغرف وقالت:
- أوضة البيه اللي في الوش دي أخر الطرقة.. وعن إذنك بقى عشان ورايا شغل.
انسحبت الخادمة في هدوء، بينما وجدت "داليا" نفسها تقف وحيدة وسط ذلك الهدوء العظيم. نظرت حولها لتجد أن كل شبر بهذا المكان رائع حقًا. كان الطابق العلوي عبارة عن بهو طويل وصالون بنفس الوقت، جدرانه مزينة باللوحات الخشبية المرسومة وجميعها تمثل مشاهد للطبيعة، غير أن البلاط الرخامي من تحتها مغلف بالسجاد العجمي الفاخر ذي الألوان القاتمة والتي تنسجم ألوانه مع ألوان الجدران. أفاقت من تأملاتها سريعًا متذكرة سبب مجيئها، فاجتازت ذلك البهو بخطوات سريعة مضطربة متوترة. استطاعت "داليا" أن تبلغ الغرفة بسهولة تبعًا لإرشادات الخادمة، طرقت الباب مرة اثنتين وثلاث ولكن ليس هناك من مستجيب، فأدارت المقبض وهي تشعر بالخوف والقلق وكم أنبتت نفسها لمجيئها هنا وتمنت لو كانت رفضت.
خطت "داليا" داخل الغرفة بتمهل ونظرها مثبت أرضًا، تركت الباب مفتوحًا ثم رفعت وجهها ببطء. كان أثاث الغرفة من الخشب القاتم والألوان القاتمة كما توقعت، غرفته من الجمال الوحشي كشخصيته. فيما أدفأ جهاز التكييف الغرفة بالقدر المناسب، تقدمت "داليا" ببطء من ذاك الرجل الذي يرقد بذلك الفراش الضخم والذي بلغ طوله سبعة أقدام. وصلت إليه حيث وقفت إلى جانبه، غير أنه تحرك قليلاً بقلق. أحست نحوه بالعطف حينما وجدته نائمًا في استسلام تام وقد تغطى جزئيًا فقط بملاءة حريرية ولحافين وقد تصبب العرق من جبينه وصدره الصلب العاري.
كانت الإضاءة خافتة قليلاً ولم تعرف "داليا" كيف تتصرف، فتوجهت نحو النوافذ وأزاحت الستائر جانبًا ثم تطلعت إليه في فراشه فوجدته بالنور الذي غمره أكثر وسامة وجاذبية، وخفق قلبها حتى كاد يقفز من بين ضلوعها، فكان من المستحيل أن تصدق أن هذا الطفل المسالم والمستسلم للنوم والمرض بفراشه هو نفسه ذلك المتعجرف المتغطرس والقاس!
بينما أزعجه الضوء الخافت الذي سرت أشعته إلى الغرفة، فـتأوه فجأة ثم تململ بفراشه في ضيق قبل أن يفتح عينيه، وعندما رآها أمامه حملق فيها غير مصدق ثم...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس 5 - بقلم مريم غريب
حملق فيها غير مصدق ثم قال في صدمة:
- انتي! انتي دخلتي لحد هنا ازاي؟ مين اللي دخلك اصلا؟
سارت نحو فراشه ببطء ثم قالت متعلثمة:
- ا انا.. حضرتك بقالك 3 ايام مش بتيجي الشركة وكان في ورق مهم جدا بتاع الـ 3 شحنات اللي جايين من باريس لسا ماتضماش وكان ضروري يعني يتمضي انهاردة ولما كلمت استاذ خالد اداني عنوان البيت هنا وقالي لازم اجي امضي حضرتك بسرعة عشان ارجع ابعت نسخة من توقيعك لفرع الشركة.. وبس حضرتك.
ارتفع "عز الدين" بجزعه وارتكز على مرفقه ساندا ظهره إلى وسادته فسقطت الأغطية حتى وسطه حيث بدا صدره العاري، ثم قال بوهن جامد:
- انا نسيت خالص الموضوع ده. مش عارف ايه اللي جرالي!
ثم تابع بقسوته المعتادة:
- كانت فكرة كويسة انك تيجي ومعاكي الورق عشان امضيه.. لكن ازاي تسمحي لنفسك انك تدخلي اوضتي بدون اسئذان يا انسة داليا؟
عضت "داليا" على شفتها ثم قالت متعلثمة:
- حضرتك.. انا خبطت كتير قبل ما ادخل لكن مالاقتش رد فإضطريت اني ادخل علطول عشان اخلص مهمتي بسرعة وامشي.
ثم تابعت بجمود متوتر:
- وبعدين حضرتك انا اترددت كتير جدا قبل ما اخطي خطوة واحدة في بيتك ده كله اصلا لكن مجرد ما كنت بفتكر الكارثة اللي كانت هتحصل للشركة كنت باجي على نفسي واقول مشوار مش هياخد كتير ده غير اني فكرت ابعت الورق مع اي موظف استقبال لكن افتكرت اني امينة على اسرار الشركة والورق المهم وعلى اي حال.
قالت ذلك ثم همت بفتح حقيبة يدها وأخرجت ملف يحتوي على بعض الأوراق ثم رفعت بصرها إليه وقالت في جدية بالغة:
- اتفضل حضرتك ده الورق امضيه بقي عشان لازم ارجع الشركة بسرعة.
حملق فيها في هدوء ساخرا كعادته فتوردت وجنتاها، كم تكره تلك النظرة الساخرة وتلك البسمة المتمردة التي تشعرها بكونها فتاة صغيرة ولبس امرأة تشع فتنة ودلال، توترت "داليا" كثيرا كثيرا جراء نظراته وصمته وعندما قارنت اضطرابها بفرط هدوئه وثقته الزائدة بنفسه أدركت حدود طاقتها على مواجهته فأسرعت تقول في حزم:
- ياريت اخد امضيتك بسرعة يافندم عشان الحق ارجع الشركة وابعت منها نسخة و...
- ششش.. اسكتي شوية.
لم تستطع مواصلة كلامها إذ قاطعها فجأة وهو يحدق فيها وعيناه تلمعان كعيني أسد متربص رغم مرضه، ثم انزلق بجسده وترك الفراش فرأت قامته الفارعة تنتصب وهالها منظره الجذاب فأشاحت بوجهها عنه وبخطوات مضطربة سارت نحو الباب قائلة:
- ا ا انا انا هستني حضرتك برا.
- استني.
هتف بحزم فتجمدت بمكانها ثم قال بعد لحظات:
- تعالي يا انسة.
التفتت في بطء ثم رفعت نظرها إليه بروية، رأت أنه قد ارتدى رداءً منزليا من الحرير الكحلي بينما لاحظت أنه يسعل بقوة فيما قال وهو يترنح بضعف نتيجة للحمى الذي تعرض لها:
- هاتي الورق.
كانت قد اقتربت منه وكاد أن يسقط لولا أنها اندفعت نحوه بدون تفكير وأحاطته بذراعها حتى يستند إليها وقالت بقلق صادق:
- حضرتك كويس؟ لازم ترجع لسريرك ماكنش ينفع تقوم ابدا لازم تستريح.
فقال بصوت جاف:
- انا مش تعبان للدرجة دي.
ثم اتكأ عليها بينما قادته إلى الفراش حيث كانت الملاءة غير مرتبة، فساعدته على الجلوس في مقعد بجوار الفراش ريثما تصلح الملاءة والأغطية فلم يعترض، انتهت "داليا" من ترتيب الفراش ثم ساعدته على الوقوف إلا أن جسده المنهار قلب كيانها وأثقلها، ولما عاوده السعال بقوة مرة أخرى زلت قدمها فوقعا معا على الفراش.
اضطربت "داليا" كثيرا وحاولت أن تنهض ولكنها لم تفلح فقد كان جسده عليها يحبس أنفاسها، بينما نظر إلى عينيها الخضراوين المذهولتين بإمعان، كادت أن تتكلم ولكنها لم تعطها الفرصة حين قال:
- اصبري.
ثم وضع يديه قرب رأسها ليرفع نفسه عن صدرها فأسرعت تدفعه بجهد كبير وهي تشعر بصلابة عضلات صدره تحت كفيها حتى اعتدل واستلقى جيدا، وقفت "داليا" تتنفس بصعوبة وهي تجمع شتات نفسها، كانت مضطربة أشد الاضطراب فأخذت تهدأ من روعها بينما شرع هو في إشعال سيجارة فانتبهت إليه وجذبتها من فمه قائلة:
- ماينفعش خالص يافندم.. ماينفعش تدخن وانت في الحالة دي.. بالطريقة دي مش هتخف ابدا وهتفضل عيان وممكن حالتك تسوء كمان.
رمقها "عز الدين" بحدة فتذكرت أنه رجل عنيف لا يقبل الاعتراض لكنه لم يفعل، لم يعترض بل هز كتفيه متنهدا فيما جلبت إليه الأوراق ثم اقتربت منه قائلة:
- اتفضل الورق.
تنهد بثقل ثم مد يده وأخذ الأوراق من يدها، أمسك بالقلم وبدأ يوقع، بينما تألمت "داليا" كثيرا لأن سعاله ازداد حدة ووجهه ازداد شحوبا، أرادت أن تقول شيئا أي شيء لتظهر له أنها مهتمة بأمره وما حدث له بغض النظر عن فكرته عنها وسائر بنات جنسها، ولكنها خافت من رد فعل عنيف فظلت صامتة حتى انتهى من التوقيع.
أومأت رأسها قائلة:
- ماشي.. كده تمام يدوب بقي الحق ارجع الشركة وابعت نسخة من التوقيع.
ثم تابعت متسائلة:
- حضرتك عايز مني اي حاجة قبل ما امشي؟
حدق فيها لبرهة بينما نظرت إليه في تساؤل وإذا بالباب يفتح لتدخل شقيقته التي راحت ترمق "داليا" باعتلاء مقطبة حاجبيها:
- ايه يا عز.. عامل ايه دلوقتي يا حبيبي؟
قالت "عبير" ذلك وهي تجلس على الفراش بجانب شقيقها بينما تجاهل سؤالها قائلا:
- اومال فين خالد؟
فأجابته:
- وصلني ومشِ.
فسألها:
- مشي على فين؟
هزت كتفيها قائلة:
- معرفش!
رمقها اخيها بغضب فضغطت على شفتيها في توتر بينما قالت "داليا" وهي تجمع حوائجها:
- طيب عن اذن حضرتك بقي.
- استني.
هتف "عز الدين" آمرا ثم تناول هاتفه وهو أجرى الاتصال بـ "خالد":
- ايوه يا خالد.. انت فين؟.. طيب ارجع.. مش بتقول هتروح على الشركة؟.. طيب ارجع عشان تاخد معاك داليا.. يلا بسرعة.
ثم أغلق الخط معه ونظر إليها ثم قال بحزم:
- خالد هيرجع عشان ياخدك معاه في سكته.. هو مابعدش كتير مسافة ما تنزلي قدام البيت هتلاقيه قدامك.
أومأت "داليا" رأسها وشكرته ثم غادرت غرفة نومه مسرعة وهي تتنفس بعمق، خيل إليها أنها انعزلت عن العالم بأسره دهرا كاملا عندما انفردت به في تلك الغرفة.
خرجت "داليا" إلى باحة القصر وفعلا التقت "خالد" مباشرة فتوجهت نحوه فدعاها إلى الدخول بسيارته فعلت ذلك في هدوء:
- انا مش عارف اقولك ايه يا داليا؟ بس بجد انتي انقذتينا انهاردة و عموما انا بشكرك على المساعدة وبعتذرلك لو كنا تعبناكي معانا.
نظرت "داليا" إلى "خالد" ثم ابتسمت في هدوء قائلة:
- مافيش داعي للشكر او الاعتذار حضرتك.. المهم ان الشغل مشي تمام.
نظر لها "خالد" بامتنان وشكرها مرة أخرى ثم ادار عجلة القيادة وانطلق سريعا إلى الشركة...!
مرت أيام أخرى على "داليا" في العمل وقد تعافى "عز الدين" تماما وعاد بقسوته وغطرسته مرة أخرى، لدى "داليا" اعتقاد راسخ بأنه لو تغير العالم بأكمله لن تتغير شعرة واحدة من رأس "عز الدين" كم هو صارم متسلط.
في يوم العطلة جلست "داليا" بغرفتها تفكر، ظلت تسترجع تفاصيل ما حدث لها بمنزل "عز الدين" راحت تجاهد كي تبتعد بتفكيرها عنه لكن صورته بقيت تلح عليها، كانت شاردة فيه لدرجة أنها لم تشعر بشقيقتها حين دلفت إليها:
- لأ وربنا كده كتير.
قالت "ياسمين" ذلك وهي تجلس بجوار شقيقتها ثم راحت تنقل عينيها على وجهها قائلة:
- ايه يا داليا! من ساعة ما بدأتي شغل في الشركة الظريفة دي والواحد مبقاش عارف يتلم عليكي.
قهقهت "داليا" بخفة قائلة:
- معلش يا ياسمين الشغل عايز كده هعمل ايه يعني.
فقال "ياسمين" بضجر:
- شغل ايه بس ده اللي يستغلك كده.. يا بنتي انتي بتنتحري في الشغل لدرجة انك بتجيبيه معاكي هنا والكبيرة بقي انك ساعات بتروحي تشتغلي يوم اجازتك.
- يا حبيبتي مديري صعب شوية هو راجل بيحب شغله يكون مظبوط ومن واجبي بقي اني اثبتله شطارتي عشان اكسب ثقته واحافظ على وظيفتي.
علت علامات العجب والدهشة وجه "ياسمين" التي صاحت:
- ما تقوليلي بالمرة انك بتفكري تشتغليله داده! جري ايه يا داليا ماينفعش كده هو ما اشتراكيش من سوق العبيد كل شيء بالعقل وانت لازم تشتغلي على قد وقتك محدش بيعمل عمايلك دي.
قهقهت "داليا" عاليا ثم قالت:
- حبيبتي والله انا عارفة انك بتخافي عليا بس صدقيني كل حاجة كويسة انتي بس عشان مش واخدة على اني انشغل عنك واسيبك كل يوم فبتعملي كده.
ثم فجأة صاحت "ياسمين" بحنق:
- مافيش فايدة ماشي انتي حرة اضعفي كمان وكمان.
ثم غادرت غرفة شقيقتها وهي تتمتم في غيظ:
- اه لو اشوف البيه ده.
بينما تعالت ضحكات "داليا" في مرح.
- مافيش حل غير انك تفاتح عز الدين بنفسك احسن انا خلاص زهقت من البني ادم اللي لازقلي ده.
قالت "عبير" ذلك عندما كانت تجلس في سيارتها بجانب حبيبها "حسام" الذي توتر فورا فقال:
- انتي بتقولي ايه بس يا عبير؟ بقي عايزاني انا اروح اطلب ايدك من اخوكي كده عادي! طب هقوله ايه؟
- قول له الحقيقة.
- انتي اتجننتي ولا ايه؟
هتف بدهشة ثم تابع:
- يعني عايزاني اروح مثلا واقوله عز الدين بيه.. انا طالب ايد اخت حضرتك اصلنا بنحب بعض اوي لاء وعلاقتنا كمان متطورة اوي تقريبا متجوزين.. عايزاني اروح اقوله كده؟ ده يقتلني!
- لاء.
صاحت بغضب ثم تابعت:
- لاء مش عايزة اك تقوله كده.. عايزة اك تقوله انك بتحبني.. بتحبني وبس وساعتها انا هيبقالي رأي.. افهم يا حسام الموضوع ماينفعش ييجي من ناحيتي هيشك اننا على علاقة من زمان ده بيشك في الهوا اللي حواليه وانا زهقت بقي.. زهقت منه ومن خالد ومنهم كلهم انا نفسي اعرف انت مش بتضايق لما بتكلمني وبقولك قاعدة او خارجة معاه!
ارتبك "حسام" قليلا فابتسم وقد باتت نبرته أكثر حدة حين قال:
- بيرو.. اهدي يا حبيبتي.. اهدي وحاولي تفهميني.. زي ما قلتلك قبل كده انا مجرد موظف صغير عند اخوكي.. اخوكي عز الدين نصار بجلالة قدره يعني انا فين وانتوا فين الموقف هيبقي صعب جدا عليا لما اروح اطلب ايدك منه متخيلة هيقولي ايه؟ اكيد اول وابسط حاجة هيعملها انه يطردني من الشركة.
تأففت "عبير" قائلة:
- طب لحد امتى هنفضل كده يعني؟
- عبير.. خليكي فاكرة اني ماغصبتكيش على حاجة كله كان بمزاجك لاء و خلينا نقول كمان وبتشجيعك ليا.
نظرت إليه في صدمة قائلة:
- يعني قصدك ان انا اللي غلطانة؟ في الاخر بقيت انا اللي غلطانة يا حسام؟
زفر بضيق بينما أومأت رأسها بأسى قائلة:
- عارف.. عندك حق.. فعلا انا اللي غلطانة.. غلطانة عشان حبيتك وعشان افتكرت انك بتحبني.
أغمض عينيه بشدة ثم حول نظره إليها وقال بلطف مصطنع:
- حبيبتي.. اهدي.. اهدي كده واوعدك هنشوف حل بس خلاص بقي كفاية كلام اوي لحد كده عشان مانزعلش من بعض نبقي نتناقش بعدين.. اتفقنا؟
هزت رأسها بالموافقة بينما اصطنع ابتسامة وهو يقول في نفسه "قال اطلب ايدها قال"...!
كانت تقف إلى جانبه، تراقبه وهو جالس وراء مكتبه منكبا على بعض الأوراق يتصفحها بتركيز بالغ وكم بدا جذاب، حتى انتهى تماما فرفع بصره عن الأوراق واضعا كفيه على وجهه بتعب ثم استند بظهره إلى مقعده وقد بدا مرهق منهك القوى.
تطلعت إليه "داليا" بإشفاق ثم قالت:
- انت اجهدت نفسك اوي في الشغل اليومين دول يافندم.
ثم تابعت متسائلة:
- تحب اعملك قهوة؟
وجه نظره إليها ثم قطب حاجبيه بشكل جذاب أقلق "داليا" فيما رف جانب فمه باستسلام فعبرت تلك الحركة عن ضيق صدره الواسع فقال:
- ماشي.
منحته "داليا" ابتسامة رقيقة ثم اتجهت نحو ذاك الركن المنفرد بحجرة المكتب والذي يحتوي على طاولة وبراد صغير، أمسكت "داليا" بالإبريق الذي ملأته للتو ثم أوصلته بالكهرباء.
- مبسوطة في الشغل معايا يا داليا؟
كان هذا صوت "عز الدين" الذي وجدته فجأة يقف خلفها، شهقت باضطراب جراء المفاجأة ثم أجابته باسمة:
- اه يافندم طبعاً مبسوطة.
- ويا ترى كونتِ صداقات هنا بقي؟
طغت السخرية على صوته وألهبت نظراته وجنتها فقالت:
- ايوه طبعاً.. الناس اللي هنا كلهم كويسين وتقريبا كلهم اصدقائي!
- ممم.. طب يا ترى مافيش صداقات خاصة بقي؟
- انا مش فاهمة حضرتك تقصد ايه؟
غمغمت وهي مدركة تماما لقصده بينما هز كتفيه بلا اكتراث قائلا:
- انا ما قصدتش اتدخل في حياتك الخاصة لكن مجرد فضول مش اكتر.. اصل بصراحة شخصيتك محيراني شوية بمعنى اوضح شداني.
رمشت بحيرة ورمقته بارتباك وشك، فرأته يبتسم ويمعن في جرأته، إنها حتما أقدم لعب الاصطياد في العالم!
فسرت الأمر بأنها فتاة بسيطة من الطبقة المتوسطة ذات عادات وتقاليد صارمة أثارت اهتمامه فأراد التودد لها كي ينال منها مآربه وإلا لماذا يهبط رجل مثله لمستوى منخفض كهذا؟
- بيتهيألي ان مشاعرك باردة شوية يا داليا؟
قال ذلك متسائلا فتوردت وجنتاها ثم عضت على شفتها قائلة:
- باردة ازاي يعني مش فاهمة!
- لاء انتي فاهمة كويس.
قال ذلك ثم تأملها بخبث وقال:
- انا ممكن اعرف بنفسي اذا كنتي باردة ولا لأ لكن جايز اسلوبي ما يعجبكيش.
ازداد محياها اشتعالا وتأكدت من نواياه تماما فأشاحت بوجهه عنه وقالت:
- اعتقد ان ده مكان شغل حضرتك وما يصحش ابدا الكلام في الامور دي هنا او في اي مكان تاني.. ما يصحش.
- ليه يا داليا؟ بتخافي؟
عاد يسخر مرة أخرى وهو يتفرص فيها بعينين وقحتين، كانت متوقعة أنها حظت بالقليل من احترامه ولكنها كانت مخطئة، فسوف يبقى هو كما هو لن يتغير أبدا.
فكرت أن تغادر مكتبه الآن يكفيها ذلك، ولكنه وقف أمامها مباشرة يسد عليها الطريق وكأنه حزر رغبتها في الهرب ثم قال بتكاسل:
- شخصيتك.. شخصيتك يا داليا هي اللي حيرتني فيكي وشدتني ليكي.. اول حاجة رفضتي المبلغ اللي قدمتهولك لما جيتي عشان تشتغلي.. وتاني حاجة تصرفاتك.. تصرفاتك لما كنتي عندي في البيت وتحديدا.. في اوضتي.
أخذت تبتعد عنه فقبض على خصرها وقهقه عاليا ثم قال:
- مش عارف انتي فيكي ايه! بصراحة غريبة عليا جدا مش عارف اذا كنتي بتصطنعي البراءة ولا ذكية جدا ولا بتخططي لـ ايه مش عارف بجد مش عارف.. ماتقوليلي يا داليا انتي ايه في دول بالظبط؟
- انا ولا حاجة من اللي حضرتك قلت عليهم انا مجرد موظفة بحاول اشتغل بجهد و امانة.. وبس.
هتفت بغضب عاجز وهي تحاول الإفلات من أصابعه القاسية بينما قال:
- ولو انك نسيتي تضيفي حاجات تانية بس مش مشكلة.. كله هيبان مع الايام.
توقفت عن المقاومة إذ شعرت بضعفها أمام قوته إلى جانب شعورها بأنه كان مستلذا بمقاومتها، مؤكد ذلك فلابد أنه لم يلق مقاومة من أي امرأة تعرف إليها في حياته وبنسبة له هي نوع جديد وهو اشتاق للهو.
لكنها تملصت بعنف شديد من قبضته ثم قالت محاولة الدفاع عن هشاشتها:
- لو سمحت.. سيبني يافندم.. ما يصحش كده.
لم يأبه بتوسلاتها بل احتجزها فجأة بين الحائط وبينه فأعتراها ارتجاف أرخي مفاصلها ثم ردد وعيناه تفترشان محياها الشاحب:
- اظن دلوقتي انا لازم اعرف اذا كانت مشاعرك باردة ولا لأ.
كانت "داليا" تتنفس بعمق عندما ضمها "عز الدين" بقسوة وغيبها في عناق طويل، حاولت أن تحافظ على تقلص جسدها ولكن دون جدوى، تسربت قوتها بشكل أذهلها أي سحر ذاك الذي جعلها مستكينة بأحضانه هكذا؟ وكأنها مصممة على بعثرة بقايا مقاومتها فيما ارتفعت يداها تحاولان دفعه عنها فلم تصلا إلى أبعد من صدره حيث بدد ملمس عضلات صدره القوية كل صمود وتعقل، دمعت عيناها لضعفها هذا، فبدأت تتنفس بثقل وأحست بما تملكه يده من خبرة في منعطفات الإثارة، ثم فجأة أفاقت من غفوتها وعادت إلى رشدها حيث استجمعت قواها ودفعته عنها بعنف جاهدة في التخلص منه، ولوهلة رفض إطلاق سراحها ثم أفلتها فتراجعت إلى الوراء بسرعة واستدارت بعيدا فشعرت فجأة بيديه القويتين تقبضان على ذراعيها وتديرانها نحوه:
- محدش بيدور ضهره ليا.
غمغم بعنف ثم تابع:
- وخصوصا الستات.
ارتعشت بفعل قبضته الفولاذية ونظراته الغاضبة بينما قال متهكما:
- وبالأخص بردو الستات اللي زيك.
لمعت عيناها كالنار فلم تشعر بنفسها إلا حين رفعت يدها وسددت له صفعة مدوية سمعت دويها في أذنيها عاليا.
بقيا صامتين كتمثالين، وجه "داليا" مكفهر وملوت ووجه "عز الدين" واضح خال من التعابير، وفي وسط كل ذلك تصاعد رنين هاتفها فاتجهت سريعا إلى حقيبتها وأخرجته لتجد المتصل شقيقتها فأجابت بصوت مرتجف دامعة العينين:
- ايوه يا ياسمين.
ثم هتفت في صدمة:
- ايه؟ بتقولي ايه؟
ولأول مرة في حياتها سقطت مغشيا عليها...!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السادس 6 - بقلم مريم غريب
و عندما وصلت أمام الغرفة ، ما كادت تدير المقبض ، حتى إنفتح الباب بعنف ، و ظهر عز الدين من وراءه ، و بحركة عصبية حرك يده في شعره ، ثم قال بلهجة عاصفة:
- كنتي فين ؟؟
نظرت إليه في حنق مقطبة ، و لم تجبه ، بل شددت ذراعيها حول عدنان النائم في سلام بين أحضانها ، ثم تجاوزته ، حيث مرت به غير مكترثة ، و ما كادت تخطو خطوة أخرى ، فقد قبض على رسغها بقوة ، و جذبها إليه بعنف صائحا:
- انتي ماسمعتنيش و لا ايه ؟ كنتي فين انطقي ؟؟
ترنحت بفعل حركاته العنيفة ، و إن لم يكن يمسك بها لكانت سقطت أرضا في الحال ، بينما إزدردت ريقها بتوتر ، و توردت وجنتاها بدفقة غضب كبحتها سريعا ، ثم أخيرا أجابته و هي تمقت الخوف الذي زحف إلى صوتها:
- كنت عند الدكتور.
ثم تملصت من قبضته ، قائلة بإقتضاب:
- الولد هيقع مني ، سيبني لو سمحت خليني أنيمه في سريره.
تجنبت النظر إليه ، خشية رؤية نظراته العنيفة ، بينما إنتظر لوهلة ، ثم أفلتها ، فتنفست الصعداء ، و إتجهت بالصبي نحو فراشه ، ثم وضعته في هدوء ، و بسطت فوقه غطاءه الصوفي.
و عندما إلتفتت خلفها ، وجدت عز الدين يقف أمام الفراش ، و قد أودع راحتيه في جيبيه ، فنظرت إليه في إرتياب ، بينما بدا متجهما ، غاضبا إلى أقصى حد ، و عازما على نزع إجابات أسئلته منها بأي طريقة.
- تعالي.
هتف عز الدين بنبرة حادة ، و لكنها خافتة ، فيما ترددت داليا للحظة ، ثم تقدمت نحوه بخطي ثقيلة ، حتى و صلت إليه ، فضاقت عيناه قليلا مما جعل عروقها تنبض بالخوف ، بينما إلتقت نظراتهما ، فسألها بصوت هاديء يختبيء بطياته غضب هائل:
- قولتيلي كنتي عند الدكتور .. ليه ؟؟
أجابته بخفوت ، و قد تجمدت تعابير وجهها:
- عدنان كان سخن اوي، درجة حرارته كانت عالية ، فخدته للدكتور علطول.
أومأ رأسه مهمهما ، ثم عاد يسألها محتدا:
- و ماتصلتيش بيا ليه قبل ما تخرجي من الييت ؟ ازاي تخرجي منغير اذني ؟؟
توهجت عينا داليا في غضب بتلك اللحظة ، ثم أجابته متهكمة ، و قد علا صوتها رغما عنها:
- اتصلت و سكيرتيرتك قالتلي انك في اجتماع مهم ، كنت عايزني اعمل ايه يعني ؟ استني لما ابني يموت عشان اخد اذنك ؟؟
رفع حاجبيه ذاهلا من طريقتها ، بينما إنتبهت إلي ما قالته ، فعادت تقول بتلعثم محاولة تعزيز موقفها:
- ماكنتش اقدر استني علي الولد كتير ، كان لازم الدكتور يشوفه بسرعة.
ثم أضافت بإختصار ، و الآلم يجرح صوتها:
- انا كنت خايفة عليه .. و مافكرتش في حاجة تانية.
- مش هحسبك علي كلام اتقال في لحظة انفعال.
هتف بصوت جاف ، ثم إنحني برأسه قليلا صوبها ، و غمغم بدون أن يطرف له جفن:
- بس خدي بالك المرة الجاية من كلامك .. اوعي تتخطي حدودك مرة تانية.
ثم تركها ، و غادر الغرفة بأكملها ، فتقلص حلقها بآلم حارق ، و شعرت بالحريق يمتد نزولا إلي قلبها المعذب.
الأن و في تلك اللحظة ، أخذت تسترجع ما حدث صباح اليوم ، ها قد عادت المدعوة جومانة خطاب مرة أخرى ، تنهدت بأسي و هي تغوص في بحر من الشكوك ، و التساؤلات ، و فكرت .. لا يعقل أن تآت تلك المرأة لتعكر صفو حياتهم مجددا ، لا يعقل أن تنال منها ، و تعمل على إستمالة زوجها ، و لكن مهما كان الأمر ، و مهما كانت نيتها ، لن تسمح لها بإلحاق أي ضرر بأسرتها.
في الصباح التالي ...
ذهب عمر لزيارة أمه ، و كان يظن أنه سوف يجدها نائمة تحت تأثير المخدر كالمرة السابقة ، و لكنها تنبأت بقدومه ، فتحملت الآلم لأجل رؤيته.
- ماصدقتش نفسي .. لما قمر قالتلي انك جيت.
قالت السيدة كاميليا ذلك تخاطب عمر و هي مستندة بظهرها على وسادة فراشها الوثير ، ثم تابعت باسمة و عيناها تكاد تغمضان من الأرق ، و الإعياء اللذين إستبدا بها:
- بس زعلت اوي اني ماشوفتكش يا حبيبي .. قولي .. ايه اخبارك ؟ كويس ؟ و اخواتك عاملين ايه ؟؟
إبتسم عمر الذي كان يجلس على حافة الفراش إلى جانبها ، ثم أجابها بلطف:
- انا تمام يا ماما .. و عز و عبير كويسين كمان.
ثم راح يحدثها عن شقيقته أولا:
- عبير اتجوزت خالد اخيرا.
- بجد ؟؟
- اه بقالهم سنة و كام شهر متجوزين اهو.
إبتسمت كاميليا بخفة ، ثم إدردت ريقها بصعوبة ، و سألته ملهوفة:
- و اخوك عز الدين .. اخباره ايه ؟؟
- عز الدين اتجوز هو كمان.
أجابها عمر ثم قهقه ضاحكا عندما رأى ما إرتسم على وجهها من علامات التعجب ، و الإستغراب الشديد ، بينما نظرت إليه غير مصدقة ، فهز رأسه مؤكدا صدق قوله ، و قال:
- عز اتجوز بقاله سنتين تقريبا من بنت كويسة جدا جدا ، انا شايف انها بتحبه اوي ، و الواضح انهم متفاهمين نوعا ما ، يعني مافيش مشاكل كبيرة بينهم.
ثم أضاف باسما:
- و بقي عندهم طفل جميل ، عمره سنة.
إبتسمت السيدة بآلم ، ثم عادت تسأله:
- اسمه ايه يا عمر ؟؟
- عدنان.
حدقت أمامها في اللاشيء ، و رددت الإسم مدحرجة إياه في فمها ببطء ، كما لو أنها تتذوق رنته ، ثم وجهت نظرها إليه مجددا ، و قالت باسمة:
- كلكوا على حرف العين ؟؟
ثم أطلقت ضحكة خفيفة ، و قالت:
- تعرف اني انا اللي اخترت اسم اخوك ؟ انا اللي سميته عز الدين .. و بعد كده لما جيت انت و جت بعدك اختك ، ابوك هو اللي اختارلكوا اساميكوا.
صمتت قليلا لدي ذكرها زوجها والد أبنائها ، ثم تحلت بالشجاعة ، و إندفعت تخبر إبنها بعض الأمور عن الماضي:
- انا ماخنتش ابوك يا عمر.
رمقها عمر مقطبا ، فتنهدت و الدموع تتلألأ بعينيها الزرقاوين ، ثم بدأت تسرد عليه تفاصيل القصة الأصلية:
- قابلته من 35 سنة بعد موت ابويا و امي .. فريد .. فريد نصار ، كان عندي حوالي 20 سنة وقتها ، كنت صغيرة ، و احلي بكتير من دلوقتي كمان ، بس كنت مجرد بنت فقيرة ، رأسمالي الوحيد كان جمالي .. و في يوم كنت من ضمن ناس معزومين في فرح كبير ، في مكان من الاماكن اللي محدش بيدخلها بسهولة ، او بمعني اصح ، الطبقة العالية بس هما اللي مسموحلهم يدخلوها .. المهم شفت ابوك لاول مرة هناك ، و عجبته طبعا ، اتكلمنا شوية و ماسبنيش امشي الا لما خد مني عنواني و حدد ميعاد عشان نشوف بعض تاني .. و فعلا ، قابلته تاني و تالت و رابع ، فلاقيته في مرة بيطلب ايدي للجواز ، وافقت عليه طبعا ، هو كان فرصة بالنسبة لي ، فرصة ماكنتش اقدر احلم بيها ، مانكرش اني حبيته ، حبيته اوي كمان .. في الاول كنت مبسوطة بحياتي الجديدة معاه ، كان موفرلي كل حاجة ، اي حاجة كنت بطلبها كنت بلاقيها ، بس في المقابل كان حابسني جوا قصره ، كان عازلني عن الناس ، الهدوم و الفساتين و المجوهرات اللي كنت فرحانة بيهم ، ماكنتش عارفة البس منهم حاجة ، بدأت احس انه بيمتلكني مش بيحبني ، كل حاجة كان بيعملها و كل تصرفاته كانت بتأكدلي ده ، كلامه و نظراته و لمساته كلها تملك مش حب.
نظرت كاميليا إلى وجه إبنها المكفهر ، فأغمضت عينيها بشدة ، ثم تابعت هذا الجزء بصوت مختلج ملؤه الآلم:
- مرت سنة ، و خلفت اخوك عز الدين .. هو اللي هون عليا الحياة شوية ، انشغلت بيه ، و رجعت احب ابوك تاني عشان خاطره .. كبر قدام عيني يوم و را يوم و سنة ورا سنة ، لحد ما تم 6 سنين .. بعد كده جيت انت كمان يا حبيبي ، و جت اختك عبير متأخر شوية هي كمان ، بعد 10 سنين ، كنت مبسوطة اوي بيكوا ، كنتوا مليين حياتي ، و كان اخوك عز الدين ده اكتر واحد فيكوا حبني و كان متعلق بيا.
ثم صمتت قليلا ، و أضافت بخفوت:
- بعد ولادة عبير بسنة ، بدأت الأمور كلها تتغير ، بدأت ابص لنفسي اكتر ، كنت عارفة اني بحب التمثيل و موهوبة ، و بالصدفة في يوم قريت اعلان في مجلة ، كان في منتج بيدور على وجوه جديدة ، فقلت ليه لأ ، ليه ماجربش اعمل الحاجة اللي بحبها و ماخرجش شوية من سجن ابوك .. و فعلا عملت كده ، دخلت الاختبارات و وقع الاختيار عليا و اخدت دور البطولة مش دور ثانوي ، ماكنش ينفع اتنازل لابوك اكتر من كده ، كنت عارفة انه هيرفض .. عشان كده سيبته و رفعت دعوة طلاق ، اتطلقت منه بعد فترة قصيرة .. بعترف اني اتصرفت بانانية لما مشيت و سيبتكوا ، و مافكرتش فيكوا ، و للحظة فكرت اسيب حياتي الجديدة اللي لاقيت فيها نفسي و ارجعلكوا تاني .. بس رجعت عن افكاري دي لما اتفاجئت ان ابوكوا فهمكوا اني خنته عشان كده سيبتكوا و مشيت .. وقتها كرهته اوي ، كرهته جدا و ماكنتش قادرة اقرب منكوا بسببه ، منعني عنكوا سنين ، و لما مات و حبيت انا ارجع اقربلكوا تاني ، اكتشفت ان الاوان فات من زمان ، شفت نسخة تانية من ابوك .. عز الدين صورة منه ، في الشكل و الطباع و القسوة ، شبهه في كل حاجة.
- مدام كاميليا .. ميعاد الدوا.
قالت الممرضة ذلك ، و هي تقترب من فراش السيدة ، حاملة بيديها كأسا من الماء ، و زجاجة حبوب صغيرة ، بينما جاهد عمر كي يستوعب ما قالته أمه توا ، فهمهم بإرتباك ، ثم نهض ، و ساعدها على الإعتدال بفراشها ، فأعطتها الممرضة الحبة ، و ناولها عمر كأس الماء ، فإبتلعت كاميليا الحبة بصعوبة ، بينما قال عمر بخفوت و هو يربت على كتفها بلطف:
- بالشفا يا ماما.
ثم إبتسم بتوتر ، و هو يتساءل في نفسه .. كيف و إلى أين ستؤول الأمور ؟؟
على الطرف الآخر ، انتظرت عبير حتى انتهت محاضرة دكتور أمجد ، و بعد ما تأكدت من أن قاعة المدرجات فارغة ، نهضت ، و تقدمت صوبه ، بينما كان يجمع أغراضه بحقيبته السوداء ، فشعر بوجودها ، و رفع نظره إليها ، فأفتر ثغره عن إبتسامة عذبة ، ثم حياها برقة قائلا:
- صباح الخير ، اهلا يا عبير ازيك ؟؟
إبتسمت بتردد ، ثم بادلته التحية:
- صباح النور يا دكتور ، انا كويسة الحمدلله.
- يا رب دايما كويسة.
تنفست بعمق ، و هي ترمقه بنظرة ثاقبة ، فلاحظ نظرتها ، ثم سألها باسما في توتر:
- في حاجة يا عبير ؟ يا تري في حاجة في المحاضرة مش فاهماها ؟؟
هزت رأسها نفيا ، فتغضن جبينه بعبسة إستغراب ، و إستوضحها بنبرة جدية هادئة:
- طيب خير ؟ محتاجة مني حاجة ؟؟
إزدردت ريقها ، ثم إنتظرت لثوان ، و سألته مضطربة:
- هو حضرتك .. صحيح خدت رقمي من ريم .. أيام الامتحانات ؟؟
تجمدت قسمات وجهه فجأة عندما طرحت عليه السؤال ، فسارعت تخفف من حدة التوتر الذي غلف الأجواء ، فقالت:
- انا كنت بسأل بس طالما حضرتك خدته عشان تتصل و تطمن عليا ، ليه ماتصلتش ؟؟
منحها إبتسامة مترددة ، ثم أجابها بلهجة جاهد في أن تبدو طبيعية:
- وقتها سمعت انك بقيتي كويسة ، فقلت مافيش داعي ازعجك.
أطلقت ضحكة مصطنعة ، ثم قالت:
- لا لا يا دكتور ازعاج ازاي بس ! انا كنت هتبسط اوي بمكالمة حضرتك.
خيم عليهما جو التوتر من جديد ، فهمهمت عبير ثم إستأذنت منه قائلة:
- طيب عن اذن حضرتك بقي ، انا لازم امشي .. سلام.
ثم غادرت القاعة و هي تتنفس الصعداء.
- و عدنان حبيبي عامل ايه دلوقتي ؟؟
قالت ياسمين ذلك في حنان متسائلة و هي تخاطب شقيقتها ، بينما كانت داليا تباشر عملها بالمطبخ ، حيث كانت تطهو طعام العشاء ..
- كويس الحمدلله بقي أحسن.
أجابتها داليا بإبتسامة خفيفة ، فعادت ياسمين تسألها:
- هو فين صحيح ؟؟
- نايم .. اكلته و اديته الدوا ، و بعدين نايمته.
أومأت ياسمين رأسها باسمة ، فنظرت إليها شقيقتها فجأة ، و سألتها:
- هو انتي كنتي فين امبارح يا ياسمين ؟ مش امبارح كان يوم اجازتك بردو ؟؟
أجابت ياسمين مرتبكة:
- اه يا داليا امبارح كان يوم اجازتي.
- طيب كنتي فين ؟ صحيت من النوم ما لاقتكيش !!
قضمت ياسمين شفتها بقوة ، و لم تجد مفر ، و لأنها إعتادت الصدق ، و تمقت الكذب ، أخبرت شقيقتها بالأمر كله.
- لا حول و لا قوة إلا بالله.
هتفت داليا مصدومة ، ثم تابعت متسائلة:
- يعني بجد المرض ده مالوش علاج ؟؟
زمت ياسمين شفتيها بأسف قائلة:
- لأ للأسف مالوش علاج.
تنهدت داليا بإشفاق ، ثم عادت تسألها مستغربة:
- بس بردو انا مش فاهمة حاجة .. انتي روحتي ليه مع عمر عند مامته ؟؟
إبتسمت ياسمين ثم أجابتها بلطف مضطرب:
- يا داليا قلتلك كانوا متخاصمين ، و انا اللي اقنعته يروحلها بالعافية بعد ما شفت الخبر في المجلة .. و بعدين يرضيكي يعني الست تبقي في المحنة دي لوحدها ؟؟
تأملت داليا الوضع ، فإقتنعت بكلام شقيقتها ، بل و قالت أيضا:
- عندك حق .. عشان كده انا بفكر اخد عدنان و اروحلها.
- فكرة كويسة جدا و الله.
هتفت ياسمين باسمة ، فتلاشى حماس داليا حين قالت:
- بس في مشكلة.
- ايه هي ؟؟
- هقول لعز الدين انا رايحة فين ؟؟
فكرت ياسمين لبرهة ، ثم إقترحت:
- قوليله هتاخدي عدنان للاستشارة عند الدكتور.
إبتسمت داليا بخفة ، و أومأت رأسها ، و قد أعجبتها الفكرة.
- طيب هروح امتي و ازاي ؟؟
سألت شقيقتها مستوضحة ، فأجابتها:
- بكرة كويس ، و انا ممكن اجي معاكي .. ايه رأيك ؟؟
تنفست داليا بعمق ، ثم أومأت رأسها موافقة.
في الصباح التالي ...
و بينما كانت داليا تساعد عز الدين على إرتداء ملابسه كي يذهب إلى العمل إحتالت عليه حيث قالت له كاذبة أنها ستذهب مع شقيقتها بـ عدنان إلى الطبيب من أجل الإطمئنان عليه ، فوافق في الحال بحسن نية ، فأسرعت هي ، و أرتدت ملابسها ، بعد أن غسلت عدنان و ألبسته ، و أطعمته.
ثم أخذته بين ذراعيها ، و غادرت الغرفة ، متجهة إلى ساحة القصر ، حيث عمر و ياسمين كانا بإنتظارها ، و ما أن إستقلت بإبنها في المقعد الخلفي من سيارة عمر حتى إنطلق هو بسرعة متوسطة بناء على طلب داليا.
وصلوا أخيرا إلى بيت السيدة كاميليا فهمي.
أعجبت داليا بمنزلها البسيط ، و الرائع بنفس الوقت ، كما أنها أغرمت بالديكور الداخلي ، و عندما صعدت إلى الدور العلوي برفقة عمر و ياسمين اللذين تقدماها حتى غرفة النوم ، وجدت الغرفة فخمة الأثاث ، و على الفراش الفارغ غطاء مزين بباقات من الأزهار الرائعة ، مع وسائد ذات وجوه خضراء سندسية تناسب فخامة الغرفة الواسعة ، و على جانبي الفراش ، كان هناك مقعدان جميلان في قِدمهما ، و ألوانهما ، أما التحف الخاصة بالسيدة الفاتنة ، فقد تناثرت في أنحاء الغرفة مشيعة جوا من الفوضى المحببة ، هذا بالإضافة إلى صورها المعلقة على الجدران في كل مكان بالبيت ، و التي تحكي تاريخ حياتها الفنية الناجحة ، و الرائعة.
- اهلا بيكوا .. اتفضلوا.
إلتفتت داليا نحو مصدر الصوت ، فوجدت السيدة تجلس على مقعد وثير قرب شرفة غرفتها ، فإبتسمت كاميليا بخفة ، و دعتهم للجلوس إلى جوارها ، فتقدمت منها داليا و هي تحمل عدنان بين ذراعيها ، ثم جلست قبالتها على أريكة صوفية سوداء ، فجلست ياسمين إلى جانب شقيقتها ، بينما جلس عمر بمقعد إلى جانب أمه.
أمعنت داليا النظر بوجه المرأة الحسناء الجالسة أمامها ، رغم مرضها الذي أهلكها تماما ، إلا انها لا زالت محتفظة برونقها الحذاب ، و بينما كانت داليا تتأملها مليا ، وجهت كاميليا نظرها إلى الصبي الصغير القابع بحضن أمه ، فإبتسمت بحنان و هي تتأمله عن كثب ، رأت من خلال ملامحه شقاوة أبيه ، و جده ، ذلك العرق الدساس ، ذلك النسل المتجبر ، و الفريد من نوعه لن ينتهي أبدا.
أطلقت كاميليا ضحكة رنانة ، ثم قالت موجهة حديثها إلى داليا و هي لا تزال تتأمل الصبي:
- تعرفي يا داليا .. ابنك شبه ابوه بالظبط ، صورة طبق الأصل منه لما كان طفل في سنه.
ثم هزت رأسها ، و قالت و الدموع تتلألأ بمأقيها:
- يا ربي بجد مش مصدقة .. شبهه بجد ، بس هو واخد عينيكي انتي.
ثم سألتها:
- ممكن اشيله ؟؟
أومأت داليا رأسها مؤكدة ، ثم نهضت ، و وضعت الصفير على قدمي جدته ، التي راحت تبتسم له و تلاطفه.
- الف سلامة على حضرتك .. ان شاء الله المحنة دي هتعدي و هتبقي كويسة.
قالت داليا ذلك باسمة ، فبادلتها كاميليا الإبتسامة بمثلها ، ثم نظرت إليها ، و إنتظرت لثوان ، ثم قالت فجأة:
- انا عايزة اشوف عز الدين.
كان السكون شاملا في تلك اللحظة ، حتى عدنان الذي كان يطلق صياحه الطفولي المستمر ، صمت ، فتبادلوا الجميع النظرات في صمت مطبق ، حتى قطعت داليا الصمت قائلة بتوتر:
- يا مدام كاميليا .. هو ماتغيريش خالص.
أومأت كاميليا رأسها بتفهم قائلة:
- انا عارفة انتي تقصدي ايه .. بس هو مهما كان ابني و انا امه ، لازم اشوفه قبل ما اموت.
- اعتقد انها فكرة مش كويسة !!
قالت ياسمين ذلك بتردد ، فقبضت كاميليا حاجبيها بوهن قائلة:
- يعني ايه ؟ مش هشوفه ؟؟
كان الحديث صادق و مؤثرا ، كما كانت يدا كاميليا ترتجفان بصورة دائمة ، بينما إندفعت داليا فجأة قائلة بتصميم:
- هتشوفيه.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السابع 7 - بقلم مريم غريب
تهادت الشمس في الأفق آخذة إتجاه الغروب، عندما أفاق خالد من قيلولة الظهيرة، علي صوت جرس المنزل المستمر، والذي أزعجه إلي درجة الغضب.
فنهض من مضجعه في عصبية، تاركا علي فراشه قميصا قطنيا خاص بـ عبير، من الواضح أنها قد نسيت أخذه.
فعثر خالد عليه، وكان يتوسده كل ليلة.
هبط خالد الدرج أثنتين أثنتين، حافي القدمين، ثم توجه نحو باب منزله بخطي واسعة، حتي وصلت يده إلي المقبض، فأدراه، وجذب الباب بقوة، لتصطدم نظراته الحادة، بنظرات عز الدين الباردة.
"ايه يا اخي الطريقة دي؟ في حد يخبط بالشكل ده!!"
هتف خالد حانقاً، فمد عز الدين يده وأزاحه جانباً بلطف، ثم قال بلا اكتراث وهو يشق طريقه إلي الداخل:
"اعملك ايه يعني؟ ما انت اللي نومك تقيل."
تنفس خالد بعمق، وقد هدأت ثورته، فأغلق باب المنزل خلف إبن عمه، ثم لحق به إلي قاعة الجلوس، بينما ألقي عز الدين بثقله متنهداً فوق أريكة صوفية لونها أحمر قان.
فجلس خالد إلي جانبه متسائلاً:
"يا تري ايه سر الزيارة الكريمة يا بن عمي؟ وحشتك؟ مش معقول ده احنا لسا سايبين بعض ما بقلناش ساعتين."
رمقه عز الدين بنصف إبتسامة ساخرة، ثم رمش مشيحاً بنظره إلي الأمام بعيداً عنه، وقال وهو يخرج من جيب سترته علبة سكائره البلاتين:
"بقولك ايه.. حط خفة دمك دي علي جنب شوية و ركز معايا، عايز اكلمك في موضوع."
"خير يا سيدي؟"
قال خالد مستفسراً في تهكم، بينما وضع عز الدين سيكارته بين أسنانه، ثم أشعلها ساحباً نفساً عميقاً، ونفثه عالياً، ثم عاد ينظر إليه قائلاً بجدية:
"سفارية ريو."
"مالها؟"
سأله خالد مقطباً، فأجابه في هدوء حازم:
"هتضطر تروحها انت لوحدك، انا مش هقدر اسافر معاك المرة دي."
"ليه كده يا عز؟ من امتي بسافر انا لوحدي منغيرك؟"
قهقه عز الدين بخفة، ثم قال ساخراً:
"ايه ياض ما تظبط، هو انا مراتك و لا ايه؟"
رمقه خالد في ازدراء، فإزدادت موجات ضحك عز الدين، ثم عاد يحدثه بجدية مجدداً:
"انا ورايا مشغوليات كتير هنا، و في حاجة في دماغي مرتبلها من فترة و عايز امشي في اجراءاتها. انت هتروح بصفتك المدير التنفيذي هتوقع العقود، وكمان انا عاملك توكيل يعني كل حاجة هتخلص بسرعة. هتروح بسرعة و هتيجي بسرعة، و دول كلهم يومين يا خالد."
زم خالد شفتيه، بينما تصاعد رنين هاتف عز الدين بنغمته الصاخبة، فأخرجه من جيب سترته، وأجاب:
"الو.. و بعدين.. شفتهم داخلين فيلا في المنصورية؟.. اه.. طيب خلاص كفاية كده.. ابقي عدي عليا بكرة في مكتبي."
أنهي عز الدين الإتصال سريعاً، بينما تطلع إليه خالد بإستغراب، ثم سأله في إهتمام:
"في ايه يا عز الدين؟ ايه الحكاية؟ و مين اللي كان بيكلمك ده؟"
تنهد عز الدين بحدة، ثم نظر إليه قائلاً في هدوء يختبئ بطياته غضب هائل:
"كنت متوقع ان ده يحصل.. لكن بالترتيبات دي! ما جاش علي بالي خالص."
"ايه؟"
هتف خالد مقطباً، ثم إندفع في عبس قائلاً:
"انا مش فاهم حاجة، انت قصدك ايه؟"
حدق عز الدين به في قوة، ثم صر علي أسنانه بغضب، بينما كان ينتظر خالد توضيحه.
"امك بتموت يا عبير."
قال عمر ذلك دامع العينين، بينما فغرت عبير فاهها، وقطبت حاجبيها قائلة:
"انت بتقول ايه؟ بتموت ازاي يعني؟"
لم يجبها عمر بل رفع صفحة المجلة إلي مستوي نظرها، ثم سألها:
"ايه، معقول ما قريتيش الخبر؟!"
خطفت عبير الصفحة من يده بقوة، ثم راحت تلتهم الأسطر الوجيزة بعينيها حتي إنتهت وتأكدت من صحة حديث شقيقها، فتهاوت علي أقرب مقعد بغرفتها، وعينيها مسمرتان، تحدقان إلي الأمام في اللاشيء.
"عايزة تشوفك!!"
هتف عمر مترقباً، فصوبت عبير نظرها تجاهه في صمت.
عند دقات العاشرة والنصف مساءاً، وبينما كانت داليا تضع عدنان في مهده، دلف عز الدين إلي الغرفة في هدوء، كما أغلق الباب من خلفه في هدوء أيضاً.
فيما شعرت داليا بحركته الخفيفة، فإبتسمت بنعومة، وإستدارت نحوه، فبادلها عز الدين البسمة بمثلها، ثم فتح ذراعيه داعياً إياها لأحضانه، فلبت دعوته بكل سرور، حيث هرولت إليه، وإرتمت بين ذراعيه، سانده رأسها علي صدره.
بينما شدد ذراعيه حولها، فأغمضت عينيها في حب، وإزدادت إبتسامتها إتساعاً وهي تردد له بإنفعال عاطفي:
"وحشتني اووي."
همهم باسماً، وضمها إليه أكثر، ثم قال:
"و انتي كمان.. و انتي كمان وحشتيني اوي."
تنهدت بسعادة، بينما مسح بكفه علي شعرها، ثم قرب فمه من أذنها، وسألها هامساً:
"اومال انتي كنتي فين انهاردة يا حبيبتي؟"
قطبت حاجبيها مستغربة، وهي لازالت مغمضة العينين بإحضانه، ثم أجابته:
"انا مش قلتلك الصبح يا عز اني هاخد عدنان للدكتور."
"همم.. روحتي بيه لوحدك؟"
"لأ ياسمين جت معايا.. مش انا قلتلك كده بردو؟ انت نسيت و لا ايه؟"
أومأ رأسه مراراً، فيما تبدلت ملامح وجهه الهادئة بتلك اللحظة إلي أخري عاصفة، غاضبة، فإندفع قائلاً فجأة بلهجة قاتمة:
"و اخبار كاميليا هانم ايه؟"
فتحت عينيها دفعة واحدة في وجل، وكم تمنت أن يكون ما سمعته وهم، أو حلم، ولكن لم يطل الأمر، إذ أن أصابع كفه الذي كان يربت علي شعرها في حنان، تقلصت علي خصلات شعرها، وقبضت عليها بقوة عنيفة، حيث جعلها ترفع وجهها إليه في قسوة بالغة جعلتها تئن صارخة بصوت خفيض خشية إيقاظ طفلها.
"بينما كان يرمقها شزراً، وهو يقول:
"بتستغفليني يا داليا؟ بتضحكي عليا انا؟"
"يعني انت عارف من الاول انا كنت فين؟"
سألته بنبرة مرتجفة، وعروقها تنبض بالخوف، فعاد برأسه للخلف وضحك بدون مزاج، ثم عاد ينظر إليها، ورمقها بنظرة عنيفة، بينما أحست نبرته الفولاذية وهو يقول:
"داليا انتي فاكرة عز الدين نصار اللي واقف قدامك ده عبيط و لا بيريل؟"
سأل عز الدين بفظاظة، وقد رأى الدموع معلقة في مقلتيها، ثم تابع من بين أسنانه:
"كنتي فاكرة انك بسهولة يعني تقدري تخدعيني؟ لسا ما تخلقش اللي يعرف يخدعني يا داليا، تمثيلية مرض الولد، و المرواح عند الدكتور فجأة بعذر أهبل، كنتي فاكرة انك اقنعتيني؟ فاكراني تلميذ؟"
هتف أخر كلماته صائحاً بإنفعال حانق، فهزت رأسها بالنفي، وعدم التصديق بإنه قد وصل إلي تلك النقطة الصفرية مجدداً، ثم قالت بصوت مختلج، وشعرها لا يزال متجمع في قبضة يده:
"لأ و الله ما خدعتكش، ماكنش قصدي اخدعك و لا حاجة، و الله العظيم الولد كان مريض فعلاً و لو مش مصدقني انت عارف الدكتور بتاعه ممكن تتصل بيه دلوقتي حالا و تسأله."
ثم إزدردت ريقها في توتر، وقالت بعد برهة:
"لكن انا ماقدرش انكر اني كدبت عليك انهاردة لما قلتلك هاخد عدنان للدكتور، انا فعلاً روحت لأمك.. الست صعبت عليا، انت ما شفتش خبر مرضها في المجلات و الجرايد؟ الدكاترة قالوا انها مش هتعيش و فاضلها ايام معدودة، حبيت احسسها انها مش لوحدها و..."
"عمري ما هغفرلك غلطتك دي ابدا."
قاطعها بوجه صارم، ولهجة حازمة للغاية، فتأوهت بخفوت وهو يشدد قبضته علي خصلات شعرها، بينما إقترب بوجهه من وجهها، وقال محذراً دون أن يطرف له جفن:
"لو عرفت انك روحتلها تاني، لو حسيت انك كدبتي عليا تاني او حاولت تستغفليني مرة تانية، هحاسبك حساب عسير يا داليا، فأرجوكي ما تخلنيش في لحظة انسي انك ام ابني."
ثم أعتقها وحررها من بين ذراعيه أخيراً، وتركها متوجها صوب الحمام.
بينما تنفست داليا الصعداء وهي تشعر وكأن موجة إضطراب قوية لطمتها بقسوة، ثم تركتها باردة الأطراف.
في الصباح التالي، جابت داليا المنزل بأكمله بحثاً عن عمر دون جدوي، لم تجد له أي أثر.
فهاتفه، ليأت صوته سريعاً:
"صباح الخير يا داليا، خير في حاجة؟"
بادلته داليا تحية الصباح، ثم أجابته في توتر:
"عز الدين عرف اننا روحنا نزور مدام كاميليا."
"يا خبر!!"
هتف عمر قالقاً، فباغتته داليا قائلة:
"انت فين يا عمر؟"
أجابها عمر متوجساً:
"انا عند ماما."
إزدردت داليا ريقها، ثم قالت دون تفكير:
"طب تعالي دلوقتي و هات امك معاك."
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثامن 8 - بقلم مريم غريب
كان "عز الدين" يتحدث في هاتفه، عندما دلفت "داليا" إلى الحجرة وأغلقت الباب من خلفها في هدوء.
ثم اتجهت مسرعة إلى "عدنان" الذي استيقظ لتوه، وقد بدت على ملامحه معالم العبس والضجر.
فابتسمت "داليا" تلقائياً، وأخذته من فراشه الصغير بين ذراعيها، ثم راحت تتحدث إليه بخفوت ولطف.
بينما كان "عز الدين" يزرع الحجرة ذهاباً وإياباً وهو يخاطب محدثه على الهاتف، تارة بصرامة وتارة بلطف، حتى أنهى الاتصال.
فصوّب نظره إلى "داليا" قائلاً بصوته القوي:
"أنا خارج، ومش هرجع على الغدا، محدش يستناني."
ضيّقت "داليا" عينيها، وعادت تضع "عدنان" في مهده مجدداً، ثم استدارت متوجهة نحو "عز الدين" وقالت عندما وصلت إليه:
"إزاي مش هترجع على الغدا؟ هتتغدا فين طيب؟"
"هتصرف."
أجابها في لامبالاة وهو يعبث بهاتفه.
فتطلعت إليه في فضول، ثم سألته مترددة:
"هتروح فين؟"
رفع "عز الدين" وجهه على الفور، فاصطدمت بنظراته الحادة، وازددرت ريقها في توتر، بينما قال بلهجة حادة:
"مشوار شغل، وعشان أرضي فضولك، رايح المينا أخلص شوية ورق في الجمرك."
ثم رفع يده وأشار لها بسبابته محذراً:
"بس بعد كده يا ريت تخفي الأسئلة اللي من النوع ده شوية، انتي عارفة إني مابحبش كده."
أومأت رأسها في هدوء.
وكاد يرحل من أمامها، فمدت يديها وقبضت على ذراعه صائحة في اضطراب:
"استنى."
"في إيه؟"
سألها مقطباً.
فأجابته في تردد:
"انت لسه زعلان مني؟"
تنهد "عز الدين" بنفاذ صبر، ثم حدجها بنظرة ثاقبة، وقال بصوته العميق:
"زي ما قلتلك امبارح، أنا عمري ما هنسى اللي عملتيه، عمري ما هنسى إنك كدبتي عليا واستغفلتيني، كان ممكن أتصرف معاكي بشكل عمرك تخيلتيه، بس في الآخر منعتني."
تطلعت إليه "داليا" في تأمل ذاهل، امتنّت لعباراته الجامدة والرقيقة في آن، وسرعان ما ساورها شعور الندم على ما حدث منها وعلى ما سوف يحدث لاحقاً.
بينما عاد يقول بلهجة منخفضة قليلاً:
"بعد كده قبل ما تعملي أي حاجة عارفة إني مش هكون راضي عنها، ابقي فكري الأول في اللي بينا، زي ما أنا فكرت."
قضمت "داليا" شفتها بقوة وهي تشعر بالندم، في حين كانت تبحث في وجه "عز الدين" عن تعابير غامضة لسبر غورها.
فاندفعت قائلة:
"ليه انت قاسي كده يا عز الدين، على عكس الطيبة اللي أنا متأكدة إنها جوه قلبك؟ ليه أمك ما صعبتش عليك؟"
تجمدت نظرات "عز الدين" فجأة، ثم قال بحدة محذراً:
"أنا مابحبش أتكلم عنها."
تجاهلت "داليا" تحذيره، وتابعت:
"أنا سمعت القصة أيام ما كنت موظفة عندك، بس ده في النهاية مجرد كلام ومافيش أدلة تثبته، انت متأكد من الكلام ده؟"
سألته مترقبة.
فأجابها بقوة شاخصاً ببصره:
"أيوه متأكد."
"جبت منين التأكيد ده؟ من أبوك؟ سمعت بردو إن أبوك كان طاغية ومستبد، ما فكرتش للحظة إن أمك سابته لأنها ما كانتش قادرة تتحمل حياتها معاه؟"
قال "عز الدين" بنزق وهو يكاد يصعقها بنظراته:
"انتي ممكن تقبلي إنك تتخلي عن عدنان؟"
لم تستطع الإجابة على سؤاله.
فتابع:
"هي قبلت إنها تتخلى عني أنا وأخواتي لأسباب معينة أياً كانت ما تهمنيش."
ثم صمت قليلاً، وتابع:
"هي اختارت تسيبنا، وأنا كمان اخترت أنساها للأبد."
"بس أنا سمعت إنها حاولت تقرب منكوا تاني بعد موت أبوك."
"اديكي قولتيها بنفسك، بعد موت أبويا، هي سابته بإرادتها بعد ما رفعت عليه قضية طلاق، متخيلة بقى إني كنت هسمحلها تحط رجليها في بيته بعد ما مات؟"
نظر لها "عز الدين" بعينين صارمتين، وقد ضاقت حدقتاهما من الغضب.
فتنهدت "داليا" ثم قالت يائسة:
"انت مش زي أبوك يا عز الدين، انت قلبك مليان عطف وحنان أكتر.. ماتقدرش تسامح؟"
"لأ ما أقدرش."
هتف بقوة، وتابع في حزم:
"ومش عايز أسمع كلمة زيادة في الموضوع ده."
ثم تركها وغادر الغرفة صافقاً الباب خلفه بعنف.
انتفض "عدنان" وبكى على أثره، فأسرعت "داليا" إليه لتهدئ من روعه.
***
أصرت "كامليا" بإلحاح خلال الطريق إلى القصر، أن تتوقف عند أحد فروع الأسواق التجارية كي تشتري ألعاباً لـ"عدنان" بنفسها.
فلبّى "عمر" طلبها على مضض، خاشياً عليها من أي ضرر قد يصيبها.
ولكنها بدت سعيدة للغاية عندما كانت تمشي إلى جانبه، متأبطة ذراعه.
كانا رائعين معاً، وقاما بجولة ممتعة.
واشترت "كامليا" لعبة عتيقة للغاية جذبت نظرها واستحوذت على انتباهها بشدة، كانت عبارة عن مجسم إسفنجي لحصان يمتطيه خيال ذو قبعة كبيرة.
فسألها "عمر" مستفسراً:
"اشمعنى اللعبة دي اللي عجباكي قوي كده يا كوكو؟"
تطلعت "كامليا" إليه باسمة، ثم قالت بعاطفة أمومية:
"أبوه كان بيحبها قوي لما كان في سنه."
منحها "عمر" ابتسامة دافئة.
ومن ثم راحا يشتريان مزيداً من الألعاب المميزة.
ولم تنس "كامليا" أن تشتري الهدايا لجميع أفراد الأسرة، كنوع من أنواع التذكار بما إنها راحلة.
عندما وصلا إلى القصر، وعبر "عمر" البوابة الحديدية الضخمة بسيارته، أخذت "كامليا" تتطلع إلى المكان من حولها، فتداهمت الذكريات بعقلها.
منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، لم تشهد عيناها ذلك القصر الفاخر المترف، الذي تكاد أحجاره تنطق بالرغد والثراء.
توقفت سيارة "عمر" بصورة تدريجية بساحة المنزل الكبير، فترجل هو أولاً برشاقة، وذهب ليساعد أمه على الخروج من السيارة، ثم توجه نحو صندوقها، حيث كدس الهدايا والألعاب.
فيما صعدت أمه الدرجات الثلاث المؤدية إلى باب المنزل، ثم ضغطت زر الجرس.
وما هي إلا لحظات حتى جاءت إحدى الخادمات، وفتحت الباب على مصراعيه.
رسمت "كامليا" ابتسامة خفيفة على وجهها.
فيما رمقتها الفتاة بتساؤل وهي تتمعن بملامحها المألوفة.
ولكن لم يطل الأمر، إذ أتى صوت "عمر" من خلف أمه قائلاً بلهجة آمرة:
"تعالي يا فاطمة شيلي معايا الحاجات دي."
هرولت إليه الفتاة، وهي تنقل نظراتها بينه وبين السيدة الغريبة.
فلاحظ "عمر" نظراتها، فقال:
"سلمتي على الهانم؟ دي تبقى أمي."
أشرق وجه الفتاة، وأفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة، ثم صاحت بفرح:
"أيوه والله كنت بشبه عليها، الست كاميليا فهمي الممثلة."
ابتسمت "كامليا" في هدوء وهي لا تزال تقف على أعتاب المنزل.
بينما قال "عمر" ممازحاً في لطف حازم:
"طيب خلاص كفاية تعارف بقى، وبحذرك ما ترغيش كتير مع الست عشان ما تطرقيش منها."
رمقته "فاطمة" بنظرة متذمرة، ثم انصاعت لأوامره، وحملت معه بعض الأغراض إلى الداخل.
بينما كانت "كامليا" تدور بقاعة البهو الفسيح، وهي تتفحص المكان بعينيها الزرقاوين الواسعتين.
لم يتغير شيء في هذا البيت، تركته لسنوات طويلة، ثم عادت لتجده كما هو، فشعرت وكأن الماضي البعيد كما لو كان البارحة.
أتت "عبير" في تلك اللحظة مهرولة، وما أن رأت والدتها أمامها، حتى تلألأت الدموع بمآقيها رغماً عنها.
فمنحتها أمها ابتسامة دافئة، وقد كست وجهها غلالة من السقم والحزن.
وأخذت تقترب منها بخطى وئيدة، حتى وصلت إليها، ثم مدت ذراعيها نحوها، وجذبتها إلى صدرها.
لم تحرك "عبير" ساكناً، وظلت صامتة، أخذت دموعها فقط تتساقط في هدوء، بينما راحت "كامليا" تنعم بتلك اللحظات الفريدة.
***
"ما تشد شوية يابني."
قالها "عز الدين" وهو يجلس بالسيارة إلى جانب "خالد".
فصاح "خالد" مقطباً:
"أشد أكتر من كده إزاي يعني؟ عايزنا نموت؟ طب كنت قولي إنها رحلة انتحارية من الأول."
"بطل الظرف ده شوية واسمع الكلام، عايزين نرجع بدري، وبعدين الطريق فاضي قدامك."
"لا يا عم مش سامع كلامك، المثل بيقول امشي سنة ولا تخطي قنا."
حدجه "عز الدين" بابتسامة ساخرة، وقال:
"أمثالك بقت بيئة قوي."
ثم صاح متذكراً:
"آه نسيت أقولك، أنا حجزتلك تذكرة السفر، كمان 3 أيام هتسافر."
"ماشي."
هتف "خالد" متنهداً، ثم عاد يصوب تركيزه على الطريق أمامه.
***
زحف الليل سريعاً على قصر الـ"نصار".
في قاعة الجلوس الفسيحة، اجتمع الجميع.
ساد جو من المرح والحميمية الأسرية، بفضل السيد "عدنان" الصغير، الذي راح يزقزق ويطلق صياحه الطفولي بفرح.
وكم شعرت "كامليا" بالدفء والامتنان، كان هذا كل ما كانت تحتاج إليه فعلاً.
ولكن لم تدم اللحظات السعيدة طويلاً، إذ دق جرس الباب فجأة، فساد صمت مطبق.
وما زاد من الرعب بقلوب الجميع، عندما تردد صدى صوت سيد المنزل الكبير بالإرجاء.
فلاشعورياً انتصبت "كامليا" واقفة، تستعد لملاقاة ابنها.
فاندفع "عمر" نحوها مسرعاً، ثم أمسك بيدها، وضغط عليها برفق ليطمئنها.
فشعر بالاضطراب يهز المرآة النحيلة الواقفة إلى جواره لا حول لها ولا قوة.
فيما ترقب الجميع لحظة دخول "عز الدين" بقلب واجف.
فكانت "داليا" أشدهم خوفاً وقلقاً، فشدت ذراعيها حول ابنها كما لو أنها تلوذ به.
بينما كانت تقف "عبير" إلى جانب "ياسمين" وهي تشعر بالتوتر يعصف بها.
ثم فجأة ظهر "عز الدين" في تلك اللحظة، فصوبت أمه نظرها تجاهه بلهفة وهي تشاهده يتخطى أعتاب المنزل إلى الداخل.
وكم بدا جذاباً وواثقاً من نفسه، كان صورة صادقة عن أبيه.
وكانت يدا "كاميليا" تضغطان بشدة على يدي "عمر" وكأنها تحاول أن تستمد القوة منه.
فيما تسمر "عز الدين" بمكانه فجأة، وكأنه تمثال أصم.
ولكنه سرعان ما رفع رأسه الأكحن الأرستقراطي، وقد تطاير الغضب من عينيه، وكاد يصعق كل من بالمكان.
فعلى بعد خطوات منه وقفت أمه مذعورة، وقد غاص كل لون من وجهها الشاحب الذابل.
كان الجميع يتوسلون منه بعض اللطف بنظراتهم، ولكن كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة.
كان وجهه مغموراً بهالة رائعة تتفجر منه القسوة، فيما ارتسمت على شفتيه معالم الازدراء والغطرسة.
ثم ... يتبع ...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل التاسع 9 - بقلم مريم غريب
في صباح اليوم التالي، قامت "ياسمين" بدورة مرور عامة على المرضى بالمشفي، حتى وصلت إلى غرفة "عمر". كان جالسًا على فراشه الصغير كالعادة، وقد علت وجهه علامات الضيق والضجر. لكن لدى رؤيته إياها تقف أمامه، أشرق وجهه بابتسامة ناعمة ثم قال:
- أهلًا أهلًا.. صباح الفل.
لزمت شفتيها في برود ثم تقدمت صوبه بخطوات ثابتة وقالت:
- صباح الخير.. هاه، عامل إيه النهارده؟
تقلص وجهه في حزن ثم أجابها:
- كويس.
- قول الحمد لله.. وبعدين مالك مهموم كده ليه؟
- زهقت! زهقت من القاعدة دي، أنا مش متعود على كده.. الله يسامحه أخويا بقى.. لأ، منه لله هو السبب.
- لكل فعل رد فعل.. أكيد عملت مصيبة أو غلطت غلطة، خلاه يكون السبب في الحالة اللي أنت فيها دلوقتي.
نظر إليها باستكانة وضعف مصطنع ثم قال:
- أنا! وربنا ده أنا غلبان، الناس هي اللي ظلماني.
هزت كتفيها بلا اكتراث قائلة:
- عمومًا مش موضوعنا.
ثم سألته:
- تحب تمشي تقوم تمشي شوية؟
أومأ رأسه بقوة، فابتسمت بخفة وقالت:
- طيب، همشيك في الأوضة شوية، والمرة الجاية إن شاء الله هبقى أنزلك تتمشى في الجنينة، أكون فاضية وقتها.
ثم اقتربت منه وساعدته على النهوض من الفراش، بينما استند إليها حيث تعكز على مرفقها الرقيق القوي، فخطت به في تمهل بأرجاء الغرفة، فيما سألها فجأة:
- إلا قوليلي صحيح يا حلوة.. يا ترى أنتِ مصاحبة ولا لأ؟
رمقته باشمئزاز قائلة:
- أولًا، أنا مش حلوة، أنا دكتورة ياسمين.. ثانيًا، ما بردش على أسئلة مش مهذبة بالشكل ده.
أطلق "عمر" ضحكة مرحة ثم قال:
- آسف يا دكتورة ياسمين.. وآه، يا ترى حضرتك عمرك ما ارتبطتي بحد قبل كده؟ حلو الأسلوب ده؟
سألها في تهكم، بينما تجاهلت نبرته الساخرة ثم قالت:
- أنا ما عنديش وقت للارتباط نهائي يا حضرة.. أنا بدرس طب.. عارف يعني طب؟
- آه عارف عارف.. كلية ما بيدخلهاش إلا الدحيحة المتفوقين اللي هما نفسهم برضه لما بيتخرجوا بيقعدوا على القهوة أو في البيت.
رمقته باستنكار قائلة:
- إيه ده، مش صحيح أبدًا.. مين اللي قال كده؟
- الواقع هو اللي بيقول كده، دي مسألة حظوظ يا حبيبتي ومش كل الناس محظوظين، عشان كده لازملك حظ كبير لحد ما توصلي للي أنتِ عايزاه ده لو وصلتي.
ابتسمت بسخرية ثم أجابت بهدوء:
- مش صح يا أستاذ عمر.. الإنسان اللي عنده إرادة لو حب يحقق شيء هيحققه بالقوة.. ده غير إن الطموح مش بينتهي والنجاح كمان مش بينتهي، وكله بإيد الإنسان.. لو استمر هيتقدم، ولو وقف هيتأخر.. وعلى فكرة ما فيش حاجة اسمها حظوظ أو نصيب، اللي بيحصل في الحياة بإيد الإنسان، إنما المقدر والمكتوب بإيد ربنا، وفي فرق كبير بين الاتنين.
حملق فيها لبرهة ولم يجد ما يضيفه، فأبتسم قائلاً:
- أنتِ فظيعة.
قهقهت بخفة ثم قالت:
- أتمنى بس أكون أفدتك وتكون اقتنعت إن الصلاح والفساد من صنع الإنسان مش من صنع ربنا أبدًا.
ثم أضافت:
- وأنا بقول كفاية مشي كده عشان رجلك ما تتعبكش، وعشان أنا كمان خلصت شغلي هنا والمفروض أروح بقى.
- ليه بس؟ ما تخليكي قاعدة معايا شوية بدل الزهق اللي بعيش فيه ده.
أجابته بحزم:
- أولًا، قلتلك أنا واحدة مشغولة باستمرار.. ثانيًا، أنا دكتورة ومش هنا عشان أسليك، أنا هنا عشان أعالجك وبس.. ويلا لو سمحت ساعدني عشان أرجعك مكانك.
لكنه لم يحرك ساكنًا، فنظرت إليه مستغربة ثم قالت بلهجة حادة:
- بقولك لو سمحت ساعدني عشان أرجعك مكانك، إيه، ما سمعتنيش؟
- لأ سمعتك.
أجابها ثم نقل يده التي كانت تستند إلى مرفقها على خصرها، فشهقت في صدمة ثم قالت غاضبة:
- شيل إيدك يا محترم.. أحسن لك.
- أحسن لك! إيه أحسن لك دي؟ وراها إيه يعني؟
فقالت تحذره بحدة:
- شيل إيدك بقولك.. أنا لحد دلوقتي مش عايزة آذيك.
- آآذيني!
هتف باسمًا بسخرية ثم تابع:
- طب مش شايل.
هزت كتفيها بلا اكتراث قائلة:
- أوكي، أنت حر.. بس خليك فاكر إني حذرتك.
قالت ذلك بهدوء ثم رفعت يدها إلى صدره، وبحركة بسيطة جدًا دفعته، فمال جسده إلى الخلف ليسقط أرضًا، فانفجر صوته:
- آآآآآه.. آآه يا بنت المؤذية، حرام عليكي ليه كده؟
- احترم نفسك يا أستاذ، وبعدين أنا حذرتك بمنتهى الذوق، بس أنت اللي مش محترم، لأ وبتتمادى في قلة الأدب أكتر كمان، تستاهل.
رمقها بحنق ثم قال:
- طب قوميني.
فقالت بحزم:
- أنت تقدر تساعد نفسك، حاول تقوم لوحدك.
- مش قادر.. مش قادر أقف.
قال بألم مصطنع، فلانت قلبها وأشفقت عليه، ثم خطت تجاهه ومدت يدها لتساعده على النهوض، وهنا تكمن الخدعة!
ابتسم بخبث وهو يمسك يدها ثم جذبها إليه بقوة حتى سقطت أرضًا بجانبه، فجثم عليها وكبل حركتها بذراعيه..
تألمت، فزعت، وأدركت خدعته، فصاحت به:
- يا حيوان.. بتضحك عليا؟ صدقتك دي غلطتي.
ضحك ملء صوته بشكل هستيري ثم قال بلهجة المنتصر:
- ده رد اعتبار يا حلوة.. وإنتي لسه قايلة من شوية لكل فعل رد فعل، مش كده؟
رمقته بغضب شديد وصممت على إيذائه مهما كلف الأمر، وفي اللحظة التي شعرت بيده تتسلل إلى خصرها، غرست أصابعها بالسجادة السميكة واستعدت للحظة المناسبة في محاولاتها لإبعاده عنها، وما أن تحرك قليلًا حتى جذبت قدمها ووجهت إليه بركبتها ضربة قوية مؤلمة دونما أي اهتمام أو وخز في الضمير..
كان صراخه عندها كوحش جريح، موسيقى جميلة لأذنيها الغاضبتين، فابتسمت بانتصار وتشفي، وحين تراخت قبضته عنها قليلًا، انسلت من بين ذراعيه بسرعة البرق وهبت واقفة، فيما تأوه بشدة قائلاً:
- الله يخربيتك.. مش قادر، حرام عليكي.. منك لله.
أجابته بجمود:
- أتمنى تحترم نفسك بعد كده.. ياريت يعني بجد.. وعمومًا أنا همنع الممرضات إنهم يدخلولك من هنا ورايح، نظراً لأخلاقك اللي زي الزفت دي، وابقى استمتع بوقتك مع عم راضي التمرجي بقى.
ثم رحلت وتركته، فهتف وهو لا يزال على وضعيته:
- وهتسيبيني كده طيب.. منك لله...!
***
دلف إلى منزله في هدوء، ثم أخذ يبحث عنها بالأرجاء حتى وجدها بحجرة نومه مستلقية بإرهاق مغمضة العينين، فاقترب منها قائلاً:
- عبير!
انتفضت منتبهة ونظرت إليه، بينما تابع متسائلاً وهو يجلس إلى جانبها:
- إيه يا عبير مالك؟ وإيه الموضوع المهم أوي اللي أصريتي نتقابل بسرعة عشانه؟
تأوهت "عبير" بصوت خافت وهي تنتصب نصف جالسة على الفراش، ثم حدقت فيه بعينين ذابلتين وقالت:
- حسام.. أنا حامل.
اتسعت حدقتاه وتجهم وجهه في ثانية ثم قال:
- إيه! قلتي إيه؟
- بقولك.. أنا حامل.. حامل يا حسام.
- نعم! أنتِ بتهزري؟ أنتِ أكيد بتهزري يا عبير صح؟ قولي إنك بتهزري.
قال ذلك في توتر غاضب، فيما أجابته مؤكدة:
- لأ يا حسام، أنا مش بهزر.. أنا حامل فعلًا.. في الأول كنت شاكة، لكن أنا لسه راجعة من عند الدكتور وهو أكدلي الحمل.. أنا حامل في شهرين يا حسام.. وكويس إني اكتشفت المصيبة دي بدري عشان نلحق نتصرف.
لم يحتمل "حسام" سماع المزيد، فهب واقفًا في غضب ثم قال بإنفعال:
- لالالا مش أنا يا عبير.. مش أنا اللي تلعبي معاه لعبة رخيصة وقديمة زي دي.. انسى، مش هتورطيني غصب عني.
حملقت فيه بذهول ثم سألته:
- إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنا بلعب عليك؟ لأ وورطك كمان! أنت إزاي تقولي كده يا حسام؟
- اسمعي يا عبير!
هتف بحدة ثم تابع:
- لو كنتي فاكرة إنك ممكن تقدري تضغطي عليا بموضوع الحمل ده عشان أروح أطلب إيدك من أخوكي زي ما كنتي دايما بتزني عليا، تبقي غلطانة.. أنا محدش يقدر يلوي دراعي.. فاهمة؟
هزت رأسها في ذهول وهي تكاد لا تصدق ما سمعته، ثم قالت:
- أنت بتقول إيه؟ بقي أنت فاكر إني ممكن أفكر بالطريقة دي؟ متخيل إني ممكن أعرض نفسي لعقبات خطيرة زي دي عشان أضغط عليك ويا صابت يا خابت! إيه.. هو أنت ماتعرفش أخويا؟ مش عارف هو ممكن يعمل فينا إيه احنا الاتنين لو اكتشف اللي بينا؟ ثم أنا اتفاجئت بخبر الحمل زيك بالظبط.
فسألها في تهكم:
- لا والله! اتفاجئتي؟ مش على أساس كنتي بتقوليلي دايما إنك بتعملي حسابك عشان مانقعش في الغلطة دي!
أومأت رأسها بتوتر ثم قالت والدموع على خديها:
- أيوه.. أيوه فعلًا والله كنت بعمل حسابي، لكن.. لكن ده قدر.. ربنا عايز كده!
- يا حبيبتي أنا ماليش في الكلام ده.. اسمعي يا بنت الناس، أنا لسه شاب في أول عمري، ظروفي زي الزفت، ولازم أشتغل كويس عشان أقدر أكون نفسي، فمش هقدر أبدًا إني أتحمل مسؤولية بيت وجواز وأطفال.. بالنسبة لي لسه بدري أوي على الخطوات دي.
- يا نهار أسود!
هتفت في صدمة ثم سألته:
- يعني أنت كنت بتكدب عليا لما كنت بتقولي إننا هنتجوز؟
زفر بضيق ثم قال:
- أنا ماكدبتش عليكي يا عبير.. أنا قلتلك إني مش جاهز لجواز دلوقتي خالص، وأنا فاكر إنك وافقتي.. أنا ماغصبتكيش على أي حاجة، بالعكس، لو نفتكر هنلاقي إنك إنتي اللي فضلتِ مصرة على كده وشجعتيني لحد ما وصلنا للطريق ده.. ياما قلتلك بلاش، بس إنتي إلـ...
- بس!
قاطعته بألم ثم تابعت باكية:
- بتلومني أنا دلوقتي؟ بتلومني عشان حبيتك يا حسام؟ بتلومني عشان أمنتلك وصدقتك؟ في الآخر أنا اللي بقيت غلطانة وأنا اللي لازم أتحمل النتائج كلها لوحدي؟
- آه.
هتف بجمود ثم تابع:
- آه إنتي اللي لازم تتحملي النتائج كلها لوحدك يا عبير، أنا ماليش دعوة بالحمل ده ومش هتحمل مسؤولية الطفل اللي في بطنك ده نهائي، ببساطة لأني ما اتفقتش معاكي على كده.
شحب لونها فجأة ثم تسارع وجيب قلبها فقالت:
- يعني إيه؟ هتسيبني؟ هتتخلي عني يا حسام؟
تنهد بثقل وهو يرمقها بضيق، بينما أخذت تجهش بالبكاء المر، فضم قبضتيه في نفاذ صبر، فيما حدثها بلطف مصطنع:
- عبير.. اهدي لو سمحتي.. ما تقلقيش، أنا مش هسيبك ومش هتخلي عنك.. أنا هفضل جنبك للآخر.
ثم تابع بلهجة حادة:
- لحد ما نخلص من موضوع الحمل ده.
رفعت رأسها بسرعة وحدقت فيه قائلة:
- نخلص منه إزاي يعني؟
- لازم ينزل طبعًا.
- أنت بتقول إيه؟
هتفت بفزع، بينما سألها متهكمًا:
- في حل تاني مثلًا؟ للأسف ما فيش، عشان كده لازم نمشي في الموضوع بسرعة ونلمه قبل ما يكبر مننا.
هزت رأسها غير مصدقة، ثم رفضت بقوة قائلة:
- لأ لأ.. لأ مستحيل.. أنت عايزني أنزل البيبي؟ عايزني أنزله فعلًا؟ لأ، مش ممكن، أنا مش هعمل كده أبدًا.
نفذ صبره عند ذلك، فقبض على ذراعها بعنف ثم قال بقسوة:
- بقولك إيه.. إنتي أحسن لك تسمعي الكلام، الحل ده في مصلحتك قبل ما يكون في مصلحتي، وأظن إنتي فاهمة قصدي كويس أوي.. الحمل ده هينزل يعني هينزل، سامعة؟
ثم دفعها عنه بحركة مفاجأة، فسقطت على الفراش وقد اعتراها ألم شديد، بينما حذرها قائلاً:
- الأسبوع الجاي في نفس اليوم ده ألاقيكي هنا تكوني نزلتي الحمل ده وخلصتي منه نهائي.. سلام يا بيرو.
ثم ذهب تاركًا إياها وحدها، والصدمة تستبد بها والخوف يكتنفها...
***
راحت "داليا" تتأمل فستان السهرة الخاص بجدتها والذي ارتدته خصيصًا من أجل حضور عشاء العمل، لم تكن قد ارتدت في حياتها كلها فستانًا فاتنًا مثله، ولذلك شعرت بالارتباك جراء المظهر الجديد الذي ظهرت فيه، خاصة عندما وضعت الإكسسوارات الشرقية التي أعارتها إياها شقيقتها "ياسمين"، كما وأنها أيضًا سمعت نصائح شقيقتها الخبيرة، فراحت تستعمل بعض مساحيق التجميل بأناملها التي تفتقد الخبرة، ولكنها دهشت من نفسها في النهاية، حين تحولت بقدرة قادر إلى امرأة جميلة وجذابة لم يكن يتوقعها الآخرون أبدًا. فقد تركت الإكسسوارات ومساحيق التجميل والفستان أثرًا واضحًا عليها، وأدركت لأول مرة أن لها جسدًا متكاملًا فاتنًا إذا ما وضعته في الإطار الصحيح. دائمًا كانت الأخريات يفوقنها جمالًا وأناقة، ولكن ليس هذه الليلة، فبعد الذي صنعته بنفسها، لا يمكن لأحد أن يشك في جمالها الأخاذ الدفين..
كل شيء تغير من حولها، قوامها الرشيق يشع فتنة ودلال، شعرها الكستنائي الفوضوي تجمع في خصل حريرية الملمس، والمرآة التي تنظر إليها بغرفتها تعكس شكلًا لابد وأن يدير رؤوس معظم الرجال لها..
سمعت "داليا" طرقًا على باب غرفتها فأذنت بالدخول، ثم رأت الباب يُفتح فالتفتت نحو شقيقتها التي دخلت مبتسمة في اندهاش وقالت:
- إيه ده إيه ده إيه ده! إيه يا دودو الجمال ده كله؟ من أين لكِ هذا؟
أجابتها "داليا" بمرح قائلة:
- هذا من فضل ربي!
بينما راحت عينا "ياسمين" تقيسان "داليا" من أسفل إلى أعلى وكأنها تراها للمرة الأولى، ثم وجدت الكلمات المناسبة فقالت:
- يخربيتك! ما كنت أعرف إنك حلوة أوي كده.. أول مرة أشوفك بفستان يا دودو، بجد جميلة ما شاء الله، خايفة أحسدك وربنا.
ضحكت "داليا" بخفة ثم قالت:
- مش للدرجة دي يا ياسمين، بس عمومًا ده مؤشر كويس، طالما شكلي عجبك كده يبقى أكيد هيعجبه هو كمان.
- هو مين ده؟
تنهدت "داليا" بعمق ثم أجابت:
- مستر عز الدين.. مستر عز الدين نصار.
أومأت "ياسمين" رأسها بتهكم ثم قالت:
- ممم مستر عز الدين نصار.. يعني انتي بقى رايحة مشوار الشغل ده مع مستر هتلر بتاعك؟
رمقتها "داليا" بحدة قائلة:
- ياسمين!
- خلاص خلاص.. هقفل بؤي ومش هتكلم خالص.
ثم تابعت متسائلة:
- بس إنتي هتتأخري يا داليا؟
- مش عارفة يا ياسمين، حسب الشغل، أول ما نخلص اللي ورانا أكيد هرجع بسرعة، ماتقلقيش.
فزمت "ياسمين" شفتيها بحزن مصطنع ثم قالت:
- يعني هتعشي لوحدي الليلة دي؟
أومأت "داليا" رأسها بأسف ثم قالت:
- معلش يا حبيبتي.. ده شيء ضروري متعلق بشغلي.. وبعدين دي أول مرة يعني يا ياسمين وإحنا مع بعض دايما.
ابتسمت "ياسمين" ببساطة ثم مدت يدها ورتبت على كتف شقيقتها قائلة:
- ولا يهمك يا حبيبتي.. المهم شغلك، وقبل شغلك راحتك.
ثم تابعت منبهة:
- بس خدي بالك من نفسك ماشي؟ وأي حد يجي جنبك اسكعيه قلم على طول، ما يهمكيش أصلًا، ما تعرفيش نوعية الناس اللي زي دول، فاكرين إن كل حاجة متاحة ليهم.
قهقهت "داليا" بقوة من أسلوب شقيقتها ثم قالت:
- أوعدك يا ياسمين إن ما فيش حاجة من دي هتحصل إن شاء الله، ماتقلقيش، الناس اللي هكون في وسطهم راقيين وعقولهم متزنة.
- متزنة! ده إنتي طيبة خالص يا أختي، عمومًا خدي بالك من نفسك برضه.
ثم تركتها وحدها لتنتهي من إعداد نفسها، بينما عادت تنظر إلى المرآة مرة أخرى، فخفق قلبها بسرعة جنونية ما أن تخيلت عيني "عز الدين" تحدقان بها، تري ماذا ستكون ردة فعله لدى رؤيته إياها على تلك الهيئة الجذابة؟
من معلوماتها أنه حذر حيال الجميلات، وأحيانًا ما ينفر منهن رغم استمتاعه بهن في بعض الأوقات، ربما لأن والدته جميلة، أصبح يمقت الجميلات إلى جانبها ولا يجد لذته إلا عندما يخضعهن ويشعرهن بالإذلال بين يديه. أشعرتها هذه الأفكار بالخوف، فلا شغورًا راحت ترتجف دون إرادة، متذكرة هيئته القاسية الرائعة التي تجذب كل أنثى نحوه رغما عنها كما تجذب النار الفراشة. كانت تعتقد في البداية أن ما تشعر به تجاهه ليس سوى افتتان وإعجاب بجماله الخارجي، فهو فعلًا رجل جذاب، يكفي أن ينظر إليها ليجعل قلبها يخفق بسرعة جنونية، ودائمًا كان هناك صوت باطني في داخلها يهمس بأنه الحب، ولم تستطع "داليا" إسكات هذا الصوت بل رضخت إليه في النهاية. أجل، إنها تحبه، تعرف ذلك جيدًا، ولكنها تأبى الاستسلام لهذه الفكرة، تخشى مغبة الاستمرار في تلك المشاعر كثيرًا..
وفكرت ربما ولد حبها له حين أنقذها يوم وفاة والدتها، أو عندما رأته لأول مرة حين أجرت معه المقابلة الشخصية، ربما انجذبت إليه بطريقة ما أو بأخرى، ولكن مهما كان الأمر فلا أمل لها بالنجاة منه، فالطرق مقفلة أمام حبها...!
***
كان يجلس بالبهو الفسيح على أحد المقاعد الوثيرة، عندما وصلت إلى المنزل. هرع عليها ما أن رآها أمامه، ثم أمسك ذراعيها بقوة وقال بقلق:
- إنتي كنتي فين كل ده يا عبير؟ وما بترديش على موبايلك ليه؟ قلقتيني عليكي، جيت مالقيتكيش وما حبتش أتصل بـ"عز" وأسأله، وفي نفس الوقت كنت هتجنن وأعرف إنتِ فين وما بترديش ليه.. اتكلمي يا عبير، قوليلي كنتي فين؟
ساد الصمت قليلًا فشاهد خلاله سيل دموعها الذي هبط ببطء وهدوء، فهتف بعنف قلق:
- مالك؟ فيه إيه؟.. حصلك حاجة؟ حد عملك حاجة؟ اتكلمي يا عبير؟
راقبها جيدًا بنظرة ثاقبة حين نظرت إليه، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، بينما كبتت تنهيدة من الألم والحسرة، ثم قالت بصوت مبحوح:
- ما فيش.. ما فيش حاجة يا خالد.
- إنتي بتهزري؟ فاكرني عبيط يا عبير! عايزاني أصدق إن ما فيش حاجة فعلًا وأنا شايفك قدامي منهارة بالشكل ده؟
ثم تابع بإنفعال:
- لو سمحتي اتكلمي حالًا وقوليلي مالك؟ إيه اللي حصل بالظبط خلاكي وصلتي للحالة دي؟
فكرت لثوانٍ قليلة، فاختلقت كذبة ثم قالت:
- كنت في النادي.
- وبعدين؟
سألها بترقب فتابعت:
- كنت بتكلم مع واحدة صاحبتي في موضوع يخصها، كلامي ما كانش عاجبها، فشدينا مع بعض وقمت سبتها.
- يسلام! هو ده اللي مزعلك أوي كده؟
- لأ.
- طب إيه الحكاية، فهمني!!
- أصلها كانت صاحبتي أوي وتقريبًا قطعت علاقتي بيها.
ثم راحت تجهش بالبكاء، فمد أصبعه برشاقة وأزال دموعها عن وجنتيها قائلاً:
- يا حبيبتي.. إنتي حساسة أوي.. بس معلش ماتزعليش، طالما إنتوا صحاب أوي زي ما بتقولي، أكيد في أول فرصة هتتصالحوا.. المهم اهدي إنتي دلوقتي وكفاية عياط.. اهدي بقى عشان خاطري، مش عارف أعملك إيه؟
ولكن دون جدوى، ظلت تبكي بقوة، فتألم من أجلها، فتلك هي أول مرة يراها تبكي بهذا الشكل، فتناولها بسرعة في أحضانه مطبقًا عليها بذراعيه بشدة، ثم راح يتمتم بنعومة في أذنها عبارات صافية مهدئة، حتى نجح الأمر وسكتت عن البكاء وهدأت تمامًا، إلا من صوت اضطراب أنفاسها وشهقاتها المتتالية...
***
لم تقصد "داليا" مثل هذه المطاعم من قبل أبدًا، فقد أدهشتها أناقة المكان وحسن الذوق والأثاث، إنه بلا شك باهظ الثمن..
وبما أن "عز الدين" كان حريصًا كل الحرص على الإتيان في الموعد المحدد، كان هو الحاضر الأول برفقة سكرتيرته الأنيقة التي جذبت انتباهه لها الليلة. نعم، ظل يرمقها بين الحين والآخر بنظرات غامضة، ولكن على الأقل نظراته أسعدتها نوعًا ما، شعرت أن إطلالتها الجديدة راقته من خلال هدوئه وقلة ظهور عبسه وسخريته..
جلسا إلى جانب بعضهما على الطاولة التي حجزتها "داليا" بنفسها في زاوية منعزلة بعيدًا عن الأنظار تبعًا لأوامر "عز الدين"..
كان الصمت سائدًا تحت وطأة نظرات "عز الدين" الفاحصة، حتى قطعته "داليا" قائلة:
- واضح إننا جينا بدري شوية يافندم؟
فأجابها بلطف:
- لا أبدًا يا داليا.. ده الميعاد المتفق عليه.. وما تنسيش أهم حاجة إننا ناس مظبوطين في كل حاجة، حتى في مواعيدنا، ودي سمعة كويسة لينا، مش كده؟
رفعت "داليا" حاجبيها بذهول قائلة:
- حضرتك بتكلمني بلطف على غير العادة يافندم!!
فضحك بخفة وأجابها:
- بصراحة فستانك الجميل هو السبب.. هو جميل آه، بس لو كان مفتوح حبتين كنت أكيد هسمعك كلام يبسطك أكتر.
اشتعلت وجنتاها بحرارة شديدة وهي تنظر إليه، قاطبة حاجبيها بغضب، ثم قالت:
- لعلمك يافندم.. أنا مش مبسوطة من كلام حضرتك.. ولا هبقى مبسوطة.
- بجد!
هتف ساخرًا ثم تابع:
- لأ، إنتي كده قلقتيني، شكلي بدأت أفقد مهارتي في الأمور دي، رغم إن ليا شهرتي اللي أكيد سمعتي عنها.. عمومًا مش هخيب ظنك لو جربتيني، ويمكن طريقتي تعجبك.
وكأنه يريد إثارة حنقها بأي طريقة، ولكنها أدركت بالنهاية أن الاعتصام بالصمت هو خير وسيلة تتبعها مع ذاك الرجل المتعجرف!
كم قاس هو.. أهانها مرة أخرى عوضًا عن أن يمدحها برقي.. على أي حال، هذا هو، لن يتغير، وهي تعلم ذلك جيدًا، لذا نفضت كل الأفكار الاستفزازية عن ذهنها، وراحت عيناها تتفحصانه بهدوء، تنقل نظرها فوق وجهه البرونزي الفاتن وحاجبيه السواديين الكثيفين، وعينيه الذهبيتين الغامضتين، متذكرة عطاءه الدافق السخي وعناقه الذي لم ولن تنساه أبدًا رغم معارضتها ذلك بشدة!
وفي تلك اللحظة أدركت "داليا" بفخر واعتزاز أنها برفقة أوسم وأفضل رجل موجود بقاعة المطعم، بل بالعالم كله على الإطلاق، ثم فجأة عادت إلى ذهنها حقيقة شعورها نحوه، فهي تحبه كما لم تحب أي رجل آخر في حياتها، فهو أول رجل أيقظ فيها شوقًا لأن تكون امرأة بكل ما في الكلمة من معنى، وستحبه إلى الأبد حتى لو لم تتزوج منه أبدًا، فذلك لن يقضي على حبها له، ولن تستطيع أن تتزوج أبدًا من غيره، مستحيل أن تقبل بمشاركة حياة رجل آخر في حين أنها تحب "عز الدين" ولا ينبض قلبها إلا لأجله...
ثم فجأة أفاقت من شرودها على صوت أنثوي يقول:
- .............. !!
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل العاشر 10 - بقلم مريم غريب
دوي صوت صراخها عاليا بإرجاء الحجرة قبل أن تصحو فزعة مبللة بالعرق ، إنتفضت برافشها مذعورة و هي تتنفس بقوة ، كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة فأنتصبت نصف جالسة ثم مدت يدها إلي المصباح الصغير الموضوع علي طاولة قرب فراشها و أشعلته ..
ذلك الكابوس المرعب ما أن تذكرت تفاصيله حتي أخذت تجهش بالبكاء ، فقد رأت أنها في وسط عاصفة بحرية لا تبقي و لا تذر ، الليل حالك و الأمطار غزيرة ، و لكن هناك ثمة ضؤ خفيف رأت من خلاله زورق صغير يضم أخويها الإثنان و "خالد" ..
كانت تنادي عليهم بأعلي صوتها تستجديهم كي يمدوا لها أياديهم كي ينتشلوها من الماء ، و لكن لا حياة لمن تنادي ، رمقوها في قسوة ثم مضوا في سبيلهم بعيدا عنها ، فسحبها تيار جارف و غمرتها المياه .. !
كانت في أقصي حالات الإنهيار و لا تدري ماذا تفعل و قد تخلي عنها من كانت تعتقد بأنه يحبها ؟ و ماذا لو علم أخيها ؟ تري ماذا سيفعل بها ؟ إن قتلها في حالة علمه لقليل بالنسبة له ، و "خالد" إذا علم بأمرها .. هل سيتركها ؟ أو سيخبر أخيها ؟ و إذا إنصاعت لكلام "حسام" و ذهبت لإجراء عملية الإجهاض تري هل ستخرج منها سالمة ؟ ستنجو أم ستموت ؟؟
إرتجفت بقوة جراء كل تلك الأفكار، ثم رفعت يدها لتغطي وجهها و كأنها تهرب من مصير مرعب ، بينما نحيبها يملأ الغرفة بنشيج متقطع إختلطت فيه الدموع بالتنهدات و الآهات و الصرخات ، لم تكن تتألم و قد زال عنها تشوش ما رأته بالكابوس لكنها ما زالت علي شفير الإنهيار العصبي ..
رفعت رأسها عن راحتيها قبل ثوان قليلة من فتح باب الحجرة ، و عندها إعتدلت في جلستها فدخل "عز الدين" كان قد وصل لتوه ، فيما هرع عليها في قلق قائلا:
- عبير ! .. مالك في ايه ؟؟
- م ما .. مافيش .. مافيش يا عز.
أجابته بصوت ضعيف متقطع و هي تجاهد في ألا تبكي أمامه ، بينما حدق فيها متفحصا فرأي أثار دموعا عالقة بأهدابها ، غير أن تلك الشهقات التي صدرت منها فضحت أمرها ، فدني إلبها حيث جلس بجوارها علي الفراش و لأول مرة ضمها إلي صدره بحنان فيما أراحت رأسها و لأول مرة أيضا علي صدر أخيها ..
ثم أطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها في صمت و هدوء ، بينما تمهل "عز الدين" للحظات قبل أن يسألها و هو يربت علي كتفها العاري الرطب أثر تعرقها:
- مالك يا عبير ؟ فيكي ايه ؟ انتي تعبانة ؟؟
فأجابته باكية:
- لأ انا كويسة يا عز .. بس شفت كابوس وحش اوي.
- كابوس يعمل فيكي كل ده يا عبير ؟ عموما لو كنتي تعبانة او حاسة بأي حاجة قوليلي .. انتي شكلك اتغير و بقي غربب اوي و انا مش عارف ايه السبب !!
أجابته في توتر:
- صدقني انا كويسة .. هو بس عشان الامتحانات قربت بفكر كتير و خايفة شوية.
همهم بهدوء و هو يمسح علي شعرها فيما أغمضت عيناها بألم لهذا ، كم أحبت حنان أخيها الذي قلما يظهره لها ، كم أحبت الإحتماء و البقاء بحضنه الدافيء الصارم ، كم شعرت بالراحة بعدما أفرغت شحنة بكائها و إنفعالها علي صدره الواسع ..
بينما إبتعد عنها قليلا ثم ربت علي وجنتها في رفق قائلا:
- طالما خايفة يبقي هتقدري تتصرفي .. المهم دلوقتي نامي و من بكرة حاولي تظبطي نظام كويس ليومك عشان تمشي عليه و لو عوزتي اي حاجة قوليلي.
قطبت حاجبيها بدهشة ، ماذا حدث له ؟ .. أبدا تحولا غريبا و لكن هذا كان مستبعد علي أي حال ..
أومأت رأسها و هي تحدجه بإبتسامة بسيطة ، بينما نهض و تركها وحدها بعد أن إطمئن عليها لأخر مرة ..
فيما تنفست بعمق ثم تمددت علي فراشها في هدوء و قد بدأت أجنحة النوم تحوم فوق عينيها فإستسلمت تماما حتي غطت في سبات عميق ... !
عندما فرغوا من تناول العشاء بالمطعم ، كلف سائقه الخاص بتوصليها إلي منزلها ، دلفت إلي بيتها ليلا في ساعة متأخرة قليلا ، و من دون أن تزعج شقيقتها دخلت إلي غرفتها في هدوء ..
نزعت ثوبها في عصبية و إرتدت قميص نومها القطتي ثم أشعلت أضواء غرفتها الخافتة كي تستطيع أن تستعيد كل ما جري و تفكر بروية و هدوء ، تقدمت صوب فراشها و تمددت فوقه تعبة ، أغمضت عيناها واضعة كفها فوق جبينها بلطف و غرقت في إسترخاء حالم و جمع بها الخيال مرة أخري ، ففكرت أن حياتها تتطلب تغييرات أكيدة فهي لن تعد تسمح لنفسها بعد اليوم بالضعف و الهشاشة أكثر ، أدركت فجأة أن أول خطوة من خطوات تغيرها تحتم عليها ترك عملها ، مهما كانت درجة حبها لـ "عز الدين" فهو رجل قاس القلب يجرحها بإستمرار و لكي تحافظ علي بقايا حبها له يجب عليها تركه تماما و الإحتفاظ بذكري طيبة له ، و لكن أي ذكري طيبة ؟ للأسف كل ذكرياتها معه مريرة أليمة .. !
"إن في العجلة الندامة" حدثتها نفسها في تلك اللحظة بألا تترك عملها لئلا تغدو يوما نادمة علي قرارها المتخذ بلحظة غضب و إنفعال ..
إذن إنها تحتاج لأجازة علي الأقل ، أجازة تبعدها عن عملها ، و الأشخاص الذين تعرفهم ، أجازة تنقذها من محيطها الذي يذكرها بقصة حبها المحطمة ، أجازة تتح لها فرصة إتخاذ قرار ناضج ..
و لكن أين تذهب ؟ و تزاحمت في ذهنها عشرات الأمكنة ، قررت الذهاب إلي منزل عائلة والدها الذي يقع بإحدي القري الريفية ، ياله من مكان صافي و هادئ ، حتما أن تلك الأجواء سوف تساعدها كثيرا علي إستعادة نشاطها و رباطة جأشها ، و سوف تجد هناك فرص عديدة كي تروض نفسها علي القوة و الصلابة ، و ربما إستطاعت تبين رغباتها و أمانيها الحقيقية في تلك الأرض الخضراء الرائعة ...
من دون طرق ، إنفتح باب غرفتها فجأة لتدخل شقيقتها التي أسرعت إليها و قد علت وجهها علامات القلق و الوجوم فبادرتها "داليا" متسائلة:
- ياسمين .. انتي ايه اللي مصحيكي لحد دلوقتي ؟ في حاجة ؟؟
زفرت "ياسمين" في ضيق و هي تجلس إلي جوار "داليا" و قد إزدادت تعابير القلق و الوجوم علي وجهها فعادت تسألها:
- ياسمين ! في ايه ؟؟
- مصيبة يا داليا.
شهقت "داليا" بهلع ثم قالت تحثها علي الحديث:
- مصيبة ايه ؟ اتكلمي ايه اللي حصل ؟؟
- صاحب العمارة اتكلم بعدما نزلتي علطول.
- كان عايز ايه يعني ؟؟
- بيقول اننا لازم نخلي الشقة في ظرف اسبوع.
- نعم ! ده ازاي ده ؟ و ليه ؟ هو مش بياخد الايجار في الميعاد ؟؟
- ما انا قلتله كده.
- و قالك ايه ؟؟
- قالي ان احنا بقالنا سنين بندفع الايجار هو هو و ان في ناس جاهزة تشتري الشقة بملغ كويس.
- ايه الراجل ده ؟ بس لأ مش ممكن اسمحله يخرجنا من بيتنا يعني هنروح فين ؟؟
- طب هنعمل ايه يا داليا ؟ مش معانا فلوس كفاية نشتري الشقة !!
- انا هتكلم معاه.
- ماتحاوليش ده مصمم و رافض اي كلام و قالي يا نشتريها احنا يا نخليها قبل الاسبوع الجاي.
هزت "داليا" رأسها بإعتراض و قد شحب لونها لتلك الفكرة ، لا .. لا يمكن أن تترك منزلها الذي شهد ولادتها و طفولتها و صباها و مطلع شبابها و الذي به أيضا كافة ذكرياتها عن والديها ، و لكن ماذا عساها أن تفعل ؟ من أين تدبر المبلغ المطلوب ؟ من اين .... !!
في صباح اليوم التالي ، ذهبت لزيارة إبنها ، أرادت أن تبلغه بأمر هام و كانت تخشي أن تجرح شعوره خاصة عند رؤيتها تلك الفرحة التي طغت علي ملامح وجهه حين قال:
- شفتي يا كوكو .. بقيت بقدر امشي عادي و رجلي خفت .. يااااه مش مصدق اخيرا هفك الجبس بكرة و همشي معاكي يا قمر.
منحته أمه إبتسامة ناعمة فيما سألها بإهتمام بعدما لاحظ توترها الخفي:
- ايه يا كوكو .. مالك ؟ في حاجة و لا ايه ؟؟
هزت رأسها نفيا في توتر فقال بإصرار:
- مش مصدق يا مامي .. حاسس انك عايزة تقولي حاجة !!
نظرت إليه في تردد ثم قالت:
- بصراحة اه يا حبيبي .. في حاجة حصلت عايزة اقولك عليها .. لأ لازم اقولك عليها بما انك هتيجي تعيش معايا في البيت.
- طيب اتكلمي يا كوكو .. انا سامعك !
أخذت نفسا عميق ثم صمتت لثوان و قالت:
- انا اتجوزت.
إتسعت عيناه في حدة و ذهول ثم سألها:
- انتي ايه ؟؟
- انا اتجوزت يا عمر.
- انا اتجوزت يا عمر !!
قال بتهكم ثم تابع بغضب:
- انتي قولتيلي انك مش هتعملي كده تاني.
- يا حبيبي انت فمهتني غلط .. انا كان قصدي اني هختار الراجل الكويس لو حبيت اتجوز بعد كده.
هز رأسه غير مصدق في حين تسارعت أنفاسه بقوة ثم صاح بها:
- مش علي اساس لما كلمتيني من 4 سنين عشان اقف جنبك و اخلصك من طليقك اللي فات قولتيلي اني بقيت انا راجلك المسؤول عنك و انك كنتي بتتجوزي بس عشان تحسي ان في حد موجود معاكي و واقف جنبك ؟ و ان خلاص طالما انا بقيت معاكي مش هتتجوزي تاني ؟ مش انتي قولتي كده ؟؟
لفظ أخر كلماته بإنفعال غاضب فإنتفضت قائلة:
- يا عمر افهمني .. انت مش هتفضل معايا العمر كله مسيرك تتجوز و يبقي عندك اولاد و هتنشغل عني و ...
- بس !
قاطعها بقوة ثم تابع:
- كفاية كلام فارغ . انتي عايزة تتجوزي قوليها و بلاش تزوقي الكلام.
- ايوه عايزة اتجوز.
قالت موافقة ثم أضافت:
- انا ماكبرتش اوي يا عمر .. انا لسا صغيرة و من حقي اني اتجوز.
بكلامها الإستفزازي أثارت فيه مكامن الغضب و الثورة ، لذلك كانتا عيناه تقدحان شررا و شفتيه ترتجفان غضبا فقال في أسي نادما:
- ده انا وقفت قصاد اخويا عشانك .. انا فضلتك عليه و هو اللي رباني .. لأ و كمان انا هنا في المستشفي دي بسببك بردو !!
عضت علي شفتها بقوة و هي تمد يدها لتربت علي كتفه ، فأبعد يدها عنه بقسوة و حزم ثم صاح بها في عنف:
- امشييييي .. امشي يلا مش عايز اشوفك .. مش عايز اشوفك تاني .. عز الدين كان صح .. ايوه هو كان صح انتي ماكنتيش وفية لأبويا و خنتيه و غلطتي اني سامحتك و صدقتك علي امل انك خلاص اتغيرتي لكن انتي ست ...
صمت فجأة و هو يرمقها في مرارة إذ عجز لسانه أن يسب أمه ، فصرخ بوجهها قائلا:
- امشي .. بقولك امشي مش عايز اشوفك تاني.
تجمعت بعيناها الدموع ثم ضغطت علي شفتيها بوهن قائلة:
- ماشي يا عمر .. حاضر انا همشي .. همشي يابني و مش هتشوفني تاني.
ثم ألقت عليه أخر نظرة و غادرت مسرعة ، بينما جلس شاردا قلبه مفعم أسي و ندما ... !
كانت تجلس شاردة خلف مكتبها ، تارة تفكر بأقاويل العاملين التي زادت عليها خاصة بهذا اليوم و تارة تفكر بكيفية الإحتفاظ بمنزلها ..
- صباح الخير يا داليا.
قطع حبل أفكارها ذلك الصوت ، فرفعت رأسها و نظرت نحو المصدر لتجد "عماد" واقفا بثبات أمامها فحيته بدورها قائلة:
- يا عماد .. ازيك ؟؟
- الحمدلله تمام .. انتي ايه اخبارك انطويتي علي نفسك فحأة يعني !!
إصطنعت "داليا" إبتسامة لم تصل إلي عينيها ثم قالت:
- مش حكاية انطواء و الله يا عماد .. انا بس في موضوع شاغلني اوي و يعني بحاول ادورله علي حل.
ثم صاخت متسائلة:
- صحيح يا عماد .. هما الناس اللي هنا مالهم انهاردة ؟؟
تجهم وجهه فجأة ثم قال:
- مالهم ازاي يعني يا داليا ؟؟
هزت كتفيها قائلة:
- مش عارفة حاسة ان في حاجة مش طبيعة خصوصا نظرات الكل هنا .. و بالذات ليا انا !!
ضغط "عماد" علي شفتيه بأسف فقطبت "داليا" حاجبيها قائلة:
- عماد .. في ايه ؟؟
- مافيش حاجة يا داليا.
أجابها بإبتسامة متوترة فلم تصدقه و عادت تسأله:
- عماد ! .. في ايه بجد ؟ اتكلم من فضلك ؟؟
- مافيش حاجة يا داليا ما انتي عارفة طبيعة الناس بيحبوا يتكلموا في الفاضية و المليانة.
- بردو مش فاهمة حاجة .. في ايه يا عماد ؟؟
لم يجد مفر من الحديث فتنهد قائلا:
- انتي مش كنتي مع مستر عز الدين امبارح بتتعشوا مع بعض برا ؟؟
- اه.
أجابته في دهشة ثم سألته:
- عرفت منين ؟؟
- رانيا عزيز .. فاكراها دي اللي كنت حكيتلك عليها قبل كده شافتكوا مع بعض .. و لو تفتكري بردو اني قلتلك انها اكبر رغاية في الدنيا و ان الخبر مش بيبات في بؤها ليلة و خصوصا ان الخبر ده يخص عز الدين نصار حبيب صحبتها جومانة السابق .. و اللي برغم كل اللي بيعمله فيها لسا بتحبه بجنون و مراهنة عليه حتي بعد ما قطع علاقته بيها.
أومأت "داليا" رأسها عابسة بينما تابع "عماد":
- عشان كده نشرت الخبر علطول .. لكن و لا يهمك يعني الموضوع هياخدله يومين و هينتهي خالص.
ثم أضاف في تردد:
- بس ايا كانت طبيعة العلاقة اللي بينك و بين مستر عز الدين حاولي تخلي التفاصيل سرية عشان الكلام مايكترش زيادة.
إحتقن وجهها غضبا جراء كلماته فصاحت قائلة:
- علاقة ! علاقة ايه يا عماد ؟ انت كمان هتقولي علاقة !
ثم تابعت بحدة:
- انا مافيش اي حاجة بيني و بينه و مش عشان هو ساعدني يوم ما امي اتوفت من باب الانسانية يبقي بيحبني و انت عارف ان ده مستحيل اساسا و بردو مش عشان خرجت معاه في مشوار شغل يبقي بموت فيه مثلا انا مش النوع ده.
ثم صمتت لثوان و تابعت في ضيق:
- حتي انت كمان يا عماد !!
بينما أسرع يقول في لطف:
- داليا .. انا ماقصدش حاجة و الله انا بس كنت بحاول انبهك بأي طريقة عشان تقدري تبعدي عنك كلام الناس مش اكتر .. انتي عارفاني و عارفة اني ماقصدش اضايقك ابدا مش كده ؟؟
تنهدت بثقل و لم تجب فرمقها بأسف قائلا:
- عموما بردو انا اسف يا ستي لو كنت ضايقتك بدون قصد .. عن اذنك.
ثم انسحب في هدوء و تركها مع حنقها و عصبيتها يستبدا بها ، و لكنها ما لبثت أن طردت تلك السخافات من رأسها و راحت تفكر بطريقة ما للحصول علي مزيد من المال لجمع القيمة المطلوبة لتغطية تكاليف شراء منزلها ، أدركت أن لا أمل لها بتغطية المبلغ المطلوب في غضون أسبوع واحد فقط !
ثم فجأة قفزت برأسها فكرة و لكنها ترددت قليلا ، لكن ليس هناك ثمة حل أخر ، هبت واقفة و أخذت نفسا عميقا ثم ذهبت إلي مكتبه مسرعة قبل أن تغير رأيها ..
طرقت الباب ثلاث مرات ثم أدارت المقبض و دخلت ، كان المكتب فارغا فأعتلي الحزن و الضيق وجهها ، و لكن فجأة ظهر "عز الدين" حيث رأته يخرج من الحمام الملحق بالمكتب لامع البشرة ، شعره مبللا يقطر منه الماء و كذلك صدره الصلب الذي ظعر خلف قميصه الأسود المفتوح غضت "داليا" بصرها في سرعة بينما تجمد "عز الدين" بمكانه للحظة دون كلام ، ثم أخيرا تقدم صوب مكتبه قائلا و نظره معلق عليها:
- اهلا يا داليا.
كان يحدجها بإبتسامة بسيطة فيما إلتقط ساعة يده من فوق مكتبه و شرع بلبسها:
- حضرتك .. انا خبطت قبل ما ادخل يافندم.
قالت ذلك كي تكسر طبقة التوتر التي خيمت عليها بينما همهم بهدوء و هو يزرر قميصه بسرعة ثم نظر إليها و قال بعد تنهيدة قصيرة:
- مش مشكلة المهم انك دخلتي .. هاه .. كنتي عايزة ايه بقي ؟؟
ترددت كثيرا قبل أن تتفوه بأي حرف ، فرفع حاجبيه مستفسرا بينما تنهدت و بدأت تتكلم ببطء شديد و هي تتعثر بالكلام ، لقد رتبت الكلمات و أعادتها في فكرها عدة مرات:
- كنت .. كنت .. كنت عايزة اقول لحضرتك ...
ثم صمتت فجأة ، إذ وجدت صعوبة في طلب أي إعالة مادية منه ، بينما هز رأسه يحثها علي الإسترسال في حديثها فسحبت نفسا عميقا و كادت تتكلم لولا أنه قاطعها قائلا:
- استني خليني اخمن عايزة تقوليلي ايه .. عايزة تقولي حاجة بخصوص الليلة اللي فاتت مش كده ؟؟
هزت رأسها و كادت تتكلم فقاطعها مجددا:
- بصراحة كنت فاكرك مش هتيجي بس جيتي.
كانت لهجته لاذعة ساخرة كما إعتادت منه فيما تقدم صوبها ببطء حتي وقف أمامها مباشرة ، فتمكنت من إستنشاق رائحة عطره المركزة الرائعة و التي أشعرتها بدوار خفيف ، بينما تحولت عيناه الذهبيتان فوق صفحة وجهها قبل أن تتوقفا عند فمها المكتنز الناعم ، لم تخطيء "داليا" فهم اللهيب الذي حل محل السخرية في نظراته ، المشكلة هي أن إضطرابا غير مرغوب به بدأ يسري في كيانها إذ أخذت نبضات قلبها تتسارع جراء نظراته و قربه منها ، و لكنها غالبت مشاعرها بقوة حيث رفعت ذقنها قائلة:
- انا عايزة اتكلم مع حضرتك في موضوع مهم جدا بالنسبة لي.
توتر فمه فجأة و كأنه قد عاد للواقع فعادت السخرية تكتسح الرغبة في أعماق عينيه ثم قال:
- طبعا طبعا .. هنتكلم يا داليا .. زي ما قلتلك انا ماكنتش متوقع انك تيجي انهاردة بس علي الاقل كنت متاكد انك هترجعي .. عموما يا ستي امرك هنتكلم في اللي انتي عابزاه بس مش هنا.
رفعت حاجبها متسائلة:
- اومال فين يافندم ؟؟
نظر في ساعة يده ثم أجابها:
- ساعتين بظبط و هاخدك و نروح مكان هادي خالص مافيهوش حد غيرنا .. هناك بقي تقدري تقولي كل اللي نفسك فيه.
رمقته في صدمة ثم صاحت قائلة:
- مكان ايه ده حضرتك ؟ لأ طبعا مش هروح معاك لأي مكان !!
تنهد بنفاذ صبر و هو يرمقها بتلك النظرة الهازئة الساخرة ثم قال:
- اومال انتي رجعتي ليه بعد اللي حصل امبارح ؟ عايزة ايه ؟؟
إتسعت عيناها بصدمة أكثر فأومأت رأسها قائلة:
- صح .. صح انت عندك حق انا فلطانة فعلا اني رجعت.
و همت بالرحيل فقبض علي معصمها قائلا:
- استني .. كنتي عايزة تقوليلي حاجة ؟؟
حاولت سحب يدها بقوة لكن قبضته كانت محكمة فوق ذراعها فقالت:
- في الحقيقة اه .. كنت هنسي اقولك اني مستقيلة.
- مستقيلة !
هتف بحدة ثم تابع:
- ايه مستقيلة دي ؟ هو لعب عيال ؟؟
جاهدت كي تمنع دموعها من التساقط فصرخت قائلة:
- انا حرة حضرتك .. و بعدين مش ده اللي انت عايزه ؟ انا همشي خلاص و مش راجعة تاني.
فأدارها إليه لتصبح في مواجهته ثم أخذ يحدق بوجهها الغاضب المتورد لبرهة و كأنه يفكر في شيئا ما ثم سألها في هدوء:
- تتجوزيني .... !!