تحميل رواية «حتى اقتل بسمة تمردك (1» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات. أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات. ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما. عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا ي...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مريم غريب
تهادت الشمس في الأفق آخذة اتجاه الغروب عندما أفاق خالد من قيلولة الظهيرة على صوت جرس المنزل المستمر والذي أزعجه إلى درجة الغضب.
فنهض من مضجعه في عصبية تاركاً على فراشه قميصاً قطنياً خاصاً بعبير من الواضح أنها قد نسيت أخذه.
فعثر خالد عليه وكان يتوسده كل ليلة.
هبط خالد الدرج اثنتين اثنتين حافي القدمين، ثم توجه نحو باب منزله بخطي واسعة حتى وصلت يده إلى المقبض فأداراه وجذب الباب بقوة لتصطدم نظراته الحادة بنظرات عز الدين الباردة.
"ايه يا اخي الطريقة دي، في حد يخبط بالشكل ده؟"
هتف خالد حانقاً.
فمد عز الدين يده وأزاحه جانباً بلطف ثم قال بلا اكتراث وهو يشق طريقه إلى الداخل:
"اعملك ايه يعني، ما انت اللي نومك تقيل."
تنفس خالد بعمق وقد هدأت ثورته، فأغلق باب المنزل خلف ابن عمه ثم لحق به إلى قاعة الجلوس.
بينما ألقى عز الدين بثقله متنهداً فوق أريكة صوفية لونها أحمر قان.
فجلس خالد إلى جانبه متسائلاً:
"يا ترى ايه سر الزيارة الكريمة يا بن عمي، وحشتك، مش معقول ده احنا لسا سايبين بعض ما بقلناش ساعتين."
رمقه عز الدين بنصف ابتسامة ساخرة ثم رمش مشيحاً بنظره إلى الأمام بعيداً عنه وقال وهو يخرج من جيب سترته علبة سكائره البلاتين:
"بقولك ايه، حط خفة دمك دي على جنب شوية وركز معايا، عايز اكلمك في موضوع."
"خير يا سيدي."
قال خالد مستفسراً في تهكم.
بينما وضع عز الدين سيجارته بين أسنانه ثم أشعلها ساحباً نفساً عميقاً ونفثه عالياً ثم عاد ينظر إليه قائلاً بجدية:
"سفارية ريو."
"مالها؟"
سأله خالد مقطباً.
فأجابه في هدوء حازم:
"هتضطر تروحها انت لوحدك، انا مش هقدر اسافر معاك المرة دي."
"ليه كده يا عز، من امتى بسافر انا لوحدي من غيرك؟"
قهقه عز الدين بخفة ثم قال ساخراً:
"ايه ياض ما تظبط، هو انا مراتك ولا ايه؟"
رمقه خالد في ازدراء فازدادت موجات ضحك عز الدين ثم عاد يحدثه بجدية مجدداً:
"انا ورايا مشغوليات كتير هنا، وفي حاجة في دماغي مرتبلها من فترة وعايز امشي في اجراءاتها. انت هتروح بصفتك المدير التنفيذي هتوقع العقود، وكمان انا عاملك توكيل يعني كل حاجة هتخلص بسرعة. هتروح بسرعة وهتيجي بسرعة، ودول كلهم يومين يا خالد."
زم خالد شفتيه بينما تصاعد رنين هاتف عز الدين بنغمته الصاخبة.
فأخرجه من جيب سترته وأجاب:
"الو.. و بعدين.. شفتهم داخلين فيلا في المنصورية.. اه.. طيب خلاص كفاية كده.. ابقي عدي عليا بكرة في مكتبي."
أنهى عز الدين الاتصال سريعاً بينما تطلع إليه خالد باستغراب.
ثم سأله في اهتمام:
"في ايه يا عز الدين، ايه الحكاية، ومين اللي كان بيكلمك ده؟"
تنهد عز الدين بحدة ثم نظر إليه قائلاً في هدوء يختبئ بطياته غضب هائل:
"كنت متوقع ان ده يحصل، لكن بالترتيبات دي! ما جاش على بالي خالص."
"ايه؟"
هتف خالد مقطباً ثم اندفع في عبس قائلاً:
"انا مش فاهم حاجة، انت قصدك ايه؟"
حدق عز الدين به في قوة ثم صر على أسنانه بغضب.
بينما كان ينتظر خالد توضيحه.
"امك بتموت يا عبير."
قال عمر ذلك دامع العينين.
بينما فغرت عبير فاها وقطبت حاجبيها قائلة:
"انت بتقول ايه، بتموت ازاي يعني؟"
لم يجبها عمر بل رفع صفحة المجلة إلى مستوى نظرها ثم سألها:
"ايه، معقول ما قريتيش الخبر؟"
خطفت عبير الصفحة من يده بقوة ثم راحت تلتهم الأسطر الوجيزة بعينيها حتى انتهت وتأكدت من صحة حديث شقيقها.
فتهاوت على أقرب مقعد بغرفتها وعينيها مسمرتان تحدقان إلى الأمام في اللاشيء.
"عايزة تشوفك."
هتف عمر مترقباً.
فصوبت عبير نظرها تجاهه في صمت.
عند دقات العاشرة والنصف مساءً، وبينما كانت داليا تضع عدنان في مهده، دلف عز الدين إلى الغرفة في هدوء كما أغلق الباب من خلفه في هدوء أيضاً.
فيما شعرت داليا بحركته الخفيفة فابتسمت بنعومة واستدارت نحوه.
فبادلها عز الدين البسمة بمثلها ثم فتح ذراعيه داعياً إياها لأحضانه.
فلبت دعوته بكل سرور حيث هرولت إليه وارتمت بين ذراعيه سانده رأسها على صدره.
بينما شدد ذراعيه حولها، فأغمضت عينيها في حب وازدادت ابتسامتها اتساعاً وهي تردد له بإنفعال عاطفي:
"وحشتني اووي."
همهم باسماً وضمها إليه أكثر ثم قال:
"وانتي كمان.. وانتي كمان وحشتيني اوي."
تنهدت بسعادة بينما مسح بكفه على شعرها ثم قرب فمه من أذنها وسألها هامساً:
"اومال انتي كنتي فين انهاردة يا حبيبتي؟"
قطبت حاجبيها مستغربة وهي لازالت مغمضة العينين بإحضانه.
ثم أجابته:
"انا مش قلتلك الصبح يا عز اني هاخد عدنان للدكتور."
"همم.. روحتي بيه لوحدك؟"
"لأ ياسمين جت معايا.. مش انا قلتلك كده بردو.. انت نسيت ولا ايه؟"
أومأ رأسه مراراً.
فيما تبدلت ملامح وجهه الهادئة بتلك اللحظة إلى أخرى عاصفة غاضبة.
فاندفع قائلاً فجأة بلهجة قاتمة:
"و اخبار كاميليا هانم ايه؟"
فتحت عينيها دفعة واحدة في وجل وكم تمنت أن يكون ما سمعته وهماً أو حلماً.
ولكن لم يطل الأمر إذ أن أصابع كفه الذي كان يربت على شعرها في حنان تقلصت على خصلات شعرها وقبضت عليها بقوة عنيفة.
حيث جعلها ترفع وجهها إليه في قسوة بالغة جعلتها تئن صارخة بصوت خفيض خشية إيقاظ طفلها.
بينما كان يرمقها شزراً وهو يقول:
"بتستغفليني يا داليا؟ بتضحكي عليا انا؟"
"يعني انت عارف من الاول انا كنت فين؟"
سألته بنبرة مرتجفة وعروقها تنبض بالخوف.
فعاد برأسه للخلف وضحك بدون مزاج ثم عاد ينظر إليها ورمقها بنظرة عنيفة.
بينما أحست نبرته الفولاذية وهو يقول:
"داليا انتي فاكرة عز الدين نصار اللي واقف قدامك ده عبيط ولا بيريل؟"
سأل عز الدين بفظاظة وقد رأى الدموع معلقة في مقلتيها.
ثم تابع من بين أسنانه:
"كنتي فاكرة انك بسهولة يعني تقدري تخدعيني؟ لسا ما تخلقش اللي يعرف يخدعني يا داليا. تمثيلية مرض الولد، والمرواح عند الدكتور فجأة بعذر اهبل.. كنتي فاكرة انك اقنعتيني؟ فاكراني تلميذ؟"
هتف آخر كلماته صائحاً بإنفعال حانق.
فهزت رأسها بالنفي وعدم التصديق بإنه قد وصل إلى تلك النقطة الصفرية مجدداً.
ثم قالت بصوت مختلج وشعرها لا يزال متجمع في قبضة يده:
"لأ والله ما خدعتكش، ماكنش قصدي اخدعك ولا حاجة، والله العظيم الولد كان مريض فعلاً ولو مش مصدقني انت عارف الدكتور بتاعه ممكن تتصل بيه دلوقتي حالا وتسأله."
ثم ازدردت ريقها في توتر وقالت بعد برهة:
"لكن انا ماقدرش انكر اني كدبت عليك انهاردة لما قلتلك هاخد عدنان للدكتور. انا فعلاً روحت لأمك.. الست صعبت عليا.. انت ما شفتش خبر مرضها في المجلات والجرائد؟ الدكاترة قالوا انها مش هتعيش وفاضلها ايام معدودة.. حبيت احسسها انها مش لوحدها و..."
"عمري ما هغفرلك غلطتك دي ابدا."
قاطعها بوجه صارم ولهجة حازمة للغاية.
فتأوهت بخفوت وهو يشدد قبضته على خصلات شعرها.
بينما إقترب بوجهه من وجهها وقال محذراً دون أن يطرف له جفن:
"لو عرفت انك روحتلها تاني، لو حسيت انك كدبتي عليا تاني او حاولتي تستغفليني مرة تانية، هحاسبك حساب عسير يا داليا. فأرجوكي ما تخلنيش في لحظة انسي انك ام ابني."
ثم أعتقها وحررها من بين ذراعيه أخيراً وتركها متوجها صوب الحمام.
بينما تنفست داليا الصعداء وهي تشعر وكأن موجة اضطراب قوية لطمتها بقسوة.
ثم تركتها باردة الأطراف.
في الصباح التالي.
جابت داليا المنزل بأكمله بحثاً عن عمر دون جدوى.
لم تجد له أي أثر.
فهاتفته ليأت صوته سريعاً:
"صباح الخير يا داليا، خير في حاجة؟"
بادلته داليا تحية الصباح ثم أجابته في توتر:
"عز الدين عرف اننا روحنا نزور مدام كاميليا."
"يا خبر!!"
هتف عمر قالقاً.
فباغتته داليا قائلة:
"انت فين يا عمر؟"
أجابها عمر متوجساً:
"انا عند ماما."
إزدردت داليا ريقها ثم قالت دون تفكير:
"طب تعالي دلوقتي وهات امك معاك."
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مريم غريب
كان "عز الدين" يتحدث في هاتفه عندما دلفت "داليا" إلى الحجرة وأغلقت الباب من خلفها في هدوء. ثم اتجهت مسرعة إلى "عدنان" الذي استيقظ لتوه، وقد بدت على ملامحه معالم العبس والضجر. فابتسمت "داليا" تلقائيا وأخذته من فراشه الصغير بين ذراعيها، ثم راحت تتحدث إليه بخفوت ولطف.
بينما كان "عز الدين" يزرع الحجرة ذهابا وإيابا وهو يخاطب محدثه على الهاتف، تارة بصرامة وتارة بلطف، حتى أنهى الاتصال.
فصوب نظره إلى "داليا" قائلا بصوته القوي:
- أنا خارج ومش هرجع على الغدا، محدش يستناني.
ضيقت "داليا" عينيها، وعادت تضع "عدنان" في مهده مجددا، ثم استدارت متوجهة نحو "عز الدين" وقالت عندما وصلت إليه:
- إزاي مش هترجع على الغدا؟ هتتغدا فين طيب؟
- هتصرف.
أجابها في لامبالاة وهو يعبث بهاتفه، فتطلعت إليه في فضول، ثم سألته مترددة:
- هتروح فين؟
رفع "عز الدين" وجهه على الفور، فاصطدمت بنظراته الحادة، وازدردت ريقها في توتر، بينما قال بلهجة حادة:
- مشوار شغل، وعشان أرضي فضولك، رايح المينا أخلص شوية ورق في الجمرك.
ثم رفع يده وأشار لها بسبابته محذرا:
- بس بعد كده، يا ريت تخفي الأسئلة اللي من النوع ده شوية، إنتي عارفة إني مابحبش كده.
أومأت رأسها في هدوء، وكاد يرحل من أمامها، فمدت يديها وقبضت على ذراعه صائحة في اضطراب:
- استني.
- فيه إيه؟
سألها مقطبا، فأجابته في تردد:
- إنت لسه زعلان مني؟
تنهد "عز الدين" بنفاذ صبر، ثم حدجها بنظرة ثاقبة، وقال بصوته العميق:
- زي ما قلتلك امبارح، أنا عمري ما هنسى اللي عملتيه، عمري ما هنسى إنك كدبتي عليا واستغفلتيني، كان ممكن أتصرف معاكي بشكل عمرك تخيلتيه، بس في ألف لأ منعتني.
تطلعت إليه "داليا" في تأمل ذاهل، امتنت لعباراته الجامدة والرقيقة في آن، وسرعان ما ساورها شعور الندم على ما حدث منها، وعلى ما سوف يحدث لاحقا. بينما عاد يقول بلهجة منخفضة قليلا:
- بعد كده، قبل ما تعملي أي حاجة عارفة إني مش هكون راضي عنها، ابقي فكري الأول في اللي بينا، زي ما أنا فكرت.
قضمت "داليا" شفتها بقوة وهي تشعر بالندم، في حين كانت تبحث في وجه "عز الدين" عن تعابير غامضة لسبر غورها، فاندفعت قائلة:
- ليه إنت قاسي كده يا عز الدين، على عكس الطيبة اللي أنا متأكدة إنها جوه قلبك؟ ليه أمك ما صعبتش عليك؟
تجمدت نظرات "عز الدين" فجأة، ثم قال بحدة محذرا:
- أنا مابحبش أتكلم عنها.
تجاهلت "داليا" تحذيره، وتابعت:
- أنا سمعت القصة أيام ما كنت موظفة عندك، بس ده في النهاية مجرد كلام ومافيش أدلة تثبته، إنت متأكد من الكلام ده؟
سألته مترقبة، فأجابها بقوة شاخصا ببصره:
- أيوه متأكد.
- جبت منين التأكيد ده؟ من أبوك؟ سمعت بردو إن أبوك كان طاغي ومستبد، ما فكرتش للحظة إن أمك سابته لأنها ما كانتش قادرة تتحمل حياتها معاه؟
قال "عز الدين" بنزق وهو يكاد يصعقها بنظراته:
- إنتي ممكن تقبلي إنك تتخلي عن عدنان؟
لم تستطع الإجابة على سؤاله، فتابع:
- هي قبلت إنها تتخلي عني أنا وإخواتي لأسباب معينة، ايا كانت ماتهمنيش.
ثم صمت قليلا، وتابع:
- هي اختارت تسيبنا، وأنا كمان اخترت أنساها للأبد.
- بس أنا سمعت إنها حاولت تقرب منكوا تاني بعد موت أبوك.
- اديكي قولتيها بنفسك، بعد موت أبويا، هي سابته بإرادتها بعد ما رفعت عليه قضية طلاق، متخيلة بقي إني كنت هسمحلها تحط رجليها في بيته بعد ما مات؟
نظر لها "عز الدين" بعينين صارمتين، وقد ضاقت حدقتيهما من الغضب، فتنهدت "داليا" ثم قالت يائسة:
- إنت مش زي أبوك يا عز الدين، إنت قلبك مليان عطف وحنان أكتر.. ماتقدرش تسامح؟
- لأ ماقدرش.
هتف بقوة، وتابع في حزم:
- ومش عايز أسمع كلمة زيادة في الموضوع ده.
ثم تركها و غادر الغرفة، صافق الباب خلفه بعنف. انتفض عدنان وبكى على أثره. فأسرعت داليا إليه لتهدأ من روعه.
أصرت كاميليا بإلحاح خلال الطريق إلى القصر أن تتوقف عند أحد فروع الأسواق التجارية كي تشتري ألعاب لعدنان بنفسها.
فلبي عمر طلبها على مضض، خاشياً عليها من أي ضرر قد يصيبها. ولكنها بدت سعيدة للغاية عندما كانت تمشي إلى جانبه، متأبطة ذراعه. كانا رائعين معاً وقاما بجولة ممتعة. واشترت كاميليا لعبة عتيقة للغاية جذبت نظرها واستحوذت على انتباهها بشدة. كانت عبارة عن مجسم إسفنجي لحصان يمتطيه خيال ذو قبعة كبيرة. فسألها عمر مستفسراً:
- اشمعنا اللعبة دي اللي عجباكي أوي كده يا كوكو؟
تطلعت كاميليا إليه باسمة، ثم قالت بعاطفة أمومية:
- أبوه كان بيحبها أوي لما كان في سنه.
منحها عمر ابتسامة دافئة، ومن ثم راحا يشتريان مزيداً من الألعاب المميزة. ولم تنس كاميليا أن تشتري الهدايا لجميع أفراد الأسرة، كنوع من أنواع التذكار بما إنها راحلة.
عندما وصلا إلى القصر، وعبر عمر البوابة الحديدية الضخمة بسيارته، أخذت كاميليا تتطلع إلى المكان من حولها. فتداهمت الذكريات بعقلها. منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، لم تشهد عينيها ذلك القصر الفاخر المترف، الذي تكاد أحجاره تنطق بالرغد والثراء.
توقفت سيارة عمر بصورة تدريجية بساحة المنزل الكبير. فترجل هو أولاً برشاقة، وذهب ليساعد أمه على الخروج من السيارة. ثم توجه نحو صندوقها، حيث كدس الهدايا والألعاب. فيما صعدت أمه الدرجات الثلاث المؤدية إلى باب المنزل، ثم ضغطت زر الجرس. وما هي إلا لحظات حتى جاءت إحدى الخادمات وفتحت الباب على مصراعيه.
رسمت كاميليا ابتسامة خفيفة على وجهها، فيما رمقتها الفتاة في تساؤل وهي تتمعن بملامحها المألوفة. ولكن لم يطل الأمر، إذ أتى صوت عمر من خلف أمه قائلاً بلهجة آمرة:
- تعالي يا فاطمة شيلي معايا الحاجات دي.
هرولت إليه الفتاة، وهي تنقل نظراتها بينه وبين السيدة الغريبة. فلاحظ عمر نظراتها، فقال:
- سلمتي على الهانم؟ دي تبقي أمي.
أشرق وجه الفتاة، وأفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة، ثم صاحت بفرح:
- أيوه والله كنت بشبه عليها، الست كاميليا فهمي الممثلة.
ابتسمت كاميليا في هدوء وهي لا تزال تقف على أعتاب المنزل، بينما قال عمر ممازحاً في لطف حازم:
- طيب خلاص كفاية تعارف بقي، وبحذرك ما ترغيش كتير مع الست عشان ما أطرقكيش منها.
رمقته فاطمة بنظرة متذمرة، ثم انصاعت لآوامره، وحملت معه بعض الأغراض إلى الداخل.
بينما كانت كاميليا تدور بقاعة البهو الفسيح، وهي تتفحص المكان بعينيها الزرقاوين الواسعتين، لم يتغير شيئاً في هذا البيت. تركته لسنوات طويلة، ثم عادت لتجده كما هو. فشعرت وكأن الماضي البعيد كما لو كان البارحة.
آتت عبير في تلك اللحظة مهرولة، وما أن رأت والدتها أمامها، حتى تلألأت الدموع بمآقيها رغماً عنها. فمنحتها أمها ابتسامة دافئة، وقد كست وجهها غلالة من السقم والحزن. وأخذت تقترب منها بخطي وئيدة، حتى وصلت إليها، ثم مدت ذراعيها نحوها وجذبتها إلى صدرها. لم تحرك عبير ساكناً، وظلت صامتة. أخذت دموعها فقط تتساقط في هدوء، بينما راحت كاميليا تنعم بتلك اللحظات الفريدة.
- ما تشد شوية يابني.
قالها عز الدين وهو يجلس بالسيارة إلى جانب خالد. فصاح خالد مقطباً:
- أشد أكتر من كده إزاي يعني؟ عايزنا نموت؟ طب كنت قولي إنها رحلة انتحارية من الأول.
- بطل الظرف ده شوية واسمع الكلام. عايزين نرجع بدري، وبعدين الطريق فاضي قدامك.
- لا يا عم مش سامع كلامك. المثل بيقول امشي سنة ولا تخطي قنا.
حدجه عز الدين بابتسامة ساخرة، وقال:
- أمثالك بقت بيئة أوي.
ثم صاح متذكراً:
- آه نسيت أقولك. أنا حجزتلك تذكرة السفر. كمان 3 أيام هتسافر.
- ماشي.
هتف خالد متنهداً، ثم عاد يصوب تركيزه على الطريق أمامه.
زحف الليل سريعاً على قصر الـ "نصار".
في قاعة الجلوس الفسيحة، اجتمع الجميع. ساد جوا من المرح والحميمية الأسرية، بفضل السيد عدنان الصغير، الذي راح يزقزق ويطلق صياحه الطفولي بفرح.
وكم شعرت كاميليا بالدفء والإمتنان. كان هذا كل ما كانت تحتاج إليه فعلاً. ولكن لم تدم اللحظات السعيدة طويلاً، إذ دق جرس الباب فجأة، فساد صمت مطبق. وما زاد من الرعب بقلوب الجميع، عندما تردد صدى صوت سيد المنزل الكبير بالإرجاء. فلا شعورياً انتصبت كاميليا واقفة، تستعد لملاقاة ابنها.
فاندفع عمر نحوها مسرعاً، ثم أمسك بيدها وضغط عليها برفق ليطمئنها. فشعر بالإضطراب يهز المرآة النحيلة الواقفة إلى جواره لا حول لها ولا قوة. فيما ترقب الجميع لحظة دخول عز الدين بقلب واجف. فكانت داليا أشدهم خوفاً وقلقاً، فشدت ذراعيها حول ابنها كما لو أنها تلوذ به. بينما كانت تقف عبير إلى جانب ياسمين، وهي تشعر بالتوتر يعصف بها.
ثم فجأة ظهر عز الدين في تلك اللحظة، فصوبت أمه نظرها تجاهه بلهفة، وهي تشاهده يتخطى أعتاب المنزل إلى الداخل. وكم بدا جذاباً وواثقاً من نفسه. كان صورة صادقة عن أبيه. وكانت يدا كاميليا تضغطان بشدة على يدي عمر، وكأنها تحاول أن تستمد القوة منه.
فيما تسمر عز الدين بمكانه فجأة، وكأنه تمثال أصم. ولكن سرعان ما رفع رأسه الأدكن الأرستقراطي، وقد تطاير الغضب من عينيه، وكاد يصعق كل من بالمكان. فعلى بعد خطوات منه وقفت أمه مذعورة، وقد غاص كل لون من وجهها الشاحب الذابل. كان الجميع يتوسلون منه بعض اللطف بنظراتهم، ولكن كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة.
كان وجهه مغموراً بهالة رائعة تتفجر منه القسوة، فيما ارتسمت على شفتيه معالم الإزدراء والغطرسة. ثم...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم مريم غريب
كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة، كما كان وجهه مغمورا بهالة رائعة تتفجر منه القسوة، فيما إرتسمت علي شفتيه معالم الإزدراء، و الغطرسة، ثم هتف بصوت صارم أجش:
- داليا !!
إنتفضت "داليا" علي أثر صوته الغاضب، فيما كانت الغرفة تسبح في دوامة من الحقد، و العداء، و الخوف، و الترقب.
شعرت "داليا" أن قلبها يكاد يقفز من صدرها وقد رأت "كاميليا" في وضع يائس، وهي تحدق بإبنها بقوة، وعزم.
كانت جميع الأنظار مشدودة إلي "عز الدين" الذي بدا وكأنه سينفجر تحت تأثير مرارته العميقة، بينما إستجمعت "عبير" شجاعتها دفعة واحدة، حيث تقدمت خطوة إلي الأمام، ثم إزدردت ريقها، وقالت بثبات مرتبك بعض الشيء:
- ارجوك يا عز الدين، مهما كان شعورك وحجم غضبك، حاول تتصرف بلطف.
و لكنه لم يلتفت لها، بل ظل جامدا، و وجهه صارم للغاية كما هو، فأدركت "داليا" أن الغضب قد أعماه، و جعله يصم أذنيه لكل التوسلات.
ولأول مرة منذ أن دخل "عز الدين" إلي المنزل، فتحت "كاميليا" فمها، وقالت موجهة الحديث إلي إبنها:
- انا عارفة انك متضايق من وجودي، لكن انا صممت اجي بس عشان اشوفك.
ثم تابعت في حزن:
- ايه يا عز الدين؟ مش هتسلم علي امك؟
أجابها "عز الدين" بصوت كحد السكين:
- اسف حضرتك، انا ماعرفكيش.
كاد "عمر" يتكلم، فقاطعته أمه بضمة قوية من يدها، ثم تركته وخطت في إتجاه "عز الدين" حتى وقفت أمامه، ثم قالت وقد إرتسمت معالم المرارة علي وجهها:
- انت ابني، ومهما حصل في الماضي، انا هفضل امك.
حدجها "عز الدين" في أزدراء متهكم، ثم قال:
- انا امي ماتت من زمان، اعذريني يا مدام.. انا ماعرفكيش.
هزت "كاميليا" رأسها في ألم، ثم رفعت يديها، وأمسكت بتلابيب قميصه بقبضتيها الضعيفتين، وإندفعت قائلة بنبرة مرتفعة:
- انت ايه اللي جرالك؟ انا سيبتك وانت كبير، انا ماربيتكش على كده، جبت القسوة دي منين؟
- ابعدي عني.
صاح غاضبا، وأزال يديها عنه بقوة، كان العنف يتدفق من عينيه، بينما لم يحتمل "عمر" أكثر، فإندفع نحوهما وتصدر لأخيه في عصبية، قائلا:
- عز الدين! كفاية بقي، انا مش هسمحلك تتمادي اكتر من كده، دي امي و امك ومش عشان البيت مكتوب باسمك زي باقي الاملاك فهتقدر بالطريقة دي انك تتحكم فينا و في كل حاجة، انا اللي جبت ماما هنا و آا...
- بس يا عمر كفاية.
قاطعته "كاميليا" بصوت يائس، ثم إبتسمت في مرارة قائلة:
- من شابه اباه فما ظلم، كأني شايفة فريد نصار واقف قدامي دلوقتي.
وساد سكون رهيب لفترة من الزمن، قطعته قهقهة صادرة من أعماق "عز الدين" وهو يقول:
- لو كان فريد نصار موجود لحد اللحظة دي، ماكنتيش قدرتي تخطي خطوة واحدة جوا البيت ده.
أغمضت "كاميليا" عينيها بشدة، فطاحت دموعها علي خديها غزيرة، ثم رددت بصوت باكي يفتت الأكباد:
- كنت هتجنن عليك، كان نفسي اشوفك بأي طريقة.
جاءها صوته عنيفا ساخرا:
- و الله! طب اديكي شوفتيني، ياتري كنت استحق كل ده؟
- ايوه.
تمتمت بخفوت وهي ترمقه بنظرة دامعة، فيما كان الجو شبيها بكابوس مزعج، وكان يجب وضع حد له، فإمتثلت "كاميليا" دون إرادة إلي دوار إجتاحها فجأة، حيث تلاشت الرؤية أمام عينيها بصورة سريعة، وإنكفأت أرضا علي وجهها.
تسمر "عز الدين" بمكانه، بينما إلتف الجميع في حلقة حول "كاميليا" وهم يتفحصوها في هلع.
فيما حاولت "ياسمين" أن تعيدها إلي وعيها دون فائدة، فأخرج "عمر" هاتفهه وأجري إتصالا بطبيب والدته الخاص.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم مريم غريب
لم يمر وقت كثير و خرج الأطباء جميعهم. فنهض عمر واقفاً وعلامات القلق تغزو وجهه. بينما أقبل عليه الطبيب، ثم مد يده ورَبت على كتفه قائلاً بأسف:
- البقاء لله.
اتسعت عينا عمر في ذهول وهز رأسه مراراً في عدم تصديق. فأمسكت ياسمين بذراعه ورَبتت على كتفه بإشفاق. بينما اندفع عمر من مكانه راكضاً، ثم تجاوز غرفة العناية. تبعته ياسمين على الفور، فيما تجمد هو بموضعه عندما رأى أمه ممددة فوق ذلك الفراش المعدني ذا الأغطية البيضاء.
تقدم عمر صوب أمه بخطى وئيدة مترددة، حتى وصل إليها. فحدق بوجهها ملياً. بدت وكأنها نائمة، ولكنها أكثر شحوباً واصفراراً. فقد هرب الدم من لونها.
مد عمر يديه وأخذ يد أمه بين راحتيه، فشعر ببرودة بشرتها. تلك السيدة الرقيقة الحنونة فقدت دفئها ورونقها. وهنا فقط أيقن أنها حقاً رحلت.
فتلآلآت الدموع بعينيه، ولم يعد قادراً على حبسها بجفنيه أكثر. فأطلق لسيل دموعه العنان، فيما تهاوت قدماه وجثى على الأرض منهاراً وهو ينشج بالبكاء المر.
فجثت ياسمين بدورها إلى جانبه، ثم راحت تواسيه في لطف قائلة:
- بس يا عمر.. اهدا.. مش كده. شد حيلك.
- أمي.. أمي يا ياسمين.
ردد باكياً. فبكت ياسمين رغماً عنها وقالت:
- ادعيلها يا عمر.. وبلاش تعمل في نفسك كده.
تعالت همهمات بكائه أكثر. فما كان بها إلا أن تغدق عليه مزيداً من عطفها ولطفها، علها تستطيع تزويده بالصبر والتماسك.
---
مر أسبوع على ذلك القصر البهيج المترف الذي بات كئيباً حزيناً.
انقلبت أحوال جميع أفراد الأسرة رأساً على عقب، حيث اضطر الجميع أن يخضعوا لشعور المرارة والألم الذي غلف الأجواء.
لم يعد عز الدين إلى المنزل منذ اضطراره لمواجهة أمه تلك الليلة. فتأثرت داليا نفسياً لغيابه. شعرت بفراغ رهيب، كما فقدت شهيتها تجاه كل شيء، خاصة لأنه أبدى غضبه منها حيث رفض الحديث معها نهائياً. فقط وجود عدنان قربها هو ما كان يهون عليها الآسي الذي تكبدته طوال ذلك الأسبوع.
على الطرف الآخر، كان عمر منفرد بنفسه داخل غرفته خلال تلك الأيام السبعة الفائتة. غمره شعور هائل بالندم جعله غير قادر على استعادة رباطة جأشه مجدداً. لقد تهشمت عفوته المحببة، وقد خارت عاداته المرحة.
انطفأ بريق عينيه البنيتين الجميلتين، كما تقيد بالصمت أيضاً. فيما تعددت محاولات ياسمين اليائسة للحؤول دون استرساله في الحزن أكثر، ولكن عبثاً ذهبت كل محاولاتها. فهو منذ وفاة أمه، تغيرت أحواله كثيراً، نفسياً وبدنياً. فقد هزل جسده وشحب لون وجهه، ولم يعد به شيء من قديم صفاته على الإطلاق.
بينما كانت عبير أخفهم حزناً واضطراباً. فهي لم تعهد أمها، ولم تذكر عنها أي شيء. كل ذكرياتها تضم أخويها وخالد، حيث نشأت بينهم حتى امتشقت قامتها وأصبحت شابة يافعة. ولكنها لم تستطع إنكار شعورها المتعاطف والمنحاز إلى والدتها. فقد قسى شقيقها عليها بدرجة كبيرة دون أن يهتم بعواقب أفعاله التي انعكست على توابع مرضها.
كانت تجلس عبير قبال خالد إلى مقعد عاجي وثير بقاعة الجلوس. لم تكن مستعدة بعد لملاقاته، ورغم ذلك سعدت برؤيته، ولكنها نجحت في عدم إظهار ذلك له، حيث تبادلت معه حديثاً جامداً متقطعاً. بينما بدا هو مذبذباً تلك المرة، إذ لم يستطع ضبط انفعالاته كما اعتاد أن يفعل مؤخراً.
نظراته المرتبكة، لهجته المختلجة، وحركاته المتوترة، كل هذه أشياء أوضحت لعبير مدى تأثره بغيابها عنه وولعه بها. وتلك أمور لطالما سهرت ليالٍ تفكر فيها. ولكنها ما زالت متمسكة بقرارها، إلا إذا نجحت خطتها الجهنمية التي رتبت لها بالغش والتحايل. وكم شعرت بالآسف لذلك، ولكن ما من حل آخر.
- وأنتي عاملة إيه في دراستك؟
قال خالد متسائلاً، فأجابته في هدوء:
- الحمد لله.. كله تمام.
أومأ رأسه مراراً، ثم عاد يسألها:
- مش محتاجة أي حاجة طيب؟
- أي حاجة زي إيه؟
- فلوس مثلاً.. المفروض إنك مراتي يعني ومسؤولة مني.
ابتسمت عبير بخفة، ثم شكرته برقة:
- شكراً يا خالد.. أنا مش محتاجة أي حاجة.. بس أكيد لو احتجت هطلب مساعدتك.
تنفس بعمق، وقد غمره سرور عارم جاهد في إخفائه. ليس بسبب كلامها، وإنما لتأكده بأنها قد نست فكرة طلاقهما.
- ما جبتش عز الدين معاك ليه يا خالد؟
كان هذا صوت داليا التي جاءت فجأة دون تأهب، فيما تطلع إليها خالد في استغراب، ثم سألها مقطباً:
- أجيبه منين؟
- تجيبه منين!!
هتفت داليا في تساؤل مستنكرة، ثم عادت تسأله:
- هو مش قاعد عندك؟
أومأ خالد رأسه صائحاً:
- آه.. هو كان قاعد عندي فعلاً.
- كان! يعني إيه؟
أجابها خالد باسمًا:
- أصله سافر.
- سافر!!
هتفت داليا في صدمة، بينما تابع خالد قائلاً:
- آه.. راح ريو يتمم ورق صفقة مهمة أوي. هو المفروض كان يفضل هنا وأنا اللي أطلع مكانه.. بس لقيته غير رأيه فجأة الأسبوع اللي فات.
- بس إزاي يسافر من غير ما يقولي؟
تساءلت داليا بخفوت مقطبة، بدت وكأنها تخاطب نفسها. حيث استدارت وعادت أدراجها وهي لا تزال تتحدث إلى نفسها.
بينما تنهدت عبير بثقل، ثم قالت وهي تحدق بعيني خالد:
- محدش عرف عز الدين ده إلا وتعب نفسياً يا خالد.
ثم منحته ابتسامة عذبة، فبادلها البسمة عينها.
---
- أنا بجد تعبت معاك.
قالت ياسمين ذلك في ضجر مصطنع وهي تجلس إلى جانب عمر فوق أريكة غرفته الصوفية، ثم تابعت:
- مش كده يعني يا عمر.. قدر إني واحدة دكتورة سايبة مذاكرتي و لازقالك ليل نهار وبحاول أخليك تفك.
لم يجبها عمر بل ظل صامتاً وجامداً كما هو. فزمت ياسمين شفتيها في عدم رضا، ثم قالت:
- يعني هتفضل ضارب البوز ده كده كتير؟ أوكيه.. براحتك يا عمر.. بس خد بالك بقى من هنا ورايح.. خلص الود بينا.. وأنا مش عايزة أكلمك تاني خالص أصلاً.
وهبت واقفة، وما كادت تخطو إلى الأمام بعيداً عنه، فقد قبض على رسغها وأعادها إلى مكانها مجدداً. ثم أخيراً فتح فمه، وقال بلهجة صارمة:
- اقعدي يا ياسمين وكفاية كده بقى.
زفرت ياسمين في ضيق، ثم راحت تخاطبه بجدية:
- أنا برضه اللي كفاية يا عمر؟ بتقولي أنا كفاية؟
قطب عمر حاجبيه ونظر أرضاً. فمدت ياسمين يدها ولمست لحيته التي نمت كثيراً، ثم وبخته قائلة:
- عاجبك منظرك ده؟ عاجبك الوضع اللي أنت فيه؟ هتفضل كده لحد إمتى؟
لم يعطها جواباً، فعادت تسأله بإلحاح:
- ما ترد عليا ساكت ليه؟
- عايزة إيه يا ياسمين؟
صاح عمر بعصبية بالغة، ثم تابع بنبرة أقل حدة:
- أنا تعبان ومحدش حاسس بيا.. مخنوق وقرفان من نفسي.. كل ما بفتكر إني جيت عليها في مرة بـ...
- هي أكيد مسامحاك ومش زعلانة منك يا عمر.
قاطعته ياسمين في لطف، وأضافت:
- وبعدين حزنك ده لازم ينتهي.. كل يوم بيعدي عليك حالتك دي بتتطور أكتر و بتبقى أسوأ. مامتك مش هترجع خلاص يا عمر.. وغلط إنك توقف حياتك وتهمل في مستقبلك بالشكل ده. ماتنساش إنك لسه طالب.. وكمان أنت فاتتك حاجات كتير جداً طول الفترة اللي فاتت.. يعني جه الوقت بقى إنك ترجع تركز تاني في دراستك.
- مش هقدر أركز في حاجة يا ياسمين.
قالها بصوت منخفض، فابتسمت ياسمين بخفة، ثم غمزت بعينها مرحاً وقالت:
- ماتقلقش يا سيدي.. أنا هساعدك.
ابتسم عمر رغماً عنه، وسألها:
- هتساعديني إزاي بقى؟
- هشجعك وهفضل جنبك.. مش هاسيبك إلا لما ترجع تقف على رجليك من تاني.
مد عمر يده وأخذ يدها، ثم رفعها إلى فمه وطبع قبلة رقيقة بباطن كفها، وقال:
- ربنا يخليكي ليا يا سو.
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل، ولكنها جاهدت ومنحته ابتسامة رقيقة.
---
- يا دكتور، مافيش داعي للاستعجال. وبعدين أخويا سافر ولسا مارجعش.
قالت عبير ذلك تخاطب دكتور أمجد هاتفياً، بينما احتج برقة قائلاً:
- ما بلاش تقوليلي دكتور دي يا عبير.. ارفعي الألقاب وناديني باسمي عادي.
أطلقت عبير شهقة قصيرة، ثم قال:
- يا خبر..
لأ لأ ماقدرش يا دكتور.
- ليه بس يا عبير؟ ما انتي لازم تتعودي على كده من دلوقتي، ولا انتي ناوية تعامليني برسمية بعد الجواز برضه؟
قهقهت عبير بخفة، ثم عادت تقول:
- مش لما الجواز يتم الأول يا دكتور.
- إن شاء الله هيتم، انتي بس حدديلي ميعاد مع أخوكي أول ما يرجع من سفره بالسلامة، وأنا عليا الباقي، أوعدك في خلال شهور قليلة جدا هتبقي مراتي، يكون فات وقت الحداد على والدتك برضه.
تجاهلت عبير خفقات قلبها السريعة، وقالت بثبات مرتبك بعض الشيء:
- مش هينفع أحددلك أنا ميعاد مع عز الدين، الموضوع هيبقي حساس بالنسبة لي.
- طيب هنتصرف إزاي؟
- انت هتاخد الميعاد بنفسك...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم مريم غريب
بعد ساعات الصباح الأولي التي قضتها "عبير" في دراسة منهجها، ارتدت ملابسها وتأنقت للغاية، ثم ذهبت للقاء صديقتها "ريم" في كافيتريا. كانت أول مرة تنفرد فيها بـ "ريم" منذ زواجها من "خالد"، كما كان لديها أشياء كثيرة تود محادثتها عنها.
- إيه يا بنتي جبتيني على ملا وشي من الشغل لحد هنا؟ خير في إيه؟
قالت "ريم" ذلك متسائلة، فأطلقت "عبير" ضحكة صغيرة ثم أجابتها في هدوء:
- ما فيش حاجة يا ريم، وحشتيني بقالي فترة ماشوفتكيش، فقلت أجيبك هنا نقعد سوا شوية.
إنفرج ثغر "ريم" بإبتسامة بسيطة، ثم أومأت رأسها متفهمة، بينما تنحنحت "عبير" ثم ازدردت ريقها في توتر، وقالت:
- وكمان كنت عايزة أحكيلك على موضوع كده.
- خير؟
سألتها "ريم" في ارتياب قلق، فحملقت "عبير" بعينيها في ثبات، ثم راحت تسرد عليها بآلية خطتها الشيطانية، كيف بدأت، وإلى أين وصلت.
- نهارك أسود ومهبب!
صاحت "ريم" في صدمة بالغة، وقد اتسعت حدقتاها بشدة، ثم تابعت بعصبية:
- يخربيتك يا عبير.. انتي اتجننتي؟ إزاي فكرتي تعملي كل ده؟ معقول! انتي مابتحرميش؟
أغمضت "عبير" عينيها لبرهة، ثم عادت تنظر إليها قائلة بصوت خفيض:
- طيب.. ممكن تهدي بس؟ أنا هفهمك آاا..
- هتفهميني إيه؟
قاطعتها "ريم" بقوة، ثم صمتت لثوان، وقالت بلهجة جامدة تحذرها:
- اسمعي يا عبير.. انتي بتلعبي بالنار، والمرة دي محدش هيسمي عليكي، وكله هيبقي ضدك، فاهمة؟ محدش هيرحمك.
- يا ريم اسمعيني الأول طيب.. أنا لسه ماخلصتش كلامي.
هتفت "عبير" في حنق، وقد علا صوتها، فصمتت "ريم" في انتظار ما ستفضي به "عبير"، بينما تنفست "عبير" بعمق، ثم عادت تقول بنبرة هادئة:
- فعليًا يا ريم علاقتي بيه ما وصلتش لأي مدى فكرتي فيه، يعني ماتخطتش حدودي.
- اومال اللي حكيتيهولي ده يبقى اسمه إيه؟
- أقولك.
هتفت "عبير" باسمة، ثم راحت تسرد عليها باقي خطتها.
وبعد أن فرغت، تطلعت إليها "ريم" في دهشة، ثم هزت رأسها وهي تقول في تردد:
- لأ يا عبير.. لأ برضه ماينفعش اللي انتي بتقوليه ده، ده كمان خطر، تخيلي النتائج كده هتكون إيه؟ لأ لأ ماينفعش لازم توقفي اللعبة دي.
- أوقف إيه بس؟
هتفت "عبير" مستنكرة، ثم تابعت:
- أولًا دي فرصة هتخليني أحدد أنا عايزة إيه بالظبط من غير ما أندم على أي قرار هاخده، ثانيًا بقي خلاص فات الأوان.
- يعني إيه؟
سألتها "ريم" مترقبة، فابتسمت "عبير" في خبث قائلة:
- كل حاجة هتتم بكرة زي ما خططتلها بالظبط.
- شاطر يا عموري.. حلقت دقنك أخيرًا مش مصدقة.
قالت "ياسمين" ذلك، وهي تقف مستندة إلى ذلك اللوح الخشبي الذي حمل تلك المرآة الطويلة، بينما وقف "عمر" أمام المرآة، ينظر إلى وجهه من كل جانب، ثم وجه بصره نحوها، وقال باسمًا في عفويته المحببة:
- حلقتها عشان خاطرك والله يا سو يا حبيبتي.
قهقهت "ياسمين" في مرح، ثم عادت تقول ممازحة:
- أنا كنت حباك لما كنت عامل فيها متسول، كان شكلك لذيذ بصراحة، أما وانت نضيف دلوقتي شكلك بقى مش حلو خالص خالص يعني.
- لا والله!
هتف متهكمًا وهو يرمقها بنصف ابتسامة، ثم تابع وهو يقترب منها ببطء:
- بقي أنا كنت متسول يا ياسمين؟
أخذت تتراجع إلى الخلف حتى التصق ظهرها بالحائط، فأجابته باسمة:
- أيوه يا عمر كنت متسول.
كان قد وصل إليها، فوضع كلتا يديه على الحائط إلى جانبي رأسها، حيث حاصرها بين ذراعيه، ثم ابتسم، فظهرت أسنانه البيضاء الناصعة المتناسقة، وعاد يقول في خبث:
- طيب طالما كده بقي فأنا أكيد هكون معذور.
- معذور!!
رددت "ياسمين" مستغربة، فأكد "عمر" عبارته قائلاً:
- أيوه معذور.. ما المتسولين يا حبيبتي أغلبهم مجانين، والمجانين في تصرفاتهم لا عليهم لوم ولا حرج، اعتبريني مجنون.
وكاد يقترب منها أكثر، فرفعت كفها إلى صدره، وأوقفته قائلة بإبتسامة جامدة:
- عندك يا عمر.
- مش قوللتلك اعتبريني مجنون يا سو؟
- اتجنن على نفسك يا حبيبي.
- الله.. يا حبيبي.. قوليها تاني ونبي.
قال "عمر" باسمًا وبدا مستمتعًا باللعبة، فحذرته "ياسمين" بإبتسامة واثقة:
- كفاية كده يا عمر.
- مش سايبك إلا لما تقوليها تاني.
- انت مش قدي يا عمر.
- مش سايبك يعني مش سايبك هه.
تنهدت "ياسمين" بنفاد صبر، ثم فجأة تحولت تعابير وجهها، فصاحت:
- داليا!
انتفض "عمر" على أثر صيحتها، والتفت خلفه ليرى زوجة أخيه، فيما انسلت "ياسمين" من مكانها ضاحكة، ثم قالت وهي تعدو مهرولة إلى الخارج:
- قلتلك انت مش قدي يا عمر.
بينما ملأت البسمة قسمات وجه "عمر" وهو يراقبها حتى توارت عن ناظريه.
- يعني انت أخدت الميعاد خلاص ورايح تقابله بكرة زي ما قولتلي؟
قالت "عبير" ذلك متسائلة، وهي تخاطب الدكتور "أمجد" هاتفيًا، فأجابها في هدوء، وقد غمر السرور صوته:
- أيوه يا عبير، بكرة الساعة 10 ميعادي مع مدير الشركة على حسب ما قالت السكرتيرة.
تحركت "عبير" في توتر، ثم عادت تسأله:
- طيب يا ترى بقى محضر كلمتين؟ عارف هتقوله إيه يعني؟ أصل أخويا مابيحبش اللف والدوران، يعني نصيحة لازم تعمل بيها، تعالاله دوغري.
- مش فاهم! قصدك يعني أطلب إيدك على طول من غير مقدمات؟
- أيوه.
صاحت "عبير" موافقة، ثم تابعت:
- هو ده بالظبط.
- من غير حتى ما أقدم نفسي يا عبير؟
قال "أمجد" مستنكرًا، فأجابته "عبير" متأففة:
- أكيد يعني هتعرفه على نفسك الأول يا أمجد.
ثم صمتت لبرهة، وأضافت:
- المهم تدخل في الموضوع بسرعة زي ما قلتلك.
- يعني خلاص استحليت العيشة عندك؟
قال "خالد" ذلك متذمرًا، وهو يخاطب "عز الدين" هاتفيًا، بينما على الطرف الآخر أجابه في برود:
- أنا راجع بعد بكرة خلاص، المهم قولي، أخبار الشغل إيه؟
- كله تمام يا سيدي، بس انت اتأخرت أوي، كل ده بتوقع عقود الصفقة يا راجل؟ وبعدين استنى قبل أنسى، إيه اللي منشور عنك انت وجومانة خطاب في الجرايد والمجلات ده؟
- إيه المنشور؟
- مكتوب إن علاقتكوا القديمة رجعت تاني، صحيح الكلام ده؟
أجابه في غموض:
- انت عارف كلام الصحافة.
- يعني الكلام ده صح ولا إيه؟
- مش مهم يا خالد، أنا ماسافرتش أعمل غراميات، أنا سافرت أخلص شغلي.
- ماشي يا خويا، أهم حاجة بس ترجع بسرعة لأني واقف هنا لوحدي بقالي أسبوع ومش عارف أمشيها لوحدي.
- ما خلاص بقى يا خالد كفاية زن، قلت راجع بعد بكرة.
تنهد "خالد" بثقل، ثم عاد يقول في هدوء:
- خلاص ماشي يا عز، ترجع بالسلامة.
ثم أغلق الخط معه، ليتصاعد رنين هاتف المكتب بعد قليل، فرفع "خالد" السماعة مجيبًا، فأتاه صوت السكرتيرة الخاصة بمكتب المدير:
- الأستاذ أمجد شكري وصل يا فندم.
- طب دخليه يا دينا من فضلك.
ثم وضع السماعة مجددًا، بينما فتحت "دينا" باب المكتب المزدوج، وأفسحت الطريق لأمجد، الذي دلف متوجهًا بخطى ثابتة نحو ذلك المكتب الذي جلس فوقه مدير الشركة المؤقت، فيما نهض "خالد" واقفًا، ثم صافح الزائر بأدب قائلاً:
- أهلًا وسهلًا.
ثم تابع، وهو يشير إليه بالجلوس:
- اتفضل اقعد.
امتثل "أمجد" لقوله وجلس، بينما سأله "خالد" إذا كان يريد شرابًا أو أي شيء، فاعتذر "أمجد" بلباقة، فيما انسحبت السكرتيرة في هدوء، بعد أن تلقت أمرًا بالانصراف.
- حضرتك اتصلت بمكتب استعلاماتنا وطلبت مقابلة شخصية، خير؟
قال "خالد" ذلك في هدوء باسمًا، بينما تنحنح "أمجد" ثم صوب نظره إلى عينيه، ثم راح يقدم نفسه:
- أنا اسمي أمجد حسين شكري، معيد في الجامعة، وأخذت الدكتوراه من سنتين.
رمقه "خالد" مستغربًا، فابتسم "أمجد" وتابع:
- عندي طالبة في المدرج مجتهدة ومتفوقة جدًا، اسمها عبير فريد نصار.
عند ذلك تطلع إليه "خالد" مقطبًا، بينما أضاف الأخير:
- الحقيقة أنا جاي أطلب إيدها للجواز.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم مريم غريب
طوال الطريق إلى القصر قاد خالد سيارته بسرعة جنونية حتى وصل بعد ما كاد يفعل أكثر من حادث.
انفتحت إليه الأبواب سريعًا تحت تأثير بوق سيارته المرتفع والمستمر، فاندفع إلى الداخل وصف السيارة بساحة القصر في عشوائية، ثم ترجل راكضًا صوب باب المنزل وضغط زر الجرس في عصبية، وما هي إلا لحظات وانفتح الباب لتظهر فاطمة من خلفه بوجه مذعور، بينما تخطاها خالد مندفعًا نحو الدرج قاصدًا غرفة عبير.
وصل أمام الغرفة ودفع الباب بعنف، انتفضت عبير التي كانت تقف أمام خزانتها على أثره، بدت وكأنها عادت للتو من الخارج، فيما تقدم خالد نحوها بخطى واسعة غاضبة حتى وصل إليها، فأطبق يديه على كتفيها النحيلتين بقوة، ثم صاح بنبرة مرتفعة وقد اشتعل صوته بعنف حارق:
- بعت لي واحد يطلب إيدك مني؟ بقي أنا طلقتك؟
تطلعت إليه في خوف من فرط عصبيته، لم تتوقع أنه سيصل إلى تلك الدرجة، بينما تابع في عنف وهو يهزها بلا رحمة:
- إنتي إيه؟ ما تعلمتيش حاجة من اللي حصلك؟ معقول! ما تغيرتيش؟ لسه زي ما إنتي؟
جفلت عبير مضطربة، ثم خرج صوتها خائفًا مبحوحًا:
- إنت.. إنت بتقول إيه يا خالد؟ أنا مـ..
- إنتي تخرسي خالص.
قاطعها بقوة، ثم تابع يقول غاضبًا:
- شكلي كنت غلطان لما صدقت إنك فعلاً اتغيرتي واتعلمتي من اللي حصلك.
ثم أضاف في مرارة ساخرة:
- لما سبتيلي البيت ورجعتي تعيشي هنا، كنت أنا بندم كل يوم إني فضلت بعيد عنك لحد ما خليتك توصلي لكده وتسيبيني. كنت ناوي أجي لحد عندك أعتذرلك وأترجاكي كمان عشان ترجعي معايا البيت، بس اللي حصل بقي إني اتفاجئت، اتفاجئت إنهاردة لما اكتشفت إنك لسه زي ما إنتي ماتغيرتيش، وكنتي طول الوقت ده بتمثلي عليا.. كنتي ساكتة عليا بس عشان توصلي لكل ده وتخلصي مني بإرادتي وتبقي إنتي الضحية في الآخر.
حديثه أوجعها أكثر مما أوجعتها أصابعه المنغرزة في كتفيها، فكادت تتكلم لتدافع عن نفسها أو تعزز موقفها، ولكن أسرع هو قائلاً:
- للأسف يا عبير صدقتك.. وبجد إنتي ما تستحقيش أبدًا الحب اللي كنت شايلهولك في قلبي طول السنين اللي فاتت دي كلها، ما تستحقيش صبري عليكي من وإنتي لسه بنت صغيرة، ربيتك على إيدي واستنيتك كتير لحد ما كبرتي، وفي الآخر تكون دي مكافأتي!
أحسها تجفل داخليًا كما لو أنه صفعها بكفه، لكنه لم يآبه لأحاسيسها المنجرحة، بل سدد إليها ضربة قاسية أخرى طعنت قلبها:
- أنا فعلاً ندمان إني حبيتك.
ثم احتذ صوته واكتسب نبرة حقد مكثفة وهو يتابع:
- بس أيًا كان اللي حصل.. إنتي بردو ليا أنا وبس، مستحيل اسمح لحد ياخدك مني تاني، المرة دي هتبقي ليا لوحدي يا عبير.
ثم قبض على رسغها وجرها خلفه في عنف متجهًا صوب باب الغرفة، بينما لم تدرك ما يحدث إلا عندما رأته يتجه بها نحو الدرج، فناضلت من أجل إبعاده عنها دون جدوى، فصرخت به:
- سيبني يا خالد.. هتوديني فين؟ بقولك سيبني.. سيبني.
لم يبالي بصراخها، ولكن التفت إليها وطوق خصرها النحيل بإحدى ذراعيه، ثم رفعها عن الأرض وهبط بها الدرج في خفة مسرعًا، بينما راح يعلو صوت صياحها ونواحها وهي تهتف مستغيثة باسم شقيقها:
- يا عمـــــــــــر.. يا عمـــــــــــر.. يا عمـــــــر.
***
على الطرف الآخر، فرغت داليا من حديثها، فبدت اللحظات دهرًا، وياسمين تحدق في عبس بوجه شقيقتها المليء بالتعاسة، وأخيرًا استطاعت بشق النفس أن تقول:
- إنتي اتأكدتي من الكلام ده؟
هزت داليا رأسها نفيًا وهي تحدق أمامها في اللاشيء، فصاحت ياسمين في جمود قائلة:
- يبقي تتصلي بيه دلوقتي حالًا وتتأكدي.
رمقتها داليا في استنكار متخاذل، ثم قالت:
- ما بيردش عليا.
- يعني إيه ما بيردش عليكي؟
هتفت ياسمين في عصبية بالغة، ولكنها سيطرت على انفعالها وغضبها حيث تنفست بعمق، ثم عادت تقول بنبرة أقل حدة:
- طب خلاص.. لما يرجع تبقي تواجهيه بالكلام ده وتشوفي هيقولك إيه.
قطبت داليا حاجبيها، ثم قالت واهنة:
- مش هاينفع أعمل كده يا ياسمين على الأقل دلوقتي، إحنا لسه بينا مشاكل من ساعة ما جبناله أمه لحد هنا.
تنهدت ياسمين مغتاظة من رد فعل شقيقتها، بينما سمعا صوت صراخ يزداد ارتفاعًا آتٍ من الخارج:
- إيه الصوت ده؟
هتفت داليا في تساؤل، ثم هبت واقفة واتجهت نحو باب الغرفة لتستكشف الأمر بنفسها، فتبعتها ياسمين عابسة:
- في إيه يا فاطمة؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
قالت داليا ذلك متسائلة وهي تقف مستندة إلى درابزين الدرج بالطابق العلوي، فرفعت فاطمة رأسها عاليًا وأجابتها:
- ده خالد بيه.. جه أخد الست عبير ومشي.
- أخد عبير ومشي!!
رددت داليا مقطبة، ثم عادت تسألها:
- طب مين اللي كان بيصرخ؟
- الست عبير هي اللي كانت بتصرخ.
- كانت بتصرخ ليه؟
هزت الفتاة كتفيها قائلة:
- ماعرفش.
بينما تبادلت داليا نظرات التساؤل والاستغراب هي وشقيقتها.
***
عندما وصلا إلى المنزل، حملها بين ذراعيه وتوجه بها نحو الدرج، بينما لم تكف عن مقاومته بشراسة محاولة الفكاك منه، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل، إذ كان مصممًا على موقفه مهما كلف الأمر.
فيما كانت يداه تحرقان جسدها، كما كان وجهه صارمًا للغاية وهو يصعد بها درجات السلم المؤدي إلى الطابق العلوي حيث توجد الغرف.
لم يتجه بها إلى غرفتها هذه المرة، بل توجه نحو غرفته هو، فجف حلقها وراحت ترتجف في كل أنحاء جسدها، ومن دون أن يلفظ كلمة، دخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفهما بركلة من قدمه، ثم وضع عبير على قدميها أمامه في هدوء.
فتخلصت هي من ذراعيه في عصبية بالغة، ثم اشتبك نظرها بنظره، والتقى عيناه السوداوان كقعر بئر بعينيها الرماديتين المذعورتين، فيما انفرج ثغره بابتسامة ساخرة لدى رؤيته نظرات الرعب تتقافز من عينيها، وأخيرًا نطق فقال في جمود خبيث:
- وأخيرًا.. بقينا لوحدنا.
ثم شرع في فك أزرار قميصه مؤكدًا عزمه على نيل ما يريد، فاتسعت عينا عبير في توجس حذر عندما رأته عاري الصدر بعد ما نزع قميصه وألقاه بإهمال على الفراش، فيما تابع في تهكم متسائلاً:
- مالك يا عبير؟ خايفة من إيه؟
- إنت عايز إيه يا خالد؟
سألته في ارتياب، فأجابها بنظرة ثاقبة ولهجة مصممة:
- عايزك إنتي يا عبير.
وفي عنف، جذبها إلى صدره وشد ذراعيه حولها، فلم تكن قادرة على التخلص من قبضته الفولاذية، بينما راح يعانقها بقوة شديدة وكأنه يريد إهانتها، لم تستسلم عبير إليه، بل ظلت تغالبه وهي تتمتم بعبارات الرفض، فأبعد خالد وجهه عنها قليلًا كي يواجهها، ثم سألها ساخرًا، بينما لا تزال مسجونة بين ذراعيه:
- ليه الخوف ده كله يا عبير؟ أظن الحكاية مش جديدة عليكي، خايفة كده ليه؟ دي مش أول مرة بالنسبة لك يعني.
ارتسم على وجهها وشاح مرير أعتم قلبها، فقد أصاب منها وترًا حساسًا للغاية وأحيا جروحًا كان قد التئمت.
فتشنجت عضلاتها، كما راحت تتخبط بين ذراعيه طالبة إطلاق سراحها، فأفلتها خالد فجأة ومعالم الازدراء تكسو وجهه، بينما صوبت نظرها تجاه باب الغرفة، فحذر رغبتها في الهرب، وقبل أن تخطو خطوة واحدة، قبض على رسغها بقوة، وفي اللحظة التالية كانت تتأرجح بدوامة غريبة، إذ شعرت بسحابة فستانها الربيعي تنسحب عندما أمسك خالد بالقماش الناعم ومزقه على طوله، ثم ألقاه أرضًا في اشمئزاز، ثم راح يجردها من باقي ملابسها.
كانت عبير مصدومة من هذا العنف الرهيب، حتى أنها لم تحاول إخفاء عريها، لم تقدر على أكثر من إصدار صرخة مخنوقة، فيما أطبقت يدا خالد على كتفيها العاريتين كمخالب حيوان مفترس، ثم قال بلهجة قاتمة حازمة ونظرة تملك في عينيه:
- هتكوني ليا المرة دي يا عبير مش لحد غيري، مهما عملتي هتكوني ليا وبالطريقة اللي أنا عايزها.
ثم دنا بوجهه من وجهها، والتهما شفتيها بوحشية.
وبالفعل، كانت له هذه المرة كما قال، دون مقاومة أو رفض من قبلها، انتزع منها ما لم يكن من الممكن أن تمنحه إياه برضاها، كما اعتبرها مجرد آلة لإشباع رغباته!
والآن، وبعد أن انتهى منها، لم تشعر بانسحابه، فقط ظلت ممدة على الفراش في صمت، دون حركة، كأنها تمثال من مرمر، فقد عراها روحًا وجسدًا، ولم تتخيل أن الأمر سيصل بها إلى تلك الحالة.
أغمضت عينيها بقوة محاولة الهرب من واقعها المرير، بينما كانت دموعها تنساب غزيرة في منتهى الهدوء.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم مريم غريب
في الصباح التالي...
بدت الطائرة التي أقلت الركاب من مطار العاصمة البرازيلية (ريو) إلى مطار العاصمة المصرية (القاهرة) مليئة برجال الأعمال والسياح الأثرياء.
بينما لجأ عز الدين إلى مقعده مسرعًا، ليس بدافع التعب، بل لأنه لم يأتِ من الفندق الذي أقام فيه بمفرده، إذ كانت جومانة معه.
فمنذ علمها بخبر سفره لإنجاز صفقة عمل مشتركة بينهما، اختلقت الأسباب لكي ترافقه، وها هي تجلس في مقعدها إلى جانبه، وشعرها الأسود الطويل يلامس كتفه، فيما أغمضت عينيها ذات الرموش الطويلة بخوف مصطنع حين ارتفعت الطائرة الضخمة في السماء.
فأغتنمت الفرصة ومدت يديها، وقبضت على ذراع عز الدين الذي أدار وجهه إليها مقطبًا، بينما ابتسمت في رقة وهي تقول بتكاسل:
- سوري يا عز، بس أصلي اتخضيت.
رفع عز الدين حاجبيه مستغربًا، ثم تخلص من مزاجه الأسود، لاويًا شفتيه في سخرية، وقال:
- اتخضيتي! ليه؟ أول مرة تركبي طيارة؟
قهقهت جومانة بغنج قائلة:
- لأ مش أول مرة، لكن انت فاجئتني إننا هنرجع النهارده مش بكرة، فمكنتش مؤهلة نفسيًا للسفر.
ثم تابعت بخفوت:
- ده غير إن انت من زمان وجودك جنبي بيوترني.
رمقها هازئًا، ثم صمت لثوانٍ يتذكر تلك الأيام التي جمعته بها، وفي شبه ابتسامة قال ساخرًا:
- طب ما تبعدي عني أحسن.. طالما بوترك.
- ماقدرش أبعد عنك يا حبيبي.
هتفت هامسة قرب أذنه، ثم أضافت وهي تنظر بعمق في عينيه الذهبيتين:
- أنا بحبك يا عز.. بحبك أوي، وعمري ما هبطل أحبك أبدًا.
تنهد عز الدين بثقل وهو يرمقها في ضجر، ثم أشاح بوجهه عنها، وراح يحدق في شرود إلى السحب البيضاء عبر زجاج نافذة الطائرة المجاورة لمقعده.
وللمرة العاشرة انغمس في التفكير بتلك الليلة التي كدرت مزاجه حتى الآن.
كان مقتنعًا في قرارة نفسه بأن لديه كل المبررات ليفقد أعصابه، فقد جعلوه يبدو مغفلًا طوال الوقت.
كل فرد بأسرته الصغيرة تآمر عليه، الجميع تجاوزوا الحدود التي وضعها منذ سنوات طويلة.
فيما كان مقتنعًا أيضًا أن كل ذلك تم وفق تخطيط مسبق من داليا، وهذا أكثر ما ضاعف غضبه.
يا للنساء وقلوبهن الفولاذية وعقولهن الكبيرة التي تختفي وراء وجوه بريئة وأجسام مستسلمة كالحيات السامة.
لن يتكرر ذلك أبدًا.. قال هذا من قبل، لكنه هذه المرة يعني حقًا ما يقول.
مرت ثلاث ساعات وقليل على إقلاع الطائرة من ريو حتى وصلت إلى القاهرة، بينما دوى صوت نداء الوصول عاليًا.
تتبعته المضيفة التي وقفت بمؤخرة الطائرة طالبة إلى الركاب إلتزام المقاعد وربط الأحزمة استعدادًا للهبوط.
وبينما كان الجميع ينصاع إليها، أخذ عز الدين يسعل بشدة.
فالتفتت جومانة إليه متسائلة:
- مالك يا عز؟ انت كويس؟
أومأ عز الدين رأسه عابسًا، ثم عاوده السعال مجددًا.
فقطبت جومانة حاجبيها قائلة:
- لأ ده انت شكلك أخدت برد.
وأخيرًا انقضت الطائرة ذات اللون الفضي على الأراضي المصرية، قبل أن تهبط بهدوء في مدرج مطار القاهرة.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم مريم غريب
في صباح اليوم التالي، استيقظ عز الدين بعد أن قضى الليل على أريكة مكتبه. أخذ حمامًا وحلق لحيته التي نمت كثيرًا، لكنه رفض تناول الطعام طوال اليوم. كان يعاني صداعًا رهيبًا، وظل هكذا لمدة يومين، ثم بدا أحسن حالًا وأكل قليلاً في الإفطار، حيث انعزل بنفسه عن بقية أفراد الأسرة.
وفي المساء، بدت عليه علامات تؤكد رجوعه لحالته الطبيعية، مما أراح داليا التي كانت تتحين الفرص لإلقاء نظرة فاحصة عليه. عاد أخيرًا إلى عمله وبدا أنه شفي تمامًا.
فيما كان قلق داليا على مرض عز الدين قد أنساها الكثير من الأمور، لكنها الآن تذكرت كل شيء بتعقيداته. كانت قد أرادت من قبل لمئة مرة أو أكثر أن تتحدث معه عن تلك المرأة التي كان لها دور هام في حياته، وعندئذ لابد أنه سيضطر إلى التعليق على هذا، أو على الأقل يشرح الوضع. لكن الشجاعة خانتها، فهو لا يزال غاضبًا ولا سبيل إلى رده عن غضبه إلا إذا فعل هو ذلك بنفسه.
كان كل يوم يمر يزيدها توترًا، لتوقعها أن تكون علاقته بجومانة قد توطدت من جديد.
- ده اللي أنا كنت خايفة منه، وحذرتك يا عبير.
قالت ريم ذلك تخاطب عبير هاتفيًا، ثم تابعت في لوم:
- للأسف ما سمعتيش كلامي، أهي اللعبة كلها اتقلبت عليكي.
- خالد اتغير أوي يا ريم.
هتفت عبير باكية، ثم أضافت بنبرة متهدجة:
- مش مصدقة إنه بيعاملني بالطريقة القاسية دي! عمري ما شفته كده يا ريم.
ثم ازدادت همهمات بكائها. فتأثرت ريم لتعاسة صديقتها، ثم راحت تهدئها قائلة:
- طب خلاص يا عبير اهدي، إن شاء الله كله هيبقي كويس، ماتقلقيش، بس اهدي انتي دلوقتي عشان خاطري.
وبالفعل، استطاعت عبير أن تهدأ قليلاً. بينما قالت ريم في تردد:
- بس أرجع وأقول انتي اللي غلطانة، اتصرفتي بطيش كالعادة وهو أصلًا استحمل منك كتير وكان على آخره، فعمل فيكي كده.
ثم تابعت في لطف:
- معلش بقى حاولي تستحملي شوية وهو أكيد هيهدى من ناحيتك بعد فترة.
- أنا بقيت بكرهه أوي يا ريم، ده بيتعمد يهيني طول الوقت بالكلام والنظرات، معاملته ليا كلها إهانة وقسوة.
ثم ازدردت ريقها بصعوبة، وقالت في حزم:
- مش هينفع أفضل معاه، عمري ما هاسامحه أبدًا.
ثم أضافت في ألم:
- ده أنا كنت بدأت أحبه، والله كنت بحبه.
- ولسه بتحبيه يا عبير.
هتفت ريم بقوة، ثم تابعت في لطف:
- بس انتي لسه زعلانة منه. قولتلك معلش استحملي شوية وهو هايرجع زي الأول صدقيني.
ابتسمت عبير في مرارة، ثم قالت ساخرة:
- هايرجع زي الأول! بقولك مابقاش بيحبني، بيعاملني أسوأ معاملة، مش عارفة أشرحلك إزاي تاني!
- أنا عارفة يا عبير، لكن انتي لازم تعذريه. ماتنسيش إنك غلطتي في حقه كتير. يعني تخيلي كده لو كل اللي جرى قبل كده ماكنش حصل، مش كنتي هاتعيشي معاه عادي؟ مش كانت حياتكوا هتبقى هادية؟ وكان هو هيفضل يحبك أكتر وأكتر؟
تأملت عبير كلامها متحسرة، ثم قالت:
- واللي حصل العكس يا ريم!
- كله هيبقي كويس صدقيني، بس انتي حاولي تكسبيه تاني واستحملي.
ثم صاحت متسائلة:
- وإ صحيح بالنسبة لكليتك! هاتعملي إيه؟
ابتسمت في تهكم قائلة:
- كلية! ده مانعني أخطو برا باب البيت!
تأففت ريم في ضيق متمتمة:
- انتي اللي جبتيه لنفسك، انتي اللي وصلتي نفسك لكده يا عبير.
ثم تابعت سؤالها:
- طيب إخواتك عرفوا حاجة؟ انتي ماقولتيش أي حاجة خالص؟
نفت عبير بقوة:
- لأ طبعًا، هاقول إيه يا ريم؟
ثم تابعت بخفوت:
- بس عمر اتصل بيا امبارح عشان يطمن عليا.
ثم تنهدت في أسى، وأضافت:
- وطبعًا قولتله إني كويسة أوي وإني رجعت البيت مع خالد وأنا مبسوطة وإني كله تمام ومافيش أي مشكلة.
- عملتي طيب، يعني انتي فاكرة لو كنتي قولتي له الحقيقة كان ها يسكت؟ لا ده كان ها يروح يبهدل خالد ويسأله عملت في أختي كده ليه فيقوله خالد على كل اللي حضرتك هببتيه، ونرجع تاني لنقطة الصفر مع كله بقى، مع خالد وإخواتك.
شعرت ريم بأنها تمادت في توبيخ صديقتها، فعادت تقول في هدوء:
- عمومًا زي ما قلتلك كله هيبقي تمام، بس اصبري شوية.
بينما بدت عبير تعسة إلى أقصى حد.
- أنا بقول كفاية توسع، إحنا عندنا خطوط ملاحة في كذا دولة.
قال خالد ذلك يخاطب عز الدين، الذي نهض من خلف مكتبه واستدار ثم جلس في مواجهة خالد قائلاً:
- وإيه المانع لما نكبر أكتر وأكتر؟ الربح السنوي هيزيد، واسمنا هيتشهر على أوسع نطاق.
- بس المديرين اللي ماسكين الفروع مش أهل للثقة، ممكن يعملوا شغل من تحت الترابيزة.
- لو ده حصل فعلًا ساعتها الترابيزة هاتتقلب عليهم. ماتنساش إن لجنه الضرائب بتعمل حملات تفتيش شهرية وإن كل مليّم بيتأيد وبيوصلنا كشف بكل حاجة والفلوس كلها بتتحول على حساب المقر الرئيسي هنا.
هز خالد رأسه عابسًا، وقال:
- أنا قلتلك رأيي، وانت حر.
أومأ عز الدين رأسه قائلاً:
- تمام، ابدأ بقى في الإجراءات وخلص.
ثم هتف متابعًا:
- وصحيح كنت هنسى أقولك.. بكرة مافيش شغل.
- إزاي يعني؟
- هاديك إجازة يا سيدي، وهاتجيب عبير وتيجوا تقضوا اليوم عندنا في القصر.
- إيه المناسبة طيب؟
تنهد عز الدين ثم أجابه:
- فاكر لما قولتلك إني برتب لحاجة بقالي فترة؟
قطب خالد حاجبيه متذكرًا، ثم صاح قائلاً:
- أيوه فاكر، حاجة إيه دي بقى؟
أجابه عز الدين باسمًا في هدوء:
- بكرة هاتعرف.
ثم عاد وجلس خلف مكتبه قائلاً:
- المهم دلوقتي روح نفذ اللي اتفقنا عليه.
في الصباح التالي، أفاقت داليا على أصوات آليات آتية من الخارج. فتركت الفراش واتجهت نحو الشرفة وهي تفرك بعينيها لترى ما يحدث بوضوح. فشاهدت بعض العمال الذين انهمكوا في تجريف أرض حديقة القصر واقتلاع بعض الأشجار من جذورها، فيما كان عز الدين يتابعهم في اهتمام بالغ.
عبست داليا متضايقة، فقد اقتلعوا أكثر شجرة استحوذت على إعجابها.
بعد قليل استيقظ عدنان، فأخذته داليا إلى الأسفل وأطعمته أولاً، ثم خرجت به إلى الحديقة. اصطدمت بعمر في طريقها، فسألته:
- هو إيه اللي بيحصل هناك ده يا عمر؟
وأشارت له برأسها، فزم شفتيه وأجابها:
- ده جوزك ياستي، بيحب كل فترة يجدد في الجنينة، يعني يغير النجيلة، أو يوسع أماكن ويستبدلها بحاجات جديدة وكده.
همهمت داليا متفهمة، ثم قالت بأسف:
- بس في شجرة شكلها كان حلو أوي اتشالت.
بينما راح عمر يداعب عدنان، الذي بدا سيء المزاج، حيث أنه أوشك على البكاء من مداعبات عمه. فقال عمر في لطف:
- خلاص يا عم ماتعيطش، خليك مع مامتك ونبقى نلعب بعدين.
ثم اقترب منه وقبل وجنته سريعًا، وولج إلى الداخل. فيما كانت داليا ترتجف في كل أنحاء جسدها لأسباب مجهولة. فتوجهت نحو حديقة القصر وقدماها خائرتان. وعلى بعد خطوات منها لاحظت وجود مقعد فارغ، فجلست عليه بثقل، ثم أجلست عدنان فوق العشب الأخضر تحت قدميها، وراحت تتابع عن بعد زوجها والعمال.
ثم شردت فجأة، كانت مضطربة حتى أعمق أعماقها، فريسة مخاوف وشكوك كبيرة. فحاولت جهدها أن ترتب أفكارها.
شعرت بانقباض وخدر في أطرافها السفلي، رغم أشعة الشمس الحارة. ثم راحت تحاكي نفسها.. إنها حقًا قلقة، بل مذعورة، لأنه ما زال يحب امرأة تدعى جومانة. فكل الدلائل تشير إلى أنه كانت له علاقة غرامية بها حتى عشية زواجهما، وربما حتى الآن!
ولدي انغماسها في أفكارها، نسيت مراقبة عدنان، الذي زحف على العشب حتى وصل إلى منتصف حديقة القصر الشاسعة. ولما أدركت داليا الأمر كان قد فات الأوان. فقد زحف عدنان إلى المنطقة الخطرة، حيث تلك السيارة الصفراء الضخمة متوجهة نحوه مباشرة، وستدهس جسده الصغير لا محالة.
أرادت داليا الصراخ، لكن صوتها أبى الخروج، فالصدمة أخرستها كليًا. فيما راح قلبها يخفق بسرعة، وهي تحدق مذعورة بطفلها الذي ظل يجتاز الحديقة وهو يحبو. لم يكن الطفل يعي الخطر، إنما أراد لفت نظر والده إليه. لكن عز الدين كان منغمسًا بمهمته ومديرًا إليه ظهره. بينما خرج صوت داليا أخيرًا.
حيث أطلقت صرخة ثاقبة، فالتفت عز الدين ورأى بوجه مرعب الفاجعة التي أوشكت على الحدوث.
هذه الصرخة المؤلمة مزقت صمت الموت الذي كان يعم الأجواء، فيما اندفع عز الدين نحو ابنه الذي كان يزحف في هدوء. وفي هذا الوقت بالذات، هاجمت السيارة الضخمة عليهما.
فأغمضت داليا عينيها وفقدت وعيها وهي موقنة أنها فقدت أحدهما.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم مريم غريب
عندما عادت "داليا" إلى وعيها، أطلقت أنيناً أليماً من بين شفتيها الشاحبتين هامسة:
- عدنان .. عز الدين .. ابني.
كانت تهذي بتلك الكلمات طوال الوقت وهي مقتنعة أنها خسرت أعز ما تملك في حياتها، ربما زوجها أو ابنها!
بينما "ياسمين" و"فاطمة" أحاطاها بحنان بالغ، ولما أفاقت بعد مدة من الوقت، عاد الخوف يهددها، ففتحت جفنيها بصعوبة، ثم تحاملت على نفسها ونهضت من فراشها.
فتوجهت "ياسمين" إليها قائلة:
- داليا! قومتي ليه؟ خليكي مرتاحة يا حبيبتي.
تجاهلت "داليا" كلام شقيقتها، وعوضاً عنه سألتها في وهن وهي خائرة الأعصاب:
- عز الدين وعدنان! حصلهم حاجة؟ هما فين؟
أمسكت "ياسمين" بيد شقيقتها، وضغطت عليها مطمئنة:
- اهدي يا حبيبتي ماتقلقيش، عدنان زي الفل وكويس أوي.
- وعز الدين!
هتفت مذعورة وقد هوى قلبها، فعادت "ياسمين" تطمئنها بسرعة:
- وعز الدين كمان كويس ماتقلقيش.
ثم تابعت في خفوت مترددة:
- بس ..
- بس إيه؟
سألتها "داليا" والهالع يعصف بها، فأجابتها "ياسمين" في هدوء متماسك:
- بصراحة اللوري داس على دراعه لما كان بيلحق عدنان في آخر لحظة، جابه من تحت العجل بالسرعة دي إزاي محدش يعرف! بس هو كويس يعني ماتقلقيش.
ارتخت ركبتا "داليا" وهي تسألها باكية:
- كويس إزاي؟ انتي مش قولتي اللوري داس على دراعه؟
- يا حبيبتي هو ما فيهوش أي حاجة، ده بس مجرد كسر بسيط وهيخف مع مرور الوقت.
- هو فين؟ أنا عايزة أشوفه.
قالت "داليا" بوجه شاحب، وأحست بيد شقيقتها تغلق في دفء على يديها مواسية، فيما قالت "ياسمين":
- هو في أوضتكوا والدكتور معاه، تعالي يا حبيبتي هاوديكي تشوفيه.
أدركت "داليا" في تلك اللحظة أنها كانت فاقدة الوعي بغرفة شقيقتها، ولكنها لم تآبه لأي شيء الآن، بل مشت مستندة إلى شقيقتها التي أوصلتها حتى غرفة نومها.
وعندما دخلت "داليا" لم تلاحظ لأول وهلة ذلك الطبيب الذي راح يعتني بزوجها، بل صوبت ناظريها تجاه ابنها النائم في هدوء على كتف عمه، ثم نقلت بصرها إلى زوجها الذي صاح لدي رؤيته إياها:
- يا دكتور مؤنس انت بتضيع وقتك، أنا كويس جداً ومش محتاج دكاترة، ده مجرد جرح في كتفي.
عنفه الطبيب قائلاً بصرامة:
- مبدئياً يا ريت تهدا، انت مش كويس خالص على فكرة، واللي في كتفك مش مجرد جرح ده كسر كمان، عشان كده من الأفضل إنك تبطل انفعال وتسيبني أشوف شغلي بهدوء.
عبس "عز الدين" مغيظاً، وفي تلك اللحظة وصل "خالد" و"عبير" ثم وقفا مشدوهين عند باب الغرفة، فيما ركضت "عبير" مسرعة صوب شقيقها، وارتمت على الفراش إلى جانبه، وهتفت باكية:
- عز الدين! مالك يا حبيبي إيه اللي حصلك؟
ثم تنقلت بعينيها بين الجميع متسائلة:
- إيه اللي حصله؟ حد يتكلم؟
وقبل أن تحصل على أي جواب، صاح "عز الدين" حانقاً:
- اطلعوا برا كلكم، أنا مش محتاج دكاترة، ولو كنت محتاج، فأنا مش مبسوط من اللمة اللي حواليا دي.
وعند ذلك التفت الطبيب إلى جميع أفراد الأسرة، وقال في هدوء:
- من فضلكوا، زوجته بس تفضل معايا، وهبقى أطمنكوا عليه لما أخرج إن شاء الله.
امتثل الجميع لأمر الطبيب، فيما كان "عمر" آخر من خرج من الغرفة بصحبة "ياسمين" فغادر غاضباً وصفق الباب وراءهما، بينما وجه "عز الدين" ناظريه إلى "داليا" قائلاً:
- وأنتي كمان اطلعي برا.
تجاهله الطبيب قائلاً لـ "داليا":
- ناوليني شنطتي من فضلك خليني أضمدله دراعه.
امتثلت "داليا" لأمر الطبيب، ومع هذا أحست بأن "عز الدين" يكره أن تراه في هذا الوضع الحرج، حيث بدا ضعيفاً واهناً رغم جهده في إظهار العكس.
وفيما كان الطبيب يطهر الجرح بكتفه، توقفت أنفاس "داليا" عندما رأت الألم الصامت يرتسم على وجهه.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الأربعون 40 - بقلم مريم غريب
-عز الدين بيه، لاقينا واحدة مرمية برا قدام البوابة باين مغمى عليها.
-لاقيتوا واحدة مرمية قدام البوابة؟
ردد عز الدين عابسا، ثم استقام واقفا وهو يضغط بكفه على ذراعه الذي أحاطته الضمادات البيضاء، والذي علق بعنقه أيضا، ثم سأله:
-شكلها إيه دي؟
أجابه الحارس:
-هي شكلها بنت في العشرينات كده، لبسها بسيط جدا وملامحها ريفية.
قطب عز الدين حاجبيه، ثم صمت للحظات وقال له آمرا:
-طب هاتوهالي هنا.
تعجب الجميع مما يحدث، فيما انصاع الحارس لأمر سيده، حيث هرول إلى الخارج ليحضر الفتاة.
وبالفعل، آتى بها بعد لحظات، فأشار له عز الدين بأن يمدد جسدها الضئيل على أريكة توسطت غرفة الجلوس، بينما نهضت عبير وياسمين عن الأريكة ليفسحا لها. فمددها الحارس في هدوء، ثم عاد بجسده إلى الخلف قائلا:
-تؤمرني بحاجة تانية يا بيه؟
أصرفه عز الدين بحركة من يده، ثم أمال رأسه يمينا وراح يمعن النظر بالفتاة.
كان مظهرها بسيطا للغاية، ملابسها رثة، بالية، ومتسخة قليلا.
بينما فجأة خرجت ياسمين عن صمتها، إذ أقبلت على الفتاة وحاولت أن تعالجها، فانضم الجميع عدا عز الدين إلى ياسمين وأحاطوا بالفتاة من كل الجهات في اهتمام بالغ. وبعد أن قامت ياسمين بعدة محاولات لإسعافها، استعادت الفتاة وعيها تدريجيا، ثم فتحت عينيها بصعوبة، وكان يراقبها الجميع. فيما بدأ جسدها يرتجف بأكمله، كما بدأت تتحرك شيئا فشيئا حتى استطاعت أن ترفع يدها إلى رأسها وتمسك بها متألمة. وكان صوتها أشحب لا تخرج الحروف منه بسهولة وهي تردد في هلع:
-أنا.. أنا فين؟
ثم حاولت الجلوس، فساعدتها ياسمين على ذلك قائلة في لطف:
-اهدي يا حبيبتي، ماتخافيش انتي بخير.
ثم ناولتها كأسا من الماء، أخذته الفتاة فورا وارتشفت منه في لهفة، ثم تطلعت إلى الآخرين بعينين خائفتين. بينما سألها عز الدين بلهجة جامدة:
-انتي مين؟ وإيه اللي جابك لوحدك في حتة مقطوعة زي دي؟
رمقته الفتاة بنظرة خائفة، ثم مضت بالقول وقد تلعثمت الكلمات على شفتيها:
-أنا.. أنا كنت جيت من يومين من مكتب الخدمات المنزلية عشان استلم شغلي في بيت بعيد عن هنا شوية و...
بترت عبارتها فجأة، فحدقها الجميع في تساؤل، فقضمت شفتيها في حياء مستطردة:
-بصراحة البيت اللي كنت هاخدم فيه طلع صحابه ناس شمال لامؤاخذة، ماعندهمش ضمير، يدوب بت عندهم ليلتين وابنهم ماكنش سايبني في حالي فخفت على نفسي وسبت الشغلانة عندهم ومشيت.
ثم أضافت بصوت حزين:
-فضلت واخدا السكة طول النهار كعابي على رجليا لما هلكت، وفجأة وقعت من طولي وماحسيتش بنفسي إلا دلوقتي.
ثم نظرت في الوجوه المتطلعة إليها في اهتمام وأسف، ثم قالت:
-عموما كتر خيركم على اللي عملتوه معايا، استأذن بقى.
وكادت تنهض من مكانها، فأوقفتها داليا صائحة:
-استني.
انصبت جميع النظرات في تلك اللحظة على داليا التي تابعت في ثبات:
-انتي هتفضلي هنا مش هتمشي.
-أيوه يا هانم بس...
-بس إيه انتي ماكنتيش هتشتغلي في البيت اللي سبتيه؟
سألتها داليا متبرمة، فأجابتها:
-أيوه.
-خلاص اعتبري نفسك لقيتي شغل في مكان أحسن.