تحميل رواية «حتى اقتل بسمة تمردك (1» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف "عز الدين" إلى الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل افتتاح إحدى فروع مجموعة شركات. أسرع "عز الدين" إلى غرفته ثم دلف إلى الحمام مباشرة بعدما خلع سترته وفك ربطة عنقه والأزرار الثلاث العليا من قميصه، بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات. ثم فتح صنبور المياه، أخذ بكفه بعض القطرات الساخنة ومسح بها على وجهه وشعره. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفه يتعالى بنغمته الصاخبة، تجاهله للحظات إلى أن ينتهي، حتى انقطع تماما. عاد إلى الغرفة لامع البشرة ولا ي...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم غريب
دقت جرس الباب ليفتح لها بعد لحظات.
وقفت أمامه وجهاً لوجه، ثم نزعت نظارتها الشمسية الكبيرة عن عينيها ورمقته بنظرة ذابلة.
بينما تفاجأ لدي رؤيتها، بل انصدم للحظات. فتلك ليست "عبير" إطلاقاً، إنما هي نسخة باهتة عنها. لقد فقدت رونقها ومرحها وحتى ابتسامتها، ولم يبق منها إلا حطام. حيث بدت ضعيفة، واهنة، قلقة وخائفة.
لم يكترث كثيراً لوضعها وما ظهرت عليه، بل قبض على رسغها وجذبها إلى الداخل بسرعة، مغلقاً الباب من خلفها.
ثم التفت إليها وسألها:
- ها يا عبير.. طمنيني.. عملتي ايه؟
مشت إلى أقرب مقعد وألقت بثقلها عليها في تعب قائلة:
- مش تقولي ازيك الأول وتطمن على صحتي؟ ولا أنا خلاص مابقتش فارقة معاك؟
- ازيك يا عبير؟
قال بضجر، ثم عاد يسألها:
- ها طمنيني بقي.. نقول مبروك؟
رمقته في حدة قائلة:
- نقول مبروك على ايه؟
أجابها بابتسامة متوترة:
- نقول مبروك على الإجهاض يا حبيبتي! شكلك تعبانة.. أكيد نزلتِ الحمل صح؟
حدقت فيه بغضب ثم قالت في جمود:
- لأ.
تجهم وجهه فجأة ثم سألها متهكماً:
- نعم؟ لأ! ولما هو لأ طلبتي تقابليني ليه؟ عايزة مني إيه؟ أنا مش قلتلك مش هنشوف بعض تاني إلا لما تخلصي من القرف اللي في بطنك ده؟
رمقته في اشمئزاز قائلة:
- صح.. أنت عندك حق.. هو فعلاً قرف عشان جاي منك.
احتقن وجهه بغضب فقال:
- لمي لسانك يا عبير أحسنلك.
هزت رأسها في دهشة، ثم أخذت تتساءل:
- أنا مش مصدقة إني كنت بحبك أبداً! أنت إزاي قدرت تبقى كده؟ وإزاي أنا ماقدرتش أفهمك؟ إزاي ماقدرتش أتوقع إنك ممكن تغدر بيا؟ إزاي ماعرفتكش على حقيقتك؟
عند ذلك، قبض على ذراعها وجذبها إليه حتى أوقفها أمامه، ثم صاح بها في وقاحة:
- اديكي عرفتيني يا أختي.. وبعدين ماتنسيش إنك أنتِ اللي جريتي ورايا، مش كل مرة هفضل أفكرك.
- أد إيه أنت طلعت ندل وحقير.. بتقولي أنا كده؟ للأسف الغلطة مش غلطتك بس، وربنا أبويا ما هسيبك يا حسام هشردك.
رفع رأسه عالياً وقهقه بقوة، ثم عاد ينظر إليها قائلاً:
- بأمارة إيه يا بيرو؟ مين فينا اللي متورط؟ أنا ولا انتي؟
قالت بتحد:
- هقول لأخويا.. هحكيله على كل حاجة.
ابتسم بسخرية قائلاً:
- جربي تعملي كده وهتكتشفي غلطتك فوراً، ده لو لحقتي تكتشفي أساساً.
لمعت عيناها كالنار، وكادت تمطره بكلماتها الغاضبة، لكنه قاطعها في سرعة قائلاً:
- بقولك إيه.. كفاية كلام لا هيقدم ولا هيأخر، وخلينا في المهم.. قدامك فرصة تانية عشان تروحي زي الشاطرة كده لدكتور كويس يعمل لك العملية وتخلصي بقى وتخلصيني معاكي من الصداع ده، وأنا عارفك يعني.. مش غاوية تعب ولا بتاعة مشاكل يا بيرو.
- لأ.. مش هنزل البيبي يا حسام.
قالت بعناد، فشدد قبضته حول ذراعها حتى انفلتت صيحة ألم من بين شفاهها، ثم صاح بعصبية:
- ماتجننيش يا عبير.. قلتلك أنتِ هتنزلي الحمل ده، لازم تنزليه بالذوق أو بالعافية، أنا ما يتلوش دراعي فاهمة؟ وزي ما قلتلك قبل كده ماتفتكريش إنك تقدري تضغطي عليا بموضوع الحمل عشان أتجوزك.
- تتجوزني! هو أنت فاكر إن لسا عايزك تتجوزني؟ لا يا بابا انسى خلاص، أنت ظهرت على حقيقتك، وبعدين الطفل اللي في بطني ده لو ربنا قدر له إنه يتولد هيكون أكبر ظلم ليه إنك أبوه.. إنه يتنسب ليك دي كارثة في حد ذاتها.
- يسلم يا أختي! دلوقتي مابقتش عاجبك؟ ماشي مش مشكلة خالص، أنا مش زعلان منك بالعكس.. أنا موافقك في الرأي جداً، فعلاً أنا إنسان ندل وحقير وجبان، عشان كده اخلصي مني بكرامتك بقى واسمعي الكلام وروحي نزلي العيل اللي في بطنك ده أحسنلك.
قطبت حاجبيها بوهن قائلة:
- أنت إيه! معندكش دم؟ مابتحسش؟ ده أنا ممكن أموت فيها!
- تؤتؤتؤ.. لأ.. لأ يا عبير ماتقوليش كده.. إن شاء الله مافيش حاجة وحشة هتحصلك، الموضوع كله على بعضه هيخلص في كام ساعة.. ماتخافيش يا حبيبتي.
- اخرس!
هتفت بحدة مشمئزة، ثم أضافت:
- ماتقوليش يا حبيبتي.. حبيبتك جهنم.
- ماشي يا بيرو.. مقبولة منك.
قال ذلك، ثم أمسك بذقنها فدفعت يده عنها بقوة، بينما رمقها بسخرية.
***
مستلقية على فراشها، الصمت مخيم على الغرفة من حولها. كانت منهكة، جسدها يؤلمها بشكل كبير، ولكن الألم الداخلي الذي شعرت به كان أقوى وأشد وأكثر صعوبة على التحمل.
تنهدت بثقل وتمنت للمرة العاشرة مجدداً لو أنها لم تتقدم إلى تلك الوظيفة، حيث من خلالها قابلت مارد جبار أوقعها بحبه دون إرادتها. هزت رأسها بندم وغضب بالغين لأنها، وبرغم كل ما فعله بها، بدأت تشتاقه، وتمنت فجأة لو كانت قربه الآن!
ذلك الرجل الذي دغدغ مشاعرها بأسلوب لم يسبق له مثيل، والذي أثار غيظها أحياناً عندما كان يعاملها وكأنها فتاة صغيرة، ثم يعاملها كامرأة ناضجة يريدها إلى حد كبير!
ولكنها تفضل الاحتراق بنيران البعد عنه عوضاً عن السكون بالجنة بين ذراعيه في وضع يجرح كرامتها ويقلل من شأنها واحترامها لنفسها.
ابتسمت فجأة بشيء من السعادة لتفكيرها في أن رجلاً قوياً مثل "عز الدين نصار" يريدها إلى هذه الدرجة. فلو كانت فتاة غيرها رفضته بهذه القوة لكان رمقها بسخريته الهازئة وأدار لها ظهره ورحل، لكنه بدا مصمماً وراغباً بها بشدة.
اختفت ابتسامتها بصورة تدريجية عندما تذكرت كلامه الجارح وطلبه المهين، ثم شعرت بقهر وخيبة قاتلة. خيبة لا تفهمها الفتاة معناها الحقيقي إلا عندما تلتقي رجلاً يعني لها كل شيء في حياتها ويخذلها، رجلاً مثل "عز الدين" الذي، وبرغم قسوته، تجد في لمساته وكلماته سحراً وجاذبية لم تجدهما أبداً في أي رجل آخر.
تألمت، وبكت، ونامت.. لتستيقظ بعد قليل على صوت شقيقتها الهادئ:
- داليا.. داليا.. قومي يا حبيبتي الغدا جاهز.
فتحت عينيها ببطء وتنهدت بعمق، ثم رفعت يدها وراحت تفرك عنقها عندما شعرت بوخز خفيف يسري بوريدها.
ثم نظرت إلى شقيقتها قائلة:
- في إيه يا ياسمين؟ عايزة إيه؟
- يلا يا دودو قومي عشان نتغدى سوا.
قالت "ياسمين" بلطف، بينما تجاهلت "داليا" كلامها وسألتها واجمة:
- الراجل الزفت ده صاحب العمارة ماتكلمش تاني؟
زمت "ياسمين" شفتيها قائلة:
- لأ ياستي ماتكلمش.. المهم سيبك منه دلوقتي وقومي يلا عشان نتغدى.
- مش عايزة.. ماليش نفس يا ياسمين، كلي انتي بالهنا والشفا.
- كده ماينفعش يا داليا.. بتعاقبي نفسك ليه دلوقتي؟ إحنا هنعمل اللي علينا واللي عايزه ربنا هيكون.
- إزاي يعني بتقوليلي كده؟
هتفت "داليا" بعصبية، ثم تابعت:
- هيعجبك يعني وضعنا لما نتطرد برا بيتنا؟ هتتبسطي لما نترمي في الشارع؟ ماسألتيش نفسك هنروح فين؟ هنعيش إزاي؟ وكليتك يا دكتورة! مافكرتيش في كل ده ياسمين؟
أجابت "ياسمين" منفعلة:
- فكرت.. فكرت يا داليا.. بس هنعمل إيه يعني؟ إيه في إيدينا ممكن نعمله؟ مش معانا فلوس كفاية عشان نشتري البيت.. قولي في حالة خروجنا من البيت ممكن بمرتبك نسكن في أي فندق رخيص أو نأجر شقة بسعر رخيص برضه، وبمرتبي اللي بقبضه من المستشفى هنقدر نعيش، عشان كده أنا بهون عليكي وبعرفك إننا مش هنتبهدل إن شاء الله.
نظرت "داليا" إلى شقيقتها متخاذلة، ثم قالت في تهكم مرير:
- مرتبك! صحيح ما أنا نسيت أقولك إني سبت الشغل.
- سبتي الشغل!!
هتفت "ياسمين" في صدمة، ثم سألتها:
- ليه؟ ليه يا داليا؟
حجبت "داليا" وجهها بكلتا يديها، ثم صمتت مترددة، وعندما رتبت الكلمات في ذهنها جيداً، عادت تنظر إلى شقيقتها وقصت عليها كل ما حدث، أطلعتها على كافة التفاصيل، وعند بعض الأجزاء كاد صوتها يختنق ألماً وقهراً.
- ابن الـ…
هتفت "ياسمين" بلا وعي، فبسرعة قاطعتها "داليا" في حدة قائلة:
- ياسمين! أوعي.. أوعي تنطقي كلمة وحشة عليه.
- مستحيل! أنتِ بتدافعي عنه؟ لسا برضه بعد اللي حصل منه؟ أنتِ إيه يا داليا؟
أجابت "داليا" في هدوء:
- أنا استقلت خلاص يا ياسمين.. بعدت عن طريقه نهائي، مش هشوفه تاني خلاص.. فمش عايزة أفتكره بحاجة وحشة.
تحدثت "ياسمين" بعنف من بين أسنانها:
- آه لو كنت معاكي.. آه لو أشوف الحيوان ده.. هو فاكرك إيه؟ وربنا لو الموقف ده كان حصل في وجودي كنت فرجت عليه الدنيا.
- خلاص بقى يا ياسمين قلتلك الموضوع انتهى.
- أنا اللي غايظني بس إنك سكتيله، ده كان محتاج قلمين كده يفوقوه عشان بعدين يبقى يعرف يميز الصالح من الطالح.
- قلتلك خلاص بقى.
هتفت "داليا" بنفاذ صبر، ثم تركت شقيقتها واتجهت إلى الشرفة في عصبية.
***
عادت إلى منزلها والألم يعتصر قلبها. ستواجه الكثير من المصاعب بعد الآن، ولكنها مضطرة لتحملها، عليها تحمل مسؤولية أخطائها وتصرفاتها الطائشة التي أدت بها إلى طريق الظلمات الوعر.
تأملت القصر قبل دخولها إليه، فلم تجده جميلاً كما اعتادت عيناها على رؤيته، بل أن كل شيء وكل مكان بات في نظرها كسجن كبير، ومنزلها أيضاً أصبح السجن الأكبر. يجب أن تمضي فيه فترة عصيبة وأليمة حتى ينتهي الكابوس.. أو قد لا ينتهي أبداً!
ترقرقت الدموع في عينيها، لكنها سارعت لاستعادة رباطة جأشها سريعاً.
ثم ذهبت على الفور إلى إحدى زوايا حديقة القصر حيث أشعة الشمس تضفي جمالاً غير عادي للمكان من حولها. أرادت الانفراد بنفسها والابتعاد عن الآخرين، ولكن أمنيتها لم تتحقق، إذ كان "عز الدين" و"خالد" يجلسان إلى طاولة خشبية صغيرة يحتسيان القهوة ويأكلان الحلوى.
لم يكن لديها مجال للتراجع، لأن "خالد" ما إن شاهدها ابتسم تلقائياً، ثم وقف إليها محبة واحتراماً طالباً منها الانضمام إليهما.
ابتسمت "عبير" في ارتباك، ثم تقدمت صوبهما بخطى مضطربة حتى وصلت إليهما، فقال "خالد" بسرور فيما كان يساعدها على الجلوس بمقعد بجواره:
- بيرو.. وحشتيني يا حبيبتي.. بقالي كام يوم ماشفتكيش.
ابتسمت له وكأنها مشتاقة فعلاً لرؤيته، ثم قالت:
- أصلي مشغولة يا خالد.. امتحاناتي قربت فبذاكر بقى.
ثم نظرت بسرعة إلى أخيها الذي كان يتابعهما في صمت دون أن تتغير ملامحه القوية أو تتبدل. كان يجلس بهيبة وعنفوان وبدا قوياً عندما سألها فجأة:
- كنتي فين يا عبير؟
ابتلعت ريقها بتوتر، ثم أجابت بنبرة جاهدة في أن تبدو عادية:
- كنت في الجامعة يا عز بسأل على مواعيد المراجعات وكنت بشوف يعني لو كان في أي جديد.
أومأ رأسه في هدوء، بينما سألها "خالد" بنبرة قلقة:
- بس أنتِ مالك يا عبير؟ شكلك بقى عامل كده ليه؟ أنتِ تعبانة ولا حاجة؟
ارتعش بدنها لدي سماعها ملاحظته التي لسعتها كسوط، فأغمضت عينيها لبرهة كي تستعيد قوتها، ثم نظرت إليه باسمة وقالت:
- لأ يا خالد مش تعبانة ولا حاجة.. أنا بس مرهقة شوية بسبب التفكير في الامتحانات والمذاكرة، أنت عارف إنها آخر سنة ليا ولازم أجتهد فيها على قد ما أقدر.
مرر "خالد" أصابعه على ذراعها بحنان قائلاً:
- لأ يا حبيبتي لازم تاخدي بالك على صحتك، ماتجهديش نفسك في أي حاجة بالطريقة اللي توصلك للحالة دي.
- كيس جوافة قاعد في وسطكوا أنا؟
قال "عز الدين" ذلك بلهجة صارمة، بينما قهقه "خالد" في مرح قائلاً:
- إيه يا عم خطيبتي وبحبها.. وبعدين إحنا عملنا إيه يعني؟ ما أنت شايف أهو تصرفات عادية جداً في منتهى البراءة.
- خالد!
هتف "عز الدين" في حدة، فقال "خالد" ضاحكاً:
- خلاص خلاص.. هسمع كلامك دلوقتي بس عشان لسا حبيبتي في بيتك، لكن لما تيجي في بيتي بقى مش هتقدر تنطق بحرف لا معايا ولا معاها.
ثم حول نظره إلى "عبير" وسألها بنعومة:
- مش كده يا حبيبتي؟
بينما شهقت "عبير" بصوت خافت وهي تحدق بذلك الشخص الذي كان يقف خلف أخيها مباشرة. فيما صوب "خالد" نظره تلقائياً إلى حيث تنظر "عبير"، فاتسعت عيناه في دهشة وخوف، ثم أخذ ينقل نظراته بين الشخص الواقف أمامه وبين "عز الدين" الذي تطلع إلى "خالد" و"عبير" في تساؤل يطالبهما بالتحدث. فلما طال الصمت، قطعه بصوته العميق قائلاً:
- إيه.. مالكوا في إيه؟
لم يلقَ إجابة من أيهما، فقط لاحظ نظراتهما المصوبة على شيء ما خلفه، فبسرعة انتصب واقفاً بقامته الطويلة القوية، ثم استدار ليتفاجأ برؤية أخيه. نظر إليه بعينين فولاذيتين غاضبتين، ثم صاح به والشرر يتطاير من عينيه المتسعتين حنقا وعداء:
- وكمان ليك عين توريني وشك! إيه اللي جابك؟ رجعت ليه أ…
قاطعه "عمر" بقوة بحركة من يده، ثم تنفس بعمق وقال:
- اسمع يا عز.. أنا جاي أقولك إني غلطان وأسف، ومن غير ما ندخل في تفاصيل هقولك باختصار.. الست اللي اسمها كاميليا فهمي دي من انهاردة مش أمي، وكرهي ليها بقى قد كرهك بالظبط ويمكن أكتر.. أنا قطعت صلتي بيها نهائي ورجعتلك، رجعت لبيتي.. لبيت أبويا، وخليك متأكد إني حتى لو شفتها بعد كده ولو صدفة هكمل في طريقي عادي ولا كأني أعرفها.
استقبل "عز الدين" كلام أخيه في هدوء، ثم سأله ساخراً:
- وإيه يا ترى اللي غير رأيك كده؟ إيه اللي حصل؟
- قلتلك مش عايز أدخل في تفاصيل.. تسمحلي أدخل البيت؟
صمت "عز الدين" وظل ينظر إليه فقط، فقال "عمر":
- عن إذنك.
ثم مضى في سبيله إلى داخل المنزل، تتابعه نظرات أخيه حتى غاب عن نظره تماماً.
بينما لحقت "عبير" بشقيقها قائلة:
- طيب عن إذنكوا.
تنهد "عز الدين" بعمق وهو يتساءل في نفسه عن سر تغير شقيقه:
- عارف أنت بتفكر في إيه.. بتسأل نفسك إيه اللي حصل مش كده؟
أفاق من شروده على صوت "خالد"، فالتفت إليه في هدوء، ثم قال وهو يجلس قبالته مجدداً:
- بصراحة آه.. بس في نفس الوقت قرفان من التفكير في الموضوع، عشان كده هنسى خالص، وكويس إنه رجع، أي كان السبب أنا أكيد مبسوط من قراره ومن كلامه اللي سمعته منه.
- وأنت متأكد من كلامه يا عز؟ ده أنت أكبر شكاك في الدنيا! صدقته بسهولة؟
- آه.
أجاب بقوة، ثم تابع في ثقة:
- مصدقه.. النظرة اللي شفتها في عينيه مألوفة ليا جداً.. شفت جواه غضب وندم، شفت كسرة في عينه عمري ما شفتها فيه قبل كده.. بالنسبة لي يا خالد عمر خلاص كبر.. بقى راجل من انهاردة.
- بس كده مش كويس يا عز.. ماتزرعش فيه العقد اللي فيك مع احترامي يعني، بالطريقة دي حياتكوا انتوا الاتنين هتقف، والإمبراطورية اللي حواليك دي كلها اللي بناها أبوك في سنين واللي ورثتها أنت من بعده وكنت حريص عليها هتتهد بدل ما تلاقي اللي يكبرها أكتر وأكتر.
- محدش عارف بكرة فيه إيه يا خالد.
أجاب "عز الدين" ببساطة، فابتسم "خالد" بخفة، ثم صاح فجأة:
- صحيح يا عز كنت عايزك في موضوع.
- خير.. موضوع إيه؟
سأله "عز الدين" بإصغاء بالغ، فأجابه:
- أنا شايف إن عبير بقالها فترة أحوالها مش مظبوطة.
- مش فاهم قصدك إيه؟
- قصدي إنها ممكن تكون مكتئبة مثلاً.. أنت مش شايف منظرها بقى عامل إزاي! مش هي دي عبير، حتى طريقة لبسها اتغيرت، حاسس إنها عايشة حالة مش مظبوطة، حاسس إنها مخنوقة.
همهم "عز الدين" موافقاً، ثم قال:
- أنا برضه حاسس بكده.. وحاولت أتكلم معاها يمكن تحكيلي أي حاجة أو تطلع اللي جواها، بس كل ما كنت بسألها كانت بتقولي ظروف الامتحانات والمذاكرة.
- طيب أنا مش حابب أشوفها في الحالة دي يا عز.
- يعني إيه؟ عايز تقول إيه يعني؟
- عايز أقول إيه رأيك لو نقدم ميعاد الفرح؟ هي هتخلص امتحانات آخر الشهر، إيه رأيك لو نعمل الفرح أول الشهر الجاي؟
- أول الشهر! هتاخدها من الدار للنار كده على طول، دي لسا هتكون يدوب خارجة من الامتحانات ومن ضغط كبير.
- طيب في نص الشهر يا عز!
صمت "عز الدين" لبرهة وكأنه يفكر بالأمر، ثم رمقه بنظرة ثاقبة وقال:
- ماشي.. موافق.. بس ماتجبلهاش سيرة دلوقتي، استنى قرب ما تخلص امتحاناتها.
اكتسى وجه "خالد" بفرحة عارمة، ثم أومأ رأسه قائلاً:
- حاضر يا سيدي.. مش هقولها دلوقتي.
***
مرت الأيام القليلة التالية بصورة شبه عادية، حتى جاء يوم إخلاء منزل "داليا".
بعدما حزمت جميع الأمتعة والأغراض، وقفت إلى جانب شقيقتها تتأمل معها كل ركن بالمنزل، متذكرة كل لحظة مضت بحياتها وكأن شريط ذكرياتها يمر في ومضات سريعة أمام عينيها.
ربتت "ياسمين" على كتف شقيقتها بحنان، فيما ابتسمت "داليا" بمرارة مع سقوط دمعة حارة من عينها على وجنتها.
بينما دوى صوت جرس المنزل عالياً، فكفكفت "داليا" دموعها بسرعة، ثم ذهبت وفتحت باب المنزل.
اتسعت عيناها في ذهول بالغ عندما...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم غريب
اتسعت عيناها في ذهول بالغ عندما رأته أمامها.
في حين تسارعت ضربات قلبها عندما سمعته يحييها بصوته العميق:
- صباح الخير يا داليا.
عقد لسانها ولم تعرف ماذا تقول.
وبصعوبة خرج اسمه من بين شفتيها:
- مستر عز الدين!!
كان عز الدين يقف أمامها بثقة وكبرياء وحزم كما عرفته دائماً.
وقد أضفت عليه ملابسه الداكنة قسوة وتمرد بالغين.
فهو لم يكن يرتدي بذلته السوداء الرسمية التابعة لعمله، بل كان يرتدي سروالاً أسود وقميصاً رمادياً أسفل كنزة سوداء صوفية ضاقت حول ذراعيه حيث أبرزت عضلاته القوية وبنيته العريضة الصلبة.
حتى في أبسط إطلالاته، لم يتخل عن هيبته وعنفوانه اللتين لطالما تمتع بهما.
كانت تطل من عينيه نظرة متفحصة شملت كل جزء من ملامحها المصدومة.
ثم أخيراً نطق فقال بهدوء:
- مش هتقوليلي اتفضل؟
ولا هتسيبيني واقف على الباب كده؟
لم تستطع التفكير بسؤاله، إذ سألته مذهولة:
- حضرتك عرفت عنواني إزاي؟
ابتسم بخفة ثم أجابها:
- انتي ناسية إنك موظفة عندي؟
وإن كل بياناتك تحت إيدي؟
صمتت تماماً، فقط ظلت تنظر إليه في دهشة.
بينما جاءت ياسمين فجأة ووقفت إلى جانب شقيقتها عاقدة حاجبيها في تساؤل لدي رؤيتها الضيف الغريب.
فهتفت متسائلة:
- داليا! مين ده؟
انتفضت داليا منتبهة ثم استدارت بسرعة نحو شقيقتها وأجابتها في ارتباك وتعثم واضح:
- آآآ ياسمين، ده ده مستر.. مستر عز الدين نصار.
عند ذلك حولت ياسمين نظرها إلى عز الدين في سرعة وسرعان ما تذكرته على الفور.
ثم رمقته بعداء سافر وصاحت قائلة:
- هو حضرتك بقي؟ اهلا بيك.
رمقه عز الدين بهدوء كما ثبت بمكانه بنفس الهدوء والبرود أيضاً.
بينما كان الغضب والانفعال يملآن كيان ياسمين كلما نظرت إليه وتذكرت معاملته لشقيقتها وما فعله بها.
فما تابعت بحدة قائلة:
- أمرك يا أستاذ؟ أي خدمة؟ عايز إيه؟
لو كنت جاي لغرض سافل من أغراضك اللي سمعت عنها من أختي، وربنا في سماه لهخرجك من هنا بفضيحة.
ومش كده وبس، جيراننا موجودين حوالينا برضه، أحسن تكون فاكرنا لوحدنا.
لأ، وأقل واحد هنا يقدر يتصرف معاك كويس قوي.
فأنا بقول أحسن لك يعني تاخد بعضك ومن غير مطرود يـ...
- ياسمين!
هتفت داليا بغضب جامح مقاطعة شقيقتها.
ثم تطلعت إلى عز الدين بأسف واضطراب قائلة:
- أنا أنا آسفة.. أنا آسفة جداً يا فندم، أختي ما تقصدش.
- لأ، أقصد.
عارضت ياسمين بقوة ثم تابعت في غضب يكاد يعميها:
- الأستاذ غلط معاكي كتير، ولأنك طيبة يا أختي وأنا عارفاكي متسامحة، كنتي بتنسي إهاناته.
فطيبتك دي شجعت حضرته على التمادي في تصرفاته لدرجة إنه افتكرك رخيصة يقدر يشتريكي بفلوسه.
بس لحد هنا، و عندك بقى.. أنا اللي هقفلك.
- ياسمين، اسكتي! قلتلك إياكي تتكلمي تاني، سامعة؟
هتفت داليا بانفعال هش معنفة شقيقتها.
ثم عادت تنظر إلى عز الدين بوهن متسائلة:
- حضرتك جاي ليه يا فندم؟ أنا سبت الشغل خلاص، عايز مني إيه تاني؟
تنهد عز الدين بعمق ثم قال بصرامة هادئة:
- أنا عايز أتكلم معاكي على انفراد يا داليا.
ولو وجودي مش مرغوب فيه في بيتك، ممكن تيجي معايا ونتكلم بهدوء في أي مكان تاني.
- تيجي معاك فين يا أستاذ أنت؟
تدخلت ياسمين في حدة ثم تابعت:
- لأ، طبعاً مش هتروح معاك في حتة.
نظر عز الدين أرضاً ثم ضم قبضتيه في غضب.
بينما نظرت داليا إلى شقيقتها في حدة ثم أشارت لها برأسها بأن تتوارى بأي غرفة الآن حتى تنهي حديثها معه.
عارضتها ياسمين في بادئ الأمر إلا أنها رضخت بالنهاية تحت إصرار شقيقتها.
حيث زفرت في حنق ثم استدارت على نفسها وتوارت بعيداً عن نظريهما.
انتظرت داليا حتى غابت ياسمين في الداخل ثم حولت نظرها إلى عز الدين وقالت مترددة:
- اتفضل!
عند ذلك رفع عز الدين رأسه.
فلاحظت ملامحه الجامدة التي تبدلت لتصبح واجمة وأكثر حدة جراء ما تلقاه من شقيقتها للتو.
بينما خطى إلى داخل المنزل وهو يتفحص كل ركن وكل زاوية بفضول بالغ.
كان ينظر حوله باهتمام واستغراب.
فتساءلت داليا بانزعاج: بماذا يفكر الآن؟ هل يقارن؟
بالطبع لا شيء هنا يمكن مقارنته بقصره العظيم، غير أن الشقة فارغة أساساً!
ولهذا استدار إليها بسرعة وراح يحدق فيها بقوة جعلتها تفقد توازن عقلها.
فتعلثمت قائلة:
- آسفة بقى.. مش عارفة أقولك اتفضل فين؟
- انتي كنتي بتعزلي ولا إيه؟
سألها بفضول.
فهزت رأسها في اضطراب قائلة:
- حاجة زي كده.
- كويس إني لحقتك بقى.
- خير يا فندم، كنت عايزني في إيه؟
سألته في جمود.
بينما رمقها بنظرة ثاقبة ثم سألها:
- بقالك كام يوم مش بتيجي الشركة، ليه؟
أجابته في هدوء:
- سبق وقلت لحضرتك إني مستقيلة.
هز رأسه في لامبالاة قائلاً:
- عموماً مش مهم.. أنا عمري ما كنت هسمح لمراتي إنها تشتغل أساساً.
- مراتك!!
هتفت في صدمة.
فأجابها باسمًا:
- آه مراتي.. أنا جاي أطلبك للجواز تاني.. بس المرة دي رسمي يا داليا.
اتسعت عيناها في دهشة وذهول ثم سألته بصوت مختنق:
- رسمي؟
- أيوه.. أيوه يا داليا، أنا هتجوزك رسمي.
أظن بالطريقة دي أكيد هتوافقي!
تسارعت أنفاسها وجف حلقها فقالت لاهثة:
- أيوه، بس.. بس حضرتك.. انت نسيت آخر مرة لـ...
- آه نسيت.
قاطعها في سرعة ثم تابع:
- وعايزك انتي كمان تنسي.
حدقت فيه غير مصدقة وقد أربكها تناقضه الغريب.
فتساءلت: أين مجابهته؟ أين استرساله في إهانتها؟ ولماذا يعاملها الآن برقة واحترام؟ ماذا حدث له؟ أيطلبها للزواج حقاً؟
أفاقت من تأملاتها مذعورة وكادت تجزم بأنها في حلم ويجب أن تستيقظ منه في الحال!
ولكن لا.. هذا حقيقي.. كل شيء حقيقي.
هاهو ذا يقف أمامها تراه يحدق فيها بعينيه البراقتين.
ولا شعورياً استرسلت في تأمله.
ما أوسمه! بالتأكيد إذا اقتربت منه أي امرأة لابد وأن تفقد صوابها بسبب تلك الجاذبية التي ينطق بها وجهه وجسده القوي.
فيما تركزت عيناها على عنقه الصلب تحديداً في المنتصف.
حيث شعرت برغبة غريبة في أن تلمس تفاحة آدم وذاك العصب الجانبي البارز بوضوح!
هذه الرغبة المفاجئة جعلتها تنتفض مرتبكة فسألته بلهجة جامدة شابها ارتباك بسيط:
- حضرتك جاي عادي كده وفاكرني هأوافق على طول؟
سألها دون أن يبالي بنبرتها الجامدة:
- وليه لأ؟ إيه اللي يخليكي ترفضي؟
هدأت قليلاً ثم أجابت:
- فيه أسباب كتير تخليني أرفض.
- زي إيه مثلاً؟
التقطت عيناهما طويلاً قبل أن تخفض داليا نظرها هاربة من سؤاله الثاقب.
كالعادة تذوب شخصيتها تماماً ما أن يتكلم أو عندما يوجه سؤالاً صارم.
ثم أخيراً رفعت رأسها ونظرت إليه بقوة قائلة:
- آسفة يا فندم.. أنا برفض طلبك.
همهم في هدوء ثم اقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة لا يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة.
بينما حدقت به في توتر عندما سمعته يقول:
- وأنا كمان آسف إني مش بقبل جوابات بالرفض على طلباتي.
ثم تابع في ثقة:
- أنا متأكد إنك هتفكري تاني.. ولما أشوفك تاني المرة الجاية وأسألك هتبلغيني بموافقتك.. مش برفضك.
هزت رأسها عابسة ثم سألته:
- حضرتك عايز تتجوزني ليه؟
صمت قليلاً ثم أجابها في هدوء:
- معجب بيكي.. عايزك.. والوسيلة الوحيدة اللي هتوصلني ليكي الجواز.. إلا إذا كان عندك اقتراح تاني!
تراجعت وهي ترتجف وقد أخافتها كلماته ونظراته الجريئة.
عند ذلك تيقنت بأن هذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع رجلاً مثل عز الدين للزواج منها.
وربما بل وحتماً أنه سيطردها من حياته ما أن ينال منها مآربه!
كانت هذه هي المرة الأولى التي تلمح فيها الرغبة الخالصة بنظراته.
عادة كان ينظر إليها بسخريته المعهودة وازدراءه كلما أحب إثارة غيظها أو إشعارها بالإهانة.
بينما ارتجفت رفضاً ونفوراً ثم تمتمت بخفوت كاذبة:
- بس أنا مش عايزة اتجوزك.
- هتتجوزيني يا داليا.
كان يحدثها بهدوء كمن يخاطب طفل صغير.
فيما تابع بابتسامة خبيثة:
- للأسف.. ماعندكيش اختيار تاني.
ضاقت عيناها وهي تنظر إليه في شك ثم سألته:
- قصدك إيه؟
تجاهل سؤالها وعوضاً عليه قال:
- هديكي يومين عشان تفكري وهبقى أكلمك.
ودون أن ينتظر جوابها تجاوزها متجهاً صوب باب المنزل ثم فتحه والتفت إليها.
ألقى عليها نظرة فاحصة خاطفة ثم ابتسم في خبث ورحل مسرعاً.
بينما وقفت جامدة، غير قادرة على التفكير.
حتى سمعت صوت شقيقتها آت من خلفها:
- داليا.
انتفضت منتبهة ثم التفتت في مواجهة شقيقتها قائلة بنصف وعي:
- أيوه يا ياسمين؟
- هتعملي إيه؟ بعد ما طلب إيدك رسمي؟ انتي موافقة؟
تهدجت نبرة صوتها وهي تقول:
- مش عارفة.. مش عارفة...!
***
وقفت عبير وسط حديقة القصر، تراقب دخول تلك السيارة السوداء الفارهة والتي توقفت بصورة تدريجية عند فناء الساحة المتوسطة.
ترجلت منها فتاة ذات جمال ناعم تتألق بثوب زهري رائع وقد اعتنت بمظهرها إلى أقصى حد من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها.
ابتسمت الفتاة لدى رؤيتها عبير، فلوحت لها بيدها ثم تقدمت صوبها بخطى واثقة حتى وصلت إليها.
فاصطحبتها عبير بسرعة ومن دون كلام إلى طاولة خشبية بإحدى زوايا الحديقة الشاسعة.
وبعدما جلسا قبالة بعضهما، بدا التعجب والذهول على وجه زائرة عبير حين رأتها كالوردة الذابلة.
فبادرتها قائلة:
- إيه ده يا بيرو! مالك يا بنتي؟ شكلك عامل كده ليه؟ انتي تعبانة ولا إيه؟
رمقتها عبير بنظرة ذابلة وسرعان ما تجمعت الدموع بعينيها ليتطور بها الأمر فيتعالى صوت بكائها المرير.
بينما صاحت صديقتها في قلق:
- إيه ده مالك يا عبير؟ في إيه؟ اتكلمي مالك؟
بجهد كبير استطاعت عبير أن تكف عن البكاء فهدأت قليلاً ثم نظرت إلى صديقتها بانكسار وألم قائلة:
- حسيت إني هتخنق لو فضلت ساكتة كده يا ريم.. كان لازم أتكلم مع أي حد وكنتي أول واحدة جت على بالي.. مالقتش حد غيرك ينفع أتكلم معاه وأحكيله سري.
انحنت ريم عبر الطاولة نحو صديقتها ثم ربتت على يدها بلطف قائلة:
- اتكلمي يا حبيبتي.. اتكلمي يا عبير، أنا سامعاكي وأوعدك إن أي حاجة هتقوليهالي هتفضل سر بينا.
خيم الصمت قليلاً في حين كانت عبير تنظر إلى صديقتها بأسي.
وبعد تردد كبير بدأت عبير بالتحدث، فقصت عليها كل شيء، أطلعتها على كافة التفاصيل والأسرار.
كانت تحكي وهي في حالة يرثى لها وقد أضناها العذاب ألماً لا مثيل له.
بينما استمعت ريم للقصة في صدمة وذهول بالغين حتى انتهت عبير.
فصاحت بها:
- يانهار أسود يا عبير! إيه اللي هببتيه ده؟ كان فين عقلك؟ انتي متخيلة حجم الكارثة اللي وقعتي نفسك فيها؟
انفجرت عبير باكية ثم قالت واهنة:
- كنت بحبه وكنت فاكرة بيحبني.. ماكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.. ماكنتش أعرف.
- لأ.. لأ يا عبير، الموضوع ده من أوله لآخره غلطتك انتي.. انتي غلطانة يا عبير، محدش عليه اللوم غيرك.
- غلطانة؟ غلطانة عشان حبيته يا ريم؟
- أيوه يا عبير.. أولاً انتي ومن قبل ما تعرفيه مخطوبة، يعني ملتزمة بعلاقة وكنتي لازم تحترمي حاجة زي دي.
ثانياً انتي اللي روحتي للباشا ده وبمنتهى البساطة قولتي له بحبك! متخيلة هيقولك إيه غير وإنا كمان! وهو شايفك بنت جميلة ودلوعة وفوق ده كله يعتبر شغال عندك.
ثم سألتها فجأة:
- قوليلي يا عبير.. هو كان بياخد منك فلوس؟
أومأت عبير رأسها المتعبة ثم قالت بصوت ضعيف متهدج:
- ساعات.. ساعات كان بياخد مني آه.
- لعبها بذكاء الحيوان.
قالت ريم بعنف هادئ ثم تابعت:
- من ناحية كان بيتسلى بيكي ومن الناحية التانية كان بيستغلك.. واطي.
ثم صمتت قليلاً وقالت:
- بس انتي دلوقتي حامل يا عبير وما ينفعش حضرته يتخلي عنك طبعاً، لازم يصلح غلطته.
توقفت فجأة وتعمدت تقول:
- أقصد غلطتك أنا لسه مصرة إنك انتي اللي غلطانة مش هو.. لكن خلينا في المهم دلوقتي.. انتي تكلميه حالا وتخليه ييجي يقابل أخوكي في أسرع وقت ولازم أخوكي يوافق يا عبير، لازم.
ابتسمت عبير بمرارة قائلة:
- مش راضي.. مش راضي يا ريم.. انتي فاكرة إني ماقولتلوش ييجي يقابل عز الدين؟ قلتله.. بس رفض.
- يعني إيه رفض؟ هي لعبة ولا إيه؟
- ده اللي حصل.. وعايزني أنزل البيبي كمان.
- كمان!!
علقت ريم في صدمة ثم تابعت:
- الندل! لأ ده طلع جبان وواطي بجد.
ثم أضافت في حيرة غاضبة:
- المشكلة إن مافيش في إيدك أي حاجة ضده.. ولا حتى ورقة جواز تنسب الطفل ليه!!
قطبت عبير حاجبيها في وهن.
بينما قالت ريم بلوم:
- ورطتي نفسك يا عبير.. ورطتي نفسك مع واحد واطي وللأسف الطرق مسدودة في وشك وأنا مش عارفة أعملك إيه؟
حجبت عبير وجهها بكلتا يديها ثم راحت تجهش بالبكاء المر.
كانت تبكي بحرارة حتى كادت أنفاسها تنقطع.
بينما تأثرت ريم بتلك الحالة التي استبدت بصديقتها وأشفقت عليها فقالت بلطف:
- خلاص يا عبير.. اهدي من فضلك.. العياط مش هو الحل دلوقتي، خلينا نفكر بهدوء أحسن ونشوف هنعمل إيه.
أنزلت عبير يديها عن وجهها وسألتها:
- هنعمل؟
أومأت ريم رأسها قائلة:
- آه.. أنا مش هسيبك تواجهي كل ده لوحدك يا عبير.. ماتقلقيش.. أنا هفضل جنبك لحد ما تخرجي من الكابوس ده، المهم دلوقتي اهدي عشان نعرف نفكر زي ما قلتلك.
ضغطت عبير على شفتيها بقوة محاولة كبت صيحات بكائها.
بينما سألتها ريم:
- قوليلي بقى.. انتي عايزة تنزلي البيبي؟
أجابتها عبير في مرارة:
- مافيش قدامي حل تاني.
تنهدت ريم بأسف قائلة:
- طيب، إحنا كده بقى لازم نشوف دكتور كويس يعملك العملية وفي نفس الوقت يوافق يعملهالك.
ثم طرفت حائرة وهي تفكر.
وبعد لحظات صاحت:
- فيه واحدة قريبتي عملت عملية زي دي.. أجهضت نفسها لما اتطلقت من جوزها.
أنا هكلمها وهسألها على عيادة الدكتور وعلى التكاليف والتفاصيل كلها وهبقى أكلمك عشان نروح سوا.
- معقول هتيجي معايا يا ريم؟
- طبعاً يا بنتي، قلتلك أنا هفضل جنبك للآخر ومش هاسيبك وخصوصاً وإنتي بتعملي العملية.. مش هسيبك يا عبير.
توقفت ريم عن الكلام وابتسمت في وجه صديقتها بلطف وحنان.
وسرعان ما حلت ابتسامة بسيطة مفعمة بالامتنان على وجه عبير الذابل الحزين!
***
تحت أشعة الشمس المحرقة، بدت شوارع القاهرة القديمة كبيرة ومخيفة وهادئة على غير العادة.
حين ترنحت داليا تحت ثقل الحقائب التي تحملها، مالت صوب شقيقتها تعبة ثم قالت لاهثة:
- اقفي شوية يا ياسمين.. تعبت.
فقالت ياسمين بثبات مشجعة شقيقتها:
- معلش يا داليا.. استحملي، قربنا خلاص.
- قربنا من إيه بس؟
سألتها بنفاذ صبر.
فأجابت ياسمين:
- قربنا من الفندق اللي هنقعد فيه.
- فندق! على أساس إننا معانا فلوس للفندق يا ياسمين؟
ثم فندق إيه ده اللي في منطقة زي دي؟
قالت آخر كلماتها وهي تتلفت حولها ناظرة بخوف وقلق إلى المكان العشوائي الذي بعث بجسدها القشعريرة.
بينما توقفت ياسمين أخيراً ثم أشارت برأسها باسمة:
- خلاص.. وصلنا يا ستي.
صوبت داليا نظرها تلقائياً إلى حيث تنظر ياسمين.
فشاهدت ذاك البناء المهترئ أثر مرور السنين والذي عُلقت عليه لافتة متآكلة بالكاد استطاعت داليا قراءة ما كتب عليها: "بانسيون السعادة".
- لأ.
هتفت داليا بذعر واعتراض بالغين.
فسألتها ياسمين:
- لأ إيه يا داليا؟
- لأ يا ياسمين.. مستحيل نقعد في المكان ده.. لأ مش ممكن.
تأففت ياسمين في ضيق قائلة:
- مافيش قدامنا حل تاني يا داليا.. ده المكان الوحيد اللي هنقعد فيه على قد فلوسنا.
هزت داليا رأسها في بطء ثم قالت بتردد:
- المكان شكله مريب يا ياسمين.. أنا مش مطمنة!!
- يا ستي ماتقلقيش، أنا سألت عليه قبل ما نيجي وبعدين ده في وسط منطقة مليانة ناس وبيوت، يعني أمان، ماتقلقيش بقى.. تعالي يلا.
ثم مشت أمامها متوجهة إلى داخل المسكن الرديء.
فتبعتها داليا بخطى قلقة مترددة حتى وافتها أمام مكتب الاستقبال الذي كان يجلس وراءه رجلاً بديناً ذو بنية ضخمة، ملامحه خشنة قاسية، نظراته فظة أقلقتها أكثر.
قطعت ياسمين الصمت بقولها:
- السلام عليكم.
برقت عينا الرجل الخبيثتين بوميض أثار الخوف بنفس داليا.
ولكنها أبت إظهار خوفها حياله.
بينما أجاب بابتسامة صفراء:
- وعليكم السلام.. أمرك يا آنسة؟
مضت ياسمين إلى القول في بساطة وإيجاز:
- عايزين أوضة بسريرين من فضلك.
- بس كده؟ انتي تؤمري.. كام ليلة يا قمر؟
رمقته داليا بازدراء وكم أشعرتها كلماته بالغثيان.
فيما أجابت شقيقتها بجمود:
- لأ، خلي الحساب مفتوح، إحنا إن شاء الله مش مطولين هنا بس لسا مش عارفين هنمشي إمتى.
- ان شاء الله تقعدوا العمر كله يا حلوة والله هتنورونا.
قال ذلك بلهجة أثارت قلق واشمئزاز داليا أكثر فأكثر.
بينما أطلق ضحكة خشنة مجلجلة ثم هتف باسم أحد العاملين لديه ليأتي صبي صغير عمره لا يتجاوز الثانية عشرة عام.
- أيوه يا عم فتحي؟
أجابه باحترام.
فأمره المدعو فتحي بفظاظة أن ينقل حقائب الزائرتين إلى إحدى الغرف بالطابق العلوي.
أطاعه الصبي في هدوء مسالم.
بينما كانت عيناه تتفحصان الجسدين اليافعين بوقاحة.
فضبطته داليا وقطبت حاجبيها بغضب.
فمنحها ابتسامة زادتها نفوراً واشمئزازاً!
***
أسدل الليل ستاره على قصر الـ "نصار".
بينما كان هناك بالحديقة ثمة ضوء متوهج انعكس على وجه خالد الذي هتف قائلاً:
- أنا مش فاهم بس إيه سر مدى إصرارك إنك تخلينا نطبخ بإيدينا؟ لأ، وكمان مذنبني من ساعتين قدام الصهد ده!!
قال خالد ذلك متذمراً وهو يباشر شي اللحوم فوق ألسنة اللهب الحديدية.
بينما عنفه عز الدين قائلاً:
- اسكت شوية بقى وركز في اللي بتعمله.
فيما كان يقف إلى جانبه منهمكاً بإعداد الأطباق المجهزة للطعام.
فامتقع وجه خالد بحنق وقال:
- لما اتصلت بيا وقولتلي تعالي نتغدا سوا قلت وماله الغدا عندكوا بيبقى حاجة كده ما شاء الله، فجيتلك جري عشان توقفني من ساعتها قدام البتاعة دي وتخليني أهوي عليها.
لو كنت أعرف كده ما كنتش جيت.
رمقه عز الدين بحدة قائلاً:
- خالد! بلاش صداع بقى، خلاص قربنا نخلص.
تنهد خالد مستسلماً.
فيما انتهى عز الدين من إعداد الأطباق.
فوقف ساكناً يتابع خالد في صمت حتى شرد ذهنه وسط الخيوط النارية المتوهجة.
ما أروع منظر النار الدافئة، وما أشهى نكهة اللحم المشوي وعبق الفحم المتوهج.
- صحيح يا عز، هي داليا بقالها كام يوم مش بتيجي الشركة ليه؟ في شغل كتير متعطل، هي واخدة إجازة؟
أفاق عز الدين من شروده على صوت خالد.
فنظر إليه في هدوء ثم قال:
- آه، واخدة إجازة.
- طب لحد إمتى؟ بقولك في شغل كتير متعطل.
قطب عز الدين حاجبيه قائلاً:
- طب معلش هنتصرف.. من بكرة هننزل إعلان في الجرايد ونعمل مقابلات شخصية لحد ما نلاقي السكرتيرة المناسبة.
- ليه؟ انت فصلتها ولا إيه؟
سأله خالد باستغراب بالغ.
بينما أجاب عز الدين متملصاً من إبداء رأي قاطع:
- مش بالظبط كده.
- طب فهمني إيه اللي حصل؟
صمت عز الدين متردداً.
لكنه بالنهاية أعلن في هدوء:
- أنا هتجوز داليا، عشان كده خليتها تسيب الشغل.
جحظت عينا خالد واتسعت في ذهول وكأن صدمة عنيفة أصابته.
وبجهد استطاع أن يقول:
- قلت إيه يا عز؟
- قلت أنا هتجوز داليا، عشان كده خليتها تسيب الشغل.
خيمت لحظة من الصمت كان خالد يحاول فيها استيعاب ما سمعه للتو بأذنيه.
ولكن الأمر بالنسبة له كان أكثر صعوبة على التصديق، بل أن تصديقه محال!
بينما قرأ عز الدين في ملامح خالد علامات الشك والارتياب في كل كلمة تفوه بها.
فضحك بخفة مستمتعاً بحيرته وعدم تصديقه ثم قال:
- إيه يا خالد؟ مالك؟ للدرجادي مصدوم؟
مش انت دايماً اللي كنت بتقولي لازم أتجوز عشان يبقى لي أولاد يشيلوا اسمي واسم العيلة من بعدي؟
أجابه خالد بوجوم أثر صدمته واندهاشه:
- بس ماتخيلتش إنك هتعملها أبداً! لأ، وداليا؟
- مالها داليا؟
عاد اللون إلى وجه خالد فأجابه بلهجة هادئة:
- مالهاش.. بس.. اشمعنى هي بالذات يعني؟
- صدقني مافيش أسباب معينة.. أنا بس فكرت في كلامك وفكرة إن يكون لي أولاد هي اللي أثرت عليا عشان كده كانت هي أول واحدة جت في بالي.
أولاً هي حلوة أوي، ثانياً وده الأهم إنها هتكون مطيعة وبتسمع الكلام، هقدر أسيطر عليها يعني.
عند ذلك همهم خالد بتفهم قائلاً:
- همم، قول كده بقى.. انت اختارتها عشان حلوة، يبقى أكيد عرضت عليها عرض من عروضك ورفضت، فرفضها زاد من تصميمك عليها، ده أول سبب.
وتاني سبب عشان تفرض سيطرتك عليها لأنك متأكد إن شخصيتها ضعيفة ومش هتقدر تقف قصادك.
لم يظهر أي تعبير على وجه عز الدين الجامد وكأنه يعترف بصدق قول خالد.
الذي قال بصوت يخالطه الاعتراض والإعجاب الدفين:
- قد إيه انت ذكي يا ابن عمي.. مش سهل أبداً.
رمقه عز الدين بابتسامة خبيثة ثم قهقه بخفة.
بينما سأله خالد:
- طب سيبك من الكلمتين اللي قولتهم في الأول عن الأولاد اللي هيشيلوا اسمك، وقولي الحقيقة.. الجواز ده مدته قد ايه؟
زم عز الدين شفتيه بخبث ثم قال:
- قصدك إيه يا خالد؟
- عز الدين! عز.. ماتعملهومش عليا، ده أنا أكتر واحد فاهمك.
- ماشي ياسيدي، بس سيب السؤال ده دلوقتي عشان ماعنديش إجابة محددة عليه.
أومأ خالد رأسه ثم تابع سؤاله:
- طب الجواز هيتم إمتى؟
تنهد عز الدين بعمق ثم قال وهو يحك مؤخرة رأسه:
- لسا مش عارف.
- مش عارف إزاي يعني؟
- لسا محددتش يا خالد.
أجابه بلهجة حادة.
فزم خالد شفتيه في عدم رضا.
***
انتهت ياسمين من توضيب ملابسها داخل الخزانة الخشبية القديمة.
ثم استدارت نحو شقيقتها التي جلست على فراشها تحاول بدورها توضيب أغراضها بذهن مشوش.
فـاقتربت منها ثم جلست إلى جانبها وخاطبتها بلطف قائلة:
- إيه يا دودو.. مالك سرحانة في إيه؟
نظرت داليا إلى شقيقتها متخاذلة ثم أجابت:
- سرحانة في وضعنا الجديد يا ياسمين.. مش مصدقة اللي حصل معانا لحد دلوقتي.. معقول! معقول إحنا اتطردنا من بيتنا؟
تنهدت ياسمين بأسى ثم ربتت على كتف شقيقتها بحنان قائلة:
- معلش يا داليا.. معلش.. ده اختبار من الحياة.. اختبار صعب بس بإذن الله هننجح فيه سوا والأزمة هتعدي إن شاء الله.. صدقيني.
منحتها داليا ابتسامة لم تصل إلى عينيها.
بينما نهضت ياسمين وتوجهت نحو فراشها ثم تمددت عليه في هدوء.
وقبل أن تخلد إلى نومها أطفأت الأنوار وصاحت قائلة:
- تصبحي على خير يا داليا.
- وانتِ من أهله يا ياسمين.
قالت داليا بلهجة دافئة.
ثم راحت تتأمل محتويات الغرفة الصغيرة التي تضمها هي وأختها تحت الضوء الخافت المنبثق من نافذة الغرفة الحديدية.
كانت الغرفة متواضعة للغاية، مكونة من سريرين صغيرين، بالإضافة إلى منضدة زينة صغيرة وخزانة خشبية قديمة.
تنهدت داليا بثقل ثم تمددت بدورها على فراشها.
لم تكن قادرة على التفكير بأي شيء إذ كان إرهاقها عظيماً.
لذا انتظمت أنفاسها سريعاً وغطت في سبات عميق!
إلا أنها بعد قليل تحركت بقلق وفتحت عينيها ما أن سمعت صوت أزيز باب الغرفة.
حملقت في الظلام الدامس أمامها علها تتبين شيئاً.
ولكن سرعان ما تسرب ضوء خافت من الخارج عندما انفتح باب الغرفة قليلاً.
فـاتسعت عيناها بذعر حين...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم غريب
اتسعت عيناها في ذعر حين اقترب ذلك الجسد الضخم أكثر فأكثر حتى سطع ضوء مصباح الرواق الخارجي على وجهه الفظ الذي علتْه ابتسامة مفزعة. فلا شعورياً أطلقت "داليا" صرخة عالية، قفزت "ياسمين" على أثرها من فراشها مذعورة، ثم أشعلت الأنوار وهي تصيح:
- في إيه يا داليا مالك؟
ولكنها ما لبثت أن تكمل جملتها حتى رأت ذاك البدين "فتحي" يقف ببرودة ووقاحة على بعد خطوات قليلة من فراش شقيقتها، وقد أطلقت عيناه شرارة خبيثة.
- انت بتعمل إيه هنا يا عم انت؟
سألته "ياسمين" بعنف غاضب وهي تنهض واقفة لمواجهته، بينما ابتسم بخبث وأجابها:
- إيه يا حلوة مالك؟ اهدي كده، أنا بس حبيت آجي أطمّن عليكوا. قلت يمكن تحتاجوا حاجة يعني.
- لكرم أخلاق حضرتك، إحنا مش محتاجين حاجة.
أجابته مستهجنة، ثم تابعت:
- ولو محتاجين دي هتبقى مشكلتنا إحنا، ومش هنطلب تدخل حضرتك ولا تدخل أي حد تاني.
عند ذلك انتقلت "داليا" بسرعة البرق من فراشها إلى جانب شقيقتها حيث التصقت بها في وجل، بينما تبدلت ملامح الرجل وهو يتمعن جسد "داليا" البض من خلال رداء نومها الرقيق. فأضاءت وجهه ابتسامة شريرة، ثم قال وهو لا يزال يتأمل قوامها المتناسق:
- طيب أنا عملت اللي عليا وجيت أشوفكوا لو كنتوا محتاجين حاجة.
- جابته "ياسمين" في حدة قائلة:
- كتر خيرك يا سيدي، قولنا مش محتاجين حاجة، يلا بقى اتكل من هنا.
ابتسم "فتحي" ثم استرسل في خبث:
- طيب مش الأصول برضه تشوفوني أنا محتاج إيه؟
انطلق الشرَر من عيني "ياسمين" وهي تصيح بغضب:
- نعم! تقصد إيه يا راجل انت؟
خنق قهقهته الشريرة بقوله:
- أظن الموضوع مش محتاج شرح يعني يا قمر! إيه اللي ممكن يحتاجه راجل زيي في ساعة زي دي؟
رمقته "ياسمين" بحدة سافرة ثم صاحت ملء صوتها:
- أما إنك راجل زبالة وقليل الأدب.
- ال ال ال، طب ليه الغلط ده بس؟
- غلط؟ هو انت لسه شفت غلط! ده الغلط جاي.
- لا إن شاء الله مش هيكون في غلط ولا حاجة، إحنا بس نتفاهم براحة وكله هيبقى تمام.
قال ذلك بلهجة مثيرة للاشمئزاز، ثم أخذ يقترب منهن في بطء، فقفزت "داليا" هي وشقيقتها فوق الفراش، فبما صاحت "ياسمين" محذرة:
- خليك عندك يا راجل، انت عارف لو قربت...
- هتعملي إيه يعني يا حلوة؟
قاطعها بفظاظة ثم تابع:
- لو صرختي عادي، خدي راحتك، الناس هنا متعودين على الأصوات دي.
اتسعت عيناها حنقاً وذهولاً، ثم اندفعت بغضب قائلة:
- تصدق بالله شكلي هديك حاجة كنت باستحرم أديها للعيانين بتوعي.
قهقه "فتحي" بقوة ثم صفق بيديه بوقاحة قائلاً:
- أموت أنا في الحرام.
- والله! ماشي، يبقى أنت اللي جبته لنفسك بقى.
قالت ذلك مطلقة آخر سهم بجعبتها، ثم توجهت بسرعة القصوى نحو حقيبتها الطبية وأخرجت منها حقنة حديدية، ثم التفتت إليه وهي تلوح بها أمام وجهه، فضحك بسخرية قائلاً:
- بتهدديني بحقنة يا حلوة؟ أنا بقول ارميها من إيدك أحسن، ملهاش لازمة، وتعالي نتفاهم زي ما قلتلك.
قال ذلك وهو يهم بالإقتراب منها، إلا أن ركلة "داليا" كانت مؤثرة، حيث استدار إليها موجهاً ظهره إلى "ياسمين" التي ركضت صوبه مسرعة ثم غرزت الحقنة بأسفل قدمه. فأطلق صيحة ألم حادة، وما هي إلا ثوانٍ حتى كان طريح الأرض، جسده يتنفض بتشنجات قوية.
نظرت "داليا" إلى شقيقتها في ذعر قائلة:
- ياسمين.. انتي عملتيله إيه؟ ادتيه إيه؟
- متخافيش يا داليا.. دي حاجة بسيطة كده.
أجابتها "ياسمين" وهي ترمق المدعو "فتحي" شزراً وازدراءً، بينما ألحت "داليا" في توتر متسائلة:
- برضه قوليلي ادتيه إيه؟
حولت "ياسمين" نظرها إلى شقيقتها ثم تنهدت قائلة:
- اديته حقنة بتشنج عضلات الجسم زي ما انتي شايفة كده.. كنا بنضطر نستعملها أحياناً واحنا بنتدرب في مصحات الإدمان والعلاج النفسي عشان نقدر نسيطر على المريض، ودلوقتي برضه اضطريت أديهاله عشان أوصله للحالة دي، وكان حظه حلو والله الحقنة كانت معمّرة على آخرها.
- بس ده كده ممكن يموت يا ياسمين؟
- لا ماتقلقيش.. كلها كام ساعة وهيقوم، الهي ما يقوم الحيوان.
- طب هنعمل إيه دلوقتي؟
- هنلم حاجتنا وهنسيب المكان ده بسرعة طبعاً.
- و هنروح فين دلوقتي؟ انتي عارفة الساعة كام؟
- يعني لو قعدنا هنا هنبقى محمين مثلاً؟!
قالت "ياسمين" متهكمة، فقطبت "داليا" حاجبيها بوهن قائلة:
- طب بس هنروح فين يا ياسمين؟ هنروح فين؟
وخذلتها دموعها، فأخذت تبكي بمرارة، بينما أسرعت "ياسمين" واحتضنت أخت شقيقتها في حنان قائلة:
- إيه يا داليا بتعيطي ليه بس؟ ماتعيطيش، مش المفروض انتي اللي تعيطي، ده انتي الكبيرة يعني.. وبعدين أنا معاكي، متخافيش.
استطاعت "داليا" بصعوبة أن تكف عن البكاء، فرفعت وجهها الغارق بدموعها ثم سألتها بهدوء:
- طب هنروح فين؟
زاغت "ياسمين" ببصرها تفكر، ثم صاحت بعد ثوانٍ:
- المستشفى.. مافيش قدامنا مكان تاني نبات فيه لحد الصبح غير المستشفى.
- المستشفى!!
هتفت "داليا" مستغربة، ثم تابعت سؤالها:
- وحاجة زي دي مسموح بيها يا ياسمين؟
ضحكت "ياسمين" بخفة ثم أجابتها ممازحة:
- جري إيه يا دودو، انتي فاكراني قليلة هناك؟ دول يتمنوا إني أعيش معاهم مش أبَات ليلة.
حامت على ثغر "داليا" ابتسامة شاحبة، بينما قالت "ياسمين":
- المهم دلوقتي يلا نلم حاجتنا بسرعة عشان نلحق نمشي قبل ما الحيوان ده يفوق.
أومأت "داليا" رأسها ثم أسرعت وارتدت ملابسها، ثم راحت تجمع حوائجها، وكذلك فعلت "ياسمين" حتى انتهيا في زمن قصير، فغادرا المسكن الرديء معاً في روية وهدوء.
كان القمر شاحباً باعثاً أشعة باهتة واهنة، فيما تراصم الفضاء الشاسع المرصع بالنجوم فوق الشقيقتين صافياً، تمتزج في رحابه ألوان إلهية مبهمة، ألوان الليل الذهبية المشتعلة، في حين خيم هدوء شامل يخبئ في طياته حشرجة أغصان الأشجار وخفيف أوراقها وأسرار الليل الوليد.
تابعت الشقيقتان سيرهن والخوف والقلق يستبدان بهن حتى وصلتا أخيراً إلى المستشفى، أسرعت "ياسمين" إلى الداخل تتبعها "داليا" بخطى حزينة واجمة.
- دكتورة ياسمين!
التفتت "ياسمين" خلفها مسرعة ما أن سمعت اسمها، فأشرق وجهها بابتسامة ودودة، ثم اقتربت من محدثها قائلة:
- دكتور أيمن.. مساء الخير، لأ أسف أقصد صباح الخير بما إننا بقينا الفجر.
ساد صمت غريب، كان يتأملها "أيمن" خلاله مستغرباً، ثم أخيراً نطق فقال:
- انتي إيه اللي جابك المستشفى في وقت زي ده؟ حد طلبك ولا إيه؟
ابتسمت "ياسمين" بخفة ثم أجابته:
- لأ محدش طلبني يا دكتور.. هو بس في مشكلة حصلتلي أنا وأختي داليا.
ثم أشارت نحو شقيقتها التي كانت تقف شاردة في حزن على بعد خطوات منهم، ثم تابعت:
- إحنا دلوقتي سيبين البيت وللأسف مافيش عندنا أي مكان تاني نقعد فيه، وبعد ما سيبنا الفندق اللي كنا قاعدين فيه من شوية فكرت مع نفسي قلت مافيش قدامي غير المستشفى، بس إن شاء الله هنمشي الصبح مش مطولين يعني.
علت وجه "أيمن" علامات الدهشة والحيرة، فسألها بإلحاح:
- خير يا ياسمين؟ قوليلي إيه اللي حصل بالظبط؟
رمقته "ياسمين" بتردد، إن طبيعتها قوية منذ نعومة أظافرها وتعرف كيف تضع حداً لتمادي بعض الرجال دون أن تجرح مشاعرهم، وإذا زاد التمادي فلا بأس من جرح المشاعر، ولكن "أيمن" ليس ككل الرجال، إنها تعتبره من أعز أصدقائها، لذا تنهدت بعمق ثم راحت تطلعه على كافة التفاصيل حتى انتهت، فسألها باهتمام:
- طب وهتعملوا إيه دلوقتي؟
هزت كتفيها قائلة:
- ولا حاجة.. هنقعد هنا لحد الصبح زي ما قلتلك وبعدين هنمشي.
- هتروحوا فين يعني؟
- هندور على أي مكان نعيش فيه بقى، فندق، شقة بالإيجار، أي حاجة.
ازدادت ملامح "أيمن" تجهماً، فقال باعتراض:
- بس ماينفعش تقعدي انتي وأختك هنا في المستشفى يا ياسمين، وكمان بعد ما حكيتيلي اللي حصل معاكوا في الفندق الزبالة ده، مش لازم تكرري الغلطة تاني وتروحي برجلك لمكان شبهه.
- طب هنروح فين دلوقتي بس؟
- هتيجوا عندي.
- نعم!!
تجهمت ملامحها بلحظة، فسارع "أيمن" إلى التحدث فقال في ارتباك:
- أقصد هتيجوا تقعدوا في بيتي مع أمي، وأنا مش هكون موجود، ماتقلقيش، هروح أبَات عند واحد صاحبي عايش لوحده.
عارضت "ياسمين" بقوة قائلة:
- لأ لأ يا دكتور أيمن.. كتر خيرك طبعاً، وإنك عايز تساعدنا، بس مش لـ...
- أنا مش ممكن أسيبكوا تقعدوا هنا في المستشفى يا ياسمين.
قاطعها بحزم ثم تابع:
- أنا هتصل بأمي تنزل بنفسها عشان تستقبلكم قدام باب البيت، وبعدها همشي علطول.
- انت بتقول إيه بس يا دكتور أيمن، أنا مش قصدي.
قالت "ياسمين" بإحراج، ثم تابعت:
- أنا عارفاك كويس ومن زمان، وأكيد بثق في أخلاقك.
- يبقى خلاص، لازم تسمعي كلامي.
نظرت إليه في تردد، بينما عبس قائلاً:
- ماهو أنا مستحيل أسيبك هنا لوحدك.. أقصد مستحيل أسيبك هنا انتي وأختك لوحدكوا.
ابتسمت "ياسمين" بخجل وبساطة، فبادله "أيمن" ابتسامة دافئة.
في صباح اليوم التالي، كان يجلس بحجرة الطعام، يترأس المائدة. كم اشتاق لأن يجتمع بإشقائه ولو لفترة وجيزة أثناء الفطور. انتظر كثيراً ولم يأتِ أحد، فشعر بالملل وهتف باسم إحدى الخادمات، فأتت "فاطمة" مهرولة:
- أمرك يا بيه؟
أجابته باحترام، فأمرها بلطف حازم:
- اطلعي يا فاطمة شوفيلي عمر وعبير لو كانوا نايمين، صحيهم وقوليلهم إني مستنيهم هنا عشان نفطر سوا.
- أنا هطلع أشوف الست عبير حاضر، بس عمر بيه طلب فطاره في أوضته من شوية.
أومأ "عز الدين" رأسه ببطء ثم تنهد قائلاً:
- طب شيلي الأكل ده من هنا.
ثم نهض وصعد إلى حجرة شقيقه، طرق الباب ثم دلف حين أتاه صوت أخيه سامحاً لمن يطرق بالدخول.
كان ممدداً على فراشه مغمض العينين في استرخاء عندما سمع صوت شقيقه العميق:
- صباح الخير يا أستاذ.
فتح عينيه في سرعة ثم حدق بوجه أخيه الذي جلس إلى جانبه على حافة الفراش، بينما استوى في جلسته قائلاً:
- صباح الخير يا عز.
حملق "عز الدين" بوجهه لبرهة ثم قال:
- إيه.. من ساعة ما رجعت وأنت قاعد في أوضتك وقافل على نفسك، بتفطر وبتتغدى وبتتعشى هنا لوحدك.. ليه؟ أنت زعلان من حد هنا في البيت ولا حاجة؟
منحه "عمر" ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه ثم أجاب:
- لا أبداً، مش زعلان من حد.
- اومال مش بشوفك ليه؟
- عادي يا عز.. بكون قاعد مع نفسي زي العادة.
ثم سأله:
- بس من امتى يعني بتهتم بتفاصيلي كده؟
صمت "عز الدين" قليلاً ثم ضحك ملء فمه في سخرية قائلاً:
- ده على أساس إن حد غيري كان بيهتم بيك أساساً طول السنين اللي فاتت دي كلها!
- مش قصدي يا عز.. أنا بس مش متعود على اهتمامك الزايد ده.
أومأ "عز الدين" رأسه بتفهم، ثم جال بنظره على شقيقه وسأله:
- قولي رجلك بقت عاملة إيه دلوقتي؟
وضع "عمر" يده بتلقائية على ساقه ثم أجاب:
- خفت الحمد لله.
- المستشفى اللي كنت قاعد فيها كانت كويسة؟
- آه.
كان يجيب "عمر" على الأسئلة بإيجاز وهو مطرق الرأس، فقد كان يتحاشى النظر بعيني أخيه الثاقبتين، بينما هتف "عز الدين" بعد صمت:
- مش تباركلي؟
- أباركلك على إيه؟
سأله "عمر" وهو لا يزال على وضعيته، فابتسم "عز الدين" ثم أعلن بعد صمت:
- أنا هتجوز.
عند ذلك رفع "عمر" رأسه في سرعة وراح يحدق بأخيه في صدمة وذهول بالغين، حتى تمكن بعد لحظات من التحدث فسأله:
- أنت قلت إنك هتتجوز؟
أومأ "عز الدين" رأسه بهدوء، فرمقه "عمر" بشك قائلاً:
- عز الدين! أنت بتتكلم جد ولا بتهزر؟
- هو في حد بيهزر في الأمور اللي زي دي؟
هز "عمر" رأسه غير مصدق، ثم سأله:
- وتبقى مين اللي هتتجوزها؟
تمهل "عز الدين" قليلاً ثم أجابه:
- داليا.
- داليا!
هتف "عمر" مقطباً جبينه، ثم طرف يفكر من تكون "داليا"؟.. انتفض فجأة ثم عاد ينظر إلى شقيقه بقوة وسأله:
- أنت قصدك داليا؟ داليا السكرتيرة بتاعتك؟
ابتسم "عز الدين" متلذذاً بدهشة أخيه، بينما تصاعد رنين هاتفه، فأخرجه من جيب سترته وأجاب:
- الو.. كل ده مستنيك عشان تجبلي الأخبار؟.. آه.. وبعدين؟.. مشيت وراهم امبارح لما سابوا البيت؟.. وراحوا فين؟.. بانسيون؟.. ماله؟.. بتقول إيه؟...
استيقظت "داليا" قلقة نحو منتصف النهار، سمحت لنفسها بعشر دقائق من الترف تقضيها تفكر مستلقية على الفراش البسيط، تذكرت تعب الليلة الماضية وزوالها، فلولا اقتراح "أيمن" زميل "ياسمين" بالمستشفى وإصراره على جلبهن إلى منزله ليقضين ليلتهن تحت سقف آمن، لكان توقف عقلها من كثرة التفكير بمصيرها هي وشقيقتها. ولألاف المرات ودون إرادة منها تراقصت صورة "عز الدين" بذهنها.
استرسلت بالتفكير فيه، إنها تحبه ولا يمكن أن تنكر ذلك، ولكن فكرة الزواج منه تثير الخوف والقلق بنفسها. صحيح أن العيش بجواره هو حلمها الوحيد الذي تتمنى بكل جوارحها أن يتحقق، ولكن ماذا لو تحول ذلك الحلم إلى كابوس حين تراه يطردها ذات يوم من حياته شر طردة بعد حصوله على هدفه المنشود الذي يتوق إلى تحقيقه بأي شكل. فكرت يجوز أن إصراره هذا مبني على العناد، فهو حتماً لا يستطيع تقبل فكرة أن هناك امرأة رفضته وبهذه القوة!
ثم فجأة تذكرت جملته التي أشغلت تفكيرها: "هتتجوزيني يا داليا.. للأسف ماعندكيش اختيار تاني". تَرى ماذا كان يقصد؟ كرهته وقتها قليلاً بسبب قسوته، وفي الوقت نفسه عجزت عن نفي صحة كلامه. لقد نجح ربما في تبديد شيء من حيرتها الذهنية، لكن ذلك لم يخفف قلقها حياله.
تململت بالفراش في ضيق واتسعت عيناها وهي تنظر حولها إلى الغرفة البسيطة. بحثت عن شقيقتها بالفراش المجاور فلم تجدها، استنتجت أنها ربما ذهبت إلى الجامعة. عند ذلك انتصبت نصف جالسة تتلفت يميناً ويساراً باحثة عن هاتفها، ثم فجأة تذكرت أين تركته. شهقت بهلع وتساءلت:
ماذا الآن؟ عليها استرجاع الهاتف طبعاً، هكذا أجابت نفسها، ولكن كيف؟ لم تجد إجابة على هذا السؤال سوى أنها سوف تغامر وتذهب لإعادته، وطمأنت نفسها بأن ذهابها الآن في وضح النهار بين الناس والجموع سيكون آمناً، وبالتالي لن يجرؤ ذاك البدين على النيل منها.
بعد أن توصلت إلى تلك الفكرة، نهضت من الفراش بسرعة ثم ارتدت ملابسها متعجلة وخرجت من الغرفة، لتصطدم بسيدة المنزل وهي تجتاز الرواق الصغير.
- صباح الخير يا بنتي.
حيتها السيدة المسنة ببشاشة، فمنحتها "داليا" ابتسامة بسيطة ثم حيتها بدورها:
- يافندم.
قهقهت السيدة بخفة قائلة:
- إيه يافندم دي يابنتي؟ أنا اسمي سوسن وممكن تناديني بيه كده عادي من غير ألقاب زي ما بيعمل أيمن ابني.
ابتسمت "داليا" قائلة:
- ربنا يخليهولك.
ثم تابعت باستحياء:
- وأنا بعتذر لحضرتك لو كنت أنا وأختي اتسببنا في أي إزعاج.
- كلام إيه ده يابنتي عيب ماتقوليش كده، طب والله أنا قلبي اتفتحتلكوا أول ما شفتكوا، ده غير إن أيمن طول عمري بيكملني عن أختك ياسمين لما خلاني هتجنن وأشوفها، وماتتخيليش بقى أنا مبسوطة قد إيه بوجودكوا معايا، حساكوا بناتي والله، تقوم انتي تقوليلي إزعاج! ده لو ماشالتكمش الأرض أشيلكوا في عنيا.
- ربنا يخليكي.
- أنا بتكلم جد على فكرة مش بقول أي كلام، لكن خلينا في المهم دلوقتي.. بما إنك صحيتي بقى يبقى تعالي يلا افطري معايا، أنا لسه ما فطرتش.
- معلش حضرتك مش هقدر، أنا عندي مشوار مهم ولازم أنزل دلوقتي.
- هتنزلي من غير فطار يابنتي؟
فابتسمت بلطف قائلة:
- معلش بقى.. عن إذنك.
ثم تركتها وغادرت مسرعة، وفي غضون نصف ساعة كانت أمام "بانسيون السعادة".
بلعت ريقها بتوتر فيما تسارع وجيب قلبها، فكرت في أن تتراجع بآخر لحظة، لكن عقلها أجبرها على الاستمرار في حين خاطبتها نفسها الشيطانية: "كفاياكي جبن بقى.. ادخلي". قطبت حاجبيها باستياء ثم شمخت برأسها بشجاعة شوبها ارتباك بسيط، ثم اتجهت بخطى ثابتة نحو المسكن الرديء. كم كانت فرحتها عارمة حين دلفت ولم تجد المدعو "فتحي"، تنهدت بسعادة وقد زادت شجاعتها، فصعدت الدرج الخشبي بحذر حتى وصلت إلى الطابق العلوي ثم توجهت إلى الغرفة. دلفت إليها بهدوء وتمهل، ثم تقدمت صوب الفراش وأخذت تفتش عن هاتفهها حتى وجدته بين طيات الأغطية، تناولته بسعادة بالغة ثم استدارت عازمة على الرحيل، لكنها انتفضت مذعورة وامتدت يدها إلى شفتيها تطبق عليهما وتكبت صرخة الهلع التي اندفعت من أعماقها حين رأته أمامها.
كان "فتحي" يقف على بعد خطوات منها، يحدق فيها بغضب وعداء، بينما اختنقت الكلمات بحنجرتها فلم تستطع التفوه بحرف. استبد بها الخوف وهي ترى ذاك البريق الخبيث الغاضب يتراقص بعينيه، بينما قال وهو يقترب منها ببطء:
- أهلاً أهلاً يا قمر.. شرفتي.
ثم تابع بلهجة حادة:
- بقيت بنتين زيك انتي وأختك يعملوا فيا أنا كده؟ كنتي فاكراني هيسيبكوا! بس كويس إنك انتي اللي جيتي برجلك يا حلوة.
ارتعش صوتها وهي تقول:
- بقولك إيه يا أستاذ، أحسن لك تبعد عن طريقي وتخليني أمشي، أنا مش جايه أعمل مشاكل، أنا بس نسيت حاجة هنا ورجعت عشان آخدها واديني ماشية أهو.
وتقدمت صوب الباب، إلا أنه سارع يقف بوجهها، حيث بدا جسده الضخم سداً منيعاً يلغي أمامها كل المنافذ، فألحت بخوف قائلة:
- لو سمحت.. خليني أعدي.
- أبداً.. هو دخول الحمام زي خروجه يا قمر انتي؟
قال ذلك بابتسامة شريرة، بينما تراءى لها أن هذا الرجل الضخم خفيف الحركة سريعاً، وما أن حاولت تجاوزه حتى أمسك بها وجذبها نحوه، فأطلقت "داليا" صرخة ألم وهو يغرز أصابعه الغليظة بذراعها الرقيق.
قاتلته بعنف وضراوة، لكن دون جدوى، طوقها بذراعيه بقوة حيوانية خانقة فكادت تفقد وعيها من شدة هلعها، بينما رفع وجهه ليتنشق بعض الهواء، فانتهزت "داليا" الفرصة لتلكمه على وجهه بجمع قبضتها، فأصابت أنفه، ثم رأت الشرَر يتطاير من عينيه وهو يصيح:
- هتندمي.. هندمك على اللي حصل امبارح منك انتي وأختك وعلى اللي حصل منك دلوقتي.
وألقاها أرضاً بعنف وهي ترتجف ذعراً، إنه ينوي على إخضاعها عنوة. ماذا تفعل؟ هل تقاومه؟ ولكن كيف؟
دمعت عيناها بوهن وتصاعدت من أعماقها صرخة حادة، لكن لا حياة لمن تنادي. هاهو ينحني عليها، رفسته بقدمها فلم يرتدع بل ازداد عنفاً وإصراراً، ثم أخذ يمزق ثيابها، حاولت "داليا" بيأس مقاومته لكنه كان أقوى وأكبر حجماً منها، حيث ثبت جسدها جيداً محبطاً بذلك أي محاولة لها بالفرار. لكن فجأة أطلق "فتحي" صيحة عالية، ولشدة دهشتها رأت "عز الدين" يمسك به بعنف من ثيابه ويلقيه على الأرض بعيداً عنها، ثم انهمر عليها بالركلات واللكمات القاسية. أبرحه ضرباً عنيفاً، حيث بدا غضبه العارم وبنيته القوية دافعاً صلباً يضارع وزن ذاك البدين الثقيل.
ولم يتركه "عز الدين" إلا عندما انبثق الدم من وجهه وجسده المتراخي، تسارعت أنفاس "عز الدين" بقوة هائلة من فرط انفعاله، ثم استدار إلى "داليا" التي أخذت تتراجع للخلف زاحفة على مرفقها وهي تتطلع إليه باكية، بينما كانت عيناه تتفحصانها بغضب. حاولت بيأس إخفاء عريها، ولكن أعصابها المحطمة لم تسعفها على ذلك، فأحنت رأسها بخجل واهنة، فيما اقترب منها وأمسك بذراعيها بقوة حتى أوقفها أمامه. ارتجفت ساقاها وكادت تسقط عندما رفع يده عنها، إلا أنه خلع سترته بعنف غاضب ثم وضعها على كتفيها كي تخفي ذاك الشق الذي أصاب قميصها. تشبثت بسترتة وضمتها حولها بقوة، بينما أسندها إليه ثم جذبها بقسوة قائلاً:
- اتحركي قدامي!
ترجلت من سيارتها بضيق، ثم استندت إليها وأخرجت هاتفها من حقيبة يدها ثم أجرت الاتصال به.. ليأتي صوته البغيض بعد لحظات:
- أهلاً يا بيرو.. معلش قبل ما نتكلم في أي حاجة قوليلي.. عملتي إيه؟ نزلتي الحمل؟
ابتسمت "عبير" بمرارة ثم أجابته متجهمة:
- أي حاجة من واحد واطي وندل زيك ماتلزمنيش.. أنا أنا بس بتصل بيك دلوقتي عشان أقولك إني فعلاً هنزل البيبي وعشان أقولك حاجة تانية كمان.
- إيه هي؟
سألها بإصغاء، فأمطرته بعدد هائل من الشتائم المتنوعة، ولما اكتفت أغلقت الخط بوجهه وتنفسّت الصعداء وقد تصاعدت الدماء إلى وجهها الشاحب. هدأت ثورتها قليلاً بينما تصاعد رنين هاتفها بنغمته الصاخبة، نظرت إلى الهاتف لتجد المتصل صديقتها "ريم"، أجابت بلهفة:
- الو.. ريم.. ها عملتي إيه؟ كلمتي قريبتك؟ و عملتي إيه؟ خدتي منها عنوان عيادة الدكتور؟ طب هنروحله امتى؟
- هتروحي لمين يا عبير؟
تجمدت بمكانها عندما سمعت صوته المستفهم آتٍ من خلفها.
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم غريب
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم غريب
تجمدت عبير في مكانها وشحب وجهها. فسارعت ريم وأجابت عنها قائلة:
- أيوه طبعًا روحنا المستشفى. كان لازم أوديها عشان أطمن عليها بعد ما شفتها مخضوضة زي ما قلت.
أومأت ياسمين رأسها بهدوء وهي ترمقهن بنظرة مبهمة ذات مغزى. بينما استأنفت ريم سيرها آخذة عبير إلى غرفتها.
خيم صمت ثقيل لثوانٍ قليلة قبل أن يقطعه عز الدين بصوته العميق حين هتف باسم إحدى الخادمات. فحضرت فاطمة سريعًا:
- أمرك يا بيه؟
أجابت فاطمة باحترام فسألها:
- العشا جاهز؟
- أيوه حضرتك. تؤمر بحاجة تانية؟
هز رأسه نفيًا ثم صرفها بحزم، فانسحبت بهدوء. بينما قاد عز الدين الجميع إلى حجرة الطعام حيث تلك المائدة الفخمة التي اصطف عليها أثمن الأواني الفضية والزجاجية، والتي تحتوي أيضًا ما لذ وطاب من الكلاء والشراب.
أثناء تناول العشاء لم تجد داليا شهية للطعام، إذ كانت أفكارها تشغل حيزًا كبيرًا من كافة حواسها. غير أن قلقها كان كافيًا جدًا ليشعرها بعدم الرغبة في تناول أي شيء. إلا أن اهتمامها كان مركزًا على ذلك الرجل الذي جلس بالقرب منها. لم يشترك إلا نادرًا فقط في الأحاديث الشيقة والمثيرة التي طرحها خالد بمرح قاصدًا تلطيف الأجواء. كان أيضًا يأكل طعامه بهدوء بالغ، وقد بدا متحفزًا متأهبًا ومتيقظًا لكل حركة.
فيما تألمت داليا قليلاً وشعرت بالانزعاج لأنه كان لا ينظر إليها إلا بشكل عابر وكأنها ليست تلك الفتاة التي كان يتحرق للحصول عليها، وكأنها ليست زوجته. تحول سحره الذي تتذكره بوضوح إلى برودة مزعجة، فأشاحت بنظرها عنه وبقيت تعبث في طعامها.
بينما أخضر الخادم الحلويات المغطاة بطبقة سميكة من القشدة الشهية، فامتنعت داليا حتى عن النظر إليها تجنبًا لحساسية صدرها التي قد تمرض بها إذا تناولت ولو القليل من هذه الحلويات. إلا أن ياسمين قبلت الحلويات بصدر رحب، حيث غرزت ملعقتها في القشدة والفاكهة اللذيذة ثم راحت تأكل بشهية.
فعلق خالد ضاحكًا:
- حاجة نادرة وممتعة إننا نشوف واحدة بنت بتاكل بالشهية دي من غير خوف من زيادة الوزن.
ابتسمت ياسمين بخفة ثم قالت ممازحة:
- أي إنسان عادي مستحيل يتمالك نفسه قدام حلويات زي دي.
ثم تابعت بهدوء:
- على أي حال أنا مريضة بالغدد الدرقية من وأنا طفلة يعني مش ممكن أتخن أوي مهما أكلت.
مضت بقية السهرة على وتيرة هادئة مرحة، بفضل مشاركات خالد وياسمين لبعض الموضوعات والمواقف الطريفة. مضت السهرة ولم يأتِ عمر. كان يود عز الدين انتظاره لآخر لحظة، لكنه شعر بالملل والإنزعاج، فأهمل أمره ثم وقف فجأة معلنًا أن الوقت قد حان للانفراد بعروسه.
انصاع الجميع لأمره، فاستأذن خالد بهدوء ورحل. كما أن ياسمين اصطحبتها فاطمة إلى الطابق العلوي تبعًا لأوامر عز الدين حيث قادتها إلى الغرفة التي خصصت لها.
بينما وقفت داليا في مواجهة عز الدين مطرقة الرأس وهي تشعر بأنها تكاد تسمع ضربات قلبها العنيفة. فيما مد يده وأمسك بيدها فشعرت بكهرباء تسري بأوصالها جراء لمسة يده. كانت داليا تخشى هذا الرجل بقدر ما تحبه، لكنها تخشى أكثر ضعفها أمامه.
عندما وصلا إلى الغرفة تذكرت داليا تلك الذكرى القصيرة العابرة التي وقعت لها هنا، إلا أنها بدأت تتأملها بصمت. لم يغير عز الدين فيها الكثير، فقط أضاف بعض الأشياء البسيطة التي فطن من خلال معرفته بها بأنها ستعجب بها، كتلك السجادة الوثيرة ذات الألوان الزاهية التي غطت الأرض الرخامية اللامعة، وأيضًا تلك الستائر الرقيقة التي تهادت أمام النوافذ العريضة التي سمحت للشمس بغمر الغرفة بوفرة في كل صباح.
جالت داليا ببصرها أكثر بأرجاء الغرفة الواسعة، فلاحظت تلك الخزانة الكبيرة المصنوعة من الخشب السميك القاتم، وزجاجات العطر الغالية الثمن التي توزعت على منضدة الزينة، وجذب انتباهها أيضًا صدر الغرفة الذي كان به باب مفتوحًا ظهر من خلفه حمام مترف.
إرتعش جسدها توترًا وهي تفكر بهذه الليلة التي ستشارك فيها زوجها غرفته وفراشه لأول مرة!
إنتفضت فجأة حين شعرت بيديه تقبضان على كتفيها من الخلف. إضطربت كثيرًا، فلا شعوريًا انهمرت الدموع غزيرة من عينيها بدون أن تحاول إيقافها أو مسحها. إنها امرأة متزوجة الآن وبدلًا من أن تتمتع بحياتها الجديدة ها هي في عذاب نفسي أليم. تعذبها فكرة زواجها من عز الدين، فهي تشعر بأن زواجهما سوف ينتهي قريبًا عندما يمل منها ليعود ويبحث عن امرأة أخرى تمنحه مزيدًا من الإثارة، امرأة كجومانة خطاب مثلاً!!
شعرت بالخوف الشديد من إمكانية حدوث تلك الفكرة، فعزمت على القرار بأنها لن تمنحه أي شيء حتى تتبين لها الحقائق كاملة. إذن لا مجال لإقامة علاقة طبيعية معه. فهو يريد كل شيء أو لا شيء.
إتفضت مرة ثانية عندما شعرت بحرارة أنفاسه على عنقها، فابتعدت عنه متوترة قبل أن يسترسل في تصرفاته. بينما رفع أحد حاجبيه مستغربًا ثم سألها:
- مالك؟ فيه إيه؟
أجابته باضطراب دون أن تلتفت إليه:
- ما فيش.. ما فيش حاجة.
سمعته يتنهد بثقل، ثم شعرت به يقترب منها حتى وقف إلى جانبها، فأمسك بكتفيها وأدارها نحوه لتكون في مواجهته، فأغمضت عيناها متجنبة النظر إليه فسألها بهدوء:
- داليا.. انتي خايفة مني؟
أجابته بمرارة مستسلمة:
- لأ.. لأ طبعًا و هخاف ليه؟ انت بقيت جوزي وأنا لازم أثق فيك.
- طيب افتحي عنيكي.
قال بخشونة، ففتحت عيناها ببطء لتجده أمامها آسراً وجذاباً ومسيطراً. بدا وجهه تحت أضواء الغرفة الخافتة مثيراً، كان جماله شيطانيًا آنذاك، وكانت ترتجف تحت يديه، لكنها جاهدت كي تظل عيناها في مواجهة عينيه الحادتين. بينما مسح شفتيها بأصبعِه ثم قال بلطف ناقض تلك القسوة في عينيه:
- عندي هدية ليكي.. هو صحيح جوازنا تم بسرعة بس أنا مستحيل كنت أنسى أجيبلك شبكتك.
لم تقل شيئًا، فقط ظلت تحدق به. بينما ابتسم بخبث فظهرت أسنانه البيضاء المتناسقة ثم تركها فجأة وتوجه نحو طاولة صغيرة توسطت الغرفة الكبيرة. ثم عاد إليها حاملاً علبة كبيرة مغطاة بالمخمل الأسود وقال:
- الطقم ده عليه توقيع Graff. أنا ماحبتش أبدًا أقدم لك أي حاجة.
ثم فتح العلبة أمام عينيها المندهشتين، وأخرج عقدًا من الماس المرصع بالزمرد على إطار من الذهب والبلاتين مع قرطين مماثلين. ثم وقف خلفها وقام بنزع العقد الذي كان يطوق عنقها والذي لا يساوي شيئًا مقارنة بالعقد الكامن بيده. ثم ألبسها المجوهرات الثمينة وأدارها إليه كي يتمعنها أكثر، فقربها إليه ثم قال هامسًا:
- شكلهم بقى أحلى عليكي.
إرتجفت داليا ثم أبعدت يده عن عنقها ببطء وقالت متعلثمة:
- شـ..
- بس؟
هتف بصوت أجش، فإضطربت ودمعت عيناها بلحظة ثم قالت:
- مش دلوقتي.. كل حاجة جديدة عليا.. ياريت تقدر ده وتصبر عليا يا فندم.
رفع حاجبيه الكثيفين في دهشة وقال:
- يافندم! داليا احنا اتجوزنا خلاص.. لسه بتقوليلي يافندم؟
إشتعلت وجنتاها تحت وطأة نظراته فقالت:
- دي حاجة من ضمن الحاجات الجديدة عليا.. مش هقدر أنطق اسمك عادي كده.
- ليه؟ هو صعب أوي كده؟
هزت رأسها نفيًا فعبس قائلاً:
- طيب.. طالما مش صعب اتفضلي سمعيني.. أنا اسمي إيه؟
تطلعت إليه في توتر، فرفع حاجبه يحثها على الكلام، فإرتجفت شفتها وهي تحاول نطق اسمه:
- عـ.. عز.. عز الدين.
بعد ذلك ظلت تتنفس بعمق وكان صدرها يعلو ويهبط بسرعة وكأنها انتهت للتو من سباق طويل. فيما انعكس اضطرابها الداخلي في الاحمرار الذي خضب بشرتها البيضاء. فرمقها بنظرة غريبة لم تستطع فهم مغزاها، ثم راح يلتهمها بعينيه بدءًا من وجهها وحتى صدرها، وبضمة قوية ألصقها به إلى أقصى حد ممكن، فأطرقت برأسها توجسًا. إلا أنه شدد قبضته عليها بقسوة وإصرار وعانقها عناقًا طويلاً حارًا.
إسترخت وهي تشعر ببعض الدفء والحرارة بأحضانِه، كانت تذوب بين ذراعيه كقطعة ثلج، حتى أفاقت من غيبوبتها الحالمة فجأة حين ابتعد عنها قليلًا ليرى تأثير ما فعله بها بتعابير وجهها. فابتسم بسخرية خفية عندما لاحظ التجاوب بعينيها واللوم أيضًا على توقفه، فربما لو كان استرسل في أفعاله لكانت رضخت له كليًا، ولكنّه أعادها إلى رشدها حينما أبعدها عن دفء حضنه فجأة.
فيما اصطنع ابتسامة لطيفة وقال:
- أنا مابحبش آخد حاجة بالغصب يا داليا.. لازم تكوني راضية وعايزة زيي بالظبط.. وعشان كده بس.. أنا هحاول أظبط أعصابي على قد ما أقدر وهصبر عليكي.. بس ماتراهنيش على صبري كتير.
عاد عمر إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، وبينما هو يصعد الدرج المؤدي إلى طابق الغرف، قابل فاطمة فابتسم بخفة ثم سألها بفظاظة:
- إيه يا بطوط.. صاحية لحد دلوقتي ليه؟ وجاية من عند مين كده؟
رمقته فاطمة بنظرة غاضبة، لكنها تمالكت نفسها وأجابته بجمود:
- أنا مش جايه من عند حد يا عمر بيه.. أنا كنت بوصل الآنسة ياسمين لأوضتها زي أمر عز الدين بيه.
قطب حاجبيه متسائلًا:
- مين الآنسة ياسمين دي؟
- دي تبقي أخت داليا هانم.
- مين داليا هانم؟
رفعت فاطمة حاجبيها بذهول قائلة:
- داليا هانم.. مرات عز الدين بيه.
تأوه عمر وهو يضرب جبينه بباطن كفه قائلاً:
- آه آه آه صح.. داليا مرات عز.
ثم تابع في خبث:
- بس هي طلعت عندها أخت؟ حلو حلو.
- نعم!
التفت إليها منتبهًا ثم عنفها قائلاً:
- إيه انتي لسه واقفة؟ يلا روحي نامي.. يلا.
رمقته فاطمة بازدراء وكادت تغرب عن وجهه إلا أنه استوقفها قائلاً:
- استني هنا.
عادت تنظر إليه من جديد فسألها:
- هي فين؟
هزت رأسها مستفهمة فعبس قائلاً:
- أوضتها فين؟
- جنب أوضة حضرتك علطول.
إزدادت ابتسامته اتساعًا وهو يسألها:
- قوليلي يا بطوط.. هي حلوة؟
- أيوه يا بيه.. حلوة.
- طب خلاص امشي يلا.
هزت فاطمة رأسها في عدم رضا ثم هبطت الدرج مبتعدة عنه، بينما استأنف عمر صعوده حتى وصل إلى تلك الغرفة المجاورة لغرفته، فطرق الباب بخفة ثم أدار المقبض ودخل بعدما سمع صوتًا أنثويًا يأذن له بالدخول. كانت تعطيه ظهرها فيما انهمكت بترتيب أغراضها داخل خزانة الملابس الكبيرة، فأمال رأسه راح يدقق فيها بإمعان وابتسامته الخبيثة لا تزال تحتل ملامح وجهه حتى سمعها تقول:
- رجعتي تاني يا فاطمة؟ عايزة حاجة؟
- لأ أنا مش فاطمة.
هتف باسمًا، بينما ارتعدت بقوة جراء المفاجأة، ثم التفتت لتواجه صاحب العبارة، ليتجمدا هما الاثنان بنفس اللحظة. اتسعت عيناهما بشدة وهما يحدقان ببعضهما في عدم تصديق. خيم الصمت لدقائق طويلة حتى تكلمت ياسمين أخيرًا فعبست حاجبيها قائلة:
- انت! انت إيه اللي جابك هنا يا بني آدم انت؟
استغرق عمر ثوانٍ حتى تدارك الأمر فعادت بسمته إلى وجهه مجددًا ثم قال:
- أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده.. انتي إيه اللي جابك هنا؟ ده بيتي.
- بيتك!
هتفت في صدمة، فأومأ رأسه ببطء وعيناه تتفحصان وجهها الذاهل بينما سألته:
- بيتي إزاي؟
ضحك بخفة ثم أجابها:
- أقولك إزاي.. البيت ده أساسًا كان بيت فريد نصار.. أبويا.. قبل ما يموت الله يرحمه.. أبويا بقى قبل ما يموت بردو خلفني وبعد ما مات البيت بقى بيتي وبيت أخواتي في نفس الوقت.. فهمتي إزاي؟
أومأت ياسمين رأسها بهدوء، وقد توضحت الأمور بعينيها، وتذكرت أيضًا حين أبلغتها شقيقتها بأن عز الدين له أشقاء، ولكن كانت هذه المفاجأة بعيدة كل البعد عن خيالها!
- طيب.. تشرفنا يا سيدي.. اتفضل اطلع برا بقى.
قالت بلهجة حادة، فابتسم بقوة قائلاً:
- زي ما انتي يا دكتورة.. ماتغيرتيش لسه قاسية.. بس تعرفي أحلى حاجة إن أوضتك جنب أوضتي.
أغمضت عيناها بحنق قائلة:
- انت ما سمعتنيش ولا إيه؟ بقولك اطلع برا.
تمهل قليلًا قبل أن يقول بابتسامة واسعة:
- حاضر.. حاضر يا دكتورة طالع.
ثم استدار كي يذهب، إلا أن صوتها استوقفه:
- استني.
التفت إليها مجددًا وقد لمعت عيناه خبثًا فرمقته بحدة قائلة:
- أنا عايزة مفتاح الأوضة دي.
هز رأسه بأسف مصطنع ثم قال:
- للأسف.. الأوضة دي مالهاش مفتاح.
- يعني إيه مالهاش مفتاح؟
أجابها بتهكم:
- يعني مالهاش مفتاح.. ضاع.. إحنا ساعات كنا بنستقبل ضيوف عندنا هنا في الأوضة دي وآخر حد جه ضيعه.
أومأت رأسها مغتاظة ثم قالت:
- بس أكيد ممكن يتعمل واحد جديد مش كده؟
ابتسم ثم قطب حاجبيه قائلاً:
- للدرجة دي المفتاح مهم بالنسبة لك؟ ولا انتي خايفة مني؟
رمقته باستنكار قائلة:
- أنا.. أخاف منك.. انت!
ثم قهقهت بقوة، بينما اصطنع ابتسامة باهتة ثم قال ساخرًا:
- عمومًا بردو ماتخافيش.. ولو قلقانة أوي.. حطي كرسي ورا الباب.. مش ده بيحصل منكوا ساعات بردو؟
- واضح إنك عارف ده.. ممكن تكون اتمنعت من دخول أوضة قبل كده بالطريقة دي.
انفجر ضاحكًا ثم رمقها باستهزاء قائلاً:
- يا حبيبتي أنا لو عايز أدخل أوضة مش هيمنعني شيء صغير زي كرسي.
- في الحالة دي أنا مصممة على وجود مفتاح.
نظر إليها بازدراء لبرهة ثم قال:
- يا دكتورة.. أنا ذوقي أرقى من كده.
ثم اقترب منها قليلًا وهمس:
- أوضتك.. هي آخر أوضة ممكن أحب أدخلها.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا إياها واقفة بوسط الغرفة وقد احمر وجهها حنقًا وغيظًا...!
لم تنم.. ظلت ساهرة ملء جفنيها فيما عيناها لم تكف عن سفح الدموع. كانت تبحث في محاولات يائسة عن حل لمشكلتها ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل، وكالعادة لم تجد وسيلة للتعبير عن ضيقها وندمها إلا البكاء. وبعد تفكير طويل استقرت على قرار أخيرًا، رغم ذعرها من تلك الفكرة إلا أنها كانت تفضلها عن نظرات الكره والاتهام بأعين أحب الأشخاص إليها، وبالأخص خالد. الحبيب المسكين، كم كرهت نفسها، كم أرادت أن تنتقم من نفسها آلاف المرات على ما فعلته بنفسها، لا بل على ما فعلته بهم!
سكتت عن البكاء فجأة ثم كفكفت دموعها وتناولت هاتفها، ثم أجرت الاتصال به.. ليأتي صوته الناعس بعد لحظات:
- الو.
جاهدت كي تبقي نبرتها طبيعية وهي تجيبه:
- خالد.
- عبير!!
هتف بقلق ثم سألها:
- إيه يا حبيبتي خير؟ فيه حاجة؟
- لأ يا خالد ما فيش حاجة.
- أومال بتكلميني ليه في الوقت ده؟
- اتضايقت إني كلمتك؟
- لا لا يا حبيبتي أبدًا.. بس قلقت عليكي.. انتي كويسة؟
- أيوه كويسة.. أنا بس اتصلت بيك عشان أسألك سؤال.
- سؤالين يا عمري.. اتفضلي؟
صمتت قليلًا ثم سألته بتمهل:
- خالد.. انت بتحبني؟
- بموت فيكي يا حبيبتي.. بعشقك.
عضت على شفتها بقوة وهي تحارب دموعها ثم خرج صوتها بصعوبة فقالت:
- طيب يا خالد.. أنا عايزة أطلب منك طلب.
- أمريني.
- أنا عايزك تسامحني.
- أسامحك؟!
سألها باستغراب بالغ ثم تابع:
- أسامحك على إيه يا عبير؟
- على أي حاجة عملتها وضايقتك.
- يا عبير انتي مش متخيلة أنا مبسوط ومندهش إزاي من التغيير اللي حصلك في اليومين دول.. لكن عمومًا أنا عمري لا زعلت منك ولا اتضايقت.. عارفة ليه؟
- ليه؟
- عشان أنا كنت متأكد إن هيجي اليوم اللي أسمع منك فيه كلامك ده.. عشان كده كنت مسامحك من البداية يا حبيبتي.
لم تستطع كبت انفعالها أكثر، فوضعت يدها على فمها وبدأت تبكي بصمت، ولكنها سارعت تقول بصوت متهدج:
- تصبح على خير يا خالد.
ثم أغلقت الخط وأخذت تجهش بالبكاء المر...!
استيقظت داليا في الصباح التالي قلقة، فقد أزعجها ضوء الشمس المتخلل من بين ستائر الغرفة، ففتحت عيناها ببطء وهي تتمطى في الفراش الدافيء المريح بكسل. وكم كانت فرحة، حين نظرت إليه، حيث كان نائمًا في سلام تام. ابتسمت قليلًا وتأملته مليًا. قشعرت برغبة جامحة في أن تدفن وجهها بصدره، لكنها تغاضت عن هذا الفعل وعوضًا عليه راحت تتذكر تفاصيل الليلة الماضية.
بعد حديثهما الطويل الذي ختمه بعناقه الحار، دلف إلى الحمام كي يبدل ملابسه، بينما وقفت وحيدة بوسط الغرفة. فمدت يدها إلى سحاب الفستان لتنزله لكنه علق بعناد، ولم تفلح كل محاولاتها، فصرخت بنفاذ صبر، وإذا به يأتي من خلفها فجأة قائلاً:
- حسبي.. خليني أفكلك السوستة.
كان قد نزع ملابسه بأكملها حيث لم يكن يرتدي سوى سروال أسود، مما ضاعف ارتباكها، فأجابته وهي تواصل محاولاتها الفاشلة:
- .. أنا هتصرف.
قاطعها بحزم:
- وبعدين بقى.. لفي بقولك هتقطعي الفستان.
وبقوة غير متوقعة، أدارها وأنزل لها السحاب حتى نهايته، فتشبثت بأطراف الفستان لئلا يسقط ويكشف عن جسدها، فيما قالت مسرعة:
- ..
- مش هتقلعي الفستان؟
سألها وهو يحدق فيها بحرقة فأجابت بصوت متهدج:
- مش قدامك.
ضحك بخفة ثم قال:
- ماشي.. هدخل أجيب هدومي من الحمام تكوني غيرتي.. بس بسرعة.
ثم استدار وعاد إلى الحمام، وما أن أغلق الباب من خلفه حتى أفلت الفستان ليسقط أرضًا حول قدميها، فأسرعت نحو حقيبة ملابسها وأخرجت قميصها الأبيض الحريري الذي كشف عن معظم أجزاء جسدها وكان فضفاضًا بالوقت ذاته!
أفاقت داليا من شرودها باسمة، ثم راحت تحدق فيه أكثر وأكثر حتى امتدت يدها دون إرادتها باتجاه وجهه، وكادت تلمسه إلا أنه تحرك بقلق ثم تقلب بالفراش برشاقة حتى استقر على جانبه الأيمن، حيث وجه لها ظهره العاري. استاءت لذلك، فهي كانت تريد لمس وجهه، فنهضت بعناد واستدارت حول الفراش حتى وقفت أمامه، فجثث على ركبتيها أمامه بهدوء، ثم مدت يدها بحذر كي تلمس وجهه، ثم فجأة وبدون مقدمات فتح عينيه ثم قال باسمًا:
- أد كده مش قادرة تبعدي عني؟
صرخت بفزع بينما أطلق ضحكة مجلجلة وهو يتسطح على ظهره، ثم نظر إليها وتابع قائلاً:
- ماكنتش أعرف إن شكلي بيبقى حلو أوي كده وأنا نايم.
وثبت قائمة بسرعة ثم سألته متعلثمة:
- انت.. حضرتك صاحي من امتى؟
رمقها بخبث قائلاً:
- من ساعة ما كنتي سرحانة في وشي لدرجة إني لما فتحت عيني ماخدتيش بالك.
ثم انفجر ضاحكًا من جديد، فكادت تموت من شدة خجلها وحاولت أن تجد أي مبرر أو أن تقول شيئًا على الأقل، لكنه سارع إلى القول:
- خلاص يا داليا.. هدي أعصابك.. أنا مابقتش غريب عنك يعني.
ثم ترك الفراش واتجه نحو الخزانة فسألته:
- حضرتك خارج؟
أجابها دون أن يلتفت إليها:
- أيوه حضرتي خارج.
سألته بتردد:
- رايح.. رايح فين؟
- رايح الشركة.
- رايح الشركة!
رددت في دهشة بالغة، فالتفت إليها ثم أجابها:
- آه رايح الشركة.. قعدتي في البيت مش هتأكلنا عيش.. لازم أروح أشوف شغلي.
تمتمت مرتبكة:
- أيوه بس.. بس.. امبارح..
قاطعها بصوته العميق قائلاً:
- كان ممكن أقعد يا داليا لو كنا بدأنا شهر العسل.
ثم هز كتفيه وأضاف:
- بس للأسف لسه ما بدأناش.. وأنا بقول خلي الإجازات للوقت ده أحسن.
أطرقت برأسها وعضت على شفتها بقوة، بينما تنهد بعمق ثم قال:
- النهارده هلبس على ذوقك.. حضريلي هدوم بقى.
ثم ألقى عليها آخر نظرة وتوجه إلى الحمام، فيما ابتسمت بخفة واتجهت صوب الخزانة الكبيرة. راحت تتفقد ملابسه الثمينة غالية الثمن، جميع الملابس فريدة وأيًّا منها سوف يناسبه ولكنها استقرت على بدلة رمادية داكنة تناسب نفسه وتقلبات مزاجه. وعندما سحبت البدلة من موضعها سقطت منها ورقة بيضاء مطوية، انحنت داليا والتقطتها.. لوهلة ترددت وامتنعت بشدة عن التطلع إليها، لكنها لمحت فجأة..
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم غريب
لمحت فجأة اسم الحي الذي كانت تقطن به، فلا شعورياً فتحت الورقة، فإذا بها وثيقة بيع منزلها!
اتسعت عيناها في ذهول بالغ وهي تحدق بالورقة الكامنة بيدها، تداهمت الأفكار بعقلها وأخذت تتساءل: هل فعل ذلك حقاً؟ هل حقاً هو من تسبب بتجريدها من بيتها عنوة؟ هل فعل ذلك كي يجبرها على الزواج منه؟
"لا مستحيل!" قالت لنفسها ثم راحت تحدق بالورقة جيداً، فرأت التاريخ، لقد تم البيع منذ ثلاثة أسابيع، أي حتى من قبل علمها بخبر الإخلاء!
هذا يعني أنه هو.. هو من فعل كل ذلك، كل شيء تم كان بتخطيط مسبق منه.
هزت رأسها بعدم تصديق والوهن يغلي بصدرها، إذ تذكرت كل الإهانات التي تعرضت لها في الأيام السابقة. آخر ما توقعت حدوثه هذا الفعل الذي بدر منه. دمعت عيناها بشدة ولكنها منعت دموعها من الفرار من عينيها، وأقسمت بأغلظ الإيمان بأنه سوف يدفع الثمن، ولكن بالطريقة التي سلكها من أجل حصوله عليها، سوف يدفع الثمن.
أفاقت من نوبة صدمتها سريعاً ثم عادت ترتب له ملابسه، ليخرج هو من الحمام في تلك اللحظة وقد لف منشفة بيضاء عريضة حول خصره. فصوبت نظرها إليه وقد رسمت بسمة ناعمة هادئة على وجهها، فبادلها البسمة ذاتها، ثم أخذ يقترب منها والماء يقطر من شعره الأسود الغزير اللامع على صدره القوي الصلب حتى وقف أمامها.
"لأ ذوقك حلو.. أنا بحب الغوامق بردو."
قال ذلك وهو يتناول البذلة من بين يديها، في حين تعلقت عيناه على تلك الورقة البيضاء التي انكمشت بكف يدها.
لاحظت "داليا" نظراته فرفعت يدها ثم ابتسمت في ارتباك قائلة:
"وأنا باخد البدلة من الدولاب وقعت منها الورقة دي."
ثم تابعت بنظرة ثاقبة وبلهجة هادئة:
"وغصب عني لمحت اسم الشارع اللي فيه بيتي!!"
تجهم وجهه قليلاً ولكن ملامحه ظلت جامدة، فأجابها بصوته العميق:
"أنا مش قلت لك إني هشتري بيتك وهكتبه باسمك؟ اشتريته فعلاً يوم ما كتبنا الكتاب بس لسا ما سجلتوش باسمك."
رمقته بغضب دفين لكذبه، بينما خطف الورقة من يدها وكذلك أخذ البذلة ثم استدار مبتعداً عنها. فتخضبت وجنتاها بحمرة الخجل حين رأته يهم بارتداء ملابسه، فبسرعة أدارت له ظهرها، ثم راحت تذكر نفسها بالقسم الذي قطعته منذ قليل.
ذات ليلة كانت جالسة باسترخاء على تلك الأريكة التي توسطت الغرفة الفسيحة، تطالع كتاباً تاريخياً على الأضواء الخافتة، بينما "عز الدين" مستلقٍ على الفراش وقد بدا واضحاً استغراقه في النوم.
حانت منها نظرة عابرة نحوه، ثم زفرت في ضيق وأخذت تقلب بذهنها الأفكار. فكرت في أن "عز الدين" يشاركها الفراش منذ أسبوع كامل، ولكنه لم يحاول يوماً أن يلمسها. بقدر ما سبب لها هذا من راحة بقدر ما أزعجها أن ينام هو قرير العين بجانبها بينما هي تقضي كل الليل متوترة، متحفزة تصارع وحدها تلك المشاعر المتضاربة داخلها.
انتابها قلق مفاجئ حول انجذابه لها، ثم تذكرت بأنه قد تزوجها لهذا السبب أساساً، تزوجها فقط لأنه يرغبها وليس أكثر. لطالما أراد الحصول عليها منذ وقت طويل، ولكن ما الذي يمنعه؟ ما سبب تأجيل هذا الفعل لكل تلك الأيام؟
رفعت يديها فجأة وصقت بهما أذنيها في محاولة لإسكات صوت عقلها دون فائدة، ثم أدركت بأن النوم هو خير وسيلة للهروب من تلك الأفكار المرهقة، فنهضت وتقدمت صوب الفراش، ولكنها قبل أن تندس بمكانها، وقفت إلى جانبه حيث مدت يدها لتطفئ نور المصباح القائم على الطاولة الصغيرة قربه. إلا أنها ودون أن تدري شعرت بذراعيه تلتف حول خصرها، فصرخت بذعر جراء المفاجأة، فيما سحبها بقوة لتجد نفسها خلال لحظة ممددة على الفراش بمكانه وهو منحني عليها بثقله مكبلاً حركتها.
خفق قلبها بسرعة جنونية وهي ترى عينيه تلمعان كعيني صقر جاثم وهو يحدق فيها بقوة وبجرأة. ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وقبل أن تتمكن من قول أي شيء، أطبق شفتيه على شفتيها بقبلة طويلة متسلطة، متملكة.
ارتعشت كل خلية في جسدها وهي تشعر بملامس شفتيه القاسيتين، وبقبلته تزداد حرارة وتملكا، فلا شعورياً وجدت نفسها هادئة ومستسلمة تماماً، فقد كان يقبلها بطريقة أطاحت بصوابها.
ثم فجأة استجمعت قواها متذكرة أفعاله والقسم الذي قطعته مسبقاً، فوضعت كفيها على صدره ودفعته عنها بعنف جاهدة في التخلص منه. ولوهلة قاوم محاولتها الضعيفة للهرب، ثم أفلتها، فابتعدت عنه مسرعة حيث التصقت بحائط الفراش وهي ترتجف ذعراً وقد تهدجت أنفاسها جراء هجومه غير المتوقع.
بينما اعتدل جالساً ثم حدق فيها بانزعاج قائلاً:
"وبعدين يا داليا؟?"
هتف بخشونة ثم تابع:
"لحد امتى هنفضل كده؟ أنا سبتك لأيام طويلة عشان تقدري تتعودي عليا وعلى وضعك الجديد، بس أنا شايف إنك لسا زي ما انتي وإنك مش عايزة علاقتنا تطور."
شعرت "داليا" بالرعب يملأ أوصالها جراء نظراته الغاضبة، لم تكن قادرة على تحديه في تلك اللحظة، فقد كان صوته مليئاً بالعنف ونفسه مليئة بالإرادة، وبدا وكأنه مشمئز من المماطلة والتسويف اللذين تمارسهما بحقه. فوجدت "داليا" أن أفضل أسلوب للتعامل معه هو اللين والدبلوماسية، فقالت بخفوت مضطرب:
"أنا آسفة يافندم.. بس أنا حاسة إني مش مناسبة ليك.. ومش قادرة.. مش قادرة أديك أي حاجة."
قال بحدة:
"أولاً كلمة يافندم دي مش عايز أسمعها منك تاني أبداً."
ثم تابع بقسوة ساخرة:
"ثانياً المسألة بسيطة جداً.. أي حاجة مش هتقدري تديهالي هاخدها أنا بنفسي."
ثم أمسك بذراعها وجذبها إليه بقوة فقالت بصوت متهدج:
"انت قلت إنك مابتحبش تاخد حاجة بالغصب!!"
"وأظن إني كنت صبور بما فيه الكفاية."
أجاب بجمود ثم أضاف:
"وعلى أي حال إحنا اتنين متجوزين وأنا بطالبك بحقوقي مش أكتر، وما تنسيش إني لبيتلك كل طلباتك واحتياجاتك، فمن واجبك أنتي بقى دلوقتي إنك تلبيلي كل طلباتي واحتياجاتي."
استطاعت أن تنطق بصعوبة من بين مشاعر الخوف التي اجتاحتها بعد أن لاحظت إصراره العنيف:
"طيب.. اديني فرصة تانية.. أنا.. أنا مش جاهزة دلوقتي."
أغمض عينيه في حنق وزفر بتفاد صبر ثم عاد ينظر إليها وقال:
"ماشي يا داليا.. هديكي فرصة تانية.. بس ماتفتكريش إني هاسيبك قد المدة اللي فاتت."
ثم أفلتها بحزم، فتنفست الصعداء وهي تراقبه يعود إلى مكانه كما كان، بينما تمددت في هدوء وحذر. شعرت بالعرق يبلل جسدها ووجهها من فرط التوتر الذي عصف بها، فيما كان الغضب يملأ كيانها.. فها هي ضعيفة مجدداً أمام الرجل الذي يملك كل شيء، وفي الواقع يملكها هي أيضاً. تصورت بأنها قادرة على تلقينه درساً لن ينساه ولكنها كانت مخطئة تماماً.. إذ تلاشت كل تصوراتها بمجرد أن نظر إليها بعينيه الحادتين، وبينما كانت تتخبط في أفكارها غفت مضطربة الأعصاب.
في الصباح التالي، استيقظت "ياسمين" على فراشها العريض المظلل، وبصعوبة استطاعت أن تنزع نفسها من الدفء المغري والارتياح الغامر اللذين شعرت بهما في موضع نومها. ثم نهضت وتوجهت إلى الباب الزجاجي الذي يطل على الشرفة ففتحته وراحت تتأمل بسحر المنظر من أمامها، حيث حديقة القصر الخضراء بأشجارها وأزهارها، وخاصة تلك الأزهار البيضاء التي عبقت المكان بشدة. لم يسبق أن رأت أزهار بهذا الجمال الكامل، ولا أن تنشقت عطراً لذيذاً كهذا، فأغمضت عينيها وتنفست بقوة مرات عديدة لتملأ رئتيها بالنسيم المنعش وبرائحة الزهور الغنية العطرة.
مرت بضع دقائق قبل أن تلاحظ أن رائحة مزعجة اختلطت برائحة الزهور، إنها رائحة تبغ محترق!
نظرت إلى جانبها فرأته يقف بالشرفة المجاورة لشرفتها يدخن إحدى سجائره، وقد لاحظت بأنه كان يراقبها منذ فترة، بينما انفرج ثغره بابتسامة خفيفة وهو يمعن النظر فيها إلى أن حياها قائلاً:
"صباح الخير يا دكتورة.. إيه مافيش مستشفى ولا كلية انهاردة ولا إيه؟"
رمقته بهدوء ساخر ثم قالت:
"صباح الخير يا أستاذ.. وجمعة مباركة، انهاردة إجازة."
ضرب جبينه بباطن كفه قائلاً:
"آه صحيح.. انهاردة الجمعة.. معلش آسف."
وعاد ينظر إليها ثم قال بابتسامة مرحة:
"بقولك إيه يا دكتورة.. إيه رأيك لو نعقد هدنة بينا؟"
رفعت أحد حاجبيها قائلة:
"مش فاهمة.. قصدك إيه؟"
"قصدي خير والله.. بصي أنا عارف إني بني آدم سافل ومش متربي."
"عظيم كويس إنك عارف ده، غير إن الاعتراف بالحق فضيلة."
صر على أسنانه بحدة خفيفة ثم عاد يقول بنبرة هادئة:
"أنا بقول يعني بما إننا بقينا عايشين تحت سقف واحد يبقى لازم نصفي كل الخلافات اللي بينا ونبدأ صفحة جديدة."
قطبت حاجبيها وهي ترمقه بشك، لكنها ابتسمت فجأة ثم قالت ببساطة:
"من قلبي بتمنى فعلاً إننا نبدأ صفحة جديدة.. بس ياريت تفتكر كلامك ده باستمرار وما ترجعش تتصرف بقلة احترام."
ضحك بخفة ثم قال:
"أوعدك إني مش هخيب ظنك يا دكتورة."
بينما جلجلت بداخله تلك الضحكة الخبيثة.
بعد أن أخذت حماماً كاملاً، اتجهت صوب الخزانة الكبيرة، ثم راحت تفكر بما سترتديه. لو لم تكن زوجة "عز الدين نصار" الآن لأرتدت سروالاً وقميصاً عادياً كعادتها، لكن في قصر زوجها العزيز، تبدو هذه الملابس غير لائقة. ولكنها اختارت ذلك الثوب الوردي القصير الذي اشترته منذ عدة أعوام ولم تجربه يوماً. أمسكت به في تردد وفكرت.. هل ترتديه أم لا؟ فهو كان قصيراً بعض الشيء، بحيث يصل إلى ركبتيها على الأقل، غير أنه عاري الكتفين يتمتع بالضيق الشديد أيضاً. ودت لو تعيده إلى مكانه ولكن ما من خيارات أمامها، جميع ملابسها مهترئة لا تناسب مكانة زوجها الحياتية أو الاجتماعية حتى.
ارتدت الثوب القطني الرقيق الذي أظهر نحافة وجمال ساقيها الرشيقتين، وانتعلت صندلاً من الفلين ثم جلست أمام منضدة الزينة تمشط شعرها، فتركته ينسدل بحرية على كتفيها وخلف ظهرها، ثم وضعت في عنقها سلسلة ذهبية كانت لوالدتها وزينت وجهها أيضاً بقليل من مساحيق التجميل البسيطة. وقبل أن تغادر الغرفة ألقت نظرة فاحصة على نفسها في المرآة الكبيرة، إن أرادت هي أن تدفع الثمن كما أقسمت، فعليها بأن تتسلح بأقوى أسلحتها.. جسدها، جسدها هو العامل المؤثر الذي سوف يخضعه ولكن مع قليل من الحذر، فهو حاد الذكاء وليس من السهل إطلاقاً أن يتلاعب به أحدهم!
استدارت أخيراً وخرجت من الغرفة، ثم هبطت إلى الطابق الأرضي سالكة سلالم الرخام مستندة إلى الدرابزين الحديدي المصقول الذي يشكل تحفة فنية صغيرة.
راحت "داليا" تسمع صوت خطواتها على الأدراج وحفيف ثوبها فوق ساقيها الناعمتين، ثم اقتربت ببطء من البهو وهي تعي كل الروائع المحيطة بها. كانت تبحث عنه هنا وهناك في هدوء شديد، فاليوم عطلته وهو على حد علمها يقضي يوم العطلة بالمنزل. وكما توقعت عثرت عليه بحجرة المكتب حيث كان جالساً وراء مكتبه منكباً على بعض الأوراق. فلم يرفع رأسه لتوه، بل مرت لحظة مشحونة بالتوتر قبل أن تتنحنح لتنبهه لوجودها، فرفع رأسه عابساً ورأته ينظر إلى قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين.
"صباح الخير."
هتفت "داليا" بثبات متوتر، بينما اكتفى بهزة من رأسه ثم قال بهدوء آمر:
"تعالي.. تعالي يا داليا."
وقفت لحظة جامدة أمام مصراعي الباب وعيناها تحدقان في النوافذ العالية والأبواب الزجاجية التي تطل على ساحة القصر. جميع المنافذ مقفلة ولا مجال للهرب منه، فيما أطاعته بصمت حيث تقدمت صوبه بآلية.
حجرة المكتب مريحة ومليئة بالكتب المرصوصة على رفوف عريضة وسبق أن زارتها "داليا" مرة في الأيام السابقة. قرب النافذة يقع مكتبه الخشبي الوثير الذي اعتلت بعض المستندات والأوراق المختلفة، كراسي ومقاعد جلدية كملت أثاث الحجرة أيضاً.
"أنا توقعت وجود حضرتك هنا بما إن انهاردة يوم الإجازة."
قالت "داليا" ذلك وهي تجلس في أحد المقاعد الجلدية الواقعة قرب مكتبه، بينما رفع أحد حاجبيه متنهداً ثم قال متجاهلاً تحفظها الرسمي معه:
"حبيت أخلص شوية حاجات مهمة قبل بليل."
ثم صمت قليلاً وأخذ يحدق فيها بهدوء قائلاً:
"انهاردة مش عايزك تسيبي أوضتنا خالص.. ماتخرجيش منها لأي سبب من الأسباب.. فهماني؟"
تطلعت إليه في دهشة عارمة ثم سألته:
"ليه؟ إيه اللي هيحصل انهاردة؟"
"فاكرة مناقصة المراكب اللي دخلنا فيها؟"
أومأت رأسها شاردة وهي تتذكر التفاصيل، ثم عادت تحدق فيه قائلة:
"آه فاكرة."
ثم سألته باسمة:
"إيه.. رسيت علينا؟"
ابتسم بدوره ثم أومأ رأسه قائلاً:
"أيوه.. رسيت علينا."
أطلقت ضحكة قصيرة ثم قالت مبتهجة:
"هايل.. هايل جداً.. حضرتك كنت مستني الخبر ده من فترة.. مبروك."
هز رأسه في هدوء ثم قال:
"عشان كده بقي أنا قلت لازم أحتفل بالمناسبة دي مع العملاء والموظفين يعني الليلة دي في حفلة كبيرة هنا في القصر.. ومش عايزك تظهري نهائي."
أومأت رأسها موافقة، بينما قطع حديثهما مجيء أحد الخدم:
"عز الدين بيه.. مهندس الإضاءة وصل."
نظر "عز الدين" إلى الحارس قائلاً:
"طيب شوفوه يشرب إيه وأنا جاي حالاً."
أطاعه الحارس بتهذيب ثم انسحب فجأة كما أتى خلسة، بينما أغلق "عز الدين" ذلك المستند الذي كان يتصفحه ثم نهض من خلف مكتبه قائلاً:
"زي ما اتفقنا يا داليا.. مش عايزك تخرجي من الأوضة خالص انهاردة."
ثم غادر المكتب مسرعاً، بينما شردت هي وأخذت تحلل كلامه.. لماذا لم يدعوها لحضور الحفلة برفقته؟ أليست زوجته الآن؟ لماذا يريد إخفاءها عن الناس؟
ثم فجأة أطلق هاتفهه الملقى على المكتب نغمة صاخبة قصيرة معلناً عن وصول رسالة جديدة. لوهلة ترددت عن الإقبال على تلك الخطوة ولكنها أجبرت نفسها بدافع الفضول فتناولت الهاتف بسرعة ثم فتحت الرسالة، فإذا هي من "جومانة خطاب"!
قرأت السطور الوجيزة بفتور: "كده بردو يا عز.. نسيتني واتجوزت؟ بس على أي حال انت ليا أنا بردو ماتفتكرش إننا خلصنا لحد كده يا بيبي.. أشوفك انهاردة بقي."
عندما انتهت من قراءة الرسالة، بدت وكأنها تلقت صفعة على وجهها، حيث تلاحقت أنفاسها وتصاعدت الدماء إلى وجهها. ثم أخذت تتساءل.. ألهذا السبب لا يريد إعلان خبر زواجه بها؟ ألهذا السبب رفض إقامة حفل زفاف؟ من أجل عبثه مع النساء! فعل كل ذلك لهذا السبب، ولتكون هي نوع جديد من الألعاب والدمى التي لم يحصل عليها من قبل، ولدي حصوله عليها سيحطمها بين يديه المدمرتين!
صرت على أسنانها بقوة، ولكنها اتخذت قرارها سريعاً، سوف تتجاوزه هذه المرة، سوف تعصي أوامره وليكن ما يكون.
"لأ يا عبير انتي اتجننتي؟ أوعي تعملي كده طبعاً أوعي."
قالت "ريم" ذلك مخاطبة "عبير" عبر الهاتف بينما أجابتها "عبير" باكية:
"مافيش قدامي حل تاني يا ريم."
"عبير!"
هتفت "ريم" بحدة ثم تابعت:
"ماتبقيش مجنونة، كل مشكلة وليها حل، ده غير إن ماينفعش نهائي إننا نصلح غلطة بغلطة أكبر، فاهمة يا عبير؟ عشان خاطري أوعديني إنك مش هتتهوري في تصرفاتك.. أوعديني يا عبير."
ارتفع صوت نشيجها وهي تقول:
"حاضر.. حاضر يا ريم."
ثم فجأة سمعت طرقاً خفيفاً على باب غرفتها، فأغلقت الخط مع صديقتها ثم كفكفت دموعها سريعاً وأذنت بالدخول قائلة:
"ادخل."
دَلفت "داليا" في هدوء وقد علت وجهها ابتسامة لطيفة:
"صباح الخير.. إزيك؟"
حيتها "داليا" بلطف فأبتسمت "عبير" بشحوب قائلة:
"صباح الخير يا داليا.. أنا تمام الحمد لله، تعالي ادخلي."
أغلقت "داليا" الباب من خلفها، ثم تقدمت صوب "عبير" حيث جلست إلى جانبها على الفراش، ثم حدقت بملامحها لبرهة وسألتها:
"عيونك حمرا أوي كده ليه يا حبيبتي؟ انتي كنتي بتعيطي؟"
ارتبكت "عبير" قليلاً ثم أجابت متلعثمة:
"لأ.. لأ أبداً ماكنتش بعيط، أنا بس لسه صاحية من النوم."
أومأت "داليا" رأسها بتفهم، بينما سألتها "عبير" باسمة:
"أول مرة من ساعة ما جيتي تزوريني في أوضتي! يا ترى في سبب؟"
ضحكت "داليا" بخفة ثم قالت:
"بصراحة آه."
"في إيه؟"
سألتها في إصغاء، فأطلعتها "داليا" على تفاصيل الحفلة التي ستقام الليلة بالقصر.
"حفلة!!"
هتفت "عبير" مستغربة ثم أضافت:
"عز الدين بقاله سنين ماعملش حفلة زي دي هنا في البيت."
ثم صمتت قليلاً وقالت:
"المهم يعني فيه مشكلة بالنسبة لك ولا حاجة؟"
تخضبت وجنتا "داليا" وهي تقول:
"أيوه فيه مشكلة صغيرة."
"إيه هي؟"
كم وجدت صعوبة في ذلك ولكنها استطاعت النطق أخيراً فقالت بثبات:
"أنا ماعنديش فستان مناسب لحفلة زي دي.. وفكرت في إنك ممكن تساعديني يعني!"
رحبت "عبير" بحرارة قائلة:
"أكيد طبعاً أساعدك أوي، انتي بتهزري؟ بصي دولابي قدامك أهو اختاري اللي يعجبك."
ابتسمت "داليا" بامتنان وشكرتها ثم نهضت متجهة صوب خزانة "عبير" المكتظة بأثمن الملابس الغالية.
في المساء، وعندما أسدل الليل ستاره على قصر الـ"نصار"..
كانت "داليا" بالغرفة تقف قرب النافذة المطلة على الحديقة، تراقب ما يحدث بعصبية داخلية. كانت الموسيقى الصاخبة هي أول شيء لاحظته، ثم ذلك الجمع الهائل من الناس، بينما أدركت بأن الوقت قد حان لتنفيذ مخطتها، فهي كانت حريصة حيث انتظرت خروجه من الغرفة أولاً بعد انتهائه من تجهيز نفسه لكي تبدأ هي بتجهيز نفسها.
تركت موضعها مسرعة ثم تقدمت صوب الخزانة الكبيرة وأخرجت منها الثوب الذي أعارتها إياه "عبير". كان فستاناً أسود قصيراً جداً وقد تعمدت "داليا" اختياره كنوع من أنواع العناد الذي لابد وأن يثير غضب "عز الدين"، بل أنه سيتحول إلى وحش كاسر لدى رؤيته إياها على تلك الشاكلة. نظرت إلى المرآة لترى النتيجة النهائية، وبالكاد تعرفت على نفسها، فقد مشطت شعرها بطريقة غجرية حيث جعلته متموجاً في خصل حريرية، ووضعت مكياجاً جريئاً وطلت شفتاها بلون أحمر داكن كلون الدماء. كانت تبدو أكثر إغراءً من أي وقت مضى بحياتها.
وأخيراً نزلت إلى الحديقة وهي تتمايل بخطى رشيقة، وكم ذهلت من نفسها وتساءلت.. من أين أتت بتلك القوة المدمرة؟ ماذا سيفعل بها الليلة يا ترى؟
ارتعش بدنها وهي تفكر في النتائج ولكنها انتفضت بلا اكتراث، ثم ابتسمت بثقة وتابعت سيرها وسط الجموع الغفيرة.
أخذت تتجول ببصرها هنا وهناك، بينما ازدادت قاعة الرقص بأفخر الزينات من أجل استقبال المدعوين الكثر، ذوات الطراز الذي يرتاح إليه سيد المنزل، فهم من علية القوم والعوائل العريقة باستثناء الموظفين الذين اتخذوا جانب فاصل عن الضيوف الأساسيين للحفلة.
كانت الموسيقى الكلاسيكية تصدح وكان المدعوون منتشرين على طول الحديقة، يتحدثون، ويضحكون، ويشربون مما أضفى على المكان جواً من المرح، بينما حاولت "داليا" إيجاد "عز الدين" بين هذا السيل البشري، فبقيت تمرر عينيها حتى رأته، رأته في وضع مخزٍ جرح قلبها وجمد الدماء بعروقها، فقد كانت المفاجأة الكبرى والمذهلة أنه كان يرقص مع "جومانة خطاب" على نغمات موسيقية هادئة، كانا يرقصان بحميمية شديدة، حيث كانا يحتضنان بعضهما البعض بقوة وكأنهما لا يشعران بوجود أحد!
كادت "داليا" تقرص جلدها كي تتأكد بأن هذا حلم أو كابوس مزعج، ولكن لا.. كل شيء حولها أكد لها أنها الحقيقة. بقيت واقفة بمكانها حتى انتهت الرقصة، بينما كان يضحك بوقار كعادته حين استدار ورآها أمامه، تجهم وجهه واتسعت عيناه لدى رؤيته إياها. ترك ضيوفه فجأة وسار نحوها بخطى واسعة، غاضبة حتى اقترب منها ووقف أمامها وجهاً لوجه:
"إيه اللي انتي عملاه في نفسك ده؟"
قال بغضب جامح ثم تابع بحدة:
"أنا مش قلتلك تترزعي في الأوضة وما تسيبيهاش خالص؟ بتكسري كلامي؟"
رمقته بمرارة شديدة بينما أضاف بعنف ليزيد من خوفها المعدوم أساساً:
"أوعدك بعد الحفلة ولما أفضالك.. حسابك معايا هيكون عسير.. الحركة دي مش هتعدي على خير أبداً يا داليا."
ثم أمرها بحدة:
"ارجعي البيت فوراً.. حسابنا بعدين زي ما قلتلك."
عند ذلك ضحكت "داليا" بقوة ثم قالت:
"أنا نزلت بس عشان أتأكد من حاجة صغيرة يافندم.. وخلاص اتأكدت."
قطب حاجبيه مستغرباً، بينما اقترب منها نادل فابتسمت لأنها وجدت الفرصة المناسبة للانتقام منه، فأخذت من الطبق الذي يحمله كأساً معبأ بالشراب، ثم اقتربت من "عز الدين" بخطوات ثابتة، وفجأة رمت محتوي الكأس بوجهه.
تجمد بمكانه من الصدمة فاستغلت هي الفرصة وصرخت به باكية:
"آه يا ظالم يا مفتري.. إزاي تعمل فيا وفي بنات الناس كده؟"
توقفت الموسيقى فجأة وساد الصمت المطلق، ثم أخذ الجميع ينقل نظراته بينهما فرفعت نحيبها قائلة:
"بعد ما صدقتك وقبلت إني أتزوجك اكتشف إنك خاين وبتعرف عليا ستات وبنات كتير!!"
سمعت همهمات المدعوين تتعالى من كل اتجاه، فاختلست النظر إليه، لتجد وجهه متجمداً من الغضب. هذه علامة سيئة ولكنها لا تأبه فقد نال ما يستحقه!
بينما اقترب منها بخطوة واحدة وأمسك بذراعها وهو يقول للحضور:
"آسف.. راجع حالاً."
ثم جذبها بعنف حتى وصل إلى داخل المنزل، فحملها على كتفه حيث كانت رأسها خلف ظهره وقدمها أمام صدره بينما أخذت تصرخ بقوة:
"نزلني.. نزلني يافندم.. نزلني."
ولكنه ظل صامتاً حتى وصل بها إلى الغرفة، فأغلق الباب بقدمه ثم توجه بها نحو الفراش وألقاها بعنف قائلاً بهدوء مرعب:
"من الواضح يا حبيبتي إنك محتاجة لجلسة تأديب وهكون سعيد جداً وأنا بقوم بيها."
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم غريب
نبرته الهادئة و المهددة في آن معا ملأت قلبها رعبا.
إنحنى علي الفراش و قبض علي يدها بأصابعه الفولاذية ثم أشعل صوته بفضب حارق و تابع قائلا:
- اتجرأتي عليا اوي يا داليا بس و ديني الحركة دي مش هتعدي بالساهل و لا ليلتك هتعدي علي خير.
حدقت فيه بثبات مرعب ثم نطقت أخيرا فقالت محتدة:
- علي فكرة حضرتك .. انا مش ندمانة نهائي علي اي حاجة عملتها. اي واحدة مكاني لو كانت شافت جوزها في الوضع اللي كنت فيه كانت هتعمل اكتر من كده.
أطبق يديه علي كتفيها العاريتين و راح يهزها بلا رحمة و هو يزأر من بين أسنانه:
- بتهزأيني قدام ضيوفي و الموظفين بتوعي و كمان بتقولي مش ندمانة ! لأ و لحظة قولتي ايه ؟ جوزك ! ده بأمارة ايه ؟؟
شعرت بقلبها يكاد ينخلع من صدرها ، و جاهدت بقوة حتي لا تفر دمعة خوف من عينها ثم قالت بأنفاس متقطعة:
- بأمارة اننا متجوزين طبعا .. ماعتقدش حضرتك نسيت يعني.
إشتعلت عيناه كالنار و هو يحدجها بغضب عارم ، ثم أنزل يديه و قبض علي معصمها بقوة قائلا بنبرة زادتها رعبا:
- طيب .. استعدي بقي يا داليا .. انا نازل اكمل الحفلة مع الناس اللي تحت. قدامك شوية وقت .. حاولي تستفيدي من وقتك ده لاني لو رجعت و قابلتيني بالرفض .. هتجبريني ساعتها اني اتعامل معاكي بطريقة مؤلمة مش هتتحمليها.
لم ينتظر ردها ، بل هب واقفا ثم غادر الغرفة تتآكله عصبيته ، بينما ظلت لفترة طويلة بعد ذهابه تحدق في أثار قبضته الحمراء حول رسغها و كأنها سوار عبودية طبعته علي لحمها أصابع سيد جبار !
الليلة سوف يطالبها بأن تلعب دور الزوجة المطيعة و الخالية من الروح ، لا مهرب لها من عقابه المحتوم ، يبدو أنها لا تستطيع إحتمال عذاب أكبر ، فحبها له هو العذاب الأليم بحد ذاته !
أخذت تفكر به مليا .. قاسٍ هو إلي أبعد الحدود ، و ربما غير آبه لأي شخص أو لأي شيء ، و لكن الأمر الأكيد ، أنه في غضبه يبدو أكثر جاذبية !
تلك الأفكار المجنونة أذهلتها ، فكيف تجده جذابا في لحظات كهذه ؟ كيف تحبه إلي هذه الدرجة و هو السبب بكل آلامها ؟ و كيف لا تحبه أيضا و هو أكبر لغز بالكون ؟
هو السيء العنيف القاس ، و لكنه الأفضل علي الإطلاق ، يملك جاذبية صارخة ، منذ قليل لم يكن وسيم الطلعة كعادته فملامحه كانت صلبة و قاسية إلي درجة أن وصفه بالرجل الوسيم فقط كان نعتا لا يفي بالمطلوب ، إذ أنه دائما سواء في هدوءه أو ثورته يمتلك نوعا من العنف الرقيق ، أكد لها أن حياته لم تكن حياة إنسان لاه مسترخٍ ، كان معتادا علي الرفاهية فعلا ، لكن الشخصية التي بانت من خلال ملامحه لم تخلق من مثل نمط الحياة هذه ..
كان قاسيا في مشاعره و سلوكه ، و لكنها وقعت بحبه سهوا ، أغرمت به إلي أقصي حد ، فهو من حرك مشاعرها لأول مرة ، هو من أوقظ تلك الأنثي بداخلها ، هو من أوقد تلك الشعلة الملتهبة بداخلها التي بثت لهيب حبه بكيانها و التي لن تنطفئ حتي يتوقف قلبها عن الخفقان ..
لم تعلم كم مر عليها من الوقت و هي جالسة تخوض صراع قوي بين عاطفتها و عقليتها ، لم تنتبه إلا عندما إنفتح باب الغرفة و دلف "عز الدين" بمنتهي الهدوء بعد أن أغلق الباب من خلفه ، بينما هبت من الفراش مذعورة حين رأته يتقدم صوبها ببطء و كأنه أسد متربص جاهز للإنقضاض علي فريسته ، فرت من أمامه راكضة حيث إلتصقت بالجدار في أخر الغرفة ، فيما ألقي بثقله علي الفراش متهالكا مما أدهشها و أثار حيرتها !
بينما تنهد بعمق مسندا رأسه إلي حائط الفراش ، و تمعن فيها بكسل متأملا خوفها الظاهر بوضوح في دموع عينيها و رعشات جسدها ، ثم همس بلهجة صارمة:
- تعالي هنا.
تجمدت "داليا" بمكانها ثم هزت رأسها بخوف قائلة:
- لأ .. ارجوك .. قول اللي انت عايزه انا سمعاك من هنا.
أعاد عبارته بلهجة حادة مرتفعة:
- تعالي هنا.
إنتفضت "داليا" و دمعت عيناها ، ثم هزت رأسها ببطء رافضة ، أمهلها عشر ثوان للعدول عن رأيها ثم فقد صبره ، فقفز واقفا علي قدميه بعنف شديد و تقدم صوبها بخطوات غاضبة حتي وصل إليها ، فطرح يديه علي كتفيها ثم شدد قبضته عليها قائلا بنعومة شرسة:
- انتي بتزودي عصبيتي يا داليا .. اسمعي الكلام احسنلك.
ثم غرز أصابعه في كتفيها غير آبه بمقاومتها الركيكة ، فهتفت تقول بإرتباك مجنون:
- انا عارفة اني غلطت .. بس بس ..
- غلطتي !!
قاطعها بقوة ، ثم تابع بصوت قاس ٍ و كأن الغضب يسحق الكلمات بين أسنانه:
- انا متاكد انك ماكنتيش في وعيك اساسا لما اتصرفتي معايا انا كده و قدام الناس كمان .. بس احب اقولك ان اللي عملتيه ده اتنسي خلاص و محدش هيجرؤ يفتكر اللي حصل اساسا .. عارفة ليه ؟ لان كل الناس اللي شوفتيهم دول بيخافوا مني و اكبرهم قبل اصغرهم بيعملي حساب الا انتي.
إبتلعت ريقها بصعوبة و كادت تتكلم فسارع إلي القول بحدة:
- هو الموقف ده فعلا اتنسي بالنسبة للناس .. لكن بالنسبة لي انا لسا ماتنساش و مش هيتنسي قبل ما ادفعك التمن يا داليا .. واضح اني كنت لطيف معاكي لدرجة صورتلك اني ضعيف لكن لأ يا داليا مش انا .. مش عز الدين نصار اللي تعمل فيه كده واحدة زيك .. انا شكلي فغلا كنت غلطان لكن خلاص مش هتمادي تاني في الغلط ،، بس الاول لازم اصلح غلطتي.
تسمر بصرها في عينيه المشتعلتين وسط وجهه الغاضب المخيف ثم قالت بصوت مبحوح:
- ابعد عني .. لو سمحت.
برقت عيناها بدموع الخوف و هي تتوسل إليه ثم تابعت:
- انا بعتذرلك .. انا اسفة .. سيبني بقي.
إبتسم بتهكم قائلا:
- اعتذارك مقبول يا داليا .. بس ده مش هيمنعني عن اللي في دماغي بردو.
ثم قربها إليه حتي ألصقها به فشعرت بصلابة جسده ، بينما وضع قبلة عميقة علي وجنتها فإرتعت علي أثرها ، ثم نزل بقبلاته التي إزدادت حرارة و قسوة إلي عنقها ، فيما يداه تتلمس بقوة و بطء كافة أجزاء جسدها في إكتشاف مثير لمعالمه الأنثوية ..
- بس .. ارجوك .. كفاية ماتعملش فيا كده.
رجته بضعف ، بينما عاد ينظر إليها و قد سيطر علي أنفاسه اللاهثة ثم رفع حاجبيه بإندهاش مصطنع و قال:
- و انا بعمل فيكي ايه بس يا داليا ؟ انتي مراتي و بطالب بيكي .. ده حقي.
رمقها بحدة ، فإنهارت قواها تماما تحت إصراره العنيف فراحت تبكي بهوان قائلة:
- ارجوك .. بلاش دلوقتي.
كانت تعلم بأن كل توسلاتها لن تؤثر فيه مثقال ذرة إذ أدركت أنها أبعدته عنها ما فيه الكفاية ، و أنه قد وصل إلي نقطة اللاعودة في نفاذ صبره و غضبه ، بينما عيناه الجائعتان مشطتا جسدها الملتف بالثوب الأسود المثير الذي كشف عن معظم جسدها و أبرز منحنياتها و مرتفاعتها .. ثم فجأة تذكر أنها ظهرت أمام ضيوفه بهذا الشكل مما أوقد نيران الغضب بكيانه مرة أخري ، فحدق فيها بقسوة ثم إنحني برأسه و إلتهم شفتيها بعنف ، قبلها بوحشية فأحست و كأنه يمتص الحياة من بين شفتيها ، حاولت جاهدة أن تقاوم ، أن تهرب ، لكنه أخمد محاولاتها بعنف و إصرار بالغين ، حتي خارت قواها و إستسلمت لدفء جسده الغامر ..
و لكن فجأة قفزت برأسها صورته مع جومانة في مشهد الرقصة الحميمية ، فعادت إلي صوابها و أبعدت وجهها عنه بقوة صارخة:
- لأ .. لأ مافيش اي حاجة هتتم بإرادتي.
رمقها بغضب ثم رفعها بين ذراعيه مزمجرا:
- يبقي غصب عنك بقي.
و توجه بها نحو الفراش ثم ألقاها بعنف ، و قبل أن تفيق من صدمتها كان قد كبل حركتها بجسده الضخم حيث قتل لها كل أمل بالفرار منه ، ثم أطبق شفتيه علي شفتيها مسكتا صراخها بقبلة وحشية ، فأيقنت بمرارة أن أي مقاومة لن تأت بنتيجة ، و أنها لن تنسي أبدا هذه الليلة طوال حياتها ... !
في الصباح التالي ، إرتدت "ياسمين" ملابسها و جمعت أدواتها و أشيائها المهمة إستعدادا للذهاب إلي الجامعة ، و بينما كانت تهم علي مغادرة غرفتها سمعت صوت إرتطام الحصي بزجاج شرفتها ..
قطبت حاجبيها مستغربة ثم إتجهت نحو الشرفة و فتحتها ، لتكتشف أن الفاعل هو "عمر" .. إبتسمت بخفة و هي تطل من الشرفة و كأنها جوليت تستقبل روميو:
- صباح الخير يا دكتورة.
حياها "عمر" بإبتسامة مرحة ، و قد وقف تحت الشرفة بملابسه التي لم تخل من الأناقة ، بينما حيته "ياسمين" بدورها:
- يا استاذ.
ثم تابعت متسائلة:
- يا تري اقدر اعرف ايه الحكاية ؟ و كنت بترمي ايه في البلكونة ؟؟
ضحك بخفة ثم أجابها متجاهلا جزء من سؤالها:
- بصراحة انا رايح الجامعة عشان اجيب جدول الامتحانات لعبير فقلت الحقك يعني.
رمقته بحيرة قائلة:
- تلحقني يعني ايه ؟!
- اقصد اوصلك في سكتي يعني ما انا بقولك رايح الجامعة.
قالت بشك:
- بس اللي اعرفه انك دلوقتي مرفود من الجامعة بسبب خناقتتا المشهورة .. هتدخل عادي كده ؟؟
إمتعض وجهه بإنزعاج مصطنع فقال:
- طيب بتفكريني ليه دلوقتي ؟ انتي شكلك مش عايزاني اوصلك صح ؟؟
نظرت إليه صامتة ، فأومأ رأسه قائلا:
- عموما انا حبيت اعرض عليكي مساعدتي بما اننا بدأنا صفحة جديدة زي ما انا فاكر يعني .. بس واضح ان الكلام ماكنش طالع من قلبك.
قهقهت "ياسمين" بقوة ثم عادت تنظر إليه قائلة:
- تعرف ان الطريقة دي من اقدم الطرق للإستدراج ! بس انا موافقة انك توصلني بمزاجي فاهم ؟ بمزاجي.
عض علي شفته بغيظ خالطه إعجاب دفين ، ثم تطلع إليها باسما و قال:
- ماشي يا دكتورة .. و انا مستنيكي.
و أختفت "ياسمين" من أمامه إلي الداخل ، ثم إلتقطت أشيائها قبل أن تلبي دعوة "عمر" بكل مرح ..
علي الطرف الأخر كان "عمر" ينتظر نزولها ، و عندما ظهرت أمامه أخذ يتأمل جمالها الشبيه بجمال الأزهار ، ثم إقتطف لها زهرة صفراء ذهبية تقبلتها بإبتسامة خجلة ، ثم إستقلا السيارة معا و إنطلقا خارج أسوار القصر بينما كان موكب الشمس يتهادي في الأفق ، و نسيم الصباح يهب بلسعة باردة منعشة ..
إستغرقا في الطريق نصف ساعة تقريبا حتي وصلا إلي الجامعة ..
- طيب يا استاذ عمر .. علي التوصيلة.
شكرته "ياسمين" باسعة ، فإحتج ضاحكا:
- طيب ايه لزمتها يا استاذ عمر دي .. ناديني باسمي عادي انا مش لابس طربوش يعني.
ضحكت لتعبيره قائلة:
- ماشي يا عمر .. تاتي و سلام بقي.
و كادت تدفع باب السيارة لتخرج إلا أن صوته المتردد إستوقفها:
- تحبي ارجع اخدك بعد ما تخلصي محاضراتك ؟؟
إلتفتت إليه مجددا ثم قطبت حاجبيها قائلة:
- مش عايزة اتعبك انا عارفة السكة كويس.
- مافيش تعب يا ستي و الله صدقيني انا فاضي مابعملش حاجة.
إبتسمت بخفة ثم قالت:
- ماشي .. و طالما انت مُصر كده يبقي انا اللي هاجيب جدول امتحانات عبير و خليك انت ماتدخلش منعا للمشاكل.
أومأ رأسه باسما ثم سألها:
- طيب هتخلصي الساعة كام ؟؟
نظرت في ساعة يدها ثم أجابته:
- هخلص علي الساعة 1 و نص.
- تمام هجيلك من 1.
منحته بسمة جامدة مراوغه ، ثم ترجلت من سيارته ...!
إستيقظت "داليا" متأخرة نحو منتصف النهار ، فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها وحيدة بالفراش بل بالغرفة بأكملها .. دمعت عيناها و هي تتحسس الوسادة و الغطاء حيث كان يرقد "عز الدين" قبل قليل ، ثم إستوت جالسة علي الفراش الذي شه نهاية عذريتها ...
هزت رأسها بقوة و هي تبتسم بمرارة سرعان ما تحولت إلي بكاء مرير ، دفنت وجهها بالوسادة التي مازالت تعبق برائحته و أخذت تنشج بقوة متذكرة تفاصيل الليلة الماضية ، بقدر ما تاقت إلي تلك اللحظة بقدر ما كرهتها عندما وقعت ، فهو إستخدمها كوسيلة لإشباع رغباته و حاجاته فقط ، و كان غير آبه إلا بنفسه مما أشعرها بالذل و الهوان ، ربما لو كان لطيفا معها لكانت تغاضت عن أشياء كثيرة و بادلته بمشاعرها الحأشة ..
لأول مرة تعرف "داليا" الشعور بالقهر و الإذلال .. في النهاية و عندما بدأت تشعر بنفسها علي وشك الإنهيار التام ، سحبت نفسها من الفراش و دلفت إلي الحمام ، بعد أن أخذت حماما كاملا ، لفت جسدها بروب الإستحمام ثم خرجت إلي الغرفة ، توجهت صوب المرآة ، وقفت تتأمل نفسها لطالما دل مظهرها علي الضعف ، لطالما كانت نفسها هشة قابلة للكسر ، و لكنها تحملت الشقاق طوال عمرها ليأتي حبيب قلبها و بضربة واحدة يحولها فتاتا ..
ثم فجأة عادت إليها كل الأفكار و المشاعر التي ملأت نفسها و قلبها بعد رؤية "عز الدين" مع "جومانة" و تصورت أن ملابس تلك المرأة منثورة في كل مكان بهذه الغرفة مما جعلها تنفجر باكية ، فهي تحبه كثيرا .. تحبه و تريده لها هي فقط ليس لـ "جومانة" و لا لأي إمرأة ممن يحومن حوله كالنحل حول وعاء عسل !
يجب أن تفعل شيء .. و لكن ماذا عساها أن تفعل ؟؟
وصل إلي شركته باكرا ، إذ شعر بضيق رهيب يحتل نفسه ..
كان جالسا خلف مكتبه شارد الذهن ، مشوش الأفكار حين دلف "خالد" فجأة صائحا:
- و ربنا انت ناوي علي خراب بيتنا .. بقي انا بقالي يومين غايب عن شغلي و بيتي عشان اشوف مصالحنا و اجي انهاردة الاقي شيكات البنك لسا ماتمضتش ؟!
و لكنه لم يحرك ساكنا ، فقطب "خالد" حاجبيه ثم هتف بإسمه:
- عز الدين .. عز .. عز الديييين !!
إنتفض منتبها ثم حول نظره إلي "خالد" قائلا:
- ايه يا خالد في ايه ؟؟
- في ايه !!
ردد متهكما ثم تابع:
- انت اللي في ايه ؟ مالك ؟؟
هز رأسه عابسا ثم أجابه:
- مافيش حاجة.
- مافيش حاجة ازاي ! انت مابتسرحش كده الا لو كان عقلك مشغول بحاجة و حاجة كبيرة كمان .. قولي يا عز في ايه ؟؟
تأفف قائلا:
- قلتلك مافيش حاجة يا خالد.
ثم سأله:
- قولي انت كنت عايز ايه ؟؟
تنهد "خالد" و هو يرمقه بشك ، ثم جلس قبالته و قال:
- اولا في شيكات مهمة عايزة تتمضي.
- و ثانيا ؟؟
- ثانيا بقي عايزك في موضوع.
- خير موضوع ايه ؟؟
- عبير يا عز.
قطب حاجبيه متسائلا:
- مالها عبير ؟؟
- امتحاناتها الاسبوع الجاي.
هز كتفيه في هدوء قائلا:
- طيب !!
- طيب ايه بس انت مش قولتلي قرب امتحاناتها هتقولها علي ميعاد الفرح ؟؟
- انا قلتلك قرب ما تخلص امتحاناتها يا خالد.
قال "عز الدين" بصرامة ، فتأفف "خالد" قائلا:
- مش هتفرق يا عز.
- انت مالك مستعجل كده ليه ؟ ما هي موجودة هتروح فين يعني ؟؟
- يا اخي بحبها ده غير اني خللت خلاص بقالي سنين مستنيها و انت اللي كنت دايما بتأجل بحجة دراستها اديها هتخلص اهو جوزهالي بقي.
رمقه بضجر ثم قال:
- خلاص بقي يا خالد انت صدعتني بالموضوع ده.
- صدعتك ! بقي كده ؟؟
زفر "عز الدين" بقوة ثم قال:
- اسمع يا خالد .. انا اكتر واحد مستعجل علي جوازكوا بس كل حاجة لازم تكون في وقتها .. صحيح انا عايز ارتاح من مسؤلية عبير و اطمن عليها لكن كمان هي اختي الوحيدة و ابويا وصاني عليها اكتر من عمر .. عشان كده عاملتها بمنتهي اللطف من و هي طفلة لحد دلوقتي راعيتها اوي.
- يعني انا اللي هعذبها يا عز ؟ بقولك بحبها .. بحبها.
- خلاص يا سيدي عرفت انك بتحبها.
ثم تنهد بثقل و قال:
- هبقي أفاتحها في الموضوع لما اروح و انت ابدأ في التجهيزات.
هب "خالد" واقفا و قد إنفرجت أساريره ثم قال:
- انت بتتكلم جد ؟؟
- ايوه يا سيدي.
قال "عز الدين" في ضيق ، فتعالت ضحكات "خالد" ثم تركه مهرولا إلي الخارج بينما ذهل "عز الدين" قائلا:
- لا حول و لا قوة إلا بالله !!
كلما عزمت علي القيام بالأمر يصيبها الجُبن .. فتتساءل .. أين كان الجُبن و الخوف عندما وقعت في المحظور ؟ أين ؟
و لكن عليها بفعل ذلك ، فليس أمامها خيار أخر ، إما أن تنتهي دون مشاكل ، إما أن تبقي في مواجهة مصيرها البائس المجهول .. هكذا صور لها شيطان نفسها حياتها البائسة ، حتي إنسجمت في تخيلاتها و كادت تمزق شرايينها بتلك الآلة الحادة ، لولا دخول الخادمة في الوقت المناسب:
- ست عبير.
هتفت "فاطمة" بخفوت ، بينما إنتفضت "عبير" مذعورة ثم خبئت السلاح الحاد تحت وسادتها قائلة بغضب:
- مش تخبطي قبل ما تدخلي ؟ ازاي تدخلي عليا منغير اذن ؟؟
توترت "فاطمة" ثم أجابتها متلعثمة:
- انا اسفة يا ست عبير ماكنش قصدي.
زفرت "عبير" بحنق ثم سألتها بنبرة أقل حدة:
- عايزة ايه ؟؟
- عز الدين بيه عايزك.
- عز الدين !!
رددت مستغربة ثم سألتها:
- هو فين ؟؟
- مستنيكي تحت في الهول الكبير.
أومأت رأسها قائلة:
- طيب انا نازلة روحي انتي بقي.
أطاعتها "فاطمة" حيث إنسخبت في هدوء ، بينما تحاملت "عبير" علي نفسها و تهضت ، ثم إتجهت صوب خزانتها و أخرجت رداء أبيض رقيق لتلف به جسدها ، و لتدارِ أيضا موضع سكون طفلها الذي بدا عليه النمو ، ثم غادرت غرفتها متهالكة حتي وصلت إلي حيث ينتظرها أخيها ..
كان يجلس بهيبة و عنفوان كعادته علي أحد المقاعد الوثيرة ، و ما أن رأها حتي إبتسم بخفة ثم دعاها للجلوس قائلا:
- تعالي يا عبير .. تعالي اقعدي.
إبتسمت بشحوب ناظرة إليه بأعين ذابلة ظللها السواد ، فيما إسترعي ذلك إنتباهه فسألها:
- مالك يا عبير ؟ انتي تعبتي تاني و لا ايه ؟؟
- لأ يا حبيبي مش تعبانة انا بس لسا صاحية من النوم.
همهم قائلا:
- مش عارفة انا ايه حكايتك ؟ بقالك فترة مش مظبوطة !!
توترت أعصابها فسألته بإرتباك:
- مش مظبوطة ازاي يعني يا عز ؟؟
هز كتفيه قائلا:
- مش عارف ! حاسك مكتئبة كده بقيتي بتقعدي في البيت كتير و مابتخرجيش مع صحابك زي عادتك بطلتي تطلبي مني فلوس زي الاول بردو حتي طريقة لبسك اتغيرت.
لم تجد كلاما مناسبا للرد علي ملاحظاته الثاقبة فإعتصمت بالصمت فيما هز رأسه قائلا:
- خلينا في المهم دلوقتي .. انتي اكيد عايزة تعرفي انا عايز اكلمك في ايه ؟؟
أومأت رأسها دون كلام ، فقال بتمهل و هو يناولها مجلد أسود أنيق
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم غريب
ظهر "عمر" في تلك اللحظة، فأقبل بتوجس على شقيقه والطبيب، بينما احتلت الصدمة أركان وجه "عز الدين" حيث اتسعت عيناه بشدة وتصلب فمه باضطراب غير مصدق.
"في إيه يا عز؟ إيه اللي بيحصل هنا؟" قال "عمر" ذلك موجهاً حديثه إلى أخيه، بينما تجاهله "عز الدين" وعاد يسأل الطبيب مرة أخرى وأخيرة:
"إنت.. متأكد.. متأكد يا دكتور إنها حامل؟"
أومأ الطبيب رأسه قائلاً:
"طبعاً متأكد يا عز الدين بيه، دي دخلت في الشهر الرابع، الأعراض واضحة جداً، وأنا بصراحة مندهش إنكم ما عندكوش علم بالخبر!"
وكأن هذا الكلام هو ما كان يحتاجه "عز الدين" تماماً كي يصدق ويتدارك الأمر، بينما أعاد "عمر" سؤاله مجدداً:
"عز الدين! في إيه؟"
التفت "عز الدين" إلى أخيه فحدجه بصرامة قائلاً:
"وصل الدكتور."
ثم استدار واتجه إلى غرفته سريعاً. دلف بعصبية وأخرج هاتفه وبحث في قائمة الاتصالات عن اسمه حتى وجده، فأجرى الاتصال به. ليأتي صوته الهادئ بعد لحظات:
"أيوه يا عز!"
"تعالالي حالا." قال بلهجة هادئة مرعبة، بينما على الطرف الآخر سأله بقلق:
"في حاجة ولا إيه؟"
"لما تيجي هتعرف." أجابه بصوت صارم أجش، فصمت قليلاً ثم قال:
"طيب أنا جاي، إنت في البيت يعني؟"
"أيوه."
"ماشي، أنا عموماً قريب من البيت."
"متتأخرش." نبهه "عز الدين" بجمود ثم أغلق الخط ونيران الغضب تتأجج بداخله، فيما دلف "عمر" فجأة صائحاً:
"عز الدين.. الكلام ده حقيقي؟ الكلام اللي سمعته من الدكتور ده صحيح؟ عبير حامل؟"
حول "عز الدين" نظره الغاضب إلى أخيه قائلاً:
"اخرس.. اخرس إنت دلوقتي."
"يعني إيه اخرس إنت دي؟ هو أنا مش أخوها برضه ولا إيه؟" هتف "عمر" بعصبية بالغة، فصاح به "عز الدين" بغضب جامح:
"أخوها! لو كنت أخوها زي ما بتقول كنت فتحت عينك عليها، كنت خدت بالك منها، كنت عملت حساب إني شايل على كتافي مسؤولية حملها لي أبويا وهي إني أحافظ على الشغل وعلى الثروة والجاه اللي عملوه عشانكوا. لو كنت أخوها كنت اتصرفت زي الرجالة."
صمت "عمر" مصدوماً أمام اتهامات شقيقه، فرمقه "عز الدين" بحقد سافر قائلاً:
"اديني سبب واحد يخليني ما أقطعكش حتت."
أطرق "عمر" رأسه بإنكسار، بينما دلفت الخادمة في هدوء حذر قائلة:
"عز الدين بيه! خالد بيه وصل تحت."
ما أن سمع "عز الدين" ذلك حتى هرول راكضاً إلى الأسفل يتبعه "عمر".
وأخيراً وصلا إلى "خالد" الذي بدا مندهشاً من الشكل الذي بدا عليه الشقيقان، بينما اقترب منه "عز الدين" ثم جذبه ثيابه صارخاً:
"إنت عملت إيه في عبير؟"
"عملت إيه في عبير؟" ردد "خالد" باضطراب ذاهل ثم تابع:
"ما عملتش حاجة.. ليه مالها عبير؟"
صاح "عز الدين" بقوة:
"إنت هتستعبط عليا يا خالد!"
أنزل "خالد" يدي "عز الدين" عنه بعنف ثم صاح بحدة:
"كلمني عدل يا عز الدين، أنا مش فاهم حاجة.. قولي إيه الحكاية عشان أعرف أرد عليك؟"
"حقيقي مش عارف في إيه؟" هتف "عمر" بحنق وهو يرمقه شزراً ثم تابع:
"مش عارف إنك استغفلتنا وغلطت مع عبير! إيه، كنت فاكر إن الموضوع هيفضل سر وإنا مش هنعرف؟"
"إيه الكلام الفارغ ده؟" هتف "خالد" بصدمة مقطباً حاجبيه في غضب ثم تابع:
"ما فيش أي حاجة من دي حصلت.. مين اللي قال كده؟"
"إنت لسه هتكدب بعد ما عرفنا إنها حامل؟"
تضاعفت صدمة "خالد" بقوة عارمة، فاتسعت عيناه وكاد لا يصدق ما سمعه فقال:
"هي مين دي اللي حامل؟ عبير! عبير حامل؟ إزاي؟"
في تلك اللحظة كانت النظرات مشدودة إلى "عز الدين" الذي بدا وكأنه سينفجر في أي لحظة تحت تأثير غضبه، إذ أنه لم يخدع أحد بسكوته فقد كان ثائراً كالبركان بداخله، بينما أمسك "خالد" بذراعه وألح قائلاً:
"قولي يا عز.. قولي الكلام ده مش صح، عبير مش حامل، إنتوا بتهزروا مش كده؟"
كاد "عز الدين" يشك بانفعال "خالد" لولا أنه لمح عينيه تبرقان بوميض دامع، فقطب حاجبيه قائلاً بحدة:
"إنت قصدك تقول إيه؟ يعني هي مش حامل مـ..."
"مش مني." هتف بصوت حاد كالسكين ثم تابع بمرارة:
"إنت متأكد يا عز الدين؟ مين اللي قالك كده؟"
كان كلام "خالد" ونظراته المقهورة كفيلة لتفجير بركان الغضب بنفس "عز الدين".
"عبييييير." علا صوته وكأنه سوط لاهب، ثم أسرع راكضاً إلى غرفة شقيقته يتبعه "خالد" و"عمر".
دفع باب الغرفة بعنف، ارتعدت "داليا" بقوة على أثره حيث كانت تجلس على الفراش إلى جانب "عبير" التي بدا عليها السقم والانهيار. ما أن رأت أخيها أمامها حتى ضغطت بيديها بشدة على يدي "داليا" وكأنها تحاول أن تستمد القوة منها، بينما تقدم "عز الدين" صوبها بخطي واسعة غاضبة حتى وصل إليها، فقبض على خصلات شعرها ثم انتزعها من الفراش بقوة وحشية صائحاً:
"قووومي.. انطقي وقوليلي مين اللي عمل فيكي كده؟"
شدد قبضته على خصلات شعرها، فأخذت تتلوى من الألم صارخة بضعف. وعندما لم تجد "داليا" أي تدخل من قبل "خالد" أو "عمر" مما أدهشها، هرعت نحوه وشدت ذراعه وهي تستجديه قائلة:
"حرام عليك، سيبها، بتعمل فيها كده ليه؟"
"ابعدي عني." كان العنف يتدفق من عينيه وكاد يصعق كل من في الغرفة بغضبه، فانتفضت "داليا" مذعورة إلا أنها تابعت محاولاتها اليائسة لحماية "عبير" من تلقي الأسوأ من شقيقها. فيما نطقت "عبير" أخيراً فقالت بصوت متهدج وأنفاسها تتلاحق بعنف:
"سامحني.. سامحني يا عز الدين."
راح يهزها بلا رحمة صارخاً:
"انطقي مين اللي عمل فيكي كده؟ خالد؟"
انهمرت دموعها بغزارة، ثم هزت رأسها نفياً وهي تنقل نظراتها بين "خالد" وشقيقها بمرارة. بينما ترك شعرها فجأة ثم صفعها بقوة، فترنحت وانهارت على فراشها وهي تنشج بالبكاء المر. كانت تنتحب وكأنها تحتضر، فأسرعت "داليا" وأمسكت بذراع "عز الدين" مجدداً في محاولة يائسة للحؤول دون استرساله في الغضب، فيما لمعت عيناه ببريق مخيف فانحنى صوب أخته وأنهال عليها بالصفعات صائحاً بجنون:
"هدبحك يا عبير.. هدبحك.. طلعتي سافلة زي أمك يا ***** يا *****."
ولكن لمن كل هذه الكلمات والصفعات؟ فهي ما عادت تسمعه إذ فقدت وعيها تدريجياً جراء الألم النفسي والجسدي.
فصرخت "داليا" بذعر عندما شاهدت الدماء تدفق من داخل "عبير" وتلوث ثيابها وأغطية فراشها. وكأن تلك الصرخة هي الصفعة التي تلقاها "خالد" ليتحرك من موضعه، فهرع نحو "عبير" في لهفة مضطربة مانعاً أخاه من إلحاق مزيد من الأذى بها، بينما أسرعت "داليا" وأمسكت بهاتفها لتطلب مساعدة شقيقتها.
مر أسبوع كامل على تلك الحادثة وكأنه دهر.
فقدت "عبير" طفلها نتيجة الضغط العصبي الشديد الذي تعرضت إليه والذي أثر على سائر أعضائها سلباً، فلازمت المكوث بالمشفى حتى الآن، بينما ساءت الأوضاع وانقلبت الأحوال رأساً على عقب على الجميع. فقد خيم جو من الكآبة والحرد والنكد على قصر الـ"نصار" بحيث لا مجال للكلام مع أي فرد بالمنزل، ولا حتى هناك مجال لتناول وجبة طعام جماعية على طاولة واحدة.
أما بالنسبة إلى "داليا"، لم تتمكن في الأيام الماضية من محو آثار الصدمة التي تركتها "عبير"، ومع مرور الأيام وجدت "داليا" نفسها تميل إلى التعاطف تجاه "عز الدين" فقد صدم كثيراً بحياته، وتلك الصدمة الأخيرة كانت بمثابة الضربة القاضية التي كان يحتاج إليها كي تقتل بداخله باقي المشاعر الحية وليصبح أخيراً بلا قلب.
لطالما أجفلت "داليا" عن التصرفات القاسية التي تلقتها طوال هذا الأسبوع من "عز الدين"، حيث غفرت له وقدمت إلى قلبها الأعذار، فهي تعلم كم هو مجروح ومكسور. لقد انعكس الحادث بمجمله سلباً في أعماقه وتركه غير قادر على إقصائه من ذهنه، يقلق نهاره وليله حتى توهن وفقد شهيته تجاه كل شيء وقد انزوى وجهه المكسور العابس خلف ستار من العزلة والوحدة، فتأثرت "داليا" بشدة وحزنت لحزنه، حتى اختفت البسمة عن وجهها وغمرتها الكآبة لأجله.
كانت "عبير" قد نُقلت إلى غرفة خاصة للعناية بها، فيها كل مستلزمات الراحة، وكان "خالد" الوحيد الذي وقف إلى جانبها، ولكن معاملته لها لم تكن مثل سابق عهدها، إذ شابتها جفاء وقسوة بالغين، لكنه جاهد كي يعاملها بلطف فقط حتى لا تسوء حالتها.
رغم أنه لم يتركها وحدها بالمشفى يوماً، إلا أنه كان دائم الجلوس بقاعة الاستقبال، إذ وجد صعوبة في النظر إلى عينيها. كلما تخيل الأمر يعتريه ألم قوي. عندما تلقى الخبر ذلك اليوم شعر وكأن موجة عاتية صدمته بلا رحمة ثم تركته بارد الأطراف.
أخذ يتساءل في نفسه مراراً.. لماذا؟ لم يجد جواباً مقنعاً على سؤاله، فهو كان يغمرها بحبه، لطالما أغدق عليها بمشاعره الجياشة، لم يتوقف عن ذلك يوماً، كان يخشي عليها من أقل ضرر قد يصيبها، غير أنه انتظرها لسنوات طويلة حتى تنضج لتصبح ملكاً له، لتصبح امرأته وأم أطفاله، لم يخطر بباله ولا حتى بأحلامه أن أحداً غيره سوف يتخذها أو يتسلل إلى مخدعها بهذه السهولة!
رغم كل ما حدث، رغم أنها قضت على مشاعره، لم يستطع منع نفسه عن حمايتها من بين براثن أخيه، لولاه لكانت انتهت لا محالة.
ثم تذكر فجأة رد "عز الدين" على طلبه حين ذهب إليه وطالبه بتعجيل إجراءات الزواج: "فاكر يا خالد لما قلتلك قبل كده إن عبير دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية؟ أنا كنت عامل حساب كده وحذرتك.. نبهتك إن لو حصل أي حاجة هتكون إنت وهي المسؤولين قدامي."
بعد حديثهم العقيم استطاع "خالد" أن يقنع "عز الدين" بالموافقة على إتمام الزواج، لكنه لم يستطع أو يجرؤ حتى أن يقنعه بمسامحة أخته، إذ أنه أساساً يجد صعوبة في ذلك، لكنه فعل كل هذا دون تفكير كي يحميها من غضب أخيه وانفعاله المدمر.
أفاق من شروده فجأة، ثم تنهد بثقل ونهض تاركاً قاعة الاستقبال، واتجه إلى غرفتها كي يطمئن عليها وهو يتمنى من صميم قلبه أن تكون نائمة تجنباً لأي مواجهة أو صدام قد يحدث بينهما.
وبالفعل كانت نائمة في هدوء فوق الفراش الأبيض الصغير، ومع أن عينيها كانتا مغلقتين، إلا أنها سمعت وقع خطواته فهمست على الفور:
"خالد!"
فتحت عينيها ببطء وزاغت ببصرها قليلاً حتى استقرت عينيها على وجهه، فابتسمت بضعف، بينما رمقه بجفاء ثم تقدم نحوها بهدوء ساحباً مقعداً صغيراً وجلس فوقه. كان يتحاشى النظر إليها، ففاجئته عندما مدت يدها بجهد وأمسكت بيده، عند ذلك رفع نظره إليها وكان وجهه خالياً من أي تعبير، فشدت على أصابعه وجذبت يده إلى خدها وقد برقت بعينيها الدموع. علم أنها تتوسل بعض العطف منه، ولكن لم يتأثر لذلك مثقال ذرة بل أنه سحب يده من قبضتها بقسوة ثم سألها بجمود:
"عاملة إيه دلوقتي؟ بقيتي كويسة؟"
أومأت رأسها مؤكدة ذلك، ثم سألته بصوت محشرج شابه البكاء:
"عز الدين وعمر مسألوش عليا لحد دلوقتي؟"
صمت للحظات ثم هز رأسه نفياً، فأغمضت عينيها بوهن لتجري الدموع على خديها غزيرة ثم همست:
"وحشوني.. نفسي أشوفهم."
ثم فتحت عينيها وحدقّت فيه قائلة:
"خالد.. أنا بجد مش عارفة أقولك إيه أو أشكرك إزاي على اللي عملته معايا ا..."
قاطعها بلهجة جامدة صارمة:
"أنا عملت كل ده بس عشان أحميكي من أذى أخوكي.. أنا وإنتي عارفين هو بيبقى عامل إزاي لما بيكون عصبي أو غضبان."
تألمت "عبير" للغاية لتحوله الكبير، لكنها تعلم أنها تستحق ذلك بل وأكثر من ذلك، لذا صمتت وشعرت بالامتنان لمجرد وجوده إلى جانبها، فابتسمت هامسة:
"سامحني يا خالد.. على أي حال حاول تسامحني.. أنا غلطت بس أنا فعلاً آسفة.. عرفت غلطتي متأخر بس برضو على أي حال أنا آسفة."
بينما لم يستطع منع نفسه فقطب حاجبيه بكسرة وسألها:
"مين اللي عمل فيكي كده؟ مين يا عبير؟"
هزت رأسها ثم أشاحت بنظرها عنه إلى الجهة الأخرى، فهب واقفا على قدميه ثم انحنى على الفراش وأمسك بكتفيها بقوة ثم أعاد سؤاله بانفعال:
"قوليلي.. قوليلي مين اللي عمل فيكي كده؟"
هزت رأسها بمرارة قائلة:
"مش هقولك.. مش هقولك يا خالد."
"لازم تقوليلي ولازم أعرف.. ماتفتكريش إن الموضوع انتهى، أنا مش هرتاح إلا لما أعرف مين اللي عمل فيكي كده ولا هرتاح إلا لما أطلع روحه في إيدي."
أجابته باكية:
"عشان كده أنا عمري ما هقولك هو مين لآني مش هقدر أسامح نفسي لو حصلك أي حاجة بسببي."
رمقها بغضب قائلاً:
"يسلام! خايفة عليا أنا ولا خايفة عليه؟"
أجابته بقوة:
"خايفة عليك إنت.. إنت اللي تهمني دلوقتي مش هو ولا أي حد تاني."
هز رأسه بعدم تصديق وهو يحدقها بسخرية، ثم تركها فجأة وغادر الغرفة، فراحت تجهش بالبكاء المر.
"يا ياسمين ارجوكي سيبيني في حالي دلوقتي." قال "عمر" ذلك في لطف محاولاً إصراف "ياسمين" عنه، بينما عنّدت "ياسمين" قائلة:
"ماهو بص يا برنس أنا مستحيل هاسيبك في الكآبة دي، مش كفاية البيت كله كئيب!!"
"يا برنس!!" علّق "عمر" باستغراب جدي، فقالت بحدة مصطنعة:
"آه يا برنس، إيه؟ مش عاجبك كلامي؟"
"بقي في دكتورة حلوة زيك تقول يا برنس! دي لغة بين الشباب وبس."
"بغض النظر عن كلمة حلوة، أولاً ده أسلوبي، ثانياً إنت لازم تخرج من الجو ده، ماينفعش كده، بكلمك بجد."
أومأ رأسه قائلاً:
"حاضر حاضر هخرج، بس ادخلي إنتِ بقي جوه وسيبيني أقعد مع نفسي في هدوء شوية."
همهمت قائلة:
"هممم، لهجتك بتقول العكس، عشان كده هفضل هنا وأحرمك من الهدوء يا سيد عمر."
عض على شفتيه بغيظ ثم نظر إليها ملياً، فلم يستطع منع نفسه من الابتسام، فابتسمت "ياسمين" بدورها وقالت:
"أيوه كده.. عارفة إني غيظتك ورزلت عليك بس طلعت بنتيجة إيجابية في الآخر وهي إنك ابتسمت."
ثم تنهدت وتابعت:
"كده بقي أقدر أسيبك تقعد مع نفسك في هدوء زي ما كنت عايز."
ثم التفتت وكادت تذهب فاستوقفها قائلاً:
"استنى."
استدارت إليه مجدداً ورمقته في تساؤل، بينما ظل ينظر إليها باسمًا وكاد يتكلم، فقاطعه صوت رنين هاتفها. أخرجت هاتفها ثم قالت قبل أن تستدير وتتركه:
"يلا تصبح على خير."
ثم فتحت الخط ومضت في سبيلها إلى الداخل، لكنه سمعها تدعو المتصل بـ"أيمن". فقطب حاجبيه عابساً ثم تساءل.. من هذا أيمن؟
كان باب المكتب مفتوحاً، وأنوار المصابيح تضيء أغلفة الكتب الجلدية المرتبة على الرفوف الخشبية العالية التي كانت تصل إلى سقف الحجرة، حين دلفت "داليا" حاملة كوباً من القهوة ونظرت إلى وجه "عز الدين" الجالس وراء مكتبه. كانت ملامحه راكدة تكسوها مسحة ألم غاضبة دفعت "داليا" إلى الابتسام علّها تخفف عنه.
تقدمت صوبه فانتبه لوقع خطواتها ونظر إليها عابساً، فابتسمت وهي تضع أمامه كوب القهوة قائلة:
"حضرتك بتشتغل من الصبح فقلت أعملك قهوة تساعدك على التركيز."
قالت ذلك ثم اتجهت صوب أريكة جلدية توسطت حجرة المكتب فجلست فوقها قائلة:
"تضايق لو قعدت؟"
رمقها باستهزاء ساخر ثم نهض وترك لها المكتب بأكمله!
فتنهدت بثقل، ولكنها أصرت على إثارة أي حديث معه فقط لابد أن يتكلم ولا يظل صامتاً هكذا. نهضت وتبعته إلى الغرفة، لكنها لم تجده حين دخلت!
ثم فجأة سمعت صوت هدير المياه بالحمام، فعلمت أنه يتحمم، مما أراحها قليلاً وجعلها تبتسم. يبدو أنه يجاهد في التخلص من كآبته. ازدادت ابتسامتها اتساعاً فاتجهت إلى الخزانة وراحت تعد له ملابس، إلا أنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت هاتفه يطلق نغمته الصاخبة معلناً عن وصول رسالة جديدة. احتقن وجهها بغضب، فعين تعلم أن لا أحد يرسل إليه الرسائل في هذا الوقت سواها. وبكل الكره الذي تحمله لها بداخلها تقدمت صوب الفراش وتناولت الهاتف، ثم فتحت الرسالة لتقرأ كلمتين أثارتا غيرتها وغيظها: "وحشتني أوي".
لم تعلم كم مر عليها من الوقت وهي ممسكة بالهاتف تتأمل الرسالة الوجيزة والغيرة تنهش قلبها، حتى أفاقت على صوته:
"بتعملي إيه؟"
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم غريب
بعد مرور عدة أيام قليلة، تعافت "عبير" تمامًا كما تمت إجراءات الزواج أيضًا، فتركت المشفي كي تنتقل إلى منزل زوجها.
كانت السيارة في انتظارهما عند المصف الجانبي للمشفي، وبعد أن وضع "خالد" أغراضها وحقائبها على المقعد الخلفي، استغربت أن يفتح لها باب السيارة الأمامي، وأن يتبرع بمساعدتها على الصعود.
وفيما همت على ذلك، استدارت بسرعة ونظرت إليه. لم يكن ينظر إليها، بل كان مركز بصره أرضًا. أصبح جافًا للغاية، لكن خشونة ذلك أضفت عليه وسامة من نوع خاص. عيناه سريعة الملاحظة، فمه المتماسك، وجهه المتصلب، شعره الأسود الكثيف اللامع. أدركت في تلك اللحظة أنها بدأت تحبه!
وشعرت بالتعذية لكون تصرفاتها في الماضي وصلت إلى حد مبتذل غير لائق لا أخلاقيًا ولا إنسانيًا.
كان ينتظر صعودها ليغلق الباب، وعندما لم تفعل نظر إليها رافعًا حاجبيه في دهشة:
"ما تركبي! في حاجة؟"
هتف متسائلاً، فهزت رأسها نفيًا، ثم منحته ابتسامة صغيرة واستقلت في هدوء. فأغلق بابها بصرامة، ثم استدار واستقل أمام المقود إلى جانبها. شغل المحرك، ثم أدار عجلة القيادة وانطلق متجهًا إلى منزله.
كانت خطوط الصباح الممتزجة بخيوط الشمس الذهبية تكسر السماء بضوء ساطع أنار الطريق وما حوله، بينما ضاعف "خالد" سرعة السيارة عندما بلغ الطريق العام المؤدي إلى قلب المدينة الحديثة.
وبعد مرور عدة دقائق، كانت السيارة تنعطف إلى طريق جانبي يكسوه الغبار أمامه بوابتي حديد كبيرتين. ترجل "خالد" من السيارة لفتح البوابتين، ثم عاد ومر عبرهما، ثم ترجل مرة أخرى وأوصدها من جديد قبل أن يعود ويتابع طريقه.
لم يكن المنزل يبعد أكثر من ميلين عن البوابتين، فإتضح إلى "عبير" أنها سوف تمكث بفيلا أنيقة، إذ أنها لم يسبق لها وزارت منزل "خالد" من قبل. لم تكن بحاجة لذلك، فهو كان دائم الحضور لديهم.
كان المنزل رائعًا بحق، رغم أنه لا يضاهي جمال قصر الـ "نصار" العظيم، لكنه بني على الطراز الإيطالي الجميل. غير أن الأشجار أحاطته بشكل مذهل والأزهار أيضًا، وذلك الينبوع الصغير الذي صدر منه خرير مياه يجلب استرخاءً عالٍ. لم تكن تتوقع أن يكون منزل "خالد" بهذا الجمال، بدت مذهولة ومضطربة في آن معًا.
توقفت السيارة بصورة تدريجية بساحة المنزل البسيطة، فترجل "خالد" برشاقة، وفي غضون دقائق قليلة كان قد نقل الحقائب من السيارة إلى الداخل، ثم عاد إلى "عبير" وساعدها بحزم في الدخول إلى المنزل.
كان بيته في قمة الروعة والأناقة وحسن الترتيب، وقد تمازجت فيه المفروشات الحديثة بالتحف القديمة في ظل إضاءة عرف صاحبها كيف يبرز بواسطتها كل مكامن الجمال.
أفاقت من تأملها مذعورة حين حملها فجأة بين ذراعيه وتوجه بها نحو الدرج. كادت تتكلم، فبادرها بجمود:
"أعتقد أنك مش هتقدري تطلعي السلم على رجلك."
كانت تنظر إليه بعينين خائفتين، لكنه سرعان ما أخمد خوفها حيث احتواها بلطف، وكأنه يبغي تطمينها بالشكل نفسه الذي يطمئن به حيوانًا صغيرًا وهو يأسر بين ذراعيه. وهنا شعرت بنفسها مضطرة إلى قول أي شيء لتكسر حدة الأجواء المتوترة:
"البيت حلو قوي.. أنت اللي فرشه على ذوقك؟"
كان قد وصل بها إلى الغرفة، فاتجه نحو فراش عريض ذي غطاء قرمزي أنيق، ثم وضعها فوقه قائلاً:
"كنت حريص إني أعمل نسخة مصغرة من القصر ولو بسيطة عشان ماتحسيش بأي فرق لما تيجي و تـ..."
صمت فجأة، ثم رمقها بجفاء قائلاً:
"عمومًا البيت بقى بيتك والأوضة دي بتاعتك، لو احتاجتي أي حاجة قولي لي."
ثم استدار وكاد يخرج، فاستوقفته قائلة:
"طب وأنت هتنام فين؟"
أجابها وهو لا يزال على وضعيته:
"البيت فيه خمس أوض.. أي أوضة ممكن أنام فيها.. عن إذنك."
ثم تركها وغادر الغرفة سريعًا، مغلقًا الباب من خلفه في هدوء. فتنهدت بأسى، ثم جلست تتأمل الغرفة بذهن مشوش وهي تفكر في المستقبل البعيد...!
***
كانت تعدو مهرولة إلى خارج المنزل، فاستوقفها صائحًا:
"ياسمين!"
توقفت فجأة، ثم تلفتت حولها عابسة إلى أن وقع بصرها عليه، فسألته:
"عمر.. إيه عايز حاجة؟"
اقترب منها بخطوات واسعة حتى وقف في مواجهتها في بقعة ظلتها أغصان الأشجار، ثم سألها:
"رايحة فين على الصبح كده؟ أنا فاكر إن ماعندكيش كلية انهاردة ولا مستشفى!"
أومأت رأسها مصححة قوله، ثم قالت:
"صح، أنا ماعنديش أي حاجة انهاردة فعلاً، بس طلبوني في المستشفى في حالة مستعجلة."
ثم انفرج ثغرها بابتسامة بسيطة وقالت:
"بس أنا ملاحظة إنك حافظ جدول تحركاتي بالتفصيل!"
ضحك بخفة، ثم أجابها:
"سو يا حبيبتي.. طبعًا لازم أحفظ جدول تحركاتك، انتي بقيتي تخصيني وتهميني في نفس الوقت."
"ماشي يا عم المسؤول، عن إذنك بقى عشان كده هتأخر."
"طب استني هوصلك."
"لأ، خليك في دكتور زميلي مستنيني برا.. سلام."
ثم تركته وتابعت سيرها المهرول، بينما تجهم وجهه فجأة، وأراد لو يمنعها من الخروج، ولكن بأي صفة؟ صر على أسنانه بحنق وهو يتساءل.. ماذا يحدث؟
***
"حمدلله على سلامتك يا بيرو.. حمدلله على سلامتك يا حبيبتي."
قالت "ريم" ذلك مخاطبة "عبير" عبر الهاتف، فأجابتها "عبير":
"الله يسلمك يا ريم.. شوفتي اللي حصلي؟"
واستها قائلة:
"معلش يا عبير، على أي حال ربنا ستر.. وكويس إنك خرجتي من الكابوس ده على خير، مش مهم إيه اللي حصل بقى."
"بس إخواتي وحشوني أوي."
قالت باكية، ثم تابعت:
"تصوري ماسألوش عليا خالص لحد دلوقتي!"
"طيب اهدي بقى وماتعمليش في نفسك كده، كله هيبقي تمام.. صدقيني كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن، بس اصبري شوية.. هما لسه مصدومين يا عبير، اللي حصل ماكنش سهل عليهم."
"لأ يا ريم.. أنا عارفة إخواتي.. وخصوصًا عز الدين، عمره ما هيسامحني.. أنا كرهت نفسي بجد، أذيته أوي لتاني مرة في حياته، مش هيسامحني.. مش هيسامحني."
ثم تعالي صوت نشيجها، فهدأتها "ريم" قائلة:
"يا حبيبتي، أنتِ أخته، مش هيسامحك إزاي؟ اصبري عليه بس زي ما قلتلك."
"أخته!"
هتفت ساخرة، ثم أضافت:
"كان أولى سامح أمه يا ريم.. أنتِ ماتعرفيش هي حاولت معاه قد إيه طول السنين دي وهو كان دايما بيقابلها بالعنف والرفض، ولا كأنها أمه.. عز الدين بارع في القسوة يا ريم، لو قسي على حد عمره ما بيحن تاني."
في تلك اللحظة، سمعت طرقًا على باب الغرفة، فكفكفت دموعها، ثم أنهت الاتصال مع صديقتها وهتفت قائلة:
"ادخل."
انفتح باب الغرفة ليدخل "خالد" في هدوء حاملًا بين يديه وجبة الغداء لها. اقترب منها متمهلًا وهو يصوب اهتمامه على ما يحمله بين يديه حتى وصل إليها، فوضع أطباق الطعام على طاولة صغيرة قرب الفراش قائلاً بجمود:
"ده الغدا.. آسف لو ما عجبكيش، بس ده اللي عرفت أعمله. من بكرة هاجيب واحدة تمسك شغل البيت."
اندفع الكلام من فمها بهدوء:
"ما فيش داعي، أنا بقيت كويسة وممكن أعمل كل حاجة بنفسي."
رمقها بدهشة ساخرة، ثم قال:
"أنتي!!"
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، فأومأت رأسها قائلة:
"أيوه أنا."
"بس على حد علمي، أنتِ ما بتعرفيش حاجة في شغل البيت!!"
"مش مشكلة، هتعلم."
هز كتفيه بلا اكتراث قائلاً:
"ماشي.. كلي بقى قبل ما الأكل يبرد، وما تنسيش تاخدي دواكي."
"وأنت مش هتاكل؟"
سألته بخفوت، فأجابها:
"هاكل في أوضتي."
ثم استدار وغادر الغرفة بعد أن أغلق الباب من خلفه. هبطت دموع "عبير" دون شعور، يبدو أنها سوف تتجرع الكأس المرة لوقت طويل، وقد لا تكون هناك نهاية أبدًا...!
***
خلال الأيام القليلة التي تلت ثاني ليلة حقيقية لهما، لاحظت "داليا" تغييرًا غريبًا جدًا في تصرفات "عز الدين"، ليس في كل تصرفاته، إنما في البعض منها. لقد أبدى تحولًا بسيطًا أدهشها. مثلاً، حين أعطاها مبلغًا من المال وأرسل معها سائقه الخاص إلى السوق كي تشتري بعض الملابس والأغراض لنفسها. ولكن، على أي حال، لم يستطع أن يبدل طباعه أبدًا، إذ أنه قال فور أن لمح الدهشة بعينيها:
"أنا بس لاحظت إن هدومك قدمت شوية، ده غير إنهم من النوع الرديء جدًا، وما تنسيش أنتِ متجوزة مين.. ما يصحش تظهري قدامي أو قدام أي حد بالشكل ده."
يا له من رجل قاسٍ متغطرس! لا يستطيع التخلي عن سخريته وازدراءه إطلاقًا. ورغم ذلك، سعدت "داليا" كثيرًا بعد أن عادت محملة بعشرات القطع من الملابس وباقي الأغراض من أدوات التجميل وغير ذلك. ولم تنس شقيقتها بالتأكيد، فقد نالت "ياسمين" بعض القطع الثمينة والأغراض المميزة أيضًا.
ومع أنها باتت أكثر إثارة وجاذبية في إطلالتها الجديدة، إلا أنه بدا غير مكترث لذلك. يبدو أنه لم يبالغ عندما أكد لها قدرته على التحكم بغريزته والسيطرة على نزواته الطارئة. تمنت لو أنها تملك قوة إرادته وبرودة أعصابه.
مع الوقت، راحت "داليا" تكتشف أن أعمال زوجها الواسعة تعد أهم شيء بحياته، حيث أنها تبتلع معظم وقته. على الطرف الآخر، لم تسمع "داليا" أي أخبار عن "عبير" سوى أنها بخير وفي مأمن مع "خالد". يبدو أنها لن تنال عفو أخيها بسهولة!
***
كانت "داليا" تقف بوسط المطبخ، تشرف على الخادمات وتساعدهن في إعداد وجبة الغداء. وفيما كانت تباشر في تقطيع الخضروات، جاءتها "فاطمة" قائلة:
"ست داليا."
"نعم يا فاطمة، في حاجة؟"
سألتها "داليا" وهي تركز اهتمامها على عملها، فأجابتها "فاطمة":
"في ضيفة طالبة تشوف حضرتك."
قطبت "داليا" حاجبيها باستغراب قائلة:
"ضيفة طالبة تشوفني أنا؟ مين دي يا فاطمة؟"
"جومانة هانم."
أحست "داليا" بانقباض خفيف في صدرها لدى سماعها اسم غريمتها. فحولت نظرها إلى "فاطمة" متسائلة:
"أنتِ تقصدي جومانة خطاب؟"
أومأت "فاطمة" رأسها قائلة:
"أيوه هي حضرتك.. أنا قعدتها في الصالون الصغير."
احتقن وجه "داليا" بغضب، فتساءلت مغتاظة.. لماذا جاءت؟ ماذا تريد تلك الساقطة؟
تركت "داليا" ما كانت تفعله، ثم توجهت نحو صنبور الماء وغسلت يديها ثم جففتهما. وقبل أن تخرج من المطبخ، نادت "فاطمة" وسألتها:
"قوليلي يا فاطمة.. شكلي كده كويس؟"
ابتسمت "فاطمة" ببساطة ثم أجابتها بصدق:
"قمر يا ست داليا.. أنتِ ما شاء الله جميلة جدًا أصلًا."
منحتها "داليا" ابتسامة لطيفة، ثم أسرعت لتقابل الزائرة.
عندما التقتا، كانت "جومانة" تجلس فوق مقعد وثير، واضعة ساق فوق الأخرى وقد ارتدت ثوبًا قصيرًا بالكاد يغطي فخذيها. لم تنهض على الفور حين رأت "داليا"، بل اتبعت البرود في تصرفاتها متعمدة. ثم أخيرًا نهضت ونظرت إليها باعتلاء ساخر، بينما استقبلت "داليا" نظراتها بابتسامة هادئة واثقة. وتعمدت هي أيضًا ألا تصافحها، بل اكتفت بقولها:
"أهلاً بيكي يا آنسة جومانة.. منورة."
رمقتها "جومانة" بعداء سافر، ثم قالت بحدة:
"ما بلاش تستمري في الترحيب المزيف ده يا.. هه.. يا مدام داليا.. أنتِ عارفة كويس زي ما أنا عارفة إننا بنكره بعض."
اصطنعت "داليا" ابتسامة خفيفة، ثم سألتها:
"طب ولما حضرتك عارفة كده كويس.. إيه اللي جابك؟"
هزت "جومانة" كتفيها بلا اكتراث قائلة:
"أنا كنت جاية لعز.. بس اتضح إنه مش موجود، فقلت أقابلك أنتِ عشان توصلي له حاجة كان نسيها عندي."
ثم فتحت حقيبة يدها وأخرجت خاتمًا عرفته "داليا" على الفور، أنه لـ "عز الدين". قطبت حاجبيها في تساؤل، بينما ضحكت "جومانة" بغنج قائلة وهي تضع الخاتم بكف "داليا":
"الخدامة بتاعتي لقيته وهي بتوضب لي السرير.. ما تنسيش تديهوله بقى."
لوهلة، أرادت "داليا" أن تنهار باكية، لكنها أخفت مشاعرها المتأججة في صدرها كي لا تعطي غريمتها مجالًا للشماتة بها أكثر. وبينما كانت "جومانة" على الرحيل، اقتربت من "داليا" ثم همست بأذنها ساخرة:
"مسكينة أنتِ يا داليا.. يا حرام صعبانة عليا خالص.. كنتي فاكرة إنك هتفضلي مراته على طول؟ جايز أنتِ دلوقتي مراته فعلًا وجايز هو مبسوط معاكي لأنك حلوة.. بس مسيره يمل ويزهق منك.. أنتِ مش هتقدري تلبي احتياجاته.. عز الدين نصار ما يكتفيش بست واحدة.. سلام يا حبيبتي."
ثم مضت في سبيلها إلى الخارج، تاركة "داليا" خلفها تكاد تموت قهرًا. لم تستطع "داليا" السيطرة على دموعها التي هطلت بغزارة، فبسرعة وضعت يدها على فمها تكبت نشيجًا مرًا يكاد يفتك بها، ثم ركضت مهرولة باتجاه الغرفة.
إرتمت على الفراش دافسة وجهها لدي الوسادة الناعمة، ثم أخذت تجهش ببكاء مرير. أرادت أن تصرخ بقوة حتى ينقطع نفسها، فما زال صوت "جومانة" الهازئ يرن بأذنيها، كما ما زالت كلماتها تعذبها وتحرق قلبها بلا رحمة.
لم ينقطع بكاء "داليا" منذ أكثر من ساعة، سكتت فقط حين أتاها صوته العميق متسائلاً:
"إيه ده مالك؟"
رفعت وجهها المغطى بدموعها عن الوسادة المبتلة، ثم نظرت إليه واهنة، فسألها مجددًا بنبرة جامدة إنما أقل حدة:
"إيه اللي حصل؟"
فابتسمت بمرارة، ثم تحاملت على نفسها ونهضت لتقف في مواجهته، ثم أمسكت بيده ووضعت بها خاتمه قائلة:
"آنسة جومانة.. جت عشان ترجع لك ده.. بتقول خدامتها لقيته وهي بتوضب لها السرير."
حدق فيها "عز الدين" بثبات، فلم تستطع قراءة تعابير وجهه، إذ كانت ملامحه جامدة وكأنه يعترف بصحة شكوكها.
"طلقني."
هتفت دون وعي، فسألها هازئًا:
"نعم؟"
"بقولك طلقني."
قالت بوعي هذه المرة، ثم صرخت بوهن:
"أنا خدت قراري.. همشي من هنا خلاص، مش عايزة أعيش معاك."
تقلصت عضلات وجهه بغضب فقبض على معصمها بعنف، ثم صاح بقسوة:
"ما فيش حد هنا بياخد قرارات غيري، ومش بمزاجك! أنتِ هتفضلي هنا لحد ما أقرر أنا إنك تمشي."
غالبت بجهد شعورًا بالغثيان احتلاها، فقالت لاهثة:
"أنا بكرهك.. بكرهك وما بقتش طايقاك خلاص، أنت إنسان أناني خاين و..."
قاطعها حين ارتفعت يده المفتوحة وصفعتها بقوة، فانتفضت "داليا" بعنف باكية وهي مسجونة بين ذراعيه، بينما احمر أحد وجنتيها وسالت دموعها المتساقطة على الأخرى. فأخذ "عز الدين" يهزها بعنف صائحًا:
"لو نطقتي كلمة تانية هتشوفي تصرفات مش هتعجبك أبدًا يا داليا.. أوعي تنسي نفسك مرة تانية وأنتِ بتكلميني، وخليكي فاكرة كويس إن من غيري كنتِ فضلت في الشارع لحد دلوقتي."
كانت هزه العنيفة لها بكلماته بمثابة الضربة الأخيرة لتحطيم تماسكها، فدفعته عنها بضعف واندفعت صوب الحمام. ارتفعت محتويات معدتها فجأة فأفرغت كل شيء بالحوض، ثم غسلت وجهها بالمياه الباردة حتى خارت قواها، فتهاوت قدماها وجثث على الأرض منهارة وهي ترتجف بقوة ودموعها تنساب بغزارة. كانت تشعر بقدر هائل من الإعياء حال دون اهتمام بما يحدث بالإضافة إلى ألمها النفسي.
بينما دلف "عز الدين" إليها مسرعًا ثم ...
رواية حتى اقتل بسمة تمردك (1 الفصل العشرون 20 - بقلم مريم غريب
أمضت عبير أسبوعًا حافلًا بمنزل زوجها، فقد بذلت جهدًا غير عادي. تعلمت كافة الأشغال المنزلية من طهو وتنظيف وغير ذلك. ورغم أن طعامها المحترق كاد يفقد خالد شهيته تجاه جميع أصناف المأكولات، إلا أنه وجد لذة مختلفة فيه جعلته يلتهمه بشراهة غير آبه بطعمه. بينما امتنعت عبير بشدة عن تذوق لقمة واحدة من طعامها العجيب، بل اكتفت بتناول الوجبات السريعة.
على الجانب الآخر، كانت تشعر بالكبت والضيق في صدرها، فهي تريد أشياء كثيرة من زوجها بدون أن تعرف طبيعة هذه الأشياء. وقد تصرف خالد معها بأدب طيلة الوقت، وكان لطيفًا إلى أبعد الحدود، فماذا تريد أكثر من ذلك؟
اكتشفت أن ما يضايقها حقًا هو جفائه غير المعتاد بالنسبة إليها. فهي اعتادت على خالد المحب الحنون الذي كان يتحرق لمجرد رؤيتها فقط، والذي كان يهب واقفًا في حضرتها احترامًا ومحبة. ولكن، تحول بصورة كبيرة غير مألوفة لها. باتت تحس أنه أصبح غير شغوف بها كما كان في السابق. كما أنه لم يعد يقتنص الفرص كي يودها مثلما كان يفعل دائمًا، حيث كان يلثم وجنتها بقبلة عابرة، وأحيانًا يحتضنها بحنان هامسًا بأذنها كلمات العشق.
شعرت بالحزن الشديد لتحوله الكبير، رغم أنها تعلم جيدًا أن كل ذلك طبيعي وأنها تستحق أن تُعامل بشدة وقسوة حتى تكفر عن ذنبها. ولكنها بشر على أي حال وقد تعذبت نفسيًا بما فيه الكفاية، كما أنها في أمس الحاجة إلى العطف والحنان بعد أن فقدت الاتصال بأخويها.
عندما عاد من عمله، كانت قد انتهت لتوها من تنظيف المنزل. وبدا عليها التعب والأرق. لكنها تحاملت على نفسها واتجهت إلى المطبخ لتسرع في إعداد وجبة العشاء، بينما صعد إلى غرفته كي يبدل ملابسه.
لدى عودته إلى المطبخ رأى أربع سمكات سلمونية مرقطة موضوعة على طاولة رخامية. أسرعت عبير فورًا وانهمكت في إخراج أحشائها وتنظيفها، ثم رشّتها بالطحين والملح ومددتها في مقلاة كبيرة مدهونة بالزبد ثم وضعتها على نار موقدة مباشرة. قطب خالد حاجبيه ذاهلًا وتساءل: من أين تعلمت كل ذلك؟ أصبحت ماهرة في إعداد الطعام، غير أن الرائحة الزكية تصاعدت شهية.
لم تنتبه عبير لوجوده إلا عندما استدارت لكي تحضر الأطباق. تشابكت نظراتهما فابتسمت ببساطة قائلة:
"غيرت بسرعة.. تعالي اقعد بقى الأكل خلاص قرب يخلص."
بعد أن غسلت يديها، كان خالد قد سحب كرسيًا مرفقًا بطاولة صغيرة توسطت قاعة المطبخ. بينما سكبت الأرز في طبقين ووضعت على الطاولة أبريقًا من العصير الطازج. ثم اندفعت مسرعة نحو الموقد لتنقذ السمك من أزيز المقلاة الحارقة، ثم وضعته محمرًا شهيًا على طبق التقديم وجلست قبالة خالد قائلة:
"يلا دوّق بقى.. أنا متأكدة إن أكلي النهارده هيعجبك."
أومأ رأسه دون كلام، ثم بدأ في تناول الطعام. التقم قطعة من لحم السمك فوجد الطعم لذيذًا بحق، فأخذ يأكل بشراهة بالغة. فهو يعمل وبالتالي لدي عودته إلى المنزل يكون جائعًا، وما أشهى الطعام حين يكون المرء جائعًا!
بينما اتسعت ابتسامة عبير عندما وجدته يلتهم الطعام بتلك الشهية. فيما توقف عن إيصال ملعقة الأرز إلى فمه، ليرفع حاجبيه بحيرة متسائلًا:
"إيه.. مابتأكليش ليه؟"
منحته ابتسامة مترددة ثم قالت:
"هاكل.. هاكل."
ثم أمسكت بملعقتها وبدأت تتناول الطعام بدورها. ظلت تترقبه وهو يأكل. انتظرته حتى فرغ من تناول طعامه، وقبل أن ينهض ويتركها كعادته سارعت إلى القول:
"خالد!"
كاد ينهض لكنه سكن بموضعه ناظرًا إليها في تساؤل. فقالت في توتر:
"كنت.. كنت عايزّاك في موضوع."
حدق فيها بتركيز بالغ، ثم سألها بإصغاء:
"خير.. موضوع إيه؟"
أدركت ريقها بصعوبة ثم قالت بصوت مبحوح:
"عايزة أروح أزور عز الدين وعمر.. ينفع توديني أشوفهم؟"
ضغط على شفتيه بقوة ثم صمت لبرهة وقال:
"أظن من الأفضل بلاش تحتكي بيهم دلوقتي."
"بس دول إخواتي ووحشوني أوي."
هتفت واهنة وسرعان ما تجمعت في عينيها الدموع. ورغم ذلك لم يتأثر خالد، بل تنهد بعمق ثم قال ناهيًا الحديث:
"لازم تعرفي إني اتجوزتك بالسرعة دي عشان أبّعدك عنهم وبس.. لو كنتي رجعتي الله أعلم كان ممكن يحصلك إيه! أخوكي مابيقدرش يتحكم في أعصابه وخصوصًا إن غلطتك كبيرة وفكرتيه بذكريات قديمة طول عمره بيحاول ينساها."
آلمتها عبارته، فانقبض صدرها في حزن. بينما تابع بلا اكتراث:
"لو عايزة ترجعي أنا ما عنديش مانع.. بس نصيحتي ليكي بلاش.. على الأقل دلوقتي ممكن تصبري شوية لحد ما الأمور تهدى وبعدين ابقي ارجعي."
لقد تعمد خالد أن يظهر هزءه وازدراءه لها، إلا أنه لم يتصور أن وقع كلماته سيكون عميقًا بنفسها إلى هذا الحد. إذ أنها أطرقت رأسها بيأس وبدت مفاصل أصابعها شديدة البياض وهي تقبض بيدها على الملعقة. أدرك خالد أنه أصاب منها وترًا حساسًا مما أراحه وأزعجه في آن معًا. فهو يريدها أن تتعذب وأن تتألم كما عانى هو الأمرين في الأيام السابقة. وبنفس الوقت ضايقه أن يراها متألمة إلى هذا الحد. لكنه ضرب بنداء قلبه ومشاعره عرض الحائط وهب واقفًا، ثم تركها ومضى في سبيله متجهًا إلى غرفته، بينما كبتت نشيجها وانتحبت بصمت.
"حتى هو لم يعد يهمّه أمري.. خاطبت نفسها بمرارة.. حتى هو لم يعد يريد وجودي بحياتي، لم يعد يحبني وإنما تزوجني فقط كي يحميني من غضب أخيها."
شعرت عبير بالتعاسة وودت لو ركضت خلفه وتوسلت إليه أن يغفر لها وقالت له أن عواطفها المضطربة هي سبب كل ما حدث لها. ولكن كيف السبيل إلى الحديث معه؟ ربما لو تحدثت إليه لرمقها بقسوة وازدراء كما فعل منذ قليل.
استنشقت عبير نفسًا عميقًا وهدأت نفسها، ثم نهضت وأمسكت بالأطباق بيدين مرتعشتين واتجهت إلى الحوض عازمة على تنظيف الصحون. كان الألم مستحوذًا على سائر حواسها، فلم تنتبه إلى خطاها، فتعثرت قدمها ليسقط أحد الأطباق من يدها وتدوس بقدمها على حطامه المكسور، فانغرست بعضها في جلدها.
فأطلقت صرخة مدوية وسقطت على الأرض وهي ممسكة بقدمها المجروحة. راحت تتفحص ما أصابها، فرأت الدم يتدفق من التمزقات التي شقت جلدها. وامتزجت آلام جروحها بشعور الكآبة الذي كانت تكابده، فأطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها. استغرقتها هذه الحالة فغطت عينيها بذراعها، فلم تلاحظه يتقدم نحوها مهرولًا. وعندما أحست بوجوده تطلعت ببصرها نحوه ثم مسحت بسرعة آثار دموعها عن خديها بظهر يدها كالأطفال. بينما تطلع إليها في قلق حاول أن يخبئه دون جدوى فسألها:
"إيه اللي حصل؟ سمعتك بتصرخي؟!"
هزت رأسها باضطراب ثم قالت وشفتيها ترتجفان بشدة:
"مافيش.. مافيش حاجة."
نظر إليها بتشكك، ثم جال بنظره في أرجاء المكان حتى وقعت عيناه على بقع الدم فوق الأرض بجانبها، فاتسعت عيناه في هلع، ثم أسرع وجثا على ركبتيه أمامها رافعًا قدمها المجروحة وفحصها، فقالت واهنة:
"قلتلك مافيش حاجة.. أنا كويسة الطبق اتكسر بس و..."
"ششش اسكتي."
قاطعها بحزم آمر، ثم تحرك وحملها على ذراعيه. توجه بها نحو غرفتها. أصبحا أمام باب الغرفة ففتحه راكلًا إياه بقدمه، ثم دلف بها وسار نحو الفراش ليضعها فوقه. تركها للحظات، ثم عاد حاملًا صندوق الإسعافات الأولية. جلس قبالتها، ثم أولًا أمسك بقدمها وراح يخرج منها قطع الزجاج بتمهل، بينما أخذت تئن بصمت من الألم.
ولكن غمرتها فجأة موجة من الدفء الحالم، وأحست بأنه لا يزال يكن لها بعض المشاعر. وبخاصة حين طفق يغسل قدمها برقة متناهية بدت متناقضة بشكل لا يصدق مع تصرفه السابق. بعد ذلك طهر الجروح بسائل معقم ثم جفف قدمها على مهل، ولفها بضمادة نظيفة. طوال الوقت كانت لمساته ناعمة كالمخمل. حتى انتهى من إسعافها، فمددها على فراشها وغطاها جيدًا حتى ذقنها، فبكت بوهن هامسة:
"وآسفة تعبتك."
حدق بوجوم إلى وجهها، وابتسم بسخرية ثم أومأ رأسه. فلمست عبير في نظرته شيئًا من العذاب. فيما أخذت تتوسل إليه وقد بح صوتها:
"عايزة أشوف إخواتي.. ارجوك."
تنهد بثقل ثم أغمض عينيه بقوة وهو يصارع مشاعره المتأججة في صدره، ثم عاد ينظر إليها. تأثر بدموعها هذه المرة، فمد يده ورّبت على وجنتها بلطف قائلًا:
"حاضر.. حاضر يا عبير."
ابتسمت حين سمعته يطمئنها فأغمضت عينيها لا شعوريًا واستغرقت في نوم هادئ وهي تشعر بشعور مريح وخالد يربت على وجنتها ثم ينحني ليضع قبلة على جبهتها!
في الصباح التالي، استيقظت ياسمين على أصوات زقزقة العصافير وحفيف أوراق الشجر. فتحت عينيها دون أن تحرك رأسها، فتمتعت بمنظر أشعة الشمس الذهبية التي كانت تغطي سقف غرفتها الملونة. شعرت أن الثلاثة أسابيع التي قضتها في قصر آل نصار جعلتها تتعلق بهذه الغرفة وأثاثها الجميل، وستائرها التي حيكت باليد، وبهذه المكتبة التي وفرها لها عز الدين من أجل دراستها. كان لطيفًا معها بحق، حيث أنه نسي أنها أهانته بمنزلها، تغاضى عن جميع المشكلات وقابلها بمنتهى الرحب والسعة حتى أشعرها بأنها في منزلها.
انتزعها من تفكيرها فجأة صوت ارتطام الحصى بزجاج شرفتها، فابتسمت فورًا لأنها علمت من الفاعل. فدفعت الغطاء عنها ونهضت متجهة صوب الشرفة. توقفت فجأة واختبأت وراء حافة الشرفة لتختلس النظر إليه، فسمعته يناديها عابسًا، فكبتت بكفها ضحكة مرحة. فعاد يناديها مرة أخرى يطالبها بإظهار نفسها فورًا:
"ياسمين.. أنا عارف إنك فوق وسامعاني.. هتبصيلي ولا أطلعلك أنا على الشجرة دي؟"
عند ذلك انفجرت ضاحكة، ثم دفعت باب الشرفة الزجاجي وطلت إليه قائلة:
"عايز إيه يا عم أنت؟ كفاية بقى بقيت مزعج.. إيه ما وراكش غيري؟"
منحها ابتسامة مرحة ثم قال وهو يرمش ليحمي عينيه من ضوء الشمس:
"لو ماكنتيش بصيتي كنت هطلعلك على الشجرة بجد."
ضحكت بخفة قائلة:
"ليه حضرتك روميو مثلًا؟ عمومًا أنصحك ماتعملهاش لأنك لو وقعت من على الشجرة ورقبتك اتكسرت أنا مش هتبرع وأعالجك زي ما عملت قبل كده."
قهقه بقوة ثم قال:
"لا ماتقلقيش أنا بحافظ على صحتي كويس عشانك يا جميل."
"يسلام! طب وأنا إيه دخلّي بصحتك؟"
"دخلك كبير طبعًا.. مش سبق وقلتلك إنك تخصيني؟ تخيلي كده مثلًا إن حد ضايقك مين اللي هيتصدر له غيري يا سو يا حبيبتي؟"
"ماشي يا سيدي.. رغم إني بعرف أدافع عن نفسي كويس بس المهم.. أنت كنت عايز مني إيه على الصبح كده؟"
"عايزك تنزلي تفطري معايا يلا تعالي."
"اشمعنى النهارده يعني؟ إيه السبب؟"
"من غير سبب ياستي هتنزلي ولا لأ؟"
لفظ آخر كلماته مزمجرًا فضحكت قائلة:
"ماشي نازلة."
إنفرج ثغره بابتسامة واسعة ثم قال:
"مستنيكي.. بسرعة متتأخريش."
مر أسبوع آخر عليها بمنزله وهي لا تزال زوجته. كلما بحثت عن فرصة مناسبة كي تتركه وترحل عنه بلا رجعة تجد الأبواب مغلقة بوجهها. فهو بات يغير مواعيد ذهابه وعودته إلى المنزل، مما جعلها خائفة من اقتناص أي فرصة قد تضعها أمامه في مواجهة حادة. ولكنها ما زالت عند قرارها، ستتركه رغم أنه أبدى تحولًا بسيطًا حيث أنه ما عاد يتعرض لها بالكلام القاسي الجارح، بالإضافة إلى أنه أصبح يتجنبها قليلًا كي لا يحدث بينهما أي شجار قد يؤدي إلى عواقب لا تبقي ولا تذر.
فكرت بشقيقتها، يجب أن تبقى هي عندما تذهب أولًا ثم تتصل بها من الخارج وتبلغها بمغادرة القصر هي أيضًا. كان هذا هو قرارها الحكيم فهي لا تريد إحداث بلبلة كي لا تلفت انتباه أحد إلى مخططها الذي عزمت منذ أسبوع على تنفيذه.
فكرت به أيضًا، كم حدثت نفسها طوال ذلك الأسبوع بتجاهله ودفن ذكراه إلى الأبد خلال الأيام الفائتة. لا يمكنها بناء أي مستقبل مع هذا الرجل، بل ستجد نفسها بائسة، تعاني الوحدة والشقاء والغيرة والعذاب، لتطرد شبحه مرة واحدة وإلى الأبد. إنه رجل لن يتوانى أبدًا عن تدميرها وسحق آمالها فهي ومن دون أي شيء هشة قابلة للكسر. يكفيها ما فعله بها إلى الآن.
كانت تقف بالمطبخ تشرف على الخادمات كعادتها في كل يوم، فاستلت فجأة إلى أنفها رائحة الطعام، فشعرت بالغثيان يعاودها بقوة مجددًا، لكنها غالبته بكل قواها. لم تشعر بفاطمة حين اقتربت منها وسألتها بنبرة قلقة:
"ست داليا.. انتي كويسة؟"
حوّلت داليا نظرها إليها ثم ابتسمت بشحوب قائلة:
"آه يا فاطمة.. كويسة.. روحي كملي شغلك."
أومأت الفتاة رأسها ثم انسحبت في هدوء، بينما أتاها دوار قضى على تماسكها، فترنحت بضعف، ثم سقطت فاقدة للوعي.
استعادت داليا فيما بعد وعيها غير كامل، حيث أنها كانت نصف واعية بما يدور حولها. ميزت أصواتًا لأشخاص تعرفهم وأصواتًا أخرى لأشخاص لا تعرفهم، وكان من بينهم عز الدين. بدا صوته في البداية قلقًا متوترًا، ثم تحول بالتدريج إلى الانفعال والتساؤل. لم تستطع تمييز الحوار الذي دار من حولها، جاهدت كي تستعيد كامل وعيها دون جدوى، فاستسلمت للإغماءة تحتلها.
بعد قليل فتحت داليا عينيها دفعة واحدة عندما سمعت صوت هاتفها يصدر نغمته الصاخبة، معلنًا عن وصول رسالة جديدة. انتصبت نصف جالسة وهي تشعر بإعياء شديد، وبطنين مزعج يدوي بأذنيها، ثم مدت يدها وتناولت هاتفها لتقرأ الرسالة التي وصلت للتو. اتسعت عيناها وهي تكتم فمها بيدها كي لا تطلق صرخة ألم مدوية بأركان المنزل، وبدون أن تفكر قفزت من الفراش متجاهلة ألمها الجسدي متذكرة ألمها النفسي.
"يكفي هذا، يكفي حقًا، لقد تحملت منه حتى طفحت كأسي، ما الذي أنتظره بعد؟ أن يأتي لي بنسائه إلى المنزل؟"
فتحت الخزانة، بدلت ملابسها بيدين مرتجفتين، ثم خرجت من الغرفة. هبطت الدرج بحذر دون أن تصدر أي صوت، ثم اندفعت مهرولة بخفة إلى الخارج. واصلت ركضها حتى وصلت إلى البوابة الكبيرة، فأمرت الحارس قائلة:
"انت.. افتح الباب."
رمقها الحارس بدهشة ثم قال بارتباك:
"حضرتك.. حضرتك هتخرجي لوحدك؟"
"وانت مالك؟ افتح الباب بقولك."
صاحت غاضبة فتوتر الحارس قائلاً:
"حاضر حاضر بس يعني الجو ليل و..."
صمت بقلة حيلة ثم قال:
"هو فين مصطفى طيب؟ ياخد حضرتك بالعربية في المكان اللي انتي عايزاه هو لسه داخل لعز الدين بيه ا..."
"افتح الباااب."
قاطعته صارخة، فانتفض الحارس على أثر صرختها ثم فتح لها البوابة على مصراعيها وهو مشتت لا يعلم أكانت فعلته صحيحة أم خاطئة. وياللهول إن كانت خاطئة، فحتما سوف يلقى حتفه على يد عز الدين.
بينما خرجت داليا تاركة خلفها منزلًا يعج بذكرياتها الأليمة.