تحميل رواية «حب في الدقيقة 90» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ألا تذكرني؟ تمر الأيام، الأشهر والأعوام كذلك، تمر سريعًا بذلك القدر الذي يجعلك تتفاجئ بعد عشرة أعوام أن عشرة أعوامٍ قد مضت! تُصعق حينما تدرك أن كل تلك الأعوام التي ظننتها لن تمضي، مضت أخيرًا وأصبحت في سلة مهملات حياتك. حينها ستبحث بداخلك.. كل تلك الآلام والأحقاد التي ملأتك في بداية تلك السنين، هل لا تزال موجودة بداخلك الآن؟ أم أنها تبخرت بمرور الوقت ولم يصبح لها مكان؟ كل تلك الأوجاع التي ظننتها لن تمر ولن تبرأ، هل برأت وزال أثرها؟ أم تركت ندباتها بقلبك وأثرًا لن يزول؟ وبينما أنت تتسائل وتبحث بدا...
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن
ألا تذكرني؟
تمر الأيام، الأشهر والأعوام كذلك، تمر سريعًا بذلك القدر الذي يجعلك تتفاجئ بعد عشرة أعوام أن عشرة أعوامٍ قد مضت!
تُصعق حينما تدرك أن كل تلك الأعوام التي ظننتها لن تمضي، مضت أخيرًا وأصبحت في سلة مهملات حياتك.
حينها ستبحث بداخلك.. كل تلك الآلام والأحقاد التي ملأتك في بداية تلك السنين، هل لا تزال موجودة بداخلك الآن؟ أم أنها تبخرت بمرور الوقت ولم يصبح لها مكان؟
كل تلك الأوجاع التي ظننتها لن تمر ولن تبرأ، هل برأت وزال أثرها؟ أم تركت ندباتها بقلبك وأثرًا لن يزول؟
وبينما أنت تتسائل وتبحث بداخلك عن إجابة ترضيك، تكتشف شيئًا مُرضيًا للغاية إن أردت أن تعتبره هكذا.. تكتشف أن لا شيء يدوم للأبد.
لن يبقى الألم حيًا أبد ما حييت أنت، لن تخلد الأوجاع بداخلك حتى وإن تجددت كل ثانية، لن يبقى شيء على ما كان عليه قبل أعوام أبدًا.
الأيام تتوالى وتسحق الضعيف وتنال من القوي كذلك، لا ترحم أحدًا؛ لذا عليك أن تنجو بنفسك قبل أن تنال منك الأيام.
وماذا بعد أن مضت الأيام ودهست زهرة شبابك؟ كيف ستنجو بما تبقى منك يا قاسم؟
حدّث قاسم نفسه وهو يراقب الطريق من نافذة سيارة الأجرة التي إستقلها فور خروجه من السجن كي تقلهُ حيث بيت العائلة الذي يقطن فيه.
بعد أن لاح أمامه شبح البيت القديم طلب من السائق التوقف، ثم ترجل وأعطاه أجرته، ثم وقف يطالع البيت بنظراتٍ متفحصة وهو يحدث نفسه قائلا:
إنه بيت العائلة في ثوبه الجديد إذا، وما تلك اللافتة؟
أخذ يحملق بتلك اللافتة الموضوعة أعلى البوابة الرئيسية للبيت والمكتوب فوقها بخط عريض " عائلة الحدّاد " وأفلت ضحكة قصيرة ساخرة وهو يقول:
إنها حقًا عائلة مترابطة! مترابطة بالقدر الذي سمح لهم بأن يتجاهلوا إبن أخيهم عشرة سنوات كاملة ويلقونه خارج حياتهم وكأنه لم يكن.
تنهد بضيق بالغ ولكنه طرد تلك الحماقات عن تفكيره، ثم تقدم في طريقه نحو البيت قبل أن يستوقفه أحد الجيران مذهولا عندما رآه فقال:
غير معقول! قاسم؟
***
وقفت " عنبر " كالعادة في ذلك الوقت من كل يوم تعد طعام الغداء لأسرتها الصغيرة وهي تدندن قبل أن يصل إلى مسامعها تلك الجلبة؛ فخرجت إلى شرفة المطبخ لتصدم برؤيته.
حينها دخلت وأسرعت بغلق باب الشرفة بإحكام وهي تضع يدها موضع قلبها وتهتف بغير تصديق:
قاسم! يا إلهي !!
رفعت يدها إلى رأسها وهي تشهق بخفوت بعد أن خفق قلبها بصدرها بعنف وأحدثت ضرباته فوضى عارمة بداخلها؛ فكانت تتنفس بصعوبة وتشعر بقلبها كاد أن يتوقف عن النبض.
وقفت أمام الحوْض وطفقت تملأ كفيها بالمياه، وتغسل وجهها وهي تشعر بأنها ستفقد وعيها عما قريب، وما إن استمعت إلى صوت الباب وهو يُغلق فعلمت بمجيء زوجها حتى أسرعت تتصنع الانشغال وهي تحاول تجريد وجهها المحتقن من كل تلك الانفعالات التي غزتهُ فجأة وعكرت صفوه.
دخل عبدالله وألقى مفاتيحه على الطاولة محدثةً صخب يناقض حالة الهدوء التي كان يتسم بها ذلك الوقت وقال بنبرة هادئة:
كيف حال زوجتي العزيزة؟
نظرت " عنبـر " إلى زوجها وأهدتهُ ابتسامة متكلفة وقالت:
بخير، وأنت؟
لستُ بخير بتاتًا.
ازدردت في خوف وترقب وسألتهُ:
لما؟ هل حدث شيئًا بالعمل؟ أم أنه " كريم " ومشاكله المعتادة؟
هز رأسه بنفي، ثم طالعها بطرف عينيه وقال بنفور واضح وهو يراقب خلجاتها بتركيز:
قاسم… قاسم خرج من السجن.
ابتلعت ريقها بتوتر واضح وسألته وهي تجاهد كي تبدو نبرتها طبيعية:
هل تقصد قاسم إبن عمي؟
أومأ مؤكدًا وقال بسخرية ممزوجة بالكراهية:
وهل نعرف سجناء بالعائلة غيره؟
ارتجفت أصابعها كارتجاف قلبها بضلوعها وقالت باقتضاب:
هل رأيته ؟
أومأ موافقًا وقال:
أجل، رأيته والجيران يتجمهرون حوله بترحيب وكأنه قد تسلم جائزة نوبل وعاد لتوّه، وليس وكأنه مجرم قضى عشرة أعوام كاملة في السجن.
ألقاها باقتضاب ونهض من مقعده وقال بحدة:
هيا أسرعي بتحضير الغداء، لا متسع من الوقت لديّ، يجب أن أعود قبل أن يفتعل ابنكِ الكثير والكثير من البلايا.
خرج من المطبخ، ووقفت تنهي إعداد الطعام وهي شاردة وطيف الماضي يلوح بخيالها ولم تنتبه إلا عندما شعرت بالسكين وهي تجرح إصبعها فشهقت ألمًا وألقت ما بيدها، وأسرعت تضع يدها تحت الماء الجاري.
حينها غادرت عيناها دمعةً غدرًا فأزالتها سريعًا وأحضرت منديلًا ولفتهُ حول إصبعها، ثم شرعت بنقل أطباق الطعام إلى السفرة حيث ينتظر زوجها.
***
كان يصعد درجات السلم لأول مرة بعد غياب دام لعشر سنوات وهو يتفحص المكان بعينين مشتاقتين متوهجتين بلهيب الذكريات التي قضاها بذلك البيت الأصيل وبين جدرانهُ تلك التي رسم الزمن آثارهُ فوقها كما فعل معهُ.
توقف لبضع ثوان أمام ذلك الباب ونظر إلى البطاقة المعلقة على الحائط بجوار المقبس والتي دُوّن فوقها إسم " عبدالله الحداد ".
أصابه الإسم بعاصفة من الاستياء والشعور بالقهر، وأغمض عينيه لثوانٍ معدودة وهو يحاول القفز خارج تلك الهوة التي ابتلعته فجأة وجعلته ينصهر داخل بركان مليء بالحقد والغضب، وفجأة أضاءت صورتها بمخيلته لتتفاقم آلامه وتدمي جروحه أكثر.
شعر بالضيق والعجز يجتاح قلبه وهو يحاول كبح جماح الذكريات اللعينة التي قفزت إلى خاطره فجأة؛ فتنهد طويلًا ثم تابع خطواتهُ للأعلى حتى وصل أمام شقة عمه " صالح ".
أفتر ثغرهُ عن ابتسامة وهو يضغط زر الجرس بترقب، وما إن رفع إصبعه من فوقه حتى انفرج الباب وظهرت تلك الحسناء الـغريبة التي لم يتعرف عليها ، أو بالأحرى لم تمهله الفرصة كي يتعرف عليها؛ فبمجرد أن رأتهُ حتى توسعت حدقتيها بذهول وقفزت فوقه تطوّق عنقهُ بيديها.
***
جلست " عنبر " على المقعد المجاور لزوجها وهي تعبث بطبقها وتتصنع الانشغال بتناول الطعام؛ فلاحظها زوجها وقال باستهجان خفي:
ما بكِ عنبر؟ لمَ تعبثين بطبقكِ هكذا؟
نظرت إليه بعينين شاردتين وحاولت جهدها أن تنفض عنها ذلك الشرود الأحمق الذي عصف بها منذ رؤيته وقالت:
ها؟ أشعر فقط بألم في رأسي.. على ما يبدو أنني يتوجب عليّ زيارة الطبيب في أقرب وقت، على كل حال أنا ليس لدي شهية للأكل، أكمل غدائك وأنا سأتناول حبة مسكن وأتسطح قليلا علّني أرتاح.
همت بالوقوف ولكنه أسرع بوضع كفه فوق يدها يمنعها من المغادرة وقال بابتسامة متصنعة:
لا يمكنكِ عزيزتي.
طالعتهُ باستغراب وقبل أن تسأل عما يقصده كان قد أجابها وقال:
لا أستطيع الاستمتاع بغدائي إلا وأنا أشاهد ملامحكِ المحببة قربي.
زفرت بخفة وقالت وهي تسحب كفها من قبضته بهدوء:
حقًا لستُ في حالة جيدة الآن.
طالعها بوجهٍ خالٍ من التعابير وقال:
لِمَ؟
صرخت به بنفاذ صبر وقالت بحدة:
قلتُ لك أشعر بصداع يفتك برأسي، رأسي يؤلمني عبدالله وشهيتي مسدودة.. تناول غدائك وأنا سأرتاح قليلًا. هذا كل ما في الأمر.
كان يمضغ الطعام ببطء وهو يراقب انفعالها الواضح وتنهد بصوت مسموع، ثم نهض عن المائدة وهو يقول بهدوء:
وأنا أيضا فقدت شهيتي.
ذهب بعدها إلى الحمام وغسل يديه، ثم خرج من الشقة بهدوء، وبمجرد ما إن سمعت عنبر صوت الباب حتى تنهدت وهي تخرج كل تلك الأنفاس المحتبسة داخل صدرها.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب، ثم تقدمت من فراشها وألقت بجسدها خائر القوى، وأغمضت عينيها تطبقهما فوق دمعتين غادرتين تكادان تفطران قلبها، وغفت.. لا تعلم هل غفت طواعية أم أجبرت نفسها على النوم حتى لا تنصهر روحها وتصرخ منهارةً بعد ثبات دام طويلا..
و الآن فقط أصبح على المحــك !
***
تيبس قاسم بمكانه وهذه الفاتنة المجهولة لازالت تتعلق برقبته وهو بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه بعد المجهود المضني الذي أودى بآخر ذرات تحمله، وعندما لم يجد بدا من إطلاقها لعنقه الذي تشنج إثر حركتها المباغتة قرر أن يحرر نفسه منها.
مد يديه و حل وثاق ذراعيها الناعمين بملمس الحرير من حول عنقه ، ثم أبعدها عنه قليلا وهو لايزال ممسكًا بذراعيها وقال بترقب:
من أنتِ؟
فور سماعها سؤاله أجفلت وارتفع حاجبيها في إشارة واضحة منها لاستنكارها سؤاله وقالت فورًا بحنق:
يا إلهي قاسم !! ألا تذكرني؟
قطب جبينه أكثر وهو يتفحص ملامحها القريبة منه بتركيز أكبر وسرعان ما إرتفعا حاجبيه هو الآخر وقال بدهشة:
حياة !!
انفرجت أساريرها وهزت رأسها بموافقة وعادت تحتضنه بقوة أكبر حتى أنه ذهل أكثر من ذي قبل؛ فللمرة الثانية على التوالي تحتضنه تلك الطائشة بحميمية وكأنها لاتزال طفلة في العاشرة وتقول بفرحة عارمة:
يا إلهي لقد اشتقتُ إليك كثيرا، كثيرًا جدًا يا قاسم.
حاول فك عنقه من بين ذراعيها اللذان يطبقان فوقه بقوة لكن دون جدوى وقال:
وأنا، اشتقت إلى الجميع أيضًا، هلّا أطلقتِ عنقي؟ سيتشنج هكذا.
أطلقت سراحه وابتعدت قليلا تجول بعينيها على تقاسيم وجهه المحببة لديها وسرعان ما هتفت:
يا إلهي! لقد كبرت جدًا عن آخر مرة رأيتك بها.
أصابه الازعاج فور أن أتت على ذِكر ذلك الأمر وقال بحنق بالغ:
حسنا كبرت، ولكن ليس بهذا القدر. توقفي عن المبالغة.
ومرر أصابعه بخصلات شعره الأسود الغزير بخيلاء وكأنه يثبت لها أن ما قالته لا يحمل أي أساس من الصحة.
حدقت به حياة لدقيقتين قبل أن تنفجر ضاحكةً بصوتها العذب الرنان على حركته الصبيانية وما كان منه إلا أن ابتسم لسماع ضحكتها المفعمة بالحياة تمامًا كاسمها.
أمسكت بمعصمه وهي تدخل وتجرهُ خلفها للداخل وهي تقول:
تعال أيها المغرور، اجلس ريثما أحضر لك قدح القهوة الخاص بك.. لا زلت أذكر قهوتك قاسمي المتغطرس، قهوة مضاعفة بدون سكر.
تسمر بمكانه وهو ينظر للداخل وقال:
على ما يبدو لا أحد بالداخل!
عادت تنظر إليه بابتسامتها المشرقة وهي لاتزال ممسكةً بمعصمه وقالت:
أجل، أمي بالسوق كعادتها وأبي ذهب لزيارة " عزيز " ابن عمي .
تجهم وجهه قليلًا وقال بنبرة مستاءة:
ما به؟
لم تغفل عن لمحة الألم بعينيه ونبرته المهزوزة بعض الشيء وقالت:
أُصيب في حادث سيارة منذ ثلاثة أشهر تقريبا .. اصطدمت سيارته الأجرة بشاحنة نقل و…
توقفت عن الاسترسال فازدرد ريقه بتوتر واضح ونظر إليها بطرف عينيه وسأل بتردد وخوف واضح من إجابتها:
هل كانت معه؟
هزت رأسها بالنفي على الفور وقالت:
لا .. أسيل.. أسيل هي من كانت معه حينها.
ظهر الألم جليًا بعينيه وقال بلهفة لم يستطع إخفاؤها:
يا إلهي، هل تأذت؟
انقلبت شفتيها بحزن واضح وأومأت بتأكيد ثم نطقت بخفوت:
توفيت .
***
_ لا الآن ولا حتى بعد مئة عام، أنت ملكي أنا فقط.. هل تسمعني؟
صرخت عنبر بتلك الكلمات وهي تبكي وتنتحب بحرقة بينما يقف هو متعجبا حالتها وهو يقول مبتسما:
أسمعكِ حبيبتي المتملكة، حسنا .. أنا ملككِ أنتِ فقط ، هيا توقفي عن البكاء إذا، تبدين كالمهرج بأنفكِ الأحمر هذا.
ضربت صدره بقبضتها وهي تنهره قائلة:
توقف أولا عن إستفزازي وإثارة حنقي يا بغيض.
ضحك قاسم بقوة وهو يقترب منها أكثر وعيناه تشعان بالحب ، ثم انحنى نحوها قليلا وهو يقول:
حبيبتي الغيورة، ألا تدركين أنني أعشق إثارة غيرتكِ فقط ؟
تجهم وجهها أكثر وقالت بعصبية:
هل تعني أن كل ما أخبرتني به منذ قليل عن علاقتك بتلك الحمقاء ما هو إلا مجرد مزحة من صنع خيالك الوقح؟
أومأ ضاحكا وقال:
أجل، تعلمين أنه كلما اقترب موعد زفافنا تتقافز الوقاحات إلى خيالي ولا أجد سبيلا لكبتها.
لكمته بقبضتها في صدره بغيظ وهي تقول:
أيّها الكاذب البغيض .. فلتذهب إلى الجحيم أنت ووقاحاتك أيها الوقح.
ضحك قاسم بقوة أكبر وهو يقول:
حسنا إهدئي.. كانت مجرد مزحة يا عنبر المجنونة.
انتزعت نفسها من بين يديه عنوةً وهي تقول بحنق بالغ:
دعني، من اليوم وحتى يحين زفافنا لا أريد رؤيتك.
ونزلت درجات السلم وهي تجاهد كي تمنع ابتسامتها البلهاء التي لا تستطيع كبحها كلما تعلق الأمر بحبيبها. و أي حبيب! إنه قاسم.. حبيب عمرها .. حبيبها منذ أن أدركت أنها تحمل قلبا ينبض.
نزلت عنبر درجات السلم غافلةً عن هاتين العينين الحاقدتين اللتين كانتا تراقبانها بغضب مستعر لم يخبُ يوما، ولم تعرف وقتها أن تلك السعادة التي كانت تتغنى بها لن تدوم طويلاً!
شهقت عنبر كالغريق الذي طفا فوق سطح الماء فجأة وجلست بمكانها على الفراش وأخذت تدلك عنقها وتستغفر بعد أن أدركت أنها لم تكن نائمة، هي فقط كانت تغوص بماضيها القاسي والآن أفاقت على حاضرها الأشد قسوة.
***
جحظت عينا قاسم وهو ينظر إليها مصدومًا ولا يجد ما يقوله، بينما هي تطالعه بملامح متألمة وقالت بنبرة آسفة:
قدر الله وماشاء فعل.. حنان لاتزال صغيرة وسيعوضها الله قريبا.
غامت عيناه بلمحة حزن وشفقة وردد:
كيف حالها الآن؟
ابتلعت ريقها بحزن وقالت:
كانت صدمة شديدة. في البداية لم تحرك ساكنا.. لم تصرخ لم تبكِ ولم تتفوه بحرف حتى، لدرجة أننا خشينا أن تكون الصدمة قد أفقدتها النطق. ولكن بعد يومين من وفاة أسيل ومن تماسك حنان المريب وجدناها انهارت فجأة وأصيبت بنوبة عصبية.
تنهدت بأسف وحزن وهي تتذكر تلك اللحظات العصيبة وأردفت:
حتى أنها حاولت الانتحار.
صعق قاسم لما سمعه ونظر إليها بنظرات متألمة؛ فأخذت تربت على كفه وهي تسترسل:
أقمتُ معها لأسبوعين وكنت أعتني بها خاصة أن عزيز كان قد دخل في غيبوبة وحالته لم تكن مستقرة أبدا، كان أبي وعبدالله يرافقانه بالمشفى ويتناوبان في زيارته والمبيت معه، وكنت أنا وعنبر نتناوب في زيارة حنان والمبيت معها، وأمي كانت ترعى أولاد عنبر هنا وتأتي لزيارتنا كل يومين.
تنهدت حياة وهي تسترجع تلك اللحظات المؤلمة وقالت:
بدأت حنان تستعيد وعيها شيئا فشيئا بعد أن كانت شبه منفصلة عن الواقع، بدأت تأكل وتتحدث بضع كلمات معنا ، وعادت تؤدي فروضها وتبتهل إلى الله كي يلهمها الصبر ويشفي زوجها.
وأضافت بابتسامة خافتة:
تعرف أنها تعشق عزيز وهو كان آخر أملها في الحياة حينها.
لم يظهر عليه أي إنفعال أو رد فعل مما حثها على الاسترسال:
بعد أسبوعين تقريبا من وقوع الحادث أفاق عزيز من الغيبوبة وبدأت حالته تستقر بمرور الوقت؛ مما بث الأمل في قلبها من جديد وقررت الخروج من عزلتها سريعا حتى يتسنى لها مراعاة عزيز بالمشفى، وقد كان.
تنهد قاسم بعد سماع كل تلك التفاصيل المشحونة بالألم والحزن، و مسح وجهه بكفه مستغفرا وقال:
سأصعد لأرتاح قليلا.
نهض فتبعته هي واقفة وهي تقول:
ألن تذهب لتعزيتها ومواساتها ؟
لم يُجب سؤالها وقصد باب الشقة، ثم خرج وصعد إلى شقته على الفور وكأن أحدهم يلاحقه، توقف أمام الباب للحظات ريثما يستعيد أنفاسه المتلاحقة حتى أنه لم يستمع إلى نداء حياة باسمه إلا في المرة الثالثة.
نظر إليها ليجدها تمد يدها إليه بمفتاح الشقة وقالت بأسف لرؤية ملامحه المتعبه:
كان بحوزة أبي من يومها.
أومأ بصمت وأخذ منها المفتاح ثم فتح الباب لتتوقف نبضات قلبه لثواني وقد شعر بدفعة هائلة من الذكريات تتهاوى نحوه بمجرد أن فتح الباب.
برؤية حاله لم تتفوه حياة بحرف زيادة، فقد كانت تشعر بمقدار الألم الذي يعتري صدره وقررت تركه ريثما يستعيد بعض من قوته التي انهارت في أول أيام عودته.
***
دخل قاسم بخطوات متأنية وهو يمسح المكان بعينيه الدامعتين، يتفقد كل ركن ويسترجع كيف كان قبل عشر سنوات، يتأمل تلك الإطارات المعلقه على الحائط والتي تضم صور عائلته الصغيرة.
كان لديه عائلة صغيرة جميلة قبل عشرة أعوام فقط.. ولكنها .. كانت !
أخذ يمرر أنامله على صورة والديه، بعدها صورة شقيقته التي كان يضمها بكل حب، في الصورة الموالية كانت والدته تحتضنه هو وشقيقته وخلفهما يقف والدهما مبتسما، صورة أخرى وهو يحمل شقيقته الشابة خلف ظهره ويبتسمان بسعادة، والكثير الكثير من الصور التي لم يعد أيا من أصحابها موجود الآن.
تنهد قاسم بقوة وأكمل خطاه نحو غرفة والديه، دخل متأملا كل تفصيل بالغرفة وعقله يقارن مقارنة سريعة بين كل التفاصيل الآن وقبل عشر سنوات..
الحقيقة أن تلك العشر سنوات كانوا من القسوة بحيث سلبوه كل ما كان يملك.
***
إنتبهت حياة على صوت الباب فمسحت وجنتاها المبللتين بدموعها فورا وتنحنحت بخفة وهي تنهض من مكانها متجهة نحو الخارج وهي تنادي:
أمي .
دخلت صفية وهي تحاول التقاط أنفاسها بتعب، وجلست على أول مقعد وجدته وهي تضع الأكياس من يدها التي سارعت حياة بحملها ونقلها إلى المطبخ، ثم عادت وجلست بجوار أمها وهي تناولها كأس المياة وتقول بتذمر كعادتها:
لقد ملّ عم راضي من عرض المساعدة عليكِ كي يذهب ويبتاع لنا كل ما نحتاجه ثم يحضره إلى هنا ونحن جالسين بكل أريحية ولكنكِ ترفضين.
قالت المرأة وهي تنظر إليها شزرا:
عمك راضي ذاك يبتاع الخضر الآجنه.. أما أنا لا أشتري سوى الخضروات الطازجة ، ثم أن طبيب العظام الذي قصدته منذ فترة قال أنني علىّ القيام ببعض التمرينات البسيطة..
إرتفع حاجبها وقالت باستهجان:
وهل نزول الدرج وصعوده كل يوم بمثابة تمرينات؟
أجل بالطبع.
هزت حياة رأسها دون النطق بالمزيد قبل أن تلاحظ أمها احمرار عينيها فقالت بقلق:
هل كنتِ تبكين؟
نظرت حياة إلى أمها وأدركت للتو أنها لم تخبرها عن قدوم قاسم بعد؛ فارتجفت شفتاها قليلا وهي تبتسم وتقول:
أمي، لقد خرج قاسم من السجن اليوم.
نظرت إليها المرأه وقد شحب وجهها وجلف حلقها من شدة الصدمة مما أثار حفيظة حياة التي عقدت حاجبيها وقالت:
أمي، هل أنتِ بخير؟
ماذا؟ ماذا قلتِ ؟
سألتها أمها بخفوت فكررت عليها حياة ما أخبرتها به وقالت بابتسامة واسعة:
منذ ساعة تقريبا دق الباب، هرولت لأفتح ظنا مني بأن والدي قد أتى ولكني صُعقت عندما رأيته يقف أمامي بهيبته التي لم ينَل منها الزمن. أتعرفين أمي؟ كأنه لم يغِب سوى أيام قليلة، لم يتغير بملامحه شئ.
وتحولت ضحكاتها إلى قهقهات وهي تقول:
لو ترين وجهه عندما قلت له أنه كبُر جدا عما رأيته آخر مرة.. إغتاظ وكان على وشك خنقي.
كانت حياة تضحك بقوة غافلة عن والدتها التي كان يزداد شحوب وجهها أكثر بمرور كل ثانية؛ مما أدهش حياة فقالت:
أمي، ما بكِ؟
كانت صفية شاردة، ما إن سمعت اسمه حتى حضر الماضي أمامها وكأنه حاضرا يتجسد أمامها الآن، تقسم أنها تسمع وترى كل ما حدث يومها وكأن الدهر لم يمر أبدا.
لما يئست حياة من إستدعاء إنتباه أمها هزتها برفق وهي تقول بصوت بدا لصفية وكأنه يصدر من آخر العالم وقالت:
أمي، أين شردتِ؟
إنتبهت صفية أخيرا ونظرت إليها بتشوش وقالت:
يجب أن أخبر والدكِ.
نهضت على الفور من مكانها فلحقت بها حياة متعجبة وسارت خلفها باتجاه الغرفة وهي تثرثر كطفلٍ لحوح:
بما ستخبريه؟ والدي على وشك القدوم بالفعل، ثم لا تنزعي تلك المفاجأة يا أمي بالله عليكِ.
تنهدت صفية التي لم تستمع لما قالته ابنتها من الأساس ودخلت الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها مما أثار حنق حياة التي تمتمت بغيظ:
قلت لكِ مرارا يا أمي ألا تغلقي الباب بوجهي هكذا، وكأنني متسولة !
لم تُعِرها صفية اهتمام لأنها لم تسمع ما قالته أساسًا، جلست على حافة الفراش وهي تهمس لنفسها بصوت خافت شارد:
ما العمل إذا ؟ ماذا سيحصل الآن؟ لا يمكنهم المكوث سويا في نفس البيت أبدا، يا الهي ما تلك المصيبة التي سقطت فوق رؤوسنا !!
***
_ عزيزتي، إذا إحتجتِ أي شيء لا تترددي في إبلاغي، لقد أعطيت عزيز خمسة آلاف جنيها ربما تحتاجون لشراء أدوية أو أي شيء ، تعرفين لو باستطاعتي المساعدة بأكثر كنت سأفعل أكيد، ولكن تجهيزات العروس جعلتني على شفير الإفلاس.
ألقاها بنبرة متهكمة فضحكت حنان وربتت على كتف عمها وهي تقول:
أعلم ذلك عمي، على كل حال أنت فعلت وتفعل ما بوسعك ونحن نقدر لك ذلك كثيرا، شكرا لك.
لا تقولي ذلك، إنتِ إبنتي وعزيز إبني، سيتعافى قريبا إن شاء الله ويعود كل شيء كما كان.
تنهدت حنان بصمت وشردت عيناها الحزينتين؛ كيف سيعود كل شيء كما كان وقرة عينها لن تعود أبدا.
لاحظ عمها شرودها فتنهد بأسف وقال قاطعا عليها أفكارها الحزينة:
إذا إحتجتِ أي شيء هاتفيني، مع السلامه..
رن هاتفه في تلك اللحظة وكان المتصل زوجته فأجابها قائلا:
نعم صفية؟
مصيبة ، مصيبة وسقطت فوق رؤوسنا يا صالح.
تجهمت ملامحه لسماع نبرتها شبه الباكية فسألها بقلق:
ما بكِ يا إمرأة؟ ماذا تقصدين؟
قاسم.
شحب وجهه حينئذ وسألها بترقب:
ما بهِ قاسم؟
حدقت بهِ حنان بترقب وتوتر بالغين وهي ترهف السمع أكثر لصوت زوجة عمها المدوّي الذي يصلها عبر الهاتف وهي تقول:
قاسم خرج اليوم من السجن، وهو الآن بشقته. صالح، ماذا سنفعل؟ هل ستسمح له في تخريب كل شيء الآن؟ يا إلهي بالكاد إستقرت الأوضاع بينهما، هل ستتركه يعيث فسادا بحياتنا الآن ؟
تمتم صالح مستغفرا وقرص بين عينيه وهو يشعر بألم شديد برأسه، ثم قال باقتضاب:
نتحدث لاحقا.
أنهى الاتصال دون إمهالها فرصة للرد ونظر مليا لوجة بنت أخيه التي شحب لونها كالموتى وقال:
علي أن أذهب حالا.
هم بفتح الباب ولكن حنان إستوقفته قائلة:
سآتي معك.
ماذا تقولين أنتِ؟ عزيز لن يسمح لكِ أبدا.
سآتي معك، أود أن أراه.
ناداها بتحذير:
حنان، تريثي، عزيز لن يسمح لكِ بزيارته و…
توقف وتنهد ثم قال بأسف:
وقاسم لن يرغب في رؤيتكِ.
ظهر الألم جليًا بعينيها وقالت بحزن وندم:
أعرف، ولكن أنا أرغب في رؤيته مهما حدث، لا يهم إن طردني أو أهانني أو صفعني حتى، أود رؤيته يا عمي أرجوك.
تنهد صالح بقلة حيلة وقال بهمس:
حسنا، هيا إذا، عليكِ العودة قبل أن يفيق زوجكِ ويكتشف غيابك.
***
كان مستلقيًا فوق فراش والديه، شاخصا ببصره نحو سقف الغرفة في نقطة وهمية، شاردا يسترجع ما حدث قبل أن يخرج من تلك الشقة آخر مرة قبل عشر سنوات.
يومها صُدم بآخر منظر كان يتوقع رؤيته.. يومها مات قلبه وسُحقت آماله، يومها فر هاربا من البيت بأكمله والنيران تستعر بصدره ولم يهدأ إلا عندما رآها تنشب بالمحل الخـاص بذلك الحقير الذي دمره وسلبهُ كل شيء.
بعدها أُلقي القبض عليه، ثم حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، بعدها ماتت والدته قهرا، بعدها تحولت كل ألوان حياته إلى الأسود. الأسود فقط!
أفاق من ذكرياته القاتمة على صوت جرس الباب، نهض متثاقلا وتقدم نحو الباب بخطى حثيثة وفتحه وفور رؤية القادم تشنجت عروقه بتأثر بالغ!
وقفت حنان تطالعه بأعين باكية، كانت بصدد الارتماء والتشبث بحضنه ولكنها تراجعت فور أن رأتهُ يطالعها ببرود و حِدة و… و كره !
ابتلعت ريقها بخوف وتردد وما لبثت أن استعادت رباطة جأشها وقالت:
أعلم أنك لا تريد رؤيتي، ولكني… ولكني اشتقتُ إليك.
تأملها قليلا .. لقد كبرت، طبعت السنوات العشر آثارها عليها بكل دقة، حولت وجهها المشرق الباسم لوجه عابس منطفئ، حولت عيناها الضاحكتين الشغوفتين لأخرتين ذابلتين، حولت جسدها الممشوق لآخر هزيل.
طالعها قاسم بدقة أكثر، وبحزن وشفقة أكبر.. إنها ليست شقيقته أبدا.. المرأة التي تقف أمامه الآن ليست تلك الفتاة التي كانت تتمتع بكل مقومات الجمال والجاذبية سابقا.
تنهد بحسرة لرؤية حالها وتراجع خطوتين للخلف كإشارة لها للدخول ، تقدمت خطوتين منه وهي لازالت تتطلع نحوه بحزن وقالت:
اشتقتُ إليك كثيرا أخي.
لم يبدُ على وجهه أي تعبيرات مما أشعرها بالخوف والترقب إلى أن نطق أخيرا وقال:
لمَ أتيتِ؟
غص حلقها وارتجفت أطرافها وهي تستمع لسؤاله الذي كان بمثابة رصاصة أُطلقت نحو قلبها دون رحمة، أزالت دمعتين عالقتين بأهدابها ونطقت بصوتٍ بائس:
أعلم أنك لا تود رؤيتي، أعلم كذلك أنك غاضب مني بشدة.
ظهرت ابتسامة ساخرة على طرف فمه وهو يردد مستنكرًا:
غاضب؟
أكملت ما كانت بصدد قوله وقالت بنبرة باكية آلمت قلبه بقوة:
أعلم أنني أصبحت بمثابة ورقة من دفترك قطعتها وألقيتها وراء ظهرك.
جيد أنكِ تعلمين كل ذلك، ما الذي أتى بكِ إلى هنا إذا؟
تقوست شفتاها كالأطفال تماما وأجابتهُ بحزن واضح على عينيها البائستين:
أتيت لأني…..
توقفت الكلمات على شفتيها، لم تعرف ما عليها قوله؛ فهي تعرف أن شقيقها لا يتراجع عن موقفه بسهولة ابدا، لذلك تنهدت بقلة حيلة وقالت:
أتيت لأني وددتُ رؤيتك، والحمدلله أنت بخير. أعدك ألا أزعجك ثانية.. عن إذنك.
إستدارت لترحل قبل أن يطردها هو شر طرده ؛ فكما تعرف أنه طيب القلب ولطالما كان شهما وفيا مخلصا للجميع تعرف أيضا أنه لا يسامح من أخطأ بحقه أو خذله أبدا؛ لذلك قررت الرحيل .. يكفيها رؤيته بخير والباقي تحله الأيام.
تحركت خطوتين نحو الدرج ولكنها تجمدت بمكانها عندما سمعته يقول بنبرة متألمة:
البقاء لله.. .. فليعوضكِ الله خيرا.
استدارت إليه فجأة وكأن عاصفةً ضربت كيانها، وسرعان ما هرولت إليه وعانقته بقوة وانفجرت باكية.
أطبق قاسم جفنيه متألمًا وضمها بذراعيه بقوة وأخذ يمسح على شعرها بحنان، لن ينكر أنه اشتاقها، وكيف لا وهي صغيرته التي رباها واعتنى بها، إبنته منذ خُلقت وحملها بذراعيه الصغيرين واختار لها إسمها.
كانت ترتجف وتنتحب بصوتٍ عالٍ وتردد بكلمات متداخلة:
ابنتي توفيت يا قاسم، أسيل ماتت.. قلبي يؤلمني بشدة أخي.. كلما حاولت النسيان لا أستطيع، ليتني أنا من مات..
أغمض عينيه بقوة كي لا تتساقط تلك العَبرات اللعينة التي تغشي عيناه؛ فلا أحد قادر على زلزلة كيانه وجعله يتخلى عن ثباته بقدر شقيقته ، ربت قليلا فوق رأسها محاولا مواساتها وقال:
اهدئي حنان، ربط الله على قلبكِ حبيبتي.
كأن كلماته هي البلسم الذي وضع فوق جرحها الغائر، بالرغم من أن جميعهم كانوا يواسونها بنفس الكلمات ولكن من أخيها كان لها تأثير أبلغ، أو أنه حضن أخيها الذي يسعها دائما حتى لو لم يرغب هو في ذلك ؟
تنفست بهدوء وهي تهز رأسها بموافقة وقالت:
الحمد لله.. علي أن أعود قبل أن يستيقظ عزيز و…
قطعت كلامها بعد أن أدركت أنه ما كان عليها قول ذلك ولعنت غبائها، بينما إبتسم قاسم ساخرا وهو يقول:
كنت أعرف أنكِ تخفين عليه مجيئكِ إلى هنا، مؤكد أنه كان سيمنعك.
توترت وأشاحت بعينيها عنه وهي تقول بتلعثم واضح:
ليس كذلك..
بلى، هو كذلك.
قالها بحدة أجفلتها ثم قال:
لا تأتي لزيارتي مجددا.
قطبت جبينها بألم حقيقي وقالت:
تعني أنك لا تود رؤيتي ثانيةً؟
نظر إليها بعينين حمراوتين وقد اشتعل بهما لهيب الماضي المؤلم وقال:
لا أود أن تتسبب لكِ زياراتك عديمة الجدوى تلك في المتاعب.
أخفضت رأسها أرضا لا تجد ما تجيبه به؛ ففي النهاية هو محق، إن علم زوجها أنها ذهبت لزيارة أخيها سيهدم المنزل فوق رأسها.
ربت قاسم على كتفها وهو يطالعها بهدوء دون اظهار أي رد فعل وقال:
هيا قبل أن يستيقظ زوجكِ العزيز.. ولا داعي أن تقلقي بشأني، سأكون دائما بخير.. كما سبق وكنت.
أومأت ومالت عليه تعانقه مرة أخيرة ثم غادرت.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثاني 2 - بقلم نعمة حسن
كان صالح يجلس على حافة الفراش بجوار زوجته وحاله لا يفرق كثيرا عن حالها، وجهه شاحبا والبرودة تسري في أطرافه حتى أنه شعر بالارتجاف قليلا.
_ صالح، لمَ أنت صامت هكذا؟ أليس لديك ما تقوله؟
_ ماذا عليّ أن أقول؟ كنا نعرف أنه مهما طال الزمن أكيد سيخرج من السجن ويعود إلى بيته، في النهاية هذا بيته ولن نستطيع منعه من البقاء به.
استمعت لكلماته وقالت بسخرية:
_ حقا؟ وماذا بخصوص إبنتك؟ ترى هل سيدعها وشأنها؟
_ أكيد، أنتِ لا تعرفين قاسم مثلما أعرفه أنا، قاسم شهم ولن يحاول التعرض لها ابدا.
_ قاسم شهم برأيك؟ أترى أن الشهم الذي سُجن ظلم وأفنى من عمره عشر سنوات كاملة عندما يخرج من السجن سيظل شهما كما كان؟
_ ها قد قلتِها، سُجن ظلم.
_ حسنا، ولكن هذا لا يفيد الآن، صالح.. ابنتك الآن متزوجة ولديها طفل وبالكاد إستطاعت أن ترمي الماضي وراء ظهرها وتنشئ حياة مستقرة مع زوجها، ولكن بظهور ابن أخيك الآن لن يكون شيء كالسابق أبدا صدقني. قاسم أكيد يفكر في الانتقام الآن.
نهرها صالح على الفور وقال بحدة:
_ بأية حماقة تتفوهين صفية؟ قاسم طيب وشهم ومعدنه أصيل، يعرف أنها لا ذنب لها فيما حدث، والآن برؤية طفلها وحياتها المستقرة أكيد لن يمسها بأذى أنا أثق به.
كانت صفية تضرب صدرها تارة وفخذيها تارة أخرى وهي تنتحب بصمت وقالت بإصرار:
_ لكن أنا لا أثق به، ولأكون صريحة معك لا أثق بابنتك.. يا إلهي لا يمكننا وضع النار بجوار الوقود.. قاسم لن يدعها وشأنها أنا متأكدة وهي لن تصمد أمامه كثيرا. حمقاء وأعرفها.
عن ذكر تلك السيرة هب واقفا بغضب وقال بحدة أجفلتها:
_ أية نار وأي وقود يا مخبولة؟ صفية اسمعيني وأبلغي بدوركِ هذا الكلام لإبنتكِ الحمقاء لأنني لن أكون متفهما أبدا إذا اضطررتُ لإبلاغها إياه بنفسي، أي خطأ من الآن فصاعدا هي وحدها من ستُحاسب عليه.. وحدها يا صفية.
كان بصدد الخروج من الغرفة فأسرعت تتشبث بيديه وهي ترجوه قائلة:
_ صالح أرجوك، اصعد وتكلم معه قليلا حتى تستشف ما ينوي عليه، انصحه أن يترك تلك الشقة ويستأجر غيرها في مكان آخر، حتى.. حتى أنه من الممكن أن نقايضه ببيت المعمورة إذا أحب، المهم أن يبتعد عن هنا بأسرع وقت.
زفر الرجل بغضب وقلة حيلة ولم يعقب، خرج صافقا الباب خلفه واتجه إلى شقة قاسم والتوتر قد أوهن ركبتيه.
***
كان يستلقي نصف جالسًا وهو يمسك بهاتفه ويتحدث به بثبات يترك أثرا في نفس من يحدثه:
_ حسنا سيد أكثم ، سأمر بهم غدا وحينها نتحدث في التفاصيل. مع السلامة.
أنهى الاتصال وأمسك بالهاتف يقلبه بين يديه بشرود قبل أن يصل إلى مسامعه صوت جرس الباب.
نهض مخمنا هوية القادم وما إن فتح الباب حتى ظهرت ابتسامته الواثقة وهو يقول بترحيب:
_ عمي، أهلا بك.
عانقهُ صالح مربتًا على كتفيه وهو يقول بصدق:
_ حمدا لله على سلامتك يا بني، لقد اشتقنا إليك كثيرا والله.
_ وأنا اشتقت لكم يا عمي، تفضل.
ولج صالح وتقدمهُ قاسم للداخل مشيرا بيده إلى شرفة الصالون وهو يقول:
_ تفضل يا عمي، ما رأيك أن نجلس بالشرفة؟ كما ترى الشقة مغطاة بالأتربة والعنكبوت ينسج خيوطه في كل مكان .
ضحك عمه وهو يتفحص المكان من حوله بحنين وقال:
_ نعم، لو كنت أعلم ميقات خروجك كنت استدعيت إحدى عاملات التنظيف ولكنك فاجأتنا.
إبتسم قاسم وهو يبسط كفه أمامه مشيرا له بالدخول وهو يقول:
_ لا بأس، القليل من الأتربة والعناكب لن تضر، لقد تعايشت مع ما هو أسوأ بكثير فلا بأس.
ألقاها قاسم ضاحكًا أما عمه فلم تعرف الابتسامة سبيلا إلى شفتيه ، أومأ بصمت ودخل إلى الشرفة أسرع قاسم ينفض الغبار عن المقعدين اللذين تتوسطهما طاولة صغيرة مستديرة ثم أشار لعمه بالجلوس وجلس مقابله وقال:
_ كيف حالك يا عمي؟
_ بخير إبني، أنت كيف حالك؟
ابتسم الآخر برضا وقال:
_ بأفضل حال كما ترى.. كيف حال زوجة عمي؟ سأمر لرؤيتها في وقت لاحق.
_ بخير بني، عادت لتوها من الخارج وستصعد لرؤيتك بعد أن تستريح، نستعد لزفاف حياة بعد العيد لذلك ليست متفرغة لحك أنفها حتى.
شبك قاسم أصابعه، وألقى نظرة خاطفة على الطريق من أمامه، ثم عاد بنظره إلى عمه وقال:
_ ممن ستتزوج حياة؟
_ شابًا محترم يدعى خالد، طبيبًا صيدلانيًا وصيدليته بميدان الساعة، وفوقها شقة الزوجية التي ستتزوج فيها حياة.
أومأ قاسم بهدوء وعاد يتأمل أضواء المدينة من حوله بشرود، ثم نظر إلى عمه مجددا وسأل بتردد:
_ و عنبر، كيف حالها؟
أحس صالح وكأن الكلمات جفت بحلقه ونظر إليه مشدوهًا، ثم تنحنح محاولا استعادة توازنه وأجاب باقتضاب:
_ بخير ، لديها الآن طفل يبلغ من العمر عشرة سنوات، وحياتها مع عبدالله مستقرة الحمدلله.
أخفى قاسم إنفعالاته ببراعة ورسم الرضا على ملامحه باحتراف وقال:
_ الحمد لله.
أسرع صالح يسأله:
_ وأنت؟ ألا تنوي الزواج والاستقرار؟
كان رجاءًا أكثر منه سؤالًا ؛ فأخشى ما يخشاه صالح أن يصدق حدس زوجته وأن يكون قاسم قد عاد لينتقم فقط!
التقط قاسم نبرته المهزوزة وملامحه المتوسلة بعينيه الثاقبتين وقال:
_ ليس بعد، لدي خططًا وطموحاتًا أهم من الزواج والاستقرار، ولكن على كل حال سأتزوج ، في النهاية لن أبقى أعزب ما تبقى من عمري.
تنهد صالح بارتياح جاهد في إخفائه وقال:
_ يفعل الله خيرا يا بني.
***
في المساء.
جلست حياة أمام طاولة الرسم خاصتها والتقطت أحد الأقلام ثم رفعت شعرها بواسطته وبدأت بإكمال تلك الرسمة التي كانت بصدد إنهاءها بالفعل قبل مجيء قاسم، قاطعها رنين هاتفها فأسرعت تلتقطه وأجابت بحماس شديد:
_ مرحبا حبيبي.
أتاها صوته الأجش الذي يثير عاطفتها بشدة وقال:
_ مرحبا عزيزتي، كيف حالكِ؟
_ بخير، وأنت ؟
_ أصبحت بخير الآن بعد أن سمعت صوتك.
تنهدت بحالمية واتسعت ابتسامتها مردفةً بحب:
_ اشتقتُ إليك كثيرا، لمَ لا نخرج سويا لبعض الوقت، أشعر بالملل الشديد.
_ أعلم حبيبتي ، ولكن للأسف لا أستطيع مبارحة الصيدلية تلك الفترة ، أعدِك أن أصطحبك قريبا ونخرج لأي مكان تفضلينه.
ابتسمت وقالت بلطف:
_ لا عليك يا خالد، أعلم أنك لست متفرغًا وأقدر ذلك، أنا فقط اشتقت إليك.
_ وأنا اشتقت إليكِ يا قمري، حياة.. لقد وصلتني أخبار أن ابن عمك المسجون قد أطلق سراحه اليوم. هل هذا صحيح ؟
أجابت بحماس:
_ نعم، بالمناسبة .. لا بد أن تتعرف عليه فهو شخصية لطيفة جدا ومرح و…
_ حياة.. لمَ عليّ التعرف على مجرمًا كهذا؟ لقد اتصلت بكِ كي أحذركِ من الحديث معه .. إياكِ وأن تتعاطي معه أو تجالسينه بمفردك، ولا حتى برفقة أهلك.. لا تظهري أمامه ابدا.
قطبت جبينها بتعجب من موقفه العدائي الغير مبرر وقالت بضيق واضح:
_ أولا قاسم ليس مجرم ، ثانيا هو ابن عمي وبمثابة أخ أكبر وأنا أثق به كثيرا، ثالثا والأهم أنا لن أقبل أن تتحدث عنه بتلك اللهجة أبدا.
على الجانب الآخر قصف صوت خالد مدويّا وهو يقول بعصبية:
_ ماذا دهاكِ حياة ؟ أقول لكِ أنه مجرم و….
كبح لسانه بصعوبة واستطرد محاولا التحلي ببعض الهدوء:
_ اسمعيني حياة، أنا لا أتكلم عبثا أبدا ولا أنطق بما لا أعلم، لقد تقصيت عن ابن عمك المبجل سابقا والمعلومات التي عرفتها غير مشرفة بالمرة ؛ لذلك أنا أطلب منك… لا.. أنا آمرك أن تبتعدي عنه تماما وأن تقطعي صلتك به نهائيا و إلا…
قاطعته حياة هاتفة بحنق وهي تقول:
_ و إلا ماذا يا دكتور؟
تنفس خالد الصعداء وقال برصانة أكبر جاهد في الحصول عليها:
_ قمري، اسمعيني من فضلك.. تعلمين كم أحبك، أليس كذلك ؟
_ بلى.
_ جيد، وتثقين في، أليس كذلك ؟
_ بلى.
_ ممتاز، عزيزتي.. ابن عمك هذا مصيبة ووقعت فوق رأس العائلة بأكملها، أنتِ لا تعرفين عنه شيئا مما أعرفه أنا.. ولأكون صريحا معكِ ما أعرفه لا ينبغي أن تعرفيه أنتِ.. أنا أعرفك جيدا.. حساسة وهشة للغاية ولن تتحكمي في ردات فعلك أمامه وإذا أخبرتك ما أعرفه قد تصفعينه في أول مرة يظهر فيها أمامك.
ابتلعت ريقها بصعوبة وخوف وهي تقول:
_ ما الذي تعرفه بخصوص قاسم؟ أخبرني حالا.
_ ما أعرفه لن يفيدك بشيء، قمري اسمعيني جيدا.. قاسم هذا مختل عقليا على الأرجح، أرجوكِ لا تتعاطي معه أبدا، عِديني.
اختلطت الأفكار والظنون برأسها وتشوشت بشدة حتى أنها لم تسمعه إلا عندما كرر طلبه:
_ عِديني قمري.
تنهدت حينها وقالت بإذعان:
_ حسنا أعِدك.
تنهد بارتياح قائلا:
_ حسنا حبيبتي ، والآن اذهبي للنوم كطفلة مطيعة ولا تكلفي نفسك عناء التفكير والتخمين، سأخبرك كل شيء في الوقت المناسب.. مع السلامه.
أنهت حياة الاتصال وظلت لدقائق شاردة لا تعرف ما الذي عليها أن تفكر به، اتصال خالد أربكها و شوش فكرها للغاية، وما تلك الحماقات التي تفوه بها؟ قاسم . مختل عقليا ؟!! مجرم؟!!! يا إلهي لا يعقل.. هي تعرف أنه حُكِم لعشر سنوات كاملة وهذا فقط كل ما تعرفه عن ظروف سجنه وتلك التجربة القاسية التي عاشها، لكن لا تعرف السبب الذي استحق عليه السجن كل تلك المدة! لقد سألت مرارا وتكرارا حتى جف حلقها ولم يخبرها أحدا بالحقيقة، كل ما تكرموا به أنه ارتكب خطًأ فادحًا استحق عليه ذلك العقاب! إذا ما هو ذلك الخطأ ؟؟ لا تعرف.. والغريب أن كل تلك السنوات لم يذكر أحدهم اسم قاسم بتاتًا وكأنه ليس فرد من أفراد العائلة! وكأنه فعلا مجرمًا خطيرًا واستحق النبذ !!
نزعت القلم من شعرها عندما أحست بالصداع يداهمها وأسقطت رأسها للخلف بتعب وهي تهمس:
_ يا إلهي! قاسم مجرم؟؟ مستحيل.
***
وقف قاسم أمام مرآة الحمام ومد يده يمسح بها آثار البخار كي يرى إنعكاس صورته بوضوح، تأمل شعره الأسود الغزير الذي طال كثيرا مؤخرا فكان يصل فوق كتفيه بقليل، ولحيته الكثيفة بلونها المحايد بين الأسود والبني، شاربه الكث المنمق، دار بعينيه على قسمات وجهه وكأنه يكتشفها لأول مرة، ثم التقط ماكينة الحلاقة الخاصة به وكبس الزر وبدأ بتمريرها على لحيته الطويلة ثم شاربه العريض، بعد أن انتهى عاود النظر لصورته في المرآة برضا ثم غسل وجهه والتقط المنشفة من موضعها وخرج.
فتح تلك الحقيبة التي أحضرها معه وانتقى منها سروالا من الجينز الأسود وقميصًا بنفس اللون ارتداهما على عجالة وخرج.
في تلك الأثناء كانت حياة بصدد الخروج من شقتهم، ولكنها تيبست بأرضها عندما رأت إبن عمها المجرم الوسيم وهو يركض بخفة فوق درجات السلم نحو الأسفل.
توقف قاسم أمامها مبتسما وألقى التحية بود:
_ مساء الخير حياة.
ترددت حياة وقفزت كل الكلمات التي ألقاها خالد إلى رأسها حتى أنها رمشت مرتين كعادتها عندما تتوتر وردت بصوت مهزوز بالكاد سمعه قاسم:
_ مساء الخير.
ضيق ما بين حاجبيه بتعجب وقال ببساطة:
_ لمَ وجهك شاحب هكذا؟
مدت يدها تتلمس بشرتها بعفوية وأجابت بخفوت:
_ أظنني على وشك الإصابة بنزلة برد.
زم شفتيه بأسف وقال:
_ وإلى أين في هذا الوقت المتأخر؟
أجابت فورا :
_ إلى شقة عنبر، هاتفتني وقالت أنها تشعر بالملل خاصة أن عبدالله سيعود متأخرا كعادة الخميس من كل أسبوع.
اهتز قلبه فور أن سمع اسمها ولكنه ابتسم محاولا التظاهر باللامبالاه وقال:
_ حسنا، أبلغيها سلامي الحار.
أومأت بصمت فاستدار ليكمل طريقه ولكنه توقف وعاد ينظر إليها فجأة فأجفلت وعادت برأسها للخلف بتحفز ونظرت إليه باستفهام فقال:
_ حياة، ألم يكن لون عينيكِ كهرماني؟ متى تحول للأزرق؟! حسب ما أذكر كانت عيناكِ مميزة جدا بلونهما الفريد ذاك.. أو أنني مخطئ ؟ يا إلهي هل غِبت مطولا لتلك الدرجة؟
رفرفت بعينيها مرتين ودق قلبها بتوتر وقالت بخجل واضح:
_ أجل معلوماتك صحيحة، لونهما كذلك.. هذه عدسات طبية.
ارتفع حاجبيه متعجبا وقال:
_ عدسات طبية؟
_ أجل، ضَعُف نظري واضطررت لعمل عدسات طبية واخترت أن تكون باللون الأزرق.
مط شفتيه في تعجب واضح مما أثار حفيظتها فسارعت بسؤاله:
_ أليست مناسبة؟
تفحصها أكثر وجال بعينيه على قسماتها الجميلة بتقييم وقال:
_ لا .. إطلاقا.
جحظت عدستيها الزرقاوتين بصدمة، لم تتوقع أن يكون فظا بهذا القدر، حسناا هي تتذكر عنه لمحات من طفولتها .. لطالما كان صريحا واضحا لا يحب المداهنة أو المراوغة، ولكنها لم تتذكر أنه كان يتصرف بقلة ذوق وفظاظة أبدا!
والآن.. بعد أن رماها بذلك التصريح الأحمق لا تعرف كيف عليها أن تتدارك الموقف وتخفي إحراجها كي لا تبدو ساذجة أكثر؛ فاكتفت بأن قالت:
_ شكرا.
شعر بأنه أحرجها .. أو ربما هو أحرجها بالفعل؛ فتنحنح وقال بنبرة مراعية أكثر:
_ أنا آسف لم أقصد مضايقتك أبدا ولكن عليكِ تقبل صراحتي بما إننا سنتقابل كثيرا من الآن فصاعد
ابتسمت بتكلف وقالت:
_ لا عليك.
ابتسم هو بصدق وقال:
_ لقد أخرتكِ .. عن إذنك.
_ تفضل.
إستدار ليكمل طريقه قبل أن تستوقفه هاتفةً:
_ قاسم، هل حلقت لحيتك؟
إستدار إليها باسمًا وقال:
_ أجل، من باب التغيير.
هزت رأسها بصمت فسألها بترقب:
_ ألا أبدو أكثر وسامة الآن؟
_ لا، إطلاقا.
أفحمتهُ بجوابها الهادئ وابتسامتها المتزنة فما كان منه إلا أن مرر أصابعه بخصلات شعره مخفيًا حرجهُ وقال مبتسما:
_ شكرا.
تألقت ابتسامتها أكثر وقد أدركت أنها أصابت هدفها ورددت:
_ على الرحب.
***
بعد قليل، ترجل قاسم من سيارة الأجرة عندما أبلغه السائق أنهما قد وصلا للعنوان المنشود.
وقف يتفحص المكان بدقة ثم تحدث في الهاتف قائلاً:
_ لقد وصلتُ، أنا الآن أقف عند البوابة الخارجية.
ثوان معدودة وانفرج الباب إلكترونيًا أمامه فدخل متجهًا نحو باب الڤيلا ليجد في انتظاره شابة سمراء ترتدي زيًا منمقًا استطاع أن يخمن أنها خادمة بالمنزل تحدثت بلغة غير مفهومة وهي تشير بيدها للداخل.
دخل قاسم وهو يتطلع إلى المكان من حوله بثبات قبل أن يجذب انتباهه صوت خطوات أنثوية متمثلة في رنين كعب حذاء عالي تتمايل صاحبته بخطىً رشيقةً للغاية.
بالرغم من أن صوت خطواتها أثار فضوله ولكنه لم يحرك ساكنا، لم يلتفت وظل ثابتا بمكانه إلى أن اضطرت هي للوقوف أمامه وهي تقول بابتسامة:
_ أهذا أنت قاسم؟
كانت أمامه امرأة شابة فاتنة للغاية، في عقدها الرابع تقريبا، مظهرها ينم عن الترف والرفاهية الشديدة التي تحياها؛ فكانت ترتدي فستانًا حريريا باللون الأخضر الملكي يصل لأعلى ركبتيها بقليل ويحتضن انحناءاتها برفق، إضافة إلى تلك المجوهرات التي يكفي ثمن القطعة منها لشراء بيت من عشرة طوابق في منطقته البائسة، ناهيك عن زينتها المصطنعة بواسطة مستحضرات التجميل العالمية.
كانت تلك نظرة تقييمية شمل بها قاسم تلك السيدة التي تقف أمامه تراقبه بعينين عربيتين أصيلتين بلونهما الأسود الحاد قبل أن تنتزعه من صمته وهي تقول:
_ لم أكن أعلم أنك شابًا وسيمًا بهذا القدر.
أخفض قاسم ناظريه عنها متمتمًا:
_ استغفر الله العظيم.
ثم عاد ينظر إليها وهو يقول باختصار:
_ نعم أنا قاسم، في الأمس عندما هاتفتِني لم أكن متفرغًا للأسف للمرور بكم، على كل حال أنا أعلم جيدا ماذا يتوجب علي فعله، لقد أخبرني سيد حبيب بكل شيء قبل خروجي من السجن.
أعادت شعرها للخلف بخيلاء وهي تتفرسهُ بعيناها الثاقبتان وقالت:
_ وما الذي أخبرك به سيد حبيب؟
_ استرجاع زمني __ إنه يكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أخبروا الطبيب سريعًا. !!!!
هتف بها قاسم بقوة وهو يحدث فرد الأمن الواقف خارج الزنزانة من خلال النافذة الصغيرة بالباب الحديدي، ثم عاد مسرعًا وجثا بجوار ذلك الرجل المغشي عليه أرضا وهو يحاول إسعافه بخوف بالغ.
حينها انفرج الباب وقام اثنان من العساكر بحمله ووضعه على السرير النقال، ثم نقله لغرفة طبيب السجن.
في تلك الأثناء كان قاسم يدعو ويبتهل إلى الله أن يبلغه السلامة، فقد كان يعتبره بمثابة أخ كبير له وهو الوحيد الذي استطاع أن يجعله يتأقلم على أجواء السجن سريعًا وكان ينصحه دائما كي يستطيع تجاوز تلك الفترة، إضافة إلى أنه استئمنه على أسراره وباح له عما يخبئه فما كان من قاسم إلا أن أفضى له ما بجعبته هو الآخر وقص عليه كل ما حدث معه بأدق التفاصيل، ومن يومها وقاسم بحماية سيد حبيب أبو المكارم، لا يستطيع أحد إيذائه ولا يسمح لهم حبيب بمضايقته حتى وطالما كف أيدي مجرمين الزنزانة عنه وكفاه شرورهم ومضايقاتهم التي لا بد أن ينالها أي مسجون حديث العهد بتلك الزنزانة.
بعد دقائق انفرج الباب الحديدي مصدرًا صريرًا عاليًا للغاية ودخل حبيب وهو يتأنى بخطاه فأسرع نحوه قاسم يساعده وأمسك بذراعه ووضعها فوق كتفه وهو يساندة حتى وصل لسريره.
جلس قاسم بجواره متسائلا بلهفة وخوف حقيقي:
_ هل أنت بخير؟
أومأ حبيب بتعب وقال:
_ لا تخف، أُبلي حسنا الآن، فقط كانت غيبوبة سكر.
إبتلع قاسم ريقه بخوف وقال:
_ ألم تتناول دوائك اليوم؟
أطلق الآخر ابتسامة ساخرة وقال:
_ لا، لقد مللت. سبعة أعوام كاملة أتناول يوميًا أقراص الضغط والسكر ولا جديد يذكر. الضغط مستقر والسكر مستقر .. وماذا بعد؟
_ ولكنك نجوت من موت محقق للتو!
_ وإذا؟ ألن يكون الموت بغيبوبة سكر أفضل من الموت البطيء الذي نعيشه؟ على الأقل سيقال لقد مات بغيبوبة سكر ولن يقال تعفن في السجن ومات بقهره في النهاية.
زم قاسم شفتيه بأسف على حال كلاهما ثم قال:
_ أثق بأنك ستقضي فترة عقوبتك وتخرج بخير، ستمر الأعوام الثمانية المتبقية كما مرت السبعة الماضية في لمح البصر، أنا الآن امامك أقول أن الباقي من فترة عقوبتي شهورا بسيطة وأنا الذي ظننتها أعوامًا لن تمر أبدا.
ضحك الآخر بسخرية، ثم اعتدل في جلسته وأمسك بيد قاسم وهو يقول:
_ اسمعني قاسم، لا أعلم إن كنت سأظل حيا حتى تنقضي محكوميتي أم سأموت قبلها، لست واثقا بخصوص ذلك الأمر أبدا، ولكن الشيء الوحيد الذي أثق به هو أنك مخلص لي، أعلم أنك لن تخون تلك الثقة أبدا ، لقد رأيتُ الخوف والقلق عليّ باديان في عينيك وأقدر لك ذلك وبشدة؛ لذا سأطلب منك شيئًا وأعلم أنك لن ترد طلبي هذا
أومأ قاسم موافقًا وأرهف السمع بتركيز فقال حبيب بوهن:
_ ابنتي وزوجتي. أود أن ترعاهما بعد خروجك من هنا، ابنتي الآن أصبحت شابة حتما، أود أن تصبح أخا لها وأنا أعلم أنني يمكنني الوثوق بك بخصوص ذلك جيدا. أما زوجتي..
وتنهد بتعب ثم استطرد قائلا:
_ ستعاني معها قليلا، أعلم ذلك أيضا، ولكنك أكثر شخص أمين رأيته بحياتي لذلك أعرف أنك ستحسن التصرف.
ود لو سأله عما يقصده ولكنه لم يمهله الفرصة حيث أضاف:
_ وفي المقابل سأعطيك شقة فخمة أملكها في حي سان لوران اعتبرها هدية زواجك عندما تنوي الزواج، ومبلغ بسيط تبدأ به حياتك بعد الخروج من هنا.
قاطعه قاسم بحزم:
_ ولكني لا أريد مقابل إطلاقا، سأفعل كل ما بوسعي كي أرعى عائلتك وألبي متطلباتهم إن أرادوا ذلك ولكن بدون مقابل، أنا لا أنتظر مقابل المعروف الذي أسديه لأحدا أبدا.
ربت حبيب فوق ظهر كفه بامتنان وقال:
_ أنا لن أتراجع عن إهدائك الشقة، فعلى كل حال ستتزوج بعد خروجك من هنا وأنا لن أكون متواجدًا كي أهديك إياها، أما المبلغ فليكن دَينًا، عندما تستقر أمورك يمكنك سداده حينها، وأرجوك لا تناقشني أكثر.
ابتسم له قاسم بامتنان شديد ، كان قد فكر بالفعل فيما يتوجب عليه فعله والبدء به حال خروجه من السجن وكيف سيبدأ ومن أين، وفي نهاية المطاف لم يصل لحل، فجاء ذلك الرجل فجأة وأهداه مفتاحا لكل الأبواب المغلقة بمنتهى البساطة.
ربت قاسم على كفه بامتنان شديد وقال:
_ شكرا لك يا سيد حبيب ، لقد فعلت معي ما لم يفعله أحد. أعدك أنك لن تندم على ثقتك بي أبدا.
***
_ عودة للحاضر _
قص قاسم عليها ما حدث يومها ولكنه استقطع الحوار الخاص بالشقة والمبلغ الذي أعطاهما حبيب له بناءً على طلب حبيب نفسه.
هزت السيدة رأسها بتريث وقالت:
_ وما المقابل؟ هل ستفعل كل ذلك معنا مقابل لاشيء ؟
تنحنح قاسم قائلا:
_ هذا يخصني أنا والسيد حبيب.
مطت شفتيها بتفكير وقالت:
_ على كل حال لا مانع لدينا أنا وسارة أن تكون حلقة الوصل بيننا وبين حبيب، هذا أفضل من التواصل مع أكثم البغيض مدير أعماله.
أومأ موافقا وقال:
_ من الآن فصاعدا سيكون رقم هاتفي بحوزتك أنتِ وآنسة سارة، إذا احتحتجا أي شيء بإمكانكما الاتصال بي دون تردد. عن اذنك.
***
دقت عقارب الساعة مشيرة إلى انتصاف الليل..
في تلك الأثناء خرجت عنبر من المطبخ وهي تحمل بعض التسالي وضعتها على الطاولة أمام أختها التي تتحدث بكل حماس وعفوية وتقول:
_ تعرفين عنبر؟ كلما نظرتُ إلى قاسم أشعر بأنه بئر عميق مليئ بالأسرار ومحاط بالغموض من كل جانب، تشعرين بأنه رجل يصعب اختراقه!
وضحكت بشدة وهي تقول:
_ وبالرغم من ذلك لدية ذرة حنق طفولي لم يستطع التخلص منها بعد.
ابتلعت عنبر ريقها بتوتر وقالت:
_ كيف؟ ماذا تقصدين.
_ منذ قليل رأيته على الدرج قبل أن آتي إليكِ، لقد قصر شعره بطريقة ملفتة، وعندما أخبرته أنه كان أفضل سابقا احتقن وجهه وشعرتُ بداخله يتآكل من فرط الغيظ.
وأطلقت ضحكة رنانة وهي تتذكر ما حدث، غافلةً عن عنبر التي غامت عيناها بالدموع ولم تعقب.
قالت الأخرى ببساطة وهي تتناول من طبق المكسرات:
_ بالمناسبة، يبلغك سلامه الحار.
نظرت إليها عنبر بدهشة وتخضب وجهها بالحمرة وقالت:
_ حقا؟
_ أجل.
اختنقت الكلمات بحلقها ولم تعرف بما تجيبها بينما قلبها يخفق بشدة ومشاهد من ماضيهما سويا تتجسد أمامها الآن بكل حماقة، اعتصرت عينيها وهي تحاول انتزاع نفسها من تلك الحالة المزرية إلا أن أختها أبت حيث قالت:
_ عنبر، لماذا دخل قاسم السجن؟
نظرت إليها عنبر بحدة أجفلتها وقالت بصوت صارم لا يقبل النقاش:
_ ما دخلكِ أنتِ؟ لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ.
ارتفع حاجبيها بتعجب وقالت بضيق بيّن:
_ كيف لا يعنيني؟ ألست فردا من أفراد العائلة ؟
تأففت الأخري بنزق وقالت:
_ بلى، ولكن ذلك الموضوع بالتحديد لا تتحدثي فيه ثانية، قاسم فعل ما فعل وقضى عقوبته وخرج، إنتهى.
نهضت من مقعدها بعصبية وكانت تلك المرة الأولى التي تراها فيها حياة بتلك الحالة، دخلت عنبر غرفتها فقررت الأخرى الانسحاب بصمت.
خرجت من شقة أختها وصعدت بضعة درجات وذلك السؤال اللعين لايزال يتردد برأسها، رفعت ناظريها للأعلى حيث شقة قاسم، ثم نفضت تلك الفكرة اللعينة عن رأسها وهمت بفتح باب شقتهم والدخول، ولكن في تلك اللحظة استمعت لخطوات شخص ما يصعد الدرج ففطنت أنه قاسم الذي عاد.
ابتسم قاسم لمّا رآها وقال بألفة:
_ كيف حالكِ يا صاحبة العدسات الزرقاء.
رمشت بعينيها بغيظ وقالت:
_ كنت بخير قبل رؤيتك.
فاجأه ردها لن ينكر ذلك، فلقد ظن أنها أكثر شخص ودود في تلك العائلة ولكن على ما يبدو قد خاب ظنه فقال بضيق أخفاه ببراعة:
_ آسف لكِ، الجميع هنا لديه نفس إحساسك ولكن جميعكم مجبرون على رؤية وجهي مرتين على الأقل في اليوم. عن إذنك.
استوقفته بلهفة وضيق وقالت:
_ قاسم، أنا آسفه لم أقصد ما فهمته، لقد وددتُ مشاكستك فقط، لم أكن أعلم أنك ستأخذ سخافاتي على محمل الجد أبدا.
نظر إليها مبتسما وقال:
_ لا عليكِ.
رفعت كفها تمسح بها على ذراعها وقد أحست بنسمة باردة تحيطها وقالت:
_ متى أصبحت حساسًا هكذا؟
ابتسم بخفة وقال:
_ عندما أصبح الجميع غير مراعٍ.
زمت شفتيها بحزن وتنهدت بعمق، ثم سألت:
_ هل خاب ظنك بنا كعائلة؟
حاول كبح جماح ضحكته الساخرة ولكنه فشل فقهقه عاليًا وقال:
_ أكثر ما يستفزني هو وهم العائلة بداخلكم.
_ ماذا تقصد؟ أرجوك انا بالكاد أفهم الكلام المباشر فلا تمنحني كلامًا متعدد المعاني من فضلك.
ضحك قائلًا ببساطة:
_ عزيزتي حياة، لا تسألي.
إشتعلت عيناها بغضب وقالت بنفاذ صبر:
_ ولمَ؟ لمَ عليكم أن تخفوا الحقيقة عني وكأني لا زلت طفلة في العاشرة من عمري؟ قاسم بربك لقد أتممت العشرون منذ أشهر.
جحظت عيناه بصدمة مصطنعة وقال:
_ حقًا؟
_ نعم.
_ هل أنتِ متأكدة؟
_ نعم، متأكدة.
ضرب جبهته بخفة وقال ساخرًا:
_ كان عليّ أن ألاحظ ذلك بنفسي، آسف لكِ يا آخر عنقود الحدادين.
قرص وجنتها بخفة وهو يضحك على نظراتها الحانقة التي تصوبها تجاهه وقال:
_ هيا يا صغيرة، لقد تأخر الوقت.
أبعدت يده عن وجنتها وهي تقول بضيق:
_ لستُ صغيرة، ومن أبسط حقوقي أن أفهم ما الذي يخبئه عني الجميع.
_ من الجميع ؟
تساءل بفضول فقالت بعفوية:
_ أنت، أبي،أمي، عنبر وعبدالله.. الجميع هنا يعاملونني معاملة الأصم في مراسم الزفاف.
ضحك قائلًا:
_ يا لدقة تشبيهاتك، اسمعيني حياة، من الأفضل لكِ أن تظلي كالأصم فعلا ولا تقلقي لقد انتهت مراسم الزفاف قبل أن تبدأ حتى، لا تقلقي لم يفتكِ شيئا.. هيا هيا لقد أكلتِ رأسي بما يكفي.
صعد الدرج وقد أسقط قناع المزاح الذي كان يجيد تثبيته ببراعة ثم دخل شقته بينما كانت هي لاتزال واقفة وهي تتمتم:
_ لا شيء يبقى مخفيًا للأبد، كل الأسرار ستنكشف يوما ما.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثالث 3 - بقلم نعمة حسن
وقفت حياة أمام مرآتها وهي تطالع هيئتها بصمت وشرود.
سرعان ما تذكرت حديثها برفقة قاسم عن العدسات التي ترتديها، وكيف أنه لا يراها مناسبة عليها.
أصابها الحنق الشديد وهي تخلع العدسات وتضعها بعلبة المحلول الخاص بها.
ثم وقفت تنظر لنفسها مجددًا وإلى لون عينيها، وتذكرت فور أن وصف عينيها بالكهرمان.
انزوت شفتيها بابتسامة متألقة، ثم دخلت إلى فراشها وأغمضت عينيها وقد اتخذت قرارًا لا رجعة فيه.
من الآن فصاعدًا ستعترف بعينيها الكهرمانتين بلونهما الفريد ذاك.
***
كان قاسم يجلس بشرفة الصالون وأمامه قدح القهوة خاصته وهو يتحدث بالهاتف قائلاً:
"صراحةً أنا لا أعرف كيف يمكنني البدء. أنت تعرف بخصوص المبلغ الذي أدانني إياه سيد حبيب، وكنت أود البدء بمشروع تجارة السيارات."
على الطرف الآخر تحدث أكثم قائلاً:
"مليوني جنيه ليس مبلغًا كافيًا لتجارة السيارات يا قاسم. أرى أنه من الممكن المتاجرة في الدراجات النارية، وبمرور الوقت ستتوسع تجارتك أكيد وتجني من ورائها ربحًا طائلاً."
"حسنًا سيد أكثم، فليكن ما تراه مناسبًا."
"دعنا أولًا نعد دراسة الجدوى وبعدها نتحدث بجدية عن الأمر."
"حسنًا، أشكرك جزيل الشكر سيد أكثم."
"لا داعي للشكر قاسم، لقد أوصاني عليك سيد حبيب بشدة. إذا احتجت أي شيء أخبرني على الفور."
"شكرًا لك، مع السلامة."
***
في الصباح، استعدت حياة للذهاب إلى كليتها حيث تدرس بالسنة الثانية في كلية الفنون الجميلة.
طالعت هيئتها برضا وخرجت لتلتقي كالعادة بقاسم الذي ابتسم قائلاً:
"ما كل تلك الصدف يا صغيرة!"
حدقته بضيق مصطنع.
فقال مقتربًا منها بخفة الفهد وهو ينظر بعينيها بتركيز:
"حياة، ما أحلاكِ!"
فاجأها إطراؤه الغير متوقع بالمرة فابتسمت بعفوية وقالت:
"ماذا هناك؟"
"لقد نزعتِ تلك العدسات اللعينة، أبليتِ حسنًا! تبدين فاتنة بعينيكِ تلك يا كهرمانة."
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل وابتسمت قائلة:
"شكرًا لك. وأنت أيضًا أصبحت مقبولًا بعد أن قصرت شعرك ولحيتك."
مسح جانب وجهه بكفه مبتسمًا ثم نظر إليها بعينين باسمتين وقال:
"كنتِ تودين إغاظتي فقط، أليس كذلك؟"
"بلى."
ابتسم مجددًا وقال:
"ولكنني لم أكذب بشأن العدسات. لا تفعليها ثانية أرجوكِ."
ضحكت قائلة:
"هل كنت بشعة بذلك القدر؟"
أومأ موافقًا وقال:
"للأسف نعم، بدوتِ مثل الجرو الهَسكي."
اتسعت حدقتاها بصدمة فانفجر في الضحك قائلاً:
"لا تغضبي من فضلك، أنا صريح للغاية."
نزلا درجات السلم سويًا وهو يقول:
"ثم أنكِ لديكِ عينان مميزتان جدًا، لِم التصنع إذا؟"
تنحنت بحرج.
وقبل أن ترد تعثرت بدرجة السلم فكادت أن تسقط لولا أن تشبثت بساعده بقوة، بينما أحاط خصرها بذراعه وهو يقول:
"انتبهي!"
في تلك اللحظة انفرج باب شقة عنبر التي كانت تودع ابنها قبل خروجه للمدرسة.
طالعتهما بتعجب وسرعان ما قالت حياة بصيغة الدفاع كمن شوهد بالجرم المشهود:
"لقد تعثرت وقاسم كان يساعدني لأنه.. أقصد لأني قد خلعت عدساته،.. أقصد عدساتي.. العدسات التي كنت أضعها قررت الاستغناء عنها، هذا كل ما حدث."
نطق قاسم بضيق قائلاً:
"لماذا تبررين؟ ولمن؟ لا شيء يستحق التبرير يا كهرمانة."
وتركها وحث الخطى للخارج.
بينما أمسكت هي بيد ابن أختها وقالت:
"هيا كريم، لنذهب سويًا."
***
جلس صالح بغرفته يتناول فطوره كالعادة وعقله لا يتوقف عن التفكير أبدًا.
هو يعلم أن قاسم أطيب رجال العائلة، كما يعرف أن عزيز وعبدالله لن يتركانه يحيا بينهم بسلام، وأنهما سيفعلان كل ما بوسعهما للخلاص منه، خاصةً وأنهما يشعران باقتراب الخطر كلما تواجد قاسم بالقرب منهما.
تمتم لنفسه بحيرة قائلاً:
"لن تستقر الأمور هكذا، يجب أن يعلما أن قاسم لم يعد يحمل لهما أي ضغينة أو حقد، وإلا لن يمنعهما شيء عن التدبير للمكر به."
ونادى على زوجته قائلاً:
"صفية.."
أتت صفية تهرول فقال:
"لدينا عزيمة كبيرة، ستشمل كل أفراد العائلة، استعدي."
سألته بتعجب فقالت:
"من تقصد بكل أفراد العائلة؟"
أضاف بتأكيد ليؤكد لها شكوكها فقال:
"كل أفراد العائلة. حنان وعزيز، عنبر وعبدالله، وقاسم!"
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"يا ويلي! هل ستحضر قاسم إلى هنا وتجعله يجلس بجوارهما على المائدة بتلك البساطة؟"
أومأ مؤكدًا وقال بلهجة آمرة:
"نعم، قاسم فرد من تلك العائلة وبصفتي عمهم وكبير العائلة بعد موت ناجي وعبدالعزيز رحمهما الله، ينبغي أن أكون أنا من يجمع شمل العائلة ويلملم شتاتها."
"على حساب راحة ابنتك؟"
نهض واقفا وهو يستعد للخروج وقال:
"أنا أكثر من ضحى لأجل راحة ابنتي. ما قلته للتو ينفذ، وإياكِ أن تخبري أحدًا أن قاسم سيحضر على الغداء غدًا."
وتركها وخرج وهي تنوح وتبكي حظها وحظ ابنتها التي انفرجت أمامها جميع أبواب الهلاك على مصراعيها!
***
في اليوم الثاني.
التف الجميع حول مأدبة الغداء التي أعدتها حياة برفقة والدتها.
جلس صالح على رأس المائدة وبجانبه جلست زوجته صفية، وإلى جوارها جلست عنبر، وفي الطرف المقابل جلست حياة وبجوارها حنان يجلس بجانبها عزيز.
كان صالح يتفقد أفراد العائلة بترقب.
حينها انتبهوا جميعهم لصوت الباب وهو يُفتح.
دخل بعدها عبدالله وألقى السلام على الجميع.
ثم اتجه صوب المقعد المقابل لمقعد عمه صالح وكان بصدد الجلوس عليه، إلا أن صالح منعه وهو يقول:
"اجلس بجوار عنبر يا عبدالله من فضلك."
نظر إليه عبدالله متعجبًا وقال:
"هل ننتظر ضيفًا آخرًا أم ماذا؟"
وقبل أن يجيبه عمه طُرِقَ الباب ونهض صالح بنفسه وفتح الباب مستقبلًا ذلك الضيف الغير مرغوب فيه إطلاقًا.
دخل قاسم والجميع ينظرون إليه بذهول شديد.
ما عدا حياة التي اتسعت ابتسامتها وقالت بترحاب:
"مرحبا قاسم."
دخل قاسم وهو يتفحص وجوه الموجودين كلهم بثبات وثقة كلفتهُ الكثير من الوقت لاكتسابها، بل واستدعائها لدى احتياجها.
ألقى تحية السلام وهو يعلم أنه لن يرد السلام سوى اثنتين.
ردت أولاهما فكانت حياة التي قالت:
"ما تلك المفاجأة الجميلة!"
أهداها قاسم ابتسامة ودودة.
ثم نظر إلى حنان التي نهضت من مقعدها واحتضنته وهي تقول:
"مرحبا بك أخي."
قبّل قاسم أعلى رأسها واحتضنها بذراعٍ واحدة وقال:
"مرحبا صغيرتي."
احتقن وجه كلًا من عزيز وعبدالله اللذان كانا يجلسان وكأنهما يفترشان الجمر من أسفلهما، خاصةً بعد أن تجاهلهما قاسم وجلس على المقعد الوحيد الشاغر والذي يقع مقابل مقعد عمه صالح على الطرف الآخر من المائدة.
همس عبدالله بغضب مستعر إلى عنبر وقال:
"ألهذا منعني أبيكِ من الجلوس على هذا المقعد؟ تبًا!"
ازدردت عنبر ريقها بخوف شديد، فهي تعرف زوجها جيدًا عندما تثور ثائرته لن يجد سواها كي يصب غضبه الحارق عليه.
تمتمت عنبر بوجل:
"يا إلهي، فليمضِ هذا اليوم بسلام."
أشار لهم صالح بالبدء بالطعام وسط همهمات من الجميع، ما عدا قاسم وحدهُ الذي كان يجلس صامتًا يراقب انفعالاتهم بتلذذ.
بدأ صالح بالحديث فقال وهو يتناول طعامه بهدوء:
"لا أحد منكم لديه فكرة عن سبب تلك العزيمة المفاجئة، لذا سأخبركم حالًا، منذ يومين زارني والدي الحج فضل في المنام."
توقف وهو يرتشف رشفة ماء، ثم أكمل وقال:
"عاتبني وعنّفني بشدة، وقال لي بالنص ' اجمع فروع الشجرة قبل أن تُنتزع جذورها '."
صمت لبرهة يستشف ردات فعلهم وأكمل:
"لم أكن بحاجة للمزيد من التوضيح لكي أفهم أن فروع الشجرة هي أنتم! ولذلك قررت جمعكم اليوم بصفتي عمكم وبمنزلة أب لكم."
تحدث قاسم أولا وقال:
"رحمك الله يا جدي. لطالما كان يقدس روح العائلة، جيد أن توفاه الله قبل أن يرى ما حدث لفروع شجرته العريقة."
فاحت نبرة التهكم من حديثه الهادئ ولكنه لم يبالِ.
مد يده والتقط كأس الماء الموجود أمامه وارتشف منه رشفتين ثم وضعهُ أمامه ثانية.
وفي تلك اللحظة اختلس نظرةً إلى عنبر التي كانت تطالعه بطرف عينها وفور أن رأته أسقطت وجهها بطبقها فورًا.
حينها ابتسم بسخرية وأكمل غداءه بصمت.
أحست عنبر بأن الطعام يقف بحلقها وكانت في حاجة ماسة لأخذ نفس عميق، لذا نهضت عن مقعدها فجأة بطريقة لفتت الأنظار إليها.
فما كان منها إلا أن قالت:
"سأحضر طبق معكرونة إضافي."
تحدثت حياة وقالت:
"من فضلك عنبر، أحضري الحساء أيضًا."
ونظرت إلى قاسم بابتسامة مشرقة وقالت:
"هل ينقصك شيء ابن عمي؟"
ابتسم قاسم بألفة وقال:
"إطلاقًا، شكرًا لكِ يا حياة."
"لقد أعددتُ الطعام بنفسي، ما رأيك؟"
"خير ما فعلتِ يا قزمة."
ضحكت ونظرت إلى حنان فقالت:
"إذا تغير الكون بأسره فلن يتغير أخيكِ أبدًا، يستفزني كلما استطاع."
نظرت حنان لقاسم باشتياق وقالت:
"كذلك هو قاسم."
ابتسم لها قاسم وهو يمضغ الطعام ببطء.
حينها رن هاتفه فأخرجه من جيبه وأجاب قائلاً:
"مرحبا سيدة فتون."
في تلك الأثناء كانت عنبر قد عادت من المطبخ وهي تحمل صينية عليها طبق المعكرونة وطبقين من الحساء الساخن.
وضعت طبق المعكرونة أمامها وهمت بوضع طبق الحساء أمام حياة.
وفجأة ارتجفت يداها عندما استمعت لاسم "فتون" ومال الطبق من يدها فانسكب فوق كف حياة التي صرخت بألم غير محتمل!
***
في تلك اللحظة نظرت فتون إلى الهاتف بيدها بتعجب وقالت تحدث ابنتها التي تجلس بجوارها:
"ماذا حدث؟ انقطع الاتصال فجأة!"
قالت سارة بعدم اهتمام:
"ليس متفرغًا بالتأكيد."
قالت أمها بشرود:
"لا، ليس كذلك، لقد سمعت هرج ومرج وانقطع الاتصال فجأة."
"خبرًا الآن بثمن بعد قليل سيباع مجانًا."
طالعتها أمها بضيق وقالت:
"وكأنني تنقصني أمثالك، على كل حال سأذهب للتسوق، إذا احتجتِ شيئًا اتصلي بقاسم، لا تزعجيني أرجوكِ."
خرجت فتون.
وعلى الفور نهضت سارة من مكانها وألقت حاسوبها بإهمال على الأريكة، ثم أمسكت بهاتفها وطلبت رقمًا تحدثت إليه وقالت:
"أرسل لي الموقع فورًا! دقائق وأصلك."
***
نهض قاسم من مكانه مسرعًا وأمسك بكف حياة بقلق وهو يصرخ بعنبر قائلاً:
"ماذا فعلتِ؟ لمَ لم تنتبهي؟!"
أجفلها صراخه المدوي وأربكها كونهُ وجه إليها ذلك الحديث.
ابتعدت للخلف.
بينما قاسم تقدم الجميع وهو ينحني نحو حياة بخوف حقيقي وهو يمسك بمنديل ويمسح به آثار الحساء من على يدها ويقول:
"مرهم حروق بسرعة."
هرولت حنان باتجاه الحمام وأحضرت مرهماً للحروق ثم أعطته إياه فبدأ بفرد طبقة منه فوق ظهر كف حياة وهو ينسف الهواء برقة فوق يدها ويقول:
"لا بأس، سيزول الألم."
احتقنت عينا حياة بالدموع ولكنها تماسكت قدر الإمكان حتى لا ينعتوها بالطفلة الساذجة التي تبكي لأن بعض الحساء الساخن قد تناثر فوق كفها.
ولكن ما أربكها بحق وجعل قلبها يضطرب ونبضه يدوي هي نظرات قاسم الملهوفة المتألمة وحسيس أنفاسه الساخنة على ظهر كفها وهو يطمئنها أنه سيزول!
تقسم أنها لن تنسى تلك اللحظة أبدًا، ولن تنسى شعورها حينها؛ فلأول مرة تتعرض لموقف كهذا ولأول مرة تشعر بذلك الخجل وكأنها للتو صارت أنثى!
"حياة هل نذهب للمشفى؟"
نظرت حياة لوالدها وقالت:
"لا داعي أبي، سيزول كما قال قاسم."
قالتها وهي تنظر إلى قاسم نظرة لم يفهمها ولكنها أثارت انتباه عنبر التي وقفت في الزاوية تتابع المشهد بقلب يتآكل من فرط الغيظ و…. والغيرة!!
انسحب قاسم ودخل إلى الشرفة وعلى الفور أشعل سيجارة وقام بتدخينها بشرود.
حينها قطع شروده دخول عمه الذي وقف بجواره قائلاً:
"بارك الله في قلبك الطيب يا بني."
نظر إليه قاسم باستفهام فأردف الآخر شارحًا:
"بالرغم من كل ما تلقيته من خذلان وصدمات موجعة من الجميع ولكنك لم تقوَ على الحقد والكره، لقد ورثت طيبة القلب واللين من والدك رحمه الله، كان يقف بجوار من يحتاجه ويساعده حتى لو كان بينهما ما صنع الحداد."
ضحك قاسم بخفة وقال مربتًا على كتف عمه:
"ما فعلته لا يستحق الثناء يا عمي، ثم إن حياة بريئة للغاية وبفطرتها كذلك، ولا ذنب لها فيما حدث أبدًا. وأنا أقدرها وأعتبرها مثل حنان تمامًا."
"وأنا ممتن لك للغاية يا بني، لم تخيب ظني بك يومًا وأثق أنك لن تفعل."
قاطعتهما حياة عند دخلت إلى الشرفة وهي تقول:
"أبي، عزيز يستأذن، يود المغادرة."
اتجه والدها صوب عزيز بينما بقت هي واقفة بجوار قاسم الذي أمسك بكفها وهو يقول باهتمام:
"هل لازال يؤلمك؟"
احتقن وجهها بخجل وقالت وهي تسحب كفها منه ببطء:
"لا، أصبحتُ أفضل."
"الحمد لله. على ما يبدو أن عنبر لم تتمالك أعصابها، أو ربما كانت مشتتة."
تنهدت حياة بضيق وقالت:
"عنبر تمر بحالة نفسية سيئة للغاية، على ما يبدو حياتها ليست مستقرة مع عبدالله والأمور ليست على ما يرام، لمتنهد بضيق بدوره وقال:
"هل أخبرتكِ شيئًا؟"
"لا، لم تخبرني، ولن تفعل، ولكني أشعر بها، منذ يومين لا يروقني حالها، حتى كريم أخبرني أنها أصبحت عصبية جدًا على غير العادة."
استدار قاسم ونظر أمامه وهو لا يزال شارداً وها قد أشعل سيجارة أخرى ينفث دخانها بقوة وغل مكبوت.
"قاسم."
نادتهُ حياة فهمهم متسائلاً فقالت بتردد:
"لمَ تركت عنبر؟"
توقف عن التنفس لبرهة وحبس أنفاسه متفاجئًا.
بينما تسترسل هي وتقول:
"كنت صغيرة أعلم، لكني كنت أعي وقتها أنكما كنتما تستعدان لزفافكما وكنت أعلم أيضًا أنكما تحبان بعضكما البعض. ما الذي حدث بعدها؟"
تنهد بضيق وهم بالحديث الذي كانت تعرفه جيدًا لذا سبقته وقالت برجاء:
"أرجوك قاسم، على الأقل لا تعاملني أنت أيضًا كطفلة صغيرة."
ضعف عزمه أمام رجائها ونبرتها الحنونة التي أصبحت تحتل مكانة بقلبه وقال بإيجاز:
"نعم ما قلتِه صحيح، ولكن حدث ما حدث ودخلت السجن وتقدم عبدالله حينها للزواج من عنبر. هذا كل شيء."
تسائلت بفضول لم تنجح في كبحه:
"وما الذي حدث حتى دخلت السجن؟"
تأفف بضيق قائلاً:
"أستغفر الله العظيم، حياة، لا أطيق اللحوحات أبدًا."
هم بالانصراف ولكنها أمسكت بذراعه فأفلت يده من قبضتها سريعا فقالت:
"مهما كان ما فعلته لن تسقط من نظري أبدًا، أعدك بذلك."
ابتسم بامتنان حقيقي وقال رابتا على رأسها بلطف:
"وأنا أعدكِ أنني سأخبركِ بالحقيقة يومًا ما، ولكن عندما يحين الوقت المناسب. اتفقنا؟"
أومأت بابتسامة رضا وقالت:
"حسنًا."
دخل قاسم وودع شقيقته بحرارة وطلب منها الاعتناء بنفسها، متجاهلاً عزيز الذي كان يتحدث مع شقيقه عبدالله بهمس ويقول:
"أرأيت الذي فعله عمك بنا؟ أحضرنا إلى هنا كي يقص علينا منامه المزعوم ووصية جدك الأكبر بجمع شتات العائلة، هه، يا له من كاذب!"
حك عبدالله زاوية فمه بإبهامه بضيق وتسلط وقال:
"نعم، رأيت. لقد اختلق كل تلك الأكاذيب كي يدس ذلك المجرم بيننا عنوةً. ولكن أقسم أنني لن أدعه يتجول هكذا كفرد من العائلة."
قاطع حديثهما صالح عندما قال:
"لقد طلبت سيارة أجرة يا عزيز تنتظركما بالأسفل، وعبدالله سيساعدك في نزول الدرج.. شرفتنا يا بني."
ابتسم عزيز بتكلف قائلاً:
"أشكرك على تلك العزيمة الرائعة يا عمي. إن شاء الله في المرة القادمة نجتمع على شرف زفاف حياة."
استمعت حياة لتلك الكلمات وهي تقف بالشرفة ووجدت قلبها قد انقبض فجأة وأخذت تفكر، هل هي فعلاً مستعدة لتلك الخطوة؟ أم أن أمراً جديداً قد طرأ ؟!
***
كانت سارة تقود السيارة حسب توجيهات جهاز التعقب بالسيارة بعدما أرسل لها الشخص المنتظر الموقع الذي سيتواجد به.
بعد دقائق أشار الجهاز إلى أنها قد وصلت للموقع المطلوب.
حينها اتصلت بالرقم وقالت:
"أين أنت؟ نعم أراها. حسنًا انتظرني."
ترجلت من السيارة واتجهت نحو تلك الصيدلية التي أخبرها عنها ودخلت وهي تتطلع حولها بخوف وتوتر.
ثم تقدمت منه وهي تقول:
"لمَ أحضرتني إلى هنا؟ لمَ لم تأتي أنت إلي ككل مرة؟"
أخرج من جيبه تلك الأقراص وأعطاها إياها خلسةً.
وهو يقول:
"لست متفرغًا لآتي إليكِ. أين النقود؟"
دست يدها بحقيبتها وألقت الأقراص بداخلها وهي تقول:
"هل سيكفي هذا؟ لقد طلب مني رفاقي أن أحضر لهم أيضًا! لا أظنه كافيًا."
ناولته حزمة من فئة المائتين جنيه أخذها منها ودسها بجيبه وقال:
"ربع قرص كافٍ جدًا يوميًا. أي جرعة زائدة ستؤدي لنتيجة عكسية."
"حسنًا، أود في المرة المقبلة أن تضاعف الكمية لأنني لنأتمكن من المجيء إليك لفترة طويلة."
"حسنًا، وكما قلتُ لكِ.. فقط ربع قرص يكفي."
أومأت بموافقة، ثم خرجت مسرعة لدرجة أنها لم تنتبه فاصطدمت بأخرى واعتذرت لها سريعاً، ثم استقلت سيارتها وانصرفت.
دخلت حياة ليتفاجأ بها خالد وسرعان ما ابتسم قائلاً:
"مرحبا حبيبتي."
"مرحبا."
طالعته بشك وقالت:
"ما بها؟"
"تقصدين من؟"
أشارت برأسها تجاه الباب وقالت:
"هذه الشقراء التي اصطدمت بها وكدتُ أتعثر، كان باديًا عليها التوتر."
قطب جبينه متصنعًا التعجب وقال:
"عزيزتي أنا طبيب صيدلي ولستُ طبيبا نفسيا حتى أراقب خلجاتها وانفعالاتها."
أومأت باقتضاب فقال بابتسامته المنمقة المعهودة:
"لمَ لم تخبريني أنكِ ستأتين؟"
"لم أكن أنوي المجيء حقيقةً، ولكني كنتُ أشتري بعض الأغراض الخاصة بالرسم من المكتبة المجاورة وجئتُ لأراك بما أنني لم أرَكَ منذ أسبوعين تقريبًا."
أمسك كفها وهمّ بتقبيلها وهو يقول:
"أعتذر منكِ حلوتي تعرفين…."
وتوقف عن الحديث فجأة عندما رأى ذلك الحرق بيدها فطالعها مشمئزًا وهو يقول بنفور:
"حياة، ماذا حدث ليدكِ؟"
سحبت كفها منه على الفور ولم ترُقها نظرة النفور بعينيه فقالت باختصار:
"حادث بسيط."
"ولمَ لم تنتبهي أكثر؟ على كل حال سأعطيكِ مزيلاً لآثار الحروق ويجب أن تستعمليه بانتظام."
وبالفعل أعطاها مرهماً مزيلاً لآثار الحروق فأخذته منه وانصرفت.
وفور أن خرجت ألقت به في أول ملقى نفايات رأتهُ وهي تتمتم:
"فلتذهبا للجحيم معًا."
***
دخلت عنبر إلى شقتها وعلى الفور أسرعت لتنعم بحمامٍ باردٍ علّه يطفئ لهيب قلبها المستعر.
وقفت أسفل سيل الماء البارد مغمضةً عينيها وهي تتذكر ما حدث، عندما أمسك قاسم بكف حياة ووضع المرهم فوقه وأخذ ينفخ عليه بقلق حقيقي، ذلك المشهد لم يمر عليها مرور الكرام أبدًا.
وفجأة وجدت نفسها تبكي بحرقة وهي تغمغم بقهر:
"يا إلهي أعنّي، قلبي يحترق!"
استمعت لطرقات على باب الحمام وبزغ صوت زوجها يقول:
"عنبر هل نمتِ بالداخل؟"
أوصدت المياه سريعا وارتدت مئزرها وخرجت وهي تتلاشى النظر إلى عينيه المتفرستين بها وقالت:
"أردت أن أنال بعضًا من الوقت لنفسي."
طالعها ناقمًا وقال بسخرية:
"وكنتِ ستنالين ذلك الوقت بالحمام؟"
نظرت إلى انعكاس صورته بالمرآة وهو يقف خلفها فقالت:
"وكأنني أستطيع الحصول عليه بمكان آخر."
قطب جبينه مضيقًا ما بين حاجبيه وهو يقترب منها بخطوات متمهلة باتت تعرفها جيدًا ووقف خلفها وهو يمسك بشعرها وبالمشط في يده ويقوم بتصفيفه وهو يقول:
"ما بالكِ أصبحتِ عصبية وتثورين سريعا؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
"يُخيّل لك. أنا بخير."
مط شفتيه باستهجان وقال:
"الواضح لي عكس ذلك تمامًا، على ما يبدو أن…."
وتوقف عن الحديث متعمدًا كي يضطرها للالتفات إليه ولكنها لم تفعل فجذب شعرها للأسفل بقوة في حركة مباغتة آلمتها صرخت على إثرها بألم وقالت:
"ما بك عبدالله؟ هل جننت؟"
لمع بريق الشر بعينيه وقال وهو يقترب منها ويهمس بخبث:
"ليس بعد، ولكن أعدك زوجتي العزيزة في حال خذلتيني أو خيبتِ ظني بكِ سأريكِ من الجنون ألوانًا."
رفرفت بأهدابها بخوف؛ فهي تعرفه عندما يتوعد بشيء، وتعرف أيضًا كيف يكون عقابه؛ عقاباً مظلماً يبتلعها بداخله ويعيدها لنقطة الصفر من جديد!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الرابع 4 - بقلم نعمة حسن
عادت حنان برفقة زوجها عزيز إلى المنزل.
دخلت والحزن يخيم بعينيها مما أثار ضيق عزيز فقال:
_ لو كنت أعلم أنه سيكون موجود لما ذهبت.. ولا أعرف ما الذي حاول عمي صالح فعله لكنه لم يكن مفيدا لنا على الإطلاق.
نظرت إليه حنان بحزن وطفقت عيناها تفيض بالدموع وقالت وهي تنتحب بشدة:
_ ألم تكتفِ؟ ألم تكتفوا جميعكم بما فعلتموه به؟ أخي الذي عصيتهُ وتزوجتك برغم رفضه، الذي تخليت عن كل مبادئ الأخوة والوفاء والإخلاص ووافقتك أنت والشيطان أخيك وشهدت بحقه شهادة زور وبالرغم من ذلك لم يكرهني، لم يقسو عليّ مثلما قسوت أنا.
أسقطت رأسها بندم بين كفيها وهي تبكي بحرقة وتقول:
_ كيف استطعت فعل ذلك! كيف أطعتك يا عزيز؟ ولأجل ماذا أطعتك؟ لأنني أحبك؟ هل وصلت بي الدناءة لأن أطعن أخي بظهره من أجل أخيك أنت!!
تأفف عزيز بملل وهو يقول بصوتٍ حاد:
_ ما الذي دهاكِ حنان؟ هل أنتِ بتلك الحالة لأنك رأيتِه اليوم؟
لطمت وجنتيها بقسوة وهي تصرخ بنشيجٍ حاد:
_ نعم ، نعم لأنني رأيته، لأنه لم يصفعني، لم ينبذني، لم يعنفني على الأقل… لم يفعل أي شيء كان من المفترض أن يفعله..
ونظرت إلى عزيز وقالت بقهر:
_ ضمني! بعد كل الذي ناله مني أخي ضمني وحنا عليّ مرة أخرى! أخي الذي كان من المفترض أن يطردني من بيته عندما ذهبت لزيارته احتضنني وواساني لوفاة بنتي!
أغمض عزيز عينيه بأسف عند ذكر سيرة ابنته، بينما هتفت هي دون رحمة:
_ ابنتنا أسيل، أتذكرها يا عزيز؟ أسيل ماتت كي يذيقنا الله من شرور أعمالنا..
حينها صرخ عزيز بقوة وكل عضلاته تهتز:
_ اخرسي يا حنان، كفى.
هزت رأسها بصمت وعادت ذكرياتها برفقة ابنتها تداهمها فاشتد عليها الحزن وأخذت تنتحب بندم.
بينما فارقها هو ودخل إلى غرفته وهو يتوكأ على تلك العصا التي يستند عليها ريثما يتعافى تماما من آثار الحادث المميت الذي تعرض له، ولكنه تعثر فجأة بسبب خطواته الواسعة المتعجلة ووقع أرضا ووقعت العصا بجانبه، حينها هرولت حنان نحوه واحتضنته وهي تبكي، فضمها إلى صدره وأطبق عينيه فوق دمعاته وهو يستمع إليها تقول:
_ في كل مرة يخونني قلبي ويرتمي أسفل قدميك، بجانبك أكون مسلوبة الإرادة بشكل يجعلني أحتقر نفسي كلما صحوتُ من سكرة عشقك! أكرهك بقدر عشقي لك يا عزيز.
***
في المساء جلست حياة أمام طاولة الرسم الخاصة بها واحضرت الأغراض التي اشترتها للتو ثم بدأت برسم خطوط عشوائية.
نادرًا ما تنتابها تلك الحالة من انعدام الشغف، حينها تلجأ للرسم وتترك العنان لخيالها وفي النهاية تتفاجأ بالصورة الأخيرة.
غرقت في شرودها وتذكرت نعت قاسم لها بكهرمانة وقد راقها ذلك الاسم كثيرا فابتسمت بتيه وفجأة انتبهت لما ترسمه؛ لقد رسمت نصف وجه، يتألف من شعر أسود كثيف وحاجب مرسوم حاد، عين واسعة سوداء تتسم بنظرة غاضبة، ونصف أنف مستقيم ينحدر إلى نصفي شفتين.
نظرت إلى ما رسمته بذهول وقد تفاجأت بأن تلك هي نفسها ملامح قاسم!
نهضت من أمام الطاولة وهي تقرص بين عينيها بتعب وقد بدأ الصداع يداهمها بقوة فتمتمت بسخط:
_ سامحك الله قاسم، سيفتك الصداع برأسي لأني أطعتك وكنت حمقاء بالقدر الكافي فخلعت عدساتي.
اتجهت صوب خزانتها وأخرجت منها شريط أقراص المسكن الذي تتناوله عادة، ابتلعت منه واحدةً وألقت بجسدها على سريرها بتعب، شاخصةً ببصرها نحو نقطةً وهمية حتى غفت!
***
كان قاسم جالسًا وبيده ورقة وبالأخرى قلم رسم به دائرة في المنتصف وكتب بداخلها ( قاسم ) ثم رسم أربعة أسهم متفرعة من تلك الدائرة وكتب على كل سهم بالتوالي ( عنبر، عبدالله، عزيز ، حسّـان).
أخذ يطرق بالقلم على ذقنه بتفكير، تذكر ما حدث له على يد كلا منهم ونزف جرحه الغائر من جديد.
خانته قوة تحمله وخان وعده لنفسه بأن لا يتذكر ما حدث أبدا ويصب تركيزه بالكامل على الهدف المراد تحقيقه ولكنه فشل.
فشل الآن في حفظ وعده لنفسه كما فشل سابقا في البقاء على العهد بأن لا يتخلى عن حبيبته أبدا مهما حدث، ولكن هذه هي الدنيا، يستكثر عليك الآخرون كل نعمة تحصل عليها، ويسعون بشتى السبل لسلبها منك.
فإلى متى تستمر في طيبتك؟ إلى أن تجد نفسك سجينًا حتى نهاية العمر وراء قضبان وجدران؟ كأن الطيبة لا نفع منها، فلا بد للحيلة من حيلة أدهى، وللقوة من قوة أشد فتكًا.
هكذا حدثه خياله الذي لا يتوقف عن دس السموم برأسه فأسقط رأسه للوراء وهو يقول لنفسه:
_ لقد نال عزيز عقابه، خسارة طفلته ليست هينةً أبدًا، ثم أنك تعرف يا قاسم كم أن حنان تعشقه، يكفي حزنها لأجل ابنتها، لا داعي لأن تحزن من أجل زوجها أيضا!
أشعل سيجارة وأخذ يدخنها وهو يتطلع بباقي الأسماء مضيقًا عينيه بغل وقال:
_ أما أنتم، فلنبدأ الآن!
***
تقلبت عنبر في فراشها بتعب مميت قد أنهك قواها وأوهنها للغاية، استدارت لتنظر بمكان عبدالله فوجدته خاليًا، فعلمت أنه قد خرج عندما غفت، ابتلعت لعابها جاهدةً كي تتحكم في دمعاتها ولكنها غادرت مقلتيها بقهر وهوان وهي تتذكر ما حدث منذ قليل.
__ قبل قليل __
نظرت إليه بضيق وانتفضت الروح المتمردة بداخلها التي يجيد اخضاعها جيدا فقالت بتحدٍ واضح:
_ لن أسمح لك ثانيةً.
طالعها متعجبًا وقال:
_ حقا؟ وماذا ستفعلين إن أردتُ أنا؟
_ سأمنعك.
قالتها بجرأة شديدة لم يعهدها وأكملت:
_ عشرة أعوام كاملة تتمتع بي مغمضة العينين! لم أكن لك يومًا زوجة بارادتي أبدا وأنت تعلم ذلك، ومع ذلك تسمح لنفسك بكل وقاحة ودناءة أن تتلذذ ببكائي في كل مرة وتتجاهل رجائي برغبة حقيرة عمياء . ولكن من الآن فصاعدا لن تنالني مطلقا إلا بإرادتي، لن تجبرني مجددا.
حك ذقنه بتفكير وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة كريهة وقال:
_ ولمَ الآن؟ لماذا كل ذلك التمرد والتحدي الآن بالتحديد؟ هل لأنه ظهر أمامك من جديد؟
ارتبكت بشدة لأنها فهمت مقصده وقالت وقد اشاحت بوجهها جانبا:
_ أنا لا أفهم تلميحاتك السخيفة تلك.
اقترب منها سريعا وأمسك بشعرها وهو يجذب رأسها للأسفل ويقول:
_ بلى تفهمين، هل تظنين أنني أغفل حالتك المقيتة منذ عودة ذلك المجرم؟ هل تظنين بمخك السميك هذا أني لم ألحظ نظراتك المفجوعة إليه أثناء الغداء؟
صرخت بألم ولكنه تجاهله وهو يقول:
_ كنتِ تتطلعين نحوه كالكلب الذي يتلهف كي يرمقه سيده بنظرة رضا.
_ لا أسمح لك.
قالتها بنشيجٍ مدوي وأضافت:
_ لن أسمح لك بإهانتي ثانية يا عبدالله، لقد نلت منك ما يكفي، لقد عزمت الطلاق وسأخبر أبي.
صفعها بقوة فسقطت أرضًا، ثم مال عليها وقال:
_ من أجله أليس كذلك؟ ترغبين في الطلاق مني أملا في أن تحصلي عليه مرة أخرى، أليس كذلك؟ تظنين أنه سيقبل بكِ بعد ما فعلتِه.
صرخت به بقوة وقالت:
_ نعم سيقبل، سيسامحني لأنه يعرف أنك أجبرتني على الزواج منك، وليس أنت فقط، أهلى كذلك أجبروني على الزواج منك ولم يكن أمامي حلا حينها سوى أن أقبل.
جذبها من شعرها بقوة حتى اضطرت للوقوف أمامه فقال:
_ إن سامحكِ لأنكِ قبلتِ الزواج مني فلن يسامحكِ لأنكِ اتهمتِه باغتصابك! حتى وإن سامحكِ وفكر مجرد تفكير في التقرب إليكِ سيكون حينها الجاني على نفسه!
أجهشت في بكاءٍ مرير وهي تردد بقهر وظلم:
_ حقير، أقسم أنك أحقر شخصه رأيته في حياتي.
انهال عليها عبدالله بالضرب بوحشية لدرجة أنها فقدت احساسها بالألم ولم تصرخ ولم تستغيث، لأنها تعرف أنه لن يتوقف عند ذلك الحد ، فبعد أن أذاقها العذاب ألوان اغتصـ. ـبها ككل مرة تتمرد عليه وبعد أن فرغ منها تركها كالخرقة البالية تتجرع كأس الذل والخضوع وحدها. ولكنه كان كريمًا بالقدر الذي سمح له بأن يترك لها قرص مسكن بجانبها حتى تتناوله فور ان تفيق من إغماءها المؤقت.
__ عودة للوقت الحالي __
مسحت عنبر دموعها وهي تتكئ على جانبها وتتناول ذلك القرص، ثم ابتلعته ورددت بألم:
_ تستحقين يا عنبر، تستحقين كل ذلك وأكثر.
***
في اليوم التالي..
أفاق قاسم من نومه على صوت رنين هاتفه برقم أكثم، فأجاب الاتصال على الفور بعد أن تنحنح مجليًا حلقه وقال:
_ صباح الخير سيد أكثم.
_ هل لا زلت نائمًا قاسم؟ أنا الآن أجلس مع أستاذ سعيد الذي حدثتك عنه وهو يريد مقابلتك على وجه السرعة.
كان قاسم قد قام بالفعل من فراشه ووثب باتجاه الحمام بسرعة وهو يقول:
_ دقائق معدودة وسأصلك سيد أكثم، مع السلامه.
أخذ حماما سريعا ثم خرج وارتدى ملابسه وركض للخارج على الفور.
في طريقه للخروج من البيت تقاطع طريقه مع عبدالله الذي كان بصدد الدخول رفقة ابنه الذي قال:
_ صباح الخير عمي قاسم.
نهرهُ أبوه على الفور وقال:
_ ليس عمك، عمك عزيز فقط هو من تدعوه بعمي، هل سمعت؟
نظر الولد بعدم فهم إلى قاسم الذي ابتسم ببساطة وقال:
_ والدك محق فيما قال يا كريم، أساسا ليس لدي إخوة.
وتركهما وخرج استوقف سيارة أجرة وانطلق بها باتجاه مكتب سيد أكثم.
***
في الطريق، رن هاتفه برقم السيدة فتون فأجابها على الفور قائلا:
_ مرحبا سيدة فتون.
تحدثت فتون بصوت مهموم وقالت:
_ قاسم أود رؤيتك للضرورة.
_ خير سيدة فتون؟ لدي الآن موعدًا مهمًا لن استطيع تأجيله.
_ حسنا بإمكانك المجيء في وقت لاحق، ولكن لا تتأخر أرجوك، الموضوع مهم للغاية.
_ حسنا، بعد أن أنتهي من موعدي سآتي إليكِ، مع السلامة.
أنهى الاتصال وتمتم بقلق:
_ يا إلهي فليكن خيرا.
توقفت السيارة أمام مكتب أكثم، دخل بعدها واستقبله أكثم بحفاوة وقدمهُما لبعضهما البعض قائلا:
_ قاسم الحداد، أستاذ سعيد طوليمان الوكيل المعتمد لدى شركة sym لصناعة الدراجات النارية..
صافحهُ قاسم باهتمام وقال:
_ كيف حالك سيد سعيد؟
تحدث سعيد بود قائلا:
_ بخير قاسم، اجلس.
جلسوا ثلاثتهم وبدأ أكثم بالحديث قائلا:
_ سعيد صديق مقرب، يزورني دائما ومن حسن حظك أنه زارني اليوم يا قاسم.
تابعه سعيد قائلا:
_ أخبرني أكثم أنك تملك مبلغا لا بأس به وتود المتاجرة في الدراجات النارية.
أومأ قاسم موافقًا وقال:
_ نعم، فكرت بمشروع أبدأ به وهداني تفكيري لذلك.
_ حسنا، في البداية ما هو رأس مالك؟
أجاب قاسم قائلا:
_ مليون ونصف.
_ جيد، مبلغ لا بأس به، هل اخترت المكان؟
_ نعم، بميدان الساعة.
مط الآخر شفتيه باعجاب وقال:
_ جيد، موقع ممتاز، على كل حال سأعرفك بأحد الموزعين وليكن التعامل بينكما مباشرا بعد الآن، واذا احتجت أي شيء أبلغني على الفور.
شكرهُ قاسم بعد أن أخذ منه البطاقة الخاصة بمكتب الموزع وانصرف بعدها ليمر بأسرة حبيب.
***
كانت فتون تجلس تضع قدما فوق الأخرى وتحتسي قهوتها الصباحية، حينها أخبرتها الخادمة أن قاسم قد وصل.
أمرتها باستدعائه على الفور وجلست تنتظر قدومه على أحر من الجمر.
دخل قاسم، ألقى التحية فحيتهُ وطلبت منه الجلوس فجلس وقال:
_ خير سيدتي؟ قلتِ أن الموضوع مهم وضروري.
أومأت وملامح الأسف تكتسح وجهها وقالت:
_ أجل، سارة.
قطب جبينه مستفهما فقالت:
_ لقد عثرت مسئولة التنظيف على تلك في ملابسها!
وبسطت كفها أمامه فارتفع حاجبيه بذهول عندما رأى جزء من شريط أقراص مخدرة ونظر إليها بصدمة وقال:
_ ما هذا؟
_ ألا تعرف ما هذا؟
_ بالطبع أعرف، ولكن لا أصدق! على حد علمي الآنسة سارة لم تكمل السبعة عشر عاما بعد ! كيف تعرفت على تلك الحبوب ومن أين أتت بها؟ والأهم من ذلك؛ لما تتعاطاها؟
أطلقت زفرة حارة وقالت:
_ في الحقيقة لا أعرف، لهذا طلبت مساعدتك، يجب أن تتحدث معها وتنصحها أرجوك.
قطب جبينه متعجبا:
_ أنا من سيفعل؟ أليس من المفترض أن هذا هو دوركِ كأم؟
أجابته بضيق:
_ أعلم ذلك، ولكن…
هز رأسه متسائلاً فقالت:
_ اسمعني قاسم، أنا وسارة بعيدتان كل البعد، لا نتعامل كأم وابنتها أبدا، وهي بالطبع لن تقبل أن تتحدث معي ولن تقبل أن أنصحها مطلقا..
_ والسبب؟ ما السر في ذلك الجفاء بينكما؟ ما الذي صنع تلك الفجوة بين أم وابنتها؟
تنهدت باستسلام وقالت:
_ لأنها تنقم علي، تكرهني لأنني السبب في دخول والدها السجن؟
قطب جبينه متعجبا، لقد أخبره حبيب ذات مرة أنه دخل السجن متهمًا بقتـ.ل صديق له ولكنه لم يفصح عن أي تفاصيل غير أنه استحق القتـ.ل، ولكنه لم يتوقع أن يكو لزوجته يد في دخوله السجن ولو بصورة غير مباشرة حتى.
نظر إليها بفضول لم يخفِهِ وتسائل:
_ كيف؟
تنهدت وقالت:
_ لقد ظن حبيب أنني على علاقة بصديق له، وقتله.
ارتفع حاجبيه بذهول ودهشة وقال:
_ بتلك البساطة؟
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
_ هل يمكنني أن أثق بك؟
أومأ مؤكدا وقال:
_ بالطبع.
_ حسنا، سأحكي لك كل شيء من البداية!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الخامس 5 - بقلم نعمة حسن
~ المبادئ لا تتجزأ! ~
_سأحكي لك كل شيء من البداية.
اعتدل قاسم بمجلسه ناصبًا ظهره وأنصت إليها باهتمام، بينما أشعلت هي سيجارة وأخذت تدخنها وهي تشرد بعيدا وتقول:
_ قبل أن أتعرف على حبيب كنت أعمل كراقصة في أحد الملاهِ الليلية التي كان حبيب يتردد عليها من حين لآخر برفقة أصدقائه..
احتلت الصدمة وجه قاسم ولكنه لم يظهر ذلك ولم يعقب، فاستطردت هي وقالت:
_ حينها كنت مرتبطة بمالك الملهى وكنت أحبه جدا وكان قد وعدني بالزواج عندما تستقر أموره لأنه حسبما قال لي أن الملهى وقتها لم يكن معروفا ولا يدر له أي ربح، فطلب مني المساعدة وبالفعل وافقت، وأصبحت الراقصة الرسمية للملهى والذي يتوافد عليها الكثير لرؤيتها، كانوا يأتون إلي من كل أنحاء المدينة فقط ليشاهدوني، سطع نجم الملهى واشتهر وأصبح من أشهر الملاه الليلية وذاع صيته والكل كانوا يأتون فقط من أجلي، حتى أنني عندما كنت أمرض يوما كان يجلب لي لفيف من الأطباء.
ابتسمت وقد لقيت السيجارة حتفها بين اصبعيها فوضعتها بالمطفأة ثم استأنفت حديثها وقالت:
_ كنت أظن أن تصرفه ذلك بدافع الحب والاهتمام، ولكني اكتشفت بعدها أنه كان يهتم بصحتي حتى أستطيع مواصلة عملي كراقصة يأتي إليها الرجال من كل حدب وصوب. ولسوء حظي كان حبيب من ضمن هؤلاء الذين يأتون لمشاهدتي كل ليلة. لقد أُغرم بي وأدمن على زيارتي وكان يتودد إلي دائما بالهدايا الثمينة، وفي النهاية عرض علي الزواج ولم ييأس من الإلحاح على عرضه ولكني في كل مرة كنت أرفض، ولما يأس من الوصول لحل معي أنشأ صداقة وطيدة مع الحقير وكان يموله ويدعمه ماديًا من أجل أن يضغط علي ويقنعني بالموافقة.
أشعلت سيجارة أخرى استعدادا لاستكمال الجزء الأهم في القصة وقالت:
_ صارحني الحقير أنه لن يستطيع الزواج مني بعد أن عرف أن حبيب والذي أصبح صديقا مقربا له قد وقع في حبي، وقال أنه لم يكن ينوي خداعي أبدا ولكن الحسابات اختلفت الآن وعليه أن يضحي بسعادته من أجل صديقه الذي قدم له المساعدة مرات غير محدودة. تشاجرنا وقتها حتى أني صفعته أمام الجميع ونعتهُ بالديـوث وخرجت من الملهى دون رجعة، ولكن حبيب لم يتوانى عن ملاحقتي واثبات كم أنه جاد في طلبه، وفي نهاية المطاف وجدتُ نفسي وحيدة، لا أجيد عملا، لم أكون رفقة، لا أعرف أهلا، واضطررت لقبول عرض حبيب وتزوجنا ولكن بشرط أن يقطع تلك الصداقة بينه وبين ذاك الحقير وأن ننتقل للعيش بمدينة أخرى، وبالفعل وافق دون أن يسألني حتى عن السبب.
تبسمت بحسرة وقالت:
_ كان دومًا أوفى وأطيب شخص قابلته في حياتي.
أومأ قاسم مؤكدا صدق حديثها، بينما تنهدت وهي تضغط بأناملها على جبهتها بتعب وقالت:
_ تزوجنا بالفعل، ولم يكن حبيب يفوت فرصة إلا وأثبت أنه فعلا يعشقني، عشتُ معه في نعيم كما يقال، ولن أنكر أني أحببته، وبعد عامين أنجبنا ابنتنا سارة، كان حبيب سعيدا بها جدا، وزاد الرابط بيننا بقدوم سارة، فأصبح يغدق علي من حبه وحنانه أكثر من ذي قبل. لدرجة أنه أهداني صالون تجميل كان هو الأكبر في المدينة بأكملها وقتها.
مر حوالي سبع سنوات ونحن نشكل أسرة صغيرة سعيدة ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!
في يوم! ظهر ذلك المختل في حياتي من جديد.. جن جنونه عندما رأى كيف تبدل حالي وأصبحت مشهورة، أو ثرية بمعنى أصح! عاد يطاردني من جديد ويطلب مني أن أعطيه مبالغ ضخمة، ولما رفضت هددني أنه سيفتري علي بكل وقاحة ويخبر حبيب أنني على علاقة به منذ زمن، وأن تلك العلاقة لم تنتهِ حتى بعد زواجنا وأنه سيسعى بكل قوته لطلاقي منه مهما كلفه الأمر. خفتُ، خفتُ أن تُسلب مني تلك الحياة النقية السوية، خفتُ أن يصدقه حبيب ويطلقني، فكنت أدفع له ما يطلبه بكل غباء، وكان هو من الحقارة بحيث ابتزني طويلا وفي كل مرة كان يؤكد أنه سينفذ تهديداته إن لم أدفع له، وكنت أخضع لابتزازه اللعين بكل غباء وسذاجة.
ضغط كثيرا على أعصابي، شتتني وجعلني ألجأ للتدخين ثانية بعد انقطاع دام سنتين وأكثر، تأثرت نفسيتي كثيرا وأصبت بالأرق وكنت أواصل بالأيام دون نوم، تدهورت صحتي وشحب وجهي وبدأت أصاب بالكوابيس أثناء نومي، وطبعا حبيب لاحظ كل تلك التغيرات ولكنه لم يعرف السر وراءها، حتى أنه طلب مني أن أزور طبيبا نفسيا ولكني رفضت، ساورهُ الشك حِيال أمري خاصةً أن معاملتي معه تغيرت تماما من شدة الضغط النفسي الذي كنت أمر به، أصبح يشك بي وبتصرفاتي، أصبح يراقبني بنفسه ولاحظ وجود ذلك المختل في محيط تحركاتي، فلقد كان يلاحقني من الصالون وإلى النادي وفي كل مكان كنت أذهب إليه.
اهتزت يدها وارتجفت شفتاها وهي تسترسل ببكاء:
_ وفي يوم، اتصل بي حبيب وأخبرني أنه ينتظرني في شقته بوسط المدينة، تعجبت ولكني ذهبت إليها، جلست وانتظرته وعندما دق الباب ذهبت لأفتح ولكني صُعِقت عندما رأيت الآخر، تفاجئنا ببعضنا البعض وتملك الرعب مني أن يكون قد افترى علي وحبيب قد صدق افتراءاته، تجاذبنا الحديث وفجأة دخل حبيب وهو يطالعنا بشر وبعينيه اتهام صريح لكلينا، وواجهنا بأنه يشك بنا ، بدأ الحقير يتهمني أني كنت ألاحقه وأني كنت أطلب منه أن أكون على علاقه به وهو من كان يرفض، بدأت بدحض اتهاماته ودافعتُ عن نفسي، ولكن الآخر كان شيطانا بما يكفي لأن يريه على هاتفه صورا مزيفة تجمعنا سويا وتسجيلات مزيفة بصوتي وأنا أتودد إليه بطريقة قذرة وأطلب منه أن نتقابل، لم يفكر حبيب مرتين وأطلق النار عليه فسقط قتيلا في الحال، حاولت الهرب ولكنه أطلق الرصاصة الثانية باتجاهي فأصابت كتفي.
وجففت دمعاتها وهي تقول:
_ تم القبض على حبيب، وتم نقلي إلى المشفى، تم التحقيق معي والتحقيقات أثبتت أن الصور والتسجيلات مزيفة وأنه كان يبتزني وأني لم أكن على علاقة به بتاتا، وبعدها حُكِم حبيب بالسجن خمسة عشر عاما بتهمة القتل العمد والشروع في قتلي، إضافة لتهمة حيازة سلاح غير مرخص.
انتهت فتون من سرد تفاصيل حكايتها على قاسم الذي كان يستمع إليها بذهول صامت، والآن فقط أصبح على علم بالحكاية كاملةً.
أشعلت فتون سيجارة ثالثة وهي تزيل آثار الدموع التي لطخت أسفل عينيها بالسواد وقالت وهي تنفث دخان سيجارتها بهدوء:
_ سارة تعرف تلك القصة بتفاصيلها، ألحت علي وأصرت إصرار رهيب واضطررت لمصارحتها في النهاية ، لم أكن أعلم أنني لم يكن علي فعل ذلك، ومن يومها وهي تتجنبني تماما وترفض استقبال أي حوار بيننا كأم وابنتها، تلحديث بيننا فاتر جدا ولا نجتمع سويا غير مرات معدودة، هي الآن لديها أصدقائها يزورونها وتزورهم وتشكل برفقتهم دائرة مغلقة لا يمكنني اختراقها أو القرب منها.
تنهد قاسم بضيق وشعر أنه قليل الحيلة، لم يكن يتخيل أن تكون المسئولية التي وضعها حبيب على عاتقه بتلك الصعوبة، لقد ظن أن الموضوع سيقتصر على تلبية احتياجاتهم والاطمئنان عليهم فقط، ولكنه كان مخطئا.
نظر إليها بحزن وتأثر ثم قال:
_ ألم تفكري في عرضها على طبيب نفسي؟
_ حاولت ولكن رفضت.
_ منذ متى قامت بزيارة والدها؟
_لم ترهُ أبدا!
قالتها ببساطة أدهشته فقال مستنكرا:
_ مستحيل! لم ترَ والدها منذ ثمانية أعوام؟
أومأت بتوكيد وقالت:
_ نعم، سارة تنقم علينا أنا ووالدها، تقول أنني السبب في سجنه، وأنه بما فعله حرمها أن تحيا حياة طبيعية بين أب وأم يحتضنونها ككل الفتيات في سنها، تقول أيضا أننا لسنا مثالا مشرفا للأب والأم اللذان كانت تطمح بهما.
تنهد بضيق وأسف من أجل حال تلك الشابة وقال:
_ أين هي الآن؟
_ لا أعرف، أتصل بها ولا ترد.
وقبل أن يرد عليها انفرج الباب ودخلت سارة.
شابة جميلة، قصيرة بعض الشيء ، تتمتع بعينين فيروزيتين تجذب الأنظار، وشعر أشقر طويل مموج، جسد هزيل يلائم شحوب وجهها مما ينم عن حالة نفسية سيئة للغاية.
نظرت إليهم نظرة خاطفة وصعدت إلى غرفتها سريعًا.
_ ها قد عادت، هل ستصعد وتتكلم معها الآن؟
قالتها فتون فنظر إليها قاسم وقال:
_ لاحقا، يبدو أنها في حالة مزاجية سيئة ولن تقبل الحديث معي، ثم أنني لو تحدثت معها الآن ستعرف أنكِ طلبتِ مساعدتي وبالتالي أخبرتِني بخصوص ما وجدتِه وستشعر حينها أنها مراقبة ومحاصرة وسيشكل ذلك ضغطا عليها، علينا أن نتمهل في خطواتنا لمساعدتها .
نظرت إليه بقلق فطري وقالت:
_ هل يمكنني أن أثق بك حيال ذلك؟
أومأ موافقا وقال:
_ تأكدي أنني سأفعل ما بوسعي، الأهم من ذلك أنه لا ينبغي أن تخبريها أنكِ وجدتِ الأقراص بغرفتها وأنا سأكون بالقرب منها وأتدخل في الوقت المناسب.
استأذن قاسم بعدها وانصرف وقد أحس أنه يحمل عبئا ثقيلا على كاهله وبات محض اختبار لا بد أن ينجح به.
/////////////////
استيقظت حياة على صوت رنين هاتفها برقم خالد، تجاهلت مكالمته مرات عديدة ولكنه كان يعاود الاتصال مجددا إلى أن قامت بالرد:
_ صباح الخير.
_ أي صباح عزيزتي لقد قاربت الساعة على الرابعه.
تأففت بملل وقالت:
_ إذن مساء الخير.
_ مساء الحب حلوتي، حياة أشتاقك كثيرا، ما رأيك أن أمر بكِ؟
تعجبت اقتراحه المفاجئ وقالت:
_لمَ؟ أقصد لمَ الآن؟ يعني.. ألست مشغولا الآن؟
_ في الحقيقة أنا مشغول ولكن شوقي لكِ أهم. سأمر بكِ بعد قليل.
_ حسنا، أنتظرك.
نهضت وهي تمسك برأسها بتعب من شدة الصداع الذي يلف رأسها، ثم توجهت صوب طاولة الزينة وأمسكت علبة عدساتها كي تضعها ولكنها تراجعت فجأة وهي تنظر لكهرمانيتيها بالمرآة وأعادت العلبة موضعها وذهبت للاغتسال.
بعد قليل، وصل خالد، استقبلته صفية بترحاب وجلست معه ريثما تخرج حياة فقالت:
_ خالد؟ ألن تستعد لتحضيرات الزفاف بني؟ يتبقى شهرين فقط على العيد، ألن تقوم بحجز القاعة التي سيقام بها الزفاف؟
ابتسم خالد ابتسامته المتألقة وقال:
_ تلك الأمور من البساطة بحيث أستطيع حلها بمكالمة هاتف، لا تقلقي أبدا.
ابتسمت براحة وقالت:
_ حسنا بني، ها قد جاءت وردتي.. سأعد لكما مشروبا.
نهض خالد ليصافح حياة وهمّ بتقبيل وجنتها ولكنها ابتعدت عنه وهي تقول:
_ خالد لقد حذرتك مرارا، لا تعاملني بتلك الطريقة أبدا.
نظر إليها متفاجئا وقال:
_ ما بكِ حياة؟ ما ذلك الأسلوب الفظ؟
_ لأنك تثير ضيقي وغضبي.
_ وما الذي فعلتهُ أنا حتى أُثير غضبك وضيقك؟ هل لأني كنت سأقبلك؟ ليست تلك المرة الأولى التي أقبل وجنتيكِ!
نظرت إليه بغضب وقد أثارت كلماته استفزازها وقالت:
_ نعم، ولكنها آخر مرة.
تنهد بضيق بدوره وقال:
_ على ما يبدو لستِ في مزاج جيد أبدا، وأنا لن أسمح لكِ أن تفسدي مزاجي الذي تحسن برؤيتكِ حبيبتي ، اجلسي.
جلست وجلس بالقرب منها فقال:
_ حياة، هل فعلت شيئا أغضبكِ؟ منذ زيارتك لي بالصيدلية وأنا أشعر أنكِ تعاملينني بجفاء.
_ لا أبدا، ليس صحيحا، أنا فقط أشعر بالصداع لأنني لم أعد أضع عدساتي منذ يومين.
نظر إلى عينيها بصدمة وقال:
_ يا إلهي، لم أنتبه قبل الآن.
نظرت إليه بضيق لم تعرف سببه، ولكنها قارنت مقارنة سريعة بينه وبين قاسم الذي لاحظ الفرق برغم مرور عشر سنوات كاملة.
_ ولمَ لم تعدِ تضعينها؟
أجابت بشرود:
_ لأن قا… لأنني مللت من لونها وأردت أن أكون بطبيعتي فحسب.
زم شفتيه قائلا:
_خسارة، لقد اعتدت رؤيتك بهما، ولكن على كل حال أنتِ جميلة في كل حالاتك عزيزتي.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
_ شكرا.
_حياة، هل نخرج سويا؟ سأكون متفرغا في المساء، ما رأيك أن نتناول العشاء بالخارج؟
_ لا، لدي تطبيقات عملية سأقوم بتنفيذها، في وقت لاحق.
زم شفتيه بيأس وقال:
_ كما تفضلين، حسنا عزيزتي ، علي أن أغادر لأن عبدالله ينتظرني بالأسفل.
قطبت حاجبيها متعجبة وقالت:
_ والسبب؟
نهض واتجه نحو الباب وفتحه وهو يقول:
_ لا أعرف بعد، سأشتاق لكِ حبيبتي.
ومال نحوها واختلس قبلةً من وجنتها وقال:
_ اعذري شوقي، لم يبقَ الكثير حتى نتزوج ولن أكون مضطرا حينها لاستئذانك.
تنهدت بضيق وقالت:
_ وكأنك تفعل الآن.
وفجأة صُدمت بقاسم الذي كان ينظر لها بغضب شديد وهو يصعد درجات السلم وصولا لشقة عمه، فوقف يطالعهما بضيق وقال:
_ عمي يناديكِ حياة. ادخلي.
على الفور هرعت للحياة للداخل وأغلقت الباب بخوف وضيق، بينما يقف خالد يطالع قاسم ببرود ثم قال:
_على ما يبدو أنت ابن العم الذي خرج للتو من السجن.
ابتسم قاسم متهكمًا وحك زاوية فمه بابهامه قبل أن ينظر إليه متحفزا ويقول:
_ إنه أنا، وعلى أتم الاستعداد أن أدخله للتو أيضا. ألا تخجل من نفسك؟
ابتلع الآخر بتوتر وخوف وقال:
_ لا أفهم قصدك.
_ بلى تفهم، ما الذي فعلته ؟ كيف تسمح لنفسك أن تتجاوز حدك معها؟ هي لم تصبح زوجتك بعد؟ كيف تجرؤ وتقوم بالاقتراب منها بهذا الشكل المنفر وبغير ارادتها؟
_ وما دخلك أنت؟
تعجب قاسم وقاحته وهمس مستغفرا، ثم قال:
_ اسمعني يا هذا، حياة أنقى من أن تدنس برائتها بذلك الشكل، لا يحل ولا يحق لك لمسها أبدا حتى ولو برغبتها هي شخصيا، فهمت؟
نفخ الآخر صدره بتحفز وقال:
_ وأنت اسمعني يا رد السجون، لا تتدخل فيما لا يعنيك، حياة ليست قاصر وتعرف ما ترغب به وما لا ترغب به.
وانصرف وتركه واقفا يرغي ويزبد من فرط غضبه وغيظه.
كانت حياة تقف خلف الباب تستمع للحوار الذي دار بينهما وقلبها يخفق بين ضلوعها بقوة مهلكة، نظرت من العين الموجودة بالباب فرأت قاسم لا يزال واقفا خلف الباب يتطلع نحوه وكل أمارات الغضب تتراقص فوق وجهه لدرجة أنها خافت وتراجعت عن الباب وهرولت إلى غرفتها على الفور.
أما هو فصعد إلى شقته وعلى الفور ذهب ليأخذ حماما باردا وبدل ثيابه وخرج مجددا.
نزل السلم فالتقى بحياة التي كانت تقوم بفتح الباب وعندما رأته أغلقت الباب سريعا وهرولت إلى غرفتها مجددا فوقف يتمتم بصوت مسموع:
_ إختبأي لآخر العمر يا حياة.
خرج بعدها لمقابلة الموزع الذي سيشتري منه الدراجات وبعدها ذهب لشراء سيارة بالمبلغ المتبقي معه.
////////////
في تلك اللحظة كان خالد لا يزال واقفا مع عبدالله بمحل قطع غيار السيارات الخاص به والذي يقع بالقرب من بيت العائلة، ورأي قاسم وهو يخرج من البيت فنظر إلى عبدالله مغتاظا وقال:
_ هل ستتركون ابن عمكم المجرم هذا يتجول بينكم هكذا بكل أريحية؟
نظر عبدالله حيث ينظر الآخر وقال:
_ بالطبع لا، لن يكون اسمي عبدالله إن لم أزج به في السجن مرةً أخرى، ولكن تلك المرة سأدبر له تهمة تجعله يتعفن في السجن ويموت به.
تنهد الآخر بضيق وقال زافرا دخان سيجارته بِغل:
_ يكن خيرا إن فعلت.
أومأ الآخر بتوعد وقال:
_ على العموم دعما منه، أين الذي طلبته منك؟
أخرج خالد من جيبه شيئا ووضعهُ بكف عبدالله الذي نظر إليه مستاءا وقال:
_ هذا فقط؟
_ نعم هذا فقط، ولأنك صهري فقط أهاديك، إذا أردت المزيد تعال واشتري كما يشتري الآخرون ويدفعون مبلغا طائلا.
نظر إليه عبدالله متهكما وقال:
_ لا، هذه تكفي. شكرا لك صهري المحترم.
//////////
في المساء..
كانت حياة تجلس أمام طاولة الرسم خاصتها، تتطلع لتلك الصورة التي رسمتها لقاسم بشرود وبداخلها فوضى عارمة.
أحست بالصداع وقد عاد إليها من جديد فنهضت وخرجت إلي الشرفة لتحظى ببعض الهواء، لمحت على مرمى بصرها سيارة سوداء فخمة هي الأولى من نوعها التي تراها بحارتها تدنو إلى أن توقفت أمام مدخل البيت ونزل منها قاسم، وبعد أن دخل قاسم اجتمع أطفال الحارة يدورون حول السيارة ويتشبثون بها.
خرجت من غرفتها باتجاه الباب وفتحته تزامنا مع صعود قاسم نحو شقته فتجاهلها تماما وكأنه لم يرها إلا أنها استوقفته قائلة:
_ قاسم، سيارة من هذة؟
نظر إليها بطرف عينيه وقال:
_ سيارتي.
نظرت إليه متعجبةً وقالت:
_ من أين اشتريتها؟
رسم على وجهه نصف التسامة تكفي لأن تجعلها تلحظ سخريته منها وقال:
_ ذهبت بكل بساطة لأقرب معرض سيارات واشتريتها.
رمقتهُ بغيظ وقالت متهكمة هي الأخرى:
_ وأنا التي ظننتك اشتريتها من سوق المواشي.
انفلتت ابتسامته رغما عنه ولكنه سرعان ما أخفاها وقال بحزم:.
_ كنت أود الحديث معك بشكل ودي كرجل وبنت عمه ولكن للأسف لست متفرغا، عن اذنك.
التفت ليكمل سيره للأعلى ولكنها تمسكت بساعده وهي تقول:
_ قاسم، هل لازلت غاضبا مني؟
نظر إليها، ثم ليدها فوق ساعده فأبعدتها سريعا بحرج فقال:
_ ولمَ علي أن أغضب منكِ؟ هل فعلتِ شيئًا يغضبني لا سمح الله.
نظرت في كل مكان غير عينيه وقالت بتوتر:
_ لا، لم أفعل.
_ جيد إذا، بالإذن منك.
_ قاسم من فضلك، أنا.. أنا أعلم أنك غاضب مني لأنك رأيت خالد وهو..
صمتت واحمرت وجنتيها فقال:
_ هل تخجلين من قولها ولا تخجلين من فعلها؟
نظرت أرضا فقال بهدوء:
_ لقد خذلتِني حياة.
تطلعت نحوه وأدمعت عيناها بحزن بينما استطرد قائلا:
_ حياة، أنتِ أنقى شخص عرفته، أرجوكِ لا تسمحي لأحد مهما كان أن يدنس ذلك النقاء.
تنهدت وهي تعلم بأنه محق فيما يقول وأطرقت برأسها أرضا كالمذنب وقالت:
_صدقني أنا لا أتجاوز معه أبدا، ما رأيته هو كل شيء.
ابتسم لرؤية برائتها وقال بلهجة الواثق:
_ أعلم، ولكن المبادئ لا تتجزأ يا كهرمانة، لا تسمحي له أن يتجاوز حدوده معك ثانية.
أومأت بموافقة ونظرت إليه بابتسامة وعيون لامعة وقالت:
_ حسنا.
ابتسم لها وقال:
_ عديني حياة، عديني أن تبقي بفطرتك النقية تلك للأبد، عديني أن تظلي الأنقى حتى وإن تدنس العالم كله من حولك.
أثرت بها كلماته بشدة لدرجة أنها بكت فضحك قائلا:
_ اعذريني لا أجيد المواساة أبدا
ضحكت فضحك وأخرج من جيبه مبلغا من المال وأعطاه لها وقال:
_ تفضلي يا كهرمانة، هذا المبلغ كي تشتري عدسات طبية شفافة لا تخفي عينيكِ الجميلتين.
ضحكت وقالت:
_ شكرا قاسم، ولكن أنا لست بحاجة المال، سآخذ ما يلزم من أبي.
_ لا تناقشيني أكثر يا حياة، خذي المال واشتري العدسات حتى لا تتعثرين ويتحطم رأسك السميك وأكون أنا المذنب.
ضحكت وهي تمد يدها وتأخذ النقود ثم قالت:
_ شكرا لك قاسم، أنت حنون للغاية.
ابتسم وقال:
_ وأنتِ كذلك.
………….
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السادس 6 - بقلم نعمة حسن
غارقًا في كابوسٍ مظلم، يتصبب عرقا وهو يجاهد تلك الدوامة كي لا تسحبه بداخلها، يقاوم باستماتة حتى ينتزع نفسه وينجو منها خارج ذلك السواد الحالك الذي يغمره ولكنه لم ينجح، صوت صرخته المتألمة وأنينهُ المضني بألم يمتزج بصوت ضحكات كريهة وأصوات متداخلة ساخرة وأخرى متوعدة، عرقه الذي أندى جبينه سابقا من شدة الألم ومصارعة الموت يشبه عرقه الآن وهو يحاول بجهد أن يطفو على سطح الواقع بعد ما غرق في جحيم الماضي.
انتفض فجأة وهو يلهث بشدة ويتحسس جانبه إثر ذلك الجرح القديم، ثم مد يده ومسح جبينه المتعرق وهمس مستغفرا، ثم نهض متجها للحمام وأخذ حماما باردا وبدل ثيابه، ثم نزل قاصدا شقة عمه.
طرق الباب ووقف موليا ظهره نحوه، فانفرج الباب ونظرت صفية إلى قاسم بضيق وقالت:
_ قاسم؟ عساه خيرا؟
ابتسم بهدوء مصطنع نقيض تلك الفوضى التي تجتاح مشاعره كلما رأى وجهها المَقيت وقال:
_ صباح الخير زوجة عمي.
نظرت إليه بوجوم وقالت:
_ صباح الخير.
_ هل عمي موجود؟
_ نعم، ولكنه لازال نائما.
حك رقبته بحرج وقال:
_ حسنا، أراه لاحقا.
على الفور برز صوت صالح الذي خرج من غرفته وهو يعدل نظارته الطبية فوق عينيه ويقول:
_ تفضل بني، لقد استيقظت للتو.
نقلت صفية نظرها بينهما بحرج خفي وقالت:
_ تفضل قاسم.
_ صفية، سنتناول الفطور سويا.
تحدث قاسم وقال:
_ لا شكرا يا عمي، لقد جئت لأتحدث إليك بموضوع هام فقط.
نظر الرجل لزوجته قائلا:
_ أعدي الفطور حالا، هيا.
انصرفت صفية، ولكنها لم تنصرف تماما لقد وقفت تتنصت عليهما حتى يتسنى لها سماع ما يقولون.
_ عمي، لقد اشتريت السيارة بالأمس.
ابتسم صالح قائلا:
_ رأيتها بني، مبارك عليك، رزقك الله خيرها وكفاك شرها إن شاء الله.
_ آمين، واليوم ستصل البضاعة، لقد اتفقت مع الموزع ودفعت له نص الثمن والباقي عند الاستلام.
_ خير ما فعلت بني، بإذن الله سيعوضك الله خيرا ويكون هذا المشروع الصغير بداية لمشاريع كبيرة تجعل اسمك أشهر من نار على علم.
ابتسم قاسم بحماس وقال:
_ إن شاء الله، في الحقيقة جئت لأطلب منك أن تكون حاضرا الافتتاح، وأن تقوم بدعوة عبدالله وزوجته، وكذلك عزيز وحنان، وكذلك حياة وخطيبها الدكتور خالد.
نظر إليه عمه للحظات يحاول سبر أغواره وفعم جده من مزاحه ولكنه لم يستشف في ملامحه أي علامات للهزل فقال:
_ هل أنت واثق من أنك تود حضور عبدالله وعزيز؟
_ ولمَ لا؟ هما أولاد عمي وفي النهاية لن نبقى متشاحنين مدى الحياة.
لمح في وجه عمه عدم الاقتناع جليًا على ملامحه فقال:
_ صدقني عمي لا ينبغي أن تكون خائفا مني، لقد ألقيت الماضي بكل ما فيه خلف ظهري، ومن الآن فصاعدا لا أرى سوى مستقبلي فقط، وبالنسبة لي أكبر جزاء ممكن أن يناله عدوي هو أن يراني ناجحا ويتمنى حينها لو لم يفعل ما فعل.
أومأ صالح بعدم ارتياح وقال:
_ حسنا يا بني، سأدعوهم وإن شاء الله سنحضر جميعا.
نهض قاسم ينوي المغادرة، ولكنه تفاجأ بحياة تقف أمامهم وتقول:
_ صباح الخير أبي، صباح الخير قاسم.
ابتسم قاسم بلطف وقال:
_ صباح الخير حياة.
_ صباح الخير صغيرتي، إلى أين؟
حانت منها التفاتة ناحية قاسم وأجابت:
_ إلى مركز البصريات، سأقوم بعمل عدسات طبية جديدة، لقد انتزعت الأخرى.
_ حسنا، بعد أن نتناول الفطور سيقوم قاسم بتوصيلك، طريقكما واحد.
نظرت حياة إلى قاسم بترقب فرأته يبتسم وقال:
_ نعم طريقنا واحد، ولكن اعذرني عمي لن أستطيع تناول الفطور برفقتك، لقد سبقتك.
تحدثت حياة قائلة:
_ وأنا سأتناول فطوري لاحقا.
نظر إليها قاسم وقال:
_ إذن، هل نذهب؟
أومأت بموافقة وقال:
_ طالما أن طريقنا واحد فلنذهب.
***
كانت تجلس على حافة الفراش وهي تنظر أمامها بشرود، أطلقت تنهيدة محملة بألم داخلي يملؤها، ثم مسحت وجهها بكفيها بتعب ومررت يدها فوق كتفيها وذراعيها وهي تشعر بوخزات شديدة تؤرقها.
التفتت ونظرت وراءها حيث ينام زوجها وتنهدت مرة أخرى بعجز وهي تمد يدها وتهزه برفق قائلة:
_ عبدالله، هيا استيقظ.
لم يحرك ساكنا، فكررت نداءها مرة أخرى:
_ عبدالله لقد قاربت الحادية عشر، هيا استيقظ.
ولكنه أيضا لم يتحرك مما أثار تعجبها؛ فهي تعرف أنه يستيقظ بمجرد أن توقظه، اقتربت منه أكثر وجثت بجواره وهي توقظه بقوة أكبر وتقول:
_ عبدالله، ما بك؟ هيا استيقظ.
وأخذت تنظر له باستغراب شديد وهي تقول:
_ يا إلهي، ما باله هذا؟ هل مات؟!!
اضطرب قلبها بشدة واختلطت مشاعرها بعد أن جال هذا الخاطر بخيالها واقتربت منه ووضعت أذنها موضع قلبه وهي تقول:
_ لم يمُت، قلبه لازال ينبض للأسف.
تنهدت بضيق وهزته بقوة وصدح صوتها عاليًا وهي تقول:
_ عبدالله… ماذا دهاك في الصباح؟ هيا استيقظ.
زمجر عبدالله بخشونة وهو يفتح عينيه الحمراوتين ببطء ويقول:
_ ماذا حدث؟ لمَ تحدثين كل تلك الجلبة؟
لوت شفتيها بتأفف وقالت:
_ ظننتك مت، منذ ساعة وأنا أجلس بجوارك وأحاول إيقاظك عبثا.
اعتدل فكان نصف جالسا وهو يدلك رقبته برفق ويقول:
_ لن أموت بتلك السهولة زوجتي الحبيبة، عمر الشقي باقي.
خرجت من الغرفة باتجاه المطبخ وهي تتمتم بسخط:
_ خسف الله بك وبعمرك الأرض.
حين همت بالدخول للمطبخ سمعت صوت حياة وهي تضحك وعلى ما يبدو تتحدث إلى أحدهم.
***
_ هذا يعني أني أول من ينول شرف الركوب بجوارك سيد قاسم.
_ أجل، يا له من شرف آنستي. إن كان للسيارة فم كانت حتما ستطلق زغرودتين ترحيبا بكِ.
ضحكت بقوة فضحك على إثر ضحكتها وقال:
_ يا إلهي، أذكر تلك الضحكة منذ عشر سنوات، هي نفسها لم تتغير، تصبحين مثل شكمان السيارة المسدود.
اختفت ابتسامتها على الفور ونظرت إليه ببلاهة فانفجر ضاحكًا وهو يقول:
_ أمزح معكِ يا كهرمانة، هل لا زلتِ تملكين عقلًا بحجم حبة الذرة يجعلكِ تغضبين من أتفه الأمور؟
اتسعت ابتسامتها أكثر وقالت:
_ لا، لست غاضبة، تشبيهك فقط هو الذي استوقفني.
_ أي تشبية؟ العقل بحجم حبة الذرة أم الشكمان المسدود؟
وضحكا سويًا غافلين عن تلك التي تنصت إليهما وداخلها يحترق.
***
أسندت عنبر جبهتها على الباب وهي تبتلع لعابها بمرارة وتقاوم كي لا تسير عبراتها فتثير شكوك زوجها التي لا تحتاج إلى المزيد، فأطلقت زفرةً حارة ودخلت إلى المطبخ كي تعد الفطور.
صنعت بعض الشطائر وهي شاردة وصوت ضحكاتهم سويا لا يفارق أذنيها مختلطا بذلك الصوت اللعين المنبعث من الماضي.
_ استرجاع زمني _
_ قاسم، أنت لا تعرف مدى سعادتي، أخيرا تخرجت!
ابتسم قاسم بحب قائلا:
_ أخيرا حبيبتي، كنت أثق بكِ منذ البداية وأعلم أن عنبري المجنونة إن حدث وأصرت على هدف فلن يثنيها عن تحقيقه شيء أبدا.
أومأت بموافقة وهي تقول بامتنان:
_ الفضل كله لك حبيبي، لولا دعمك وإصرارك أن ألتحق بالكلية ومحاولاتك المستميتة لإقناع أمي لم أكن لأصل إلى ما وصلت إليه أبدا.
ونظرت إلى شهادة التخرج بيدها وهي تقرأها بكل فخر وتقول:
_ تشهد كلية التجارة أن الآنسة / عنبر صالح فضل الحداد ، المولودة في الإسكندرية، قد حصلت على درجة البكالوريوس في التجارة " شعبة إدارة أعمال " بتقدير جيد جدا…
وأخذت تقفز بمكانها بفرحة عارمة سرعان ما اختفت وتحولت فرحتها إلى بكاء مدوي وهي تقول:
_ لا أصدق يا قاسم، فخورة بنفسي جدا.
ضحك يائسًا من مزاجها المتقلب وقال بابتسامة:
_ وأنا فخور بكِ عزيزتي، فخور لأن أطفالي سيملكون أمًا ناجحة ومثقفة مثلك، ولكن أتعرفين ما يقلقني بشأن أطفالنا المستقبليين عنبر؟
هزت رأسها بتساؤل واهتمام وهي تمسح دموعها فأجاب بجدية مصطنعة:
_ أنهم سيملكون كذلك أمًا تحمل عقلا بحجم حبة الذرة يجعلها تبكي على أتفه الأمور.
ورفع وجهه للسماء وهو يدعو قائلا:
_ أرجوك إلهي لا تجعل أطفالي يرثون هرمونات أمهم أبدا.
وتعالت ضحكاتهما سويا ولكنها بدأت تتلاشى وتتلاشى حتى اختفت واندثرت فعلمت حينها أنها قد بُعِثت من ماضيها المظلم لحاضرها الأسود.
***
استقل قاسم مقعده خلف مقود السيارة وجلست حياة بالمقعد المجاور له وهي تتأمل السيارة بانبهار وتقول:
_ يا إلهي، لقد راقني لونها وفخامتها جدا قاسم، كل تفصيلة بها مميزة جدا، هل هي غالية؟ أكيد طبعا.. ثمنها لا يقل عن نصف مليون جنيها على الأقل.
أومأ موافقا وقال:
_ صحيح، أحسنتِ يا كهرمانة.
ظلت تنظر إليه بتردد وقالت:
_ ومن أين اشتريتها؟
ابتسم لأنه كان ينتظر سؤالها فقد بات يعرفها جيدا ويعرف فضولها تجاهه تحديدا فقال:
_ ليس من سوق المواشي بالتأكيد.
ضحكت وقالت:
_ هيا يا غليظ، أنت تعرف قصدي، أقصد من أين حصلت على ثمنها، واليوم أيضا سمعتك تخبر والدي أنك ستفتتح مشروعا.
ثم غمزتهُ بغمزة ذات مغزى وقالت:
_ من أين لك هذا؟
ضحك قائلا:
_ هذا من فضل ربي.
تنهدت بيأس وقالت:
_ قاسم أرجوك لا تجعلني أشعر وكأني فضولية ومتطفلة.
_ أوَلستِ كذلك؟
ضربت ذراعه بقبضتها وقالت:
_ بلى، وعلى كلٍ لا أريد التطفل على حياتك أكثر.
_ كما تشاء.
ابتسم قائلا:
_ ألديكِ من يكتم السر؟
أومأت بموافقة شديدة وهمست:
_ في بئر.
_ المال ليس لي، هو دَيْنٌ علي. أدانني إياه صديق عزيز تعرفت عليه بالسجن. وسأقوم بسداده حالما تتيسر أموري وتزدهر تجارتي.
سألته بفضول لا ينتهي:
_ وهل هذا الرجل ثري بهذا القدر؟
أومأ باقتضاب فسألته مجددا:
_ وفيم دخل السجن؟
أجاب ببساطة:
_ قضية قتل.
جحظت عيناها بصدمة وشهقت بفزع وهي تقول:
_ يا إلهي، قاتل؟!! قاسم هل تصادق مجرمين؟!
ابتسم بسخرية وقال بسخرية أكبر:
_ يا عزيزتي كلنا مجرمين.
تعجبت سخريته من الأمر وكيف أنه يتحدث عنه بتلك البساطة فقالت باستهجان:
_ أراك تسخر من الأمر وكأنه شيئا عاديا، إنه قاتل! لا أرى الأمر مضحكا أو عاديا أبدا.
تنهد وهو ينظر من النافذة المجاورة له ويقول:
_ فعلا الأمر ليس مضحكا، ولكن أتعلمين يا صغيرة؟ ليس كل قاتل مجرم! الظروف التي تحول الإنسان من إنسان مسالم إلى قاتل هي المجرم الحقيقي.
قطبت جبينها وقد تشوشت أفكارها قليلا وقالت:
_ في الحقيقة لا أفهم ما تقصده بالمعنى الحرفي ولكن..
وحكت جبهتها بتفكير و أضافت:
_ ولكني تفاجئت أنك من الممكن أن تدافع عن قاتل! هل دخولك السجن واختلاطك بالسجناء غيرك لتلك الدرجة؟
تبسم قائلا بأسف:
_ نعم، غيرني كثيرا، هل تعرفين يا حياة.. السجن ليس سيئا كما تظنين، خارج السجن أشد سوءا.. خارج السجن هو السجن الحقيقي، السجناء هما الأكثر وضوحا بين البشر، هناك يكون القاتل معروفًا والسارق معروفًا والمغتصب معروفًا والمرتشي معروفًا، الجميع هناك واضحين والكل يعترف بذنبه، بينما خارج السجن الأمر مختلفا، الكل كاذبين يرتدون الأقنعة.
كانت تستمع إليه بتركيز واهتمام، وعندما استمعت لتنهيدته شعرت بمقدار الألم الكامن بصدره وأحست بالذنب لأنها كانت السبب في نبش ذلك الجرح من جديد وقالت محاولةً تغيير مسار الحديث:
_ على كل حال، علينا أن نشكر ذلك الصديق القاتل وليس بمجرم لأنه كان السبب في شراء سيارة فخمة جدا كهذه.
ضحك وقال مشاكسًا:
_ إن اصطدمت تلك السيارة الفخمة بالجدار أو بأحد أعمدة الإنارة سأدق رأسك في عنقك وأقتلع عينيكِ الصافيتين هاتين يا كهرمانة.
ضحكت وهي ترمقه بغيظ وتقول:
_ تقصد أنني سأحسدك؟ لا تخف، عيناي كهرمانيتين مسحوبتين وليستا مستديرتين يا غليظ.
ضحك وقال:
_ أعلم ذلك، ولكني فقط أحب مشاكسك، أخبريني ما حال دراستك؟
_ كل شيء على ما يرام. تنتابني نوبات من فقدان الشغف ولكنها تنتهي سريعا على كل حال.
أومأ وقال:
_ وما هو طموحك بعد التخرج؟
ابتسمت بحماس وقالت:
_ أولا أن أن يكون لدي المرسم الخاص بي وأشارك بلوحاتي في المعارض الدولية.
هز رأسه بإعجاب وقال:
_ ممتاز، وأنتِ أهل لذلك.
وأضافت وهي تغمض عينيها بحالمية وتقول:
_ وأتمنى أن يهبني الله سيارة مثل تلك في يوم من الأيام.
ضحك قاسم قائلا:
_ إن شاء الله، وأعدك حينها أنني من سأقوم بتعليمك القيادة.
ابتسمت بسعادة وأخذت تتأمله وهو يجلس خلف المقود بكل فخامة فقالت:
_ يا إلهي، من يراك يظنك وُلدت سائقا.
ضحك وقال:
_ لم تخطئي، لقد تعلمتُ قيادة السيارات وأنا في سن العاشرة.
نظرت إليه بصدمة فقال:
_ نعم، كان والدي رحمه الله يملك سيارة أجرة وكان يدربني على قيادتها في وقت فراغه، هو كان يعرف ولعي بالسيارات حينها وكم أني أرغب في امتلاك سيارة قبل كل شيء.
ابتسم بحنين وهو يقول:
_ فوعدني أنني عندما أبلغ السن القانوني وأستخرج رخصة القيادة سيساعدني في شراء سيارة خاصة بي، ولكن بعدها بسنتين تقريبا بدأت صحته تتدهور واكتشفنا أنه قد أصيب بسرطان الرئة، وبعد رحلة علاج استمرت حوالي سنة ونصف توفي في النهاية.
تحدثت حياة فقالت بحزن:
_ والدي أخبرني أن عمي عبدالعزيز رحمه الله كان طيب القلب وكان مخلصا للجميع.
أومأ موافقا وقال:
_ صحيح، كان طيبا جدا، وكان راضيا بمرضه، متأقمًا معه وكأنه نزلة برد وليس مرض بهذة البشاعة والخطورة والخبث، أتذكر أنه قال لي ذات مرة كلنا سنموت وهنيئا لي بموتة تشفع لي.
ابتسم متأثرا ثم قال:
_ بعد أن توفي قررت العزوف عن الدراسة، رأيت أنه من الأولى أن أرعى والدتي وأختي، وقام عمي ناجي رحمه الله بالاتفاق مع والدك أن يعمل هو سائقا بالسيارة الخاصة بوالدي ويقتسم الإيراد بينه وبيننا. وهذا ما حدث فعلا، واستمر الحال على ما هو عليه خمس سنوات كاملة وبعدها تعب فجأة ولزم الفراش ومات.
تمتمت الأخرى بحزن وقالت:
_ رحمهما الله.
أومأ قاسم واستطرد:
_ بعد موت عمي ناجي بأشهر أكملت عامي الثامن عشر، حينها كان عزيز يعمل برفقة عبدالله بائعا في أحد المحلات، اقترحت عليه أن نستخرج كلانا رخصة قيادة وأن نعمل بالتناوب كسائقين أيضا على نفس السيارة.
نظرت إليه حياة بإدراك وقالت:
_ هل تلك السيارة التي تحطمت في الحادث الذي تعرض له عزيز هي نفسها سيارة والدك رحمه الله؟
أومأ بتأكيد وقال بابتسامة سخرية:
_ حتى السيارة لم يُكتب لها النجاة!
نظرت أمامها بحزن، ثم طالعته بتترقب وقالت:
_ ألم يَحِن الوقت المناسب؟
توقف بالسيارة أمام مركز البصريات قائلا بابتسامة:
_ ليس بعد.
ترجلت بصمت من السيارة، بينما هو يتتبع أثرها بعينين غائمتين ويقول:
_ يا إلهي، تلك القصيرة تجعلني أتحدث أكثر مما ينبغي.
وانطلق بعدها متجها للمحل الذي استأجره ليكون معرضا للدراجات النارية، وقام بالاتصال بالموزع الذي أخبره أن البضاعة في طريقها إليه.
***
كانت سارة تقف بغرفتها وهي تضع يدا على خصرها والأخرى تضغط بها جانبي عقلها وهي تحاول تذكر شيئا ما:
_ أنا متأكدة أنها كانت داخل جيب ذلك السروال، إذًا أين ذهبت؟
رن هاتفها فأجابت باهتمام:
_ كيف حالك حبيبي، أنا بخير وأنت؟ حسنا، سأراك هناك، لا تقلق، سآتي بالتأكيد.
طرقت فتون الباب ودخلت فطالعتها سارة بضيق وتحدثت بإيجاز ثم أنهت المكالمة ونظرت إلى أمها بحدة وقالت:
_ ذلك الباب صُنع ليطرق أولا.
أجابت فتون وهي تحاول التحلي بالهدوء:
_ لقد طرقتهُ بالفعل ولكنك لم تسمعِ، هل لديكِ موعد؟
_ نعم.
_ إلي أين؟
_ سنجتمع ببيت چاسي رفيقتي.
_ من؟ أقصد من سيكون معكِ من رفقتك؟
نظرت إليها سارة باستغراب وقالت:
_ ولماذا تسألين الآن؟ هل تريدين تقريرا مفصلا عما سأفعله أنا وأصدقائي أيضا؟
ثارت فتون ونظرت إليها بعصبية وهي تقول:
_ ولمَ لا؟ أنتِ ابنتي ومن حقي الاطمئنان عليكِ.
ابتسمت الأخرى وتوسعت ابتسامتها حتى تحولت لقهقهات عالية وقالت:
_ الجميع يعرف حقوقه ولا يعترف بواجباته.
قطبت جبينها باستفهام وارتفع حاجبها المنمق وسألت:
_ ماذا تقصدين؟
جلست ساره على طرف الأريكة الموجودة بزاوية غرفتها وهي تنتعل حذائها الرياضي أجابت:
_ ما أقصده يا أمي العزيزة أنكِ تقولين أن من حقك الاطمئنان علي، حسنا هذا حقك، ولكن أين حقي أنا في أن أطمئن أن لدي أمًا حقيقية، أمًا تهتم لأمري صدقًا وأنا أول اهتماماتها وأكثر ما يشغل بالها؟ أين حقي في أم مخلصة وفية أفتخر بها أمام الجميع لا أخجل من كونها أمي؟
رمقتها فتون بقهر لاح في عينيها بوضوح وقالت بنبرة باكية:
_ تخجلين من كوني أمك؟
أشاحت سارة بوجهها جانبا وقالت بأسف:
_ لم تتركا لي حلًا آخرًا.
والتقطت حقيبتها وغادرت أمام نظرات أمها المقهورة التي قامت بالاتصال بقاسم وأخبرتهُ بما حدث.
***
بعد أن انتهى قاسم من استلام البضاعة وترتيب أمور الاحتفال تلقى اتصالاً من فتون تخبره بما حدث بينها وبين ابنتها وطلبت منه أن يتقفى أثرها.
_ أرجوك قاسم أشعر أنها تكذب بشأن رفيقتها تلك.
_ ألم تتعرفي إلى صديقتها تلك مسبقا؟
_ تعرفت إليها، لقد أتت إلى هنا سابقا ولكني أشك أنها ستذهب إليها، عندما دخلت عليها الغرفة كانت تتحدث مع شاب وتخبره أنها ستأتي بالتأكيد.
_ حسنا، لا تقلقي، سأتحدث مع السائق وأرى ما يمكنني فعله، مع السلامة.
أنهى الاتصال معها وطلب رقم السائق وقال:
_ مرحبا حسين، أنا قاسم الذي أخبرتك سيدة فتون بشأني، بدايةً لا تخبر آنسة سارة أنك تتحدث إلي.
_ بخير سيدي والحمدلله.
_ عليك أن تتصنع أن عطلا ما قد أصاب السيارة وتوقف ثم أرسل لي الموقع فورا وانتظر حتى أصلك ووقتها سأعرض عليك المساعدة وأنت ستطلب أن أقوم بتوصيل آنسة سارة.
_ فليكن خيرا إن شاء الله، مع السلامه سيدي.
أنهى حسين الاتصال وفعل كما أخبره قاسم تماما، وفي تلك الأثناء كان قاسم قد انطلق بسيارته فور أن وصله الموقع الذي أرسله حسين.
توقف حسين بالسيارة فجأة وهو يقول بقلق مصطنع:
_ لقد توقف المحرك فجأة.
وترجل من السيارة وقام بفتح غطاء المحرك وأخذ يعبث به إلى أن ظهر قاسم الذي نزل من سيارته متجها نحوه وهو يقول بصوت عال:
_ مرحبا حسين، ماذا حدث؟
_ لقد تعطل المحرك فجأة، ولا أستطيع تحديد ما إذا كانت المشكلة بالفلتر أم البطارية، بعد إذنك هل يمكنك اصطحاب الآنسة سارة وإيصالها بينما أقوم بحل المشكلة؟
أومأ قاسم مؤكدا وقال:
_ نعم بالطبع، تفضلي آنستي.
ترجلت سارة من السيارة بضيق وهي ترمق قاسم بشك ثم أخبرته بعنوان بيت صديقتها فانطلق من فوره.
كان يختلس النظر إليها بالمرآة الأمامية ولكنها لم تلحظه فقد كانت تمعن النظر بهاتفها إلى أن توقف قاسم بالسيارة قائلا:
_ لقد وصلنا آنسة سارة.
أومأت بصمت والتقطت حقيبتها فباغتها قائلا:
_ يمكنك الاتصال بي عند العودة لأنه من الممكن أن لا يستطيع حسين حل مشكلة السيارة اليوم.
ثم مد يده لها بالهاتف فقامت بالاتصال برقمها من هاتفه وأعطته الهاتف وغادرت بصمت.
انطلق بالسيارة على الفور ولكنه لم يبتعد؛ فقام بالاختباء خلف مبنى بحيث لا تراه فوجدها لم تدخل البيت، بل خرجت مجددا للشارع الرئيسي وأوقفت سيارة أجرة ثم ركبتها.
لقد صدق توقع قاسم فقد فَطِن لما ستفعله تلك الشقراء لذلك لم يبتعد، وبعد أن تحركت بها السيارة تتبعها فورا.
بعد حوالي نصف ساعة، توقفت سيارة الأجرة أمام بيت فخم لا يقل فخامة عن بيتها، ونزلت منها سارة ثم أعطتهُ أجرته وانصرف.
حينها ترجل قاسم من السيارة وذهب لحارس البيت فكان رجلا خمسينيا أسمرًا، يرتدي جلبابًا ويجلس بيده كوبا من الشاي يحتسيه؛ فصافحه بود وقال:
_ مرحبا، كيف حالك أخي.
_ الحمد لله.
_ هل الأستاذ عطية أبو النجا موجود بالداخل؟
_ من عطية أبو النجا؟
_ صاحب الفيلا.. هل عاد من السفر؟
_ هذا البيت ملك للمهندس كامل العزازي.
تصنع قاسم الدهشة وقال:
_ مستحيل، أنا واثق أن ذلك هو بيت الأستاذ عطية وابنه الدكتور جمال، لقد أجرى لي جراحة سابقا وجئت لأشكره.
تحدث الحارس بنفاذ صبر وقال:
_ يا سيدي هذا البيت ملك للمهندس كامل العزازي وليس لديه سوى ولد وحيد يدعى سيف.
أخرج قاسم علبة سجائره وأعطى منها سيجارة للحارس وأشعل أخرى وهو يقول:
_ كيف لديه ولد وحيد؟ ومن تلك الفتاة التي رأيتها تدخل البيت للتو؟
_ هذه الآنسة سارة صديقة سيف.
مط شفتيه باستهجان وقال:
_ أنت تعرفها، يبدو أنها تأتي إلى هنا دائما!
_ نعم، رأيتها هنا مرات عديدة.
أخرج قاسم ورقة من فئة المائتين ودسها بجيب جلبابه وهو يقول:
_ هل تأتي هنا بمفردها؟ أعني ألا يأتي بقية أصدقائهم؟
نظر الرجل للورقة المدسوسة بجيبه والتمعت عيناه بحماس وقال:
_ لا، لا تأتي بمفردها، يجتمعان سويا مرة كل شهر، وبالتحديد في اليوم الذي يسافر المهندس وزوجته لزيارة أهلهم خارج المدينة.
أومأ قاسم متريثًا وهو يقول:
_ هل تعرف طبيعة تجمعاتهما؟ أقصد ماذا يفعلان؟ فيما يقضيان وقتهما؟ من يتواجد هنا غير آنسة سارة؟
نظر إليه الآخر بشك وقال:
_ هل أنت من رجال المباحث؟
أومأ قاسم نافيا فقال الرجل بضيق:
_ إذًا لماذا كل تلك الاستجوابات؟
أخرج قاسم من جيبه ورقة أخرى ودسها بنفس الجيب وقال:
_ دردشة ليس أكثر.
_ عادةً يأتي إلى هنا شابين وثلاثة فتيات من ضمنهم سارة، يرقصون ويمرحون وفي بعض الأحيان يأمرني سيد سيف بأن أشتري لهم بعض المشروبات.
ضيق قاسم عينيه وقال:
_ أي مشروبات؟
ضحك الآخر فبرزت أسنانه الصفراء بصورة مقززة وهو يقول:
_ الروحية يا روحي.
تنهد قاسم بتعب وقد ازداد العبء ثقلا وقال:
_ أشكرك يا سيد؟
_ حَمَد.
_ أشكرك يا سيد حَمَد، تفضل هذه من أجلك، وأرجوك فلتخبرني على الفور إذا أتت الآنسة سارة إلى هنا مرةً أخرى.
نظر الرجل إلى المائتين جنيه بيده وفرح بها كثيرا وقال:
_ تحت أمرك.
غادر قاسم بعدها متجهًا إلى سيارته وأخذها وانصرف منتظرا اتصالًا من سارة حتى يذهب إليها عند بيت صديقتها المزعومة.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السابع 7 - بقلم نعمة حسن
شارف الليل على الانتصاف وقاسم لا يزال منتظرًا اتصالًا من سارة حتى يذهب إليها.
وفي خلال تلك الساعات الماضية، لم تتوقف أو تنقطع اتصالات فتون القلقة.
بعد دقائق، اتصلت به سارة وأخبرته أنها تنتظره أمام بيت رفيقتها التي أوصلها أمامه، فذهب إليها على الفور.
بعد حوالي ربع ساعة، كان قد وصل حيث تنتظره. فركبت في المقعد الخلفي بصمت وأخذت تتصفح بهاتفها، بينما كان هو ينظر إليها من فينة لأخرى بالمرآة الأمامية.
ارتفع رنين هاتفه فأجاب:
"أهلاً سيد أكثم."
استرعى الاسم انتباهها، فأرهفت السمع إليه وهي لا تزال مشغولة بهاتفها، ولكنها نظرت إليه باهتمام عندما سمعته يقول:
"حقا؟ هل يمكنني زيارته بعد غد؟ حسنًا، أشكرك سيد أكثم، أنا ممتنٌ لك للغاية، مع السلامة."
أنهى الاتصال ونظر إليها بالمرآة مبتسمًا وهو يقول:
"هذا كان سيد أكثم، مدير أعمال والدك. أخبرني أنه استطاع الحصول على إذن بالزيارة لوالدك بعد غد."
عادت تنظر بهاتفها بصمت، فقال:
"يمكنكِ الذهاب معي إذا أردتِ. سيفرح والدك جدًا، فقد أخبرني أنه يشتاقكِ كثيرًا."
اهتز بدنها وانتفض قلبها وقالت بشرود:
"هل أخبرك ذلك حقًا؟"
أومأ بتأكيد وقال:
"نعم، وأخبرني أيضًا أنه لم يرَكِ منذ كنتِ طفلة في الثامنة. أنا واثق أنه لو رآكِ الآن وقد أصبحتِ شابة جميلة متفوقة، سيفتخر بكِ كثيرًا."
ابتسمت ابتسامة مقتضبة بسخرية وهي تقول:
"آخر همي أن يفتخر بي."
وعادت تنظر إلى هاتفها من جديد. وخيّم الصمت بينهما مرة أخرى. حينها أدرك أن الوصول لنتيجة ملموسة معها لن يكون سهلاً أبدًا، ولكنه لم يكن ليستسلم. فقال:
"لِمَ لا ترغبين في رؤيته والتحدث معه وجهًا لوجه؟ ألا تبحثين عن إجابات لأسئلة أرقت منامك وشغلت بالك كثيرًا؟"
نظرت إليه باهتمام وقالت:
"ولكني أعرف أصل الحكاية كلها من والدتي. لم يعُد هناك شيئًا يتوجب علي فهمه."
"حسنًا، أعرف أن السيدة فتون قد روت لكِ ما حدث، ولكن والدك لم يفعل. ألا يعد ظلمًا أن تمنحي طرفًا حق الدفاع عن نفسه وتسلبي نفس الحق من الطرف الآخر؟ هل هذا عدل برأيك؟"
"وهل ما فعلوه بي كان عدلًا برأيك؟"
"وهل يحق لنا أن نطالب بالعدل ونحن لا نطبقه؟ ثم إن إجابة سؤالك بالتأكيد لن يجيبكِ عليها سوى والدك. والدك الذي قرر ذات يوم الاستسلام والذهاب للموت بنفسه لأنه يئس من أن تمنحينه فرصة أخرى، قرر أن يلقي بنفسه في الهلاك لأنه لا يملك أملًا يحيا من أجله."
رمشت بعينيها عدة مرات وازدردت ريقها بتوتر. فعلم أنه يسير على الطريق الصحيح وأكمل:
"ألا تريدين أن تمنحينه ذلك الأمل؟ ربما تجدين في ذلك الأمل حياةً أخرى كنتِ تبحثين عنها ولم تجدي سبيلًا للوصول إليها."
تنهدت بحزن ثم أضافت:
"ولكني الآن أحيا الحياة التي أراها مناسبة."
أومأ مبتسمًا وقال:
"بالتأكيد سترينها مناسبة لأنك لا تعرفين حياة غيرها. وكما تعرفين، لا يجوز الحكم على التجربة قبل خوضها."
شردت بعيدًا تفكر بحديثه، فقال:
"ها، ماذا قررتِ؟ هل تقبلين زيارته؟"
نظرت إليه بتردد ثم هزت رأسها على مضض وقالت:
"حسنًا، مرة واحدة فقط."
أومأ بابتسامة وغبطة شديدة تملؤها وقال:
"حسنًا، كما تشائين. سأخبر سيد أكثم ونذهب لزيارته سويًا بعد غد إن شاء الله."
أومأت بصمت، فقال:
"والآن، هل يمكنني أن أطلب منك طلبًا؟"
تعجبت صيغة سؤاله وراقها جدًا طريقته المهذبة في الحديث إليها، وكم الاهتمام والمراعاة اللذان يظهرهما في حديثه معها، وهي التي افتقرت كثيرًا لتلك الطريقة وهذا الأسلوب وأولئك البشر في حياتها. فما كان منها إلا أن تساءلت بفضول:
"أيُ طلب؟"
أخرج من جيب سترته دعوة للافتتاح وقال بتهذيب:
"غدًا افتتاح معرض الدراجات النارية الخاص بي، هل تقبلين تشريفي؟ مع العلم أن والدك هو من مد لي يد العون وساعدني لافتتاح هذا المشروع."
نظرت إلى الدعوة بيدها بتردد، فقال:
"سأكون سعيدًا جدًا إن أتيتِ."
أخيرًا، ظهر شبح ابتسامة على شفتيها وردت بهدوء:
"إن شاء الله."
***
في اليوم التالي، وبالتحديد وقت الافتتاح.
كان قاسم واقفًا وعلى وجهه ابتسامة متألقة، يرتدي سروالًا من الجينز باللون الأسود وقميصًا باللون الأبيض، وقد بدأ شعره يطول مجددًا ويمنحه نفس المظهر الذي كان يتميز به سابقًا.
التفت للوراء فوجد عمه وزوجته قد وصلا، فاستقبلهما بترحيب وسأل:
"أين حياة؟ لمَ لم تأتي معكما؟"
حينها برز صوت زوجة عمه تقول:
"ستأتي برفقة خطيبها، الدكتور خالد."
في تلك اللحظة، توقفت سيارة أجرة أمام المعرض ونزلت منها حنان. أسرع قاسم نحوها واحتضنها بشوق كبير وهو يقول:
"خفتُ ألا تأتي. اشتقت بكِ كثيرًا."
أطبقت بذراعيها حول عنقه ثم قبلت وجنته بقوة وقالت:
"وأنا اشتقت إليك أخي، مبارك عليك."
ربت فوق ظهرها واصطحبها لتقف بجوار عمها وزوجته. فقالت صفية:
"هل أتيتِ بمفردك؟ ألم يأتِ عزيز معك؟"
توترت حنان وأحست بالحرج، فأحاط قاسم كتفيها بذراعه في دعمٍ خفي. فقالت:
"هو يشعر بالتعب، لذلك لم يتمكن من المجيء."
مسح قاسم فوق ذراعها وقال بحنان:
"المهم أنكِ أتيتِ."
التفتت صفية حيث توقفت سيارة خالد وقالت بابتسامة عريضة:
"ها قد حضرت حياة والدكتور خالد."
نظر قاسم نحوهما، ولكنه صُعِق عندما رأى وجهها الذي لطالما اعتاد رؤيته ضاحكًا مشرقًا، يبدو حزينًا باكيًا.
لم يغفل عنها وهي تحاول رسم ابتسامة مزيفة على شفتيها وهي تتقدم برفقة ذلك الطبيب المتملق المتغطرس، الذي صافحهم جميعًا وصافح قاسم بابتسامة مصطنعة وهو يقول:
"مبارك عليك."
أومأ قاسم بابتسامة ولم يرد. بينما كان كل ما يشغله الآن هو ما فعله ذلك الحقير حتى تتبدل حياة وتنطفئ بهذا الشكل. لدرجة أن والدتها لاحظت فقالت بهمس:
"ما بكِ حياة، هل تشاجرتما؟ وجهك شاحب للغاية، لمَ لا تذهبين وتعدلين زينتك؟"
أشاحت حياة بوجهها للجهة الأخرى بصمت متجاهلةً كلام والدتها، ثم قالت:
"ها قد وصلت عنبر!"
التفت قاسم فجأة ونظر إلى حيث تشير حياة، وقد خفق قلبه بقوة عند ذكر اسمها، ولكنه لن يكون قاسم إذا أظهر ما يخفيه قلبه.
تقدمت عنبر برفقة عبدالله، تحاول رسم الثبات على ملامح وجهها المتشتتة، تقاوم كي تظهر التماسك برغم أن كل عضلة بجسدها ترتعش بترقب وتحفز.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا باللون الأسود وبه لمحات من اللون الذهبي وحجابًا بنفس اللون، ولم تستخدم أيًا من مساحيق التجميل، فهي تثق بجمالها الطبيعي، وخاصة عينيها الساحرتين بلونهما الرمادي.
تقدم عبدالله من الجميع وهو ينفخ صدره بأنفة وغرور، وصافحهم فبدأ بعمه وصولًا لقاسم في النهاية، ومد يده بتردد وقال:
"لقد أبلغني عمي أنك أردت دعوتنا بشكل شخصي، ولكنك خشيت أن نرفض الحضور، فلجأت إليه لأنك تعرف أننا لا نرد له طلبًا."
أومأ قاسم متمهلًا بابتسامة ثقة وقال:
"أجل، في الحقيقة أردت أن تكون عائلتي بجواري في يوم مثل هذا بغض النظر عن أي خلافات سابقة. نحن أبناء اليوم!"
نظر الجميع إلى عبدالله ينتظرون رده بتحفز، خاصة صالح الذي كان يرجو الله أن يقبل عبدالله بذلك الصلح الذي يعرضه عليه بطريقة غير مباشرة.
رمق عبدالله قاسم بشك، ولكنه لم يرَ منه سوى ابتسامة هادئة، فتنهد قائلًا:
"نعم، نحن أبناء اليوم!"
زفر صالح براحة أخيرًا، وعلت وجهه ملامح السعادة وهو يقول:
"الحمد لله. لا فرّق الله شملكم أبدًا."
تمتم قاسم بابتسامة:
"آميـن."
كان الجميع يراقب ما يحدث بابتسامة، ما عدا حنان التي كانت غارقة في شرودها، ولم تفق إلا عندما ربت أخوها فوق رأسها وقال وهو يضمها نحوه:
"ما بها صغيرتي؟"
نظرت إليه بابتسامة وقالت بنبرة مرتجفة:
"أفكر بك، كيف استطعت نزع الحقد والغل من قلبك تجاه من ظلموك بتلك السهولة؟ ألم يكن من المفترض أن تذيقهم من نفس الكأس الذي أذاقوك منه؟"
مرر يده على مؤخرة رأسه وابتسم ابتسامة جانبية وهو يقول:
"ذلك الكأس الذي أذاقوني منه لم يبقَ به ولو قطرة حتى أذيقهم إياها، لا تشغلي بالك عزيزتي."
نظرت إليه بشك وقالت:
"هذا يعني أنك سامحت عزيز أيضًا؟"
ابتسم وهو ينظر إليها بمشاكسة وقال:
"هل تحبينه بذلك القدر؟"
أومأت بحزن، فقال:
"لا أعرف إن كنت سامحته أم لا، لكن كل ما أعرفه أنه كان مغلوبًا على أمره ولا يزال. عزيز شخصًا طيبًا وليس أهلًا لما فعله، ولكنه يترك رقبته بيد عبدالله ويسمح له أن يحركه كيفما يشاء. ولكن كوني واثقة عزيزتي أنني لن أفعل أي شيء قد يبكيكِ، لا تقلقي."
ضمته بحب وامتنان، فضمها إليه. وقد حانت منه نظرة نحو حياة التي تتابعهما بعينٍ باكية وهي تكافح كي لا يلتفت الموجودين إليها. فهمس لأخته قائلًا:
"حنان، خذي حياة واذهبا لغرفة المكتب ريثما تنتهيان من وصلة البكاء التي انتابتكما تلك، وحاولي فهم ما الذي أصابها، أشعر أنها ليست بخير."
أومأت بموافقة وطلبت من حياة اصطحابها، ووافقت الأخرى على الفور.
كان عبدالله يتجول بعينيه في أنحاء المكان وهو يتطلع يمينًا ويسارًا ويراقب كل التفاصيل، ثم همس في أذن عنبر التي تقف بجواره سابحة في ملكوت آخر:
"من أين حصل على المال؟"
انتبهت له ونظرت إليه متعجبة، فغمزها متعجبًا وقال:
"على ما يبدو أنه لديه تجارة غير مشروعة يديرها في الخفاء وهي ما أجنت عليه ذلك الربح المهول ومكنته من افتتاح معرض بهذا الحجم، إضافة إلى سيارته الفخمة التي اشتراها منذ أيام، وما خفي كان أعظم."
تطلعت إليه بضيق وزفرت ثم قالت:
"وما أدراك أنه يتاجر بتجارة غير مشروعة؟"
ضحك مستهجنًا سؤالها وقال:
"ذكائي هو ما أدراني، لأنني أقوم بتشغيل عقلي ولا أهمله حتى يتآكله الصدأ كما تفعلين أنتِ، لأني أفكر بمنطقية ولست أعمى البصر والبصيرة مثلك. بربك زوجتي الذكية، لقد خرج لتوه من السجن بعد عشر سنوات كاملة، كيف حصل على ذلك المبلغ بين ليلةٍ وضحاها؟!"
صمتت وهي تفكر بكلامه بعقلانية. نعم، هو محق. فهي تعرف أنه لا يملك سوى الشقة التي يعيش بها، وقبل عشر سنوات لم يكن لديه سوى نفس الشقة، حتى أنهما كانا سيتزوجا بها وكانت حنان ستنتقل للعيش مع حياة بشقة عمها. وكما قال عبدالله، لقد خرج من السجن للتو وبالتأكيد لن يربح مبلغًا كهذا في اليانصيب! إذًا، من أين حصل عليه؟!
***
كانتا حنان وحياة تحتضنان بعضهما البعض وتنتحبان بشدة. فقالت حياة:
"حنان، كفى. هنا ليس المكان ولا الوقت المناسبان كي نستجيب لتقلبات هرموناتنا المختلة. بالله عليكِ، إذا دخل قاسم فجأة، ماذا سنخبره؟"
قالت حنان وهي تجفف دموعها:
"هو من أخبرني كي أصطحبك إلى هنا لأنه كان يشعر بكِ وأنكِ لست بخير."
توقفت أمام كلماتها قليلًا وهمست بشرود:
"شعُرَ بي؟"
أومأت حنان ببساطة وقالت:
"هل حدث شيءٌ بينك وبين خالد؟"
تنهدت الأخرى بأسف وقالت:
"إنسان حقير. في كل مرة يتجاوز حدّه معي. اليوم، وبمجرد أن ركبت السيارة بجواره حتى مال علي ليقبلني عنوة."
اتسعت عينا حنان بدهشة وقالت:
"الحقير النذل!!"
أومأت الأخرى بموافقة وأكملت:
"فما كان مني إلا أن صفعته."
حملقت بها بصدمة وقالت:
"هل صفعتِهِ حقًا؟"
عادت تجهش بالبكاء مرة أخرى وهي تقول:
"نعم فعلت. وبعدها صرخ بوجهي بطريقة أفزعتني وقال أني تغيرت معه كثيرًا منذ خروج قاسم من السجن، وأنني لم أعد أرغب في رؤيته أو مهاتفته كما كنت من قبل. وتحدث بكثير من التفاهات التي شتتتني وضغطت أعصابي أكثر."
كانت حنان تستمع إليها بتعجب وحيرة وقالت:
"وما علاقة قاسم بالأمر؟"
انخرطت حياة في بكاءٍ مرير وارتمت بأحضانها وهي تقول:
"يتهمني أني على علاقة به!"
***
كان قاسم متجهًا للمكتب في تلك الأثناء. وهم بطرق الباب ولكنه توقف عندما استمع إلى بكاء حياة وهي تخبر شقيقته بسبب الخلاف بينها وبين خالد. وعندما استمع لجملتها الأخيرة، أصيب بالدهشة والضيق في آن واحد.
عاد أدراجه حيث يتواجد الجميع، ولكنه لم يستطع أن يحيد ببصره عن ذلك البغيض وتمتم بضيق:
"عديم الشرف!"
في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتفه فأجاب على الفور وقال باسمًا:
"هل وصلتِ؟ حسنًا، أنا في انتظاركِ."
كانت حياة قد خرجت من غرفة مكتبه بعد أن هدأت حنان من روعها ووعدتها أنها ستذهب لقضاء يوم كامل معها. استمعت حياة لقاسم وتعجبت. من تلك التي ينتظرها؟
ثوان قليلة وظهرت فتاة شقراء جميلة، ترتدي فستانًا أبيض يصل لركبتيها، وشعرها المموج الطويل يهيم حول وجهها بحرية.
في تلك الأثناء، كان كلٌ منهم يحمل كأسًا به مشروب ترحيبي، ومن ضمنهم خالد، الذي بمجرد أن رأى سارة وقد ظهرت في الأفق حتى تشردق وأخذ يسعل بشدة.
ذلك التصرف لم يغفل عنه قاسم، الذي استقبل سارة بحفاوة كبيرة وقال:
"أنرتِ آنسة سارة."
ثم قدمها للجميع قائلًا:
"أقدم لكم آنسة سارة، ابنة صديق لي. وهذا الرجل صاحب أفضال كثيرة علي. وما لا يعرفه أحد سوى عمي، أن ذلك الرجل هو من أدانني المبلغ الذي قمت بافتتاح هذا المشروع بواسطته. سررت بمجيئك آنستي."
نظرت عنبر إلى عبدالله بتحدٍ واضح وطالعته بنظرة ذات مغزى وقالت بتهكم:
"إن بعض الظن إثم."
ابتلعت حياة ريقها بتوتر وهمست:
"إذًا، تلك الشقراء تكون بنت القاتل وليس بمجرم!"
طالعتها حنان باستغراب وقالت:
"بماذا تهذين؟ أي قاتل؟"
"لا تشغلي بالك، فقط أهذي كما قلتِ."
همس خالد إلى صالح وقال:
"لدي موعد طارئ، قدم مباركاتي إلى قاسم بالنيابة عني، يجب أن أنصرف حالًا، عن إذنك."
هرول خالد هاربًا، وكل همه أن لا تتعرف عليه سارة وسط ذلك الجمع حتى لا يشك أحد في أمرهما. فمن الذي يضمن له أنها لن تعرفه إليهم كطبيب صيدلي محترم يبيع الممنوعات بكل بساطة! لذلك لاذ بالفرار ولم يلتفت وراءه، ولم يخبر حياة التي تعجبت اختفاءه فجأة.
في ذلك الوقت، وصلت رسالة لهاتف قاسم، وبمجرد أن قرأها حتى تنهد بارتياح أخيرًا وهز رأسه قائلًا:
"نحن أبناء اليوم، واليوم نبدأ."
***
بعد انتهاء الافتتاح، عاد عبدالله وزوجته إلى بيتهما، بينما ركب صالح وزوجته وحياة وحنان في سيارة قاسم. وقام بإيصال حنان إلى بيتها ومن ثم عادوا معًا إلى البيت.
دخلت حنان وكان عزيز في انتظارها.
ألقت التحية وجلست بجانبه وقالت بهدوء:
"ليتك كنت معنا."
تعجب حماسها المفرط وقال:
"هل كان حفلًا مسليًا لتلك الدرجة؟"
"لا أقصد التسلية، أقصد الألفة، الدفء الذي كنت أفتقده."
تبسم ساخرًا وقال:
"لو كنت أعلم أنهم سيوزعون عليكم وجبات دفء وألفة كوجبة ترحيبية، بالتأكيد كنت سآتي."
"أنا لا أمزح إطلاقًا، ولعلمك، لقد تصالح أخي مع عبدالله."
نظر إليها متعجبًا وقال:
"من تصالح مع من؟"
"أخي وعبدالله!"
"حقًا؟"
وانفجر في ضحكات متتابعة حتى أنها تعجبت حاله وسألت:
"ما بك؟ لِمَ تضحك؟"
"على سذاجتك حبيبتي، هل قام بخداعك وأخبركِ أنهما تصالحا؟"
"حسنًا، لقد خدعني. هل خدع الجميع إذًا؟ لقد تصافحا أمامنا وقال قاسم أنهما من الآن فصاعدًا أبناء اليوم! معنى هذا أنه قد سامحه ونبذ الماضي."
كان عزيز شارداً في نقطة وهمية، يهز رأسه بغير تصديق ويقول:
"غير ممكن، أبدًا لن يكونا."
تنهدت بضيق وقالت:
"ولمَ لا؟ أنا أعرف أخي جيدًا، طيب القلب ولا يحب إيذاء نملة حتى، وأكيد هو فكر وقرر أن يلتفت لمستقبله ويهمل الماضي بكل ما حدث!"
"وهل سيهمل عمره وشبابه الذي أفناه في السجن أيضًا؟ حنان اسمعيني، إن كان قاسم قد قال هذا فعلًا، فهذا لا ينذر بالخير أبدًا."
قطبت جبينها باستفهام وقالت:
"ماذا تقصد؟"
"أقصد أنه قاسم الذي أعرفه جيدًا أكثر منك شخصيًا، لا تضيع من عمره ثانية سدى أبدًا."
ونهض متجهًا لغرفته وتركها غارقةً في أفكارها.
دخل عزيز غرفته وأغلق الباب، ثم قام بالاتصال بعبدالله:
"مرحبًا أخي."
"أهلًا عزيز، كنت أنتظر اتصالك. بما أنك اتصلت، فأكيد أن زوجتك قامت بإخطارك بما حدث."
"أجل، ولذلك اتصلت كي أنبهك. توخ الحذر عبدالله."
ضحك أخاه وقال بثقة:
"لا تخف. مما رأيته اليوم أستطيع أن أخبرك أنه أصبح قاسم مختلفًا، يلهث خلف المال والجمال."
وضحك ساخرًا بعلو صوته قاصدًا أن تستمع عنبر لما يقول:
"لقد ظهرت حبيبته اليوم، طفلة بحجم الكف، ولكنها حقًا مثيرة. ووقف ابن عمك الأصيل واعترف بفضل والدها عليه وقال أنه من أدانه المبلغ الذي افتتح به مشروعه هذا. أظن أنه ينوي الزواج من تلك المراهقة وبالتأكيد يطمح أن ينتشله والدها من الفقر ويجعله من أصحاب الثروات."
ثم أكمل حديثه هازئًا وقال:
"ثم أنه من عليه أن يتوخى الحذر، ولستُ أنا، موقفي أقوى."
تنهد عزيز بقلة حيلة وقال:
"فليفعل الله خيرًا."
"ولمَ لم تأتِ برفقة زوجتك؟ ألم يخبرك عمك بشأن الدعوة؟"
"أخبرني ولكني خجلت، صراحةً لم أجرؤ على مواجهته، ثم أني ظننت أنك لن تذهب!"
"ولمَ لا؟ هو دعاني وأنا استجبت لدعوته. من مصلحته أن يكسبنا في صفه ويضمن أننا لم نعد في جبهة الأعداء. على كلٍ، عليك ألا تمنح الأمر أكثر مما يستحق."
"حسنًا أخي. مع السلامة."
***
جلست حياة أمام طاولتها وهي تتطلع إلى الصورة التي لم تكملها حتى الآن، وظلت تتحدث إليها بشرود وهي تقول:
"ترى أي صورة ستكون بجوارك هي الأفضل؟ أكيد ليست تلك الشقراء، إنها بالكاد تصل لركبتيه.."
وضحكت، ثم اختفت ضحكتها وقالت:
"أيعقل أن يكون واقعًا في حبها؟ لهذا ساعده والدها وأعطاه المليوني جنيه؟ أم أنها مجرد ابنة صديق كما قال!"
وحكت جبهتها بتفكير مرهق وهي تقول:
"غير معقول، قاسم يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، وتلك الجنية لم تتجاوز الخامسة عشر أعتقد!"
ثم شهقت بصدمة واستنكار وهي تقول:
"يا إلهي، أيعقل أن يكون قاسم شخص بيدوفيلي!!! لالالا.. هل هو مصاب باضطراب الميل للأطفال؟ مستحيل!"
ونظرت إلى ملامحه المرسومة أمامها وقالت:
"ألهذا قال خالد أن ليس من مصلحتي أن أعرف فيمَ دخل السجن؟ ولهذا طلب مني عدم الاختلاط به؟ مستحيل!"
قرصت بين عينيها بألم وإرهاق من شدة التفكير، ونهضت تغدو وتجيء في أرجاء غرفتها الصغيرة وهي تفكر بجدية وقد اتخذ الأمر حيزًا أكبر مما ينبغي.
"لا، لن أترك الأمر ناقصًا بعد الآن، لا بد أن أعرف كل شيء."
خرجت من غرفتها بعد أن تأكدت أن والديها قد خلدا للنوم، خرجت من الشقة باتجاه شقة قاسم، طرقت الباب وقلبها يكاد أن يتوقف عن النبض من فرط الخوف. لحظات وفتح قاسم الذي تفاجأ برؤيتها وقال:
"حياة، هل أنتِ بخير؟ هل والداكِ بخير؟"
لم تُجِبه ودخلت وأغلقت الباب وهو لا يزال واقفًا يتطلع نحوها بصدمة وقال:
"ما الذي تفعلينه؟ ما الذي دهاكِ، تكلمي؟"
"هل أنت بيدوفيلي؟"
قطب جبينه مستفهمًا وقال:
"ماذا؟ ما هذا؟ بيدوفـ… ماذا؟"
"ألا تعرف معناها؟"
"أنا لا أعرف كيف أنطقها فكيف سأعرف معناها بربك!"
نظرت إليه بجدية وقالت:
"بيدوفيلي، مهووس بالأطفال!"
اتسعت عيناه بدهشة وظل يطالعها للحظات دون رد فعل، وما لبث أن أفاق من صدمته حتى أشار بإتجاه الباب وهو يقول:
"اخرجي، اخرجي حالًا."
"لن أذهب في أي مكان قبل أن تخبرني الحقيقة!"
"أي حقيقة يا معتوهة؟ هل أنتِ جادة فيما تقولين؟"
"أجل، هل أنت مهووس بالأطفال لذلك دخلت السجن؟"
قلّب كفيه متعجبًا وهمس:
"أستغفر الله العظيم، من فضلك اخرجي وإلا والله لن أكون مسؤولًا عما سأفعله، اخرجي."
صرخ بها، فوقفت أمامه بإصرار وهي تتطلع لعينيه مباشرةً وتقول:
"أخبرني قاسم، يجب أن نضع النقاط فوق الحروف الآن. هل تحب تلك الطفلة التي حضرت الافتتاح اليوم؟ هل أنت مهووس بالأطفال وتلك كانت جريمتك؟ هل ساعدك والدها من أجل أن تتزوجها؟"
واتسعت كهرمانيتاها بصدمة وقالت:
"يا إلهي، هل تجاوزت معها؟"
"اخرسي."
هدر صوته بعنف وأضاف بدهشة:
"ما كل تلك الحماقات التي تتفوهين بها بقلة أدب وحياء! هل تعرفين؟ أنتِ الطفلة وليست هي."
"أنا لستُ طفلة."
"بلى طفلة، وطفلة قليلة أدب كذلك."
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"أنا قليلة أدب يا قاسم!!"
"أجل، تقفين بكل جرأة وتتهمين ابن عمك بأنه مريض ومهووس بالأطفال، وليس ذلك فقط.. تتهميني بأني تجاوزت مع طفلة؟ وكان خيالك خصبًا بما يكفي حتى أنكِ توقعتِ أن والدها ساعدني لأجل ذلك!"
أغمض عينيه ورفع كفيه يضغط بأنامله على جانبي عقله وهو يقول:
"يا إلهي، لا أصدق."
"إذا ما سبب دخولك السجن."
نظر إليها بعينيه الغاضبتين وأشهر سبابته بوجهها وقال بتحذير:
"أقسم بالله سأفقد أعصابي وأريكِ وجهًا لن تنسيه مدى حياتك يا حياة، هيا أسدي لنفسك خدمة واخرجي من هنا حالًا."
ضربت بقدمها الأرض بطفولة وقالت:
"ليس قبل أن تحكي لي لمَ دخلت السجن. الجميع يعرف السبب حتى خالد المقرف، وأنا الوحيدة البلهاء بينكم."
استوقفه تعبيرها وامتعاض وجهها وهي تذكر اسم خالد، فقال:
"ماذا فعل لكِ؟ هل تعرض لكِ مرة أخرى؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
"نعم، ولكني أجبتهُ بِم يستحق."
ثم قالت وهي تشيح بيديها بحماس وتصف له ما فعلته بدقة:
"لقد نال مني صفعة أطاحت بعقله وجعلته يدور حول نفسه كمن أصابه الدوار."
ضحك بفخر قائلًا:
"أحسنتِ يا كهرمانة."
التمعت عيناها بجذل وقالت:
"لا تخف، يمكنك الثقة بي."
أومأ مؤيدًا وهو يدفعها من كتفيها باتجاه الباب، ولا يزال متمسكًا بابتسامته وهو يقول:
"أعلم ذلك عزيزتي، هيا يا صغيرتي اذهبي لشقتك قبل أن يكتشف والداكِ غيابك ويعلمان أنكِ كنتِ هنا، وإذ فجأةً أجد نفسي مضطرًا لتصحيح خطأي، هيا يا كهرمانة ولا تعيديها ثانيةً أرجوكِ."
وألقاها خارج الشقة وأوصد الباب وهو يتمتم بذهول:
"من أين وقعت تلك المصيبة على رأسي يا إلهي!"
نزلت حياة وهي تتحدث لنفسها بغيظ وتقول:
"لم يخبرني لِم دخل السجن! أقسم لن أدعك وشأنك يا قاسم الحداد."
***
في اليوم التالي.
خرجت حياة من شقتها استعدادًا للذهاب إلى كليتها، فالتقت بقاسم الذي كان ينزل الدرج. فقالت:
"صباح الخير قاسم."
رمقها بطرف عينيه بشك وهمس:
"استغفر الله العظيم."
أكمل طريقه وتركها تحدث نفسها بتعجب وتقول:
"ما به هذا منذ الصباح؟ لقد قلت صباح الخير ولم أقل أعطني قبلة."
وضحكت، ثم أسرعت تكتم ضحكاتها وهي تقول:
"ما قلة الأدب هذه يا حياة! قاسم محق فيما قال، لقد أصبحتُ وقحة للغاية."
وفجأة قطع حديثها مع نفسها صوت عنبر وهي تصعد السلم راكضةً وتنادي أباها، مما أثار فزع حياة فقالت:
"عنبر، ماذا بكِ؟ هل كريم بخير؟"
أمسكت عنبر بيدي أختها وهي تلهث وتتسائل من بين لهاثها:
"أين أبي؟"
"لقد خرج منذ قليل، ما بكِ أخبريني؟"
"عبدالله، تم القبض على عبدالله!"
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثامن 8 - بقلم نعمة حسن
عبدالله، تم القبض على عبدالله!
ماذا؟ كيف حدث ذلك؟
يقولون أنهم عثروا على مخدرات في المحل!
مخدرات!!! يا إلهي! سأتصل بأبي حالا.
قامت حياة بالاتصال بوالدها الذي أخبرها أنه قد وصل إليه الخبر وهو في طريقه الآن لمركز الشرطة، وبعدها اتصلت بعزيز وهو أيضا كان قد بلغهُ الخبر ويستعد للذهاب للمركز وبرفقته حنان.
الجميع يعرفون وهم الآن في طريقهم إليه، هيا استعدي سريعًا لنذهب.
أومأت عنبر ونزلت درجتين ولكن حياة استوقفتها وهي تقول:
ألن نخبر قاسم؟
تجمدت بمكانها للحظات ثم قالت:
لا داعي.
ونزلت لشقتها كي تستعد بينما ظلت حياة تفكر مع نفسها بتردد إلى أن حسمت أمرها وقامت بالاتصال بقاسم الذي أجابها على وجه السرعة وقال:
نعم حياة.
قاسم أين أنت؟ لقد قبضوا على عبدالله.
أعلم، عمي صالح أخبرني وأنا الآن في طريقي إلى المخفر.
حسنا. مع السلامة.
***
كان عبدالله يقف بمكتب الضابط يجز أسنانه بغيظ وهو يهمس بغل وشر:
أقسم لن أدعك تنجو بما فعلت يا قاسم.
في تلك اللحظة انفرج الباب ودخل رجل ذو هيبة ووقار وتحدث قائلا:
مساء الخير حضرة الضابط، أنا المحامي ظافر نور الدين حاضر مع المتهم.
طالعه عبدالله بضيق وهو يقول:
أجعلتموني متهمًا؟ لست متهمًا ولم أفعل شيئًا ولا أعرف شيئًا عن تلك المخدرات.
بدأ الضابط بسؤاله فقال:
أين كنت عندما تم القبض عليك؟
كنت في المحل.
وما علاقتك بالحِرز الذي عثرنا عليه وهو ثمانية عشر قطعة من مخدر الحشيش؟
ليست لي أي علاقة، ولا أعرف كيف وجدتموه في المحل؟ كل ما أعرفه أنه شَرك ونُصِب لي.
هل لديك أقوال أخرى؟
لا.
حينها نظر الضابط إلى الكاتب بجواره وقال:
أقفل المحضر في ساعته وتاريخه على أن يتم حبس المتهم خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق.
صاح عبدالله مهللًا وهو يقول بعصبية والعسكري يسحبه للخارج:
قلت لا أعرف عنه شيئا، ليس لدي صلة بما عثرتم عليه.
كان الجميع ينتظرونه بالخارج ومنهم قاسم الذي بمجرد ما إن رآه عبدالله حتى باغته بلكمة قوية في أنفه جعلت الدماء تسيل منها وهو يقول كمن أصابه ضرب من الجنون:
هذا الحقير هو من فعلها، هذا الحقير هو المتهم الحقيقي، أنا لم أفعل شيئا.
سحبه العسكري للحجز بينما تحدث المحامي معهم بعملية قائلا:
سيتم حجزه خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق، لقد طلبت أن يخلى سبيله من سرايا النيابة بكفالة، سنرى ما يمكننا فعله، تفائلوا خيرًا.
بعد شد وجذب ومناوشات غادر المحامي وبرفقته عزيز واصطحب قاسم البقية بسيارته عائدين إلى البيت، ثم انصرف بعدها لأن موعد زيارة حبيب قد حان؛ فذهب إليها حيث كانت تنتظره وأخذها وذهبا لزيارة أبيها وهي تشعر بأنها تذهب للمجهول!
***
كان حبيب جالسًا وبيده صورة سارة عندما كانت طفلة في الخامسة من عمرها، يتطلع إليها بحنين وأبوة مكلومة، ثم تنهد بحرقة وهو يقرب الصورة من فمه ثم قبّلها وأخفاها أسفل وسادته من جديد.
انفرج الباب وبرز صوت حارس الزنزانة وهو يقول:
حبيب أبو المكارم.
نظر إليه حبيب متلهفًا وقال:
نعم، أنا.
لديك زيارة.
على الفور كان حبيب قد وقف وهو يعدّل من هيئته واتخذ سبيله نحو الخارج ركضًا حتى أنه كاد أن يتعثر ويسقط مرات عدة من فرط لهفته، فتلك أول مرة يزوره أحدًا منذ أن دخل السجن باستثناء مدير أعماله الذي يأتي في موعد محدد مرة من كل شهر، أما الآن فبالتأكيد هناك من تذكره وأتى لرؤيته.
خرج من زنزانته متجهًا إلى مكتب المأمور كما أخبره الحارس أن الزائر ينتظره هناك، فدخل وبمجرد أن رأى ابنته حتى تسمرت قدماه بالأرض وأجهش بالبكاء بشدة.
نهض المأمور وخرج من المكتب كي يسمح لهم ببعض من الخصوصية، أما قاسم فجلس وهو ينظر إليه بشفقة بالغة، ورق قلبه لحاله بعد أن رآه في حالة انهيار لم يسبق له أن رآه بها أبدا.
سارة! ابنتي؟
قالها حبيب متأثرًا بشدة وهو يخطو بخطىً ثقيلة صوب ابنته التي لازالت تقف بمكانها دون حراك. وفجأة قبض ذراعيه عليها وضمها لصدره بقوة وانخرط في بكاءٍ مرير.
شعرت سارة بأن الأرض تميد بها وتكاد تجزم أنها لولا ذراعي والدها اللذان يضمانها لكانت سقطت على الأرض من شدة الوهن الذي أصابها.
سارة، حبيبتي، ابنتي حبيبتي، يا إلهي لا أصدق أبدا، وكأنني أحلم، لقد كنت أتأمل صورتك منذ دقائق فإذ بي أجدك أمامي! اللهم لك الحمد.
اقشعر بدنها وانتفض قلبها الصغير بين ضلوعها وهي تستمع لنحيب والدها وتشعر بدموعه تبلل كتفها، ولكن بالرغم من ذلك لم تستطع أن تبادله نفس المشاعر الجياشة التي تراها منه، لم تستطع ضمه أو التفاعل معه وهي تراه يبكي ويرتجف من شدة تأثره.
ابتعد حبيب عنها وهو يطالعها ويتفحص وجهها وتفاصيلها بدقة وهو يبتسم ويقول:
يا إلهي! هل مرت الأعوام سريعًا لتلك الدرجة؟ لقد كبرتِ حبيبتي، كبرت وأصبحتِ جميلة جدًا.
رسمت ابتسامة على شفتيها وقالت بأسف:
أنت أيضا كبرت، لقد شاب شعرك!
مد يده وهو يمسح بها شعره ويقول بابتسامة:
ألا يعجبك الشيب بشعري؟ يمكنني صبغه إذا أردتِ.
انفلتت منها ابتسامة وقالت:
والدتي هي من تقرر ذلك ولستُ أنا.
ضحك عاليًا وقال وهو يحيط وجنتيها بكفيه:
هل هي بخير؟ هل تضايقك؟ هل تزعجك؟
أومأت بنفي وقالت:
هي ليست موجودة أساسًا لتضايقني، نحن شبه منفصلتين عاطفيًا.
وضحكت وهي تعبث بشعرها بعشوائية وتقول:
يا إلهي!
مسح على شعرها بحنان وهو يقول:
لا بأس حبيبتي، سأعوضكِ عن كل ما اقتقدتِه أعدك بذلك، لقد مر ثمان سنوات ولم يتبقَ إلا القليل.
أومأت بسخرية وقالت:
نعم، مازال هناك سبع سنوات فقط.
أومأ متأملا وقال:
سيمرون سريعًا لا تبتئسي.
أومأت بتأكيد وقالت بتهكم مبطن:
أجل، سيمرون سريعًا جدًا، ستخرج حينها وأنا شابة في ريعان شبابي أبلغ أربعة وعشرين عامًا، ومن الممكن أن أكون قد ارتبطت حينها، ومن يدري ربما أكون قد تزوجت بالفعل وصار لدي أطفال.
ثم ضحكت وقد طفقت الدموع تسيل من عينيها وهي تقول:
يا للروعة، تتركني طفلة فتخرج لتجدني أصبحت أمًا ولدي أطفال.
تقوست شفتيها بطفولة وهي تبكي وترتجف فهمّ باحتضانها ولكنها وضعت كفيها أمامها كحاجز بينهما وهي تقول بضيق:
لو سمحت، أرجوك لا تقترب.
تعجب انفعالها المفاجئ ولكنه أمهلها الفرصة حتى تخرج كبتها وحقدها تجاهه فهو يعرف أنها امتنعت عن زيارته لأنها تحقد عليه لأنه كان سببا في حرمانها من حياة طبيعية كأي طفلة في سنها.
ولكنه تفاجأ أنها لم تعد طفلة!
أنا آسفة، ولكن دموعك تلك لم تؤثر بي، لم تهزني ولو بمقدار بسيط، لم أشعر بالشفقة تجاهك أبدا، وإن كان من المفترض أن يكون هناك أحدا يُشفق عليه فهو أنا!
أسقط ناظريه أرضًا وهو يهز رأسه بتأييد لكل ما تقول وهو يسمعها وقد انفجرت أخيرا وخرجت عن صمتها وهي تقول:
أنا من يتوجب أن يُشفق عليه، أنا من افتقدت وجود السند والأمان في حياتها في أهم أوقات حياتها وأكثرها خطورة، أنا من افتقدت للاستقرار بكل أشكاله، أنا من تعرضت للتنمر والسخرية والنبذ، أنا من خُضت سبلًا لم يكن علي أن أسلكها من الأساس. أنا الضحية وأنا من يستحق الشفقة ولست أنت.
كان قاسم يجلس دافنًا وجهه بين كفيه، يستمع لحديث سارة بحزن وهو يشعر بقلبه وقد انفطر من شدة الحزن على حال تلك الصغيرة التي عاثت بها الأيام فسادًا، ومن جهة أخرى يشعر بالشفقة الشديدة حِيال حبيب الذي كان يقف موقفًا لا يحسد عليه.
نظر حبيب إلى ابنته وعيناه تفيض بالدمع وقال:
أنا آسف. أعرف أن أسفي لن يغير شيئا ولكن حاليا لا أملك سواه، ولكني أعدك بعد أن تنقضي محكوميتي وأخرج من هنا سأسعى بأقصى جهدي كي أعوضكِ ولو جزءًا بسيط مما فاتك بسببي.
نظرت إليه وقد احتقنت عينيها الفيروزيتين من أثر البكاء وقالت:
حقًا؟ هل أنت جاد؟ وكيف ستعوضني؟
أومأ بكل تأكيد وقال:
كما تحبين، بأي طريقة ترغبينها، سنصبح عائلة سعيدة من جديد، نسافر سويا ونلف كل بلاد العالم لو أردتِ، حتى أنه من الممكن أن نقيم بأي بلد تفضلينه ونبدأ من جديد.
ابتسمت وهي ترفع حاجبيها باستنكار وتمط شفتيها بسخرية وتقول:
نبدأ؟ لقد انتهينا قبل أن نبدأ يا أبي.
نهض واقترب منها وهو يقول برجاء:
لا عزيزتي، لا تقولي هذا، أعدك أن نبدأ من جديد، صدقيني حبيبتي سأحاول قصارى جهدي حتى أصبح أبا تفخرين به، صدقيني سأنجح بالتأكيد.
هزت رأسها بسخرية مبطنة وهي تقول:
سنرى، سنرى في المستقبل البعيد للأسف، لأن سبعة أعوام لا يستهان بهم أبدا.
تنهد بضيق لرؤية ابنته وقد أصيبت باليأس قبل أن يدق الأمل بابها، ولكم مَقَت عجزه وقلة حيلته الآن أكثر من ذي قبل فقال:
أعدك أنني سأكون إلى جانبك كلما احتجتِني، حتى وأنا بين جدران السجن ستجديني بجوارك في كل وقت، أعدك أنني لن أخذلك ثانيةً أبدا، فقط لا تكرهيني…
قطبت جبينها باستغراب فأمسك بكفيها بين يديه وهو ينظر لعينيها مباشرةً ودموعه تسيل على خديه كشلالٍ جارف وقال:
أرجوكِ لا تكرهيني سارة، لا تقسي عليّ أرجوكِ، أنتِ الأمل الوحيد الذي أتمسك بحياتي لأجله فلا تحرميني ذلك الأمل ولا تكرهيني أرجوكِ.
احتضنته سارة بقوة وانفجرت ببكاء مدوّي فأخذ يربت فوق ظهرها وهو يحاول تهدأتها ويقول:
لا تبكِ حبيبتي، لا تبكِ يا صغيرتي، ستزول، هذه الغمة ستنقشع أثق بذلك.
ظلت متشبثة بعنقه لدقائق حتى سكنت تمامًا وهدأ قلبها، ثم ابتعدت عنه وهي تزيل آثار دمعاتها وتهندم شعرها متحاشيةً النظر بعينيه فقال:
ثقي أن والدك يحبك ويفتخر بكِ على أي حال تكونين عليه ويثق بكِ أكثر مما يثق بنفسه، ثقي أني أعرف أنني لا أليق أن أكون أبا لفتاة مثلك، وثقي أنني سأحاول كي أصبح ذلك الأب مهما كلفني الأمر.
أومأت بهدوء فضمها إليه أخيرًا وقال:
يمكنك أيضا الثقة بقاسم.
نظرت سارة لقاسم بابتسامة هادئة، بينما طالعهم هو مبتسمًا ونهض متقدمًا منهما وقال:
نعم، يمكنها الثقة بي عليها أن تتأكد أنني لن أخذلها أبدًا.
ربت حبيب فوق كتفه وطالعه مبتسما بامتنان وقال:
أشكرك كثيرا قاسم، لقد دبت في قلبي الحياة مرة أخرى يا رجل.
ابتسم قاسم وقال:
إن شاء الله في المرات القادمة ستكون آنسة سارة معي إن أردات ذلك.
نظر حبيب لابنته وقال:
أجل، إن أردتِ سأكون أكثر من سعيد.
هزت رأسها بموافقة وخرجت برفقة قاسم، بينما عاد حبيب إلى زنزانته راضيًا وهو يشعر بالراحة تغمره أخيرا.
***
بعد خروجهما من السجن ركبت بجواره السيارة وانطلقا بصمت لم يقطعه أيًا منهما.
فهي كانت تشعر بتعب وإعياء شديد بعد مقابلتها مع والدها، وكأنها خرجت للتو من سباق بذلت فيه مجهودًا مضني، أغمضت عينيها وأراحت رأسها على ظهر المقعد من خلفها وهي تتذكر كل ما حدث منذ قليل.
كان قاسم ينظر إليها من فينةً لأخرى بأسف على الرغم من أنه كان يشعر براحة وسعادة كبيرة تملؤه لأنه أحرز هدفًا ظنه مستحيلا وهو أن يقنعها بزيارة والدها مما أشعرهُ بالتفاؤل والرضا وجعله يشعر أن فعلا ليس هناك مستحيلًا.
بعد قليل.. توقف بسيارته أمام البيت وقال:
ها قد وصلنا آنسة سارة، إذا أردتِ الذهاب لأي مكان يمكنكِ الاتصال بي.
أومأت بموافقة وقالت بهدوء:
شكرا لك على كل شيء.
اتسعت ابتسامته مردفًا:
هذا واجبي، ولا شكر على واجب.
ترجلت سارة ودخلت إلى البيت ومنه إلى غرفتها على الفور، فقامت فتون بالاتصال بقاسم وسألته عما حدث فطلب منها أن تترك سارة تستجمع شتاتها ولا تضغط عليها أبدا وطمأنها أن سارة ستسجيب ولكن مع مرور الوقت.
عاد قاسم إلى البيت بعد يوم طويل، مضني مليئ بالأحداث، دخل وأثناء صعوده السلم انفرج باب شقة عنبر فجأة واستوقفته وهي تقول:
قاسم، مساء الخير.
أخفى توتره ونظر أمامه بثبات مكملا طريقه وقال:
مساء الخير.
وقفت أمامه تمنعه من صعود الدرج وهي تنظر إليه بتفحص وتقول:
وددتُ أن أشكرك لأنك لم تتركنا وحدنا اليوم بالمخفر، كان هذا نبلًا منك.
أجابها بايجاز:
نعم أعلم، عن إذنك.
همّ بالابتعاد ولكنها وقفت أمامه مرة أخرى وهي تنظر داخل عينيه بقوة علها تستطيع أن تلقي عليه تعويذتها كما كانت تفعل سابقا وهي تقول بصوتها ذو النبرة الأنثوية المغوية:
وددتُ أيضا أن أعتذر لك عما فعلهُ عبدالله، لقد انفعل عليك واتهمك أنك من دبرت له ذلك ولم يكن يعلم أنك من أحضرت المحامي.
نظر كثيرا بداخل عينيها وأطال النظر وابتسم فابتسمت وهي تلمس أثر تلك الكدمة بوجهه وتقول:
هل تؤلم؟
أومأ مؤكدًا وقال:
قليلا، ولكن هل تعرفين عنبر ما هو المؤلم بحق؟
هزت رأسها بتساؤل وهي لا زالت تدور بعينيها على قسمات وجهه باشتياق فقال وهو يطبق بأنامله فوق يدها التي تتلمس بشرتها:
المؤلم أن أشعر بالنفور والقرف من إنسانة ظننتُ يومًا ما أنني واقع بحبها.
وأبعد يدها عن وجهه بحدة وعنف وتركها مصدومة وصعد إلى شقته.
دخلت عنبر شقتها وهي لازالت تحت تأثير الصدمة، اتجهت لغرفتها ودخلت وأغلقت خلفها الباب ثم ارتمت على فراشها وانفجرت باكية.
***
وهل تصدق أنه لا يد له فيما حدث؟ هل جننت يا رجل؟ أم أنك هرمت وأصبحت تفكر بنصف عقل؟
نظر صالح إلى زوجته بتحذير وقال:
أقسم بالله إن لم تتأدبي وتحسنين أسلوبك يا صفية فلن أُبقيكِ على ذمتي يوما آخر، ما بكِ؟ أصبحتِ تتواقحين كما يحلو لكِ.
تلون وجهها بخوف ونهضت من مكانها لتجلس بجواره وهي تقول:
اعذرني صالح، ما حدث ليس منطقيا، نحن نعرف أن عبدالله مستحيل أن يتاجر في المخدرات، ولو افترضنا أنه يتعاطى حتى فلن يتعاطى كل تلك الكمية، أنا متأكدة أن أحدهم هو من أوقع به في تلك المكيدة، ومتأكدة أيضا أن ذلك الشخص هو قاسم.
زفر متأففًا بنفاذ صبر وقال:
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وما الذي أكد لكِ أنه قاسم؟ هل أنتِ مكشوف عنكِ الحجاب؟
لا، ولكن أفكر بالعقل، مَن الذي بينه وبين عبدالله عداء غير قاسم؟ من الذي له مصلحة أن يسجن عبدالله وينتقم منه سوى قاسم؟
ولو كان قاسم هو من أوقع به في ذلك الشَرك كما تقولين، هل سيحضر له محامي ليدافع عنه؟
نعم، كي يبعد الشبهة عنه.
تنهد بقلة حيلة ولم يتحدث، هو يعلم في قرارة نفسه أنها محقة، ويعرف كل هذا قبل أن تخبره به ولكنه يحاول تشتيتها وثنيها عن تفكيرها في ذلك الأمر.
لمَ صمتّ؟ لا تجد ما تقوله، أليس كذلك؟ ولكنني أجد الكثير لأقوله يا صالح، ولكني لن أتحدث الآن، في الوقت المناسب سأذكرك، سأقول لك أرأيت؟ هذا ما أخبرتك به ولم تصدقني، وسيحدث قريبا، قريبا جدا يا صالح.
رآها تستعد للخروج فقال:
إلى أين؟
سأذهب للمبيت برفقة عنبر، لقد أوصاني عبدالله ألا أتركها تبيت وحدها، لأننا أصبحنا نعيش في غابة تملؤها الذئاب!
***
في تلك اللحظة أسرعت حياة إلى غرفتها بعد أن كانت تمر بغرفة والديها قاصدةً المطبخ ولكنها توقفت عندما استمعت إليهم يذكران قاسم ووقفت تتنصت إلى حوارهما.
دخلت غرفتها وهي لا تزال على صدمتها وتردد بغير تصديق:
قاسم! قاسم هو من نصب لعبدالله ذلك الشَرك؟ لذلك قام عبدالله بلكمهُ؟ معنى ذلك أن عبدالله كان له يد في سجن قاسم أيضا! لذلك سعى للانتقام منه، ولكن.. ولكن المحامي جاء عن طريق قاسم! هل فعل ذلك لإبعاد الشبهة كما قالت أمي؟ يا إلهي رأسي سينفجر! هيا يا حياة توقفي عن التفكير، لا بد أن أذهب لأختي وأمي وألتهي معهما بدلا من الجلوس هنا والتفكير في همومي وهموم الجيران.
وضعت شالا على كتفيها وخرجت قاصدة شقة أختها وبعد أن نزلت درجتين عادت أدراجها وهي تنظر للأعلى وقالت:
ماذا سيحدث إن صعدت وسألته؟ ماذا سيفعل؟ بالتأكيد لن يفعل شيئا.
ركضت فوق السلم بخفة حتى توقفت أمام شقة قاسم، ثم سمت بسم الله وطرقت الباب طرقتين، دقائق طويلة حتى انفرج الباب وظهر قاسم بهيئته الناعسة وشعره المشعث، ابتسمت وقالت:
مساء الخير قاسم.
صفق قاسم الباب أمامها بقوة مما أجفلها وجعلها تتراجع خطوتين للوراء وهي تحدث نفسها وتقول:
ما قلة الذوق هذة؟
عادت تطرق الباب مرة أخرى بإصرار أكبر ففتح قاسم الباب وهو ينظر إليها بعينين غاضبتين فدخلت وهي تقول:
هل أنت قليل الذوق؟ كيف تصفق الباب بوجه ابنة عمك بتلك الفظاظة؟
مسح وجهه بغضب وقال:
ماذا هناك الليلة آنسة حياة؟ بالأمس جئتِ لتتهميني أنني مصاب باضطراب الميل للأطفال، واليوم مصاب باضطراب الميل للضفادع أم ماذا؟
ضحكت وقالت:
لا ليس كذلك، جئت لأسألك عما إذا كان لك يد في سجن عبدالله أم لا؟
زفر بضيق وهو يمسح وجهه ويقول:
يا صبر.
وقفت أمامه ولمعت عينيها برجاء وهي تقول:
قاسم، لقد أخبرتك سابقا أنك لن تسقط من نظري مهما فعلت، فقط أخبرني بالحقيقة أرجوك. هل أنت من تسببت في دخول عبدالله السجن؟
نعم أنا.
جحظت عيناها بصدمة ولكنها لم تكن لتتراجع فقالت:
ولمَ فعلت ذلك؟
لأنه تسبب في دخولي السجن قبل عشر سنوات.
خفق قلبها بشدة وقالت:
ولكنك لفقت موضوع المخدرات، هذا ظلمًا!
وهو أيضا لفق لي تهمًا أكثر بشاعة، أليس هذا ظلما؟
نظرت أرضا فهدر بها قائلا:
تكلمي، أليس ظلمًا؟
انتفضت إثر صرخته وقالت:
بلى، ظلم.
حسنًا، والمساواة في الظلم عدل آنسة حياة.
تنهدت بضعف وسألته بلهجة مترددة:
هل عنبر طرفًا في ما حدث؟
عند سماع اسمها اضطربت مشاعره وهوى بجسده على المقعد من خلفه وأسند جبهته على قبضته وهو يقول:
نعم.
جثت أمامه وهو يجلس صامتًا بحزن وأمسكت بيده وهي تقول بخوف مما سيخبرها به:
ماذا فعلت؟ علامَ أجبروها؟
أغمض عينيه وهو يضم قبضتيه بقوة ويضرب بهما فوق ذراعي المقعد وقال بنبرة مرتجفة:
فعلت أسوأ شيء على الإطلاق، اتهمتني أني اغتصبتها.
شهقت حياة بصدمة ووضعت يدها فوق فمها الفاغر وهي تتطلع نحوه بذهول بينما استطرد هو وهو يزيل تلك العَبرات التي تسيل على جانبي خديه بقهر:
كنا نستعد لزواجنا، لم يكن متبقي على موعد زفافنا سوى أسبوعين، عبدالله كان مهووسًا بعشق عنبر، كان يحبها واعترف لي بذلك ذات مرة وهو ثمل، ظننته ثملًا ويهذي بأي خرافات، لم أتوقع أن يكون ما أخبرني به حقيقة، وفي اليوم الذي كنا سنعقد قراننا فيه قام عبدالله بخطف عنبر واغتصابها.
تجمدت الدماء بعروقها وشحب وجهها، توسعت حدقتيها وأخذت تلهث بشدة وهي تحاول استيعاب ما تفوه به، بينما هو كان ساكنًا، لا يزال مغمضًا عينيه ودموعه تسيل وهو يسترجع ما حدث وكأنه مشهدا يتجسد أمامه الآن وقال:
بعد أن فعل فعلته لاذ بالفرار كأي مجرم حقير، بحثت عنه حتى أزهق روحه وأجعله يتمنى الموت بعد أن أذيقه من العذاب ألوانا ولكني لم أجده، كنت على وشك الجنون! لم أجد أمامي ما يطفيء تلك النيران المستعرة بقلبي سوى أن أشعل النار بالمحل الخاص به، كان يملك محلا لبيع الملابس حينها.. أضرمت النيران به، ولم أكن أعلم أن عشيقته تختبئ بالداخل.
تتوالى الصدمات وهي لا تزال تجلس أمامه كالمغيبه وتستمع إليه وكأنه يسرد تفاصيل فيلما خياليا لا يمت للواقع بِصلة!
كان على علاقة بشابة وقتها، وما اتضح أنهما كانا يلتقيان بالمحل ولسببٍ ما غفت بالمحل ليلتها على أن تغادر قبيل الصباح لكي لا يراها أحدًا.
مسح وجهه بكفيه وتنهد ثم قال بحسرة:
وبدلا من أن أنتقم لشرفي الذي انتهك بخسة وجدت نفسي وقد أصبحتُ قاتلا ووجدت نفسي في ليلة وضحاها بين أربع جدران في غرفة مظلمة لا يتسرب إليها سوى ضوء النافذة الصغيرة.
أطبقت حياة بكفها فوق يد قاسم بشفقة وهي تبكي بحرقة وتستمع إليه وهو يسهب في سرد ما حدث تلك الليلة المشؤومة ويقول:
عندما علم أنه تم القبض علي، ظهر فجأة وهدد والدتك أنها إن لم تقنع عنبر بالذهاب وتحرير محضر بواقعة الاغتصاب وتوجيه الاتهام نحوي سيقوم بقلب الحقائق واتهامها أنها كانت على علاقة بي وأنه من اكتشف أمرنا وهددنا أنه سيقوم بفضحنا لذلك قمت بحرق المحل ظنًا مني أنه بالداخل رغبةً مني في إخفاء الأمر.
وتابع قائلا:
أقنعها أنني سأسجن لا محالة، حتى وإن لم تتهمني عنبر أني اغتصبتها، سأسجن على ذمة قضية قتل الفتاة حتى ولو بالخطأ، وستبقى عنبر في انتظاري ولن تنال سوى الفضيحة، وبالطبع لن يتقدم أحد للزواج منها بعد أن يتدنس شرفها بعد أن يخبر الجميع عن علاقتها بي، أما إذا ذهبت واتهمتني باغتصابها وساعدت في زيادة عدد سنين سجني سيتزوجها هو ويكون قد أنقذ شرفها من أن تناله الألسن.
واستطرد بامتعاض:
ورضخت والدتك لتهديداته بكل بساطة وأقنعت عنبر، وبينما والدك غارقا في همومه أخذتها وذهبت للمشفى وقامت بالفحص الذي أثبت تعرضها للاغتصاب فعلا وبعدها اتهمتني أني من قمت بذلك. ولم يكفهم ما فعلوه، بل كانوا من الخسة والحقارة بحيث أجبر شقيقه أن يساوم حنان على زواجه منها إن لم تشهد أنها رأتني وأنا أستدرج عنبر إلى شقتي وأنها سمعت صراخها واستغاثاتها فقامت بإبلاغ والديكِ بحيث تظهر وكأنها ضحية تم الاعتداء عليها فعلا.
بكت، بكت بقهر لأجله، بكت بقلة حيلة وعجز، وظلت جالسة تضم ركبتيها إليها وتشهق بين بكائها وهي تستمع لكم الظلم والقهر الذي تعرض إليه على يد عائلته.
الآن، والآن فقط أدركت لمَ يستفزه لقب عائلة! ولمَ يستفزه وهم العائلة الذي يملؤها كما أخبرها سابقًا.
لأنها ليست عائلة، بل مجموعة ذئاب بشرية خسيسة تفتقر كل شيء يمت للإنسانية بِصلة.
نظر إليها مبتسمًا بحزن وهو يقول بدموع مقهورة لأول مرة تراها:
لا تحقدي على حنان أرجوكِ، كانت مراهقة طائشة في السابعة عشر من عمرها، لم تعِ وقتها حجم الكارثه التي فعلتها.
وأخذ يبكي بقوة ويشهق بأسى وهو يردد بهيستيرية:
نعم،كانت طفلة، كانت تجري خلف وهم زائف اسمه الحب، كانت طفلة بريئة تمكن منها الشيطان وشقيقه وساوموها على قلبها، صغيرتي كانت طفلة لم تتعمد إيذائي.
نهضت حياة واقتربت منه واحتضنته بقوة فضمها إليه وهو يبكي مقهورًا ودفن رأسه في عنقها وبكى بشدة، بكى بعد أن انبجست جروحه مجددا وانفطر قلبه من فرط القسوة التي نالها على أيديهم.
كانت حياة متشبثة به وهي تبكي بقوة، تضمه بقوة وهي تتمنى لو أنها تأخذ بعضا من آلامه ويتشاركاها سويًا، تتمنى لو أنها تستطيع مواساته ومؤازرته، أما هو فشعر بسكينة لم يشعر بها من قبل، سكينة أثلجت قلبه المحترق.
بعد ثوانٍ أبعدها عنه وهو يحاول رسم ابتسامة مزيفة على شفتيه وهو يمسح دمعاتها بأنامله ويقول:
هيا يا صغيرة، لقد تحدثت أكثر مما ينبغي وسرقنا الوقت، أرجو أن تستطيعي العودة لفراشك قبل أن يلاحظ أحدا غيابك، هيا انهضي.
وقف عن مقعده وأمسك بكتفيها وهو يساعدها كي تنهض وقال:
هيا واحترسي لئلا تنزلق قدماكِ فتسقطين على رأسك وتصابي بفقدان ذاكرة ينسيكِ أني أسكن معكم بنفس البيت حتى لا تترددي على شقتي في أنصاف الليالي كلما خطر لكِ.
ابتسمت من بين دمعاتها وأومأت بموافقة وتحركت خطوتين للأمام ثم عادت تنظر إليه وتقول:
قاسم، يمكنك الثقة بي.
أعرف ذلك.
ابتسمت وأكملت طريقها وهمت بفتح الباب ولكنه استوقفها قائلا:
حياة..
نظرت إليه بانتباه فقال:
شكرا لكِ.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل التاسع 9 - بقلم نعمة حسن
بعد مرور أسبوع..
كانت عنبر تجلس برفقة والدتها التي تتحدث إليها وهي تقول بضيق وانفعال:
_ صراحةً لا أصدق استهتارك! هل ستخرجين وتذهبين لصالون التجميل وزوجك مسجون؟ بربك هل أنتِ جادة؟
تأففت الأخرى بملل وهي تقول:
_ وكأنني سأذهب للرقص بملهى ليلي؟ بربك أنتِ أمي لا تبالغي، بالكاد أتحمل ما أمر به.
_ هذا ما ينقص أساسًا، أن تذهبي لصالون التجميل وبعدها مباشرةً إلى الملهى الليلي وكأنكِ إمرأة منحرفة.
نظرت إليها عنبر بصدمة وقالت:
_ من فضلك أمي، غضبي يبلغ حده فلا تطيلي.
_ حسنا يا عنبر هانم، لن أطيل، اذهبي وتسكعي كيفما شئتِ، ولكن لا تنسي أن زوجك سيعرف، عبدالله له عيون بكل مكان وسيخبرونه أنكِ خرجتِ دون علمه. وأنتِ أدرى بزوجك مني.
طالعت أمها بضيق وهي تقول:
_ وإذا؟ وإذا عرف أني خرجت ماذا سيفعل؟
_ تتحدثين ببرود وكأنه لن يخرج أبدا، يا ترى ماذا سيحدث بعد أسبوع!
_ إن شاء الله لن يخرج، بإذن الله سيتعفن ويموت بالسجن وأكون قد نجوت بما تبقى من شبابي.
فزعت أمها لما تسمعه ونهضت وهي تكمم فمها بيدها وتقول:
_ اخرسي، قد يسمعك ابنك ويخبر والده. هل جننتِ؟ لقد طاح عقلك على ما يبدو.
شردت عنبر وهي تقول:
_ منذ زمن أمي، طاح منذ زمن!
وقفت صفية وهي تتطلع لابنتها بيأس وقالت:
_ أنا ذاهبة لأنام، ضمي ابنك واذهبا للنوم هيا.
دخلت صفية لتنام بغرفة كريم، بينما ظلت عنبر واقفة بغرفتها أمام المرآة.
تتذكر عندما أخبرها أنه أصبح ينفر منها ويشعر تجاهها بالقرف. سالت دمعاتها بهوان وهي تراقب ملامحها وتتحدث إلى نفسها وتقول:
_ هل كبرتِ يا عنبر؟ هل كبرتِ وأصبحتِ بشعة لتلك الدرجة؟ أم أنكِ فقدتِ تأثيرك عليه بمرور الزمن؟ أم أن قلبه الذي كان يهيم بكِ عشقًا أصبح حجرا لا يلين، إنه قاسم. قاسم الذي لطالما كان شغوفًا بكِ، قاسم الذي كانت عينيه تلمع دفئًا وتشع حماسًا كلما رأى عيناكِ، عيناكِ اللتان كانتا مرساه دومًا، وكان هو البحّار العاشق الذي يجوب كل بحار العالم ولا يجد مرسى سوى عينيكِ.
تحسست ملامحها بأنامل مرتجفة كقلبها الرابض بين ضلوعها يرتجف بخوف وقالت بهمس:
_ هذه فرصتك يا عنبر، يجب أن تستعيدي قاسم!
اتخذت قرارا جنونيا، تقدمت من خزانتها وفتحتها، ثم انتقت ثوبًا حريريًا باللون الأسود. تقدمت من المرآة مرة أخرى وأمسكت بقلم تحديد العيون ورسمت عينيها ببراعة فكانتا كعينان قطٍ بريّ مفترس. هي تعلم أن عيناها لطالما إمتلكت تأثيرا بالغا عليه؛ لذلك اهتمت باظهارهما بتلك الطريقة المغوية. ثم تناولت أحمر الشفاه الخاص بها بلونه الأحمر القاني وطلت به شفتيها الممتلئتين المرسومتين بعناية. ألقت أحمر الشفاه على طاولة الزينة بإهمال ثم تناولت قنينة عطرها المثير والذي تضعهُ فقط في أوقاتها الخاصة ونثرت منه حول عنقها الأبيض المرمري وخلف أذناها وعلى شعرها. ثم ارتدت أخيرا قميص نومها الأسود الطويل الذي كان يحتضن إنحناءاتها بمهارة. ثم طالعت مظهرها النهائي بتقييم وابتسمت برضا. ثم خرجت من الغرفة وقلبها يدق كطبول الحرب.
خرجت من شقتها وهي تسير على أطراف أصابعها وكلما تقدمت خطوة نظرت خلفها بخوف وترقب إلى أن فتحت الباب وخرجت وهي تتنفس بصعوبة كاتمةً أنفاسها وكأنهم سيسمعونها ويمسكون بها.
صعدت درجات السلم بخفة وتوتر بالغ فكانت تصعد كل درجتين معا وكأنها تلاحق الزمن إلى أن وصلت أمام شقة قاسم.
وقفت أمام الباب تحاول التقاط أنفاسها المتلاحقة، مدت يدها وعدلت شعرها بعشوائية ومن ثم دقت الباب ودقات قلبها تعلوها صوتا.
ثوانٍ مرت عليها كالدهر، بعدها انفرج الباب فهرولت للداخل دون النبس بكلمة واحدة.
كان قاسم لايزال مصدومًا.
ألقى عليها نظرةً بهيئتها المغرية تلك سريعا وراقب ملامحها التي لم تنجح في محو الخوف عنها وما إن وجد صوته حتى نطق:
_ ماذا تفعلين هنا؟
إقتربت منه وبدون مقدمات ألقت بنفسها إلى أحضانه وتشبثت بقميصه وهي تقول بنبرة ملتاعة:
_ اشتقت اليك كثيرا، ضمني قاسم أرجوك.
تمتم مستغفرا وأبعدها عنه بقوة وقال بازدراء:
_ ما الذي أتى بكِ إلى هنا وما حالتك المزرية تلك؟
نظرت بعينيه بقوة وهي تمسك ذراعيه بقبضتيها وقالت:
_ أتيت لأفعل ما تحاول أنت فعله بطريقة غير مباشرة، أتيت لأشبع عيناك اللتان تلتهماني كلما وقعتا عليّ، أتيت لأستعيدك قاسم.
ابتعد عنها وهو يرمقها بازدراء ما انفك أن ازداد وهو يستمع إليها تقول:
_ ليس عليك أن تظهر مظهر الرجل المثالي، أعلم جيدا أنك تحترق شوقا إلي كما أتلهف أنا إليك وأكثر، عيناك لا تجيد الكذب أبدا خاصة إن كنت أنا من أقرأهما.
دنت منه خطوتين حتى وقفت أمامه مباشرة ومدت أصابعها تحاول العبث بأزرار قميصه وهي تقول بنبرة أنثوية مغرية:
_ أعلم أنك لازلت تعشقني، لم تستطع الحقد علي أو نسياني أبدا، أنا أيضا أعشقك قاسم..
ومالت بشفتيها على خاصتيه وهي تهمس بفحيح مثير:
_ لم أتمكن من نسيانك أبدا، لم أتمكن من نزع حبك من قلبي مهما حاولت، حاولت مرارا ولكني فشلت، روحي مدموغة بعشقك أنت فقط.
صرخت بألم عندما شعرت بقبضته تطبق على شعرها وهو يميل رأسها للخلف ويهزها بقوة ويقول:
_ رخيصة، حقيرة وخائنة.
ذهلت لسماع كلماته المهينة وحدقت به بنظرات متألمة ولكنها لم تؤثر به بمقدار ذرة وأكمل ما كان بصدد قوله وقال:
_ ما إن غاب زوجك حتى قفزتِ إلى حضن رجل آخر، يا إلهي لا أصدق كم كنت مخدوعا فيكِ! ألهذه الدرجة كنت أعمى؟
تنهد تنهيدة ساخرة وأفلت شعرها من قبضته دافعا إياها للخلف فتعثرت وكادت أن تسقط لولا أنها تمسكت بطاولة الطعام المحازية ووقفت تنظر إليه وجسدها يرتجف بشدة من فرط الصدمة وكأنها ستسلم روحها بعد لحظات.
_ سأقوم بفتح الباب حالا وتأمين الدرج، ستنزلين بعدها لشقتك وكأن شيئا لم يكن، ستمحين ما حدث من ذاكرتكِ الغبية للأبد وإياكِ وأن تُقدمي على تلك الحماقة تلك مرة أخرى و إلا..
كان صدرها يعلو ويهبط من الخوف والتوتر ومدت يدها تدلك عنقها وكأنها على وشك الاختناق خاصة وهي تراه يتقدم نحوها رافعا سبابته بتحذير ويقول:
_ و إلا أعدِك أنني سأقوم بجرك وإلقائك أمام والدك كامرأة رخيصة لا تساوي قرشا جاءت وعرضت نفسها علي بكل فجور ودناءة.
ظلت تنظر إليه بغل وحقد، ثم دنت منه ودفعته بصدره فاصطدم بالحائط من خلفه وهي تقول ببكاء:
_ كفاك كذبًا، أعلم أن داخلك يحترق من أجلي، أعلم أنك كلما رأيتني انقبض قلبك وبُعثِر كيانك، هل تراني غبية أو عمياء؟ لقد رأيتك أكثر من مرة تتطلع نحوي كاللص، عيناك تلتهمني في كل مرة تراني بها، يوم الافتتاح، يوم العزيمة، في كل مرة تختلس النظر إلي بخوف أيها الجبان، على الأقل أنا أجرأ منك وأقولها صراحةً.. قـــاســـم أنـــــا أريــــدك!
صفعها قاسم بقوة حتى أن وجهها مال للجانب من شدة الصفعة وقال بازدراء:
_ وأنا كرهتك، قلبي كان ينقبض لأنكِ بتِ تمثلين لي أيامّا سوداء، كياني يتبعثر لأني أراكِ بكوابيسي، جسدي ينتفض لأني أنفر منك، أصبحت أشعر بالاشمئزاز في قربك.
كانت تضع كفها فوق أثر صفعته وهي تبكي لا من قوة الألم، بل من الشعور بالخزي، واستمعت اليه يقول:
_ لم يطعنني أحد كما فعلتِ، ولم أحتقر أحد كما احتقرتك، اذهبي حالا، واعلمي أني سأتغافل عن وقاحتك لأجل عمي فقط!
تجاوزها متجها نحو الباب، أدار المقبض بهدوء وبطء، ثم أشار لها بعينيه ناحية الخارج فتقدمت منه مطأطأة الرأس صاغرةً، توقفت أمامه تستجديه بنظراتها المنكسرة فرمقها باحتقار وعبس بشدة، ثم أشاح عنها بوجهه للجانب.
نزلت عنبر درجات السلم وهي تجاهد كي لا تنفجر باكيةً كرامتها المهدرة.
قبل دقائق..
انتفض كريم من نومه مفزوعًا وظل يبحث عن والدته بجواره ولكنه لم يجدها، انتقل إلى الغرفة التي تنام بها جدته وأيقظها متسائلا عن والدته فخرجت صفية تبحث في أرجاء الشقة دون جدوى.
صعدت صفية على الفور إلى شقتها، وأخبرت زوجها وهي تقول بلهاث:
_ مصيبة، عنبر لا أعرف لها طريقا.
نهض صالح مفزوعا من نومه وقال:
_ ماذا؟
_ كانت بغرفتها وذهبت لأنام بالغرفة المجاورة، وإذ بكريم يوقظني ويقول أن أمه ليست موجودة.
نهض من مكانه مسرعًا وهو يقول:
_ أعطني هاتفي، سأتصل بها.
_ هاتفها ليس معها، لقد تركته.
حملق بها مذهولا وهو يهز رأسه بغير تصديق ويتمتم:
_ ماذا فعلتِ عنبر، ماذا فعلتِ؟
ارتدى جلبابه على عجالة وخرج مسرعًا وكان بصدد نزول الدرج ولكنه استمع لقاسم وهو يتحدث بانفعال فصعد إلى شقته وهو يرجو الله ألا يصدق حدسه وتكون ابنته بالأعلى.
وصل امام باب شقة قاسم وإذ به يسمع قاسم وهو يتحدث بعصبية ويقول:
_ اذهبي حالا، واعلمي أني سأتغافل عن وقاحتك لأجل عمي فقط!
تسمر صالح بأرضه وشعر بقلبه وقد زادت خفقاته بشكل جنوني، وفجأة انفرج الباب وظهرت عنبر التي كانت تنتحب بصمت وفور أن رأت والدها تجمدت الدماء بعروقها.
أغمض قاسم عينيه بأسف، هو يعرف أن عمه لن يظن به ظن السوء أبدا، ولكنه لم يتمنى أن يرى ابنته في موقف كهذا أبدا.
تكلم صالح أخيرا بصدمة وهو يحاول جمع كلماته المتقاطعة ليكوّن جملة مفيدة وقال:
_ عنبر! ماذا تفعلين هنا؟
تراقصت الأحرف فوق شفتيها وهي تبكي وتتمنى لو أن الأرض تنشق نصفين وتبتلعها حتى تهرب من ذلك الموقف المخزي ولكن فجأة اقترب والدها منها وهو يطبق على شعرها بقبضته ويقول:
_ ماذا تفعلين هنا تكلمي؟ كيف تصعدين لشقة رجل أعزب بحالتك تلك؟
وصفعها بقوة وهو لا يزال ممسكًا بشعرها بين قبضته ويقول:
_ أخبريني لمَ جئتِ إلى هنا؟ جئتِ لتراودينه عن نفسك يا حقيرة؟
قالها وهو يلقيها أرضًا ويرمقها باحتقار، حينها هرولت أمها التي كانت تقف على بعد خطوتين وانحنت على ابنتها بلهفة ولكن زوجها منعها وهو يقول:
_ ابتعدي، لا تلمسيها، ابتعدي عنها، هذا هو مقامها ومكانها الذي يليق بها.
_ أرجوك صالح..
_ الموضوع منتهي صفية، من الآن فصاعدا ليس لدي ابنة اسمها عنبر، ابنتي لا يمكنها أن تكون حقيرة ورخيصة لتلك الدرجة.
كان قاسم يقف على مقربةٌ منها ولكنه لم يتحرك قيد أنملة وهو يراها تتعرض للتعنيف والإهانة على يد والدها ويقف مشاهدا لا أكثر.
بينما كانت حياة تقف على الدرج السفلي، تبكي وهي تستمع لما يحدث بالأعلى بصدمة.
أما عنبر والتي سالت الدماء من أنفها إثر صفعة والدها؛ زحفت على ركبتيها وهي تتقدم نحو والدها وتشهق وهي تقول:
_ أرجوك أبي اسمعني، صدقني هو من استدعاني إلى هنا، هو من كان يلح علي لمقابلته هنا، هو المذنب ولست أنا.
ابتسم قاسم ساخرا، لم يهزه ما قالت، لأنه لم يتفاجأ من الأساس، فلقد أصبح يتوقع منها كل خسة وحقارة يمكن أن تكون.
أما والدها رمقها بامتعاض وهو يقول:
_ للأسف، كلما تفوهتِ بكلمة احتقرتك أكثر، لا يمكن أن تكوني ابنتي التي ربيتها، ابنتي ماتت.
تشبثت بقدمه وهي ترجوه وتقول:
_ صدقني أبي، صدقني هو من أغواني، هو من أراد الايقاع بي في ذلك الفخ.. أرجوك صدقني.
وجثت أمام والدها وهي تشير صوب قاسم بسبابتها باتهام وهي تبكي وتقول:
_ لذلك سجن عبدالله، كي يتسنى له مطاردتي، جميعكم تعلمون ذلك، هو من يطاردني ويلاحقني ويحاول الايقاع بي صدقني أبي.
كان صالح يهز رأسه وهو يقول بأسف:
_ هكذا أخبرت إمرأة العزيز زوجها عندما راودت سيدنا يوسف عن نفسه فقالت أنه هو من كان يراودها عن نفسها ولكن الله أظهر الحق لأنها قد شقت قميصه من الخلف أي أنها هي من كانت تلاحقه، أنتِ أيضا تتهمينه أنه هو من كان يلاحقك وأنتِ بشقته! بعُقر داره! ترتدين قميصا فاضحا وتضعين كامل زينتك، وتريدين أن أصدق أنه هو من حاول إغوائك، أليس كذلك؟
طفقت الدموع تسيل على وجنتيها بضعف وندم فقال وهو يمسح وجهه بخزي:
_ صدق ربي حين قال إن كيدكن عظيم!
ثم نظر إلى زوجته وقال:
_ خذيها واغربا عن وجهي.
أسرعت صفية تساعد ابنتها على النهوض، ثم اصطحبتها للأسفل، مرورًا بحياة التي كانت لا تزال واقفة بالدرج تبكي بغير تصديق، وأصابها الذهول وهي ترى اختها بمظهرها المثير للنفور ذلك.
أما قاسم فكان لا يزال واقفًا بمكانه لم يتزحزح، اقترب منه عمه وهو يقول مطرقًا رأسه بخزي:
_ أعلم أن مهما قلت لن يفيد كلامي بشيء، ولا أعرف كيف ينبغي أن أعتذر لك، أنا آسف بني، كل البشاعة التي واجهتها بحياتك كنا نحن من تسببنا بها.
تحدث قاسم بأسف لرؤية حال عمه والذهول الذي يحيطه وقال:
_ لا تعتذر عمي، لبس ذنبك.
لم يجد صالح ما يقوله؛ فخرج مطأطئ الرأس ونزل درجات السلم بتعب وهو يستند إلى الحائط وقد أوهنت الصدمة ركبتيه.
أسرعت حياة نحو والدها وأسندته وساعدته للنزول، فطلب منها الاتجاه لغرفته على الفور.
صفق قاسم الباب وتقدم نحو الحمام، وقف أمام الحوض ووضع رأسه أسفل الماء البارد وظل واقفا هكذا لدقائق لا يعلم عددها، أوصد الماء ورفع رأسه ينظر لانعكاس صورته بالمرآة، كان يتنفس بقوة وهو يشعر بأن بداخله نيران تلتهم صدره وهو يتذكر الافتراءات التي افترتها عليه وهي تنظر بعينيه بكل وقاحة.
غرس أصابعه بشعره وأطبق على خصلاته يكاد يقتلعها بغضب وضيق، وأطلق زمجرةً مخيفة كوحشٍ يحتضر، ثم مد يدهُ وضرب بها المرآة أمامه فتهشمت وتناثر حطامها على الحوض وأرضية الحمام.
ظل واقفا لدقائق ينظر لقطرات الدماء وهي تتساقط من راحة كفه على الأرض دون أن يشعر بألم، فقط كل ما كان يشعر به هو الغضب.
كان يشعر أن قلبه يحترق وتلتهمه النيران، أوصد عينيه وضم قبضته بقوة وأخذ يضرب بها الحائط من أمامه عدة مرات بغضب حتى شعر بأنها ستصاب بالشلل من فرط الألم.
خرج من الحمام متجها إلى دولاب والدته وفتحه وأخذ بعضا من قصاصات القماش الأبيض التي كانت تحتفظ بها لمثل تلك الطوارئ ولف يده بها، ثم ألقى بجسده على فراش والديه وأغمض عينيه بتعب وهو يقول بصوتٍ عال:
_ يا إلهي، لم يعد باستطاعتي الصبر!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل العاشر 10 - بقلم نعمة حسن
في الصباح..
استعد أخيرًا وحزم أغراضه استعدادًا للمغادرة. التقط حقيبته وخرج من الغرفة وهو يتفحص كل ركن بالشقة بحزن. وقف أمام صورة والدته وهو يطالعها بحنين ويقول:
"قدري أن أظل وحيدًا يا أمي."
التقط إطارات الصور الصغيرة ووضعها بحقيبة ملابسه، ثم خرج من الشقة متجهًا لشقة عمه صالح. طرق الباب ففتحت حياة التي ما إن رأته وهو يحمل حقيبته حتى زاغت عينيها بقلق وقالت:
"ما تلك الحقيبة؟"
سألها متجاهلاً سؤالها:
"أين عمي؟"
"بالداخل، أين تذهب؟ ما تلك الحقيبة؟"
"سأغادر، من فضلك أخبري عمي وأبلغيه سلامي."
هم بالمغادرة ولكنها أمسكت بذراعه تمنعه وهي تقول:
"انتظر، أين ستذهب؟ ولمَ ستذهب؟"
أجابها بإيجاز وتعب:
"من فضلك حياة، لن يفيد الكلام بشيء."
نظرت إليه وسالت دمعاتها فجأة وهي تقول بتوسل:
"أرجوك، لا ترحل."
وظلت متشبثة بذراعه وكأنه سيفر منها وهي تنادي:
"أبي، قاسم سيغادر.. أبي أسرع."
نظر إليها قاسم متعجبًا وهو يقول:
"ما بكِ حياة وكأنكِ تمسكين بِلص الدجاج؟ ثم أنني لن أغادر إلى بلاد الهند مثلا.."
نظرت إليه وهي تبكي وتقول:
"لن تغادر قاسم، أنت لم تفعل شيئًا لتهرب، لست أنت من عليك الهرب."
"عزيزتي أنا لا أهرب، لمَ تبالغين بهذا القدر؟"
خرج صالح من غرفته متجها نحو الباب، وفور أن رآه حياة قالت:
"أبي، قاسم سيغادر، أرجوك امنعه."
نظر صالح إلى قاسم بأسف ورمق حقيبته بحزن، ثم عاد ينظر إليه بخزي وهو يقول:
"هل ستغادر بني؟"
أومأ قاسم موافقًا وقال:
"أجل، ولكن سأمر بكم من حين لآخر أكيد."
"ستبقى بشقة سان لوران؟ أليس كذلك؟"
"بلى."
"أنا آسف قاسم، آسف لأننا نجلب لك المتاعب دومًا."
"لا أبدًا يا عمي، هذا قدري."
كانت حياة تنظر إليهم ببلاهة وهي تقول:
"أي شقة؟ أنا لا أفهم شيئًا."
تجاهلها قاسم وابتسم قائلاً:
"اعتني بنفسك حياة، أراكم على خير."
تركهم واقفين يتطلعان نحوه وهو يغادر بحزن عميق، بينما صالح يتمتم وهو يقول:
"لم يكن هناك حل آخر."
دخل وحياة تتبعه إلى أن دخل غرفته فجلست بجواره تقول:
"أين ذهب قاسم يا أبي؟ عن أي شقة تتحدث؟"
"شقته."
قالت باستغراب:
"شقة قاسم؟ هل قاسم يملك شقة بسان لوران؟"
"أجل."
"ولمَ تركته يرحل؟ أي ذنب اقترف كي يُقصى دائمًا هكذا؟"
"لم يكن هناك حل آخر يا حياة. كانت والدتك محقة منذ البداية عندما قالت أنه لا يجوز وضع النار بجوار الوقود."
تنهدت بحزن وهي تقول:
"لا أصدق ما فعلته عنبر، لم أتخيل أن أختي التي أقتدي بها قد تُقدم على فعل مشين كهذا!"
أسند رأسه على ظهر المقعد من خلفه وقال بتعب بالغ:
"انتهى الموضوع يا حياة، عنبر نالت ما تستحق وقاسم قد رحل، لا تتحدثي بذلك الأمر مجددًا."
خرجت من غرفة والدها واتجهت إلى غرفتها حيث كانت عنبر تجلس فوق فراشها شاردةً وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتتطلع أمامها بسكون.
ظلت تطالعها وبداخلها الكثير من الحديث الذي تود أن تقوله لها، الكثير من الأسئلة، الكثير من اللوم والعتاب كذلك، ولكنها ترددت.. لم تكن على استعداد لمواجهة شقيقتها الآن فآثرت الصمت.
ولكن عنبر نظرت إليها بعينين محتقنتين وهي تقول بتهكم:
"كم صورةٍ التقطتِها لي؟"
تعجبت حياة أسلوبها الساخر وتقدمت منها، ثم جلست على حافة الفراش أمامها وقالت:
"هل تمزحين؟"
"ولمَ لا؟"
أثارت إجابتها حفيظة أختها فقالت:
"لا أصدق؛ هل أنتِ بمزاجٍ يسمح لكِ بالمزاح والسخرية؟ بينما والدك يكاد قلبه أن يتوقف ويصاب بأزمة قلبية بسبب ما فعلتِه! هل أنتِ من بني البشر مثلنا؟ هل تشعرين؟ هل ما يجري بعروقكِ دم مثلنا؟"
أشهرت سبابتها كسلاح حاد في وجهها وهي تقول بتحذير:
"لا تتجاوزي حدك يا حياة، وإياكِ أن تنسي أني أختك الكبيرة."
ابتسمت حياة باقتضابٍ ساخر وهي تقول:
"أختي الكبيرة أليس كذلك؟ وماذا فعلتِ كأخت كبيرة حتى أحترمكِ وأتحدث إليكِ بمراعاة؟ صعدتِ لشقة ابن عمنا الأعزب بقميص نومك وعرضتِ نفسك عليه بكل وقاحة، ثم اتهمتيه أنه هو من يلاحقك.. تمامًا كما فعلتِ من قبل واتهمتيه أنه من قام باغتصابك وهو بريء من ذنبك."
حدقت بها عنبر بذهول وصمتت لثوان ثم قالت:
"ماذا تقولين؟ ما تلك الحماقات التي تتفوهين بها؟"
"تلك الحماقات أنتِ من ارتكبتِها، والآن أختي الكبيرة أود أن أسألك سؤالاً، كيف أحببتِ قاسم في يوم؟"
ونظرت إليها مرة أخرى وهي تطرق بسبابتها على ذقنها وتقول:
"لا، الصيغة الصحيحة هي.. ما هو مفهوم الحب بالنسبة لكِ؟ هل الحب من وجهة نظرك ممكن أن يمتزج بالأنانية وحب الذات؟ هل ممكن أن يكون المحب محبًا لذاته أكثر من حبيبه؟ برأيي غير ممكن.. الحب والأنانية لا يجتمعان أبدًا."
أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الجدار وهي تقول:
"اصمتي، أنتِ لا تعرفين شيئًا."
"بلى، أعرف كل شيء."
نظرت إليها عنبر باستفهام فقالت:
"أعرف أن عبدالله اغتصبك يوم عقد قرانك أنت وقاسم، أعرف كذلك أنه أجبركِ أن تتهمي قاسم أنه من فعل. أعرف أنكِ كنتِ السبب في سجنه."
أجهشت الأخرى بالبكاء وهي تقول:
"كنت مضطرة، لم يكن أمامي حل آخر.."
نظرت حياة إليها باستنكار وهي تقول بابتسامة ساخرة:
"مضطرة؟ وهل هذا مبرر كافٍ برأيك؟ أنكِ كنتِ مضطرة؟"
في تلك اللحظة انفرج الباب وظهرت والدتهما فجأة، وفورًا أشارت عنبر إليها وهي تقول:
"هي السبب!"
نظرت إليها أمها بصمت، بينما نقلت حياة عينيها بينهم بترقب، وبدأت عنبر تحكي فقالت:
"هي من أقنعتني أن ذلك هو سبيل الخلاص، قالت قاسم سيسجن على الأقل عشر سنوات، ولن يرحمنا أحد.. ولن يدعونني وشأني، وحتى بعد أن يخرج قاسم من السجن لن ينظر إليكِ بعد أن انتُهِك عرضك، قالت أني لم أعد أصلح له ولم يعد يصلح لي، عبدالله هو منقذي الوحيد.. وعلي أن أقبل به وأرضخ لقدرى.. حينها أقنعني عبدالله أنه سيتقدم لخطبتي ويقيم لي زفافًا كأي فتاة، قال أنه يحبني قبل أن يعرف أن قاسم يحبني، وأوهمني أن ما أفعله في صالح الجميع، لذا وافقت."
"وأبي؟ أبي كيف سمح لكما بارتكاب مثل تلك البشاعة؟"
"أبي لم يعرف أني سأذهب لاتهام قاسم، أمي أخبرته أنها عليها أن تأخذني لزيارة الطبيبة النسائية كي نتبين إذا ما كان حدث حمل أو لا، وبعد أن أخذتني بالفعل وخضعتُ للفحص كان عبد الله في انتظارنا، وذهبنا ومعنا نتيجة الفحص التي تثبت وقوع الاغتصاب إلى المخفر وقدمنا البلاغ.. صُعِق أبي عندما علم بما فعلناه، حتى أنه كان بصدد الخروج والذهاب إلى المخفر وتكذيب كل اتهاماتنا ولكن ما فعلته أمي كان غير متوقع!"
`استرجاع زمني`
كان ينتظرهما والقلق على أشده وهو يرجو الله أن يدبر الأمر وألا تكون ابنته قد حملت من ذلك الخسيس..
انفرج الباب ودخلت زوجته ومعها ابنته التي كانت في حالة يرثى لها، وتفاجأ بذلك الحقير يظهر برفقتهما.
هرول صالح نحوه وفجأة انهال عليه بصفعةٍ مدوية، ثم أمسك بتلابيبه وهو يقول بصوتٍ هادر:
"كيف تأتي إلى هنا بكل وقاحة يا قذر! سأنال منك يا حقير يا كلب، أقسم بالله سأشرب من دمك يا نذل."
كانت عنبر تنزوي على نفسها في ركن وهي ترتجف وتنتحب بصمت، بينما أمها تحاول تهدئة أبوها وهي تقول:
"أرجوك صالح، لا تتعصب أرجوك ستسقط ميتًا في الحال.."
"أخرجي هذا الكلب من هنا، هيا اخرج يا حقير.. أو.. أو انتظر.. سأطلب لك الشرطة يا قذر.."
مسح عبدالله وجهه بغضب وهو ينظر لعمه بكل جرأة ويقول:
"صدقني ليس بمصلحتك أن أسجن يا عمي، ليس بمصلحتك أبدا."
نظر إليه باستفهام وقال:
"ماذا تقصد؟"
"ما أقصده هو أن تبحث عن مصلحة ابنتك، التي هي معي بالفعل، قاسم قد انتهى، هل ستزوج ابنتك لقاتل؟ دعك من هذا.. هل ستزوجها من مغتصب؟"
نظر إليهم صالح بتعجب وحيرة وقال:
"مغتصب؟!"
"أجل، لقد اتهمته عنبر أنه قد اغتصبها وقدمنا دليل الاغتصاب للشرطة."
جحظت عيناه بغضب وصدمة وهو يطالعها بغير تصديق ويقول:
"ماذا؟" واقترب من ابنته ببطء وهو يقول:
"ماذا فعلتِ؟ هل حقا فعلتِ ما قاله ذلك الكلب؟ هل اتهمتِ قاسم بأنه اغتصبك؟"
رأى في صمتها الموافقة والتخاذل فباغتها بصفعة قوية أسقطتها أرضًا وهو يقول:
"ماذا فعلتِ؟ كيف تفعلين ذلك؟"
ونظر إلى زوجته التي أخذت تتراجع للخلف بخوف وقال:
"كيف تفعلين ذلك؟ كيف تتهمونه ظلماً؟ ماذا فعل لكم كي تفعلوا به ذلك؟"
وكان من نصيبها صفعةً هي الأخرى لولا أن عبدالله الواقف خلفها حال دون سقوطها.
"سأذهب وأكذب اتهاماتكما الكاذبة حالًا، سأبرئ قاسم من تلك التهمة البشعة حتى لو كان الثمن الزج بكما داخل السجن، لن أسمح بأن يعاقب على تهمة لم يفعلها أبدا."
وهم بالخروج فعلاً لولا أن زوجته نطقت فجأة وقالت:
"عنبر حامل!"
تسمر بمكانه وجمدت الدماء بعروقه وكمن سقطت عليه صاعقة من السماء.
"ابنتك حامل يا صالح فماذا ستفعل؟"
نظر إلى ابنته بصدمة، ثم نظر فجأة إلى عبدالله وانهال عليه بالضرب المبرح حتى كاد أن يفقد وعيه.
نظر بعدها صالح إلى زوجته وابنته وهو يقول:
"سنقوم بإجهاض ذلك الحمل، ذلك الحمل لا ينبغي أن يكون."
وقفت صفية أمامه وهي تقول بإصرار:
"وتعرض ابنتك للخطر؟ ألم تسمعي عن شادية ابنة جيراننا التي توفت وهي تجهض جنينها؟ هل ستلقي بابنتك للموت بيديك؟"
هوى جسده على المقعد من خلفه بعجز، ووضع رأسه بين كفيه وأخذ يبكي وينوح ويستغفر ربه بقلة حيلة.
اقتربت صفية منه وجثت أمامه وقالت:
"عبدالله سيتزوجها."
نظر إلى عبدالله الذي قال:
"ولكن إذا ذهبت وقمت بتكذيبنا سأعيد التفكير في الأمر، ليس من صالحي ولا صالح ابنتك أن يخرج ذلك القاتل بعد عام أو اثنين ويعيث بيننا فسادًا."
تنهد صالح بعجز وكم مقت عجزه ذلك الوقت والتزم الصمت تمامًا فقال عبدالله:
"لا أحد يعرف لمَ قام قاسم بحرق المحل، الجميع يظنون أنه اختلاف بيننا فحسب، مازالت هناك فرصة كي تنقذ شرفك يا عمي، أنا متأكد أن قاسم عندما يعلم بزواج عنبر مني لن يخبر أحدًا بالحقيقة أبدًا.. سنعلن خطبتنا، وبعد شهر نقيم زفافًا هائلاً.. ستتزوجني مرفوعة الرأس.."
ابتسم صالح ابتسامة ساخرة متهكمة، بينما استكمل الشيطان قائلاً:
"ستتزوج والد ابنها."
فجأة تملكهُ شياطين الأرض جميعها ونهض من مكانه ينوي ضربه مرة أخرى ولكنه وقف خلف صفية وهو يقول:
"أخبرني بقرارك غدًا يا عمي، وكن على علم أنك لا تملك حرية الاختيار."
وفتح باب الشقة وولى مدبرًا ولم يعقب.
~ عودة للحاضر ~
كان من الصعب أن تستوعب كل تلك الصدمات المتلاحقة؛ والأصعب أن تلك الصدمات لم تأتِ سوى من عائلتها.. عائلتها التي كانت تتفاخر بهم وتظن أنها محظوظة بوجود مثل تلك العائلة في حياتها.
ما أصعب أن تعيش سنوات عمرك في وهم؛ فالوهم ضلالٌ لا ينتهي إلا بحقيقةٍ تصفع!
وها هي الحقيقة تصفعها وبشدة.. تضربها بمقتلٍ، تحول حياتها إلى جحيم.
نظرت إلى أمها وانبجست عيناها من كثرة البكاء وهي تقول:
"لمَ كل ذلك؟ لمَ تكرهين قاسم بتلك القوة؟ ماذا فعل لكِ كي تفعلين به ذلك؟"
تحدثت صفية أخيرًا بعد أن أطلقت تنهيدةً حارة وقالت:
"لم أكرهه، ولكني كرهت العار، كرهت الفضيحة، كرهت الذل والهوان. ضحيت به من أجل ابنتي.."
وأخذت تشهق في بكاءٍ لاذع وتقول:
"ما فعلته لم يكن سوى أن أم كانت تبحث عن الستر لابنتها .."
طالعتها حياة بابتسامة بلهاء وقالت:
"الستر؟ هذا عذر أقبح من ذنب.. تبحثين عن الستر رفقة من انتهك شرفها؟ تظلمين إنسانًا بريئًا، وتزورين الحقائق وتقومي بإيهام أبي أنها حامل كي تبتزيه وتجبريه أن يوافق على تلك الزيجة، هل هناك بعد ذلك ستر برأيك؟"
مسحت أمها دمعاتها وهي تقول:
"عندما كنت طفلة في العاشرة من عمري، كان لي أخت أكبر مني بسبع سنوات.. كانت تحب ابن جيراننا، تقدم لخطبتها مرارًا ولكن أبي كان يرفض دائمًا لأن والده كان سيء الخلق، واستطاع هذا الشاب بمكره أن يقنع أختي أنها إذا أقنعت والدي أنهما أخطآ سويًا سيضطر أبي للخضوع والقبول به كي يدرأ الفضيحة، وبالفعل اقتنعت أختي بكلامه وأخبرت أمي بذلك الوهم فما كان من أمي إلا أن أخبرت أبي في الحال، وللأسف عندما علم أبي بتلك الكذبة انهال عليها بالضرب وحبسها ومنع أمي عنها، ظل يعاقبها على فعلتها بحبسها إلى أن أقدمت على الانتحار! ماتت وهي بريئة، ماتت بكذبة وفي سبيل كذبة.. بعد أن ماتت حزن الشاب جدًا وشعر بالذنب ومرض فجأة، وفجأة تدهور حاله وأصبح يعيش في أروقة المستشفيات، وعندما أحس باقتراب الأجل أراد أن يبرئ شرف أختي فأخبر أبي وأبيه والقرية كلها بالحقيقة، أخبرهم أنه هو من ألهمها تلك الفكرة التي كان فيها هلاكها."
وأخذت نفس طويل ثم تابعت:
"خفت أن تواجه عنبر نفس مصير أختي، خشيت أن ينفذ عبدالله تهديداته ويقوم بالتشهير بها والادعاء عليها أنها كانت على علاقة آثمة بقاسم، كيف كانت ستواجه المجتمع؟ خفت كما تخف أي أم على أولادها.. خفت أن تلقى عنبر مصير أختي لذلك نفذت ما قاله عبدالله بدون تفكير، ولذلك اضطررت لقول تلك الكذبة حتى يرضخ أبيكِ في النهاية، ولم أفكر فيما سيحدث بعد أن يخرج قاسم من السجن!"
صمتت وأزالت دمعاتها، بينما نظرت إليها حياة وهي تقول:
"مهما قلتِ لن ألتمس لكِ أي عذر، لقد توفت زوجة عمي مقهورةً بعد ما آل إليه حال ابنها.. لقد ظلم وأفنى عشر سنوات من عمره لأجل ابنتك وفي النهاية كافأتموه بتهمةً إضافية كي تنقذي شرف ابنتك المصون، أما هو فليذهب للجحيم هو وأهله وشبابه وآماله وطموحاته.. أنا ومن بعدي الطوفان، أليس كذلك؟"
تنهدت صفية بصمت ولم تتفوه ببنت شفة، بينما كانت عنبر تستمع إليهما وهي لا تزال تسند رأسها إلى الجدار بصمت وشرود، في حين وقفت حياة وهي تطالعهم بنفور وتقول:
"لم يعد لدي ما أقوله، أشعر بالأسف لنفسي فقط لا غير."
وتركتهما وخرجت لا تعرف إلى أين تتجه ولكن أي مكان سيكون أفضل من البقاء رفقتهما.
//////////////////
كان قاسم جالسًا بمكتبه في معرض الدراجات خاصته فإذا به يتلقى اتصالاً من سارة، فابتسم وأجاب:
"مرحباً آنسة سارة."
"مرحباً قاسم، أود ألا أكون قد أزعجتك."
"لا أبداً، على الرحب آنستي."
"قاسم هل يمكنك توصيلي لبيت رفيقتي چاسي؟ صراحةً كان بإمكاني أن أطلب من حسين ولكني أردت أن أتحدث إليك قليلاً.."
"حسنًا آنستي، أخبريني في أي وقت تريدين الذهاب وسأصلك قبل الموعد."
"في الثامنة سيكون مناسبًا."
"حسنًا. مع السلامة."
أنهى الاتصال وفجأة وجد حياة تقف أمامه بهيئتها المثيرة للتعجب، ففطن فورًا أنها ليست بخير.
استقبلها باهتمام وهو يقول:
"حياة، ما بكِ؟"
نظرت إليه بوجهها الشاحب وقالت:
"ألن تدعوني للجلوس؟"
"طبعًا، تفضلي."
جلست وجلس على المقعد المقابل لها وهو يقول:
"ما بكِ؟ هل أنتِ بخير؟"
هزت رأسها بنفي فتنهد بضيق وقال:
"هل قام بإزعاجك مرة أخرى؟"
أومأت بنفي وقالت:
"لا، لم أرهُ أساسًا منذ يوم الاحتفال.. يحاول الاتصال بي كثيرًا ولكني أتجاهل مكالماته."
"إذًا ماذا بكِ؟"
نظرت إليه وطفقت عيناها الحمراوان تفيضان بالدمع من جديد وقالت:
"لقد واجهت عنبر بالحقيقة."
زم شفتيه بضيق وتنهد فقال:
"لهذا لم أرغب في إخبارك."
"صدقني لولا ما حدث لم أكن لأخبرها شيئًا، ولكن ما فعلته هو ما استفزني، ولم أشعر إلا بنفسي وأنا أرمقها باحتقار وألقي بكل ما أعرفه بوجهها دفعة واحدة."
تساءل بهدوء:
"وماذا بعد؟"
"قالت لي أنها…"
قاطعها قائلاً:
"لم أقصد أن تخبريني ما قالته، لم يعد يهمني، أقصد وماذا بعد أن أخبرتها بما تعرفينه؟ هل تشعرين بالراحة الآن؟"
أومأت بصمت وقالت:
"أجل، قليلاً، على الأقل أصبحنا واضحين ولم يعد هناك أسرار.."
"جيد إذًا."
"لا ليس جيدًا، أشعر بالنفور، أشعر بالاشمئزاز، لا أصدق أن والدتي وأختي قد أوقعا بك في ذلك الفخ بكل أنانية."
ضحك ببساطة قائلاً:
"هيا يا صغيرة، لا تطيلي من فضلك. لقد حدث ما حدث ومرت الأيام وانتهى، هل تريني أبكي على الأطلال؟ بالعكس.. أنا أقترب كل يوم خطوة نحو هدفي."
سألته بابتسامة:
"وما هو هدفك؟"
أشاح ببصره بعيدًا وقال بشرود:
"أن يطمئن قلبي!"
استوقفها تعبيره، وشعرت أنه يحمل معانٍ خفية لا تدركها هي ولكنها تستطيع تخمينها فقالت:
"كيف استطعت تدبير تلك التهمة لعبدالله؟"
ضحك قائلاً:
"كما استطاع تدبير التهم لي سابقًا، يؤسفني أن أخبرك أن الحدادين مشهورون بتفكيرهم الخارق وخيالهم الخصب، وأنتِ أكبر مثال."
نظرت إليه باستغراب فقال:
"تملكين خيالاً خصبًا جدًا بالقدر الكافي كي يصور لكِ أني بيدوفيلي."
انفجرت ضاحكة واستغرقت نوبة ضحكها ثوانٍ طويلة ثم قالت:
"بيدوفيلي."
"نعم هذه."
وابتسم فتأملت ابتسامته طويلاً ثم قالت:
"أنا آسفة قاسم، آسفة بالنيابة لك عن عائلتي كلها."
ابتسم بهدوء ورصانة وهو يقول:
"لا بأس يا كهرمانة، لا أحد ينال كل شيء.. أحدهم قد ينال عائلة محبة ودودة، ولكنه لا يملك ثمن قميصًا ليشتريه.. وأحدهم يملك سيارة وشقة بحي راقٍ ومعرض دراجات نارية يقع بمنتصف المدينة وفي المقابل لا يملك عائلة حقيقية.. هذه هي الحياة يا حياة."
وضحك فضحكت، ثم نظر إليها بابتسامة وقال:
"ولكن أتعرفين يا حياة؟"
هزت رأسها بتساؤل فقال بابتسامة:
"أنتِ عائلتي!"
توقف قلبها عن النبض، وجف حلقها وأحست بالرهبة تلفها والصدمة تغمرها حتى أنه لاحظ شحوبها فقال:
"يا إلهي، هل جئتِ لتفقدي وعيك هنا؟"
ابتسمت وهي لازالت تحت تأثير الصدمة، ثم رفرفت بأهدابها كثيرًا وعادت تتساءل بتوتر:
"أنا عائلتك؟!!"
هز رأسه بهدوء وقال:
"أجل، أنتِ تغنيني عنهم يا قصيرة."
سحبت شهيقًا طويلاً ملأت به رئتيها ثم قالت بابتسامة مترددة:
"في الحقيقة… آاا.. شكرًا لك."
ابتسم بود ولطف وقال:
"على الرحب."
ثم نهض وهو يجمع أغراضه الخاصة كمفاتيح سيارته وهاتفه وعلبة سجائره من فوق المكتب وهو يقول بجدية لطيفة:
"اعذريني يا حياة كنت أود البقاء معكِ أكثر، ولكن علي أن أصطحبك للمنزل حالًا لأن لدي موعدًا هامًا قبل الثامنة."
نهضت وهي تتساءل بفضول يعرفه:
"إلى أين؟"
أجاب ببساطة وهو يقوم بتمشيط المكان بعينيه كعادة يومية اكتسبها قبل المغادرة:
"سألتقي بسارة."
ارتفع حاجباها بضيق وغيظ ثم قالت:
"وما السبب؟"
ارتفع حاجبه وهو يقلدها ويقول بفظاظة:
"وما شأنك يا متطفلة!"
حملقت به بغيظ فقال:
"هيا ولا تحدقين بي بعينيكِ الكهرمانيتين هاتين، سأفقأهما عما قريب."
تنهدت بضيق واضح وسارت أمامه متجهين نحو السيارة فصعدت واستقلت المقعد بجواره ثم قالت:
"لقد سألت أبي عن شقة سان لوران، ولكنه لم يجبني لأنه لم يكن في حالة تسمح."
هز رأسه فقالت:
"لمَ تقوم بهز رأسك هكذا؟ ينقصك أن تصفق بكلتا يديك وتكون كالبطريق تمامًا."
هز رأسه بيأس من جنونها المعتاد وقال:
"حياة، لا أحب المراوغة أبدًا.."
"حسنًا، من أين حصلت على تلك الشقة بمكان راقٍ هكذا؟"
أجابها بهدوء:
"هي هدية من السيد حبيب."
أخذت تقلب كفيها ببعضهما وتقول:
"أقسم أني كنت أشعر بذلك، ألم يهديك السيد حبيب خاصتك واحدة من كليتيه أو فصًا من رئتيه؟"
ضحك بقوة قائلاً:
"لا، ليس لتلك الدرجة، هو فقط أهداني الشقة كي أتزوج بها والمليوني جنيه."
"تتزوج؟ لقد وضحت الرؤية إذا."
تململ بيأس وقال:
"أرجو ألا تكوني الآن قد تعاقدتِ مع خيالك الخصب وتنسجين أوهامًا ليس لها أساس من الصحة، أرجوكِ يكفيني ما نالني."
"يريد أن يزوجك ابنته الشقراء الحية الرقطاء إذا، أليس كذلك؟"
نظر إليها متفاجئًا وقال:
"حية رقطاء؟ يا إلهي أغثني، هيا حياة انزلي."
نظرت للطريق أمامها وقالت:
"ولكننا لم نصل بعد."
"أعلم، يتبقى خطوات قليلة يمكنكِ أن تسيريها أو تزحفيها حتى إن أردتِ، هيا انزلي."
"للعلم أنت تتصرف معي بقلة ذوق دائمًا."
"أعلم، هيا تكرمي واغربي عن وجهي أرجوك."
مدت يدها تفتح الباب المجاور وهي تقول:
"لم يكن هذا نبلًا منك يا ابن عمي."
"لستُ ابن عمك أساسًا، أخبرني والدي ذات مرة أنه عثر علي مربوطًا من قدمي ورأسي يتدلى ويتأرجح كطرزان.. تلك الحقيقة المرة التي لم أنوِ إخبارك بها ولكني مضطر، لست ابن عمك لذلك لا تريني وجهك ثانيةً."
وبمجرد أن خرجت من السيارة حتى زفر بيأس وهو يقول:
"يا إلهي، لا تبتليني بزوجة بقباقة مثلها أرجوك."
واتجه في طريقه نحو بيت سارة.