تحميل رواية «حب في الدقيقة 90» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ألا تذكرني؟ تمر الأيام، الأشهر والأعوام كذلك، تمر سريعًا بذلك القدر الذي يجعلك تتفاجئ بعد عشرة أعوام أن عشرة أعوامٍ قد مضت! تُصعق حينما تدرك أن كل تلك الأعوام التي ظننتها لن تمضي، مضت أخيرًا وأصبحت في سلة مهملات حياتك. حينها ستبحث بداخلك.. كل تلك الآلام والأحقاد التي ملأتك في بداية تلك السنين، هل لا تزال موجودة بداخلك الآن؟ أم أنها تبخرت بمرور الوقت ولم يصبح لها مكان؟ كل تلك الأوجاع التي ظننتها لن تمر ولن تبرأ، هل برأت وزال أثرها؟ أم تركت ندباتها بقلبك وأثرًا لن يزول؟ وبينما أنت تتسائل وتبحث بدا...
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم نعمة حسن
صمت أكثم لثوانٍ ثم أجابه بصوت متزن:
_ هل أنت جاد في قرارك؟ هل فكرت جيدا أم أنه قرار متسرع؟
ابتلع قاسم تلك الغصة التي حبست الكلام بحلقه والدموع بعينيه، ثم قال بجمود:
_ لا تقلق، ليس قرارا متسرعا، بل قرارا متأخرا. كان لا بد من الاعتراف منذ أشهر طويلة.
_ حسنا قاسم، على كل حال لا تقلق، محامينا لن يتخلى عنك.
_ إن شاء الله. مع السلامة.
أنهى المكالمة سريعا قبل أن تخرج حياة، وأسند الهاتف فوق الطاولة وجلس على مقعده وهو يشعر بالضيق والاختناق، يشعر أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت. سيُقبل على أكثر خطوة مظلمة قد خطاها بإرادته، لكن وبالرغم من ظلامها إلا أن تبعاتها ستنير قلبه. ستثبت له قبل أي شخص آخر أنه لا زال بإمكانه أن يميز بين الصواب والخطأ، أنه حتى وإن سار نحو الانتقام وقطع أميالا طويلة إليه وتوغل كثيرا بالدروب المظلمة إلا أنه ما زال قادرا على العودة ومفارقة تلك الدروب. تلك الخطوة بالتحديد ستثبت له أمام نفسه أنه لازال يملك قلبا نابضا ببقايا الضمير. وأنه لم يمت بفعل الصدمات والضربات المتلاحقة. هذه الخطوة مهمة لكي يستطيع استعادة نفسه القديمة.
استمع لصوت باب الحمام وقد فتحته حياة وخرجت، فنهض ودخل إلى الغرفة ليجدها تقف أمام المرآة وهي تحيط جسدها بالمنشفة وتقوم بتجفيف شعرها، فجلس على الأريكة الموضوعة أمام المرآة وأجلسها على ركبتيه بحيث كان ظهرها مقابل وجهه، ثم أمسك بالمجفف وبدأ بتجفيف شعرها وهو ينظر إليها بالمرآة.
كانت تبتسم إليه بدفء، تحدق فيه بعينين متوهجتين بوهج الحب، رأته وهو يزيح شعرها للخلف ويميل لتقبيل خدها فأدارت وجهها أكثر إليه حتى وقعت قبلتهُ على ثغرها.
ترك المجفف من يده وأسنده فوق طاولة الزينة، ثم أسند رأسه على ظهرها وهو يحيط خصرها بيديه الحنونتين ويمسح على بطنها كثيرا ثم همس بدون وعي:
_ من أجلك يا صغيري!
تعجبت حياة شروده وحالة الشجن التي تفوح من لمساته وتنهيداته المهمومة التي تشعر بها وتتغلغل إلى داخل قلبها، فأحاطت يديه اللتين تستقران على بطنها بكفيها وقالت بهمسٍ حانٍ:
_ ما خطبكَ قاسم؟ أخبرني عما تشعر به حبيبي.
أغمض قاسم عينيه بتعب وحزن دفين، ود لو صرح لها عما يشعر به فعلا. لو أنه صرخ عاليا وأخبرها أنه أقدم على خطوة ليست بصالحهما أبدا، لو أنه بكى على صدرها وأخبرها أنه يحبها وأنه غير راضٍ أبدا عما فعله وأنه لن يقوى على فراقها. ولكن كل تلك الخواطر لا بد أن تبقى بداخله. لن يتحمل رؤية انهيارها أبدا، لأنه يعرف أنه إن رآها منهارة سيتراجع عن قراره ويصرف عن رأسه التفكير به تماما.
لما طال الصمت ولم تحصل منه على إجابة تحركت لكي تستطيع النظر إليه، استدارت ونظرت إليه بابتسامة حنونة وهي تسند كفها على خده وتقول:
_ بماذا تفكر قاسم؟ أنت لم تكن بتلك الحالة عندما ذهبنا لزيارة عزيز وحنان، ماذا دهاك؟
نظر إليها وشفتيه تبتسم إبتسامة طفيفة في خط مستقيم، ثم أسند جبهته فوق جبهتها بألم داخلي لم يُفصح عنه وقال:
_ لأنني لم أكن أشعر حينها أني أشتاقك كما أشعر الآن.
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
_ وهل اشتياقك لي هو سبب حالتك تلك؟
أومأ مؤكدا و دس أنفه في عنقها يشتم رائحتها وهو يقول:
_ نعم، رائحتك تلك تُغويني، كيف بإمكانكِ أن تُلهبي أحاسيسي بتلك البساطة يا كهرمانة؟!
أرجعت عنقها للوراء وهي تحاول التنصل منه وقالت:
_ لا تراوغ يا قاسم، أنت تخفي شيئا ما.
اقترب منها مجددا وهو يحيط عنقها من الخلف بيديه بقوة لطيفة بحيث يستطيع التمكن منها وغرس أنفه بعنقها مجددا وهو يقول:
_ ما أخفيه تعلمينه جيدا حياتي، أشتاقكِ كثيرا وأحتاج إليكِ الآن أكثر من أي وقت سابق.
وطبع قبلةً عميقة على جيدها ثم سحب نفسًا طويلا من عبقها الساحر وكأنه يريد تخزينه برئتيه لكي يتنفس منه طول فترة غيابه، ثم طبع قبلةً أخرى فوق كتفها وهسهس بحنان وهو ينظر لعينيها بابتسامة منكسرة:
_ أعرف أن رائحتي تُشعرك بالنفور، أعتذر منكِ، تحمليني حياتي، لن أضايقك ثانيةً.
لم تفهم كلماته تمامًا ولكنه لم يمهلها الفرصة للتفكير أو الاستفسار حتى؛ فكل ما يشغله الآن أن يودعها الوداع اللائق الذي من شأنه أن يصبره على الأيام المقبلة التي لا يعرف كيف سيتجاوزها.
أهداها قبلة حنونة وضمها إليه بقوة وهو يمسح على شعرها تارة، وعلى ذراعيها تارةً أخرى، ثم نظر إليها مبتسمًا وقال:
_ أحبك يا حياة.
ابتسمت بالمثل وأردفت:
_ وأنا أحبك كثيرا قاسم.
_ وأحب صغيرنا كذلك.. أحبه جدا.
قالها وقلبه يدق بقوة جنونية فأحاطت هي وجهه بكفيها فهدأت ضربات قلبه عندما قالت:
_ وهو يحبك كذلك. أثق أنك ستكون أعظم أب في الوجود.
أومأ والدموع تتراقص بعينيه وقال بتأثر شديد:
_ لا بد أن أكون كذلك. لا بد أن يكبر فيجدني أبًا يفتخر به.
قبلت خده بحنان وقالت:
_ أنت مثال للفخر حبيبي. أنا فخورة بك دومًا وطفلنا سيكون فخورًا بك للأبد.
أومأ مؤكدا وأخذ يجول بنظراته على وجهها، يحفظ قسماتها ويحفرها بداخل قلبه جيدا، يتشبع من عينيها اللتين ستكونان بوصلته في طريق مظلم وَعِر. أبحر بهما طويلا ثم رسى بعينيه على شفتيها اللتان كانتا هما نقطة الانطلاق نحو نعيمٍ مؤقت، للأسف لن يدوم. لكن حلاوته ستدوم طويلا بكل تأكيد.
***
كان عزيز قد قام بالاتصال بالطبيب المختص بعلاج حالة صبر وأخبره بما حدث. فطلب منه الطبيب الحضور فورا للاطمئنان عليه.
ذهب وبرفقته صبر إلى عيادة الطبيب الذي وقّع الكشف عليه ثم نظر إلى عزيز باتهام وقال:
_ ما حدث طبيعيا جدا ومتوقعا كذلك. طفلاً أجرى عملية زرع نخاع منذ مدة بسيطة جدا يتعامل بتلك الفوضوية واللامبالاة سيكون مؤكدا أنه سينتكس. هذه العملية التي أجراها ابنك ليست سهلة أبدا، تحتاج من شهرين لثلاثة أشهر حتى يتمكن من بدء مزاولة أنشطته السابقة بنفس الوتيرة السابقة. وهذا ما سنحدده نحن وليس حضرتك.
شعر عزيز بالذنب ونظر إلى صبر بتأنيب ضمير وقال محاولا تبرير تصرفه:
_ في الحقيقة لم نتوقع أن قيادة دراجة لبعض الوقت من الممكن أن تتسبب له بكل هذا الإجهاد! أكيد لو أننا نعلم ذلك لما أقدمنا على ما فعلنا.
_ اسمعني سيد عزيز. عند التعامل مع هذه الحالات بالذات لا ينبغي أن تقول كلمة لم أكن أعرف! عليك تحمل المسؤولية كاملة بدون إخفاق أو استهتار، عليك أن تعرف كل معلومة تخص حالته لأنك إن جهلت بالأمر من الممكن أن يحدث ما لا يحمد عقباه. الأمر ليس هينا أبدا.
أومأ عزيز موافقا فأعطاه الطبيب بطاقة مدون بها جدول مواعيد وقال:
_ تفضل، هذه دعوة لحضور جلسات التوعية التي تقيمها المستشفى يومًا من كل أسبوع لتعلم كيفية التعامل مع مريض زرع النخاع. هذه الجلسات ضرورية بالنسبة لك ولوالدته بقدر أهمية العلاج للطفل.
أومأ عزيز موافقا وشكر الطبيب، ثم اصطحب صبر وغادر المركز عائدا نحو البيت.
في تلك الأثناء كانت حنان تجلس برفقة كريم، تضمه إليها وهي تبكي وشعور بالذنب لا يفارقها. نظر إليها كريم باستغراب ثم قال:
_ خالتي حنان، لمَ تبكين؟ هل لأنكِ حزينة على صبر؟ أم لأني حزين كذلك؟!
مسحت دمعاتها وهي تنظر إليها ثم قالت:
_ ما بك حبيبي؟ لمَ أنت حزين؟
تهدل كتفيه بإحباط وأسقط رأسه أرضا وعينيه مثبتتان على نقطة وهمية بجانبه حيث كان غارقا بحالة استرجاع بصري لذكريات لم تبرح مخيلته، ثم نظر إليها بحزن وقال:
_ لقد اشتقتُ لأمي كثيرا. ألا يمكنني رؤيتها عما قريب؟
انسابت الدموع من عيني حنان بغزارة وهي تمسح على شعره الناعم الغزير بمواساة وقالت:
_ بالطبع يمكنك حبيبي. سنذهب لرؤيتها قريبا لا تقلق.
نظر إليها بيأس يفوح من عينيه وقال:
_ متى؟ صبر أيضا يريد رؤية والده منذ فترة طويلة ولم يستطع. هل هو مسافر فعلا أم أنه بالسجن مثل أمي؟!
نظرت إليه بصدمة ولم تقوَ على الرد، أخفت عينيها بكفيها وأجهشت ببكاء مرير. فكرت بماذا ستجيبه ولكن دخول عزيز وصبر هو ما أنقذها وجنّبها مشقة الجواب.
نهضت مسرعةً وهرولت نحو صبر، احتضنته بقوة وقالت باهتمام وقلق بالغ:
_ حبيبي، هل أنت بخير؟
أومأ الطفل بحزن عميق تجلى على قسمات وجهه الصغير، ثم انسحب ودخل إلى غرفته فورا.
نظرت حنان إلى زوجها بتعجب فزفر بضيق واستياء ثم قال:
_ نحن أبوين مهملين يا حنان. لم نتمكن من الاعتناء بصبر كما يجب، والطفل يشتاق لأبيه. هذا واضحٌ جدا.
نظرت إلى غرفة صبر المغلقة وأومأت بحزن وإقرار بصدق حديثه، بينما منح عزيز كريم قبلتين وعناقًا حنونًا وأمره بالذهاب إلى فراشه، ثم دخل هو إلى غرفته ومنها إلى الشرفة، وجلس شاردًا يفكر بمستقبل هذين الطفلين المجني عليهما.
وقفت حنان في المنتصف تنقل بصرها من على غرفة كريم إلى غرفة صبر بعجز وقلة حيلة، ثم رفعت يديها إلى رأسها وقامت بالضغط على جانبي عقلها وهي تتنهد تنهيدة طويلة محمّلة بالمخاوف والمشاغل التي تعصف بها دون هوادة.
***
استمع قاسم إلى آذان الفجر يصدح في الأرجاء؛ فألقى نظرة على حبيبته التي تغفو بجواره بوداعه وبراءة، ثم ابتسم بحزن ومال ليقبل جبهتها بنعومة، وابتعد يتفحص ملامحها التي سيقتله الشوق إليها بكل تأكيد واستقر بناظريه أخيرا على بطنها التي تحمل طفلهما. نزلت دموعاته ومد يده يمسح عليها برفق وهو يتمتم بانكسار:
_ من أجلك يا صغيري. لا بد أن أختار الصواب مهما كان مكلفًا وأترك الخطأ حتى وإن كان شافيًا. عندما تكبر ستجدني معك دائما. أعدك أنك لن تحتاجني إلا ووجدتني؛ لذا علي أن أبدأ بترميم أخطائي، سنفترق الآن مؤقتًا وفيما بعد لن يكون هناك فراقا أبدا.
نهض من فراشه واتجه نحو الحمام، توضأ وخرج ثم صلى فرضه واتجه إلى الشرفة وهو يحمل ورقة وقلم.
جلس ثم بدأ يستجمع شتاته ثم أمسك بالقلم وبدأ يخط رسالته إلى حياة. وبعدما انتهى من كتابتها طوى الورقة، ثم نهض و أسندها على مقعده، ثم سحب وردةً بيضاء من المزهرية ووضعها فوقها. ووقف يتأمل الرسالة والوردة البيضاء وهو يجاهد لئلا ينفجر باكيًا، أو يتراجع عن قراره ويمزق الرسالة ويعيد الوردة إلى باقتها ويعود إلى جوار حياته ويحتضنها ويغفو وكأن شيئا لم يكن. ثم مسح على وجهه بضيق وتمتم مستغفرا. دخل إلى الغرفة سريعا وبدل ثيابه ثم رمق حياة بنظرة وداع متحسرة، و التقط هاتفه وخرج.
قام بالاتصال بعمه الذي أجاب فورا بقلق:
_ صباح الخير قاسم، هل حياة بخير؟
أجابه قاسم بهدوء نقيض الارتباك والقلق اللذان يهلكانه وقال:
_ لا تقلق عمي، حياة بخير. لقد اتصلت بك لأخبرك شيئا هاما. لقد قررت تبرئة حسان.
_ ماذا؟ وكيف سيحدث ذلك؟
_ سوف أعترف بالحقيقة كاملة. لن أتجاهل الحق مجددا يا عمي.
صمت صالح للحظات كانت فارقة جدا بالنسبة لقاسم. ثم تكلم بهدوء ورصانة وقال:
_ أحسنت يا بني. لا يصح إلا الصحيح.
زفر قاسم بارتياح وأومأ مؤكدا وقال:
_ أجل، أنا الآن في طريقي إلى قسم الشرطة ولا أعرف ماذا سيحدث معي فيما بعد. ولكني أثق بالله عز وجل ومن ثم أثق بالمحامي وجدي. إنه محامٍ ممتاز وأعرف أنه سيساعدني. كل ما أرجوه منك أن تعتني جيدا بحياة. أرجوك لا تتوانى عن مراعاتها ولا تُمكّن أمها منها أو تجعلها تفرض سيطرتها عليها مجددا.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، لا تقلق يا بني. حياة ابنتي لا تنسى، أي أنني أحبها وأخاف عليها أكثر من أي إنسان على وجه الأرض حتى أنت.
بالرغم من أن الحديث لم يَرُقهُ ولكنه ليس متفرغا للجدال الآن ومناقشة من يحبها أكثر هو أم والدها؛ لذا ردد بهدوء وقال:
_ على كل حال حياة لا تعرف شيئا بعد. لا بد أن تكونوا بجوارها الفترة المقبلة، سوف أتصل بحنان لكي تكون بجوارها كذلك وبعدها يمكنك أن تطلب منها أن تنتقل للبقاء برفقتكم.
_ حسنا يا بني، ليفعل الله خيرا.
أنهى قاسم المكالمة ثم أرسل إلى حنان رسالة صوتية شرح لها فيها كل شيء وطلب منها الذهاب لحياة ثم استقل سيارة أجرة كي تقلهُ إلى القسم.
***
مع آذان الظهر استيقظت حياة. وقعت عينيها على مكان قاسم الخالي بجوارها فظنت أنه قد خرج لعمله كالعادة.
نهضت من مكانها وتوجهت إلى الحمام ثم توضأت ووقفت تصلي وفجأة شعرت بانقباضة في صدرها ولكنها تجاهلتها حتى أتمت صلاتها، ثم التقطت هاتفها لكي تتصل بقاسم وتطمئن عليه ولكن هاتفه كان مغلقا وهذا ما أثار حفيظتها أكثر.
دخلت إلى الشرفة وهي تتحدث إلى نفسها بينما هي ممسكةً بهاتفها تحاول الاتصال به مرارا:
_ أين أنت يا قاسم!
همت بالاتصال بهاتف المعرض ولكنها تفاجئت بما رأته على مقعد قاسم فتركت الهاتف على الطاولة وهي تقول بابتسامة:
_ ما هذا؟ رسالة، ووردة بيضاء؟ أوووه.. فديتُك يا زوجي الرومانسي.
والتقطت الورقة وفتحتها بحماس ثم بدأت بقراءتها.
" حياتي. تعلمين أنكِ نور قلبي وسكينته وبصيص الأمل الذي لم يخبُ يومًا به، تعرفين كم أحبكِ وكم أنا محظوظ بوجودكِ في حياتي. تعرفين جيدا أنه منذ اليوم الأول الذي رأيتكِ به وأنا أتكئ عليكِ في كل شِدة! كنت ولا زلت أثق أنكِ الوحيدة التي تفهمني وتعرف خبايا قلبي وأسراره دون حتى أن أفصح بها. "
ابتسمت حياة وتألقت ابتسامتها أكثر ثم استكملت ما كتبه.
" ولأنكِ تفهميني يا حياة فعلت ما فعلتهُ هذا. سأعترف بالحقيقة. لا بد أن يخرج حسان من السجن، صبر يحتاج إلى والده بشدة وأنا لن أهنأ بالعيش أبدا وأنا أتجاهل الحق وأغض طرفي عن دموع الطفل واحتياجه لأبيه. "
سقط قلبها أرضا وابتلعت ريقها بتوتر وخوف شديدين، ثم أكملت ودموعها تتساقط بغزارة.
" أعرف أنكِ ستقولين أن ابننا يحتاجني كذلك ، أنتِ محقة. ولكني أثق أن ابننا لديه أمًا رائعة من شأنها أن تمنحه كل الحب والاهتمام ريثما نلتقي مجددا. "
كانت تهز رأسها برفض وهي تمر على الكلمات بعينيها وتكمم فمها بيدها حتى لا تنطلق صرخاتها المكلومة وأكملت.
" أنا آسف، سامحيني حياة. لقد ظُلمت سابقا وأعرف كم هو مرير الظلم، لا أنكر أن حسان أخطأ بحقي ولكني لن أكون مثله أبدا. لن أستطيع النوم وممارسة حياتي بشكل طبيعي وأنا أعرف أنني السبب في تدمير طفل مسكين لا ذنب له فيما حدث. أعلم أنكِ ستكونين متفهمة لأن هذا هو الصواب الذي تجاهلته سابقا.. لا بد أن أنظف نفسي من كل القذارات التي اقترفتها حتى يفتخر بي ابننا. لا بد أن أصبح أبًا مثاليًا حياة. سامحيني حياتي، ثقي بالله وتأكدي أن الله لن يضيعنا أبدا ، واعتني بنفسك جيدا يا كهرمانة….. أحبــكِ كثيــرا "
انتهت كلماته وانفجرت صرخاتها عاليًا وأخذت تبكي بأعلى صوتها وهي تشعر بالضياع، تشعر بالحزن يشق قلبها لنصفين وإحساسًا بالحسرة يملؤها. كانت تنادي باسمه من بين بكائها و تعود لتقرأ كلماته مجددا بغير تصديق، على أمل أن تكون قد أخطأت وخُيل لها ما قرأته، ثم تجده صحيحًا فتنهار مجددا.
ظلت على تلك الحالة لدقائق وفجأة وكأن مصباحا قد أضاء برأسها، فنهضت وأسرعت نحو الغرفة ثم بدلت ملابسها وخرجت باتجاه الباب وفتحته لتتفاجأ بحنان التي تقف وكانت بصدد قرع جرس الباب.
ارتمت حياة بحضنها و انخرطت في بكاءٍ مرير، حاولت التحدث ولكنها لم تستطع فخرجت كلماتها مبعثرة وأحرفها متقطعة، ربتت حنان على ظهرها بمواساة وحاولت انتقاء كلمات لعلها تستطع مواساتها ودعمها بها ولكنها لم تجد فشاركتها البكاء بصمت.
بعد أن هدأت حياة وانتهت نوبة بكائها قالت:
_ قاسم، لا بد أن أذهب إليه حالا.. أنتِ لا تعرفين ما الذي قام قاسم بفعله حنان.
نظرت إليها حنان بشفقة وهي تقول:
_ عرفت، لقد أرسل إلي رسالةً وأخبرني بما ينوي فعله وطلب مني الاعتناء بكِ.
وكتمت شهقةً كادت أن تنفلت وقالت ببكاءٍ هادر:
_ مسكين أخي..
فجأة قاطعتها حياة وهي تدفعها بصدرها بقوة لدرجة أنها ارتدت على إثرها للخلف، ونظرت إليها بغضب عارم وهي تهتف حانقةً:
_ أناني، أخاكِ أناني وليس مسكينا. لم يفكر بي أو بطفله الذي سيأتي إلى الدنيا فيجد أباه غائبا.. لم يفكر بحالتي تلك وكيف أنني لن أستطيع التحمل بدونه، كل ما فكر به كيف يتخلص من عذاب الضمير الذي يلازمه ويؤرق مضجعه.
رق قلب حنان لرؤية حالتها تلك واقتربت منها مجددا وعانقتها عناقا حارا فانفجرت حياة باكية مجددا وهي تتشبث بها وتردد بتخبط:
_ أنا آسفة حنان، أنا أحب قاسم كثيرا.. آسفة أرجوكِ لا تغضبي.
أحاطتها حنان بذراعيها باحتواء ومحاولة منها لتهدئتها ثم قالت:
_ أعرف جيدا ما تشعرين به حبيبتي، لا بأس هوني على نفسكِ.. هيا لندخل.
_ لا، سأذهب لرؤية قاسم. هيا بنا.
***
كان قاسم يقف بمكتب الضابط في حالة سكون تامة. وكأنه قد كتب عليه أن يظل مترددا على هذا المكان من وقت لآخر. وبجواره كان يجلس المحامي الذي يتحدث إلى الضابط قائلا بوقار ورصانة:
_ هذه هي الحكاية منذ البداية يا حضرة الضابط، الظلم الذي وقع على قاسم والقهر الذي تعرض له هما من زرعا بداخله فكرة الثأر المعنوي قبل المادي. أراد أن يذيقهما من نفس الكأس الذي أذاقاه منه. ولكنه في النهاية أدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه وأيقن أنه مخطئ، وأنه ليس إلهًا أو حكمًا كي يثأر وينتقم لنفسه وقتما شاء وكيفما شاء. لذا حضر أمام سيادتكم اليوم ليعترف أنه من لفق تلك التهمة لكلا من عبدالله الحداد رحمه الله ومن بعده حسان، ويعترف كذلك أن حسان برئ من تلك التهمة وأنه مستعد لتعويضه بالطريقة التي يختارها.
نظر الضابط إلى قاسم الذي يقف ناصبًا ظهره وينظر نحوهما بعينين ثاقبتين ولكنهما شاردتين بعض الشيء. ثم قال الضابط:
_ هل توافق على كل ما أخبرنا به الأستاذ وجدي المحامي؟ هل هذا ما حدث بالفعل؟
أومأ قاسم مؤكدا وقال بثقة:
_ أجل، ما قاله المحامي هو ما حدث بالفعل.
أومأ الضابط موافقا ثم قال:
_ هل تعرف أنك في تلك الحالة ستدخل إلى السجن بتهمة التلفيق والاتهام الباطل؟ وأن هذه التهمة عقوبتها الحبس لمدة تتراوح من ستة أشهر وقد تصل إلى سنة مع غرامة مالية؟
تنهد قاسم مطولا ثم قال بأسى:
_ نعم، أعرف ذلك.
أومأ الضابط موافقا وقال:
_ حسنا، تفضل لتمضي على أقوالك.
مضى قاسم على أقواله ثم نادى الضابط إلى العسكري وأمره أن يصطحب قاسم إلى الحجز. خرج قاسم برفقة العسكري ويديه مكبلتين بالأغلال، منكسا رأسه بانكسار بالرغم من الراحة التي بدأت تتسلل إلى قلبه منذ اعترافه بما فعل، ولكنه كان مشغولا بالتفكير في حياة و رد فعلها عند معرفتها بالأمر. وفجأة قصف صوتها مدويًا وهي تنادي باسمه وتقول:
_ قاسـم…
التفت على الفور ونظر إلى الوراء ليجدها تقف وبجوارها حنان، كانت في حالة يرثى لها والصدمة باديةً على معالمها بشدة. هم بالاقتراب منها ولكنه تيبس بأرضه مصدوما عندما سقطت فجأة مغشيا عليها.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نعمة حسن
بعد مرور أسبوع..
كانت فريال تستعد للخروج من شقتها، حيث اتفقت مع فتون على الذهاب إلى أحد مراكز التجميل لإجراء جلسة شد تجاعيد حول العين، بعدما نجحت فتون أخيراً في إقناعها للقيام بهذه الخطوة.
التقطت حقيبتها وخرجت وأوصدت الباب، وبينما كانت منشغلة بتفحص حقيبتها، اصطدمت فجأة بشخصٍ ما. فرفعت عينيها بتحفز لتتفاجئ بالدكتور ممدوح، الذي كان مبتسمًا ببشاشة وقال:
_ مرحبا فلة. كيف حالكِ عزيزتي؟
ارتبكت وتوترت، ابتلعت ريقها وهي تشعر بالدماء وقد فارت بعروقها، ثم رفعت يدها إلى جبهتها تلقائيًا وهي تنظر إليه بتوتر وقالت:
_ هل عدت؟
أومأ ضاحكًا وقال:
_ أجل. عدتُ للتو.
واقترب منها خطوةً وأردف:
_ اشتقتكِ كثيرًا.
اهتز بدنها وارتجف قلبها بشدة، ولكن غضبها وحقدها عليه كانا أكبر. فنظرت إليه مستجمعة كل قوتها وحنقها منه، وقالت بنبرة جامدة لا حياة فيها:
_ أراك وقد عدت بدون العروس؟! عساه خير؟!
أومأ مؤكدًا وقطب جبينه باستغراب وقال:
_ صحيح، ولمَ عليّ أن أصطحبها إلى هنا؟
رفعت حاجبها باستهجان وقالت:
_ ولمَ عليك أن تتركها هناك بمفردها؟
مط شفتيه بتعجب أكبر وقال:
_ ليست بمفردها، …
وقبل أن يستكمل حديثه، ظهرت فتون التي كانت في كامل أناقتها، وما إن رأت الدكتور حتى ابتسمت بمجاملة وهي تحاول إخفاء ضيقها منه وقالت:
_ حمداً لله على سلامتك دكتور.. لقد أنرتَ العمارة.
نظر إليها ممدوح مبتسمًا بدوره وقال وهو يصافحها بود:
_ أشكرك سيدتي. على ما يبدو أنكما تستعدان للخروج، لذا لن أؤخركما.. عن إذنكما.
انصرف ممدوح بعد أن اختلس نظرةً نحو فريال، التي أجفلت فور أن التقت أعينهما وأشاحت ببصرها بعيدًا متصنعةً تجاهله. ثم نزلت الدرج هي وفتون وهما تتحدثان سوياً، فقالت فتون:
_ يا إلهي، يبدو مرهقًا جدًا، وكأن الزواج لم يلائمه أبدًا.
كانت تلك الكلمات كالوقود الذي ألهب نيران الأخرى، فأجابت بغضب أعمى وصوت حاد:
_ ذلك لأنه تزوج في سنه هذا من فتاة في عمر ابنه. بالتأكيد لن يواتيه الزواج.
_ مسكين. ولكن أين هي زوجته؟ لدي فضول جامح حول رؤيتها.
نظرت إليها فريال نظرة ألجمت لسانها، وفتحت باب السيارة بصمت واستقلت مقعدها خلف المقود، ثم ركبت فتون بجوارها وهي تقول:
_ أنا لا أقصد مضايقتك فلة، على كل حال دعينا ننسى هذا الموضوع تمامًا. نحن الآن لدينا خطط كثيرة من شأنها أن تنسينا ما حدث منذ قليل، لدينا موعدٌ مع طبيب التجميل، وبعدها سنذهب للصالة الرياضية لكي نخرج كل طاقتنا ونحرق كل همومنا بشكل جيد، وبعدها سنذهب لنرفه عن أنفسنا قليلاً ونتناول مشروبًا باردًا. نحن على موعدٍ مع السعادة يا فتاة.
ابتسمت الأخرى بتهكم وأجابت بإحباط صرف:
_ أخطأتِ يا فتون، من نكون نحن حتى نواعد السعادة؟ نحن لا نواعد سوى الأحزان والهموم فقط.
ضربت الأخرى جبهتها بكفها بيأس وهي تردد:
_ يا إلهي، لقد عانيتُ حتى انتشلتها من حالة الاكتئاب التي غرقت بها لأسبوع كامل، وبالكاد كنا نسير نحو طريقٍ يبعث على التفاؤل؛ فجاء طبيب الغفلة هذا وظهر أمامها ليعيدنا عشرات الخطوات حيث كنا من جديد، ويضيع مجهودنا سدى. أشكو إليك قلة حيلتي يا الله.
***
كانت تقبع فوق فراشها باستسلام، شاخصةً ببصرها في الفراغ من حولها، ليس فراغًا ماديًا فحسب، بل فراغًا معنويًا كذلك. فغياب قاسم عنها كان بمثابة غياب الروح عن الجسد تمامًا. منذ ذلك اليوم الذي قرر أن يغيب عنها بمحض إرادته الحرة، وهي تعاني، تبكي كل ليلة في صمت وتذرف كل الدموع، حتى إذا ما أصبح صباح اليوم التالي، ارتدت قناع الصلابة والجمود.
وحدهُ والدها هو من كان يعرف أن ذلك التماسك ليس حقيقيًا، وإنما هو مجرد قناع مزيف تخفي خلفه انهيارها. أما والدتها فكانت تراقب ذبولها بصمت، ليس لأنها غير قادرة على عتابها ولومها والدخول معها في مشاحنات فارغة، ولكن لأنها تشفق على حالها أكثر من ذي قبل. وتلك الشفقة الجديدة على مشاعرها هي التي تمنعها من الخوض في تفاصيل ما حدث، على الأقل في الوقت الحالي.
_ حياة، ألن تتناولي فطورك حبيبتي؟ على الأقل من أجل طفلك.
تحدثت صفية بتلك الكلمات للمرة التي لا تعرف عددها، في محاولة بائسة منها لإقناع ابنتها لكي تتناول فطورها الذي تحمله منذ ساعة تقريبًا، وعندما يئست من استجابة حياة، نهضت وهي تحمل الصينية وخرجت من الغرفة في اتجاه المطبخ. وضعت الصينية ثم اتجهت نحو غرفة صالح الذي كان يجلس مهمومًا كذلك، وقالت بغضب مكتوم:
_ هل هذا الحال يرضي الله ورسوله؟ ابنتك تموت بالبطيء يا رجل! إلى متى سننتظر؟!
نظر إليها بقلة حيلة عاقدًا كفيه في تأمل، ثم تنهد بضيق وقال:
_ استدعِ حنان..
وقبل أن يستطرد، قاطعته بحدة غاضبة وانفعال، فقالت:
_ لن أتصل، ولا أريد رؤية وجهها ولا وجه أخيها مدى الحياة، أساسًا هو سبب كل المصائب التي نزلت بابنتي.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.. عدنا لنفس النقطة.
_ نعم سنعود سيد صالح، إن لم يفكر ابن أخيك بأنانية ورعونة وفعل ما فعله، لما وصلت ابنتي لتلك الحالة أبدًا. قم وانظر بنفسك. الفتاة تذبل أمام أعيننا يا صالح، تمتنع عن الأكل وأخذ أدويتها، لا شيء يجدي نفعًا معها، لا توسل ولا بكاء ولا استعطاف، حتى جنينها لم يعد فارقًا معها. قل لي يا صالح، ما ذنب ذلك الجنين الذي سيموت في أحشائها بسبب حالتها تلك!!
نظر إليها محذرًا بغضب وقال:
_ اصمتي يا صفية، اخفضي صوتك لكي لا تسمعك، ولا تلفظي ذلك اللفظ أبدًا مهما حدث.
تهدل كتفاها بإحباط، ونظرت إليه بعجز، ثم انفجرت باكية فجأة وهي تردد:
_ ابنتنا مسكينة يا صالح، إن رأيتها ستشفق عليها وستلعن غباء الغبي ذاك وتهوره، هل أُخبرك؟ ستلعن نفسك أيضًا لأنك شجعته على قراره الملعون هذا.
طأطأ رأسه أرضًا، وللحظة شعر بوخز الضمير، ورق قلبه من أجل صغيرته، ولكنه لم يكن لينالها مرادها أبدًا. فنظر إليها محتدًا وقال:
_ لا، لن أندم أبدًا، ما فعله قاسم هو عين العقل، والمفترض أن تكون ابنتك أكثر صلابة وتحملًا لأنها تعرف منذ البداية ما كانت مقبلة عليه. خذيني إلى غرفتها حالًا.
ساعدته حتى جلس على كرسيه المتنقل، ثم ذهب إلى غرفة حياة. دخل وعينه مثبتة عليها وهي ترقد على فراشها مغمضةً عينيها، فهمس إلى زوجته قائلًا:
_ إنها نائمة، لا داعي لإزعاجها.
نظرت إليها صفية وقالت:
_ لا، هناك داعٍ بالطبع، لا بد أن تتناول فطورها وأدويتها، علينا أن نجبرها إن لزم الأمر.
سار حتى استقر بجوار الفراش وظل ينظر إليها بشفقة وحزن شديد. فقالت زوجته:
_ أرأيت؟ ابنتنا الزهرة الجميلة التي كان يقسم الجميع بجمالها، تحولت لشبح، لمجرد أنه غاب عنها لأسبوع تحولت لشبح، بالله عليك أخبرني كيف ستتحمل الستة أشهر الباقية حتى يخرج بسلامته من السجن؟
نظر إليها بتحذير مجددًا وقال:
_ لا داعي لذكر تلك السيرة مرارًا وتكرارًا يا صفية، لديها ما يكفيها فلا تزيدي، هوني عليها إن استطعتِ، وإن لم تستطيعي فلا تزيدي همومها.
ومد يده يربت بها فوق كفها الممدودة بجوارها وهو يقول بحنو:
_ حياة، حبيبتي.. لقد شعرتُ بالجوع وجئت لأتناول فطوري معكِ، حياة.
لم تحرك حياة ساكنًا، وكأنها لم تشعر بيده الموضوعة فوق يدها وتهزها، فهزها مجددًا بقوة أكبر وهو يقول:
_ ابنتي، لدي الكثير الذي أود الحديث معكِ حوله، وكما تعرفين، لا أحد يفهمني مثلك، هيا حياة دعينا نتكلم ونحن نتناول فطورنا بالشرفة كما كنا نفعل سابقًا وأنتِ طفلة.. حياة.
لم تجب، فنظر إلى صفية مستفهمًا، فبادلته النظر بقلق واقتربت من حياة وهي تهزها وتقول بصوت عالٍ:
_ حياة، هيا حبيبتي.. حياة، ألا تسمعيننا؟ حياااااة…
تحركت حياة كالخرقة البالية بيديها، فصرخت بفزع وهي تنادي باسمها وتقول:
_ حياة، ما بكِ حبيبتي؟ هل تسمعينني؟
هدر صوت صالح مفزوعًا:
_ أبلغي الطبيب حالًا..
أمسك بيدها وأخذ يربت عليها، بينما هرعت صفية نحو الخارج لكي تقوم بالاتصال بالطبيب الخاص بحياة وأبلغته بما حدث، ثم هرولت إلى الغرفة مجددًا وجلست بجوار حياة وهي تبكي وتقول:
_ حياة حبيبتي، ماذا بكِ يا أمي؟ صالح.. ماذا بها ابنتي؟
كان صالح يذرف الدموع وهو يمسح على شعرها وجسدها ويردد الرقية الشرعية بهمس من بين بكائه، بينما صوت بكاء صفية وانهيارها يعرقل انتباهه، فكانت تقول:
_ هل أتصل بعزيز؟ هل أخبره لكي يطلب الإسعاف؟ أخشى أن يتأخر طبيبها. هل أعد لها الماء المحلى، أم أنه لا يلائم وضعها، أخبرني صالح لماذا أنت صامت؟ حياة حبيبتي.. أجيبيني حبيبتي رجاءً.
عندما استمعت لجرس الباب، كانت قد وصلت فورًا وفتحت الباب بلهفة، فأسرع الطبيب إلى الغرفة وبدأ بفحصها فورًا، بينما صفية تقف في الخلفية تردد على مسامعه آخر تطورات حالتها في الأيام القليلة الماضية وامتناعها عن تناول الطعام والأدوية. ولم تنسَ أن تخبره عن زوجها الفاشل عديم الإحساس بالمسؤولية الذي تخلى عنها في ظل ظروفها العسيرة تلك. وبينما هي تثرثر وتثرثر، كان الطبيب قد أخرج من حقيبته محلولًا وقام بحقنه في وريدها، ثم قال:
_ الموضوع ليس خطيرًا الحمد لله، الإغماء بسبب نقص التغذية والامتناع عن الطعام وتناول الأدوية كما قلتِ، لذا قمت بإعطائها محلولًا مغذيًا عوضًا عن التغذية التي تحتاج إليها، بمجرد أن يستقر معدل السكر في الدم ستبدأ باستعادة وعيها.
تمتم صالح يحمد الله، فقالت صفية:
_ هل حالتها تلك بسبب سوء التغذية فقط؟ أليس السبب هو الضغط النفسي الذي تعيشه.
مط الطبيب شفتيه بعملية وقال:
_ أكيد، حسب قولك فالضغوط النفسية والعصبية التي تعيشها شكلت عاملاً أساسيًا في الوصول لحالتها تلك.
نظرت صفية إلى زوجها وقالت:
_ أرأيت، هذا يعني أنه السبب وليس غيره.
هز صالح رأسه بيأس ونظر إلى الطبيب وقال:
_ وما العمل دكتور؟ بماذا تنصحنا حتى نستطيع انتشالها من تلك الحالة البائسة؟
_ من الضروري أن تساعدونها على الاستجمام والاسترخاء والبعد عن البيئة المليئة بالتوتر والضغوطات لفترة لا بأس بها، ومن الضروري كذلك واللازم أن تلتزم بدوائها والتغذية السليمة حتى وإن اضطررتم إلى محايلتها كالأطفال.
بدأت حياة تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا. فتحت عينيها، فهرولت نحوها أمها وجلست بجوارها وهي تقول:
_ حياة، هل أنتِ بخير الآن حبيبتي؟
أومأت حياة بهدوء، ونظرت إلى الطبيب الذي يجلس بالقرب منها بتعجب، وقطبت جبينها بتعب، فقال:
_ حمداً لله على سلامتك حياة، لقد تعرضتِ للإغماء نتيجة لتعمدك الامتناع عن تناول الغذاء والدواء. للأمانة العلمية علي أن أخبرك أن سوء التغذية ليس مضرًا بصحة الحامل والجنين فقط، لا. إنه مضر بصحة الطفل فيما بعد كذلك، ومن الممكن أن يعاني الطفل فيما بعد من عدة اضطرابات منها فرط الحركة وتشتت الذهن. ودائمًا تذكري أن جنينك هذا أمانةٌ برقبتك. وعليكِ أن تصوني الأمانة.
ونهض بعد أن وصف لها عدة مقويات وعددًا من المحاليل المغذية كي تستطيع تخطي تلك الوعكة، وانصرف بعدما تمنى لها السلامة.
***
كفاكِ حنان، منذ الصباح وأنتِ تبكين.. يا إلهي لم أكن أعلم أنكِ قد تعلقتِ به بهذا القدر!
قالها عزيز وهو يحاول مواساة زوجته التي تبكي بحرقة بين ذراعيه كما لم تبكِ من قبل، ثم ربت على ظهرها وقال:
_ حبيبتي حنونة، لا يزال لدينا كريم، أقصد أننا لن نكون وحيدين. وبالنسبة لصبر سأتحدث مع حسان وأخبره أن يحضره دوماً لزيارتنا، في النهاية الطفل يحبنا ويحب كريم كذلك ولن يطيق البعد عنا. أرجوكي كفى.
_ تعلقتُ به كثيرًا يا عزيز، لماذا يحدث معي كل هذا، هل أنا سيئة بهذا القدر؟ كلما أحببت شيئًا فقدته.
ضمها إليه بقوة أكبر وقبّل أعلى رأسها وهو يقول:
_ لا حبيبتي، أنتِ أجمل امرأة في الوجود، كل ما يحدث معنا ابتلاءات والله إذا أحب عبدًا ابتلاه. لا تحزني حنان سيعوضنا الله.
هدأت قليلاً، كفكفت دموعها ومسحت آثار البكاء عن وجهها، ثم نظرت إليه وقالت:
_ إن شاء الله، علينا أن نجلس مع صبر الدقائق المتبقية قبل وصول حسان. هيا بنا.
خرجا من غرفتهما واتجها نحو غرفة صبر ليستمعا إليه وهو يتحدث مع كريم بحماس ويقول:
_ أنا سعيد للغاية يا صديقي، لا أتخيل أنني بعد دقائق سأرى أبي بعد كل هذا الغياب.
نكس كريم رأسه أرضًا بحزن وقال:
_ أنت محظوظ يا صبر لأنك سترى والدك الذي عاد من السفر، أما أنا فوالدي لن يعود أبدًا.
زم الطفل شفتيه بأسف طفولي وربت على كتفه بدعم وقال:
_ ولكن والدتك ستعود، أنت لازلت تملك أماً، نحن متعادلين يا صديقي. أنا فقدت أمي منذ الصغر ولكن والدي لا يزال معي، وأنت فقدت والدك ولكن والدتك موجودة. أرأيت كيف أننا متعادلين؟!
أومأ كريم بموافقة وقال بأسف صادق وتأثر حقيقي:
_ ولكني سأصبح وحيدًا بدونك.
ابتسم صبر وقال:
_ لن أغيب، ستجدني موجودًا هنا باستمرار وأنت أيضًا ستأتي إلى بيتي، لا بد أن أعرفك بأبي، ستحبه كثيرًا.
نظر كلا من حنان وعزيز إلى بعضهما البعض بابتسامة، وصدح صوت عزيز قائلًا:
_ هل حزمت أمتعتك يا فتى؟ أراك وقد جمعت أغراضك كلها. على الأقل دع لنا شيئًا كتذكار منك أيها النذل.
ابتسم صبر ابتسامة عريضة وقال بحماس:
_ لن أغيب طويلاً، لذا لا داعي للتذكار لأنكم لن تحتاجون إليه.
ضحكت حنان واقتربت منه ثم عانقته وقالت:
_ سأشتاقك كثيرًا يا صبر.
نظر إليها الطفل مبتسمًا وقال:
_ وأنا لن أشتاقك.
نظرت إليه بصدمة فقال:
_ والسبب أنني كل يوم سأنظر إلى صورتك تلك.
وأخرج إطارًا خشبيًا صغيرًا يضم صورة حنان وطفلتها "أسيل" وقال:
_ أنا آسف، لقد أخذت الصورة بدون استئذان، ولكني كنتُ أعرف أنكِ لن تمانعي، سأتأمل صورتك أنتِ وابنتكِ الجميلة كل يوم قبل النوم. وسوف أدعو الله أن تنجبي طفلة جميلة مثلها مجددًا لكي أتزوجها عندما أصبح شابًا.
ضحك عزيز ملء فمه وعبث بمقدمة شعره، بينما ضمته حنان إليها وانفجرت باكية وقد حرك الساكن بأعماق قلبها.
ارتفع رنين جرس الباب، فقفز صبر من بين ذراعي حنان وقال بفرحة عارمة:
_ إنه أبي.
ركض مسرعًا نحو الباب وفتحهُ، وما إن رأى والده أمامه حتى قفز فوقه وهو يصرخ بحماس ويقول:
_ وأخيرًا أبي، اشتقتك كثيرًا.
ضمه حسان وأطبق ذراعيه حوله وهو ينتحب بصمت، وكلما حاول التكلم خنقتهُ العبرات، فالتزم الصمت من جديد.. كان يضمه بين ذراعيه ويبكي ملتاعًا، لم يتخيل أن يكون اللقاء قريبًا بهذا الشكل، لقد كان مستسلمًا للأمر الواقع، مسلمًا بحقيقة سجنه لثلاث سنوات، ولم يتخيل أن يستجيب الله لدعواته ويفك أسره بهذه السرعة.
_ أبي، هل ستغيب مجددًا؟ هل ستتركني وتسافر ثانيةً؟
هز حسان رأسه بالنفي وقال وهو يحاول كي يبرز صوته هادئًا متزنًا:
_ لا، لن أتركك مجددًا أبدًا حبيبي.
_ هل تعدني بذلك؟
_ أجل، أعدك.
عانقه صبر بقوة أكبر وهتف بحماس مشتعل:
_ يعيش بابا حسان، يعيــش.
كان الجميع يراقبون هذا اللقاء بفرحة، حتى وإن اختلط بها الحزن والدموع، ولكنها تبقى فرحة صادقة من القلب. فرحة بجمع شملهما وفرحة من أجل فرحة الصغير.
تقدم عزيز من حسان وعانقه بحب أخوي لم يفتر، فلقد كان كلا من قاسم وحسان وعزيز أضلاعًا ثلاثة لمثلث طالما عُرِف بمثلث الرعب. كانوا مشهورين بصداقتهم وحبهم لبعض البعض قبل أن تنقلب حياتهم رأسًا على عقب بفِعل شيطانٍ حاقد. حقد على أخوتهم وصداقتهم ودس سمه بحياتهم وهدم الأضلاع الثلاثة لتبخر أسطورة مثلث الرعب تمامًا، وتحل محلها أسطورة أخرى، أسطورة شيطان الحدادين.
بعد دقائق من الترحيب والضيافة، قرر حسان أن يستأذن هو وولده على وعد باللقاء مجددًا في أقرب وقت.
ودعت حنان صبر بالدموع وأخذت منه ميثاقًا بالعودة سريعًا، بعدما أعطته وعدًا بأنها ستنجب له عروسًا في أقرب فرصة، كما أخبرها قائلًا:
_ لقد أحببتك كثيرًا خالتي حنونة، شعرتُ أنكِ أمي وأنكِ تحبيننا كأنكِ أمنا فعلاً. وعرفت من خلال حديثي مع كريم أن ابنتكِ الجميلة هذه توفت، لذا عديني إن أنجبتِ فتاة جميلة مثلها سأتزوجها أنا، وبتلك الطريقة سنصبح أنسباء ولن أبتعد عنكِ أبدًا.
حينها عانقته حنان ووعدته، وهي تدعو الله بسرها أن تتحقق أمنية ذلك الصغير وأن يمن الله عليها بطفل يعوضها غياب طفلتها أسيل.
وفي الختام عانق صبر عزيز وودعهُ قائلًا:
_ أراك قريبًا حمايا العزيز، اعتني بحماتي جيدًا.
أوصد عزيز الباب وهو لازال يضحك من تصرفات الطفل وحديثه الذي يبدو أكبر من سنه للغاية، ووضع ذراعه على كتف كريم متنهدًا ثم قال:
_ وأنت يا كريم، ألا تريد أن تتزوج من ابنتي المستقبلية ونصير أنسباء؟
نظر إليه كريم بعينين متحمستين وكأن الفكرة قد راقته وقال:
_ بالطبع أريد، ولكن في هذه الحالة عليك أن تنجب فتاتين كي يتزوج صبر إحداهما وأتزوج أنا الأخرى.
أعجزه رده عن الكلام ونظر إلى حنان التي كانت تبكي، وفجأة تحول نحيبها إلى ضحكات عالية وهي ترى الاندهاش بادياً في عين زوجها وهو يقول:
_ يا إلهي، إما أنهما ليسا طفلين، أو أنا من لم أكن طفلاً.
***
كان قاسم يجلس بزنزانته يسبّح كما اعتاد منذ اليوم الأول الذي دخل فيه السجن، كما كان يفعل تماماً في المرة الماضية. ولكن الفرق بين المرتين فرق شاسع، في المرة السابقة كان مظلومًا، كان يواجه قسوة السجن ومرارة الظلم، لذا كانت الأيام تزحف زحفًا مميتًا، أما الآن فهو على اقتناع تام أنه يستحق ما هو عليه الآن، يستحق أن يواجه مرارة البعد عن زوجته وطفله، لذا قرر أن تكون تلك الستة أشهر فترة تقويم لأخلاقه، تقويم لنفسه التي اتبعت هواها وحادت به عن الطريق المستقيم. وقرر أن يجعل له وردًا يوميًا من التسبيح والاستغفار وقراءة القرآن، واثقًا وموقنًا أنه الآن يضع قدمه على أعتاب الفلاح، وأنه سيبدل الدرب المأهول بالأشواك الذي اختاره بإرادته سابقًا إلى درب مكلل بالنجاحات، درب تفوح منه رائحة الحب والخير.
انفرج الباب الحديدي محدثًا صريرًا عاليًا ودخل حارس الزنزانة الذي نادى باسمه وقال:
_ قاسم الحداد، زيارة بمكتب المأمور.
أدرك قاسم أنه المحامي أو السيد أكثم، لم يتوقع زيارة حياة بالرغم من أن قلبه كان يتمناها بشدة، ولكنه يعرفها. يعرف حبيبته العنيدة جيدًا. كما وعدته ستفي بوعدها.
***
استرجاع زمني
وقف مكتوف الأيدي، ينظر إليها بعد أن سقطت مغشيًا عليها بدون استيعاب، وكأنه لم يعِ ما حدث للتو ولم يره. التفوا حولها جميعًا وهم يحاولون إفاقتها، ولم يتحرك إلا عندما صرخت به شقيقته لكي يقترب؛ فاقترب مسرعًا وكأنه تحرر من غفلته للتو. جثا على ركبتيه أمامها وأخذ يربت على خدها برفق وهو يقول:
_ حياة، أفيقي حبيبتي.. فليساعدنا أحدكم.
صرخ بالأخيرة بفزع وهو يضمها إلى صدره بخوف لم يسبق له مثيل، فشعر بها وهي تحرك رأسها بين ذراعيه، فنظر إليها متلهفًا وقال:
_ كيف تشعرين، هل أنتِ بخير الآن؟ أخبريني بماذا تشعرين؟
تفاجأ بنظرتها الغاضبة، نظرة يفوح منها اللوم الصارم، ودفعته بيدها بعيدًا عنها بقوةٍ واهية وقالت:
_ لا تسأل، ليس من شأنك، طالما أنك تخليت عني بهذا الشكل وفكرت بأنانية، فليس لك الحق أن تسأل عما أشعر به.
نظر إليها متعجبًا وقال:
_ أنا آسف حياتي، أعرف أن تلك الخطوة ليست في الوقت المناسب لنا، ولكنها في صالحنا تأكدي.
_ في صالح من؟ في صالحك أنت فقط يا قاسم المثالي، لا تتكلم عني مجددًا لأنك لم تفكر بي وأنت تقرر قرارك هذا.
حاول تهدئتها فأحاط وجهها بكفيه، فأبعدت يديه عنها وصرخت به بجنون:
_ لا تلمسني مجددًا، إياك.. أنت إنسان أناني ولم تفكر سوى بنفسك وبما سيجعلك راضيًا وسعيدًا، لم تفكر بنا أنا وطفلك وكيف أننا بحاجتك هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، أنت انتهيت من حياتنا يا قاسم. طالما أنك لم تجعلنا على رأس قائمة أولوياتك، فنحن لن نجعلك جزءًا من حياتنا أبدًا.
ذُهل قاسم من ردة فعلها وحديثها الذي يشبه الخناجر المسمومة التي تقذفها بوجهه. هم بالحديث، ولكن العسكري أمره بالذهاب معه فورًا. حاول إقناعه أن يمهله بعض الوقت ولكنه رفض، وأخرج الأصفاد وقام بوضعها بيده. حينها نظر قاسم إلى حياة وهو يتحرك قسرًا برفقة العسكري وقال:
_ حياة، عديني أن تعتني بنفسك وأن تسامحيني.. عديني حياة.
نظرت إليه وهو يبتعد عنها ورأسه للخلف ونظره مثبت عليها، وقالت بصوت عالٍ حاد كي يصله بوضوح:
_ أعدك بألا أرى وجهك مجددًا يا قاسم.
***
عودة
خرج مع حارس الزنزانة إلى مكتب المأمور. دخل وكان الزائر كما توقع، سيد أكثم. صافحا بعضهما البعض بحرارة وجلسا، فترك المأمور لهما مساحة لبعض الوقت كي يجلسان بمفردهما.
_ كيف حالك قاسم؟
_ بخير سيد أكثم، لمَ أرهقت نفسك؟
_ لا عليك، جئت لأطمئن عليك وأرى إذا ما كنت بحاجة لشيء.
_ أشكرك كثيرًا، أنا بخير، هل تعرف شيئًا عن أهلي؟ هل لديك أخبارًا عنهم؟
_ لا تقلق الجميع بخير، لقد اتصلت بعزيز وأخبرني أن كل شيء على ما يرام، زوجتك تبقى ببيت والدها وشقيقتك تذهب لزيارتها من حين لآخر، وفي الزيارة الشهرية سيكون عزيز وشقيقتك موجودين لرؤيتك.
أومأ بحزن ظهر جليًا على قسماته، فقال أكثم:
_ قاسم، جلسة الحكم على عنبر كانت بالأمس، في الحقيقة لم أود إخبار عمك وزوجته لأني أعرف حالة عمك الصحية وخشيت أن يتأثر أو ينتكس، ولكنني أخبرت عزيز.
أومأ قاسم مترقبًا ودق قلبه بتوتر بالغ، فقال أكثم بأسف:
_ المحامي الذي وكلته لها أمها لم يستطع الحصول على حكم مخفف للأسف، لقد تم الحكم عليها بالسجن المشدد لمدة خمسة وعشرين عامًا.
أغمض قاسم عينيه بألم وكأنه تلقى صفعةً مدويةً آلَمتْه، وتمتم بقلة حيلة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله.
_ برأيك هل أخبر والديها؟
فكر قاسم للحظات ثم تنهد وقال:
_ من المؤكد أنهما ينتظران الحكم، في المقابل أنا أعرف أن عمي يتوقع ذلك الحكم؛ لذا أرى أنه من اللازم أن يكونوا جميعًا على علم بما حدث، في النهاية لن يخفى عنهما الأمر طويلًا.
أومأ أكثم موافقًا وقال:
_ أنت محق، سأتحدث مع عزيز حول هذا الأمر ونرى ما يمكننا فعله. لدي خبر سار أيضًا، لقد خرج حسان من السجن اليوم.
تنهد قاسم بارتياح وأومأ ثم قال:
_ الحمد لله، لا بد أن صبر سعيد للغاية.
_ أكيد، وأنت أيضًا ستقضي محكوميتك سريعًا وتخرج لتفرح بمولودك وتستقبله على يديك، لا تحمل همًا.
أومأ قاسم مؤكدًا بشبح ابتسامة لاحت على شفتيه، ثم قال:
_ كيف حال سيد حبيب؟ هل علم بأني عدت إلى أرض الملاعب من جديد؟
ضحك أكثم قائلًا:
_ لقد أخبرته بما جرى معك، وهو يشجعك ويحييك على تلك الخطوة الشجاعة، ويقول لك "طالما أنك راضٍ الآن وتستطيع النوم باطمئنان، فتأكد أن ما فعلته هو الصواب، فلا تجعل نفسك الأمارة بالسوء تلومك، وتذكر دومًا أن الحق أحق أن يتبع".
***
في اليوم التالي.
خرجت سارة من شقتها ونزلت الدرج متجهة إلى الخارج، فتفاجئت بقصي الذي يقف ساندًا ظهره على الجدار ويحمل بيديه وردةً حمراء يشم رائحتها. وما إن رآها حتى وقف أمامها منحنيًا في حركة مسرحية وقال:
_ صباحًا شريفًا مولاتي.
ومد يده إليها بالوردة، فالتقطتها وهي تضحك بتفاجؤ وقالت:
_ يا إلهي، ما هذا؟
نظر إليها مبتسمًا واقترب خطوةً وهو ينظر بساعة يده وقال:
_ انتظرك منذ أربعين دقيقة، لماذا تأخرتِ؟ ألم تخبريني أن لديكِ موعدًا في العاشرة؟
أومأت بتوتر وقالت:
_ صحيح، لقد تأخرت لظروف خاصة، علي أن أتحرك حالًا.
همت بالتحرك، فأمسك بمعصمها وقال:
_ انتظري، سأقلك بسيارتي، هيا.
_ لا.. قالتها على الفور وتابعت بتوتر: أقصد لا داعي، السائق سيقلني. عن إذنك.
_ توقفي سارة، لم العجلة؟ ثم أنكِ لم تخبريني ما رأيك في هذه المفاجأة!
هزت رأسها باستفهام وقالت:
_ أي مفاجأة؟
نظر إليها بإحباط وقال:
_ أقول لكِ أني انتظرتكِ لوقت طويل، بالرغم من أن أصدقائي في انتظاري ولكني تجاهلتهم من أجلك، ووقفت على باب العمارة كبائع الحليب منذ الصباح الباكر وقطفت لكِ تلك الوردة ودسست لكِ بداخلها شيئًا هامًا.
نظرت إلى الوردة بيدها وقطبت جبينها وهي تكتشف لأول مرة تلك العلبة الصغيرة بلونها الأحمر. دق قلبها وقد أخبرها حدسها عما بداخلها، فمدت يدها لتفتحتها وهي تنظر إليه وتراه ينظر إليها مبتسمًا وعيناه مثبتتان على خاصتها.
فتحت سارة العلبة فأصابها الذهول عندما رأت خاتم زواج بداخلها، ونظرت إلى قصي الذي لازال متمسكًا بابتسامته وقالت:
_ ما هذا؟!
_ هل تتزوجيني؟
طفقت الدموع تسيل من عينيها وهي تختبر شعورًا غريبًا عليها لأول مرة، شعورًا له مذاق حلو للغاية. ثم نظرت إليه وقالت:
_ لكن..
قاطعها قائلًا:
_ أعرف ما ستقولينه، أعرف أنكِ لا تزالين صغيرة جدًا، سنقيم حفل خطوبة صغير، وبعد أن تبلغي السن القانوني نتزوج. ما رأيك؟
نظرت إليه بتيه وقالت بتخبط وتلعثم:
_ ليس هذا كل شيء، لدي ظروف خاصة أنت لا تعلم عنها شيئًا.
_ أي ظروف هذه؟ بالنسبة لوالدك سأتحدث معه بالتأكيد، وإن لزم الأمر يمكنني أنا أسافر إليه كندا وأطلب يدك منه.
سالت دمعاتها مجددًا بقلة حيلة وعجز، ثم أعطتهُ الخاتم والوردة وهي تفر هاربةً من أمامه وتقول:
_ أنا آسفة، لن أستطيع.
وتركته يقف هائمًا على وجهه، ثم استقلت سيارتها فانطلق السائق فورًا. حينها كان قصي يقف مذهولًا من ردة فعلها الغير مفهومة!
لقد ظن أنها تبادله نفس المشاعر بما أنهما يتراسلان منذ أسبوع تقريبًا بصفة يومية وقام بالتلميح لها لأكثر من مرة ولم يجد منها الصد، فظن أنه قبول. لذا تجرأ وأقدم على تلك الخطوة لأنه لا يحب الطرق الملتوية أبدًا، فقرر عرض الزواج عليها، ولكن ردة فعلها تلك صدمته. فوقف يطالع الخاتم والوردة بتحسر، ثم ابتسم ابتسامة متهكمة وسار نحو سيارته، ثم ألقى الخاتم والوردة على المقعد بإهمال وانطلق في طريقه وهو يفكر ويحاول تخمين السبب في حالتها وتصرفها ذلك.
***
كان حبيب يجلس في الانتظار، على أهبة الاستعداد وهو يخمن من سيأتي لزيارته اليوم، زوجته أم ابنته أم كلاهما معًا. ليتفاجأ بسارة التي دخلت إلى قاعة الزيارة وهي يبدو عليها آثار البكاء واضحة، وفجأة ارتمت بأحضانه وانفجرت في البكاء بشدة وهي تقول:
_ أحتاجك بشدة أبي.
ربت حبيب على ظهرها بحنان وقال:
_ ماذا بكِ حبيبتي؟ ما الخطب؟!
جلس وأجلسها بجواره وهو يضمها إليه ويمسح على شعرها، ثم قال:
_ أخبريني سارة، ماذا بكِ؟ ماذا حدث؟
نظرت إليه وهي تبكي بهدوء وقالت:
_ أنا لست ابنة جيدة أبدًا أبي، أنا سيئة جدًا.
_ لا، أنتِ لستِ كذلك حبيبتي، أخبريني ماذا حدث معك؟
صمتت قليلاً تحاول البحث عن كلمة افتتاحية تبدأ بها مأساتها، ولكنها لم تجد، وكأن الكلمات غابت عنها في تلك اللحظة، فأجهشت بالبكاء وهي تقول:
_ ليتك جواري، أنت غائب وقاسم أيضًا دخل السجن، وأمي حزينة بما يكفي. لا أعرف إلى من سألجأ.
أمسك بذقنها وأرغمها على النظر إليه فقال:
_ حبيبتي، أنا موجود دائمًا، المسافات لم ولن تكون حائلًا بيننا، يمكنك التكلم معي.
نظرت إليه مبتسمة بانكسار، ثم مالت نحوه وقبلت خده وقالت:
_ أنت أعظم أب في الكون، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
_ وأنتِ أعظم ابنة في الوجود سارة، أرجوكي لا تترددي في إخباري بما يشغلك.
_ لا تقلق أبي، أنا بخير، أحيانًا ينتابني شعورٌ بالانهيار مثلما حدث الآن، ولكنني أعود إلى رشدي سريعًا.
_ من رشدي؟! قالها متصنعًا التعجب، فنظرت إليه بصدمة وسرعان ما ارتفعت ضحكاتها، فضحك بدوره وربت على رأسها بحنان وقال:
_ أتمنى أن يرزقني الله العمر المديد لكي أكون السبب في ضحكاتك الجميلة هذه مثلما كنت دوماً السبب في بكاءك.
آلمتها كلماته فنظرت إليه وابتسمت ابتسامة حنونة وقالت:
_ وجودك بحياتي يكفي، مجرد حملي لاسمك خلف اسمي يشعرني بالأمان بابا.
امتلأت عينيه بالدموع واختنق صوته، فحاول أن يخلق جوًا لذيذًا بعيدًا عن البكاء والحزن فقال:
_ لقد ورثتِ أمك يا لصّة يا ماكرة، أمكِ كانت دائمًا تستطيع الإيقاع بي في شباكها بكلماتها المعسولة، وها أنا أرى فتون الصغيرة أمامي.
ابتسمت فابتسم ونزلت دموعاته رغماً عنه، وأخذ يمسح على شعرها وهو يقول:
_ أتمنى أن يرزقك الله حظاً أوفر من حظ أمك، ألا يتعلق قلبكِ بحبيب وينكوي بفقده، أرجو من الله أن يهبك السعادة التي لا يتخللها حزنًا ولا ينزعها فراقًا أبدًا، وأن يهبك قلبًا محبًا صادقًا يكتفي بكِ ولا يكتفي من حبك أبدًا.
كانت كلماته بمثابة بلسم لجروحها، دواءً لقلبها المتألم، دليلاً لعقلها المشتت التائه. كانت هذه هي الزيارة المثلى في الوقت الأمثل.
***
في المساء.
كانت فريال تجلس بالشرفة تتأمل المنظر من حولها، وكلما قفزت صوره إلى رأسها نفضت رأسها برفض وكأنها تطرده بعيدًا.
في تلك اللحظة ارتفع رنين هاتفها، فنظرت به فإذا بها تجده هو من يتصل بها، فتجاهلت الاتصال وأخفضت مستوى الصوت وعادت لحالة الشرود التي كانت عليها مجددًا.
وبعد مرور خمس دقائق تقريبًا، وبعد أن قام الدكتور بالاتصال بها مرات عديدة، استمعت إلى صوت جرس الباب، فنهضت لتفتح وهي تقول:
_ بالتأكيد هذه هي فتون.
فتحت الباب بحماس لتجده يقف أمامها وعلى وجهه أمارات التعب والإرهاق، فقالت بتعجب:
_ أنت؟ ماذا تفعل على باب بيتي في هذه الساعة المتأخرة؟
نظر إليها متعجبًا وقال:
_ أعتذر، ولكنني قمت بالاتصال بكِ مرات عديدة قبل أن آتي إلى بيتك في هذه الساعة المتأخرة ولكنكِ تجاهلتِ مكالماتي.
نظرت إليه بشوق ممزوج بالغضب وقالت بصوت حاد:
_ ماذا تريد مني يا دكتور ممدوح؟ وما سبب كل تلك المكالمات التي تجاهلتها أنا؟
_ ما خطبكِ يا فلة؟ ما سر تلك المعاملة؟
_ اسمي مدام فريال، لا تتعدى حدودك أبدًا.
رفع حاجبيه متعجبًا، وابتلع المسافة بينهما ووقف أمامها مباشرةً وهو ينظر إليها بشوق، فكانت تنظر إليه بشوق مماثل وتتفحص ملامحه عن قرب مهلك وهي تستمع إليه وهو يقول:
_ اشتقتكِ كثيرًا جدًا، أقسم أني اشتقتك بصدق.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
_ من فضلك ابتعد، وجودك هنا لا يصح أبدًا، أنت مجرد جار ليس أكثر.
_ حسنًا. سأصبح أكثر من جار، والآن. هل تتزوجيني يا فلة؟!
نظرت إليه بصدمة كبيرة وأخذت الكثير من الوقت لاستيعابها، ثم نظرت إليه بضيق وقالت بحدة:
_ بالطبع لن أقبل، كيف تجرؤ أن تعرض علي عرضًا كهذا؟
نظر إليها مصدومًا وقال بغضب:
_ وما الذي يمنع؟
_ زواجك. زواجك هو ما يمنع. أنا لن أصبح زوجةً ثانيةً أبدًا.
طالعها باستغراب وقال:
_ زواجي؟ عن أي زواج تتحدثين؟!
_ أرجوك لا تتصنع البلاهة يا دكتور، هيا اذهب صاحبتك السلامة.
_ لحظة يا فلة، أنا لا أفهم شيئًا، على ما يبدو أن هناك سوء فهم علي تصحيحه.
نظرت إليه بغضب أكبر وقالت:
_ وكيف ستصححه؟ هل ستطلقها؟!
_ أطلق من؟ ما هذه الحماقات التي تتفوهين بها؟
_ ليست حماقات يا دكتور، الحماقة فعلًا هي وجودك هنا على بابي وعرضك الزواج علي وأنت متزوج منذ أسبوعين من فتاة أصغر وأجمل مني.
_ ماذا ؟؟؟ ماذا تقولين؟
وفجأة قهقه عالياً، فازدادت وسامته وجاذبيته، فقالت باستياء:
_ ما الذي يضحكك بهذا الشكل؟ من فضلك اذهب من هنا حالًا.
نظر إليها نظرة متلاعبة، وكلما اقترب منها خطوة رجعت إلى الخلف خطوتين، وقالت:
_ هل جننت، ما هذه التصرفات الصبيانية؟
شمل ملامحها المحببة بنظرة سريعة وقال:
_ ألهذا السبب كنتِ تأخذين موقفًا؟ لأنك ظننتِ أنني تزوجت!
ازدردت لعابها بتوتر وقالت بعدم فهم:
_ ظننت؟ ماذا تعني بظننت؟ ألم تتزوج فعلاً؟!
هز رأسه أن لا وهو لا يزال يحاصرها بعينيه ويربكها كما لو أنها فتاة في العشرين من عمرها، فقالت:
_ كيف لا؟ أنت بنفسك أخبرتني أنك ستسافر من أجل حفل زفاف..
قاطعها وقال:
_ ولم أقل أنه حفل زفافي، أنتِ من أسأتِ الفهم.
_ ولكني رأيتك تقف بجوار العروس ملتصقين كهذا بكل حميمية والحب يشع من عينيكما إشعاعًا..
أومأ وهو يضحك وقال:
_ بالتأكيد سيشع إشعاعًا لأنها ابنة أخي وأنا بمقام والدها وأنا من ربيتها كذلك.
نظرت إليه بصدمة وعينين متسعتين، فأومأ مؤكدًا ما قاله وأضاف:
_ نعم فلتي، هذه العروس ابنة أخي وليست عروستي، يا إلهي ما هذا العبث!
_ حقًا؟ أليست عروستك؟
_ لا، أنتِ من ستكونين عروستي يا فلة.
أتم جملته ليتفاجأ بها وقد طوقت عنقه بذراعيها بفرحة وحماس وقالت:
_ يا إلهي أشكرك، أنا أحبك كثيرًا ممدوح، أحبك كثيرًا جدًا.
ضمها إليه بقوة وأردف:
_ وأنا أحبك فلة، سأعتبر هذا العناق الحار إجابة منكِ على سؤالي وأذهب الآن إلى المأذون لتحديد موعد عقد القران.. لا بد أن نتزوج في أسرع وقت يا ذات رائحة الفل.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نعمة حسن
تقف بمكانٍ مظلم، مُوحش للغاية، يُسري الرهبة بنفسها والقشعريرة بأطرافها.
تتلفت يمينا ويسارا بحثًا عنه ولكن لا وجود له، فتحاول الصراخ باسمه والاستغاثة به ولكن صوتها كأنه قد حُجب تماما، وأمام هذا العجز الذي يلفها لم يسعها سوى أن تجثو على ركبتيها وتبكي بحرقة.
وفجأة انبعث صوته من مكانٍ بعيد جدا، ملازما صوت الرعد المخيف الذي أرعبها وجعلها تصم أذنيها من شدة الخوف.
"حياة، أنتِ بخير أليس كذلك؟"
أجابته وهي لازالت تضع يديها على أذنيها وتبكي:
"لا، لست بخير أبدا قاسم، أين أنت؟"
"لا، أنتِ بخير حياتي أشعر بكِ، كوني بخير لأجلي."
انهارت أكثر وصرخت بكل قوتها وهي تتلفت حولها بضياع وتقول:
"أقول أنني لست بخير، لمَ تقرر بالنيابة عني؟ أنا أحتاجك بشدة قاسم أرجوك.."
وجثت على ركبتيها مجددا بانهيار وتابعت:
"أرجوك لا تتركني هنا، أرجوك قاسم."
برز صوته مجددا ولكنه كان بعيدا جدا فكانت تسمعه بالكاد وهو يقول:
"لا تخافي يا حياتي، يا طوق نجاتي، لا يليق بكِ الخوف حياة، أنا دائما أستمد منكِ قوتي وصمودي."
"ولكنني الآن ضعيفة جدا بدونك قاسم، أحتاجك بشدة أرجوك لا تتركني بمفردي."
غاب صوته فجأة فأخذت تنادي بقوة تارة، وتصرخ تارة أخرى، حتى عاد إليها صوته الخافت يقول:
"سنلتقي قريبا حياة، أقرب مما تخيلين، بمجرد أن تفرقي ما بين جفنيكِ ستجدينني أمامك."
"لا، لا تتركني قاسم من فضلك."
"لستِ بمفردك حياة. لا تنسي، بمجرد أن تفرقي ما بين جفنيكِ ستجديني أمامك."
"لا.. لا تذهب قاسم.. قاسم.. قااااســـم."
اختفى صوته تماما تزامنا مع هطول الأمطار بقوة، وهذا ما جعلها تنهض من مكانها سريعا وتختبئ أسفل شجرة ضخمة عملاقة ظهرت أمامها للتو.
جلست أسفل الشجرة لتحتمي بها ريثما تتوقف الأمطار وأسندت رأسها إليها ثم غفت غفوةً قصيرة.
وفجأة انتفضت عندما شعرت بشيءٍ ما يصطدم برأسها فنظرت حولها فإذ بها تجد تفاحتين بجوارها. إحداهما حمراء والأخرى خضراء.
فمدت يدها وأمسكت بكلتا التفاحتين وأخذت تنظر إليهما بحبور وهي تحدث نفسها وتقول:
"يا إلهي، أنا حقًا جائعة."
وهمت بقضم التفاحة الأولى ولكنها فوجئت بوالدها واقفًا أمامها ويقول:
"لا تفعلي."
نظرت إليه بتعجب فقال:
"هما لَيستا للأكل، وإنما للزينـة!"
نظرت إليه بتعجب واستفهام وقبل أن تتسائل عن مقصده كان قد اختفى فجأة كما ظهر فجأة.
وفجأة فتحت عينيها ليتخذ منها الأمر وقتًا حتى استوعبت أنه كان مجرد حلم ليس إلا.
اعتدلت حتى جلست وأسندت رأسها على ظهر الفراش وبدأت تنظر حولها وهي تسترجع أحداث المنام الذي رأته ثم همست بإحباط:
"ها قد فرقتُ ما بين جفنيَّ ولم أجدُك يا قاسم الكذاب."
غص قلبها واختنقت العَبـرات بعينيها، ثم وأدت دمعةً بمحجرها وفاءا منها بوعدها لنفسها ألا تذرف عليه دمعة واحدة مجددا، ثم حمحمت لتجلي حلقها و عقصت شعرها كعكة استعدادا منها للنزول من الفراش والتوجه إلى الحمام.
ولكنها توقفت فجأة ومدت أنفها للأمام وهي تقطب حاجبيها بتعجب وتقول:
"ما هذا؟! ما هذه الرائحة! أشم رائحة تفاح قوية جدا تتغلغل إلى أنفي."
وفي تلك اللحظة ومض عقلها بمشهد الشجرة والتفاحتين اللتين رأتهما بمنامها فازدادت حيرتها وبدأت تحدث نفسها وتقول:
"هل هي صدفة أن أرى التفاح بمنامي وأشم رائحته بيقظتي؟! أم أنه فصل جديد من فصول الـوِحام التي لا تنتهي؟! وهل رائحة التفاح هذه حقيقية أم أن الجائع يحلم بسوق الخبز!"
وانحنت تحدث جنينها وهي تمسد بطنها برفق وتقول:
"أم أنك أنت من تشتهي التفاح يا صغيري؟ إن كنت تشتهيه سألبي رغبتك حالا. لقد قطعت وعدا على نفسي أن ألبي كل حاجاتك حتى لو خالفت حاجاتك رغبتي، أنت أولا وأخيرا ودائما يا حبيبي."
فتحت حقيبتها وأخرجت منها دفترها الخاص الذي تدون به رسائلها اليومية إلى قاسم وبدأت تكتب:
"إليك يا قاسم الكذاب الحنون.. اشتقتك كثيرا. اشتقت لعناقك وقبلاتك ورائحتك التي كنت أنفر منها مؤخرا، اشتقت لرائحة عطرك الممزوجة برائحة سجائرك التي كانت تُسكرني وتجعلني فريسة سهلة لك كما كنت تخبرني دوما، اشتقت لوجودك بقربي حبيبي، إلى كلمة حياتي، كهرمانة، اشتقت لرائحة أنفاسك بالقرب مني، لا أعرف كيف ستمضي الستة أشهر اللعينة تلك، الساعات تمضي ببطء وكأنها أعواما طويلة، لا أظنني سأبقى وفية لوعدي طويلا، أعتقد أنني سأنقض وعدي وآتي إليك هرولةً كي أنعم بدفء عناقك ولو لثوانٍ قليلة، أحتاج لتلك الثواني أكثر مما تتخيل.
اليوم رأيتك بمنامي، لا، لم أرك. سمعت صوتك فقط. أخبرتني أنني سأجدك بجواري بمجرد أن أفتح عيناي ولكنك كذبت عليّ، ها أنا أجلس بمفردي أفتقدك. لن تصدق ما الذي رأيته بمنامي أيضا! كنت أجلس أسفل شجرة عملاقة، وكأنني كنتُ أكتشف الجاذبية، وفجأة سقط على رأسي تفاحتين إحداهما حمراء والأخرى خضراء، وعندما هممتُ بأكلهما منعني أبي وأخبرني أنهما للزينة. لا أعرف أيُ تفاح للزينة هذا، لا أعرف سوى التفاح الحرام والذي أشاهده يوميا كي أجدُ سببا مقنعا للبكاء لأني أرفض أن أعترف أمام نفسي أنني أبكي شوقا إليك.. ولكن الحقيقة المؤلمة أنني أشتاقك فعلا قاسم، أشتاقك يا مُعذبي الجميـل"
أغلقت الدفتر، ثم أعادته حيث كان بحقيبتها، ثم نهضت من السرير وخرجت من غرفتها قاصدةً الحمام ولكنها توقفت فور أن استمعت لصوت جدال حاد بين والديها وكأن القيامة قد قامت بغرفتهما فأسرعت نحوهما على الفور.
"أنتِ لا تفهمين أبدا، من أعطاكِ الحق كي تصرفيها بتلك الطريقة قليلة التهذيب؟ من سمح لكِ بهذا؟"
هكذا هتف صالح بغضب وانفعال وهو يوجه أصابع الاتهام العشرة نحو صفية التي تقف أمامه متخصرةً بيديها وقد ثارت ثائرتها وجن جنونها تماما فقالت:
"أنا من سمحت بذلك. لقد انتهى دورها ولم نعد بحاجتها، أساسا أنا لم أرحب بوجودها من الأساس ولكني اضطررت إلى القبول نزولا عند رغبتك أنت ولأنك كنت تمنعني من خدمتك وتمريضك. ولكن الآن الوضع قد اختلف. أنت تتعافى تدريجيا والحمد لله ولم نعد بحاجتها. ثم أن طبيب العلاج الطبيعي أكد أنه من الضروري أن تزاول بعض الأنشطة بمفردك ودون حتى الاعتماد عليّ. برأيك ما الداعي للإبقاء عليها هنا؟!"
نظر صالح إلى حياة التي تراقب المشهد دون تدخل وقال:
"أرأيتِ حياة؟ أمك الحنونة قد طردت الممرضة التي أتت إلى بابنا خصيصا لمراعاتي دون حتى الرجوع إليّ."
نظرت صفية إلى حياة كذلك وقالت باندفاع غاضب:
"لم نطلب منها أن تأتي مجددا، لقد طلبت إجازة لمدة أسبوع لظروف طارئة وخلال هذه الفترة هاتفتها و أخبرتها أننا قد استغنينا عن خدماتها، لماذا أتت مجددًا ووضعت نفسها بذلك الموقف المخجل إذًا؟!"
كان صالح على وشك ضرب رأسه بالحائط من ورائه من شدة انفعاله وغضبه الذي بلغ مبلغه وأخذ يستغفر محاولا التنفيس عن غضبه لكي لا يصاب بجلطة جديدة غير التي لم يتعافَ منها بعد.
بينما صفية قد انطلق لسانها على آخره وطفقت تكيل له الاتهامات وتقول:
"من البداية ومنذ اليوم الأول الذي رأيتها به هنا وأنا أشعر من نظراتك أنك معجب بها."
نظرت إليها حياة بصدمة وتمتم صالح بقلة حيلة:
"أستغفر الله العظيم."
"مثلما رأيت بعينيها نظرات الإعجاب والتقدير نحوك والرغبة في التودد والتقرب إليك بأي وسيلة ولكنني كنت أقف لكما بالمرصاد دوما وأقطع عليكما الطريق."
ردد صالح بصوت أعلى وبنفاذ صبر:
"أستغفر الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله."
"لقد أنقذت بيتي من الخراب سيد صالح، و أنقذتك كذلك من الوقوع في براثن هذه الماكرة صائدة الرجال التي كانت تتحيّن الفرصة المناسبة للإيقاع بك."
كتمت حياة ضحكاتها بصعوبة بينما كان صالح يدلك صدره بتعب وهو يقاوم كي لا يستسلم لأعراض الذبحة الصدرية التي تقترب منه لا محالة، ويشغل لسانه بالاستغفار محاولا الالتهاء عن ثرثرتها وطنينها فوق أذنيه بكلامها الفارغ هذا.
"من المفترض أن تشكرني لأنني زوجة أصيلة تحافظ على بيتها وزوجها وتقف في وجه النساء الماكرات مثلها."
نظر صالح إلى حياة بعجز وقلة حيلة وكأنه يستنجد بها كي تنجده من لسان أمها السليط الذي سيودي بحياته فتحركت فورا نحو أمها وقالت بلطف:
"كلنا نشكرك أمي، ولكن من فضلك أنا أحتاج للحديث مع أبي الآن بصفة ضرورية."
نظرت إليها والدتها بحنق وقالت:
"ولكنني لم أكمل حديثي مع والدك بعد."
"أعرف، ولكن ما أحتاج لقوله الآن أهم من حديثك عن خاطفة الرجال ومحاولاتها المستميتة للإيقاع بأبي في شباكها؛ لذا من فضلك أمهلينا بعض الوقت."
تنهدت بضيق وقالت:
"هل هو حديثا خاصا؟ أنا أمك إن كنتِ نسيتِ ولست أم الجيران."
هنا صدح صوت صالح الذي قال متهكما بغضب:
"من حسن حظهم."
نظرت إليه صفية بصدمة و كانت بصدد توجيه ردا ناريا نحوه ولكن حياة تدخلت وقالت وهي تحاول تلطيف الجو بينهما واستمالة عطفها:
"أبي يقصد من حسن حظنا نحن، أرجوكِ لا تغضبي، هيا أمي من فضلك أشتهي التفاح كثيرا، أرجوك اذهبي واشتري من أجلي."
"ولكن التفاح موجود بالمطبخ."
"هذا أحمر، أريده أخضر من فضلك."
نظرت إليها أمها بحنق وقالت باستهجان:
"لا داعي لكل هذه المراوغة يا ابنة صالح، على كل حال كنت سأنصرف."
خرجت صفية بعد أن شملت صالح بنظرة صارخة مليئة بالتحدي والتحفز، فأغلقت حياة الباب وتنهدت بتعب، ثم تقدمت من والدها وهي تضحك وجلست بجواره فقال:
"أتضحكين؟ ستصيبني بجلطة جديدة أقسم لكِ."
ربتت حياة على يديه وقالت:
"أعوذ بالله، سلمك الله من كل أذى يا أبي. أتعرف؟ لأول مرة أرى أمي تغار كبقية النساء!"
"تغار؟ وهل هذا الجنون يسمى غيرة؟"
أومأت بتأكيد وقالت:
"بالطبع غيرة، صدقني أبي أنا أفهم أمي جيدا لأنني شعرت بنفس الشعور سابقا وأعرف كيف تكون حالة المرأة عندما تغار على رجلها."
وأسقطت رأسها أرضا وهي تتذكر اليوم الذي شعرت فيه بالغيرة على قاسم عندما رأته يبتسم لتلك الممرضة واشتعلت النيران بقلبها.
فطن والدها سبب الصمت المفاجئ الذي اجتاحها وربت على وجنتها بحنان وقال:
"لا تتجاهلي مشاعرك يا حياة، لا تتجاهلي رغبتك في البكاء، ابكي."
وكأنها كانت تنتظر منه الضوء الأخضر لكي تفعـل؛ فانخرطت في نوبة بكـاء عاتيـة وأخذت تشهق وتبكي بلوعة، ثم ارتمت على كتف والدها وأخذت تنتحب بقوة وهي تقول:
"أشتاقه كثيرا أبي، كنت قد عاهدتُ نفسي ألا أشتاق إليه أو أفكر به ولكن العكس تماما هو ما يحدث. لم أستطع التوقف عن التفكير به أبدا ولو للحظة، أحتاجه بشدة."
كان صالح يشعر بتمزق نياط قلبه حزنًا على حالة ابنته تلك، مد يده يمسح بها على شعرها وقال:
"سيمضي ويزول يا حياة، الحمد لله كل ما في الأمر ستة أشهر وليس ست سنوات. سيمرون صدقيني وعندما يخرج وتأنسي بوجوده من جديد ستشكرينه على هذه الخطوة وتوقنين وقتها أنه قام بها في الوقت المناسب تماما."
نظرت إليه بتعجب فأومأ مؤكدا وقال:
"أعرف أنها فترة صعبة، وأنكِ تحتاجين لوجوده بجوارك بشدة، ولكن تخيلي الأمر بعد سنة مثلا؟ أن يترك طفله وزوجته ويسلم نفسه، كيف ستكون حالتك أنتِ وطفلكما في ظل غيابه؟ كيف سيكون حاله هو وقد ترك طفله وحُرِم منه كل تلك المدة؟ على الجانب الآخر عليكِ ألا تكوني أنانية وأن تفكري بالطفل البرئ صبر، ما ذنبه أن يُحرم من أبيه كل تلك المدة بدون أي وجه حق؟ فكري لو أنه لاقدر الله ساءت حالته مجددا أليس من حقه أن يكون والده بقربه، فكري أيضا بحسان، أليس من الظلم أن يُسجن على ذمة قضية وهمية ويعاقب على تهمة لم يرتكبها ويبقى بالسجن ريثما يقرر زوجك الاعتراف في الوقت الذي يراه مناسبا؟ من يضمن أنه لم يكن ليموت بالسجن!! من يضمن أن لو كان قاسم انتظر الوقت المناسب لكما للاعتراف بما فعله أن يكون هذا هو الوقت الصائب فعلا لحسان وولده؟ لا يصح إلا الصحيح حبيبتي، لا تتركي زمام الأمور لقلبك أبدا لأنه سيضلك في أغلب الأحيان، ولكن دعي الأمر لعقلك وأنا أثق أنكِ حينها ستجدين أن ما فعله زوجك عين العقل."
أومأت حياة بموافقة عن اقتناع تام بما قاله والدها وإقرارا منها بأن كل حرف قاله صحيحا فعلا، فقبّلت يده بامتنان ومسحت دمعاتها وهي تقول:
"أشكرك كثيرا أبي، من حسن حظي أنك أبي."
ابتسم صالح بحب وربت على يدها وقال:
"ومن حسن حظي أنكِ ابنتي يا حياة. هيا أخبريني. هل حفيدي يشتهي التفاح فعلا أم أنها ذريعة لصرف والدتك؟"
ضحكت وقالت:
"لا ليست ذريعة، أنا فعلا أشتهي التفاح، على ذِكر التفاح لقد رأيت مناما غريبا يا أبي، والأغرب هو ما قلته لي في النهاية."
نظر إليها مستفهما وقال:
"خيرا إن شاء الله؟ ماذا رأيتِ وماذا قلتُ لكِ؟"
قصت عليه حياة منامها بالتفصيل بدايةً من حوارها مع قاسـم وصولا إلى جلوسها تحت الشجرة وسقوط التفاحتين بجوارها وما قاله والدها لها.
"أَليس غريبا ما قلته يا أبي؟ ماذا يعني أنهما للزينة؟!"
ظل والدها صامتًا للحظات طويلة وهو يراجع ما قالته بذهنه وعلى محياه ارتسمت ابتسامة جميلة، ثم نظر إليها مبتسما بانشراح وقال:
"المال والبنون زينة يا ابنتي، والتفاحتين اللتين سقطتا على رأسك هما أولادك إن شاء الله."
نظرت إليه بتعجب وسرعان ما انفرجت أساريرها واتسعت ابتسامتها بسعادة مفرطة وقالت:
"أولادي؟! هل تقصد أنني حامل بتفاحتين، أقصد بتوأم؟!"
ضحك وهو ينظر إليها بحنان ثم قال:
"العلم عند الله، ولكنني أميل إلى ذلك التفسير إن شاء الله."
شردت قليلا وتذكرت حديثها مع قاسم عن احتمالية إنجابها لتوأم وكيف أنها فزعت لمجرد التخيـل. فنظر إليها والدها مبتسما وأشفق على حالها ثم ربت على وجنتها وقال:
"لا تفكري كثيرا حبيبتي، ليفعل الله خيرا."
نظرت إليه مبتسمةً بهدوء وأومأت بموافقة ثم قالت:
"إن شاء الله، سأذهب لأتناول فطوري."
وانسحبت بصمت، ثم عادت إلى غرفتها وأوصدت الباب خلفها ثم عادت إلى فراشها وارتمت فوقه من جديد، شاخصةً ببصرها بعيدا وبالها مشغولا بالتفكير في المنام الذي رأته وتفسير والدها له.
"توأم؟! أيعقل؟! يا إلهي أيعقل أن أكون حاملا بتوأم فعلا؟ غير معقول."
التقطت هاتفها على الفور وقامت بالاتصال بحنان التي سرعان ما أجابتها وقالت:
"صباح الخير حياة."
"صباح الخير حنان، اتصلت بكِ لأنني لدي استفسارا هاما."
"تفضلي."
"هل يمكن أن أكون حاملا بتوأم؟!"
صمتت حنان للحظات بحيرة، ثم أجابت بتفكر:
"كل شيء جائز حياة، ولمَ لا تكونين، ولكن.. صراحةً لا أعرف.. أقصد ما أدراني؟!"
"ما أقصده هو أن من المفترض أن يكتشف الطبيب أنني حامل بتوأم لو كان هذا الأمر صحيحا أليس كذلك؟"
"بلى، ولكن ليس ضروريا أن يكتشف الأمر منذ البداية على حد علمي، أعرف جارة لم تكتشف حملها بتوأم إلا في مرحلة متقدمة جدا من الحمل."
انفرجت أساريرها وقالت ببهجة:
"هذا يعني أن هناك احتمالا أن أكون حاملًا بتوأم!"
قطبت حنان حاجبيها بتعجب وقالت:
"كل الاحتمالات واردة ولكني لا أفهمك، هل تتمنين توأما؟!"
صمتت قليلا ثم أجابت:
"الأمر ليس كذلك، على كل حال أود زيارة طبيبي اليوم وهناك سأشرح لكِ."
"حسنا."
"كيف حال كريم؟ ألا يشتاقني أبدا هذا النذل؟!"
تنهدت حنان بثقل وتردد، ثم قالت وقد بدا الضيق جليًا على صوتها:
"حياة، المحامي أخبر عزيز أنه قد تم الحكم على عنبر بالسجن المشدد لمدة خمسة وعشرون عاما."
كممت حياة فمها بكفها تكتم شهقةً انفلتت بحسرة، وأجهشت بالبكاء بلا توقف، ثم قالت:
"يا أسفي عليكِ يا عنبر، لا يعقل، هذا الحكم ليس عادلا أبدا. ما رأته عنبر بحياتها ليس قليلا أبدا، هذا ليس إنصافا بالمرة."
أطلقت حنان زفرة طويلة متألمة وأردفت:
"حياة، لا أود إزعاجك ولكن إحقاقا للحق أقول أن لو المحامي وجدي هو من تولى القضية كان من المؤكد أنه سينجح في الحصول على حكم أخف من هذا، الجميع يقولون أن المحامي الذي وكلته زوجة عمي محامٍ فاشل."
أسندت حياة جبهتها على يدها وقد بدأت تشعر بالألم يفتك برأسها وقالت وهي تحاول التوقف عن البكاء دون جدوى:
"أساسا أمي هي سبب كل شيء.. يا أسفي عليكِ يا عنبر، تجرعتِ كل أنواع الظلم في وجود عبدالله، وبدلا من أن تتخلصي من ظلمه وجبروته وحقارته تخلصتِ من حريتك وحكمتِ على نفسكِ بالمـوت البطيء."
"حياة، لقد طلبت من عزيز أن يُرجئ موضوع إخبار عمي بهذا الخبر لأننا نخشى أن تسوء حالته مجددا، وأرى أنه من الأفضل ألا تخبري أمك الآن لأنها بالطبع ستخبره."
"للأسف حنان، أبـي ينتظر الحكم بفارغ الصبر، وانتظاره هذا ليس في صالحه أيضا لأنه يعيش تحت الضغط النفسي والعصبي طوال الوقت ويفكر مليًا في مصير عنبر.. لذا علي أن أخبره في أقرب وقت. ولكني لا أعرف كيف سأخبره بهذا الخبر.. لا أعرف كيف سأقف أمامه وأنظر بعينيه وأنا أبلغه أن عنبر عوقبت بخمس وعشرين سنة. الأمر ليس هينًا أبدا."
في هذه اللحظة انفرج الباب فجأة وظهرت صفية من خلفه وهي تنظر إلى حياة بذهول وتقترب للداخل وهي تقول:
"ماذا؟ ماذا تقولين؟!"
نظرت إليها حياة بصدمة وأبعدت الهاتف عن أذنها تلقائيا وهي تنظر إلى أمها التي تدنو منها بهدوء يسبق العاصفة وتردد بغير تصديق:
"كم سنة؟ خمسٌ وعشرون سنة؟"
وفجأة صرخت وبدأت تلطم خديها بانهيار وهي تقول:
"لااا، لا يمكن، آاااهٍ يا عنبر.. يا أسفي على شبابكِ يا ابنتي، يا ويلي على ما نزل بكِ يا حبيبتي."
نهضت حياة من فراشها واقتربت منها وهي تحاول إحاطتها بذراعيها لمواساتها وتقول:
"اهدئي أمي من فضلك، ستفقدين وعيك."
دفعتها صفية بعيدا عنها بلا مراعاة وقالت وسط انهيارها:
"ليحدث ما يحدث، هل تهتمي فعلا؟ كل ما حدث لأختك بسبب زوجك الخسيس، أختك ستتعفن وتموت بالسجن بسببه.. حسبي الله ونعم الوكيل في زوجك الحقير، لا أراه الله راحةً أبدا وحرمهُ نور عينيه كما حرمني ابنتي."
تلقت حياة هذه الكلمات بذهول شديد؛ ذهول جعلها تتسمر مكانها وهي تشعر بدبيب ضربات قلبها الذي يكاد أن يشق صدرها من قوة وعنف نبضاته، حتى أنها شعرت أن كل ما يحدث أمامها الآن وهمًا من نسج خيالها وأن ذلك المشهد ما هو إلا مشهدا هلاميا ليس إلا.
خارت قواها فجلست مجددا على الفراش وأخذت تتابع رد فعل أمها الهيستيري وهي تردد أقسى الدعوات على قاسم مما جعلها تشعر بالنفور واقشعر بدنها فوضعت كفيها على أذنيها وأغمضت عينيها وهي تحاول عبثا أن تهرب من هذا الموقف الرهيب فإذا بوالدتها تنزع يديها من على أذنيها بكل قوة وهي تنظر إليها بغضب جامح وتقول:
"لا تصمي أذنيكِ، لا بد أن تسمعي جيدا ما أقوله وتقحميه إلى عقلك الغبي هذا، زوجك هذا شيطان، شيطاااان، خطط ونفذ كما يحلو له ونجحت كل مخططاته من حسن حظه، حتى هذه التضحية والموقف البطولي الذي قام به مع حسان ليس نبلًا منه، أقسم لكِ أنه يدبر شيئا آخرا له أقسى وأحقر، أخرجه من السجن كما فعل تماما مع عبدالله كي يتلاعب به كيفما يشاء، ونسيبه عزيز القذر يد الشيطان اليمنى هو من سيساعده في ذلك، مصير حسان سيكون نفس مصير عبدالله ومصير أختك سيكون نفس مصيرهما."
ثم صمتت للحظات تلتقط أنفاسها ثم تابعت بحزم والشرر يتطاير من عينيها:
"لقد حاولت إعطاءه فرصة من قبل لأجلك، ولكن بعد ما حدث فلن أنظر بوجهه أبدا، والآن هي فرصتك الأخيرة يا حياة، إن لم تطلبي الطلاق منه فلن تكوني ابنتي وسوف أُشهد الله أني بريئة منكِ إلى يوم القيامة."
خرجت صفية من الغرفة ولم تدخل إلى غرفة صالح لأنها تعرف أن تعقيبه لن يروقها أبدا، بل ارتدت عباءتها وخرجت من البيت متجهة إلى بيت عزيز.
بمجرد أن استمعت حياة إلى صوت الباب ارتدت ملابسها وجمعت أغراضها ثم خرجت من غرفتها نحو غرفة والدها الذي كان يجلس ممسكًا بمصحفه يقرأ فيه وهو يبكي بشدة.
اقتربت منه فانتبه لوجودها، وضع المصحف بجواره ثم نظر إليها ومن ثم إلى حقيبتها وقال:
"إلى أين أنتِ ذاهبة يا حياة؟"
"إلى بيتي يا أبي، أنا وأمي لن يسعنا مكانا واحدا من الآن فصاعدا."
نظر إليها بقلة حيلة وكفكف دمعاته وقال:
"لا تذهبي يا حياة، تعرفين أنها قالت ما قالته بسبب حزنها على عنبر، ابقي بجوارها."
"أعتذر منك أبي، لن أستطيع الخضوع لابتزازها أبدا، لا يمكنني التغاضي عن دعواتها القاسية والغل والكره الصريحين إلى زوجي، مهما كان موقفي منه ولكنني لن أقبل بإهانته أبدا."
"أنا أعتذر لكِ بالنيابة عنها يا حياة، لا يمكنكِ تخيل صدمتها وشعورها الآن، إلتمسي لها العذر."
"أنا من أعتذر منك يا أبي، هذه الفترة التي أمر بها صعبة ومجهدة للغاية، تستنزف كل طاقتي وتحملي، بالكاد أتعايش وأحاول جاهدةً لكي أتكيف مع ظروفي، لذا لن يكون بمقدوري أبدا تحمل أمي أيضا، أرى أنه من الأفضل أن أبتعد لأنها كلما رأتني ستتذكر زوجي وما فعله."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، وكيف ستعتني بنفسك بمفردك؟ ثم أننا بانتظار حلول الشهر الكريم، هل ستقضينه بمفردك؟ هذا لا يصح أبدا."
اقتربت منه وقبلت وجنته وقالت بابتسامة منكسرة:
"لا تقلق أبي، سأكون بخير، ثم أنني أثق أن دعواتك الطيبة سترافقني أينما ذهبت."
ودعها صالح بنظرات منكسرة حتى غابت عن عينيه واستمع إلى صوت باب الشقة فأطلق العنان لدموعه وأخذ يبكي ويشهق بقهر وهو يردد:
"اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه."
***
كانت سارة تجلس بذلك المكان الذي اعتادت الجلوس به بعيدا عن ضجيج المقاهي المزدحمة والأماكن التي تعج بالناس من كل الأعمار والفئات.
تمسك بيديها كوبا من القهوة المثلجة تحتسيه على مهل، شاردةً تفكر في حوارها الأخير مع قصي، وكيف تنصلت من الإجابة وأخفت الأمر ككل مرة بالرغم من عقدها النية أنها ستخبره بحقيقة الأمر ولكنها تتراجع.
"كم أنتِ جبانة يا سارة، والدك ليس مجرما، وليس كل مسجونا مجرما، لا ينبغي أن تخجلي منه وكأنه مدعاةً للخزي والعار، أنتِ أشجع من هذا."
أومأت وكأنها تؤكد لنفسها صحة قرارها هذا بل وتشجع ذاتها لكي تتحلى بأكبر قدر من الجرأة والشجاعة حتى تتم هذه المهمة سريعا.
"سأذهب إلى البيت حالا، بالتأكيد سيكون بانتظاري، لن أهرب منه هذه المرة، سأقف أمامه بكل جرأة وأخبره بالحقيقة كاملة وبعدها له حرية القرار، إن كان يحبني حقا فلن يهتم بالأمر كثيرا، وإن لم يتقبله وصرف نظره عن عرض الزواج فلن أخسر كثيرا. رد فعله هو من سيحسم الموقف."
التقطت حقيبة يدها ونهضت لكي تغادر ولكنها تفاجئت عندما رأته يدخل المقهى وبرفقته عددا من رفاقه.
نظر إليها مبتسما وللعجب لم يندهش أو يتفاجأ فأدركت أنه كان يعلم بوجودها هنا وتأكدت من ذلك عندما تقدم نحوها مبتسما ابتسامته الساحرة المتألقة وقال:
"كنتِ تنوين الهرب؟"
قطبت حاجبيها بتعجب ورددت:
"الهرب؟!"
أومأ مؤكدا وأردف:
"الهرب الذي تنجحين فيه كل يوم. ولكن يؤسفني أن أخبرك أن لا مفر مني، كل الطرق تؤدي إليّ يا سارة."
اهتز قلبها وابتلعت ريقها بتلعثم فنظر إلى النادل الذي التقط الإشارة فورا وقام بإطفاء الضوء وأشعل بدلا منه ضوءا خافتا رومانسيا، ثم قام بتشغيل موسيقى هادئة. كل هذا وسط اندهاش سارة التي توجهت نحوها كل الأنظار.
في تلك اللحظة أخرج قصي نفس الخاتم من جيبه وأعطاه لها وهو يقول مبتسما:
"كان من المفترض أن أجثو على ركبة واحدة وأقدم لكِ الخاتم كي يكتمل المشهد ولكن اعذريني، وقاري يمنعني من القيام بهذه الحركة الاستعراضية."
واقترب خطوةً وأردف:
"هل تتزوجيني سارة؟"
نظرت إليه بصدمة وكأنها تتلقى هذا العرض منه للمرة الأولى، احتقن وجهها بالدماء وشعرت بجبينها يتصبب عرقا وهي تنظر إليه وقد تاهت الأحرف من على شفتيها. ولما امتنعت عن الكلام نظر قصي إلى أصدقائه وقال بصوت مرتفع:
"حسنا يا رفاق، سأفعل ما أحضرتكم من أجله، أردت أن تكونوا جميعكم حاضرين هذه اللحظة، لأن هذه اللحظة ستكون لحظةً فارقةً بكل تأكيد."
ونظر إليها مجددا وأمسك بيدها وهو ينظر إلى رفاقه وقال:
"أقر أنا وبكامل قواي العقلية أني قد وقعتُ في حب جارتي المتمردة الآنسة سارة حبيب.. ابنة رجل الأعمال الكبير السيد حبيب أبو المكارم. وأقول لها أمامكم أني لن أرضى بغيرها بديلا أبدا، ولن أيأس ولن أتراجع مهما كانت الظروف."
ثم وقف أمامها ونظر إلى عينيها مباشرةً وقال:
"ألا أستحق منكِ فرصة لكي أثبت لكِ مدى عشقي يا مدللتي؟"
أحست بالبرودة تسري في أطرافها وجف حلقها من فرط التوتر.
"حسنا، لا داعي للكلام، يقولون أن الصمت علامة الرضا."
قالها قصي بفرحة ونظر إلى رفاقه والحضور جميعا ثم قال بابتسامة مبتهجة:
"وأخيرا نلتُ موافقتها، صحيح أنها لم توافق ولكنها لم ترفض أيضا وهذا في حد ذاته إنجازا، تعرفون خجل الفتيات بالطبع."
تعالت ضحكات الحضور وهمساتهم حيث أبدوا جميعا إعجابهم بهذا العرض الرومانتيكي عندما صفقوا تصفيقا حارا وارتفع صفير الشباب مشجعين لصاحبهم الذي بدت عليه علامات السعادة والسرور وهو يقول:
"وبمناسبة هذا الخبر السار وددت مشاركتكم الفرحة جميعا؛ المقهى تحت أمركم وجميع الطلبات مدفوعة."
حيّاه الجميع بامتنان وتمنوا لهما السعادة فنظر إلى ساره التي لم تتخلص من ذهولها بعد وقال:
"ونحن أيضا لا بد أن نحتفل.."
"كفى."
قالتها وهي تسحب يدها من بين قبضته عنوةً وغادرت المكان مسرعةً دون أن تلتقط حقيبة يدها مما أثار دهشة قصى وتساؤلات الجميع، فأخذ قصي الحقيبة ولحق بها فورا ليجدها تقف بصدد استدعاء إحدى سيارات الأجرة فأمسك بذراعها يجذبها نحوه وهو يقول:
"ما خطبكِ سارة؟ ما الذي بدل حالكِ هكذا؟!"
نظرت إليه بغضب جامح وقالت:
"ما خطبك أنت؟ ما فائدة هذا العرض المسرحي الذي قمت به قبل قليل؟ كيف تضعني بهذا الموضع المحرج؟"
"أي موضع محرج؟ ماذا تقصدين؟"
زفرت مطولا وهي تحاول استلهام الصبر والهدوء ثم نظرت إليه وقالت:
"الأمر ليس بتلك البساطة قصي، أنت لا تعرف عني كل شيء."
"بلى، أعرف عنكِ كل شيء، اسمك سارة حبيب أبو المكارم، تبلغين من العمر سبعة عشر عاما وبضعة شهور، ستلتحقين بالجامعة العام المقبل، والدك رجل أعمال مشهور ويعيش في كندا، ووالدتك سيدة فاضلة جدا.."
انفلتت ضحكاتها بتهكم وسخرية مبطنة فأضاف ضاحكا:
"كُدتُ أنسى، أنتم تقطنون بنفس بنايتنا."
وضحك على أمل أن ينجح في إضحاكها ولكن العكس تماما هو ما حدث؛ رآها وقد انهارت وأخذت تبكي بقوة فقال بصدمة:
"سارة، ما سبب بكاءكِ؟ ما الخطب؟!"
نظرت إليه طويلا وهي تحاول استعادة رباطة جأشها وشجاعتها ثم قالت:
"والدي ليس مسافرا ولا يعيش في كندا.."
صمتت تراقب ردة فعله فرأته وقد قطب جبينه باستغراب فقالت:
"والدي بالسجـن!"
تجرد وجهه من الانفعالات تماما ونظر إليها بجمود، وما لبث أن استوعب الأمر نظر إليها بذهول وقد فشل في إخفاء صدمته واستياءه وقال:
"ماذا؟ في السجـن؟!!!!"
كورت قبضتيها وهي تحاول استجماع كل قوتها في هذه اللحظة وأومأت بموافقة وأردفت:
"نعم، ولا زال لديه سبع سنوات كاملة حتى تنتهي محكوميته."
ازدرد ريقه بتوتر، ثم نظر إليها وهو يخشى إجابة السؤال الذي سيسأله ولكنه سؤالا مصيريا من وجهة نظره فقال:
"ما هي تهمته؟"
أغمضت عينيها للحظات وزفرت زفرةً طويلة تخفف بها الضغط الواقع عليها ثم قالت:
"قتـل!"
اتسعت حدقتيه بصدمة وذهول، بينما سارة كانت تنظر إليه بأمل وترقب، تأمل أن يزول ذهوله سريعا وأن يتجاوز الأمر ببساطة ويخبرها أن هذا الأمر لن يكون عائقا بينهما، ولكن على ما يبدو أن هذا مجرد وهم!
ظلت واقفة أمامه للحظات لم يتخطَ فيها صدمته وظل على جموده، فمسحت دموعها بهدوء وابتعدت عنه خطوات ثم استوقفت سيارة أجرة، لآخر لحظة كانت تأمل أن يمنعها من ركوب السيارة ولكنه لم يحرك ساكنا فاستقلت السيارة وهي تبكي بلوعة الحب والخذلان.
***
كانت حنان تقف بالمطبخ وبرفقتها كريم الذي يساعدها في إعداد البيتزا كما طلب منها وهما يتحاوران فقالت:
"هل أنت مستعد للصيام هذه السنة يا كيمو؟ أنت لم تعد طفلا ضعيفا، بل أراك أصبحت رجلا قويا ويمكنك صيام اليوم كاملا."
نفخ عضلاته بحماس وقال:
"بالطبع سوف أصوم اليوم كاملا، كم يوم بقي على حلول شهر رمضان؟"
"أسبوع فقط."
فرك يديه بحماس ثم قال:
"وهل صبر أيضا سيصوم؟"
أجابته وهي تفرد العجين وتنظر بعيدا بشرود:
"لا، حالته تمنعه من الصيام لأنه يتناول العديد من الأدوية على مدار اليوم، ولكن في العام المقبل إن شاء الله سيكون قد تعافى وأصبح باستطاعته الصوم."
"وهل في العام المقبل أمي ستكون موجودة؟"
نظرت إليه بتفاجؤ ثم حاولت رسم الإبتسامة على شفتيها وهي تقول:
"إن شاء الله."
لم يبدُ أنه اقتنع بإجابتها أو أن تلك الإجابة المقتضبة كانت شافيةً بالنسبة له، ولكنه تجاوزها وسأل مجددا:
"وهل سيكون عمي قاسم موجودا؟!"
انتفض قلبها بين ربوعها وابتسمت ابتسامة حنين منكسرة وقالت:
"إن شاء الله سيكون موجودا."
ورسمت ابتسامة عريضة على شفتيها وقالت:
"هل أخبرك خبرا سارا؟ حياة ستنجب طفلا، سيصبح لديك ابن أو ابنة خالة تهتم به أو بها.."
وصمتت للحظات وهي تتذكر كلام حياة ثم ضحكت وأردفت:
"أو بهما، الله أعلم."
التمعت حدقتيه بحماس فمالت نحوه وحملته ثم أجلسته على طاولة المطبخ فضحك قائلا:
"هل يُحمل الرجال بتلك الطريقة؟!"
ضحكت وقالت:
"مهما كبرت وأصبحت رجلا ستظل بنظري طفلي المدلل، هل لديك مانع؟"
ضحك بحب صادق وأردف:
"لا، ليس لدي مانعا، ولكن.. كنتِ قد وعدتِني أننا سنزور أمي.. متى إذًا؟"
اهتزت ابتسامتها بتردد وقالت بصوتٍ خافت:
"إن شاء الله، في أقرب وقت."
كان كريم بصدد طرح المزيد من التساؤلات ولكن ما أنقذ حنان هو جرس الباب، فذهبت لتفتحه وصُعقت عندما رأت صفية بهيئتها الغاضبة المتجهمة تقف بالباب وهي تسند يدا إلى إطار الباب الخشبي، ويدا أخرى على خصرها وهي تنظر إليها بتحفز وتقول:
"أين كريم؟!"
قطبت حنان جبينها بتعجب وقالت:
"تفضلي، أهلا بكِ."
"لا أهلا ولا سهلا، أريد حفيدي، سآخذه معي، أين هو؟"
واقتحمت الشقة فجأة وأخذت تبحث عنه وهي تنادي:
"كريــم.. حبيبي لقد أتيت بطلب من جدك صالح لكي تأتي وتبقى معنا."
تحدثت حنان بحرج وتردد وقالت:
"من فضلك زوجة عمي.."
قاطعتها صفية وهتفت بصوتٍ قاسٍ حاد:
"ماذا تريدين حنان هانم؟ حفيدي سيبقى معي من الآن فصاعدا، نحن أحق برعايته وتربيته ولستِ أنتِ. من تكونين أنتِ من الأساس؟ لستِ أمه ولا خالته ولا عمته.."
قاطعتها حنان بغضب وقالت:
"ولكني زوجة عمه، وعمه هو الوصي الوحيد عليه بالقانون، وطالما أن كريم تحت وصايته فلن يحق لكِ ولا لأي مخلوق أن يتحكم فيه أو يفرض سيطرته عليه."
اشتعل فتيل غضب صفية ونظرت إليها شزرا وقالت:
"أحسنتم، أحسنتم جميعا.. لقد دبرتم ونصبتم الشِرك لأمه المسكينة وألقيتم بها إلى السجن ثم استوليتم على ابنها ووضعتموه تحت سيطرتكم."
نظرت إليها حنان بغضب وتحذير وقالت بصوتٍ خافت:
"ما هذا الذي تتحدثين فيه، الولد سيسمعك."
"وهل أخفيتم عنه الحقيقة كذلك؟ بالطبع لن تجدوا ما تقولوه له ولن تستطيعوا تبرير موقفكم الدنيء أمامه، ماذا ستقولون له؟ هل ستقولون أنكم جميعا تكاتفـتم وألقيتم بأمه في السجن لخمس وعشرين عاما وتتـفـننـون في إيهامه أنكم تحبونه وتسهرون على راحته.."
"اصمتي، ما تقولينه ليس صحيحا أبدا. نحن لم نفعل ذلك، ما تقولينه ليس في صالح حفيدك بالمرة."
"مصلحة حفيدي أنا أعرفها أكثر منكم جميعا يا خونة يا عديمي الضمير، ولا تتوهمي يا ماكرة أنتِ أو أخيكِ الحقير أو زوجكِ خائب الرجاء ذاك أنني سأترك حفيدي تحت رحمتكم أبدا. لاا.. سأطالب بوصايته مهما كلفني الأمر، سأنفق كل قرشٍ أملكه لكي أسترد حفيدي وأربيه على عيني، لن أتركه معكم لكي تصنعون منه مجرما آخرا. يكفي إجرام."
كان كريم يختبأ خلف باب المطبخ يسمع ويشاهد ما يدور بأعين مذعورة، كان خائفا جدا في هذه اللحظة وكل ما يشغله أن يختبيء لئلا تعرف جدته مكانه وتأخذه رغما عنه.
بينما صفية تبحث عنه في الأرجاء بجنون وهي تصرخ باسمه:
"كريــم.. أين أنت؟ جئت لآخذك لكي تبقى معنا، سنعتني بك جيدا وخالتك حياة ستلعب معك أيضا، لا بد أن تترك هؤلاء المجرمين."
نظرت إليها حنان بغضب شديد وقالت:
"كفى زوجة عمي والتزمي بحدودك إذا سمحتِ، نحن لسنا مجرمين وما تفعلينه هذا لن يضر سوى حفيدك."
نظرت إليها صفية نظرة أخرستها وقالت:
"أنتِ آخر من يتحدث عن حفيدي، هل سمعتِ؟ تريدين السيطرة عليه لكي يكون لكِ عوضا عن ابنتك التي ماتت ولكن هيهات، حفيدي لن يكون ابنا لكِ أبدا مهما فعلتِ، لا بد أن يعرف حقيقتكم جميعا وأن يعرف أن الملائكة الذين يحيطون به من كل جانب ما هم إلا شياطين خبيثة ظالمة، تسببوا في قتل والده وسجن والدته.. نعم.. أنتم السبب، وكريم لا بد أن يعرف ذلك حتى يعرف مع من يتوجب عليه أن يقف."
طالعتها حنان بصدمة وهي تقول بغضب:
"ما هذا الهراء؟! نحن لم نتسبب بقتل عبدالله، عنبر هي من قتلته ووضعت له السم في الطعام، نحن لسنا مسؤولين عن ذلك، اللعنة، ما الذي تحاولين فعله؟ أنتِ ستدمرين الولد بما تنوين قوله."
"الدمار الشامل فعلا أن يبقى معك أيتها الشيطانة المستترة، أنتِ تنفذين مخططات أخيكي الحقير، أنتِ وزوجك مجرد أدوات رخيصة بيده الحقيرة يحرككما كيفما يشاء ويستعملكما فيما يشاء وهو يجلس بالسجن بكل أريحية."
"ما هذا، ما الذي تقولينه؟ أنتِ لستِ طبيعية أبدا أقسم بذلك، ولولا احترامي لعمي كنت سأقوم بطردك من بيتي حالا."
نظرت إليها صفية بغضب وحنق وهي تقول:
"وأنا لست متيمة بكِ وببيتك لكي أبقى، سآخذ حفيدي وأنصرف ولكن ليس قبل أن أخبره الحقيقة كاملة."
وأخذت تفتش عنه في الغرف بينما هو قد دخل إلى الحمام وأوصد الباب من الداخل.
"كريم… كريـــم.. أين أنت يا ولد؟"
أمسكت حنان يدها وهي تحاول منعها من اقتحام المطبخ وهي تقول:
"يكفي إلى هذا الحد، من فضلك غادري حالا."
دفعت صفية يدها بعيدا عنها ولم تبالِ بها ودخلت المطبخ وهي تبحث عن الطفل دون جدوى فنظرت إليها بغضب وانفعال وقالت:
"أين كريم؟ أين حفيدي تكلمي.. ماذا فعلتم به؟"
أشارت حنان نحو الخارج وهي تحاول التماسك قدر الإمكان لئلا تثور ثائرتها أو تعاملها بقلة تهذيب وقالت بغضب مكتوم:
"أخرجي من هنا حالا وإلا سأتصل بالشرطة وأخبرهم أنكِ تتهجمين على ببيتي.. أخرجـــي حالا !!!"
صرخت حنان بالأخيرة بغضب وحدة، ثم ساد الصمت فجأة عندما استمعتا إلى صوت بكاء كريم بالحمام، فنظرت صفية نحو الحمام بصدمة وهي تقول:
"هل حبستِ الطفل بالحمام؟"
نظرت إليها حنان بصدمة مماثلة وقد فاجئها الاتهام وقالت:
"تبا، ما هذا الجنون؟"
اقتربت صفية من باب الحمام هي تحاول فتحه عبثا ثم صرخت بوجه حنان وقالت:
"أعطني المفتاح حالا يا مجرمة، هل وصلت بكِ الدناءة والإجرام أن تحبسي حفيدي بالحمام؟"
كانت حنان قد فقدت أعصابها وسيطرتها على نفسها تماما وأخذت ترتجف وهي تبكي وتقول:
"توقفي عن قول ذلك، الباب موصد من الداخل.."
ضربت صفية بكلتا قبضتيها فوق الباب بعنف وهي تقول:
"كريــم.. هل تسمعني حبيبي؟ لا تخف، ستخرج من هنا حالا.. لن أدعك وسط أولئك المجرمين ابدا."
جذبت حنان ساعدها وهي تحاول إبعادها عن الباب لكي تفتحه ولكن صفية قاومتها بقوة وصرخت بوجهها:
"لن أخرج، سأقوم بكسر الباب وإنقاذ حفيدي."
"كفاكِ صراخا سترهبين الطفل بالداخل، ما الذي تفعلينه بربك؟"
"ابتعدي، ابتعــــــــدي !!!"
صرخت بالكلمة الأخيرة وهي تدفعها للخلف بكلتا يديها بقوة فسقطت حنان فوق طاولة زجاجية مستديرة فتهشم الزجاج بالكامل فوق حنان التي سقطت فاقدة للوعي، والدماء على وجهها ترسم لوحةً مرعبة !!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم نعمة حسن
كان حسان يقف أمام مرآة خزانته الصغيرة يصفف شعره بعناية ويطالع هيئته المتأنقة، وبجواره يقف ولدهُ صبر يطالعه بفخر وحماس وهو يصفف شعره كما يفعل أبيه وقال:
_ إلى أين سنذهب يا أبي؟ هل سنزور عمي قاسم؟
نظر إليه حسان بصمت، ثم جلس على الفراش وأوقفه أمامه وهو يقول مبتسمًا:
_ لمَ ذكرت عمك قاسم بالتحديد؟ ما الذي أوحى إليك أننا سنخرج لزيارته دونًا عن غيره؟
_ لقد اشتقته كثيرًا، واشتقت حياة كذلك، واشتقت أيضًا لخالتي حنان. هل تعرف يا أبي؟ لو أنها لم تكن متزوجة من عمي عزيز كنت سأقترح عليك أن تتزوجها.. ومن يدري ربما تتطلق منه قريبًا وتتزوجها أنت.
حملق به والده بدهشة وقال:
_ يا إلهي ما هذا الحديث الذي تطير له الرقاب؟ إياك وقول ذلك مجددًا يا صبر، لا تتدخل فيما لا يعنيك مرة أخرى.
أومأ على مضض وهو يهمس لنفسه ويقول:
_ مجرد اقتراح ليس إلا.
هز حسان رأسه بيأس وهو يصفف شعر صبر مبتسمًا:
_ على كل حال نحن لسنا ذاهبين لزيارة عمك قاسم، وإنما لزيارة عمك عزيز بالمعرض. لقد هاتفي وأخبرني أنه يريد مقابلتي لأمرٍ هام.
_ وما هو هذا الأمر يا ترى؟
قرص حسان وجنته بحنق زائف وقال:
_ سنعرف يا فضولي، هيا بنا.
***
وصل كلا من حسان وصبر إلى المعرض ودخلا فاستقبلهما عزيز بترحاب شديد ودعاهما للجلوس، ثم بدأ بمشاغبة صبر فقال:
_ كيف حالك يا صبر؟ هل لا تزال تريد مصاهرتي أم أنك غيرت موقفك؟
نظر صبر إلى والده بخجل، بينما نظر حسان إليه متعجبًا ونقل بصره إلى عزيز وقال:
_ ما الخطب؟ على ما يبدو لقد فاتني الكثير.
_ ليس كثيرًا، ابنك المبجل يريد مصاهرتي، وطلب من خالته حنان أن تنجب له فتاة خصيصًا لكي يتزوجها.
ضحك حسان وقال:
_ لا أفهم متى أصبح هذا الولد مشاغبًا بهذه الطريقة، هل طالت فترة غيابي بهذا القدر؟
نظر عزيز إلى صبر ثم قال:
_ صبر، يمكنك اكتشاف المكان عن قرب أكثر، قم وتجوّل.
نظر إليه الطفل بنظرة العارف، مبتسمًا ابتسامة كاشفة عن أنيابه الصغيرة، وتحدث بثقة فقال:
_ تقصد أن أترك لكما مجالًا لكي تتحدثا على انفراد. أليس كذلك؟
ارتفعت حاجب والده في ذهول وأخذ يقلب كفيه بتعجب، بينما قهقه عزيز عاليًا وقال:
_ بلى، هيا يا فصيح اتركنا لنتحدث على انفراد.
نهض صبر وأخذ يتجول بالمكان. فنظر عزيز إلى حسان وأردف يقول:
_ اسمعني يا حسان، أنت أكثر من تعرف الدافع وراء ما فعله قاسم عندما سجنك، والدافع وراء ما فعله لكي يخرجك من السجن. هذا الموضوع منتهيًا ولن يفيد الجدال فيه.
أومأ حسان مؤكدًا وقال:
_ صحيح. ومهما كان ما فعله قاسم، وحتى وإن لم يبرئني، كنت سأظل مدينًا له بحياتي جزاء ما فعله لصبر ومساعدته. أنا أعرف قاسم جيدًا، معدنه أصيل.
أومأ عزيز موافقًا وأردف:
_ لذلك طلب مني أن أعرض عليك العمل برفقتي هنا في المعرض. أنا الآن بمفردي في ظل غياب قاسم، أحل محله في كل شيء. ولن أنكر أن المسؤولية التي أحملها بمفردي مرهقة للغاية. فما رأيك أن نتقاسم العبء سويًا؟ أنا سأكون مسؤولًا عما كان يقوم به قاسم من مراجعة الإيرادات اليومية والأسبوعية وتوفير النواقص وقطع الغيار. وأنت ستكون المسؤول عن حركة البيع والشراء والتسويق.
سطعت الحماسة بمقلتيه وقال:
_ بالطبع لا مانع لدي، ولكن.. عندما يخرج قاسم من السجن..
قاطعه عزيز عندما فهم ما يقصده وقال:
_ سيقوم قاسم بدوره كما كان، وأنا وأنت سنتقاسم الجزء الخاص بحركة البيع والشراء والتسويق. لا تقلق. الأمر يقبل القسمة على ثلاث كما كان دوما.
ابتسم حسان ونظر إليه ممتنًا وقال:
_ أشكرك كثيرًا عزيز، لقد كنت بحاجة إلى العمل فعلًا.
_ لست أنا من يستحق الشكر يا حسان، بل قاسم. أنا كنت مثلك ذات يوم. أنا أيضًا أخطأت تقدير قاسم وأسأت إليه. وبالرغم من ذلك لم يقابل إساءتي بالإساءة. أنا وأنت محظوظان بمعرفة شخص نقي مثل قاسم.
أومأت الآخر مؤيدًا وقال:
_ أنت محق. جميعنا أخطأنا.
_ على كل حال يمكنك البدء من الغد إذا أردت.
ردد حسان بابتهاج:
_ بالطبع، سأكون موجودًا في الموعد. والآن علي أن أغادر لكي أتدبر أمري وأستعد.
وغادر حسان سعيدًا، ليس فقط لأنه حصل على عمل جديد في ظروفه الصعبة تلك، ولكن لأنه حصل على فرصة ثانية للبدء مع رفاق عمره من جديد.
***
وقفت صفية والصدمة تعتري ملامحها. تتطلع نحو حنان التي تفترش الأرض دون حراك والزجاج يغطي وجهها الملطخ بالدماء برعب وهلع.
_ ماتت؟ هل ماتت؟ هل قتلتها؟ لا.. مستحيل!
كانت تهذي بهذه الكلمات وهي تهز رأسها بغير تصديق وتتطلع حولها بانهيار وتشتت، ثم اقتربت بخطوات متمهلة من حنان تطالعها عن قرب، ثم مدت يدها إلى جانب عنقها تختبر نبضها. فإذا بها تتراجع فجأة إلى الخلف بخوف ونفور من منظر الدماء وهي تردد بهيستيرية:
_ لم تمت، إنها تتنفس، لم تمت، هذا جيد.
ومسحت يدها بملابسها ثم التقطت جزدانها من الأرض واتجهت نحو الباب، فتحته ثم هرولت للخارج برعب وهي تبكي بانهيار. فإذ بها تصطدم بعزيز الذي دخل من باب البناية للتو.
_ زوجة عمي؟
قالها عزيز باستغراب وهو يتفحص حالتها المزرية. وما إن رأى الدماء التي تلطخ عباءتها حتى اتسعت حدقتاه بهلع وهرول نحو الداخل على الفور.
حثت صفية الخطى وسارت مسرعةً نحو بيتها وهي في حالة هيستيرية، تتحدث إلى نفسها باضطراب والجميع ينظرون نحوها بدهشة وكأنها من المجاذيب.
دخل عزيز إلى الشقة وهو ينظر حوله بخوف وترقب، فإذ به يُصعق من رؤية حنان بهذه الحالة. ركض نحوها مسرعًا وهو يهتف باسمها بأعلى صوت، جثا بجوارها على ركبتيه بحذر وهو يحاول إبعاد قطع الزجاج المتناثرة من حولها ورفع رأسها إليه وهو ينادي عليها بلهفة يشوبها الذهول:
_ حنان، حبيبتي حنان من الذي فعل بكِ هذا؟
في تلك الأثناء كان كريم قد استمع إلى صوت عمه عزيز فاطمأن لوجوده وفتح الباب من الداخل وخرج.
_ حنان، هل تسمعيني؟ حنان، من الذي فعل بكِ هذا؟
_ جدتي!
توقف عزيز عن بكائه عندما استمع إلى هتاف الصغير فنظر إليه وهز رأسه باستفهام لعله يكون مخطئًا فيما سمعه، فردد كريم بثقة:
_ جدتي صفية هي من فعلت ذلك.
وانفجر باكيًا فجأة وأخفى عينيه بكفيه وهو يقول:
_ هل ماتت خالتي حنان؟ هل جدتي قتلتها؟
كان عزيز يسترجع ما حدث منذ دقائق، عندما اصطدم بصفية وهي تخرج من البناية وهي تبكي ويداها ملطختان بالدماء. ثم نظر إلى حنان المسجاة بين ذراعيه باستسلام. ثم نهض وهو يحملها وقال:
_ كريم، اتبعني.
خرج متجها إلى سيارته، وضع حنان بالمقعد الخلفي، ثم ركب خلف المقود وكريم بجواره وتحرك منطلقًا نحو المشفى.
***
وصلت صفية للتو؛ دخلت الشقة وهي لا تزال تهذي بخوف واتجهت فورًا نحو الحمام، اغتسلت جيدًا وخرجت، ثم دخلت إلى غرفتها وصعدت إلى فراشها وتدثرت جيدًا وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
وفجأة استمعت إلى صوت طرقات على باب الشقة ففزعت وجلست بفراشها وهي تنظر نحو الباب بخوف وتردد:
_ هذه هي الشرطة لا محالة! لقد أبلغ عزيز الشرطة وها قد أتت للقبض علي.
ازدادت الطرقات ورنين جرس الباب تزامنا مع نداء صالح من غرفته لكي تسرع لفتح الباب، فنـزلت من فراشها واتجهت نحو الباب بخطوات متثاقلة، ومدت يدها لتفتح الباب وهي تقاوم لكي لا تسقط أرضًا من شدة الخوف.
فتحت الباب وما إن رأت طبيب العلاج الطبيعي حتى تنفست الصعداء وقالت بضعف:
_ تفضل دكتور.
دخل الطبيب متجها نحو غرفة صالح مباشرةً، ثم دخلت هي إلى غرفتها مجددًا وهي تتحدث مع نفسها بضياع وتقول:
_ يا إلهي ماذا سيكون مصيري إن ماتت؟ هل سأكون قاتلة وأدخل السجن؟ لا لا.. يا ربي ساعدني، أتوسل إليك لا تجعلها تموت، وأعطني فرصة ثانية كي أكفر عن ذنبي.
مسحت آثار البكاء ثم دخلت إلى الحمام وتوضأت، ثم خرجت وصلت ركعتين ووقفت تدعو الله أن يمنحها فرصة ثانية.
وبعد أن فرغت من صلاتها اتجهت إلى غرفة حياة تنوي التحدث معها وإخبارها بما حدث ولكنها تفاجأت عندما رأت الغرفة فارغة، والخزانة خاوية.
_ لا. لا هذا غير معقول، أين أنتِ يا حياة بربك!!
***
كانت حياة تقف بمنتصف الشقة تتطلع حولها بانهيار صامت. ترى قاسم في كل ركن، هنا كان يجلس ويرتشف قهوته الصباحية، وهنا كان يجلس ويُجلسها فوق ركبتيه.
هنا عانقها، وهنا قبّلها، وهنا كان يحملها ويركض بها في أرجاء الشقة وضحكاتهما تملأ المكان. تكاد أن تجزم أنها تسمع صوته الآن يتغنى باسمها بكل الألحان التي كانت تطرب قلبها قبل أذنيها.
أجفلت فجأة عندما استمعت إلى صوت رنين جرس الباب فمسحت دموعها وتوجهت إلى الباب ففتحته فإذا بها تجد فريال تقف مبتسمة، ثم أعطتها شيئًا ما وهي تقول بابتسامة مشرقة:
_ تفضلي حياة، هذه دعوة عقد قراني هذا المساء. سأكون أكثر من سعيدة إذا أتيتِ.
نظرت حياة إلى بطاقة الدعوة بيدها ثم نظرت إلى فريال وابتسمت بمجاملة وقالت:
_ مبارك عليكما، سأكون موجودة بإذن الله.
مالت عليها فريال وقبلت خدها فجأة وهي تقول بامتنان:
_ أشكرك جارتي الودودة، كنا نتمنى وجود قاسم أيضًا ولكني عرفت أنه مسافر.
أومأت حياة بموافقة وقالت:
_ صحيح، ولكني سأحضر بدلًا منه إن شاء الله.
_ سننتظرك حيوتة، عن إذنك.
أغلقت حياة الباب ودخلت إلى الشرفة بخطوات متثاقلة ثم جلست فوق المقعد الذي كان يجلس قاسم عليه، وفجأة أحست بشيءٍ ما أسفل قدميها فانحنت لتتفحصه فإذا بها تجد الرسالة المشؤومة التي تركها لها ذلك اليوم.
شعرت بنفس الغصة التي شعرت بها يومها وهي تفتحها وتمر بعينيها على سطورها وتقرأ نواياه بالرحيل دون أن يأبه أو يهتم لما سيتركه وراءه.
وفجأة وبكل غيظ شقت الورقة إلى نصفين وهي تزمجر كوحشٍ يحتضر وينازع الموت، وألقتها على مد ذراعها وهي تقول:
_ تبًا لك يا قاسم.. أنا أكرهك.. أكرهك كثيرًا يا بغيض.
وانخرطت في حالة بائسة مأساوية كانت الدموع هي الراعي الرسمي الوحيد لها.
***
دخل عزيز يركض بطرقات المشفى وهو يحمل حنان على ذراعيه وكريم يركض خلفه بتيه، فأسرع المسعفون بأخذها منه ووضعها على السرير النقال ثم انطلقوا بها نحو غرفة الطوارئ.
وقف قليلًا يتطلع حوله بشرود، يحاول صب تركيزه واهتمامه على الموقف العسير الذي يمر به، أحاط كريم بذراعه وبالذراع الأخرى كان يمسح على وجهه بتوتر واستياء وهو يتمتم:
_ يا رب سترك، ماذا سأفعل الآن؟ من سأهاتف؟ ما الذي يتوجب عليّ فعله!
ثم نظر إلى كريم بتفكر وتمعن وهو يقول:
_ كريم، وجودك بالمشفى هنا غير لائق أبدا، أين سأتركك؟
وزفر زفرة طويلة يملؤها العجز وهو يفكر مليًا في مكان آمن لكي يترك كريم به ثم نظر إليه وقال:
_ سنذهب إلى بيت عمك حسان والد صبر، ستبقى هناك هذه الليلة، حسنًا؟
أومأ الطفل بانكسار وامتلأت عينيه بالدموع وهو يقول:
_ هل خالتي حنان ستموت أيضًا؟ لم يبقَ لي أحدٌ سواها.
أجهش عزيز بالبكاء وغدرتهُ دموعه فانحني معانقًا الطفل وهو يربت على كتفيه ويقول:
_ لا تخف يا كريم، خالتك حنان لن تتركنا أبدًا.
أومأ كريم متأملًا. حينها أخرج حسان هاتفه من جيبه وقام بالاتصال بحسان الذي أجاب مسرعًا فقال:
_ مساء الخير يا حسان. اسمعني، أنا الآن بالمشفى العام، حنان حالتها حرجة وأريد أن تأتي لكي تصطحب كريم. سيبقى معك الليلة.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، تمنياتي بالشفاء يا عزيز، سأمر بك حالًا لكي آخذه ولكن أخبرني أولًا، هل تحتاج لشيءٍ لكي أحضره لك؟
_ لا. لا أريد. فقط تعال وخذه. لا ينبغي أن يبقى هنا.
_ حسنًا، مع السلامة.
أنهى الاتصال وفجأة وقع نظره على الطبيب الذي يخرج من الغرفة الموجودة بها حنان فأسرع نحوه متلهفًا وهو يقول:
_ دكتور، من فضلك أخبرني كيف حالها؟
_ هل أنت زوجها؟
_ أجل.. هل هي بخير؟
_ لقد تعرضت لجروح سطحية بجسدها وخدوش بوجهها منها العميق ومنها السطحي. قمنا بتنظيف الجروح من قطع الزجاج وتعقيمها ولكننا سنقوم بعمل أشعة للتأكد من عدم وجود شذرات زجاج متبقية بالجرح.
تنفس براحة وأردف:
_ هل يمكنني رؤيتها الآن؟
_ أجل بالطبع، الدكتور وائل يجري بعض الفحوصات الروتينية وبعدها يمكنك الدخول لزيارتها. زال البأس إن شاء الله.
شكرهُ عزيز ونظر إلى كريم مبتسمًا يحاول طمأنته وقال:
_ هل سمعت ما قاله الطبيب؟ إنها ستكون بخير.
أومأ كريم مبتسمًا وقال:
_ هل يمكننا رؤيتها؟
_ بالطبع يمكننا، هيا بنا.
دخل عزيز وبرفقته كريم، فكانت حنان تتمدد فوق سرير الفحص شبه نائمة، ورأسها مربوطًا بضمادة وعلى وجهها آثار الخدوش والجروح.
نظر إليها عزيز بشفقة وأسف، واستشاط غضبًا عندما قفزت صورة زوجة عمه إلى مخيلته وهو يتخيلها وهي تعتدي على زوجته بكل وحشية حتى أوصلتها إلى هذه الحالة.
نظر إليه الطبيب نظرة غامضة لم تَرُق لعزيز أبدًا وهو يقوم بتركيب محلولًا بوريدها تحت نظرات حنان المتعجبة وقال بنزق وتحفز:
_ أنت زوجها أليس كذلك؟
أومأ عزيز مؤكدًا وقال:
_ أجل، أخبرني دكتور هل هي بخير الآن؟
تحدث الطبيب بنبرة مستاءة وقال:
_ هما بخير، ولكن لدي سؤالًا يفرضه عليّ ضميري المهني.
هز عزيز رأسه مستفهمًا فأجاب الطبيب:
_ هل ما حدث كان بمحض الصدفة؟ هل هو قضاء وقدر كما قالت زوجتك؟ أم أنه بفعل فاعل وهذا هو الاحتمال الأرجح.
نظر عزيز إلى حنان بصدمة، لقد تفاجأ أنها نفت أن ما حدث بسبب تعدي زوجة عمها عليها وإرجاء الأمر للصدفة والقدر!! وفهمت حنان مغزى نظراته فأشاحت بوجهها عنه ونظرت إلى الطبيب وقالت بحنق زائد:
_ لا أعرف سر إصرارك على أنه بفعل فاعل!! لقد أخبرتك أيها الطبيب.. لقد زلت قدماي فجأة وسقطت فوق الطاولة وبعدها فقدت الوعي.
مط الطبيب شفتيه بعدم اقتناع، ثم هز رأسه وقال:
_ حسنًا، ولكن من أجل الأمانة العلمية علي أن أخبركِ شيئًا هامًا.
ونظر إلى زوجها وقال:
_ إن كان زوجك هو من فعل بكِ هذا عمدًا فيمكنكِ اتخاذ أشد إجراء نحوه، ويمكنني إعطاؤك رسالةً طبيةً تبين حالتك وطبيعة إصابتك، يمكنك تحرير محضر ضده بواسطة هذه الرسالة إن أردتِ والمطالبة بحقك. لا تكوني سلبية أبدًا.
على الفور هتف كريم بغضب وحمية:
_ لا، عمي لم يفعل شيئًا، من فعل…
قاطعته حنان فجأة وهي تنظر إليه بتحذير صارم وتقول موجهةً حديثها إلى الطبيب:
حتى الطفل تكلم وأخبرك بالحقيقة دكتور. صدقني الأمر بسيط. مجرد حادث قدري مثل أي حادث تتعرض له ربات البيوت.
أومأ الطبيب موافقًا ثم قال:
_ على كل حال أنتم أدرى، سأصف لكِ بعض الكريمات التجميلية التي ستزيل آثار الخدوش السطحية، وأخرى ستعمل كمضاد حيوي لكي تساعد على التئام الجروح، وهذه الحبوب المسكنة ستتناولينها مرة يوميًا.
أومأت بتفهم ثم نظرت إلى المحلول الموصول بوريدها وقالت:
_ وما فائدة هذا المحلول؟
_ هذا محلول جلوكوز لعلاج هبوط الدورة الدموية، لا يوجد ضرر منه على الجنين لا تقلقي.
نظرت إليه حنان بصدمة وكأنه برأسين!! ونظرت إلى عزيز الذي بادلها نفس النظرة البلهاء وقالا في نفس واحد:
_ جنين!!
نظر إليهما الطبيب متعجبًا وأومأ ببساطة وقال:
_ أجل.
_ أيُ جنين؟
قالها عزيز مصدومًا فنظر إليه الطبيب باستغراب وقال:
_ المدام حامل ببداية الشهر الثاني، أليس لديكما علمًا بالحمل؟
نظرت إليه حنان بغير تصديق وطفقت الدموع تسيل من عينيها بصدمة لا تقل عن صدمة عزيز الذي أومأ برأسه أن لا وقال:
_ لا، لا نعرف شيئًا عن الحمل.
ابتسم الطبيب بود وقال:
_ إذا بعد الخروج من المشفى عليكما الذهاب لطبيب النساء والتوليد، أو بإمكانكما المتابعة مع طبيبة النساء هنا بالمشفى إن أردتما. على كل حال سينتهي هذا المحلول بعد حوالي نصف ساعة، يمكنكما الانصراف بعدها. زال البأس إن شاء الله.
غادر الطبيب الغرفة، فنظر كلا من عزيز وحنان إلى بعضهما البعض بعدم استيعاب. اقترب عزيز من حنان وجلس على طرف السرير وهو ينظر إليها ببلاهة وقال:
_ هل أنتِ حامل؟
هزت رأسها والدموع تتساقط من عينيها وقالت بابتسامة:
_ على ما يبدو ذلك.
احتضنها فجأة بقوة فتألمت وهي تضحك وتبكي في آنٍ واحد وقالت:
_ رفقًا يا عزيز، جسدي يؤلمني بشدة.
ابتعد عنها فجأة وهو يتفحص وجهها بلهفة وقال:
_ أنا آسف، لم تسعني الفرحة لذلك لم أنتبه. صحيح لقد تذكرتُ.. ما هذا الذي قلتهِ للطبيب؟
أشارت بعينيها إلى الخلف حيث يقف كريم ففهم مقصدها والتزم الصمت. حينها رن هاتفه برقم حسان فاصطحب كريم وخرج من الغرفة لكي يسلمه إلى حسان ثم عاد إليها وجلس بجوارها، ممسكًا بيديها يغدقها بالقبل بكل حب وغرام، ثم نظر إليها قائلًا:
_ لماذا يا حنان؟ كان بإمكاننا الإبلاغ عنها وحجتنا قوية، هذه مجرمة وكانت ستقتلك!
نظرت إليه وتململت بتعب ثم قالت:
_ أولًا أنت لا تعرف ما الذي حدث بالتفصيل..
قاطعها وقال:
_ بلى، كريم أخبرني بكل شيء ونحن في طريقنا إلى هنا.
_ كريم سمع شجارنا فقط، هي لم تقصد قتلي ولم تتعمد إيذائي.
_ أما زلتِ تدافعين عنها حتى الآن؟
_ صدقني يا عزيز أنا لا أدافع عنها بالمرة، ولكني أقول الحقيقة، زوجة عمي أجبن من أن تتعمد قتل دجاجة حتى، هي أساءت الفهم وظنت أنني قمت بحبس كريم في الحمام ولم تعطني الفرصة كي أثبت لها أنه هو من أوصد الباب من الداخل خوفًا منها، لذلك دفعتني بهذه الهمجية وحدث ما حدث.
_ وبعد أن حدث ما حدث تركتك في تلك الحالة وفرت هاربة، لم تحاول أن تسعفك أو تساعدك أو تتصل بي حتى! لا تحاولي التبرير لها عبثًا يا حنان.
_ فرت هاربة لأنها جبانة كما قلت لك، أقسم أنها الآن تختبئ في غرفتها كالأرنب المذعور خوفًا مما حدث.
_ تقصدين خوفًا مما سيحدث. أنا لن أتخلى عن حقك أبدًا. هذه المرأة تمادت كثيرًا ولا بد أن تنال عقابها.
أمسكت بيده في استجداء وقالت بلطف:
_ عزيز أرجوك، لقد نجاني الله بكرمه ولطفه، لذا أرى أنه لا داعي من إخبار الشرطة بما حدث. إن لم يكن من أجل عمي فمن أجل حياة. حياة الآن حامل وفي حاجة والدتها، وعمي لن يتحمل مصيبة أخرى وهو لم يتجاوز كم المصائب المهولة التي تنزل به يوميًا. ثم أننا قد رزقنا بطفل والحمد لله.
ضغط على يديها بحماس وفرحة وتلألأت ابتسامته فقالت:
_ نريد الابتعاد عن المشاحنات والعداوات تمامًا، لقد منحنا الله فرصةً ثانيةً وعلينا البدء بها من جديد. سيكون لدينا عائلةً صغيرة جميلة مكونة من أربعة أفراد. أنت وأنا وكريم والطفل.
أومأ عزيز مؤكدًا كلامها بابتسامة واقترب منها وطبع قبلةً عاشقة على جبينها، ثم قبل يدها وقال:
_ صحيح. سيكون لدينا عائلةً صغيرة جميلة.. جميلة جدًا يا حنان.
***
في المساء.
احتشد الجميع بتلك القاعة الصغيرة المقام بها عقد القران وسط جو من البهجة والفرح، حيث دعت العروس جيرانها بالعمارة فقط وقام العريس بدعوة بعض من أصدقائه و أقربائه من الدرجة الأولى.
كان المأذون يتوسط طاولةً بيضاء وعن يمينه تجلس العروس متأنقةً بفستانها الأبيض اللؤلؤي، أما عن شماله فيجلس العريس والذي يرتدي حلةً بيضاء من اختيار العروس.
بدأت مراسم عقد القران، فوقف قصي بالقرب من والده يعلن دعمه الكامل له حيث كانت ابتسامته لا تفارق شفتيه، وعلى بعد خطوات كانت سارة تقف بهدوء نقيض ذلك الضجيج الذي يملأ قلبها ويشعل كيانها.
التقت أعينهما فجأة فأشاحت سارة بوجهها للجهة الأخرى وزفرت باختناق ثم همست إلى والدتها التي تقف بجوارها منهمكةً بتصوير العروس وقالت:
_ سأذهب إلى الحمام. لن أتأخر.
غادرت سارة، أو بمعنى أدق هربت من نظراته التي تحاصرها وتُشعرها بالاختناق، فاصطدمت بحياة التي دخلت من باب القاعة للتو فاتسعت ابتسامتها فورًا ومالت لتقبل وجنتيها بود وقالت:
_ حياة، ما هذه المفاجأة السعيدة؟ سررت برؤيتك.
ابتسمت حياة بلطف وقالت:
_ وأنا أيضًا سررت برؤيتك يا سارة، كيف حالك؟
ابتسمت بفتور وقالت:
_ بخير، كيف حال قاسم؟ هل تزورينه؟
أطرقت حياة عينيها أرضًا بألم وقالت:
_ لا، ولكن المحامي يزوره ويطمئننا على أحواله. هو بخير لا تقلقي.
أومأت سارة بهدوء ثم وضعت يدها بحركة مفاجئة على بطن حياة التي شرعت في الظهور وقالت:
_ متى ستلدين؟
ابتسمت حياة وقالت:
_ لا يزال باكرًا جدًا، لا أزال بشهري الثالث.
_ وهل سيكون قاسم حاضرًا الولادة؟
نظرت حياة أمامها بألم وشرود وهمست بتمني:
_ إن شاء الله.
مسحت سارة على ذراع حياة وقالت بابتسامة:
_ إن شاء الله، لا تقلقي كل شيء يمر.
أومأت الأخرى بابتسامة وقالت:
_ إلى أين أنتِ ذاهبة؟ أعتقد أن الاحتفال لم يبدأ بعد.
_ صحيح، ولكني شعرت بالصداع، سأعود لاحقًا.
كان قصي يراقب المشهد عن بُعد، وما إن ابتعدت حياة حتى خرج هو من القاعة يلحق بسارة التي تفاجأت به يجذب ذراعها فنظرت إليه بتحفز وهمت بصفعه ولكنها تراجعت عندما رأته وقالت بغضب:
_ هذا أنت؟
_ انتظري يا سارة، علينا أن نتحدث.
جذبت ذراعها من قبضته بعنف وانفعال وهي تقول:
_ ابتعد عني يا قصي، لم يعد بيننا ما يستحق الكلام.
نظر إليها بتوتر وارتباك، ثم قال:
_ أنتِ مخطئة، على الأقل أنا لدي ما أريد قوله.
_ لا.. لقد قلت كل شيء.. واقتربت منه وهي تنظر إلى عينيه مباشرةً وقالت بهمسٍ مختنق:
_ نظراتك قالت كل شيء. نظراتك فاحت بما يحتويه قلبك فلا تحاول عبثًا.
حاولت التحرك فأمسك بساعدها لكي يمنعها وقال:
_ اسمعيني يا سارة.
جذبت ساعدها من قبضته مجددًا وصرخت بوجهه بألم حارق:
_ كفى يا قصي، كفاك عبثًا بحياتي. أنا لم أطلب منك الاقتراب منذ البداية، لقد كنت أعيش في قوقعة مغلقة لأنني اكتفيت من الخذلان، جئت أنت ووطأت بقدمك هذه المنطقة المحظورة وجعلتني أخرج منها وأغوص بقدمي في بحور جديدة من الخذلان. جعلتني أتذوق مرارة الألم والفقد والخزي من جديد، بعد أن كنت قد تخطيت كل هذا بالكاد جئت أنت وبكل بساطة لتعيدني إلى هناك كي أعيد هذه التجربة المشؤومة من جديد.
نظر إليها قصي بأسف وندم وقال:
_ أنا آسف يا سارة، لم أقصد إيذائك بهذه الطريقة.
زفرت زفرة طويلة وهي تحاول لجم دموعها قدر الإمكان ثم نظرت إليه بانكسار وقالت:
_ من فضلك عُد إلى حيث كنت ولا تعترض طريقي مرةً أخرى.
وانصرفت وتركتهُ واقفا يتطلع في أثرها بحزن وانكسار.
***
دخل حسان إلى الغرفة التي يجلس بها كلا من صبر وكريم وهو يحمل صينية عليها بعض الشطائر وكوبين من العصير وهو يدندن، فوجد صبر يجلس محبطًا وهو يسند خده على قبضته الصغيرة ويتطلع إلى كريم الذي يجلس مكانه منذ أتى بانغلاق وتوتر.
_ هيا يا شباب، العشاء جاهز.
قالها حسان وهو يضع الصينية أمامهما قبل أن يلاحظ الصمت المريب الذي يلف الغرفة نظر إليهما متعجبًا وهو يقول:
_ ما خطبكما؟
تحدث صبر بيأس وقال:
_ كريم يمتنع عن الكلام تمامًا منذ أن أتى إلى هنا، عرضت عليه أن نلعب سويا ولكنه رفض.
نظر حسان إلى كريم وقال:
_ لماذا يا كريم؟ ماذا بك؟
أجاب كريم بانكسار:
_ أريد الاتصال بعمي أولًا لكي أطمئن على خالتي حنان.
_ هي بخير لا تقلق، ولكن إن كنت تريد التحدث معهما فلا مانع طبعًا، سأتصل به.
قام حسان بالاتصال برقم عزيز وأعطى الهاتف إلى كريم فأخذ كريم الهاتف وخرج من الغرفة ليتحدث بحرية.
استمع كريم إلى صوت عمه يقول:
_ مرحبا يا حسان، كيف حالك؟
فأجابه بلهفة قائلا:
_ عمي، أنا كريم.
_ مرحبا حبيبي يا كريم، كيف حالك؟
_ أنا بخير، ولكني قلق للغاية على خالتي حنان.
_ لا تقلق يا كريم، خالتك حنان بخير. هي الآن نائمة وعندما تصحو ستحدثك.
_ حسنًا، وأنا متى سأعود إليكما؟
_ صباحًا حبيبي، سيعيدك عمك حسان إلى البيت صباحًا وسيكون صبر برفقتك أيضًا.
_ حسنًا، اعتني بخالتي.
ابتسم عزيز قائلا:
_ حسنًا، اعتني بنفسك يا كريم. مع السلامة.
أنهى كريم الاتصال وظل ممسكًا بالهاتف وللحظة شعر بالرغبة في سماع صوت حياة، فلقد كان يفتقدها بشدة في هذه الأثناء. يفتقد لأي شخص من رائحة أمه كما يقولون؛ لذا قام بالاتصال برقم هاتفها الذي يحفظه جيدًا ولكنها لم تُجب، فانساق لرغبته وقام بالاتصال بهاتف جده.
ثوان ووصله صوت جده المرهق وهو يقول:
_ السلام عليكم، من معي؟
_ جدي، أنا كريم.
اهتز قلب صالح واقشعر بدنه عندما استمع إلى صوت حفيده وأحس بالندم لأنه أدرك في هذه اللحظة كم هو مقصرٌ معه فقال:
_ يا قرة عين جدي، كيف حالك حبيبي؟
أخذ الطفل يبكي بانكسار وهو يقول كلمات متداخلة تملؤها الحسرة:
_ لست جيدًا، أشعر بالخوف هنا، لا أريدُ البقاء هنا ببيت صبر، أحتاج إلى أمي، وأشعر بالخوف على خالتي حنان.
_ يا كريم، أنا لا أفهم ما تقوله يا بني، ماذا تفعل ببيت صبر؟ ولمَ تشعر بالخوف على خالتك حنان؟ ماذا بها؟
مسح دموعه وقد توقف عن البكاء وقال:
_ جدي، أريد الانتقال لعندك، أنا خائف لأني سأبقى ببيت صبر هذه الليلة. هل يمكنك أن ترسل أحدًا ليأخذني؟
_ حسنًا أود أن أفهم أولًا، لماذا ستبقى ببيت صبر؟ لمَ أنت لست برفقة عمك عزيز وخالتك حنان؟
أجابه بصوت متقطع من أثر البكاء وهو يقول:
_ خالتي حنان لا تزال بالمشفى وعمي طلب من والد صبر أن أبقى برفقته حتى الغد.
_ مشفى؟ أيُ مشفى؟ ماذا بها حنان؟
تعجب الطفل وتساءل ببراءة:
_ ألا تعرف ما حدث؟ لقد تشاجرت مع جدتي اليوم وجدتي حاولت قتلها.
هتف صالح بصدمة:
_ ماذا؟!! من قال لك هذا يا كريم؟ أيُ هراء تتحدث به يا ولد؟
_ الجميع يقولون هذا، حتى طبيب المشفى ظن أن عمي هو من حاول قتل خالتي حنان. جدي، أريد المجيء لعندك ولكنني أشعر بالخوف من جدتي.
كان صالح يشعر بالدم يغلي في عروقه من فرط الانفعال وقال بتوتر وتشتت:
_ يا كريم، لا تخف. سأتصل بخالتك حياة وستأتي لتأخذك. ولكن الآن علي أن أتصل بعمك عزيز لكي أطمئن على حالة خالتك حنان، حسنًا؟
أومأ الطفل بقهر وقال:
_ هل هو وعد؟ هل ستأتي حياة لتأخذني؟
أجابه صالح بقلة حيلة وقال:
_ نعم نعم، وعد. لا تخف. هيا مع السلامة.
أنهى كريم الاتصال وعاد إلى الغرفة التي يجلسون بها، ولكنه توقف عند الباب وهو يشاهد حسان وهو يحمل صبر على أكتافه ويطعمهُ بيديه وهو يدلله، وهو ما أثار حزنه وجعله يشعر باليتم والانكسار والوحدة وظل يراقبهما بعيون مملوءة بالدموع.
هتف صبر باسم كريم فنظر حسان إليه ولم تَفُتهُ نظرة الحسرة بعينيه الصغيرتين فأنزل صبر عن كتفيه فورًا وهو ينظر إلى كريم مبتسمًا وقال:
_ كيمو، ما رأيك أن أحملك كما كنت أحمل هذا القرد؟
هتف صبر بحنق:
_ لستُ قردًا.
هز كريم رأسه بنفي وقال:
_ لا أريد.
_ إذًا ما رأيك أن نتناول العشاء ثم نخرج ونتسلى قليلًا؟
_ لا، لا أريد.
وتركهما وجلس على الفراش مهمومًا، تدور برأسه الأفكار وتعصف بها دون رحمة حتى غط في النوم بكل وداعة.
***
قبل دقائق.
أنهى صالح الاتصال مع كريم وقام بالاتصال بعزيز فورًا الذي أجاب بهدوء:
_ مرحبا عمي، كيف حالك؟
_ عزيز، ماذا حدث لحنان؟ أخبرني ماذا بها؟!!
صمت عزيز للحظات وكأنه تفاجأ بمعرفة عمه للأمر، ثم تنهد وقال:
_ لا تقلق يا عمي، حنان بخير.
_ ماذا يعني حنان بخير؟ ماذا فعلت بها هذه المجرمة صفية؟ ما الذي قاله كريم هذا؟!! كيف حاولت قتلها؟ وكيف تُخفي عني شيئًا خطيرًا كهذا؟
_ الأمر ليس بهذه الخطورة صدقني، لقد تشاجرت مع حنان شجارًا حادًا ودفعتها فسقطت على الطاولة الزجاجية، هذا ما سبب لها بعض الجروح المتفرقة، ولكنها الآن بخير والحمد لله.
_ هل هذا كل شيء؟ ألن تخبر الشرطة عما فعلتهُ هذه المجرمة؟ اسمعني يا عزيز، لديك كل الصلاحيات، أنا من أقول لك لا تترك حق زوجتك. هذه المرة لن يمر الأمر مرور الكرام أبدًا. لا بد من رادع لها.
_ أنا أفهمك وأقدر موقفك يا عمي، ولكن حنان هي من قررت ذلك. وأنا أحترم قرارها.
_ ولمَ لم تخبرني؟ هل هذا شيئًا يمكن إخفاؤه؟
_ لم أُرد إزعاجك بالأمر صدقني، ثم أنك لديك ما يكفيك أساسًا.
صمت صالح بعد أن تنهد باختناق وعجز، ثم أخذ يتمتم بيأس:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله. ولمَ تركت كريم برفقة حسان؟ الولد هاتفني وهو يبكي ويقول أنه لا يود البقاء هناك.
_ لم أفضل بقاءه في المشفى كل هذا الوقت، خصوصًا أن الغادي والآتي يكرر نفس الأسئلة والاستفسارات، ولم أحاول الاتصال بحياة لأني أعرف أنه بمجرد معرفتها سينتقل الخبر إليكم فقررت الاستعانة بحسان.
_ حسنًا، سأحدثك لاحقًا، لا بد أن أطمئن على حنان بنفسي.
_ حسنًا، لا تُرهق نفسك يا عمي من فضلك. مع السلامة.
كانت صفية تقف وراء الباب تتنصتُ إلى مكالمتهما وبصدد الرجوع إلى غرفتها ولكنها أجفلت فجأة عندما استمعت إلى نداء صالح وهو يقول:
_ صفيــــــــة!!!!!!
قصف صوتُ صالح مُدويًا يهز أرجاء البيت، وما إن سمعته صفية حتى شعرت بقلبها ينتفض بصدرها من شدة الخوف، لتستمع إلى صوت تحطيم شيئًا ما بغرفته فأسرعت نحوه على الفور وهي تدعو الله ألا يكون موتها على يديه هذا المساء.
_ صفيـــة؛ يا مجرمة.. أين أنتِ؟
دخلت الغرفة ليصطدم رأسها فجأة بجهاز قياس الضغط الذي ألقاه صوب الباب بانفعال فتألمت بشدة وشعرت بالدوار يلف رأسها.
_ ماذا فعلتِ يا قاتلة؟ اقتربي.
نظرت إليه بخوف وتسمرت بمكانها فقال بصراخ:
_ قلت لكِ اقتربي حالًا.
_ لا، لن أقترب. لا بد أن أشرح لك أولًا.
نظر إليها والغضب يرتسم على ملامحه بشدة وقال:
_ تشرحين؟ ماذا ستشرحين؟ هل لديكِ ما تقولينه أساسًا؟ هل لا زلتِ تملكين الجرأة لكي تتحدثي بعد ما فعلتِه؟
_ صالح صدقني.
_ اخرسـي. أنتِ طالق يا صفية، طالق يا قاتلة.
توسعت عينيها بصدمة وعدم استيعاب وهتفت بلوعة:
_ لاااا.. أرجوك لا تكررها أرجوك.
أزادت كلماتها ضيقه واستفزازه فكرر بغضب أعمى:
_ أنتِ طالـــق، طااااااالق. أنتِ طالق يا مجرمة. سأقولها لكِ بكل اللغات علكِ تفهمينها، من اليوم فصاعدًا لن تطئي هذا البيت بقدميكِ أبدًا وإلا سيكون هلاككِ على يديّ هاتين.
اقتربت منه وهي تبكي بحسرة وأمسكت بيديه وقبلتهما باستجداء وتذلل وهي تقول:
_ لا تفعل بي هذا يا صالح أرجوك.
_ لااا، لقد تأخرتُ كثيرًا في فعل هذا، تأخرتُ عشر سنوات كاملة. لو أنني فعلتها قبل عشر سنوات لكان اختلف الكثير.
انحنت على قدميه تقبلهما وهي تبكي بانفطار والتياع:
_ أرجوك، لا تكن قاسيًا عليّ بهذا القدر يا صالح، أنت تعرف أنني لا أملك مأوى لكي أذهب إليه.
_ الشارع موجود، هو من يحوي القتلة المجرمين أمثالك.
عادت لتنظر إليه وهي تمسك بيديه تحاول استمالة عطفه وهي تقول:
_ أقسم لك أني لم أتعمد إيذائها، ما حدث لم يكن متعمدًا أبدًا.
فدفع يدها بعيدًا عنه بقوة وعنف لم يسبق لهما مثيل حتى أنها ترنحت فسقطت أرضًا وهو يقول:
_ كاذبة، مهما قلتِ كاذبة. نحن لم نرَ منكِ إلا الشر والأذى منذ اليوم الأول الذي دخلتِ فيه إلى هذا البيت. من منا لم يتعرض إلى أذاكِ ولم يذق سمّك؟ كلنا بدايةً من إخوتي وزوجاتهم ووصولًا إلى أولادهم. هل نسيتِ غالية وما كنتِ تفعلينه بها؟ هل نسيتِ محاولاتك المستميتة الدنيئة لتشويه صورتها لأنكِ فقط تغارين منها وتحقدين عليها بدون سبب!! هذا الحقد والكره لم يَمُت بموتها، بل ورثهُ أولادها، قاسم وحنان! تكرهينهما وتحقدين عليهما لأنهما فقط أولاد غالية. غالية التي كانت ولا تزال كابوس حياتك.
صرخت به بانهيار شديد وقالت:
_ نعم، كانت ولا تزال وستبقى كابوس حياتي يا صالح، أتدري لمَ؟ لأنك كنت تحبها. كنت أرى هذا الحب والانبهار واضحًا بعينيك.
_ اخرسي، كفاكي إثمًا وافتراءً، كفاكي خسة وحقارة يا حقيـــرة! أنتِ من أوهمتِ عقلكِ المريض بهذه الوساوس الخبيثة وأقنعتِ نفسك بها حتى تجدي مبررًا منطقيًا لكرهك لها، ظننتِ أن الجميع واقعين بغرامها، أنا.. وأخي ورجال العائلة جميعهم، بالرغم من أننا جميعًا كنا نقدرها ونحترمها لأنها إنسانة فاضلة محترمة، ولكنكِ فسرتِ هذه النظرات على أساس خاطئ، أساس عبثي وشيطاني مثل بقية أفكارك المريضة، هذا لأنكِ كنتِ تعانين من عقدة نقص لا تزال تلازمك حتى الآن.
نهضت من الأرض واقتربت منه ولكنها أشهر سبابته في وجهها بتحذير وهو يقول:
_ إياكِ، لا تقتربي ثانيةً، هيا لملمي أغراضك واخرجي من هذا البيت حالًا.
_ لا.. لا يمكنك أن تفعل بي هكذا يا صالح، أرجوك أعطني فرصة ثانية أرجوك.
_ أبدًا. على جثتي يا صفية. لن تبقين على ذمتي ولو ليوم آخر. لقد كرهتك وأصبحت أشعر بالخزي لأنك زوجتي وعلى اسمي، أصبحت أشعر بالعار من تصرفاتك. لقد منحتكِ بدلًا من الفرصة الواحدة آلاف الفرص ولكنكِ استهترتي بي وأسأتِ تقديري؛ لذا فلن أمنحك ولو نصف فرصة، هيا أخرجي.
انهالت على يديه تقبلها بتذلل ورجاء خائب وهي تبكي بانهيار وتقول:
_ لا، أرجوك سامحني، أرجوك سامحني من أجل بناتنا.
نظر إليها بنفور وقال بحزن يتخلل قلبه:
_ بناتنا؟ أين هن؟ إحداهما سيفنى شبابها بالسجن، والأخرى أصبحت تكرهك وتكره بيتها بسببك، أين هي حياة برأيك؟ ألم تلحظي اختفائها؟ حياة غادرت ولن تنظر بوجهك للأبد. عادت إلى بيت زوجها وستبقى وحيدة وهي في أشد الحاجة إلينا وكل هذا بسببك. حياة ستعيش يتيمة الأب والأم بالرغم من أن والديها على قيد الحياة بسبب جشعك وبشاعة قلبك. حياة أصبحت لا تريدك كأم، وأقسم أن عنبر أيضًا أصبحت لا تريدك كأم، وأنا أيضًا لا أريدك، هيا أغربي عن وجهي حالًا. هيا يا خسيسة يا عديمة الضمير.
جرحت كلماته كرامتها بشدة وأيقظت الروح الشريرة بداخلها فنظرت إليه بغضب واستياء وقالت:
_ لن أغادر!
نظر إليها مصدومًا وقال:
_ مجددًا؟ هل تجادلين مجددًا؟ هل لا زلتِ تملكين الجرأة لكي تعترضي؟
_ نعم. هذا بيتي ولن أغادره أبدًا. لن أذهب وأبقى بالشارع في حين أنني أملك بيتًا يأويني.
_ لم يعد، هذا لم يعد بيتك. لقد طلقتك، وسأطلقك رسميًا لكي تنقطع كل أحبال الوهم التي تتشبثين بها.
نظرت إليه بغيظ وغضب وأردفت:
_ حسنًا، إلى أن يحدث ونتطلق رسميًا لن أتحرك من هنا، هذا بيتي ما دمت زوجتك وعلى ذمتك.
أخذ يقلب كفيه متعجبًا من وقاحتها وجرأتها وقرر استخدام آخر بطاقة لديه فقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:
_ إن لم تخرجي من هذه الغرفة فورًا وتجمعي أغراضك وتغادري بصمت سأتصل بالشرطة وأخبرهم أنكِ أقدمتِ على قتل ابنة أخي، والشاهد موجود.. كريم!
فغرت فاها وحملقت به بدهشة فعلم أن تهديده قد أصاب هدفه فقال:
_ هيا أخرجي حالًا.
هدر بالكلمة الأخيرة فانتفضت بمكانها ونظرت إليه فإذ بها تجد عينيه وقد تحولت لكؤوس من الدم فعلمت أن الغضب قد بلغ منه مبلغه، فخرجت من الغرفة صاغرةً ودخلت إلى غرفتها وارتدت عباءتها ثم أحضرت حقيبتها وجمعت بها بعضًا من ملابسها وجزدانها وغادرت المنزل وهي تبكي بقهر حقيقي تختبر مذاقه لأول مرة.
***
كان يتنفس بصوتٍ عال، يلهث وكأنه يركض خلفه وحشًا يطارده، وجبينه يتصبب عرقًا بغزارة، يهز رأسه بخوف وهو يستمع إلى كلمات حنان وهي تقول "عنبر هي من قتلته ووضعت له السم بالطعام" ثم تقفز عبارة أخرى أقسى وأمر إلى ذهنه عندما قالت جدته "جميعكم تسببتم في قتل والده وسجن والدته" وعبارات أخرى متداخلة وأصوات مخيفة يتلوها أصوات صراخ وتحطيم ثم يفتح عينيه فجأة وينظر حوله ليجد أنه كان يواجه كابوسًا، لا ليس كابوسًا وإنما هو عبارة عن استرجاع ذهني لما عاناه وعاشه قبل ساعات قليلة ظلت محفورة بذهنه ولن تغادره أبدًا.
أخذ كريم ينظر حوله بخوف شديد، فوجد صبر ينام بجواره بينما حسان ينام فوق الأريكة بزاوية الغرفة، فنهض من مكانه ونزل من السرير، ثم تقدم نحو هاتف حسان ونظر إليه ليجد الساعة وقد أشارت إلى الثانية صباحًا، فانقبض قلبه ووقف يتمتم:
_ لماذا تأخر جدي؟ لقد وعدني أنه سيبعث ليأخذني من هنا ولكنه لم يفِ بوعده.
وأخذ ينظر حوله بخوف وسالت دموعه وهو يقول:
_ لا يمكنني أن أبقى هنا. أريد العودة إلى عمي عزيز وخالتي حنان.
وتسلل نحو الباب وهو يسير على أطراف أصابعه ثم فتح الباب وخرج!!!!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم نعمة حسن
خرج كريم وأغلق الباب خلفه ليتفاجأ بالليل الحالك الذي يعم الأرجاء مما أثار رهبته وخوفه وجعله ينظر حوله بذعر، حتى أن قدميه الصغيرتين أصيبتا بالرجفة.
وقف يتأمل المكان حوله لعله يعرف سبيلا للهرب من بين أحد الأزقة الضيقة المظلمة.
وفجأة انفرج الباب وظهر حسان الذي كانت تبدو الدهشة على ملامحه، وفورًا تبدلت إلى ارتياح وهو يضم كريم إلى صدره بخوف ويقول:
_ كريم، الحمد لله أني لحقت بك في الوقت المناسب، ماذا كنت ستفعل يا فتى!
قالها وهو يمسك بكتفيه ويهزه في عتاب هادئ وتابع:
_ هل كنت تنوي الهرب فعلا؟ لا أصدق، كنت ستعرّض نفسك للخطر.
تحدث كريم وهو يبكي وقال بضيق وحنق طفولي:
_ لم أكن أنوي الهرب؛ كنت أريد العودة إلى بيتي فحسب.
نظر حسان إلى حالته بشفقة وأسف، ثم ربت على كتفه بمواساة وقال:
_ أعتذر لك لم أقصد مضايقتك، ولكن على كل حال الوقت متأخر جدًا كما ترى ولن نتمكن من الذهاب إلى بيتك الآن، أعدك أننا سنذهب صباحًا.
أومأ كريم باستسلام ودخل مع حسان مجددًا.
فجلسا على الأريكة بغرفة الاستقبال الصغيرة وتحدث حسان قائلًا:
_ هل أنت جائع؟
هز كريم رأسه بنفي.
فقال حسان:
_ لا تعاند، أنت لم تأكل شيئًا منذ أتيت إلى هنا صباحًا، سأحضر لك العشاء.
_ لا لست جائعًا.
رد عليه حسان بإصرار:
_ لا أنت جائع ولكنك عنيد.
وأردف بعفوية وهو يتجه نحو المطبخ:
_ مثل والدك تمامًا.
انتبه كريم إلى ما قاله حسان وأثارت الكلمة فضوله فلحق به إلى المطبخ ووقف أمامه وقال:
_ هل تعرف أبي؟
أدرك حسان زلة لسانه ولكنه حاول تدارك الموقف، ونظر إليه بهدوء وهو يصطنع الانشغال بتحضير العشاء فأجاب باقتضاب:
_ أجل، أعرفه.
_ أقصد هل كنتما أصدقاء؟
_ لا، ليس تمامًا. مجرد معرفة سطحية.
_ إذًا كيف عرفت أنه كان عنيدًا؟
ابتلع حسان ريقه وشعر وكأنه قد حُشر بالزاوية فنظر إليه وقال:
_ كنا جيرانًا وتعاملنا سويا أكثر من مرة.
صمت كريم للحظات، ثم توجه إلى المقعد الموضوع بالجوار وجلس فوقه بصمت.
فزفر حسان بارتياح ظنًا منه أنه قد تخطى الأمر، ولكن كريم فاجأه بالسؤال الذي زلزل ثباته حين قال:
_ هل كان أبي يستحق الموت؟
اختنقت الكلمات بحلقه وشعر بالعجز وهو يتفحص ملامح الصغير الذي يستجديه بعينيه لكي ينفي سؤاله.
وأمام هذا الموقف الرهيب لم يسعه إلا أن يتنفس بهدوء وهو يحاول تهدئة نفسه ثم تساءل بارتياب:
_ لا، من قال لك هذا؟
أسقط كريم رأسه أرضًا بحزن وقال:
_ إذًا لماذا قتلتهُ أمي؟
_ يا إلهي.
تمتم بها حسان بتوتر وارتباك ثم اقترب منه وجثا على قدميه أمامه وهو يتطلع إلى عينيه الباكيتين ويقول:
_ اسمعني كريم، ما سمعته هذا ليس صحيحًا، الأمر ليس كما تظن أبدًا.
_ كيف إذًا؟
تملكه العجز وقلة الحيلة وهو ينظر إليه ولا يعرف كيف يجيب أسئلته التي تبدو إجابتها معروفة من قِبَله جيدًا.
ولكنه حاول التحايل على عقله الصغير عله ينجح في الخروج من هذا المأزق بطريقة تقنعه فقال:
_ الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى وحده يا بني، أنا مثلًا.. زوجتي التي هي والدة صبر توفيت وهو بعمر الثانية، كان طفلًا بحجم الكف هكذا. هل يُعقل يعني أنني من قتلتها؟ لا.. لقد انتهى أجلها بأمر من الله سبحانه وتعالى. هكذا والدك أيضًا رحمه الله مات لمّا انتهى أجله بأمر من الله.
لمعت عيناه وقد بدا عليه الاقتناع قليلًا وقال:
_ هذا يعني أن أمي لم تكن السبب في موته، لأن الموت والحياة بيد الله وحده. أليس كذلك؟
أومأ حسان مؤكدًا صدق الشطر الأخير من الجملة وقال:
_ صحيح. والآن هل ستأكل أم أنك لا تزال مصرًا على العناد؟
هز كريم رأسه بنفي وقال:
_ لا، سآكل.
اتسعت ابتسامة حسان وربت على رأسه بحنو وقال:
_ حسنًا يا صديق، سأحضر لك العشاء ولكن أولًا عليك أن تعدني.
هز كريم رأسه مستفهمًا.
فأجاب حسان:
_ عدني أنك لن تكرر فعلك الأحمق هذا مجددًا، الحمد لله لقد أمسكت بك قبل الفرار وإلا لكنت الآن أبحث عنك في الطرقات المظلمة الموحشة المليئة باللصوص والمجرمين وسارقي الأطفال.
بانت الرهبة جلية في عينيه فأكمل حسان قائلًا:
_ ثم أنك رجل، والرجال لا تهرب، الرجال تواجه دائمًا. يعني.. أنت كنت تشعر بعدم الارتياح هنا.. حسنًا كان عليك أن تخبرني وأنا كنت سأذهب معك إلى المكان الذي تريد الذهاب إليه. ولكن أن تتسلل من الغرفة كلص الدجاج وتخرج على أطراف أصابعك هكذا فهذا تصرف غير مقبول تمامًا.
ضحك كريم أخيرًا عندما شبهه حسان بلص الدجاج مما أضحك حسان أيضًا وشعر أنه قد فعل إنجازًا كبيرًا.
ثم تمتم كريم وقال:
_ أنا أعتذر.
مد حسان قبضته المضمومة إلى كريم فضم قبضته كذلك وضرب بها قبضة حسان الذي قال:
_ وأنا قبلت اعتذارك يا صديقي، هيا بنا لكي نعد عشاءً رائعًا.
في تمام الثانية والنصف صباحًا انتهى حفل عقد القران.
فودع الجميع العروسين اللذان كانا يستعدان للانطلاق نحو الفندق الذي سيقضيان به ليلة عرسهما ومن بعد سيسافران في رحلة حول العالم.
صافحت حياة كلا من فتون وسارة فقالت:
_ لقد سررت برؤيتكما وقضاء ذلك الوقت الممتع برفقتكما، أراكما على خير إن شاء الله.
ابتسمت فتون بود وقالت:
_ ونحن أيضًا سعدنا برؤيتك حياة، أنتِ إنسانة لطيفة وودودة جدًا، تستحقين رجلًا رائعًا مثل قاسم وهو أيضًا يستحق زوجة جميلة مثلك.
حفرت كلماتها ألمًا إضافيًا بقلبها ولكنها لم تظهر ذلك، فقط اكتفت بابتسامة وقالت:
_ شكرًا سيدة فتون، هذا من ذوقك.
_ أنا لا أجاملك حياة، أنا أقول الحقيقة، قاسم له مواقف لا تُنسى معنا، هو الوحيد الذي وقف معنا في غياب حبيب، نحن لن ننسى له ذلك أبدًا.
ابتسمت حياة فخرًا بمواقف زوجها الشهم الذي لطالما رفع رأسها عاليًا وقالت بسرور:
_ هو لم يفعل سوى الواجب.
أومأت فتون مؤيدةً وأردفت بثقة:
_ وهذا الواجب يُحتم عليّ أن أخبركِ شيئًا هامًا.. أنتِ هنا لستِ بمفردك. لديكِ أختًا كبيرة تدعى فتون، وأختًا صغيرة تدعى سارة. إذا احتجتِ لأي شيء فلا تترددي في طلب المساعدة. نحن لسنا مجرد جيراننا. نحن أهل.
كانت حياة على وشك البكاء من فرط تأثرها برقة ونبل موقف فتون وقالت بابتسامة منكسرة:
_ أشكرك كثيرًا، وأعدكِ ألا أتردد في طلب المساعدة إذا احتجتُ إليها. أتمنى لكما أوقاتًا سعيدة، عن إذنكما.
استوقفتها فتون وقالت:
_ إلى أين؟
_ سأستوقف سيارة أجرة.
_ لا داعي، هيا لنذهب سويًا، طريقنا واحد.
طريقنا واحد! هذه الجملة المكونة من كلمتين فقط شكلت لها ماضيًا لن يُنسى ولو مر على ذكراه ألف سنة!
ماضٍ ليس ببعيد.. بُني عليه حاضرًا غادرًا.. انحدر بها فجأة نحو أنهارٍ من الشهد الذي غرقت بحلاوته؛ وفي النهاية لم تجد نفسها إلا غارقة في بحر من الدموع.
أفاقت من شرودها على يد فتون وهي تهزها برفق وتقول:
_ حياة، هل أنتِ بخير؟
انتبهت ونظرت إليها مبتسمةً وهي تقول بهدوء:
_ نعم، بخير.
_ إذا هيا بنا، السائق ينتظر.
ركبن ثلاثتهن السيارة وتحرك السائق عائدا بهن إلى البناية.
طوال الطريق كن يتجاذبن أطراف الحديث بود، ويتحدثن عن أجواء الليلة الحماسية والحفل الصاخب، ويبدين آراءهن في تفاعلات بعض الشباب والفتيات، إلى أن انقضى الطريق ودخلت السيارة إلى المرآب لكي يصفها السائق.
نزلت حياة من السيارة لتتفاجأ بسيارة قاسم المصفوفة جانبًا فشعرت وكأن أحدهم قد شق قلبها إلى نصفين في الحال.
اقتربت من السيارة ووقفت أمامها وهي تتذكر ذكرياتهما سويًا؛ ذلك اليوم الذي تقيأت في السيارة وكان هو مراعيًا وحنونًا أكثر من اللازم وكان ينظف وجهها وملابسها بنفسه، يومها أقسمت أنه أحن رجل بالعالم، حتى وإن كان يستفزها وينجح في استثارة غضبها دائمًا ويُخرجها عن دائرة العقل والتحكم في النفس ولكنه سيبقى رجلها الأول وبطلها الهُمام.
هذه الذكرى جعلتها تنخرط في حالة من التأثر والاشتياق الجارف، فأسندت رأسها على السيارة ودخلت في نوبة بكاء شديدة.
نوبة صعبة جرفت معها فيضان من المشاعر والذكريات الجميلة التي تقتلها ببطءٍ الآن.
اقتربت كلا من فتون وسارة منها وهما تحاولان مواساتها ولكنها مسحت دموعها سريعا وتظاهرت أنها بخير ثم قالت:
_ لا بأس، مجرد تأثر ليس إلا. على كل حال أشكركم جزيل الشكر. تصبحون على خير.
وفرت هاربة من أمامهم وصعدت إلى شقتها على الفور.
دخلت وما إن أغلقت الباب خلفها حتى انفجرت مجددًا في نوبة بكاء أعتى وأشد.
كانت تتقدم من الغرفة وهي تكسر وتحطم كل ما تراه بطريقها حتى وصلت إلى فراشها فارتمت فوقه وهي تنظر إلى سقف الغرفة بشرود وتقول بتيه:
_ إلى متى؟ إلى متى ستبقى فرحتي ناقصة؟ إلى متى سأتذوق طعم الشهد ممزوجًا بالدموع!!
استمعت إلى قرآن الفجر وقد بدأ يصدح في الأرجاء فرفعت أكف التضرع وأخذت تدعو وتتضرع إلى الله لكي تمر الأيام سريعا بسلام وأن يرزقها رؤية طفلها سليمًا معافى في وجود زوجها لكي لا تكون فرحتها ناقصة.
وفجأة استمعت إلى صوت هاتفها يرن فأخرجته من الحقيبة لتصاب بالصدمة عندما رأت كم المكالمات الفائتة من والدها ومن رقم آخر غير مسجل لديها.
_ يا إلهي!! لقد اتصل أبي أربعًا وعشرين مرة!!
أجابت الاتصال فورًا وقالت بقلق:
_ مرحبا أبي…
ولم تستطرد ما بدأته إلا وقد قصف صوت والدها الجهور وهو يقول بغضب وانفعال لائم:
_ مرحبا حقًا؟!!! لماذا تفعلون بي هذا! لماذا تُصرون على جعلي أنقم على عجزي وهذا الشلل اللعين الذي أقعدني وجعلني ذليلًا مقيدًا لا يسعني سوى أن ألجأ لهذا الهاتف الحقير. لماذا؟!!!
ذُهلت حياة من انفعاله وصراخه المقهور وانتابها القلق حول حالته فتسائلت بخوف:
_ ما بك يا أبي؟ ماذا حدث؟
_ وتسألين يا حياة؟ انظري بهاتفك ستعرفين ماذا حدث؟ لقد اتصلت بكِ ما يقارب من عشرين مرة.. لو كان ميتًا في قبره لأجاب!!
زمت شفتيها باستياء وتحدثت بتوتر وهي تقول:
_ أنا آسفة يا أبي، أعتذر منك لم أسمع الهاتف، لقد كنت بحفل زواج جارتي…
ولم تكمل كلامها حيث قاطعها قائلًا باستياء وانفعال متهكمًا:
_ حفل زواج؟ حياتنا مقلوبةً رأسًا على عقب وأنتِ تحضرين حفل زواج؟!
تسائلت بتعجب وقلق أكبر:
_ ماذا تقصد؟ ماذا حدث؟
لم تستمع سوى لتنهيدات والدها واستغفاره فعلمت أن الأمر جلل ولا يجب أن يستهان به أبدًا فقالت بتوتر:
_ أبي، هل أنت بخير؟ هل آتي لعندك؟
أجابها باستهجان واضح:
_ متى ستأتين؟ الثالثة فجرًا؟
وتابع وهو منفعلاً يُرغي ويزبد:
_ والدتك كادت أن تقتل حنان!!
_ ماذا؟!!!!!!!
صرخت بها بفزع واعتدلت في مرقدها بتأهب وتحفز شديدين وتابعت بغير تصديق:
_ ماذا قلت يا أبي؟ كيف حدث ذلك؟ وماذا حدث لحنان؟ هل هي بخير؟!!
_ لا أعرف، عزيز يقول أنها بخير، تعاني فقط من عدة جروح وخدوش بسيطة، ولكني لا أصدقه، كريم أخبرني أنهما كانتا تتشاجران وصوتهما كان عاليًا جدًا ووالدتك كانت تصرخ بقوة..
_ كريم؟ وهل كريم كان شاهدًا على ما حدث؟ يا إلهي، ما هذا!!
صمت صالح للحظات ثم قال باستدراك:
_ كريم!! لقد وعدتهُ أنني سأرسل أحدًا ما لأخذه الليلة ولكني نسيت تمامًا، التهيتُ بكِ وبمحاولاتي العديدة للوصول إليكِ ونسيت وعدي للصغير.
_ وأين أمي حاليًا؟ ماذا فعلت؟ كيف بررت ما فعلته؟
تجاوز أسئلتها وقال باقتضاب:
_ لا أعرف أين هي.
_ ماذا؟ كيف لا تعرف أين هي؟
_ لقد طلقتها.
_ يا إلهي!! ماذا تقول؟ هل أنت جاد يا أبي؟
هتف بحنق وغضب فائضين:
_ طبعًا جاد جدًا، لقد صبرت عليها بما يكفي، منذ اليوم الأول الذي تزوجتها به وهي تفتعل العداوات والمشاكل مع الجميع، دفنتُ رأسي بالرمال كالنعام كثيرًا بسبب مواقف مخجلة ورطتني بها، تحملتها من أجلكما كثيرًا، وتجاوزت أمورًا بشعة من أجل الحفاظ على هذا البيت ولكن يكفي. انتهى، لقد طفح الكيل. طفــح الكيــل يا حيــاة.
كانت تسمعه وهي تبكي بانهيار وقلبها ينقبض أكثر كلما ارتفع صوته ثم قالت:
_ ولكن أمي لا تعرف غيرنا، أمي لا تملك أهلًا ولا أصحابًا، إلى أين ستذهب؟
أجابها بضجر ونفاذ صبر:
_ لا يهمني، من الآن فصاعدًا لن أكترث لأمرها. فلتذهب للجحيم حتى لن أهتم.
لم تُعقب وأجهشت في بكاء حار فهتف بها بعصبية وسأم:
_ وأنتِ لمَ تبكين؟ أليست هذه من كانت السبب في حزنك وبكائك دائمًا؟ ألم تتركي البيت مرارًا بسببها؟ ألم تخجلي من تصرفاتها مع زوجك وتمنيتِ لو أنها لم تكن أمك يومًا، أليست هذه من تسببت في خراب حياة الكل؟!
أجابته بانهزام وهي تبكي وقد أصبحت خائرة القوى تمامًا:
_ ولكنها تبقى أمي!! مهما فعلت هي أمي.
_ ولكنها لا تعنيني من الآن. سأطلقها رسميًا وأنا مستعد لإعطائها نفقاتها كلها مقابل أن تبتعد ولا أرى لها وجهًا مرة أخرى.
كتمت حياة غضبها وضيقها وهي تتمتم باستهجان واضح:
_ حسنًا، ولكن بعد أن نجدها ونعرف إلى أين ذهبت.
_ لا تقلقي، أمك لن تضيع، ستذهب إلى أي جارة من الجيران، وربما تجدينها تطرق على بابكِ الآن.
مسحت على وجهها بضيق وأردفت بإيجاز:
_ حسنًا أبي، مع السلامة.
وأنهت الاتصال دون انتظار رده حتى وهي تتمتم بذهول:
_ يا إلهي!! ما هذا الذي يحدث معنا؟! أين ذهبتي يا أمي؟ أين أنتِ بربك!!
كانت فريال تقف برفقة ممدوح أمام باب الغرفة الخاصة بهما في الفندق الذي سيمضيان به ليلتهما الأولى.
تنظر إليه بابتسامة ساحرة وهي تراه يتفحص ملامحها بعشق كشاب مراهق شغوف بحبيبته.
ولما طال انتظارها وشعرت بغرابة الموقف حمحمت بحرج ثم قالت:
_ ممدوح، هل سنظل هنا؟ ألن ندخل؟
نظر حوله بانتباه ثم ضحك بارتباك وقال:
_ لا، لن نظل هنا بالتأكيد.
أومأت بموافقة ثم قالت:
_ هل أدخل بقدمي اليمنى كما تفعل العروس دومًا؟
اقترب منها بغتةً فأرجعت رأسها إلى الخلف بتفاجؤ من حركته المفاجئة، فوجدته ينحني ثم حملها على ذراعيه ونظر إليها مبتسما بحنان وقال:
_ لا، أنتِ اليوم ملكة، قدماكِ لن تلمس الأرض أبدًا وإنما ستحلق بين السحاب.
ضحكت بسعادة فضحك بدوره فقالت:
_ هل نسيت مفتاح الغرفة أم ماذا أصابك؟ هل سنقضي ليلة عرسنا هنا على الباب؟ المنظر يبدو غير لائق أبدًا.
أومأ مبتسمًا وهو يثبت نظره على شفتيها اللتين تتحدثان بطريقةٍ تبدو مغوية فأشاحت بوجهها للجهة الأخرى بخجل فطري فقال:
_ فلة، المفتاح بجيبي، هل يمكنكِ إخراجه؟
انحنت للأمام قليلًا وهو لازال يحملها ومدت يدها ولكنها لم تستطع الوصول لجيبه فقالت:
_ لم أتمكن منه، أنزلني.
قال وهو غارقٌ بالنظر إلى عينيها:
_ ها؟
ارتفعت ضحكاتها رغما عنها وقالت:
_ من فضلك أسرع، أخشى أن يفتح أحد النزلاء باب غرفته ويُمسك بنا ونحن في هذا الوضع.
_ و إذا؟ نحن عروسين والدليل واضح، ها أنا أرتدي حلة بيضاء وأنتِ ترتدين ثوبًا أبيض، وترتدين قبعة العروس أيضًا.
ضحكت وهي تشير إلى قبعة رأسها البيضاء وقالت:
_ هل أعجبتك القبعة؟
أومأ ضاحكًا وقال:
_ جدًا، وكأنكِ أحد أفراد العائلة المالكة.. لم أُخطئ عندما قلت أنكِ ملكة فعلاً.
ضحكت عاليًا مرة أخرى فقال:
_ ما بالِ هذا المفتاح وكأنه تأخر كثيرًا.
نظرت إليه وهي تقاوم ضحكاتها وقالت:
_ قلت لك أنزلني وابحث عن المفتاح جيدًا.
اقترب منها وقبّل أنفها قبلةً طائرةً وهو يقول:
_ لا، لن تنزلي، يمكنني أن أحملك بيدٍ واحدة وأبحث عن المفتاح باليد الأخرى.
_ حقًا؟
_ طبعًا، لقد كنت أحصد الميداليات في رفع الأثقال عندما كنت شابًا، ألن أتمكن من رفعكِ بيد واحدة؟! ثم أنكِ بحجم الغزال. يا غزال.
ضحكت وتشبثت بعنقه أكثر فأمسك بها بيدٍ وبالأخرى أخرج المفتاح من جيبه وفتح الباب ثم نظر إليها مبتهجًا وقال:
_ لقد نجحنا.
ثم خطى خطوتين وقال:
_ اللهم إنا نسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله.
دخل وأغلق الباب وهو لازال يحملها، ثم أضاء نور الغرفة ونظر إليها ثم أشار بعينه إلى الفراش فنظرت حيث يشير لتتفاجأ بفراشٍ مغطى بالفل الأبيض فنظرت إليه وعلى شفتيها ابتسامة معبرة وترقرق الدمع بعينيها فقال:
_ الفل للفل.
عانقته بقوة فقربها إليه أكثر وهو يقول:
_ أحبك كثيرًا فلتي.
_ وأنا أحبك أيضًا.. أحبك كثيرًا ممدوح.
قبل وجنتها ثم اقترب بها نحو الفراش ووضعها فوقه بخفة وقبّل جبينها بفرح وقال:
_ مرحبًا بكِ في حياتي يا فلة. حللتِ أهلًا ونزلتِ سهلاً.
سالت دموعها بفرح فأحاطت وجهه بكفيها وهي تنظر إلى عينيه بابتسامة عاشقة وقالت:
_ لا يسعني سوى أن أحبك.
فأحاط وجهها بكفيه كذلك وهو ينظر إلى عينيها بعشقٍ خالص وأضاف:
_ وأنا لا أطلب أكثر من ذلك.
و قَبِلا بما قُسم لهما من العشق، يستخلصا منه زادًا وزوادًا وشهدًا له مذاقًا ساحرًا، يُغنيهما عن الإصابة بفقر الحب ونقص هرمون السعادة. شهدًا غنيًا بكل ما يحتاجه الإنسان لكي يعيش حياته راضيًا سعيدًا، ومُحبًا!
كانت فتون تقبع فوق فراشها بسكون تام، تضم ركبتيها إليها وتسند رأسها فوقهما وهي تحاول جاهدةً لئلا تستسلم إلى فيضان المشاعر الذي يهدد دموعها بالانسياب.
دُخنت العديد من السجائر حتى امتلأت المنفضة ببقاياها وامتلأت الغرفة برائحتها، ولكنها لم تهدأ ولم يسكت ضجيج قلبها.
مارست بعض التمارين الرياضية علها تساعدها في الالتهاء والانشغال عن الوساوس التي تنخر برأسها، ولكنها لم تفلح في ذلك أيضًا.
أمسكت بهاتفها تحاول الاتصال بأيًا من صديقاتها لعلها تلتهي في الحديث وتنصرف عن التفكير الذي سيودي بحياتها ولكنها تراجعت في آخر لحظة لأنها لا تجد ما تقوله أساسًا.
لم تستسلم، بل خرجت من غرفتها وذهبت لغرفة ابنتها لكي تجلس برفقتها وتنتشل نفسها من تلك الحالة ولكنها تراجعت عندما استمعت إلى صوت بكائها فعلمت أنها لديها ما يكفيها بالفعل فعادت تجر أذيال الخيبة مجددًا إلى غرفتها وأوصدت الباب على نفسها من جديد.
ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا تبحث عن حل، تريد حلاً لكي تتخلص من حالة القهر التي تقتلها بالبطيء وعندما خاب دليلها ونفذ صبرها أمسكت بالوسادة وكتمت بها صوتها وأخذت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة.
تصرخ.. وتصرخ.. وتصرخ..
لم يكن صراخًا عاديًا أبدًا.
لم يكن حتى انهيارًا.
ولا انفجارًا.
حالتها أبسط من ذلك بكثير.. لقد كان مجرد قهـر!!
ثمة مشاعر متشابهة، ما بين القهر والحسرة والمرارة، الفقد والاحتياج والخذلان، الفشل والضياع والحيرة.
كلها مرادفات تبدو في ظاهرها بسيطة ولكنها ليست كذلك.
فما من شعور منهم إلا وأتبعه القهر؛ وإذا شعر الإنسان بالقهر تبلدت كل مشاعره بالتدريج وفقد رغبته بكل شيء.
وهذا تمامًا ما كانت تشعر به، فبعد أن ضعفت قوتها تمامًا بسبب كثرة الصراخ والبكاء جلست أرضًا أمام السرير وأسقطت رأسها على حافة الفراش من خلفها وشخصت ببصرها في الفراغ من حولها بهدوء.
ليس الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولا حتى الهدوء النابع عن الرضا، إنما كان نابعًا عن الاستسلام!
إنها الآن تستسلم تمامًا وتسحب يدها من كل شيء، لم تعد تطمح إلى شيء ولم يعد يعنيها شيئًا في كل هذا الكون الواسع بُرمته.
لم تدرك أنها الآن تبكي إلا عندما أحست بسخونة دمعاتها وهي تسيل على خديها باستسلام يشبه حالتها تمامًا، فأغمضت عينيها بخنوع، نزولًا عند رغبة قلبها الذي لا يريد شيئًا الآن سوى أن يبكي بصمت.
في الصباح..
خرجت حياة من بيتها باكرًا وقصدت بيت والدها فورًا، كانت تمني نفسها طوال الطريق أنها بمجرد أن تصل ستجد والدتها هناك.
وفي أسوء تقدير ستكون قد باتت ليلتها لدى إحدى الجارات.
هي تعرف أن أمها لا تستسلم ولا تتحول إلى ضحية بهذه السهولة.
صعدت إلى شقة والدها وفتحت الباب بمفتاحها الخاص ثم دخلت إلى غرفة والدتها أولًا ولكنها كانت فارغة، توجهت إلى غرفة والدها الذي كان نائما وفزع عندما أحس بحركة بالقرب منه فإذ به يجدها فوق رأسه تمامًا فقال بذهول:
_ حياة، متى أتيتِ، كم الساعة الآن؟
_ الساعة الآن السادسة صباحًا.
نظر إليها متعجبًا وقال:
_ ماذا؟!!! ولمَ خرجتِ من بيتك بهذا الوقت؟
نظرت إليه بضيق واستياء من اللامبالاة التي تفوح من حديثه وقالت بتوتر وعصبية:
_ لأن والدتي مختفية، ونحن لا نعرف أين هي ولا أين قضت الليلة الماضية!
زفر بضيق وقال:
_ قلت لكِ لا أكترث لأمرها، وصدقيني لولاكِ أنتِ لكنت أنا أول من يبلغ عنها الشرطة بعد فعلتها النكراء هذه.
نظرت إليه بضيق وقالت بحدة:
_ خلاصة القول أنها لم تعد إلى هنا منذ أن خرجت.. أقصد منذ أن طردتها.
نظر إليها رافعًا حاجبه بضيق واستياء وقال:
_ لا لم تعد، ثم ألا تلاحظين قلة التهذيب بطريقتك تلك؟
تماسكت قدر الإمكان لئلا تبكي وتنهار أمامه وهذا آخر ما تريده الآن وتمتمت باقتضاب:
_ أعتذر منك يا أبي، عن إذنك.
_ إلى أين؟ ابقِ معي اليوم.
_ ليس قبل أن أجد أمي. عن إذنك.
وخرجت مسرعةً وتركته في حالة تعجب من رد فعلها الغريب عليه، وهو الذي توقع أنها ستتقبل الأمر برحابة صدر، خاصةً لأنها تعرف حجم معاناته مع والدتها منذ زمن.
ولكن على ما يبدو كان مخطئًا تماما.
وقفت حياة أمام بيت جارتهم السيدة "تحية" بحرج وتردد، كلما مدت يدها لتطرق الباب تراجعت بخوف وتوتر إلى أن استجمعت رباطة جأشها أخيرًا ودقت الباب.
دقيقتان وانفرج الباب وظهرت السيدة تحية التي نظرت إليها بتفاجؤ وقالت:
_ حياة!! تفضلي يا ابنتي.
كانت نظرة الدهشة وتقطيبة الحاجبين على وجه السيدة كافية لأن تخبرها أن أمها ليست موجودة هنا فقالت:
_ أنا أعتذر منكِ خالتي، لقد أزعجتك.
_ لا أبدًا حبيبتي، تفضلي.. عساه خير؟
تلعثمت وترددت، لا تدري بما ستجيبها ولا كيف ستسألها عما جاءت لتسأل عنه، فبادرت السيدة بالحديث وقالت بقلق:
_ ما الخطب يا حياة؟ هل والدك أو والدتك بخير؟ تحدثي يا ابنتي.
_ أمي، ألم ترينها؟
أحدث حاجبيها تقطيبةً متعجبةً وقالت باستنكار:
_ صفية؟ نعم لقد رأيتها اليوم صباحًا، كانت تعبر الشارع ويبدو على وجهها الانفعال والغضب. ولم أرها بعدها.. ماذا حدث؟
_ لا أبدًا. كل ما هنالك أنها تشاجرت مع أبي كالعادة وخرجت ولم تعد حتى الآن.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. إلى أين ستذهب؟
أمسكت حياة برأسها في تعب وأجابت:
_ لا أعرف، على كل حال أشكرك خالتي وأعتذر منكِ مجددًا لأنني أزعجتك.. عن إذنك.
انصرفت حياة لتكمل رحلة بحثها عن أمها المفقودة؛ فطردت أبواب كل الجيران بمنطقتهم، وفي كل مرة يتكرر المشهد نفسه، يبدأ الأمر بتعجب صاحب المنزل لرؤيته حياة في مثل ذلك الوقت وينتهي بتمنياتهم لها بأن تجد ضالتها في أسرع وقت.
بعد مرور ساعتين كاملتين قضتهما حياة في البحث عن والدتها دون جدوى استقلت سيارة أجرة وقصدتها للذهاب إلى بيت حنان وعزيز.
كان عزيز يجلس بجوار حنان، يساعدها في وضع كريمات التجميل التي وصفها لها الطبيب، ثم تركها ودخل إلى المطبخ وأعد كوبًا من العصير الطازج وقدمهُ إليها بابتسامة وقال:
_ تفضلي عصفورتي، ثلاث أرباعه من أجلك والربع الأخير من أجل صغيرنا.
أمسكت بالكوب وهي تضحك وتقول:
_ ما بالك يا زوجي العزيز وقد أصبحت رومانسيًا للغاية، هل كل هذا الدلال لأنني أصبحتُ حاملًا فقط؟
جلس بجوارها وأمسك بيدها وطبع فوقها قبلةً رقيقة ثم قال:
_ لا، كل هذا الدلال لأني اكتشفت أني متيمٌ بكِ، عندما رأيتكِ بتلك الحالة المأساوية شعرت وكأن أحدهم قد شق صدري واجتز قلبي منه ورماه أرضًا. لا حرمني الله منكِ حنونة.
وضمها إليه فاستكانت بين أحضانه قليلًا حتى استمعا إلى رنين جرس الباب فنظر كلا منهما إلى الآخر بتعجب فقال عزيز:
_ بالتأكيد هذا حسان. لقد أخبرني أنه سيمرر كريم إلينا في طريقه إلى المعرض.
خرج عزيز وفتح الباب ليتفاجأ بحياة التي تقف أمامه شاحبة الوجه، خائرة القوى، وقبل أن تتفوه ببنت شفة كانت قد سقطت أرضًا مغشيًا عليها.
_ حياة!!
هتف بها عزيز بصدمة وذهول ثم انحنى وحملها فورا ودخل بها إلى الغرفة الموجودة بها حنان التي صُعقت عندما رأته وهو يحملها بتلك الحالة وقالت بفزع:
_ حياة! ما بها؟ ماذا حدث؟
وضعها عزيز بجوارها على السرير ثم نظر إليها وهو يلتقط أنفاسه المتسارعة بفعل الصدمة وقال:
_ لا أعرف، فتحت الباب فوجدتها تقف ويبدو عليها التعب الشديد، وفجأة سقطت فاقدةً للوعي.
_ على الأغلب انخفض ضغطها، أحضر لي جهاز قياس الضغط حالًا.
دخل عزيز إلى الغرفة المجاورة وأحضر جهاز قياس الضغط الذي كانت تستعمله حنان في الأيام التي كانت تُمرض فيها عزيز بعد تعرضه للحادث.
أعطاهُ لها فقامت بقياس ضغطها ونظرت إليه بهدوء وقالت:
_ كما توقعت، ضغطها منخفض. سنحتاج لمحلول مغذي حالًا يا عزيز.
_ حسنًا، سأذهب إلى أقرب صيدلية وأحضره.
خرج عزيز مسرعًا وظلت حنان بجوار حياة ممسكةً بيدها وتمسح عليها بحنوٍ بالغ وهي تتطلع نحوها بأسى وأسف وهي تقول:
_ ترى ما الذي أوصلكِ إلى هذه الحالة يا حياة؟
بعد مرور ربع ساعة تقريبًا..
كان عزيز قد أحضر المحلول وقامت حنان بتوصيله بوريد حياة التي بدأ ضغطها يرتفع شيئًا فشيئًا، مُستجيبًا للسائل الذي تسرب إلى وريدها.
فتحت حياة عينيها ببطء وأخذت تتطلع حولها بتعب فشعرت بحنان وهي تمسح عن جبينها حبات العرق وهي تقول:
_ حمدًا لله على سلامتك حياة، كيف حالك الآن؟
نظرت حياة إلى عزيز فتذكرت عندما فتح لها الباب وفقدت وعيها فورًا، أمسكت برأسها بتعب وهي تعتدل لتجلس بالفراش وهي تقول:
_ أعتذر منكما، لقد أزعجتكما منذ الصباح.
تحدث عزيز بود قائلًا:
_ أيُ إزعاجٍ هذا؟ المهم كيف حالكِ الآن؟
_ بخير، غالبًا هذا الإغماء حدث لأنني لم أتناول شيئًا منذ الأمس، إضافةً لأني بذلتُ مجهودًا كبيرًا اليوم في البحث عن أمي.
نظر إليها كلا من حنان وعزيز بتعجب وقالت حنان:
_ ماذا؟ ماذا يعني أنكِ كنتِ تبحثين عنها؟
شردت قليلًا ثم نظرت أرضًا بحزن وقالت:
_ لقد طلقها أبي، وبعد أن طلقها قام بطردها ولم يُراعِ حتى أنها لا تملك مكانًا للذهاب إليه.
كان عزيز يحدق بها بذهول وقال:
_ غير معقول! هل اتصلتِ بها؟
زفرت باستياء وقالت:
_ لم تأخذ هاتفها.
زَمت حنان شفتيها بأسف شديد ونظرت إلى حياة وقالت:
_ أنا أعتذر يا حياة، نحن لم نخبر عمي بشيء صدقيني، كريم هو من أخبره بكل شيء.
نظر إليها عزيز في هذه اللحظة وقال بانفعال:
_ لمَ تعتذرين يا حنان؟ حتى وإن كنا نحن من أبلغنا عمي فهذا رد فعل طبيعي جدًا.
نظرت حياة أرضًا بخزي وانكسار فقال عزيز بلهجة أخف حدة وانفعال:
_ أنا آسف يا حياة، لم أقصد مضايقتك أبدًا ولكن الأمر يستفزني ويثير غضبي جدًا. والدتك كانت ستتسبب في موت حنان لو أنني لم آتِ في الوقت المناسب.. ألم تكتفي بما جنيناهُ من وراءها إلى الآن؟
نظرت حنان إليه بتحذير فالتزم الصمت ودخل إلى الشرفة بينما قالت هي:
_ حياة، أرجوكِ لا تكترثِ لكلامه، أنا أعرف أنكِ لديكِ همومًا تكفيكي، ولكن عزيز غاضب بشدة ومنزعج جدًا لأني أجبرته على عدم إبلاغ الشرطة. أرجوكِ لا تحزني!
ابتسمت حياة وهي تحاول إخفاء حزنها وانكسارها وقالت وهي تربت على ذراعها:
_ أنا أتفهم موقفه ذلك وأقدره كثيرًا حنان. وأقدر موقفكِ أيضًا ولن أنساه أبدًا. و أعتذر لكِ عما بدر منها. ولكني أعتقد أنها نالت جزاءها الآن.
حاولت حنان تخطي ذلك الأمر فقالت بابتسامة:
_ حياة، أنا حامل!
حدقت بها حياة بعينين متسعتين بذهول ورددت:
_ حامــل!! هل أنتِ جادة؟
هزت رأسها بتأكيد وقالت:
_ نعم، عرفنا عندما كنا بالمشفى أمس. حامل في بداية الشهر الثاني.
احتضنتها حياة بفرحة شديدة وقالت بابتسامة عريضة:
_ مبارك عليكِ حنون، لقد فرحت من أجلكما كثيرًا.
_ شكرًا حياة، أنتِ إنسانة جميلة بقلبٍ جميل.
ابتسمت حياة ابتسامةً لم تصل إلى عينيها وقالت وهي تتفحص وجه حنان بشفقة:
_ هل هذه الجروح عميقة؟
_ لا، أغلبها جروحًا سطحية، وكما تعرفين الجروح السطحية تلتئم سريعًا.
استوقفتها كلمات حنان لبرهة، وشردت بها بعيدًا وهي تردد باقتناع:
_ صحيح، الجروح العميقة هي من لا تلتئم، وحتى إن التئمت لا بد أن تترك مكانها ندوبًا لا تزول.
كان صالح لا يزال يجلس بسريره، يشعر بالرغبة في دخول الحمام، يشعر كذلك بالجوع وقد بدأ يتسلل إلى معدته.
ولكنه لن يتمكن من مساعدة نفسه.
زفر بضيق شديد ناتج عن عجزه وحاجته، فقرر الاتصال بحياة ولكنه تراجع عندما تذكر طريقتها والتي كانت صادمة بالنسبة له فترك الهاتف من يده وهو يردد:
_ أموت من الجوع ولا أتصل بقليلة التهذيب هذه.
ثم أمسك بالهاتف وتردد في الاتصال بعزيز ولكنه تراجع مجددًا وهو يقول:
_ لا، لا يمكنني الاتصال بعزيز، بالتأكيد سيكون مشغولًا برعاية زوجته. لا ينقصه همي.
ثم زفر بقلة حيلة وأخذ يردد:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. وما العمل إذا؟
وفجأة استمع إلى صوت باب الشقة وهو ينفرج ثم يُغلق فجلس متأهبًا ينتظر دخول إما حياة أو عزيز.
وبالنسبة له كان مجيء حياة احتمالًا ضعيفًا.
ولكن كعادتها دوما لا يمكن لأحد توقعها، دخلت حياة وقد بدا الإرهاق واضحًا عليها وهي تقول:
_ أعتذر لأنني تأخرت عليك.
_ لماذا أتيتِ؟
قالها صالح وهو يتصنع الضيق والغضب فأحضرت كرسيه المتحرك واقتربت لكي تمسك بيديه وتساعده على الانتقال إلى الكرسي المتحرك ثم قالت بهدوء:
_ أتيتُ من أجلك أبي.
_ أبيكِ؟ هل تذكرتِ للتو أنني أباكِ؟ وعندما تعاملتي معي بقلة التهذيب تلك ألم أكن أباكِ؟
_ أعتذر منك.
قالتها بتعب وهي تساعده لكي يخرج بالكرسي من الغرفة ثم توجه إلى الحمام فدخلت إلى المطبخ لكي تعد له الإفطار.
بعد دقائق كانا يتناولان فطورهما سويا ولكنه لاحظ شرودها ومنظر وجهها الشاحب وملامحها الباهتة فقال:
_ هل أنتِ بخير؟ ربما عليكِ زيارة طبيبك.
_ أنا بخير، مجرد إرهاق.
_ ابقِ معي هنا. لا داعي للتنقل بين هنا وهناك وأنتِ بحالتك تلك.
نظرت إليه طويلًا حتى ظن أنها شردت ثم قالت:
_ لا أظنه قرارًا صائبًا يا أبي، أعتقد أنني أحتاج لكي أبقى بمفردي بعض الوقت.. سأمر بك يوميًا أكثر من مرة لا تحمل همًا.
هز رأسه بصمت وكأن حديثها لم يَرُقهُ فقالت:
_ والآن علي أن أذهب، سأسأل بجميع المستشفيات ربما تكون قد مرضت أو أغمي عليها وتم نقلها إلى المستشفى. لا بد أن أجدها.
_ ستجهدين نفسك أكثر من اللازم.. أمك ليست عديمة العقل ولا صغيرة بالعمر. عندما تود الظهور ستظهر.. لا تُرهقي نفسك.
لم تعلق على ما قاله ونهضت ثم حملت حقيبتها وانصرفت.
وبقي هو بمفرده يتأمل المكان من حوله بحسرة وشرود فسقطت دمعةً من عينيه ولكنه وأدها سريعا.
ارتفع رنين جرس الباب فتحرك بكرسيه المتحرك وفتح الباب ليتفاجأ بالممرضة حسناء تقف أمامه وعلى ما يبدو أنها متوترة وتتطلع بالمكان بارتياب فقالت:
_ مساء الخير.
_ مساء النور دكتورة.. تفضلي.
_ أعتذر لأنني أتيت مجددًا ولكني مضطرة لأخذ أغراض مكتب التمريض التي تركتها هنا، هذه عُهدة كما تعرف. وعندما أتيت في المرة السابقة قامت زوجتك بطردي فورًا ولم أتمكن من أخذهم. أرجوك أن تعطني إياهم قبل أن تخرج وتطردني مجددًا.
تنهد طويلًا بضيق ثم قال:
_ وأنا لم يتسنَ لي أن أعتذر لكِ عما بدر منها. أعتذر منكِ.
تبسمت بحرج ثم قالت:
_ العفو منك يا حاج صالح. أنا أتعرض لمواقف كثيرة مشابهة لذلك لم أعد أكترث.
هز رأسه بتفهم ثم أفسح لها المجال لكي تدخل وهو يقول:
_ أعتذر منكِ سيتطلب الأمر أن تدخلي بنفسك، جهاز قياس الضغط والسكر موجودان بغرفتي. وحقيبة المستلزمات الطبية بغرفة الصالون أعتقد.. ولا تخافي، هي ليست موجودة.
أومأت بموافقة ودخلت لكي تحضرهم سريعا ثم خرجت ووقفت أمامه لتشكره فقالت:
_ أشكرك كثيرًا، تمنياتي لك بالشفاء العاجل إن شاء الله.
أومأ بهدوء ثم نظر إليها لثوان طويلة ثم قال:
_ حسناء، هل تتزوجيني؟
يتبع..
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم نعمة حسن
حسناء، هل تتزوجيني؟
تلبد وجهها وكسته الغيوم، وظلت تتطلع نحوه بعدم استيعاب. ظننت أنه سيصحح سوء فهمها، أو يتراجع عن هذه المزحة، ولكنه لم يتراجع ولم يصحح. إذن فما قاله مقصودًا!
عفوًا منك؟ ماذا قلت؟
نظر إليها صالح بحرج وخجل. شاب في العشرين من عمره قد ذهب لطلب يد ابنة الجيران، ثم قال مبتسمًا بتلعثم:
لقد.. لقد عرضتُ عليكِ الزواج، هل تمانعين؟
قطبت جبينها معبرةً عن استغرابها وتعجبها، وقالت:
ولمَ عليَّ أن أقبل؟
نظر إليها متفاجئًا من ردها الحاد، ثم حاول درء الصدمة جانبًا وقال محاولًا حفظ ماء وجهه:
لأني ظننتُ أن ظروفنا متلائمة، وأن كلا منا ينقصه شيئًا ربما استطاع أن يجده في الآخر، لذا استجمعت رباطة جأشي وعرضتُ عليكِ هذا العرض.
ظروفنا متلائمة؟ عن أي ظروف تتحدث يا حاج صالح؟
شعر صالح بالحرج، ولكنه لم يكن ليتراجع حتى يعرف القول الفصل في هذا الأمر. فتنهد بتعب وأردف:
أنا رجل مطلق، وحيد.. عاجز كما ترين حالتي، ولن أنكر أنني بحاجة من يساعدني، ولن أنكر أيضًا أنني بحاجة لمن يمنحني الونس والألفة. اسمعيني حسناء. أنا لست رجلاً مراهقًا ولا أحمقًا، أعرف أن رجلاً مثلي بنفس حالتي لن يكون محط إعجاب أو إغراء لسيدة شابة مثلك. ولكن….
قاطعته حسناء فجأة وقالت:
هل طلقت السيدة صفية؟
أومأ موافقًا، فقالت:
هل يمكنني معرفة السبب؟
أردف بهدوء:
مؤخرًا حدث الكثير من المشكلات..
قاطعته وقالت بإيجاز:
هذه المشكلات أنا لستُ طرفًا بها، أليس كذلك؟
أومأ نافيًا وقال:
أبدًا. لا دخل لكِ.
إذا أنا أوافق.
نظر إليها متعجبًا، متفاجئًا، لم يتوقع أن يتم الأمر بتلك السرعة أبدًا.
أولادك، هل يعرفون بتلك الخطوة؟ هل تظن أنهم سيتقبلونها؟
نظر إليها لبرهة، ثم أردف:
أولادي لديهم ظروفهم الخاصة، ستعرفينها إن تم النصيب وتزوجنا. ولكن على كل حال ليس لأحد منهم الحق في مراجعة أو مناقشة قراراتي.
تنهدت بتفكير وتمعن، ثم قالت:
إذا فأنا لا مانع لدي، ولكن كيف ستضمن حقوقي؟
نظر إليها باستفهام وقال:
لا أفهم قصدك.
أقصد أنني إن تزوجتك سأترك العمل بالمكتب وأتفرغ لخدمتك ورعايتك، ولن يصبح لي مصدر دخل خاص بي. من يضمن لي أنه لو أعلن عليك أولادك العصيان والتمرد أنك لن تضحي بي أو تطلقني إرضاءً لرغباتهم، أو أنك لو لا قدر الله مت أنهم لن يلقوا بي في الشارع بعد موتك؟ أعذرني ولكني تعلمت أن أكون عملية دائمًا وأن واحد زائد واحد يساوي اثنان.
فهمتك. على كل أنتِ محقة وأنا لن أبخسكِ حقوقكِ أبدًا. جميع حقوقك محفوظة. اطلبي ما تريدينه.
تنهدت طويلاً، ثم قالت:
لا بد أن تأمن لي بيتًا خاصًا بي، وتسجله في الشهر العقاري باسمي!
توقف عند مطلبها لبرهة، يفكر في الأمر بعقلانية، بينما هي تراقب خلجاته والحيرة البادية عليه، فقالت:
أنصت إلي جيدًا يا حاج صالح. سيكون لكلا منا مصلحة من هذا الزواج إن تم. نحن راشدون وعاقلون ونستطيع التفكير بحكمة وعملية، أنا أريد تأمين مستقبلي بما أنني سأتفرغ لك وأترك عملي. هذا ليس طمعًا أو ما شابه، ولكن ببساطة لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
نظر إليها باستفهام، فتنهدت، ثم قالت:
أنت لا تعرف عني شيئًا يا حاج صالح. ولكني سأخبرك الجزء الأكثر إلهامًا بالنسبة لي، والأكثر إيلامًا كذلك.
عندما كنت شابة في السابعة عشر من عمري تزوجت من جارنا الذي كان يكبرني بعامين. عشت حياة مرفهة جدًا ومنعمة، كنت سعيدة معه وكانت لدينا حياة مستقرة، إلى أن تعرض لحادث وبترت يده اليمنى على إثره. اضطررت إلى البحث عن عمل لكي أستطيع سد احتياجاتنا ريثما يستطيع هو تدبير ثمن طرف صناعي يمكنه من العودة إلى العمل من جديد. ولأنني كنت صغيرة بالعمر ولم أحصل على شهادة لأني لم أكمل تعليمي، اضطررت إلى القبول بالعمل في المنازل. طبعًا الأمر لا يحتاج إلى شرح.. يمكنك تخمين كم الاستغلالات والمضايقات التي كنت أتعرض لها. حاولت وتحملت، وعندما فاض بي الكيل أخبرته بكل شيء، وكان هذا خطئي الذي لن أسامح نفسي عليه أبدًا. بعد أن أخبرته بتعرضي للتحرش من أصحاب البيوت التي كنت أخدم بها، غضب وثار وبكى، ثم لم يتحمل العجز وتملكه اليأس ودفعه إلى الانتحار.
كان صالح يستمع إليها بأسى وهي تسترسل بحزن وتستحضر تلك الذكريات الأليمة، وتقول:
بعد موته بعام ونصف تقريبًا زوجني أبي لرجل يكبرني بثلاثين عامًا… ثلاثون عامًا كاملة... تخيل!! هذا فقط لأنه كان ميسور الحال واستطاع أن يدفع ثمنًا يليق بي.
وابتسمت بحزن وتابعت:
كنت شابة في كامل أنوثتي، في مقتبل العمر، وردة يهفو الجميع لقطفها وتملكها، ولكن هؤلاء الجميع لم يملكوا ما يدفعونه لوالدي الذي كان يطلب الحد الأقصى دائمًا. ما عدا هذا الرجل الذي دفع ما طلبه أبي بدون نقاش. ولأني فقيرة حظ ومنحوسة كما كانت تدعوني أمي، مات هذا الرجل بعد زواجنا بعامين فقط. لأجد نفسي وقد أصبحت أرملة للمرة الثانية وأنا في العشرين من عمري. ولكن لم يتوقف سوء الحظ والنحس عند هذا الحد، فبعد موته بشهر واحد فقط تهجم علي أولاده وبناته وضربوني ضربًا مبرحًا وقاموا بطردي من المنزل وألقوا بي في الشارع. طبعًا والدي كان من السلبية بحيث تغافل عن حقوقي، وغض البصر عما فعلوه بي، وأقنعني أننا لن نجني من عداوتهم سوى الذل والهوان.
وتوقفت عن السرد، ثم نظرت إليه بابتسامة متزنة وقالت:
بعدها بخمس سنوات مات أبي، وتحررتُ أخيرًا من جهله وسلبيته وتعنته الضال، استطعت أن أواجه الحياة من جديد وتعلمت أبجديات الحياة كطفل في العاشرة. وبدأت أموري تستقر شيئًا فشيئًا، بعدها استطعت الحصول على عمل في مكتب توظيف ممرضين وممرضات للتمريض المنزلي، ثم انتقلت للعمل كمساعدة في مطبخ أحد المستشفيات، وأخيرًا انتقلت إلى المكتب الذي لا أزال أعمل به حتى الآن. برأيك هل علي أن أخوض نفس المغامرة من جديد دون الاستفادة من التجربتين المريرتين اللتين مررت بهما؟
هز رأسه بنفي وقال بثقة:
أنتِ محقة، وأنا أوافق على شرطك. وإن كنت أثق أن بناتي لسن كمن ذكرتيهم أبدًا، ولكن حفظًا وضمانًا لحقوقك لدي شقة بالمعمورة سوف أسجلها في الشهر العقاري باسمك.
أومأت بموافقة وقالت:
حسنًا، نحن متفقين إذًا.
***
خرجت سارة من غرفتها تنوي الخروج.. أو بمعنى أدق كانت تنوي الهرب قبل أن تمسك بها والدتها وتدخل معها في جدال منذ الصباح حول آثار البكاء الواضحة جدًا على معالمها. ولكنها تفاجأت بوالدتها تخرج من المطبخ وهي تحمل قدحًا من القهوة وقد بدا على وجهها الإرهاق والتعب، وعلى ما يبدو أنها لم تتوقف عن البكاء طوال الليلة الماضية.
يبدو أنها كانت ليلة مليئة بالدموع.
قالتها سارة وهي تمط شفتيها وترفع حاجبيها بتعجب من هيئة والدتها التي تجاوزتها ودخلت إلى الشرفة دون النبس بحرف.
ارتدت سارة حذاءها واستعدت للخروج، فإذا بوالدتها تقول بصوت خافت متحشرج:
إلى أين؟
تنهدت سارة، ثم اقتربت منها وقالت:
هل أنتِ بخير؟
أجابت فتون وهي ترتشف من فنجان قهوتها بهدوء:
أجل. إلى أين تذهبين؟
زفرت مطولًا وأجابت:
لا أعرف، ولكن على الأغلب سأذهب لمكاني المعتاد.
أومأت فتون بصمت، ثم قالت:
ما رأيكِ أن نخرج سويا اليوم؟
حقًا؟
تساءلت بتعجب، فهزت فتون رأسها بموافقة وقالت:
أشعر بالضجر، أشعر بالملل يقتلني ببطء. أود تجربة أي شيء مختلف.. إن بقيتُ بمكاني هنا ستزهق روحي من فرط اليأس.
شعرت سارة بالإحساس المظلم الذي ينبعث ويفوح من حديث والدتها وعلمت أنها ليست بخير أبدًا، بل وأوشكت على تخمين السبب الذي أغرق أمها في هذا الظلام أيضًا، فقالت بابتسامة مهزوزة:
حسنًا، اقتراح رائع.
حسنًا، اعتني بنفسك.
خرجت سارة لتتفاجأ بقصي الذي كان يجلس على الدرج في انتظارها وهو يقف متأهبًا، ويقترب منها، ولكنها تجاهلته تمامًا وحثت الخطى نحو المصعد. فأسرع خطاه لكي يلحق بها.
دخلت المصعد وهمت بضغط الزر، ولكنه وضع كفه كحاجزٍ بين مصراعي الباب لئلا ينغلق وهم بالدخول، ولكنها منعتهُ بصلف وتكبر إذ قالت:
أعتذر منك، لا أستقل المصعد برفقة الغرباء!
توقف يتطلع نحوها بأسى وهي تضغط الزر مجددًا، فهبط المصعد بينما ظل هو واقفًا يتأمل أثرها وقد حفرت جملتها بداخله أثرًا مؤلمًا للغاية.
خرجت سارة من العمارة حيث كان حسين السائق الخاص في انتظارها، فركبت السيارة وطلبت منه أن ينقلها إلى المقهى التي تجلس به دومًا. تحرك السائق وأسندت هي رأسها على ظهر المقعد وأغمضت عينيها في محاولة بائسة منها لكي لا تتذكر نظراته المنكسرة التي من الممكن أن تُثنيها عن قرارها بشأن البُعد والتخلي، وتُضعف من عزيمتها وتجعلها تستسلم لمشاعرها التي تحثها على إعطائه فرصة جديدة. وهي التي قررت قرارًا صارمًا وعزمت على عدم العودة إليه مهما حاول، فلن تقبل أن تظل طوال حياتها رهينة الإحساس بالشفقة وموضع عطف.. ومن يدري؟ ربما موضع اشمئزاز ونفور!
اهتز هاتفها معلنًا عن اتصال، ففضت رأسها من تلك الأفكار الخزعبلية التي تنتابها أحيانًا، وأخرجت هاتفها من حقيبة يدها، فإذا بها تتفاجأ بالمتصل.
چاسي!!
تجاهلت الاتصال، ولكن المتصلة كانت أكثر إصرارًا، فعاودت الاتصال مرة أخرى، فما كان بوسعها إلا أن تجيب.
مرحبًا چاسي، كيف حالكِ؟
هل تتذكرين چاسي يا نذلة؟ هل تتذكرين رفاقك القدامى أساسًا؟ مرت شهور طويلة وأنتِ تتجاهلني ولم تفكري حتى في الاتصال بنا ولو لمرة.
قلبت سارة عينيها بملل وهي تستمع للوم وعتاب صديقتها التي لا ترغب في الحديث إليها أساسًا، ولكنها قالت بلطف:
المعذرة منكم. كان لدي هموم انشغلت بها.
هموم؟ خيرًا؟ هل أنتِ بخير سارة؟
أنا بخير، مجرد تفاهات لا تهتمي.
حسنًا، أعرف أنكِ تتهربين من الإجابة، ولكن على كل حال، لقد اتصلت بكِ لكي أدعوكِ لحضور حفل عيد ميلادي اليوم. بالتأكيد ستأتين، أليس كذلك؟
إنها الأيام تعيد نفسها من جديد! وكأنها تدور في مدارٍ حول نفسها وتعود إلى نفس النقطة مرة أخرى.
في نفس الوقت الذي كانت تحاول فيه الانسلاخ عن حاضرها المرير، فتح لها الماضي الأكثر مرارة بابه على مصراعيه مُرحبًا بها؛ وبالرغم من أنها حاولت وبذلت قصارى جهدها لكي تتنحى بعيدًا عن هذا الماضي الذي لم تنل منه سوى أيام مظلمة ودموع لم تتوقف، ولكنها ترى الآن أن ذلك الماضي هو الحقيقة الوحيدة في حياتها.
وأن المستقبل المشرق الواعد الذي أوهمت نفسها به ليس موجودًا أبدًا. حتى وإن وجد فلن يكون من نصيبها أبدًا. فالحياة ليست عادلة وليس شرطًا أن يكون الجميع سعيدًا راضيًا.
ولما طال صمتها وشرودها، تحدثت چاسي بنزق، فقالت:
هل تفكرين في الأمر كل هذا الوقت؟ هل الأمر يستحق كل هذا التفكير يا فتاة؟ كان علي أن أصدق رفاقي حينما قالوا أنكِ أصبحتِ تصادقين من هم بنفس مستواكِ ولا تلتفتين لمن هم مثلنا أبدًا.
في لحظة، قررت سارة قتل الرفض والتردد بصدرها، وأرادت الثأر لقلبها المغدور حتى لو سارت عكس التيار، قررت التمرد على كل شيء لكي تثبت أن لا شيء ثابت ولا شيء مضمون.
لا عزيزتي، ما تقولينه ليس صحيحًا أبدًا. سآتي وأحضر عيد الميلاد. أراكِ مساءً.
وأنهت الاتصال، ثم غرقت بحالة الصمت والشرود التي تعتريها من جديد..
***
بعد رحلة بحث طويلة غير مجدية، استغرقت عدة ساعات قضتها حياة وهي تسأل بكل المستشفيات عن اسم والدتها، وتترك صورتها ورقم هاتفها الخاص لكي يتم إبلاغها في حال تم الوصول إليها، عادت حياة إلى بيتها وهي خائرة القوى تمامًا. تجر قدميها بتعب وتثاقل وكأنها تسير الهوينا. دخلت شقتها ثم توجهت لأقرب مقعد وارتمت فوقه وأخذت تبكي.
كانت تبكي بانهيار، ثم رفعت ناظريها إلى السماء وهي تشكو إلى ربها وتقول:
يا إلهي، أرجوك عجل بالفرج، يا ربي رحمتك.. أتوسل إليك أن ترحمني، أنا لست قوية بما يكفي لكي أتحمل كل تلك الابتلاءات بمفردي! سجن قاسم وعنبر، ومرض والدي، وفقدان أمي. أنا أحارب بمفردي في كل الجبهات! يا إلهي أعنّي.
صدح أذان المغرب، فنهضت وتوجهت إلى الحمام، أخذت حمامًا دافئًا ثم توضأت وخرجت لتقف بين يدي ربها وتناجيه. تعلم أنها مقصرة، وأنها لا تواظب على فروضها كاملةً، وهذا ما أشعرها بالخزي والندم. ولكنها تعلم أيضًا أن الله يجيب من دعاه ويسمع من ناجاه.
وبعد أن فرغت من صلاتها، نهضت وأحضرت المصحف الخاص بقاسم وجلست على مقعده بشرفة الغرفة كما كان يفعل، وبدأت تقرأ القرآن بقلبٍ خاشع.
وبعد مرور بعض الوقت، وضعت المصحف بجوارها وتمطت بإرهاق، ثم أمسكت بهاتفها في تردد وقامت بالاتصال بوالدها الذي أجاب:
مرحبًا حياة.
مرحبًا أبي، كيف حالك؟
بخير، هل أنتِ بخير؟
هل هي بخير؟ لا.. هي ليست بخير أبدًا. هي في قمة البؤس واليأس والإحباط.
وفجأة اجتاحها فيضان البكاء، فيضانًا جامحًا في غير أوانه، ثم هدأت تدريجيًا، إلى أن سكنت تمامًا وتنحنحت لكي تجلي حلقها.
ظنت أن والدها قد أنهى المكالمة، فقالت:
أبي؟
حينها استمعت إلى تنهيدته المعروفة وقوله المعتاد:
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
أبي، أود أن أخبرك شيئًا..
كان لديها كثير من الأشياء التي تود إخباره عنها.. عن قرارها بشأن زيارة قاسم، أو استفسارها عن البلدة القديمة التي كان يعيش بها أهل أمها والتي تتوقع أن تكون بها الآن. وأخيرًا كانت تود الاعتذار له لأنها شعرت أنها لم تكن ابنة بارة بوالدها اليوم، وكانت ستطلب منه الصفح، وربما كانت ستقرر أن تتخلى عن البقاء ببيتها وتذهب لتؤنس وحدته.
وأنا أيضًا يا حياة، لدي ما أخبرك به.. لقد قررت الزواج.
غمغمت حياة بهمسٍ مبهم، هي نفسها لم تفقه منه شيئًا، كان هذا هو تأثير الصدمة التي صفعت خدها وهوت بها إلى القاع.
تتزوج؟!
قالتها باستهجان شديد، تلاهُ انفجارًا بضحكات عالية لم تتمالكها، إلى أن تداركت الموقف وامتنعت عن الضحك تمامًا وتحول ضحكها إلى نحيب صامت.
لما استمع والدها إلى صمتها، قرر أن ينتهز فرصة هذا الهدوء الذي حتمًا ستتبعه نوة إسكندرية عنيفة، ثم قال:
أرجو ألا تخطئي فهمي يا حياة، ولكني يئست من الوحدة.
تجهمت ملامحها وارتسمت على شفتيها ابتسامة متهكمة حتى شعرت بتشنج نواصي فمها من الابتسام، فقالت:
وحدة؟ أيُ وحدة يا أبي؟
وتابعت بلومٍ صارخ:
هل شعرت بالوحدة بعد اختفاء والدتي بأربع وعشرين ساعة فقط؟!!
على ما يبدو لقد أتت النوة أسرع مما توقع..
حياة، والدتك بالنسبة لي لم تختفِ منذ أربع وعشرين ساعة، والدتك مختفية منذ سنوات طويلة، أنا أعاني من الوحدة منذ سنوات طويلة، أفتقد للونس والراحة منذ زمن.
كانت تهز رأسها كلما تحدث وهي تشعر بأنها تستمع إلى أضحوكة.. بالتأكيد والدها يختبر ردة فعلها، أو ربما يعاقبها بهذه المزحة السخيفة لأنها تجاهلته اليوم وكانت فظة الأسلوب معه.. أو… أو ربما هي كذبة إبريل مثلا!!!
ولكن ما قاله والدها تباعًا أثبت أنها ليست كذبة إبريل.. إبريل بريء من هذا الهراء الذي يتفوه به.
حياة، أنا أعاني من الوحدة، ومن العجز، ومن اليأس.. ما مر من عمري قد مر، وما بقي ليس بالكثير. هل تستكثرين عليّ أن أمضي ما تبقى من حياتي مرتاحًا راضيًا؟! هل هو كثيرًا عليّ أن أطمئن بوجود امرأة متفهمة ومراعية وقلبها صافٍ تعينني على تجاوز هذه الأيام التي لا تتردد عن صفعي بيد الخذلان..
تدبرت كلماته، ثم تلعثمت قليلا وهي تحاول ترتيب ما ستقوله، وعندما وجدت صوتها قالت:
ولكن.. نحن.. وأمي.. أمي المسكينة ما ذنبها أن أغدر بها وأتزوج عليها امرأة أخرى.. هل كل هذا لأنها أخطأت بحق حنان، حنان نفسها قالت أن والدتي لم تتعمد فعل هذا..
قاطعها حينما صرخ بها بعنف:
هل ما زلتِ تقولين أنها مسكينة! أمك المسكينة مريضة، مليئة بالضلالات، فريسة للأوهام والأحقاد، ومن سخرية القدر أنها لم ولن تدرك ذلك حتى نهاية العمر!! وأنا لن أتحمل أوهامها وأحقادها مرة أخرى، يكفي إلى هذا الحد.
وتابع بفتور وضجر:
ثم أني لن أتزوج عليها، لأنها لم تعد على ذمتي أساسًا.
ونحن؟!
قالتها بصوتٍ ميت، فأجاب بصوتٍ مهموم مهزوم:
من أنتم؟ من تقصدين؟ أنتِ؟ أنتِ لديكِ حياتك بالفعل.. صحيح هي مضطربة الآن ولكنها سوف تستقر بخروج قاسم من السجن. وستنشغلين عني بطفلك القادم إن شاء الله. عنبر؟! أين هي عنبر؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.. من أنتم يا حياة؟!
استمعت إلى كلماته التي كانت بمثابة شمعة! تنير الطريق من أمامها وتشير إلى حقيقة مثبتة لا سبيل من الفرار منها أو إنكارها، ولكنها في نفس الوقت تنصهر على قلبها وتحرقه ببطء.
ومن هي؟ أقصد العروس؟!
تساءلت بحنق وغضب مستتر، فأجاب:
الممرضة حسناء.
اتسعت عيناها بدهشة ورددت:
الممرضة حسناء؟!! هذا يعني أن أمي كانت محقة في ظنها تجاهها، وأنا البلهاء كنت أدافع عنها دومًا. اتضح في النهاية أن أمي كانت ذات نظرة ثاقبة منذ البداية.
أيُ نظرة ثاقبة؟ والدتك عمياء البصر والبصيرة، لا تضطرني للإتيان على ذكرها بما لا يصح الآن، اسمعي حياة، والدتك هذه مجرد صفحة وقد طويتها أخيرًا، ما سوف أُقدم عليه ليس عيبًا ولا حرامًا.. وأنا لست مراهقًا أو طائشًا، لقد أحنى ظهري الزمن وأرى أنه من العدل أن أجد من تقاسمني أيامي القليلة المتبقية.
تدبرت حياته كلماته، ثم تلعثمت قليلا وهي تحاول ترتيب ما ستقوله، وعندما وجدت صوتها قالت:
أنت محق أبي، ليس من حقي أبدًا أن أعارض قرارك هذا. ليفعل الله خيرًا.
إن شاء الله. غدًا سأخبر عزيز لكي يحضر المأذون.. هل ستكونين موجودة؟
انفلتت منها ابتسامة خائبة منهزمة، ثم قالت:
لا أظن، لدي من الهموم ما يكفي ويفيض. تصبح على خير أبي.
أنهت حياة الاتصال، ثم ألقت الهاتف بجوارها بإهمال، ثم نهضت وتمددت فوق فراشها بتعب.
لم تبكِ، لقد جفت عيناها من الدموع وأصبحت كالبئر الجافة التي تحولت إلى فوهة مهجورة قبل أن تتخذها الوطاويط مسكنًا لها.
وبالقليل من طاقتها المهدرة المتبقية، أمسكت بالهاتف من جديد وقامت بإرسال رسالة نصية إلى السيد أكثم.
"مرحبًا سيد أكثم، أود مساعدتك في توفير إذن بزيارة قاسم غدًا. وآسفة على الإزعاج."
***
كانت سارة قد وصلت للتو، نزلت من السيارة ودخلت إلى البناية، فإذا بها تجد قصي يعترض طريقها. وقبل أن يتفوه بحرف، نطقت هي بغضب وقالت:
ما الذي تحاول فعله؟ لماذا تعترض طريقي وتظهر أمامي في كل مكان؟ الأمر أصبح لا يطاق.
سارة، لا بد أن نتحدث. أنا أحتاج للحديث معكِ لكي أفسر لكِ موقفي..
قاطعتهُ سارة بضجر وقالت بحدة:
أي موقف؟ لماذا تضخم الأمر هكذا؟ ماذا تظن نفسك؟ ها؟!! هل ظننت أننا سيكون بيننا رابط في يوم من الأيام مثلا؟ أنت حقًا مثير للشفقة.
نظر إليها متعجبًا وقال:
ماذا تعني؟
لا أعني شيئًا، ولم أعنِ شيئًا يومًا يا قصي. كل ما حدث كان وهمًا من نسج خيالك أنت فقط. أنا لم أعدك بشيء، يا إلهي أنت حتى لم تمنحني الفرصة لكي أعطيك جوابًا سواء بالموافقة أو الرفض، وفورًا اعتمدت أني قد وافقت على عرضك الخرافي الذي لا يُرفض أبدًا. ومن أكون أنا لكي أمتنع عن الموافقة على عرض الطبيب ابن الطبيب..
ما هذا الذي تقولينه يا سارة؟!
ما أقوله أعنيه بالحرف يا قصي، لذا أنصت جيدًا. أنت لن تظهر أمامي مجددًا. ولن تعترض طريقي كقطاع الطرق مجددًا، ولن تقفز أمام وجهي كل يوم مجددًا.
ثم تابعت بتهكم صرف:
ولا تظن أبدًا أنني سأمنحك الفرصة لكي تغدق عليّ من معروفك وخدماتك الجليلة وتتنازل لكي ترتبط بفتاة لا تستحق هذا الشرف مثلي، فتاة تظن أنك ستمنحها حقًا ليست جديرة به لأنها ببساطة ابنة مجرم قاتل وأنت ابن الطبيب المحترم.
قالت الأخيرة بألم داخلي يملؤها، فتنهد وقال:
سارة صدقيني أنا لا أفكر بتلك الطريقة أبدًا. تلك الحالة التي رأيتني عليها كانت بسبب المفاجأة ليس أكثر. وبعد أن أخذتُ وقتي وفكرت بروية _ أدركت الحقيقة .. أنني أحبك بأي شكل وبأي صفة، أحبك على كل حال ستكونين عليه.
ابتسمت ابتسامة متهكمة، ثم قالت:
هذه ليست الحقيقة دكتور، هذه كذبة..
واقتربت منه أكثر حتى توقفت أمامه مباشرةً وهتفت بألم نابع من داخلها المكلوم:
كذبة نجحتُ في إيهام نفسي بها، أنني من الممكن أن أحظى بشخص يحبني بأي حال سأكون عليه كما تقول أنت.. أوهمت قلبي الصغير أنه بإمكاننا البدء من جديد دومًا مهما تعثرنا ومهما ضاقت بنا السبل، وبسببك أنت يا قصي أدركت الحقيقة كاملة؛ لا أحد يريدك بعلتك، لا أحد سيختارك وأنت تحمل آثام غيرك حتى ولو لم يكن لك يدًا بذلك.
نظر إلى عينيها الدامعتين وغرق بهما وبدون شعور منه اقترب والتقط يديها وأطبق كفه عليهما وهو يقول برجاء:
لا أريد سوى فرصة ثانية لإصلاح سوء الفهم بيننا.. أرجوكي.
ولكنها كانت من القسوة والهشاشة في آنٍ واحد بحيث انتزعت يديها من بين يديه بقوة وأردفت بجمود:
سوء الفهم يمكنك إصلاحه، ولكن ماذا عن قلبي؟
همس قصي بأمل:
يمكننا ترميم كل شيء والبدء سويا من جديد.
ابتسمت بانكسار، ثم ابتعدت عنه بدون رد وتجاوزته متخذة طريقها نحو المصعد..
وهو يقف يتتبع أثرها وهو يقول بحرقة:
لا تجيبي يا سارة، ابتعدي.. ولكني لن أفعل، لن أتركك.. سأحاول تصحيح كل شيء مهما تطلب الأمر. يكفي أن أستعيد ثقتك من جديد.
دخلت سارة إلى المصعد وضغطت زر الطابق الثالث، وما إن أوصد الباب حتى سالت دمعتها وأخذت تردد:
اللعنة!! اللعنة على كل شيء.
توقف المصعد، فمسحت دمعاتها وخرجت، ومن ثم دخلت إلى شقتها لتجد والدتها بانتظارها، فقالت:
مساء الخير.
تحدثت فتون بهدوء:
مساء الخير، على ما يبدو أن الخروج لم يفد بشيء، يبدو أنك لست بمزاج جيد.
تحدثت سارة بإيجاز واقتضاب:
لا أبدًا. سأبدل ملابسي لكي أذهب إلى عيد ميلاد چاسي.
قطبت فتون حاجبيها بتعجب وقالت:
چاسي؟! منذ فترة لم أسمع سيرة چاسي، أو سيرة أصدقائك القدامى عمومًا.
دخلت سارة إلى الغرفة لكي تستعد ووقفت أمام الخزانة تنتقي منها فستانًا مناسبًا وهي تجيب والدتها بفتور قائلة:
إذًا عليكِ أن تتعودي على سماع سيرتهم من جديد.
رفعت فتون حاجبيها بتعجب، ثم نهضت ودخلت إلى الغرفة وقالت باستهجان:
ماذا يعني كلامك؟! ألم تقطعي علاقتك بهم؟ ما سبب عودة العلاقات من جديد؟ عساه خيرًا؟
أجابت سارة بانشغال وهي تتفقد خزانتها:
لم أقطع علاقتي بهم؛ ابتعدت فترة ليس إلا.
مطت فتون شفتيها باستياء وقالت بعد صمت:
ألم نكن على اتفاق أننا سنخرج سويا الليلة؟!
نظرت إليها سارة بعناد يشوبه الندم وقالت:
أعتذر منكِ، يمكننا الخروج في وقتٍ لاحق.
تنهدت فتون طويلًا، ثم رسمت ابتسامة مزيفة على شفتيها ببراعة وهي تقول:
كما تحبين، على كل حال استمتعي بوقتك. ولكن لا تتأخري.
أومأت سارة بموافقة، فخرجت فتون وسحبت الباب معها، ومن ثم عادت إلى الشرفة وأشعلت سيجارة تنفث مع دخانها الهموم التي تملأ صدرها وتزاحم أنفاسها فيه.
بعد قليل..
توقفت السيارة أمام بيت چاسي، فنزلت سارة وتوقفت أمام مدخل العمارة وهي تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة، تشعر أنها أخطأت بالحضور اليوم خاصةً وأنها تعرف أنها ستضطر لمواجهة رفاقها القدامى وهي التي حاولت جاهدة لكي تتجاوز تلك الفترة وتمحيها من ذاكرتها، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن أحيانًا.
صعدت الدرج وهي تعد من واحد إلى عشرة بداخلها في محاولة منها لتهدئة نفسها والتحلي بالثبات والثقة بالنفس التي ستساعدها على اجتياز تلك الساعات القليلة التي ستضطر لقضاءها هنا. ثم دخلت لتجد رفيقاتها بانتظارها واللائي رحبن بها واستقبلنها استقبالًا حافلًا.
هنأت چاسي بعيد ميلادها وقدمت لها هدية كانت قد اشتريتها في طريقها إليها، ثم انضمت إلى حيث يجلس رفاق المدرسة القدامى الذين بدأوا في التحدث سويا وتجاذب أطراف الحديث معًا، وكانت هي تحاول المشاركة ببعض العبارات اللطيفة والابتسامات المجاملة.
بدا الجو لطيفًا هادئًا وظنت أن الليلة ستمر مرور الكرام لولا أن تحدث زميلها نادر فقال:
سارة، كيف حال والدك؟ هل خرج من السجن؟
نظرت إليه بضيق ثم أجابت ببساطة:
ليس بعد.
أومأ بنفس البساطة ثم أردف:
ماذا كانت جريمته؟
أجابته بحدة وانفعال:
ولمَ تسأل؟ ما دخلك أنت؟
ثم نهضت وهي تلتقط حقيبتها بغضب وتقول:
هل اجتمعنا اليوم لكي نحتفل أم لكي نتبادل السخافات ونتدخل فيما لا يعنينا؟
تدخلت چاسي بينهما فورًا وقالت:
اهدئي يا سارة، نادر لم يتعمد مضايقتك..
ونظرت إلى نادر بتحذير وقالت:
لا تكن سخيفًا يا نادر، بالكاد أقنعتها بالمجيء اليوم فلا تجعلها تندم لأنها أتت.
على الفور تحدث نادر بهدوء وهو يحاول تبرير موقفه فقال:
أعتذر منك يا سارة، أنا لم أقصد إزعاجك، كل ما في الأمر أن أخي عبدالرحمن كان يقود سيارته ثملًا وصدم شابًا بسيارته فتوفي في الحال، ولقد تم الحكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا. لذا سألتك عن والدك وسبب دخوله السجن، هل هي قضية قتل أم سرقة؟ ومن كان المحامي الذي تولى الدفاع عنه؟ من الممكن أن نستعين به.
ارتجفت يدها واهتز قلبها بارتباك، وقبل أن تجيبه استمعت إلى ذلك الصوت الذي تعرفه جيدًا وهو يقول:
متى أصبحت لحوحًا بهذا القدر يا نادر؟ دعها وشأنها وانشغل بما يعنيك هيا.. أم أنك تحاول جذب الانتباه إليك بأي طريقة؟
استدارت سارة لتقع عينيها على سيف الذي يقف خلفها ويطالعها باهتمام، فهمست باسمه بتوتر وتحشرج صوتها، ولكن الأمر لم يتوقف إلى هنا، فأجاب نادر وهو يقول بفظاظة:
أرى أنه من الأفضل أن تطبق تلك النصائح على نفسك أولًا ومن ثم تنصحنا بها. أم أنك تحاول جذب انتباهها من جديد فحسب؟
نظرت إليه سارة باستياء وقالت:
ما الذي تقوله يا هذا! لا تتدخل فيما لا يعنيك، هل فهمت؟
نظر إليهم نادر بغضب وأردف:
فيما أخطأت أنا؟ الجميع يعرفون أنه يحاول التقرب منكِ والتودد إليكِ من جديد، على ما يبدو أنكِ تركتِ له ذكرى لا تُنسى! تُرى بأي طريقة استطعتِ تخليد ذكراكِ يا سارة؟
ونظر إلى أصحابه الذين بدأوا بالضحك والتهكم والهمس فيما بينهم؛ مما أشعر سارة بالضيق والغضب، وجعلها محط أنظار جميع الموجودين بالحفل، علاوة على أنها شعرت بأن هناك شيئًا يحاك في الخفاء، ولكنها لم تستطع تحديده.
فـنظرت إلى نادر بتقزز وأردفت:
أنت إنسان قذر وسافل.. لقد أخطأت بالحضور إلى هنا..
في تلك الأثناء حاول سيف التهجم على نادر بالضرب، ولكن رفاقهم حالوا دون حدوث ذلك، فنهضت سارة مسرعةً والتقطت حقيبتها وهي تستعد للانصراف، ولكن نادر هتف بصوت واضح مجددًا وقال:
أخبرينا سرسورة، هل ما زلتِ تتعاطين تلك الحبوب؟ أسألك لأنني بحثت عنها ولم أجدها بجميع الصيدليات، وأعرف أن لديكِ مصادر خاصة..
وغمز بعينيه بنظرة ذات مغزى وتابع:
أم أنكِ تُبتِ وندمتِ وعُدتِ إلى الله؟
وضحك ضحكةً منفّرة أثارت ضحكاتهم جميعًا، فانقض سيف عليه بالضرب ولكمه لكمةً طاحت بأنفه وجعلتهُ ينزف الدماء، ثم لحق بسارة التي كانت تهرول نحو الخارج وهي تبكي بانهيار.
سارة، من فضلك انتظري.
أمسك بيدها فنزعت يدها من قبضته وصرخت به وهي تقول:
ابتعد عني، لمَ تلاحقني؟
في تلك الأثناء كان قصي يراقب المشهد وهو يجلس بسيارته التي صفها على بعد خطوات من منزل چاسي، حيث تتبع سيارة سارة لهدف لا يعلمه، ولكن كل ما كان يشعر به وهو يسير خلف سيارتها أنه يريد أن يتواجد بنفس المكان الذي تتواجد به. ولن ينكر أنه جزءًا بداخله كان فضوليًا بشأنها وأراد هو أن يسير خلف فضوله فلحق بها.
وعندما رأى المشادة التي تحدث بين سارة وهذا الشاب نزل فورًا من سيارته واتخذ سبيله نحوهما بدون تفكير.
صدقيني لم أكن أنوي التدخل، ولكن كلام نادر استفزني بشدة.
هتفت به وهي تبكي:
وما شأنك أنت؟ من تكون لكي تتدخل وتتسبب في وصول الأمر إلى هذا الحد! لو لم تتدخل سيادتك لما كان تجاوز حده وتمادى ووضعني بهذا الموقف المخجل أمام الجميع.
أظهر سيف الندم وقال:
أنا أعتذر منكِ ثانيةً، ولكني لم أتحمل رؤيتك وأنتِ تتعرضين لمضايقاته بهذا الشكل. أنا لا أزال أحبك سارة.
لم تستمع إلى آخر ما قاله لأنها انتبهت إلى وجود قصي بمحيطها، فنظرت إليه بصدمة وقالت:
قصي؟!! ماذا تفعل هنا؟
نظر سيف إليه بغيظ وغضب مكتوم وحاول جاهداً لئلا تنفلت أعصابه، بينما وقف قصي يحاول ترتيب ما سيقوله:
بالصدفة. كنت أمر من هذا الشارع ورأيتك، لماذا تبكين؟ ما الخطب؟
نظرت إليه بغير تصديق وهتفت بصراخ وغضب يلتهم داخلها:
ما شأنك أنت أيضًا؟!! ما شأنكما؟!! ما هذا التطفل والتدخل اللا مقبول.. من تظنان نفسيكما ومن منحكما الحق لكي تتدخلا بحياتي؟!
نظر إليها قصي بتعجب وقال محاولًا تهدئتها:
سارة..
قاطعه سيف وهو يحاول التهام فرصته الأخيرة:
سارة، أرجوكِ لا تنفعلي بسبب هذا الوغد؟! ثم أنني قادر على ردعه ومحاسبته بخصوص ما قاله عن الحبوب وما شابه.. سأدخل الآن وألقنه درسًا لن ينساه مدى حياته.
نظرت إليه ساره بعينين متسعتين وهي تمنعه فورًا عن استكمال ما قاله، فعلم أنه قد أصاب الهدف، بينما قطب قصي جبينه وقال:
أيُ حبوب؟
أغمضت سارة عينيها بضياع وتمنت لو أن الأرض انشقت وبلعتها وحاولت الهرب من بينهما فورًا، ولكن نادر كان قد خرج برفقة أصدقائه وما إن رأى الثلاثتهم حتى هتف حانقًا:
ومن هذا الطويل؟!! هل هو صديق جديد؟!! ربما اشترت سارة صداقته ببعضٍ من حبوب الود كما كانت تفعل معنا سابقًا؟!
نظر سيف إلى نادر وسبّهُ على الفور، بينما تقدم قصي منه وهو يشعر بالدماء تكاد تنفجر من عروقه ورأسه من فرط الغضب وهو يقول:
أنت.. ماذا تقصد؟
رأى نادر الشر بعينيه، فتراجع خطوةً إلى الوراء ولعق ما قاله فورًا، وعيناه في تلك اللحظة كانت تستجدي بسيف الذي شعر بالخطر يداهمه هو الآخر، فتراجع للوراء خطوات معدودة بالقرب من سيارته لكي يلوذ بالفرار في الوقت المناسب.
انقض قصي على عنق نادر وأمسك بتلابيبه وهو يستفسر عما قاله بغضب هادر وكأن ضربًا من الجنون قد أصابه:
ماذا تقصد يا عديم الشرف؟ ما الذي تحاول التلميح له؟!
اقتربت سارة من قصي وهي تحاول إبعاده عن نادر، لأنها تعرف أنه لن يتردد عن إخباره بالحقيقة كاملة، ولكن قصي تجاهلها، بل أنه لم يشعر بها أساسًا..
تحدث نادر متلعثمًا بخوف من هيئة قصي الذي يبدو عليه أنه مستعد للنزال وأنه سيلحق به أشد الآلام فقال:
لم.. لم أقصد قول شيء، بل...
وفجأة باغته قصي بضربة قوية برأسه تراجع على إثرها عدة خطوات إلى الوراء مترنحًا وهو يمسك برأسه من شدة الألم..
صرخت سارة بفزع لما رأت الدماء تسيل من مقدمة رأس نادر، وحاولت إبعاد قصي عنه بأقصى استطاعتها، ولكنه لم يتحرك من مكانه إنشا، وكأنها تحاول تعتعة جبل راسخ لا يهتز.
قصي أرجوك..
هتفت به وهي تتشبث بقميصه، فنفضها بعيدًا عنه بقوة جعلتها تسقط أرضًا كورقة شجر في فصل الخريف. ووقف قصي كالوحش الكاسر بينهم نافخًا صدره وعضلاته بغضب وأوداجه تدج بالدماء الفائرة، وصدح صوته مزلزلًا:
عن أي حماقات تتفوهون يا عديمي الشرف، من كان منكم لديه ذرة شجاعة ويعرف قدره كرجل فليواجهني..
ونظر إلى نادر الذي تراجع للخلف حتى التصق بالجدار وقال بتحفز:
هيا واجهني، إما أن تثبت صحة هراءك هذا أو تعتذر عنه حالًا.. واترك التلميح والتشنيع فهو من سمة النساء.
نظر نادر إلى سيف الذي اختفى من المكان فجأة، وازداد خوفه وقال:
أنا.. أنا أعتذر.. ما فعلته كان بأمر من سيف، سيف هو من طلب مني إزعاج سارة وقول ما قلته وأنا نفذت ما قاله بدون تفكير.. أنا أعتذر..
وفر راكضًا فجأة مبتعدًا عن مجال قصي الذي كان يقف بمكانه والشرر يتطاير من عينيه..
نظر قصي حوله بغضب فوقعت عيناه على سارة التي لا تزال بمكانها وهي تبكي، فأسرع نحوها ومد يده إليها يساعدها لكي تنهض، فنظرت إليه طويلًا ثم أمسكت بيده ونهضت، فقال:
لا بد أن نتحدث.. حالًا.
أومأت بموافقة.. حتى وإن لم يطلب هذا كانت هي من ستطلب منه أن يتحدثا.. فبعد ما حدث لن تترك الأمر ناقصًا أبدًا. لن تسمح بأن يكون لديه علامات استفهام تدور حولها كثيرًا. فهي تؤمن وتثق بأن أقصر مسافة بين نقطتين هي خط مستقيم؛ لذا عليها أن تحكي له الحقيقة كاملة.
استقل سيارته، وركبت هي بجواره وتحرك بها إلى منطقة هادئة بالقرب من البحر، ثم توقف ونظر إليها وهو يقول بنظرة مبهمة:
حسنًا، أنا أسمعك.
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته ببطء، ثم قالت:
أولًا، عليك أن تفهم أنني اخترت مصارحتك بكامل إرادتي، وليس خوفًا مما حدث أو ما سمعته اليوم.
أومأ متفهمًا بصمت، فقالت:
بالنسبة لأبي، لقد دخل السجن لأنه قتل رجلًا قذرًا، كان يترصد لوالدتي ويريد توريطها معه في علاقة آثمة. علاوة على أنه لفق لها صورًا مزيفة برفقته، وهذا ما دفع بأبي إلى الجنون فقتله. هذه هي القصة باختصار. أما عني؛ فبعد أن سُجن والدي وانتشر الخبر بين رفاقي في المدرسة بدأت أتعرض للتنمر والمضايقات وأصبحت محل نفور واشمئزاز، أهداني عقلي الصغير إلى طريقة غبية أكتسب بها ودهم ومحبتهم. خاصةً أنني كنت أشعر بالوحدة واليتم، فأمي كانت بعيدة كل البعد عني، فلجأت إلى طريقة تجعلني محط اهتمام أصدقائي. سمعت سيف ذات يوم وهو يتحدث عن حبوب مخدرة وما شابه وكيف أنهم يواجهون صعوبة في الحصول عليها، فقررت أن أقوم أنا بهذا العمل الفدائي، وبالفعل اشتريت لهم الحبوب من طبيب محتال يدعى خالد.. كنت أترودد إليهم عن طريق إعطائهم تلك الحبوب كما قال نادر، كنت أريد أن أصبح محبوبة لا منبوذة، كنت أتمنى تكوين صداقات ومعارف تعوضني عن وحدتي البائسة. ولكن بعد فترة ظهر قاسم بحياتنا وغير كل شيء مئة وثمانين درجة، أصبح بمثابة أخ أثق به وبكلامه، هو من ساعدني على الابتعاد عن هذه البؤرة المشبوهة والبدء من جديد.
نظر إليها قصي بنظرة مبهمة لم تستشف منها شيئًا وقال:
هل كنت أنا السبب في رغبتك في العودة إلى هذه البؤرة المشبوهة من جديد؟
أسقطت رأسها أرضًا بتشتت وقالت:
ربما لأنهم يشبهونني، كلاه منا لديه ماضٍ مخزٍ، وحاضرٌ ومستقبلٌ أكثر خزياً، ربما لأننا نشبه بعضنا البعض ولا مجال بيننا لادعاء الفضيلة أو التفاخر بها. وربما لأنهم يعرفوني ولا أكون مضطرة للتجمل والتحايل على نفسي برفقتهم.
تنهد قصي بحيرة، ما قالته ليس هينًا أبدًا، أحدث بداخله شرخًا عميقًا لا يظنه قد يلتئم سريعًا، وفي نفس الوقت يصعب تجاوزه بسهولة.
نظرت إليه بخيبة أمل جديدة بعد أن رأت صمته وتخبطه، فمسحت دموعها بصلف وأنفة وقد شعرت براحة عارمة الآن، ولكن مهلًا.. لا يزال هناك شيئًا مهمًا عليها أن تخبره به..
لم يتحرك ولم ينطق بكلمة، وأمسك بالمقود بصمت وعاد أدراجه نحو بنايتهم.
طوال الطريق كان الصمت يسود الأجواء، إلا من نحيبها الهادئ. توقف أمام البناية فنظرت إليه وأردفت بهدوء:
هناك شيئًا أخيرًا..
نظر إليها باهتمام وترقب.. و خوف كذلك، فقالت:
أنا وسيف..
قطب جبينه متحفزًا، فقالت بحرج:
كنا متزوجين بعقد عرفي.
اتسعت حدقتيه بصدمة، فأردفت فورًا:
لم يلمسني..
تنهد بهدوء نسبي، ولكن انقباضة وجهه لم تخف، فقالت:
كان عقدًا وهميًا على أمل أن يتحول لعقد حقيقي وزواج رسمي عندما نبلغ السن القانوني.. ولكني اكتشفت نواياه الخبيثة فلجأت لقاسم، وكالعادة هو من أنقذني ومزق هذه الكذبة اللعينة.
لم يظهر عليه أي رد فعل، فأردفت:
لقد أخبرتك بكل شيء، هذه هي الحقيقة كاملة. صدقني لن ألومك أبدًا إن رأيتني وأدرت وجهك للجهة الأخرى. عن إذنك.
وتركتهُ ونزلت من السيارة، ثم صعدت إلى شقتها وفورًا دخلت إلى غرفتها لكي تنهار بالصورة اللائقة بعد كل ما مرت به اليوم.
***
في اليوم التالي..
كانت حياة قد اتفقت مع أكثم على أن يحصل لها على إذن بزيارة قاسم.. وها هي ذا تجلس بمكتب مأمور السجن في انتظار استدعاء قاسم من زنزانته..
كانت تعد الدقائق والثواني بتلهف وتوتر، لا تعرف ماذا ستكون ردة فعله عندما يراها بعد غياب شهر تقريبًا.. وبينما هي شاردة تفكر، انفرج باب المكتب ودخل قاسم الذي ما إن رآها حتى ابتلع الخطوات الفاصلة بينهما وضمها إليه بشوق مهلك.
عانقته حياة وأجهشت بالبكاء.. وتشبثت بعنقه وتمنت لو توقف الزمن بينهما عند تلك اللحظة. لا هو يريد حل وثاقها من بين ذراعيه، ولا هي تجرؤ على الخروج عن حضنه..
كان المأمور قد خرج وترك لهما مجالًا للخصوصية، أو الرومانسية.. أيهما أقرب!
فما إن أوصد الباب خلفه حتى ضمها قاسم إليه بجنون وتملك ثغرها بقبلةٍ هي الأطول في تاريخهما سويا.. لم ينفصلا إلا بعد أن اختنقت حياة وابتعدت عنه فجأة كالغريق الذي طفا على سطح الماء بعد دقائق طويلة يصارع الغرق، وسحبت شهيقًا طويلًا ملأت به رئتيها، ثم عادت لأحضانه من جديد وطوقت رقبته بذراعيها وهي تقول:
أنا أحبك كثيرًا قاسم.
ضمها قاسم وقربها منه أكثر وهو يحيط وجهها بكفيه ويقول مبتسمًا:
وأنا أحبك حياتي، اشتقتكِ كثيرًا.. كيف حالكِ؟
استسلمت لرغبتها الملحة في البكاء وبدأت تبكي وهي تقول:
وأخيرًا أنت تسألني كيف حالي، اشتقت لك كثيرًا، حالي أسوأ حال.. أنا أموت بالبطيء يا قاسم. أقسم أني لن أصمد في هذه الدنيا الظالمة كثيرًا.
حدجها بغضب وزجرها على الفور قائلًا:
ما بالكِ يا مجنونة؟ بأيُ حماقةٍ تتفوهين؟
صدقني قاسم، أنا أضعف من أن أواجه كل هذه المعاناة بمفردي، لو كنت أنت بجواري لهان كل شيء، ولكنك ابتعدت في الوقت الخطأ تمامًا.
قالتها وعيناها تصرح له باللوم والعتاب الصارخ، فابتسم وهو يمرر إبهامه على وجنتيها بلطف وقال:
ما حدث قد حدث يا كهرمانة، لن نبكي على اللبن المسكوب يا فتاة. هيا أخبريني ما الخطب؟
قاسم.. والدتي مفقودة.
ماذا؟!!
قطب جبينه باستغراب وتابع:
ماذا يعني أنها مفقودة؟ هل تمزحين؟
بربك هل هذا أمرًا يمكن المزاح فيه؟ أقول لك أمي مفقودة، أخشى أن تكون قد ماتت بمكان ما ولا نستطيع العثور عليها..
رفع حاجبيه بتعجب ودهشة.. ثم تمتم:
لا حول ولا قوة إلا بالله.. كيف حدث هذا؟ ماذا يعني أنها مفقودة، هذا أمر لا يصدقه عقل، زوجة عمي لا تضيع أبدًا.
قال الأخيرة وهو يفكر بصوتٍ عالٍ، فنظرت إليه بغضب وقالت:
حقًا؟!! ولكنها ضاعت.. نحن لا نعرف مكانها منذ يومين.. سألت عنها الجيران وسألت في كل المستشفيات غير موجودة.
أومأ بتفهم وقال بهدوء:
أرأيت، هذا يعني أنها بخير.. ولكنها تختبئ بمكان ما. ولكن.. ما السبب؟ ماذا حدث؟
تلعثمت قليلا، لم ترغب في إخباره بما فعلته أمها مع حنان والشجار الذي حدث مع والدها ثم تطليقه لها وخروجها بلا عودة، واختزلت كل ذلك في جملة واحدة:
لقد طلقها أبي.
ارتفع حاجبيه بدهشة وأخذ منه الأمر وقتًا حتى استوعب ما قالته، فاسترسلت هي:
وبعد أن طلقها جمعت أغراضها وخرجت.
طلقها؟!! لماذا؟!! ماذا حدث؟
تنهدت بقلق وأشاحت بعينيها عنه وهي تقول:
الموضوع طويل.. دعنا لا نضيع وقت الزيارة في الحديث عنه.
اقترب منها وقبل وجنتها وامتدت يده إلى بطنها وأخذ يمسح عليها بحنان وهو يقول:
كيف حال طفلنا؟ هل انتهت شهور الوحام؟ هل تبلين حسنًا الآن؟
ابتسمت بانكسار وقالت:
طفلنا بخير، يشتاقك كثيرًا.. وأمه كذلك تحترق كل يومٍ شوقًا إليك.
منح جبينها قبلةً مخلصةً وقال:
وأنا أشتعل شوقًا إليها.. وانحنى نحوها وطبع قبلة على ثغرها وقال:
يا إلهي.. فديتهُ.. وفديتُ أمه.. حياة هل أخبرك أمرًا؟
أومأت بموافقة، هَم بالنطق ولكنه تراجع وأخذ يتطلع حوله في أركان المكتب وقال:
لا.. ليس ضروريًا. أريد أن تنقضي محكوميتي على خير، وأخرج قبل المدة المحددة لحسن السير والسلوك.. إذا سمع المأمور ما سأقوله من الممكن أن يتهمني بخدش الحياء العام ويزيد على مدة سجني أشهرًا إضافية.
نجح في إضحاكها أخيرًا، والتمعت عينيها وتوردت وجنتيها كزهرة تلقفتها أيدي الربيع من بعد خريفٍ عاتٍ.
تبسم قاسم ولكم اشتاقت ابتسامته، فمالت على وجنته وطبعت قبلةً دافئةً، فقال:
يا إلهي، أفتقد قبلاتك المتوحشة كثيرًا يا حياتي.
طرق العسكري الباب ودخل بعدها المأمور معلنًا عن انتهاء مدة الزيارة. فأمسك قاسم بيدها وقبلها ثم ربت على بطنها برفق وهو يقول:
اعتني بنفسك حياتي، اعتني بصغيرنا كذلك.
أومأت بموافقة، فاسترسل بإيجاز وهو يعانقها العناق الأخير:
أنتِ قوية جدًا يا حياة، أقوى مما تظنين، لا تجعلي شيئًا يهزمك. حسنًا؟
أومأت والدموع تلمع بعينيها، فقال وهو يستعد للخروج:
عديني، لا تراجع ولا استسلام يا فتاتي.
أومأت بإيجاب وأردفت بابتسامة ممزوجة بالدموع:
لا تراجع ولا استسلام حبيبي.
منحها قاسم ابتسامة من أجمل ما يكون، ثم لوّح لها مودعًا وخرج برفقة العسكري. فشكرت هي المأمور وانصرفت بعدما شحذت همتها بهذا اللقاء الذي بعث في نفسها السرور والطمأنينة.
***
بعد مرور أسبوع..
تزامنًا مع حلول أول أيام الشهر المبارك..
رضخ الكل لرغبة صالح في تناول إفطار أول أيام شهر رمضان ببيته.. وبالرغم من رفض حياة الشديد إلا أنها لم تجد بدا من الانصياع لأوامره في النهاية. كذلك حنان وعزيز اللذان قررا طاعة عمهما ومشاركته فرحة هذا اليوم.
ذهبت حياة قبل أذان المغرب بساعة.. بعد أن تأكدت من ذهاب حنان وعزيز قبلها، لأنها لم تكن مستعدة أبدًا لمواجهة والدها وزوجته بمفردها.
دخلت البيت وكأنها تدخله للمرة الأولى.. فتوقفت أمام شقة عنبر وعبدالله.. وابتلعتها الذكريات فجأة.. ذات يوم كانت هنا أسرة.. زوجان وطفل.. حياة تمتاز بالضجيج ولكنها كانت شبه مستقرة… أشبه ببركان خامد.. وانفجر ذلك البركان وتناثرت أشلاء تلك الحياة فجأة بفعل محفز واحد.
مسحت دموعها وأكملت طريقها إلى الأعلى حيث شقة والديها.. لا تدري لمَ تذكرت اليوم الأول الذي خرج فيه قاسم من السجن وطرق بابهم.. حينها تشبثت بعنقه كالبلهاء ومن يومها لم تستطع الفكاك منه.
هل تطرق الباب؟ تُرى من سيفتح لها؟ بالطبع ليست أمها المفقودة.. ربما عزيز وربما حنان.. والاحتمال الأرجح أن تفتح زوجة والدها.. سيدة البيت!!
شعرت بالاختناق والحزن يكوي قلبها ووجدت نفسها تهرع إلى الطابق العلوي!
حيث شقة قاسم!!!
توقفت أمام الشقة وأسندت رأسها على الباب وانهارت..
يا إلهي.. إنها لا تجيد فعل شيء مثل البكاء فعلاً كما أخبرها قاسم.
فيضان من الذكريات والمشاعر اجتاح وجدانها في لحظة.. كم هائل من الاسترجاعات الزمنية التي أحدثها عقلها في أقل من دقيقة..
اليوم الذي صعدت لكي تسأل قاسم عن سر اهتمامه بسارة.. واتهامها له بأنه بيدوفيلي!! يومها فتح قلبه وحكى لها حكايته مع الزمان..
في يوم آخر كانت شاهدة على أختها وهي تنزل من هذه الشقة ذليلة مطأطأة الرأس..
في يوم آخر طردها قاسم وأخبرها أنه سيدق رأسها إن رآها مجددًا..
ذكريات جامحة.. لا تبارح خيالها ولا تنفك عنه أبدًا.. هذا البيت كان ولا يزال وسيبقى محور حياتها.. لن تستطيع تبديله بأي بيت آخر مهما كانت المقارنات.
تذكرت كلام قاسم لها عند زيارته.. عندما أوصاها بألا تيأس وألا تضعف أو تستسلم.. فنصبت ظهرها وأخذت نفسًا عميقًا وهي تردد وعدها له:
لا تراجع ولا استسلام يا قاسم.
ثم نزلت درجات السلم ووقفت أمام باب شقتهم من جديد وطرقت الباب.. زفرت عدة مرات بتوتر قبل أن ينفرج الباب وتتفاجأ بوالدها الذي يفتح لها الباب وهو يجلس على كرسيه المتحرك.
تفاجأت.. لم تتوقع أن يستقبلها هو بنفسه.. وفورًا التقطت الإشارة؛ أن هذا البيت بيت والدها وسيكون والدها في انتظارها واستقبالها دومًا.
انحنت عليه واحتضنته بقوة وتأثر ثم قبلت يده وقالت بابتسامة:
كل عام وأنت بخير بابا.
وأنتِ بخير حبيبتي، تفضلي..
على بعد خطوتين كانت حسناء تقف بتأهب.. وعلى ثغرها ابتسامة حيوية ومرنة.. لا تنم عن الانزعاج أو الضيق، وهذا ما شجع حياة للمبادرة بالسلام فقالت:
مرحبًا.. كل عام وأنتِ بخير.
تفاجأت عندما أقدمت عليها حسناء واحتضنتها وقبلت وجنتيها وهي تقول:
وأنتِ بخير حياة، تفضلي.. مرحبًا بكِ.
صافحت حياة كلا من عزيز وحنان وعانقت كريم باشتياق جارف.. ومن ثم تبادلوا المباركات وجلسوا سويا وصالح بينهم يتجاذبون أطراف الحديث، ثم دخلت حسناء إلى المطبخ لكي..
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم نعمة حسن
صافحت حياة كلا من عزيز وحنان وعانقت كريم باشتياق جارف.
تبادلوا المباركات وجلسوا سويا وصالح بينهم يتجاذبون أطراف الحديث.
دخلت حسناء إلى المطبخ لكي تنقل الأطباق إلى المائدة.
نهضت حياة وحنان وعرضتا عليها المساعدة.
ابتسمت قائلة بلطف:
_ أنتما حوامل ولا أريد إرهاقكما. أساسا كل شيء جاهز.
نظرت كلا من حياة وحنان لبعضهما البعض وابتسمتا.
قالت حنان:
_ ولو. يكفي أنكِ قمتِ بتحضير كل هذه الأصناف بمفردك.
دخلت إلى المطبخ لتنقل بعض الأطباق إلى المائدة.
قالت حسناء:
_ أنا معتادة على تحضير الطعام بكميات كبيرة، فلقد كنت أعمل بمطبخ المشفى قبل أن أنتقل إلى مكتب التمريض المنزلي. كنت أعد الطعام لجميع المرضى والأطباء، لذا لم أجد صعوبة في تحضير الإفطار اليوم.
ابتسمت حياة بتكلف وقالت بهدوء:
_ سلمت يداكِ.
انطلق مدفع الإفطار والتفوا جميعهم حول المائدة.
صالح على رأس المائدة، وعن شماله حسناء، بجوارها حنان وبمقابلها عزيز. بجواره كريم وبجانب كريم حياة التي تجلس عن يمين والدها.
تفقدت حياة المقاعد الشاغرة بحزن يلتهم فؤادها.
لم يكن والدها ليفوت نظرة الحسرة بعينيها. كانت تتأمل المقعد المقابل لوالدها على الجهة الأخرى. كان من المفترض أن تجلس أمها الآن. أين هي؟ وكيف حالها؟ كيف تتناول طعام إفطار أول يوم في رمضان بمفردها؟ وما هو شعورها الآن؟
كون أن زوجة والدها لم تجلس على هذا المقعد بالذات، هذا ما جعلها تشعر بالامتنان نحوها. على الأقل لأنها لم تحاول استفزازها بجلوسها مكان والدتها، ولم تحاول إيصال رسالة مبطنة لها بأنها ستحل محلها.
اختنقت وسالت العبرات غدرا على جانبي خديها فمسحتها سريعا.
حاولت الانخراط معهم ولكنها فشلت. فهناك مقعدين آخرين شاغرين، أحدهما خاص بقاسم والآخر بشقيقتها عنبر.
غص حلقها واختنقت العبرات به. كيف حالها وبماذا تشعر الآن؟ هل تبكي؟ هل تشتاق لهذه الجَمعة؟
في هذه اللحظة واستكمالا لبركان الذكريات الأليمة تذكرت اليوم الذي أعد والدها عزيمة ضمت كل أفراد الأسرة احتفالا بخروج قاسم من السجن. في ذلك اليوم انسكب الحساء فوق يدها ورأت فزع ولهفة قاسم عليها، حتى أنه صار ينفث من فمه على مكان الحرق ليخفف عنها الشعور بالألم.
اقشعر بدنها وارتجفت. لن يفهم أحدا ولن يقدر كم تحتاجه الآن وفي هذه اللحظة بالذات. فبالرغم من وجود والدها وأولاد أعمامها بجوارها الآن إلا أنها تشعر بالوحدة. هذا ليس مكانها. روحها غريبة تأبى الانسجام بينهم. جسدها حاضر ولكن روحها غائبة تماما ولا سبيل لاستحضارها.
_ حياة، تناولي إفطارك يا ابنتي.
انتزعها والدها من شرودها. فنظرت إليه ورسمت الابتسامة غصبًا على شفتيها وشرعت في الأكل.
كان صالح يتناول طعامه وهو يتفقدهم جميعا. يجتمعون ولكن أرواحهم شتى.
كلا منهم شاردا يفكر فيما يشغله.
حياة التي تفكر بالجميع. عنبر، قاسم ووالدتها.
عزيز والذي يتناول طعامه وعيناه مثبتتان في الفراغ. لا شك أنه تذكر أخاه الآن وحن لرؤيته.
حنان والتي لم تنس أخاها بالتأكيد وتحاول الاهتمام بكريم وتعويضه عن حرمانه والديه.
حسناء أيضا. بالتأكيد لديها مخاوفًا وفضولًا حول انطباعاتهم عنها.
وهو. هو لم ولن يتجاوز غياب عنبر. عبدالله.. قاسم.. وحتى صفية.
إنها الحياة يا رفاق. كل شخص يمر بك إما أن يهبك بعضا من كله ويتنازل لك عن شيءٍ منه، أو ينزع من روحك ووجدانك قطعة. يستحيل أن يعبر الإنسان دون أن يترك أثرا يصعب يتجاوزه.
وفي النهاية. الجميع لديهم همومهم. وكلٌ يبكي على ليلاه.
بعد أن فرغوا من طعامهم وقامت النساء بنقل الأطباق إلى المطبخ ومن ثم تقديم الحلوى والشاي. جلسوا جميعهم يتناولون أطراف الحديث عن مواضيع عامة، مع مراعاة كلا منهم عدم الخوض في مواضيع شخصية مراعاة لحساسية الوضع.
وبينما حياة ترتشف من كوب الشاي خاصتها اهتز هاتفها معلنا عن اتصال وارد.
كان الاتصال من رقم غير مسجل، وهذا ما أشعرها بالقلق. فأجابت فورا وقلبها يطرق بعنف:
_ مرحبا. من معي؟
_ مدام حياة صالح الحداد؟
أجابت بوجل:
_ نعم، من حضرتك؟!
_ لقد تركتِ رقم هاتفك بالمشفى لكي نهاتفك في حين الوصول لخبر عن والدتك السيدة صفية علام…
أومأت والقلق ينهش فؤادها:
_ نعم، صحيح. هل لديكم أخبارا عنها؟!
_ يؤسفنا إبلاغك أن اليوم قد وردت جثة مشوهة المعالم إلى مشرحة المشفى ومعها أوراق شخصية وبطاقة هوية خاصة بوالدتك. يرجى زيارة المشفى لمعاينة الجثة في أقرب وقت!
لم تملك حياة في هذه اللحظة ردًا غير الصمت. أُصيبت بحالة من القصور العقلي الذي منعها من استيعاب ما سمعته. وكأن رأسها قد أصيب بالخدر، ودخل عقلها كهفًا مظلمًا ولم يغادره.
أصبح الجميع يتطلع نحوها، يترقب ردها، ينتظرون أي ردة فعل بعد هذا الصمت المريب. ولكنهم أبدا لم يتوقعوا ما فعلته. فلقد صرخت بأعلى صوتها وهي تُلقي الهاتف بعيدا بفزع وكأن جانًا قد تلبسها. وانتابتها حالة من الهياج العصبي الهيستيري وأخذت تصرخ وهي تنادي "أمي" مما أثار رعب المحيطين. فأسرع عزيز والتقط الهاتف من على الأرض وتحدث مع الممرضة من جديد فأخبرته بما أخبرت به حياة.
حاوط كلا من صالح وحنان حياة وأسرعت حسناء إلى المطبخ لكي تحضر لها كأسا من الماء. بينما حياة لا زالت على نفس الحالة تبكي وتصرخ دون توقف.
نظر عزيز إليهم بأسف وهو يحاول أن ينتقي الكلمات الأخف وقعًا عليهم. حينها لاحظ صالح حالته المرتبكة وتساءل بقلق:
_ ما بك يا عزيز؟! ممن كان الاتصال؟!
أخذ الأمر لحظات حتى وجد عزيز صوته وهمس بخفوتٍ آسف:
_ هذا.. هذا كان اتصالًا من المشفى، يقولون أنهم عثروا على جثة زوجة عمي.
حدق به صالح بدهشة وافترش الأسف والندم ملامحه وجاء يتمتم وهو يقلب كفيه بصدمة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله. إنا لله وإنا إليه راجعون.
نظرت إليه حياة بتحفز وملامح منقبضة وقالت بحدة:
_ لا تقل ذلك، أمي لم تمت. بالتأكيد هذه ليست أمي.
مدت حسناء يدها بكأس المياه فدفعت حياة يدها بعيدا فتطاير الكأس وسقط أرضا وهي تقول بعويل:
_ لا أريد، لا أريد منكِ شيئا، أنتِ بالذات لا أريدُ منكِ شيئا.
على الفور تفهمت حسناء الموقف وابتعدت ودخلت إلى غرفتها بهدوء. بينما اقترب منها صالح وهو يحاول احتواءها وتهدئتها وقال:
_ حياة، اهدئي من فضلك. نحن لسنا متأكدين من الأمر. لا داعي للانهيار الآن.
أومأت بموافقة ونظرت إليه بعين الأمل وهي تقول:
_ صحيح، نحن لم نتأكد بعد، علينا أن نذهب للمشفى حالا.
وقف كلا من عزيز وحنان بتأهب وانصرفت برفقتهم حياة متجهين فورا نحو المشفى. وتحرك صالح بكرسيه نحو الغرفة الموجودة بها حسناء ثم طرق الباب ففتحت على الفور وقالت:
_ هل غادرت؟
هز رأسه بشرود فخرجت وهي تقول:
_ لقد ابتعدت لكي لا تثور ثائرتها أكثر. لا أستطيع تصديق الخبر. يا إلهي!
لم ينطق صالح بكلمة ودخل إلى غرفته وأمسك بمصحفه وبدأ يقرأ فيه ودموعه تتساقط. تلك الحالة لم يكن لها تفسيرا بالنسبة له إلا أنه يشعر بالندم والخزي من نفسه. وكأن تأنيب الضمير يكبل عنقه ويديه الآن.
في الخارج. كانت حسناء لازالت تقف أمام باب الغرفة فوقعت عينيها على كريم الذي يجلس مكانه بحزن صامت. فأسرعت نحوه وجلست بجواره وضمته بذراعها وهي تقول:
_ هل أنت بخير عزيزي؟
نظر إليها باستغراب، ثم قال:
_ ماذا يعني ما قاله عمي عزيز؟ ماذا يعني أنهم عثروا على جثة جدتي؟ هل ماتت؟
تنهدت حسناء باستياء وشفقة، ثم مسحت على صدره مرتين وهي تحاول تطييب خاطره وقالت:
_ لا، لازال غير معلوم يا صغيري.
وتجاوزت الأمر فقالت:
_ ما رأيك أن أحضر لك فيلم كارتون لتشاهده؟ ريثما أذهب لأطمئن على حالة جدك.
هز كريم رأسه بنفي ثم قال وعيناه تحويان نهرا جاريا من الدموع:
_ لا أريد، سأبقى بغرفة حياة.
أومأت بموافقة، فدخل إلى غرفة حياة بينما دخلت هي إلى غرفة صالح. توقفت بالقرب منه وهي تحمل حبة علاج الضغط وناولتها له ثم أتبعتها بكأسٍ من الماء. وجلست بجواره على مقعد مجاور وقالت:
_ هل أنقلك إلى الفراش لتستريح قليلا؟
هز رأسه بنفي ثم نظر إليها وقال بعينين ذابلتين:
_ ومن أين ستأتيني الراحة يا حسناء؟ أيعقل أن تكون صفية قد ماتت؟ مستحيل! صفية لا تموت بهذه السهولة أبدا.
ربتت على فخذه بدعم وقالت:
_ لا تسبق الأحداث يا حاج صالح، دعنا ننتظر خبرا مؤكدا.
هز رأسه بتأييد وهو يردد بغير استيعاب:
_ اللهم لا تحملنا مالا طاقة لنا به يا أرحم الراحمين.
دخلت حياة إلى المشفى تركض ويتبعها عزيز وحنان اللذان يحاولان تهدئتها.
صعدوا جميعا إلى الطابق العلوي حيث "المشرحة" حيث كان ينتظرهم أحد العاملين المتخصصين فقال:
_ أحدكم سيدخل الآن لرؤية الجثة ومحاولة التعرف عليها، من ستختارون؟
تقدمت حياة منه على الفور ولكن عزيز فعل المثل. ثم نظر إليها وقال:
_ لا داعي لرؤيتها بتلك الحالة حياة، أنا سأتولى هذا الأمر.
_ لا، أريد رؤيتها، بالتأكيد هذه الجثه ليست جثة أمي أنا أثق بذلك.
كانت حنان تحيطها بذراعيها فتحدثت بهدوء وأسف:
_ حياة، عزيز محق فيما قاله، لا داعي لرؤيتها بهذه الحالة، أنتِ لن تتحملي هذا المنظر أبدا.
توقفت حياة عن البكاء ونظرت إليهم بحدة وهتفت بقوة:
_ قلت لكم أني من سأدخل لرؤيتها، انتهى.
فتح عامل المشرحة الباب، فدخلت حياة وبعدها عزيز الذي أصر على الدخول برفقتها وطلب من حنان الانتظار بالخارج.
تقدم العامل من ثلاجة الموتى وفتح الباب، ثم سحب السرير المصفح إلى الخارج، فظهرت الجثة مسجاة مغطاة بملاءة بيضاء.
حينها تمسكت حياة بساعد عزيز وضغطت عليه بقبضة من حديد، وهي تترقب اللحظة التي سينقشع فيها الغطاء عن وجه هذه الجثة فتتبين إن كانت هي أمها فعلا أم لا.
كشف العامل الغطاء عن وجه الجثة فاقتربت حياة خطوة واحدة وأدرات وجهها فورا وهي تصرخ برعب من هول ما رأته؛ وجهًا مشوهًا تماما معدوم الملامح في بداية تحلله.
وفورا أثار المنظر حواسها وداهمها القيء فهرولت إلى الخارج.
لحق بها عزيز على الفور، أسندها برفقة حنان وساروا بها إلى آخر الرواق، ثم أحضر مقعدين فجلست وبجوارها حنان التي تضمها إليها وتحاول تهدئتها عبثا، وجلس عزيز مكفهر الوجه يفكر بحيرة.
ساد المكان صمتَا مهيبًا، إلى أن تقدمت منهم الممرضة وهي تقول:
_ هل تعرفتم على الجثة؟
نظر كلا من عزيز وحنان إلى حياة بترقب فهتفت حياة بصرامة:
_ لا، ليست والدتي.
تمتم عزيز بالقرب منها بخفوت:
_ حياة لا تتعجلي، الجثة مشوهة المعالم ولا يمكننا الجزم إن كانت هي أو لا.
نظرت حياة إليه بكل ثقة وأردفت:
_ حتى لو تحللت تماما يا عزيز، أنا أثق أنها ليست جثة أمي، لذا أنا أطالب بأخذ عينة من دمي وعينة من هذه الجثة بالداخل و عمل تحليل بصمة وراثية حالا. لكي أثبت لكم بالدليل القاطع أني محقة.
نظروا إليها بشك فقالت حنان إلى الممرضة:
_ عند إخطارنا بوجود الجثة هنا قيل أنه تم العثور على أوراق شخصية وبطاقة هوية خاصة بزوجة عمي؟
أومأت الممرضة بإيجاب وأردفت:
_ صحيح، ولكن النيابة العامة قامت بالتحفظ عليهم. بالتأكيد سيتم استدعاؤكم لأخذ أقوالكم فيما يخص اختفاء الوالدة وأخذ الموافقة للبدء في عملية تشريح الجثة لتبيان….
وبترت كلماتها عندما هبت حياة واقفة فجأة وصرخت بوجهها بغضب:
_ لن نذهب لأي مكان، هذه الجثة ليست لوالدتي، أنا أثق بذلك، هذه أمي حتى لو تبخرت تماما واختفى ريحها سأعرفها، فيمَ تجادلون؟
ووقفت باندفاع وهي تردد:
_ سأذهب برفقتك الآن و ستأخذين عينة من دمي لتحليلها لكي نقطع الشك باليقين، هيا.
بعد يوم مضني، عادت كلا من حنان وحياة إلى بيت والدها الذي كان ينتظر بنفاذ صبر.
دخلت حياة ووجهها شاحب والإرهاق بادٍ عليه، تهاوى جسدها على الأريكة من خلفها بتعب وحنان كذلك التي شعرت بالوهن يكتسح جسدها. فما كان من حسناء إلا أنها أسرعت نحو المطبخ وأحضرت لهما كأسين من العصير الطازج ومعه شطيرتين وقدمت لكلا منهما طبقها وهي تقول باهتمام:
_ تفضلا، عليكما أن تأكلا شيئا ولو بسيطا لكي لا تصابا بالإعياء والهبوط.
وجلست على مقربة من صالح الذي تحدث قائلا:
_ حدثني عزيز، أنكِ لم تتعرفي على هذه الجثة.
أومأت بقوة وأردفت:
_ ليست جثة والدتي.
نظر إليها بشك وقال:
_ هل أنتِ متأكدة حياة؟
نظرت إليه بتعجب وأردفت باستياء:
_ ما بالك يا أبي؟ هل أنا عمياء لهذه الدرجة لكي أغفل عن أمي؟ من منا لا يحفظ تفاصيل جسد والدته عن ظهر قلب؟ حتى لو كان الوجه مشوهًا وحتى لو بدأت العظام بالتحلل، ولكن هذا ليس جسدها، لن أخطأه حتى ولو كان مغطى بألف ملاءة.
هز صالح رأسه بتأييد وأردف:
_ إذن ما سر تواجد الحقيبة مع هذه الجثة؟ هناك لغزًا يصعب فهمه أو حله.
أمسكت بجانبي رأسها بتعب شديد وصداع يغزوها وقالت:
_ هذا ما لا أفهمه. كيف وصلت أغراض أمي إلى هذه السيدة؟ وماذا حدث لها بعدها؟
_ الكاميرات!
هتفت بها حسناء فاستطاعت جذب اهتمامهم وجعلهم ينصتون إليها بتركيز وترقب فقالت:
_ هل تمت مراجعة الكاميرات المتواجدة بالقرب من المكان الذي تم العثور على هذه الجثة به؟ أعتقد جميع الشوارع أصبحت مراقبة بالكاميرات وإذا تم مراجعة أقرب كاميرا للمكان يمكننا الوصول لشيء.
أومأت حياة بتأكيد وأردفت:
_ صحيح، علينا انتظار عودة عزيز من النيابة لنرى ما حدث معه.
في تلك اللحظة طرق عزيز الباب ففتحت حسناء فدخل وعلى وجهه أمارات الإرهاق بدوره، جلس والعيون كلها تترقبه إلى أن نطق وقال:
_ لم أستطع استعادة الحقيبة، علينا أن ننتظر نتيجة التحليل أولا، إن ثبت أنها هي زوجة عمي لاقدر الله سيتم تحريزها لحين صدور بيان من الطب الشرعي حول سبب الوفاة وإن ثبت أن هناك شبهة جنائية فسيكون علينا الانتظار للفصل في مسار القضية والتوصل إلى الفاعل ومن ثم سنتسلم الجثة ونحصل على تصريح الدفن واستلام الحقيبة.
ضربت حياة كفا بكف بنزق واستياء وقالت بحنق:
_ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما هذا الإصرار كله على أنها والدتي؟!
نظر عزيز إليها بقلة حيلة وأردف:
_ وإن ثبت أنها ليست جثتها سيكون من حقنا استلام الحقيبة، أو تحرير بلاغ بالاختفاء وحينها ستبدأ الشرطة في البحث عنها والتعامل معها كمفقودة.
هتفت حياة وكأنها وجدت الحل أخيرا وقالت:
_ صحيح، كيف غفلت عن هذا الحل من البداية؟ كان علي تحرير بلاغ بالاختفاء منذ اليوم الأول، ولكني اكتفيت بالبحث لدى الجيران والمستشفيات.
تسائل صالح:
_ متى ستكون النتائج جاهزة؟!
فأجاب عزيز:
_ بعد غد.
أومأ موافقا وقال:
_ ليفعل الله خيرا.
نهض عزيز وأشار لحنان فنهضت ثم قال:
_ نحن نستأذن يا عمي، حياة، هيا لنقِلك في طريقنا.
تحدث صالح بحسم:
_ لا، حياة ستبقى برفقتي. سأكون مطمئنا عليها أكثر.
نظرت إليه حياة بهدوء وأردفت بتوتر:
_ لا داعي للقلق يا أبي، سأكون أكثر راحة في بيتي.
_ ولكن هذا بيتك أيضا!
قالتها حسناء مما أثار تعجب حياة وجعلها تنظر إليها بتفكر للحظات؛ هل تحاول الحصول على إعجاب واستحسان صالح فقط؟ أم أنها تحاول الظهور بمظهر المرأة المتفهمة الطيبة وتحطم الفكرة الشائعة حول زوجة الأب الحقودة المتملكة؟ أم أنها فعلا تحاول كسب ودها لا أكثر؟
جلبها والدها من شرودها حين قال مؤكدا:
_ حسناء محقة، هذا بيتك، ومن الأفضل أن تبقي بجواري في تلك الظروف. لا تتركيني للقلق يعيث فسادا برأسي.
لم تجد حياة بدًا من الموافقة فأومأت على مضض مما أثار راحة صالح واطمئنانه. بعدها تحدث عزيز وقال:
_ حسنا، وأنا أرى أن عمي محق، من الأفضل أن تبقي هنا.
هز صالح رأسه بتريث ثم قال مخاطبا حنان:
_ حنان، لمَ لا تأتي وتبقي بشقة والديكِ لفترة؟ على الأقل تستأنسان ببعضكما أنتِ وحياة، وأكون مطمئنا عليكِ أيضا في ظل غياب عزيز.
قطبت حنان جبينها بتعجب من الفكرة المطروحة ونظرت إلى عزيز الذي قال:
_ فكرة جيدة للغاية، أساسا سوف أكون مشغولا أغلب الوقت في الفترة القادمة، وجودك هنا سيجنبني القلق والانشغال عليكِ.
وأضافت حسناء:
_ ثم أنني أرى أن وجودكم جميعا بالجوار سيكون مفيدا لأجل كريم، الولد يحتاج لرؤية أكبر عدد من أفراد عائلته برفقة بعضهم البعض، هذا سيعوضه غياب والديه نوعا ما.
نطق صالح مُثنيًا على طريقة تفكيرها فقال:
_ أحسنتِ حسناء، علينا جميعا أن نحاول تعويض هذا الصغير المسكين، جميعنا بلا استثناء مقصرين بحقه.
أومأ الجميع بموافقة فقالت حنان:
_ حسنا، وأنا لا مانع لدي. سأذهب برفقة عزيز إلى البيت وأحضر أغراضي وأعود. عن إذنكم.
انصرف عزيز وحنان، ثم استأذنت حياة ودخلت إلى غرفتها. وبعدها ساعدت حسناء زوجها لكي يذهب إلى الحمام لكي يأخذ حماما ومن ثم يدخل إلى الفراش بعد يوم طويل شاق.
كان يجلس بالشرفة، شاردًا يفكر في نفس الموضوع الذي لا يغادر رأسه أبدا. أصبح محاصرا به في كل الأوقات ولا يستطيع - مهما حاول - أن ينتشله من باله ويلقيه بعيدا.
كان ممسكا بكوب الشاي الثالث بعد كوبين من العصير اللذان سبقاه؛ فزوجة والده لا تترك له مجالا لكي يجلس بيده فارغه أبدا.
دخلت فريال وهي تحمل طبقًا من حلوى رمضان الخاصة وهي تمسك بقطعة بين أصبعيها وتقول بابتسامة:
_ سيكون من العبث ألا تتناول صُنع يداي. هيا افتح فمك عزيزي.
نظر إليها قصي وتنهد وقال:
_ يا رب الرحمة، كفى فلة أرجوكِ. لم يعد بمعدتي مكانًا لنقطة ماء واحدة.
دست قطعة الحلوى بفمه قسرًا ووضعت الطبق أمامه على الطاولة وهي تقول:
_ لا تبالغ قصي، أنت لم تأكل بشكل جيد أساسا.
وغمزتهُ بنظرة ذات مغزى وتابعت:
_ يبدو أن مزاجك سيئا وهناك ما يعكر صفوك.
تنهد بهدوء وباحت عيناه بما لم يبوح به شخصيا فاقتربت منه وقالت:
_ هيا يا صاصا أخبرني قبل أن يعود والدك من عيادته، ما الخطب؟
نظر إليها بحنق فتراجعت وقالت بملل:
_ أعتذر منك، تفضل يا دكتور قصي.
ظل صامتًا للحظات ثم أفرج أخيرا عن لسانه من معقله وقال:
_ لا، الأمر ليس كما تظنين، لا مشكلة لدي إن عرف والدي ما يشغلني لأنه بالفعل لدية خلفية عن الأمر منذ فترة.
_ حسنا، ولمَ لا تتحدث معه عما يشغلك طالما أنه يعرف بالفعل.
تنهد بحيرة وتوتر مردفًا:
_ لأنني لا أعرف ماذا علي أن أقول أساسا، أنا مشتت وأشعر بالحيرة، لن أستطيع ترتيب كلماتي إن تحدثت معه وسأهدر وقته هباءا.
رفعت حاجبا وضيقت عيناً بنظرة تخمين وثقة، ثم أردفت:
_ حسنا، وأنا لدي المتسع من الوقت يمكنك إهدار ما شئت منه، هيا تكلم ولكن بسرعة، علي إعداد طعام السحور.
نظر إليها بذهول وأردف:
_ سحور؟ هل تخلصنا من طعام الإفطار بعد لكي نتناول السحور؟ أقسم أني سأغادر شهر رمضان برفقة عشرين كيلوغراما إضافيا على الأقل.
ضحكت وأردفت:
_ لا تقلق، مع فلة أنت في أمان.
ضحك وقال:
_ أشك في ذلك، لعلمك أبي يحارب السمنة منذ زمن، رجاءً لا تمنحيها الفرصة لكي تنتصر عليه في هذا العمر!
لكزت ذراعه بخفة وقالت بحنق فائض:
_ أيُ عمر يا غليظ؟ والدك لا يزال شابًا في ريعان شبابه، ثم لا تخف، طعامي خفيف على المعدة، والقلب كذلك.
ضحك عاليا وقال:
_ هذه حقيقة علمية مثبتة لا تحمل مجالا للشك يا فلة.
ابتسمت فريال بألفة وقالت:
_ إذن هيا تكلم، ما خطبكَ؟
نظر إليها مطولا ثم قال بانهزام:
_ أنا واقع بالحب يا فلة!!
صمتت للحظات ثم قالت بلهجة العارف:
_ سارة. أليس كذلك؟
نظر إليها مصدومًا وقال:
_ ماذا؟ كيف عرفتِ؟
ضحكت مطولا ثم قالت:
_ لستُ الوحيدة التي تعرف، لاحظنا أنا ووالدك نظراتكما المحمّلة بسهام الهوى التي تخترق قلبيكما ذهابا وإيابا يوم الزفاف، يا إلهي. لست أنا ووالدك فقط. أشك أن جميع الحضور وعامل البوفيه ومنسق الحفل والقائمين على القاعة أيضا لاحظوا.
وغرقت في نوبة ضحك جديدة مما أشعره بالحنق فالتزم الصمت فقالت وهي تجاهد لكي تتوقف عن الضحك:
_ عيبكم يا شباب هذا الجيل أنكم تخطئون تقديرنا.
نظر إليها فقالت:
_ نعم، لا تنظر إلي هكذا، أنا أبلغ من العمر عمرا يا ولد. لا يغُرك سني الصغير، العمر لا يقاس بالسنوات أبدا وإنما بالتجارب والخبرات المكتسبة، وأنا خُضتُ تجارب عديدة تؤهلني لمعرفة فحوى نظرات الأعين من حولي دون النطق بكلمة.
نظر إليها ضاحكا وصفق بيديه وقال بفخر هزلي:
_ الله، تحياتي لكِ سيدتي.
عبست فنهرته قائلة:
_ لا تسخر من حديثي يا طويل، هل تنكر أنكما تحبان بعضكما البعض وتواجهان بعض المشاكل والصعوبات؟
قطب جبينه فاتسعت ابتسامتها بثقة وقالت:
_ قلتُ لك لا تستهين بي، فأنا ألتقطها وهي تطير.
زم شفتيه بنزق وأردف:
_ إذًا وماذا عرفتِ أيضا؟ أقصد بما أنكِ استطعتِ تخمين أننا نمر بأزمة ألم تستطيعي تخمين شيئا آخرا؟
نظرت إليه بغيظ وأردفت:
_ هل أنا منجمة أو عرافة مثلا؟ بربك كن منطقيا. هيا أخبرني ما الحكاية؟
تنهد بتعب وحك مقدمة رأسه بضيق ثم قال وقد طفح الإحباط في ملامحه:
_ لا أعرف، أنا أشعر بالتيه والتخبط والضياع. أشعر بالتشتت بين قرارين كليهما متعب. أنا مرغم على الاختيار بينهما، وفي نفس الوقت لست متأكدا بشأن القرار الذي سأتخذه، يعني. لا أعرف إن كان هذا هو القرار الصواب أم أنني سأندم. كل ما أعرفه أن العجلة لن تفيد في هذا الموضوع أبدا وعلي أخذ الوقت اللازم لكي أفكر بروّية ودون استعجال.
ظل قصي يثرثر بكلمات متداخلة، غير مفهومة، وفريال تسمعه باستفاضة، إلى أن نفذ صبرها وقالت بهمس:
_ صدق من قال أن باب النجار مخلوع فعلا.
توقف قصي عن ثرثرته وقال:
_ ماذا قلتِ؟
_ لم أقل شيئا.
_ لا، لقد سمعتك تقولين باب النجار مخلوع. ماذا تقصدين؟
_ أقصد أنك تملك أبًا يأتي إليه الناس من كل حدب وصوب لكي يعالج حيرتهم ويرشدهم إلى الطريق الذي يجدون فيه راحتهم، لمَ لا تلجأ إليه.
_ لا. في هذا الأمر بالذات لا يمكنني التحدث معه، الموضوع لا يخصني بمفردي ولا يصح التحدث فيه مع أبي بالذات، لا أدري ربما تزوجت أنا وسارة في يوم من الأيام.
وشرد واتسعت ابتسامته وهو يتخيل الأمر، فابتسمت فريال وهي تراقب ابتسامته وقالت:
_ يا إلهي، أقسم أنكما كعصفورين كناريا، تلائمان بعضكما كثيرا، لا تخف يا قصي سأدعو الله في كل صلاة أن يجمع بينكما.
نظر إليها قصي وابتسم بهدوء ثم قال:
_ أشكرك يا فلتي. هيا أنا أستأذن.
ونهض سريعا فقالت:
_ مهلا، لم تتناول طبق الحلوى خاصتك.
مسح على بطنه الممتلئ قليلا وقال بابتسامة:
_ لقد تناولت ما يكفي للبقاء ثلاثة أيام بدون طعام. الشهر لا يزال طويلا يا زوجة أبي العزيزة.
وانصرف قصي هاربا وتركها بمكانها تتمتم باستياء:
_ رحل قبل أن يتذوق الكنافة بالكريمة والفستق التي أعددتها خصيصا من أجله!!! لا بأس سأطعمه إياها رغما عن أنفه الطويل هذا عندما يعود.
بعد مرور يومين.
استيقظت حياة من نومها باكرا ونهضت لتستعد للذهاب إلى المشفى، فاليوم ستكون نتائج التحليل جاهزة وعليها أن تحصل عليها في أسرع وقت ممكن لكي تتخلص من هذه الهواجس والشكوك التي تدور حولها.
خرجت من المنزل واستقلت تاكسي وتوجهت إلى المشفى، حصلت على نتائج التحليل وتوجهت إلى أقرب مقعد وجلست عليه، فبرغم ثقتها من النتيجة إلا أن قلبها يصدر ضجيجا عاليا لا يمكن تحمله.
فتحت الورقة بأيدي مرتعشة وبدأت بقراءتها وفورا انهمرت دموعها. انهيار شديد وبكاء لا متناهي ولسانها يردد بلا توقف:
_ الحمد لله، اللهم لك الحمد. كنت أثق أنها ليست أمي.
أسندت رأسها على كفيها واستسلمت لنوبة البكاء التي حاصرتها وفجأة شعرت بيد توضع على كتفها فانتفضت لتجده عزيز الذي ينظر إليها مترقبا ويقول:
_ حياة، لماذا سبقتِني؟
نظرت إليه وابتسمت ابتسامة متعبة وهي تبكي وتقول:
_ أرأيت يا عزيز؟ هذه ليست أمي، لم يصدقني أحدكم ولكني كنت محقة، التحاليل أثبتت أن هذه الجثة لا تمت إليّ بصلة.
تنهد عزيز براحة نسبية ثم ربت على كتفها وقال:
_ الحمد لله، علينا الآن أن نكمل الإجراءات ومن ثم نستطيع استعادة حقيبة والدتك. هيا.
بعد فترة.
خرج عزيز وحياة من مبنى النيابة العامة ومعهم حقيبة يد صفية، استقلت حياة السيارة برفقة عزيز وما إن جلست حتى فتحت الحقيبة بفضول كبير.
جزدان جلدي أسود، وبطاقة هوية، ومبلغ مالي كبير!!! تلك كانت محتويات الحقيبة.
أمسكت حياة بالجزدان وفتحته فوجدت به صورة لها وصورة لعنبر. وهذا ما استوقفها طويلا ولو أنه مازال بعينيها دموعًا لبكت.
أمسكت بالنقود تطالعها بتعجب ثم نظرت إلى عزيز باستفهام وقالت:
_ ما هذا؟ ماذا كانت ستفعل أمي بكل هذا المبلغ؟
مط عزيز شفتيه بحيرة وتفكير مماثل وقال:
_ لا يوجد سوى تفسير واحد، أنها كانت تنوي الهرب أو الاختفاء طويلا.
أومأت بتأييد وأردفت:
_ صحيح، إذن ماذا حدث معها حتى وصلت الحقيبة إلى أيدي هذة السيدة؟ وأين ذهبت أمي الآن وكيف تعيش بدون نقود؟
نظر إليها عزيز بعجز، لم يرد مشاركتها الأفكار التي تدور برأسه الآن لأنه يثق أنها لن تتقبلها. فهو مثلا شبه متأكد أن صفية ميتة الآن ولكنهم عاجزين عن الوصول إليها، وإلا فلمَ لم تظهر منذ عشر أيام تقريبا خاصةً وأنها فقدت المال الذي كانت تعتمد عليه بالتأكيد.
أما حياة فحالها لم يتحسن كثيرا، فالبرغم من أنها ارتاحت نوعا ما لأنها تأكدت أن هذه ليست جثة والدتها، ولكنها لا زالت تشعر بالضياع والألم يحتل قلبها ويمزقه كلما تخيلت كيف من الممكن أن تكون حالة أمها الآن!! هذا إن كانت لاتزال على قيد الحياة أساسا!
ويبقى اللغـز المحيّـر؛ أين ذهبت صفية؟!!!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم نعمة حسن
لقد عاد بابا!
بعد مرور ستة أشهر..
كانت حياة نائمة، غارقة في النوم بوهن شديد أصبح يلازمها في الآونة الأخيرة. وإذ بها تشعر بركلة قوية أسفل بطنها، ففتحت عينيها فجأة. تتابعت الركلات مما أثار رهبتها وخوفها. اعتدلت بمرقدها وجلست وهي تمسح على بطنها برفق وتتحدث إلى نفسها:
ـ يا إلهي، ما سبب هذا الانقلاب بالداخل؟ هل يعقل أنني سألد اليوم؟
شعرت ببطنها المنتفخ يتحرك، فراقبت الحركة. فإذ بها تشعر وكأن بطنها يرتفع ويهبط بحركة مموجة كموج البحر. فسالت دمعاتها وهي تراقب ما يجري باندهاش وتقول:
ـ ما هذا؟ لا.. لا يمكن أن ألد قبل خروج قاسم.
التقطت هاتفها فورًا وقامت بالاتصال بحسناء التي أجابت على الفور:
ـ صباح الخير حياة، كيف حالك اليوم؟
ـ حسناء، هناك شيئا ما يحدث ببطني! هل هذه ولادة مبكرة؟
ـ إهدئي حياة، ما الذي يحدث؟ اشرحي لي.
ـ حركة غريبة كالموج، علاوة على أنها حركة مفرطة.. لم يسبق أن لاحظت هذا الشيء.
تبسمت حسناء وقالت:
ـ هذا أمر طبيعي حياة، لا داعي للقلق. الصغار يمرحون قليلا.
ابتسمت حياة وقالت:
ـ حقا؟ أخشى أن تكون ولادة مبكرة، أرى أنه من الأفضل أن أنتقل إليكم اليوم.
ـ وأخيرًا اقتنعتِ؟ هذا ما قاله ويقوله والدك.. بقاؤك بمفردك هذه الأيام ليس في صالحك. هيا.. ننتظرك.
رن جرس الباب فقالت:
ـ حسنا، الباب يدق، سأذهب لأفتحه.. مع السلامة.
نهضت من السرير بتثاقل، ثم ارتدت إدناء الصلاة فوق قميص نومها المريح، وذهبت وفتحت الباب..
ـ قاسم!
قالتها بصدمة وسقط فمها أرضًا من هول الذهول والمفاجأة، وظلت واقفة بمكانها بسكون وكأنها قد تسمرت بالأرض.
دخل قاسم وأوصد الباب وهو يقول بابتسامة مبتهجة:
ـ نعم قاسم.. على ما يبدو لقد نسيتِ فمك مفتوحا.
قالها قاسم وهو يقترب منها، وأطبقت شفتيها على بعضهما بابتسامة، ثم ضمها إليه بقوة. قوة لم يملكها إلا في هذه اللحظة فقط.. أطبق ذراعيه حولها وقربها منه مغمضا عينيه، متأوهًا بحنين واشتياق أضناه ستة أشهر كاملة!
هذا وهي تقف متيبسة مكانها دون أي رد فعل. فابتعد عنها ونظر إليها فوجدها تبكي بصمت، فقال مازحًا:
ـ إن خلى البحر من الموج لن تخلو عيناكِ من الدمع يا كهرمانة. البكاء بالنسبة لكِ ضروريا كالماء والهواء.
وأمسك كفها ووضعه فوق خدّهِ الكَـث، وأمسك الكف الآخر وطبع به قبلةً وهو يقول:
ـ ألن تعانقيني يا فتاة؟ هل هذا هو استقبال المرأة لزوجها بعد غياب دام لستة أشهر؟ وأنا الذي ظننت أنني سأحصل على سيل متوحش من القبلات فور وصولي، اتضح أنني كنت واهمًا.
وتدحرجت عيناه إلى بطنها المكور، فدمعت عيناه ورق قلبه وأخذ يمسح على بطنها وهو ينظر إليها قائلا:
ـ بسم الله ماشاء الله.. لقد انتفخ بطنك جدا حياة.
وانحنى حتى جثا على ركبتيه، فكان وجهه مقابلًا لبطنها، فأحاط بطنها بيديه وهو يتأملها ويتحدث قائلا:
ـ مرحبا يا صغيري، لقد عاد بابا.
سالت دمعات حياة كالعادة، ولكن هذه المرة تأثرًا بالموقف. وكانت تطالع قاسم من علوٍ وهو ينظر إلى بطنها بإمعان ويتحدث معها. وفجأة انتفض بعيدًا وهو يقول:
ـ حياة، إنه يتحرك! يا إلهي! لقد شعرت بحركته، أقسم أني لاحظتها ورأيته وكأنه يسبح ببطنك!
تعالت ضحكاتها الممتزجة بالبكاء وأومأت بموافقة وهي تؤكد قائلة:
ـ نعم، لقد أصبحا يتحركان كثيرا؛ هذا لأنهم في شهرهم الثامن.. يعني لم يتبق سوى أيام ويعلنان قدومهما.
تعجب صيغة المثنى التي تتحدث بها ولفتهُ حديثها فقال:
ـ ماذا تقولين؟ ماذا يعني أنهما يتحركان؟ من هما؟
نظرت إليه بابتسامة غارقة بالحنان وقالت:
ـ أولادك.
ـ أولادي؟!
ـ أجل.
أحدث جبينه تقطيبة متعجبة وقال:
ـ أولادي؟!
ضحكت وقالت:
ـ أجل أولادك، ما خطبك؟
ـ هذا يعني…
وصمت ونهض واقفًا وهو يطالعها بتفكير وكأنه قد أصيب بالغباء فجأة فأصبح عاجزًا عن استيعاب ما تقوله. فأمسكت حياة بيديه ووضعتهما على جانبي بطنها وقالت بابتسامة عذبة:
ـ هما هنا تماما.. الولد هنا.. والفتاة هنا.
حدق بها بعينين متسعتين بذهول، فهزت رأسها تؤكد ما خطر على باله الآن وأردفت:
ـ أنا حامل بتوأم يا قاسم.
فغر فاه، ووضع يده على فمه بذهول وغير تصديق، ونظر إليها وهو يحاول التمسك بالقليل المتبقي من ثباته الانفعالي وقال:
ـ حقا؟ أنتِ حامل بتوأم فعلا؟ يا إلهي..
وأخذ يدور حول نفسه وهو يقلب كفيه بغير تصديق، ثم عاد ليقف أمامها مجددًا وقال:
ـ هل أنتِ متأكدة؟ هل هما توأم فعلا؟
أومأت بموافقة فضمها إليه مجددًا وهو يقول:
ـ اللهم لك الحمد؛ لقد استجاب الله دعوتي يا حياة، لقد تمنيت من الله أن يهبنا توأمًا، أتذكرين؟
أومأت وهي تتشبث بعنقه بقوة وتمتمت:
ـ أذكر جيدا، ولكن هل سنكمل حديثنا هنا أمام الباب؟
ـ لا، بالطبع لا..
نظرت إليه بابتسامة ومسحت بأناملها على وجنته وهي تقول بابتسامة:
ـ حمدًا لله على سلامتك حبيبي، الآن فقط ردت لجسدي الروح.
مسح على رأسها وقبلها، جبينها، وجنتيها، وأخيرًا شفتيها اللتين أهداهما قُبلة معبرة نهمة طالت وطالت حتى أعلن الصغار احتجاجهما وبدأا في الركل بعشوائية. فابتعد قاسم قليلا وهو ينظر إلى بطنها ويقول باستهجان زائف:
ـ ما بكما يا دودتيّ القز؟ دعاني أرحب بالجميلة والدتكما كما يليق بها.
ثم انحنى وحملها ونظر إليها وهو يزنها بين ذرعيه ويقول باسمًا:
ـ ماشاء الله، أستطيع تقدير الكيلوغرامات التي اكتسبتِها على وزنك، سبعة كيلوغرامات على الأقل.
ضحكت فضحك، ثم أردف مازحًا:
ـ لا تخافي حياتي، عينيّ صافيتين وليس من سماتهم الحسد.
ابتسمت فانتقل بها من الصالة إلى الغرفة، ووقف أمام الباب يتطلع المكان باشتياق ثم قال:
ـ الحمد لله. الحمد لله أن تلك الأيام انقضت وعُدت إلى بيتي وإليكم.
ودخل الغرفة، ثم وضعها فوق الفراش بخفة وقال:
ـ علي أن أتعرض لسيل ساخن من الماء، أشعر أن رائحة الزنزانة والمسجونين لا تبارحني..
واتجه نحو الحمام، فنهضت تتبعه واستندت على باب الحمام، بينما وقف هو أمام المرآة يشذب لحيته أولا فقالت:
ـ لا تقصر شعرك.
نظر إليها بالمرآة مستفهما فقالت بابتسامة:
ـ أرى أمامي قاسم المتمرد الذي وقعت في هواه من النظرة الأولى عندما رأيته في مثل هذا اليوم!
أطلق ضحكة ساخرة متهكمة وقال:
ـ ترين قاسم المتمرد؟ أم قاسم رد السجون؟ هه.. يا إلهي.. لقد قضيتُ في السجن نصف عمري تقريبا حتى باتت جدران السجن تعرفني وصار بيننا لغة حوار أيضا.
لم تعقب على ما قاله وتساءلت بهدوء وقالت:
ـ كان من المفترض أن تخرج في نهاية الأسبوع كما أخبرني عزيز. ماذا حدث؟
ترك ماكينة الحلاقة اللاسلكية خاصته واقترب منها وأحاط خصرها وهو يقول مُسهِبًا النظر في عينيها:
ـ لا، أنا من أبلغت عزيز بهذا الموعد عمدا، لأني لم أرغب في إرهاقكم؛ فأنا أعلم أنكِ إن علمتِ بموعد خروجي ستأتي لاستقبالي، وكذلك حنان.. وأكيد هي أيضًا تشعر بالوهن مثلك.
أومأت بتأكيد وأسندت رأسها على صدره العاري، فباتت دقات قلبه بالقرب منها تُطرب أذنيها وقلبها..
قبّل أعلى رأسها ثم نظر إلى الإدناء الذي لازالت ترتديه وقال:
ـ حياة، لمَ لا تخلعين هذا الإدناء؟ أنا لست غريبًا لعلمك.
ضحكت ونظرت إليه بابتسامة وقالت:
ـ لقد نسيت، هذا بسبب المفاجأة وسعادتي برؤيتك..
هز رأسه وقال:
ـ حسنا، ولكن لو أنكِ تخلعينه سنكون كلنا سعداء.
وساعدها حتى نزعته وظهر قميص نومها الأسود الذي يضيق حول منحنياتها وخاصة مع بروز بطنها، فأضفى عليها لمسةً جذابة. أطلق قاسم صفيرًا عاليًا وهو يتفحصها بإعجاب وقال:
ـ يا لجمالك حياتي، لقد زادكِ الحمل أنوثة وجاذبية.
ومال على عنقها يقبله وهو يتمتم باشتياق:
ـ أرى أنه ليس ضروريًا استكمال حلاقة ذقني، يمكنني البقاء هكذا بنصف محلوق ونصف لا.. ستكون آخر صيحة.
توقع أنها ستضحك ولكنه تفاجأ بدمعاتها التي تسيل على غير أوانها. فنظر إليها بصدمة وقال:
ـ ما بكِ حياة؟ بربك أخبريني متى سينفذ منسوب الدموع لديكِ؟ ما الذي حدث الآن يا فتاة لكي تبكي؟
ارتمت بحضنه فجأة وقالت بانهيار:
ـ أمي يا قاسم. لا يمكنني الشعور بالفرح وأنا أجهل مصيرها! أشعر أن الفرح سيكون محرّمًا عليّ طالما أنها ليست موجودة.
زم شفتيه بأسف، وضمها إليه أكثر، ثم سار وهو يضمها نحو السرير وجلس ثم أجلسها على قدمه وأحاط خصرها بذراعيه وقال:
ـ أعتذر يا حياة، فرحتي برؤيتك أنستني أن أسألك عن والدتك.
وصمت لأنه لم يجد ما يقوله. بينما انطلقت الكلمات الحبيسة منذ زمن وأخذت تتحدث دون توقف، وكل ما يفعله هو أنه يستمع إليها بصمت لا يخلو من لمسات رقيقة حانية داعمة..
ـ ماذا ستسألني؟ وبماذا سأجيبك؟ نحن لا نعرف شيئا إلى الآن، ستة أشهر كاملة مضت ونحن نبحث عنها كمن يبحث عن إبرة في كوم قش دون جدوى. في الأيام الأولى كان يتم إخطارنا يوميًا بأن هناك جثة قد وصلت إلى المشرحة تحمل نفس مواصفات والدتي؛ فأركض إلى هناك.. تمنعني الشكوك ويدفعني الأمل. وأشعر بالراحة لأن الجثة ليست أمي، ثم أعود إلى البيت وأدعو الله أن أصل إليها لكي يطمئن قلبي. وفي اليوم التالي أركض مجددًا للتعرف على جثة أخرى وأنا أدعو الله أن يمنحني فرصة ثانية وألا تكون هذه هي جثة أمي. إلى أن وصل بي الحال أنني صرتُ أكثر استعدادًا وتقبلًا للفكرة. صرتُ على اقتناع بما يقولونه لي جميعهم: بلوغ الحقيقة مهما كانت مؤلمة أفضل من التشبث بأمل زائف يتلاعب بك في اليوم ألف مرة. لدرجة أنني صرت أدعو الله أن أجد جثتها من بين هذه الجثث، بعد أن كنت أدعوه ألا تكون إحداهن هي جثتها صرتُ أدعوه أن أجد جثتها، حينها على الأقل سيكون مصيرها معلومًا، سيهدأ بالي من التفكير المضني الذي ينخر فيه كما ينخر السوس في الخشب.
وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريبا انقطعت كل الأخبار، حتى المشرحة، توقفوا العاملين بها عن طلبنا للتعرف على الجثث الواردة والتي لها نفس مواصفات أمي. بعدها فقدت الأمل وتملك مني اليأس وأدركت حقيقةً واحدة: لو أن أمي لازالت على قيد الحياة فلن تقوى على فراقي كل هذه الفترة، بالتأكيد كانت لتحاول التواصل معنا بأي طريقة، أليس كذلك؟
ونظرت إليه وعينيها الكهرمانيتين مغرورقتين بالدموع، فأزالها بأنامله وقال:
ـ في كل الأحوال لا يمكننا الجزم بشيء، ولكني أعدك أنني سأحاول قصارى جهدي أن أصل لإجابة. لن يبقى الأمر معلقًا كثيرًا أعدك.
عانقته بقوة وامتنان، بينما ربت هو على ظهرها وهو يقول:
ـ حياة، ما أصل الموضوع من البداية؟ أقصد.. كيف وصلت الأمور بين عمي وأمك إلى هذا الحد؟ هل حدث شيئا لا أعرفه؟
صمتت حياة عن الحديث وظلت تستمع إليه وهي تفكر بحيرة. لو أخبرته عن السبب الرئيسي فبالتالي سيصل الحديث إلى ما فعلته أمها بحياة، وهي لا تثق بردة فعله عندما يتعلق الأمر بشقيقته. بالتأكيد لن يظل متفهمًا ومراعيًا بهذا القدر. ومن المؤكد أيضًا أنه سيتراجع عن وعده الذي أعطاها إياه للتو وسيتجاهل أمر والدتها برمته، حتى أنه من الممكن أن يعدم أمها رميًا بالرصاص إن وجدها، وكيف لا وهي كانت ستتسبب في موت أخته الوحيدة، ناهيك عن تاريخها المشرف الذي لا يشفع لها على الإطلاق.
ـ في وقتٍ لاحق يا قاسم أرجوك، سنتحدث لاحقًا.
أومأ بتفهم وقال وهو يشير إلى وجهه وذقنه بالتحديد:
ـ حسنا حياتي، علي أن أنتهي من هذا الأمر أولا ثم أعود إليكِ. اتفقنا؟
أومأت بتأكيد فنهض متجها إلى الحمام، وقررت هي استغلال الوقت في إعداد طعام الفطور لهما، فهذا هو أول فطور تعده في بيتها منذ ستة أشهر.
***
في مكان آخر، في بلد آخر، في قارة أخرى.
في أكبر مدينة تركية؛ في إسطنبول.
وبالتحديد في فندق (ريتز كارلتون إسطنبول) والذي يعد من أفخم وأحلى الفنادق التي تطل على مضيق البوسفور مباشرةً.
بداخل غرفة فخمة مزدوجة، أثاثها من اللونين الأبيض والأسود، يتداخل ويتناسق اللونين المتناقضين في كافة عناصر الغرفة من طلاء أرضيات وجدران ومفروشات ومصابيح، تتميز بديكور أنيق وهادئ ذات لمسة كلاسيكية، ولها إطلالة رائعة على المضيق وإطلالة أخرى خلفية.
خرجت سارة من الحمام بعد أن أخذت حمامًا دافئًا ووقفت أمام خزانة ملابسها لكي تنتقي فستانًا مناسبًا لحضور حفل غنائي سيحييه المطرب التركي الشهير، الوسيم، مفتول العضلات وسارق قلوب الفتيات، المطرب صاحب الصوت الحالم والوجه الباسم…. (مراد بوز).
اختارت فستانًا باللون الأسود، يصل طوله إلى بعد الركبتين بقليل وتنحسر أكمامه عند منتصف الذراعين. ارتدته ثم ارتدت حذاءها ذو الكعب العالي، ثم وقفت أمام المرآة لتضع زينتها فإذ بها تتلقى اتصالًا من والدتها فاستقبلته بابتسامة وقالت:
ـ Merhaba anne (مرحبا أمي).
تعالت ضحكات فتون ثم أجابت:
ـ Merhaba sevgilim (مرحبا عزيزتي).
ضحكت سارة بدورها ثم قالت:
ـ يا إلهي، ما أحْلانا ونحن نتبادل العبارات بالتركية وكأننا تركيات أصيلات. الأمر ممتع حقا.
ـ صحيح، هاا أخبريني سرسورة هل أنتِ جاهزة؟ التجهيزات بالأسفل تُدار على قدمٍ وساق استعدادًا لوصول مطربك الوسيم.
تنهدت الأخرى بحالمية وقالت:
ـ نعم لقد انتهيت، سأنزل بعد دقائق، ماذا تفعلين؟
ـ لن تصدقي سارة، أقف بمكاني منذ نزلت من الغرفة لا أفعل شيئًا سوى أنني أشم الهواء المحمل برائحة اليود القوية، تلك الرائحة تُنعش ذاكرتي وتحمل معها ومضات من الماضي.
أطلقت سارة تنهيدة قوية وأردفت:
ـ أمي العزيزة، لقد أتينا إلى هنا لكي نتجاوز الماضي وها أنتِ تستحضرينه عن طريق بعضًا من اليود وما شابه. بربك إلى أين سنهرب مجددًا؟
ضحكت فتون وأردفت:
ـ سنهرب يا فتاة، هيا ينتظرنا الكثير من التسلية والمرح، لا تتأخري.
وأنهت فتون الاتصال، بينما أكملت سارة ما بدأته والتقطت حقيبتها وخرجت من الغرفة متجهة إلى الأسفل حيث القاعة الخاصة بالحفلات والتي سيقام بها حفل الليلة.
وصل المطرب إلى الفندق فتجمهر حوله المصورون والصحفيون المتطفلون، بينما التف حوله العديد من رجال الحراسة الخاصة به حتى دخل إلى القاعة وبدأ منسقو الحفل بالاستعداد لانطلاق الحفل الأكثر رواجًا.
بدأ المغني بالغناء، فهدأ تصفيق وصيحات الجمهور الكبير، وسادت حالة من السكون التام وهم يستمعون إليه وهو يتغنى بصوته ذات النبرة الحزينة، وازداد انسجامهم مع تبدل الإضاءة لأخرى أكثر خفوتًا وشاعرية، مما ساعدهم على الانخراط في حالة عاطفية جياشة.
Dışardan gördüğün gibi değil
لست أنا الذي تراه من الخارج
bir kez olsun buradan bakmadın
ولا لمرة واحدة تتعب نفسك بالنظر لي
Üzüldüm zannediyorsan şunu bil
إن كنت تعتقد بأني حزين فقط اعرف
canım yandı geçti çok yakmadın
لم أعد أشعر بالألم فأنت لم تعد تؤذيني
Yaz gelir içimi sarar aynı telaşlar
أتى الصيف وما زالت نفس التساؤلات لدي
kim bilir belki de bir aşk başlar
فمن يعرف لربما يبدأ عشق جديد
Dalgalanır deniz ne çıkar durur yavaşlar
البحر يتموج ويتوقف ببطء ماذا يعني؟
kim bilir belki de bir aşk başlar
فمن يعرف لربما يبدأ عشق جديد
Ben özledim galiba seni
أنا بالفعل أشتاق لك
bu yüzden bu kadar sitemlerim
لهذا أنا أشكو كثيرًا
Sen üzülme acıdan bu sözlerim
فلا تحزن مني لأن انفعالاتي بسبب قلبي المكسور
karşımda görsem dolar gözlerim
فإذا رأتك عيناي سيفيضان بالدموع
كانت سارة - وبالرغم من اندماجها مع الكلمات واللحن - إلا أنها لم تستطع تجاوز تلك الحالة التي أحاطتها، خاصةً عندما استشعرت أنفها رائحة عطر مميزة جدًا ومألوفة بالنسبة لها، فاهتز قلبها وتحفزت دقاته، وأخذت سارة تتلفت حولها يمينًا ويسارًا بحثًا عن صاحب هذه الرائحة التي لا يخطئها قلبها أبدًا. ولكنها لم تجده. بالتأكيد لن تجده. فلقد قطعت أميالًا واسعة فقط لتهرب منه ومن حصاره الذي فرضه على مشاعرها، كان لا بد لها أن تتحرر من قبضته وتعلن على مشاعرها الخائنة التمرد والعصيان؛ لذا تركت كل شيء خلفها ولم تأبه لشيء، واصطحبت أمها وغادرت.
ولكن على ما يبدو أنها حتى وإن غادرت الماضي فالماضي لن يغادرها أبدًا.
تنهدت سارة بألم، وهي التي كانت على بُعد خطوات معدودة من التعافي، ليأتي هذا العطر اللعين ويعيدها إلى حيث كانت، إلى نقطة الصفر من جديد. ليجعلها تتساءل وتفكر مليًا: كيف لمجرد عطر أن يثير حنينها إلى الماضي وإلى الذكريات التي ألقت بها في سلة مهملاتها! حسنًا هي قرأت كثيرًا أن العطور يمكن أن تعزز استرجاع الذاكرة وتنشط الذكريات المرتبطة بها ولكنها لم تؤمن بذلك الكلام أبدًا.. ولكن اليوم أيقنت أنها حقيقة لا تدع مجالًا للشك؛ فبمجرد أن تشم رائحة معينة مرتبطة بذكرى أو بشخص معين ستتفاعل مشاعرك معها فورًا ولن تجد نفسك إلا وقد وقعت أسيرًا لهذه الذكرى في الحال.
أفاقت من شرودها على صوت تصفيق الحضور بعد أن توقف المغني عن الغناء وانصرف ليستعد لغناء أغنية أخرى.
كانت سارة في تلك اللحظة تشعر بالتعب والأرق بعد أن تبدل مزاجها تمامًا، فنظرت إلى أمها التي كانت شاردةً بدورها وقالت:
ـ سأعود إلى الغرفة، أشعر بالرغبة في النوم.
نظرت إليها أمها بتعجب من تبدل حالها المفاجئ وقالت:
ـ فعلا؟ هل ستنامين الآن؟
ـ نعم، هل ستأتين برفقتي؟
ـ لا، سأنتظر ريثما ينتهي الحفل، هذا الأذعر كلماته تخترق القلب اختراقًا.
ابتسمت سارة بفتور وانصرفت عائدة نحو غرفتهم، فمنذ أتيا إلى هنا وهما تنزلان أسبوعيًا بفندق مختلف رغبةً منهما في اكتشاف كل إنش في هذه المدينة. ومن مخططاتهم أيضًا أن يغادروا هذة المدينة وينتقلون إلى ريف تركيا في الأيام المقبلة لخوض مغامرة فريدة من نوعها.
سارت سارة بالرواق إلى آخره حتى وصلت إلى الغرفة الخاصة بهما ومدت يدها لتفتح الباب ولكن عيناها جحظت عن محجريهما بفزع عندما شعرت بذلك الكف العريض الذي أطبق على فمها فجأة!!!!
***
اللهم لك الحمد كما أنعمت علي، لك الحمد كما رزقتني وحفظتني وسترتني ويسرت لي كل أمرٍ عسير. الحمد لك وليس لأحدٍ سواك يا رب العالمين.
كان قاسم يردد هذا الدعاء بعد أن انتهى للتو من صلاته، ثم نهض ونظر إلى حياة التي كانت ترمقه بابتسامة مفعمة بالحنين، ثم قالت:
ـ حرمًا يا حبيبي.
ـ جمعًا إن شاء الله.
نظرت إليه بابتسامة وقالت:
ـ إن شاء الله، أتمنى أن نذهب سويا رمضان المقبل لأداء العمرة، لقد ذهب عزيز برفقة حنان رمضان الماضي، حينها كنت أتمنى لو أننا ذهبنا برفقتهم.
مسح على رأسها برفق ولين وقال مبتسمًا:
ـ لم يأذن الله بعد يا كهرمانة.
أومأت بتأييد ثم قالت:
ـ صحيح، هل تعرف قاسم؟
همهم متسائلًا وهو يهذب خصلات شعرها ويرتبها بيديه، فقالت:
ـ أتمنى أن يهبنا الله الفرصة لكي نعيش ما لم نستطع عيشه، نحن تزوجنا في ظروف غامضة، الأجواء جميعها من حولنا كانت مرتبكة ومتوترة.. رأينا أحزانًا تفوق الفرح بكثير، ماذا لو أننا استطعنا تعويض ولو جزء بسيط من الذي فقدناه؟
ابتسم وأمسك بكفها ورفعه إلى فمه ثم قبله وقال:
ـ أعدكِ يا حياتي أنني سأحاول تعويضك عن كل شيء، مع مرور الوقت سأمحو كل دمعة وأبدلها بضحكة إن شاء الله.
تنهدت بأمل وقالت:
ـ إن شاء الله، ولكن ليس قبل أن أصل للقول الفصل بخصوص أمي.. قبل أن تعود أمي سيبقى كل شيء ناقص.
مسح على وجنتها بإبهامه واقترب منه وعض خدها وهو يقول مغمغمًا محاولًا تغيير مسار الحديث:
ـ ما هذه الرائحة الجميلة حياتي؟ هل هي رائحة سائل الاستحمام أم أن الحوامل الجميلات يُصبن بمتلازمة رائحة الياسمين مثلك؟
أنعش قلبها التشبيه واندست بين ذراعيه تغرس نفسها عنوة في أحضانه، ثم اشتمت رائحته بقوة وأردفت:
ـ يا إلهي، وأخيرًا أصبح بإمكاني الاستمتاع برائحتك دون الشعور بالغثيان.
ضحك وقال:
ـ أرأيتِ أن قراري بالذهاب للسجن في هذا الوقت بالتحديد كان صائبًا؟ الحمد لله ساعدتكِ لكي تتجاوزي فترة الغثيان والوحام اللعين على خير.
خرجت من حضنه فجأة ونظرت إليه بلوم وقالت:
ـ لا، أنت مخطئ قاسم، أنا لم أتجاوز أي شيء، أنا كنت مرغمة على التعايش، هناك فرق.
أومأ فتابعت:
ـ مرت علي أيام كانت في طولها كالدهر، كنت أبكي بمفردي وأتألم بمفردي، كنت أحتاج لعناقك.. كنت كاليتيمة بدونك.
وتقوست شفتيها كالأطفال تمامًا وبكت بحرقة، فضمها بقوة وهو يمسح دمعاتها بحنو ويقول:
ـ أنا آسف حياتي، منذ اليوم لم تعودي يتيمة، لقد عاد بابا.
ابتسمت وطوقت عنقه بذراعيها وقالت:
ـ حسنا يا بابا قاسم، أنا لم أشترِ قطعة واحدة لأبنائك. ما العمل؟
ـ أبنائي؟ من يسمعك يظن أنكِ حامل بستة إناث وأربع ذكور، بربك لا تبالغي ولا تنطقي هذه الكلمة مجددًا وخاصة أمام الغرباء. العين فلقت الحجر.
ضحكت بقوة وهي تستمع إلى حديثه الغريب وأردفت:
ـ هل تخشى الحسد فعلا؟
ـ ولمَ لا أخشاه، كل ذي نعمةٍ محسود، وتعلمي ألا تتباهي بالنعم التي أنعم الله عليكِ بها أمام فاقديها.
نظرت إليه مطولًا ثم أردفت وهي تفكر:
ـ لعلمك أنت مخطئ، لأن الله سبحانه وتعالى قال "وأمّا بنعمة ربكَ فحدّث" وها أنت تطلب مني ألا أتحدث عنها وأخفيها خشية الحسد.
رد عليها بثقة وأجاب:
ـ التحدث بالنعم يكون بشكرها وإظهار آثارها وليس تعديدها وإخبار الناس بها، هل فهمتِ يا أم سند؟
نظرت إليه مبتسمة بإشراق وقالت:
ـ فهمت يا أبا سند، لقد اشتقت إليك وإلى نصائحك ودروسك كثيرًا قاسم..
قرص وجنتها مداعبًا ونظر إليها بنظرة معبرة وأردف:
ـ وأنا أعتقد أن تلميذتي النجيبة تحتاج إلى مكافأة كبيرة وعاجلة..
ومال عليها استعدادًا للهجوم المباشر، ولكنها تفادت ذلك الهجوم وتملصت من بين ذراعيه وهي تركض بخطوات متثاقلة وتقول:
ـ هيا الغداء جاهز.
رفع حاجبًا باستياء وحنق وقال بصوت وصلها:
ـ وإذا؟ ألا يمكنه الانتظار قليلًا؟ هل لديه موعد مثلا؟
صدح صوتها بالمطبخ وهي تقول:
ـ لا، ولكن نحن من لدينا موعدًا هامًا، لقد أخبرت والدي أني سأذهب إليهم بعد ساعة وطبعًا لم أخبره بقدومك، أريدُ مفاجئته.
دخل المطبخ وهو يقول:
ـ جيد، هيا اتصلي بحنان واطلبي منها أن تأتي إلى بيت عمي.. فليكن لها حظًا من المفاجأة هي الأخرى.
نقلت طاجن الحساء إلى الطاولة المستديرة بالمطبخ وهي تقول:
ـ حنان أساسًا تقيم ببيت العائلة.
نظر إليها متفاجئًا وقال:
ـ فعلا؟ منذ متى؟
ـ منذ فترة طويلة، قررنا أن نعيش سويا في بيت العائلة أنا مع والدي، وحنان بشقتكم، من أجل كريم.. الولد كان يمر بحالة نفسية سيئة للغاية لذا اقترح والدي أن نجتمع سويا من أجله.. وبعدها ذهبا كلا من حنان وعزيز لأداء العمرة وظل كريم برفقتي، وبعد عودتهم تعرضت حنان لبعض المشكلات بالحمل ونصحها الدكتور أن تحصل على الراحة التامة من أجل صحة الجنين؛ فعرضت عليها حسناء المساعدة وبالفعل وافقت وظلت.
أومأ بهدوء وقال:
ـ على ما يبدو أن زوجة عمي إنسانة ودودة للغاية.
تنهدت مهمومةً ثم قالت وهي تضع الطبق الأخير على المائدة:
ـ صحيح، في بداية زواجها من أبي لم أستسغ الفكرة أبدًا، لم أكن متقبلة كيفية أن تحل امرأة أخرى محل أمي، ولكن بمرور الوقت والمواقف أثبتت أنها رؤوفة بقلبٍ رحيم.. كانت تعتني بي وبحنان بنفس الوقت وكأننا حالتين تقوم على رعايتهما، لا تدخر جهدًا في الاعتناء بنا، ولكني تركت البيت وأتيت إلى هنا منذ فترة لأنني أردت إعمار البيت استعدادًا لوصولك يا حبيب الروح.
ضمها إليها وأردف ضاحكًا:
ـ حبة البطيخ هذه أصبحت عائقًا يحول دون الوصول إليكِ حيوتة، أشعر أنني يمكنني الجلوس عليها وتقبيلك بشكلٍ رائع.
وانفجر ضاحكًا فحدقته بنظرات صارمة وقالت بحدة:
ـ قل ما شاء الله.
ـ ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لا تخافي لن أحسدك، لقد حصلت على لقاح ضد الحسد في صغري.
قلبت عينيها بملل وأردفت:
ـ حسنا يا خفيف الظل، الحساء سيبرد وينافس برودة دمك.
قذفها بالليمونة الموضوعة بجوار طواجن الحساء وقال:
ـ تأدبي وأنتِ تتحدثين مع زوجك يا فتاة، على الأقل احتراما لفارق العمر بيننا.
ثم سحب الكرسي الخاص بها في عرضٍ مسرحي وقال:
ـ تفضلي، هذا لتعلمي كم أنكِ محظوظة من بين مثيلاتك من النساء، مَن منهن يسحب لها زوجها المقعد كما فعلت أنا؟
جلست بهدوء ونظرت إليه باسمةً وقالت:
ـ مَن مثلك يا حبيبي؟
أجابها متعمدًا إثارة حنقها:
ـ لا أحد بالطبع.. أنا آخر قطعة من نوعي.
طالعته بضجر فضحك على نظرتها التي اشتاقها كثيرًا ونظر إلى المائدة وهو يطلق صفيرًا معجبًا وهو يقول:
ـ ما هذا؟ دجاج بلدي محشي وحساء وطاجن بازلاء بالكوسة؟ تحتاجين قبلة يا فتاة.
وأمسك بيدها وقبلها بقوة ثم نظر مجددًا إلى الطعام بشهية مفتوحة وقال:
ـ هذا المنظر جعلني أتذكر أمي رحمها الله، كانت تعد لنا نفس الأطباق في كل يوم جمعة، وكنا نجتمع نحن الأربعة حول المائدة بعد صلاة الجمعة ونتناول الطعام.
وشرد وهو يسترجع تلك الذكريات ثم قال:
ـ لا بد أن أذهب لزيارة قبرهما اليوم. رحمهما الله.
شردت حياة كذلك وأردفت بانكسار علمها الاستسلام وقالت:
ـ رحمهم الله.
أكملا طعامهما بصمت وهي تطالعه من فينة لأخرى فتجده شاردا فتلتزم الصمت إلى أن قطعه هو وقال:
ـ تذكرتُ شيئا، كنت قد رأيت منامًا من قبل، اتضح أنه لم يكن منامًا عاديًا.. زارني والدي مرة في المنام وأعطاني عملتين ذهبيتين وأوصاني أن أهديكِ إياهما في الوقت المناسب!!
قطبت جبينها مع ابتسامة خفيفة وقالت:
ـ عملتين ذهبيتين؟ ماذا يعني؟
نظر إليها بإحباط وقال:
ـ ماذا يعني؟ لا أبدا لا يعني شيئًا، على الأغلب لقد قضى الحمل على قدرة الاستيعاب لديكِ.
قالت بعد تفكير:
ـ فهمت، أنت تقصد أن العملتين هما دلالة على حملي بتوأم. أليس كذلك؟
ـ هو كذلك تمامًا.
ـ هل تعرف؟ أنا أيضًا حلمت أنني كنت أجلس أسفل شجرة وسقط فوق رأسي تفاحتين!!
نظر إليها متعجبًا وانفجر ضاحكًا فحدقته بغضب وقالت:
ـ علام تضحك؟
نظر إليها مبتسمًا وأردف وهو يمسك بيدها ويقبلها:
ـ هل سقط التفاح فوق رأسك فعلا؟
هزت رأسها بتأكيد فقال بنظرة عابثة:
ـ هذا لأنكِ تتمتعين بجاذبية تفوق الخيال.
رمشت بعينيها عدة مرات بلطف وقالت بابتسامة:
ـ أشكرك زوجي العزيز، كانت هذه مجاملة لطيفة منك.
ـ هذه ليست مجاملة أبدًا، هذه حقيقة.. أنتِ تملكين قوة جذب رهيبة تجعلني دائمًا أدور في مدارك.
ابتسمت بسعادة ثم نظرت إليه بشراسة وقالت:
ـ ماذا إن حدث يومًا ودُرتَ في مدار آخر؟
ليرد عليها بثقة ويقول:
ـ سأكون حينها قد حكمتُ على نفسي بالهلاك بكل تأكيد.
***
أطبق على فمها بكفه العريض فتشبثت يداها تلقائيًا بساعده الذي يحيطها وهي تحاول زحزحته عنها ولكنه همس بأذنها بصوتٍ أسَر الرجفة في جسدها وقال:
ـ لا تخافي، أنا قصي.
تحركت بين يديه بعشوائية، ففك وثاق ذراعيه من حولها، فالتفتت إليه وهي تنظر له بصدمة وقالت:
ـ قصي؟ أنت هنا؟!
نظر إلى ملامحها المحببة إليه عن قرب باشتياق ولهفة، ثم قال:
ـ أنا هنا كما ترين، اشتقت لكِ.
طالعتهُ بغضب شديد وقالت وهي تضرب صدره بقبضتها الناعمة:
ـ ولمَ تصرفت بتلك الحماقة كأنك لص أو مجرم؟ لقد أرعبتني وكنت على وشك الموت خوفًا.
أمسك بقبضتها وقبض عليها بكفه وهو يطالعها بحنان وقال:
ـ أعتذر منكِ، اضطررت لفعل ذلك لأن رجال الأمن منتشرين بأرجاء الفندق وفي الأروقة لتأمين الحفل وخشيت أن تقومي بأي تصرف متهور أو أن تصرخي مثلًا وتجلبي القاصي والداني فيتهمونني بالتحرش بكِ أو محاولة خطفك.
نظرت إليه بضيق شديد وهتفت بانفعال:
ـ وقح.
نطق بهدوء كتلميذ يتعرض للتعنيف من أستاذه:
ـ أنا آسف.
استشاطت غضبًا وضربت رأسه بحقيبة يدها وهي تقول:
ـ وحقير ونذل.. اللعنة عليك.
فمد ذراعيه أمام وجهه ليتفادى هجماتها المباغتة وهو يقول:
ـ أعتذر منكِ لم أقصد إخافتك صدقيني.
صرخت بوجهه كالمجنونة وقالت بعصبية:
ـ إذا لماذا أتيت؟ لماذا تصر على اللحاق بي أينما ذهبت؟ لقد تركت لك القارة بأكملها وأتيت إلى هنا لكي أبدأ من جديد، لماذا تتبعني؟
ـ تبدأين من جديد وتتركين القديم ناقصًا؟
ـ أيُ قديم؟ قديمك هذا كان مجرد كابوس غادرته بإرادتي ولن أعود إليه أبدًا مهما حدث.
ـ كابوس؟ تسمين علاقتنا كابوسًا؟
نظرت إليه بضيق واستياء وقالت:
ـ علاقة غير متكافئة تمامًا، نحن غير متكافئين يا قصي ولن نصبح. هيا غادر وعُد من حيث أتيت.
واستدارت وفتحت الباب ودخلت، فهَمّ بالدخول وراءها ولكنها أوصدت الباب فجأة فاصطدم وجهه بالباب فقال بألم طفيف وحنق فائض:
ـ لا يهمني إن ذهبتِ لآخر المجرة حتى، هذه المرة أنا متمسك بكِ ولن أبرح أرضكِ يا سارة.
كانت سارة تستند على الباب من الداخل وهي تستمع إلى ما يقوله بانهزام وقد خارت كل قواها المزعومة وانهارت الحصون التي كانت تختبئ خلفها طيلة الأشهر الماضية.
وعندما لم تستمع إلى صوته مجددًا أدركت أنه قد غادر، ففتحت الباب ببطء لتجده قد ترك خاتم الزواج الذي قد أهداه إليها من قبل أمام الباب، فانحنت لتأخذه وفجأة سمعت صوته يأتي من اللامكان وهو يقول:
ـ كنت أعرف أنكِ ستفتحين الباب مجددًا..
تلفتت حولها بفزع ودخلت كالأرنب المذعور، ولكنها توقفت عندما سمعته يقول:
ـ هل ستتركين الخاتم أمام الباب؟ هيا سارة لا تكوني عنيدة ورأسك متحجر.
أخذت تنظر حولها بغيظ ولكنها لم تجده، ولكنها تعلم أنه يراها، فأمسكت بالعلبة وألقتها بسلة المهملات الموضوعة أمام باب الغرفة وهي تنظر حولها بتشفٍ وتحدٍ ثم قالت:
ـ ها هو ذا.. في المكان المناسب تمامًا.
ودخلت غرفتها وصفقت الباب بقوة، أجفلتها هي شخصيًا، فسمعته يقول:
ـ جيد جدًا، أرفع لكِ القبعة، ولكن لا تفتشي بسلة المهملات مرة أخرى بحثًا عنه فهذا لن يكون لائقًا.
أدركت من خلال نبرة صوته أنها نجحت في هزمهِ وكسر خاطره، وهذا لم يشعرها بالراحة على عكس ما توقعت. ظلت واقفة خلف الباب لقرابة الربع ساعة، ثم أذعنت صاغرةً لفضولها أولًا ونداء قلبها ثانيًا وفتحت الباب ببطء وترقب، ثم أخذت تتلفت حولها مرة أخرى بحثًا عنه ومدت يدها بسلة المهملات لتستعيد الخاتم، ولكنها فوجئت بأنه غير موجود!
هذا ما أشعرها بالضيق والأسف على حالها، فدخلت غرفتها مجددًا باستسلام وغرقت في فيضان من الحنين.
بينما كان قصي يختبئ بالخارج بركن مجاور للغرفة المقابلة ممسكًا بالخاتم وهو يتحدث إلى نفسه قائلًا:
ـ لا تراجع ولا استسلام يا سارة العنيدة؛ حتى لو كلفني الأمر الذهاب خلفك إلى بلاد الواق واق حتى.
***
كانت حياة قد استعدت وارتدت ملابسها التي هي عبارة عن عباءة سوداء بطراز خليجي واسعة فضفاضة تمنحها الحرية عند الحركة وتناسب وضعها.
بينما خرج قاسم من الحمام ليطلق صفيرًا معجبًا فور رؤيتها، ثم قال:
ـ ما هذا الجمال والدلال كله حبيبتي! تبدين كالبدر في ليلة تمامه.
ابتسمت بسعادة وثقة تكتسبها دومًا منه وقالت:
ـ أشكرك سيد قاسم، على ما يبدو أنك كنت تتعلم مهارات الحديث والإطراء على النساء في السجن.
قهقه عاليا وقال:
ـ الأمر لا يحتاج لتعلم مهارات حياتي، القلب ينطق قبل اللسان في حضرة سيدة الحُسـن والجمال حياة هانم صالح فضل الحداد، الشهيرة بحياة هانم صالح فضل الحداد أيضًا.
علت ضحكاتها وهي تهز رأسها بيأس ثم قالت:
ـ حسنا يا كثير اللغو، هيا لقد تأخرنا.
ارتدى قاسم ملابسه على عجالة وغادرا شقتهما ليتقابلا على السلم مع عصفورين الحب ممدوح وفلة اللذان تفاجئا بوجوده ورحبا به ترحيبًا بالغ وقاما بدعوتهما لتناول العشاء في مساء الغد.
اتخذا كلا من قاسم وحياة طريقهما نحو المرآب وهما يتحدثان فقال قاسم:
ـ يا إلهي، كيف ستعد لنا سيدة فريال العشاء ببطنها هذا؟ السيدة تمشي كالسلحفاة.
ضحكت حياة وهي تهمس إليه وتقول:
ـ هل لديك من يكتم السر؟
نظر إليها متعجبًا وهمس مثلها:
ـ في بئر.
أشارت إليه ليقترب وكأنها ستخبره بأسرار تهدد أمن الوطن وقالت بفحيح مضحك:
ـ السيدة فريال حامل بتوأم ثلاثي.
نظر إليها مصدومًا وقال بغير تصديق:
ـ لا تمزحين!
ـ أقسم بالله.. هي الآن في شهرها السادس ولكنها تعاني معاناة الحامل في الشهر الحادي عشر.
ضحك وهو يهز رأسه بغير تصديق وقال وهو يحدث نفسه:
ـ ما شاء الله، على ما يبدو أن الدكتور ممدوح سره باتع!
ـ ماذا؟ ماذا تقول؟
نظر إليها وهز رأسه وقال:
ـ لا أبدًا، لم أقل شيئًا. إذًا وكيف استقبل ابنه الخبر؟ لقد أصبح رجلًا بطول الباب.
ضحكت وقالت:
ـ تقصد قصي.. أخبرتني فلة أنه كان فرحًا للغاية، الجميع أساسًا فرحين من أجل فريال، لقد عوضها الله عما عاشته وعانته سابقًا.
دخلا المرآب ليجد سيارته السوداء الفخمة التي تصطف جانبًا بكل أبهة وقد كساها التراب فقال:
ـ يا للهول! هل غبت طويلًا لهذه الدرجة؟
نظرت إليه بابتسامة مشفقة وقالت:
ـ نعم، ستة أشهر الشهر منهم كالسنة الكبيسة.
هز رأسه بتأييد وأردف وهو يفتح لها الباب:
ـ الحمد لله أني خرجت قبل أن يحفر فوقها حماده العاشق قلبًا وسهمين بمفتاحه اللعين ويكتب عليها حماده يحب سماح، كنت لأصاب بسكتة قلبية في الحال.
تعالت ضحكات حياة فضحك بدوره واستدار ليركب خلف المقود ثم انطلق بعد أن ردد:
ـ بسم الله توكلنا على الله.
كان يقود بيمناه ويده اليسرى تستند على حافة النافذة بجواره، فكان مثيرًا للإعجاب جدًا، مما جعل حياة تمعن النظر إليه وعلى ثغرها ابتسامة متألقة وقالت:
ـ هل تعلم أنني بكيت بحرقة أول مرة رأيت بها السيارة بعد دخولك السجن؟
نظر إليها ضاحكًا وقال:
ـ لا أعلم، ولكن ما أعلمه جيدًا أنكِ تخترعين أسبابًا خزعبلية لتبكي.
طالعته بحنق فضحك وقال:
ـ حسنًا أمزح معك، وماذا بعد أن بكيتِ؟ ثم أخبريني أولًا، ماذا كنتِ تفعلين بالمرآب بمفردك أساسًا؟
ـ لا لم أكن بمفردي، كانت برفقتي السيدة فتون وسارة وقد أوصلاني بسيارتهما يوم زفاف فلة والدكتور.
ـ لقد تذكرت، كيف حال سارة؟ في آخر زيارة للسيد أكثم لي في السجن أخبرني أنها ألحت على والدتها للسفر!
تنهدت بأسف وقالت:
ـ نعم، والدتها أخبرتني أنها متعبة جدًا وتمر بحالة نفسية سيئة حتى أنها عرضت عليها أن تعرضها على الدكتور ممدوح ليساعدها ولكن سارة رفضت بشدة وكل ما طلبته أن تبتعد عن هنا فورًا، وأمام رغبتها لم تملك والدتها إلا أن تنصاع إليها وبالفعل سافرتا إلى تركيا.
مط شفتيه متعجبًا وقال:
ـ ولمَ اختارتا تركيا بالأخص؟ ما السبب؟
ـ سارة تقول أنها تتوق لاستكشاف بلدها المفضل ومقابلة نجومها المفضلين.
ـ مممم.. همهم باقتضاب فقالت بترقب:
ـ هل يمكننا زيارتهم في مرة؟ هل تمانع في ذهابي لرؤية نجومي المفضلين؟
نظر إليها بطرف عينه وأردف:
ـ لا أمانع، ولا أمانع في إرسالك للجحيم أيضًا.
لوت شفتيها بنزق فتمتم بقلة حيلة:
ـ أستغفر الله العظيم.
ظلا يتجاذبان أطراف الحديث إلى أن صف السيارة أمام مدخل بيت العائلة ونزلا، فأخذ يتطلع إلى المكان باشتياق جارف، بينما هي شعرت بانقباضة في قلبها ولكنها شكلت ابتسامة ناعمة على ثغرها وصعدت برفقته إلى الأعلى.
وقفا أمام الباب فطرقَهُ ونظر إليها وهو يعدل لياقة قميصه بغرور مصطنع، فضحكت. انفرج الباب وصُدم قاسم عندما رأى عمه يفتح له الباب بنفسه وهو واقفًا ناصبًا ظهره.
ـ قاسم؟!
قالها صالح متفاجئًا وعانقه بقوة وأخذ يربت على ظهره بقوة وهو يقول:
ـ حمدا لله على سلامتك يا بني، حمدا لله على سلامتك.
ـ حمدا لله على سلامتك أنت يا عمي، سررت كثيرًا برؤيتك تقف على قدميك، لا حرمك الله الصحة والعافية.
دخل قاسم تتبعه حياة، فعانقها والدها بقوة وقال:
ـ حمدا لله على سلامة زوجك حبيبتي، لا حرمكِ الله أُنسه ثانيًا.
خرج كريم من غرفته راكضًا نحو الخارج وعانق قاسم بقوة فاجأته، فعانقه قاسم وقال:
ـ اشتقت لك كثيرًا يا بطل.. كيف حالك؟
تحدث كريم بابتسامة مشرقة وقال:
ـ أنا بخير، اشترك لي عمي عزيز في لعبة الجودو وحصلت فيها على الحزام البرتقالي، وأستعد للحصول على الحزام الأصفر ومن ثم الأبيض.
ابتسم قاسم وهو يربت على رأسه بحنان وقال:
ـ أحسنت يا فتى، هيا كن بطلًا لكي تكون قدوة لأولاد خالاتك وأعمامك فيما بعد. ستكون قائدهم بالتأكيد.
ابتسم كريم حتى بانت نواجذه وأردف بحماس:
ـ إضافة إلى ذلك فجدي يحفظني القرآن يوميًا وختمت أربعة أجزاء كاملة، ووعدني جدي مع ختم كل عشر أجزاء ستكون لي هدية فاخرة من اختياري.
نظر قاسم إلى عمه باستحسان واعجاب ونظر إلى الولد بفرح وعطف وقال:
ـ بارك الله فيك يا كريم، أنا فخور بك جدًا والله.
اتسعت ابتسامة كريم إلى آخرها وتابع يعدد المزايا الذي حصل عليها في الفترة الأخيرة فقال:
ـ أما عن حياة فهي تعلمني الرسم، لقد رسمنا أنا وهي لوحات عديدة سنشارك بها في معرض الفن التشكيلي القادم.
ـ أووووه… قالها قاسم بإعجاب بالغ وقرص وجنة حياة وقال:
ـ حبيبتي الفنانة المبدعة..
ضحك الجميع، فنظر قاسم إلى كريم وقال:
ـ وأنا أعدكم أن أكون أول الداعمين وسأشتري منكم لوحتين، واحدة للمعرض والأخرى للبيت.
صفق كريم بحماس وأخذ يركض نحو غرفته بفرحة عارمة وحماس شديد، بينما خرجت حسناء من المطبخ واتجهت نحوهم وصافحت قاسم ورحبت به ترحيبًا يليق بها، ثم عادت إلى المطبخ لكي تعد لهم العشاء.
ارتفع رنين جرس الباب، فخمن قاسم أن الآتي عزيز أو حنان لذا قرر أن يكون هو من يستقبلهم ونهض وفتح الباب لتصاب حنان بالدهشة فور رؤيته وارتمت بحضنه فجأة، فعانقها عناقًا حارًا وقبل رأسها.. ثم استقبل عزيز الذي كان يقف بجوارها وقال:
ـ قاسم، كيف خرجت؟ ألم يكن مقدرًا موعد خروجك في نهاية الأسبوع؟
ـ لا، لم أرد إرهاقكم وجعلكم تنشغلون بموعد خروجي لذا ألقيتُ إليك ميعادًا وهميًا.
قالت حنان التي تجلس بجواره:
ـ حمدا لله على سلامتك حبيبي، كيف حالك؟ هل أنت بخير؟
ربت على كتفها بحنو وقال:
ـ أنا بخير والحمد لله، كيف حالكِ وحال طفلك؟
ابتسمت وقالت:
ـ بخير، قررت أنا وعزيز أن نسمي الطفلة غالية نسبةً لاسم أمي رحمها الله.
اقشعر بدنه واهتز الخافق بصدره، ثم نظر إلى عزيز نظرة صامتة ممتنة، ونظر إلى حنان وقال:
ـ رحمها الله، ورزقكِ رؤية غاليتك سليمةً معافاة.
ـ إن شاء الله.. وإياكم.
أعدت حسناء وليمة فاخرة تستقبل بها قاسم ودعتهم جميعًا للاجتماع حول المائدة، فالتفوا حولها مسرورين بجمعتهم الغالية وبدأوا بتناول الطعام وهم يتناولون أطراف الحديث والضحكات.
بعد انتهاء العشاء وانصراف حنان وعزيز إلى الأعلى قرر قاسم المغادرة أيضًا، ودعه عمه ثم قال:
ـ قاسم، أود أن أطلب منك طلبًا، طبعًا أنا لم أطلب هذا الطلب من عزيز لأنه مشغول بكريم والمعرض وزوجته الحامل بما يكفي. كانت حسناء قد طلبت مني أن أبحث لشقة المعمورة عن مستأجرين، الشقة الآن باسمها وتريد تأجيرها واستثمار عائد الإيجار في تحويلها لدار لرعاية الأيتام فيما بعد. لقد عرضت عليها مساعدتها وتمويل المشروع ولكنها رفضت وأصرت أن تكون النفقات من مالها الخاص؛ لذا ستلجأ لتأجيرها عدة أشهر ومن ثم ستقوم بتجهيزها بواسطة المال الذي ستجنيه من الإيجار.
أومأ قاسم متفهمًا وقال:
ـ حسنا لا مانع، من الغد سأتولى هذا الأمر لا تقلق.
ـ لست قلقًا إن شاء الله، ليفعل الله خيرا.
ـ إن شاء الله، هيا نحن نستأذن.
انصرفا كلا من قاسم وحياة عائدين إلى بيتهما، فدخلت حياة إلى الحمام لكي تنعم بحمام بارد ينعشها، ثم خرجت وتمددت فوق السرير بتعب وهي تحيط بطنها برفق واحتواء، فانضم قاسم إليها وأحاطها بذراعه وقال وهو يمسد بطنها بحنان:
ـ ماذا سنختار لهما من الأسماء؟
نظرت إليه بابتسامة وقالت:
ـ ماذا برأيك يا أبا سند؟
ضحك وقال:
ـ حسنا نحن متفقان من قبل على اسم الولد ولكن بالنسبة للفتاة؟ ما رأيك في اسم… في اسم…. سيدة أبيها؟
تهدلت ملامحها باحباط فانفجر ضاحكًا وأضاف:
ـ أو عين أبيها..
ـ عين أبيها؟
أومأ وهو يضحك عاليًا فقالت:
ـ تخيل أن يسألني أحد ما أين عين أبيها فأقول لهم عين أبيها خرجت.. بالله عليك ماذا سيكون شعورك؟
قهقه عاليًا فشاركته الضحك بقوة حتى شعرت بركلات مفاجئة فصرخت بفزع وهي تقول:
ـ يا إلهي، ما هذا؟
كانت بطنها في تلك اللحظة تتحرك حركة عشوائية، فأمسكت بيده سريعا ووضعتها أسفل معدتها تمامًا وهي تقول:
ـ هذه رأس أحدهما!
ونقلت يده إلى جانب بطنها وقالت:
ـ وهنا رأس الآخر.
كان قاسم يتلمس موضع رأسيهما وهو يشعر برغبة في البكاء بشدة، ثم انزلق للاسفل وقبل موضع يده فوق رأس طفله أو طفلته لا يدري، ثم ضمها إليه بحنان وقال:
ـ تعالي يا حياتي، اشتقت إليكِ كثيرًا يا أم سند وعين أبيها.
تعالت ضحكاتهما.
***
كانت سارة تستند بذراعيها إلى حافة النافذة الزجاجية الكبيرة الممتدة بعرض الحائط وهي تشاهد أضواء المدينة المنعكسة على مياه المضيق من أمامها صانعةً لوحة فنية رائعة تستحق التأمل لأيام طويلة. ولكنها لم تكن تتأمل بل كانت تبكي على ما حدث معها منذ قليل، وبمجرد أن انفرج الباب ودخلت أمها حتى نهضت ووقفت أمامها وهي تصرخ بجنون:
ـ لقد أخبرتِ فريال باسم الفندق، أليس كذلك؟
كانت فتون ترقب ذلك الانفجار وتعرف أنه آتٍ لا محالة، لذا تحركت بخطى ثابتة نحو الفراش وجلست فوقه وقالت بهدوء:
ـ أجل.
نظرت إليها سارة بغضب وقالت:
ـ ولمَ فعلتِ ذلك؟
تنهدت بأسف لحال ابنتها وقالت:
ـ لم أعرف أنها ستخبر قصي بمكاننا، لو كنت أعرف لما أخبرتها صدقيني.
ـ قصي؟ هل تعرفين بوجود قصي؟
ـ أجل، لقد كنا نجلس سويًا قبل قليل.. أخبرني أنه يحبك و…
قاطعتها سارة بغضب عاتٍ وقالت:
ـ ملعون هذا الحب! هذا الشخص هوائي ولا يعرف ماذا يريد بالتحديد، لقد كرهته.
وتابعت وهي تدور حول نفسها بتشتت:
ـ يا إلهي لقد تركت له مصر بأكملها وجئت إلى تركيا ماذا عساني أفعل؟ إلى أين سأهرب مجددًا؟
اقتربت منها فتون وربتت على كتفها وقالت:
ـ حبيبتي، الهروب ليس حلًا، عليكِ أن تواجهي.
نظرت إليها سارة باستفهام فتابعت:
ـ لا بد أن تتحدثا سويًا وتصلا إلى نقطة فاصلة في هذا الموضوع، لا يجب أن يبقى الأمر معلقًا هكذا.
ضحكت سارة بتهكم وقالت:
ـ نتحدث؟ وماذا سنقول يا ترى؟ هل سأحكي له عن والدي ويومياته بالسجن؟ لا شيء جديد للأسف. هذا الرجل سيسمعني ككل مرة ثم يختفي مجددًا كما يفعل دوما، ثم يعود، ثم يختفي.. هذا إنسان متلاعب حقير ولا يتمتع ولو بقدر بسيط من الإحساس بالمسؤولية.
تنهدت فتون بحيرة ثم قالت:
ـ لا أجد ما أقوله، ولكني أعتقد أن فرصة أخيرة لن تضر.
ثم دخلت إلى غرفة تبديل الملابس وتركت سارة تفكر في كلامها الذي ضاعف حيرتها.. ولكنها أبت الاستسلام له فصدح صوتها أن:
ـ لن أفكر، وغدًا سنترك هذا الفندق ونذهب إلى أي جحيم آخر، أو نترك المدينة بأكملها وننتقل إلى العاصمة أنقرة..
ثم أضافت بيأس وهي تصرخ بقوة:
ـ أو نغادر تركيا بأكملها ونذهب إلى أي لعنة لا يجدنا فيها.
في الداخل.. كانت فتون تستند بكفيها على حافة الخزانة العريضة وهي تهمس بأسى:
ـ لا تزالين صغيرة على الحب وجحيم الحب يا ابنتي!
***
في الصباح..
استيقظ قاسم قبل حياة، نهض وكعادته جلس بالفراش لدقائق حتى يستعيد تركيزه، فلفت انتباهه حركة بطن حياة فابتسم وانحنى بجذعه إلى جانب بطنها وهو يهمس:
ـ ألا تنامان؟ أم أنكما تستيقظان باكرًا كوالدكما؟
وطبع قبلة رقيقة على بطنها وأردف:
ـ صباح الخير سند.. صباح الخير يا عين أبيكِ.. صباح الخير أحبائي.. أنتظر مجيئكما بفارغ الصبر.
تلوى أحدهما بالداخل فقال بتفكير:
ـ يبدو أنكما جائعان، أعدكما عندما تشرفان سأعتني بكما جيدا ولن أدخر جهدًا في رعايتكما..
ثم صمت بتفكير وهو ينظر إلى بطن حياة حيث يحدث طفليه وأردف:
ـ بصراحة أنا لست متأكد مما أقوله؛ فجميع الآباء سبق أن قالوا نفس ما أقوله الآن وينتهي بهم المطاف نائمين بالغرفة المجاورة لكي لا يثقب صراخ الصغار طبلة آذانهم.. ولكن ما أثق به أنني سأحبكما كثيرًا وسوف تحبانني كثيرًا..
وأسهب في الحوار بعد أن اتخذ وضعية مريحة أكثر ومدد ساقًا فوق الأخرى وهو يستطرد ويقول:
ـ هذا لا يعني أنكما ستحبانني أكثر من حياة.. بالطبع لا؛ فالأم يا رفاق هي كل شيء طبعًا. ولكني أطمع في المساواة. على الأقل لا تعاملونني كأحد أعمدة الإنارة. الأب وجوده ضروري أيضًا ولولا أنا ما كنتم أنتم.
ثم أسند رأسه على أعلى بطن حياة وأخذ يمسح عليها برفق وهو يقول:
ـ سأحكي لكم حكاية..
ولكن حياة لم تمهله الفرصة حينما صرخت به بعنف وهي تقول:
ـ ألا تخجل من نفسك؟ أيُ حكاية تلك؟
انتفض مذعورًا ونظر إليها باستغراب وقال:
ـ حياة، ما بك؟
ـ ما بي؟ لا أبدًا.. تصل بطني للسقف وسيادتك تتعامل معها كوسادة محشوة بريش النعام، بربك ألا تخجل من نفسك؟
نظر إليها بضيق مصطنع وقال وكأنه يحدث صغاره:
ـ لعلمكما هذه الحكاية كانت عن أمنا الغولة، ولكن بعد ما قالته هذه فلا داعي لأحكيها، لقد تعرفتم على أمكما الغولة وانتهى الأمر.
ونهض من السرير متجها نحو الخارج وهو يقول:
ـ هيا سأعد لكم الفطور.. الصغار جوعى.
رفعت حاجبيها بتعجب ورددت:
ـ الصغار جوعى؟!!
ونظرت إلى أسفل حيث بطنها البارز وقالت:
ـ هل أنتم جوعى حقًا؟ ربما.
بعد أن تناولا فطورهما الذي أعده قاسم بنفسه ذهب ليبدل ملابسه استعدادًا للخروج.
ـ اليوم مضغوط بشكل رهيب، أولًا سأذهب لأتفقد شقة المعمورة كما طلب مني عمي وأقوم بتصويرها وإرسال الصور للسيد أكثم وهو سيجد المستأجر المناسب..
ـ في الحقيقة أنا غير مرحبة بتاتًا بفكرة تأجيرها، هذه الشقة لها عندي مكانة خاصة، كنا نقضي فيها أيام الصيف عندما كنا صغارًا، من سيستأجرها سيمحو كل ذكرياتنا منها، أساسًا هذه الشقة لا تقدر بثمن، يكفي اطلالتها الساحرة على البحر من جميع الجهات..
أومأ قاسم مؤكدًا وقال ببساطة:
ـ صحيح، لقد ذكرتني بأيام الصيف وسائحات الصيف.
حدقت به بغضب مستعر وقالت:
ـ حقًا؟
أردف بخوف وتراجع:
ـ لا.. كنت أمزح فحسب.
ـ هل ذكرتك بسائحات الصيف حقًا؟
ضرب وجهه بكفه بندم وهو يهمس لحاله:
ـ ما هذا الذي فعلته بنفسك يا قاسم الغبي!
وركض خلفها وهي تندفع خارج الغرفة وهو يقول:
ـ حياة، أقسم بالله كنت أمزح..
انفجرت في وجهه حتى شعر بأنه أصيب بصمم في أذنيه فقالت:
ـ لا تمزح مجددًا..
ـ حسنا..
ـ لست خفيف الظل أساسًا..
ـ أنتِ محقة.. أنا آسف.
ـ أسفك غير مقبول هيا تفضل..
أذعن قاسم للفرمان الصادر فورًا والتقط أغراضه وخرج وهو يحدث نفسه بشرود ويقول:
ـ يا إلهي ما هذا النكد كله؟ هل كل ذلك لأنني تذكرت سائحات الصيف؟ ماذا لو أنني تحدثت عن مايوهات سائحات الصيف؟ هل كانت سترفع دعوى خلع ضدي أم ماذا؟
ـ هل تحدث نفسك قاسم؟
نظر قاسم إلى مصدر الصوت ليجده الدكتور ممدوح فقال مبتسمًا:
ـ صباح الخير دكتور.
ـ صباح النور، لماذا تتحدث مع نفسك؟ ماذا ستفعل إذا بعد أن تصبح أبًا؟
نظر إليه قاسم يشكو حيرته وعجزه واقترب منه وهمس:
ـ كلام في سرك دكتور.. هل جميع النساء يصبحن نكديات وسريعات الانفعال خلال الحمل أم أن ما لدى زوجتي هو طفرة جينية؟
قهقه الدكتور عاليًا ثم قال بهدوء:
ـ لا تقلق، جميعهن يتشاركن نفس الطفرة.
تنهد قاسم بارتياح وقال:
ـ الحمد لله كنت أظن أنني الوحيد الذي يتعرض للتعنيف والطرد، اتضح أننا غالبية.
ـ لا، لست وحدك.. هن النساء يا صديقي.. تركيبة يصعب علينا فهمها بسهولة.
أومأ قاسم مؤكدًا وقال بلهجة الواثق:
ـ للأسف أنت محق دكتور، مهما حاولت ستفشل.
نزلا درجات السلم سويا ليتساءل قاسم باستغراب:
ـ لدي سؤال فضولي بعض الشيء، لماذا لا تستخدم المصعد؟ بالأمس أيضًا كنتما تصعدان الدرج.
ـ في الحقيقة أنا من الأشخاص الذين لا يرحبون بأي شيء سهل، خاصةً مع تقدم العمر يصبح الاضطرار لخوض الصعاب والمشاق بمثابة تحدي يجعلك تقيم نفسك من خلاله.
أومأ قاسم بابتسامة ثم صافحه واتجه للمرآب وهو يتحدث إلى نفسه قائلًا:
ـ هذا ولم أعرف بعد.. لماذا لا يستخدم المصعد؟
***
اتخذ قاسم سبيله نحو المعمورة هو وعزيز لينهيا الموضوع الخاص بتأجير الشقة، صف قاسم السيارة أمام المبنى ودخلا هو وعزيز ثم صعدا إلى حيث الشقة بالطابق الأول. أخرج قاسم المفتاح وفتح الباب ثم دخلا.
ـ ما هذا، هل كانت الأنوار مضاءة كل هذه المدة؟
قالها قاسم وهو ينظر إلى عزيز بتعجب، فنظر إليه الآخر متعجبًا بدوره وقال بتخمين:
ـ على الأغلب هذه عادة عمي صالح، لا يطفيء النور حتى لا تسكن البيت الأشباح.
نظر إليه قاسم وأطلق ضحكة متهكمة وقال وهو يخطو للداخل:
ـ أشباح؟ أيُ أشباح يا معتوه؟ على ما يبدو أنك لازلت متأثرًا بأفلام الكرتون التي..
وفجأة بتر كلماته عندما وقعت عينيه على شيءٍ ما لم يحدد ماهيته، يكتسي السواد، يقف على باب الغرفة المقابل لباب الشقة.
هربت الدماء من عروقه وتجمدت نبضات قلبه وتساقطت حبات العرق من جبينه وهو يهمس إلى عزيز المنهمك باستكشاف المكان:
ـ شبح!!
لم يفهم عزيز ما قاله فتساءل بصوت عال:
ـ ماذا تقول؟
لم يجد قاسم صوته لينطق، فهز رأسه مشيرًا بها إلى الأمام وعينيه تحدقان بالشبح أمامه، فنظر عزيز بالتصوير البطيء إلى حيث يشير قاسم بخوف وهو يحاول تخمين الشيء الذي يشير إليه قاسم قبل أن تقع عيناه عليه..
ـ لااااااا.. شبح!!.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…..
صرخ بها عزيز بهلع وهو يقفز فوق المقعد الموجود خلفه ويجذب قاسم من ياقة قميصه من الخلف حتى كاد يزهق روحه وهو يصرخ هيستيريًا:
ـ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.. انصرف.. انصرف..
وسكن الكون كله من حولهما عندما رأى كلا منهما هذا الشبح وهو يحرك يده ويرفع عن وجهه ذلك الشيء الأسود لتتسع عيناهما بصدمة أشد ويصرخ عزيز بقوة أكبر:
ـ لاااا… شبح زوجة عمي.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
ـ شبح؟ هل تراني شبح يا سليط اللسان يا بغيض؟
قالتها صفية وهي تقترب منهما فصرخ عزيز بها وهو يشير بيده ألا تقترب وهو يقول:
ـ لاااا.. ابتعدي.. لا تؤذينا ولا نؤذيكِ، انصرفي..
نظرت إليه صفية بغضب عاصف وقالت بلهجة حادة:
ـ انصرف أنت يا وقح، أنت من اقتحمت عليّ شقتي أنت وهذا بدون استئذان، وفوق هذا كله تنعتاني بالشبح؟ خسئتم!
ـ زوجة عمي؟ هل أنتِ حية؟
قالها قاسم بذهول وهو ينظر إلى صفية التي تخصرت بكلتا يديها وهي تنظر إليهم بتحفز فقالت بانفعال:
ـ ماذا ترى أنت؟
ردد وكأنه يجيب نفسه قبلها:
ـ أرى أنكِ تقفين أمامنا بشحمك ولحمك.. حية ترزقين!
هزت رأسها باستهجان وقالت:
ـ للأسف، لسوء حظكم أنني لا زلت حية أُرزق!
كان عزيز لا يزال مذعورًا، يرفض تصديق ما يحدث أمامه، فاقترب من قاسم وهمس إليه:
ـ لا تصدقها، زوجة عمي ماتت وهذا شبحها، ومخاطبة الأشباح ستصيبك باللعنة!
تجهم وجه صفية بغضب وهتفت بقوة:
ـ اللعنة عليك أنت.
عاد عزيز أدراجه بخوف ووقف يستمع إلى حوار قاسم الخرافي مع المرأة الشبح وهما يتبادلان العبارات بكل سلاسة.
ـ ولكن.. ولكننا ظننا أنكِ متِ!
قالها قاسم بحيرة فردت صفية:
ـ نعم.. هذا ما كنتم تطمحون إليه جميعًا، بدايةً من هذا النذل الذي يقف خلفك هو وزوجته، مرورًا بعمك الذي طردني شر طردة، ووصولًا عند زوجتك الخسيسة التي نسيت أمها وكأنها لم تكن.
حملق بها قاسم بدهشة وقال:
ـ ما الذي أدراكِ أن حياة نسيتكِ؟ لا تكوني ظالمة في حكمك أنِ لا تعرفين شيئًا عما عانته حياة ولا تزال تعانيه بسبب اختفائك.
رق قلبها وتغيرت ملامحها المهاجمة لأخرى منهزمة وهي تقول:
ـ حقًا؟ هل ابنتي حزينة لأجلي؟ يا قلب أمك يا حياة، كنت أعرف أنكِ الوحيدة التي ستحزن لأجلي.
ونظرت إليه وهتفت بقسوة مجددًا:
ـ أما جميعكم فكنتم تتمنون لي الموت.
مسح قاسم على وجهه باستياء وتوتر ثم نظر إليها وقال:
ـ ما الذي حدث معكِ؟ منذ اليوم الأول الذي خرجتِ فيه من البيت، أين ذهبتِ، وماذا حدث معك، وكيف وصلتِ إلى هنا، ومنذ متى وأنتِ هنا أساسًا، في حين أننا جميعًا سلمنا بحقيقة موتك؟
نظرت إليه بنظرة يشوبها الانكسار وهي تسترجع ما حدث معها منذ ستة أشهر، ثم نظرت إلى عزيز الذي أشاح عنها
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نعمة حسن
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الخمسون 50 - بقلم نعمة حسن
وشعور بالذنب يخالجها، شردت صفية قليلا ثم قالت:
ـ حياة، كيف حالها؟
نظرت إليها باستفهام وقالت:
ـ من؟! هل تقصدين حنان؟
ـ لا، زوجة أبيكِ..
تنهدت حياة وقالت بأسى:
ـ الحمدلله على كل حال، حالتها النفسية سيئة جدا بعد ما حدث..
أطرقت صفية برأسها ندمًا وقالت:
ـ حياة صدقيني أنا لم أدفعها عمدا، ولم أكن أعلم بحملها أساسا، أقسم لكِ بذلك.
تنهدت حياة وهي تشعر بقلة الحيلة تجاهها وقالت:
ـ أعلم يا أمي، لقد رفضت حسناء إقامة دعوى ضدك بالرغم من إصرار أبي لأنها اعترفت أن قدمها انزلقت وهي تحاول الفرار من قبضتك.
تهاوت دمعات صفية بحرقة وهي تقول بخزي من نفسها:
ـ أنا صرتُ أخجل من نفسي كثيرا، لا يراني أحد إلا وتحل به مصيبة، أنا بؤرة شر ونحس يا حياة، لا أحد يحبني سواكِ، فلقد أفسدت حياة الجميع.
اقتربت منها حياة وعانقتها وهي تبكي بدورها، وفي تلك اللحظة لم تجد ما تقوله فهي تعرف أن ما تقوله أمها صحيحا، وهي لن تجد ماء وجهها أساسا إن حاولت إثبات لها عكس ذلك.
ـ ولكني نلتُ جزائي، وأنا راضية بما أنزلهُ الله بي من عقاب، فأنا أستحقه، والحمدلله أن ما أصابني سيخفف عني عقاب الآخرة.
ضمتها حياة بقوة وسالت دمعاتهما سويا، فحتى وإن كانت أمها جمرًا متقدًا ولكنها لن تستطع نبذها أبدا.. فمن منا يختار والديه؟ ومن منا يمكنه كراهيتهما حتى وإن كانا أسوأ خلق الله!
في المساء.
بعد أن نجحت حياة أخيرا في تنويم أولادها ونقلتهم إلى سريرهم تسطحت على فراشها بتعب وشخصت ببصرها في سقف الغرفة وهي تقول:
ـ يا إلهي، كم أن حياة الأمومة هذه متعبة فعلا!
وحملقت بعينيها فجأة وقد تذكرت شيئا لم يكن عليها نسيانه أبدا، فالتقطت هاتفها من جوارها وطالعت تاريخ اليوم لتهتف بصدمة:
ـ اليوم عيد ميلاد قاسم !! يا إلهي.. ما أغباني!
قررت سريعا وقامت بمراسلة متجر للحلويات وطلبت منهم كعكة شيكولاتة، ثم استلت قميصا حريريا باللون الأحمر من خزانتها وارتدته، ووقفت أمام مرآتها تضع لمسات بسيطة من الزينة وزخات وفيرة من العطر الذي يفضله قاسم.
أحضرت الطاولة الصغيرة من شرفة الغرفة ووضعت فوقها قالب الكيك ثم وضعت حولها شموعا فواحة، وتفاجئت بقاسم يفتح الباب ويُقبل عليها مبتسمًا، وعينيه تحدقان بها بغرام، حث الخطى نحوها حتى إذا وصل إليها حملها بين يديه وأوصد الباب بقدمه وهو يقول مبتسما ويتفحصها بهيام:
ـ ما أحلاكِ حينما تكونين راضية عني.
ابتسمت وطوقت عنقه بيديها وقالت بنبرة مغوية:
ـ أنا دائما راضية عنك حبيبي.
ـ وأنا دائما أحبك حياتي.
تناغمت شفاههما بقبلةٍ تواقة وانصهرت أرواحهما بعشقٍ أبدي، ثم نظر إليها مجددا وقال:
ـ ما سر كل هذا الرضا؟ هل اليوم هو يوم حظي؟
ـ لا، هو يوم ميلادك.
رفع حاجبيه متذكرا وقال:
ـ حقا؟ هل هو عيد ميلادي العشرين؟
ضحكت وأجابته بمرح:
ـ لا، العاشر.
عض وجنتها وهو يقول مبتسما بمشاغبة:
ـ حسنا، والقبلة من هذا الثغر الوردي تجعلني أبدو أصغر سنة كاملة، إذّا فأنا أحتاج عشر قبلات كي أعود طفلا في عمر حلا وسند.
منحتهُ العشر قبلات ومعهم الكثير من الحب، أخبرتهُ كم أن وجوده بقربها ضروريا، وأخبرها كيف أنها تمثل بالنسبة له الحياة، عددت مزايا عشقه فوصف لها فوائد وصَلِها، عايدتهُ بالطريقة التي تمحو كل آثار دمار السنوات الماضية ومنحتهُ مخزونًا وافرًا من الحب والرضا يكفيان لسنين طويلة قادمة.
وفي النهاية صرّحت قائلةً بقلبٍ ذائب:
ـ أنا الهائمة بك عشقا أعترف.. أحبك كثيرا قاسم.
فنظر إليها مبتسما بحنان وهو يضمها بقوة إليه وأردف:
ـ وأنا الغريق الذي تلقيتِه بين ذراعيكِ وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ووهبتهِ الحياة التي لم يعرف معناها سوى معكِ، وهبتِني الأمل في أحلك لحظات حياتي، منحتِني الحب في الدقيقة التسعين.