تحميل رواية «حب في الدقيقة 90» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ألا تذكرني؟ تمر الأيام، الأشهر والأعوام كذلك، تمر سريعًا بذلك القدر الذي يجعلك تتفاجئ بعد عشرة أعوام أن عشرة أعوامٍ قد مضت! تُصعق حينما تدرك أن كل تلك الأعوام التي ظننتها لن تمضي، مضت أخيرًا وأصبحت في سلة مهملات حياتك. حينها ستبحث بداخلك.. كل تلك الآلام والأحقاد التي ملأتك في بداية تلك السنين، هل لا تزال موجودة بداخلك الآن؟ أم أنها تبخرت بمرور الوقت ولم يصبح لها مكان؟ كل تلك الأوجاع التي ظننتها لن تمر ولن تبرأ، هل برأت وزال أثرها؟ أم تركت ندباتها بقلبك وأثرًا لن يزول؟ وبينما أنت تتسائل وتبحث بدا...
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نعمة حسن
جلست بمقعدها بجواره في السيارة بهدوء تام، تنظر من النافذة المجاورة لها نحو اللاشيء.
وهو يجلس بجوارها يتأملها من فينةٍ للأخرى، لا يدري أهذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ أم أنه هدوء ما بعد الصدمات المتلاحقة التي أفقدتها المقاومة تماما.
بداخله خوفًا كبيرًا، يخشى فقدانها، يخشى أن تتخلى عنه ويقف هو في مهب الريح بمفرده يتخبط بين صراعاته، يخشى الغرق ببركة الظلام التي تسحبه أكثر وأكثر، وحياة هي طوق النجاة الوحيد بالنسبة له.
نظر إليها بقلق فرآها وقد أغمضت عينيها وأسندت رأسها للخلف.
فقال:
_ حياة، هل أنتِ بخير؟
لم تتحدث، فقط فتحت عينيها ونظرت إليه نظرة مليئة بالاستهجان والاستنكار. نظرة ذات مغزى وكأنها تقول "كيف تسأل سؤالًا كهذا!".
تنهد بقلة حيلة وصب تركيزه على الطريق أمامه مجددا حتى وصلا إلى مدينتهما.
فقالت:
_ خذني لبيتي، لن أذهب معك.
كان هذا المتوقع أساسا، لذلك لم يعقب أو يجادل أو يتفوه بحرف حتى.
أخرج هاتفه من جيبه وقام بالاتصال بالسيد أكثم الذي أجاب مسرعا.
وقال:
_ مرحبا قاسم.
_ مساء الخير سيد أكثم، أو صباح الخير للأسف الساعة تخطت الرابعة صباحا.
_ لا يهمك قاسم، أنا مستيقظ وكنت سأتصل بك على كل حال، لقد بلغني الخبر.
تنهد قاسم متسائلا:
_ أي خبر بالتحديد؟ للأسف الأخبار السيئة كثيرة.
_ خبر موت سماهر.
تنهد بتعب وضيق وقال:
_ هذا ليس آخر الأخبار للأسف، ابنة عمي متهمة بقتل زوجها وأريد منك أن توكل لها المحامي الذي تعاملنا معه سابقا.
تحدث أكثم بذهول وقال:
_ هل تقصد عبدالله؟ عبدالله مات؟!!
تنهد بأسف قائلا:
_ أجل.
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، صحيح أن لكل ظالم نهاية.. على كل حال سأفعل ما بوسعي لا تقلق.
_ أشكرك جدا سيد أكثم، سأتحدث إليك لاحقا.. مع السلامة.
أنهى الاتصال ورمقها مرة أخيرة فوجدها تغمض عينيها وتبكي بصمت، فأكمل طريقه متجها لبيت العائلة. وكلما اقترب منه ازداد توتره وخوفه.
نعم هو يشعر بالخوف فعلا ليس تعبيرا مجازيا. يعلم أن بانتظاره مواجهات عديدة سيكون وقعها عليه أثقل من خبر موت عبدالله نفسه.
أجاب الاتصال أخيرا وكان المتصل عزيز الذي قام بالاتصال به عدة مرات.
وقال بإيجاز:
_ عزيز نحن باتجاه بيت العائلة، يجب أن نتحدث فورا، انتظرني هناك.
أنهى الاتصال ونظر إلى حياة التي نظرت إليه.
وقالت:
_ ماذا ستقول له؟ وماذا سأقول لأمي؟ هل سأقول لها ابنتك قتلت زوجها وألقي القبض عليها؟ أم سأقول لها أبي تعرض لجلطة وحالته خطرة؟ ماذا سأقول لها؟
لم يجبها؛ لأنه كان بنفس حيرتها، بداخله إحساسًا بالذنب والندم لذلك يخشى مواجهتهم ولا يعرف كيف سيقف أمامهم ويبلغهم بما حدث!
بعد قليل.. توقف بسيارته أمام بيت العائلة.
نزلت حياة وصف سيارته ثم نزل بدوره؛ وفورا وقعت عيناه على المحل الخاص بعبدالله بعد أن قام هو ببيعه للمالك الحالي وشعر بوخزات في قلبه تخبره بأنه قد أخطأ.
صعدا إلى حيث شقة صالح، دخلا فكان كلا من صفية وحنان وعزيز بانتظارهما.
وقفت صفية بلهفة وهي تنظر حولها وخلفهما وإلى جوارهما.
وهي تقول:
_ أين ابنتي؟ أين عنبر؟ لماذا لم تأتِ معكما؟ وأين صالح؟
تهاوت حياة على المقعد بتعب شديد وفعل قاسم المثل.
فنهض عزيز من مكانه وجلس بجواره بقلق.
وقال:
_ لماذا الصمت قاسم؟ لماذا طلبت أن نتحدث هنا وطلبت مني الحضور؟ ما الذي حدث؟ أين عمي وعنبر؟
نظر قاسم وحياة لبعضهما البعض وكلا منهما ينتظر أن يكون الآخر أجرأ منه ويبدأ هو بالحديث.
فصرخت بهما صفية بنفاذ صبر وخوف:
_ فليخبرني أحدكما ماذا حدث لابنتي؟ هل ماتت عنبر؟
قالتها وهي تضرب على صدرها بيدها بخوف.
فقالت حياة مسرعةً:
_ لا، لم تمت.
هدأت قليلا وتنفست الصعداء ثم قالت بخوف لم يَزُل:
_ إذا أين هي؟ وأين والدك؟
أطرق قاسم برأسه أرضا فتولت حياة الحديث.
وقالت:
_ لقد ألقي القبض على عنبر لأنها..
ونظرت إلى عزيز بأسف وشفقة وأكملت بصوت مرتجف:
_ لأنها قتلت عبدالله.
وانسابت دموعها بصمت وهي تنظر إلى أمها التي جحظت عينيها بصدمة وشهقت بفزع.
وقالت:
_ ماذا؟ ماذا فعلت؟ تقولين قتلت عبدالله!!
كتمت حنان صوت شهقتها الفزعة وهي تنظر إلى عزيز الذي يجلس مأخوذا بصدمته، لا ينطق ولا يتحرك، فقط يحدق بهم كلٌ على حدة وكأنه لم يلتقط ما قالته حياة بعد.
مدت يدها وأمسكت بيده وهي تبكي.
فقال:
_ لماذا تبكين؟ أساسا ما هذا الذي قالته حياة؟ لم أفهم قصدها، ماذا يعني عنبر قتلت عبدالله؟ ما هذا الهراء؟
ونهض من مكانه متجها نحو حياة التي وقفت بجوار أمها وتحتضنها.
فقال وهو يقترب منها بشدة:
_ ما هذا الذي قلتِه؟ ماذا يعني عنبر قتلت عبدالله؟ هل عبدالله أخي؟ عبدالله أخي هو من قتلته؟ مستحيل!
وأشار بسبابته أن لا وقال بثقة:
_ لا، أنتِ تكذبين.
نهض قاسم على الفور ووقف أمام حياة كفاصل بينهما.
وهو يقول:
_ عزيز اهدأ لو سمحت..
هدر به عزيز صائحا بغضب.
وهو يقول:
_ كيف أهدأ؟ بربك قاسم ألم تستمع لما قالته؟
وضحك بغير تصديق.
وقال:
_ تقول أن عنبر قتلت أخي؟ هل هذا كلامًا يصدقه عقل؟
وأخذ يتحرك حول نفسه بعشوائية وفجأة ضرب قبضته بالجدار أمامه وصرخ يقوة.
وهو يقول باكيا:
_ هذا هراء ليس إلا، أخي لم يمت ولم يُقتل، لا أعرف من أخبركم بتلك الترهات اساسا؟!
ثم اقترب من قاسم وهو يبكي.
وقال برجاء:
_ قاسم بالله عليك أخبرني الحقيقة، هل مات فعلا؟
أومأ قاسم وهو يجاهد كي لا ينفجر باكيا هو الآخر.
وقال:
_ أجل، للأسف هذه هي الحقيقة.
وقف مذهولا يحدق بوجوه الجميع بتشويش، وحانت منه التفاتة نحو حنان التي تقف بجواره وتبكي.
فهدر صارخا:
_ لا تبكِ، أخي لم يمت..
احتضنته بقوة فارتمى بحضنها منهارا وبكى كما لم يبكِ من قبل.
هي ليست المرة الأولى التي يرتمي عزيز على صدرها ويبكي، هي تعرفه بطبيعته إنسانًا هشًا جدا ومتزعزع القوى ودائما ما يصاب بنوبات انهيار مثل تلك ولكن هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها منهارا بذلك الحد!
ضمته إليها بقوة وامتزج صوت بكائهما سويا مما جعل قاسم يشعر بالاختناق أكثر فخرج إلى الشرفة مسرعا وأخذ يدخن بشراهة ودموعه تتسابق أيهما يشق خده أسرع.
نظرت صفية إلى ابنتها التي تحتضنها وكأنها استيقظت من صدمتها للتو.
وقالت:
_ هل والدك معها؟ هل هو برفقتها الآن؟
هزت رأسها بنفي وأسف واحتضنت أمها أكثر.
وهي تقول:
_ أبي بالمشفى.
_ لماذا؟ ماذا حدث له؟ هل تعرض لذبحة صدرية من جديد؟
أومأت بنفي مرة أخرى.
وقالت بصوت مرتجف:
_ لا، فقط انخفض ضغطه والدكتور أمر أن يبقى لحين استقرار حالته.
_ سأذهب إليه، أود الذهاب إليه حالا وأود رؤية عنبر، سأذهب لأرى ابنتي أولا ومن ثم أذهب للاطمئنان عليه.
وأخذت تبكي وتنوح بقهر:
_ ابنتي، ماذا فعلتِ بنفسك عنبر؟ لم يستحق يوما أن تلوثي يدك بدمائه، ماذا فعلتِ عنبر؟
ثم نظرت إلى قاسم وفجأة وقفت أمامه وأمسكت بكفيه في توسل لأول مرة.
وقالت:
_ أرجوك قاسم لا تتخلى عنها، لا تتخلى عن ابنة عمك أرجوك، أنت الآن تستطيع فعل أي شيء، لديك معارف وأناس موثوقون يمكنهم مساعدتها.
أومأ مؤيدا.
وقال:
_ لقد فعلت ما بوسعي فعلا ووكلت لها محامٍ سيحضر معها التحقيق غدا.. إن شاء الله سيفعل قصارى جهده كي يحصل لها على أخف حكم.
نظرت إليه بعينين فزعتين.
وقالت:
_ ماذا؟ حكم؟ هل ستسجن ابنتي؟
هنا انفجر عزيز بنفاذ صبر.
وهو يمسح وجهه متحدثا:
_ بالتأكيد، في النهاية من قتلته هذا إنسانا وليس دجاجة.
وتركهم وخرج من البيت.
فنظر إليها قاسم بإيجاز.
وقال:
_ أنا وحياة سنأخذ بعض الأغراض لعمي ونذهب إليه، وبعدها سنذهب لعنبر، عزيز سيتابع إجراءات المشرحة وتصريح الدفن، وحنان ستبقى برفقتكما أنتِ وكريم.
تكلمت صفية قائلة:
_ لا، سأذهب لرؤية ابنتي، أود رؤيتها.
هم قاسم بالتحدث ولكن نظره وقع فجأة على كريم الذي كان يقف بزاوية باب الغرفة التي كان يغفو بها يستمع إليهم وهو يبكي.
قطع قاسم حديثه فورا.
وقال بصدمة:
_ الولد.
نظروا جميعهم حيث ينظر هو وصعقوا عندما رأوه يقف مفطورا من شدة البكاء.
فهـرولت إليه حياة واحتضنته.
وهي تقول:
_ كريم، حبيبي.
نظر إليها كريم وهو يبكي.
ويقول:
_ هل أمي قتلت أبي؟
أغمضت عينيها وهي تبكي بقهر وتلعن غبائها وغبائهم جميعا.
وقالت وهي تمسح على رأسه:
_ لا حبيبي لم يحدث.
_ ولكني سمعتكم تقولون أنها قتلته والشرطة قبضت عليها.
_ لا، لم نقل هذا لقد أخطأت فهمنا بالتأكيد.
اقتربت حنان منهما وجثت على ركبتيها أمامه.
وهي تقول:
_ كريم حبيبي، ما رأيك أن نبقى سويا ريثما يذهبون لزيارة جدك بالمشفى.
صرخ كريم باكيا وأخذ يتحرك بعشوائية لكي يبتعد عنهما.
وهو يقول:
_ أنتم جميعكم كاذبون، أبي مات وأمي من قتلته. لقد سمعت حديثكم سويا.
اقترب منه قاسم وهو يحاول تهدأته.
وهو يقول:
_ كريم عزيزي من فضلك اهدأ، سأقترح عليك اقتراحا، ما رأيك أن تذهب للبقاء بشقتي الجديدة؟ هي جميلة وواسعة جدا ويمكنك أن تتسلى هناك أنت وخالتك حنان وجدتك كذلك، وأعدك في الصباح سيكون لديك ضيفا لذيذا جدا ستحبه أنا واثق من ذلك.
نظر إليه الطفل بتمرد وغضب.
قائلا بنبرة حادة:
_ لا أريد الذهاب لبيتك، أريد الذهاب لأمي وأبي.
نظر قاسم إلى حياة بقلة حيلة.
وقال:
_ يجب أن نتحرك حالا..
أدخلت حنان الطفل إلى غرفته قسرا وهي تحاول تهدأته ومحايلته، بينما دخلت حياة إلى غرفة والدها وأخذت بعض الأغراض وخرجت فوجدت أمها بانتظارها.
وهي تقول بتصميم:
_ لن أجلس هنا وأترك ابنتي تواجه مصيرها بمفردها، سأذهب برفقتكما.
انطلقوا جميعهم بسيارة قاسم وكلٌ شارد فيما يشغله، حياة وأمها اللتان يفكران فيما سيؤول إليه حال عنبر من جهة، ومن جهة أخرى حالة صالح الصحية، أما عزيز الذي يبكي بصمت وهو لا يستوعب الخبر للآن وكيف أن أخاه لم يعد موجودا! حسنا.. هو كان يشعر بالحقد تجاهه لأنه كان شخصا أسودا مليئا بالكره والشر ويحيك الخطط الشيطانية التي يقف لها الشيطان متعجبا، ويدبر المكائد، ولكنه شقيقه في النهاية، وبالرغم من أنه لم يرَ منه إلا الشر والسواد ولكن الآن بالتحديد لا يتذكر سوى اللحظات الجميلة التي جمعتهما في طفولتهما.
أما قاسم، فكان شاردا يفكر بكل ما يفكرون به، عنبر ومصيرها ماذا سيكون، عمه وحالته إلى أي حد ستصل؟ عبدالله وموته الذي كان مفاجأة القرن بالنسبة له، إضافةً لإحساسه بالذنب والشفقة لا يبارحانه.
في تمام السابعة صباحا كان قاسم قد توقف أمام المشفى الموجود بها صالح.
نزل وبرفقته حياة وصفية، بينما ذهب عزيز للمشرحة.
دخلوا إلى المشفى وهرولت حياة نحو الغرفة الموجود بها والدها وكانت صفية أيضا تركض بعزمٍ ضئيل حتى وصلت لغرفته.
دخلت حياة ولحقت بها والدتها التي صُعِقت عندما رأت صالح يجلس طريح الفراش، يده اليسرى مضمومة إلى جانبه قليلا، ونصف وجهه مرتخي للأسفل.
شهقت صفية بصدمة عندما رأت زوجها وقد أصيب بشلل نصفي، ووضعت يدها تكمم بها فمها، ثم استندت إلى الباب.
وهي تنظر إليه بغير تصديق، بينما سارت حياة نحوه وهي تحاول أن تبدو متماسكة لأبعد حد، جلست بجواره وقبلت يده ووجنته.
فنظـر إليها بقلة حيلة وعجز مميت وحاول التحدث بصعوبة.
فقال:
_ عنبر..
أجهشت صفية بالبكاء وخرجت من الغرفة فورا وانفجرت في نوبة بكاء شديدة، بينما حاولت حياة تهدأة والدها.
وقالت وهي تمسك بيمناه:
_ ستكون بخير أبي لا تقلق، لقد وكلنا لها محامٍ ولن نتركها أبدا.
أغمض صالح عينيه بتعب وألم وسالت دمعة على جانب خده باستسلام، مما جعل حياة تبكي بقهر وشعرت بحقدها يزداد ويزداد تجاه قاسم.
قاسم الذي كان يقف على باب الغرفة يسند يده على إطار الباب ويطالع عمه الذي يرقد عاجزًا مقهورًا.
كان يرغب أن يذهب إليه ويقبل يده ويعتذر إليه، يقول له سامحني لقد تسببت لكم في كل المتاعب لأنني كنت فقط أريد حقي.
كان يرغب في الاعتذار بشدة ولكن الاعتذار لن يفيد؛ لذا وقف مكانه عاجزًا قليل الحيلة يتطلع حوله بيأس وكأنه لا يجد مخرجا أبدا.
بعد دقائق خرجت حياة من الغرفة، كان ينوي احتضانها فور أن تخرج، يشعر بها ويدرك أنها تحتاج لضمةٍ منه كي تشحذ بها قواها الخائرة.
كان ينوي فعل ذلك ولكنها فاجأته عندما تجاهلته واتجهت لوالدتها التي كانت تبكي بانهيار واحتضنتها بقوة وانفجرتا سويا في بكاءٍ مرير.
قام بالاتصال بحنان كي يطمئن على حالة كريم.
فأجابت الاتصال بصوت مرهق للغاية.
وقالت:
_ نعم قاسم، ماذا فعلتم؟
_ نحن الآن بالمشفى، سنذهب بعد قليل للقسم، أخبريني ماذا فعلتِ مع كريم؟
تنهدت بتعب.
وقالت:
_ لن تصدق قاسم، لقد اضطررت أن أعطيه دواءً للسعال بكمية مضاعفة حتى يغلبه النعاس، الولد لم يتوقف عن البكاء والصراخ لحظة وظل يردد أمي قتلت أبي لدرجة أنني خشيت أن يسمعنا الجيران!
تنهد مستغفرا:
_ أستغفر الله العظيم، كان الله في عونه.
على كل حال اهتمي به جيدا ريثما نعود.
_ لا تقلق. قاسم، كيف حال عزيز؟ أتصل به لا يجيب.
_ لا تضغطي عليه أكثر، سيكون بخير.. لقد اتصلت بكِ لأنهم هاتفوني من المشفى الموجود بها صبر.
_ ومن هو صبر؟
تنهد بنفاذ صبر.
وقال:
_ سأخبرك عنه فيما بعد، الطفل خضع لعملية زرع نخاع منذ شهر تقريبا وحان موعد خروجه اليوم. لقد جهزت له غرفة معقمة ستكون خاصة به. أرى أنه سيكون مناسبا لو أنكِ أقنعتي كريم كي تذهبا وتصطحبانه سويا لبيتي وأن تنتظرا هناك لحين عودتنا.
_ حسنا، سأفعل ذلك.. بعد أن يستيقظ كريم سأحاول إقناعه بذلك.
_ حسنا، كان الله في عونك.
_ إن شاء الله، مع السلامة.
أنهى الاتصال وتلقى اتصالا من أكثم يبلغه فيه أن المحامي موجود الآن بقسم الشرطة وجاهز للحضور مع عنبر.
فانتقلوا ثلاثتهم إلى القسم على الفور.
تقف الآن بمكتب الضابط.. مطرقةً برأسها أرضا في حالة جمود، لا يظهر عليها الانهيار أو الندم كما من المفترض أن تكون حالتها.
نظر إليها الضابط.
قائلا:
_ اسمك بالكامل؟
_ عنبر صالح فضل الحداد.
_ ما ردك على التهمة المنسوبة إليكِ بقتل زوجك عبدالله ناجي الحداد عن طريق وضع السم له بالطعام؟
أجابت بهدوء شديد:
_ نعم فعلت ذلك.
_ تقصدين أنه كان قتلا عمدا؟
أومأت بموافقة.
وقالت:
_ أجل.
_ وما الذي دفعكِ لوضع السم له بالطعام؟
_ لأسباب كثيرة، أهمها أنه لا يستحق العيش.
_ تحدثي مباشرةً وبدون مراوغة، ما هي دوافعك لقتل زوجك؟
نظرت إليه ببرود.
ثم قالت:
_ لأنه لا يستحق العيش، شيطان مثله لا يستحق العيش لأنه يفسد كل شيء حوله، هل هذا سببا غير كافٍ؟
نظر المحامي إليها وحثها على التحدث.
ثم قال:
_ موكلتي تعرضت للابتزاز من المجني عليه، المجني عليه كان يزرع كاميرات مراقبة في منزله وبداخل غرفة نومه ليقوم بابتزاز زوجته وتهديدها بتلك الفيديوهات، وفي الفترة الأخيرة ضغط عليها كي تعطيه مبلغا كبيرا كان ينوي استخدامه للهرب إلى اليونان عبر هجرة غير شرعية، وكما هو موضح لديك حضرة الضابط أنه كان مطلوبا على ذمة قضيتين، تهمة تحريض على الخطف، وتهمة قتل راقصة كانت تجمعه بها علاقة غير شرعية.
استمع إليه الضابط بهدوء وهو يقلب قلمه بين يديه.
ثم نظر إليها.
وقال:
_ هل ما قاله الأستاذ وجدي المحامي صحيح؟
أومأت بموافقة.
وقالت:
_ نعم صحيح.
_ ولماذا لم تقومِ بالإبلاغ عنه عندما قام بابتزازك؟
لمعت عيناها بحزن.
وقالت:
_ لأنني خفت أن ينفذ تهديده وينشر الفيديو.
_ كيف خططتي لقتله؟
تحشرج صوتها بتوتر.
وقالت:
_ كان بيننا اتفاقا مسبقا بأن نلتقي بذلك الفندق بالتحديد، فاشتريت السم ومن ثم اشتريت الطعام وذهبت إلى الفندق وأبلغته أنني قد وصلت فأتى وأكل من الطعام المسموم ومات. هذا كل شيء.
_ هل تعرفين أن هذا يعد قتلا مع سبق الإصرار؟ هل تعترفين أنكِ خططتي لقتله بالسم واستدرجتِه لغرفتك بالفندق وأطعمتِه الطعام المسموم متعمدةً وأنتِ بكامل قواكِ العقلية؟ أي أنكِ لم تكونِ تحت تأثير المخدر أو ما شابه؟
أومأت بنفي.
وقالت:
_ لا، كنت بكامل قواي العقلية.
تحدث المحامي قائلا:
_ موكلتي تعاني من الضغط النفسي والعصبي منذ فترة بسبب ضغط المجني عليه عليها وبسبب تعرضها للتعنيف بصفة مستمرة إضافةً لبعض الأحداث المأساوية التي تعرضت لها كخطف أختها والتي كان المجني عليه مساهما في تلك الواقعة بشكل كبير، ومؤخرا ابتزازها وخيانة المجني عليه لها مع القتيلة التي قتلها المدعوة سماهر. وكل تلك الأحداث المتلاحقة أثرت بشكل كبير على صحتها النفسية وجعلتها تعاني من التشوش والتخبط، لذا أرجو الاهتمام بحالة الاضطراب النفسي لموكلتي.
نظر الضابط إلى عنبر.
وقال:
_ هل لديكِ أي أقوال أخرى؟
_ لا.
_ إذًا تقدمي وامضي على أقوالك.
ونظر إلى المحامي.
وقال:
_ هل لديك أي طلبات أخرى؟
_ لا.
فنظر إلى الكاتب وأملى عليه.
قائلا:
_ بعد الاستماع لأقوال المتهمة حول التهمة المنسوبة إليها واعترافها بقتل زوجها قتلا عمدا مع سبق الإصرار قررنا نحن حبس المتهمة أربعة أيام على ذمة التحقيق على أن يراعى لها التجديد في الميعاد، وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه.
خرجت عنبر من المكتب منكسة الرأس، لا تشعر بشيء، وكأن شعورها قد أصيب بخدر كامل فأصبحت كالجسد الخاوي بلا روح.
هرولت كلا من صفية وحياة نحوها وقامتا باحتضانها.
فقالت صفية ببكاء:
_ عنبر، حبيبتي، ماذا فعلتِ بنفسك أمي؟ ماذا فعلتِ بنفسك؟ لماذا ضيعتي عمرك هباءً؟
احتضنتها حياة بقوة.
وقالت:
_ عنبر لا تخافي، لقد وكل لكِ قاسم محاميا ممتازا سيفعل قصارى جهده ليساعدك.
نظرت عنبر إلى قاسم الذي كان يقف على بعد خطوات يطالعها بنظرات مبهمة، خليطًا من الشفقة والندم والأسف والحزن، وكأن كل الحقد الذي كان يكنه إليها قد تبخر فجأة.
نظرت عنبر إلى حياة.
وقالت بهدوء:
_ لا أريد محاميا، كل ما أريده أن تعتني بكريم.
وتحركت مع العسكري.
وهي تنظر للخلف حيث يقفون.
وقالت برجاء:
_ لا تخبروه الحقيقة رجاءً.. اعتني به أمي، كريم في أمانتكم.
غابت عن أنظارهما فانهارت حياة وتشبثت بعنق أمها.
وهي تبكي بحسرة.
وتقول:
_ يا إلهي، ما هذا الذي يحدث لنا؟ عنبر يا أمي.
احتضنتها صفية بكل قوتها.
وهي تبكي.
وتقول:
_ أختك ضاعت حياة، لقد ضاعت عنبر للأبد.. يا ويلي، يا أسفي عليكِ ابنتي.
تقدم منهما بعد قليل.
وقال:
_ حياة، لا بد أن نذهب، وجودنا هنا لن يفيد بشيء.
أومأت بموافقة وأشارت إلى أمها ليغادرا.
فاصطحبهما قاسم بسيارته إلى حي فخم جدا أثار تعجب حياة التي توقعت أن يذهبا للانتظار بالمشفى أو للبقاء بفندق مثلا.
توقف أمام بناية أقل ما يقال عنها أنها بناية فخمة وراقية جدا مما ينم عن أن هذا المكان لا يقطنه سوى الأغنياء.
طلب منهما الصعود ففعلتا.
فاصطحبهما إلى شقة في الطابق الثاني.
دخل ولحقت به صفية وحياة التي تعجبت المكان جدا ولكنها لم تعقب.
_ تفضلوا، سنبقى هنا لحين الاطمئنان على صحة عمي.
نظرت إليه حياة بشك ولكنها تجاهل شكها.
وقالت:
_ حياة، خذي والدتك لغرفتها لترتاح، وبعدها الحقي بي من فضلك.
أخذت والدتها إلى الغرفة حيث أشار وطلبت منها أن تستريح لبعض الوقت.
وبالفعل لم تمانع صفية نظرا لشعورها القاتل بالألم والإرهاق.
ثم ذهبت حياة إلى الغرفة التي دخلها قاسم فرأته يتمدد فوق الفراش كجثة هامدة، باسطا ذراعيه بجواره بتعب واضح.
_ اغلقي الباب حياة.
أوصدت الباب كما أمرها وتقدمت منه تطالعه بتعجب.
ثم نظرت إلى الغرفة من حولها بتعجب أكبر، حاولت كبح جماح فضولها اللعين ولكنها لم تنجح.
فقالت:
_ هل هذه الشقة ملك لك؟
_ نعم.
أجابها باختصار، مما زاد ارتباكها وخوفها.
فقالت بترقب:
_ متى اشتريتها؟
_ منذ فترة.
لم تكن إجابته شافية لفضولها أبدا، فتقدمت منه أكثر وجلست بجواره على الفراش.
وقالت:
_ منذ متى بالتحديد؟
صمتت، وصمت هو أيضا، هو يعرف مغزى سؤالها، ويعرف إلى أين تريد الوصول تماما، ولكنه يعرف أيضا أنه إذا أجابها الإجابة التي تنتظرها ستخرج من هنا حالا ولن تنظر خلفها حتى.
لذا؛ جذبها من ذراعها لتسقط فوق صدره فجأة.
فرفعت رأسها تنظر إليه باستغراب.
وقالت:
_ ماذا تفعل؟
تنهد بتعب مغمضا عينيه.
وقال بنبرة مرهقة:
_ أحتاج لقربك.
توترت بشدة، اهتز جسدها وانتفض قلبها الخائن الذي لا يكن له سوى الحقد كما تعتقد، وابتلعت لعابها بتوتر.
وهي تطالعه بتشتت.
فقال:
_ أحتاج إليكِ بجواري، أشعر كأنني على حافة الانهيار وأنتِ وحدكِ طوق نجاتي.
كانت كلماته بمثابة مخدر لمشاعرها المنهارة، فأسندت رأسها على صدره كما كانت وصمتت، أغلقت عينيها وسالت دموعها بغزارة ولكن بصمت.
لو كان الأمر بيدها لانفجرت وأطلقت الصراخ عاليا حتى يهدأ قلبها ويعود إليه نبضه من جديد، ولكن احتياجه لها واعترافه بذلك جعلها تشعر بالمسؤولية تجاهه لأول مرة، وكأنها أم وتخشى أن تزعج طفلها الذي أعلن حاجته لدعمها بكل وضوح.
مد يديه ومسح دموعها.
وهو يقول:
_ لمَ تبكين؟
صمتت فصمت بدوره لأنه شعر بسذاجة سؤاله.
ثم تكلمت هي.
قائلة:
_ لمَ تحتاجني بجوارك؟
فتح عينيه وشخص بهما بالسقف، ثم نهض بجذعه ومال نحوها.
فأصبح ينظر إليها من علوٍ ووجهيهما متقابلين.
ارتبكت وشحب وجهها لأنهما متقاربان لذلك الحد، ابتلعت لعابها بتوتر.
وهي تراه ينظر إليها بتفحص، يدور بعينيه حول معالم وجهها الفتان لأول مرة، ظل يتجول في ملامحها طويلا، وما لا تعرفه هو أنه كان يتحدث إليها حديثا صامتا، حديثا نابعا من قلبه ولم يجد القدرة على النطق به، حديثا لو سمعته لمسحت كل ذرة حقد بقلبها نحوه.
كان يتأمل عينيها الكهرمانيتين، يحدثهما ويشرح لهما كم أنه بحاجة لنظرة اللوم بهما كي تكون تلك هي الرادع الأقوى، يخبرهما أنهما سيكونان مستودع أسراره، سيكونان دوما ملجأه وملاذه.
وتحدث أخيرا بدون وعي.
وقال:
_ أبدا لا تتركيني حياة.
أومأت بضعف.
وهي تنظر لعينيه التي تخترق وجدانها.
وهمست:
_ أبدا لن أتركك.
أسند جبهته فوق جبهتها وأغمض عينيه.
وقال:
_ أشكرك كثيرا، أشكرك على كل شيء.
ثم ابتعد وأسقط جسده مجددا على الفراش وأحاطها بذراعه.
وفورا استمعت إلى انتظام أنفاسه فعلمت أنه غط بالنوم.
فأوصدت جفنيها وسقطت في النوم.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نعمة حسن
بعد أن أنهى عزيز الإجراءات وحصل على تصريح الدفن، اصطحب جثمان أخيه وعاد به إلى مدينته ليقوم بدفنه.
كان يجلس بالسيارة شارداً، يبكي مرة ويبتسم مرة أخرى عندما يتذكر موقفاً جمعهما في طفولتهما؛ فبالنسبة له طفولتهما كانت هي الشيء الوحيد الجميل الذي ربطه بأخيه.
"استرجاع زمني"
كان عزيز يجلس بغرفته يستذكر دروسه وفجأة انفرج باب الغرفة ودخل والده مكفهر الوجه غاضباً وهو يقول:
"أنت يا جبان، لماذا قذفت شرفة الجيران بالحجارة وكسرت زجاج الباب؟"
نظر عزيز ذو العشر سنوات إلى والده بتعجب وقال:
"ولكني لم أفعل ذلك!"
"بلى فعلت، عبدالله رآك وأوشى لي بفعلتك الطائشة، والعم سعيد غاضب وبشدة وشكى إلي من تصرفاتك الحمقاء تلك."
ثم تقدم منه وجذب أذنيه بشدة وهو يقول غاضباً:
"لا تتصرف بحماقة مجدداً يا ولد، وعقاباً لك سأحرمك من مصروفك أسبوع كامل."
وتركه وخرج، فأخذ يبكي بحزن وانكسار وكسر أقلامه كلها في محاولة منه للتنفيس عن غضبه لأنه يعرف أن عبدالله هو من فعلها وقام بتلفيقها له كالعادة، وكعادته عندما يحاول الدفاع عن نفسه لا يقتنع والده بحديثه ويقف دائماً بصف عبدالله.
لذا لم يكن باستطاعته سوى الركض إلى والدته والارتماء بحضنها وأن يشكو إليها ظلم والده وأخيه.
احتضنته والدته وهدأت من روعه وهي تقول:
"لا تحزن حبيبي، سأعطيك المصروف بدلاً من الذي سيحرمك إياه والدك، ولكن لا تخبره حتى لا يغضب، اتفقنا؟"
نظر إليها عزيز بضيق واضح وقال:
"ولكني لا أبكي لأجل المصروف، أبكي لأن والدي يفضل عبدالله علي دوماً ويصدقه ولا يصدقني."
حينها شعرت بالشفقة على حال ذلك الطفل فتنهدت بضيق وقالت:
"لا تقل هذا عزيز، والدك يحبكما بنفس القدر، ولكنك تعرف عبدالله وألاعيبه، سأعاقبه هذا الماكر، هيا اذهب وأكمل واجباتك ولا تحزن أبداً."
"لا، سأصعد للعب برفقة قاسم، على الأقل هو لا يلفق لي الكوارث التي يفتعلها."
"عودة للوقت الحاضر"
ضحك عزيز وهو يمسح دموعه ويقول:
"سامحك الله أيها الماكر."
***
كان قاسم لا يزال نائماً وبجواره حياة التي غرقت في النوم وكأنها لم تنم منذ قرن، وفجأة انتفضت عندما سمعت صوت هاتفه يرن، هزته وهي تحاول إيقاظه وهي تقول:
"قاسم، هاتفك يرن."
فتح عينيه المحمرتين ونظر إليها قليلاً يحاول استيعاب قربها الشديد منه وهو لازال يغوص بداخل حالة من اللاوعي، فقالت مرة أخرى:
"هاتفك يرن."
التقط هاتفه ونظر به بتشوش، فكان السيد أكثم، فأجابه متعجلاً وقال:
"مرحباً سيد أكثم."
"مرحباً قاسم، اتصلت بك لأخبرك أن محاكمة خالد ستكون اليوم، لقد عرفت الخبر حالاً، هل ستحضر المحاكمة؟"
تنحنح يجلي حلقه ثم أجاب مختصراً:
"لا، لا داعي.. أساساً ليس لدينا متسع من الوقت لنحضر، يكفي أن نعرف الحكم."
"حسناً، المحامي سيتابع ويخبرنا بآخر التطورات."
"إن شاء الله، أشكرك سيد أكثم."
"لا داعي للشكر قاسم، أخبرني كيف حال عمك؟"
تنهد قاسم بتعب وقال:
"الحمد لله على كل حال، سنذهب للمشفى بعد قليل لزيارته."
"شفاه الله، ما حدث ليس هيناً أبداً.. أدعو الله أن تنتهي تلك المآسي قريباً."
"إن شاء الله، نتمنى ذلك."
"حسناً قاسم، نتحدث لاحقاً، مع السلامة."
أنهى الاتصال ونظر إلى حياة التي تجلس بجواره وقال:
"محاكمة ذلك الحقير خالد اليوم."
اضطربت معالمها وقالت:
"أتمنى أن ينال ما يستحقه."
"لا تقلقي.. ما رأيك أن تذهبي واطمئني على والدتك، ربما تحتاج شيئاً، وأنا سأذهب لكي أحضر بعض الأغراض وأعود."
نظرت إليه بهدوء وقالت:
"قاسم، هل اشتريت هذه الشقة بالمال الذي جنيته من بيعك للشقة والمحل الخاصين بعبدالله؟"
مسح وجهه بضيق وقال:
"حياة، هل ترين أن هذا الوقت مناسباً لتلك الأسئلة؟ لدينا هموماً تكفينا بالفعل."
زفرت بانفعال وقالت باصرار:
"أرجوك أخبرني، شقة كهذه في منطقة راقية كهذه بالطبع لن تشتريها بمالك الخاص الذي ربحته من تجارتك الخاصة!"
أومأ بتأكيد ونفاذ صبر وقال بغضبٍ هادر:
"نعم حياة، هذه الشقة ليست بمالي الخاص، هذه الشقة بالمبلغ الذي جنيتهُ من بيعي للشقة والمحل الخاصين بعبدالله، هل لديكِ أي أسئلة أخرى؟"
تسائلت بعينين دامعتين:
"كيف تتباهى بما فعلت وكأنك فعلت معه معروفاً! أياً كان السبب الذي فعلت هذا لأجله ولكن المحصلة واحدة، أنت سرقت بيته ومحله.."
تحدث بغضب أعمى:
"ليس هذا فقط، البيت، المحل، الأرض، حتى السيارة.. أنا فعلاً محتال وأستحق السجن لأني احتلت عليه بتلك الطريقة."
نظرت إليه بصدمة وعينين ممتزجتين بالدموع، بالرغم من أنها كانت تتوقع ذلك ولكنها تفاجئت بأسلوبه وبروده وهو يعترف بما فعله بكل بساطة.
نظرت إليه وسالت دمعاتها وهي تقول:
"كيف تتحدث بتلك البساطة؟"
"لأن الأمر بسيط فعلاً حياة، الأمر لا يستحق كل ذلك اللوم والعتاب منكِ، ما فعلته هذا هو جزء يسير كي أسترد ما سلبه مني عبدالله."
"ولكن عبدالله لم يسلب منك لا مالك، ولا بيتك…"
قاطعها بغضب حاد:
"سرق عشر سنوات من عمري فقط، أليس كذلك؟"
وصاح بغضب شديد:
"كل ما سرقه مني عشر سنوات، تلك العشر سنوات كانت كافية لأن أفعل الكثير من الأشياء، كنت سأكوّن بيتاً وعائلة مثلاً، تخيلي آنسة حياة أنني كان من الممكن أن أكون عملاً خاصاً وأجني منه أضعاف ما أخذته أنا من عبدالله."
أطرقت برأسها أرضاً وهي تستمع إليه يقول بغضب:
"هل عرفتِ لماذا احتلت عليه وسلبته ما يملك؟ لأن هذا مقابل شبابي الذي أفناه هو، لذا أرجوكِ لا تضغطي علي أكثر، ولا تصوبي نحوي الاتهام كلما رأيتني وكأنني أنا السيء في كل الروايات."
ونهض من الفراش يستعد للخروج فاستوقفته قائلة:
"أنت لست السيء في كل الروايات، أنت السيء في روايتي أنا فقط، لأنني ظننتك تسعى لكي تنال حقك فقط… ممن ظلموك فقط… ولكني كنت مخطئةً، أنت انتقمت بأبشع طريقة، نلت من الظالم والمظلوم أيضاً، وهؤلاء المظلومين ظُلِموا بفضلك، أولهم صبر، وسماهر التي ساعدتك لتسرق كل ما يملك عبدالله، كريم، حتى عنبر أنت تسببت بظلمها."
نظر إليها متعجباً بغضب وقال:
"حقاً؟ هل أنا ظلمت عنبر؟ أنا من أمرتها بقتل زوجها؟"
"لا، ولكن ما فعله زوجها بفضل سيادتك هو ما جعلها تقتله."
صرخ بها غاضباً بجنون وقال:
"عنبر قتلته لأنه استحق ذلك، لأنه اغتصبها وأهانها ودمرها على مدار عشر سنوات كاملة.."
ثم نظر إليها وهو يضرب كفاً بالآخر ويقول:
"لا ينقصني سوى أن أصبح طرفاً في قتل عنبر لزوجها أيضاً، أنا أصبحت لا أفهمك حقاً، كنتِ متعاطفة معي منذ البداية وتعرفين مقدار الظلم والألم الذي عانيته وعندما بدأت بأخذ حقي فجأة تحولت في نظرك من مظلوم لظالم يستحق اللوم والعتاب، والعقاب أيضاً."
أومأت بتأكيد وقالت:
"تحولت من مظلوم لظالم لأنك أصبحت تبحث عن استرداد حقك بأي طريقة حتى لو كانت خاطئة، لا يهم الوسيلة، المهم الغاية، وغايتك هي الانتقام والتشفي فقط."
وتابعت بنبرة مرتجفة:
"ولكن يؤسفني أن أخبرك أن لذة الانتقام لا تدوم سوى لحظة، أما الرضا الذي يوفره العفو، فيدوم إلى الأبد.. وأنت لن تنعم بهذا الرضا أبداً."
وتجاوزته وخرجت من الغرفة لتتفاجأ بوالدتها التي كانت تقف بالقرب من الباب وتستمع إلى حوارهما بذهول، فنظرت إليها حياة بضيق وقالت:
"هل كنتِ تتصنتين لحديثنا أمي؟"
خرج قاسم من الغرفة، فنظرت إليه صفية بعينين غاضبتين وقالت:
"هذا يعني أنك السبب في كل ما حدث لابنتي!"
نظر قاسم إلى حياة، ثم نظر إلى صفية وقال:
"عفواً، لا أفهم قصدك."
انقضت عليه فأمسكت بتلابيبه بغضب هادر وهي تقول:
"أنت أساس ما حدث، أنت من احتلت على عبدالله وسرقت ماله، أنت من عرفته على سماهر يدك القذرة التي استطعت بها أن توقع عبدالله في الفخ، ما فعلته ابنتي كان بسببك، ابنتي كانت منهارة عندما رأت فيديو عبدالله وسماهر، كانت منهارة لأنه خانها برغم ما تتحمله منه، خيانته لها كانت القطرة التي أفاضت الكأس التي تحملتها وصبرها وجعلتها تخرج عن صمتها وتعقلها وتقتله. أنت يا حقير السبب."
كانت حياة تحاول إبعاد أمها عنه وهي تقول:
"أمي، ماذا تفعلين؟ تلك الطريقة لا تصح أبداً.."
دفعته والدتها بعنف فسقطت أرضاً بقوة وتألمت صارخةً بصوتٍ عالٍ، فهرول قاسم نحوها مفزوعاً وهو يقول بغضب:
"ما هذا الذي فعلتِه؟ هل جننتِ؟"
وانحنى نحو حياة التي كانت تنظر لأمها بذهول وتبكي بصمت فقال بقلق:
"هل أنتِ بخير؟ هل حدث لكِ شيئاً؟"
أومأت بنفي فساعدها لتنهض وهو يرمق والدتها شزراً وقال:
"لا تنسي أن حياة أصبحت زوجتي، وأنا لن أسمح لكِ أن تتجاوزي حدك معها أبداً، أبداًاا."
نظرت صفية إلى حياة بغضب وهي تقول:
"ما رأيك حياة هانم؟ هل ستقفين بصفه وأنتِ تعلمين في قرارة نفسكِ أنه سبب كل شيء؟ هل ستتجاهلين أختك ومحنتها وتقفين بصف هذا وتصدقين مبرراته الواهية التي يوهمك بها؟ هل ستبقين على ذمة ذلك المجرم بعد ما وصلت إليه أختك بسببه؟!"
تحدث قاسم بنفاذ صبر وقال منفعلاً:
"المجرم الحقيقي هو من اغتصب ابنتك وجعلكِ توصدين عينيكِ عن فعلته وتزوجينها له، أنا من دافعت عنها، ودخلت السجن لأجلها، وبرغم كل ذلك لم أنسَ رابط الدم بيننا ووقفت بجوارها في محنتها تلك ووكلت لها محامياً للدفاع عنها."
ضحكت صفية بسخرية وهي تقول:
"المحامي لكي لا تشعر بالذنب، لأنك تعرف في قرارة نفسك أنك السبب فيما فعلته ابنتي."
"حقاً أنا مخطئ، عملت بأصلي لآخر لحظة ولكن فعل الخير مع ناكر الجميل مثل إلقاء ماء الورد في البحر تماماً."
نظرت صفية إلى حياة وقالت بغضب:
"انظري حياة هانم، افتحي عينيكِ وانظري، زوجك ينعتنا بناكري الجميل."
نظرت إليهم حياة بتعب وهي تقول:
"كفى أرجوكم، أرجوكم كفى."
وفجأة سقطت أرضاً مغشياً عليها، هرولت صفية نحوها بفزع ولكن قاسم هدر بها بغضب وهي يقول:
"توقفي، لا تلمسيها.."
واقترب منها بأسف يحملها وهو يتقدم بها نحو الغرفة ويقول:
"أساساً كل ما يحدث لابنتيكِ بسببك، الاثنتين يستحقان الشفقة لأن لديهن أم مثلك."
ودخل الغرفة وصفق الباب بوجهها، فأجفلت بمكانها وقد هزته كلماتها، فعادت لغرفتها تجر قدميها بهوان وجلست على الفراش وانخرطت في بكاءٍ مرير.
***
وضع قاسم حياة على الفراش بتمهل، وبدأ بتطبيق كل ما يعرفه عن إسعافات أولية للمغمى عليه كما كان يفعل دوماً مع حبيب بالسجن عندما كان يتعرض للإغماء المفاجئ؛ فوضع وسادة أسفل قدميها حتى يتدفق الدم للدماغ مجدداً، وحل أول زرارين من قميصها، ثم التقط حقيبة يدها لأنه يعرف أنها تحتفظ بقنينة عطرها بها دوماً وأخرجها ونثر على يديه منها، ومررها أمام أنفها وهو يطالعها بقلق ممسكاً بيديها بين كفيه.
بعد دقيقتين بدأت حياة تستعيد وعيها شيئاً فشيئاً وفتحت عينيها فنظر إليها فقال:
"هل أنتِ بخير؟"
أغمضت عينيها ولم تُجب، فقال:
"بماذا تشعرين؟"
تنهدت وقالت:
"أشعر بالخزي من نفسي لأني أضعف من أجد صفاً محدداً أقف به، أشعر بأني جبانة."
تأفف بضيق وقال ساخراً:
"نسأل الله السلامة."
ونهض وقال بضيق:
"سأذهب لأشتري طعاماً، هل تحتاجين شيئاً؟"
أومأت أن لا فخرج، دقائق ودخلت والدتها التي قالت:
"هل أصبحتِ بخير؟"
تنهدت حياة وقالت:
"كيف سأصبح بخير أمي؟ بربك ما الشيء الجيد الذي بإمكانه جعلني بخير؟"
"أن تتطلقي من هذا المجرم."
قاطعتها حياة بحدة وقالت:
"قاسم ليس مجرماً."
"ألا زلتِ تدافعين عنه بالرغم مما حدث؟"
"أمي، أرجوكِ كفى، إن كان قاسم قد أخطأ مرة فأنتِ أخطأتم مرات، في النهاية ما حدث كان سيحدث سواء كان قاسم فعل ما فعله أو لا، الحقد الذي دفع عنبر لقتل عبدالله لم يكن وليد اللحظة، لم يكن بسبب ما فعله قاسم، كان متراكماً بقلبها منذ عشر سنوات كاملة وانفجر يومها فقط."
***
ذهبت حنان للمشفى وبصحبتها كريم كما طلب منها أخوها كي تصطحب صبر إلى بيته.
ذهبت إلى الغرفة التي ينتظر بها صبر حيث يخضع لعدة فحوصات قبل مغادرة المشفى وهناك قابلت الطبيب المشرف على حالته والذي طلب منها التقدم إلى مكتبه لكي يبلغها بالبرنامج الذي ستتبعه في التعامل مع صبر بعد الخروج من المشفى.
جلست حنان أمام الطبيب الذي تحدث بابتسامة قائلاً:
"أولاً حمداً لله على سلامته، طبعاً سيحتاج لمتابعة دورية كل أسبوع، أود أن أخبرك أنه يتم التعافي بعد عملية الزراعة بشكل تدريجي. يحتاج الجهاز المناعي غالباً 3 شهور إلى 12 شهراً للتعافي بعد عملية الزراعة. ويكون العام الأول بعد العملية أشبه بالعام الأول للحياة كالطفل حديث الولادة. خلال هذا الوقت، سيكون معرضاً لخطر العدوى، لذا عليه أن يتواجد دائماً في بيئة نظيفة معقمة، أن تحافظي على نظافته جيداً، وأهم شيء هو أن يرتدي قناعاً للوجه في حال تواجد في مكان عام أو خالط الغرباء مثلاً."
أومأت بتأكيد وقالت:
"هل يمكنه متابعة حياته كما كان؟ أقصد الأكل، اللعب، النشاطات اليومية."
"سوف يختلف شعوره على الأرجح عما كان الحال قبل المرض لبعض الوقت. ربما يشعر بالإرهاق والضعف، وتقل شهيته للطعام، وتلاحظين حدوث تغييرات على حاستي التذوق والشم. سيحتاج كذلك لبعض الوقت لاستعادة قوته ومعاودة أداء الأنشطة التي كان يستمتع بها قبل المرض وعملية الزراعة.. وقد يستجيب بشكل سريع ويتمكن من معاودة حياته اليومية بشكل طبيعي.. في النهاية الأمر يتوقف على رجوع تعداد الدم لمستواه الطبيعي وعودة عمل الجهاز المناعي بالكفاءة المطلوبة."
أومأت حنان ونهضت، ثم شكرته وغادرت متجهة لغرفة صبر مجدداً.
تقدمت حنان منه وقالت مبتسمة:
"هل أنت صبر؟"
نظر إليها صبر متعجباً وقال:
"وهل أنتِ حنان؟"
رفعت حاجبها وقالت:
"أنت تعرفني!"
"صحيح، قاسم أخبرني أنكِ ستكونين بانتظاري لأنه خارج المدينة هو وحياة."
قطبت حاجبيها بتعجب أكبر وقالت:
"وهل تعرف حياة أيضاً؟"
"طبعاً، حياة صديقتي."
مطت شفتيها بتعجب وقالت:
"واضح... على كل حال أعرفك.. هذا صديقك كريم."
نظر إلى كريم الذي كان يبدو غاضباً وحزيناً وقال بمرح:
"مرحباً يا صاح."
نظر إليه كريم وقال بهدوء:
"مرحباً."
ابتسمت حنان وقالت:
"على ما يبدو أنكما ستصبحان صديقين رائعين، ما رأيكما أن نتحرك إذا؟"
أومأ كلاهما فاصطحبتهما للخارج واستوقف سيارة أجرة وطلبت منه الذهاب للعنوان الذي أملاه عليها قاسم.
ركب الطفلان بجوار بعضهما وركبت هي بجوارهما وهي تفكر بأمر ذلك الطفل فانتبهت إلى كريم وهو يتساءل:
"لماذا كنت بالمشفى؟"
أجابه صبر بهدوء:
"لأني خضعت لعملية زرع نخاع منذ فترة لأني كنت مريض لوكيميا وتعافيت أخيراً."
"ولمَ ترتدي هذا القناع؟"
"لكي لا أصاب بالعدوى وتسوء حالتي مجدداً."
ثم نظر إلى حنان وقال:
"هل سنعيش سوياً؟ أم سأبقى بمفردي؟"
ابتسمت حنان وهي تربت على رأسه وتقول:
"لا تقلق لن تبقى بمفردك، سأكون برفقتك أنا وكريم لحين عودة قاسم وحياة."
أومأ موافقاً ثم قال بشرود:
"ولكني تمنيت أن يكون أبي قد جاء من السفر ونرجع لبيتنا."
"وأين أبوك؟"
"سافر، مع أنه كان قد وعدني أن يهاتفني باستمرار وأن يعود سريعاً ولكنه لم يفعل."
تعجبت حديثه وشردت فيما قاله صبر، ثم سألته بفضول:
"وما اسم والدك؟"
"حسان."
قطبت جبينها وأخذت تفكر بتعجب:
"أليس حسان هذا صديق قاسم؟ هل فعلاً سافر وترك ابنه أمانة مع قاسم؟! ولكن كيف وهو مختفي منذ سنوات؟ هل عادت العلاقات مجدداً؟! ربما."
***
كان عزيز يقف أمام القبر بعد أن دفن أخاه، ويقرأ له الفاتحة وهو يبكي وبعدها جلس بجوار القبر وأجهش في بكاءٍ شديد وهو يقول:
"لقد انتهى كل شيء عبدالله، رحلت وتركت خلفك أثراً لن ينساه أحد، لا أعلم إن كان من له عندك مظلمةً سيسامحك أم لا، ولكني أسامحك أخي."
وأسقط رأسه فوق ركبتيه وأخذ يبكي وهو يقول:
"أسامحك عبدالله، وأسأل الله أن يسامحك ويعفو عنك."
ارتفع رنين هاتفه فانتزعه من شروده فأجاب:
"نعم حنان؟"
استمعت حنان لنبرته الباكية فقالت بشفقة:
"عزيز، هل انتهيت حبيبي؟"
"نعم، لقد دفناه."
"هل ما زلت بالمقابر؟"
"نعم، أين أنتِ؟"
"أنا بشقة قاسم، تعرف عنوانها أليس كذلك؟"
"أجل، ولكني سأذهب للبيت."
"ولكني لن أستطيع أن أترك صبر وكريم بمفردهما لحين عودة قاسم."
"ومن صبر؟"
تنهدت بحيرة وقالت:
"ابن حسان صديق قاسم هل تذكره؟"
أجاب بتعجب:
"نعم، على كل حال ابقي معهما وأنا سأذهب للبيت، أود البقاء بمفردي قليلاً."
"حسناً حبيبي، اعتن بنفسك."
"وأنتِ أيضاً.. مع السلامة."
أنهى الاتصال ثم مسح دموعه ووقف يقرأ له الفاتحة مجدداً ثم غادر.
***
كان حبيب يجلس بسريره يثني ذراعه خلف رأسه وبيده الأخرى بصورة سارة عندما كانت طفلة يتأملها، وبجواره صورتهما التي أهدتها له سابقاً.
انفرج باب الزنزانة وهتف الحارس:
"حبيب أبو المكارم."
انتفض حبيب من مكانه بلهفة قائلاً:
"نعم أنا."
"زيارة بمكتب المأمور."
اصطحبه العسكري إلى مكتب المأمور والشوق يأكل قلبه، ظن أنها ابنته التي أتت لزيارته، ولكنه صُعِق عندما رأى فتون تجلس بمكتب المأمور تضع قدماً فوق أخرى بغطرستها المعتادة.
تسمر بمكانه فنظرت إليه واهتز بدنها عندما رأته، وقفت ببطء وهي تطالعه بتفحص ملياً وهو ينظر إليها مصدوماً ويقول:
"فتون!!"
"حبيب!!"
اقترب منها خطوة واقتربت مثلها إلى أن تقاطع طريقهما فاحتضنا بعضهما بشوقٍ جارف.
"فتون! لا أصدق نفسي! اشتقتُ إليكِ حبيبتي."
انصرف المأمور سامحاً لهما ببعض الخصوصية، فتعلقت بعنقه باشتياقٍ كبير وسالت دمعاتها بالرغم من أنها كانت قد قطعت على نفسها وعداً ألا تبكي بسببه مرة أخرى، ولكن فيض الشوق الذي غمرها به كان مؤثراً بالقدر الذي جعلها تحنث وعدها وتبكي بشدة.
ضمها إليه بقوة أكبر وقال:
"يا إلهي لم تتغير رائحتك أبداً، لا زالت كالمسك."
وابتعد عنها يتفحص ملامحها بشوق كبير وقال:
"لا زلتِ جميلة حبيبتي."
وفجأة قبّلها بلهفةٍ ونهمٍ فذاب قلبها وذاب الجليد بين قلبيهما سريعاً بعد فراق دام لثماني سنوات كان العذاب هو الراعي الرسمي لهم.
فرّق قبلتهما وضمها مجدداً ثم قال:
"أشعر وكأنني أحلم، لا أصدق أنكِ أمامي الآن، يمكنني رؤيتك وضمك وتقبيلك."
ابتسمت، فقال ضاحكاً:
"يا إلهي، كدتُ أصاب بالجنون من شدة شوقي وحنيني إليكِ، كانت أيامنا الحلوة هي التي تنسيني مر الأيام هنا، كنت أعيش على الذكريات الجميلة التي صنعناها."
أومأت بحزن وقالت بابتسامة منكسرة:
"للأسف، لم تدم سعادتنا طويلاً، بنينا الذكريات الجميلة سوياً وافترقنا سريعاً، وضاع العمر هباءً للأسف."
مرر إبهامه فوق وجنتها وقال بحنان:
"سندرك ما فاتنا يوماً ما يا حبيبتي، أعدك عندما أخرج من هذا المكان اللعين سأعوضكِ عن كل ما فاتنا ولم يتسن لنا عيشه، أعدك بذلك."
أومأت بموافقة بالرغم من أن اليأس يتخلل قلبها وابتسم، فقال:
"أين سارة؟ لماذا لم تأتِ برفتك؟"
"صراحةً لم أخبرها أني سآتي إليك، لقد كان قراراً مفاجئاً بعد تفكير طويل، وأخبرت أكثم وهو مشكور دبر لي أمر الزيارة سريعاً."
"في المرة القادمة لا بد أن تأتي برفتك، اشتقت لرؤيتنا جميعاً سوياً."
***
في المساء..
ذهب كلا من قاسم وحياة وصفية للمشفى لزيارة صالح، وعندما تقدموا من الغرفة الموجود بها نظرت صفية إلى قاسم وقالت:
"هل ستدخل لتطمئن عليه؟ أتقتل القتيل وتمشي بجنازته؟ أليست حالة عمك هذه بسببك؟"
زفر مطولاً بغضب مكتوم ونظر إليها محتداً وقال:
"إذاً لا تدخلي لزيارته أنتِ أيضاً، لأنك بشكل أو بآخر ساهمتِ في وصوله لتلك الحالة."
نظرت حياة إليهما بغضب وقالت:
"مجدداً؟! أرجوكم أبي لا ينقصه صراعاتكما! لديه ما يكفيه بالفعل."
ودخلت إلى الغرفة فلحق بها قاسم وصفية.
جلست حياة بجوار والدها بعد أن قبلت يده وجبينه وقالت:
"كيف حالك أبي؟"
ابتسم صالح بوهن وهو يطالعها بعجز وأومأ برأسه إيماءة خفيفة فقالت:
"ستتحسن أبي، أثق أنك ستكون بخير."
تقدم قاسم وقبل جبينه وقال بتأثر:
"شفاك الله عمي وعفا عنك."
طالعته صفية بضيق، ثم جلست بجوار صالح على الجانب الآخر وطبعت قبلة على يده وقالت بأعين باكية:
"كيف حالك صالح؟ أرجوك تحسن بأسرع وقت، نحن نحتاجك صالح، نحن لا شيء بدونك، عنبر أيضاً تحتاجك.. ابنتنا تحتاجك بشدة."
وأخذت تنتحب فسالت دمعاته بصمت، فنظرت إليها حياة بتحذير كي تتوقف وقالت:
"أبي، قاسم لن يتخلى عن عنبر أبداً، اطمئن نحن لسنا بمفردنا."
ونظرت إلى قاسم بابتسامة مهزوزة فقال:
"صحيح، لا تقلق عمي، كل شيء سيكون على ما يرام."
دخلت الممرضة وطلبت منهم الانصراف لكي لا يتسببون له بالإجهاد فخرجوا وتوجه قاسم من الطبيب الذي يتابع حالته وسأله:
"أخبرنا دكتور، كيف حاله؟ هل هناك أمل أن يتعافى ويعود كما كان؟"
تحدث الطبيب بعملية قائلاً:
"الأمل موجود طبعاً طالما أنك تثق بالله سبحانه وتعالى، نحن نحاول الحد من المضاعفات التي قد تحدثها الجلطة وطوال الأربعة وعشرون ساعة الماضية كنا نعمل على إعادة تأهيل الدماغ من خلال فريق طبي متكامل من أطباء المخ والأعصاب ومعالجون فيزيائيون كنا نراقب الحالة ونبحث طرق العلاج المتاحة، وبإذن الله سنفعل ما بوسعنا لا تقلق."
"هل تستغرق مدة تعافيه وقتاً طويلاً؟"
"تختلف مدة الشفاء والتعافي من الجلطة الدماغية من شخص لآخر. قد يستغرق الشفاء عدة أسابيع أو شهور، أو حتى سنوات. ويكمن الاختلاف في مدى استجابة الدماغ للعلاج بعد الجلطة وعودتها إلى العمل بشكل طبيعي مع تقليل خطورة الإصابة بالجلطة مرة أخرى."
"وهل سيحتاج للبقاء بالمشفى لحين التعافي تماماً؟"
"لا، سيبقى فقط لعدة أيام من حوالي خمسة أيام لأسبوع على أقصى تقدير وبعدها يمكنه الخروج من المشفى مع مراعاة متابعة العلاج وخطة التأهيل في المنزل والانتظام على زيارة المشفى للفحص الدوري.. بالسلامة إن شاء الله."
وتركه وانصرف، فعاد لحيث تقف حياة ووالدتها بانتظاره واصطحبهم للسيارة كي يغادرا.
قاد السيارة بصمت ساد الأجواء حتى قطعته صفية قائلة:
"لن أدخل هذه الشقة مجدداً، أنا وحياة سننزل بأي فندق."
نظر إليها بالمرآة بتعجب بارد وقال متهكماً:
"حقاً؟ على كل حال زوجة عمي لكِ حرية التصرف بذاتك، ولكن لا يمكنكِ فرض سيطرتك على زوجتي، لأن أينما أكون ستتواجد هي."
نظرت صفية إلى حياة وقالت بغضب:
"ما رأيك حياة هانم؟ هل ستذهبين معه بكل بساطة وتبقين بتلك الشقة التي اشتراها بمال حرام؟"
هتف قاسم حانقاً:
"أستغفر الله العظيم، يا رب صبرك."
تحدثت حياة أخيراً وقالت بهدوء مخيف:
"أرى أن أمي محقة، الأفضل أن نقيم بفندق لحين عودتنا."
نظر إليها قاسم مصدوماً بينما طالعتها أمه بانتصار وقالت بشماتة:
"هل سمعت ما قالته؟ إذاً من الأفضل أن تتحلى ببعض الكرامة وتتصرف كرجل محترم ولا تضغط عليها للبقاء معك."
نظرت إليها حياة بضيق وقالت:
"أمي رجاءً.."
قاطعها قاسم قائلاً بغضب:
"للأسف أنا لست رجلاً محترماً، ولن أترك حياة تذهب معكِ حتى لو أرادت هي ذلك؛ أنا زوجها وستبقى حيث أريد أنا لا حيث تريدين أنتِ."
نظرت إليه حياة بتعب وقالت:
"قاسم من فضلك…"
صاح قاسم بعصبية وقال:
"ماذا حياة؟! ما لدي قلته.. ستذهبين معي رغماً عنكِ، انتهى."
ونظر إلى صفية وقال:
"زوجتي ستذهب معي، أظن كلامي واضحاً، زوجتي أنا أي أنني الوحيد الذي يحق له أن يأمرها أو ينهاها."
نظرت صفية إليه بضجر ونظرت لابنتها وقالت:
"أسفي عليكِ يا غبية، ظننتكِ أذكى من أن تدعيه يتحكم بكِ ويتلاعب بكِ كالدمية بين يديه."
تحدث قاسم بنفاذ صبر قائلاً:
"أسدي لنا خدمة من فضلك وأخبرينا بقرارك، هل ستذهبين معنا أم لا؟"
"بالطبع سأذهب برفتكم، لن أترك ابنتي تحت رحمتك، في النهاية لديها أماً تقف بظهرها كالجبل."
أخذ يتمتم بنزق واتجهوا لشراء بعض الأغراض ثم انطلق لشقته سريعا.
دخلت صفية لغرفتها وهي تقول:
"اتبعيني حياة أريد التحدث معكِ."
همت حياة بالذهاب لوالدتها فقال قاسم:
"حياة، الحقي بي.. سنتحدث."
وقفت حياة بالمنتصف تنقل عينيها بين غرفة والدتها وغرفة قاسم بحيرة وقالت:
"ما هذه المأساة يا ربي!"
دخلت لغرفة أمها ووقفت أمام الباب وقالت:
"نعم أمي؟"
"تعالي ونامي بغرفتي."
طالعتها بتعجب وقالت:
"والسبب؟"
"حقاً لا أفهمك! هل ستذهبين للنوم بأحضان ذلك الخسيس وكأن شيئاً لم يكن؟"
"أمي أرجوكِ كفى، لا تنسي قاسم أصبح زوجي ولن أسمح لكِ بالتطاول عليه أبداً."
طالعتها صفية باحتقار وقالت:
"فعلاً غبية، وأنا التي ظننتك ابنتي القوية الشجاعة التي لا تُهزم أبداً، اتضح أنه عندما يتعلق الأمر بهذا الوقح تصبحين بلهاء وتستطيل أذنيكِ كالحمار."
أغمضت حياة عينيها بضيق وأردفت:
"شكراً ماما، تصبحين على خير."
وأوصدت الباب وزفرت بضيق شديد وهي تقول:
"أقسم بالله ما يحدث لي غير طبيعي، إطلاقاً."
اتجهت لغرفة قاسم وفتحتها فوجدته يقف بحمام الغرفة عاري الصدر يشذب لحيته ويقصر شعره فاستندت إلى إطار الباب وأخذت تراقبه بصمت، فنظر إليها بالمرآة وقال:
"ماذا كانت تريد؟"
"لا شيء."
"متأكدة؟"
تنهدت بنفاذ صبر وقالت:
"أمي محقة، لن أتحمل البقاء هنا كثيراً."
استدار ونظر إليها وهو لازال ممسكاً بماكينة الحلاقة اللاسلكية وقال ببرود:
"اذهبي وانتظري بالشرفة."
أغمضت عينيها بضجر وقالت:
"لا تمزح قاسم، أنت تعرف ماذا أقصد، لن أستطيع البقاء بالشقة هنا."
نظر إليها مطولاً ثم اقترب منها وهو يمسك بالماكينة ويقول:
"سأشذب لكِ لحيتك."
ضحكت وهي تبتعد عنه وقالت:
"ابتعد يا تافه."
جذبها نحوه مسرعاً وأحاط خصرها بذراعه وهو يتأمل ملامحها عن قرب وقال:
"حياة، هل ستسمحين لأمك أن تنجح فيما تريده؟ أن تجعلكِ تحقدين علي وتكرهيني؟"
نظرت إليه وهي تشعر بالحرارة تمشي في جسدها وقالت:
"لا."
"ولكنها ستضغط عليكِ، واضح أنها أعلنت الحرب علي."
"ولكني أعرف ماذا سأفعل وماذا أريد، لا تخف."
أحاط خصرها بذراعيه وقال وهو يقربها منه أكثر:
"لا يسعني سوى الخوف، لم أعد أعرف للطمأنينة سبيلاً."
"ولكني بجوارك، بالرغم من أني أشعر أحياناً أنني أحقد عليك وأكرهك، ولكن عندما تنظر إلي بتلك الطريقة يتبخر حقدي وكرهي ويحل محلهما عشقي الخالص لك."
قرب وجهه منها أكثر وهو يراقب بريق عينيها وأمسك بيدها ووضعها فوق موضع قلبه وقال:
"هل تشعرين بتلك النبضات؟"
ابتلعت لعابها بتوتر وأومأت أن نعم فقال:
"أحتاجك بحياتي بقدر احتياجي لتلك النبضات كي أعيش.. لا تعلمين كم أن وجودك بقربي مهم، في كل لحظة أتأكد من ذلك، أرجوكِ لا تبتعدي عني أبداً حياتي."
ابتسمت حياة وذرفت الدموع بتأثر شديد فمد أنامله الرقيقة ومسح دمعاتها ثم اقترب وقبّل عينيها واحدةً تلو الأخرى ثم ابتعد عنها قليلاً ونظر إلى عينيها وقال:
"حياة، هل تتزوجينـي؟!"
جمدت ملامحها للحظات، ثم ابتسمت وعيناها لا تزال تسكب الدمع بتأثر، فاقترب منها واختلس منها أول قبلةٍ في تاريخهما سوياً، قبلة نهمة شغوفة مليئة بالاحتياج، احتياج للحياة، احتياج للحب، احتياج للنور الذي سيضيء أي عتمة بحياته، وليس احتياجاً جسدياً فحسب. لا.. فحياة بالنسبة لقاسم أهم من ذلك، حياة بالنسبة لقاسم حياة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هو لم يلقبها بحياتي عبثاً، لقد اختار أكثر الكلمات دقة، هي حياته فعلاً، الوحيدة التي تمنحه كل معاني الحياة في أحلك الظروف، تمنحه حباً غير مشروطاً، ولا تهتم إن كان يحبها بنفس القدر أم لا، يكفي ثقتها أنه لن يؤذيها، هذا كافياً كي تهيم به كل يوم أكثر من ذي قبل.
استغرقت قبلتهما وقتاً، كانا يكتشفان بها معانٍ أخرى للحياة، مشاعرًا يختبرانها لأول مرة، وكأن الحب هذا وهمًا أمام ما يشعران به الآن، أي حب هذا الذي سيضاهي شعورهما ببعضهما البعض؟
بالطبع ليس هذا هو الحب، لا.. هذا مفهوم خاص بهما فقط، شعور خاص وحصري، شعور بإمكانه أن يدمغ روحهما سوياً فلا ينفصلان أبداً.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نعمة حسن
كانت تغفو بجواره غارقةً في نومٍ عميق، نومٍ لا يواتي إلا إنسانًا مُتعبًا، تخبط كثيرا ونال من الصدمات ما يكفي ووجد راحته وملاذه الآمـن أخيرا.
بينما كان هو يضطجع على جانبه ويده أسفل خده، وينظر إليها متأملا وهي تتنفس بهدوء وسكون نقيض الأفكار العاصفة التي تدور برأسـه.
تنهد بتمهل ومد أنامله ليزيح بها خصلاتها الانسيابية عن جبهتها، ثم استقرت يده فوق وجنتها وأخذ يتلمس خدها بأنامله شاردا بها، لقد امتلكها، أصبحت زوجته فعليا!
في الحقيقة لم يتوقع أن يتم الأمر بتلك البساطة، لقد ظن أنه سيتطلب وقتا أطول من ذلك، أو على الأقل حتى يعتادا وجودهما سويا، ومن يدري ربما كان يقرر أن يؤجل هذه الخطوة لحين إشعار آخر!
ولكنها حياة، فتاة المستحيل، التي ما إن تتواجد بالقرب منه يخرج عن دوائر توقعاته وظنونه ويضرب بكل قرارته وترتيباته عرض الحائط!
فتلك الفتاة التي كانت مجرد آنسة لطيفة لذيذة في البداية ومن ثم تحولت إلى فتاة مشاغبة تجعله يخرج عن شعوره أحيانا، مريدًا خنقها حتى يتخلص من إزعاجها، فجأة وبخطوة غير محسوبة أصبحت زوجته!
بالرغم من كل الظروف المأساوية التي يعيشانها، والتي بإمكانها أن تحول دون حدوث الكثير بينهما، ولكنهما تجاوزا كل تلك العوائق وسمحا لآلة الزمن أن تتوقف بهما قليلا واقتطعا لأنفسهما وقتا خاصا نقلهما إلى عالمٍ خاص، عالم لم يتواجد به سواهما.
اقترب منها أكثر ومال نحوها وقبّل جبهتها بامتنان صادق، فقط كل ما يشعر به الآن هو الامتنان، امتنان لتلك اللحظـات السحريـة التي استطاعت أن تخدر كل أوجاعه وآلامه، امتنان لهذه المخلوقة التي تغفو كالقطة الوديعة التي أثبتت له قبل قليل أنه رجلا مثاليا يستحق كل الحب والحنان والعطاء، امتنان لتلك العلاقة الفريدة التي لا تشبه غيرها، علاقة خُلقت لهما فقط، بلورة سحرية صُنعت لتحتوي كلا من قاسم وحياة فقط!
استمع لآذان الفجر يصدح في الأرجاء فنهض على الفور ودخل إلى الحمام يستعد للصلاة.
أنهى فرضه ثم التقط هاتفه وخرج من الغرفة ليجلس بالشرفة وهاتف سيد أكثم الذي أجابه قائلا:
_ صباح الخير قاسم.
_ صباح الخير سيد أكثم ، آسف على الإزعاج ولكن لم يتسنَ لي أن أتصل بك وأسألك عن تفاصيل المحاكمة. أخبرني ماذا حدث؟
تنهد أكثم بضيق وقال:
_ في الحقيقة لم أود إثارة ضيقك لذلك لم أتصل، لقد تأجلت جلسة النطق بالحكم لأسبوعين، ولكن لا تقلق، محامينا يفعل ما بوسعه لكي يستطيع الحصول على أكبر حكم ممكن.
في تلك الأثناء خرجت صفية من الغرفة قاصدةً الحمام ولكنها توقفت وأرهفت السمع عندما استمعت لقاسم الذي كان يقول بصوتٍ خافت:
_ أنا أثق بخصوص ذلك، سيد أكثم أنت تعرف مدى أهمية هذه القضية بالنسبة لي، يجب أن يحصل المحامي على أكبر وأشد حكم ممكن، فمِثل أولئك المجرمين لا ينبغي أن تكون عقوبتهم أقل من الإعدام حتى يكونوا عبرة لغيرهم..
تنهد أكثم قائلا:
_ أنت محق قاسم ولكنه القانون، كن واقعيا ولا تنتظر حكما مشددا، عادةً ما تكون عقوبة جرائم الخطف سبع سنوات على الأكثر، ولكن في وجود شروع في اغتصاب وتخدير وابتزاز يمكن أن يصل الحكم لعشر سنوات.
زفر الآخر بضيق وقلة حيلة، ثم قال:
_ حسنا، ليفعل الله خيرا.
_ إن شاء الله، وبالنسبة لعنبر لا تقلق، لا زالت التحقيقات مستمرة ولسببٍ ما أشعر بأن هناك شيئا مخبأ بإمكانه تخفيف الحكم عنها، ولكن المشكلة أنها لا تتكلم، وجدي المحامي أخبرني أنها تستخدم حق الصمت، بالرغم من أنه يحثهاِ على الكلام للاستفادة من كل حرف وجعلهُ حجةً لها ولكنها ترفض.
تكلم قاسم بحزن قائلا:
_ تلتزم الصمت لأنها تعاقب نفسها، عنبر لم تخطئ بحق نفسها مرة ولا مرتين، هي من دفعت بنفسها للهاوية.
تحدث أكثم قائلا:
_ للأسف أنت محق، شخصية كعبدالله ذاك من المؤكد أنه كان يملك قدرة هائلة على بث سمومه بكل المحيطين به، وعنبر كانت أول الضحايا الذين استطاع تحويلهم من إنسان فطري نقي لآخر مؤذٍ و سام، وأول من أذت كانت نفسها.
ضغط بين عينيه بتعب وقال:
_ صحيح، على كل حال أشكرك لاهتمامك سيد أكثم.
_ لا عليك قاسم، مع السلامة.
أنهى قاسم الاتصال فعادت صفية إلى غرفتها ببطء وهي في حالة ذهول تام، فكانت تتحدث إلى نفسها قائلة:
_ إعدام!!
وسالت دموعها بغزارة ووضعت كفها فوق فمها تكتم نحيبها وهي تقول بهمس:
_ يا إلهي! هل يسعى لأن يحصل لها على حكم بالإعدام؟! لذلك هو من وكل لها المحامي ؟! كي يتمكن من تحريك مسار القضية كما شاء! يا إلهي! يا أسفي عليكِ يا عنبر، حتى هذا النذل يسعى للانتقام منكِ وأنتِ بتلك المحنة!
ثم تحدثت إلى نفسها بشرود وهي تقول:
_ ماذا ستفعلين يا صفية؟ هل ستتركين ابنتك تحت رحمة هذا الجبان؟ لا. يجب أن أتصرف.. سأوكل لها محاميا غيره، لن أسمح له أن يتلاعب بمصيرها أبدا.
عاد قاسم إلى غرفته، وألقى بجسده الفارع على الفراش فجأة فانتفضت حياة التي كانت تنظر إليه كقطٍ مذعور وقالت:
_ ماذا يحدث؟
نظر إليها ببساطة قائلا:
_ لا شيء.
_ ولكني شعرت بأن هناك زلزالا قد حدث!
ضحك وهو يقترب منها بمشاغبة قائلا:
_ نعم، زوجك دائما يُحدِث الزلازل ويثير العواصف، أليس كذلك يا كهرمانة الشقية.
ابتسمت بخجل وأغمضت عينيها تتصنع النوم فاقترب منها أكثر حتى أصبحا متلاصقين وقال باسما:
_ هل تخجلين يا كهرمانة؟ عساه خيرا؟
فتحت عينيها وطالعتهُ شزرا فابتسم وقد حقق مبتغاه، فأخذ يتطلع إلى عينيها بابتسامة متزنة وهو يقول:
_ يا إلهي! لم أرَ بحياتي عينين كعينيكِ.
ثم أخذ يدور بعينيه على قسمات وجهها وهو يقول:
_ كم أنتِ امرأة جميلة بعينين جميلتين!
ابتسمت ولمعت عينيها بحنينٍ مشّع وأحاطت وجنته بكفها بحنان وقالت:
_ أنا جميلة بعينيك أنت قاسم الحداد.. جميلة لأنني معك، لأنني امرأة رجلٍ مثلك.. أحبك جدا قاسم.
ابتسم لقولها ووضع كفه فوق كفها الذي يحتضن وجنته وهو ينظر إليها بحنوٍ ويقول:
_ وأنا لا أملكُ في الدنيـا إلا عينيـكِ .. و أحزاني
أأقـولُ أحبكِ يا قمـري؟!
آهٍ لـو كـان بإمكـاني
فأنـا إنسـانٌ مفقـودٌ
لا أعرفُ في الأرضِ مكاني
ضيّعـني دربي ضيّعَـني
اسمي ضيَّعَـني عنـواني
تاريخـي!؟
ما ليَ تاريـخٌ…
إنـي نسيـانُ النسيـانِ
إنـي مرسـاةٌ لا ترسـو
جـرحٌ بملامـحِ إنسـانِ
أأقولُ أحبُّكِ يا قمري؟
آهٍ لـو كان بإمكاني
فأنا لا أملك في الدنيـا إلّا عينيـك… وأحـزاني.
ونزع كفها من فوق خده وقربه من فمه ثم قبّل باطنه ونظر إليها فوجدها تنظر إليه باندهاش ودموعها تسيل على جانبي خديها وهي تقول:
_ هذه القصيدة لنزار قباني، أليس كذلك؟
أومأ بنفي وقال مبتسما:
_ لا، هي لقاسم الحداد ونزار قباني هو من قام بسرقتها وتحريفها.
ضحكت فضحك بدوره فقالت بتأثر:
_ منذ متى وأنت تهوى الشِعر؟
_ منذ رأيت هاتين الكهرمانيتين أصبحت أهوى كل شيء، بالقرب منكِ حياتي ينتابني إحساس غريب، أشعر وكأني إنسان كان فاقدا هويته وللتو بدأ يتعرف على أبجديات الحياة.
ومد أنامله يزيل عن وجنتيها آثار البكاء وقال مبتسما:
_ ومن ضمن هذه الأبجديات قربك، لذا ضميني حياة.
وأسقط رأسه بجوارها فأحاطته بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة وأسندت رأسها على رأسه وغطّا سويا في النوم.
في الصباح..
انتفض كلا من قاسم وحياة على صوت طرقات حادة ومزعجة على باب غرفتهما، فنظرا لبعضهما البعض بتساؤل فقالت حياة:
_ هذه أمي بالتأكيد.
هز رأسه بتأييد وقال:
_ وهل يسكن معنا سواها؟ السؤال هنا هو ما سبب ذلك الإزعاج منذ الصباح؟
نهضت من الفراش سريعا وفتحت الباب فطالعتها أمها بتفحص وتأملت هيئتها المشعثة مما أربك حياة وقالت بنزق:
_ اتبعيني.
_ ماذا هناك أمي منذ الصباح ؟
نظرت إليها بحدة وقالت بصوتٍ غاضب جهور:
_ قلتُ لكِ اتبعيني، يجب أنت نتحدث.
وذهبت لغرفتها فدخلت حياة وهي تنظر لقاسم بحرج وقالت:
_ تريد أن نتحدث.
أجابها وهو يحك ذقنه بضيق:
_ أجل، لقد سمعت.. ولكن اسمعيني جيدا حياة، لا تسمحي لها أن تتجاوز حدودها أبدا.. صراحةً لقد كاد صبري أن ينفذ.
بدلت ملابسها سريعا وذهبت لغرفة والدتها التي كانت تنتظرها بتأهب وقالت:
_ صباح الخير أمي.
طالعتها بضيق شديد وقالت بتهكم:
_ خير؟ أي خير آنسة حياة؟ عفوا.. أقصد مدام حياة.
رفعت حياة حاجبيها بتعجب واستغراب لضيقها الغير مبرر وقالت:
_ ماذا حدث يا أمي؟
نظرت إليها صفية بغضب وقالت:
_ ما حدث هو أنكِ ذهبتِ ومكنتِ ذلك الحقير منكِ بكل سهولة، وغضضتِ الطرف عما فعلهُ بأختك.
زفرت حياة بنفاذ صبر وقالت:
_ ليس مجددا أمي أرجوكِ، إن كان هذا الموضوع هو ما تريدين التحدث به فأنا آسفة لن أستمع إليكِ.
ضحكت ساخرة وقالت:
_ لا تستمعي حياة، اذهبي وارتمي بأحضانه مرة أخرى ولكنكِ ستندمين قريبا، وقريبا جدا.
تجاهلت حياة ما قالته وخرجت من الغرفة لتستوقفها أمها حيث قالت:
_ أبلغيه أني أود زيارة أختك، لا بد أن أتحدث معها.
استدارت حياة ونظرت إليها بتعجب وقالت:
_ أختي؟ وما الذي تودين قوله لها؟
_ ليس من شأنك. هيا اذهبي وأخبريه ليتحدث إلى المحامي الملعون هذا ويطلب منه الحصول على إذن بالزيارة، اليوم!
تنهدت حياة بنفاذ صبر وقالت:
_ حسنا، سأبلغه أننا نود زيارتها..
قاطعتها صفية بحزم وقالت:
_ أود، أنا أن أزورها بمفردي، أساسا زيارتك لن تفيدها بشيء، ولا أظن أنها ستفيدك أيضا، لذا اذهبي لزوجك الحبيب وارتمي أسفل قدميه لتحصلي على رضاه وعفوه، هيا.
احتقن وجه حياة بدماء الغضب وغادرت الغرفة على الفور بينما كانت أمها تتبع خطواتها بضيق وهي تتمتم:
_ غبية ومتخلفة.. أنتِ غبية وأختك أكثر منكِ غباءً، اللعنة على غبائكما.
عادت حياة إلى الغرفة لتجد قاسم لا يزال راقدا بمكانه وما إن رآها حتى تسائل:
_ عساه خيرا؟ ما وجه اعتراضها اليوم؟
تنهدت حياة بضيق وجلست بجواره وهي تقول:
_ تود زيارة عنبر!
قطب جبينه متعجبا وقال:
_ والسبب؟
_ تقول أنها تريد التحدث إليها.
زفر مطولا بقلق وقال:
_ يا رب سترك، أشعر بأن والدتك تخطط خطة جديدة لتفسد بها حياتنا، أصبحت لا أتفائل بوجودها أبدا.
نظرت إليه حياة بضيق والتزمت الصمت فانتبه لما قاله وزم شفتيه بضيق، ثم جذب ذراعها لتقترب منه وضمها إليه وقال:
_ أنا آسف حياتي، لم أقصد مضايقتك صدقيني ولكنها أصبحت فعلا تثير إزعاجي، والدتك لا يمكنها العيش دون إفساد حياة الآخرين، صدقيني أخشى ما أخشاه أن نكون أحد ضحاياها يوما ما.
تنهدت حياة بضيق وأسف ثم ابتعدت عنه وجلست بمكانها وهي تقول:
_ أرجوك قاسم اتصل بالمحامي وانظر ماذا بإمكانه فعله بشأن الزيارة.
استشف ضيقها وتخبطها فلم يرغب في إثارة ضيقها أكثر وأمسك هاتفه وقام بالاتصال بالمحامي على الفور:
_ صباح الخير أستاذ وجدي..
_ صباح الخير سيد قاسم.
_ من فضلك هلّا حصلت لنا على إذن لزيارة عنبر، والدتها ترغب في التحدث إليها بصفة ضرورية.
_ حسنا، سأتحدث إلى وكيل النيابة وأرى ماذا بإمكاني فعله وأخبرك.
_ أشكرك أستاذي، مع السلامة.
أنهى الاتصال ونظر إلى حياة قائلا:
_ سننتظر اتصالا منه.
أومأت بهدوء ونهضت فأمسك بذراعها وتساءل:
_ إلى أين؟
أجابته بهدوء ينُم عن كم الفوضى العارمة بداخلها وقالت:
_ أود البقاء بمفردي قليلا.
جذبها نحوه فسقطت بجواره فمال عليها ممسكًا بذقنها وهو يقول بنبرة حنونة:
_ والسبب يا كهرمانة؟
تنهدت وبدون مقدمات سالت دموعها بغزارة فنظر إليها متعجبا وقال:
_ ماذا بكِ حياة؟ ماذا قالت لكِ؟ بالتأكيد ضايقتك كالعادة.
وزفر بغيظ ثم نهض بغتةً وهو يقول:
_ يكفي.
أمسكت بيده وهي تقول:
_ إلى أين؟
_ سأذهب لأتحدث إليها وأضع لها حدًا لا تتجاوزه مرة أخرى ، أنا لست مجبرًا على تحملها، ولا حتى أنتِ مجبرة لتتحمليها لمجرد أنها أمك، للصبر حدود حياة.
وقفت أمامه تمنعه من الخروج وقالت:
_ من فضلك قاسم، أمي لن تتغير، لذا لا تكلف نفسك عناء المجادلة معها، في النهاية هي لن تغير قناعاتها أبدا.
_ وما هي تلك القناعات؟ أنني لا استحقك ولست مناسبا لكِ أليس كذلك؟ بالإضافة لأنها تراني مجرما وأنني أنا سبب كل شيء، لذا تمنح نفسها الحق في إزعاجك ونفث سمومها بوجهك كلما رأتكِ.
أمسكت حياة رأسها بتعب وهي تقول:
_ قاسم، أرجوك كفى، نحن نتحدث في أمر مفروغ منه، مهما تحدثنا إليها وحاولنا إثبات عكس ما تقتنع به صدقني لن نفلح، لذا أرجوك لا تتصادم معها، أرجوك.
تنهد بضيق واضح وأومأ موافقا عدة مرات وقال:
_ حسنا حياة، لن أتصادم معها لأن هذا ليس في صالحها، حسنا.
ارتفع رنين هاتفه وكان المتصل أستاذ وجدي فأجاب قاسم قائلا:
_ مرحبا أستاذ.
_ مرحبا قاسم، لقد تواصلت مع وكيل النيابة والحقيقة كان رجلا متعاونا للغاية، يمكنكم الحضور بعد نصف ساعة.
_ حسنا سيدي أشكرك. مع السلامة.
أنهى الاتصال ونظر لحياة قائلا:
_ الزيارة بعد نصف ساعة.
أومأت فقال:
_ هل ستذهبين معها؟
_ لا، سنقوم بتوصيلها ثم نذهب لزيارة أبي.
_ حسنا، أبلغيها كي تستعد.
كانت عنبر تجلس بالحجز، تسند رأسها على الجدار من خلفها وهي تستعيد الذكريات الجميلة التي جمعتها بقاسم في صغرهما، ودموعها تعرف السبيل لخديها جيدا.
تذكرت يوم خطبتهما، عندما أهداها سلسالا ذهبيا يتدلى بنهايته حرفين ذهبيين إشارة لاسم كلا منهما، تذكرت يوم اختفى السلسال وكانت في حالة يرثى لها، يومها منحها قاسم أجمل ابتسامة قائلا" حتى وإن ضاع السلسال فحبنا سيبقى لن يضيع أبدا، لذا لا تحزني".
ذلك السلسال الذي شدهُ عبدالله من عنقها بقوة يوم اغتصابها قائلا " ذلك الحقير لن يبقى له مكانا بحياتك من الآن، ولا حتى سلساله اللعين".
مسحت دموعها بقهر وهي تتمتم بحسرة:
_ حتى السلسال لم ينجُ من بطشك يا حقير.
وفجأة خرجت من قاع ذكرياتها مع قاسم وطفت على سطح الواقع المرير، فتذكرت ما فعلت، وبالرغم من أنها لم تشعر بالذنب ولكن غصةً تشكلت بقلبها قهرًا، لقد عانت طيلة حياتها معه وفي النهاية رُسِمت لها تلك النهاية البائسة بفضله هو أيضا.
تذكرت ضحكات ابنها كريم، عناقه، بكائه، صراخه وتذمره ونعته لها بالأم الأنانية! فانخرطت في بكاءٍ مرير وأحاطت نفسها بذراعيها وهي تبكي بقهر وتقول:
_ سامحني كريم، أنا فعلا أمًا أنانية.
قطع نوبة بكائها صرير الباب الحديدي وهو ينفرج، ثم دخول العسكري الذي قال:
_ عنبر الحداد.
نظرت إليه بانتباه فقال:
_ لديكِ زيارة.
نظرت إليه بجفاء وقالت:
_ لا أريد مقابلة أحد.
_ والدتك تريد رؤيتك ضروريا. هل ستخرجين لرؤيتها أم أبلغهم برفضك؟
انقبض قلبها فورا وخافت أن يكون والدها أو ابنها قد أصابهما شيئا لذا خرجت لمقابلتها.
كانت صفية تجلس بغرفة الزيارة وقلبها يصنع ضجيجا عاليا من فرط اللهفة وما إن انفرج الباب وظهرت عنبر حتى هرولت نحوها واحتضنتها بقوة وأخذت تبكي بانهيار وهي تقول:
_ آهٍ على حظك يا ابنتي، ليتني أستطيع تخفيف كل هذا عنك حبيبتي.
ضمتها عنبر بفتور وابتعدت عنها وهي تنظر إليها بتعجب وقالت:
_ لمَ أتيتِ أمي؟ هل أبي بخير؟ هل حدث مكروها لكريم؟
مسحت والدتها دموعها وهي تقول:
_ الجميع بخير ما عدا أنتِ عنبر، كلهم يعيشون وأنتِ وحدكِ من تصارعين الموت البطيء هنا.
تحدثت عنبر بهدوء وقالت:
_ طالما أن الجميع بخير لماذا أتيتِ؟!
نظرت إليها صفية بتعجب وقالت:
_ ما الذي تقولينه عنبر؟ هل أخطأت لأنني رغبت في زيارتك والاطمئنان عليكِ؟
أجابتها عنبر بنفاذ صبر قائلةً:
_ أنا بخير أمي، لا داعي للقلق.
تحدثت صفية بحدة وقالت:
_ لا، أنتِ لستِ بخير، أنتِ تلتزمين الصمت كي تعاقبين نفسك على ذنبٍ لستِ أنتِ المجرمة الأولى فيه، لمَ تصمتين؟ لمَ لا تشرحين لهم معاناتك كاملةً علّكِ تنقذين نفسك من العذاب المحتم الذي ينتظرك.
نظرت إليها عنبر بتعجب وقالت:
_ لا أفهمك! أساسا من أدراكِ أني ألتزم حق الصمت؟! هل تحدثت ا مع المحامي؟
لوت صفية شفتيها بنزقٍ وقالت:
_ لا، لقد سمعت المحروس قاسم وهو يتحدث إليه بالهاتف ويقول له بكل وقاحة أنكِ تلتزمين الصمت عقابا لنفسك وأنكِ من ألقيتِ بنفسكِ لما أنتِ فيه الآن.
ثم شحب وجهها بذعر وقالت بهمس:
_ لن تصدقي ما سمعته عنبر، القذر الذي كان يمثل أنه قلقا عليكِ ووكل لكِ أكبر محامي جنائي على حسب قوله، اتضح أنه اصطنع كل ذلك الفيلم ليحقق غايته وهي الانتقام منكِ؛ لقد سمعته يقول للمحامي أن هذه القضية مهمة جدا بالنسبة له وأنه يرغب أن تحصلين على أشد وأكبر حكم، لقد قالها صراحةً عنبر، قال مثل هؤلاء المجرمين لا ينبغي أن تكون عقوبتهم أقل من الاعدام.
صبغت الصدمة وجه عنبر فنظرت إليها بذهول وقالت بغير تصديق:
_ إعدام!! هل قاسم من قال هذا؟
أومأت والدتها بتأكيد وقالت بأسف:
_ أجل، لذا أتيت إليكِ لأطلب منكِ أن تتحدثي، صمتك هذا في صالح قاسم ومحاميه المحتال، ارفضي المحامي اللعين هذا وأنا سأوكل لكِ محاميا غيره.
كانت عنبر تنظر أمامها بشرود وتستمع إلى ما تقوله أمها بصدمة وهمست:
_ مستحيل.
_ لا، هذا ما اتضح، أساسا كان عليّ أن أشك في عرضه المساعدة وكل هذا العطاء والترابط الأسري، بعد أن فعل ما فعله بعبدالله واتفق مع سماهر لتحتال عليه وتجعله يتنازل عن ممتلكاته له، ثم قام ببيعها واشترى شقة فاخرة في منطقة راقية..
قاطعتها عنبر بصدمة أشد وطأةً وقالت:
_ ماذا؟ أي أنه هو من عرّف عبدالله على سماهر؟
أومأت أمها بموافقة وقالت:
_ أجل، هو من وضعها بطريقه وجعلها طُعمًا ليصطاده به، جعلها تحتال على عبدالله وتوقعه في شباكها ثم سلب منه كل ما يملك واشترى شقة بالمبلغ، مالك ومال ابنك أصبح تحت أقدام هذا الحقير قاسم يتمتع به كيفما شاء.. وفي النهاية أنتِ من تدفعين الثمن! تجلسين هنا وتصمتين بكل إصرار، وبالمقابل هو يخطط للانتقام منكِ بكل دناءة.
أحست بالأرض تدور بها واحتقنت عروقها بدماء الغضب وقالت ودمعاتها تسيل على خديها بهوان:
_ و حياة؟
نظرت إليها بضيق ثم قالت:
_ لا تذكري لي اسم تلك الغبية، أختك التي كنت أظنها الأبيّة صاحبة الكرامة، صعبة المراس، اتضح لي أنها بلهاء وحمقاء، لا ترى به عيبا ولا تسمح لي بالتحدث عنه بطريقة لا تروقها، إضافةً لهذا ذهبت بكل وقاحة وسلمت له نفسها الغبية، حتى لم تحترم ذلك الظرف الذي تمرين به.
أجفلت عنبر وابتلعت ريقها بضيق وفزع، ثم نهضت عن مقعدها والدموع تلمع بعينيها وقالت:
_ كفى!
وخرجت من الغرفة فورا تاركةً أمها تتطلع في أثرها بحزن وشفقة وهي تقول:
_ أسأل الله أن تتصرفي بذكاء لمرة أخيرة عنبر وتنقذين نفسك من الهلاك.
عادت عنبر إلى الحجز هائمةً، صدى ما قالته أمها يتردد بأذنيها، وفجأة انفجرت باكيةً وانبجست الدموع من عينيها بغزارة وهي تتذكر ما أخبرتها به والدتها وأخذت تردد بغير تصديق:
_ غير ممكن، قاسم!! قاسم يريد الانتقام مني بتلك الطريقة البشعة؟ يستغل تلك المِحنة التي أمر بها ويريد الثأر لنفسه مما فعلته سابقا؟
وصمتت لدقائق وعادت تردد:
_ ولمَ لا، هذه لعبته المفضلة، أن يكون المتحكم والمسيطر بجميع من حوله، فعل معي مثلما فعل بعبدالله سابقا عندما سجنه ثم أخرجه من السجن ليكمل انتقامه منه على النحو الذي يضمن له التسلية والمتعة أكثر! يا إلهي؛ في النهاية اتضح أنه أساس كل ما فعله عبدالله ، هو من زرع سماهر بطريقه واستخدمها ليحتال عليه وجعله يبيع كل ما يملك ولم يفكر حتى بابنه! وأنا كالغبية كنت أحلس هنا وأتذكر ذكرياتنا الحمقاء سويا.
وأخذت تصفع خديها بقوة وانهيار وهي تردد بهيستيرية:
_ اللعنة علي وعلى غبائي، اللعنة على غبائك عنبر!
وأخذت تلطم وجنتيها بقوة حتى سقطت فاقدةً للوعي.
كانت حياة تجلس على يمين والدها وقاسم يجلس على يساره مبتسما وهو يقول باهتمام:
_ لا تقلق عمي، المِتر وجدي هذا من أكفأ المحامين وأذكاهم، إن شاء الله سيتمكن من الحصول على حكم مخفف.
أومأ صالح متأملا وقال بلسانٍ ثقيل:
_ يا رب.
ثم نظر إلى حياة قائلا:
_ اعتني بكريم حياة.
ربتت حياة على كفه وقالت بابتسامة:
_ لا تقلق حبيبي، حنان ترعاه لحين عودتنا، سيكون بخير إن شاء الله.
أومأ بهدوء ثم نظر إلى قاسم بتركيز، و أطال النظر إليه وقال:
_ حياة بأمانتك قاسم.
اهتز قلب قاسم بضلوعه وقال بتوتر:
_ أكيد عمي، لا تقلق.
في تلك اللحظة دخلت صفية التي كانت تطالعهم بتفحص صامت، ثم وقفت أمام قاسم وقالت:
_ لا يقلق حقا؟ مسكين عمك. لا يعرف أنه وضع ابنتيه أمانة في عنق متلاعب حقير مثلك.
نظروا جميعهم إليها بصدمة وقال قاسم متحفزا:
_ عفوا؟ ماذا قلتِ؟
صرخت به بعنفٍ هادر وقالت:
_ كفاك زيفًا، لا تدّعي البراءة وأنت مُدان.
ونظرت إلى زوجها وقالت بانفعال:
_ ابن اخيك المحترم الذي توصيه ببناتك خيرا هذا هو الشر والفساد كله.
وعادت بنظرها لقاسم وقالت:
_ أخبره سيد قاسم، أخبره أنك من عرفت عبدالله بسماهر..
نهضت حياة من مكانها فورا ووقفت أمام أمها وهي ترجوها قائلةً:
_ أمي أرجوكِ، ليس الآن.
نظرت إليها أمها شزرا وقالت:
_ ابتعدي عني حياة وإلا أقسم أني سأجعلكِ تتمنين الموت فعلا.
وأزاحتها بذراعها للجانب ونظرت لزوجها مجددا وقالت:
_ ما تلك الصدمة صالح؟ ألا تصدق أنه من فعلها؟ لا صدق، لقد فعل ما هو أقذر من ذلك، ابن أخيك المبجل قام بالنصب والاحتيال على عبدالله عن طريق سماهر، جعل عبدالله يتنازل عن ممتلكاته كلها له، هل عرفت الآن الحقيقة وراء قصة بيع الشقة والمحل؟ الحقيقة المُرّة ها هي تجلس بجوارك، هذا المنافق مدّعي التقوى والشرف هو من باع الشقة والمحل وقبض ثمنهما واشترى لنفسه شقة بمبلغ خرافي ، استحل المال الحرام ويريد أن يضل ابنتك المصونة ويجعلها ترضخ لأوامره وتعيش معه بالرغم من كل الوقاحات التي ارتكبها…
ونظرت إلى قاسم بغضب شديد و كرهٍ واضح وقالت:
_ ولا زال يرتكبها.
ونظرت إلى صالح الذي بدأ يتنفس بصعوبة وقالت:
_ هذا النذل يريد استغلال عنبر لكي…
_ بابا…
فجأة هتفت بها حياة بذعر وهي تنظر إلى أبيها الذي بدأت يده بالارتجاف بقوة و تشنجت ملامحه وبدأ بالبكاء بينما لعابه يسيل بطريقة مؤسفة، ومالت حياة نحوه بفزع وهي تقول:
_ أبي ماذا جرى؟ بما تشعر أخبرني؟
خرج قاسم على الفور واستدعى الأطباء الذين هرولوا إليه فأمرهم الطبيب بالانصراف فورا قائلا للمرضة:
_ اصرفي الجميع وامنعي الزيارة مجددا، استعدوا لنقله للعناية فورا.
خرجوا جميعهم من الغرفة ووقفوا بالخارج فنظرت حياة إلى صفية قائلة:
_ ماذا فعلتِ أمي؟ بربك ماذا فعلتِ؟ حرامٌ عليكِ أقسم لكِ هذا حرام، لقد انتكس بسببك.
حدجتها شزرا وقالت:
_ بسببي أنا أم بسبب خائب الرجاء زوجك؟
نظر إليها قاسم بغضب وانفعال وكور قبضته فجأة بِغل وغضب مكبوت مما أثار رعبها فقالت حياة بانفعال:
_ قاسم ماذا ستفعل؟
استدار فجأة وضرب بقبضته ذلك الصندوق الزجاجي المعلق بالحائط والخاص بمطفأة الحريق فتناثر زجاج الصندوق أرضا.
هرولت حياة نحوه بفزع وأمسكت بيده التي تسيل منها الدماء بغزارة وقالت بانهيار:
_ يا إلهي لقد جرحت يدك، إنها تنزف بقوة.
تجمع الأمن حوله على الفور وأخرجوه من المشفى بينما توقفت حياة في المنتصف، تنظر أمامها بضياع وخلفها بتيه، لا تعرف هل تلحق بزوجها وتطمئن عليه؟ أم تنتظر برفقة أمها للاطمئنان على والدها؟!
شعرت بالتعب الشديد وقد وهنت عظامها فاقتربت من أقرب مقعد وتهاوت عليه قبل أن تفقد وعيها ، وأسندت رأسها على يديها وأخذت تبكي بضعف وحيرة.
نظرت إليها أمها وقالت:
_ تبكين لأنكِ لم تتمكني من اللحاق به، هيا اركضي واذهبي عنده ولا تعودي إلى هنا مجددا، أساسا والدك لن ينظر بوجه ولا بوجهك مرة أخرى.
بعد قليل خرج الطبيب من غرفة العناية وقد بدا الإرهاق واضحا عليه وقال:
_ الحمد لله حالته للآن مستقرة، ولكن صراحةً لا أضمن لكم إذا انفعل مرة أخرى ألا تكون العواقب وخيمة، سنمنع عنه الزيارة خلال الثمانية وأربعين ساعة المقبلة ونراقب حالته عن كثب، عن إذنكم.
تنفست حياة الصعداء أخيرا وما إن تمالكت أعصابها حتى هرولت للخارج ولكن والدتها استوقفتها حين قالت:
_ انتظري، لن أعود لبيت ذلك النذل، سنذهب للبقاء بأي فندق.
نظرت إليها حياة بضيق وقالت:
_ سأبقى مع زوجي أينما كان!
_ زوجك يخطط مع محاميه القذر كي يجلب لأختك حكمًا بالاعدام، لقد سمعته بأذنيّ هاتين وهو يتحدث بهاتفه خلسةً.
نظرت إليها حياة بذهول وقالت:
_ مستحيل، لا أصدق ذلك أبدا.
أومأت أمها ببساطة وفتحت حقيبتها وأخرجت منها مصحفا صغيرا ووضعت يدها فوقها وهي تقول:
_ أقسم بآيات الله ما أقوله قد حدث! سمعته يقول بالنص إن هؤلاء المجرمين لا ينبغي أن تكون عقوبتهم أقل من الإعدام، ثم قال له أن عنبر هي من فعلت ذلك بنفسها وألقت بنفسها للهاوية، وأنها تصمت لأنها تعاقب نفسها، ألا زلتِ لا تصدقين أمك؟ هل تشككين بكلامي بعد أن أقسمت لكِ على كتاب الله؟
شحب وجهها واهتز بدنها وأخذت تهز رأسها برفض وهي تقول:
_ لا، غير ممكن، مستحيل.. قاسم لا يفعل ذلك أبدا.
نظرت إليها أمها بخذلان وقالت بصوتٍ لا روح فيه:
_ حسنا، كما تشائين، هيا اذهبي إليه، ولكني لن أعود معكِ، سأبقى بأي مكان حتى لو اضطررت للبقاء بالشارع سيكون أهون علي من أن أبقى بتلك الشقة التي اشتراها بمال حرام، مال ليس من حقه، مال دفعت ابنتي ثمنه غاليا.
وتركتها وتحركت خطوتان ثم عادت إليها وقالت:
_ ولكن لمعلوماتك، طالما أنكِ قررتِ الوقوف بصف هذا المجرم مجددا فلا أهل لديكِ بعد اليوم.. أنا، ووالدك، وأختك.. جميعنا متنا.
وتركتها واستوقفت سيارة أجرة وتحركت بها، بينما وقفت حياة بمكانها تبكي بانهيار كطفلٍ ضائعٍ وهي تتمتم:
_ يا إلهي لا أصدق، مستحيــل!!
انتبهت لقاسم الذي ظهر من خلفها فورا وجلس بجوارها وهو يقول:
_ ماذا فعلتِ؟ كيف حال عمي؟
طالعته لدقائق طويلة فقال:
_ كيف حال عمي؟ ماذا قال الدكتور؟
مسحت دمعاتها بتخبط وقالت:
_ استقرت حالته ولكنهم منعوا الزيارة عنه..
انتبهت ليده التي لفها بتلك الضمادة وقالت:
_ هل إصابتك شديدة؟
نظر ليده قائلا:
_ لا، هيا لنذهب.
نهض و أمسك بيدها، ثم نظر نحو المشفى وقال:
_ أين هي؟
نظرت إليه نظرة غامضة، قلقة، متخوفة وقالت:
_ غادرت، لن تبقى معنا.
أومأ بصمت وجذبها من ذراعها وتقدما نحو السيارة فقال:
_ إن أردتِ يمكنكِ الاتصال بها ومعرفة عنوان الفندق الذي ستنزل به، يمكننا حجز غرفة لنا حتى نكون بجوارها منعا للقلق.
أومأت بصمت ولم تعلّق سوى بكلمتين مقتضبتين:
_ لا داعي.
أومأ بصمت وتحرك بالسيارة بصمت لم يقطعه أيا منهما..
كانت عنبر قد استعادت وعيها منذ قليل وبعد رحلة تفكير مضني طلبت مقابلة رئيس المباحث الذي أمر باستدعائها لمكتبه.
جلست عنبر أمامه تطالعه بتوتر وترقب وازداد خوفها خاصةً عندما تحدث بصوته الرخيم ذو الهيبة الطاغية قائلا:
_ ماذا هناك عنبر؟ لقد طلبتِ مقابلتي؟ هل هناك شيئا ترغبين في قوله؟
ابتلعت لعابها بتوتر وأومأت بموافقة فهز رأسه بحماس قائلا:
_ ممتاز، وأخيرا خرجتِ عن صمتك، تفضلي، ما هي الأقوال الجديدة التي تريدين إضافتها في المحضر؟
كانت عنبر تفرك يديها بخوف وترقب ثم قالت:
_ أريد أن أحكي كل ما حدث معي منذ البداية.
_ جيد.. تكلمي.
_ ولكن قبل كل شيء أريد قول الجزء الناقص من القصة، أنا لم أشترِ السم!
نظر إليها الضابط مترقبا فقالت بتردد:
_ قاسـم، قاسم هو من أعطاني السم!!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نعمة حسن
قاسم، قاسم هو من أعطاني السم!
ومن قاسم؟
ابتلعت لعابها بتوتر وقالت:
ابن عمي.. و.. كان يحبني.
وما الذي دفعه لإعطائك السم؟ ما السبب؟
بدأت تفرك يديها بتوتر بالغ وقالت وهي تتحاشى النظر إلى الضابط الذي استشف كذبها فورا فقالت:
قاسم كان يحبني، وفعل الكثير من أجل أن أحصل على الطلاق ونتزوج، ولما يئس أن يطلقني عبدالله اقترح أن نقتله.
معنى كلامك أنكِ تحبينه أيضا.
قالت بحدة:
لا، أقصد نعم.. في الأساس كنا مخطوبين ولكن حدثت بعض العوائق ولم نتزوج.
ما هي تلك العوائق؟
ابتلعت ريقها بخوف وقالت:
دخل السجن، وبعدها تزوجت من عبدالله ابن عمي.
ولمَ دخل السجن؟
حكت جبهتها بتوتر وقالت:
قضية قتل خطأ..
أي أنه قاتل سابق.
أومأت برأسها أن نعم فقال:
ومتى أعطاكِ قاسم السم؟
نظرت إليه بتوتر وقالت:
قبل مغادرتي المدينة بيوم، قام بالاتصال بي واقترح علي هذا المخطط الذي نفذته وقال أننا يجب أن نتخلص من عبدالله كي نتزوج.
وأنتِ وافقتِهِ على مخططه هذا بكل سهولة، أليس كذلك؟
في البداية كنت مترددة ولكنه طمأنني وأخبرني أننا سنتزوج بعدها.
فوافقتِ وقابلتِه في اليوم الذي غادرتِ فيه المدينة وأخذتِ منه السم، أليس كذلك؟
أومأت بموافقة وقالت:
صحيح.
ولكنكِ قلتِ أنكما تقابلتما قبل مغادرتك بيوم!
شحب وجهها وارتجفت بخوف ثم قالت بتلعثم:
أجل، لقد توترت فجأة لذلك قلت أنه في نفس اليوم..
حسنا، على كل حال اعترافك هذا في صالحك بالتأكيد.
هل لديكِ شيئا تريدين إضافته؟
أومأت أن لا، فنادى على العسكري وطلب منه أن يعيدها إلى الحجز.
كانت حياة تجلس بالشرفة شاردةً وكلام والدتها يدور برأسها كالنحلة الطنانة مسببا لها أرقًا شديدًا.
انتبهت إلى صوت خطوات قاسم الذي جلس بجوارها وأحاطها بذراعه قائلا:
ما بكِ حياتي؟
نظرت إليه مطولا وحديث أمها يتردد برأسها مسيطرا على كافة حواسها فلاحظ قاسم شرودها فقال:
أعرف أن حالة عمي هي سبب حالتك تلك..
قاسم، أمي سمعتك وأنت تتحدث إلى المحامي عن قضية عنبر وتقول له حرفيا " مِثل أولئك المجرمين لا ينبغي أن تكون عقوبتهم أقل من الإعدام كي يكونوا عبرة لغيرهم ".. هل أنت قلت هذا فعلا؟!
ظل ينظر إليها بتعجب صامِتٍ فنظرت إليه بعيونٍ لامعة بالدموع، متوسلة، وقالت:
أمي تكذب أليس كذلك؟!
هل سمعتني؟
تساءلت بنفاذ صبر وقلق:
أرجوك قاسم أخبرني أنها تكذب..
لا حياة، أمك لا تكذب، ولكني …
وفجأة بتر كلماته عندما استمع لصوت طرقات عنيفة على باب الشقة فنظرا لبعضهما البعض ونهض قاسم من مكانه فورا متجها نحو الباب وفتحهُ ليتفاجأ برجال الشرطة أمامه وأحدهم يقول:
أنت مطلوب للتحقيق.. تفضل معنا.
صرخت حياة بفزع وركضت نحوه وتشبثت بذراعه بينما هو يقف مذهولا وكأنه لم يستوعب ما قاله بعد ، إلا عندما شعر بنفسه يتحرك لا إراديا برفقتهم نحو السيارة فقال بصدمة يشوبها الخوف:
لماذا؟ ماذا فعلت أنا؟
بقسم الشرطة ستعرف.
نظر خلفه إلى حياة التي كانت تهرول وتدور حول نفسها بتشتت وضياع وقال بصوتٍ مرتجف:
حياة، أبلغي المحامي فورا، وأبلغي عزيز، لا تبقي بمفردك هنا، اعتني بنفسك جيدا.
نظرت إليه حياة بتيهٍ شديد وكأنها ترى كابوسا وتحاول أن تخرج منه بأقصى سرعة.
ركب قاسم سيارة الشرطة وتحركوا به إلى القسم، وفور وصولهم اتجهوا نحو مكتب رئيس المباحث.
دخل قاسم وأمارات الدهشة لا تزال محفورة على معالم وجهه، وقف أمام الضابط الذي كان يشمله بنظراته التفحصية ثم قال:
إذًا أنت قاسم!
نعم أنا، هل يمكنني معرفة سبب وجودي هنا؟
ابتسم الضابط وهو يتحرك في كرسيّه بتسلية وقال:
أنت متهم بمساعدة عشيقتك في قتل زوجها حيث اشتريت لها السم الذي وضعته له في الطعام.
اتسعت عينيّ قاسم بذهول وألجمت الصدمة لسانه؛ فأخذ يحملق به بصمت وما إن وجد صوته حتى قال باستنكار شديد:
ماذا؟!!
كما سمعت، المتهمة عنبر صالح الحداد ابنة عمك اتهمتك في أقوالها أنك أنت من ساعدتها في قتل زوجها المجني عليه عبدالله ناجي الحداد ، حيث اشتريت لها السم الذي وضعته في الطعام الذي تناوله عبدالله ومات على الفور، بل وقالت أنك أنت من حرضتها على قتله وبررت ذلك أنك ستتزوجها بعد وفاته.. ما ردك على اتهامها؟
هز قاسم رأسه بعدم استيعاب وقال:
مستحيل، هذا لم يحدث أبدا، أنا لم أفعل ذلك.
إذًا لماذا اتهمتك بهذا الاتهام؟ هل بينكما عداوةً ما؟
أومأ قاسم برفض وقال:
لا، المفترض أنه لا.. هي ابنك عمي و شقيقة زوجتي..
شقيقة زوجتك؟
أجل، لقد تزوجت من أختها في نفس اليوم الذي وقعت به الحادثة..
غريب، ولكنها لم تذكر تلك المعلومة، كل ما قالته أنك تحبها وكنت تسعى دوما لتطليقها من زوجها.
نبتت ابتسامة مقتضبة ساخرة على زاوية فمه وقال باستنكار:
مستحيل..
متى رأيتها آخر مرة قبل وقوع الحادث؟
شرد قاسم وهو يحاول تذكر متى كانت آخر مرة رأى بها عنبر قبل الحادث ثم قال:
آخر مرة كانت قبل حادثة موت عبدالله بيومين، تعرضت زوجتي للخطف ورأيتها يومها بجانب أختها ، بعدها بيومين عقدت قراني واكتشفنا أنها قد اختفت، قمنا بالاتصال بها وهي من أبلغتني بكل ما حدث وذهبنا إليها على الفور.
أي أنك لم ترَها قبل الحادث بيوم؟
لا.
ولم تتحدث إليها؟
لا، أساسا أنا لا أعرف رقم هاتفها، ثم ما الذي سيجعلني أهاتفها؟ أقول لك هي مجرد ابنة عمي و أخت زوجتي فقط لا غير.
أومأ الضابط متصنعا التفهم، ثم قال:
حسنا، على كل حال ستبقى بالحجز لأربعة أيام على ذمة التحقيق.
ثم نادى العسكري قائلا:
خذه إلى الحجز.
نظر إليه قاسم بصدمة وهز يده برفض وقال بحدة:
لا، لن أذهب إلى أي مكان، أنا لن أدخل الحجز مهما فعلت.
تجاهله الضابط ونظر إلى العسكري قائلا:
خذه إلى الحجز، تحرك.
سحب العسكري قاسم للخارج، فخرج من المكتب ليجد حياة بانتظاره ، تقف وحيدةً ، تبكي بانهيار ولوعة وما إن رأته حتى ركضت صوبه وتشبثت بعنقه فضمها إليه وقال:
اهدئي حياة، لا تقلقي الموضوع بسيط..
نظرت إليه بعينين باكيتين وقالت:
ماذا حدث؟ لماذا قبضوا عليك؟ أنت لم تفعل شيئا.
مجرد سوء فهم لا تقلقي، هل اتصلتِ بوجدي المحامي؟
اتصلت ولكنه خارج البلاد ، سيصل غدا.
زم شفتيه بأسف وقال بابتسامة مصطنعة:
لعله خيرا، اعتني بنفسك ، اتصلي بأمك وأبلغيها كي تأتي وتبقى برفقتك..
وتحدث وهو يسير قسرا مع العسكري وقال:
اعتني بنفسك جيدا حياة.
غاب عن أنظارها فوقفت تبكي بانهيار وضياع وهي تشعر أنها كالغريق لأول مرة، تبحث عن قشة لتتشبث بها.
عادت إلى الشقة وقامت بالاتصال بوالدتها مرارا ولكنها لم تجب، فقامت بالاتصال بعزيز وأخبرته بما حدث:
عزيز، لقد تم القبض على قاسم منذ قليل.
ماذا؟ كيف حدث؟ ولمَ؟!
لا أعرف لم يخبرني بشيء، قال أنه مجرد سوء تفاهم ولكنني أشعر بأن الأمر أكبر بكثير.
حسنا، أنا سآتي إليكم على الفور، هل زوجة عمي برفقتك؟
لا، هي بفندق وأنا في البيت!
تعجب ما قالته ولكنه لم يعقب ثم قال:
حسنا، أنا سأتصل بها حالا وأخبرها لا تقلقي، اعتني بنفسك حياة لحين مجيئي إليكم.. مع السلامة.
جلست بالشرفة على نفس مقعد قاسم وأخذت تبكي بانهيار وهي تردد:
لا، قاسم لم يفعل شيئا، أيا كان السبب الذي قبضوا عليه لأجله اليوم فلن أصدقه، قاسم لم يفعل شيئا أنا أثق به.
وفجأة انقطعت عن البكاء وهي تردد بصوت بارد، خالِ من الحياة وقالت:
ولكنه لم ينكر!
رفعت رأسها تنظر أمامها بشرودٍ واهٍ وشعرت بغصةٍ بقلبها وهي تقول:
قاسم لم ينكر، قال أن أمي لم تكذب! أي أنه قال ما قاله فعلا وأمي لم تفترِ عليه كما كنت أظن!
وطفقت تبكي من جديد فأحاطت وجهها بكفيها وأجهشت بالبكاء وهي تردد بحسرة قاتلة:
يا إلهي، هذا مستحيل، أيعقل أنه استغل الفرصة كي ينتقم منها عما فعلته سابقا؟ ولكن لا.. قاسم كان قلقا على عنبر فعلا، ثم أنه لن يستغلها بتلك الظروف! يا إلهي.. لا أعرف شيئا، أنا لا أعرف شيئا.
بعد حوالي نصف ساعة..
ارتفع رنين جرس الباب فذهبت لتفتح وفوجئت بأمها فانهارت وارتمت بأحضانها وأخذت تبكي وهي تقول:
أمي، لقد قبضوا على قاسم.
ربتت صفية على ظهرها ودخلت برفقتها وأوصدت الباب ثم ساعدتها لتجلس وجلست بجوارها، ثم ضمتها لصدرها وهي تمسح فوق رأسها قائلة:
أرأيتِ حياة كيف كانت امك محقة؟ صدقيني قاسم هذا دمه قد تشبع بالانتقام وأصبح لا يرى غيره، أصبح كل غايته الانتقام ومن صمم بلوغ الغاية استهان بالوسيلة، هذا ما فعله زوجك ومازال يفعله ، صدقيني لازالت هناك صدمات مخبأة نحن لا نعلم عنها شيئا.
كانت حياة تتشبث بحضن أمها وهي تردد بهيستيرية:
لا أصدق، قلبي يؤلمني أمي.. لقد اعترف لي أنه قال ما قاله فعلا..
ظهر الغِل والحقد بنبرتها فجأة وهي تقول بتحفز وطاقة غضب كبيرة:
أرأيتِ؟ ويعترف بكل وقاحة الوقح الجبان، أخبريني حياة هل لا زلتِ تتمسكين به وترينه ملاكك الحارس؟ بعد ان اعترف أنه يتآمر على أختك المسكينة وأنه خدعنا وخان ثقتنا وبالأخص ثقة والدك، وبعد أن تم القبض عليه والله أعلم ما هي تهمته هذه المرة، هل لا زلتِ ترينَه رجلا مثاليا يستحق أن تسمينه زوجا! لقد اعترف لكِ بكل بساطة أنه كان يتمنى أن تحصل أختك على حكم بالإعدام .. يا ويلي، ما كل هذا الحقد الأسود الذي يملؤه! هل ستبقين زوجة لرجل حاقد بقلب مظلم كهذا؟! صدقيني ستندمين.
كانت حياة تستمع لما تقوله أمها بقلبٍ مكسور، تود الصراخ بها وتود أن تقول لها اصمتي، لا تتحدثي عن زوجي بتلك الطريقة، ولكنها لم تجد صوتها لتقل ذلك، جزءا كبيرا من كلام أمها صحيحا إن لم يكن كله، هي تعرف قاسم، وتعرف كيف سلك طريق الانتقام دون أن يرف له جفن، لقد ظلم أناسا كثيرون بطريقهِ ولم يكتفِ بعد، لذا لا تستبعد أنه قرر الأخذ بثأره من عنبر جرّاء ما فعلته معه وكيف أنها تسببت بسجنه قبل عشر سنوات.
حاولت أن تقنع نفسها أنه قاسم، حبيبها، الرجل الذي تثق به ثقة عمياء، أنه ليس دنيئا بذلك القدر الذي يجعله يتمنى الموت لأختها بتلك الطريقة البشعة، ولكنها وجدت كل أصابع الاتهام تشير إليه.
مسحت صفية على رأسها وهي تقول بحنوٍ صادق:
هيا حبيبتي، انهضي وخذي حماما وبدلي ملابسك واذهبي لسريرك، يجب أن نرتاح قليلا.. ولا تقلقي أمك لن تتخلى عنك أبدا، حتى وإن كنت غاضبة منك ومن غبائك ولكني لن أتحمل رؤية دموعك الغالية حبيبتي..
ثم رفعت يديها إلى الأعلى وهي تدعو قائلة بتأثر:
يا رب اجعل بناتي في عنايتك وحفظك يا إلهي.
ونهضت وهي تساعد حياة لتقف برفقتها وقالت:
هيا حياة، تعالي ونامي بجواري حبيبتي ، لا تقلقي طالما أن أمكِ بجواركِ، لا تخافي أبدا.
كان قاسم يجلس بالحجز، يتطلع حوله بقهر، والنار تلتهم قلبه مع شعور بالظلم يتغلغل بداخله فجعله يسند جبهته على كفيه وهو يتمتم بعجز وقلة حيلة:
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
تهادى إلى عقله صوت الضابط وهو يخبره باتهام عنبر؛ فأحس بأنه يملك قلبا أشبه بجمرة النار المتقدة، تحرق جوفه وتلتهم كل ذرة سلام كان يدخرها ثم حولته لإنسان مليء بالحقد مرة أخرى، إنسان كان قد شارف على التخلص منه ولكن للقدر رأيًا آخرا.
أغمض عينيه ولسانه لا يتوقف عن ذكر الله ومناجاة ربه لكي يخرجه من تلك الظلمات وبداخله يثق أن تلك الغمة لن تطُل.
وفجأة تذكر حياة، نبض حياته، الإنسانة الوحيدة التي استطاعت أن تمسح بابتسامتها على قلبه الحزين وتشفي آلامه، الوحيدة التي تمكنت من النفاذ لداخل قلبه ومداواته بالطريقة التي كان يظنها مستحيلة، حياة كانت ولازالت طوق نجاته فعلا.
تنهد بعجز وعاد ليلازم لسانه الذِكر والتوسل إلى الله بقلبٍ منفطر وهو يقول:
يا رب أتوسل إليك لا تجعلني أتذوق مرارة الظلم مرة أخرى.
لم تنم تلك الليلة، ولم يعرف النعاس سبيلا لجفنيها، ظلت طوال الليل ساهرةً تقف بين يدي ربها تناجيه كي يكشف الحق.
شعورًا قويًا كان يؤكد لها أنه مظلوما بالرغم من اعترافه لها وعدم إنكاره، وهذا ما جعلها تغوص في بحور من الكآبة والشك.
وما إن دقت الساعة الثامنة حتى ارتدت ملابسها سريعا وخرجت متجهة إلى القسم حيث يتم احتجاز قاسم.
خرجت دون أن تخبر والدتها لأنها تعرف أنها لو أخبرتها ستمنعها بالتأكيد لذا حسمت قرارها وغادرت، ولكنها لم تعرف أن والدتها خرجت بعدها فورا واستقلت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يتتبعها حتى رأتها تدخل لقسم الشرطة فلحقت بها.
دخلت حياة إلى القسم فالتقت بعزيز الذي كان ينتظر بالخارج أمام مكتب رئيس المباحث ، فركضت إليه مسرعةً وهي تقول بلهفة:
عزيز، ماذا حدث معك؟ هل رأيته؟
إهدئي حياة، لقد رأيته، لقد تم استدعائي للإدلاء بشهادتي، وهو الآن برفقة المحامي يتم التحقيق معه مرة أخرى.
ماذا أخبرك المحامِ؟ هل عرفت سبب القبض عليه؟
نظر إليها آسِفًـا وهو يومئ بموافقة ثم قال:
أجل.
ابتلعت ريقها بوجل وتساءلت بترقب:
ما السبب؟
عنبر تتهمه أنه من أعطاها السم الذي وضعته لعبدالله في الطعام!
في تلك اللحظة ظهرت صفية التي طالعتهما بصدمة وهي تقول:
ماذا؟ هو من أعطاها السم؟! كنت أشعر بذلك، أقسم أنني كنت أشعر أن هذا الحقير هو من أوحى لها بذلك التصرف المجنون.
شهقت حياة بصدمة فوضعت كفيها على فمها تكتم شهقاتها الفَزِعة وقالت:
مستحيل.. قاسم لا يفعل ذلك أبدا.
تهاوت على المقعد الموجود خلفها بذهول وظلت تردد بصدمة منافية لكل منطق:
قاسم لا يفعل ذلك أبدا.
حينها اقتربت منها أمها وجلست على المقعد المجاور لها وهي تقول:
حقا؟ هل لازلتِ مصممةً على الدفاع عنه بعدما سمعتِه بأذنيكِ؟ أختك اعترفت أنه من أعطاها السم.
لا مستحيل..
يا رب صبرك، كيف مستحيل يا غبية؟ هل أختك ستكذب مثلا في ظروفها تلك؟ هل أنتِ بلا عقل يا ابنتي؟ ألم تقولي بنفسك أنه اعترف لكِ بما قاله، ماذا تنتظرين كي تصدقي أنه مجرم فعلا وأنكِ انخدعتِ به؟
انفرج الباب وظهر قاسم والمحامي ، نظر إلى حياة بلهفة قائلا:
حياة، هل أنتِ بخير؟
نظرت إليه ، ونهضت لتقترب منه وهي لازالت تطالعه بنفس الوجوم، ثم وقفت أمامه مباشرةً ونظرت إلى عينيه قائلةً:
هل فعلت ذلك فعلا؟! هل أنت من أعطيت عنبر السم؟
نظر إليها بعيون مستنكرة ووجهٍ شاحب، بينما هي تقف أمامه كمن ينتظر حكمًا بالموت..
ظل ينظر إليها بصمت لدقائق مرت ثقيلة كأنها ساعات فقالت بترقب وألم:
أرجوك قل لا، قل أنك لم تفعل وسأصدق ما ستقوله دون ذرة شك.. إن قلت أنك لم تفعل هذا سأصدقك وأقف إلى جوارك مهما حاولت أمي الضغط علي..
ابتسم بمرارة وحسرة ونبت الدمع بعينيه وقال بصوتٍ مهزوز:
وإن قلت أنني فعلت؟
نظرت إليه بصدمة ألجمت لسانها بينما صدح صوت والدتها من خلفها وهي تقول:
أيها الوقح الخائن، وتعترف بكل وقاحة؟! اللعنة على شيطانٍ مثلك.
نظر قاسم إلى حياة وهو يرى الضياع والتشتت على ملامحها مما جعله يتجرع مرارة الشك التي تركت في حلقه غصةً وقال:
تكلمي حياة، إن قلت أنني لم أفعل ستصدقيني دون شك، وإن قلت أنني فعلت ماذا ستفعلين أنتِ؟!
ابتلعت لعابها بجمود ونظرت إليه بعينين مجروحتين وقصف صوتها المهزوز بجملةٍ مميتة:
إن قلتَ أنك فعلت سأذهب من هنا ولن أنظر خلفي مرةً أخرى! ولكني أريد معرفة الحقيقة أولا، أرجـوك أجبني.
ابتسم ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيه وقال بصوتٍ ميت وهو يتفحص ملامحها التي ظهرت وكأنها ملامح لامرأة أخرى، امرأة قاسية لم يعرفها يوما، امرأة غير حياة التي أحبها بالتأكيد:
سأُجيبك حياة، صدقيني جوابي سيصلك أسرع مما تظنين!
نظر إليهما المحامي باستغراب ثم تشدق بما أصاب حياة بالصدمة فقال:
الحمد لله ، لقد تم الإفراج عن قاسم لعدم ثبوت التهمة الموجهة إليه.
قبل قليــــل في مكتب رئيس المباحث
كان قاسم يجلس على المقعد بخوف وترقب، ومقابله يجلس وجدي المحامي الذي يتحدث إلى الضابط بكل ثقة وهو يقول:
كما هو مثبت أمامك يا حضرة الضابط في تسجيل كاميرات المراقبة الخاصة بمعرض السيارات الخاص بقاسم أنه لم يغادر المعرض في اليوم السابق للحادث إلا في تمام الساعة الثانية صباحا، وهناك شهود على ذلك. ومنهم عزيز ابن عم كلا منهما وشقيق المجني عليه، وهذا يثبت كذب وادعاء المتهمة عنبر التي اتهمته أنه قابلها في ذلك اليوم وجها لوجه وأعطاها السم.
ومد يده له بقرص مدمج وهو يقول:
على الجانب الآخر هذا مقطع من كاميرات المراقبة الموجودة في محيط محطة القطار الذي استقلته عنبر يوم الحادث انتقالا من مدينتها لمدينة أخرى وفي ذلك التسجيل تظهر عنبر وقد نزلت من القطار ثم سارت للشارع المواجه للمحطة، ومن خلال تفريغ كاميرات موجودة بذلك الشارع ظهرت عنبر وهي تدخل صيدلية صغيرة اسمها الجلاد كما يظهر أمامك بالمقطع..
تحدث الضابط مقاطعا له باستنتاج وقال:
عند معاينة موقع الحادث وتفتيش مقتنيات الغرفة تم العثور في حقيبة يد المتهمة على كيس بلاستيكي صغير يحمل شعار الصيدلية واسمها " صيدلية الجلاد " !!
أومأ المحامِ مؤكدا بابتسامة ثقة ظهرت على جانب شفته وقال:
تماما كما قلت حضرتك.. وهذا يدل بالدليل القاطع على أنها هي من اشترت السم من هذه الصيدلية بنفسها وليس قاسم من أعطاه لها كما ادّعت.
أومأ الضابط متفهما بينما أكمل المحامي ما كان بصدد قوله وقال:
ولزيادة التأكيد هذا كشف من شركة الاتصالات التابع لها شريحة هاتف المتهمة، يظهر في هذا الكشف جميع المكالمات التي تلقتها عنبر في ذلك اليوم وكلها للمجني عليه، وكما هو موضح أمام حضرتك لا وجود لرقم قاسم أبدا ولا لأي رقم غير معروف، فكيف قام بالاتصال بها والاتفاق معها على هذه الخطة الشيطانية كما ادعت هي؟!
نظر إليه الضابط مؤيدا ونظر إلى قاسم الذي ظهر الارتياح جليًا على وجهه فتابع المحامي وقال:
لذا أطالب بالإفراج عن موكلي من سرايا النيابة، بل وأطالب بمعاقبة المتهمة عنبر بتهمة الاتهام الباطل حتى تكون عِبرة لكل من تسوّل له نفسه الافتراء على الغير واتهامهم بالباطل.
نظرت حياة إلى المحامي بصدمة، وكأنها توقعت أن يقول عكس ذلك، ثم نظرت إلى قاسم الذي كان يطالعها بنظرات خائبة مقهورة وقبل أن تفتح فمها وتنطق كان قد اختفى من أمامها.
تحدث المحامي قائلا موجها كلامه لصفية:
بالمناسبة ، المتهمة عنبر طالبت بتغيير المحامي ، لذا أعلنت انسحابي كمحامِ لها، من الآن فصاعدا هذه ليست قضيتي.
ولَحِق بقاسم حتى ينهيان بعض الإجراءات وبعدها يخرجان.
بينما وقفت حياة في مكانها تنظر حولها يمينا ويسارا بضياع ثم أمسكت برأسها في تعب وإعياء شديد وهي تقول:
مستحيل، كل ما يحدث معي هذا مستحيلا، ماذا حدث للتو؟ هل خرج قاسم؟ أي أنه برئ وأنا ظلمته عندما شككتُ به ؟ ولكن كيف يكون مظلوما وقد اعترف بما قاله؟ وإن كان بريئا فعلا فلما اتهمته عنبر بذلك الاتهام الشنيع؟ أنا لا أفهم شيئا!!
ثم نظرت إلى أمها التي كانت تجلس شاردةً وكأنها مغيبة عن الواقع وقالت:
لماذا تصمتين؟ تكلمي أمي لماذا تصمتين الآن بالتحديد؟! قولي شيئا أرجوكِ.
تحدثت أمها بتيه شديد يبتلعها ويدخلها في دوامة لا نجاة منها فقالت:
لا أعرف ماذا أقول.
صرخت بها حياة قائلة بانفعال:
ماذا يعني لا تعرفين ماذا تقولين؟ أين ذهب كلامك وتحذيرك وشكوكك ضد قاسم؟ أين ذهبت أوهامك التي نجحتِ في زرعها برأسي الغبي هذا؟ هيا تكلمي، قولي شيئا أرجوكِ لا تتركيني هكذا!
حينها تحدث عزيز الذي كان يقف متفرجا وقال بأسف:
هيا حياة، لا بد أن نتحرك.
نظرت إليه بحزن فقال:
هيا حياة، سنتحدث لاحقا ولكن علينا أن نغادر حالا، هيا.
خرجوا جميعهم وحياة تسير الهوينا كمن تسير بدرب الضياع، تنظر حولها وهي تبحث عن قاسم فقال عزيز بعد أن فهم نظراتها:
قاسم لم يخرج بعد، هناك بعض الإجراءات التي يتوجب عليهم القيام بها أولا.. هيا سأستوقف لكما سيارة أجرة تقلكما للشقة وأنا سأنتظر برفقة قاسم.
نظرت إليه حياة وهي تبكي ثم قالت بعد تردد:
سأنتظر برفقتك.
حك ذقنه بحرج وقال:
لا أظن أن هذا سيكون لائقا الآن، لا تضغطي عليه أكثر.
آثرت حياة الصمت واستقلت السيارة التي استوقفها عزيز برفقة والدتها وعادتا إلى الشقة، بينما ظل عزيز برفقة قاسم إلى أن ينتهي من الإجراءات ويخرج.
عادت حياة إلى الشقة، دخلت وهي تجر أذيال الخيبة والندم، توجهت صوب غرفتها وأوصدت الباب بعد أن رفضت الحديث مع والدتها؛ فلديها ما يكفيها أساسا وآخر ما قد تحتاجه الآن هو نقاشًا عقيمًا بينهما سيصل في النهاية للاشيء.
دخلت الغرفة وتهاوت على فراشها وظلت تبكي بندم وهي تحدث نفسها وتقول:
ماذا فعلتِ يا حياة؟ كيف قلتُ ما قلته؟ قاسم لن يسامحني أبدا..
ارتفع صوت طرقات والدتها على باب الغرفة وهي تقول:
حياة افتحي يجب أن نتحدث.
وضعت كفيها فوق أذنيها تحجب عنهما صوت والدتها وهي تتحدث بخفوت وتقول:
ابتعدي، أرجوكِ ابتعدي، كفى..
افتحي حياة يجب أن نتحدث، خروجه من هذه التهمة كخروج الشعرة من العجين لا يعني براءته أبدا، وإنما يثبت كفاءة المحامي اللعين الذي تولى الدفاع عنه، أنا لا زلت عند رأيي، أختك لن تكذب أبدا.
كانت حياة تصم أذنيها بقوة وهي تبكي ولكن بالرغم من ذلك كان صوت والدتها وهراءها المقيت يصل إليها قسرا مما جعلها تفقد أعصابها وتصرخ بجنون وهي تقول:
كفى، اصمتي .. لا تتحدثي مرة أخرى كفى، أرجوكِ اصمتي!
وأخذت تقذف كل ما تطاله يديها نحو الباب بهيسترية وهي تصرخ:
كفى أمي، أرجوكِ دعيني وشأني .. أرجوكِ.
انقطع صوت والدتها فعلمت أنها ابتعدت، فهدأت نسبيا وأسندت رأسها فوق وسادتها وظلت تبكي بصمت، دقائق طويلة مرت عليها كالدهر حتى استمعت لرنين جرس الباب فهرولت لتفتح وفوجئت عندما رأت قاسم وعزيز برفقته.
وقفت أمامهما وعينيها مثبتتين نحو قاسم الذي كان يطالعها بقهرٍ لو علمته لتمنت الموت، تيبست عظامها فلم تقوَ على الحركة بالرغم من أن كل جوارحها كانت تصرخ نداءً له.
دخل قاسم متوجها لغرفته على الفور دون أن ينبس بكلمة، دخل إلى الحمام وأخذ حماما سريعا وبدل ملابسه، ثم خرج والتقط أغراضه من جزدان وهاتف ومفاتيح السيارة، ثم خرج من الغرفة ليجد الجميع بانتظاره..
عزيز، صفية وحياة الثلاثة يقفون مترقبين فنظر إلى صفية نظرة مطولة أربكتها وجعلت الدم يفر من عروقها ثم قال بصوتٍ هادئ يناقض الإعصار الذي يحاول إخماده بداخله وقال:
لمعلوماتك زوجة عمي العزيزة، عندما سمعتيني وأنا أتحدث عن حكم الإعدام وما شابه كنت أقصد خالد.. هل تذكرينه؟ هذا الطبيب المختل الذي قام بخطف ابنتك وكان على وشك اغتصابها لتواجه نفس مصير ابنتك المحترمة عنبر التي اتهمتني زورا للتو.
ابتلعت صفية ريقها بوجل وهي تستمع إليه بينما استطرد هو قائلا:
ولكنكِ معذورة، امرأة بطبعها تكرهني وتحقد عليّ منذ الصِغر، تكرهني لمجرد أنني ابن غالية التي كانت تكرهها وتحقد عليها أيضا، أليس ما أقوله صحيحا يا زوجة عمي؟ ألم تكوني تكرهين أمي لمجرد أنها كانت محبوبة من الجميع على عكسك أنتِ؟ ألم تحرضي الجميع ضد أمي يوما ما وتتهمينها أنها على علاقة بعمي ناجي؟ أعرف أنكِ مصدومة.. لم تتوقعِ أن أكون محتفظا بهذا الهراء بذاكرتي أليس كذلك؟ ولكن للأسف أنا لا أنسى أي إساءة أبدا توجهت إلى أهلي أو إليّ.
ثم نظر إلى حياة وكأنه يخبرها بأن الشق الأخير من كلامه موجهًا إليها بالتحديد وعاد بنظره لأمها وقال:
لذلك لم أتعجب عندما اتهمتِني كل تلك الاتهامات السابقة، لأني أعرف مقدار كرهك لي، حتى ولو كنتِ سمعتِ الحوار كاملا كنتِ ستفضلين فهمه بطريقة خاطئة حتى لو كان واضحا وضوح الشمس، لماذا؟ لأنكِ تكرهيني.
ونظر إلى حياة التي تقف وأمارات الذهول ترتسم على محياها بوضوح وقال بنبرة مهزوزة:
وظلم من يحمل لنا ضغينةً لا يعنينا لأنه يكون متوقعا ومفهوما، أما ظلم من نحبهم ونظن أنهم يحبوننا لا يكون هينا أبدا.. ظلمهم يكون مُرًا بالقدر الذي يكفي لأن يجعلنا نتمنى الموت قبل أن نرى نظرة اتهام أو أن نسمع نبرة شك منهم، مُر جدا.
أوصدت حياة عينيها وهي تبكي بندم وأسف ووضعت يدها موضع قلبها بتعب ما انفك أن ازداد وهي ترى قاسم ينوي الرحيل متجها نحو الباب فاستوقفه عزيز قائلا:
أين ستذهب قاسم؟
سأغادر، لم يبقَ ما يستحق بقائي هنا..
لم يجد ما يقوله فهو يعرف أنه الآن كالبركان على وشك الثوران خاصةً بعد ما قالته حياة فحاول استجدائه قائلا:
و عمك؟ هل ستتركه بتلك الحالة وتغادر؟
نظر إليه قاسم ببرود قائلا:
ولكنه عمك أيضا ويتوجب عليك الاعتناء به قليلا، ثم أنني سبق واعتنيت بالجميع وفي النهاية جعلوني مجرما.
ونظر إليهم قائلا:
بالمناسبة، لقد تنازلت عنبر عن المحامي .. حقيقةً لقد فعلت خيرا، بعد ما فعلته لم يعد لدي استعدادا لدفع مبالغا مهولة للدفاع عنها، وبالنسبة لقضية الطبيب المبجل سيتم الحكم فيها آخر الأسبوع وأتمنى أن ينال العقاب الذي يستحقه.. ولا زلت عند رأيي.. مِثل أولئك المجرمين لا ينبغي أن تكون عقوبتهم أقل من الإعدام
اهتز بدن حياة التي هرولت نحوه وتشبثت بذراعيه وهي تنظر إليه باستعطاف وتقول:
قاسم، أنا آسفة، صدقني كنت مشتتة وكلام أمي هو…
قاطعها قائلا بحدة:
أذكر أنني حذرتك وقلت لكِ أنها أعلنت الحرب عليّ وستحاول جاهدةً للتفريق بيننا، كما أذكر أنكِ أجبتني وقتها بثقة أنها لن تستطيع فعل ذلك، ولكنه كان كلاما لا أكثر.
قالت وهي تبكي بحسرة:
ولكنك اعترفت أنك قلت هذا فعلا.. هذا ما شتتني أكثر صدقني.
اعترفت لأنني قلته فعلا، ولكنكِ لم تكلفي نفسك عناء الانتظار والتريث حتى أشرح لكِ الحقيقة كاملة وفورا أصدرتِ الأحكام أنتِ ووالدتكِ .. التي وبالمناسبة لن تهنئ ولن يرتاح لها بالا حتى تراكِ محطمة مقهورة كأختك تماما.
كانت تهز رأسها برفض ويأس وهي تذرف الدموع بخوف وتقول:
أرجوك سامحني، أنا آسفة.
ابتسم ابتسامة حزينة منكسرة وقال:
أسامحك حياة، ولكني أتذكر أنكِ كنتِ تريدين جوابا وأنا أخبرتكِ أنني سأجيبك بشكل أسرع مما تظنين.. وأنا الآن جاهز للإجابة.. أنتِ طالق حياة!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نعمة حسن
أنت طالق يا حياة!
قالها وفتح الباب وخرج دون أن ينظر إليها حتى أو أن يهتم برد فعلها. خرج موليًا ولم يكترث بتلك المسكينة التي تركها وراءه تنظر باتجاه الباب بصدمة وذهول وهي تحاول أن تتكلم، أو تصرخ ولكنها لم تجد صوتها لتفعل. وفجأة شعرت بأن الأرض تميد بها، وسقطت فاقدةً الوعي.
على الفور أسرع عزيز بحملها وقام بوضعها على الأريكة المجاورة. ثم ذهب للمطبخ لإحضار كوب ماء محلى بالسكر كما أمرته صفية. التي جلست بجوار ابنتها وهي تتحدث بشفقة وعينين دامعتين وتقول:
"يا إلهي ارفع عنا غضبك، ماذا حدث لكِ يا ابنتي، بسم الله عليكِ حبيبتي."
حاولت إفاقتها وأخذت تمسح على جسدها وهي تقرأ بعض الآيات القرآنية. حتى أفاقت حياة من إغمائها وأخذت تتطلع حولها بتيه وتقول:
"أمي، أين ذهب قاسم؟ هل طلقني فعلًا؟"
وأجهشت بالبكاء بمرارة وهي تتحدث إلى عزيز قائلة:
"هل قاسم طلقني فعلًا يا عزيز؟ أم أني كنت أتوهم؟"
أطرق عزيز برأسه أرضًا ولم ينطق. وما أنقذه من هذا المأزق هو اتصال حنان، فانصرف نحو الشرفة على الفور.
"أمي أخبريني، لقد طلقني قاسم، ماذا سأفعل أنا؟ كيف يمكنني الابتعاد عنه؟"
ناولتها أمها كأس الماء وساعدتها لتشربه وهي تقول بحزن:
"ما هذا الذي تفعلينه بنفسك يا حياة! اهدئي حبيبتي ولا تفكري بشيء."
نظرت إليها بعيون مستنكرة وقالت:
"كيف لا أفكر بشيء؟ أقول لكِ قاسم طلقني، كيف استطاع فعلها بتلك السهولة؟"
وأوصدت عينيها وهي تبكي وتنتحب بقسوة شديدة. فقالت أمها:
"ماذا كنتِ تنتظرين منه يا حياة؟ هل أنتِ موهومة؟ هل صدقتِ أنه يحبك فعلًا؟ هذا الوغد من نفس فئة عبدالله، أجحمه الله، لا يحب سوى نفسه فقط."
ثم لان صوتها وخفت نسبيًا وقالت بحدة أخف:
"اسمعيني يا حياة، قاسم هذا لم يتزوجك إلا ليستخدمك كوسيلة للسعي إلى انتقامه، أنتِ كنتِ مجرد أداة، وعندما فشل في استخدامك ألقاكِ في سلة مهملاته. وهذا العرض المسرحي الذي فعله أمامنا الآن والتأثر الذي بدا على وجهه ودموعه التي استدعاها ببراعة، كل هذا ما هو إلا حبكة متقنة تدرب عليها كثيرًا كي يستطيع الفرار دون أن يرف له جفن. وهذا ما حدث بالفعل، طلقكِ وغادر بكل أريحية وكأن شيئًا لم يكن. مثل هذا الشخص لا ينبغي أن تحزني عليه ساعة واحدة من عمرك!"
نهضت حياة وتركتها ترغي وتزبد بمفردها، ثم دخلت غرفتها وأوصدت الباب خلفها وضمت وسادة قاسم لأحضانها وأخذت تبكي بقهر!
***
مر قاسم بالمشفى ليطمئن على حالة عمه، ولكنهم منعوه من الدخول واكتفوا بإخباره أن حالته مستقرة ويمكنه المغادرة بعد يومين على الأكثر. فقام بدفع حساب المشفى وترك لهم مبلغًا تحت الحساب وغادر. استقل سيارته وعاد نحو مدينته والقهر يبدد إحساسه ويمحو كل معالم الحياة بداخله.
بعد مرور ثلاث ساعات..
صف قاسم سيارته أمام البناية، ثم ترجل ليلتقي بسارة التي كانت تخرج من البناية. وفور أن رأته هرولت نحوه واحتضنته بغتةً وهي تقول:
"أين كنت يا رجل، لقد اشتقتك كثيرًا!"
ربت على كتفها بود صادق وابتعد عنها وهو يقول:
"مرحبًا سارة، كيف حالك؟"
نظرت إليه مبتسمة وقالت:
"بخير، أين كنت كل هذه المدة؟ حاولت الاتصال بك كثيرًا ولكنك لم تجب!"
هز رأسه مع ابتسامة قصيرة وقال:
"أعتذر، لم أكن متفرغًا أبدًا."
"لا عليك، أين حياة؟ هل هي بخير؟"
رق قلبه واهتز بدنه عند سماع اسمها. ولكنه لم يتخل عن ابتسامته وقال:
"هي بخير، عن إذنك سأصعد للاطمئنان على أختي، أراكِ لاحقًا."
فر هارباً من أمامها وصعد لشقته. فتح الباب ليتفاجأ بشقته وكأنها تحولت لمدينة ملاهٍ صغيرة! دخل وهو يتطلع حوله باستغراب إلى كم الفوضى الذي حل بالشقة. فكان يسير متمهلًا وهو ينظر حوله ببطء متمهلًا وكأنه يخشى أن يتفاجأ بأناس غريبين يتجولون بداخل الشقة. ولكنه لم يجد سوى الصمت!
اقترب من غرفة صبر التي خصصها له ولكنها كانت فارغة. فاقترب من الغرفة المجاورة لها ليجد الباب مواربًا. فطل برأسه فإذا به يرى حنان وهي ترقد أرضًا على ظهرها، باسطة ذراعيها بجوارها. وعلى ذراعها الأيمن يرقد صبر وعلى الذراع الآخر كريم، والثلاثة يتخذون نفس الوضعية حيث يضعون قدمًا فوق الأخرى.
كان قاسم على وشك الحديث وإخبارهم بوجوده ولكنه انتبه بأنهما ينسجمان معها وهي تحكي لهم حكاية شيقة على ما يبدو. لذا استحوذت على اهتمامهم. فوقف ليستمع إليها وهي تقول:
"كان الصياد سعيدًا بحياته، راضيًا دائمًا على عكس زوجته التي مهما فعل لأجلها لم يكن يستطيع جعلها راضية أبدًا. وفي يوم ذهب الصياد للبحر كالمعتاد، ألقى بصنارته للماء وانتظر. وبعد ساعات أمسكت الصنارة بشيءٍ ما، ظل يسحب ويسحب واندهش عندما رأى سمكة ذهبية عملاقة تلمع بشدة في طرف صنارته. وما إن سحبها خارج الماء حتى تحدثت السمكة وأخبرته أنها أمير مسحور يحقق لكل شخص أربع أمنيات فقط!! ولكن عليه أن يحرره أولًا ويلقيه بداخل الماء مرة أخرى لأن السحر لن ينتهي مفعوله إلا إذا حل عقدات السحر الأربعة. وكلما قام بتحقيق أمنية من الأربعة نقصت عقدة من عقدات السحر؛ لذا ألقى الصياد بالسمكة المسحورة في الماء وغادر إلى زوجته مذهولًا يحكي لها ما حدث معه. وما كان منها إلا أن انفعلت وعنّفته بشدة وطلبت منه أن يرجع للأمير المسحور ويطلب منه أن يحول ذلك الكوخ إلى بيت جميل. عاد الصياد وأخرج السمكة وطلب منها أن تحول كوخه إلى بيت جميل فحدث. فرحت زوجته جدًا ولم تنم ليلتها من شدة الفرح. وفي اليوم التالي أخبرت زوجها أن هذا البيت ضيق جدًا وطلبت منه أن يذهب للأمير المسحور ويطلب منه أن يحول البيت الصغير إلى قصر كبير وأن يجعلها ملكة تتربع على عرش ذلك القصر. فعاد الصياد مثقلًا إلى البحر وأخرج السمكة وطلب منها ذلك. وعندما عاد وجد زوجته قد تحولت لملكة تجلس على عرش القصر وكانت سعيدة للغاية. ولكن هذه السعادة لم تدم طويلًا، فلقد طلبت منه في اليوم التالي أن يذهب إلى الأمير المسحور ويطلب منه أن يحولها من ملكة لإمبراطورة."
قاطعها صبر قائلًا:
"وطبعًا هذا الصياد عديم الشخصية عاد إلى الأمير المسحور وطلب منه أن يحول زوجته من ملكة لإمبراطورة."
ضحكت حنان وأكملت:
"صحيح، وعندما عاد الصياد لبيته فوجئ بقصر ضخم يقف على بابه الحراس. دخل فوجد زوجته تجلس على عرش إمبراطوري وابتسامتها تصل عنان السماء من فرط السعادة."
تحدث كريم بضيق:
"أكيد هذه السعادة لم تدم طويلًا أيضًا."
رد عليه صبر بغيظ:
"أقسم لو كانت زوجتي لألقيت بها للسمكة المسحورة حتى تتغذى عليها وأكون قد اصطدت عصفورين بحجر واحد، تخلصت منها وأسديت خدمة للسمكة."
ابتسم قاسم الذي كان يقف يراقبهم ويستمتع كذلك بالقصة. فضحكت حنان بشدة وتابعت:
"وبعد أسبوع، أحست زوجة الصياد بأنها غير سعيدة، لذا طلبت من زوجها أن يعود للأمير المسحور ويطلب منه أن يجعلها تملك الشمس والقمر وتتحكم بهما فوق الغيوم. في البداية رفض ولكن في النهاية رضخ لأمرها."
علق صبر:
"حقًا عديم الشخصية."
تابعت حنان وقالت:
"عاد الصياد للبحر وطلب من السمكة أن تلبي أمنية زوجته. وعندما عاد تفاجأ بأن القصر غير موجود تمامًا. عاد إلى الأمير المسحور وسأله عن زوجته فأخبره أنها طلبت أن تملك الشمس والقمر وتتحكم بهما فوق الغيوم، لذلك تحولت إلى سحابة. ثم اختفت السمكة فجأة. أخذ الصياد ينادي على السمكة ويطلب منها الخروج ولكنها لم تظهر. جلس على شاطئ البحر يبكي وفجأة تذكر عهده مع السمكة المسحورة، أن تلبي له أربع أمنيات وفي المقابل عن كل أمنية ستنحل عقدة من عقدات السحر. فأدرك أنه قد استنفذ جميع أمنياته وأن السحر قد بطل ولا سبيل لاستعادة زوجته مرة أخرى وأيقن أن الطمع قلّ ما جمع."
حينها صفق قاسم بقوة متمهلًا وهو يقترب منهم ليتفاجأوا جميعهم بوجوده. فنهضت حنان على الفور واحتضنته بقوة وهي تقول:
"حمدًا لله على سلامتك، متى أتيت؟"
"وصلت للتو."
احتضن صبر وكريم كذلك وجلس برفقتهما. فقالت حنان بلهفة:
"ماذا حدث معك؟ كيف خرجت؟ كنت أثق أنك بريء ومع ذلك كنت متخوفة بشدة."
ابتسم مربتًا على كتفها وهو يقول:
"لا تقلقي، أنا بخير للغاية."
"وأين حياة؟"
سألته بهدوء فتلاشت ابتسامته تدريجيًا ولم يجب. فقالت:
"كيف حال عمي؟ هل أصبح بخير؟"
"يتعافى!"
"وهل تركت حياة بمفردها هناك؟"
تجهم وجهه وقال بضيق:
"حياة ليست بمفردها، حياة لديها أمًا تقف بظهرها كالجبل."
استشفت تهكمه ولكنها شعرت بأن هناك خطبًا ما. لذا آثرت الصمت. نظر قاسم إلى صبر مبتسمًا وقال:
"كيف حالك يا فرقع لوز؟"
ابتسم صبر وقال:
"بأحسن حال كما ترى، الخالة حنان لا تدخر جهدًا كي ترعاني."
نظر قاسم إلى أخته بامتنان وقال:
"أنت محق، الخالة حنان خالة ودودة وحنونة للغاية، أليس كذلك؟"
أومأ صبر مؤكدًا وأضاف:
"وتحكي الحكايات بشكل رائع."
انضم كريم إليه قائلًا بحماس:
"أجل، بالأمس كانت تحكي لنا حكاية بائعة الحساء الفقيرة."
ابتسم قاسم وقال:
"أخبراني يا شباب، لو أنكما قابلتما يومًا ما هذه السمكة المسحورة ماذا ستتمنيان منها. بإمكانكما أن تعتبراني سمكة مسحورة ولكني سألبي لكل منكما طلبًا واحدًا."
هتف صبر بحماس على الفور وقال:
"هل يمكنك الاتصال بأبي وأن تطلب منه العودة؟ لقد اشتقتُه كثيرًا."
تيبست ملامح قاسم واختفت ابتسامته مما أثار تعجب حنان التي تفاقم شعورها بالشك نحو قاسم.
نظر قاسم إلى كريم محاولًا رسم ابتسامة على وجهه، هاربا من أمنية صبر وقال:
"وأنت يا كريم؟ ما هي أمنيتك؟"
شرد كريم قليلًا ثم قال بصوت بائس:
"أمنيتي مستحيلة، أتمنى لو أن يعود أبي للحياة مجددًا ونجتمع ثلاثتنا، أنا وأبي وأمي."
انقبض قلبه ونظر إلى حنان التي أطرقت برأسها أرضًا وسالت دمعاتها. ثم نهض وهو ينوي الهرب إلى غرفته. ولكن صبر استوقفه وهو يقول:
"يا أيها الرجل السمكة، ألا تنوي تحقيق أمنيتي؟"
نظر إليه قاسم بهدوء يخفي خلفه بركانًا ثائرًا وقال:
"لا تقلق يا صبر، سيحدث."
ودخل غرفته مسرعًا وأوصد الباب تاركًا خلفه حنان التي تنظر نحوه بشك وريبة.
***
دخل قاسم الغرفة وأخذ يتطلع بأرجائها وهو يتذكر اللحظات القليلة التي قضتها حياة بهذه الغرفة. فتح الخزانة ليجد حقيبتها الوردية فابتسم وفتحها لتتسع ابتسامته الممتزجة بالحنين وهو يطالع محتويات الحقيبة من ألبسة للنوم. فأغلق الحقيبة مرة أخرى وتنهد بحسرة وهو يقول:
"للأسف يا حياتي الغبية، هذا قدرنا."
جلس بشرفة الغرفة وأمسك بهاتفه وقام بالاتصال بالمحامي وجدي الذي أجابه على الفور قائلًا:
"مساء الخير يا قاسم، هل حدث معك شيئًا آخر؟"
"لا تقلق أستاذي، في الحقيقة كنت أود استشارتك في أمر هام. لدي صديقًا حُكِم عليه بثلاث سنوات بتهمة حيازة مخدرات. في الحقيقة المخدرات ليست له ولكنه اعترف أنها له تحت ضغط. الأمر معقد قليلًا ولكني أردت معرفة ما إذا كان بإمكاننا مساعدته وتبرئته مثلًا، أو على الأقل تخفيف الحكم عنه أم لا!!"
تنهد وجدي بعد تفكير عميق ثم قال:
"إذا أثبتنا أنه تم الضغط عليه أو ابتزازه أو مساومته فيمكننا تبرئته طبعًا. هل لديك فكرة عن صاحب المخدرات الحقيقي؟"
"أجل، عبدالله. وبالمناسبة تم القبض على عبدالله متلبسًا بالمخدرات وبعدها تم تبرئته لأن الآخر ظهر واعترف أنها له وأنه من دسها بالمحل."
همهم وجدي بتركيز ثم قال:
"حسنًا، أترك لي الأمر ولا تقلق. طالما أن عبدالله هو المتهم الحقيقي يمكننا فعل شيء لا تقلق لأن صحيفة سوابقه مليئة بالفعل. على كل حال سأفكر بالأمر سريعًا وليفعل الله خيرًا."
"إن شاء الله، مع السلامة."
أنهى قاسم الاتصال وانتبه لرسالة صوتية وصلته من حياة. فكان بصدد فتحها ولكنه تراجع وربط حجرًا على قلبه وألقى الهاتف. ثم نهض ليدخل الحمام ويتوضأ استعدادًا للصلاة.
***
كانت حياة تجلس بفراشها وهي تبكي وهاتفها بيدها تحاول الاتصال بقاسم مرارًا ولكنه يتجاهل اتصالاتها دومًا. مما جعلها تشعر بنصل سكين حاد وكأنه انغرس بقلبها. فأخذت تبكي وهي تضرب جبهتها بقبضتها وتلعن غباءها وتقول:
"اللعنة عليكِ وعلى غبائك يا حياة، قاسم لن يسامحني أبدًا مهما فعلت. حتى إن ارتميت أسفل قدميه لن يغفر لي هذا الخطأ أبدًا. لقد خذلته، قاسم حبيبي يشعر بالخذلان بالتأكيد، تبا لكِ ولرأسك الغبي يا حياة."
***
كانت سارة تقف أمام البناية لا تزال بانتظار حسين السائق الذي أخبرها أنه سيقوم بتوصيل والدتها للنادي ويعود إليها. ولأنها رأت كم التعب والإرهاق الواضحين على وجه قاسم لم تتجرأ وتطلب منه أن يوصلها إلى المكان الذي ستجتمع فيه هي وصديقاتها للاحتفال بانتهاء الامتحانات.
وبينما تقف شاردةً توقفت سيارة قصي أمامها ونزل منها بوسامته المعهودة. فاقترب منها مبتسمًا وهو يقول:
"مساء الخير جارتي العزيزة."
ابتسمت على استحياء وقالت:
"مساء الخير يا قصي، كيف حالك؟"
"أنا بخير، إلى أين تذهبين؟"
"سألتقي برفيقاتي."
"حسنًا، يمكنني توصيلك للمكان الذي ستجتمعن فيه."
"لا لا شكرًا لك، أنا أنتظر السائق."
ابتسم وهو يهندم خصلاته البنية قائلًا:
"هيا يا سارة سأوصلك، الأمر منتهي."
استدار وفتح لها باب السيارة فركبت بحرج. بينما ركب هو خلف المقود وانطلق متحركًا وهو يرمقها بابتسامة من فينة لأخرى. ثم قال:
"لمَ لا تملكين سيارة خاصة حتى تتحركي بأريحية وقتما شئتِ؟"
ابتسمت وقالت:
"في الحقيقة عرضت الموضوع على والدتي ولكنها ترى أنني لا زلت صغيرة حتى أملك سيارة خاصة، وصراحةً أنا أرى أنها محقة، ليس بعد."
ابتسم وهو يهز رأسه مؤكدًا. ثم نظر إليها نظرة خاطفة وهو يقول:
"على ما يبدو أن علاقتك بوالدتك أفضل من علاقتك بوالدك. بالمناسبة، أين هو؟ هل يعمل بالخارج؟ سألتك لأني لم أره منذ سكنّا بالبناية."
توترت وشحب وجهها. ثم همت بالرد ولكنها تلعثمت وتقطعت أحرف كلماتها. ثم هزت رأسها بتوتر وهي تقول:
"أ.. أجل.. نعم هو مسافر."
"أين؟"
"آآآ.. بكندا.. لديه عمله الخاص هناك."
أومأ متفهمًا ثم تساءل بهدوء وبساطة:
"هل هو رجل أعمال؟"
أومأت بموافقة وقالت:
"أجل."
ابتسم ابتسامة مشرقة وقال:
"أتمنى أن أتعرف عليه قريبًا."
ابتسمت ابتسامة مهزوزة وقالت:
"إن شاء الله."
ارتفع رنين هاتفها فأجابت بانفعال:
"نعم يا حسين؟ لا تتعب نفسك لقد حصلت على المساعدة، حسنًا مع السلامة."
وأنهت الاتصال. فحانت منها التفاتة نحو قصي الذي لم يتخل عن ابتسامته. فقال:
"هل أنتِ بخير؟ أشعر وكأن هناك ثمة خطب ما قد أصابك."
ابتسمت بتكلف وقالت:
"لا أبدًا، أنا بخير، شكرًا لاهتمامك. على كل حال لقد وصلنا، أشكرك كثيرًا."
ابتسم ابتسامة واسعة وقال:
"لا داعي للشكر، سررت برؤيتك يا سارة."
ومد يده ليصافحها فصافحته وابتسمت. ثم غادرت السيارة على الفور.
بينما ظل هو ينظر في أثرها ويتمتم بابتسامة:
"سارة؛ الفتاة اللذيذة الغامضة!"
***
في اليوم التالي..
كانت حياة تجلس بالمستشفى برفقة والدتها في انتظار السماح لهما بزيارة والدها. بينما يقف عزيز بجوارهما. وفجأة رن هاتفه فنظر إليهما قائلًا:
"حنان تتصل بي."
وابتعد عنهما مسافة آمنة بحيث تسمح له بالتحدث بحرية وأجاب قائلًا:
"نعم يا قاسم."
"هل أنتم بالمشفى الآن؟"
"أجل، ننتظر ميعاد الزيارة."
"إذا تحسنت حالة عمي أطلب منهم أن يسمحوا له بالخروج، أرى أنه من الأفضل أن يعود لبيته ويستكمل علاجه بالمنزل."
"سأرى ما يمكنني فعله لا تقلق، هل حنان برفقتك؟"
"أجل، لا تقلق زوجتك بأمانتي."
تنهد عزيز وهو يهز رأسه براحة ثم قال:
"وأنت أيضًا لا تقلق، زوجتك بأمانتي."
صمت قاسم للحظات ثم قال باستسلام:
"هل هي بخير؟"
نظر عزيز إلى حياة التي تجلس بجوار أمها شاردة، هائمة على وجهها وقال بأسف:
"لا أخفيك سرًا، حالتها يرثى لها."
"هل أمها بجوارها؟"
"أجل."
زفر قاسم مطولًا بضيق وقال:
"طالما أمها بجوارها ستكون بحالة يرثى لها بالتأكيد. اعتنِ بها يا عزيز من فضلك."
وأنهى الاتصال بضيق. فعاد عزيز إليهما فسألته حياة بأمل:
"هل هذه حنان؟ أم قاسم؟"
طالعتها أمها بطرف عينها والتزمت الصمت. بينما أجاب عزيز:
"حنان كانت تطمئن على عمي."
تشدقت صفية بنزق وتهكم:
"بها الخير."
تجاهلها عزيز ونظر إلى حياة وقال بصدق:
"وكانت تطمئن عليكِ أيضًا."
نظرت إليه صفية بغضب مكتوم وقالت:
"هي بخير، ابنتي ستكون بخير لو أن هذا المعتوه وأخته يبتعدون عن طريقها."
تنهد عزيز بضيق ولم يعقب. وانتبه للممرضة التي أشارت لهم كدلالة لقدوم موعد الزيارة. فركضوا جميعهم نحو الغرفة.
كان صالح يجلس بفراشه وقد بدا الاستقرار جليًا على حالته. فابتسم لحياة التي اقتربت منه وقبلت يده ووجنته وقالت:
"اشتقتك أبي."
مد يده اليمنى وربت على كفها ومسح بها على وجنتها وقال بثقل:
"كيف حالكِ حبيبتي؟"
سالت دمعاتها رغما عنها. فحاولت أن تتماسك ولكنها انفجرت بقوة في البكاء. مما جعل والدتها تتحدث بحنق وتقول:
"تسألها عن حالها؟ بعد أن وضعتها أمانة بيد الخسيس قاسم؟ لقد طلقها."
نظر إليها والدها مصدومًا. فاقترب منه عزيز بخوف وهو يقول ممسكًا بيده:
"عمي أرجوك لا تكترث، ما حدث ليس مهمًا بقدر أهمية صحتك، كل شيء يمكننا مداواته مع الوقت، المهم الآن أن تتحسن وتخرج من هنا وتسترد عافيتك."
أومأت حياة بموافقة وقالت وهي تمسح دموعها:
"صحيح، عزيز محق يا أبي، المهم الآن أن تتحسن وتخرج من هنا، أحتاجك بشدة يا بابا."
ابتسم صالح ابتسامة مهزوزة وربت بيده الحرة على يدها وهز رأسه وهو يحاول طمأنتها. ثم نظر إلى عزيز وقال:
"استدعِ الطبيب."
خرج عزيز وقام باستدعاء الطبيب. فقال له صالح:
"أود مغادرة المشفى، لم أعد أرغب في البقاء هنا."
نظر إليه الطبيب قائلًا:
"كما تحب، ستمضي على إقرار بالخروج على مسؤوليتك الشخصية، وبعد أن تخرج يتوجب عليك متابعة العلاج من المنزل مع ضرورة الالتزام بالزيارات الدورية للمشفى."
أومأ صالح موافقًا. فخرج الطبيب كي يرسل الممرضة التي ستنهي الإجراءات. فبدأت حياة ووالدتها تستعدان لمغادرة المشفى برفقة صالح.
***
كان قاسم يستعد للخروج من غرفته بعد أن تجهز للذهاب للمعرض بعد غياب دام طويلًا. فإذا به يستمع إلى طرقات الباب. فقال:
"ادخلي يا حنان."
دخلت حنان وهي تبتسم على استحياء. فابتسم قائلًا:
"تعالي يا حنونة، تقدمي."
وقفت أمامه وقالت بتردد:
"صراحةً لقد ترددت كثيرًا قبل المجيء إليك ولكني حسمت قراري في النهاية وجئت لأتحدث معك."
ابتسم بثقة وقال:
"تريدين معرفة من هو صبر أليس كذلك؟"
ابتسمت وهزت رأسها بموافقة. فقال:
"ابن حسان."
"حسان صديقك أليس كذلك؟"
"أجل، حسان بالسجن وصبر سيبقى معي لحين خروجه."
"كم سنة سيبقى بالسجن؟"
"محكوميته ثلاث سنوات ولكني أسعى لتحفيف الحكم عنه أو إثبات براءته، أتمنى أن أفلح في ذلك."
صمتت لدقائق ثم تساءلت بهمس خافت:
"قاسم، هل لك يد في دخول حسان السجن؟"
أشاح بوجهه للجانب الآخر، ونظر للأمام حيث موج البحر الهادر، وابتلع ريقه في وجل وقال باقتضاب:
"لا."
لم يكن من السهل عليه الاعتراف لها أبدًا. يشعر بالخزي من نفسه ويشعر بالندم الشديد بعد أن رأى نظرات الفقد بعيني كلا من صبر وكريم. وهذا ما جعل إحساس الذنب ينبعث بداخله بعد أن كان قد أخمده لفترة. ولا ينقصه الآن أن يتلقى الاتهامات واللوم من أخته على ما فعله.
الوحيدة التي كان يقبل منها ذلك هي حياة. كانت هي صحوة الضمير الميت به دائمًا. كان يعرف أنها ستجلده بكل تأكيد ولكنه كان يخلع ثوب الفضيلة أمامها بكل سهولة. حياة وحدها هي من كان يتعرى أمامها بكل رضا وسلام.
ولكن حنان التي تقف أمامه الآن تتفحصه بنظرات شاملة لم تكن لتنطلي عليها كذبته أبدًا. لذا اقتربت منه ببطء. فكان يفر منها بعينيه كالطفل المذنب إلى أن جلست أمامه مباشرةً وقالت:
"ولكن عينيك تقول كلامًا آخر."
نظر إليها محاولًا رسم اللامبالاة على محياه وقال:
"وماذا تقول عيناي؟"
تهدل كتفاها بإحباط وقالت بضيق:
"تقول أنك فعلت!"
زفر قاسم مطولًا بضيق وأسقط رأسه للوراء. أغمض عينيه وهو يحاول الانفصال عن ذلك الواقع المرير وقال بصوت مرتجف:
"نعم فعلت، أنا من أدخلت حسان السجن وأنا من أحاول إخراجه؟"
سالت دمعاتها بصدمة وجاهدت كي تبث صوتها بهدوء وتماسك فقالت:
"ولمَ؟"
سألها بتلاعب ينوي منه الهرب وقال:
"لمَ أدخلته السجن؟ أم لمَ أحاول إخراجه؟"
سألته بجدية وقصف صوتها مدويًا بغضب:
"لمَ فعلت كل هذا؟ لماذا سجنته؟ ولماذا تحاول إخراجه؟ لماذا ألقيت سماهر بطريق عبدالله؟ ولماذا بعت لنفسك كل أملاكه؟ لماذا تلاعبت بالجميع يا قاسم؟!"
فتح عينيه فجأة ونظر إليها بغضب جامح وقال بعنف حاول إخماده لشهور طويلة:
"ولماذا سامحتك؟ ولماذا سامحت زوجك؟ ولماذا وقفت بجوار القذرة عنبر بعد أن اتهمتني ثلاث مرات ظلمًا؟ ألم تخطر هذه الأسئلة برأسك هذا؟ أم أنكم جميعًا لا ترون سوى سيئاتي؟"
صمتت وأطرقت برأسها أرضًا. فاقترب منها في حركة مباغتة وأمسك برسغها وهو يطالعها بغضب قوي وقال:
"أنتم جميعًا ظلمتوني، ابتداءً منكِ يا حنان وختامًا بحياة. أنا أصبحت أكره نفسي لأني فرد من هذه العائلة، عائلة لم أرَ منها خيرًا أبدًا."
أجهشت حنان بالبكاء. بينما هو يتابع بغضب أعمى:
"أنا ربيتك، ولم أتوقع يومًا أن تطعنيني بظهري ولكنكِ فعلتِ، ومع ذلك وجدتُ لكِ ألف حجة وعذر لكي لا ينالك غضبي. ومع ذلك تسأليني الآن بكل برود لماذا فعلت ما فعلت؟ أجيبكِ شقيقتي.. فعلت لأني لست ملاكًا كي أتحمل الظلم عشر سنوات وأخرج من السجن بقلب أبيض كالحليب. فعلت لأني أنا من ضاع عمري هباءً، عشر سنوات قضيتهم في مكان مظلم لم أستحق يومًا البقاء فيه ولو لساعة. فعلت لأنكم غدرتم بي، جميعكم بلا استثناء. جعلتوني أتذوق طعم الظلم والقهر والخذلان والوحدة، أنتم من عرفتوني على معنى الحقد والعداء، الفضل يرجع لكم جميعًا لأنكم الدافع والملهم الأول والأوحد كي أخوض رحلتي من ملاك لشيطان!"
وترك رسغها بقوة وابتعد المسافة التي تقدمها وأطرق رأسه للوراء مرة أخرى مغمضًا عينيه مجددًا ووضع ذراعه فوق عينيه. فعلمت أن النقاش بينهما قد لقى حتفه. فنهضت وغادرت الغرفة بصمت.
***
بعد مرور ساعتين..
قام قاسم بالاتصال بعزيز فأجابه قائلًا:
"مرحبًا."
"أين أنت الآن؟"
"نحن الآن بطريقنا للعودة."
"جيد، بعد أن تقوم بتوصيلهم للمنزل تعال وخذ زوجتك."
تساءل عزيز باستغراب قائلًا:
"لماذا؟ ما بها حنان؟"
تحدث قاسم بهدوء ولكنه لم يفلح في إخفاء ضيقه وقال:
"زوجتك هذه رأسها فارغ، وصراحةً أنا قد بلغ ضيقي مبلغه من الجميع ولا ينقصني ثرثرتها ولن أتحملها على كل حال. أما أنت فرجل بصحة جيدة لن تتأثر بسخافاتها؛ لذا تعال وخذها، يمكنكما الثرثرة سويًا بشكل جميل."
تنهد عزيز باستياء وقال:
"حسنًا، سأمر بكما حال وصولي، مع السلامة."
أنهى عزيز الاتصال وابتسم بأسف. فقالت حياة:
"هل كان هذا قاسم؟"
أومأ بهدوء. فهزت رأسها وأشاحت بوجهها نحو النافذة المجاورة لها وأغمضت عينيها وهي تشعر بالإعياء الشديد.
***
كانت سارة تجلس بغرفتها شاردةً، تتذكر ما حدث أمس باستياء وضيق. أمسكت بهاتفها وهي تفكر الاتصال بقاسم ولكنها تراجعت مجددًا وهمست لنفسها وقالت:
"لا تضغطي عليه أكثر يا سارة، أساسًا الرجل يبدو مهمومًا ولديه ما يكفيه، لا داعي ليتحمل أعباء فوق أعبائه."
زفرت بضيق وقامت بالاتصال بإحدى صديقاتها ولكنها تراجعت أيضًا وأنهت الاتصال. وبينما هي غارقة وسط حالة من التشتت والضياع استمعت لطرقات على باب غرفتها. فسحت لوالدتها بالدخول. فدخلت وهي ترسم على وجهها ابتسامة حانية، وبيدها تحمل كوبًا من القهوة المثلجة وقالت:
"لقد أعددتها لكِ. تفضلي."
تعجبت سارة هذا الاهتمام المفاجئ وقالت وهي تلتقط منها كوب القهوة:
"شكرًا لكِ."
جلست فتون على المقعد المجاور لسريرها وقالت:
"ما بكِ؟ أشعر وكأنكِ لستِ بخير!"
نظرت إليها سارة بإمعان وقالت:
"تشعرين؟"
أومأت فتون ببساطة وقالت:
"أجل، ألست أمًا؟ والأمهات يشعرن بأبنائهن دائمًا."
أومأت سارة بتأكيد وقالت:
"أجل، أم تحت التدريب."
ابتسمت فتون برغم شعورها بالضيق. ولكنها قالت بمرح:
"أجل، ولكن لا يمكنكِ إنكار أني أم مجتهدة وأحرز علامات جيدة بخطوات أسرع مما تتخيلين."
ابتسمت سارة قائلة بنفس المرح:
"حقيقةً أنتِ من الأمهات النجيبات، تستحقين وسامًا."
هزت فتون رأسها بفخر ثم قالت:
"إذًا أنا جديرة بأن تثقي بي وتخبريني عما يشغلك."
تنهدت سارة بضيق وقالت بتخبط:
"صراحةً لا أعرف السبب بالتحديد، أو أعرفه ولا أقتنع به." ثم نظرت إلى أمها التي تنظر إليها باهتمام وابتسامة وكأنها تخبرها أنها ستفهمها مهما تلعثمت. فقالت:
"قصي، ابن الدكتور ممدوح.. تعرفينه.."
هزت فتون رأسها أن نعم. فتابعت سارة:
"بالأمس عرض علي أن يوصلني عندما كنت أقف بانتظار حسين، قبلت وركبت معه فسألني عن أبي فأخبرته أنه مسافر."
زَمَت فتون شفتيها بأسف. بينما تهاوت دمعات ابنتها وقالت:
"أشعر بالخزي من نفسي كثيرًا، لقد كذبت لأني شعرت بالخجل من أن أخبره أنه مسجون. بالرغم من أني كنت أعتقد أني فخورة بأبي أينما كان وكيف كان وضعه وأخبرته بذلك، قلت له أفتخر بك كثيرًا يا أبي، ولكن ما فعلته هذا لا يوحي بصدق كلامي وشعوري أبدًا."
وضعت كفيها تخفي بهما عينيها وهي تبكي. فربتت أمها على كتفها وهي تقول:
"لا بأس حبيبتي، لا تحملي نفسك أكثر من طاقتها."
نظرت إليها سارة قائلة ببكاء:
"أنا جبانة، لا أستطيع المواجهة، هربت من الحقيقة بالكذب والتنصل وهذا ما يشعرني بالأسى. أبي ليس مجرمًا لكي أستعر منه، سجن أبي لا يدعو للعار أبدًا كي أخفيه."
ونظرت إلى أمها وهي تبكي وقالت بأرجاء أقرب لسؤال:
"أليس كذلك يا أمي؟"
كانت فتون تحاول رسم الابتسامة على وجهها ولكنها فشلت في النهاية وانفجرت باكية بدورها. وظلت تتمتم بضياع وأسى:
"أنا آسفة يا سارة، حقًا أنا آسفة."
مسحت سارة دمعاتها بحسم وهي تتحدث إلى نفسها وتقول:
"لا بأس، ما حدث قد حدث. عندما أراه في المرة المقبلة سأصحح له تلك المعلومة، لن أكذب أو أتهرب من أي شيء يخص أبي من الآن. ثم من قصي هذا أساسًا كي أهتم به أو بما سيظن أو يفكر. لا داعي للكذب أبدًا."
أومأت فتون بهدوء وهي تقول باقتضاب:
"صحيح، لا داعي للكذب، في النهاية كلنا بشر وكلنا نخطئ، نحن لسنا ملائكة."
نظرت إليها سارة بارتياح وقالت:
"أجل."
فنهضت فتون واقتربت منها ثم قبلت وجنتها وغادرت. أو بالأحرى هربت لغرفتها. وفور أن دخلت أوصدت الباب خلفها واندلع لهيب قلبها أكثر. ففاض الدمع من عينيها بقهر لا سبيل للخلاص منه.
***
بعد عودة حياة ووالديها إلى البيت قام عزيز بالانصراف بعد الاطمئنان على عمه ووعده بزيارته يوميًا.
دخلت حياة إلى غرفتها وأوصدت الباب. ثم وقفت تتطلع حولها وهي تتذكر اليوم الذي خرجت فيه من هذه الغرفة وهي عروس بالأبيض وكانت كالفراشة تطير بجناح السعادة والأمل. وقد ظنت أنها ملكت الدنيا. لم تكن تعرف ما ينتظرهم جميعًا، ولم تتخيل يومًا أن تعود لهذه الغرفة بهذه الحالة التي هي عليها الآن.
جلست على فراشها وأخذت تتطلع نحو السرير المجاور الذي كانت تنام عليه عنبر. وانخرطت في نوبة من البكاء. ثم سرعان ما صمتت وتوقفت عن البكاء وهي تقول بغضب:
"اللعنة عليكِ يا عنبر الكاذبة."
نهضت من فراشها وتوجهت نحو طاولة الرسم خاصتها وأخذت تتمتم بحسرة:
"كان لدي طموحًا أن أصبح فنانة تشكيلية ولدي معرضًا خاصًا وأن تشارك لوحاتي في المعارض الدولية، وها قد ضاعت سنة وتخلفت عن امتحاناتي بسبب ما حدث."
وزفرت بحنق وهي تردد:
"لا بأس يا حياة، على كل حال لن تصبحي فان جوخ زمانك مهما فعلتِ."
وفجأة تذكرت اللوحة التي ضمت ملامحها وملامح قاسم. ففتحت الخزانة لتجدها بداخلها. أمسكتها وأخذت تتطلع إليها وهي تبكي بشدة وتقول:
"أعتذر يا قاسم، أنا آسفة حبيبي."
جلست على الأرض وهي تبكي بانهيار وتردد بهيستيرية:
"لم أستحق يومًا أن تلقبني طوق نجاتك، لقد أغرقتك في بحور الظلم والخذلان كما فعلوا هم، لم أمنحك الثقة المطلقة كما وعدتك، لم أنجح في الاختبار الأول يا قاسم، اللعنة على غبائي كيف أمكنني فعل هذا بك.. ما الفرق بيني وبينهم إذا؟ أنا من كان يتوجب عليه الدفاع عنك والوقوف بجوارك ضدهم، ولكني لم أكن شجاعة بالقدر الذي ظننتني عليه، تركت رأسي الفارغ لأمي تملؤه كيفما شاءت ولم أفكر بالمنطق لدقيقة واحدة، لم أغامر حتى من أجل حبنا."
لم تكن تعلم أن صوت نحيبها قد وصل للخارج إلا عندما استمعت لصوت والدتها وهي تصرخ بها بجنون وتقول بغضب:
"لا تتوقفي عن البكاء أبدًا يا حياة هانم، لا تفعلي، وكأن هذا الطويل يستحق ما تفعلينه بنفسك لأجله. إنه لم يتريث حتى لحين الاطمئنان على عمه وألقى بكِ كالخرقة المهملة في أول فرصة وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة بفارغ الصبر كي يطلقك ويحرق قلب أبيكِ عليكِ، هل هو انتقام من نوع آخر أم ماذا؟"
أحست حياة بالضيق ونفاذ الصبر. فاقتربت من الباب وهي تحاول تجاهل شعورها بالإرهاق والخمول الشديد وفتحت الباب بكل قوتها وهي تنظر لأمها بغضب وقالت:
"لن أسمح لكِ بالتحدث عن قاسم بتلك الطريقة مرة أخرى."
نظرت إليها أمها بصدمة وقالت:
"ألا زلتِ تدافعين عنه يا غبية؟ افهمي يا عديمة الفهم، هذا النذل طلقكِ وانتهى، هل فهمتِ؟ كل شيء انتهى!!"
فجأة أحست حياة بالإعياء الشديد وزاغ بصرها وشعرت بأن الأرض تتحرك من أسفلها وفقدت توازنها فسقطت مغشيًا عليها.
هرولت صفية إلى صالح الذي كان يجلس بغرفته قليل الحيلة وأخبرته بفزع وقالت:
"حياة أغمى عليها، اتصل بعزيز حالًا كي يأتي لنأخذها للطبيب."
ركضت إليها وجلست بجوارها وهي تحاول إفاقتها وهي تبكي وتقول:
"لماذا تفعلين ذلك بنفسك يا ابنتي؟ ستموتين بقهرك يا حياة، هو لا يستحق ذلك أبدًا."
بعد قليل فتحت حياة عينيها ونظرت إلى أمها بأعين تائهة دامعة. فقالت صفية:
"يجب أن نذهب للطبيب للاطمئنان عليكِ. هذه ليست أول مرة تتعرضين للإغماء، ربما تعانين من أنيميا حادة ونحن لا نعرف."
ارتفع رنين جرس الباب. فذهبت صفية لتجد عزيز الذي دخل راكضًا وهو يقول:
"ما بها حياة؟ هل أغمى عليها مجددًا؟"
"نعم، لا بد أن نذهب للطبيب للاطمئنان عليها."
دخل عزيز للغرفة فوجد حياة تجلس على حافة الفراش بتعب. فقال:
"استعدي يا حياة سنذهب لزيارة الطبيب حالًا وحنان ستتبعنا إلى هناك."
تحدثت صفية وقالت:
"سأبدل ملابسي حالًا."
"لا داعي يا زوجة عمي، أنا وحنان سنكون برفقتها، ثم أنه لن يكون لائقًا أن تتركي عمي بمفرده."
ارتدت حياة عباءتها البسيطة على مضض وخرجت برفقة عزيز ليس لأنها تريد الاطمئنان على حالها ولكنها لا تطيق البقاء برفقة أمها في مكان واحد الآن.
استوقف عزيز سيارة أجرة تقله هو وحياة إلى العنوان الذي وصفته له حنان.
ثم ارتدت حنان ملابسها على عجالة وخرجت بعد أن أخبرت قاسم أنها ستذهب برفقة حياة للطبيب. وبالرغم من قلقه وخوفه الشديد عليها ولكنه لم يظهر اهتمامًا كبيرًا بالخبر.
التقوا ثلاثتهم بمركز الطبيب ودخلت كلا من حياة وحنان لغرفة الفحص. وفجأة استوعبت المكان الموجودة فيه.. مركز دكتور علاء السويسي طبيب النساء والتوليد!!
نظرت إلى حنان بتعجب وهمست:
"ماذا نفعل هنا؟"
فتجاهلتها حنان ونظرت إلى الطبيب وبدأت تتحدث معه عن حالة حياة والأعراض التي تتعرض لها من إعياء وإغماء متكرر. فطلب الطبيب من حياة الصعود لسرير الكشف على الفور.
تقدمت حياة لتنفذ ما طلبه منها الطبيب بغير فهم وهي لازالت تطالع حنان بتعجب وعدم فهم.
تمددت فوق السرير وبدأ الطبيب بفحصها بواسطة جهاز "السونار". ثم سرعان ما ابتسم قائلًا:
"مبارك مدام حياة، أنتِ حامل!"
يتبع..
حب_في_الدقيقة_التسعين!
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نعمة حسن
عادت حياة إلى البيت وهي واجمةً. دخلت وأغلقت باب الشقة خلفها وهي تتطلع أمامها دون النظر في نقطة محددة. فتفاجئت بوالدتها التي ظهرت أمامها فجأة وهي تتسائل بقلق بالغ:
"حياة، أخبريني هل طمأنكِ الطبيب؟"
أومأت حياة بموافقة واتخذت سبيلها نحو الغرفة ركضا. فلحقت بها أمها وهي تقول بخوف:
"ماذا قال لكِ، ما سبب الإغماء المتكرر؟!"
جلست حياة على طرف الفراش وهي تخلع عبائتها وقالت بهدوء:
"مجرد ضعف نتيجة للإجهاد والضغط النفسي، لا تقلقي."
تنهدت أمها باطمئنان يشوبه الشك وقالت:
"هل وصف لكِ علاجا ما؟"
أجابتها حياة وهي تتمدد على الفراش بضعف:
"أجل، سأذهب لإحضاره في وقت لاحق.. من فضلك اخرجي، أود أن أرتاح."
شعرت صفية بتعب حياة ولم تُرد إزعاجها أكثر، فلقد كانت تشعر بالخوف الصادق عليها. لذا خرجت من الغرفة بصمت واتجهت لغرفة زوجها الذي كان يرقد بفراشه ممسكا بالمصحف ويقرأ به. وفور أن دخلت سألها بقلق:
"ماذا أخبرها الطبيب؟ هل هي بخير؟"
جلست بجواره وتنهدت بتعب ثم قالت:
"تقول أنه أخبرها أنه مجرد ضعف نتيجة للضغط النفسي، ولكني لا أصدق كلامها."
نظر إليها بعجز ويأس ثم قال:
"لمَ لا تصدقين؟ طالما أنكِ تسممين بدنها بكلامك هذا كلما رأيتِها سيحدث لها ما هو أشد من ذلك."
نظرت إليه بضيق وقالت:
"أنا أنصحها وأريد ما فيه الصالح لها، إذا تركتها لنفسها ستلقي بنفسها إلى التهلكة، إبنتك معمية بالحب."
نظر إليها بأسف وقال بلومٍ صريح:
"تدمرين حياة بحجة أنكِ تنصحيها لأنها معمية بالحب، وما هو مبررك لتدمير عنبر؟"
نظرت إليه بصدمة وقالت بسخط وضجر:
"هل أنا من دمرت عنبر؟!"
أومأ مؤكدا وقال بنفاذ صبر:
"تسلطك وحقدك ورغبتك في السيطرة على جميع من حولك هم من دمروا حياة ابنتيكِ، تظنين أنكِ أم صالحة وتعرفين مصلحة بناتك وترشدينهم إليها، في حين أنكِ من تضلينهم وتَسعين بهم نحو الخراب والفشل."
نظرت إليه بذهول شديد وظهرت الصدمة جلية بعينيها، ولكنه لم يكن ليتراجع فتابع بغضب مدفون:
"بناتك ضحايا حقدك، أنتِ تحقدين على كل من حولك، بداخلك طاقة حقد وكره كافية لتدمير الجميع، وما لا تستوعبينه بعد أن هذا الحقد قد طال بناتك للأسف، تريدين جعلهم كالدمى بين يديكِ تحركينهم كيفما شئتِ."
أطرقت برأسها أرضا وهي تفكر بحديثه والصدمة لازالت ترسم آثارها على وجهها، بينما أضاف هو بتعب:
"يكفي ما حدث لابنتيكِ بسببك، الأولى في السجن والأخيرة طلقها زوجها وكل هذا بسبب مكرك، يكفي صفية، هن بناتك ولسنَ أعدائكِ."
أراح صالح رأسه على الوسادة من خلفه وقد شعر بتعب شديد بسبب المجهود الذي بذله للتو، فهذه هي المرة الأولى بعد أزمته الصحية التي يتحدث بها كثيرا بهذا الشكل.
أما صفية فخرجت من الغرفة وأوصدت الباب، ثم وقعت عيناها على باب غرفة حياة فأخذت تبكي بقهر. وقد حرك كلام زوجها ساكنا بداخلها.
***
كان قاسم جالسا بالشرفة، ممسكا بهاتفه في تردد. وكلما اتخذ قرارا بالاتصال على حنان للإطمئنان على حياة تراجع وهو يحاول إقناع نفسه أنه لا يخصه.
إلى أن أجفل عندما ارتفع رنين هاتفه بيديه معلنا وصول اتصال من حنان، فأجاب متلهفا وهو يقول:
"مرحبا حنان."
تحدثت حنان بتلاعب وقالت:
"مرحبا قاسم، هل كنت تنتظر إتصالا مني أم ماذا؟"
حمحم بحرج وقال بهدوء مصطنع:
"لا، أقصد نعم، كنت سأتصل بكِ كي أسألك.."
"تسألني؟"
"أجل، بخصوص عودتك إلى هنا، تعرفين أنني لن يمكنني الاعتناء بصبر وكريم بمفردي."
تنهدت بيأس وهي تقول:
"هل هذا كل شيء؟"
"أجل."
"حسنا، عزيز في الطريق إليك سيصطحبهم ويعود بهم إلى هنا."
تسائل بتعجب قائلا:
"كيف؟ هل سيبقون عندك؟"
"أجل، وما المانع؟"
"لا مانع، ولكن لقد تفاجئت بقرارك، ثم أنني لا أعرف إن كان صبر سيرحب بهذا القرار أم لا؟!"
"بخصوص صبر لا تقلق، هو سيفضل البقاء أينما يتواجد كريم، لقد تعلقا ببعضهما بشدة. أما بخصوص قراري المفاجئ فلقد رأيت أن هذا هو أفضل حل، في النهاية أنا لن أبقى ببيتك مدى الحياة، زوجي يحتاجني، ومن جهة أخرى أنت لن تكون متفرغا للبقاء برفقة الشباب فأنت أيضا تحتاج لمباشرة عملك الذي أهملته طويلا، ومن جهة ثانية أنا أحتاج لوجودهما برفقتي، أنا متفرغة تماما كما ترى وهما يؤنسان وحدتي الحقيقة."
هز رأسه بموافقة وقال بامتنان صادق:
"أشكرك حنان، لقد فعلتِ معي معروفا لن أنساه طوال حياتي."
ابتسمت حنان بحنوٍ وقالت:
"لا داعي للشكر قاسم، وإن كان هناك من يستحق الشكر فهي الظروف التي وبالرغم من قسوتها ولكنها منحتني طفلين ملأا ذلك الفراغ الموحش الذي كنت أعيشه."
ابتسم ابتسامة مقتضبة وأضاف:
"صحيح، على كل حال اعتنِ بهما، وخاصة صبر، أنتِ تعرفين حالته جيدا."
"لا تقلق، سأجهز له غرفة معقمة كالموجودة عندك ولن أدخر جهدا للاعتناء به."
"أشكرك حنونة.. جزاكِ الله خيرا."
ابتسمت حنان؛ فلطالما أحبت هذا الإسم من أخيها والذي لا ينطقه إلا بحب صادق، لذا فنادتهُ بدفء وقالت:
"قاسم، أحبك كثيرا أخي.. أنت كنت ولا زلت أعظم أخ في الوجود."
رق قلبه بشدة وامتلأت عينيه بالدموع بتأثر وقال:
"وأنا أحبك جدا حنان."
ابتسمت حنان بفرحة ثم قالت:
"حسنا، عزيز سيصلك بعد قليل، لا تنسَ أغراض صبر وعلاجه."
"حسنا.. سأقوم بتحضيرها فورا.."
"ممتاز، نتحدث لاحقا.. مع السلامة."
همت حنان بإنهاء المكالمة ولكنه استوقفها ملهوفا وهو يقول:
"حنان لحظة، هل حياة بخير؟"
ابتسمت حنان لأنها كانت تعرف أن مكابرته لن تدوم طويلا وقالت:
"كنت أعرف أنك لن تصمد كثيرا.."
زفر بضيق وقال بنفاذ صبر:
"لا تتساخفِ حنان."
"لا تقلق، هي بخير. الضغط النفسي الذي تعيشه ليس هينا."
تنهد قاسم بضيق وقال:
"صحيح، على كل حال اعتنِ بها جيدا وإذا احتاجت لأي شيء أخبريني."
تسائلت بهدوء أزعجه كثيرا وقالت:
"ولمَ لا تتصل بها بنفسك وتعرض عليها هذا العرض النبيل؟ في النهاية هي ستظل ابنة عمك بغض النظر عما حدث بينكما."
تأفف بضيق وقال باقتضاب:
"هيا حنان لقد أضعتِ الكثير من وقتي، مع السلامة."
أنهى الاتصال وألقى الهاتف بجواره بحنق، ثم نهض بعدها ليقوم بإعداد أغراض كريم وصبر استعدادا لانتقالهما لبيت حنان.
***
كانت حياة تتمدد على فراشها وهي تسند راحتيها فوق بطنها المسطحة ودمعها يسيل على جانبي خديها بإرهاق شديد، فإذ بها تتلقى اتصالا من حنان فأجابتها بخفوت:
"نعم حنان."
تحدثت حنان بأسف وسألتها:
"هل تبكِ حياة؟"
"لا، أنا بخير."
تنهدت الأخرى بحزن وقالت:
"ماذا أخبرتِ زوجة عمي؟"
"كما اتفقنا، أنه مجرد اجهاد وضغط."
"وهل انطلى هذا الحديث عليها؟"
"لا أعرف، ليس مهما.. المهم بالنسبة لي ألا يصل الخبر لقاسم."
زفرت حنان بيأس وضجر وقالت:
"حقيقةً أنا لا أفهمك، كيف تريدين استعادته وأنتِ تخفين عنه خبر حملك؟ بالرغم من أن هذا الحمل سيكون أقوى دافعا لإذابة الجليد بينكما."
"وهذا بالتحديد مالا أرغب فيه، أنا أريد أن يردني قاسم لأنه سامحني بالفعل ليس لأنني حامل منه وأصبح مجبرا على ذلك، أود أن تعود علاقتنا لأجلنا نحن ليس لمجرد أني حامل ويجب أن تتحسن علاقتي به من أجل الطفل، فهمتِ؟"
تنهدت حنان بيأس وقالت بشفقة:
"فهمت حياة. على كل حال قاسم قلق جدا عليكِ.."
لمعت عيني حياة بحماس من بين دموعها وقالت بلهفة:
"حقا؟"
"أجل، كنت أتحدث معه للتو وسألني عنكِ وأخبرني أنكِ إذا إحتجتِ شيئا أن أخبره، هو يحبك حياة ولكنه لازال مجروحا بسبب ما حدث."
أوصدت حياة جفنيها وتهاوت من بينهما العَبَرات بندم وقالت:
"أعرف ذلك."
"على كل حال الوقت سيصلح كل شيء أنا أثق بذلك، كل ما عليكِ فعله الآن هو الاهتمام بصحتك وبطفلك، يا إلهي سأطير من فرط السعادة والحماس، لا أصدق أنني سأصبح عمة بعد تسعة أشهر إن شاء الله."
ابتسمت حياة من بين دمعاتها وقالت:
"لن أوصيكِ حنان، لا تخبري قاسم وأبلغي عزيز بهذا."
"لا تقلقي، اعتنِ بنفسك جيدا، مع السلامة."
***
أنهت حياة الاتصال وفتحت مجلد الصور الخاص بها هي وقاسم وراحت تشاهدها وعلى شفتيها ترتسم ابتسامة حزينة، ثم ضمت الهاتف إلى حضنها ونامت.
بعد قليل دخلت صفية إلى الغرفة لتطمئن عليها. دخلت لتجدها نائمة وهي تضم هاتفها الذي يحمل صورة قاسم، فالتقطت صفية الهاتف من بين يديها وهي تطالع صورة قاسم بحنق وهي تتمتم بهمس:
"لا أعرف ما المميز بك كي يفتتن بك بناتي بهذا الشكل المثير للشفقة."
وأطفأت الهاتف ووضعته على الطاولة الصغيرة الملتصقة بالسرير. فلفت انتباهها حقيبة يد حياة، فنظرت إليها ثم فتحت الحقيبة تنوي معرفة تخصص الدكتور الذي زارته لكي تبدد شكوكها، ولكن ما وجدته هو ما أكد كل ما كانت تفكر به.
أمسكت بروشتة الطبيب وأخذت تقرأ تفاصيلها بعينين جاحظتين وهي تقول:
"دكتور نساء وتوليد؟! حامل!!!"
مدت يدها بداخل الحقيبة وأخرجت الأدوية التي اشترتها حياة والتي كانت عبارة عن بعض المقويات والفيتامينات التي توصف للمرأة في بداية الحمل. فأخذت صفية تحملق بهم وسالت دمعاتها بغزارة وهي تردد:
"يا إلهي، لا مستحيل، مستحيل أن تكون قد حملت من هذا الجبان، يا ربي أتوسل إليك!!!"
شعرت بتململ حياة فأعادت كل شيء لمكانه وهرولت إلى خارج الغرفة متجهة نحو غرفتها لتخبر صالح الذي كان قد غفا للتو فقالت وهي تهزه:
"صالح استيقظ، هناك مصيبة قد حدثت!"
فتح صالح عينيه على الفور بهلع وقال:
"ماذا حدث؟ هل حياة بخير؟"
أومأت بنفي وهي تبكي فقال بخوف:
"ماذا حدث لها، تكلمي."
"حياة حامل!"
ألقتها وأجهشت في بكاءٍ مرير. بينما ظل هو يتطلع نحوها بصمت لدقائق وهو يحاول استيعاب ما قالته، ثم نطق أخيرا بهدوء وقال:
"حقا؟"
نظرت إليه وإلى ردة فعله الهادئة بتعجب وقالت:
"حقا؟! هل هذا هو كل ما تكرمت به؟! أقول لك ابنتك حامل! ما هذا البرود الذي تتحدث به؟!"
"لا حول ولا قوة إلا بالله، هل هي من أخبرتك؟"
أجابت وهي تهز رأسها بأسى:
"لا، لقد أخفت علي خبر حملها، لأنها تعرف أني لن أقبل بهذا الحمل أبدا.."
نظر إليها بنفاذ صبر وقال:
"لن تقبلي؟ وماذا عساكِ ستفعلين؟ هذا أمر الله، وأمر الله نافذ."
"ماذا دهاك صالح؟ تتحدث عن الأمر بمنتهى البساطة، أقول لك أنها حامل من هذا الفاسد! يا إلهي لقد تخلصنا منه بفارغ الصبر، ما هذا النحس!"
"لا حول ولا قوة الا بالله، لا تبالغي صفية، لقد نفذ صبري منكِ، ما بكِ تتحدثين عن هذا الحمل وكأنها كانت معه في علاقة آثمة لا سمح الله، قاسم زوجها وهذا الحمل حلال والحمدلله، ما سبب كل تلك الجلبة!"
"لم يعد زوجها، لقد طلقها."
"سيردها، قاسم إن بلغه الخبر سيردها قبل أن تغرب شمس اليوم، أعرفه جيدا لا يتخلى عن قطعة منه أبدا."
ابتسمت بتهكم وقالت:
"أنت محق، ولكنه تخلى عن حياة وطلقها يا زوجي العزيز، ألم تكن غالية عنده بما يكفي كي يتمسك بها أكثر؟!"
نظر إليها متعبا وقال بصرامة:
"هذا يخصهما، وأمر الحمل يخصهما، وإذا أرادت الرجوع إليه أو أراد هو ردها فهو أيضا يخصهما، لا تتدخلي بينهما مجددا، يكفي ما حدث بسببك."
نهضت عن الفراش كمن لدغها عقرب وقالت بحدة:
"لا، ما تقوله هذا هو قمة السلبية والاستهتار، ما دمت حية وبصدري نفس يتردد سأقف بوجهها وأمنعها عن خوض هذه الحرب الخاسرة مجددا، يكفي أني خسرت واحدة، لن أضيع الثانية أبدا."
وخرجت من الغرفة دون أن تسمح له بالرد، وتركته يلعن عجزه وضعفه اللذان مكناها منه ومن الجميع بتلك الطريقة.
***
أفاقت حياة من نومها على إثر صوت النقاش الحاد بين والديها، ولكنها لم تستمع لما قيل. كانت تشعر بالصداع والأرق لذا فتحت حقيبتها وأخرجت منها العلاج الذي وصفه لها الطبيب وبدأت بتناوله. فإذ بها تتفاجأ بوالدتها التي اقتحمت الغرفة فجأة وعينيها يتطاير منها الشرر.
نظرت إليها حياة بضيق شديد وهي تمسك بكأس الماء تتجرعه بتمهل، ثم أسندته على الطاولة المجاورة لها وقالت بحدة:
"للمرة الألف سأخبرك يا أمي أن هذا الباب قد صُنِع ليُطرق!"
نظرت إليها أمها ببرود وغل مخفي وقالت:
"ما هذا العلاج؟ ألم تقولي أنكِ ستشتريه لاحقا؟!"
أخفت حياة كيس الأدوية بحقيبتها، ولكن والدتها اقتربت منها ونزعت الحقيبة من يدها وأخرجت الكيس، ثم أفرغت محتوياته على الأرض وهي تقول:
"هذه كلها مقويات للحامل!"
ابتلعت حياة ريقها بتوتر وطالعتها بضيق، ثم نزعت من يدها الكيس بغضب وانحنت لتجمع العلاج من على الأرض، بينما استطردت صفية كلامها وقالت:
"أنتِ حامل!!"
نظرت إليها حياة بضيق، ثم تحدثت بصوتٍ حاد وقاسٍ:
"أجل أنا حامل، هل لديكِ مانع؟"
رمقتها باشمئزاز وقالت بغضب:
"وقحة!"
اتسعت عيني حياة بذهول وسال منهما الدمع فورا وهي تنظر إليها بصدمة وغير تصديق، ثم قالت باستهجان:
"وقحة؟! هل أنا وقحة؟! هل أنا وقحة لأني أخبرتك أني حامل؟!"
"وتكررينها؟! أنا حقا لا أعرف ما سبب دواعي فخرك وسرورك بهذا الحمل اللعين!"
رفعت حياة سبابتها أمام وجه أمها بتحذير وهي تقول بغضب من بين دموعها الغادرة:
"إياكِ أمي، لقد تجاوزتِ كل الخطوط الحمراء معي، قمتِ بسبّي وبسب زوجي وفرقتِ بيننا، فعلتِ كل ما أمكنك فعله لكي تهدمي حياتي وها أنتِ تنجحين، ولكن إياكِ والاقتراب من هذه المنطقة بالذات، حملي ليس لعينا أبدا ولن يصبح."
واستدارت حياة عنها تقصد الخروج من الغرفة، فجلست صفية على الفراش وأخذت تصطنع البكاء وهي تقول:
"يا إلهي أتوسل إليك، ماذا فعلت أنا وبناتي كي نملك ذلك الحظ البائس، لدي ابنتين كالورد ولكنهن فقيرات حظ مثل أمهن."
تنهدت حياة بفروغ صبر ونظرت لأمها التي أخذت تنوح وهي تقول:
"الأولى لا أعلم مصيرها ماذا سيكون، ولا أعلم ماذا سيكون مصير ابنها المسكين اليتيم، والثانية تصر على السير عكس الاتجاه وكأنها تتحداني فقط من أجل إزعاجي."
ونظرت إلى حياة وقالت:
"صدقيني حياة، أنا أحبك ابنتي، أقسم بالله أنا لا أتمنى سوى أن أراكِ سعيدة."
عادت حياة أدراجها وجلست بجوار أمها وأمسكت بكفها ثم قبلته وهي تقول بعينين دامعتين:
"أنا أعرف ذلك أمي، ولكن أرجوكِ لا تضغطي علي أكثر، أنا لست طفلة."
نظرت إليها أمها بتوسل وقالت:
"حياة، أنتِ الآن تطلقتِ حبيبتي، والحمد لله قد انقشعت الغمة وتخلصنا من قاسم سبب المصائب وسيدها، ما ذنب هذا الطفل ابنتي؟ ما ذنبه أن يولد ليحد والديه منفصلان، هل تريدين تكرار مأساة كريم؟ الطفل اليتيم الآن يعيش مشتتا، لا نعرف كيف سيكبر وأين سيربو، هل تريدين لابنك أن يكبر ويعيش نفس المأساة بين والدين كلا منهما بطريق؟"
نظرت حياة لأمها بتعجب، ولم ترد الاستسلام للتخمين الذي غزا عقلها للتو وأحسنت الظن فقالت:
"لا أفهم، ماذا تقصدين؟"
أمسكت صفية كفيها وهي تحاول السيطرة عليها وقالت بتعابير منكسرة:
"تخلصي من هذا الحمل حياة، لا داعي للتمسك بطفل هذا الحاقد طالما أن الطرق قد افترقت بكما."
جحظت عيني حياة بصدمة شديدة وانعقد لسانها للحظات، ثم قالت بذهول:
"ماذا؟ ماذا تقولين؟"
وفجأة انهارت وأخذت تلطم وجهها بهيستيرية وهي تقول:
"ماذا قلتِ؟ لماذا؟ لماذا تفعلين ذلك بي؟"
هالت الصدمة صفية وذهلت لرد فعل ابنتها فحاولت تهدئتها، ولكن حياة كانت قد خرجت عن مسار العقل تماما وانتابتها حالة من اللاوعي.
استمع صالح إلى صراخ ابنته مما أفزعه وأخذ ينادي باسمها، ولكنهما لم تستمعا إليه فحاول التحرك من السرير وصولا إلى كرسيه المتحرك ليسقط أرضا بجوار الكرسي فأجهش ببكاء مرير وقد لفّته حالة من العجز واليأس.
كانت صفية تحاول الاقتراب من حياة لتهدئتها والسيطرة على حالة الانهيار التي انتابتها ولكنها لم تتمكن.
"لماذا تفعلي ذلك بي؟ لماذا تكرهيني بذلك القدر؟ هل أنا لست ابنتك؟ ما كل هذا الحقد والكره بداخلك تجاهي؟"
"حياة اهدئي ابنتي.."
"لست ابنتك، وأنتِ لستِ أمي من الآن فصاعدا، أنا أكرهك، أكرهك وبشدة."
التقطت حياة حقيبتها وخرجت من البيت بتعب وإجهاد شديد. استوقفت سيارة أجرة وطلبت منه التحرك ليسألها السائق ببديهية:
"إلى أين؟"
"لا أعرف، كل ما أريده هو الابتعاد عن هنا."
تحرك بها السائق فأخذت تبكي بانهيار مما أثار تعجب وشفقة الرجل ليتوقف بالسيارة وينظر إليها قائلا بعطف:
"هل أنتِ بخير ابنتي؟"
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت:
"لا، أنا لست بخير أبدا."
زم شفتيه بأسف وقال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.."
واستدار ليكمل طريقه متجها نحو محل بقالة بالجوار ونزل ليبتاع لها زجاجة مياه ثم ناولها لها وقال:
"تفضلي."
التقطتها منها وشكرته ثم تجرعت منها جرعتين، وأخذت نفسا عميقا ثم قالت بهدوء نسبي:
"من فضلك، اذهب لحي سان لوران."
أومأ موافقا وانطلق في طريقه، فأمسكت بهاتفها وهي تفكر في الاتصال بقاسم ولكنها تراجعت. ستذهب إليه على كل حال وليكن الحوار مباشرا وجها لوجه.
***
كان قاسم يقف على الباب منحنيا ليصل لطول كلا من صبر وكريم وهو يحدثهما بابتسامة حانية وقال:
"لا تقلقا يا رفاق، الخالة حنان ستحملكما فوق كفوف الراحة، إنها تحب الأطفال العفاريت مثلكما بشدة."
ونظر إلى صبر وقال:
"أكيد هذا يسرك سيد صبر."
ابتسم صبر ملء فمه وقال بحماس:
"في الحقيقة الخالة حنان شخصية مرحة وعطوفة جدا، لا أعرف كيف أنكما أشقاء؟!"
ضحك عزيز الذي يتابع الحوار بصمت، بينما ارتفع حاجبي قاسم بدهشة وقال:
"وأنا لا أعرف من أين لك بكل تلك الشقاوة؟"
عدل صبر ياقته بفخر وقال:
"ورثتها عن أبي."
ابتسم قاسم وهو يهز رأسه بيأس، ثم نظر إلى عزيز قائلا:
"أنا آسف لكما عزيز، كان الله في عونكما."
ضحك عزيز وقال:
"لا بأس، صبر ولد ممتاز، سأكون سعيدا برفقته."
أومأ صبر مؤكدا وقال:
"لا شك في ذلك."
طالعه قاسم بغيظ ونظر إلى كريم وقال بابتسامة وهو يمسح على رأسه:
"سأشتاق لرفقتك يا رجل، ولكن عمك الماكر يطمع في بقائك عنده لفترة، ولكن عدني أنك سترجع لهنا أنت وصبر مجددا."
أومأ كريم مبتسما وقال:
"أعدك عمي قاسم."
ابتسم قاسم بحنان ومال عليه وقبله ثم قبل صبر وهمس في أذنه برجاء ساخر قائلا:
"لا تكن عفريتا أرجوك، تصرف كطفل مؤدب على الأقل في الأيام الأولى فكما تعرف يا صديقي الانطباعات الأولى تبقى دائما، لا تجعلهم يأخذون عنك انطباعا أنك من عينة الأطفال التي تسير على الجدران وتتشبث بالثريات."
غمزه صبر وأشار له بإبهامه في علامة إعجاب وقال:
"لا تقلق يا صاح، سأشرفك."
أومأ قاسم متنهدا بقلق وقال:
"أتمنى ذلك."
اصطحب عزيز الطفلين وغادر. وبينما قاسم بصدد قفل الباب نادته فريال وهي تقول:
"مساء الخير جاري العزيز."
ابتسم قاسم بهدوء وقال:
"مساء الخير سيدة فريال، كيف حالك؟"
"بخير للغاية، حمد لله على سلامتك، كنت مختفيا منذ فترة."
أومأ موافقا وقال:
"أجل، كنت خارج المدينة."
"وأين زوجتك؟ ماذا كان اسمها؟"
ابتسم باقتضاب وقال:
"حياة."
"أجل، أين حياة، هل هي بالداخل؟"
وتجاوزته ودخلت متجهة صوب غرفة الجلوس وهي تقول:
"دعني أدخل لأرحب بها.."
نظر إليها متفاجئا وقال بحرج:
"لقد دخلتِ أساسا، على كل حال مرحبا بكِ سيدة فريال ولكن حياة غير موجودة للأسف."
مطت شفتيها بأسف طفولي وهي تقول:
"حقا؟ يا له من حظٍ عاثر! على كل حال يمكنني انتظارها، لا تعرف كم أتوق لرؤيتها، أنت تعرف كم أحب التعرف للجيران الجدد وخاصةً النساء منهن، أهوى تكوين صداقات جديدة للغاية."
شعر بالحرج أكثر ثم قال:
"أعرف ذلك، في الحقيقة أنتِ سيدة لطيفة وودودة جدا، ولكن للأسف الشديد حياة لن تعود اليوم."
وصمت للحظة ثم تابع سريعا:
"ولا الغد، للأسف نحن …"
"حياة!!"
قاطعته وهي تنظر نحو الباب بتفاجؤ؛ فنظر حيث تنظر ليصطدم بحياة تقف أمامه وعيناها مثبتتان على فريال كالفهد الذي يستعد للانقضاض على هدفه.
قطب جبينه متعجبا من حالتها، فبالرغم من أنه لم يمر سوى يومان فقط على فراقهما ولكنه يشعر كأنه يرى إمرأة أخرى غير حياة التي يعرفها!
اقترب منها وأخذ يتفحصها مليا، لقد كانت عيناها حمراوتين متورمتين، ووجهها شاحب بشدة وكأنها لم تنم طوال الليلتين الماضيتين.
لم يسعهُ السكوت وهو يراها بتلك الحالة فتحدث بقلق وقال:
"حياة هل أنتِ بخير؟"
نظرت إليه والتمعت عيناها بالدموع، فأمسك بيدها وأدخلها ثم ساعدها على الجلوس وهو يقول باهتمام:
"ما حالتك تلك؟ أخبريني هل أنتِ بخير؟"
كانت حياة تنظر إلى فريال التي شعرت أخيرا بالحرج ونهضت على الفور وهي تقول:
"لقد جئت للتعرف عليكِ حيوتة ولكن على ما يبدو أنكِ متعبة للغاية، لذا سأعود في وقت لاحق.. عن إذنكم."
خرجت وسحبت الباب خلفها، بينما جثا قاسم أمام حياة وهو يتفحصها بقلق وقال:
"حياة، ماذا حدث وما سبب تلك الحالة؟ هل عمي بخير؟"
نظرت إليه بعينين خاويتين من الحياة وتحدثت بحزن وشفتين مرتجفتين وقالت:
"الجميع بخير، ما عدا أنا.. أنا لست بخير قاسم."
تنهد بضيق وقال وهو ينهض واقفا:
"حسنا هيا بنا لنذهب للطبيب حالا، على ما يبدو ذلك الطبيب الذي اصطحبتكِ حنان إليه لم يشخص حالتك التشخيص الصحيح."
أمسكت يده وهي تنظر إليه وهو يقف أمامها يطالعها من علوٍ وقالت:
"لا أحتاج لزيارة الطبيب، أنت طبيبي!"
اقشعر بدنه وابتلع ريقه بوجل وهو يرى الدمعات المتحجرات بعينيها تلمعن وزفر بخفة، ثم قرص بين عينيه بتعب وقال بجمود:
"لماذا أتيتِ حياة؟"
أمسكت بيده الأخرى وهي لازالت تطالعه بنفس النظرة الهائمة الباكية وقالت:
"أنا آسفة."
تهدل كتفيه بإحباط وتمتم مستغفرا بقلة حيلة، ثم اتجه ليجلس بجوارها وظل ينظر أمامه بشرود إلى أن انتزعته من شروده حين قالت:
"أعتذر قاسم، أرجوك سامحني."
تحدث على الفور وقال بنبرة قاسية:
"هل أتيتِ من أجل هذا؟ من أجل هذا الكلام الفارغ؟!"
نظرت إليه بصدمة وتفاجئت فقالت:
"كلام فارغ؟"
نظر إليها بغضب مكبوت وقال بنبرة عالية:
"ماذا تنتظري مني حياة؟ أن أفتح لكِ ذراعيّ وأستقبلك بالأحضان مثلا؟"
أجابته وهي تنظر إليه بضياع وتعب تجاهد كي لا يتمكن منها:
"ولمَ لا؟ جل من لا يخطئ قاسم.. في النهاية كلنا بشر وكلنا نخطئ، أنت نفسك أخطأت ولا زلت تخطئ، الجميع يخطئون."
"ولكنكِ لستِ كالجميع حياة!"
قالها وهو ينظر أمامه بوجوم وسقطت عبرة من عينه وتحشرج صوته وهو يتابع:
"أنا وضعت ثقتي كلها بكِ، لم أتخيل يوما أن تصدقي أني من الممكن أن أتواطأ مع أختك لقتل عبدالله، لقد كنتِ أنتِ بئر أسراري منذ البداية. أتذكرين حياة؟ لقد فتحت قلبي لكِ وحكيتُ لك ما حدث معي منذ البداية، منذ اليوم الأول الذي رأيتكِ به وأنا أقول أنكِ غير الجميع، لذا عاملتك معاملة غير الجميع."
وأمسك بكفها وهو يضرب به فوق صدره، فوق موضع قلبه تماما وقال بحزن:
"كنتُ دائما أعاملك بقلبي يا حياة!"
أغمضت حياة عينيها وغام نظرها بين الدموع التي فاضت منها كشلالٍ منحدر، بينما تابع هو قائلا:
"كل الثقة التي وضعتها بكِ انهارت لحظتها، عندما سألتني هل أنا من أعطيتها السم أم لا! كنت أتوقع أن تقفي بوجه الجميع وتؤكدين لهم أني بريء من هذه التهمة، كنت أنتظر أن تسانديني حياة، كنت أنتظر منكِ الثقة التي لا يتخللها شك أبدا.. ولكنكِ خذلتِني كما فعل الجميع.. وهذا أشد إيلاما عليّ، أن تخذليني وأنتِ التي كنت أشكو إليها من خذلانهم."
أمسكت كفه وشدت قبضتها فوقه وقالت:
"ومع ذلك أنت سامحتهم، أنت دوما كنت رجل بقلب حنون مراعٍ، لقد منحتهم فرص ثانية، وأنا قاسم؟ ألا أستحق فرصة ثانية؟!"
نظر إليها بانهزام واستسلام وقال:
"للأسف حياة، لقد استنفذت كل محاولاتي، لقد أتيتِ متأخرة."
أغمضت عينيها وأسندت رأسها فوق كفيها وظلت تبكي بصمت، تبكي حزنًا ويأسًا، وتبكي ضعفًا وتعبًا، ثم نظرت إليه باستسلام وقالت:
"قاسم، أنا متعبة بشدة."
"وأنا لازلت عند رأيي، سأبدل ملابسي حالا ونذهب لطبيب…"
قاطعته بلوعة ونفاذ صبر وقالت:
"لن أذهب لأي مكان، كل ما أحتاجه هو البقاء هنا، بجوارك."
واقتربت منه أكثر حتى باتا متلاصقين ونظرت لعينيه بقوة وهي تبكي وقالت:
"أنا أحتاجك، أرجوك لا تكن قاسيًا."
اهتز قلبه بين ضلوعه وكان على وشك الاستسلام ورفع الراية البيضاء، وكيف لا وهي تسبل النظر إليه بعينيها الكهرمانيتين الباكيتين وتتوسله كي يبقيها بجواره، وهذا أحب ما على قلبه، ولكنه كان قد قطع وعدا على نفسه، الكل من الآن فصاعدا سواسية حتى حياة!
"وأنا أيضا كنت أحتاجك حياة، ولكنك كنتِ قاسية."
"كنت غبية، صدقني كنت غبية.. كنت مشوشة ومشتتة، أرجوك سامحني."
"ولا تزالين غبية حياة، وستبقين غبية للأبد، وصراحةً القليل المتبقي لدي من طاقة لا يكفي لكي أتعامل مع الأغبياء مرة أخرى."
نظرت إليه بيأس وشعرت بالهوان والذل ثم ابتعدت عنه بصمت وجففت دمعاتها ثم قالت:
"كما تحب، لن أضغط عليك أكثر."
ونهض ليختل توازنها فجأة وسقطت مجددا فوق الأريكة فانحنى نحوها بفزع وهو يقول:
"حياة ماذا بكِ؟"
أسندت رأسها الذي يدور بها حول العالم الآن على الأريكة من خلفها وقالت بتعب:
"أنا بخير."
"لا، أنتِ لستِ بخير أبدا، سنذهب للطبيب حالا."
مدت يدها وأمسكت بيده وهي تقول:
"لا، سأكون بخير.."
ونظرت إليه برجاء أخير وقالت بوهن:
"لو أنك تكون بجواري."
لم يحتمل قاسم نبرتها الباكية أبدا، فمهما حدث ستظل هي حياة، صاحبة المعاملة الخاصة، حياة التي كان ولا يزال وسيظل يستثنيها عن الجميع.
اقترب منها وضمها إلى صدره فجأة، وبقوة صدمتها، وأسند ذقنه فوق رأسها وهو يتأوه باشتياق بالغ ويقول:
"أنا بجوارك دائما حياة."
أحاطت حياة خصره بذراعيها الناعمين ودفنت رأسها بأحضانه وانخرطت في نوبة بكاء أشد وأعنف، نوبة بكاء كانت لتفقدها وعيها لولا وجودها بين يدي قاسم.
ضمها إليه أكثر وأخذ يربت على ظهرها وهو يقول:
"أنا آسف حياة، سامحيني."
غص قلبها أكثر وشعرت بالاختناق يقتلها وقالت بندم:
"أرجوك قاسم لا تشعرني بالخزي أكثر، لا ينبغي عليك أن تكون متسامحا بهذا القدر! أنا من ظلمتك، سامحني."
أبعد رأسها قليلا عنه ومسح دمعاتها بإبهاميه وقبّل وجنتها بقوة مردفا:
"لا، أنتِ لا تزالين صغيرة، صغيرة جدا.. كنتِ مشتتة ومحاصرة من قِبل والدتك وأفكارها، لذا ساوركِ الشك.. أنتِ محقة كلنا بشر وكلنا خطائين."
تشبثت بعنقه واقتربت بغتةً منه وحاصرت شفتيه بقبلةٍ مجنونة فما كان منه إلا أن استجاب لجنونها العاصف وأحاطها بذراعيه بتملك أكثر، ثم رفعها لتجلس فوق ركبتيه وهو لا يزال مخمورًا بقبلتهما الدافئة، ثم ابتعد عنها ونظر لعينيها واقترب منهما ليقبلهما واحدةً تلو الأخرى وقال مبتسما بدفء:
"اشتقتُ لهاتين الكهرمانيتين يا كهرمانة."
أسندت حياة رأسها فوق كتفه وقد وجدت ملاذها الآمن أخيرا وأغمضت عينيها بتعب شديد وهمست بالقرب منه:
"قاسم، أشعر بالتعب الشديد."
أخذ يمسح على جسدها بحنوٍ ودفء افتقدته بشدة حتى أنها بكت من جديد فقال بخوف:
"حياة، هل تخبئين شيئا عني؟ هل أنتِ بخير حبيبتي؟"
انقبض قلبها فجأة وابتعدت لتنظر إليه وهي تبكي وقالت:
"هل أنا فعلا حبيبتك؟"
أومأ بتأكيد وقال وهو يمسح على بشرتها بأنامله بلطف ويتفحص ملامحها بولهٍ تام:
"أنتِ لستِ حبيبتي فحسب، أنتِ حياتي!"
تقوست شفتيها كالأطفال وأخذت تبكي مجددا فقال بقلق وهو يحايلها بطريقة تليق بها:
"حياة، لا تخيفيني أرجوكِ، ما سبب كل ذلك البكاء؟"
"ضمنني قاسم أرجوك."
تعجب ذلك الانهيار العاطفي الذي أصابها فجأة وهمس بنبرةٍ دافئة:
"تعالي حبيبي، سأضمك حتى تشفى جراحك حياتي، من اليوم ولآخر العمر لن نفترق أعدك.. والآن إهدئي أرجوكِ."
تكورت حول نفسها أكثر فكان يضمها كالدمية بين ذراعيه ويمسح على شعرها تارة، وعلى جسدها تارة ثم قال:
"لا تبكِ رجاءًا."
"قاسم، هل سامحتني؟ أم أنك تشفق علي لأني فقط متعبة؟"
ابتسم ثم قبل رأسها وهو يقول:
"لقد سامحتك حبيبتي، سامحتك لأن الآباء دوما يسخطون على أبنائهم وينزعجون منهم ويلجأون لخصامهم لتقويم تصرفاتهم أحيانا، ومع ذلك لا يكرهونهم أبدا، وأنتِ طفلتي حياة!"
ابتسمت وراحت تتمسح به أكثر كالقطة الوديعة ومدت أناملها تتلمس بشرته باشتياق فقال متلاعبا:
"كوني طفلة مؤدبة حياتي."
ضحكت بفرحة فضحك ومال على وجنتها وقبلها بنعومة ثم قال:
"أخبريني هل أنتِ بخير الآن؟"
أومأت أن نعم فقال:
"الحمد لله، هل تنهضين لتأخذين حماما ريثما أعد طعاما لنتناوله سويا؟"
أومأت برفض وهي تجوب تفاصيل وجهه بأناملها فالتقط يدها من فوق وجنته وقبلها وابتسم ثم قال:
"اشتقتكِ حياة، اشتقتكِ حياتي!"
"وأنا اشتقتك كثيرا قاسم."
بادر بتقبيلها مرةً أخرى فهمست إليه بنعومة مغوية وقالت:
"قاسم.."
فهمس إليها بنفس النبرة الدافئة:
"يا حياة قاسم.."
ابتسمت بفرحة واضطرب قلبها بعنف وتزايدت دقاته فأخذت تمرمغ أنفها بأنفه بمشاكسة غرامية وقالت:
"أنت لم تحملني كأي عروس يحملها زوجها ليلة زفافهما، صراحةً نحن لم نَعِش تفاصيل كثيرة يعيشها العروسين بيوم زفافهما."
أومأ بأسف وقال:
"أنتِ محقة."
ونهض فجأة وهو يحملها على ذراعيه ويقترب بها نحو غرفة نومهما وهو يطالعها بنظراتٍ ملتهبة ثم أخذ يقلد نغمة الدفوف حين يزفون العروسين وهو يقول:
"تن تاتا تن تن تن تن تن.."
قهقهت حياة عاليا فضحك بدوره وهو يدفع باب الغرفة بقدمه ويقول ضاحكا:
"الليلة ليلتك حياتي!!"
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نعمة حسن
منذ أن خرجت حياة وهي تجلس بغرفتها على فراشها حيث كانت تجلس ابنتها تماماً. تبكي على الحالة التي رأت بها ابنتها وانهيارها المؤسف لأول مرة. وبالرغم من رؤيتها لذلك الانهيار المباغت ومعرفتها دوافعه وأسبابه، إلا أنها تشعر بالصدمة مما قالته لها حياة. هذه المرة قست عليها حياة بشدة؛ فلقد ألقتها بوجهها بكل صراحة وقوة وقالت أنها تكرهها!
أخفت صفية وجهها بين كفيها وأخذت تشهق وتبكي وهي تقول بحسرة:
حياة أصبحت تكرهني، ابنتي تحقد علي لأني أريد لها الصالح، ولكن لا بأس، غداً ستندمين وتدركين أن كلام أمك كان صحيحاً، ستركضين إلي وتستغيثين بي عندما ترين الوجه الآخر لذلك الجبان وتكشفينه على حقيقته المُرّة!
ومسحت آثار دموعها ونهضت ورتبت الفراش وهي تقول:
لن تعود الغبية، بالتأكيد ذهبت إليه وتحاول استجداء عطفه الآن، غبية وأعرفها من الممكن أن تخسر كرامتها وكل شيء تملكه من أجل عيونه!
وخرجت من الغرفة وأوصدت الباب خلفها وزفرت زفرةً مطولةً وهمت بالذهاب للحمام، ولكنها استمعت لأنين وبكاء مكتوم فهرولت نحو غرفة زوجها على الفور لتتفاجأ به يتمدد أرضاً بقلة حيلة ويده تحاول الوصول للكرسي المتحرك الموجود على بُعد خطوات منه.
هرعت إليه بفزع وساعدته لينهض وهي تقول ببكاء:
صالح، ماذا حدث لك، كيف سقطت على الأرض!
نظر إليها بغضب وحقد دفين ولم يعقب. تشبث بها حتى ساعدته للاستلقاء على فراشه من جديد ودثرته بالغطاء وجلست بجواره وهي تقول باهتمام أثار اشمئزازه:
ماذا حدث، هل كنت تريد النزول من الفراش فسقطت؟ لمَ لم تناديني؟
نظر إليها بعتابٍ ونفور وقال بغضب هادر:
أين حياة؟ ماذا فعلتِ بها؟ ماذا قلتِ لها كي تصرخ بتلك العصبية وتقول أنها تكرهك؟ ماذا فعلتِ لها مجدداً يا صفية، تكلمــي!!
صاح بها بعصبية أفزعتها بقدر ما أتعبته فتحدثت على الفور بتلعثم وقالت:
ل.. لم أفعل شيئاً صدقني، كنا نتناقش كأم وابنتها وفجأة ثارت كما سمعتها وأخذت تردد بتلك الكلمات القاسية..
طفقت تبكي من جديد فنهرها بضيق وقال بانفعال:
هل تظنين أني صدقتك؟ أو سأصدق دموع التماسيح خاصتك؟ تكلمي يا صفية ماذا قلتِ لها؟ حياة لن تنهار بتلك الطريقة لمجرد أنكما كنتما تتناقشان كأم وابنتها، ماذا قلتِ لها؟ سأعرف على كل حال لذا تكلمي الآن..
أدركت أنه لا سبيل من الفرار لذا عليها الاعتراف بما قالته علها تستطيع تهدئته قبل أن تخبره حياة بما حدث.
أنا.. كل ما فعلته كان من أجلها صدقني، الآن هي حامل وصراحةً..
وازدردت ريقها بخوف فحثها بعينيه اللتين تطلقان شراراً فاستطردت وهي تلقي بالكلام دفعةً واحدة:
بصراحة شديدة أنا لا أتقبل فكرة حملها من هذا الحقير ابن أخيك، أنا أكرهه، هذا الطويل لا يستحقها أبداً، لا تنس أنه كان رد سجون وسيظل يتعامل كالمجرمين الذين عاشرهم لعشر سنوات، وأساساً لا زلت غير مقتنعة بفكرة زواج حياة منه، هذا الوقح أقل منها بكثير صالح..
قاطعه بنفاذ صبر وصاح بها بغضب جهور:
أكملي.. ماذا قلتِ لها؟
ابتعدت عنه فجلست بآخر الفراش وهي تقول بخوف:
اقترحت عليها أن تجهض الطفل!
نظر إليها بعينين متسعتين من شدة الصدمة فنهضت من الفراش بخوف ووقفت على بعد خطوات منه وهي تنظر إليه بخوف فقال:
لمَ تبتعدين؟ هل أنتِ خائفة؟ ماذا عساني أفعل وأنا بتلك الحالة؟ وأنا أرقد نصف مشلول كيف يمكنني أذيتك؟ اقتربي صفية..
نظرت إليه بخوف فقال بانفعال شديد:
قلتُ لكِ اقتربي صفية ولا تشعريني بعجزي أكثر.
اقتربت بخوف وجلست بجواره مجدداً وهي تنظر إليه بتوتر فباغتها بصفعةٍ شديدة من يده السليمة أطاحت بعقلها وأفزعتها، وأطبق على شعرها وهو يقول بجنون:
ماذا فعلتِ؟ طلبتِ منها أن تجهض الطفل؟ أنتِ لستِ طبيعية أبداً، أنتِ إنسانة مختلة عقلياً، أنتِ لستِ إنسانة أساساً، أنتِ حيوانة.. لا.. حتى الحيوان يملك بقلبه بعض الرأفة والرحمة، أنتِ لاتملكين ذرةً منهما، لذا أنتِ لا تستحقين شرف نعتكِ بالحيوان، الحيوان يخاف على أولاده أكثر منك يا مجرمة، أنتِ.. أنتِ ماذا؟ أنا لا أجد لكِ وصفاً منصفاً، أنتِ جماد.. بلا قلب وبلا عقل.. لا تفكرين ولا تشعرين ولا تفعلين شيئاً بحياتك سوى تخريب وتدمير حياة الجميع. اللعنة عليكِ.. اللعنة عليكِ صفية وعلى معرفتك والزواج بك، لم أكن أعلم حينها أنني اخترت أقذر وأقبح امرأة في الوجود.
أجهشت صفية بالبكاء وهي تبتلع كلماته المهينة بمرارة فنزع قبضتها عن شعرها فابتعدت للخلف بخوف وفزع فنظر إليها مهزوماً وقال:
تطلبين من ابنتك تعريض حياتها للخطر؟ تطلبين منها قتل نفس؟ لم تفكري أنها من الممكن أن تموت لا قدر الله وهي تجهض الطفل؟ لم تفكري أنها من الممكن أن تجهضه ويحرمها الله من الأمومة للأبد! لا حول ولا قوة إلا بالله.. لقد نفذ صبري معك صفية، تحملتك وتحملت إجرامك كثيراً ولكن فاض الكيل، أنا لن أبقيكِ على ذمتي مجدداً!
توقفت عن البكاء فوراً ونظرت إليه بصدمة فقال:
أنتِ طا..
اقتربت منه فوراً وكممت فمه بيدها وهي تقول بانهيار:
لا، لا تنطقها أرجوك، أرجوك صالح لا تفعل ذلك بي، لا تطلقني صالح أرجوك..
أبعد يدها عنه وهو يقول بحدة:
لمَ؟ ألم تتسببي بطلاق ابنتك؟ لماذا هان عليكِ خراب بيتها ولم يهن عليكِ خراب بيتك؟ هل تحبين نفسك أكثر مما تحبين ابنتك؟ أنتِ حقاً إنسانة جشعة أنانية، قلبك هذا لا ينبض إلا بالغل والسواد..
أمسكت بيديه وقبلتها في خنوع وأخذت ترجوه وهي تقول ببكاء:
أنا آسفة صالح، آسفة أرجوك سامحني، لا تطلقني صالح أرجوك.. أنت تعرف أني لا أملك مكاناً لأذهب إليه، لا أملك أهلاً ولا أصحاباً، وحياة لن ترحب بي أبداً مجدداً، لا تكن قاسياً أرجوك..
نظر إليها بنفور وغضب وقال:
حتى في هذا الوقت لا تفكرين سوى بنفسك فقط..
أنا آسفة صالح، أعدك أنني سأبقى أسفل قدميك إن أردت، سأبقى هنا من أجل خدمتك ورعايتك فقط.. لا مانع لدي أن أبقى هنا لأخدمك حتى لو رفضت النظر بوجهي مجدداً سأقبل، ولكن لا تطلقني أرجوك.
نظر إليها وسالت دمعته بقهر وهوان وهو يقول:
ملعون ذلك العجز الذي سيجعلني أحتاج إليكِ، لولا عجزي أقسم لكنت ألقيت بكِ بالشارع ولم أكن لأكترث لأمرك، ولكنني مضطر للإبقاء عليكِ لأنني عاجز، للأسف عاجز.. منذ اليوم الذي سمحت لكِ فيه أن تدمرى عنبر وتخضعيها لذلك الملعون عبد الله وأنا عاجز، والآن أصبحت عاجزاً قولاً وفعلاً، أشعر أن ما أصابني هذا عقاباً من الله عز وجل لأنني كنت دوماً رجلاً سلبياً متخاذلاً، لم أنصر الحق ولم أسعَ لتوعية بناتي وإنقاذهما من بين براثن أم حقودة مثلك! أجل.. هذا عقابي.
حاولت الاقتراب منه ثانية فأشار لها بالابتعاد وهو يقول بحدة:
لا تقتربي، من الآن فصاعداً ستبقين بذلك البيت ولكنكِ ستكونين بغرفة وأنا بغرفة، لا تحاولي التحدث معي ثانية والأفضل أن تنسي أننا زوجين، من الآن فصاعداً لن تتدخلي بحياة ابنتك، لن تذهبي إليها، ولن تتحدثي معها حتى عبر الهاتف، لن تخطئي مجدداً يا صفية لأنك إن فعلتِ فلن يثنيني شيئا عن قراري.. هذا آخر إنذار، وبعدها لا تلومين إلا نفسك الأمارة بالسوء.
وأشار إلى الباب وقال بنظرة تنبعث منها رائحة النفور:
أخرجي، لا أريد رؤية وجهك مجدداً.
خرجت من الغرفة صاغرةً وهي تبكي فاستوقفها قائلاً:
انتظري..
نظرت إليه بأمل ليبدد هو ذلك الأمل عندما قال:
أحضري هاتفك حتى أضمن أنكِ لن تتصلي بها مجدداً..
أومأت بموافقة وأعطته هاتفها فقال:
هيا أخرجي تصحبكِ السلامة.
وألقى بالهاتف بجواره بتعب وأخذ يتمتم مستغفراً بقلة حيلة، ثم أمسك بهاتفه وقام بالاتصال بحياة..
***
كانت حياة ترقد بفراشها وبجوارها قاسم الذي يحيطها بذراعيه بحنان وهو يتأمل ملامحها باشتياق جارف، بينما هي تنظر إليه بعينين دافئتين ليقول مبتسماً:
لا تنظري إلي بتلك الطريقة حياتي، أشعر أنني على وشك التهامك.
واقترب منها وعضّ أعلى كتفها برقة فضحكت بحب وقالت وهي تحيط وجنته بكفها:
اشتقتك كثيراً قاسم، يا إلهي أشعر وكأنني لم أركَ منذ شهور طويلة.
أخذ يمسح على شعرها بحنان وقال:
وأنا كنت ولا زلت أشتاقك حياتي، لقد رُدت الروح لجسدي أخيراً يا كهرمانة.. لا تفعلي ذلك بنا ثانيةً حياة.
نظرت إليه بانتباه فتابع وهو يمسح على شعرها بحنوٍ وفير وقال:
لا تسمحي لأي من كان أن يتدخل بحياتنا مجدداً، أنتِ تعرفيني جيداً، أنا أمامك دوماً كالكتاب المفتوح، أنتِ فقط حياة، أنتِ الشخص الوحيد الذي لا أخفي عنه سراً أبداً.. لذا لا داعي للقلق، صدقيني لن أخدعك أبداً، لذا أرجوكِ لا تدعي مجالاً للشك بيننا، ولا تسمحي لوالدتك أن تملأ رأسك ضدي مجدداً.. حياتنا خاصة بنا فقط!
ابتسمت واقتربت منه أكثر ودفنت رأسها بعنقه فضمها إليه ومال على وجنتها وقبلها وقال:
لا تجعليني ناقصاً أبداً حياة..
استوقفتها كلماته فأبعدت رأسها للخلف ونظرت إليه باستفهام فقرص وجنتها بخفة وقال:
أنتِ نصفي الثاني حياتي، وحدكِ من يمكنه إكمالي وجعلي واحداً صحيحاً، واحداً قادراً على تجاوز كل شيء وأي شيء، بوجودك يمكنني تخطي الكثير وتحدي كل ما هو مستحيل، أنا بدونك ناقص، لا تجعليني ناقصاً أبداً.
هزت رأسها بموافقة بتأثر شديد وتماسكت كي لا تتهاوى دمعاتها مجدداً، ثم اعتدلت بجلستها وضمت رأسه وقربته إليها وهي تهمس إليه:
أحبك كثيراً قاسم..
نظر إليها وعيناه تشعان بالدفء والحب ثم همس بجوار أذنها بنبرةٍ شغوفة:
وأنا أعشقك كهرمانة.
اتسعت عيناها بغير تصديق، وسالت دموعها من فرط الفرحة؛ فهذه هي أول مرة تحصل فيها على اعتراف صريح من قاسم بعشقه لها! حسناً لقد عبر لها بأكثر من طريقة وبكلمات رومانسية كثيرة ولكنه لم ينطقها مباشرة قبل ذلك.
نظرت إليه بصدمة وغبطة وقالت:
ماذا قلت للتو؟
ابتسم وهو يزيل دمعاتها وقال:
أعشقك يا كهرمانة.. أحبك كثيراً حياتي.. أنتِ حبي الأول والأخير، أنتِ حبي الصادق وأملي في الحياة.
تعالت ضحكاتها وهي تبكي في آنٍ واحد فضمها إليه بقوة وقال:
لا تبكي يا صغيرة، يا إلهي أصبحت أثق بأن دموعك هذه لا تفنى ولكنها تستحدث من العدم، ما بالكِ يا حياة هذه المرة التي لا أعرف عددها التي تبكين بها!!
تشبثت بعنقه بقوة وقالت:
لا أصدق أنك أخيراً اعترفت! توقعت أن يشيب شعري قبل أن تنطقها يا بليد.
ضحك عالياً ثم قال:
يا إلهي! لهذه الدرجة؟
أومأت بموافقة وهي لازالت تطوق عنقه فقال ببساطة صادقة:
كنت أقولها كل يوم حياة، ولكن بقلبي.. ولكن منذ الآن سأقولها بقلبي وبلساني وبكل طريقة ممكنة طالما أن هذا الأمر يهمك بهذا القدر، لا تقلقي فمن اليوم لن أدخر جهداً في الاعتراف بها حياتي.. وها نحن ذا..
قبّل وجنتها وهو يقول:
أحبك حياتي..
ومال على وجنتها الأخرى وأردف:
أقسم أنني أعشقك..
ثم أحاط وجهها بين كفيه ونظر لعينيها الدامعتين اللامعتين وهمس:
حياتي، النظر في عينيكِ المخلصتين هاتين تجعلانني على مشارف البكاء، ماذا فعلت أنا كي أحظى بامرأة جميلة تمتلك عينين جميلتين مثلك!
تقوست شفتيها بتأثر وانهالت دمعاتها دون سابق إنذار فابتسم وهو يهز رأسه بيأس، ثم أزال دموعها بأنامله بلطف سريعا وقال:
أنا من كنت على مشارف البكاء ولستِ أنتِ حياة، أم أنكِ ترغبين في البكاء فحسب! يا إلهي هل هذه الليلة التي بكى فيها القمر!
ابتسمت، ثم توسعت ابتسامتها أكثر وضحكت، فضحك وطبع قبلةً حانيةً فوق ثغرها الباسم وقال:
إضحكي حياتي، يا أحلى من ضحك وأجمل من ابتسم يا كهرمانة.. من الآن فصاعداً سألقبكِ بصاحبة أجمل ابتسامة!
قاسم، ما تفعله هذا كثيرٌ جدا.. أنا لا أستحق كل هذا الحب والدلال!
نظر إليها بضيق طفيف وأردف بكل جدية:
لا تقللي من شأنك حياة، أنتِ تستحقين كل الحب وكل الدلال، أتمنى أن يطيل الله بعمري كي أحبك كل يوم وأدللك كل يوم.. وحتى بعد أن تنجبين لي أطفالاً، ستتقاسمون الحب والدلال، لا تقلقي لن أنسى نصيبك أبداً.
انفجرت في البكاء بشدة فهمس مستغفراً وقال بتعجب:
أستغفر الله العظيم، ماذا دهاكِ حياة؟ من المفترض أننا بأحسن حالاتنا الآن يا فتاة، لماذا البكاء إذا؟!
نظرت إليه وهي تحاول كفكفة دموعها وقالت بترقب:
قاسم، أنا حامل!
ظل ينظر إليها بدون أي رد فعل لثوانٍ طويلة، ثم هز رأسه بتساؤل وقال بعدم فهم:
ماذا؟ ماذا قلتِ؟!
أقول لك أنني حامل، لقد عرفت اليوم فقط!
كان ينظر إليها بوجه متجرد من التعابير إلى أن نهض من الفراش وهو يقول بتيه:
لحظة حياة من فضلك، سأعود حالاً.. حالاً..
فر هارباً من الغرفة وساقتهُ قدماه نحو الشرفة، وقف وهو يضع يده بخصره ويده الأخرى خلف عنقه وينظر أمامه بشرود، ثم جلس على المقعد وأسند جبهته فوق كفيه وفجأة انغمس في نوبة بكاء قوية.
خرجت حياة من الغرفة لتجده جالساً بالشرفة، منخرطاً في البكاء باستسلام، اقتربت منه وهمت باحتضانه ولكنها تراجعت ووقفت تطالعه بتأثر شديد، فتلك هي المرة الأولى التي تراه بهذا الانهيار، لقد رأته وهو يبكي سابقاً عندما اعترف لها بمعاناته والظلم الذي وقع عليه ولكنه يومها كان متماسكاً إلى حدٍ ما، أما الآن فهي تراه مستسلماً لمشاعره وكأنه طفل في العاشرة من عمره.
قاسم.
همست باسمه فنظر إليها وعيناه قد تخضبت باللون الأحمر وفجأة نهض من الكرسي وشدها إليه وعانقها بقوة وهو يقول:
لا أصدق، هل أنتِ حامل فعلاً؟ أخيراً قاسم يربـح..
لفت ذراعيها حول رقبته بينما هو يحيط خصرها بذراعيه ويتابع:
لقد اعتدت الخسارة حياة، اعتدت الحزن والألم والفقد، لا أصدق أنني أخيراً نلتُ شيئاً مما كنت أتمناه، الحمد لله حمداً كثيراً..
وابتعد عنها وأحاط وجهها بيديه ثم نظر إليها مبتسماً وقال:
هل أنتِ متأكدة؟ أرجوكِ حياة لا تتلاعبي بمشاعري.
ابتسمت بتأثر وأمسكت بيديه ثم مالت بشفتها لتمنح باطن كفه قبلة حنونة وقالت:
أنا متأكدة، اليوم ذهبنا لطبيب النساء أنا وحنان.
قطب جبينه متعجباً وقال:
يعني مَن ذهبتما إليه كان طبيب نساء!
أومأت بموافقة فقال:
ولمَ أخفيتما الخبر عني؟ لماذا قالت حنان أنكِ تعانين من الضغط والإجهاد فحسب؟ لماذا كذبتِ علي؟
نظرت إليه بأسف وقالت وهي تتشبث بيديه جيدا:
أنا آسفة، أنا من طلبت منها ذلك، لم أُرِد أن تعرف بالحمل قبل أن نتصالح.
نظر إليها باستغراب وقال:
والسبب؟
تنهدت بتعب وقالت:
لأنني أردت أن نعود لأجلنا أولاً، أن نتصالح لأننا نحب بعضنا وليس من أجل الطفل!
تمتم مستهجناً طريقة تفكيرها وقال:
لا حول ولا قوة إلا بالله، أيُّ عقلٍ تملكين يا حياة؟ في النهاية كنا سنتصالح سواء من أجل حبنا أو من أجل الطفل، هل تعتقدين أني كنت سأتخلى عنك؟ هل أنتِ معتوهة حياة؟
نظرت إليه ومشاعرها المضطربة ترجوه أن يؤكد لها صدق حديثه فقالت بأمل:
حقاً قاسم؟!
أومأ بتأكيد مردفاً:
بالتأكيد حياة، أخسـر عيناً من عينيّ هاتين ولا أخسرك حياتي.. ما فعلته كان بمثابة بطاقة صفراء.. إنذاراً ليس أكثر، أنتِ حياتي يا حياة، هل هناك من يتخلى عن حياته؟!
أسندت رأسها على كتفه باستسلام فضمها إليه بكل حب وابتسم ثم تحولت ابتسامته إلى ضحكات مسرورة وأخذ يردد بغير تصديق:
أشكرك يا رب، اللهم لك الحمد والشكر.. لقد مننت عليّ بأكثر مما أستحق يا إلهي!
ربت على ظهرها بحنان باتت تعشقه ثم قال بهدوء وهو يفكر معها بصوت عالٍ بكل جدية واستعداد:
حسناً، والآن ما الذي يتوجب علينا فعله؟ هل نذهب لشراء الأغراض الخاصة بالمولود، أم نقوم بتحضير غرفته؟ أم نذهب للمشفى لنتأكد مرة أخرى، أخشى أن يكون حملاً كاذباً وتضيع فرحتي هباءً.
نظرت إليه مبتسمة بحنان وقالت:
هل سنشتري الأغراض من الآن؟! أليس باكراً جداً؟! ثم لمَ سيكون حملاً كاذباً قاسم؟ ما الذي يمنع أن يكون حملاً حقيقياً!!
أومأ بتأكيد وكأنه كان ينتظر سؤالها ذلك وأردف مؤيداً بشدة:
صحيح، ما الذي يمنع أن يكون حملاً حقيقياً، أنا والحمد لله رجل بصحة جيدة للغاية، ما الذي سيمنعني من إنجاب الأطفال؟!
ضحكت عالياً وهي تهز رأسها بموافقة فتابع بجدية:
ثم أن الأبله وناقص العقل ينجب، أنا لن أنجب؟ في النهاية الموضوع لا علاقة له بالعقل أساساً.
كان يتحدث بجدية بينما هي تحاول جاهدة أن توقف ضحكاتها الهيستيرية إلى أن صاح بها بجدية قائلاً:
ماذا دهاكِ حياة؟ أنا لا أمزح.. أنا أتحدث بكل جدية الآن.
وزفر بتوتر ومسح على وجهه بانفعال زائد ثم نظر إليها وتهدل كتفيه باستسلام وهو يقول بتأثر:
أنا سعيد جداً حياة!
احتضنها بكل قوته وتابع:
أشكرك حياة، أنتِ سبب كل فرحة دخلت إلى حياتي.
وأنا أشكرك قاسم، أنا لم أشعر بالفرحة إلا بقربك.
بعد دقائق طال عناقهما بها، ابتعد وهو ينظر إليها مبتسماً ويقول:
حسناً، لا بد أن أكافئك على هذا الخبر الجميل، ستجلسين الآن بكل أريحية وتتمددين هكذا كالملكة وتطلبين ما يحلو لكِ.. كل أمنياتك أوامر يا حياتي.
جلست على المقعد فقرب المقعد الآخر منها فمددت قدميها عليه ونظرت إليه بابتسامة مشرقة وقالت:
أنا لن أكون طامعة واستغلالية، كل ما أريده هو غداءً شهياً يُسكت هؤلاء العصافير التي تتهافت ببطني جوعاً، وبعدها يمكنك تحضير مشروباً بارداً لأجلي.
أومأ مبتسماً وقال مازحاً:
حقاً أنتِ لستِ استغلالية أبداً.. على كلٍ، لقد أعطيتكِ كلمة ولن أتراجع عنها، كل أمنياتك أوامر.
وأشار لعينيه واحدةٍ تلو الأخرى ثم انصرف باتجاه المطبخ ليستمع لرنين هاتفه فدخل إلى الغرفة وأصابته الصدمة عندما رأى عدد المكالمات الفائتة من عمه فأجاب اتصاله فوراً وقال:
مرحباً عمي..
أين أنت يا قاسم بربك! لقد اتصلت بك ما يقرب من العشرين مرة!
تحدث صالح بانفعال فقال قاسم بحرج:
أنا آسف ولكنني لم أنتبه للهاتف سوى الآن، أعتذر منك يا عمي.
ليس مهماً، المهم هو حياة.. هل أتت إليك؟
تعجب قاسم سؤاله وأجاب:
أجل، حياة معي لا تقلق، ألم تخبرك أنها ستأتي إلى هنا؟
زفر صالح بتعب وإجهاد ثم قال:
الحمد لله، كنت أعرف أنها ستأتي إليك حتماً، اسمعني قاسم، لا تتخلى عنها مجدداً، حياة تحتاجك وطفلكما يحتاجكما سوياً، لا تتركها لتلجأ لأمها ثانيةً، حافظ على زوجتك وطفلك قاسم.
كان كلامه غير مفهوماً ولكنه أجابه قائلاً:
لا تقلق عمي، لا أملك أغلى من حياة وطفلي.. لا ترهق نفسك بالحديث أكثر.
حسناً، اعتني بها، سأتصل بها لاحقاً.. مع السلامة.
أنهى قاسم الاتصال وقد شكّل كلام عمه علامة استفهام لديه، لذا عاد إلى حيث تجلس حياة باسترخاء وسألها مباشرةً:
حياة، هل تشاجرتِ مع أمك قبل مجيئك إلى هنا؟
نظرت إليه وتجهم وجهها بضيق وقالت:
من أخبرك؟
تساءل بنفاذ صبر وقال:
أجيبي سؤالي، ماذا حدث بينكما لذا فررتِ من البيت وجئت إليّ بتلك الحالة التي كنتِ عليها حتى دون أن تخبري والدك؟!
أغمضت عينيها بتعب وغص حلقها بحسرة وهي تتذكر حديث والدتها ثم قالت:
أرجوك قاسم، لا داعي لأن تفسد مزاجي.. ما حدث قد حدث وانتهى.
اقترب منها أكثر ووقف أمامها وقال بصرامة:
للمرة الأخيرة أسألك، ماذا حدث منها جعلكِ تركضين خارج المنزل بتلك الحالة؟ تكلمي ولا تفقدني صبري حياة.
ابتلعت ريقها بخوف ونظرت إليه بمرارة، تمنت لو استطاعت إخفاء الأمر عنه ولكنها تعلم كم أنه لحوحٌ عندما يتعلق الأمر بها فقالت وهي تخفي عينيها عن مرماه:
طلبت مني أن أجهض الطفل!
نظر إليها مذهولاً وقال بغير تصديق:
تجهضين الطفل؟! غير معقول! لذا عمي قال لي حافظ على زوجتك وطفلك ولا تجعلها تلجأ لأمها مرة أخرى!!! أنا لا أستوعب ما أسمعه! هل هذه أماً فعلاً؟ بالتأكيد لا.. الأم لا تعرض حياة ابنتها للخطر أبداً.
شعر بخوار قوته تماماً فجلس على الأريكة وهو ينظر أمامه بذهول ويستغفر كثيراً إلى أن تمالك أعصابه مجدداً ونظر إلى حياة بحزم وقال:
اسمعيني حياة، من الآن فصاعداً لا تطلبي مني أن تتواصلي معها بأي شكل من الأشكال، بعد طلبها البشع هذا أنا لن أثق بها إطلاقاً، لذا لا تحاولي إقناعي بأن تزوريها أو تطلبي مني أن أسمح لها بزيارتك، يُفضل أن نحتسبها قد ماتت! انتهى.
وتركها وخرج من الشرفة متجهاً نحو الحمام ليغسل وجهه بقليل من الماء البارد علّه يطفئ النار التي تستعر بصدره الآن، أما هي؛ فكيف لنارها أن تهدأ!
***
بعد أن استقر الطفلين كلاهما بغرفته دخلت حنان إلى غرفتها هي وعزيز الذي بمجرد أن أوصد الباب ركض نحوها وضمها إليه باشتياق مهلك وقال بصوتٍ متعب:
وأخيراً حنان، أخيراً عدتِ لحضني.
أخيراً عزيز، يا إلهي لقد اشتقتك كثيراً.. الأيام الماضية كنت أحتاج لوجودك بقربي.
تأوه عزيز بتعب شديد وقال:
الأيام الماضية كانت قاسية جداً حنان، كل لحظة مرت عليّ كانت لتكون أهون لو أنكِ كنتِ معي.
أنا آسفة حبيبي، لولا الأحداث المتلاحقة ما ابتعدنا أبداً.. ولكنني أعدك لن نبتعد أبداً.. الآن أصبحنا أسرة لذيذة أليس كذلك؟ وجود صبر وكريم معنا سيجعل لحياتنا معنى أثق بذلك.
أومأ بتأكيد وقال:
أنتِ محقة، الطفلين يمتلكان طاقة رهيبة، وجودهما معنا سيفيدنا بالتأكيد، ولو أنني أشعر بالشفقة والحزن كلما نظرت بوجه كريم، مسكين!
هزت رأسها وتنهدت بقلة حيلة ثم أردفت:
فعلاً مسكين، عاش العشر سنوات محروماً من العطف، ابتلاه الله بوالدين يملكان قلوباً كالحجارة، ورغم ذلك كان سعيداً، يكفي أنه يعيش بين والديه كأي طفل. وفجأة تبدل الحال ومات والده وسُجنت أمه..
امتلأت عيناها بالدموع ولم تستطرد ما كانت بصدد قوله فابتسم قائلاً:
للأسف. رحمك الله يا عبد الله وعفا عنك.
ونظر إليها وهو يحاول رسم الابتسامة على وجهها مرة أخرى وقال:
ولكننا نستطيع فعل شيءٍ ما، أليس كذلك؟
أومأت بحماس خافت وقالت مبتسمة:
بلى، سنحاول تعويضه قدر المستطاع، نحن لدينا مخزونًا كبيرًا من الحب والعطف يمكننا استثماره في هذين الطفلين.
ضمها إليه مجدداً وأردف بثقة:
صحيح، ثم أنني أثق أن الله سيعوضنا، لا تيأسي حبيبتي.
احتقنت عيناها بالدموع وأومأت بحزن وما كان منها إلا أن انغمست بأحضانه مجدداً في محاولة منها للهروب من ذكرياتها المؤلمة بين ذراعيه اللذان يستقبلانها دوماً بكل حب.
وفجأة.. انفرج الباب وظهر صبر الذي يقف أمامهما وعيناه تجول بالمكان ليتسائل:
ماذا تفعلان؟!
نظر كلا من حنان وعزيز لبعضهما البعض بتعجب وصدمة ثم بادر عزيز بالتحدث بضيق:
ماذا فعلت؟ كيف تدخل دون أن تطرق الباب يا ولد!!
نظر إليه صبر متعجباً وقال ببساطة:
ولمَ عليّ أن أطرق الباب؟
ألم يعلموك أن تطرق الأبواب المغلقة ثم تنتظر حتى يسمح لك من بالداخل بالدخول؟!
قطب الطفل جبينه وقال:
من الذين علموني؟! لم يعلمني أحد!
نظرت حنان إلى زوجها بلوم وهمست:
إهدأ عزيز لا داعي للانفعال..
ونهضت لتقترب من صبر وجثت أمامه على ركبتيها وهي تطالعه بحنان وتقول:
ما فعلته هذا كان تصرفاً خاطئاً صبر، لا بد أن تستأذن قبل أن تفتح الباب، وإذا لم يُسمح لك بالدخول فلا تدخل، يجب أن تنتظر حتى يتم فتح الباب. هذه آداب الاستئذان التي علمنا إياها الرسول عليه الصلاة والسلام.
أومأ صبر دون رد فقالت بابتسامة:
عندما يُذكر اسم الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن نصلّ عليه، لذا قُل صلى الله عليه وسلم.
أومأ موافقاً وردد:
صلى الله عليه وسلم.
مسحت على رأسه بابتسامة وقالت بحنو:
عندما تريد الدخول مرة أخرى لا تنس طرق الباب، اتفقنا؟
اتفقنا، حسناً أنا أعتذر. لم أكن أعرف أنه من الضروري أن أطرق الباب، لم يخبرني أبي بشيء مثل هذا، أساساً شقتنا لم يكن بها سوى غرفة واحدة لذلك لم نكن بحاجة لطرق الباب.
ابتسمت حنان بحنان يضاهيها وقالت بود:
لا عليك، جميعنا نجهل الكثير من الأمور.. هيا أخبرني ماذا كنت تريد عندما اقتحمت الغرفة؟
وضحكت فضحك ثم قال وهو يشير للوح إلكتروني بيده:
كنتُ أريد من عمي عزيز إصلاح لوحي الإلكتروني، لا أعرف سبب توقفه فجأة.
تكلم عزيز قائلاً:
أرني إياه.
تقدم صبر خطوة للداخل ثم تراجع للخلف ونظر إلى عزيز قائلاً:
هل تسمح لي بالدخول؟
ضحكت حنان بقوة بينما نظر إليه عزيز مبتسماً وقال بحنق مزيف:
أنت دخلت بالفعل، أرني اللوح.
دخل صبر وتقدم منه ثم أعطاه اللوح وقال:
كريم أخبرني أنك تهوى تصليح الإلكترونيات، لذا من فضلك أصلحه بأقصى سرعة.
أومأ عزيز موافقاً وقال مبتسماً:
لا تقلق، سيكون بحوزتك في المساء.
خرج صبر من الغرفة متحمساً فأوصدت حنان الباب وجلست بجوار عزيز وهي تقول:
أرجوك عزيز كن هادئاً وأنت تتحدث برفقتهما، وخاصةً صبر؛ فهو مهما كان غريباً وسيتعامل معنا بحساسية شديدة.
أنا لم أقصد أن أنفعل عليه ولكن دخوله الغرفة فجأة أثار استيائي حنان، تخيلي لو أنه دخل في وقت غير مناسب، كيف سيكون حالنا!
ضحكت وقالت:
لا تقلق لن يحدث، المثير للشفقة أنه لم يجد من يرشده للخطأ والصواب، توفيت والدته وهو رضيع وأبوه من ربّاه ولم يهتم بمثل تلك الأمور أو بالأحرى لم ينتبه لها.
أومأ موافقاً وقال:
فرّج الله كربه.
تنهدت حنان بحزن وأمنت على دعائه ثم قالت:
قاسم أخبرني أنه يحاول إيجاد مخرج له من هذه القضية، لا أعرف إن كان سينجح أم لا.
زم شفتيه بأسف وقال:
لا أعتقد، بالرغم من أنني شعرت بالغضب الشديد من قاسم عندما علمت بما فعله به، ولكني لم أتمكن من مواجهته بضيقي وغضبي هذا لأنني أعرف أن الظلم ليس هيناً أبداً.. من يتذوق مرارة الظلم يصعب عليه التسامح، وللأسف الشديد نحن ظلمناه.. في النهاية هو ليس ملاكاً كي يمكنه التغاضي عن قسوة الخيانة والظلم، والتسليم بأن الأيام قد تحمل العقاب الإلهي لمن ظلموه. وهذا بالضبط ما حدث معنا!
أطرقت برأسها أرضاً بخزي وندم، فاقترب منها وأحاط خصرها بذراعه وأمسك كفها وقبّل باطنه ثم قال:
لا تحزني حنان، الحمد لله نحن نحاول تعويضه عما فعلناه ولسنا مصرين على تكرار خطأنا، وقاسم يحمل قلباً كالذهب أثق بأنه سيعود إلى معدنه الطيب ذات يوم.
أومأت وهي تحاول الخروج من حالة الكآبة التي يغوصان بها الآن واقتربت منه ومنحت خدّهُ قبلة لينفرج الباب مرة أخرى ودخل كريم قائلاً:
خالتي حنان، أريد تشغيل التلفزيون.
أخذ عزيز يضرب كفاً بكف وهو يتمتم بسخط:
لا حول ولا قوة إلا بالله..
نظرت إليه حنان بتحذير فنهض وهو يقول:
أنا سأنسحب تماماً ريثما تنتهين من درس آداب الاستئذان الذي ومن الواضح سيكون مقرراً علينا كل يوم.
خرج إلى الشرفة فاقتربت من كريم وجثت أمامه وهي تقول بابتسامة وتكرر نفس ما قالته لصبر:
ما فعلته هذا كان تصرفاً خاطئاً كريم، لا بد أن تستأذن قبل أن تفتح الباب، وإذا لم يُسمح لك بالدخول فلا تدخل، يجب أن تنتظر حتى يتم فتح الباب. هذه آداب الاستئذان التي علمنا إياها الرسول عليه الصلاة والسلام.
أومأ كريم قائلاً:
صلى الله عليه وسلم، جدي صالح أخبرني أنه حينما نذكر اسم سيدنا محمد لا بد أن نصلّي عليه.
ابتسمت واحتضنته وهي تقول:
فديتكَ أنت وجدك صالح، والآن عد إلى غرفتك وأنا سألحق بك.
أومأ موافقاً فذهبت خلفه وقامت بتشغيل التلفزيون كما طلب منها، ثم عادت إلى غرفتها مجدداً لتجد عزيز يجلس في انتظارها وهو يقول باستياء:
ما هذا! حقاً ما قلة التربية هذه!
ضحكت ونظرت إلى عزيز الذي قال:
أتضحكين؟ على ما يبدو سأقوم بشحنهما في أول سيارة أجرة وأعيدهما حيث كانا.
اقتربت منه ووقفت أمامه مباشرةً وأسندت كفها فوق صدره وقالت بابتسامة:
كن هادئاً عزيزي، الأطفال يحتاجون إلى الحِلم في التعامل.. والحِلم سيد الأخلاق.
هز رأسه وهو ينظر إليها بطرف عينه بابتسامة ثم أمسك بخصرها وأخذ يدغدغها وهو يقول:
أمرك حنونة، أنا من يدك هذه ليدك تلك.
ومال عليها ليقبلها ولكنه تراجع فجأة وهو ينظر إلى الباب وقال:
لحظة، سأوصده بالمفتاح حتى لا أفقد القليل المتبقي من ماء وجهي أمام هذين المتطفلين.
***
عاد قاسم من المطبخ وهو يحمل صينية فوقها بعض الشطائر وكوبين من العصير، ثم وضعها أمام حياة وجلس بجوارها وقال:
هيا حياة، جرّبي شطائري المتواضعة.
نظر إليها ليجدها شاردةً وملامحها مقتضبة وحزينة لأبعد حد، ولم يكن من الصعب أن يعرف سبب وجومها ذلك، زفر وهو يحاول طرد المشاعر السلبية بداخله وأمسك يدها واحتضنها بين كفيه وهو يقول:
ماذا تريدين حياتي؟
نظرت إليه وتقاطرت دمعاتها فزم شفتيه بيأس وأردف:
ليس مجدداً حياة أرجوكي.. لقد بكيتِ بما يكفي.
لن أستطيع أن أقسو عليها قاسم، صدقني أمي أضعف مما تتخيل، أعرف أنها تثير ضيقك وإزعاجك، أنا أيضاً أشعر بالغضب والحقد تجاهها لن أنكر ذلك، ولكنني لن أستطيع أن أنبذها. هي ستظل أمي مهما فعلت.
تنهد بيأس وعجز ثم ربت على كفها وقال:
وأنا لن أتسبب في عقوقك لها حياة، ما قلته كان بلحظة غضب، أقصد عندما قلت أني سأمنعك عن زيارتها ومهاتفتها.. ولكنني أرى أنه عليكِ أن تبتعدي لفترة، يجب أن تدرك خطأها وتوابعه، لا بد أن تشعر بالخوف من خسارتك كي تتوقف عن محاولاتها لافساد حياتنا.
أومأت بتأييد فتابع:
فقط كل ما أطلبه منك فترة بسيطة.. علّها تراجع نفسها وتدرك حجم الخطأ الذي ارتكبته بحقك.
احتضنته بامتنان فقبل أعلى جبهتها وقال:
والآن عليكِ أن تتناولي طعامك كي تتناولين دواءك..
وابتسم وهو يمسح على بطنها بحنان وفرحة وقال:
لا بد أن نعتني بالحداد الصغيـر جيدا.
اتسعت ابتسامتها وبدأت بتناول طعامها بشهية مفتوحة، ولمَ لا.. وهي محاطة الآن بكل الحب والود الذي من الممكن أن تحصل عليه امرأة محظوظة مثلها.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نعمة حسن
بعد مرور يومين، خرجت سارة من غرفتها قاصدةً غرفة أمها لتخبرها بأنها ستخرج. وقفت أمام الباب الذي كان مواربًا وهمت بطرقه، ولكنها تراجعت عندما استمعت إلى صوت نهنهات أمها تصدر من الداخل. فتسللت ودخلت بهدوء، فإذ بها ترى أمها وهي تقبع فوق الفراش وحولها الكثير من الصور. تنظر إليها وهي تبكي بانهيار، حالة من الشجن والضياع لم يسبق أن رأتها بها قبل ذلك.
رق قلبها وشعرت بالحزن والشفقة لأجلها، فتقدمت منها وجلست بجوارها وهي تنظر للصور المبعثرة فوق الفراش. ثم نظرت لأمها وقالت بحنان:
"هل أنتِ بخير ماما؟"
ارتمت فتون عليها وحضنتها وهي تبكي بحسرة وتقول:
"لست بخير أبدا سارة، شعورًا بالحسرة يملؤني، أشعر بالقهر يجتاح قلبي ولا أعرف سبيلا للخلاص منه."
طوقت سارة عنقها وقالت بأسف:
"هوّني على قلبك أمي، هذا قدرنا."
كانت الأخيرة تهز رأسها برفض وهي تقول بحرقة:
"كيف لي أن أهون على قلبي سارة؟ كلما تذكرت كلام والدك أشعر بالقهر ينهش قلبي. ليتني لم أزُرهُ، كنت قبل زيارته متماسكة بعض الشيء، كنت أرتدي قناع الجمود والنسيان واللامبالاة ببراعة لسنوات طويلة، ولكن ما إن رأيته حتى سقطت كل الأقنعة التي كنت أرتديها وظهر الحب والحسرة على حقيقتهما. أنا أحبه سارة!"
وابتعدت عن ابنتها وأمسكت بالصورة التي كانت تجاورها وأشارت لسارة وهي تقول:
"انظري، في هذه الصورة كيف كان يحتضنني! نحن نحب بعضنا بشدة، أليس ظلمًا أن يفترق حبيبين كل هذه المدة؟ أليس ظلمًا أن يضيع شبابنا وأجمل أيامنا وكل واحد منا بمكان! ويَعدُني أنه سيعوضني عن كل ما فاتنا بعد أن يخرج؟ متى سيخرج سارة؟ بعد شهر؟ بعد سنة؟"
وأغمضت عينيها بيأس وهي تقول:
"بعد سبع سنوات! تُرى يوجد بالعمر كم سبع سنوات!"
أحاطتها سارة بحنان ومسحت دموعها بأناملها الرقيقة وقالت:
"إهدئي أرجوكِ، عليكِ أن تقبلي بالأمر الواقع أمي، لا نملك حلا آخرا للأسف!"
أومأت فتون بقلة حيلة وعادت لهدوئها مرة أخرى وقالت:
"للأسف، هذا قدرنا فعلا."
ربتت سارة على ذراعها بحنو وهي تحاول مد الدعم إليها وقالت:
"هل نخرج سويا؟ أنا أيضا أشعر بالضيق وكنت أفكر أن أخرج لأتمشى قليلا."
هزت فتون رأسها بيأس وقالت:
"لا، لا أشعر أني في حالة جيدة، أخرجي ولا تتأخري."
أومأت سارة بموافقة، ثم مالت عليها وقبلت وجنتها ثم خرجت، بينما تمددت فتون في فراشها بحزن وظلت شاردة تتخبط أمام هجوم من الذكريات التي لا ترحمها.
مدت يدها وفتحت درج الصِوانة المجاور لسريرها وأخرجت علبة سجائرها وقداحتها الذهبية، ثم أشعلت سيجارة وأخذت تنفث دخانها بيأس وهي تردد:
"لا سبيل للفرار من الكآبة للأسف!"
بعد قليل سمعت رنين جرس الباب، تجاهلته أول مرتين ولكن أمام إصرار الزائر لم يسعها سوى أن تنهض بتثاقل وتفتح الباب.
"مرحبا تونة، ما بكِ هل كنتِ تبكين؟ وما هذا هل تدخنين؟! لقد فاجئتِني!"
دخلت فريال كالإعصار الذي لا يستأذن ولا يتمهل فيجرف كل شيءٍ في طريقه، تقدمت كصاحبة بيت تعرف الطريق جيدا نحو غرفة المعيشة وجلست وتربعت فوق الأريكة، بينما فتون لا تزال واقفةً أمام باب الشقة تحاول ضبط انفعالاتها كي لا تطرد تلك الجارة المتطفلة التي أتت في وقت غير مناسب تماما.
"هيا تونة، هل تنتظرين ضيوفا أخرى أم ماذا؟"
صفقت فتون الباب مما أجفل فريال وجعلها تقفز فوق الأريكة بفزع ونظرت إليها باستغراب وقالت:
"ما بكِ يا مجنونة؟ على ما يبدو أنكِ لستِ بمزاج جيد أبدا."
اقتربت فتون منها ورمت جسدها فوق الأريكة بانهزام وأخذت تدخن وهي لازالت تبكي بصمت، بينما تطالعها فريال بأسف ثم قالت:
"غالبًا تعانين من الحنين للماضي، أعرف تلك الحالة جيدا، حينها يشعر الإنسان أنه تائه، يفقد نفسه ويظل يبحث عنها على أمل إيجادها، يشعر بالحنين لنفسه القديمة، لشكله، ملامحه، ذكرياته، أحلامه التي طواها دفتر الأيام والواقع المرير."
كانت فتون لا زالت تتشبث بسيجارتها التي تساعدها في تمثيل حالة من اللامبالاة، ولكن بداخلها فقد هزها كلام فريال وأثر فيها بشدة، وبينما هي تستمع إليها كانت دمعاتها تشق خديها بانكسار.
مالت فريال نحوها وربتت على كتفها بمواساة وقالت:
"لا تتركي نفسك للحنين فتون؛ فالحنين قاتل.. الحنين يقودنا للجنون أحيانا."
أومأت فتون بهدوء عكس الضجيج الذي يلتهم روحها ويعيث فيها فسادا، ثم اقتربت من المنفضة وأطفأت بها السيجارة، ثم مسحت على وجهها بضيق وهي تنظر إلى فريال ورسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها وقالت:
"حسنا، أخبريني كيف حالكِ؟"
تنهدت الأخرى بضيق وقالت:
"حالي ليس أفضل من حالك للأسف، بتُ أشك في مقولة أننا جنس لطيف هذه، صراحةً الأقرب للواقع والحقيقة هو أننا جنس كئيب، حزين، سوداوي، أما جنس لطيف هذه لا تمت للواقع بصلة."
ضحكت فتون رغما عنها وقالت:
"للأسف نحن مساكين، كل الظروف ضدنا، لذلك تجدين أننا أصبحنا كئيبات وسوداويات."
"أعرف ذلك، ولكن علينا ألا ننهزم بتلك السهولة يا امرأة! أنا مثلا أبكي في الليلة مرتين، وأنتِ كذلك.. تبدو عينيكِ وكأنها كاسات من الدم من فرط البكاء! ألا يجب أن ننجو بأنفسنا من بحور الكآبة والنكد التي نغوص فيها هذه!"
ابتسمت فتون على حالميتها المفرطة وتساءلت باستهجان أقرب منه لسؤال وقالت:
"برأيك كيف سننجو؟"
رفعت كتفيها جهلا وضيقا ثم قالت وهي تنظر أمامها بشرود وتفكر:
"لا أعرف، ولكن أعتقد أننا بالاسترخاء والبحث عن الطاقة الإيجابية والتفاؤل يمكننا أن ننجو، في النهاية كلنا محاطون بالأحزان والانهزامات ولكن علينا الصراع من أجل البقاء!"
ضحكت فتون وهي تهز رأسها بتعجب ثم قالت:
"على ما يبدو أن زياراتك المتكررة لطبيبنا العزيز جعلت منكِ أخصائية نفسية ماهرة!"
ابتسمت فريال بحيرة وقالت:
"ربما."
ابتسمت فتون لما رأت ابتسامتها وقالت:
"هل تحبينه فلة؟ عيناكِ تقطر حبًا يا مسكينة."
ضحكت فريال وشردت ببصرها مجددا وقالت:
"لا أعرف، كل ما أعرفه أني أحب رؤيته، أتحجج وأخترع الذرائع كي أذهب إليه، وعندما أذهب لا يسعني سوى الصمت.. أظل أبحث عن كلاما أقوله ولكنني لا أجد سوى بعض العبارات المتناقضة والجُمل الغير مفهومة، في الحقيقة هو يستقبل تخبطي وحيرتي بكل لطف ولكني بتُ أشعر بالحرج، أخشى أن يظن أنني أتحجج لزيارته فحسب."
ضحكت فتون وقالت:
"يظن؟! يؤسفني أن أخبرك أنها واضحة للأعمى عزيزتي."
ضحكت الأخرى بحرج وقالت:
"صحيح، لذا توقفت عن زيارته، مر يومين لم أذهب لزيارته بهما وهذا ما يثير ضيقي وغضبي وجنوني أيضا."
"أوووه.. هل هذه لوعة الشوق يا فلة؟!"
"ربما، صراحةً أنا فعلا أشتاقه وبشدة، وبصراحة أشد أنا أشفق عليكِ فتون، كيف تحملتِ كل تلك السنوات بدون زوجك؟ كيف أخرستِ شوقكِ كل هذه المدة؟! أنتِ جبل فعلا."
أصابتها بمقتلٍ فكان وقع كلماتها عليها كالسيف؛ مما جعلها تشعر بالاختناق فخرجت إلى الشرفة وجلست تطالع البحر في صمت فلحقت بها فريال وجلست بجوارها وهي تقول بأسف:
"أنا آسفة تونة، لم أقصد مضايقتك صدقيني."
هزت فتون رأسها بهدوء وقالت وهي تزيل دمعاتها بإباء:
"لا بأس، إنها الهشاشة النفسية ليس إلا.. المرءُ أصبح ينفعل بسبب أتفه الكلمات وأبسط الأفعال، للأسف بداخلنا تراكمات سوداء وهي من تتحكم بنا، أصبحت أشعر أنني كالكأس المملوء لآخره الذي لا ينبغي أن يقوم أحدا ما بهزِهِ كي لا ينسكب فجأة."
تنهدت الأخرى بضيق وقالت:
"وأتيتُ أنا بكل حماقة وأفضتُ الكأس، أنا حقا أعتذر، على كل حال لقد أخذت من وقتك أكثر مما ينبغي، لذا سأغادر الآن."
هزت فتون رأسها وودعتها فانسحبت فريال وهي تؤنب نفسها وتلومها، ثم نزلت باتجاه شقتها لتتفاجأ بالدكتور ممدوح وهو يخرج من المصعد وقد بدا عليه الإرهاق والتعب.
اشتعل قلبها وتأججت نيران شوقها وهي تراه بعد غياب يومين فابتسمت لا إراديًا وقالت:
"مرحبا دكتور."
طالعها بعتاب مبتسما وقال:
"مرحبا فلة، لديكِ غرامة غياب ليومين.. إلا أن يكون السبب مقنعا."
ابتسمت بتوتر وقالت:
"كنت مشغولة بعض الشيء."
همهم بهدوء وقال:
"حسنا عزيزتي، كما يحلو لكِ، على كل حال أنا سعيد لأنني رأيتكِ اليوم، لأني سأغيب لأسبوع كامل."
خفتت ابتسامتها ونظرت إليه بضيق وقالت:
"هل ستغيب؟ وما السبب؟"
نظر إليها مبتسمًا وقال:
"السبب سيدتي هو أنني أستعد لحفل زفاف…"
"مرحبا…"
برز صوت قصي فقطع ممدوح حديثه عندما رأى ابنه الذي أقبل عليهم مبتسما ومد يده لمصافحة فريال بلطف ثم قال:
"أعتذر لأنني قطعت حديثكما ولكنني كنت أحتاج التحدث معك بصفة ضرورية أبي."
نظر ممدوح لفريال مبتسما وقال:
"أعتذر منكِ، هذا المتطفل دائما ما يأتي بالأوقات الخاطئة، على كل حال أراكِ لاحقا."
هزت رأسها بشرود وأكملت طريقها نحو شقتها بتثاقل وبطء، دخلت وأوصدت الباب وهي تردد بتيه:
"سيتزوج؟! أيعقل؟!"
سقطت العَبرات من عينيها بغزارة وأحست بانقباض قلبها وارتجف جسدها بالكامل فتهاوت على الأريكة المجاورة للباب وهي تهمس بغير تصديق:
"هل قال أنه سيتزوج؟! مستحيل! هذا يعني أنه لم يحبني كما أحببته! إذًا لماذا كان يعاملني بتلك الطريقة؟! لماذا كان حنونا ومراعيًا بذلك القدر؟ أم أنني من كنت أتوهم! خلقت لنفسي أملا كاذبا كي أحياه وتقمصت دور المحبوبة ولم أضع بالحسبان أنني مجرد امرأة لا تملك حق الحب!"
أغمضت عينيها وظلت تبكي وتضرب على قلبها علّه يهدأ أو تنصرف تلك الانقباضة التي تنذر بالموت.
"مسكينة يا فلة، ظننتِ أنكِ وجدتِ الحب أخيرا، ونسيتِ أنكِ كنتِ وما زلتِ وستظلين فريال المنحوسة التي يفر منها الحب كما لو أنها لا تستحق."
كان قاسم يجلس بمكتبه بالمعرض بعد غياب دام لأسابيع، يتابع حركة البيع ويراجع كشوف الإيرادات بتركيز. رن هاتفه برقم السيد أكثم فأجاب باهتمام:
"مرحبا سيد أكثم كيف حالك؟"
"مرحبا قاسم، أنا بخير والحمد لله."
"أخبرني، هل كل الأمور على ما يرام بشأن الزيارة؟ لقد تحدثت مع السيدة فتون وأخبرتها أنني من سيذهب لزيارة سيد حبيب برفقة سارة هذه المرة."
"لا تقلق، كل شيء على ما يرام، حقيقةً أنا لا أحدثك لأجل الزيارة، اتصلت لكي أبشرك. تم الحكم على طبيب الغفلة بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات."
زفر قاسم بارتياح بعد انتظار وتوتر وتحفز لفترة طويلة ثم قال بابتسامة مشرقة:
"وأخيرا. الحمد لله."
"أجل، والحكم في قضية عنبر ستكون آخر الشهر المقبل."
هز قاسم رأسه بتمهل بعد أن انقبضت ملامحه بضيق وردد:
"ليفعل الله خيرا."
"إن شاء الله. في الحقيقة أنا اتصلت من أجل موضوع آخر قاسم، وجدي المحامي كان قد أخبرني أنك تحدثت إليه بخصوص حسان وأنك تحاول أن تجد له مخرجا من قضية المخدرات."
"صحيح."
"قاسم أنت تعرف مقدار معزّتك لديّ، وتعرف أنني أقدرك كثيرا وأقدر مجهودك مع سارة ومدام فتون، لذا سأكون صريحا معك."
قطب قاسم جبينه متعجبا وأردف بقلق:
"تفضل أستاذي أنا أسمعك."
تحدث أكثم ببساطة قائلا:
"هل لديك استعدادا كي تدخل السجن بدلا من حسان؟"
توقف عقل قاسم عن التفكير لحظة ثم قال بجمود:
"بالتأكيد لا."
"إذا لماذا تقوم بنبش الماضي؟!"
"أنا لا أفهمك."
"سأوضح لك، أولا وجدي المحامي ليس لديه فكرة عن أنك من دبرت قضية المخدرات لعبدالله ثم أقنعت حسان بالاعتراف بتلك التهمة، لذلك رحب باقتراحك وأخبرك أنه سيسعى لمساعدتك. أما أنا، ولأني أعرف عنك كل شيء وعلى دراية بكل تحركاتك فأقول لك لا تحفر قبرك بيدك."
ابتلع قاسم لعابه بتوتر بينما استطرد أكثم حديثه قائلا:
"أعرف سبب محاولاتك تلك يا قاسم، أنت تشعر بالذنب، ضميرك يؤنبك وقلبك يؤلمك من أجل صبر، لذا تحاول إسعاده وتظن أنك بإمكانك إنقاذ والده وتبرئته من تهمة هو اعترف وأقر بكامل قواه العقلية أنه ارتكبها. إذًا لا سبيل لنفي تلك التهمة عنه إلا بإثبات أنه تعرض للضغط أو الابتزاز من قِبَل عبدالله حتى يعترف بتلك التهمة بدلا منه، هل تملك دليلا على ذلك؟"
"لا، ولكنني ظننت أن المحامي بإمكانه أن يجد ثغرة أو ما شابه تساعده في ذلك.."
"أنت قلتها بنفسك هو محامي وليس حاوي، أي أنه يعتمد في دفاعه على أدلة ملموسة وحقيقية، والدليل الوحيد الذي تملكه أنت يا قاسم هو أن حسان قد تعرض للمساومة والابتزاز فعلا ولكن من قِبَلك أنت!"
ابتلع قاسم هذه الكلمات بقسوة ومرارة واحمر وجهه وشعر بعروقه التي نفرت من الانفعال وأومأ بغضب مكتوم وهمس:
"للأسف، هذا صحيح."
"لذا أقول لك لا تحفر قبرك بيدك، لا يوجد دليل أن عبدالله هو من ابتز حسان كي يحمل التهمة بدلا منه، وحتى إذا اخترعنا دليلا على ذلك ووجدناه من العدم سيكون دليلا مطموسا يا قاسم. لذا أرى أنه من الأفضل ألا تحاول إصلاح ذلك الأمر لأنك حينها ستفتح على نفسك أبواب الجحيم."
هز قاسم رأسه بعجز شديد، وكم مَقت ذلك العجز واستنكره وشعر بالضعف والخزي يمتلكانه. أنهى الاتصال مع أكثم وقام بالاتصال بوجدي المحامي وأخبره بإلغاء قراره فيما يخص قضية حسان، ثم غادر المعرض واستقل سيارته وهو يشعر بالاستياء والضيق الشديد، يشعر بالحقد تجاه نفسه ويشعر كأن الكون قد ضاق عليه فجأة، فأدار محرك السيارة وهو يهمس لنفسه بأسى:
"لا بأس قاسم، هناك حياة!"
كانت حياة لا تزال بفراشها نائمة، بعد أن حضرت لقاسم فطورا رومانسيا وودعتهُ بعدها بسيلٍ من القِبل، ثم عادت لفراشها من جديد كي تستجيب لحالة الخمول والنعاس التي بدأت تفرض سيطرتها عليها.
انتفضت فجأة بعد أن شعرت باهتزاز الهاتف بجوارها وطالعتهُ لثوان ثم أجابت بصوت ناعس:
"مرحبا بابا، كيف حالك."
"أنا بخير حبيبتي، أنتِ كيف حالكِ؟ على ما يبدو كنتِ نائمة!"
"بخير الحمد لله، نعم كنت نائمة، أصبحت أنام أكثر مما أتنفس."
ابتسم بحنان مردفًا:
"أعانكِ الله حبيبتي، هل قاسم لا يزال بالمعرض؟"
"أجل، هل هاتفك اليوم؟"
"نعم، هاتفني وأخبرني أنه سيحضر لي ممرضة مرافقة."
تنهدت بضيق وقالت:
"ألا زلت تخاصم أمي؟"
"ولن أرضى عنها أبدا ما دامت تعيث فسادا بحياتكن، يكفي أنها دمرت أختك، لن أسمح لها بتدميرك أيضا."
"لا تخف عليّ أبي، أنا بأمان ما دام قاسم معي. أرجوك لا تخاصمها أكثر من ذلك، أنت تعرف أمي لا تعرف غيرنا، لا تملك أهلا ولا أقاربا حتى تلجأ إليهم، لذا أرجوك لا تكن قاسيا عليها."
"لا تشغلي بالك حياة، أمك منذ زمن وهي تحتاج لوقفة، وللأسف لقد تأخرت كثيرا عن فعل ذلك. لعل خصامي وهجري لها يجعلها تقف وقفةً مع نفسها وتعيد التفكير في أفعالها من جديد."
مسحت حياة على وجهها بحيرة وزفرت بتعب ثم قالت:
"ليفعل الله خيرا يا أبي، أرجوك لا تحزن لأني لم آتِ لزيارتك منذ غادرت ولكنني… حقيقةً لا أعرف كيف سأواجهها بعد ما حدث، أشعر أنني لن أقوى على النظر بوجهها أبدا."
"لا تضغطي على نفسك حياة، أنا بخير لا تقلقي، حنان تأتي للاطمئنان عليّ وعزيز يزورني يوميا مرتين، أصلح الله باله هو من يساعدني في دخول الحمام والاستحمام. الحياة ليست متوقفة على صفية على كل حال."
زمت شفتيها بأسف وتملكها الحزن إثر حالة التوتر التي نشبت بين والديها وهذا أشد ما يؤلمها ويعكر صفو حياتها، بالرغم من علمها أن والدتها مخطئة وتستحق عقاب أبيها ولكنها كلما تخيلت أنها منبوذة ووحيدة الآن تكاد تجن من فرط الحزن والأسى على حالها.
أنهت الاتصال مع والدها وهمت بالاتصال بقاسم لتتفاجأ به يفتح الباب ثم دخل متجها على الفور نحوها وقام بضمها إليه بقوة وبدون مقدمات.
تعجبت حياة حالته خاصةً وأنه لم ينطق بحرف واحد، وهذا ما أوحى لها أنه بحالة سيئة فأحاطت خصره بذراعيها وهي تقول بنعومة:
"هل أنت بخير قاسم؟"
هز رأسه برفض وهو لا يزال يعانقها بكل ما أوتي من قوة وأردف بصوتٍ متحشرج:
"لا، لست بخير أبدا."
انقبض قلبها بخوف وابتعدت عنه تنظر إليه باستغراب وقالت:
"ماذا بك؟ هل حدث شيئا؟"
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة دون أن ينبس بكلمة، أساسا هو لا يجد ما يقوله، لا يعرف من أين سيبدأ وكيف وإلى أين سينتهي به الحديث. كل ما يعرفه أنه يشعر شعورا سيئا جدا ولا يعرف كيفية التعبير عنه.
كان يجلس واجمًا، قاطبًا جبينه بشرود ولسانه لا يتوقف عن الاستغفار، أمسكت حياة بيده وشدت قبضتها فوقها وهي تسأله بحيرة:
"ماذا حدث يا قاسم؟ ما سبب حالتك هذه؟!"
كان كلام أكثم يتردد برأسه الآن، وكأنه يملك مخالبًا حادة ويحفر بها في ثنايا قلبه فيترك جرحًا لا يندمل أبدا. فنظر إليها وتحدث بشرود وقال:
"أنا ضعيف جدا حياة. أشعر بالقرف من نفسي."
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"لماذا تقول هذا الكلام قاسم؟ أنت لست ضعيفا أبدا ولا ينبغي أن تشعر بمثل ذلك الشعور. أنت مدعاةً للفخر حبيبي."
ابتسم متهكما بسخرية وقال:
"بنظرك أنتِ فقط حياة. أنا تجاوزت حدودي، تخطيت كل المسموح به، أنا تسببت في تيتُم طفلين مسكينين، سجنت والد صبر في تهمة لم يفعلها، أجبرته على الاعترف بتهمة لم يفعلها كي يفدي عبدالله الذي سجنته أيضا في تهمة لم يفعلها كذلك، ساومت حسان وقمت بابتزازه واستغلال مرض ابنه الوحيد، جعلته يحمل على عاتقه تهمة وهمية أنا من اختلقتها ودخل السجن على ذمتها وسيبقى به لثلاث سنوات. حرمت ابنه المريض منه بكل خسة وندالة، كل هذا من أجل سراب، من أجل وهم اسمه الانتقام!!"
ونظر إليها وعينيه تلمع بالدموع الساكنة وقال:
"أنا نادم حياة، نادم بشدة."
قاومت كي لا تبكي ولكنها لم تنجح، وبينما هي تنتحب كان هو يحكي قائلا:
"السيد أكثم أخبرني بأكثر حقيقة مؤلمة في حياتي. ألقاها بوجهي بكل صراحة ووضوح وقال لا تحفر قبرك بيدك، إن حاولت تبرئة حسان من هذه التهمة فعليّ أن أعترف أنني الفاعل الحقيقي، أنا من دسست المخدرات بالمحل لعبدالله، وأنا من أخرجته من السجن وأدخلت حسان بدلا منه، وللأسف حياة، أنا لا أملك الشجاعة الكافية كي أفعل ذلك، لست شجاعا بما يكفي كي أعترف أنني الفاعل وأبرأ حسان، ليس لدي استعدادا أن أدخل السجن مرة أخرى حتى لو في سبيل إنقاذ حسان وإسعاد صبر. أنا ضعيف وجبان."
نظرت إليه بشفقة وهي تبكي حالهُ المسكين، ثم أحاطت وجهه بكفيها وأسندت جبهتها على جبهته وقالت:
"لا تحمّل نفسك فوق طاقتها قاسم، لا تفكر في الماضي. ما حدث قد حدث ولا سبيل لإصلاحه. في النهاية هذا ما كنت تسعى إليه."
تجهم وجهه بضيق وراوده شعور غريب بالقهر والحسرة وقال:
"أتذكرين حياة، أتذكرين عندما سألتنِي يومًا ما هو هدفك ماذا كان جوابي؟"
أومأت ودموعها تسترسل على خديها وقالت بشجن:
"أجل، جوابك حينها كان أن يطمئن قلبك!"
أومأ تباعا وهو يتمعن إجابتها بهدوء وقال بأسف:
"صحيح. لذا سعيتُ للانتقام، ظننتهُ عدلا، تجبرتُ واستخدمت كل ما أملك كي أصل لهدفي، واسيتُ بقايا ضميري الحي بأن ذلك هو القصاص، أغمضتُ عين الحق وتجاهلتُ حدسي ومضيتُ في طريقي قدمًا، حطمتُ عبدالله، وعنبر، وحسان، حققت كل ما أردت تحقيقه منذ البداية. وفي النهاية لم يطمئن قلبي!"
أنهى حديثه وأجهش بالبكاء بقوة مرتميًا عليها فضمته بقوة وشاركته البكاء وهي تبحث عن كلمات من شأنها أن تواسيه ولكنها لم تجد. فهي تعرف في صميم نفسها أنه محق! لذا أيا ما ستقوله الآن سيكون نفاقا ليس إلا، وهي لن تنافقه أبدا مهما حدث؛ لذا آثرت الصمت وضمته أكثر حتى أفضى ما بقلبه تماما وهدأ واستكان بين ذراعيها ثم ابتعد عنها وهو ينظر إليها ويقول:
"أشعر بالذنب حياة، أشعر بالندم والخوف كذلك. ليتني لم أفعل كل ما فعلته، كان عليّ أن أكون أكثر إيمانا وتسليما، كان علي أن أعمل بالمقولة التي رباني عليها والدي.. 'ما انتقم أحدٌ لنفسه قط إلا وأعقبه ذلك ندامة'. ظننتُ أن بذلك سيشفى قلبي، ولكني أصبحت كالمدمن، لا أشبع ولا أكتفي بداخلي رغبة في تدمير كل شيء، ظننتُ أن الانتقام سيعطيني شعورا بالرضا والتعويض عما فقدتهُ ولكني اكتشفتُ أن الانتقام لا يفيد بشيء."
أنهى كلماته ونوبة انهياره وأسقط جذعه للخلف متمددا فوق الفراش ثم جذبها لترتمي فوق صدره وطفق يمسد ذراعها بلمساتٍ حنونة، ثم مال ليقبل جبينها وقال:
"لا تتخلي عني أبدا حياة، عديني أنكِ ستساعديني حتى أعود لقاسم الذي كنت عليه، النسخة التي أنا عليها الآن أكرهها وبشدة."
اقتربت منه وقبلت وجنته وهي تهمس إليه:
"أعدك حبيبي، سأكون معك دائما وأبدا، ما دام هناك قاسم سيكون هناك حياة بكل تأكيد."
"أشعر بالاستياء، أودُ الهرب من هذا الشعور، ضميني حياتي."
طلب فلبت، أمر فأطاعت، استغاث فأغاثته بأكثر ضمة حنونة كان يأمل في الحصول عليها يوما ما. وأمام ذلك العطاء والمشاعر السخية تلك لم يسعه سوى أن تتلاقى جفونه ويغفو سريعا.
كانت سارة تجلس بأحد الكافيهات النائية، والذي تقصده نادرًا عندما تود الهرب من ضجيج صديقاتها، وتريد أن تنفرد بنفسها لبعض الوقت؛ فكانت دوما تختار طاولة صغيرة مكونة من كرسيين بزاوية المكان بجوار النافذة الزجاجية المُطلة على البحر.
طلبت مشروبها المفضل وهو كوبا من القهوة المثلجة وجلست ترتشفه بهدوء وشرود وهي تتطلع نحو البحر وتشم رائحة اليود التي تغلف المكان من حولها فتزيد إحساسها بالونس والألفة والاسترخاء.
عيّرت الوضع الصامت على هاتفها ووضعتهُ بالحقيبة وانغمست بداخل حالة من الانفصال عن الواقع، أو بالأحرى هو ليس انفصالا بقدر ما كان هروبًا اضطراريا.
هروبًا من كل شيء، الأشخاص، الظروف، الواقع، الانهزامات والاخفاقات. هروب من نفسها إن صح القول.
وبينما هي تغمض عينيها وتتلذذ بتلك الرائحة قطع وصلة تأملاتها صوت شاب وهو يقول بذهول:
"سارة!"
اهتز بدنها وارتجفت يداها حتى أن الكوب مال من يدها وهي تطالع هذا الشاب بصدمة وتقول:
"سيف!"
نظر إليها سيف بابتسامة مهزوزة مترددة ثم قال:
"منذ زمن بعيد لم أرَكِ هنا."
هزت رأسها بتأييد وقالت:
"صحيح، لأنني لم آتِ إلى هنا من فترة."
"كيف حالكِ؟"
ابتسمت ابتسامة مهزوزة وقالت:
"بخير، بخير للغاية كما ترى."
هز رأسه وقال:
"هل تنتظرين أحدا؟"
أجابت بعفوية صادقة:
"لا، أقصد نعم.. نعم أنا أنتظر صديق لي."
وفجأة وكأن القدر استجاب لها فرأت قصي الذي دخل للتو فوقفت و نادتهُ بصوتٍ جهور وهي تقول:
"قُصي، أنا هنا."
نظر سيف حيث تنظر ليرى شابا وسيما فارع الطول يتقدم نحوهما بابتسامة عريضة فبادرت سارة بالقول وهي تصافح قصي بحرارة وتقول:
"لماذا تأخرت، انتظرتك كثيرا."
قطب قصي جبينه متعجبا ولكنه فهم نظرتها ذات المغزى فأدرك جيدا ما عليه فعله فقال:
"أعتذر سرسورة، لولا زحام السير لكنت أتيت قبلك وبقيتُ في انتظارك، أنا آسف."
شعر سيف بالحرج حينما أدرك أن وجوده غير لائق أبدا فقال:
"حسنا لن أزعجكما إذًا. عن إذنكما."
ابتسمت سارة ابتسامة مُجامِلة وكذلك قصي فانصرف سيف موليا، بينما زفرت سارة مطولا وقالت:
"أشكرك كثيرا قصي، خفت أن تسبب لي الإحراج."
ابتسم وقال:
"لقد التقطت الإشارة بعينيكِ فورا، على ما يبدو أن وجوده لم يكن مرغوبا به أبدا."
جلست على مقعدها مرةً أخرى وهي تقول بابتسامة باهتة:
"صحيح."
أشار إلى المقعد المقابل لها وقال:
"هل يمكنني أن أجلس، أم أنكِ تنتظرين أحدا؟"
ابتسمت وهي تشير للمقعد وقالت:
"لا أبدا، تفضل."
جلس واستند بذراعيه على الطاولة وهو يقول مبتسمًا:
"تـفاجئتُ بوجودك هنا، ربما لأنني كنت أظن أن هذا المقهى بالتحديد غير معروفا ونائيا بما يكفي لكي لا يتردد عليه الكثير."
ضحكت ملء فمها وقالت:
"أنا أيضا آتِ لهنا دائما لأني كنت أعتقد نفس السبب، ولكن على ما يبدو أن الجميع هنا."
ضحك بدوره فبرزت غمازتيه مما جعله يبدو أكثر وسامة فقالت بتردد مصحوب بابتسامة خجلى:
"تبدو وسيما جدا عندما تضحك."
ارتسمت ابتسامته على شفتين مستقيمتين ونظر إليها بعينين تشعان بالدفء وقال:
"أشكرك سرسورة، وأنتِ تبدين جميلة في كل حالاتك."
ابتسمت وهي تعيد خصلات شعرها المتمردة خلف أذنها وقالت:
"هل تطفلت عليك؟ ربما كنت تود الجلوس رفقة أصدقائك."
"لا أبدا، أنا آتِ لهنا كي أنفرد بنفسي، عندما أرغب في الالتقاء بأصدقائي نذهب لمكان آخر، هل تعرفين؟ أنا أخبئ ذلك المكان عن رفاقي حتى لا ينتشرون فيه، آتي إلى هنا خلسةً ولا أفصح لأحد عن مكاني حتى لا يصبح معروفا. ولكن الغريب أن آتي لأجدك هنا، وهذا الشاب على ما يبدو أنكما تعرفان بعضكما.."
أومأت أن نعم وقالت:
"للأسف نعرف بعضنا، ولكنها معرفة قديمة وانتهت."
مط شفتيه ببساطة وقال:
"لا أظن ذلك، فقد أوحت إليّ نظرته بالكثير.. على الأغلب أنه لم يتجاوزك بعد، وأنتِ أيضا!"
نظرت إليه بعينين مفزوعتين وقالت وهي تحاول نفي تلك التهمة عنها:
"لا، هذا ليس صحيحا أبدا، أساسا نحن لم نكن نحب بعضنا حبا حقيقيا، كان مجرد شعورًا عابرًا مؤقتًا لا قيمة له."
رفع حاجبيه بحيرة وأردف بإصرار قائلا:
"ربما من جهتك، ولكن من جهته لا أعتقد، هذا الشخص لازال يحمل بداخله مشاعرا تجاهك، ليس بالضرورة أن تكون مشاعر حب، من الممكن أن تكون ندم، أسف، احتياج. ولكن الأكيد أنه لم يتجاوزك بعد."
زفرت بضيق وامتلأت عيناها بالدموع فقالت:
"ربما، ولكن هذا لا يهمني أبدا. كل ما يهمني هو أنني تجاوزته وتجاوزت تلك الفترة أخيرا."
لم يقتنع بكلامها، فلغة جسدها تؤكد تناقض حديثها تماما، ولكنه لم يود الضغط عليها أكثر فهذا ليس من شأنه لذا قال مبتسما:
"على ذِكر التجاوز دعينا نتجاوز تلك الفقرة وننتقل للفقرة التالية."
ضحكت فضحك قائلا:
"أخبريني كيف حالك؟ كيف حال والدتك ووالدك؟"
ابتلعت لعابها بخوف ملحوظ ولكنه غير مبرر حتى الآن، ثم ابتسمت بشرود بعد تردد دام لدقيقة كاملة وقالت:
"بخير."
"متى سيعود والدك؟ أود التعرف عليه كثيرا، بالطبع يملك شخصية جميلة ورثتيها أنتِ عنه."
ابتسمت بحزن وأجابت:
"صحيح، هو إنسان جميل جدا، عفوي وطيب ولديه قلبا كالألماس."
"لقد حمستيني لأتعرف عليه.. متى سيعود من كندا؟"
نظرت إليه بتردد وتوتر ثم قالت:
"ربما يكون قريبا."
التمس تخبطها وتشتتها بعينين متمرستين فأومأ موافقا ثم قال:
"إن شاء الله."
كانت صفية تجلس بغرفة حياة التي أصبحت مستقرها بعد أن أعلن صالح حالة الطوارئ بالبيت ونبذها تماما، كانت تجلس على طرف الفراش ممسكةً بإطار يضم صورة لابنتيها في سن الطفولة، تتلمس ملامح كلا منهما باشتياق وهي تبكي وتقول بخفوت:
"اشتقتُ لكما حبيباتي، حياتي بدونكما موحشة.. أنا آسفة."
ارتفع رنين جرس الباب فمسحت دموعها سريعا وخرجت من الغرفة قاصدةً الباب وهي تظن أن القادم عزيز ولكنها تفاجئت بشابة في عمر الثلاثين، لديها جمالا فتانًا، تنظر إليها بوجهٍ باسمٍ وتقول بصوتٍ ناعم:
"مساء الخير، منزل الحاج صالح؟"
طالعتها صفية من شعر رأسها لأخمص قدميها بتقييم ثم نظرت إليها بتعجب وقالت:
"من حضرتك؟"
أجابتها الشابة بابتسامة عملية ودودة:
"أنا حسناء الممرضة، أعمل ضمن فريق للتمريض المنزلي، اتصلوا بنا في المكتب وطلبوا ممرضة مرافقة للحاج صالح وتم اختياري، هلا سمحتِ لي بالدخول؟"
"ممرضة؟!"
كانت صفية على وشك نتف ريشها وإلقائها خارج البيت ولكن صوت صالح هو من أنقذ هذه الحسناء عندما برز صوته وهو يقول بصرامة:
"دعيها لتدخل."
على الفور ابتعدت صفية عن الباب فدخلت حسناء وهي تجر حقيبتها ثم نظرت إلى صفية وتسائلت:
"أين غرفتي؟"
"غرفتك؟!"
قالتها صفية باستنكار شديد بينما تابعت الممرضة وقالت:
"أجل، أقصد الغرفة التي سأقيم بها! أين هي لكي أضع أغراضي وأبدأ فورا بمباشرة عملي."
هزت صفية رأسها بغير تصديق وأشارت إليها نحو غرفة الصالون فتقدمت حسناء نحو الغرفة بينما اندفعت صفية صوب غرفة صالح وقال بانفعال وغيظ:
"ما الحكاية؟ من هذه وماذا تفعل هنا؟"
نظر إليها صالح بلا مبالاة وقال:
"الحكاية كما أخبرتك الممرضة، هي جاءت لخدمتي ومساعدتي وستبقى هنا حتى أتعافى، وأذكرك صفية، لقد استنفذتِ جميع فرصك ومحاولاتك، الخطأ القادم ستجدين نفسك بالشارع، هيا لا داعي للإطالة.. تفضلي."
نظرت إليه بانكسار وخرجت من الغرفة وهي تغلي من شدة الغيظ لتتفاجأ بما جعل غيظها وحنقها يتفاقم ويزداد أضعافًا، عندما رأت الممرضة وقد بدلت ملابسها لأخرى خاصة بالعمل فكانت عبارة عن طقم طبي خاص بالممرضات باللون الأبيض ولكنه كان يضم انحناءاتها ببراعة ويرسم جسدها الممشوق بحرفية عالية.
شعرت صفية بالدماء تكاد تنفجر من عينيها من شدة الغيظ وهي تراها تتقدم بتلك الهيئة نحو غرفة صالح فوقفت أمامها وهي تقول بغضب:
"إلى أين يا نجلاء؟"
نظرت إليها حسناء بابتسامة وقالت:
"اسمي حسناء."
"لا يهم، إلى أين؟ هل أنتِ ذاهبة للغطس أم ماذا؟ ما هذه البدلة التي ترتدينها؟"
نظرت إليها حسناء بتعجب وقالت:
"ماذا بها البدلة؟! من فضلك لا تعطليني. عن إذنك."
تجاهلتها ودخلت الغرفة حيث يجلس صالح وتركت بالخارج صفية ترغو وتزبد من فرط الغيظ والغيرة.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نعمة حسن
مساءً.
كان قاسم بالشرفة، يجلس فوق مقعدٍ ويمدد قدميه فوق مقعدٍ آخر، وذراعيه ممدودتين على مساند المقعد، بينما يسند رأسه على ظهر المقعد ويتفحص المكان من حوله، وأضواء المدينة الساحرة ليلاً تعقد مع قلبه هدنةً تبعث على التفاؤل.
أحس بحركة خلفه لينظر فوجدها حياة التي استيقظت من نومها للتو، تُقبل عليه مبتسمة وعلى وجهها آثار النعاس وتقول:
لمَ تركتني نائمة كل هذا الوقت؟
جذب يدها وأجلسها فوق ركبتيه ولف ذراعيه حول خصرها وهو ينظر إليها مبتسماً بحنان وقال:
حاولت إيقاظكِ أكثر من مرة ولكنكِ كنتِ غارقة بالنوم، هل هذا بسبب الحمل؟ أم أنكِ كسولة بطبعك؟
لا، بسبب الحمل غالبًا. كلما نظرتُ للفراش أشعر بأنه كالمغناطيس يجذبني إليه بقوة.
ضحك وهو يمسح على شعرها ثم قال:
لا بأس، كلما شعرتِ بأنكِ ترغبين في النوم نامي، وأنا هنا لخدمة الأميرة النائمة وطفلها الذي يتسبب لنا في المتاعب.. أنا تحت أمركم ورهن إشارتكم.
ثم ضمها إليه وأسند رأسه على جبهتها ويده تمسد ذراعيها ويقول:
أنتظره بفارغ الصبر، أتوق لبناء عائلة، عائلة مسؤولة مني، أنا راعيها وحاميها، أطفالٌ صغار يركضون هنا وهناك ويملؤون البيت بالضحكات والبهجة، وحياتي كلما رأت وجهي تشكو لي من العفريت الذي يفتعل المشاكل مع الجيران ويتسبب بالخسائر دائمًا، وعلى الجانب الآخر أجد كهرمانتي الصغيرة تركض نحوي كلما دخلت البيت لأحملها وأدللها كما أدلل أمها.. آاااااااااه.. يا إلهي، هل سيصبح لدي عائلة يا حياة؟ هل من الممكن أن تتحقق أحلامي؟
أومأت والدموع تتساقط من عينيها من فرط تأثرها وقالت وهي تشبك كفيها خلف عنقه وتطالعه بابتسامة:
إن شاء الله ستتحقق أحلامنا كلها ذات يوم، أثق بذلك.
إن شاء الله.. حتى ولو لم يهبنا الله هذا الطفل كنت سأكون راضيًا يا حياة، لم أكن لأجحد بنعمة وجودك بحياتي أبدًا.
اتسعت ابتسامتها وأسندت رأسها على كتفه وقالت:
هل تحبني بذلك القدر يا قاسم؟
أومأ مبتسماً ويده تدلك خصرها بنعومة تثير القشعريرة بأوصالها وقال:
وأكثر يا حياتي.
وماذا أيضًا؟ حدثني عن حبك لي، أشعر أنني بحاجة لسماع كلمات الحب منك بكثرة هذه الفترة.
ضحك وقال ممازحًا:
هل هذا بسبب الحمل أيضًا؟
أومأت ضاحكة وأردفت:
على ما يبدو.
رفع يده من على خصرها وأمسك يدها وقربها من شفتيه ثم منحها قبلةً حانية وقال:
أنتِ لستِ بحاجة لسماع كلمات الحب مني يا حياتي، أنتِ بحاجة لسماع دقات قلبي، هل تسمعينها؟
أومأت بنعم فقال:
قلبي بقربكِ يخفق بشدة يا كهرمانة، يصبح كالمجنون في وجودك وتتعالى دقاته وهي تصرخ باسمك وتقول..
وأخذ يدغدغ خصرها بكلتا يديه ويقول:
حياة.. حياة.. حياة..
عَلَت ضحكاتها فضحك بدوره والتهم وجنتها بقبلة قوية شغوفة وقال:
ضحكتك هذه ترد لروحي عافيتها يا حياة، أتمنى أن يهبني الله العمر الطويل كي أسمعكِ تضحكين كل يوم وكل ساعة.
أحاطت حياة خصره بحب وراحت تنعم بالدفء الذي تلتمسه بين ذراعيه وقالت بصوتٍ ناعم:
قاسم، كيف يمكنك أن تكون حنونًا بهذا القدر؟ أنا أعرف عنك منذ صغري أنك طيب وشهم ومراعٍ للغاية، ولكن صراحةً لم أتوقع أن تعاملني بكل ذلك الحنان والدلال.
أنا أيضًا لم أتوقع ذلك يا حياتي، صدقيني أنا أكتشف معكِ أشياء لم أكن أعلم أنها موجودة بداخلي، لم أتخيل يومًا أن أحبك بهذا القدر، لم أتخيل أن أصبح مدمنًا لقربك، لم أتخيل أنني سأكون شغوفًا بكِ بهذا القدر.
ابتسمت بسعادة وهي تستمع إليه وهو يسبغ عليها من فيض حنانه وعشقه ويقول:
أتعرفين؟ في المرة الأولى التي رأيتكِ بها يوم خرجتِ من السجن، يومها قفزتِ فوقي مثل نطاط الحائط وعانقتِني بقوة هكذا..
وتعلق برقبتها وهو يقلد حركتها يومها فضحكت بقوة وتعالت ضحكاتها وهو يقلد صوتها ويقول:
وقلتِ: يا إلهي؛ قاسم!!!
قلد نبرة صوتها الناعمة قاصدًا إضحاكها وتابع:
يومها شعرت بشعور غريب تجاهكِ، بالرغم من أنني تعجبت جنونكِ وخشيتُ أن تكوني قد أصبتِ بالعتَه أثناء غيابي فأصبحتِ تعانقين كل من رأيتِه، ولكن عندما جلستُ بمفردي آخر اليوم وتذكرتُ ضمتكِ المليئة بالحنان ابتسمت.
ابتعدت عن حضنه ونظرت إليه باهتمام وهو يخبرها أمرًا هامًا هكذا لأول مرة؛ فكانت الابتسامة تعلو ثغرها وهي تستمع إليه وهو يستطرد:
شعرتُ أنني أريدكِ بحياتي، أريد إنسانة حنونة مثلكِ، أريد إنسانة مجنونة مثلكِ، وبمرور الأيام اكتشفتُ أنني أريدكِ أنتِ بالتحديد بحياتي، أريد حياة وليس غيرها. لم أعرف حينها أن هذه كانت بوادر حب وتعلق، كنت أبرر ذلك الشعور بأنني أرتاح بالقرب منكِ بما أنكِ كنتِ الوحيدة التي تقبلتني بكل حالاتي، ولكن بعدها شعرتُ أن الأمر أكبر من هذا. الأمر تخطى كونه شعورًا بالارتياح أو شعورًا بالأمان وأصبح شعورًا بالاحتياج، أدركتُ أن وجودكِ بحياتي ضروري وحتمي.. وجودكِ كان مهمًا كي أستطيع العيش، أنتِ حياتي يا حياة.
وابتسم وهو يرى الدموع تتلألأ بعينيها وقال وهو يمسح على شفتيها بإبهامه:
أتذكرين اليوم الذي قلت لكِ فيه أن طريقنا واحد؟
أومأت بموافقة فقال مبتسما:
كنت أعنيها حرفيًا وليس مجازًا. كنت أقصدها بالفعل أن طريقنا واحد، كنت أعرف أنكِ الوحيدة التي ستبقين لي بالنهاية يا كهرمانة.. كان لدي شعور قوي أنكِ من ستقاسميني طريقي.
اقتربت حياة منه وقبلته قبلةً أسكرتهُ وأشعلت مشاعره، وأججت نيران شوقه ثم قالت:
هل ستصدقني إن أخبرتك أنني شعرت بنفس شعورك؟ أنا كنت مجرد فتاة تستعد للزواج كأي فتاة، مخطوبة لشخص بالنسبة لي فرصة ذهبية، أو هكذا أوهمتني أمي، كنت أسعى لإرضائه بشتى الطرق ظنًا مني أن هذه هي الطريقة المثلى لكسب قلبه، كنت أناديه بحبيبي وأقول له أحبك.. لن أنكر ذلك.
صفعها بخفة على وجهها وهو يقول مازحًا:
وتقولينها بوجهي يا وقحة؟!
ضحكت واستطردت:
ولكنني اكتشفت فيما بعد أنه مجرد حديث عابر ليس إلا، كلمات رومانسية خالية من الإحساس، أقول له حبيبي وأنا لا أشعر بقلبي يتراقص فرحًا وأنا أستمع لصوته، أقول له أحبك وأنا لا أتخبط وأخجل وأرتجف عندما أراه، كنا نتبادل عبارات الحب كمجاملات واجبًا علينا قولها كي تتغلف علاقتنا بغلاف العلاقة المثالية الناجحة. ولكن قلبي لم يستشعر تلك العبارات أبدًا. قلبي لم يخفق سوى لك يا قاسم.
انحنى نحوها وقبّل موضع قلبها وتشبث بخصرها جيدًا وقال:
فديتُ قلبكِ يا حياة قاسم. يا حظي الجميل من الدنيا يا حياة.
منذ ظهرت بحياتي وأنا أراك الرجل الوحيد الحقيقي، شعرت أن جميع الرجال بجوارك لا شيء، أنت احتكرت صورة الرجل المثالي بعيني وأصبحت لا أرى رجلاً غيرك، صرت أحلم بك وأتخيل نفسي بجوارك، أُزف عروسًا إليك بفستاني الأبيض، وبيدك باقة زهور ملونة تقدمها لي، وصوت أبواق السيارات وهي تجوب بنا المدينة على شاطئ البحر لتنقلنا إلى عش حبنا.
قرص وجنتيها مبتسمًا واقترب وهو يهمس بأذنها قائلاً بنبرة عابثة:
ألم تتخيلي ما بعد عش الحب يا حياتي؟ أعرف أنكِ تملكين خيالاً خصباً ماشاء الله.
ضحكت وقالت:
طبعًا تخيلت، ولكنني لم أتخيل الوقاحة التي تلمح لها يا محترم.
ضحك عالياً ثم قال:
ماذا تخيلتِ إذا يا كهرمانة الشقية؟
أحاطت خصره بذراعيها وهي تطالعه بحب واغرورقت عيناها بالدموع وقالت:
تخيلتُ مكاني الآمن على صدرك الذي أسند رأسي إليه إن تعبت، تخيلتُ الوطن الذي سأسكنه في أعماقك إن تشردت، تخيلت ضمة حنونة تواسيني بها ويدًا تمسح بها دموعي وتخبرني أن كل شيء سيمضي ما دمنا سويا. أنت كنت دائمًا بطل كل حكاياتي يا قاسم.
نهض قاسم وحملها بين ذراعيه وتقدم بها نحو الغرفة دون النطق بحرف، دخل ودفع الباب بقدمه وهو ينظر إليها هائمًا، مدموغًا بعشقها، مفتونًا بسحرها وبسحر كلماتها، ثم جلس على السرير وهو لا يزال يحملها واقترب منها فأصبح يهمس أمام شفتيها ويقول:
ماذا من المفترض أن يفعل قاسم وهو يستمع إلى حياته وهي تعترف له كل تلك الاعترافات التي تحرك الساكن وتشعل لهيب الشوق؟
همست هي الأخرى بنبرة مغوية وقالت:
لا يفترض به أن يكون عاقلاً أبدًا.
أليس كذلك؟!
هزت رأسها تباعًا بموافقة وهي تبتسم إليه بعشق فطبع قبلةً رقيقة على شفتيها وقال:
تقولين أنكِ تخيلتِ مكانكِ الآمن على صدري، وتخيلتِ وطنكِ في أعماقي؟
أومأت بتأكيد فطبع قبلةً ثانية على زاوية شفتيها وقال:
وأنا أؤكد لكِ أنني لكِ أكثر من وطن.
وقبّلها وتابع:
وأقرب إليكِ من أهل.
وقبّلها وتابع:
وأحن عليكِ من الحنان نفسه.
تعانقا فتعانقت أرواحهما، وتشابكت أيديهما، واحتضنهما الليل ودثرتهما قشعريرة الاشتياق. وتراقصت نجوم الليل معهما على معازف الحب التي غنت أحلى السيمفونيات.
***
خرج قاسم من المطبخ وهو يحمل كوبين من عصير المانجو وعاد بهما إلى الغرفة، دخل وهو ينادي مبتسمًا:
حياتي، لقد أعددت لكِ مشروبك المفضل.
وقف أمام الفراش وتنهد بيأس عندما رآها قد سقطت في النوم مجددًا فجلس بجوارها وهو يحاول إيقاظها بلطف ويقول:
حياة، هل ستقضين التسعة أشهر نائمةً؟! صحيح لقد قلتُ لكِ كلما شعرتِ بأنكِ ترغبين في النوم نامي ولكني لم أعرف أنكِ مطيعة لتلك الدرجة!
تململت بنومها وفتحت عينيها ونظرت إليه وقالت بابتسامة:
لقد غفوتُ رغماً عني.
نعم، واضح.
على ما يبدو نمت طويلاً، لقد استحممت!
أجل، العاقبة لكِ إن شاء الله.
ضحكت فضحك قائلاً:
هيا لقد أحضرت لكِ عصير مانجو.. أعرف أنكِ من عشاقه.
أومأت بحماس ثم أمسكت بالكوب وهمت برفعه لفمها ولكنها توقفت وهي تنظر إلى قاسم بتعجب وقالت:
ما تلك الرائحة؟!
نظر إليها متعجبًا بدوره وقال:
أي رائحة؟
المانجو، على ما يبدو أنها فاسدة!
لا، ها أنا أشرب منه، إنه جيد.
كرمشت وجهها بنفور واضح وأعادت الكأس إلى مكانه وقالت:
لا، ليس جيدًا بالمرة. رائحته كرائحة البيض الفاسد!
رفع حاجبيه متعجبًا ودس أنفه بالكأس ليتأكد من كلامها ثم قال:
أبدًا، على ما يبدو أن حاسة الشم لديكِ بها اعتلال ما.
ربما.
حسنًا لا تجبري نفسك، يمكنني تحضير شيئًا آخر.
لا، لا أريد حاليًا..
وتابعت وهي تنظر إليه بترقب وقالت:
قاسم، أود أن أسألك سؤالًا، هل ستمانع إن أخبرتك أنني أود زيارة أبي؟ أتوق لرؤيته.
بالطبع لا يا حياة، من أنا لكي أمنعكِ من زيارته، وطالما أنكِ تشعرين أنكِ على استعداد لرؤية والدتكِ فلا مانع لدي أبدًا، المهم ألا تضغطي على نفسكِ وألا تعود تلك الزيارة عليكِ بالسلب.. هذا كل ما يهمني.
أمسكت بيديه بامتنان وقالت مبتسمة:
إذا ما رأيك أن نذهب لزيارتهم الآن؟
الآن؟
تسائل بتعجب فأومأت بتأكيد وقالت:
أجل، أنت أيضًا منذ أن رأيته بالمشفى آخر مرة لم ترهُ، دعنا نذهب إليه ونطمئن عليه، أنت تعرف أن زيارتنا هذه ستحسن نفسيته كثيرًا.
هز رأسه مؤيدًا وأردف قائلاً:
معكِ حق، حسنًا، هيا لنستعد.
***
كانت حسناء تقف بجوار صالح وتقوم بقياس ضغطه بتركيز، بينما صفية تجلس على الأريكة بالجوار تطالعها بحنق فائض وغيظ وهي تستمع إليها تقول:
الحمد لله، ضغطك أصبح مستقرًا الآن وبمعدله الطبيعي.
أومأ صالح مؤيدًا وقال:
صحيح، أنا أشعر بالراحة والاسترخاء الآن أكثر.
نظرت إليه بابتسامة وقالت:
هذا لأن ضغطك كان مرتفعًا صباحًا، لذا سنواظب على تلك الحبة يوميًا.
كانت صفية تستمع إلى الحوار الدائر بينهما بغيظ ثم قالت:
والآن بما أنكِ قمتِ بالواجب وقستِ الضغط، أعتقد أن لا فائدة لوجودكِ بالغرفة حاليًا. يمكنكِ الذهاب للنوم. هيا تصبحين على خير.
نظرت إليها حسناء بابتسامة صافية وقالت:
ليس قبل أن نقوم بعمل تمارين تدليك الوجه.
ونظرت إلى صالح وقالت بابتسامة:
هذا التمرين بسيط جدًا سنقوم بعمله يوميًا قبل النوم، ومنذ الغد سيحضر إلى هنا طبيب العلاج الطبيعي لبدء أولى جلسات برنامج إعادة التأهيل.
هم صالح بالحديث ولكن صفية قاطعته وسألت باهتمام:
هل هي سيدة أيضًا؟!
أجابتها حسناء وقالت:
لا، رجل. دكتور رؤوف. من أمهر أطباء العلاج الطبيعي.
تمتمت صفية وقالت:
الحمد لله.. وهل ستستمر الجلسات لوقت طويل؟
في العادة برنامج إعادة التأهيل يتألف من ستة وثلاثين جلسة، قد تزيد الجلسات أو تنقص على حسب استجابة الحاج صالح.
أومأت صفية بموافقة وتساءلت:
وهل ستبقين هنا لحين انتهاء الستة وثلاثين جلسة؟
أجابتها الأخرى بهدوء وبساطة:
سأبقى لحين تعافي الحاج صالح وقدرته على القيام بالأنشطة اليومية بمفرده.
لوت صفية شفتيها بنزق وهمت بالحديث ولكنها استمعت لصوت جرس الباب فنظرت إلى صالح وقالت:
أكيد عزيز.
ذهبت لتفتح الباب على مضض ولكنها تفاجأت بقاسم الذي كان يقف ناصبًا ظهره بثقة وجمود وأردف:
مساء الخير.
مساء الخير.
قالتها بجمود مشابه ونبرة باردة خالية من أي ترحيب وأفسحت له المجال كي يدخل فدخل لتصدم بحياة التي كانت تقف خلفه بهدوء فضمتها إلى صدرها بقوة وهي تقول بلهفة:
حياة، حبيبتي، اشتقتكِ أمي، كيف حالكِ؟
اهتز قلب حياة بين ضلوعها وحاولت التماسك كي لا تنهار بين ذراعي والدتها التي سالت دموعها وهي تربت على ظهرها وتقول:
هل أنتِ بخير يا حياة؟ اشتقت إليكِ حبيبتي.
لم تجب حياة ولم تجد صوتها لتفعل وفجأة شعرت بيد قاسم وهو يجذبها خارج حضن أمها ويقول:
هيا يا حياة، عمي بانتظارنا.
شعرت صفية وكأن أحدهم قام بسحب روحها منها فجأة ونظرت إلى حياة التي استجابت لزوجها وتركتها ودخلت لغرفة والدها بقهر، ثم مسحت دموعها ولحقت بهما.
دخلت حياة برفقة قاسم إلى الغرفة لتتفاجأ بالممرضة الحسناء وهي تقف بالقرب من والدها وتقوم بتدليك وجهه بخفة فنظر كلا من حياة وقاسم لبعضهما البعض وتحدث قاسم قائلاً بهمس لحياة:
على ما يبدو لقد أتينا بوقت غير مناسب.
نكزته بذراعه وهي تنظر إليه شزرًا فضحك ونظر إلى عمه قائلاً:
مساء الخير عمي. كيف حالك؟
اقترب منه وقبّل يده وابتعد سامحًا لحياة بالاقتراب فعانقته وأغمضت عينيها كي لا تنساب دمعاتها على خديها وقالت بصوتٍ مرتجف:
اشتقتك كثيرًا يا أبي، كثيرًا جدًا.
وأنا أيضًا اشتقتك كثيرًا يا حياة، كيف حالكِ حبيبتي؟ وكيف حال جنينك؟
نظرت إليه بابتسامة متأثرة وقالت:
لا تقلق، نحن بخير للغاية.
دخلت صفية الغرفة فحانت منها التفاتة نحو قاسم الذي رمقه بأكثر نظرة غامضة ومخيفة في الوجود وعاد بنظره إلى حياة التي تجلس بجوار والدها، ثم قال:
لن أوصيكِ مدام حسناء، لا تدخري جهدًا في الاعتناء بعمي.
نظرت إليه حسناء بابتسامة لطيفة وقالت:
لا تقلق، أنا سأقوم بعملي على أكمل وجه.
أثق بذلك.
نظرت إليه حياة فوجدته يتحدث مبتسمًا فاشتعل فتيل غيرتها وظلت ترمقه بغيظ لم يفهم سببه فكان يهز رأسه إليها بتساؤل ولكنها كانت تصوب نحوه سهام نظراتها الحادة وتمتنع عن الرد.
استأذنت حسناء وغادرت الغرفة ثم لحقت بها صفية متجهة إلى المطبخ لكي تعد لحياة عصير المانجو الذي تفضله.
كانت حياة تجلس بجوار والدها وتمسك بيده وهي تطالعه بابتسامة ثم قالت:
هل حسناء تقوم بعملها جيدًا؟
هز رأسه وقال:
أجل، إنها ممتازة.
تحدث قاسم قائلاً:
إذا رأيت منها أي تقصير يمكننا إقصائها وإحضار ممرضة أخرى.
لا، لا داعي، أشكرك بني على عرض المساعدة، أنت فعلت أكثر من اللازم.. كل ما أرجوه منك أن تعتني بحياة جيدًا، هي تحتاجك الآن أكثر من أي وقت مضى.
نظر قاسم إلى حياة مبتسمًا وأحاط رقبتها بذراعه وجذبها إليه قليلاً ثم قال:
لا تقلق أبدًا، هي حياتي.
ابتسم صالح مطمئنًا وقد دخل السرور على قلبه عندما رأى ابتسامة حياة التي أفصحت عن الراحة والرضا الذين تمتلكهم.
دخلت صفية وبيدها صينية فوقها ثلاثة كؤوس من العصير، قدمت إلى قاسم أولًا فأخذ منها الكأس ثم وضعه مجددًا فوق الصينية وقال:
أشكرك، لا أشرب المانجو.
تجاوزت الشعور بالحرج وناولت حياة الكأس الثاني ثم أخذت الكأس الثالث لصالح وقالت:
تفضل يا صالح.
نظر إليها بجمود مردفًا:
لا أريد، أصبحت تضرني.
فهمت رسالته المبطنة، إضافة لكونه يرفض تناول أي شيء منها بمجرد ما إن أتت الممرضة، فاحتقن وجهها بالدماء وأحست بالحرج الشديد وأعادت الكأس إلى الصينية، ثم نظرت إلى حياة التي تمسك بكأسها بشرود وقالت:
لمَ لا تشربين عصيرك يا حياة؟
نظر إليها قاسم متحفزًا والتقط الكأس من بين يدي حياة وأسنده فوق الطاولة وقال:
حياة لا تريد، أصبحت لا تشتهي المانجو، تنفر من رائحتها..
ونظر إليها مجددًا وأردف بقوة ونظرة ذات مغزى:
كما تعرفين.. الحمل وتقلباته!
تنهدت صفية بضيق طفيف ثم نظرت إلى ابنتها بحزن وقالت بنبرة مهزوزة:
إذًا ماذا تشتهين كي أحضره لكِ؟
وتابعت بأسى:
أم أنكِ تتذرعين كي لا تتناولي شيئًا من يدي؟!
تفاجأت حياة بنبرة الحزن والانكسار بصوت والدتها وشعرت بالشفقة على حالها فتناولت كأس العصير مرة أخرى وقالت بصوتٍ مرتجف:
لا أبدًا، على كل حال سأشربه.. لقد نصحني الطبيب بالإكثار من تناول السوائل والعصائر الطازجة.
نظر إليها قاسم متعجبًا وأردف بضيق:
حياة، لا تجبري نفسك.
نظرت إليه مبتسمة بتخبط وقالت:
لا تقلق، المانجو مفيد على كل حال.
وبدأت تتجرعه على مضض وهي تقاوم كي لا تظهر آثار النفور على وجهها حتى انتهت منه وأعادت الكأس فارغًا ثم نظرت لأمها ببشاشة دون الابتسام وقالت:
شكرًا.
كان باديًا عليها التخبط والتوتر جليّين، تريد أن تحتضن أمها وترتمي على صدرها، تشتاق إليها وتود البقاء معها لأطول فترة، ولكنها لا تستطيع تجاوز ما حدث أبدًا. لقد قتلت أمها كل الثقة بينهما عندما طلبت منها إجهاض جنينها. وبالرغم من أنها تعرف أن أمها تبدو نادمة وتريد التقرب إليها ولكنها لازالت لا تستطيع التغاضي عن كونها شخصًا أنانيًا حقودًا. وهذا ما يُفاقم الأزمة بينهما.
جلست صفية على مقربة من حياة وودت لو واتتها الفرصة كي تتحدث معها وتملأ عينيها منها، ولكنها تعرف أن وجود قاسم بجوارها سيحول دون ذلك، فهي تعرف أنه لا يطيقها بتاتًا وبالتأكيد حياة أخبرته بما حدث المرة الأخيرة، فلو حاولت التقرب منها الآن من الممكن أن تقوم بينهما حربًا كحرب الأوس والخزرج وينتهي بهما الحال خارج المنزل بعد أن يقوم صالح بطردهما؛ لذا آثرت الصمت وجلست تستمع إليهم وهم يتحدثون ويضحكون بينما هي تجلس منبوذة مدحورة.
وفجأة أجفلت عندما انتفضت حياة وهي تمسك ببطنها وتركض نحو الحمام فهرعت خلفها يتبعها قاسم الذي وقف أمام باب الحمام يطالع حياة بشفقة وهي تتقيأ بصعوبة وقال بقلق:
حياة، هل أنتِ بخير حبيبتي؟ أجيبيني؟
نظرت إليه صفية بحنق وقالت:
بربك كيف ستجيبك وهي بتلك الحالة؟
ودخلت الحمام ووقفت بجوار حياة ويدها على ظهرها، ثم أخذت تبلل يدها بالماء وتمسح بها فوق وجه حياة عدة مرات وهي تقول بمشاعر مضطربة:
على ما يبدو لقد بدأتِ الوِحام..
قاطعها قاسم قائلاً بغيظ:
ولمَ لا يكون السبب أنها شربت العصير رغماً عنها؟
نظرت إليه حياة بتحذير ممزوج بالعتاب ثم قالت وهي تجفف وجهها بالمنشفة:
أمي محقة، هذا بسبب الوِحام على الأغلب.
نظر إليه قاسم بضيق وقال:
أمكِ محقة؟ وهل أنا مخطئ؟ ألم تشربي العصير رغماً عنكِ لكي ترضيها فحسب؟
زفرت حياة بضيق وقلة حيلة ثم قالت:
لا أنت لست مخطئًا يا قاسم، أنا المخطئة، أرجوك هيا لنذهب.
نظرت إليها أمها وقالت بأمل:
أنتِ تبدين متعبة، لمَ لا تبقين هنا فترة؟
همت حياة بالحديث ولكن قاسم قاطعها قائلاً بحدة:
حقًا؟ هل تظنين أنني سأتركها هنا برفقتك بعد ما حاولتِ فعله؟
نظرت إليه حياة مرةً أخرى بغضب أشد وقالت:
يكفي يا قاسم، ما مناسبة ذلك الحديث الآن؟
نظر قاسم إليها بغضب أقوى مردفًا وكأنه كان ينتظر تلك الفرصة بفارغ الصبر وقال:
مناسبته أن تتوقفي عن إيهام نفسك، أنتِ لن تمنحيها ثقتك مجددًا أبدًا ولا أنا يمكنني الثقة بها حتى لو أقسمت بآيات الله أنها لن تؤذيكِ.
وقفت حياة أمامه بتحدٍ أعمى وقالت بانفعال أهوج:
أنا من سأحدد ذلك ولست أنت، إن أردت أن أثق بها أو لا هذا ليس من شأنك. لا تتجاوز حدودك مرة أخرى.
نظر إليها قاسم مصدومًا وعندما وعى من صدمته هز رأسه بموافقة صامتة وخرج من الشقة، نظرت حياة إلى أمها ولم تجد ما تقوله؛ فكانت تشعر بالحيرة والتشتت فقالت أمها:
حياة، اتبعي زوجك.
لم تملك حياة الفرصة حتى تندهش من طلب أمها فهذا ما كانت ستفعله على كل حال، لذا ركضت على درجات السلم بلهفة حتى نزلت لتجده يقف مستندًا على السيارة وما إن رآها وهي تلهث فقال بعصبية:
هل أنتِ غبية؟ لمَ كنتِ تركضين بذلك الشكل؟ هل نسيتي أنكِ حامل؟
نظرت إليه بضيق وحاولت استدرار عطفه فقالت:
لا تقلق، ابنك سيكون بخير.
كانت تنتظر منه ردًا حالمًا كالعادة، أن يخبرها أنها هي من تهمه في المقام الأول وليس الجنين ولكن حطم توقعاتها وآمالها على صخرة بروده حين قال:
أساسًا لن أسمح سوى بأن يكون بخير.
نظرت إليه بصدمة ليتجاهلها هو واستدار ليجلس خلف المقود فاستقلت مقعدها بجواره وتحرك بصمت.
بعد دقائق بدأت تشعر بالدوار يهاجمها، والغثيان يسحبها نحو دوامةً سحيقة فانحنت للأمام قليلاً تحاول الضغط على معدتها علها تشعر بالراحة لحين وصولهما.
نظر إليها قاسم بقلق وقال:
ما بكِ؟
أجابتهُ بغضب وهي تغمض عينيها وتتنفس ببطء:
لا تسأل.
قضم شفتيه بغيظ مكتوم وضرب بقبضته المقود وهو يتمتم حانقًا:
حسنًا، أنا مخطئ لأنني أهتم بكِ.
لا تهتم.
كما تشائين.. إن رأيتنِي أهتم لأمركِ ثانيةً سمّيني رجلاً أخرق.
التزمت الصمت قليلاً وفجأة أمسكت بيده وانحنت للأمام وتقيأت فأوقف السيارة فورا على جانب الطريق ومال نحوها وهو يقول بقلق:
حياة، أنتِ بخير؟
سحب عدة مناديل ورقية من العلبة الموضوعة أمامه ومال نحوها وأخذ يمسح وجهها وملابسها ثم مسح أرضية السيارة فقالت بضيق:
أنا آسفة تقيأت مجددًا، لقد أفسدت نظافة السيارة.
لا بأس حبيبتي، سأرسلها للغسيل لا تهتمي، كيف تشعرين الآن؟
لا زلت أشعر بالغثيان، رأسي يدور.
هل نذهب للدكتور؟
لا، الأمر لا يستحق، إنه الوِحام كما قالت أمي.
تقافزت كلماتها حينها لعقله وتخلله إحساسًا بالضيق ولكنه لم يُظهر ذلك فابتسم بلطف وقال بحنانه المعهود:
فترة وستمر إن شاء الله.
أومأت بصمت فتحرك بالسيارة مجددًا إلى أن وصلا البيت.
دخلت مباشرةً صوب الحمام كي تأخذ حمامًا دافئًا، ووقفت أسفل سيل الماء الدافئ واختلطت به دمعاتها.
تذكرت أمها وهي تقف قليلة الحيلة أمام قاسم، ومعاملة والدها لها، وبالرغم من أنها مستاءة منها بشدة، وبالرغم من أنها قالت لها أنها تكرهها ولكنها لا تريد الآن سوى أن تذهب إليها وتحتضنها.
فتح قاسم الباب وهو يتساءل:
حياة، هل تحتاجين مساعدة؟
لينتفض مكانه فجأة عندما صرخت به بكل قوتها وغضبها المدفون وقالت:
ماذا تفعل، من سمح لك بالدخول أساسًا؟! أخرررررج حالااااااااا.
على الفور سحب الباب وأوصده ووقف يكلم نفسه وهو يقول بصدمة:
ما هذا الجنون؟!
نعم سيد قاسم أنا مجنونة فعلاً، أشكرك.
قالتها وهي تبكي فظهر صوتها الباكي واضحًا مما أثار صدمة قاسم وأخذ يردد بذهول:
حياة، هل تبكين؟ حسنًا هل تسمحين لي بالدخول؟
تابعت وهي لازالت تبكي بانهيار:
أرجوك يا قاسم أود البقاء بمفردي.
في الحمام؟!
قالها متعجبًا فصرخت به بعصبية:
وهل تترك لي مكاناً غيره؟
أخذ يضرب كفًا بكف وهو يردد:
أستغفر الله العظيم، على ما يبدو أن الحمل لم يواتيكِ أبدا.
وتركها واستدار وهو يتمتم:
هل ستظل طيلة الحمل مجنونة هكذا؟! لا أظن أن صبري لن ينفذ حقيقةً.
وفجأة تسمر بمكانه عندما نادته وهي تقول بانفعال:
أنت.
رفع حاجبيه متعجبًا واستدار ليجدها واقفةً بمئزر الحمام وأنفها أحمر من شدة البكاء، فقال:
أنا؟!
أومأت بغيظ وقالت:
أجل أنت، ماذا تقصد بأن الحمل لم يواتيني؟ مما أشكو أنا كي لا يواتيني الحمل؟
ضحك على حنقها الطفولي غير المبرر وأخذ يضرب كفًا بكف وهو يتمتم:
لا حول ولا قوة إلا بالله. لا تشكين من شيء أبدًا يا حياتي، أنتِ أجمل وأكمل امرأة بين معشر النساء.
قالها بصدق ولكنها لم تبتسم كما توقع، بل سالت دمعاتها مجددًا فاقترب منها بقلة حيلة وأمسك برأسها وقربها منه وهو يقول:
هل يمكنني معرفة سبب بكائك المستمر؟ منذ عرفتِ أنكِ حامل وأنتِ تبكين بلا انقطاع، هل هذه ما تسمى بهرمونات الحمل؟!
أومأت وهي تحتضن خصره فربت على ظهرها وقال:
لا بأس، يهونها الله وتمر إن شاء الله.
ابتعدت ومسحت دمعاتها فقال مبتسمًا بمشاكسة وهو ينزع حزام المئزر عن خصرها:
تبدين مثيرة جدًا وأنتِ تغرقين بداخل المئزر والمنشفة هكذا، ما أجملك.
مد يده ونزع المنشفة من فوق رأسها وقال وهو يشم شعرها بافتتان:
يا إلهي ما أجمل رائحتك، عطركِ مميز يا حياتي، مميز بما يكفي لكي أميزكِ من بين ألف امرأة وأنا مغمض العينين.
ابتسمت واقتربت منه تسعى لتقبيله، وفجأة شعرت بالغثيان مجددًا فهرولت نحو الحمام تتقيأ، فلحق بها ووقف يطالعها بشفقة وهو يجمع شعرها بين يديه ويعكفه بمشبك شعر وهو يقول بحنق:
هل هذا طبيعي برأيك؟ برأيي علينا أن نذهب للطبيب، ربما يكون السبب هو عصير المانجو الذي تناولته مرغمةً لكي ترضي والدتك.
نظرت إليه وقد عاد إليها غضبها مجددًا وأردفت:
نعم سأحاول إرضاءها، عندما يكسر الجميع خاطركِ فنعم سأحاول إرضاءها يا قاسم، في النهاية هي أمي وستظل أمي. حتى وإن قست عليّ فلن أقسو عليها أبدًا.
صفق بيديه ساخرًا وهو يقول بضيق وانفعال:
ممتاز، تستحقين أن تحصلين على لقب ملكة العالم في البلاهة والسذاجة، أنتِ من يصفعكِ تديرين له الخد الآخر بكل رحابة صدر.
وتركها وخرج من الحمام لتصرخ به قائلة:
أنا لست بلهاء ولا ساذجة، ولا أدير خدي الآخر لكل من يصفعني، هذه أمي، أمي.. هل تفهم؟!
أجابها وقد صدح صوته من خارج الغرفة وهو يقول بغضب هادر:
إذًا اذهبي إليها لتدعس فوق رقبتكِ طالما أنها أمك، يا عديمة الكرامة.
وقفت مصدومة، مذهولة، تسأل نفسها هل قال ما سمعته فعلاً أم أنها تتوهم؟ ولكن لا، لقد ثقبت الكلمة أذني وعبرت للأذن الأخرى فكيف تتوهم؟! لقد نعتها بعديمة الكرامة فعلاً!!
خرجت من الغرفة متحفزةً للقتال، ذهبت إلى حيث يجلس بالشرفة وقالت بغضب:
ماذا قلت؟ هل نعتّني بعديمة الكرامة للتو؟
نظر إليها ببرود وهو يمسك بهاتفه بهدوء وقال قاصدًا استفزازها:
أجل، وقبلها قلت يا بلهاء يا ساذجة. لا تنسي ذلك.
ثارت ثائرتها واستشاطت غضبًا وقالت:
سأكون بلهاء وساذجة فعلاً إن رأيت وجهي مجددًا يا قاسم.
واتجهت صوب الغرفة الثانية ودخلت ثم أغلقت الباب من الداخل بينما قاسم يراقب ما يحدث باندهاش وغير تصديق وظل يتمتم وهو يرفع ناظريه إلى السماء ويقول:
يا رب ألهمني الصبر، أتوسل إليك أن تمر الشهور التسعة بسلام، يا ربي أرجوك لا تسلّط عليها هرموناتها فلديها من الجنون ما يكفي.
رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الأربعون 40 - بقلم نعمة حسن
استيقظت فريال من نومها، وكالعادة أمسكت بهاتفها تطالع الأخبار الصباحية، ولكن اليوم بالتحديد لم تهتم بالأخبار لأن لديها خبرا بالفعل يشغل بالها ويستحوذ على اهتمامها حتى أنه أرق مضجعها طوال الليلتين الماضيتين ولم تهنأ بالنوم بسببه.
فتحت أحد مواقع التواصل وقامت بالبحث عن حساب الدكتور ممدوح الذي وبمجرد ما إن ظهر عبر محرك البحث حتى ظهر تحديث له عبر خاصية "القصة" عبارة عن صورة وهو يرتدي حلة سوداء أنيقة جدا وبجواره عروس فاتنة ترتدي فستانا أبيضا وتقترب منه بكل حب وابتسامتها تنير وجهها كما يبتسم هو أيضا ويضمها إليه بحب يظهر واضحا عليه.
كانت فريال تنتظر تلك الصورة منذ اليوم الذي غادر به، تتفحص حسابه يوميا وتراقبه باهتمام وها هي قد حصلت على مرادها وانتهى الأمر.
أغلقت الهاتف بعد دقائق وألقته بجوارها بصمت وانسابت دمعاتها على خديها بحسرة وانكسار وأخذت تتمتم:
"لا بأس يا فلة، لا تهتمي، لا تحزني ولا تبكي. لا بأس. أنتِ كنتِ تعرفين منذ البداية أنكِ امرأة لا تصلح للحب، ومع ذلك أوهمتِ نفسك واخترتِ أن تعيشي بذلك الوهم، فضلتِ أن تصدقي أملًا كاذبًا، هو لم يعدك بشيء، ولم يصرّح لكِ بشيء، أنتِ من نسجتِ من الوهم خيوطا وتشبثتِ بها، والآن فقط أدركتِ أن خيوط الوهم واهية!"
مسحت دمعاتها ونهضت من الفراش تقصد الذهاب للحمام، وفي طريقها توقفت أمام المرآة تنظر إلى وجهها فإذ بها تصاب بالصدمة عندما رأت تجعيدتين مستقيمتين ظهرتا حول خطيّ عينيها، وقفت تتلمس بشرتها بأناملها وهي تقول بذهول:
"يا إلهي! هل تجعدت بشرتي؟ هل كبرت لهذا الحد؟ متى ظهرت تلك التجاعيد أنا لم ألاحظها سوى الآن؟"
أصابها اليأس، تملكها سريعا وأدارت ظهرها للمرآة وهي تحدث نفسها بحزن وتقول:
"بالطبع ستتجعد بشرتك يا فلة، هذا حكم العمر، وتحزنين أنه تزوج من فتاة صغيرة عمرها نصف عمرك؟ بالتأكيد لم يكن ليتزوجك أنتِ يا ذات البشرة المجعدة.. هكذا هم الرجال يلجأون لمن تعوضهم ولا يفكرون بمن تحتاج للعوض أبدا."
تنهدت تنهيدة حارة مصحوبة بالإحباط واليأس، ثم غادرت الغرفة واتجهت للحمام، أخذت حمامها الصباحي ثم ارتدت طقمها الرياضي وخرجت لتلجأ للرياضة ككل صباح.
خرجت من شقتها فالتقت بفتون التي تحمل زجاجة المياه خاصتها وترتدي طقما رياضيًا مشابهًا فقالت فريال مبتسمة:
"صباح النشاط!"
ابتسمت فتون قائلة:
"صباح الخير جارتي العزيزة، ما هذه الصدفة الرائعة!"
خرجتا سويًا خارج البناية وبدأتا بالركض الخفيف وهما تتبادلان أطراف الحديث فقالت فتون:
"عساه خيرا يا فلة، ملامحك تبدو حزينة."
تنهدت الأخرى وهي تنظر أمامها وقالت باختصار:
"كالمعتاد، من أين سيأتي الفرح بربك؟!"
"ماذا حدث؟ هل الطبيب الوسيم…"
قاطعتها فريال بحدة وانفعال عندما قالت:
"إياكِ أن تذكري اسمه أمامي مرة أخرى، النذل المخادع تزوج من فتاة بعمر ابنه!"
شهقت الأخرى بصدمة وتفاجؤ وهي تقول:
"ماذا ؟!!!"
"هل تزوج؟"
أومأت فريال بغيظ وأردفت:
"هه. وأنا كالخرقاء كنت أظنه مولعا بي وواقعَا في حبي. تبًا لي ولعقلي الأبله."
"وكيف عرفتِ بزواجه؟ هل هو من أخبرك؟ ربما تكونين مخطئة يا فتاة!"
"لست مخطئةً، لقد أخبرني أنه سيسافر لأنه يستعد لحفل زفافه. وبعدها رأيت صورته يقف متأنقًا بالحلة السوداء والحمقاء تتأبط ذراعه بكل ود وابتسامته من الأذن للأذن كالأجدب. تبًا لهما."
زمت فريال شفتيها بأسف وقالت محاولةً مواساتها ودعمها:
"لهذا أنتِ حزينة؟ لا تحزني يا فلة لا زال العمر أمامكِ حبيبتي وستجدين من يعوضك أثق بذلك."
توقف فريال فجأة عن الركض ووقفت متخصرةً بيديها وهي تنظر لفتون بضيق وصرخت بها بانفعال أفزعها:
"أي عُمر؟! عن أي عُمر تتحدثني يا فتون؟ أنا أبلغ من العمر أربعون عاما، كم أربعون سنة متبقية بحياتي يا ترى؟ حبيبتي أنا مجرد امرأة استهلكت واستنزفت بما فيه الكفاية ولن يهتم أحد بي أو بمشاعري الخرقاء، انظري فتون، انظري!"
واقتربت منها أكثر وهي تشير للخطوط التي ظهرت حول عينيها وقالت:
"انظري إلى تلك التجاعيد التي بدأت تفرض نفسها على بشرتي الجميلة، لقد كبرت يا فتون، لا تقولي العمر أمامي أبدا لأن العمر أصبح ورائي للأسف وما بقى ليس أكثر منا مضى."
نظرت إليها فتون بحزن ووضعت يدها على كتفها بدعم وقالت بأسف:
"لا تحزني يا فلة، أنتِ جميلة وستبقين مهما تقدم بكِ العمر حبيبتي، ثم ما بالكِ قد هوّلتِ الأمر أكثر من اللازم؟! أنتِ لا تزالين شابة، نحن لا نزال جميلات وحتى لو داهمتنا بعض التجاعيد بحكم تقدم السن ولكن يمكننا الاعتناء ببشرتنا جيدا ويزول الأمر.."
نظرت إليها فريال بإحباط بينما أخذت فتون تقول:
"الآن أصبح كل شيء متوفرًا ومتاحًا، منتجات العناية بالبشرة وتأخير ظهور التجاعيد أصبحت متوفرة لا تيأسي."
ابتسمت فريال بإحباط ويأس ومنحتها نظرةً يفوح منها اليأس بشدة فقالت:
"لا يُصلِح العطار ما أفسده الدهر يا فتون!"
استفزت هذه الكلمات البسيطة مشاعر فتون وجعلت دموعها تتسابق إلى خديها، سحبت يدها من على كتف فريال وحاولت مقاومة دموعها ولكن فريال قالت:
"أنتِ مثلا، تتحسرين على شبابكِ كل يوم وفي كل لحظة، أنا كذلك. أتحسر على شبابي الذي لم أهنأ به. أتحسر على أيامي التي فاتتني دون أن أعيشها، وتقولين لي لا زال العمر أمامي؟ أيُ عُمر يا فتون؟"
احتضنتها فتون بقوة وعانقتها فريال كذلك ودخلتا سويًا في نوبة بكاء كان راعيها الرسمي هو الحسرة والندم والخوف من المجهول.
وفجأة توقف قاسم بسيارته مقابلتهما ونزل منها قلِقًا، واستدار ليقف أمامهما وقال:
"ماذا حدث؟ هل أنتما بخير؟!"
ابتعدتا عن بعضهما البعض ومسحت كلا منهما دمعاتها وقالت فتون:
"نحن بخير لا تقلق."
تساءل بقلق وقال:
"حقا؟ ألم يحدث معكما شيئا تسبب في كل ذلك البكاء؟ أخبراني لعلي أستطيع مساعدتكما."
تحدثت فريال بابتسامة مزيفة وقالت:
"لا تقلق، هذه توابع الهشاشة النفسية التي ابتلينا بها وليس أكثر، نعاني من بعض التقلبات فحسب."
"أنتما أيضا؟!"
تساءل بعفوية فنظرت له كلا منهما بتعجب ليتدارك ما قاله وابتسم ثم قال:
"قلتُ هذا لأن زوجتي تبكي كثيرا كذلك، ولكن على ما يبدو ليست الوحيدة، لقد ظلمتها. على كل حال دعني أساعدكما وأقلكما حيث تريدان."
ردت فتون بابتسامة ودودة وقالت:
"نشكرك قاسم، لم نمارس رياضتنا بعد، نراك لاحقا."
أومأ مبتسمًا بود واستقل سيارته من جديد وتحرك بها نحو المعرض بينما عادتا للركض مرة أخرى.
•••••••••••••
استيقظت حياة من نومها، نظرت بجوارها لتجد الفراش فارغًا وبمكان قاسم ورقة مطوية، التقطتها وفتحتها بحماس لتجد مرسوما بها قلبًا كبيرًا تم رسمه بواسطة أحمر الشفاه خاصتها ومكتوب بداخل القلب " صباح الخير يا حياتي، الفطور جاهز ولا تنسي دوائك، لا تتجاهلي الدواء حياتي كي يكبر سند سريعا ونستطيع سماع دقات قلبه. أحبك "
عَلت ضحكاتها وقالت:
"سند! هذا الرجل لا ييأس أبدا. وما هذا الخط؟ هذا يشبه الطلاسم والعياذ بالله."
وضحكت مجددا وأمسكت بهاتفها ثم قامت بالاتصال بقاسم الذي أجاب على وجه السرعة وقال:
"صباح الخير حياتي."
"صباح الخير أبا سند."
ضحك عاليا فضحكت بدورها وقالت:
"هل سميّتهُ وانتهى الأمر؟ دون الأخذ بالاعتبار أنني من أملك حق تسميته لأنني أنا من تعبت بحمله وأنا من غثيت ومن تقيأت؟"
"وهل هناك اسما أحلى من سند؟ يا أم سند؟"
"ومن أدراك أنه سيكون سندًا؟ يا أبا سند؟"
ضحك عاليا ثم قال:
"إن شاء الله سيكون سندًا، سأواظب على قيام الليل من الليلة وأدعو الله أن يهبني السند."
"وإن أراد الله ورزقنا فتاة؟ ماذا ستفعل؟"
سكت للحظة ثم قال:
"سأسجد لله سجدة شكر لأنني أصبحت أبًا لفتاتين، وخيركم من بُكر بأنثى."
"أنت فعلا متناقض."
"ليس تناقضا حياتي بقدر ما هو تمنّي، أتمنى من الله أن يرزقني بصبي حتى يكون لي سندًا ولعائلته، وفي نفس الوقت أتمنى أن أُرزق بفتاة حتى تملأ حياتي دفئًا كأمها.. أو جنونًا لست متأكدًا بصراحة."
وصمت للحظات ثم قال متسائلا:
"حياة، ماذا لو رزقنا الله بتوأم؟!!"
جحظت عينيها من محجرهما وهي تقول بفزع:
"توأم؟ لا هذا مستحيل."
سألها بنزق وقال:
"وما الذي أحاله؟ هل من ينجبون التوائم أفضل مني بشيء؟!"
ضحكت وقالت:
"لا أبدا ولكن.. لن أستطيع الاعتناء بهم قاسم، أنا أشفق على أمهات التوائم أساسا."
همهم متفهمًا وأضاف:
"ليفعل الله خيرا، هل تناولتِ فطورك؟"
"سأبدأ به."
"ولا تنسي دوائك."
"لن أنساه."
"حياتي، أعطيني قبلة."
ضحكت وقالت:
"عندما تعود سأغرقك بسيل متوحش من القبلات عزيزي."
ضحك عاليا ثم قال بحماس:
"حسنا انتظريني بعد ساعتين يا متوحشة."
"أنتظرك حبيبي، مع السلامة."
أنهت حياة الاتصال وهمت بتناول فطورها والذي هو عبارة عن خبز وجبن وفراولة.. فهذا أصبح هو فطورها اليومي بعد أن أصابها النفور من كل شيء.
أنهت الاتصال مع قاسم لتتفاجأ بوالدتها تتصل بها، ترددت قليلا ولكنها أجابت في النهاية وقالت:
"مرحبا أمي."
"مرحبا حياة، كيف حالكِ حبيبتي؟"
تعجبت لهجة الانكسار التي تتحدث بها وأجابت بهدوء:
"بخير الحمد لله، كيف حال أبي؟"
"بخير، طبيب العلاج الطبيعي برفقته بالغرفة لذلك استغليتُ انشغاله معه واختلست الهاتف لأهاتفك.. كيف حالكِ مع الوِحام؟ هل لا زلتِ تتقيئين بكثرة؟"
تنهدت حياة بتعب شديد وأردفت:
"نعم للأسف، ماما.. هل هذا طبيعيا ويحدث مع كل الحوامل أم أنني طفرة؟ أتقيأ كل خمس دقائق تقريبا."
ضحكت صفية وقالت بحماس وقد شعرت برغبة ابنتها في الحديث معها وقالت:
"لا حبيبتي أنتِ لستِ طفرة، أنا أيضا كنت أتقيأ وأشعر بالغثيان مثلك.. هذه أعراض الوِحام عند كل الحوامل."
ترددت حياة قليلَا ثم تساءلت بخجل:
"وهل كنتِ تنفرين من أبي أحيانا؟"
"أجل، كنت أنفر من رائحته دوما وأبتعد عنه. هل تشعرين بالنفور من زوجك؟"
ترددت حياة قليلا قبل أن تجيب:
"نعم أحيانا وليس دائما.. على كل حال هذا كله سيمضي لا تقلقي."
"سيمضي أكيد، اعتنِ بنفسك حياة، وإن كنت أود أن تأتي للبقاء معي لفترة."
"قاسم لن يقبل هذا بالتأكيد، سآتي لزيارتكما دوما لا تقلقي."
"حسنا يا ابنتي كما تشائين، لكِ كتف زاد والآخر ماء يا حبيبتي."
اضطرب قلب حياة واهتز بدنها إثر تعرضها لجرعة الحنان المفاجئة تلك وأنهت الاتصال مع والدتها، ثم أخذت تحدث نفسها قائلةً:
"ما هذا الحنان كله؟ ماذا أصابكِ يا أمي؟"
في تلك اللحظة فوجئت بقاسم الذي يقف أمامها مبتسما ثم تلاشت ابتسامته وهو يقول:
"هل كنتِ تحدثين نفسك؟"
نظرت إليه متعجبةً وقالت:
"لماذا أتيت الآن؟ ألم تقل أنك ستأتي بعد ساعتين؟!"
اقترب منها وأمسك بيدها وقبلها ثم قال:
"صراحةً لم أقوَ على الانتظار ونفذ صبري لذا ركضت إليكِ يا أفيونتي."
نظرت إليه بابتسامة وقبل أن تنطق تساءل فقال:
"مع من كنتِ تتحدثين؟ هل هو عمي؟"
"لا، هذه أمي."
أجابته ببساطة فتساءل باستهجان:
"وماذا كانت تريد؟ لماذا اتصلت؟"
أجابت بهدوء:
"اتصلت لتطمئن عليّ."
"لتطمئن عليكِ؟ عساه خيرا؟ أراها قد أصبحت فجأة الأم الحنون، ماذا حدث؟"
طالعته بلوم وقالت بضيق خفي:
"لا تتحدث بتلك السخرية من فضلك. لقد أخبرتك أنها أمي وستظل أمي مهما فعلت."
مط شفتيه ساخرا وأردف:
"صحيح، مهما فعلت ستظل أمك هذا شيء لا يمكن تغييره، أيا كان ما فعلته وما حاولت فعله ولم تنجح وما ستحاول فعله لاحقا ستظل أمك طبعا."
ونظر إليها ببرود وأردف:
"كما تشائين حياة، أنتِ لستِ طفلة كي أوجهك، أنتِ ناضجة بما فيه الكفاية لكي تختاري متى تعود المياه لمجاريها. وطالما أنكِ قررتِ أن تعود سريعا وكأن شيئا لم يكن فهذا قرارك. ولكن تذكري.. إذا حاولت أمك إيذائك او إيذاء طفلي لن أرحمها هذه المرة. صدقيني."
نهض وتركها متجها إلى الخارج فلحقت به وهي تتحدث بعصبية وتقول:
"ما الذي تقوله؟ بربك كيف ترى أمي؟ هل هي مجرمة أو قاتلة قتلى؟!"
"لا سمح الله من يجرؤ على قول هذا، أنا المجرم وليس هي، أنا من حاولت إقناعك بالإجهاض وقتل طفلك وليس هي."
تأفافت حياة بضجر وقالت بندم:
"هل تعرف؟ أنا المخطئة لأنني ركضت إليك كالبلهاء وأخبرتك بما حدث، أنا المخطئة لأنني لم أعرف حينها أنك ستلقيها بوجهي كلما تحدثنا."
دخل المطبخ فتبعته وهي تستطرد قائلة بغضب جم وانفعال:
"من الآن فصاعدا لن تتدخل بعلاقتي بوالدتي أبدا، ها أنت قلتها أنا لست طفلة ولا ساذجة وأعرف ماذا يتوجب عليّ فعله جيدا."
فتح الثلاجة وسحب منها زجاجة العصير وسحب كأسا وصب به العصير ثم خرج فلحقت به ليتوقف وهو ينظر اليها بتعجب فطالعته بحنق، أكمل سيره فلحقت به ثم توقف مجددا ونظر إليها نفس النظرة وقال:
"لماذا تسيرين خلفي هكذا كالعَلَقة؟ يا رب صبرك."
"وأنت لماذا تتجاهل كلامي وتتعمد استفزازي؟"
تجاهلها مجددا ودخل إلى الشرفة فذهبت خلفه وهي تقول بنبرة مرتجفة:
"لماذا تثير غضبي وأنا بتلك الظروف؟ أليس حراما عليك؟"
رفع حاجبه متعجبا ونظر إليها باستغراب وقال:
"أي ظروف؟!"
حملقت به باستغراب وقالت وهي تبكي:
"ألا تعرف أي ظروف؟ ألستُ حاملا؟ ألا يفترض بك أن تكون أكثر حنانا ومراعاة؟! من الواجب عليك ألا تغضبني وألا تثير ضيقي، يكفيني ما أنا به أساسا."
أسند الكأس على الطاولة أمامه وهو يتمتم بقلة حيلة:
"أستغفر الله العظيم."
ونظر إليها وقال:
"اقتربي حياة."
اقتربت فأجلسها على ركبتيه كالمعتاد وضمها وظل يمسح على شعرها ثم قال مبتسما:
"طالما أنكِ تريدين حُبًا وحنانًا وتتقمصين دور ميرفت أمين سألبي رغبتك يا حياتي، أنا آسف."
قالها وهو يقبل عنقها بهدوء أسرى الدفء بجسدها وتابع:
"أعرف أنكِ تمرين بحالة سيئة، صدقيني ليتني أستطيع تخفيف كل تلك الآلام عنكِ ولكن ليس باليد حيله."
مسحت دموعها بظهر كفها وقالت بنبرة مهزوزة متأثرة:
"بالطبع أريدُ حبًا وحنانًا يا قاسم، الأمر لا يستدعي السخرية أبدا. أنا أمر بأسوأ أيام حياتي يا قاسم، أعراض الوِحام هذه أنهكت قواي وأرهقتني، كل شيء أصبح طعمه مرا بحلقي، أصبحت أشعر بالقرف من كل الروائح حتى رائحتك! تخيل!!"
نظر إليها متفاجئا فأومأت بتأكيد وقالت:
"أجل، أنا الآن أعانقك رغما عني، رائحتك تشعرني بالقرف."
وانهارت مجددا فأبعدها عنه وأخذ يشم بأنفه يحاول شم رائحته تلك التي تشعرها بالقرف ونظر إليها متعجبا وقال:
"حقا؟ هل رائحتي تشعرك بالقرف؟"
أومأت بصمت فقال:
"ولمَ ترغمين نفسك يا فتاة؟ لمَ لا تخبريني كي أتفهم حالتك ولا أعانقك كلما رأيتك؟"
صرخت بوجهه بضيق وقالت:
"حقا؟ وهل تظن أنني سأكون بحالة جيدة إن لم أعانقك أو أرمي رأسي على صدرك وأغفو وأنت تغمرني؟! أنا لن أكون بخير أبدا خارج أحضانك يا قاسم."
تنهد وضمها إليه أكثر وهو يقول بقلة حيلة:
"ما هذه المشكلة العويصة؟ هل ستظلين بتلك الحالة إلى أن تنقضي فترة الوحام؟"
"على الأغلب نعم، لقد سألت أمي قالت أنها كانت تشعر بالقرف من أبي كذلك."
تمتم بحنق لا إرادي وقال:
"أمك كانت تشعر بالقرف من الجميع وليس عمي فقط، لا شك في ذلك."
ابتعدت عنه ونظرت إليه بغضب عاصف بدون سابق انذار وقالت:
"ثانيا؟! هل تتجاوز حدودك ثانيا؟! هل تتعمد إثارة غضبي وإزعاجي؟ أنت إنسانًا نرجسيًا تتغذى نفسيا على أذيتي وإزعاجي أساسا. اللعنة!"
ونهضت من فوق ركبتيه وهي تتحدث بعصبية مفرطة وقالت:
"أقسم أنني من أشعر بالقرف من نفسي لأنني أضعف أمامك كلما رأيت وجهك وأركض إليك. سأغرب عن وجهك حالا وإن حدث وتكلمت معك مرة أخرى سميني فعلا عديمة الكرامة."
وتركته ودخلت إلى الغرفة بينما بقي هو ساكنا بمكانه، ينظر نحوها بلا تفاجؤ، بلا اندهاش، بلا استغراب، لقد تأقلم وتصالح مع تقلباتها المزاجية التي يضطر لمواجهتها خمسون ألف مرة في الساعة؛ لذا أصبح لا يتعجب تناقض مشاعرها ولا أفعالها أبدا.
أسند خده على قبضته بقلة حيلة وأخذ يردد:
"أتيت على أساس أنني سأحظى بسيل متوحش من القبلات فإذا بي أجد نفسي نرجسيًا! ومن يكون نرجسيًا هذا؟ أشعر أنني سمعت هذا المصطلح قبل قليل!!"
ثم صوب نظره فجأة نحو باب غرفتها وهو يتحدث إلى نفسه ويقول:
"أيعقل أنها مسبّة؟! هل حياة تسبّني وتستغل جهلي بمعنى الكلمة؟ أقسم أنني لن أمرر الأمر مرور الكرام أبدا."
ونهض من مقعده فجأة واندفع نحو غرفتها بغضب، أدار مقبض الباب ليتفاجأ بها وقد أوصدت الباب من الداخل فقال بصوت حاد:
"افتحي حياة."
وصلهُ صوتها من الداخل تقول:
"ماذا تريد مني بعد؟!"
"افتحي لا بد أن أعرف معنى الكلمة التي قلتِها هذه؟ ماذا يعني أنني نرجسي؟ هل هذه مسبّة؟ هل وصلت بكِ الوقاحة كي تتجرأين علي بهذا الشكل؟!"
أجابته بانفعال وقالت:
"لا ليست مسبة لا تقلق."
"وما معناها إذا؟ ثم أنكُ لمَ لا تتناولين المصطلحات الدارجة؟ هل بلغت الثقافة حدها لديكِ بذلك القدر؟ الآن نرجسي وسابقا اتهمتِني بأني بيدوفيلي!!"
تنفست الصعداء وهي تحاول أن تكون أكثر هدوءا وقالت من بين أسنانها:
"من فضلك اذهب الآن، أعصابي مُثارة بما فيه الكفاية."
تحدث بعصبية مماثلة وقال:
"سأذهب يا حياة ولكن ليس قبل أن تفتحي الباب."
"والسبب؟!"
لم يُجِبها فتسائلت مجددا:
"ماذا تريد؟"
التزم الصمت تماما فقالت باستغراب:
"لماذا تصمت؟ ماذا تريد يا قاسم؟!"
مجددا لم ينطق فانساقت خلف فضولها اللعين وفتحت الباب لتتفاجأ به وقد سحبها من خصرها نحوه، وهجم عليها بسيلٍ متوحش من القبلات، وما إن تداركت الأمر حتى طوقت خصره بذراعيها وتجاوبت معه لتتهاوى وحشيته تلك فجأة ويحل محلها اللين والحنان اللذان اعتادتهما معه.
بعد مرور دقيقة.. ابتعد عنها قليلا ووجهها بين كفيه يطبع عليه القبل في كل مكان، ثم توقف وهو ينظر لعينيها اللتان لم ينسَ حصتهما من القبلات الحامية وقال:
"ليس قاسم من يتنازل عن حقه أبدا يا كهرمانة. هذا حتى تتعلمي قيمة الكلمة وكيفية احترامها. لقد وعدتِني بسيل متوحش من القبلات ولكنكِ أردتِ التنصل من كلماتك بكل سهولة. ولكني لم أكن لأتجاهل نبرة الدفء و الوله بصوتك وأنتِ تخبريني بها عن نواياكِ المتوحشة يا كهرمانتي الصغيرة."
نظرت إليه مبتسمة بنفس الشغف و الوله فقضم أنفها بخفة وابتعد قليلا وقال مبتسما:
"أحبك كثيرا حياتي."
ركنَت رأسها على صدره مغمضةً عينيها بارتياح، وشعورًا بالأمان يغمرها بين ذراعيه، ثم أطلقت تنهيدة حارة وقالت:
"وأنا أحبك كثيرا قاسم، أحبك كثيرا أبا سند."
ضحك عاليا وضمها إليه أكثر وقبّل أعلى جبهتها ثم قال:
"هيا حياتي، عليّ أن أعود للمعرض حالا، أنتظر وصول طلبية جديدة ويجب أن أكون موجودا في الموعد."
نظرت إليه متعجبة وقالت:
"هل أتيت فقط من أجل ما قلتُه؟"
نظر إليها متعمدا مشاكستها وقال:
"ما هو الذي قلتِه؟ تقصدين عندما وعدتِني أنكِ ستمنحيني سيلًا من القبلات؟"
أومأت بخجل طفيف فضحك قائلا:
"نعم أتيت من أجل هذا فقط! ويمكن أن أقطع آلاف الأميال وأمشي عشرات الساعات يوميا ذهابا وإيابا فقط لكي أنعم بقربكِ حياتي."
أحاطت عنقه بذراعيها ونظرت إليه بابتسامة متلاعبة يعرف فحواها جيدا ثم قالت:
"قاسم، ما رأيك أن تبقى وتخبر عزيز أن يذهب لتسلم الطلبية؟ أرى أن بقائك الآن ضروريا جدا."
نظر لعينيها المفجوعتين اللتين تلتهمان عينيه بحب وشوق متأجج نابع من أعمق أعماقها وقال وهو يهمس بوله:
"حلوتي، أرى الشوق يُخيّم بعينيكِ الجميلتين، على ما يبدو تريدين حبًا وحنانًا فعلا."
أومأت بابتسامة فابتسم وهو يمد يده إلى أزرار قميصه ويحلها وهو يقول:
"وأنا لها حياتي."
|||||||||||||||||||||||
كانت سارة تجلس بالشرفة، ممسكةً بكتاب تقرأه بملل، حتى استمعت إلى صوت انبثاق إشعار ففتحته لتجد قصي قد أرسل إليها طلب صداقة عبر موقع التواصل "فيسبوك".
تعجبت في بادئ الأمر، ثم ابتسمت بزهو وتسللت إلى حسابه وأخذت تشاهد الصور الخاصة به والمنشورات التي يقوم بمشاركتها والتي تدل على امتلاكه شخصية حكيمة وعقلية متزنة برغم صغر سنه. وبعد رحلة طويلة بملفه الشخصي وجدت نفسها تقبل طلب الصداقة برحابة صدر.. ولم تكن تعرف أنه بمجرد أن تقبل الطلب سيرسل إليها رسالة ترحيبية ما إن رأتها حتى اتسعت ابتسامتها وقامت بالرد عليه وقالت:
"مرحبا جاري العزيز، كيف حالك"
ليرسل إليها قائلا:
"بخير يا قزمة، أين أنتِ؟"
أرسلت إليه وجهًا حانقًا ردًا على نعته لها بقزمة وأرسلت قائلة:
"لستُ قزمة، بل أنت العملاق."
أرسل إليها وجهًا ضاحكًا وقال:
"صحيح، لقد ورثتُ طول القامة عن والداي فكيف لا أكون عملاقا."
"حسنا وماذا تريد مني يا عملاق، لمَ سألتني عن مكاني؟"
"لأني وددت لو أننا هربنا إلى ذلك المكان الذي نظن أن لا أحد يعرفه سوانا."
ضحكت عاليا، ثم تفاعلت مع رسالته بوجه ضاحك وكتبت له:
"وما فائدة هروبنا إليه إذا؟ أليس من الأجدر بنا أن نهرب لمكان آخر لا أحد يعرفنا به؟!"
توقف قليلا عن الكتابة ثم أرسل إليها يقول:
"فائدته أننا سنهرب سويا، نتشارك نفس المكان، نفس الطاولة، نفس التنهيدة المثقلة بالهموم."
"حتى التنهيدة سنتشاركها ؟ ألستَ حالميًا أكثر من اللازم؟"
"أنتِ محقة، ولكن الإنسان لا يكون حالميًا إلا مع شخص يطمئن بوجوده ويتفهم حالميته تلك."
توقفت سارة أمام هذه الجملة ولمعت عينيها ونبض قلبها فجأة بقوة رهيبة، ولم يكن باستطاعتها حينها سوى أن تتفاعل مع رسالته بقلب أحمر، ثم أطفأت الهاتف وركنته إلى جوارها، ثم نظرت أمامها مطولا والابتسامة لا تفارق ثغرها الباسم.
___________
في المساء..
قرر كلا من حياة وقاسم أن يذهبا لزيارة عزيز وحنان، فقام قاسم بالاتصال بعزيز وأخبره أنهما سيذهبان لزيارتهم ثم بدأا بالاستعداد.
ارتدت حياة ملابسها سريعًا كعادتها، ثم وقفت أمام المرآة لتضع بعضا من الرتوش الخفيفة كما تفضل. كان قاسم قد انتهى من ارتداء ملابسه، ثم وقف أمام المرآة ليمشط شعره ويضع من زجاجة العطر التي ما إن اشتمت حياة لرائحتها حتى نظرت إليه بنفور وقالت:
"أرجوك لا ترش من هذا العطر."
نظر إليها متعجبا وقال:
"لمَ؟ أنتِ تحبينه أعتقد."
"ولكنني الآن لا أطيق رائحته."
أعاد الزجاجة إلى حيث كانت، والتقط واحدةً أخرى ونثر منها حول عنقه وقال:
"ما الخطب؟ هل هذه أيضا تثير نفورك؟"
نظرت إليه وهي تبتعد للخلف بضيق واستياء ثم قالت:
"قليلا ولكنها أفضل من تلك.. على كل حال دعنا لا نتأخر."
خرجا سويًا من الشقة واتجها للمرآب حيث يصف قاسم السيارة، ثم انطلقا في طريقهما نحو بيت عزيز.
طوال الطريق كانت حياة تلتزم الصمت، وهذا ما أثار حيرة قاسم وأشعره بأن هناك شيئا غير طبيعيّا، نظر إليها ليجدها مغمضةً عينيها ويدها تتحسس بطنها وعلى ثغرها ابتسامة حنونة، فابتسم وقرص ذقنها بمشاكسة وهو يقول:
"ما خطبكِ يا ماما حياة، فيم أنتِ شاردة؟"
نظرت إليه بابتسامة وبدون مقدمات قالت:
"أريدُ جوز هند."
قطب جبينه متعجبا فأردفت بتأكيد وهي تشير بيديها المتباعدتين:
"أريدُ حبة جوز هند بهذا الحجم!!"
ضحك، ثم تعالت ضحكاته الفَرِحة وأمسك بيدها وطبع فوقها قبلةً ثم قال:
"أمرك حبيبتي، ولو أنه طلبًا غريبًا وغير متوقع ولكنكِ تأمرين وأوامرك مُجابة."
ابتسمت بارتياح كبير وأغمضت عينيها مجددا ويديها تحيط بطنها ثم قالت بهمس:
"أشكرك زوجي الحبيب."
ضحك قاسم وهو يهز رأسه بيأس وأكمل طريقه إلى أن وصل حيث بيت عزيز.
دخل قاسم وحياة لتستقبلهم حنان بحفاوة شديدة ورحب بهما عزيز ترحيبًا لائقًا، كما كان صبر وكريم بانتظارهما واستقبلوهما بضجة معهودة.
جلسوا جميعا بغرفة الاستقبال، وسط جو من الدفء وأجواء لا تنتهي من الشقاوة والمشاكسة بفعل الطفلين.
تحدثت حنان بابتسامة عريضة وقالت:
"كيف حالكِ حياة؟ لم تأتِ إلى هنا منذ زمن."
وخفتت ابتسامتها شيئا فشيئا فعلمت حياة أنها تذكرت أيام الحادث وموت ابنتها عندما كانت تذهب حياة للاعتناء بها والمبيت معها. ابتسمت حياة وهي تحاول درأ الشفقة عن ملامحها وقالت:
"صحيح، واليوم اقترح قاسم أن نأتي لزيارتكم بما أنكِ أصبحتِ مشغولة للغاية."
ضحكت حنان وهي تضم كلا من صبر وكريم بذراعيها وقالت:
"فعلتَ خيرا يا قاسم، من لها ولدين مثل صبر وكريم لا يتسنى لها حك ظهرها حتى."
حينها نظر صبر إلى كريم وهمس متسائلا:
"هل هذا مدح أم سُباب؟!"
فأجابه كريم ببساطة:
"سُباب."
ضحك قاسم الذي كان يراقبهما عن كثب ثم قال:
"اقتربا يا شباب."
اقترب كلا منهما وجلسا بجواره فقال وهو ينحني بجذعه نحوهما:
"كيف حالكما، هل تخترعان المصائب؟ أم أنكما تلتزمان بالعهد؟"
تحدث صبر وقال:
"لا تخف، نحن على العهد دائما."
نظر إلى كريم متسائلا ليمنحه الآخر إيماءة مؤكدة فربت فوق كتفه مشجعا، ثم مد يده بجيبه وأعطى كل واحدا منهما مبلغا بسيطا وقال:
"هذه لكما."
نظر صبر إلى كريم وغمز قائلا:
"هل نذهب لاستئجار الدراجات؟!"
ضرب كريم كفه بكف صبر كعلامة على الموافقة واستئذنا من عزيز وحنان ثم انصرفا.
دخلت كلا من حنان وحياة إلى المطبخ لإعداد العشاء بينما كان قاسم وعزيز يتحدثان حول الطلبية الجديدة التي وصلت إلى المعرض اليوم ثم قال قاسم:
"عزيز، لدي ما أخبرك به، الحقيقة أن الأمر ليس جديدا ولكني أرجأت فكرة إخبارك به لأجل مسمى. وأرى أن هذا الأجل قد حان."
نظر إليه عزيز متسائلا فأخرج قاسم الأوراق التي دسها بجيبه وأعطاها له، فأمسكها عزيز ونظر بها متفحصا، ثم نظر إلى قاسم وقال:
"هذا عقد بيع شقتك الثانية!"
أومأ قاسم مؤكدا فنظر عزيز بالعقد ونظر إليه مجددا وقال باستغراب:
"العقد بإسمي!!"
أومأ قاسم مرة أخرى وقال:
"صحيح، بعد أن قمت بشراء هذه الشقة قررت أن تكون لكريم بما أنني اشتريتها بمال والده. وكنت قد قررت أن تظل الشقة تحت تصرفي إلى أن يكبر كريم وأقوم بتسجيلها باسمه، ولكني أرى أنه من الأفضل أن تكون الشقة بحوزتك وتحت تصرفك أنت بما أنك الوصي عليه، لذا قمت بتسجيل الشقة باسمك في الشهر العقاري."
كان عزيز متوقعا تلك الخطوة من قاسم، خاصة وأنه أخبره مرارا أن ضميره يعذبه بسبب ما فعله. ابتسم عزيز وربت على ركبة قاسم الذي يجلس بجواره بصمت فاستطرد قاسم وقال:
"أنا أقترح أن تقوم بتأجير الشقة وتقوم باستثمار عائد الإيجار."
أومأ عزيز موافقا وقال:
"هذا فعليًا ما أفكر به."
هز قاسم رأسه بتمهل وقال:
"ليفعل الله خيرا."
وفجأة استمعا إلى طرقات عنيفة على باب الشقة فهرول عزيز وفتح الباب بفزع ليجد كريم وقد بدا عليه الخوف والهلع وهو يحاول التقاط أنفاسه فسأله قاسم سريعا:
"أين صبر؟"
نظر إليهم الطفل وشحوب وجهه يحكي ألف حكاية فقال:
"لقد وقع على الأرض فاقدا للوعي فجأة."
لم يستكمل حديثه حيث هرع كلا من قاسم وعزيز للخارج ليجدوا صبر جالسًا على مقعد بمنتصف الشارع والجميع يلتفون حوله باهتمام، اقترب منه قاسم وعزيز وتسائلا في آنٍ واحد:
"ماذا حدث؟!"
فأجابهما مالك محل الدراجات وقال:
"على ما يبدو أنه مرهق للغاية، بمجرد ما إن قاد الدراجة لدقيقتين حتى وقع على الأرض مغشيا عليه. ولكنه بحال جيد الآن."
ربت قاسم على ظهر صبر ومال ليقبل رأسه وقال:
"أنت بخير، أليس كذلك؟"
أومأ صبر موافقا والحزن يسكن بعينيه ثم قال:
"أنا بخير، ولكني لا أريد أن أموت قبل أن أرى أبي."
صفعت تلك الكلمات خد قاسم بقسوة، واحمر وجهه واحتقنت عروقه بالدماء، ثم حمل الطفل بصمت وعاد هو وعزيز إلى البيت.
دخلوا فركضت إليهم حنان بخوف وضمت الطفل بلهفة، جلس بجوارها عزيز الذي حاول طمأنتها، بينما كان قاسم يقف واجما وقد تبدل حاله مئة وثمانين درجة ثم نظر إلى حياة وقال:
"هل نذهب؟"
تعجبت حياة طلبه المفاجئ ولكنها لم تجادله فقد كانت معالم وجهه تشرح كم الاستياء الذي يشعر به الآن ووافقته وانصرفا بعد رحلة جدال وشد وجذب طويلة من طرف حنان وعزيز لكي لا ينصرفا ولكن قاسم تمسك بقراره.
كان قاسم طوال الطريق صامتا، شاردًا وصورة صبر وكلماته لا تبارح خياله، حتى أنه كاد أن ينحرف عن مساره مرتين لولا عناية الله، وكانت حياة تشعر بالقلق حياله ولكنها التزمت الصمت لأنها فطنت أنه لا يريد التحدث الآن.
عادا إلى الشقة، دخلت حياة إلى الحمام لتأخذ حماما بينما دخل هو إلى الشرفة وقام بالاتصال بالسيد أكثم الذي أجاب قائلا:
"مرحبا قاسم، كيف حالك؟"
أجابه قاسم والاستياء باديًا على صوته وقال:
"بخير سيد أكثم. اتصلت بك لكي أخبرك بأني فكرت فيما تحدثنا به سابقا."
"حسنا، وما هو قرارك؟"
صمت قاسم للحظات، جال فيها بعينيه المكان كله وتوقفت نظراته أمام باب الحمام الذي تتواجد حياة بداخله، ثم زفر مطولا ونطق بعجز فقال:
"سوف أعترف بالحقيقة وأبرأ حسان!"