تحميل رواية «جواد بلا فارس» PDF
بقلم بنوته اسمرة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسللت أشعة الشمس الذهبية لتلقي بنورها على أحد الأبراج السكنية في أحد أحياء القاهرة الراقية. تململ "آدم" في الفراش وفتح عينيه بتكاسل. حانت منه التفاتة إلى المرأة النائمة بجواره. أزاح الغطاء ونظر إلى ساعة هاتفه، ثم نهض وخرج من الغرفة وتوجه إلى الحمام. أخذ دشاً ثم وقف أمام مرآة الحمام يزيل بيده بخار الماء الذي ترسب عليها. نظر إلى وجهه الوسيم، وعينيه الزرقاوين الواسعتين التي تدير عقول الفتيات، وبشرة وجهه الخمري وشعره الأسود الحريري الذي انسابت بعض خصلاته المتبللة على جبينه، فأعطته مظهراً جذاباً. إذا...
رواية جواد بلا فارس الفصل الأول 1 - بقلم بنوته اسمرة
تسللت أشعة الشمس الذهبية لتلقي بنورها على أحد الأبراج السكنية في أحد أحياء القاهرة الراقية. تململ "آدم" في الفراش وفتح عينيه بتكاسل. حانت منه التفاتة إلى المرأة النائمة بجواره. أزاح الغطاء ونظر إلى ساعة هاتفه، ثم نهض وخرج من الغرفة وتوجه إلى الحمام. أخذ دشاً ثم وقف أمام مرآة الحمام يزيل بيده بخار الماء الذي ترسب عليها. نظر إلى وجهه الوسيم، وعينيه الزرقاوين الواسعتين التي تدير عقول الفتيات، وبشرة وجهه الخمري وشعره الأسود الحريري الذي انسابت بعض خصلاته المتبللة على جبينه، فأعطته مظهراً جذاباً. إذا أضيف إلى ذلك جسده الرياضي وعضلاته المفتولة، إذن فنحن أمام رجل قل من تستطيع مقاومة جاذبيته.
خرج "آدم" من الحمام لافاً منشفة حول وسطه وأخرى يجفف بها شعره. عاد إلى الغرفة وتناول ملابسه الملقاة على الأرض في إهمال وبدأ في ارتدائها. وقف أمام مرآة التسريحة يمشط شعره عندما وقعت منه الفرشاة على الأرض لتصدر صوتاً مزعجاً. تململت المرأة النائمة في الفراش وفتحت عينيها تنظر إلى آدم الواقف أمام المرآة. ابتسمت وهي تحمل قطعة ملابس شفافة ملقاة على طرف السرير لترتديها ثم تتوجه إليه وتلف يدها حول خصره قائلة:
- صباح الخير يا بيبي.
قال "آدم" بصوت رجولي رخيم:
- صباح النور.
قبلت وجنته قائلة بدلع:
- رايح فين على الصبح كده؟
نظر إليها في المرآة قائلاً بسخرية:
- هكون رايح فين يعني؟ الشغل طبعاً.
قالت بدلال:
- طيب متخليك معايا النهاردة.
تحرك "آدم" مبتعداً عنها وذهب ليلتقط هاتفه الموضوع على الأرض بجوار السرير. ثم قال:
- مش هينفع يا "بوسي".
قالت وهي تغادر الغرفة:
- طيب استناني هاخد شاور ونفطر سوا.
كان مندمجاً في مطالعة بريده الإلكتروني على الهاتف. ثم خرج من الغرفة وحمل جاكيت البدلة الملقى على أحد مقاعد غرفة المعيشة. ثم خرج وأغلق الباب خلفه. خرجت "بوسي" من الحمام على أثر صوت غلق الباب لتجد "آدم" قد غادر البيت، فزفرت بضيق. ثم عادت إلى الحمام مرة أخرى.
***
خرج "آدم" من البناية الأنيقة وتوجه إلى السيارة ذات الموديل الحديث الواقفة أمامها. انطلق بالسيارة، ليتوقف عند إحدى الإشارات ينتظر فتحها. أخرج سيجاراً من جيبه وأشعله وهو ينفث دخانها بعمق. حانت منه التفاتة إلى السيارة المجاورة، ليجد الفتاة التي تقود السيارة الواقفة بجواره تبتسم له. بادلها ابتسامتها وأخذت نظراته تزداد جرأة وخبثاً. انطلقت الفتاة في طريقها بعدما فُتحت الإشارة. سار "آدم" بسيارته خلفها وهو يبتسم بخبث. أوقفت الفتاة سيارتها أمام أحد المطاعم وهي تعي تماماً تتبع "آدم" لها. دخلت وطلبت فنجاناً من الشاي وجلست على إحدى الطاولات. دخل "آدم" يبحث بناظريه عنها إلى أن وقع نظره عليها. كانت فتاة جميلة وترتدي تنورة قصيرة وبلوزة مكشوفة الذراعين. توجه إلى طاولتها وجلس بدون أي دعوة. نظرت الفتاة إليه بنظرات تملؤها الإعجاب والدهشة في نفس الوقت. قالت بترفع:
- أفندم. هو حضرتك مش شايفني قاعدة هنا؟
قال وهو يعقد ذراعيه فوق الطاولة ويرمقها بنظرات جريئة:
- لا شايفك.. وحسك كمان.
قالت الفتاة مصطنعة الجدية:
- لو سمحت قوم من هنا. عندك الترابيزات مالية المطعم.
قرب كرسيه منها بجرأة وهمس لها وهو يرفع حاجبه بثقة:
- عجبني المكان ده ومش هتحرك من هنا.
ابتسمت الفتاة وقد أعجبتها جرأته وثقته بنفسه. حضر النادل يحمل الشاي فطلب منه "آدم" فنجاناً آخر. قضى مع الفتاة قرابة الساعة في التعارف والدردشة وانتهى اللقاء بتبادل أرقام الهواتف ومضى كل منهما في طريقه وهو يلوح للآخر مودعاً.
***
رن جرس الهاتف إلى أن انقطع صوته ليعود مرة أخرى يرن بإصرار. تحركت الفتاة النائمة في منتصف الفراش وتمطت في كسل. وهمت بأن تأخذ الهاتف عندها انقطع صوت الرنين، فعادت إلى النوم مرة أخرى. لكنها استيقظت عندما سمعت صوت الرنين مجدداً. أمسكت هاتفها ونظرت بعينين نصف مفتوحتين إلى اسم المتصل ثم ألقت برأسها على الوسادة وهي ترد بصوت ناعس قائلة:
- ألو.
صاح صوت أنثوي قائلاً:
- أيوة يا "آيات" انتي فين؟
فركت "آيات" عينيها وهي تقول بصوت ناعس:
- في السرير.
صاح الصوت الأنثوي:
- والله العظيم انتي بتهرجي.
بدأت "آيات" في الاستيقاظ شيئاً فشيئاً وقالت:
- ايه في ايه يا "أسماء"؟
صاحت "أسماء" بحدة:
- انتي مش هتجيبيها لبر السنة دي. قومي يا فالحة عندك امتحان شيت كمان نص ساعة.
هبت "آيات" جالسة على الفراش وهي تقول:
- هااااااااااار أسود. هي الساعة كام؟
قالت "أسماء" بحنق:
- 11 ونص يا فالحة.
صاحت "آيات" بفزع وهي تزيح الغطاء وتغادر الفراش:
- طيب اقفلي يا "أسماء" اقفلي.
ألقت بهاتفها على الفراش وفتحت الباب وأخذت تصرخ قبل أن تتوجه إلى الحمام الملحق بغرفتها:
- دادة.. دادة.
دخلت "آيات" الحمام وفي سرعة فرشت أسنانها وتوضأت وخرجت من الحمام وهي تجفف وجهها بالمنشفة فاصطدمت بسيدة قصيرة القامة في العقد السادس من العمر تحمل ملامحها الطيبة والحنان. قالت "آيات" بعتاب وهي تتوقف بعد أن اصطدمت بها:
- كده يا دادة "حليمة". مش قولتيلي امبارح تصحيني عشان عندي امتحان شيت.
قالت "حليمة" باستغراب:
- يا بنتي انتي قولتيلي إن الامتحان بكرة مش النهاردة.
خبطت الفتاة على جبينها وهي تقول بحنق:
- أوف.. صح معاكي حق. قولتيلي كده. أنا غبية.
أنهت "آيات" صلاتها وأسرعت بفتح الدولاب وأخرجت ملابسها في عجالة. ساعدتها "حليمة" وهي تقول:
- براحة يا بنتي. في العجلة الندامة.
صاحت "آيات" وهي تنزل ملابسها بسرعة:
- ندامة إيه يا دادة. الامتحان هيضيع عليا. ده عليه 20 درجة من درجات المادة يعني لو ضاع مني هتسوح.
أمسكت "آيات" هاتفها لتنظر إلى الساعة وتصيح:
- يا لهووووويز. باقي ربع ساعة.
توقفت "آيات" أمام المرآة لترتدي حجابها الذي أخذت في عجالة تلفه على شعرها بإحدى الطرق الحديثة التي رأتها على إحدى المذيعات في إحدى القنوات في التلفاز. ثم نظرت إلى وجهها الذي بدا بريئاً هادئاً بعينيها السوداوين التي لا تتميز بالاتساع لكنها أيضاً لا توصف بالضيق. وإلى بشرتها الخمري مائلة للسمرة والى شفاهها الرقيقة. مدت شفتيها في تبرم. ثم أخذت كريم الأساس الذي اشترته أفتح درجة من لونها الحقيقي ليضفي عليها لوناً أكثر بياضاً وأخذت قلم الكحل لترسم عينيها وتزيد من اتساعهما. ومررت قلم الروج على شفتيها بطريقة تزيد من سمكهما. ابتعدت خطوة لتنظر لنفسها في المرآة بعين الرضا. مدت "حليمة" شفتيها في تبرم قائلة:
- لو أبوكي شافك كده هيقطم رقبتك.
التفتت إليها "آيات" بسرعة قائلة بلهفة:
- هو لسه هنا؟
قالت "حليمة":
- لا نزل الشركة من بدري.
ابتسمت "آيات" وهي تلقي على نفسها نظرة سريعة في المرآة قائلة:
- طيب وهيعرف منين.
توجهت إلى حقيبة يدها في عجالة ووضعت فيها هاتفها ثم نظرت إلى "حليمة" قائلة:
- باي يا دادة.
قالت "حليمة" وهي تشيعها بنظراتها:
- مع السلامة يا بنتي.
نزلت "آيات" درجات الفيلا بسرعة وتوجهت إلى الجراج وأخرجت سيارتها لتسير بها بسرعة عالية وسط شوارع القاهرة.
***
- معلش يا دكتورة أصلها كانت تعبانة أوي امبارح وكانت في المستشفى. أنا اتصلت بيها وهي زمانها جاية.
قالت المعيدة وهي تجمع أوراقها لتنصرف:
- أنا مليش دعوة بالكلام ده. الامتحان له معاد محدد.
قالت "أسماء" برجاء:
- عشان خاطري يا دكتورة. انتي عارفة إن الامتحان ده عليه 20 درجة بحالهم.
قالت المعيدة وهي تتوجه إلى باب القاعة للخروج:
- دكتور المادة حدد معاد محدد للامتحان وصحبتك اتاخرت. مش في إيدي بأه. كلمي دكتور المادة.
وقفت "أسماء" أمامها تمنعها من الخروج وهي تخرج هاتفها قائلة:
- يا دكتورة بقولك هي كانت تعبانة. وهي خلاص في الطريق. اتصلت بـ "آيات" وبمجرد أن انفتح الخط صاحت "أسماء":
- أيوة يا "آيات" انتي فين؟
أتاها صوت "آيات" قائلاً بلهفة:
- أنا خلاص بركن قدام الجامعة أهو. الامتحان خلص؟
قالت "أسماء":
- تعالي على قاعة "أ" بسرعة.
أنهت "أسماء" المكالمة ونظرت إلى الدكتورة قائلة بلهفة:
- خلاص هي داخلة الكلية أهي.
أوقفت "آيات" سيارتها أمام الجامعة وخرجت منها مسرعة ودلفت من البوابة وهي تحث الخطى. إلى أن وصلت إلى مبنى كُتب عليه بخط كبير "كلية التجارة". صعدت "آيات" الدرجات بسرعة وتوجهت إلى القاعة "أ". استقبلتها "أسماء" على الباب قائلة:
- بسرعة.
وقفتها بالعافية. دخلت "آيات" وتوجهت إلى المعيدة قائلة وهي تلهث:
- آسفة والله يا دكتورة. الطريق كان زحمة موت.
نظرت الدكتورة بشك إلى "أسماء" ثم نظرت إلى "آيات" قائلة:
- الطريق كان زحمة ولا انتي كنتي تعبانة امبارح في المستشفى؟
وكزت "أسماء" "آيات" في ذراعها ففهمت "آيات" وقالت بسرعة:
- كنت تعبانة جداً وبجد نزلت بالعافية رغم إن الدكتور كتبلي على راحة. واللي زاد وغطى إن الطريق كان زحمة كمان.
نظرت إليها المعيدة وهي تعطيها ورقة الامتحان قائلة:
- طيب يلا انجزي. لو دكتور المادة شافك هيبقى سين وجيم.
جلست "آيات" وأخذت تجيب على أسئلة الامتحان. انتظرتها "أسماء" بالخارج إلى أن أنهت الامتحان. شكرت "آيات" الدكتورة بابتسامة قائلة:
- ميرسي يا دكتورة.
جذبتها "أسماء" من ذراعها وتوجهت بها إلى كافيتيريا الكلية وجلستا على إحدى الطاولات. نظرت "أسماء" إلى "آيات" قائلة بغضب:
- والله بتستهبلي. ده أنا كان ناقص أبوس إيد المعيدة عشان متمشيش.
ضحكت "آيات" وهي تقول:
- تسلميلي يا "سمسم".
قالت "أسماء" بغيظ:
- أهو ده اللي انتي فالحة فيه. مبخدش منك غير كلام.
قامت "آيات" وهي تقول:
- طيب هروح أعزمك على نسكافيه حلاوة جدعنتك معايا النهاردة.
صاحت "أسماء" بمرح:
- نسكافيه بس؟ ده انتي المفروض تعمليلي حفلة. أنقذتي 20 درجة كانوا هيضيعوا عليك.
قالت "آيات" بمرح وهي تنصرف:
- مش لما أشوف هاخد منهم كام درجة الأول.
عادت "آيات" حاملة أكواب النسكافيه البلاستيكية ووضعت كوباً أمام صديقتها. سمعت من خلفها صوتاً يهتف:
- ازيكوا يا بنات. عملتوا إيه في امتحان الشيت؟
جلست "آيات" وهي تنظر إلى الشاب خلفها قائلة:
- ازيك يا ابني. عاش مين شافك. غطسان فين؟ مبشوفكش في السكاشن؟
قال الشاب مبتسماً وهو يجلس بين الفتاتين على الطاولة:
- محسساني إننا في طب. يا بنتي دي تجارة.
قالت "أسماء" بمرح:
- طول عمرك فاشل يا "أحمد".
قال "أحمد" مازحاً:
- سيبنالكوا انتوا الدح.
أخذت "آيات" تشرب من كوبها ببطء. مد "أحمد" يده وأخذ الكوب الموضوع أمام "أسماء" ورشف منه قائلاً:
- الله. كنت محتاج كوباية نسكافيه تظبطلي دماغي.
صاحت "أسماء" بحنق:
- ياباى على الغلاسة. متروح تجيبلك واحد. ده "آيات" جايباهولي.
نظر "أحمد" إلى "آيات" وهو يرشف رشفة أخرى قائلاً:
- مش مشكلة. تروح تجيبلك واحد تاني.
قالت "آيات":
- ليه إن شاء الله؟ مش قايمة تاني أنا.
قامت "أسماء" وهي تقول بغيظ:
- أوف. هروح أجيب أنا.
نظر "أحمد" إلى "أسماء" وهي تبتعد ثم التفت إلى "آيات" ورمقها بنظراته قائلاً:
- عملتي إيه في الامتحان؟
قالت "آيات" بلا مبالاة وهي تتجول بعينيها في رواد الكافيتيريا:
- كان لذيذ. بس فيه كام نقطة في التشوز وقعوا مني.
ضحك "أحمد" قائلاً:
- يا بنتي ده تشوز يعني اعملي حادي بادي.
ابتسمت "آيات" قائلة بمرح:
- ما أنا لما فشلت في إني أختار صح. عملت حادي بادي.
قال "أحمد" وهو يرمقها بنظرة إعجاب واضحة:
- بس انتي زي القمر النهاردة.
نظرت إليه "آيات" بحدة وقالت:
- "أحمد". لو سمحت انت عارف إني مبحبش كده.
قال "أحمد" بضيق:
- ليه بأه؟
قالت "آيات" بحزم:
- لأننا فريندز وبس.
قال "أحمد" بتبرم:
- وليه منكنش أكتر من فريندز يا "آيات". ليه منكنش...
قطع كلامه بعدما أتت "أسماء" حاملة كوبها. جلست في مقعدها الذي تركته منذ قليل. قام "أحمد" قائلاً:
- سلام. أشوفكوا بعدين.
غادر "أحمد". ونظرات "أسماء" تتابعه. ثم نظرت إلى "آيات" بلؤم قائلة:
- قالك إيه؟
قالت "آيات" بلا مبالاة:
- هيقولي إيه يعني.
قالت "أسماء" مبتسمة بخبث:
- فاكراني مفهمتش اللي حصل؟
قالت لها "آيات" بنفاذ صبر:
- إيه اللي حصل يعني؟
قالت "أسماء":
- اتعمد إنه ياخد من قدامي كوباية النسكافيه عشان أقوم أجيب لنفسي غيرها ويخلاله الجو.
هتفت "آيات" بحنق وهي ترمق صديقتها بنظرات غاضبة:
- ومادامتي عارفة كده إيه اللي خلاكي تقومي أصلاً؟
قالت "أسماء" ضاحكة:
- مبحبش أبقى عزول يختي.
قالت "آيات" بغيظ وهي تنتقل إلى المقعد المجاور لـ "أسماء" وتفرك لحم ذراعها بين أصبعيها بقوة:
- بطلي الأسلوب ده. مبحبوش.
هتفت "أسماء" بألم:
- دراعي يا مفترية.
قالت "آيات" بتشفٍ:
- أحسن عشان تحرمي تغيظيني تاني.
قالت "أسماء" وهي تفرك ذراعها بيدها:
- يا بنتي ده الواد هيموت عليكي من سنة أولى. بلي ريقه بأه.
قالت "آيات" بتأفف:
- أوف. ميت مرة أقولك أنا وهو فريندز وبس. فضينا بأه من السيرة دي.
صمتت "أسماء" قليلاً ثم نظرت إلى "آيات" قائلة بتهكم:
- انسى اللي في بالك ده خالص.
ارتبكت "آيات" ونظرت إليها قائلة:
- تقصدي إيه؟
تبادلتا نظرة ذات معنى. إلى أن أشاحت "آيات" بوجهها. فقالت "أسماء":
- طيب طمنيني على الأقل. الموضوع متطور معاكي لحد فين؟
صمتت "آيات" وأخذت تحرك الكوب الفارغ بين يديها. فقالت "أسماء":
- خلاص براحتك. مش هضغط عليكي.
التفتت إليها "آيات" قائلة بضيق:
- اتخنقت. مش إحنا خلصنا؟ ما تيجي نقوم نلف بالعربية شوية أو نروح النادي؟
قالت "أسماء" باستنكار:
- عندنا النهاردة محاضرتين ورا بعض.
قالت "آيات" وهي تنهض وتحمل حقيبتها:
- كبرى.
خرجت الفتاتان من الجامعة وتوجهتا إلى سيارة "آيات" وانطلقا بهما في شوارع القاهرة.
***
دخل "أحمد" بسيارته الفيلا وأوقف سيارته في الجراج ثم صعد الدرجات يصفر بمرح. توجه إلى غرفته وشرع في تبديل ملابسه. نزل إلى الطابق السفلي وهو يدور بعينيه في المكان. إلى أن ظهرت الخادمة فسألها قائلاً:
- بابا وماما هنا؟
فقالت الخادمة:
- أيوة يا فندم في الجنينة.
خرج "أحمد" ليجد والدته واقفة تساعد والده في تقليم إحدى الأشجار بالحديقة. فأقبل عليها قائلاً بمرح:
- يعني "فؤاد" بيه "الأسيوطي" بجلالة قدره وحرمه المصون واقفين بنفسهم بيقصوا الشجر. دي لو الصحافة شمت خبر هتبقى فضيحة بجلاجل.
نظر إليه أبواه وضحكا عالياً. ثم قال له والده "فؤاد":
- ليه بأه إن شاء الله؟ عيب ولا حرام؟
قالت أمه مبتسمة:
- من إمتى بأه قص الشجر فضيحة؟
أقبل عليها "أحمد" وقبل يدها قائلاً بمرح:
- الإيدين الحلوة دي تتلف في حرير مش تقص شجر.
ضحك أبوه قائلاً:
- انت عارف إني بحب أعتني بالحديقة بنفسي ووالدتك بتحب دايماً تساعدني في كل حاجة أعملها.
التفتت أمه إليه وقالت بلهفة:
- قول لي عملت إيه في امتحان النهاردة؟
قال "أحمد" مبتسماً:
- حليته بصابع رجلي الصغير.
ضحك أبوه بتهكم قائلاً:
- آه هتقولي على نباهتك. عارفها كويس. بدليل إنك بقالك 3 سنين في سنة رابعة مش عايز تطلع منها.
قالت أمه بضيق:
- متعكننش عليه بأه. هو وعدني إنه هينجح السنة دي إن شاء الله. ثم التفتت إليه قائلة:
- مش كده يا "أحمد"؟
قال "أحمد" مبتسماً:
- طبعاً يا ست الكل. أنا وعدتك.
قال "فؤاد" متهكماً:
- طيب ما انت وعدتها السنة اللي فاتت واللي قبلها وبرده سقطت.
قالت زوجته بضيق:
- "فؤاد" بلاش كلمة سقطت دي.
قال "فؤاد" صاخباً وهو يخلع الجوانتي السميك الذي يرتدي:
- والله أنا مش عارف إيه آخرة دلالك فيه. ده لو بنت مش هتدلع كده؟
عانق "أحمد" أمه قائلاً:
- ربنا يخليكي ليا يا ماما. انتي اللي نصافيني في البيت ده.
صاح "فؤاد" قائلاً:
- أيوة اتلميتوا على بعض. ثم قال:
- أنا رايح المكتب. لما الغدا يجهز نادولي.
***
وضعت "آيات" هاتفها النقال بين أذنها وكتفها وجلست على فراشها تصبغ أظافر يدها بالمانكير. وتحدثت بضيق قائلة:
- ما انتي عارفة بابا يا "أسماء". مستحيل هيرضى إني أسافر سفرية فيها بيات.
قالت "أسماء" بضيق:
- باباكِ ده صعب أوي. وكمان مش سامح لك تتأخري بره البيت عن 10 بالليل. يعني إيه أخرك 10 بالليل. الناس أصلاً بتبتدي تخرج الساعة 10.
قالت "آيات" بحنق:
- خلاص بأه مش هنفضل نعيد ونزيد في الكلام. متخنقيش انتي كمان.
قالت "أسماء" بحزن:
- كان نفسي تيجي معايا أوي.
زفرت "آيات" بضيق قائلة:
- وأنا كمان. انتي عارفة إني بحب شرم أوي. بس مش هينفع موضوع البيات ده.
ثم قالت:
- طبعاً باباكِ وافق.
ضحكت "أسماء" قائلة:
- آهااا. باباتي حبيبي وافق طبعاً. ماما اللي عصلجت شوية. بس بابا راضاني ووافق.
قالت "آيات" بمرح:
- باباكِ ده راجل سكر. مفيش زيه. يا سلام لو يقعد مع بابا شوية يعلمه إزاي يبقى أب فري كده.
سمعت "آيات" طرقات على باب غرفتها فقالت:
- ده أكيد بابا دي خبطته. خليكي معايا هشوفه وأرجعلك.
ألقت "آيات" هاتفها على الفراش وأخذت تنفخ في أظافرها وتحركها في الهواء لتجففها. فتحت الباب ثم ابتسمت للرجل الوقور الذي يغطي الشيب رأسه قائلة:
- بابا حبيبي.
اقترب منها الرجل وقبل رأسها قائلاً:
- حبيبة بابا. قاعدة لوحدك وأنا قاعد لوحدي. متيجي نقعد نتفرج على التي في مع بعض.
قالت "آيات" وهي تقبل وجنته:
- حاضر يا بابا. هقفل بس مع "أسماء" و أنزل أقعد معاك.
نظر والدها إلى هاتفها الملقى على الفراش وقال بمرح:
- انتوا مبتبطلوش رغي أبداً.
ضحكت "آيات" قائلة:
- وإحنا ورانا إيه غير الرغي.
مسح على شعرها قائلاً:
- طيب يا حبيبتي هستناكي تحت.
شيعته بابتسامة ثم أغلقت الباب وعادت إلى هاتفها لتضعه على أذنها قائلة:
- "أسماء" انتي لسه عايشة؟
ضحكت "أسماء" قائلة:
- عايزاني أموت عشان مسافرش شرم للدرجة دي قلبك أسود وحقود؟
ضحكت "آيات" قائلة:
- آه بصراحة متغاظة منك عشان هتروحي وأنا لأ. ثم قالت بجدية:
- لا بجد أوى تفكري إن إني ممكن أحقد عليكي أو أبقى غلاوية كده. أنا مش كده والله يا "أسماء".
قالت "أسماء" بسرعة:
- انتي عبيطة يا بنت انتي. أنا بهزر معاكي.
قالت "آيات":
- طيب يلا من غير مطرود عشان نازلة أقعد مع بابا. سيباه لوحده من ساعة ما جه من بره.
قالت "أسماء" ضاحكة:
- ساعات بحس إنك مراته مش بنته. يلا سلام أشوفك بكرة في الكلية. ثم هتفت قائلة:
- عندنا بكرة امتحان شيت تاني. أوعي تروحي عليكي نومة زي النهاردة. لو نمتي تاني لا انتي صحبتي ولا أعرفك. مش هترجي المعيدة تاني.
قالت "آيات":
- لا متقلقيش يا "سمسم". هخلي دادة تصحيني. يلا باي.
- باي.
***
جلست "آيات" على الأريكة بجوار والدها لمشاهدة التلفاز. كانت مندمجة في المشاهدة وهي تضع حبات الفشار في فمها بنهم. التف "عبد العزيز" والدها ينظر إليها وقد رسمت ابتسامة حانية على وجهه. لف ذراعه حول كتفيها وقربها منه مقبلاً رأسها. رفعت نظرها إليه مبتسمة فقال لها:
- تعرفي يا "آيات" من يوم وفاة أمك الله يرحمها.. ومفيش حاجة مالية حياتي غيرك. انتي اللي منورة حياتي بوجودك فيها وأي حاجة غيرك متهمنيش.
دفنت "آيات" وجهها في صدره وهي تقول:
- انت كمان يا بابا اللي وجودك منور حياتي. ربنا ما يحرمني منك أبداً.
اقتربت دادة "حليمة" مبتسمة وهي تراهما هكذا. وقالت بصوت حانٍ:
- يلا يا "آيات" يا بنتي عشان تنامي. عندك امتحان الصبح.
نظر "عبد العزيز" إلى "آيات" بدهشة:
- عندك امتحان الصبح؟ وأيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟
قالت وقد بدأ النعاس يزحف إلى عينيها:
- مكنتش عايزة أنام.
أوقفها والدها قائلاً بحزم:
- يلا على أوضتك يا "آيات".
ابتسمت "آيات" وانحنت لتقبل وجنته قائلة:
- تصبح على خير يا بابا.
رد والدها مبتسماً:
- تصبحي على خير يا حبيبتي.
صعدت "آيات" إلى غرفتها. توجهت إلى الدولاب لتختار ما سترتديه في الغد. فغداً يوم مميز بالنسبة لها. لأنها غداً... سترآه.
***
بعد منتصف الليل بعدة ساعات.. دخل "آدم" بسيارته أحد أحياء القاهرة الشعبية وتوقف أمام إحدى البنايات. بدت سيارته الحديثة متناقضة مع الأجواء حولها. صعد "آدم" الدرجات برشاقة إلى أن توقف أمام أحد الأبواب وأخرج مفتاحه ليفتح الباب بهدوء. أغلق الباب خلفه وضغط على زر المصباح بجوار الباب. التفت وشهق بفزع:
- خضتيني يا ماما.
نظر إلى المرأة الجالسة على مقعد الصالون الكبير. امرأة في العقد السادس من العمر يبدو عليها علامات الوهن والضعف. وقفت أمامه ونظرت إليه بتبرم قائلة:
- كل يوم يا "آدم" ترجع وش الصبح. ده غير بياتك بره كل شوية والتانية.
زفر "آدم" بضيق وهو يقول:
- هو أنا صغير يا ماما. أنا راجل وعندي 32 سنة يعني مش عيل صغير.
قالت أمه بعصبية:
- وعشان ما انت راجل ومش صغير المفروض تصرفاتك تكون أعقل من كده يا "آدم".
قال "آدم" وهو يتوجه إلى غرفته:
- نكمل خناق الصبح. أنا مصدع وعايز أنام.
كاد أن يغلق باب غرفته فأوقفت أمه الباب بيدها ونظرت إليه قائلة:
- اتعشيت؟
أومأت برأسه قائلاً:
- أيوة.
نظرت إليه بعتاب ثم تركته ودخلت غرفتها. أغلق "آدم" باب غرفته التي كانت تحتوي على أثاث متواضع لكنه جيد. خلع قميصه وتوجه إلى حاسوبه وجلس ينظر إلى بريده الإلكتروني. زفر بضيق عندما لم يجد مبتغاه وأخرج سيجاراً وأشعله وظل ينفث دخانه بعصبية. ثم أغلق الحاسوب وتوجه إلى فراشه بعدما أنهى سيجاره وأغلق المصباح وغط في سبات عميق.
***
استيقظت "آيات" من فورها بعدما نادتها "حليمة" قائلة:
- "آيات".. اصحي يا بنتي عشان امتحانك.
كان يبدو عليها النشاط بعكس الأمس. أخذت دشاً سريعاً وارتدت ملابسها التي اختارتها بعناية الليلة الماضية. وكالعادة وقفت أمام المرآة تضيف على ملامحها البريئة لمسات تخفي بها براءتها وبساطتها وتظهرها كامرأة. توجهت إلى باب الفيلا فقالت بها "حليمة" قبل أن تغادر:
- مش هتفطري يا "آيات"؟
قالت "آيات" وهي تلوح لها مودعة:
- هفطر في الجامعة يا دادة. باي.
توجهت إلى سيارتها وانطلقت بها. توقفت أمام الجامعة وخرجت لترتدي نظارتها الشمسية التي أضافت عليها بعض الغموض. توجهت برشاقة إلى داخل الحرم الجامعي. قابلت "أسماء" في الكافيتيريا. فقالت "أسماء" بمرح:
- كويس ناموسيتك مكنتش كحلي زي امبارح. يلا بينا نراجع خلاص مفيش وقت.
جلست الفتاتان معاً تراجعان بعض النقاط وتخبر كل منهما الأخرى عن توقعاتها لأسئلة الامتحان. ثم حان وقت الامتحان ودلفتا إلى داخل القاعة. جلس "أحمد" على المقعد المجاور لـ "آيات" ونظر إليها مبتسماً فبادلته ابتسامته. انتهى الامتحان وخرجت الفتاتان لتعودا إلى الكافيتيريا مرة أخرى. قالت "آيات" بضيق:
- دكتور غبي.
قالت "أسماء" بتبرم وهي تنظر إلى ورقة الأسئلة:
- امتحان مستفز لأبعد حد.
زفرت "آيات" بضيق قائلة:
- ده امتحان يجيبه في الشيت أمال في امتحان الترم هيعمل إيه. ده هينفخنا.
قالت "أسماء" وهي تطوي ورقة الامتحان وتضعها في حقيبتها:
- سيبك كبرى. تعالي نشرب حاجة نروق بيها دمنا.
بعد نصف ساعة بدأت "آيات" في مراقبة ساعة الموبايل باهتمام. فنظرت "أسماء" إليها وهي تقول بلؤم:
- فيه إيه كل شوية تبصي لساعة الموبايل؟
قالت "آيات" بغيظ:
- وعرفتي منين إني ببص لساعة الموبايل؟
قالت "أسماء" بسخرية:
- أمال بتبصي لإيه؟ للثيم مثلاً؟
لم تجبها "آيات" وتظاهرت بالانشغال بالنظر إلى رواد الكافيتيريا. مرت الدقائق لتعلن الساعة الواحدة إلا عشر دقائق. فأخذت "آيات" تلملم في أشياءها وهي تقول لـ "أسماء":
- يلا يا "أسماء".
قالت "أسماء" دون أن تتحرك من مكانها:
- يلا فين؟
نظرت إليها "آيات" قائلة:
- يلا عندنا محاضرة "إدارة أعمال" بعد عشر دقايق.
قالت "أسماء" بلؤم:
- اشمعنى يعني محاضرات "إدارة الأعمال" اللي بتصري نحضرها؟
قالت "آيات" وهي تنهض مغادرة:
- أنا هحضرها. عايزة تحضريها احضريها. مش عايزة استنيني هنا لحد ما المحاضرة تخلص.
نهضت "أسماء" وهي تسرع خلف "آيات". جلسات متجاورتين في المدرج الذي ازدحم بالطلبة والطالبات. سألت إحدى الطالبات:
- هو الدكتور اتأخر ليه؟
ردت أخرى:
- متأخرش ولا حاجة. دي كلها 5 دقايق.
ردت طالبة أخرى ضاحكة:
- إن مكنش ده يتأخر أمال مين اللي يتأخر.
قالت أخرى بهيام:
- يخربيت كده. ده عليه جوز عيون يهبلوا.
شعرت "آيات" بالضيق وهي تستمع إلى تلك التعليقات. وفجأة انخفضت الأصوات تدريجياً وتعلق الأنظار بالشخص القادم. التفتت "آيات" تنظر إلى باب المدرج وقلبها يخفق بسرعة وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ونظرة حالمة في عينيها. دخل "آدم" المدرج ووقف على المنصة أمام المكتب بدلته الأنيقة وملامحه الوسيمة ونظرات كالبحر متلاطم الأمواج. نظر إلى الطلاب قائلاً بصوته الرخيم:
- مساء الخير.
ردد الطلاب:
- مساء الخير يا دكتــور "آدم".
رواية جواد بلا فارس الفصل الثاني 2 - بقلم بنوته اسمرة
انخفضت الأصوات تدريجياً وتعلقت الأنظار بالشخص القادم. التفتت "آيات" تنظر إلى باب المدرج وقلبها يخفق بسرعة، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ونظرة حالمة في عينيها.
دخل "آدم" المدرج ووقف على المنصة أمام المكتب ببدلته الأنيقة وملامحه الوسيمة ونظرات كالبحر متلاطم الأمواج. نظر إلى الطلاب قائلاً بصوته الرخيم:
"مساء الخير."
ردد الطلاب:
"مساء النور يا دكتور آدم."
حاولت "آيات" بصعوبة إخفاء البسمة التي ارتسمت على شفتيها حال رؤياه. قال "آدم" وهو ينظر إلى الأوراق أمامه:
"حد يفكرني وقفنا فين المرة اللي فاتت."
قالت أحد الطالبات:
".........."
أومأ "آدم" برأسه وبدأ محاضرته. استمرت المحاضرة قرابة الساعتين. قرب انتهاء المحاضرة، بدا على الجميع الملل والحنق والرغبة في انتهاء المحاضرة، باستثناء "آيات" التي كانت تنظر إلى "آدم" تراقب كل حركة وكل سكنة وكل إيماءة وكل التفاته.
التفتت إليها "أسماء" قائلة:
"اطلبي منه صورة أحسن."
وكزتها "آيات" في ذراعها بقوة. فقالت "أسماء" بغيظ:
"كوعك عامل زي المسمار يا بنت انتي."
قالت "آيات" بتشفى:
"أحسن عشان تحترمي نفسك."
هتفت "أسماء" بصوت منخفض:
"انتي مش شايفة نفسك بتبصيله إزاي.. ده انتي هاين عليكي تاخديه في إيدك وانتي خارجة من المحاضرة."
وكزتها "آيات" مرة أخرى بقوة أكبر. فلم تستطع "أسماء" كتم صرخة ألم:
"آآه."
لم يكن صوتها عالياً للدرجة، ولكنه كان ملفتًا خاصة مع السكون الذي كان سائدًا في المدرج. التفت "آدم" إلى مصدر الصوت، فالتقطت عيناه عيني "آيات". شعرت بقلبها ينبض بجنون داخل صدرها، وحبست أنفاسها وتوردت وجنتاها بحمرة خفيفة أخفتها الأصباغ الصناعية التي كانت تضعها على وجهها.
عاد "آدم" ليلتفت إلى شرحه وهو ينقل نظره بين طلابه بلامبالاة. نظرت "آيات" إلى "أسماء" بغضب والتزمتا الصمت. انتهت المحاضرة فتابعته "آيات" بعينيها وهو ينصرف قبل الطلاب. ساد الهرج والمرج وخرجت الفتاتان من المدرج. وقفتا أمام الكلية تتحدثان فقالت "أسماء":
"متيجي نروح النادي النهاردة، حاسة إني مخنوقة."
قالت "آيات" وهي تشع بالملل:
"وأنا كمان."
ثم قالت:
"وكمان هكلم إيمان وسمر يجوا معانا."
قالت "أسماء" بمرح:
"أوكي."
توجهت الفتاتان إلى النادي وجلستا حول إحدى الطاولات في انتظار حضور صديقتيهما. قالت "أسماء" وهي تنظر إلى "آيات" بعتاب:
"برده مش عايزة تتكلمي معايا."
زفرت "آيات" بضيق دون أن تنطق بشيء. فقالت "أسماء" بغضب:
"بس ابقي خليكي فاكراها يا آيات، والله ما عدت أحكيلك أي حاجة تاني."
قالت "آيات" بحنق:
"مفيش أصلاً حاجة تتحكي."
قالت "أسماء" بعناد:
"حاولي.. هتلاقي الكلام بيتسرسب منك واحدة واحدة."
صمتت "آيات" لفترة ثم قالت بحزن:
"كل الحكاية إنه عجبني مش أكتر من كده يعني."
قالت "أسماء" مبتسمة:
"ليكي حق يا يويو، الراجل موز ودكتور في الجامعة."
نظرت إليها "آيات" بغضب قائلة:
"احترمي نفسك يا أسماء لو سمحتي."
ضحكت "أسماء" قائلة:
"ده بجد بأه."
ظهرت علامات الضيق على وجه "آيات" فاقتربت "أسماء" بمقعدها منها ووضعت يدها على يد "آيات" قائلة باهتمام:
"اتكلمي يا آيات.. قوليلى اللي جواكي."
قالت "آيات" بنفس النظرة الحزينة:
"مفيش حاجة تتقال."
قالت "أسماء" بجدية:
"بس أنا عمري ما شوفتك كده يا آيات.. عمري ما حسيت إنك ممكن تنجذبي لحد كده.. مفي ولاد كتير حوالينا وأمراء وستايل وولاد ناس.. بس انتي عمرك ما اهتميتي بحد منهم.. فمستغرباكي أوي.. لأني مشفتكيش قبل كده بتنجذبي لحد من مجرد شكله."
نظرت إليها "آيات" وقالت بحدة:
"أنا منجذبتلوش عشان شكله."
قالت "أسماء" باستغراب:
"أمال عشان إيه؟.. انتي أصلاً متعرفيهوش."
قالت "آيات" وكأن شريط سينمائي يمر من أمام عينيها:
"في سنة أولى قبل ما أتعرف عليكي.. كان لسه بابا مجبليش العربية.. كنت بروح الجامعة في تاكسي.. أو بابا بيبعت معايا العربية بالسواق.. في اليوم ده كنت راكبة تاكسي.. ونزلت أدام الجامعة.. معرفش إيه اللي حصل لقيت فجأة تاكسي تاني بيفرمل جامد قدامي وبيخبط في الرصيف.. معرفش أنا اللي منتبهتش ولا هو اللي غلطان.. نزل السواق من التاكسي بتاعه وفضل يزعق فيا جامد أوي لدرجة إني عيطت وسط الشارع."
كانت "أسماء" تسمع إلى "آيات" باهتمام فأكملت قائلة:
"كنت في موقف محرج أوي والراجل مش عايز يهدى ومش عايز يعديني.. وأكمن العربية خبطت في الرصيف كان عايز تمن التصليح وأنا ساعتها مكنش معايا المبلغ اللي طلبه كتعويض."
اتسعت عينا "أسماء" وهي تستمع إلى كلام "آيات" التي أكملت قائلة بابتسامة خفيفة:
"بعدها لقيت دكتور آدم جه.. شكله كان داخل الجامعة ولقى الخناقة والراجل وهو بيزعقلي.. المهم فضل يتكلم مع الراجل ويقوله متزعقلهاش كده دي بنت.. والراجل برده فضل يزعق ومصر ياخد فلوسه.. قولتله هتصل ببابا يبعتلي حد بالفلوس.. وافق بس بشرط إني أفضل معاه متحركش لحد ما بابا ييجي."
ثم نظرت "آيات" إلى "أسماء" مبتسمة بخجل وهي تقول:
"كنت خايفة من الراجل أوي.. وكنت بعيط.. بس دكتور آدم فضل واقف معايا ومرضاش يمشي ويسيبني واقفة معاه لوحدي.. حسيته كان مضايق من اللي حصلي وفضل يقولي متخفيش ميقدرش يعملك حاجة.. وفضل واقف جمبي.. كنت أول مرة أشوفه.. ومكنتش حتى أعرف إنه دكتور عندنا في الكلية."
ثم أكملت:
"بابا جه بنفسه واتفاهم مع الراجل وساعتها دكتور آدم سألني انتي كويسة.. قولتله أيوة.. قالي معلش راجل معندوش دم متزعليش نفسك أنا لو كان معايا المبلغ دلوقتي كنت دفعتهوله ومكنتش وقفتك كده."
صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت:
"بصراحة احترمته أوي وحسيته راجل أوي.. ومش عارفة دي تهيؤات ولا إيه بس حسيت بنظرات عينه حنينة أوي وهو بيبصلي.. بعد كده بابا شكره إنه كان جنبي ودافع عني.. بس.. شوفته بالصدفة في الكلية وعرفت إنه بيدي مادة في سنة رابعة.. آدي كل الحكاية."
التفتت "أسماء" إلى "آيات" قائلة:
"بس انتي عمرك ما قولتيلي إنك حاسة بحاجة ناحيته."
قالت "آيات" بحزن:
"أنا نسيت الموضوع وشلته من بالي.. بس لما شوفته في بداية السنة دي وبقيت بشوفه كتير.. مش عارفة.. طول الوقت بفتكر الموقف اللي عمله معايا."
ثم نظرت إلى "أسماء" وقالت بحماس:
"تحسيه راجل كده.. مش حتة عيل.. يعني تحسيه واثق من نفسه وبيدافع عنك وخايف عليكي وبيحميكي."
ثم تنهدت قائلة:
"تفتكري أنا مكبرة الموضوع؟"
قالت "أسماء" بعد تفكير:
"بصي مش عايزة أعشمك بحاجة.. وفي نفس الوقت مش عايزة أضايقك.. بس أنا مش شايفة أي اهتمام من ناحيته يا آيات."
قالت "آيات" بحزن وهي تطرق برأسها:
"عرف."
نظرت إليها "أسماء" قائلة:
"طيب ما تحاولي تلفتي انتباهه."
قالت "آيات" بدهشة:
"إزاي يعني؟"
قالت "أسماء" بحيرة:
"مش عارفة."
فكرت "آيات" قليلاً ثم قالت بكبرياء:
"لا مش هحاول ألفت انتباهه.. هو لو حس بحاجة ناحيتي يبقى منه لنفسه.. ولو محسش خلاص هو حر مش هضربه على إيده عشان يحبني."
ثم ظهر الحزن مرة أخرى في عينيها وقالت وكأنها تحدث نفسها:
"تفتكري ممكن يحبني؟"
قالت "أسماء":
"مش يمكن أصلاً يكون متجوز."
التفتت إليها "آيات" قائلة بثقة:
"لا مش متجوز.. مش لابس دبلة."
قالت "أسماء" بتهكم:
"مش شرط كل الرجالة المتجوزين يلبسوا دبلة يا آيات."
قالت "آيات" بثقة:
"لا أنا واثقة إنه مش متجوز لأني عارفة الأكونت بتاعه على الفيس وكاتب في البروفايل بتاعه سنجل."
قالت "أسماء" بدهشة:
"وعرفتي الأكونت بتاعه منين؟"
قالت "آيات":
"من الجروب بتاع الكلية في مرة رد على بوست فعرفته من الاسم ومن الصورة."
قالت "أسماء" بعتاب:
"ما شاء الله.. كل ده من ورايا."
مازحتها "آيات" قائلة:
"متزعليش بأه يا سمسم.. أصلاً مفيش حاجة عشان أحكيها.. مجرد إحساس من طرف واحد يعني حاجة عبيطة مش مستاهلة تتقال."
في تلك الأثناء أقبلت فتاتان في اتجاههما كان بينهما عامل مشترك ألا وهو ملابسهما الواسعة الفضفاضة وحجابهما الطويل. ابتسمت "آيات" في سعادة وهي تهتف قائلة:
"إيمان.. سمر."
قامت "أسماء" و"آيات" للترحيب بالفتاتين ومعانقتهما. ثم التفوا معاً حول الطاولة. بدا للناظر من بعيد أنهم مجموعة غريبة، فتاتان بكامل زينتهما ويرتديان الملابس الضيقة المثيرة وأخريتان بدون أي زينة وترتديان ملابس محتشمة. قالت "آيات" في سعادة بالغة:
"وحشتوني أوي.. انتوا بجد أندال ليه مش بنجتمع مع بعض على طول.. لازم يعني أفضل ألح عليكم عشان نتقابل."
ابتسمت "سمر" قائلة:
"معلش يا آيات انتي عارفة أنا مشغولة قد إيه في المستشفى."
قالت "أسماء" ضاحكة:
"مش عارفة إيه اللي يخليكي تدخلي طب أصلاً.. ملها تجارة.. زي الفل."
ضحكت "سمر" قائلة:
"آه فل أوي.. ده انتوا في الطراوة خالص."
هتفت "أسماء" متظاهرة بالغضب:
"قصدك إيه بأه ده بتوع تجارة دول أجدع ناس.. تنكري؟"
قالت "سمر" ضاحكة:
"لا طبعاً منكرش.. كنت بهزر معاكي.. وبعدين يا ستي أهي كلها شهادة."
التفتت "آيات" إلى "إيمان" قائلة بمزاح:
"إيه أخبار دكتور السنان الفاشلة؟"
قالت "إيمان" بغيظ:
"عارفة لو عديتي تقوليلي فاشلة تاني هعملك فيكي إيه."
قالت "آيات" مبتسمة:
"الا قولولي يا إيمان هو المفروض أغسل سناني كام مرة في اليوم عشان ميحصليش مشاكل في سناني؟"
قالت "إيمان" وهي تخرج بسكويت من حقيبتها وتتناوله:
"إزاي يعني؟.. هو انتي بتغسلي سنانك كل يوم؟"
قالت "آيات" بدهشة:
"أيوه طبعاً وبابا بيضايق مني لو مغسلتهمش مرتين في اليوم."
صاحت "إيمان" قائلة:
"أما فرفورة صحيح."
ضحكت الفتيات وصاحت "آيات":
"أنا اللي فرفورة ولا انتي اللي دكتورة سنان فاشلة.. أنا مش عارفة أصلاً انتي طلعوكي من إعدادي إزاي."
قالت "إيمان" لتغيظها:
"يلا يا نايتي.. أنا أصلاً إيه اللي خلاني أعرف شوية بنات نايتي زيكوا كده مش عارفة.. بكرة تشوفي اسمي على أكبر عيادات الأسنان في البلد وتطلبوا مني معاد عشان تقابلوني وتبقى السكرتيرة بتاعتي تقلكوا دكتورة إيمان مشغولة تعالوا بعد شهر."
أكملت "أسماء" ضاحكة:
"آه مشغولة لأن العيانين اتلموا عليها ودولها حتة علقة مرقداها شهر في المستشفى فتعالوا لما صحتها تتحسن وتنسى الشرخ اللي حصل في كرامتها."
تظاهرت "إيمان" بالنهوض والمغادرة وهي تقول:
"تصدقوا إن خسارة فيكوا إني أعد معاكوا أصلاً."
جذبتها "سمر" قائلة:
"خلاص يا إيمان بنهزر معاكي انتي عارفة إن محدش بيقدر قيمة المواهب العبقرية اللي زيك في البلد دي."
جلست "إيمان" وقالت بترفع:
"بكرة تشوفوا إيمان دي هتبقى إيه."
ثم قالت:
"مش هناكل حاجة."
طلب الجميع مشروباً غازياً بجانب وجبة الغداء. فقالت "إيمان" بتهكم:
"وكمان طالبينها دايت.. ده انتوا بجد فرافير."
قالت "آيات" مبتسمة:
"أنا بخاف أتخن أوي."
قالت "إيمان" بتهكم:
"أمال أنا مش خايفة ليه وأنا قدك 3 مرات يا آيات."
كانت "إيمان" ذات وزن كبير، بالنظر إلى الفتيات الثلاثة فهي تبدو أكثرهن ضخامة، ليس طولًا فقط ووزنًا، وعلى الرغم من ملابسها الفضفاضة الواسعة إلى أنها أظهرت مدى زيادة وزنها.
قالت "سمر" باهتمام:
"قولتك كتير يا إيمان لازم تهتمي بأكلك أكتر من كده.. ده انتي يا بنتي مبتعرفيش تمشي على دايت أكتر من 3 أيام."
قالت "إيمان" بسخرية:
"وأمشي على دايت ليه شيفاني تخينة.. ده أنا يدوبك برميل بس."
انفجرت الفتيات في الضحك، وعلى الرغم من الابتسامة التي ارتسمت على شفتي "إيمان" إلا أن "آيات" لمحت سحابة حزن في عينيها. ظلت تنظر إليها تحاول فهم سبب تلك النظرات الحزينة لكنها لم تستشف شيئًا فسألتها باهتمام:
"إيمان.. في حاجة مضايقاكي؟"
رسمت "إيمان" ابتسامة واسعة على شفتيها وقالت:
"أيوه مضايقة إن الأكل اتأخر."
صاحت "أسماء" قائلة:
"يا بنتي ارحمي نفسك.. شوية شوية وهتاكلينا."
ثم تظاهرت أنها تنادي على النادل قائلة:
"يا عم يا بتاع الأكل قولهم بسرعة شوية معانا حوت لو مسديناش بقه بأي حاجة هياكلنا واحدة ورا التانية."
ضحكت الفتيات وشاركهم "إيمان" الضحك.
توقف "آدم" بسيارته أمام البرج. حياه رجل الأمن الواقف، ثم تتبعه بنظراته وهو يمضغ شفتيه في اشمئزاز. أتى رجل أمن آخر ليرى التعبير المرسوم على وجه زميله فسأله قائلاً:
"إيه في إيه؟"
هتف رجل الأمن وما زالت تعبير الإشمئزاز على وجهه:
"الست اللي في شقة 22 دي مش هتجيبها لبر."
زميله:
"ليه إيه اللي حصل تاني؟"
قال رجل الأمن بغضب:
"لا عندها خشى ولا حيا، وكل كام شهر راجل طالع وراجل نازل أما بقت حاجة تقرف أنا عارف ليه متغورش من العمارة.. كل اللي ساكنين هنا ناس محترمة تروح تشوفلها جيران زيها تعيش وسطهم."
قال زميله بضيق:
"ربنا يستر على وليانا.. أنا برده مبطقش أبص في وشها.. ربنا يهديها."
صاح الآخر بحرقة:
"قول ربنا ياخدها."
صعد "آدم" إلى شقة 22 وأخرج المفتاح ودخل وأغلق الباب خلفه. ما كاد يدخل إلى غرفة المعيشة حتى هبت "بوسي" واقفة وهي تنظر إليه بعتاب. لم يعبأ "آدم" بنظراتها وتوجه إلى غرفة النوم وهو يخلع جاكيت البدلة. ألقاه على أقرب مقعد، ثم توجه إلى الدولاب وظل يتأمل البدل المتراصة بجوار بعضها ويختار من بينها. دخلت "بوسي" ووقفت على باب الحجرة وهي تكتف ذراعيها أمام صدرها وتقول بتبرم:
"انت نازل تاني؟"
قال "آدم" وهو ما زال يتأمل البدل باهتمام:
"أيوه."
اقتربت منه "بوسي" بعصبية وأدارته من كتفه بحدة لينظر إليها. فنظر إليها مندهشاً لتقول بغضب:
"آدم الوضع ده هيستمر لحد إمتى؟"
قال بدهشة:
"وضع إيه؟"
قالت "بوسي" بعصبية شديدة:
"الوضع اللي إحنا فيه ده.. مش حابب نتجوز قولت ماشي مفيش مشكلة.. لكن تدخل بمزاجك وتخرج بمزاجك وأقعد بالأيام مش أشوفك.. كده أوفر أوي."
قال "آدم" ببرود:
"انتي عايزة إيه دلوقتي يا بوسي؟"
اقتربت منه ووضعت كفيها على صدره وهي تنظر إليه برجاء قائلة بأعين دامعة:
"أنا بحبك يا آدم.. بحبك أوي.. عمري ما حبيت أي راجل زي ما أنا بحبك.. نفسي نكون زي أي اتنين في الدنيا بيحبوا بعض.. أنا حساك بعيد عني أوي يا آدم.. حتى لما بتبقى موجود معايا بحسك مش موجود.. نفسي تحبني زي ما بحبك يا آدم."
بدا "آدم" وكأنه يستثقل المهمة. أمسك ذراعيها قائلاً:
"أنا بحبك يا بوسي ليه مش قادرة تقتنعي بكده.. إيه اللي يخليني أستمر معاكي لو مكنتش بحبك وبموت فيكي كمان."
قالت "بوسي" بلهفة:
"بجد يا آدم بتحبني بجد ومن قلبك؟"
عانقها قائلاً:
"طبعًا يا حبيبتي.. وعمري ما حبيت حد زي ما حبيتك."
بدت عيناه خاوية جوفاء باردة، كالكلمات.
ابتسمت "بوسي" بسعادة وهي تنعم بعناق حبيبها.
دخل "آدم" أحد المطاعم وهو ينظر حوله إلى أن وقع نظره على الشخص الجالس على إحدى الطاولات. فعلت الابتسامة شفتيه. اقترب من الشخص قائلاً:
"عاش من شافك يا زياد."
قام الرجل وعانق "آدم" قائلاً:
"وحشني جدًا يا آدم ربنا يعلم."
جلس الاثنان والابتسامة تعلو شفتي "آدم" قائلاً بسعادة:
"وانت كمان يا زيزو وحشتني جدًا.. جيت من شرم إمتى؟.. وخلاص استقريت هنا ولا راجع تاني؟"
قال "زياد" ضاحكًا:
"لا راجع تاني.. أنا بس خدت إجازة أكمن الموسم ده مش موسم شغل أده."
ربت "آدم" على كتف صديقه قائلاً:
"أحسن حاجة إني شوفتك.. ولو مكنتش جيت كنت أنا اللي هجيلك وهو أقضي يومين في شرم."
ضحك "زياد" قائلاً:
"قول بأه إنك عايز تستغل صحبك.. أكمني مدير قرية سياحية وعايز تستنفع من ورايا."
ضحك "آدم" قائلاً:
"أوبس.. كشفتني يا معلم.. ماهو مش معقول صاحبي وأخويا من أيام ما كنا في الحضانة ومستنفعش من وراك حتة تبقى عيبة في حقك يا أخي."
ابتسم "زياد" قائلاً:
"تعالى انت بس وملكش دعوة."
قال "آدم" غامزًا:
"أخبار المزز إيه؟"
ضحك "زياد" قائلاً:
"أهم متلقحين هناك."
قال "آدم" بمرح:
"عمار يا شرم."
صمت كلاهما للحظات ثم سأله "زياد" قائلاً:
"إزي والدتك أخبار صحتها إيه؟"
أومأ "آدم" برأسه قائلاً:
"كويسة الحمد لله."
نظر "زياد" إلى "آدم" باهتمام قائلاً:
"وانت أخبارك إيه؟"
ظهرت العصبية في تصرفات "آدم" وهو يخرج سيجارة ليشعله. اقترب منه النادل قائلاً بأدب:
"ممنوع التدخين يا فندم."
نظر إليه "آدم" بحدة ثم أطفأها تحت أقدامه بعصبية. قال "زياد" وهو يرمقه بنظراته:
"مردتش.. أخبارك إيه؟"
قال "آدم" ببرود:
"زي ما أنا مفيش جديد."
قال "زياد":
"وإزي صحبتك؟"
قال "آدم" باستغراب:
"صحبتي مين؟"
قال "زياد" محاولاً التذكر:
"مش فاكر اسمها.. اللي كانت معاك في آخر مرة نزلت فيها القاهرة.. كنتوا اتعرفتوا في الديسكو باين."
قال "آدم" بلا مبالاة:
"لا سيبتها."
قال "زياد" بحماس:
"أحسن.. أصلاً مكنتش مظبوطة."
قال "آدم" بسخرية:
"وهو في بنت مظبوطة.. كلهم تييييييييييييت."
ثم قال بمرارة:
"خاصة اللي بيتولدوا وفي بقهم معلقة دهب."
هم بأن يشعل سيجارة أخرى لولا أن تذكر بأن ذلك ممنوع فزفر بضيق. بدا واجمًا شارداً. نظر إليه "زياد" ثم قال:
"آدم أنا عارف إنك اتظلمت أوي.. بس مش معنى كده إنك تظلم."
التفت إليه "آدم" بحدة قائلاً:
"يا ابني إحنا عايشين في غابة.. الناس فيها عاملة زي الكلاب المسعورة كل اللي بتقدر عليه لازم تاخده حتى لو من بق غيرها.. واللي يفوز هو اللي يقدر ياخد نصيب أكبر من التاني."
نظر "زياد" إلى "آدم" بنظرات مشفقة وهو يقول:
"مش كل الناس وحشة.. عندك أنا أهو.. أنا وحش يا آدم؟"
قال "آدم" بحدة:
"انت متولدتش وفي بقك معلقة دهب يا زياد.. انت تعبت وشقيت واتمرمطت وطفحت الدم عشان توصل للي انت فيه دلوقتي.. وعشان كده انت لسه أبيض من جواك."
قال "زياد" بثقة:
"وانت كمان زيي يا آدم.. إحنا الاتنين زي بعض وعشنا في نفس الظروف ونفس المستوى وكافحنا سوا وتعبنا سوا.. يعني انت كمان من جواك أبيض."
قال "آدم" بتهكم:
"لا معدش يا صاحبي.. أنا بقيت أسود.. وأسود من السواد كمان."
لم يرد "زياد" أن يضغط على "آدم" في الحديث أكثر.. فقال يحاول تغيير الجو:
"متخدنيش في دوكة قول لي ناوي تفسحني فين؟"
ابتسم "آدم" قائلاً:
"انت تأمر يا زياد.. شوف حابب تروح فين وأنا أوديك."
قال "زياد" مازحاً:
"اعتبرني سايح وفسحني."
قال "آدم" ضاحكاً:
"ماشي يا سايح.. نتغدى وبعدين هعملك برنامج هيعجبك."
ابتسمت "زياد" لصديقه وربت على كتفه شاكرًا.
عادت "آيات" من الخارج لتجد سيارة والدها في الجراج فقد أتى مبكرًا على غير العادة. ركنت سيارتها بجوار سيارته ثم أخرجت من حقيبتها مناديل لإزالة المكياج وشرعت في إزالة الأصباغ الصناعية التي تزين وجهها، فبدت أكثر براءة. خرجت من سيارتها وتوجهت إلى داخل الفيلا. رأت والدها وهو خارج من مكتبه فابتسمت له وأقبلت عليه تعانقه وتقبل وجنته قائلة:
"إزيك يا بابا.. جيت بدري النهاردة يعني."
ابتسم والدها قائلاً:
"تعبت شوية فقولت أريح."
قالت "آيات" بقلق وهي ترمقه بنظرات متفحصة:
"تعبان مالك يا بابا.. حاسس بإيه؟"
قال "عبد العزيز" وهو يبتسم ويربط على ذراعها:
"متقلقيش يا حبيبتي شوية إرهاق وهيروحوا لما أرتاح."
قالت "آيات" وهي تنظر إليه باهتمام:
"بابا متتعبش نفسك في الشغل عندك الشركة مليانة موظفين.. لو سمحت يا بابا صحتك أهم عندي من أي حاجة في الدنيا."
ابتسم لها قائلاً:
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي."
بدا وكأنه انتبه إلى ما ترتديه. فعقد حاجبيه بضيق قائلاً:
"إيه ده يا آيات؟"
ارتبكت "آيات" وهي تنظر إلى ملابسها قائلة:
"إيه يا بابا؟"
قال "عبد العزيز" بصرامة:
"إيه اللي انتي لابساه ده يا آيات.. البادي ضيق جدًا عليكي وأنا قولتلك قبل كده عايزة تلبسي بادي يبقى تلبسيه فوقيه جاكت ومقفول كمان."
قالت "آيات" بحنق:
"ما هو أنا لو لبست فوقيه جاكت مقفول يبقى أصلاً مش هيبان يا بابا."
قال "عبد العزيز" بحزم:
"إن شاله عنه ما بان.. بنتي متمشيش لابسة لبس ملزق على جسمها بالشكل ده وكل الرجالة عينهم راحة جاية عليها."
شعرت "آيات" بالخجل وبالاضطراب فقالت:
"خلاص يا بابا أنا آسفة."
فقال "عبد العزيز" بهدوء لكن بحزم:
"مش عايز أعلق على لبسك تاني يا آيات.. انتي كبيرة بما فيه الكفاية عشان تميزي بين الصح والغلط."
قالت "آيات" بعدم اقتناع:
"صح يا بابا معاك حق.. معدتش هلبس حاجة ضيقة كده تاني."
ابتسم والدها قائلاً:
"طيب يلا يا حبيبتي اطلعي غيري هدومك عشان نتغدى سوا."
أومأت برأسها وصعدت إلى غرفتها وعلامات التبرم على وجهها. بدلت ملابسها، فرن هاتفها قبل أن تتوجه إلى باب الغرفة. ردت قائلة وهي تلقي بنفسها على الفراش:
"أيوه يا سمسم."
قالت "أسماء":
"كنت بطمن إنك وصلتي.. اتغديتي؟"
قالت "آيات":
"كنت لسه نازلة أتغدى.. بابا جه بدري النهاردة."
ثم زفرت بضيق قائلة:
"شلت الميك آب وأنا بركن العربية.. ولما دخلت الفيلا شافني واداني محاضرة عشان البادي اللي كنت لابساه."
قالت "أسماء" باستغراب:
"ماله البادي.. كان تقيل مش شفاف؟"
قالت "آيات" بهدوء:
"بيقولي ضيق وملزق.. وأقعد يقولي بنتي متتمشيش كده والرجالة تبص عليها."
ضحكت "أسماء" قائلة:
"أبوكي ده عايزك تعنسي جمبه."
ضحكت "آيات" قائلة:
"شكله كده فعلاً."
ثم قالت:
"يلا باي بأه عشان بابا مستنيني نتغدى سوا."
قالت "أسماء":
"ماشي يا موزة.. أشوفك بكرة.. باي."
خرجت "سمر" من غرفتها وأقبلت على والدتها التي تتحدث في هاتفها وقالت لها:
"ماما أنا خارجة.. رايحة عند إيمان شوية."
أشارت لها أمها بالانصراف وهي تتبادل المزاح مع صديقتها عبر الهاتف وتنفجر ضاحكة. ألقت "إيمان" عليها نظرة حزينة ثم فتحت الباب وخرجت من بنايتها الأنيقة. سارت قليلاً في الشارع الهادئ قبل أن تجد سيارة أخرى طلبت من سائقها أن يقلها إلى أحد الأحياء المتوسطة. صعدت الدرجات العالية وأطرقت باب بيت "إيمان". فتح لها شاب في أواخر العقد الثاني يتميز بلحية خفيفة بمجرد أن رآها أخفض بصره. فقالت بحرج:
"إيمان موجودة؟"
قال بأدب دون أن ينظر إليها:
"لحظة واحدة."
دخل الشاب وتوجه إلى "إيمان" الواقفة في الشرفة بإسدالها وقال لها:
"صاحبتك بره يا إيمان."
التفتت "إيمان" وهتفت قائلة:
"هي جت.. إيه ده مخدتش بالي منها وهي طالعة."
ابتسمت "إيمان" في وجه "سمر" وعانقتها وأدخلتها إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفهما. قالت "إيمان" وهي تخلع إسدالها:
"كنت واقفة مستنياكي مخدتش بالي منك وانتي داخلة العمارة."
قالت "سمر" بابتسامة:
"اللي واخد عقلك."
قالت "إيمان" مازحة:
"كنت بفكر في حلة المحشي اللي ماما بتسويها على النار."
ضحكت "سمر" قائلة:
"محشي بالليل كده."
قالت "إيمان" ساخرة:
"بعيد عنك إحنا عيلة مفترية بتحب تتعشى محشي."
انفجرت "سمر" ضاحكة ثم وضعت يدها على فمها وقالت:
"حرام عليكي مضحكينيش كده أخوكي بره هيسمع صوتي."
قالت "إيمان" ضاحكة:
"يا ستي خليه يسمع يمكن الضحكة تجيبه على ملا وشه ولا حاجة."
سألتها "سمر" وقد توقفت ضحكاتها:
"هو لسه مش لاقي شغل؟"
قالت "إيمان" بحزن:
"لا للأسف.. وحتى الشغل اللي بيتعرض عليه مبيجبوش."
سألت "سمر" باستغراب:
"ليه بأه مبيجبوش؟"
قالت "إيمان":
"كل شغلانة بيطلع فيها حاجات غلط ومبيرضاش يشتغلها.. يعني آخر شغلانة جتله كانت في بنك ومرتب ومركز وكل حاجة واحد قريبنا هو اللي اتوسطله جامد فيها وجابهاله."
قالت "سمر":
"وبعدين؟"
قالت "إيمان":
"رفضها عشان في البنك ده بيتعاملوا بالربا.. قروض بفوايد يعنى."
هتفت "سمر" بحماس:
"والله برافو عليه.. علي أخوكي ده راجل محترم."
هتفت "إيمان" بخبث:
"آه قولتيلي."
توردت وجنتا "سمر" خجلًا وقالت:
"إيه في إيه إيه المشكلة يعني لما أقول إنه محترم.. عادي يعني."
قالت "إيمان" بخبث:
"طيب طالما انتي شايفة إنها عادي.. نخليها عادي."
قالت "سمر" لتغير الموضوع:
"أخبار تكليفك إيه؟"
قالت "إيمان" بضيق:
"متفكرينيش طالع عيني فيه.. إمتى بأه أخلص وأرتاح."
ضحكت "سمر" قائلة:
"ربنا يكون في عون العيانين اللي تحت إيدك."
قالت "إيمان" بحنق:
"مش عارفة إيه اللي كان خلاني أدخل طب أسنان.. ملها تجارة ما هي زي الفل.. شوفتي آيات وأسماء في الطراوة خالص.. مش مطحونين زينا."
صمتت قليلاً ثم قالت:
"أصلاً تحسي إننا كلنا على بعضنا كده مجموعة غريبة ومتناقضة."
كادت "سمر" أن تتحدث لولا الطرقات التي سمعتها على الباب. اعتدلت في جلستها فقالت لها "إيمان" مطمئنة:
"خليكي زي ما انتي يا بنتي مستحيل يكون علي."
فتحت "إيمان" الباب فدخلت سيدة بسيطة يبدو على وجهها علامات الطيبة والبساطة. أقبلت على "سمر" وقبلتها قائلة:
"إزيكم يا سمر عاملة إيه يا حبيبتي وإزاي ماما؟"
قالت "سمر" مبتسمة:
"كويسة الحمد لله يا طنط إزيك حضرتك."
قالت والدة "إيمان" بسعادة:
"الحمد لله يا حبيبتي كويسة.. انتي منورانا والله."
قالت "سمر":
"ربنا يبارك لك يا طنط ده نورك."
قالت والدة "إيمان" بحماس:
"خمس دقايق المحشي هيخلص وأجيب لكوا تتعشوا سوا انتي وإيمان."
قالت "سمر" بحرج:
"لا يا طنط متشكرة. أنا أصلاً شوية وماشية."
هتفت والدة "إيمان" قائلة:
"لا والله ما يحصل.. انتي بخيلة ولا إيه.. لازم تاكلي المحشي بتاع أم إيمان ده جيراني كلهم لما بكون عاملة محشي بيقولولي ريحة المحشي بتاعك غير أي حد يا أم إيمان."
ابتسمت "سمر" بحرج قائلة:
"أكيد طبعًا هيبقى حلو طالما من إيدك.. تسلم إيدك يا طنط."
التفتت والدة "إيمان" إلى "إيمان" قائلة بعتاب:
"مأعدة صحبتك من غير حاجة تشربها من ساعتها."
قالت "إيمان" بلا مبالاة:
"يا ماما هي حد غريب.. دي سمر."
قالت أم "إيمان" بغيظ وهي تغادر:
"أصل الذوق مبيتشراش.. هروح أجيب لكوا كوبايتين كركديه.. لسه عاملاه الصبح."
خرجت والدة "إيمان" وأغلقت الباب خلفها. التفتت "إيمان" إلى "سمر" قائلة بسخرية:
"عيلة همها على بطنها مفيش حاجة ورانا إلا الأكل والشرب."
انفجرت "سمر" ضاحكة مرة أخرى وهي تضع يدها على فمها لكتم ضحكاتها.
في صباح أحد الأيام تأنقت "آيات" كعادتها في هذا اليوم من كل أسبوع. توجهت إلى الجامعة لتلتقي بـ "أسماء" أمام باب المدرج. قالت لها "أسماء" بلؤم:
"إيه القمر ده انتي راحة حفلة ولا محاضرة؟"
ابتسمت "آيات" قائلة بلهفة:
"حلوة بجد؟"
قالت "أسماء" مبتسمة:
"زي القمر يا يويو."
دخلت الفتاتان المدرج واختارتا مكانًا في المنتصف. جلست "آيات" تنظر إلى باب المدرج في انتظار قدومه. ظهر أمامها فجأة. فساد الهدوء، وتعلقت أنظارها به حتى حياهم تحية الصباح. ابتسمت "آيات" وهي تتذكر يوم أن التقت به منذ ثلاث سنوات عندما أصر السائق على إبقائها معه إلى حين حضور والدها وتسديد مبلغ التصليح. تذكرت نظراته إليها وقتها، وابتسامته الرقيقة. تذكرت كيف كان متضايقًا من معاملة الرجل لها وكيف وقف بجوارها ليحميها منه وليردعه إن تطاول بكلماته عليها. شعرت بالأمان وهو واقف بجوارها في هذا الموقف الذي تعرضت له في أول شهر لها بالجامعة. كان مظهرها أبسط وملامحها أرق، كيف لا وقد كانت تخلو من تلك الأصباغ الصناعية التي تملأه الآن. كانت تبدو كغزال بريء ضل طريقه ويلتفت حوله يبحث عمن يخرجه من مأزقه. عادت من شرودها إلى واقعها عندما تعلقت الأنظار بالفتاة التي دخلت القاعة دون أن تنتظر إذنًا من "آدم". التفت إليها "آدم" وقال بصرامة:
"انتي يا آنسة.. راحة فين؟"
التفتت الفتاة تنظر إليه فتحركت خصلات شعرها الذهبية برقة. وقالت بهدوء:
"داخلة المدرج."
نظر إليها "آدم" نظرة طويلة وبدت ابتسامة سخرية على فمه. بدا وكأنه قد نفذ إلى أعماقها واكتشف كنهها. قال بحزم وتحدٍ وهو يشير إلى باب المدرج:
"اتفضلي اطلعي بره."
علت الأصوات وتمايل البعض على أذن جاره هامسًا. سمعت "آيات" الفتاة التي بجوارها تقول للتي خلفها:
"أوبا.. ساندي شكلها بأه وحش أوي."
قالت الفتاة خلفها:
"أحسن البنت دي مبطيقهاش.. شايفة لبسها عامل إزاي."
قالت أخرى بغيظ:
"معاكي حق والله مش عارفة إزاي يدخلوا الأشكال دي الجامعة."
صاحت أخرى:
"يخربيتها دي فتحة البادي ولا نفق شبر."
علت ضحكات الفتيات. فأعادت "آيات" النظر إلى الفتاة تتفحصها. التفتت "ساندي" وهي تقول لـ "آدم" بتعالٍ:
"مش من حقك تمنعني إني أدخل المحاضرة."
قال "آدم" وهو يرفع حاجبيه بتحدٍ:
"مش من حقي؟"
صمت قليلاً ثم نظر إليها ببرود قائلاً:
"طيب حضرتك ممنوعة من دخول محاضرات لحد آخر السنة.. ودرجات حضورك كلها هتتخصم منك."
زفرت "ساندي" بضيق وقد احمر وجهها غضبًا. وغادرت المدرج بعصبية.
ابتسمت "آيات" وقد أسعدها ما فعله "آدم" بتلك الفتاة.
ابتسم "آدم" في نفسه.. فهو يعلم جيدًا من هي "ساندي".. ومن يكون والدها.. والأهم.. يعلم جيدًا ماذا يريد منها.
رواية جواد بلا فارس الفصل الثالث 3 - بقلم بنوته اسمرة
دخل "آدم" منزله لتستقبله والدته قائله بعتاب:
- اتأخرت ليه يا "آدم"؟
زفر "آدم" بضيق وقال وهو يغلق الباب:
- كنت مع واحد صحبي.
سار متوجهاً إلى غرفته فأقبلت أمه خلفه قائله بغضب:
- وصاحبك هو اللي بتسهر عنده لنص الليل وساعات بتبات كمان.. وسايب عنده هدومك وبدلك؟
التفت "آدم" صائحاً بغضب:
- انتي عايزة مني إيه؟
قالت أمه والدموع في عينيها:
- عايزك ترجع "آدم" بتاع زمان.
صاح وهو يغلق الباب في وجهها:
- خلاص مات.. "آدم" بتاع زمان مات.
تتساقطت العبرات على وجهها وتوجهت إلى غرفتها، وفرشت سجادة الصلاة ووقفت بين يدي الله تبكي حال ابنها وتدعو له بالهداية.
توجه "آدم" إلى فراشه وهو يشعر بالغضب.. بالغضب من نفسه وعلى نفسه.. بالغضب من كل شيء.. ظل جالساً يفكر بشرود.. ثم قام وتوجه إلى حاسوبه.. اتسعت عيناه دهشة ولاحت ابتسامة على شفتيه عندما رأى البريد الإلكتروني الذي وصله.. فتحه بلهفة.. وقرأ ما جاء فيه:
"بسم الله.. تحية طيبة وبعد.. مؤهلاتك الدراسية ممتازة.. لكن ليست لديك إلا خبرة أكاديمية فقط وتفتقر إلى الخبرة العملية.. نعتذر عن قبول طلبك بالانضمام إلى شركتنا."
أغلق "آدم" الحاسوب بعصبية وعلامات الغضب والضيق مرسومة على وجهه.. أخرج سيجاراً وأشعله وظل ينفث دخانه بعصبية شديدة.. طرقت أمه الباب ففتح لها وهو يخفي السيجارة خلف ظهره.. رأت أمه الدخان المتصاعد بجواره فنظرت إليه ببرود قائله:
- لو مش خايف على نفسك على الأقل خاف عليا.
أطرق "آدم" برأسه ودخل يطفئ السيجارة.. دخلت أمه خلفه وهي تقول:
- لحد إمتى يا "آدم".. لحد إمتى هتفضل مش راضي عن حياتك كده؟
قال "آدم" بحدة:
- ماما لو سمحتي اقفلي على الموضوع ده.
قالت أمه بحزن:
- ليه يا ابني متستعوضش ربنا.. وتخلي اللي حصل ده يبقى دافع ليك إنك تكون أحسن.. مش إنك تبقى كده؟
نظر إليها "آدم" ببرود وهو يقول:
- ومالي كده.. دكتور في الجامعة وزي الفل ومليون واحدة بتتمناني.
قالت أمه بحزن:
- حياتك كلها على بعضها غلط يا "آدم".. أنا قلبي حاسس إنك بتعمل حاجات كتير غلط.. الغلط بيجر غلط يا ابني.. خليك مع ربنا ومتغضبوش.
قال "آدم" بتهكم:
- يا ماما انتي طيبة زيادة عن اللزوم.. مافيش حد مبيغلطش دلوقتي.. كل الناس بتغلط.. وكل الناس بتبص للي في إيد غيرها.. وكل واحد بقى مستني التاني يقع عشان ينهش فيه.. ولو مبقيتيش زيهم مش هتعرفي تعيشي وسطهم.
ترقرق العبرات في عيني أمه وهي تقول:
- زي ما في الوحش في الحلو يا "آدم".. ليه تاخد الوحش مثال ليك وتمشي وراه.. ليه متبصش للحلو يا ابني وتعمل زيه؟
قال "آدم" بتهكم:
- عايزاني أبقى طيب وأهبل عشان الناس تدوس عليا.. عايزاني أبقى طيب وأهبل عشان الكل يبقى فوق وأفضل أنا تحت رجليهم.. لا يا ماما.. أنا هبقى زيهم وأحسن منهم كلهم.. واللي ضاع مني هعوضه تاني.. وهنتقم من كل اللي ظلمني.
قالت أمه بحزم وهي ترمقه بنظرات ذات معنى:
- كويس إنك عارف إن الظلم وحش وبيوجع.. وإن المظلوم مبيتمناش حاجة في الدنيا غير إنه ينتقم من اللي ظلمه.
قالت ذلك ثم غادر الغرفة وتركته "آدم" حائراً مضطرباً حانقاً.
في صبيحة أحد الأيام خرجت "آيات" من الفيلا بسيارتها الفارهة.. سارت بها في شوارع القاهرة.. توجهت إلى مكان كتب عليه "جمعية رسالة الخيرية".. توجهت إلى الداخل وتوجهت إلى مكتب إحدى الفتيات التي هبت واقفة وقالت بسعادة:
- يا أهلا وسهلاً "آيات" شخصياً عندنا.
قبلتها "آيات" قائلة:
- وحشاني.. أخبارك إيه؟
قالت الفتاة:
- بخير الحمد لله.. اتأخرتي يعني مش عادتك.
قالت "آيات" وهي تخرج سي دي من حقيبتها:
- معلش بس انشغلت شوية اليومين اللي فاتوا.
قالت الفتاة مبتسمة وهي تأخذ منها السي دي:
- ولا يهمك يا قمر.. تسلم إيدك.
قالت "آيات" وهي تهم بالمغادرة:
- يلا أشوفك بعدين.
قالت الفتاة باستنكار:
- على طول كده.. تعالي اشربي حاجة الأول.
قالت "آيات":
- معلش عشان مستعجلة المرة دي.
ابتسمت الفتاة قائلة:
- خلاص براحتك.. ربنا يجازيكي خير يا "آيات" ويجعله في ميزان حسناتك.
ابتسمت لها "آيات" ولوحت لها مودعة.. خرجت "آيات" من المبنى الذي تزوره كثيراً منذ أن التحقت بالجامعة.. حيث تعرفت فيها على إحدى الفتيات المتطوعات بتلك الجمعية.. شجعت الفتاة "آيات" على التطوع في قسم كتابة الكتب للمكفوفين.. فتشارك "آيات" في كتابة الكتب الثقافية والعلمية والدينية على الكمبيوتر ويتم تحويلها بعد ذلك إلى طريقة "برايل" لتمكين المكفوفين من قراءتها والاستفادة منها.. كانت "آيات" تشعر بسعادة بالغة وهي تقدم تلك المساعدة لأولئك الذين حُرموا نعمة البصر.. كانت تجد سعادتها في الشعور بأنها تقدم على عمل مفيد تُنفع به غيرها.. وتستغل وقت فراغها في هذا العمل المفيد.. ركبت "آيات" سيارتها وانطلقت في طريقها.
- فاكر يا "زياد" لما كنا بنلعب كورة مع بعض هنا تحت البيت؟
قال "آدم" هذه العبارة وهو واقف مع "زياد" في شرفة بيت هذا الأول.. نظر "زياد" إلى الأسفل يراقب الأطفال الذين يجرون خلف الكرة والابتسامة على شفتيه قائلاً:
- أيوة طبعاً فاكر.. كانت أيام حلوة قوي.
قال "آدم" وهي ينظر إلى الأفق:
- كانت أيام بريئة قوي.
التفت "زياد" لينظر إلى "آدم".. يراقب تعبيرات الوجوم على وجهه.. فقال:
- مش عاجبني حالك يا "آدم".
قال "آدم" بتهكم دون أن ينظر إليه:
- ولا أنا عاجبني حالي.
قال "زياد" بحنق:
- طيب ليه متغيرش حالك ده.. ليه سايب نفسك لليأس كده.. ليه متحاولش تقوم وتقف على رجليك من تاني؟
قال "آدم" بصرامة وهو يزم شفتيه بقوة:
- لما أرجع حقي الأول.
قال "زياد" بقلق:
- وهترجعه إزاي يعني؟
قال "آدم" بقسوة وهو ينظر إلى "زياد":
- عشان تحارب التعالب لازم تبقى تعلب زيه.
ثم قال بقسوة شديدة:
- وساعتها يا ويله اللي يقع في إيدي هاكله بسناني.
قال "زياد" وهو يزفر بضيق:
- شكل كده مفيش فايدة من الكلام معاك.. اللي في دماغك في دماغك.
قال "آدم" وهو يحاول تناسي الأمر:
- انت راجع شرم إمتى؟
قال "زياد":
- كمان أسبوع.
أومأ "آدم" برأسه وعاد ينظر إلى الأفق وزرقة عيناه تختلط بزرقة السماء.. أخذ يتذكر كم وقف في تلك الشرفة يتطلع إلى قرص الشمس الذهبي ويرسم بخياله أحلاماً كبيرة.. أكبر من واقعه.. هكذا هو دائماً.. يحب الشيء صعب المنال.. يعشق المستحيل.. متيم بالتحدي.. رغم بساطة عيشه والظروف التي تربى بها.. إلا أن أحلامه فاقت واقعه.. فصعد السلم خطوة بخطوة بعزيمة وصبر وإصرار.. حتى وصل.. وصل إلى قمة النجاح.. وصل إلى ما أراد.. وصل إلى ما كان يراه مستحيلاً.. أمسك بيده ما كان يراه صعب المنال.. فشعر بالزهو.. والفخر.. والسعادة.. لكن أحلامه تحطمت على صخرة الجشع وتهاوت أشلاؤها في بئر الخيانة.. عندها بدأ يتعلم.. أن الحياة مثلما تعطى تأخذ.. ومثلما ترسم البسمة ترسم الدمعة.. لكنه لم يتقبل ذلك.. لم يتقبل الخسارة.. لم يتقبل المكتوب.. أراد أن يحارب القدر.. وأن يثور عليه.. وأن ينزع رداء الرضا.. ويرتدي حلة الانتقام.. لكنه لا يعلم أن الانتقام سيف ذو حدين.. حتى وإن انتصرت به وقتلت خصمك.. فستنظر إلى يدك في النهاية لتجد النصل الآخر مزق يدك بحدته.. وسالت منه دماؤك.. لم يعلم.. لكنه سيعلم.. لكن السؤال الآن.. هل سيفيد وقتها الندم؟!
ها هو عريس آخر يطرق باب بيتها.. عريس آخر ورؤية أخرى ومقابلة ستزيد من عمق جرحها إن تُوجت كسالفاتها بالرفض.. ليس منها.. بل منه.. دائماً لا تأخذ فرصتها في الرفض.. فقبل أم تعلنها.. يعلنها العريس.. وتضم إلى باقة جراحها جرحاً آخر.. يطعن كرامتها.. ويجرح أنوثتها.. ويزلزل ثقتها بنفسها.. فتلجأ إلى دوائها الذي يريحها دائماً.. ويزيل ما بها من توتر.. الطعام.. الذي قاله عنه نبينا صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه".. لكنها لم تهتم.. فكل ما يهم.. هو أن تأكل وتأكل.. لتفرغ ما بها من شحنات مكبوتة وصرخات مكتومة.. تلجأ إلى الطعام كما يلجأ المدمن إلى المخدر.. يعلم أنه يضره.. ويؤذيه.. لكنه لا يستطيع مقاومته.. فهو البئر الذي يلقي فيه آلامه وأحزانه.. رغم أنه يعلم جيداً.. أنه حل مؤقت.. ويجب عليه آجلاً أم عاجلاً أن يواجه واقعه.. الذي يهرب منه إلى مخدره.
قالت "إيمان" لأمها بتوتر:
- ماما أنا خايفة.
قالت أمها بحماس:
- متخفيش يا بت.. إن شاء الله هتعجبيه وهيكون من نصيبك.
ثم قالت:
- ده بسم الله ما شاء الله عليه دكتور وعنده عيادة الله أكبر.. وأخوكي "علي" بيشكر فيه قوي.
ثم ترقرق العبرات في عينيها وقالت بطيبة الأمهات:
- نفسي قوي أفرح بيكي يا "إيمان" يا بنتي.. ده منى عيني من الدنيا دي أشوفك في بيتك انتي و "علي" أخوكي.
طرق "علي" الباب ففتحت أمه فدخل ينظر إلى "إيمان" قائلاً:
- يلا يا "إيمان".. العريس برة.
شعرت "إيمان" بتوتر بالغ وتضرجت وجنتاها بحمرة انتشرت في وجهها كله حتى صار كحبة الطماطم.. قال "علي" وهو يتفرس فيها:
- إيمان انتي حاطة حاجة على وشك؟
قالت بسرعة:
- لا والله يا "علي".
ابتسم قائلاً:
- طيب يلا.
خرجت "إيمان" وقدميها تصطكان ببعضهما البعض.. جلست على أقرب مقعد وهي لا تجرؤ على رفع وجهها.. كان العريس بمفرده.. جلست معه ومع والدها وأخوها "علي" قرابة النصف ساعة.. لم تتحدث خلالها أي كلمة وهو لم يوجه أي حديث لها.. استأذن وطلب الانصراف.. شعرت "إيمان" في داخلها بالحنق والحيرة.. لماذا لم يوجه إليها أي حديث.. لماذا رحل سريعاً.. بالتأكيد لم تعجبه.. ظلت تلك الأسئلة تدور برأسها.. سمعت والدها وهو يخبره بأن كلا الطرفين سينتظر رداً من الآخر بعد يومين.. دخلت غرفتها وأغلقت الباب وارتمت على فراشها تبكي قهراً.. كانت تشعر في قرارة نفسها بأنها لم تعجبه.. وسينضم اسمه إلى قائمة من رفضوها.
دخلت "سمر" المطبخ لتسخن الطعام لنفسها.. أحضرت طبقها وجلست أمام التلفاز.. عادت أمها من الخارج قائلة:
- السلام عليكم.
التفتت "سمر" وردت السلام.. فقالت أمها وهي تلقي بنفسها على المقعد متهالكة:
- كان عندنا شغل كتير قوي النهاردة.
قامت "سمر" وتركت طبقها على الطاولة وقالت بحنان:
- هقوم أسخنلك الأكل.
ابتسمت أمها بوهن قائلة:
- تسلمي يا حبيبتي.
دخلت "سمر" المطبخ تسخن الطعام لوالدتها.. شردت وهي تتذكر لقطات من الماضي.. لقطات كانت تشعر فيها بالأمان وبالسعادة.. لقطات لرجل ذهب ولن يعود يوماً.. ليس لأنه رحل عن الدنيا وفارق الحياة.. بل لأنه ببساطة.. لا يريد العودة.. لا يريد تحمل المسؤولية.. لا يريد أن يكون زوجاً.. لا يريد أن يكون أباً.. وعلى الرغم من ذلك لا تستطيع أن تكرهه.. حاولت أن تكرهه وأن تنساه وأن تمحيه تماماً من ذاكرتها.. لكن ذكراه أبت إلا أن تظهر أمام عينيها دائماً.. لتذكرها بتخليه عنها وعن أمها.. لتذكرها بأنها فقدت درعها الحامي.. لتذكرها بأنها عاشت طوال عمرها محرومة من أب نسى معنى الأبوة.. خرجت من شرودها لتنظر إلى الطعام الذي يغلي.. أحضرت لأمها طبقها وناولتها إياه.. ابتسمت أمها بوهن قائلة:
- رجعتي إمتى النهاردة من المستشفى؟
قالت "سمر" بلا مبالاة وهي تمد يدها لتأخذ طبقها الموضوع على الطاولة:
- زي كل يوم.
قالت أمها وهي تبدأ في تناول طعامها:
- مفيش جديد؟
هزت "سمر" رأسها نفياً وقالت بهدوء:
- لا.. مفيش جديد.
تعالت أصوات أبويها بالشجار كما هي عادتهما.. وكعادتها هربت إلى غرفتها وأغلقتها عليها وجلست على فراشها.. أحضرت "أسماء" هاتفها بسرعة وأدخلت سماعاته في أذنها واختارت إحدى أغنياتها المفضلة ورفعت صوتها إلى أعلى درجة واستلقت على فراشها تستمع إليها وهي مغمضة العينين.. شردت بخيالها وهي تحاول التذكر متى بدأت تلك الشجارات التي تتكرر ولا تنتهي أبداً.. لم تستطع أن تتذكر متى بدأت تلك الشجارات.. لكنها تتذكر أمراً واحداً.. وهو أنها لم تر أبويها على وفاق إلا فيما ندر.. على الرغم من المستوى الاجتماعي الراقي لأبويها.. ومستوى المعيشة الذي تعيش فيه وتتمناه الكثيرات.. إلا أنها كانت تشعر بالغيرة.. بل والحسد.. من الفتيات اللاتي يعشن بين أبوين يعرف كل منهما كيف يحترم الآخر.. ربما لهذا توطدت صداقتها بـ "آيات" واستمرت لأعوام على عكس علاقاتها السابقة التي كانت تنتهي بسهولة بعدما تستشعر "أسماء" الشعور بالنقص الذي تشعر به في تلك النقطة.. أما "آيات" فوالدتها متوفية.. ووالدها يعيش وحيداً معها.. فلم تشعر معها بمدى نقصها.. لأن "آيات" تعاني نقصاً هي الأخرى.. انتهت الأغنية لتعلم بأن الشجار ما زال قائماً ولم ينته.. أعادت تشغيلها مرة أخرى.. وهي تغمض عينيها في ألم.
جلست "ساندي" أمام والدها على المكتب قائلة بعصبية:
- لازم تشوفلك حل معاه يا بابا.. أحرجني أدام الدفعة كلها وكمان قالي متحضريش محاضراتي طول السنة وخصم درجات الحضور.
ثم قالت بضيق شديد:
- في داهية درجات الحضور المهم عندي شكلي أدام الدفعة.. لازم يردلي اعتباري ويسمحلي أحضر محاضراته.
ثم هتفت بغضب:
- لازم يا بابا تتكلم معاه وتخليه يرجع عن قراره ده.. عايزاه من المحاضرة الجاية أدخل أدام الدفعة كلها وأقعد وأنا حاطة رجل على رجل.
قام والدها والتف حول المكتب وربت على وجنتها قائلاً:
- متقلقيش يا "ساندي".. أنا هروحله بكرة الجامعة وأحل المشكلة دي.
ابتسمت "ساندي" في فرح قائلة:
- ميرسي يا بابا.
ابتسم لها قائلاً:
- شيلي الموضوع من دماغك خالص ومتشيليش هم.. وفكري بس في حفلة عيد ميلادك.
قالت "ساندي" في مرح:
- أوكي.
خرجت "ساندي" من شركة والدها وهي تقول لنفسها في تحدي:
- أما أشوف أنا ولا انت يا دكتور "آدم".
سمع "آدم" طرقات على باب مكتبه بالكلية فأذن بالدخول.. دخل "شكرى" والد "ساندي" وقدم نفسه إلى "آدم" الذي تظاهر بأنه لم يسمع اسمه من قبل.. فذكره قائلاً:
- أنا والد "ساندي".
قال "آدم" وهو يتظاهر بالحيرة:
- "ساندي"؟
قال "شكرى":
- أيوة.. البنت اللي حضرتك طردتها من المدرج في محاضرتك اللي فاتت.
قال "آدم" بخبث:
- أيوة أيوة افتكرت.. اتفضل.
جلس "شكرى" أمام "آدم" الذي طلب له فنجاناً من القهوة.. تنحنح "شكرى" قائلاً وهو يضع ساقاً فوق ساق:
- بنتي "ساندي" مكنتش تقصد الكلمة اللي قالتها.. طبعاً حضرتك يا دكتور تقدر تمنعها من حضور محاضراتك زي ما انت عايز.
قال "آدم" وهو يستند إلى ظهر المقعد ويضع ساقاً فوق ساق:
- أيوة وده اللي عملته فعلاً.
تنحنح "شكرى" مرة أخرى وقد بدا عليه ثقل المهمة الملقاة على عاتقه.. فلم يعتد أن يطلب من أحد أي شيء.. فهو معتاد فقط على إلقاء الأوامر.. قال بنبرة فيها شيء من التعالي:
- ياريت يا دكتور تسمحلها ترجع تاني تحضر محاضراتك.. لأن اللي حصل ده خلى شكلها وحش أدام زمايلها.
تظاهر "آدم" بأنه يفكر في الطلب.. ثم قال بلهجة متعالية:
- مفيش مشكلة.. بس تعتذرلي عن أسلوبها معايا.. وساعتها هوافق إنها ترجع تحضر محاضراتي.
ابتسم "شكرى" وقال:
- مفيش مشكلة.. وحضرتك معزوم على عيد ميلاد "ساندي" آخر الأسبوع.. ومنتظرين حضورك إن شاء الله.
ابتسم "آدم" قائلاً:
- ده شرف ليا يا فندم.
أخرج "شكرى" كارت من جيبه وأعطاه إلى "آدم" قائلاً:
- ده الكارت بتاعي.
أخذه منه "آدم" بترفع وألقى عليه نظرة سريعة ثم وضعه فوق المكتب بلا مبالاة.. قام "شكرى" قائلاً:
- بعد إذنك يا دكتور.
ابتسم "آدم" قائلاً:
- اتفضل.
خرج "شكرى" فأمسك "آدم" بالكارت مرة أخرى وأخذ يحركه في الهوا قائلاً وعيناه تشعان خبثاً:
- أهو هو ده الكارت اللي أقدر ألعب بيه على حق.
وضعت "آيات" حاسوبها فوق قدميها وأخذت تنظر باسمة إلى صورة "آدم" التي أخذتها من حسابه على الفيس بوك.. وحفظتها عندها.. تذكرت مرة أخرى يوم أن ساعدها وهدأ من روعها.. كان رجلاً وسيماً.. لكن اهتمامها بكلمة رجــل يفوق اهتمامها بكلمة وسيمــاً.. لطالما كانت "آيات" تحلم بمواصفات معينة في فارس أحلامها.. تمنت أن يكون سنداً لها.. وأن يحتويها وتشعر معه بأنه رجلها وحاميها.. كانت شخصية الرجل المثالي التي تحلم بها متأثرة بشخصية والدها.. دائماً كانت ترى والدها رجلاً مميزاً.. وعلى الرغم من تضايقها من بعض تحكماته إلا أنها تعي أنه يفعل ذلك من أجل صالحها.. وأنها تمثل أهم ما في حياته.. افتقدت "آيات" حنان وحضن أمها منذ الصغر.. فكان والدها كل شيء بالنسبة لها.. وحاول أن يكون كل ما افتقدته في حياتها.. كذلك تتمنى أن يكون فارسها.. ليس حبيبــاً فقط.. بل فارســاً.. يتمتع برجولة وشهامة الفرسان.. وكانت تشعر أن كل هذه الصفات.. موجودة في "آدم".. فكانت تمضي الساعات في مطالعة صورته تحفر كل تفاصيلها في أعماق ذاكرتها.. تشرد بخيالها إلى مكان بعيد.. مساحة شاسعة من الخضرة التي تتراقص مع نسمات الرياح.. والسماء بلونها الأزرق.. لون عيناه.. وقرص الشمس الذهبي الذي يبتسم لها ويبث فيها السعادة والأمل.. والنسمات الرقيقة تداعب خصلات شعرها الأسود وتتغزل في ملامح وجهها.. وفستانها الأبيض الذي تتطاير طياته حولها.. ومن بعيد يأتي فارسها على حصان أصيل كمن يمتطيه.. يقبل عليها بعزم واصرار ليقف أمامها يداعب صفحة وجهها بنظراته الشغوفة.. يمد يده إليها الابتسامة تعلو شفتيه.. تتلمس الطريق إلى كفه وعيناها لا تفارق عينيه.. تمتطي الجواد خلفه ليطير به وقد لفت ذراعيها حوله وهي تغمض عيناها لتنعم بدفء قربه.. كان يراودها هذا الحلم وهذه التخيلات كثيراً لكن كانت اللوحة ينقصها وجه الفــارس.. وها هي تنظر إلى هذا الوجه الآن.. ابتسمت وهي تنظر إلى صورة "آدم" وتقصها بعينيها لتضعها داخل حلمهــا.
كانت "ساندي" تعلم أن حضور "آدم" لعيد ميلادها رداً كبيراً لكرامتها التي أهدرها أمام زملائها.. ابتسمت بسعادة وهي تتوقع دهشة صديقاتها في عيد الميلاد عندما تقع عيونهن على "آدم".. خططت لهذا اليوم جيداً لتبدو فيه كملكة متوجة تسير بين رعاياها.
توجه "آدم" ببدلته الأنيقة وسيارته الفارهة إلى هذا البرج السكني لحضور عيد ميلاد "ساندي".. كان "آدم" يعي جيداً كل خطوة يخطوها.. ويكيل تصرفاته بمكيال المصالح.. ويعلم أن "ساندي" هي التي ستوصله إلى مبتغاه.. ستكون أداته التي تعينه على تحقيق مراده.. لكن عليه اللعب بحذر.. حتى لا يخسر اللعبة قبل أن تبدأ!
دخل المنزل بعدما فتحت الخادمة.. بيت أنيق عصري يتميز بالفخامة والرقي.. أخذ يجول بنظره بين الحضور.. حتى وقع نظره على "ساندي" بشعرها الذهبي الذي أخذ يتمايل فوق ظهرها العاري.. ووجهها الذي تعلوه الزينة.. وتاج صغير يزين رأسها.. وفستانها الأسود القصير.. نظر إلى عيون الرجال المعلقة بها.. نظر إليهم في سخرية.. ود لو صرخ بهم.. لماذا تحدقون فيها هكذا.. فما هي إلا فتاة كغيرها من بنات جنسها.. فتاة مصطنعة تتوارى خلف الأظافر الصناعية والرموش الصناعية والعدسات الصناعية وحمرة الوجه الصناعية وصبغة الشعر الصناعية فما هي إلا امرأة اتخذت من كل ما صنعه البشر للزينة وسيلة لتبدو كملكة.. لكن هيهات.. فليست تلك ملكة من الملكات.. الملكة تخطف القلوب بنقائها والعيون بصفائها.. أما تلك فهي تشعرك بأنك واقف أمام مانيكان للعرض فقط.. وأحيانا يكون قابلاً للمس!!
التفتت "ساندي" لتقع عيناها على "آدم" الواقف ينظر إليها.. أخفى سريعاً نظراته المتهكمة وابتسامته الساخرة ووقف مكانه.. ينظر إليها بعمق.. بادلته نظراته.. وابتسمت.. وكمان توقع.. اقتربت!
أقبلت تتهادى في خطواتها وحيته وهي تمد يدها قائلة:
- أهلاً وسهلاً دكتور "آدم".
استقبل كفها في كفه وقال بهدوء:
- أهلا بيكي.
ثم قال:
- كل سنة وانتي طيبة.
ابتسمت في سعادة وهي تقول:
- وانت طيب يا دكتور.
أخرج "آدم" من جيبه علبة أنيقة وقدمها لها وأنظاره مركزة عليها يرقب تعابير وجهها.. اتسعت عيناها دهشة ثم رفعت حاجبها في عدم تصديق وابتسامتها تتسع شيئاً فشيئاً تناولت منه العلبة الأنيقة لتجد سلسلة ذهبية تحمل حرفاً ذهبياً.. أول حرف من اسمها.. نظرت إليه بسعادة قائلة:
- كلك ذوق يا دكتور.
رسم "آدم" ابتسامة ساحرة على شفتيه يعلم تأثيرها جيداً.. وقال بصوته الرخيم:
- أتمنى إنها تكون عجبتك.
ابتسمت قائلة وهي تنظر إليه بسعادة بالغة:
- أكيد عجبتني.
ثم أشارت بيدها قائلاً:
- اتفضل.
جلست بجواره وأشارت للنادل ليقدم له مشروباً.. حركت وجهها برقة لتزيل الخصلات الذهبية التي تجمعت أمام عينيها.. كانت تعي جيداً نظرات مثيلاتها المركزة عليها.. ومشاعر الغيرة التي تقطعهن.. رأت إحداهن تميل على أذن الأخرى هامسة.. فارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها.. فل طالما أحبت أن يتهامس الناس حولها.. ونظرات الغيرة تشع من عيونهم.. كان "آدم" مدرك ما تشعر به تماماً.. فهو خبير في نفوس "ساندي" ومثيلاتها.. يعلم أنهن لا يثريهن سوى المظهر الجذاب.. والاسم الرنان.. أعطاها ما تريد.. ليأخذ فيما بعد ما يريد.
أقبلت "أسماء" على "آيات" التي تجلس على إحدى الطاولات في الكافيتيريا شاردة ساهمة.. حركت "أسماء" كفها أمام وجه "آيات" قائلة:
- إيه.. اللي واخد عقلك؟
ابتسمت "آيات" ابتسامة واهنة وهي تقول:
- كنت مستنياكي.
قالت "أسماء" ضاحكة:
- ما هو واضح.
ثم قالت:
- شوفت "أحمد" وأنا جايه وسألني عليكِ.
قالت "آيات" ببرود:
- طيب.
قالت "أسماء" بتردد:
- وكلمني عنكِ.
قالت لها "آيات" بدهشة:
- يعني إيه كلمك عني؟.. قالك إيه يعني؟
قالت "أسماء" وهي تنظر إليها:
- قالي إنه بيحبك يا "آيات".
نظرت إليها "آيات" بدهشة.. للحظات ألجم لسانها وتجمدت ملامحها.. قبل أن تظهر فيما بعد شرارة في عينيها وهي تقول:
- هو مش هيبطل بقى.. ميت مرة أقوله مفيش حاجة بيني وبينه.. وإنه صديق مش أكتر.
قالت "أسماء" وهي تحرك كتفيها بلا مبالاة:
- أنا قولت أقولك عشان تبقي عارفه.
صمتت "آيات" قليلاً وقد بدا عليها الضيق.. ثم قالت:
- وقولتيله إيه؟
قالت "أسماء":
- قولته هقولك.. قالي مستني منك الرد.
قالت "آيات" بحدة:
- قوليله يبطل شغل المراهقين ده وميتعبش نفسه على الفاضي.
قالت "أسماء":
- خلاص يا "آيات" متضايقيش نفسك.
قالت "أسماء" فجأة وهي تتطلع إلى نقطة ما خلف "آيات":
- "أحمد" جاي ناحيتنا.
زفرت "آيات" بضيق.. قال "أحمد" مبتسماً:
- صباح الخير يا بنات.
قالت "آيات" ببرود:
- صباح النور يا "أحمد".
لمس "أحمد" البرود في صوتها واستشعره نظر إلى "أسماء" فعلم أن هذا البرود ماهو إلا رد على مشاعره تجاهها.. أطرق برأسه قليلاً صامتاً ثم قال موجهاً حديثه إلى "آيات" كمحاولة جديدة منه للتقارب معها:
- هتطلعي الرحلة؟
قالت باستغراب:
- رحلة إيه؟
قال "أحمد":
- رحلة للعين السخنة لمدة 3 أيام.
قالت "آيات":
- لا مش هينفع بابا مش بيسمحلي أطلع رحلة فيها بيات.
قال "أحمد" بأسف:
- يا خسارة.
قالت "أسماء" بمرح:
- أنا بقى معنديش مشكلة أبداً.
ثم التفتت إلى "أحمد" قائلة:
- هي إمتى يا "أحمد"؟
قال "أحمد":
- آخر الأسبوع.
قالت "أسماء" بمرح:
- كده فل قوي.. هطلع رحلة العين السخنة وبعدها أطلع رحلة شرم.
قالت "آيات" بغيظ:
- بتغيظيني يعني؟
قالت "أسماء" بمرح وهي تخرج لسانها:
- أيوة بغظيك.
قال "أحمد" وهو يقف ليغادر:
- عامة فكري يا "آيات" واعرضي الموضوع على والدك.. وخليه يطمن في دكاترة طالعين معانا الرحلة.
نظرت "آيات" إلى هاتفها تلعب به وتجاهلت ما قال.. قالت "أسماء" باهتمام:
- مين الدكاترة اللي طالعين الرحلة يا "أحمد"؟
قال "أحمد" وهو يغادر:
- دكتور "آدم".. ودكتورة مش فاكر اسمها.
تجمدت "آيات" في مكانها.. غادر "أحمد" فأخذت "أسماء" تنظر حولها.. غير مدركة إلى الصراع الذي يعتمل في صدر "آيات" وفجأة لمعت عيناها ونهضت قائلة بلهفة:
- يلا يا "أسماء"!
نظرت إليها "أسماء" بدهشة وهي تلحق بها قائلة:
- يلا فين.. رايحة فين يا "آيات".. ردي عليا.
جذبتها "آيات" من ذراعها وتوجهت إلى المسؤول عن الرحلات بالكلية وطلبت منه تسجيل اسمها واسم "أسماء" في رحلة العين الساخنة.. نظرت "أسماء" إلى ما تفعله صديقتها بدهشة شديدة.. تم تسجيل الأسماء وغادرت الفتاتان وسارتا معاً إلى أن جذبتها "أسماء" من ذراعها لتوقفها قائلة:
- انتي اتجننتي يا "آيات".. إزاي هتطلعي الرحلة باباكي مستحيل يوافق؟
صمتت "آيات" وهي تنظر إلى صديقتها وبدا وكأنها تشعر بتردد كبير.. فهتفت "أسماء":
- "آيات" ردي عليا.
قالت "آيات" بشيء من الخجل:
- بابا مش هيعرف إني هطلع الرحلة دي.
قالت "أسماء" بدهشة:
- إزاي يعني مش هيعرف؟
قالت "آيات" بعزم وإصرار:
- هقوله إني بايته عندك عشان نذاكر للإمتحانات.
رواية جواد بلا فارس الفصل الرابع 4 - بقلم بنوته اسمرة
انت اتجننتى يا "آيات"؟ ازاى هتطلعي الرحلة باباكي مستحيل يوافق؟
صمتت "آيات" وهي تنظر إلى صديقتها وبدا وكأنها تشعر بتردد كبير. فهتفت "أسماء":
"آيات" ردي عليا.
قالت "آيات" بشيء من الخجل:
بابا مش هيعرف إني هطلع الرحلة دي.
قالت "أسماء" بدهشة:
إزاي يعني مش هيعرف؟
قالت "آيات" بعزم وإصرار:
هقوله إني بايته عندك عشان نذاكر للإمتحانات.
نظرت إليها "أسماء" بصمت. فقالت "آيات" تبرر لنفسها قبل أن تبرر لـ "أسماء":
أعمل إيه يعني؟ مش قدامي حل غير كده. مفيش فرصة تانية ممكن يشوفني ويتعرف عليا. عنده 300 بنت في الدفعة، إيه اللي هيخليه ياخد باله مني أنا بالذات؟
قالت "أسماء" ساخرة:
أمال راح فين؟ أنا مش هلفِت انتباهه، مش هضربه على إيده عشان يحبني.
قالت "آيات" بحده:
أنا مش هحاول أقرب منه ولا هلفِت انتباهه. أنا بس هكون موجودة معاه في مكان واحد. يحس بيا، يحس. محسش خلاص.
أومأت "أسماء" برأسها وقالت بلامبالاة:
حتى لو حاولتِ تلفتي انتباهه، أنا شايفاها حاجة عادية، مفيهاش حاجة.
قالت "آيات" بحماس وهي تخرج مع صديقتها من الكلية:
يلا عشان عندنا حاجات كتير لازم نحضرها قبل معاد الرحلة.
اشترت "آيات" ملابس جديدة من أجل الرحلة، لتظهر بأفضل مظهر أمام "آدم" لعله يلتفت إليها ويدق قلبه بحبها.
كانت متحمسة للغاية وسعيدة للغاية. لم يعكر صفو تلك السعادة سوى الإحساس بالذنب الذي تشعر به كل حين وآخر، بسبب اضطرارها الكذب على والدها. كادت أن تتراجع عن الفكرة ككل، لكنها تذكرت أن هذه هي فرصتها الوحيدة حتى يراها "آدم" بعيداً عن العلاقة الأكاديمية التي تجمعهما. أقنعت نفسها قائلة:
أنا مش هعمل حاجة غلط. أنا بس هكون موجودة في الرحلة. وزيها زي أي رحلة. مش هحاول أكلمه. ولو اضطريت أكلمه هتكلم عادي. لكن أنا مستحيل أقوله مشاعري نحيته. لازم تيجي منه هو. أنا مش هعمل حاجة غلط. مجرد رحلة.
ظلت تردد تلك الكلمات إلى أن اقتنع بها ضميرها وراح في سبات عميق.
***
كانت "إيمان" في هذا اليوم تشعر بتوتر بالغ. فهذا هو اليوم الموعود. اليوم الذي سيتصل بهم العريس ليعرف ردهم ويعلمهم برده. استخارت الله كثيراً ودعته أن يبيض وجهها أمام عائلتها، وألا يضيف جرحاً آخر لحياتها التي امتلأت على آخرها بجروح وشروخ وكدمات.
رن جرس الهاتف فانتفضت في وجل. دخلت غرفتها لتجلس على فراشها في توتر. ضمت كفيها إلى بعضهما البعض أمام وجهها وهي تردد:
يارب مفيش حاجة وحشة تحصل. يارب.
دقائق مرت كالسنوات، قبل أن ينفتح الباب. بمجرد أن طالعت وجه والدتها الحزين وعلامات الأسى على وجهها، حتى علمت الرد. الرد الذي توقعته قبل أن يغادر بيتهم. الرد الذي تسمعه دائماً، والذي أصبح أمر مسلم به. رفضها.
حاولت حبس عبراتها، فلا ينقصها الآن سوى شفقة والدتها. لكنها لم تستطع. انفجرت في بكاء مرير. أغلقت أمها الباب وجلست بجوارها وأخذتها بين ذراعيها قائلة:
يا بنتي وحدي الله. بكرة ربنا هيبعتلك نصيبك لحد عندك.
ثم قالت لتحاول أن تخرجها من حزنها:
وبعدين أصلاً مكنش عاجبني. كان أتم كده وبارد ودمه تقيلة.
بت "إيمان" واقفة والعبرات تغرق وجهها وهي تصيح بغضب:
كفاية بقى كفاية. مش عايزة أتهان أكتر من كده. كل مرة تجيبولي عريس ويرفضني. كل مرة أطلع قدامه كأني بعرض نفسي عليه ويا يشتريني يا ميشتريش. كفاية بقى ارحموني. أنا معدتش هقابل عرسان تاني. ريحوا نفسكم بقى.
وقفت أمها في مواجهتها وهي تقول:
إنتي اتجننتي في عقلك يا بت انتي.
قالت "إيمان" بصوت باكي:
افهمي بقى وكلكوا افهموا. مفيش واحد هيبص لواحدة زيي.
ضربت أمها على صدرها وهي تقول:
ليه إن شاء الله؟ ناقصة إيد ولا ناقصة رجل؟ ده انتي زي الفل.
هتفت "إيمان" وهي تهذي من الغضب:
مش شايفة أنا عاملة إزاي؟ مين هيقبل يتجوز واحدة شوال زيي.
ثم فتحت دولابها بعصبية وأخرجت ملابسها وألقتها أرضاً وهي تصيح:
بصي شوفي مقاسي كام. عمري ما دخلت محل إلا وألاقي البنت تقولي معلش يا مدام مقاسك مش عندنا. مين هيرضى يتجوز واحدة زيي.
انهارت على الأرض باكية فوق الملابس التي ألقتها أرضاً. صاحت أمها وهي تغادر الغرفة:
بت مجنونة صحيح. لما ييجي أبوكي يبقى يشوف له صرفة معاكي.
ثم أغلقت الباب خلفها بقوة.
***
جلست "ساندي" مع صديقاتها في النادي لتقول بتفاخر:
طبعاً يا بنتي هو يقدر ميجيش. اسألي "ريم" هي اللي شفته.
قالت "ريم" صديقتها:
آه دخل الحفلة من هنا والبنات كلها كانوا هياكلوه بعنيهم. بس سابهم كلهم وقعد مع "ساندي".
ابتسمت "ساندي" وقالت بدلال:
وكمان جبلي هدية عيد ميلادي.
قالت إحدى الفتيات بخبث:
طب إيه؟
ضحكت "ساندي" قائلة:
إيه إيه يا بنت انتي.
قالت الفتاة:
يعني أنا شيفاه مهتم. حفلة عيد الميلاد، وهدية، وكمان رجع في كلامه وسمحلك تحضري المحاضرات. أكيد كل ده مش لله وللوطن.
قالت "ساندي" بدلال:
الله أعلم.
قالت فتاة أخرى:
هتطلعي الرحلة يا "ساندي"؟
قالت "ساندي":
آه طبعاً طالعة.
قالت الفتاة بخبث:
من إمتى بتطلعي رحلات تبع الجامعة؟ من أول سنة وإنتي بتطلعي تبع النادي ومبترضيش تطلعي معانا.
قالت "ساندي" بلؤم:
المرة دي هطلع.
قالت الفتاة ضاحكة:
إيه هو اللي طلب منك ولا إيه؟
قالت "ساندي" كاذبة:
أيوه قال لي ياريت تطلعيها يا "ساندي".
ضحكت الفتاة قائلة:
ده شكل دكتور "آدم" وقع ولا حدش سمى عليه.
تعالت ضحكات الفتيات حول "ساندي" التي كانت في قمة سعادتها لأنها محور حديث الفتيات وسبب غيرتهن.
***
جلس "آدم" في غرفته أمام حاسوبه يتصفح بتململ. طرقت أمه الباب فأذن لها بالدخول. دخلت وقدمت له كوباً من الشاي، فقال بعبوس:
شكراً يا ماما.
ثم عاد لمطالعة حاسوبه وقد بدا شارداً حزيناً. فوجئ بأمه تجذب إحدى المقاعد وتجلس بجواره. نظر إليها ففهم أنها على وشك إلقاء محاضرة أخرى عليه، فزفر بضيق وعاد ينظر إلى حاسوبه مرة أخرى. فقالت أمه:
مش هكلمك في الموضوع اللي كل شوية أكلمك فيه. أنا هكلمك في حاجة تانية خالص.
لم يبدِ "آدم" أي رد فعل. فقالت أمه بعتاب:
سبت الصلاة ليه يا "آدم"؟
بدا وكأنه بوغت بالسؤال. ظل ملتزماً الصمت. فقالت أمه بأسى:
ليه يا ابني كده؟ ده هي الحاجة اللي بتعصمك من الشيطان. ليه تسيب الصلاة وهي عماد الدين يا ابني. ودي أول حاجة هتتسأل عنها في قبرك. لو كنت بتصلي وربنا قبل صلاتك هينظر في عملك. أما لو مكنتش بتصلي أو ربنا مش قابل صلاتك عملك كله هيضيع يا ابني مهما كانت أعمالك دي كويسة. طالما مفيش صلاة يبقى كل أعمالك دي هتضيع على الأرض.
أطرق "آدم" برأسه دون أن يجيب. فأكملت وقد اغرورقت عيناها بالعبرات:
أنا خايفة عليك يا "آدم". خايفة عليك أوي.
ثم قالت:
ده ربنا قال إن من صفات المنافقين "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى". فما بالك باللي مبيصليش خالص.
ثم قالت بحنان:
تعرف يا "آدم" إن الصلاة هي الطاعة الوحيدة والفرض الوحيد من فرائض الإسلام اللي ربنا عرج بنبيه إلى فوق السماء السابعة وفرض عليه الصلاة من فوق سبع سماوات. فرضها خمسين صلاة كل يوم خمسين صلاة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ربنا إنه يخففهم لخمسة بس فربنا استجاب له. وبقت خمسة في العدد وخمسين في الأجر والثواب. أما باقي الفرائض والعبادات سيدنا جبريل كان بينزل للنبي ويوحي له بيها. شوفت بقى الصلاة مكانتها مهمة إزاي عند ربنا.
تنهد "آدم" وعقد ما بين حاجبيه وهو ما زال ينظر إلى الحاسوب أمامه. فنظرت إليه أمه وقالت باكية:
يا "آدم" النبي قال "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". أنا خايفة عليك يا ابني.
أجهشت في بكاء حار. التفت "آدم" ينظر إليها وقد اغرورقت عيناه بالعبرات. مد يده وهم بأن يضعها على أمه ليخفف حدة بكائها، لكنه قام فجأة بعصبية وحمل هاتفه وغادر البيت. جلست أمه في مكانها تكفكف دمعها وهي تدعو من أعماق قلبها:
يارب اهديه ونور بصيرته.
***
جلست "إيمان" تشاهد التلفاز حاملة علبة حلاوة كبيرة تأكل منها بنهم شديد وعلامات الوجوم على وجهها. اقتربت منها أمها هاتفة بحده:
وترجعي تقولي تخينة وأد الشوال؟ حد يعمل عملتك السودة دي.
قالت "إيمان" بحدة:
إيه أموت من الجوع يعني؟
قالت أمها بعصبية:
ما قولناش تموتي من الجوع بس اهتمي بأكلك شوية. اعملي رجيم. مش طول ما إنتي قاعدة وإنتي عمالة تلغي كده.
تركت "إيمان" علبة الحلاوة بعصبية وصاحت قائلة:
مش طافحة.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب بعصبية وجلست على فراشها وقد تركت العنان لعبراتها. ثم قالت بغضب وهي تلقي بالوسادة أرضاً:
مش عايزة أعجب حد أصلاً. محدش له دعوة بيا.
***
جلست "ساندي" تطالع الحساب الشخصي لـ "آدم" على الفيس بوك. اتسعت ابتسامتها في سعادة عندما قبل طلب إضافتها لقائمة أصدقائه. بدأت المحادثة قائلة:
"ساندي": هاي دكتور.
"آدم": هاي.
"ساندي": إزيِك عامل إيه؟
"آدم": بخير. إزيِك انتي؟
"ساندي": تمام. عرفت إنك طالع مشرف على رحلة العين السخنة.
"آدم": أيوة.
"ساندي": مفاجأة حلوة. على فكرة أنا طالعة الرحلة.
"آدم": كويس. طلعتيها قبل كده؟
"ساندي": يوووه كتير بس مش تبع الجامعة. بحس رحلات الجامعة مملة ومش بكون فيها على راحتي.
"آدم": معايا مش هتكون مملة.
"ساندي": هههههه أكيد طبعاً. متشوقة للرحلة أوي. وأعرف أماكن كتير حلوة ممكن نزودها للبروجرام، هبقى أقولك عليها يوم الرحلة.
"آدم": خلاص اتفقنا. باي دلوقتي نتكلم بعدين.
"ساندي": باي دكتور.
ابتسمت "ساندي" ثم هبت واقفة وفتحت دولاب ملابسها وأخذت تفكر كيف تستعد لتلك الرحلة. والأهم... كيف تجعل "آدم" لا يرى سواها في هذه الرحلة.
***
كانت "آيات" واقفة أمام المكتبة تصور بعض الأوراق. فأقبلت "أسماء" من خلفها وقبلتها قائلة:
سوري اتأخرت عليكي يا "يويو".
هتفت "آيات" بحنق:
اتأخرتي كده ليه؟ بقالي ساعة واقفة أصور في ورقي وورقك.
قالت "أسماء" وهي تتفحص الأوراق التي في يد "آيات":
شوية بنات وقفت أتكلم معاهم. بنستعد للرحلة.
ثم التفتت تنظر إلى "آيات" قائلة:
على فكرة "ساندي" طالعة الرحلة.
قالت "آيات" بلامبالاة:
ما تطلع.
قالت "أسماء" بتردد:
بصي في حاجة كدة عرفتها. مش عارفة أقولهالك ولا لأ.
التفتت إليها "آيات" قائلة:
قولي طبعاً. حاجة إيه؟
ترددت "أسماء" قائلة:
خايفة تضايقِ.
قالت "آيات" بقلق:
قولي يا "أسماء" قلقتيني.
قالت "أسماء" بتهكم:
دكتور "آدم" حضر عيد ميلاد "ساندي" من كام يوم في بيتها وجاب لها هدية كمان.
اتسعت عينا "آيات" من الدهشة وهي تمتم قائلة:
إزاي يعني؟ ده طردها قدامنا من المحاضرة.
مطت "أسماء" شفتيها قائلة:
معرفش يختي. ده اللي سمعته.
قالت "آيات" بعدم تصديق:
أكيد إشاعة.
قالت "أسماء" بتأكيد:
لا يا بنتي مش إشاعة. أنا كنت واقفة مع "ريم" والبنات وعرفت كمان إنه طلب منها إنها تطلع الرحلة دي.
شعرت "آيات" بحزن شديد. واغرورقت عيناها بالعبرات وقالت وهي تحاول أن تستجمع رباطة جأشها:
خلاص انسى. أنا مش عايزة أطلع الرحلة.
هتفت "أسماء" بحدة:
إنتي غبية يا "آيات"؟ هتسيبي لها الجمل بما حمل؟
التفتت "آيات" تنظر إلى "أسماء" بحيرة وضيق قائلة:
أمال أعمل إيه يعني؟ خلاص هو طالما بيحبها خلاص ربنا يهنيه.
هتفت "أسماء" بحدة أكثر:
يا بنتي هتجننيني. بطلي شغل العبط بتاعك ده. أنا لو منك هروح الرحلة وأدب صوابعي في عينها. أحاول ألفِت انتباهه وأخليه يسيبها ويجيلي على ملا وشه.
قالت "آيات" بكبرياء:
أنا مش هعمل كده. مش هلفِت انتباهه. هو لو محسش بيا من نفسه خلاص. أنا كنت طالعة الرحلة بس عشان بس أديله فرصة للكلام لو هو حابب يتكلم معايا. لكن طالما مهتم بـ "ساندي" فخلاص هو حر.
قالت "أسماء" بغيظ:
يا بنتي ومين قالك إنه مهتم بـ "ساندي" أصلاً؟ مش يمكن كذبت وقالت للبنات إنه طلب منها تطلع الرحلة؟ عايزة ترسم نفسها يعني.
صمتت "آيات" وهي تشعر بالحيرة. فقالت "أسماء":
لازم تطلعي الرحلة دي. عشان حتى تعرفي آخرة الموضوع ده إيه. وتحطي النقط على الحروف بينك وبين نفسك. اتفقنا؟
نظرت "آيات" إلى "أسماء" قليلاً. ثم قالت:
خلاص اتفقنا.
شردت "آيات" وهي تتساءل. تُرى أهناك شيء بينهما؟ أيحبه؟ تمنت أن تكون الإجابة: لا.
***
وقف "آدم" يودع "زياد" قائلاً:
هتوحشني يا "زياد".
عانقه "زياد" قائلاً:
وإنت كمان يا "آدم". هستنى منك زيارة زي ما وعدتني. بجد هتقضي يومين حلوين في شرم.
ابتسم "آدم" قائلاً:
خلاص اتفقنا إن شاء الله. خد بالك من نفسك.
ربت "زياد" على كتفه قائلاً:
وإنت كمان يا "آدم" خد بالك من نفسك.
أوقف "آدم" سيارته أمام الكورنيش وأخذ يتمشى وهو ينظر إلى النيل ويتأمله. وقف وأسند ذراعيه على السور وهو يتأمل ظلام السماء. شعر بأنه ينظر داخل قلبه. فحال تلك السماء كحال قلبه. ظلام في ظلام. ثم نظر إلى القمر الذي لا يظهر منه سوى هلال صغير. تماماً كقلبه. يشعر بوجود ضوء صغير يحارب ليظهر ويتغلب على الظلام. لكن "آدم" لا يسمح لهذا الضوء بأن يكبر وينير ظلام قلبه. لا يسمح ولا يريد. يريد قلبه أسود كما هو. كيف سيحقق انتقامه إن اختفى هذا السواد؟ يريد أن يرجع حقه ممن نهبه. لا يريد أكثر من حقه المسلوب. فلماذا يلام على ذلك؟ لماذا يلام على رغبته في استرداد حقه؟ شعر بأنه يقترب شيئاً فشيئاً من هدفه. خطوة وراء خطوة وسيصل إلى مبتغاه. عليه فقط... الصبر. والانتظار.
***
في صباح اليوم الموعود. يوم الرحلة. لم تستطع "آيات" النوم من فرط حماسها. كانت تتمم على حقيبتها للمرة التي لا تتذكر عددها. اتصلت بها "أسماء" قائلة:
أيوه يا "آيات" نتقابل في مكان الباص.
قالت "آيات" بحماس:
تمام يا "أسماء". يلا سلام.
توجهت إلى سيارتها ووضعت حقيبتها. تذكرت محادثتها مع والدها منذ يومين حين قال والدها:
طيب وليه "أسماء" متجيش تبات هنا وتذاكروا سوا؟
"مامتها مش راضية."
يعني هي مامتها مش راضية؟ وإنتي ملكيش أهل؟
قالت "آيات" بسرعة:
لا مش قصدي يا بابا. قصدي إن في بيت "أسماء" طنط موجودة. أما هنا فأنا وحضرتك عايشين لوحدنا. فعشان كده الأحسن أنا اللي أروح أبِيت معاها.
فكر "عبد العزيز" قليلاً ثم قال:
مش عارف يا "آيات" مش حابب حكاية البيات دي.
ألحت "آيات" قائلة:
عشان خاطري يا بابا بجد محتاجين نذاكر سوا. خلاص الإمتحانات قربت وأنا بركز أكتر لما بذاكر مع "أسماء". عشان خاطري يا بابا وافق. دول هما ليلتين بس. عشان خاطري وافق يا بابا. وكمان لو تحب خليك معايا على الموبايل على طول نطمن على بعض.
وافق "عبد العزيز" مرغماً وهو يقول:
أعمل إيه يعني؟ خلاص يا بنتي.
عانقته "آيات" في سعادة قائلة:
ميرسي يا بابا.
قال "عبد العزيز" محذراً:
ممنوع الخروج بعد 10 يا "آيات". وياريت متخرجيش أصلاً. إنتي رايحة تذاكري مش تتفسحي.
قالت "آيات" بحماس:
متقلقش يا بابا متقلقش.
انتبهت "آيات" إلى إشارة المرور التي أرغمتها على التوقف. توقفت وهي شاردة فيما تفعل. زفرت بضيق. فلم تتصور أن يصل بها الحال إلى الكذب على والدها بهذا الشكل والسفر إلى بلد أخرى والإقامة فيها دون علم والدها. لكنها أخذت تقنع نفسها بأنها لن ترتكب أي شيء خطأ. هي فقط تريد استغلال فرصة لن تتكرر. تريد أن تكون قربه. تريد أن تفهم مشاعرها وتعرف هل هناك أمل في أن يشعر بها يوماً. أم أنها تجري خلف سراب. أرهقها التفكير فزفرت بضيق وأدارت المسجل لتنساب نغمات إحدى الأغنيات إلى أذنيها.
وصلت "آيات" لمكان التجمع. رأت مجموعات صغيرة بدأت في التزايد رويداً رويداً. بحثت بعينيها عن "آدم" فلم تراه. أقبلت نحوها فتاتين فابتسمت ووقفت تتحدث معهما. سمعت "صوت" سارة قادمة فالتفتت لتقع نظراتها على "آدم". خفق قلب "آيات" بقوة. وارتسمت رغماً عنها ابتسامة على شفتيها. حاولت إخفاء تلك الإبتسامة لكنها لم تستطع. كانت تشعر بشعور لذيذ وبسعادة غامرة. اقترب "آدم" من الجمع وألقى عليهم التحية وسألهم قائلاً:
جاهزين يا شباب؟
قال أحد الطلاب بحماس:
طبعاً جاهزين يا دكتور.
نظر "آدم" إلى الساعة وقال:
طيب على العموم لسه خمس دقائق وعايزكم تقفوا لي صف ومتطلعوش الباص إلا لما أتمم عليكم.
قالت إحدى الفتيات ضاحكة:
إيه شغل ابتدائي ده يا دكتور؟
ابتسم "آدم" ابتسامته الجذابة التي خفق لها قلب "آيات" قائلاً:
ده نظامي. لو عندكم اعتراض ممكن أعتذر عن إشراف الرحلة وأخلي دكتور "مسعد" يطلع بدالي.
صاح الجميع في استنكار:
لا أبوس إيدك يا دكتور.
"اعمل اللي انت عايزه يا دكتور بس بلاش دكتور مسعد."
ابتسم "آدم" والتفت يبحث بعينيه عن "ساندي". لكنه لم يجدها بين الحضور. كانت "آيات" واقفة تتأمله. التحمت نظراتهما، فجفلت. وأخفضت بصرها في توتر. ألقى "آدم" عليها نظرة لامبالاة. وما هي إلا لحظات حتى حضرت "ساندي" و "أسماء" واكتمل العدد. نظرت "آيات" بحدة إلى "ساندي" الواقفة تتحدث بميوعة مع "آدم" وقالت لـ "أسماء" بحنق:
شايفة واقفة تكلمه إزاي؟
قالت "أسماء":
سيبك منها.
وقف الجميع صفاً وتقدم كل طالب ليخبر اسمه لـ "آدم" الذي وقف بجوار باب الأتوبيس من الأسفل. تابع "آدم" الكشف الذي بيده وهو يستمع إلى اسم كل طالب على حدة. اتى دور "آيات" فنظر إليها منتظراً أن تقول اسمها ليبحث عنه في الكشف. قالت بتوتر وهي تنظر إليه مبتسمة:
"آيات عبد العزيز حسان اليماني".
تصلب جسد "آدم" وهو يستمع إلى اسمها. رفع رأسه ونظر إليها بتمعن قائلاً:
إنتي من عيلة "حسن اليماني"؟
شعرت "آيات" بالسعادة فلربما يعرف أحد أفراد عائلتها وتجد مدخلاً للحديث معه. قالت بحماس:
أيوه.
قال "آدم" بلهفة وعيناه الزرقاوان تكاد تخترقانها من فرط إمعانه فيها:
"سراج حسن اليماني" يقرب لك إيه؟
ابتسمت "آيات" قائلة بحماس:
ده يبقى عمي.
تجمدت ملامح "آدم" وظلت نظراته مثبتة عليها كالليزر. شعرت "آيات" بالتوتر من نظراته التي لم تستطع تفسير معناها. قالت بارتباك:
أطلع الباص؟
أومأ برأسه دون أن يرفع بصره عنها. صعدت وضربات قلبها تزداد اضطراباً. وقف "آدم" لحظات جامداً. ثم ما لبثت تعبيرات الغضب أن ظهرت على ملامحه واشعلت نظراته وهو يتمتم بصرامة:
عمك!!
جلست "آيات" بجوار "أسماء" وقالت لها بلهفة وسعادة بصوت منخفض خشية أن يسمعها من حولها:
دكتور "آدم" اتكلم معايا.
ضحكت "أسماء" قائلة:
صلاة النبي أحسن. ده إحنا لسه بنقول يا هادي.
ثم غمزت بعينها قائلة:
يا "يويو" يا جامد.
ثم قالت:
احكي لي قال لك إيه؟
قالت "آيات" بحماس:
سألني على عمي "سراج".
قالت "أسماء" باستغراب:
عمك؟ وهو يعرفه منين؟
قالت "آيات" بسعادة:
معرفش. بس مش مهم. المهم إنه اتكلم معايا يا "أسماء".
التفتت "آيات" تنظر إلى "آدم" الواقف بجوار الأتوبيس. التفت فالتقت عيناهما. خفق قلبها. لكنها هذه المرة لم تشح بوجهها. وهو أيضاً لم يفعل. حاولت أن تفهم معنى نظراته وسببها. لكنها لم تستطع. ولم تحاول كثيراً أن تفهم. فكل ما كانت تشعر به الآن هو السعادة. السعادة لأنه أخيراً التفت إليها.
صعد الجميع وانطلق الأتوبيس بهم في طريقهم إلى العين السخنة. كان "آدم" يجلس في الأمام على بعد ثلاث مقاعد من مقعدي "آيات" و "أسماء". التفت لينظر في اتجاه "آيات" فانتبهت لتلك العينان الزرقاوان اللتان تتفرسان فيها. شعرت بارتجافة في أوصالها. ثم عاد لينظر أمامه مرة أخرى. ضحكت "أسماء" ضحكة خافتة ووكزت "آيات" في ذراعها قائلة:
إيه يا "آيات" ده؟ لحقتي وقعتيه؟
قالت "آيات" بارتباك:
والله ما عملت حاجة.
قالت "أسماء" بلؤم:
أما لو عملتي.
ثم انفجرت مرة أخرى ضاحكة. لم تشاركها "آيات" ضحكاتها ولا مزاحها. لأن عقلها كان في مكان آخر. كان مع والدها. والدها الذي كذبت عليه. وها هي في طريقها خارج القاهرة. لتمضي ليلتين في هذا البلد الغريب. ودون علم والدها. الذي كان وما زال كل ما تملك في هذه الحياة. شعرت بألم شديد في قلبها. وصوت يهتف بداخلها:
أهذه ثقة والدكِ فيكِ يا "آيات"؟ أيستحق منكِ تلك الخيانة؟ وهو الذي لم يقصر في حقك يوماً وهو الذي وثق بكِ دوماً؟ وهو الذي كان الأب والأم والأخ والصديق وكل عائلتك؟ أيستحق منكِ تلك الطعنة؟ ماذا لو علم؟ كيف ستكون نظرته إليكِ؟ إلى ابنته التي تعب وعانى في تربيتها وتعليمها وأوصلها إلى ما هي عليه الآن؟ كيف ستكون خيبة أمله فيكِ يا "آيات"؟
كانت "آيات" تنظر من الشباك المجاور لها وهي شاردة واجمة وعلامات الحزن على وجهها. لم تنتبه إلى "ساندي" التي حضرت من الخلف في اتجاه "آدم" ونظرت إليه قائلة بدلال:
تسمح لي يا دكتور عايزة أتكلم مع حضرتك في بروجرام الرحلة.
ابتسم لها "آدم" ووقف لتجلس على المقعد المجاور له. كان عقل "آدم" في مكان آخر تماماً فلم يستمع إلى "ساندي" التي تلقي على مسامعه اقتراحاتها بشأن تطوير برنامج الرحلة والأماكن التي تعرفها في العين السخنة. كان عقل "آدم" منشغل بتلك الفتاة التي تجلس خلفه بثلاث مقاعد. قال لنفسه:
ما هذه المصادفة يا "آدم"؟ واحدة من عائلة "اليماني" تحت رحمتك. وفي قبضة يدك. يبدو أن حظك بدأ في الابتسام لك أخيراً يا "آدم".
فجأة وبدون سابق إنذار هبت "آيات" واقفة وهي تأخذ حقيبتها التي وضعتها في الرف العلوي. نظرت إليها "أسماء" بدهشة قائلة:
بتعملي إيه يا "آيات"؟
قالت "آيات" بحزم وهي تضع الحقيبة على ظهرها:
نازلة.
قالت "أسماء" غير مصدقة:
نازلة؟ يعني إيه نازلة؟
قالت "آيات" بحزم وهي تنظر إليها:
مش عايزة أطلع الرحلة دي. غيرت رأيي.
فتحت "أسماء" فمها دهشة وقبل أن تتمكن من الرد عليها توجهت "آيات" إلى السائق وأمرته بالتوقف. توقف السائق لتنزل منه "آيات". أسرع "آدم" ينزل درجات الحافلة خلفها وجذبها من ذراعها قائلاً:
إنتي رايحة فين؟
التفتت إليه "آيات" بدهشة ونظرت إلى يده الممسكة بذراعها وقالت:
غيرت رأيي مش طالعة الرحلة.
قال "آدم" بدهشة:
هو لعب عيال؟
جذبت ذراعها من يده وقالت باضطراب:
أنا آسفة. بس غيرت رأيي.
التفتت لتغادر مسرعة. رآها "آدم" وهي تبتعد. كانت تسير في طريق العودة إلى القاهرة على هذا الطريق الصحراوي الذي يخلو من السيارات في هذا الوقت من الصباح الباكر. شعر "آدم" بأن هذه هي فرصته. وأراد استغلالها إلى أقصى درجة ممكنة. توجه مسرعاً إلى الأتوبيس وأخذ حقيبته وقال للمشرفة التي معه:
أنا مضطر أروح معاها عشان مش هتعرف ترجع لوحدها. وهبعت لكوا دكتور "مسعد". هتعرفي تتصرفي لوحدك يا دكتورة؟
ابتسمت قائلة:
أيوه يا دكتور متقلقش. المهم متسبش البنت لوحدها.
نزل "آدم" من الأتوبيس وهو يحمل حقيبته على كتفه ويقول لنفسه بقسوة وغل وحقد دفين:
متقلقيش مش هسيبها. أبداً.
منى سلامة
رواية جواد بلا فارس الفصل الخامس 5 - بقلم بنوته اسمرة
التفتت لتغادر مسرعة.
رآها "آدم" وهي تبتعد.
كانت تسير في طريق العودة إلى القاهرة على هذا الطريق الصحراوي الذي يخلو من السيارات في هذا الوقت من الصباح الباكر.
شعر "آدم" بأن هذه هي فرصته.
وأراد استغلالها إلى أقصى درجة ممكنة.
توجه مسرعاً إلى الأتوبيس وأخذ حقيبته وقال للمشرفة التي معه:
- أنا مضطر أروح معاها عشان مش هتعرف ترجع لوحدها.
- وهبعتلكوا دكتور "مسعد".
- هتعرفي تتصرفي لوحدك يا دكتورة؟
ابتسمت قائلة:
- أيوة يا دكتور متقلقش.
- المهم متسبش البنت لوحدها.
نزل "آدم" من الأتوبيس وهو يحمل حقيبته على كتفه ويقول لنفسه بقسوة:
- متقلقيش مش هسيبها أبداً!
رحل الأتوبيس وأسرع "آدم" الخطى خلف "آيات".
التفتت لتجده يقترب منها.
توقفت ونظرت إليه بدهشة شديدة.
قال لها "آدم" بجدية:
- مينفعش تمشي لوحدك.
- أنا هاجي أوصلك.
شعرت بقلبها يقفز فرحاً.
ابتسمت لا شعورياً.
حاولت أن تخفي تلك الابتسامة التي ظهرت على شفتيها، لكنها كعادتها لم تستطع.
كان وجه "آيات" دائماً مرآة لما بداخلها.
لا تستطيع إظهار غير ما تشعر به.
أشاحت بوجهها عنه، حتى لا يرى ابتسامتها وتلك السعادة في عينيها.
سارت بجواره صامتة.
التفت إليها ومد يده قائلاً:
- هاتى الشنطة.
نظرت إليه قائلة بصوت خافت:
- مفيش مشكلة أنا هشيلها.
ابتسم قائلاً:
- ليه مش شايفاني راجل ولا إيه؟
ابتسمت له وأعطته إياها.
نظرت إليه وهي تقول لنفسها:
- إنه هو.
- إنه حقاً فارس.
شعرت "أسماء" بالغضب الشديد مما فعلته "آيات".
حاولت الاتصال بها لكنها لم تجب.
فقالت بضيق:
- طبعاً من لقى أحبابه يا "آيات" هانم.
ثم أخذت تنظر من الشباك في وجوم.
سمعت "آيات" صوت الهاتف لتجد أن "أسماء" هي المتصلة.
ضبطته على الوضع الصامت ثم أعادته إلى حقيبتها.
كان "آدم" يتابعها بطرف خفي.
قال فجأة:
- حبيبك؟
التفتت إليه "آيات" بدهشة وقالت:
- لأ.
قال "آدم":
- افتكرت اتخنقتوا سوا وعشان كده نزلتى من الأتوبيس.
قالت بحماس:
- لأ أنا كنت طالعة مع واحدة صحبتي.
ابتسم لها "آدم" قائلاً:
- أمال ليه نزلتى من الأتوبيس؟
- وبسببك اضطريت أرجع ومكملش الرحلة.
قالت بحرج:
- أنا آسفة جداً يا دكتور.
- مكنش قصدي.
- ومكنتش أعرف إن حضرتك هتنزل من الأتوبيس.
قال "آدم" بجدية:
- إزاي كنتي عايزاني أسيبك لوحدك في الصحرا دي؟
ابتسمت قائلة:
- ميرسي أوي يا دكتور.
- أنا فعلاً كنت خايفة ومكنتش عارفة هعمل إيه.
أعاد سؤاله قائلاً:
- ليه نزلتى من الأتوبيس؟
صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت بتوتر:
- كده غيرت رأيي.
قال "آدم" بشك:
- فجأة كده؟
- أكيد في سبب.
صمتت.
فقال:
- حد ضايقك في الأتوبيس؟
قالت بسرعة:
- لا يا دكتور مفيش حد ضايقني.
- أمال إيه؟
- إيه اللي خلاكي تقرري فجأة إنك تقطعي رحلتك؟
بدا عليها التردد ثم أخيراً قالت بصوت مضطرب:
- بصراحة.
- أنا كنت طالعة من ورا بابا.
- بس حسيت بالذنب.
- ومقدرتش أكمل.
كانت تنظر أمامها.
فلم ترَ نظرات "آدم" الساخرة.
تحدث إلى نفسه قائلاً:
- ها هي فتاة مستهترة أخرى.
- بنفس الشكل ونفس الأخلاق.
نظر إليها نظرة متفحصة.
تأمل عينيها المرسومتان جيداً لتبدوان أكثر اتساعاً.
رأى المسكرة التي تزيد من حجم رموشها.
رأى كريم الأساس الذي أعطاها لون بشرة غير لونها الحقيقي فبدت بشرة وجهها متناقضة في لونها مع لون بشرة يدها.
نظر أمامه وهو يقول لنفسه:
- مانيكان آخر للعرض فقط.
- فياترى هل يسمح بلمسه أم لا؟
شعرت "آيات" بالسعادة والأمان وهي تسير بجواره.
بجوار فارسها.
لم يعد لديها شك بأنه فارسها.
الذي طالما راودها في أحلامها.
وجاءها على حصانه الأصيل.
وأخذها وانطلق بها ليشق الريح بسرعته.
شعرت بأنها تحبه بكل كيانها.
هذا الفارس.
هذا الرجل.
التفت "آدم" إليها قائلاً:
- تعبتي؟
قالت بوهن:
- بصراحة شوية.
ابتسم قائلاً وهو يربت على كتفها:
- معلش إن شاء الله نلاقي عربية بسرعة.
ارتجفت "آيات" للمسة يده على كتفها.
اضطربت ووقعت في حيرة لكنها لم تبدِ اعتراض.
أزاح "آدم" يده وهو يقول لنفسه:
- إذن فهو قابل للمس!
- ومن أي كان!
- تماماً كغيرها!
أخيراً وبعد السير لأكثر من ساعة.
أتت سيارة في اتجاه القاهرة.
فاستقلاها.
وانطلقت بهما في طريق العودة.
أوقف "آدم" لها تاكسي لتعود به إلى منزلها.
لكنها أوقفته قائلاً وهو يخرج إحدى الكروت من جيبه:
- ده رقمي.
- لما تروحي طمنيني إنك وصلتي.
قالت "آيات" مبتسمة:
- ميرسي يا دكتور.
أغلق الباب بعدما ركبت وقال وهو ينظر إليها:
- مستني اتصالك.
رحل.
فالتفتت "آيات" تنظر من الزجاج الخلفي إلى هذا الرجل الذي باتت واثقة بأنه نصفها الآخر.
عادت "آيات" لتخبر والدها بأنها غيرت رأيها بعدما استقبلت والدة "أسماء" أقارب لهم فلم تستطع المكوث عندهم لأنها لن تشعر معهم بالراحة.
فرح "عبد العزيز" بذلك فقد كان لا يستريح لأمر إقامتها في مكان بعيد عنه.
يحب دائماً أن يراها حوله ليطمئن قلبه عليها.
صعدت إلى غرفتها وأخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بـ "آدم" لإخباره بوصولها كما طلب منها.
فقال لها:
- تمام.
- وخلي بالك من نفسك وبلاش حركات مجنونة تاني.
ضحكت قائلة:
- حاضر يا دكتور.
ألقت "آيات" الهاتف على فراشها وألقت بنفسها بجواره وهي تبتسم ابتسامة حالمة وتتخيل ما حدث اليوم.
والذي لم يكن في الحسبان.
*************************************
كانت "سمر" في مكتبها بالمستشفى تستقبل المرضى كعادتها.
دخلت إحدى الأمهات ومعها طفلها الصغير.
ابتسمت "سمر" وقامت تداعب الصغير قائلة بمرح:
- إزيك يا "كوكو" أخبارنا إيه النهاردة؟
ابتسمت أمه قائلة:
- الحمد لله يا دكتورة "سمر" أحسن كتير من الأسبوع اللي فات.
حملته "سمر" وقلبت وجنته قائلة:
- إنت خوفتني عليك أوي يا "كوكو".
- وخوفت ماما كمان.
- ينفع كده؟
ابتسم الصغير بخجل فقبلته مرة أخرى قائلة:
- مش هتكلم بأه نفسي أسمع صوتك.
قالت أمه بإهتمام:
- هو كده متأخر في الكلام يا دكتورة؟
نظرت إليها "سمر" وطمأنتها قائلة:
- لا متقلقيش.
- هو بس انطوائي شوية.
- فمحتاج يختلط بأطفال في سنه وأكبر منه.
قالت أمه بحزن:
- للأسف مفيش عندنا في العيلة أطفال في سنه.
قالت "سمر":
- ودي حضانة لأن مهم أوي إنه يتعلم المهارات الاجتماعية.
- وهات وخد ويشارك في اللعب.
- ده هيخرج من انطوائيته دي واحدة واحدة.
ابتسمت أمه قائلة:
- ميرسي يا دكتورة.
- وإن شاء الله أقدم له في حضانة.
قبلت "سمر" الصغير ثم أعطته لأمه قائلة:
- ربنا يبارك لك فيه.
ثم توجهت إلى مكتبها وأخرجت لعبة صغيرة وأعطتها له قائلة:
- دي من طنط "سمر" عشان تفتكرني على طول.
- ماشي يا "كوكو".
ابتسم الصغير وأخذ اللعبة من يدها.
قالت أمه وهي تنظر إلى "سمر" مبتسمة:
- الحقيقة كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع.
قالت "سمر" بإهتمام:
- طبعاً اتفضلي.
قالت الأم بإبتسامة حانية:
- بصراحة أنا حبيتك أوي.
- وحبيت أكتر لبسك المحترم وأخلاقك العالية.
- وكمان حنيتك على الأطفال واهتمامك بشغلك.
- بصراحة أنا مش هلاقي أحسن منك عروسة لأخويا.
شعرت "سمر" بالإرتباك.
فأكملت المرأة:
- هو بيدور على عروسة وانتي مواصفاتك مناسبة بالنسبة له.
- فأنا عايزة منك بس رقم والدك وهو إن شاء الله هيكلمه النهاردة.
- أنا كلمت أخويا عنك وهو معجب جداً بالكلام اللي سمعته عنك.
- وهو اللي طلب منك أقولك كده.
صمتت "سمر" وقد أطرقت برأسها أرضاً وعلامات الحزن على وجهها.
فقالت المرأة:
- دكتورة "سمر" انتي اتضايقتي؟
نظرت إليه "سمر" قائلة:
- لا أبداً مضايقتش.
- بس.
صمتت قليلاً ثم قالت:
- بس الحقيقة أنا مبفكرش في الارتباط دلوقتي.
قالت المرأة بحماس:
- صدقيني أخويا هيعجبك إن شاء الله.
- وكمان أكيد مش هترتبطوا فجأة كده.
- أكيد هيبقى فيه فترة خطوبة وتعارف يعني متقلقيش.
قالت "سمر" بحزم:
- معلش آسفة لكن فكرة الارتباط أصلاً مش في بالي حالياً.
قالت المرأة بحزن:
- طيب عامة لو غيرتي رأيك عرفيني.
- لإن بجد مش هلاقيله عروسة زيك كده.
ابتسمت "سمر" قائلة:
- لا إن شاء الله هيلاقي اللي أحسن مني.
- لكن أنا بجد مش عايزة أخليه ينتظر على الفاضي.
قالت المرأة:
- يعني ده ردك النهائي؟
- ما يمكن تغيري رأيك؟
قالت "سمر" بتماسك:
- لا مش هغير رأيي.
- وبجد أنا آسفة.
ابتسمت المرأة بحزن قائلة:
- هقوله الكلام اللي قلتيه.
- بس عامة أنا مش هيأس.
- وربنا يقدم اللي فيه الخير.
خرجت المرأة فجلست "سمر" أمام مكتبها وهي شاردة.
ووجهها يشع حزناً وألماً.
كانت تعلم جيداً أنها لن تستطيع أن تقدم على تلك الخطوة.
لا تستطيع أن تثق برجل فتكتشف بعد ذلك أنه كوالدها.
عانت كثيراً من ترك والدها لها ولأمها.
تجرعت مرارة اليتم رغم أن والدها حي يرزق.
شعرت بأنها لن تستطيع أن تعطي قلبها وحياتها لرجل قد لا يكون أهلاً للثقة.
ويفعل بها كما فعل والدها بأمها.
كانت خائفة بشدة.
خائفة من الفشل.
خائفة إلى درجة أنها حتى ترفض المحاولة.
تنهدت بعمق.
وصرفت تلك الأفكار عن رأسها.
واستعدت لاستقبال المريض التالي.
**************************************
فتحت والدة "أسماء" الباب وابتسمت قائلة:
- أهلا يا "آيات" اتفضلي يا حبيبتي.
دخلت "آيات" وقبلتها قائلة:
- إزيك يا طنط.
- الحمد لله يا "آيات".
- هي "أسماء" جوه؟
- آيوة يا حبيبتي جوه في أوضتها.
توجهت "آيات" إلى غرفة "أسماء" التي هبت واقف بمجرد أن رأتها وقالت لها بحده:
- إنتي بتعملي إيه هنا؟
أغلقت "آيات" الباب واقتربت منها قائلة:
- أنا آسفة يا "سمسم".
قالت "أسماء" بحدة:
- والله؟
- وأعمل إيه بأسفك ده؟
- أصرفه منين؟
قالت "آيات" برجاء:
- خلاص بأه يا "أسماء" متزعليش.
قالت "أسماء" بغضب:
- وليكي عين تقولي متزعليش؟
- طلعتيني رحلة أصلاً مكنش على بالي أطلعها وقولت مفيش مشكلة صحبتي ولازم أكون جنبها.
- وفجأة تطلعلك الجنونة وتنزلي من الباص وهو في نص الطريق.
- واللي زاد وغطى إن حبيب القلب نزل وراكي.
- وفضلت أتصل بيكي لما قرفت وانتي طبعاً منفضالي.
- ما انتي هتفتكريني إزاي مش حبيب القلب معاكي؟
قالت "آيات" بحدة:
- ما أنا يا "أسماء" فضلت أتصل بيكي بعدها وطول الـ 3 أيام وانتي مش معبراني.
قالت "أسماء" بغضب:
- طبعاً معبركيش وحذفت رقمك من عندي أصلاً ومش عايزة أعرفك تاني.
قالت "آيات" بحزن:
- خلاص بأه يا "أسماء" ياستي أنا آسفة وحقك عليا.
- أنا حسيت إني بعمل حاجة غلط.
- حسيت بالذنب أوي ومقدرتش أستنى.
- ووالله مكنتش أعرف إنه هينزل ورايا.
- أعرف منين يعني؟
صمتت "أسماء" فاقتربت منها "آيات" قائلة:
- خلاص بأه ميبقاش قلبك أسود.
تفتت "أسماء":
- أنا قلبي بلاك.
- ملكيش دعوة.
قبلتها "آيات" قائلة بمرح:
- ده انت قلبك أبيض وزي الفل يا "سمسم" يا قمر.
انتقلت "أسماء" مبتسمة:
- أيوه اضحكي عليا بكلمتين.
ثم وكزتها بقوة في ذراعها فصرخت "آيات" قائلة:
- يا مفترية.
قالت "أسماء" بتشفي:
- أحسن تستاهلي.
ثم جذبتها من ذراعها وأجلستها على الفراش وجلست أمامها وقالت لها:
- عايزة أعرف كل حاجة من ساعة ما نزلتوا من الباص.
- فاهمة؟
ابتسمت "آيات" قائلة بسعادة:
- بصي يا ستي.
- أول شال عني الشنطة.
- بصراحة احترمته أوي لما عمل كده.
- وكان مهتم بيا أوي.
- ووقف لحد ما وقفلي التاكسي.
- وكمان اداني رقمه عشان لما أوصله أكلمه وأطمنه عليا.
استعرت عينا "أسماء" دهشة وقالت:
- بتهرجى مش كده؟
قالت "آيات" ضاحكة:
- لا والله مش بهرج.
قالت "أسماء" بإستغراب:
- غريبة.
- إيه الإهتمام المفاجئ ده؟
- ده مش اهتمام دكتور بطالبة نزلت من الباص.
- كان ممكن يرجع معاكي القاهرة وبعدين يسيبك مش يوقفلك تاكسي ويديكى رقمه عشان يطمن عليكي.
ثم قالت بقلق:
- أنا مش مرتاحة للموضوع ده.
قالت "آيات" بشرود:
- أنا برده استغربت زيك.
- بس مش عارفه.
- هو كان محترم وفعلاً كنت حاساه مهتم بيا.
- وكان مهتم كمان يعرف أنا لسه سيبت الباص ونزلت.
نظرت إليها "أسماء" قائلة:
- وقولتيله إيه؟
هزت "آيات" كتفيها قائلة:
- قولتله الحقيقة.
هتفت "أسماء" بغضب:
- إنتي غبية يا "آيات".
- كده هياخد عنك فكرة وحشة.
قالت "آيات" بقلق:
- بس أنا رجعت عن الغلط اللي كنت بعمله ونزلت من الباص.
- أنا لو وحشة كنت كملت الرحلة.
قالت "أسماء" بحنق:
- يا بنتي مش هيهتم رجعتي عن الغلط ولا مرجعتيش.
- كل اللي هيبصله هو إنك كنت مسافرة من ورا أهلك.
- أكيد هيقول عليكي بنت فلتانة.
قالت "آيات" بحزن وقلق:
- لا متقوليش كده.
- إن شاء الله ميكونش خد عني فكرة وحشة.
*************************************
جلس "علي" مع صديقه في المسجد بعد الانتهاء من صلاة العشاء.
قال "علي" بحزن:
- مش عارف أعلم إيه.
- نفسي أوي تكون من نصيبي وخايف تضيع من إيدي.
قال صديقه:
- طالما بتحبها ليه متتقدملهاش؟
تنهد "علي" قائلاً بحسرة:
- ياريت كان ينفع كنت خدت أبوي وأمي ومن بكرة كنت روحت اتقدملتلها.
قال صديقه:
- طيب مبتعملش كده ليه؟
قال "علي" بضيق شديد:
- أتقدملها إزاي وأنا لسه لحد دلوقتي مش لاقي شغل.
- دي دكتورة وبتشتغل.
- يعني تبقى هي بتشتغل وأنا عاطل يعني.
ربت صديقه على كتفه قائلاً:
- متضايقش نفسك يا "علي" ربنا كبير.
صمت "علي" قليلاً ثم قال باسمًا:
- عارف أي أكتر حاجة عجباني فيها؟
- خجلها.
- أول ما بتشوفني بتبص في الأرض ومبتحاولش تتكلم معايا ولا حتى تقولي إزيك رغم إنها صاحبة أختي أختي من زمان.
- وكمان هي بنت ناس ومحترمة ومؤدبة وماما وأختي بيحبوها جداً.
ضحك صديقه قائلاً:
- أمك وأختك بس اللي بيحبوها؟
ضحك "علي" قائلاً:
- اتلم يله.
- ويلا قبل ما يقفلوا المسجد علينا واحنا قاعدين.
************************************
جلست "ساندي" مع صديقتها "ريم" في النادي وهي تهتف بحنق:
- مش قادرة أنسى اللي حصل يا "ريم".
- دمي محروق أوي.
قالت "ريم" مبتسمة:
- بصراحة شكلك مكنش لطيف خالص.
- خاصة إنك قولتي إن هو اللي طلب منك تطلعي الرحلة.
قالت "ساندي" بغضب:
- أنا مش فاهمة لازمتها إيه إنه ينزل يوصلها.
- مكان بعت معاها أي حد.
- أو حتى وصلها ويرجع تاني.
- ليه يبعتلنا دكتور "مسعد" بداله؟
قالت "ريم" بلامبالاة:
- يمكن معجب بيها.
نظرت إليها "ساندي" بحدة وقالت بغضب:
- إنتي بتتكلمي بجد؟
قالت "ريم" مبتسمة:
- معرفش.
- أنا بقول يمكن.
ضاقت عيناها وهي تفكر في كيفية استرداد كرامتها التي شعرت أنها أهدرت.
***************************************
جلست "آيات" في المدرج تنتظر قدوم "آدم".
تأنقت اليوم فوق العادة.
أرادت أن يراها بهيئة أجمل مما رآها من قبل.
اضطربت وخفق قلبها بقوة عندما رأتـه يدخل من الباب.
ارتسمت على شفتيها تلك الابتسامة التي تقفز تلقائياً إلى شفتيها بمجرد أن تراه.
وقف وقال:
- صباح الخير يا شباب.
- صباح النور يا دكتور.
لفت عيناه المرج بسرعة.
يبدو أنه كان يبحث عن شخص ما.
خفق قلبها.
تُرى أيبحث عنها وسط طلابه؟
لم تكد تنتهي من ترديد السؤال داخل نفسها حتى قال "آدم":
- "آيات عبد العزيز حسان اليماني".
شعرت بألم شديد يغزو معدتها من فرط التوتر.
قامت وقالت بصوت مضطرب:
- أيوة يا دكتور.
التقطت نظراتهما.
فشعرت بإضطرابها يتضاعف.
فقال بصوت هادئ:
- عايزك في مكتبي بعد المحاضرة.
أومأت برأسها وجلست.
كانت "ساندي" تتابع ما يحدث في اهتمام.
بدأ "آدم" في إلقاء محاضرته.
بعد انتهاء المحاضرة قالت "آيات" بقلق:
- تفتكري عايزني ليه؟
قالت "أسماء" بإستغراب:
- مش عارفه.
- يمكن عشان موضوع الرحلة.
قالت "آيات" بتوتر:
- ربنا يستر.
قالت "أسماء":
- متقلقيش.
- وهستناكي في الكافيتيريا.
توجهت "آيات" إلى مكتب "آدم" وهي تشعر بأنها متوجهة إلى امتحان مصيري.
طرقت الباب بهدوء فأذن لها بالدخول.
أغلقت الباب خلفها وتوجهت إليه وقالت بصوت مضطرب:
- خير يا دكتور.
- في حاجة؟
نظر إليها متفحصاً فشعرت بالخجل وأطرقت برأسها.
ابتسم قائلاً:
- حبيت أطمن عليكي.
- باباكي عمل إيه لما عرف بموضوع الرحلة؟
شعرت "آيات" بالسعادة لإهتمامه وقالت بصوت منخفض:
- أنا ما قلتش لبابا على اللي حصل.
- مش عايزة أقوله عشان ميضايقش مني.
ابتسم "آدم" في نفسه بتهكم.
ثم نظر إليها قائلاً:
- شوفت دفتر الحضور.
- إنتي من أول السنة مفوتيش ليا ولا محاضرة.
ابتسمت "آيات" وقالت:
- أيوة فعلاً.
ابتسم لها ابتسامته الساحرة وقال:
- ودي حاجة تبسطني.
شعرت "آيات" بالسعادة تغمر كيانها لحديثها معه ولقربها منه.
قالت بمرح:
- وكمان أنا بذاكر مادة حضرتك يا دكتور أول بأول.
- يعني لو عملت امتحان مفاجئ هتلاقيني جاهزة.
أرجع "آدم" ظهره إلى الخلف وقال مبتسماً:
- والله فكرة.
- خلاص هعمل امتحان مفاجئ المحاضرة الجاية.
ضحكت "آيات" ضحكة خافتة وقالت:
- بس أنا كده عرفت إن في امتحان مفاجئ.
ابتسم لها قائلاً بصوته الرخيم وهو ينظر إليها بعمق:
- إنتي حالة خاصة.
اتسعت ابتسامتها وقفز قلبها فرحاً.
حاولت إخفاء ابتسامتها فلم تستطع.
كان "آدم" خبيراً في تفسير مشاعر الفتيات وإيماءاتهن.
علم وهو ينظر إليها أنها تكن له شيئاً ما.
أسعده ذلك بشدة.
لأنها بذلك.
اختصرت عليه نصف الطريق.
**********************************
وقفت "ساندي" تنظر يميناً ويساراً في تململ.
وفجأة رأت "آدم" وهو متوجه إلى سيارته فأسرعت نحوه قائلة:
- هاي دكتور "آدم".
التفت إليها مبتسماً وقال:
- هاي "ساندي".
ابتسمت له قائلة:
- زعلانة منك يا دكتور كده تسيبنا في الرحلة وتبعتلنا دكتور "مسعد".
- ملقتش إلا دكتور "مسعد".
ابتسم "آدم" قائلاً:
- شكل دكتور "مسعد" ضايقك.
وقالت "ساندي" بحنق:
- منع البنات إنها تلبس بيكيني على البيلاج.
- وكمان مرضيش يودينا حمام السباحة برده لنفس السبب لأن ممنوع دخول حمام السباحة إلا بالبيكيني.
ابتسم "آدم" بسخرية لكنه أخفى ابتسامته سريعاً وقال:
- معلش المرة الجاية هطلع أنا معاكي.
وانظرت "ساندي" إلى السيارة ثم إليه ومررت أصابعها برقة في خصلات شعرها قائلة بدلال:
- عربيتي في التصليح.
- يضايقك لو وصلتني في طريقك؟
قال "آدم" بهدوء:
- لا طبعاً.
- اتفضلي.
التفتت "ساندي" حول السيارة لتركب وهى تلقي بنظرها على البنات حولها الذين يرمقونها بنظراتهن.
شعرت بالسعادة وهي تركب سيارة "آدم" على مرأى ومسمع منهن.
أوصلها "آدم" إلى مكان سكنها وقبل أن تخرج من السيارة التفتت له قائلة بدلال:
- ميرسي أوي يا دكتور.
- آه على فكرة في بارتي حلو أوي النهاردة تحب تحضره؟
ابتسم لها قائلاً:
- إمتى؟
قالت بحماس:
- هتبدأ 9 بالليل.
صمت قليلاً.
فتعلقت أنظارها به تتمنى موافقته.
اتسعت ابتسامتها عندما قال:
- قوليلي العنوان.
أملته العنوان ونزلت من السيارة وهي تبتسم له مودعة.
كانت حفلة كعشرات الحفلات التي تحضرها "ساندي" لكن المميز فيها هذه المرة هو "آدم" الواقف بجوارها.
والذي أثار ذلك غيرة قريناتها من الفتيات بالحفل.
كان "آدم" يعي جيداً ما يحدث حوله لكنه تظاهر باللامبالاة.
فكل ما يريده يتحقق بدون أن يسعى إليه.
وها هي "ساندي" هي الأخرى تختصر عليه نصف الطريق.
******************************
قالت "ساندي" بتفاخر أمام "ريم" وهي جالسة معها في النادي:
- امبارح بالليل كنت مع "آدم".
هتفت "ريم" غير مصدقة:
- بتتكلمي بجد؟
قالت "ساندي" ضاحكة:
- أمال بهزر.
قالت "ريم" بلهفة:
- كنتي معاه فين؟
قالت "ساندي":
- كنا في حفلة مع بعض.
- وفضلنا طول الليل مع بعض وروحنا قبل الفجر بشوية.
- بس كانت سهرة لذيذة موووت.
- والبنات كانوا بيبصولي وهاين عليهم يقطعوني بعنيهم لأن "آدم" مكنش معبر في الحفلة واحدة غيري.
ثم قالت ضاحكة:
- تصوري واحدة جتله بتقوله إنها عايزه ترقص معاه وهاتك يا تسبيل.
- أحرجها وقالها لو عايز أرقص جنبي بنت زي القمر هرقص معاها.
- حسيتها كانت هتموت من الغيظ.
ضحكت "ريم" قائلة:
- ممتازة يا "ساندي".
- خلاص كده دكتور "آدم" بأه متيم.
ابتسمت "ساندي" قائلاً بتعالي:
- طبعاً يا بنتي هو أنا شوية.
***************************************
وقفت "آيات" ضاحكة مع "أسماء" وبعض صديقاتها.
عندما اقترب منهن "أحمد" ووقف وصبت نظراته على "آيات".
فقالت له:
- إزيك يا "أحمد".
لم يجيبها.
فقالت "أسماء":
- إيه يا ابني مالك واقف متنح لـ "آيات" كده.
قال "أحمد" فجأة وعلى مرأى ومسمع من الجميع:
- بحبك اتجوزيني؟
فتحت "آيات" فمها بدهشة واتسعت عيناها.
وتعالت شهقات الفتيات وضحكهن ومزاحهن.
لكن "أحمد" لم يكتفِ بذلك بل التف حول نفسه وصرخ في جميع من حوله:
- يا جماعة اشهدوا.
- أنا بحبك "آيات" وعايز أتجوزها.
- بحبهاااااااااااااااااااااا.
نظرت "آيات" حولها لتجد نظرات الجميع معلقة بها وهم يتضاحكون في استمتاع بهذا المشهد.
صاحت بصوت خافت:
- "أحمد" اسكت فضحتني.
قال "أحمد" دون أن يعبأ بكلامها وبصوت مرتفع:
- بحبك يا "آيات" بحببببببببببببببببببببببببببببببك.
كاد قلب "آيات" أن يتوقف هلعاً عندما رأت نظرات "آدم" المصوبة تجاهها.
ودت لو جرت عليه وأخبرته بأنها ليس لها ذنب فيما يحدث وأنها لا تبادله مشاعره.
نظر إليها "آدم" ثم التفت ودخل داخل الكلية.
تابعته "آيات" بنظرها وهي تشعر بالأسى والحسرة.
وقف "أحمد" أمام "آيات" قائلاً:
- قلتي إيه يا "آيات"؟
التفتت "آيات" إليه وهي تشعر بالغضب الشديد تجاهه وصاحت قائلة:
- إنت اتجننت على فكرة.
- اتجننت.
هرعت مسرعة إلى داخل الكلية.
وتوجهت إلى مكتب "آدم".
لا تدري ما ستقول له.
كل ما شعرت به هو أنها يجب أن توضح له ما حدث.
طرقت الباب ودخلت وأغلقتـه خلفها.
اقتربت من مكتبه وهي تشعر بتوتر بالغ.
قال لها "آدم" ببرود:
- خير يا آنسة.
تطلعت إليه بحزن وأسى وهي لا تعرف كيف تبدأ حديثها.
فقال ببرود:
- إيه جايه تعزميني على الفرح؟
انطلقت الكلمات من فمها بسرعة:
- لا والله ما في فرح أصلاً.
- هو أنا معرفش هو اتجنن ولا إيه اللي حصله.
- أنا مليش دعوة بالكلام اللي قاله ده.
- أنا أصلاً مصدومة من اللي حصل ده.
تفرس فيها "آدم".
وهو يشعر بأن مشاعرها تجاهه اتضحت أنها أعمق مما ظن.
كانت تنظر إليه وملامح الأسى والضيق على وجهها.
وقالت:
- أنا مفيش حاجة بيني وبينه.
- إحنا زملاء وأصدقاء بس.
- لكن ما فيش حاجة من دي بينا خالص.
طال صمته إلا أن قال بصوت هادئ:
- وجايه تقوليلي الكلام ده ليه؟
شعرت بالخجل الشديد.
وبالندم لتسرعها.
لم تستطع أن تنطق بحرف.
لما تعرف كيف تجيبه.
قالت بإضطراب:
- أنا آسفة إنّي عطلت حضرتك.
والتفتت لتخرج مسرعة من المكتب.
وابتسامة خبيثة تتكون على شفتي "آدم".
وخطة خبيثة تُرسم داخل عقله.
*************************************
بعد يومين عادت "آيات" إلى بيتها فاستقبلها والدها وهو يقول:
- "يويو" حبيبتي.
فتح لها ذراعيه فألقت نفسها في أحضانه.
قبل رأسها وابتسم لها بسعادة.
قالت "آيات":
- خير يا بابا شكلك مبسوط.
قال ضاحكاً:
- مبسوط جداً.
قالت "آيات" مبتسمة:
- ابسطني معاك.
قال والدها وهو يتفرس فيها:
- جالك النهاردة عريس.
اختفت ابتسامة "آيات" ليحل محلها الوجوم.
ثم قالت بتوتر:
- مش دلوقتي يا بابا لما أخلص دراستي.
قال والدها:
- أساساً مفيش إلا كام شهر وتخلصي.
- وبعدين مش تسأليني الأول مين هو.
قالت "آيات" بلامبالاة:
- مين؟
- حد من ولاد صحابك؟
قال والدها مبتسماً:
- قلي إنه دكتور عندك في الجامعة.
- اسمه دكتور "آدم خطاب".
- بيديكوا مادة "إدارة أعمال".
أخذ قلب "آيات" يرقص فرحاً وهي تتمتم في سعادة بالغة وبصوت مرتجف:
- دكتور "آدم"!
رواية جواد بلا فارس الفصل السادس 6 - بقلم بنوته اسمرة
اختفت ابتسامة "آيات" ليحل محلها الوجوم.
ثم قالت بتوتر: "مش دلوقتى يا بابا لما أخلص دراستى."
قال والدها: "أساساً معدش الا كام شهر وتخلصى. وبعدين مش تسأليني الأول مين هو."
قالت "آيات" بلامبالاة: "مين .. حد من ولاد صحابك؟"
قال والدها مبتسماً: "قالى انه دكتور عندك فى الجامعة .. اسمه دكتور "آدم خطاب" .. بيديكوا مادة "ادارة أعمال"."
أخذ قلب "آيات" يرقص فرحاً وهى تتمتم فى سعادة بالغة وبصوت مرتجف: "دكتور "آدم"!"
قال والدها: "أيوة يا "آيات" .. تعرفيه مش كده."
قالت بحماس لم تستطيع اخفاؤه: "أيوة يا بابا أعرفه."
ثم قالت: "طيب هو قالك ايه بالظبط."
ضحك والدها قائلاً: "أمال راح فين كلامك اللى كان من شوية .. مش دلوقتى يا بابا لما أخلص دراستى."
احمرت وجنتاها خجلاً.
فقال والدها: "قالى يشرفنى انى أتقدم لبنتك "آيات" .. وعرفنى بنفسه .. وعايز ييجى البيت عشان يتقدم رسمى وتعدوا تتكلموا مع بعض."
قالت "آيات" بفرح: "بجد .. وقولتله ايه؟"
قال والدها مبتسماً: "قولتله هرد عليك بكرة ان شاء الله .. قولت الأول آخد رأيك بما انه دكتور عندك فى الجامعة يعني شايفاه وعارفاه .. فخفت يكون مفيش قبول .. بس كده من الواضح ان فى قبول وقبول أوى كمان."
ضحكت "آيات" خجلاً وأطرقت برأسها.
اقترب منها والدها وقبل جبينها قائلاً: "ربنا يكتبلك اللى فيه الخير يا بنتى."
صعدت "آيات" فى غرفتها وهى تكاد تقفز فى الهواء فرحاً. لم تصدق ما حدث. "آدم" تقدم لها. فارسها يريدها معه على ظهر جواده. فرسها اقتحم حياتها بفروسية الفرسان ودخل البيت من بابه. هو بالفعل فارسها.. وحبيبها.
فتحت حقيبتها بسرعة وأخرجت هاتفها. لم تكد "أسماء" تجيب على الهاتف حتى قفزت "آيات" قائله بفرحة غامرة: "دكتور "آدم" اتقدملى يا "أسماء"."
صاحت "أسماء" بدهشة بالغه: "ايه .. بتقولى ايه .. بتهرجى."
ضحكت "آيات" بسعادة وقالت بصوت أشبه بالصراخ: "لا مش بهرج .. والله اتقدملى .. رجعت البيت لقيت بابا بيقولى انه اتقدملى."
صمتت "أسماء" قليلاً ثم قالت وهى مصدومة: "مش مصدقة."
قالت "آيات": "ولا أنا مصدقة .. أنا هتجنن .. انا مش عارفه أعمل ايه .. فرحانه أوى .. عايزة أصرخ عايزة أضحك عايزة أطير .. "أسماء" .. أنا حسه ان أنا بحلم .. لحد دلوقتى مش قادرة أصدق."
قالت "أسماء" وهى لم تفق من صدمتها بعد: "أنا نفسي لسه مش قادرة أصدق .. معقول حبك بالسرعة دى."
قالت "آيات" وابتسامه حالمه على شفتيها: "تفتكرى بيحبنى فعلاً يا "أسماء" .. ياااه مش قادرة أصدق .. أنا فرحانه بطريقة محدش يقدر يتخيلها."
قالت "أسماء" مبتسمه: "حبيبتى يا "آيات" ربنا يتمملك على خير يارب."
قالت "آيات" بصدق: "ميرسي يا "سمسم" وعقبالك انتى كمان يااارب."
********************************
فتحت والدة "إيمان" الباب وابتسمت قائله بترحاب: "أهلا أهلا يا "سمر" اتفضلى يا حبيبتى."
انتفض "على" الجالس فى غرفته.. وابتسم ابتسامة صغيرة.
قالت والدته لـ "سمر": ""ايمان" فى أوضتها يا حبيبتى .. والله ما عارفه البت دى ملها .. عين وصابته."
دخلت "سمر" غرفة "إيمان".. فوجدتها جالسه فى فراشها وأمامها طبق كشرى كبير تأكل منه دون توقف.
ضحكت "سمر" قائله: "طيب قوليلى ازيك حتى."
قالت "إيمان" بهدوء وهى تبلع ما بداخل جوفها: "ازيك يا "سمر"."
أغلقت "سمر" الباب وجلست بجوار "إيمان" قائله: "ايه يا بنتى فى ايه .. مش عجبانى بقالك كام يوم .. وكل ما أتصل بالبيت طنط تقولى نايمة .. وعلى الموبايل مبترديش .. فى ايه يا "إيمان"."
تركت "إيمان" الطبق من يدها وقالت بحزن: "ما أنا زى الفل أهو .. وأعده عماله ألغ مش راحمة نفسى."
قالت "أسماء" وهى تنظر اليها بتمعن: "أنا عارفاكى يا "إيمان" مبتكليش كده الا لو كنتى مضايقة."
ثم جذبت الطبق من يدها قائله: "وبعدين كده كتير أوى .. حرام عليكي نفسك."
قالت "إيمان" بحدة وهى تستعيد طبقها مرة أخرى: "يا ستى انتى مالك ومالى .. أنا جعانه .. ايه أموت من الجوع يعني."
قالت "سمر" بحزم: "ده مش جوع يا "إيمان" ده هروب .. بتهربي من مشاكلك بالأكل .. بتهربي من خنقتك بالأكل."
قالت "إيمان" بتحكم: "كنت فاكراكى دكتورة أطفال مكنتش أعرف انك دكتورة نفسيه."
قالت "سمر" بهدوء: "مش لازم أكون دكتورة نفسية عشان أقدر أفهم صحبتى .. أقرب صاحبة ليا."
تنهدت "إيمان" وأطرقت صامته.
قالت "سمر": "انتى ليه بتعمل في نفسك كده .. مش اتفقنا هتعملى رجيم وقولتيلى الاسبوع اللى فات انك هتبتدى فيه."
هتفت "إيمان" بحده: "وأعمل رجيم ليه .. عشان مين .. عشان أعجب راجل وييوافق انه يتجوزنى .. لا مش عايزة أنا عجبنى نفسي كده."
قالت "سمر" بحزم: "لا مش عشان تعجبى راجل .. وأعتقد ان المفروض ان انتى واحدة ملتزمة وعارفه كويس انك ميتفعش تجذبي راجل ليكي لا بشكلك ولا بجسمك .. انتى هتعملى رجيم عشانك انتى عشان "إيمان"."
قالت "إيمان" بعناد: ""سمر" اقفلى على الموضوع .. أنا مش عايزة أعمل رجيم .. أنا كده مبسوطة بنفسي .. ومبسوطة أوى كمان."
صاحت "سمر" بحنق: "عنيدة ودماغك ناشفة."
قالت "إيمان" لتغير الموضوع: "أخبار شغلك فى المستشفى ايه؟"
قالت "سمر": "كويس."
قالت "إيمان": "مفيش جديد؟"
تذكرت "سمر".. المرأة التى كانت تريدها لأخوها.. تنهدت وقالت حزن: "لا مفيش جديد."
********************************
دخلت "آيات" المدرج متأنقة كعادتها.. لكن هذه المرة قلبها يخفق من السعادة. اليوم سترى "آدم".. ليس فى المحاضرة فحسب بل فى بيتها.. اليوم سيأتى "آدم" ليتقدم لها رسمياً. كانت عيناها تلمعان وابتسامتها لا تفارق وجهها. رأته وهو يدخل من الباب. ودت لو قامت وصرخت وسط الطلاب. هذا الرجل فارسى.. هذا الرجل حبيبى.. هذا الرجل خطيبى.. هو لى وحدى.. وأنا له وحده. صعد المنصة وحياهم ثم أدار عينيه حتى وصل اليها. وجدها مبتسمة تنظر له بلهفه. رأى على وجهها علامات الموافقة. فعلم أن زيارة اليوم نتيجتها محسومة. قال بصوته الرخيم: "امتحان مفاجئ يا شباب.. كله يطلع ورقة وقلم واكتبوا ورايا الأسئلة دى."
ابتسمت "آيات" فى سعادة وهى تنظر حولها وتتأمل ملامح الصدمة على وجوه الطلاب. أما هى فظلت محتفظة بإبتسامتها.. فحبيبها خصها وحدها بمعرفة أمر هذا الإمتحان المفاجئ. ألقى عليها "آدم" نظرة فتلاقت عيناهما. واتسعت ابتسامتها وهى تمسك بقلمها وتستعد لكتابة الأسئلة.
********************************
تأنق "آدم" ووقف أمام المرآة يتمم على مظهره. دخلت "بوسي" غرفة النوم وهى تتأمله. ثم اقتربت منه قائله: "ايه الشياكة دى كلها .. اللى يشوف كده يقول عريس."
ابتسم "آدم" قائلاً: "ومن امتى يعني مبهتمش بلبسي."
قالت "بوسي" بقلق: "بس النهاردة حسه انك مهتم زيادة عن اللزوم .. خير ان شاء الله."
قال "آدم" بلامبالاة وهى يعيد ربط ربطة عنقه: "مفيش فى لقاء عمل مهم بالنسبة لى."
اقتربت منه "بوسي" وحاولت عناقه من الخلف فابتعد عنها فوراً وقال: ""بوسي" البدلة مكوية .. وكمان البرفيوم بتاعك مش عايزة ييجى عليها."
قالت "بوسي" بضيق: "طيب هتتأخر؟"
قال "آدم" بلامبالاة وهو يتوجه الى الخارج: "احتمال أبات عند ماما النهاردة."
قالت "بوسي" بحنق شديد: "وليه متبتش هنا."
قال "آدم" بنفاذ صبر: "ماما لوحدها."
قالت "بوسي" بحزن: "بس يا "آدم" أنا مبحبش أبات لوحدى وانت عارف كده."
قال "آدم" وهو يقبل وجنتيها: "حاضر هحاول أبات معاكى النهاردة .. سلام."
خرج وأغلق الباب خلفه. توجهت "بوسي" الى الشرفة تشاهده وهو متوجه الى السيارة ثم تنهدت فى حسرة وعلامات الحزن على وجهها.
********************************
وقفت "آيات" أمام المرأة تتمم على فستانها ومكياجها ولفة حجابها. قالت دادة "حليمة" بسعادة: "بسم الله الله أكبر .. زى القمر يا "آيات"."
التفت اليها "آيات" قائله بلهفه: "بجد يا دادة شكلى حلو؟"
هتفت "حليمة" بحنان: "حلو بس ده انتى زى القمر يا بنتى."
ابتسمت "آيات" بسعادة ثم قفزت من مكانها عندما سمعت صوت سياره تتوقف تحت نافذتها. أسرعت بفتح الشرفة ثم قالت بلهفه: "جه يا دادة جه."
تقدمت "حليمة" لتنظر من الشرفة ثم صاحت فى سعادة: "بسم الله ما شاء الله .. عريسك حلو أوى يا "آيات" وباين عليه راجل ملو هدومه .. ربنا يسعدك يا حبيبتى ويوفقك يارب."
قالت "آيات" بسعادة ولهفه: "دادة حلو الميك آب ولفة الطرحة كدة ولا أعدل فيهم حاجه."
قالت "حليمة" بحنان: "يا حبيبتى انتى زى القمر من غير حاجة."
قالت مبتسمه: "نفسيى النهاردة يشوفنى أحلى واحدة فى الدنيا."
عانقتها "حليمة" قائله: "ربنا يسعدك يارب ويتمملك بخير."
دخلت "أسماء" الغرفة مسرعة وهى تقول: "جه يا "آيات" انتى فين."
خرجت "آيات" من الشرفة وهى تقول: "آه شوفته يا "أسماء" انتى اللى كنتى فين."
قالت "أسماء" بمرح: "كنت فى المطبخ ما انتى مجوعانى من الصبح."
قالت "آيات" ضاحكة: "المقابلة تعدى على خير وأنا أخدك ونروح أرقى وأحسن مطعم فيكي يا كايرو وأعزمك عزومة محصلتش."
ضحكت "أسماء" قائله: "ماشي خليكي شاهده يا دادة .. عشان مترجعش فى كلامها بعد كده."
فى الأسفل دخل "آدم" بعدما أدخلته الخادمة وجلس فى انتظار والد "آيات". نظر حوله يتأمل الفيلا الراقية بمفروشاتها الثمينة وعيناه تشعان كرهاً وحقداً وتساءل فى نفسه بسخرية: "يا ترى فلوسك حرام زى أخوك يا "عبد العزيز" بيه؟!"
لحظات وحضر والد "آيات" يرحب به قائلاً: "اهلاً وسهلاً يا دكتور."
قام "آدم" وسلم عليه قائلاً: "أهلا بيك يا فندم."
قال له "عبد العزيز" وهو يجلس فى المقعد المقابل له: "اتفضل يا دكتور .. تشرب ايه؟"
قال "آدم": "قهوة مظبوط ياريت."
طلب "عبد العزيز" من الخادمة احضار ما أراد.. ثم نظر اليه قائلاً: "برده لسه مفتكرتش اتقابلنا فيه؟"
ابتسم "آدم" قائلاً: "بصراحة لأ .. بس فعلاً عندى نفس احساس حضرتك .. اننا اتقابلنا قبل كده."
ابتسم "عبد العزيز" وهو يقول بمرح: "خلصا اللى يفتكر الأول يفكر التانى."
ظلا يتحدثان لنصف ساعة.. اخبره خلالها "آدم" بأنه وحيد أمه وأبوه.. وبأن والده متوفى منذ أعوام.. ووالدته على سفر حالياً لأحد أقاربهم فى محافظة أخرى.. وأن لديه شقة مفروشة حديثاً فى أحد الأحياء الراقية. أخبره عن مشواره العلمى وعن كفاحه ونضاله ليصل الى ما هو عليه. أعجب "عبد العزيز" بما سمع منه. لم يكن كل ما قاله "آدم" كذباً. كان الجزء المتعلق بكفاحه وبمعاناته حتى حصل على الدكتوراة صدقاً. تجبر أى أب على أن يشعر تجاهه بالفخر والإحترام. أمر "عبد العزيز" الخادمة لتطلب من "آيات" النزول. شعرت وكأن قدماها ترفضان حملها. ابتسمت تلقائياً عندما وقع نظرها عليه. اختفت حمرة الخجل خلف الباودر الذى تضعه على وجهها. قام ومد يده قائلاً: "أهلا بيكِ يا آنسة "آيات"."
مدت يدها قائله بصوت منخفض والإبتسامه تزين وجهها: "أهلا بيك يا دكتور."
ارتجف قلبها عندما تلامست أيديهما. ودت لو تركت كفها بين راحته فترة أطول. لكنها سحبتها بسرعة وبخجل وجلست فى المقعد الذى أمامه. تأملها "آدم" وقد فعلت المستحيل لتبدو بصورة أنيقة جذابه. لكن تلك الصورة أشعرته بالنفور. أشعرته بأنها الجارية المعروضة فى سوق الجوارى والتى تتزين وتفتخر بمحاسنها حتى يشتريها الرجال. وتصير ملكاً لرجل يأسره جمالها. لكن "آدم" لم يكن أبداً يستهويه هذا النوع من الفتيات. لم يكن يستويه من تقدم التنازلات لتنال رضاه السامي. لم يكن يستهويه الشئ السهل. الذى يستطيع لمسه متى أراد ويفعل به ما يريد فى الوقت الذى يريد. هذا النوع يضعه فى قائمة "للتسلية فقط". أما قائمة "للأبد".. لم تحمل إلا اسماً واحداً وسرعان ما حذفه منها بعدما أيقن بأنه أخطأ فى وضعه من الأساس. أفاق من شروده على صوت "عبد العزيز" وهو يقول: "منور يا دكتور."
ابتسم "آدم" قائلاً: "ده نور حضرتك يا فندم."
قام "عبد العزيز" وقال: "أسيبكوا تتكلموا مع بعض .. بعد اذنكوا."
نظر "آدم" الى "آيات" المبتسمه ثم رسم على شفتيه ابتسامه قائلاً: "عملتى ايه فى امتحان النهاردة؟"
ضحكت قائله: "الإمتحان المفاجئ؟"
ضحك قائلاً: "أيوة بالظبط كده."
ابتسمت وهى تقول: "حليت الأسئلة كلها .. حضرتك طبعاً لسه مصححتش الورق."
ابتسم "آدم" وهو يخرج ورقة من جيبه قائلاً: "صححت ورقتك."
نظرت الى الورقة التى فى يده ثم نظرت اليه لتقابل عيناه التى ترسل آشعة اختراق قوية فانهارت حصونها أمام نظراته وابتسم قائلاً: "فول مارك."
ابتسمت وهى تقول بمرح: "قولتلك .. لو عملت امتحان مفاجئ هتلاقيني جاهزة."
قال بخبث وهو يعيد الورقة لجيبه: "شكلك بتحبي ادارة الأعمال أوى."
صمتت.. ودت لو قالت له بل أحبك أنت. قالت له "آيات" بإهتمام: "ممكن أسأل حضرتك سؤال."
- "اتفضلى طبعاً."
قالت "آيات" وهى تنظر اليه مبتسمه: "ليه اتقدمتلى .. اشمعنى أنا؟"
صمت "آدم" قليلا ثم قال: "تفتكرى ليه؟"
قالت: "أنا اللى بسأل."
أخذ رشفة من العصير الموضوع أمامه ثم قال: "بكرة تعرف."
نظرت اليه.. تحاول أن تعرف فيما يفكر.. ماذا يشعر. ابتسم لها تلك الإبتسامه الساحرة الذى تذيب الجليد. فخفق قلبها. واتسعت ابتسامتها وهى تقول فى نفسها: "بحبك .. بحبك يا "آدم"."
********************************
بعد يومين.. كانت "آيات" جالسه فى شرفة غرفتها تتأمل القمر الذى اكتمل وصار بدراً. تأملت ضوئه الفضى وهو يخترق ظلام السماء. شعرت بأنه كقلبها.. يشع ضوءاً وفرحاً. ويبث في جسدها شعوراً لذيذاً. تذكرت حلمها.. الزرع.. الخضرة.. وفارسها على جواده الأصيل. مقبل نحوها.. والشمس تزين الأفق. يقف أمامها ويمد يده. فتبتسم وتصعد خلفه. أفاقت من أحلامها على صوت طرقات الباب. وقفت وفتحت الباب وابتسمت قائله: "بابا .. انت لسه صاحى."
ابتسم وهو يدخل قائلاً: "أيوة حبيبتى .. وشوفتك وأنا فى الجنينة قولت آجى عشان أتكلم معاكى شوية."
قالت له: "اتفضل يا بابا."
وقفا متجاورين فى الشرفة. استنشق "عبد العزيز" عبير المساء. ثم التفت الى ابنته يمسح بيده على شعرها وينظر لها فى حنان. ابتسمت "آيات" واقتربت منه تلقى برأسها على صدره. قبل شعرها قائلاً: "صعب عليا أوى فراقك .. بس كان لازم ييجى اليوم ده .. عارف لو يرضى .. كنت خليتكوا تعيشوا انتوا الاتنين معايا هنا فى الفيلا."
ابتسمت "آيات" وقد رفعت رأسها لتنزر اليه فأكمل قائلاً: "قوليلى الأولى .. ايه ردك؟ .. المفروض أبقى عارف ردك عشان لما يتصل بيا بكرة."
نظرت "آيات" الى يديها بخجل وهى تعبث بهما بتوتر.
فقال والدها ضاحكاً: "أفهم يعني ان السكوت علامة الرضا."
ضحكت قائله: "يعني."
قبل رأسها قائلاً وقد اغرورقت عيناه بالعبرات: "مبروك يا حبيبتى .. مبور."
نظرت اليه وقد اغرورقت عيناها بالعبرات هى الأخرى وقالت: "ليه بأه كده يا بابا .. بتعيط ليه."
ابتسم والدموع فى عينيه قائلاً: "مبعيطش ولا حاجة انتى اللى بتعيطي."
مسحت الدمعة التى سقطت على وجهها وهى تقول بصوت مضطرب: "مبحبش أشوفك بتعيط .. متعيطش تانى."
ابتسم لها وهو يعانقها قائلاً: "ربنا ما يحرمنى منك أبداً يا بنتى."
أغمضت عينيها وهى تلف يدها حوله قائله: "ولا يحرمنى منك يا بابا."
********************************
اتصل "آدم" بـ "عبد العزيز" ليعرف منه قرار "آيات" والذى يتوقعه بالفعل. اتسعت ابتسامته الواثقة وهو يتلقى خبر موافقتها على طلبه للزواج منها. قال "عبد العزيز": "ياريت تشرفنى فى الفيلا يا دكتور "آدم" عشان نتكلم فى التفاصيل."
قال "آدم": "حضرتك تؤمر .. ان شاء الله بكرة هكون عند حضرتك على الساعة 5 .. مناسب؟"
قال "عبد العزيز": "أيوة مناسب .. فى انتظارك ان شاء الله."
أنهى "آدم" المكالمة وعيناه تلمع خبثاً ومكراً وقد أسعده اقترابه من تحقيق هدفه. دخلت "بوسي" غرفة المعيشة وطوقت بذراعيها رقبة "آدم" الجالس على الأريكة. أرغم نفسه على الابتسام فهمست فى أذنه: "وحشتنى أوى."
قال لها: "وانتى كمان."
همست قائله: "طيب آعد لوحدك ليه."
قال "آدم" وهى يرفع هاتفه: "كنت بتكلم فى الموبايل."
جذبته قائله بدلال: "طيب كفاية شغل بأه."
نهض وقبل وجنتها قائلاً: "حاضر يا حبيبتى."
*************************************
كان "آدم" فى طريقه الى بيت "آيات".. عندما رن هاتفه. ابتسم بسخرية ثم رد قائلاً: "هاى "ساندى"."
قالت "ساندى" بمرح: "هاى دكتور .. ازيك."
- "تمام."
قالت بمرح: "بقولك ايه يا دكتور هو الامتحان بتاع المرة اللى فاتت ده كان مهم يعني."
ابتسم قائلاً: "أها مهم ودرجاته مخصومه من توتل المادة."
قالت بدلال: "أصل أنا مكنتش مستعده .. وبصراحة معرفتش أجاوب على أى سؤال .. ورقتى بيضا يعني."
قال "آدم" بمرح: "يعني هتاخدى o كبيرة."
قالت "ساندى" بمرح: "وأهون عليك يا دكتور تديني O .. مكنش عيش وباتيه."
ضحك قائلاً بلؤم: "لو وعدتيني انك تذاكرى مادتى كويس أنا هغير ال O دى."
قالت بحماس: "ده أنا هعد دلوقتى أكل الكتب مش بس أذاكر."
قال "آدم" بخبث: "ماشي يا "ساندى" .. متقلقيش."
قالت بدلال: "واثق انى مقلقش."
قال: "طالما "آدم" قالك متقلقيش يبقى متقلقيش."
قالت بسعادة: "ميرسي يا دكتور."
أنهى "آدم" المكالمة وهو يبتسم لنفسه بسخرية.
**************************************
قال "آدم" لـ "عبدالعزيز" وهو جالس معه فى فيلته: "أنا بقول نخليها كتب كتاب مع الخطوبة."
ضحك "عبد العزيز" قائلاً: "بالسرعة دى يا دكتور."
قال "آدم" مبتسماً: "أنا جاهز يا "عبد العزيز" بيه .. ايه يخليني أستنى."
قال "عبد العزيز ": "على الأقل تستنى تشوف هتقدروا تتفاهموا مع بعض ولا لاء."
قال "آدم" بثق: "لا حضرتك متقلقش أنا واثق ان أنا و "آيات" هنتفاهم كويس .. ومش هيكون فى أى مشاكل بينا."
صمت "عبد العزيز" يفكر.. ثم قال: "بصراحة يا دكتورة. .أنا مش حابب السرعة دى .. على الأقل يكون فى شهر بين الخطوبة وكتب الكتاب."
شعر "آدم" بالضيق.. لكنه ابتم قائلاً: "مفيش مشكلة نخليها شهر وبعدها نكتب الكتاب."
قال "عبد العزيز": "وناوى الفرح يكون امتى؟"
صمت "آدم" وقد بوغت بالسؤال.. فخطته لن تصل الى يوم العرس أبداً. خطته ستكتمل بكتب الكتاب.. هذا هو هدفه الذى يريد أن يصل اليه. بالإضافه الى أنه لو وصل الى العرس فسينكشف أمر.. وينكشف كذبه.. فهو لا يملك تلك الشقة الفاخرة التى ادعى أنها ملكه.. ولا يملك حتى ما سيدفعه لإقامة حفل العرس. لذلك فخطته ستتوقف عند كتب الكتاب.. هو فقط يريد "آيات" فى يده.. أو بمعنى أصح.. يريد روحها فى يده.. ليتحكم فيها وفيهم كيفما شاء. ويسترد حقه المسلوب. أفاق من شروده قائلاً: "نحدد سوا المعاد .. مفيش معاد محدد فى بالى."
اقتربت "آيات" فى تلك اللحظة.. فنهض "آدم" ومد يده ليسلم عليها قائلاً: "ازيك يا آيات."
"أجابت مبتسمه: "كويسة الحمد لله."
قام "عبد العزيز" وتركهما بمفردهما. رفعت رأسها لتجد نظرات "آدم" مثبتة عليها فإبتسمت بخجل. ثم قالت: "اتفقتوا على ايه؟"
قال "آدم" مبتسماً: "اتفقنا ان الخطوبة هتكون بعد اسبوع .. وكتب الكتاب بعدها بشهر."
قفز قلب "آيات" فرحاً فسألها "آدم" وهو يراقب تعبيرات وجهها التى تشع سعادة: "ايه رأيك؟"
قالت بصوت مضطرب: "تمام .. مفيش مشكلة."
بدت على "آدم" ملامح الجدية ثم قال: "انتوا ليه مقاطعين عمك "سراج"؟"
لم تكن تلك المعلومة مفاجئة بالنسبة الى "آدم". أو اكتشفها بعد أن تقدم لخطبتها.. بل تلك المعلومة تحديداً هى ما جعلت "آدم" يقدم على طلب يدها بقلب جامد. لأن مادامت الخيوط منقطعة بينها وبين عمها.. إذن فلن يعرف بأمر خطبتها.. ولن يلتقيه "آدم" إلا فى اللحظة التى يريدها "آدم". يريد أن يخفى هذا الأمر عن "سراج" حتى تأتى اللحظة الحاسمة. فيكشف أوراقه ويربح كل الموجود على الطاولة. قالت "آيات" بحزن: "مش عارفه بصراحة."
قال "آدم" بإستغراب: "ازاى يعني مش عارفه."
قالت "آيات" شارحه: "بابا مقاطعه من زمان .. وقالى ان حصل خلاف كبير أوى بينهم وقاطعوا بعض .. لكن مرضاش يحكيلى المشاكل اللى حصلت بينه وبين عمو."
قال "آدم" بإهتمام: "ولاد عمك انتى على علاقة بيهم؟"
قالت "آيات" بحزن: "لا بابا منعنى انى اتكلم معاهم وهما كمان محدش فيهم بيكلمنى .. هو عنده بنت واحدة وولد واحد .. بس للأسف بقالنا سنين مشوفناش بعض ومنعرفش أى حاجة عن بعض."
ابتسم "آدم" وهو يشكر الظروف التى تساعده على استكمال خطته دون أى منغصات.
********************************
هتفت "ريم" ضاحكة: "مش قادرة أبطل ضحك .. دكتور "آدم" هيخطب وانتى عماله مصدعانى ليل نهار ده كلمنى يا "ريم" .. ده بيقولى كذا يا "ريم"."
هتفت "ساندى" بحنق وهى تهب واقفة: ""ريم" لو مبطلتيش ضحك هسيبك وأمشى."
قالت "ريم" وهى تحاول كتم ضحكاتها: "خلاص خلاص اعدى."
جلست "ساندى" قائله بحنق: "وبعدين انتى هبلة؟ .. انتى فاكرانى بحبه ولا ايه .. أنا بس عايزه اننا نبقى صحاب لانى بحب النظرة اللى بشوفها فى عين البنات لما بكون واقفه معاه."
قالت "ريم" بتهكم: "وهى خطيبته بأه هتسمحله يقف معاكى تانى .. خلاص يا بنتى دى لو هتطول هتحسبه فى البيت ومتنزلوش منه."
ثم انفجرت ضاحكة مرة أخرى فقالت "ساندى" بحنق: "ليه ان شاء الله .. وبعدين دكتور "آدم" واحد فري جداً جداً ومش متخلف .. وهى لو عملت كده فعلاً يبقى بتخنقه وهتخليه يطفش منها بسرعة."
صمتت قليلاً ثم قالت بثقة: "بكرة تشوفى ان دكتور "آدم" هيفضل زى ما هو ومش هيتغير عشانها."
*************************************
اقترب "آدم" من "بوسي" الواقفة فى المطبخ ولفها بذراعيه قائلاً: "بتعملى ايه."
ابتسمت له قائلاً: "بعمل ساندوتشات للعشا."
ثم قالت بمرح: "فرحانه أوى انك هتبات معايا النهاردة كمان."
قبل وجنتها قائلاً: "أعمل ايه بتوحشيني لما ببعد عنك."
التفتت اليه قائله بسعادة: "بجد يا "آدم"؟"
قال لها وهى يلعب بخصلات شعرها: "طبعاً يا حبيبتى."
ابتسمت له والتفتت مرة أخرى تكمل عملها.. بدا على "آدم" التردد قليلاً ثم قال: ""بوسي" كنت عايز أطلب منك طلب."
قالت مبتسمة: "أأمر يا حبيبى."
أخذ قطعة خيار ووضعها فى فمه ثم قال: "محتاج 20 ألف جنية وهرهملك فى أقرب قوتك."
صمتت قليلاً ثم قالت: "عايزهم فى ايه؟"
قال ببرود: "ايه تحقيق .. عايزهم وخلاص."
توقفت "بوسي" عما تفعل والتفتت اليه قائله: "بس يا "آدم" على الأقل عرفنى عايزهم فى ايه."
قال ببرود وهو يرمقها بحده: "خلاص انسى يا "بوسي"."
ثم غادر وتوجه الى غرفة النوم.. هرعت "بوسي" خلفه تنظر اليه وهو يبدل ملابسه فقالت: "بتعمل ايه يا "آدم"."
قال ببرود دون أن يلتفت اليها: "رايح البيت."
قالت بحزن: "مش انت قولتلى هتبات معايا النهاردة."
قال دون أن ينظر اليها: "غيرت رأيي أنا سايب ماما من امبارح."
قالت "بوسي": ""آدم" ليه بتعمل كده .. انت عارف انى بكره أعد لوحدى .. بتخنق من الوحدة .. ليه مش عايز تعد معايا."
التفت اليها "آدم" ونظر اليها بحدة قائله: "أعد معاكى ليه هو انتى بتحبيني."
اقتربت منه "بوسي" وقالت بصوت متهدج: "أيوة بحبك يا "آدم" .. انت عارف انى بحبك."
قال "آدم" بحزم: "لو بتحبيني بجد يباه هتعملى اللى قولتلك عليه يا "بوسي"."
قالت "بوسي" مبتسمة: "خلاص يا حبيبى متزعلش بكرة هروح أسحبهم من البنك."
قال "آدم" مبتسماً: "متقلقيش هردهملك هما وكل الفلوس اللى خدتها منك قبل كده."
قالت مبتسمة وهى تلقى بنفسها بين ذراعيه: "أنا مش عايزاك تردهملى يا "آدم" .. أنا عايزاكى تفضل معايا ومتسبنيش أبداً."
قال "آدم" بنظرات خاوية وصوت خاوى كالصوت الذى يخرج من الرسائل المسجلة: "متخفيش يا حبيبتى مش ممكن أسيبك أبداً."
*************************************
توجهت "آيات" بصحبة "آدم" لشراء دبل الخطوبة. كانت فى قمة سعادتها وفرحتها وهى جالسه بجوار حبيبها فى سيارته. امتدت يد "أدم" لتمسك بيدها.. فالتفتت وابتسمت له فى سعادة. نزل وفتح لها الباب فابتسمت له. لكم تعشق رقته وتصرفاته الراقية. دخلا محل الذهب لشراء دبلتين ذهبيتين.. فما كان أحدهما سيهتم بعدم جواز لبس الذهب للرجل. تناسيا ذلك أو لم يتذكراه أصلاً. كانت "آيات" تبتسم فى سعادة وهى تختار الدبلة التى ستتوج أصابعها. راقب "آدم" تعبيرات وجهها الفرحه.. وابتسامتها التى لم تفارقها كلما رآها. أخيراً اختارت ما أعجبها. وطلب منها "آدم" اختيار خاتم كهدية للخطبة. ابتسمت فى سعادة واختارت الخاتم. أعطى "آدم" ما اختاروه لصاحب المحل وقبل أن يحاسبه قالت "آيات" للرجل بسعادة: "لو سمحت اكتب "آدم" و "آيات" على كل دبلة وكمان اكتب 25 سبتمبر سنة ...."
شعر "آدم" بالدهشة من التاريخ الذى اختارته.. فهذا التاريخ يبعد ثلاث سنوات ونصف عن التاريخ الخالى. ذهب الرجل لينفذ طلبها فاقترب منها "آدم" قائلاً: "اشمعنى التاريخ ده."
نظرت اليه بعنيان تشعان حباً وهى تقول: "تاريخ أول مرة اتقابلنا فيها."
عقد "آدم" ما بين حاجبيه فى دهشة ونظرة لها وهو لا يعى ما تقول. فقالت مبتسمة: "أول مرة اتقابلنا فيها.. كان فى أول شهر ليا فى الجامعة.. تاكسى خبط فى الرصيد والسواق وقف يتخانق معايا.. انت جيت ودافعت عنى.. وفضلت واقف جمبي لحد ما بابا جه ودفع للراجل الفلوس."
نظر اليها "آدم" بدهشة. أخيراً تذكر أين رآى والد "آيات" من قبل. لكن الشئ الوحيد الذى لا يستطيع تذكره.. هو "آيات" نفسها. لم تكن هى تلك الفتاة التى رآها يومها. أخذ ينظر اليها ويتأملها جيداً. تلك الفتاة الواقفة أمامه الآن والتى تبدو كفتيات الإعلانات مختلفة تماماً عن تلك الفتاة البريئة النقية التى رآها من قبل. والتى لفتت انتباهه يومها. برقتها وبساطتها ووجهها البرئ الذى كانت تعلوه حمرة الخجل كلما التقت أعينهما. شعر بالدهشة تغمر كيانه وهو يتساءل فى نفسه. أين ذهبت تلك الفتاة البريئة؟! .. لماذا أصبحتى كما أراكى الآن؟!
رواية جواد بلا فارس الفصل السابع 7 - بقلم بنوته اسمرة
الحلقة ( 7 )
كان حفل الخطوبة فى حديقة الفيلا .. تم تجهيزها بشكل ممتاز .. وحضر الأهل والأصحاب .. أما "آدم" فلم يدعو الا زملائه بالجامعة .. ولم يظهر له بالحفل أى من أقربائه .. وعندما سُئل عن ذلك قال ببساطة :
- مليش حد فى الدنيا غير ولدتى وكانت مسافرة عند قرايبها وتعبت جداً ومقدرتش تيجي
فى غرفة "آيات" التف "أسماء" و "سمر" و "إيمان" حولها .. كانت تضحك وتمزح معهن وهى تشعر بأنها كالعصفورة .. تطير وتسبح فى الفضاء وترفرف بجناحيها فى سعادة .. كانت تشعر أن هذا اليوم هو أحلى أيام حياتها .. نزلت مع صديقاتها وجلست على المقعد بجوار "آدم" .. ما هى إلا لحظات وتعالت أصوات التصفيق بعدما ألبسها "آدم" دبلتها وألبسته دبلته .. انحنى "آدم" ليهمس فى أذنها :
- مبروك يا حبيبتى
اتسعت ابتسامة "آيات" وتعالت دقات قلبها الصغير وهى تسمع منه لأول مرة كلمة "حبيبتى" .. كان الناظر اليها يستطيع أن يتبين سعادتها الغامرة فى هذا اليوم ..
تعالت أصوات موسيقى حالمة .. فأمسك "آدم" بيدها ووقف أمامها ليراقصها .. لكنه فجأة وجد "عبد العزيز" مقبلاً تجاههما وأمسك ذراعيه قائلاً :
- بعد كتب الكتاب يا دكتور
نظر اليه "آدم" للحظه صامتاً ثم قال مبتسماً :
- طبعاً
شكرت "آيات" والدها فى سرها .. لانه عفاها من حرج مراقصة "آدم" أمام الناس ..
أقبلت صديقاتها لتقديم تهنئتهن .. ألقى "آدم" نظرة على كل من "إيمان" و "سمر" .. وشعر بالدهشة .. كانتا الوحيدتان من بين الفتيات بالحفل اللاتى يرتدين لباساً محتشماً وبدون أى زينة للوجه .. نظر الى الطريقة التى تتعامل بها "آيات" معهن فشعر أنهما على صلة وطيدة بها .. بعدما رحلتا انحنى "آدم" على أذن "آيات" قائله :
- مين دول ؟
ابتسمت قائله :
- صحابي
قال "آدم" بإستغراب :
- معاكى فى الكلية
قالت "آيات" شارحة :
- لا "سمر" دكتورة أطفال .. و "إيمان" دكتورة أسنان فى التكليف .. و "أسماء" معايا ف الكلية
كانت تشير لكل واحدة منهن أثناء حديثها فقال بدهشة :
- واتعرفتوا ازاى .. انتوا لا من كلية واحدة ولا من سن واحد بإستثناء "أسماء"
ابتسمت قائله :
- اتعرفنا فى رحلة طلعتها فى أول سنة ليا فى الجامعة .. ومن يوميها واحنا صحاب
أومأ "آدم" برأسه .. ثم ابتسم لها وهو ينظر اليها بتمعن قائلاً :
- انتى جميلة أوى النهاردة
ضحكت "آيات" بسعادة قائله :
- بجد ؟ عجبتك يعني ؟
قال "آدم" وهو يشبك أصابعها بين أصابع يده :
- انتى عجبانى على طول
ازدادت سعادتها واتسعت ابتسامتها وهى تنظر اليه بعينان تشعان حباً
نظر اليها قائلاً :
- هستأذن من باباكى ونخرج سوا بكرة .. اتفقنا
أومأت برأسها قائله بسعادة :
- اتفقنا
شعرت بسعادة غامرة وهى تنظر الى يده الممسكة بيدها .. رفعت رأسها لتنظر اليه وهى تتمنى ألا تفترق أيديهما أبداً
********************************
انتهى حفل خطبتهما .. وعاد الجميع الى بيته .. أوقف "آدم" سيارته أمام منزله .. وفتح الباب ودخل غرفته .. وفجأة التفت ليجد والدته واقفة أمام الباب المفتوح .. خلع جايت البدلة واتجه الى الدولاب لإحضار ملابسه .. نظرت اليه أمه بغضب قائله :
- مش هقولك كنت بايت فين .. ولا هقولك بتعمل ايه ومبتعملش ايه .. هقولك حاجة واحدة .. رضا الأم من رضا الرب
أخرج "آدم" ملابسها ووقف أمامها لتفسح له الطريق .. حانت منها التفاته الى يده المزينة بالدبلة .. شهقت من الدهشة ونظرت اليه تقول :
- ايه الدبلة اللى فى ايدك دى يا "آدم" ؟
قال "آدم" بنفاذ صبر :
- مش حاجة مهمة متقلقيش
قالت أمه وهى تمسك يده وتتفرس فيها :
- يعني ايه مش حاجة مهمة .. لابسها ليه ؟
ثم صاحت بغضب :
- كمان دهب ؟ انت مش عارف ان لبس الدهب حرام للراجل يا "آدم" .. الرسول صلى الله عليه وسلم نهى الرجاله عن لبس الحرير والذهب وقال دول للستات بس مش للرجاله يا "آدم"
نظر اليها "آدم" بلا أى تعبيرات على وجهه فأكملت أمه قائله بتهكم :
- صحيح انت ليه هتهتم بالحلال والحرام وانت أصلاً مبتصليش
ثم قالت وتعبيرات الإشمئزاز على وجهها :
- تصدق بالله أنا بقيت أقرف أبص فى وشك
قالت ذلك ثم تركته ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة .. ظل "آدم" واقفاً مكانه شارداً واجماً
**************************************
توجهت "آيات" للخارج بخطوات مسرعة .. خفق قلبها وهى ترى "آدم" واقف بجوار سيارته بحلته الأنيقة الفاخرة .. اقتربت منه وابتسامتها تزين وجهها قائله :
- اتأخر عليك ؟
ابتسم لها قائلاً :
- لا يا حبيبتى ولا يهمك
فتح لها الباب فجلست .. انطلق بسيارته .. كانت تشعر وكأن كل ما حولها يشاركها فرحتها .. التفت "آدم" لينظر الى تلك الإبتسامه التى لا تفارقها .. تلاقت أعينهما فإتسعت ابتسامتها .. توقفا أمام أحد المطاعم الفاخرة .. جلس "آدم" فى المقعد المواجه لها .. و أثناء تناول وجبتهما .. قالت "آيات" :
- ممكن تبقى تدينى رقم طنط عشان أكلمها ؟
قال "آدم" بدهشة :
- طنط مين ؟
قالت "آيات" :
- مامتك .. هى مجتش الخطوبة عشان تعبانه والمفروض انى أسأل عليها
قال وهو يحاول تغيير الموضوع :
- ان شاء الله .. ما قولتليش المكان عجبك ؟
ابتسمت قائله :
- جداً
صمت "آدم" قليلاً ثم قال :
- انتى والدتك متوفيه من زمان ؟
قالت "آيات" بشئ من الحزن :
- أهاا .. من يوم ما ولدتنى .. انا عمرى ما شوفتها أبداً
ثم قالت وهى تبتسم بحزن :
- بس عندى صور كتير ليها .. كل فترة بخرجهم وأعد أتفرج عليهم
راقب "آدم" تعبيرات وجهها .. فنظرت اليه قائله :
- وانت باباك متوفى من زمان ؟
شعر "آدم" بالضيق لسؤالها عن شئ خاص به .. فقال بنفاذ صبر :
- أيوة
ثم قال وهو ينظر اليها بتمعن :
- باباكى قالى أدمنا شهر عشان كتب الكتاب .. وانه بعد الشهر ده هيسألك عن رأيك .. حبه تكتبي الكتاب ولا تمدى فترة الخطوبة
قالت :
- أيوة بابا قالى كده فعلاً
قال "آدم" مبتسماً بخبث :
- طيب مش عايزه تطمنينى رأيك هيبقى ايه ؟
ابتسمت له قائله بمرح :
- استنى الشهر وانت تعرف
قال لها بخبث :
- طيب واللى مش قادر يستنى وخايف أوى من قرارك وعايز يعرفه بسرعة .. يعمل يه ؟
صمتت قليلاً ثم نظرت اليه قائله بإبتسامه :
- يطمن
شعر "آدم" بالراحة .. ومد يده وضعها فوق يدها قائلاً :
- مش هخليكي تندمى أبداً على قرارك ده
شعرت بالإضطراب وبالسعادة فى نفس الوقت وقالت :
- عارفه يا "آدم"
ثم ضحكت بخجل قائله :
- على فكرة دى أول مرة أقول اسمك من غير دكتور
قال بنبره حانيه :
- فى كلمة تانية عايزها بدل اسمى
نظرت اليه بسعادة وقد ادركت ما يريد قوله .. اقترب وجلس على المقعد المجاور لها وأمسك يدها بين راحتيه ونظر لها بعمق قائلاً :
- بحبك يا "آيات"
خفق قلبها بسرعة واضطرب تنفسها .. ها هو حبيبها جالس بجوارها ويخبرها عن حبه لها .. ألجمت السعادة لسانها فقال "آدم" هامساً :
- بحبك يا "آيات" وعايز أسمعها منك
شعرت بأن الكلمات ترفض الخروج .. كانت تشعر بإضطراب بالغ .. ودت لو صرخت له بها .. لكن الكلمة حُبست بداخلها .. ترك "آدم" يدها قائلاً :
- خلاص براحتك مش هضغط عليكي
نظرت اليه خشت أن تكون قد أغضبته .. فكر "آدم" بسخرية .. أتحاولين الظهور بمظهر الفتاة الصعبة الآن .. لا تحاولى لقد كشفتك جيداً وأعرف أنك سهلة .. ولعبة فى يدي !
قال لها :
- يلا عشان منتأخرش
نهضت معه وأوصلها الى بيتها .. قبل أن تنزل أمسك يديها مقبلاً اياها إبتسمت برقه .. قال لها :
- تصبحى على خير
قالت بصوت خافت :
- وانت من أهل الخير
غادر "آدم" و"آيات" تشيعه بنظراتها .. ثم تمتمت بصوت خافت :
- بحبك يا "آدم" .. بحبك أوى
***********************************
ظلت "آيات" ساهرة فى شرفة غرفتها .. كانت تفكر بحزن هل يا تُرى "آدم" غضب منها لأنها لن تفصح عن حبها له ؟ .. هل ظن بأنها لا تحبه ؟ .. هل هو حزين الآن ؟ .. خفق قلبها بقوة وهى تشعر بأنها لا تتحمل أن تكون سبب حزنه أو ضيقه .. توجهت الى حاسوبها وضربت بأصابعها فوق أزراره ابتساموه صغيره على شفتيها .. توردت وجنتاها خجلاً قبل أن تضغط زر الإرسال .. اتصلت بـ "آدم" وهى تتمنى أن يكون مستيقظاً .. رد "آدم" قائلاً :
- حبيبتى وحشتيني
ابتسمت "آيات" بسعادة قائله :
- خفت تكون نمت
قال لها بهيام :
- مش عارف أنام
ٍسألته :
- ليه مش عارف تنام ؟
قال هامساً :
- بفكر فيكي .. بفكر فى عنيكي اللى بقيت حاسس انى مقدرش أبعد عنهم ثانية واحدة .. بفكر فى ايديكى اللى كانت فى ايدي من شويه .. أنا مش عارف ازاى قدرتى تعلقيني بيكي بسرعة كده
أغمضت "آيات" عينها تستشعر كلماته بكل حواسها .. ثم قالت بصوت خافت :
- افتح الفيس يا "آدم" بعتلك حاجة عايزاك تشوفها
قال بدهشة :
- وانتى عرفتى الفيس بتاعى منين ؟
قالت بخجل :
- كنت عارفاه من زمان .. بس عمرى ما بعتلك آد
شعر "آدم" بالدهشة .. ثم قال :
- طيب خليكي معايا بفتح الجهاز
قالت بسرعة :
- لا شوف وأنا مش معاك .. أنا هقفل دلوقتى .. باى
قال بدهشة :
- باى
فتح جهازه وهو يتمتم لنفسه بحنق :
- ابتدينا شغل المراهقة
نظر "آدم" الى حسابه ليجد رسالة مرسلة من "آيات" فتحها ليجد فيها :
- أحبـــك .. أنت كل عالمى
أحبـــك .. أنت وحدك فارسي
أحبــــك .. فى كل وقت أنت معي
أحبـــك ؟! .. هذا أول مقاصدى
أعشقـــك ؟! .. ها أنت فهمت مشاعرى
أتمنـــاك ؟! .. أنت فى قلبي فعى
أنت فــــارس أحلامــــى
أحلامى رجلاً لا يُوصَف
وكل صفاته بيك توصَف
لم يكن صدى تلك الكلمات فى قلب "آدم" سوى السخرية والتهكم .. ظل ينظر اليها بأعين بارده وقلب أبرد .. ثم أمسك هاتفه .. وبمجرد أن ردت "آيات" قال هامساً :
- وانتى فتاة أحلامى
وضعت "آيات" كفها على قلبها علها تبطئ من وقع دقاته .. وابتسمت فى سعادة وهى تقول له :
- ربنا ما يحرمنى منك يا "آدم"
************************************
مر الإسبوعين بسرعة وببطء .. فكان وقعهما على "آيات" كالسحر .. كالتحليق فى الفضاء .. كنسمات الربيع .. أما على "آدم" فكان وقعها كئيباً رتيباً مملاً .. يتمنى أن تجرى الأيام ويمضى الشهر سريعاً ليُنهى لعبته .. فى أحد الأيام وقف "آدم" أمام باب الفيلا فى انتظار خروج "آيات" .. كانت "آيات" تتخير الأوقات التى لا يكون والدها فى البيت .. حتى تستطيع وضع زينتها كما تريد .. فهى تعلم أن سكوت والدها على وضعها الميكياج يوم أن تقدم "آدم" لخطبتها والأيام التى تلته فقط من أجل أنها عروس ولم يرد ازعاجها .. لكنها تعلم جيداً أن لصبره حدود .. نزلت درجات الفيلا وعيناها معلقتان بـ "آدم" الذى اختار اليوم ارتداء الجينز .. ابتسمت له قائله بمرح :
- أول مرة أشوفك كجوال
ابتسم ابتسامته الساحرة وسألها بمرح :
- طب ايه ؟ أنهى ستايل يعجبك أكتر ؟
قالت بصدق :
- حبيبى أنا بحبك مهما لبست .. حتى لو لبست جبه وقفطان
ضحك "آدم" قائلاً :
- طيب بس لتلاقيني فى مرة عملها بجد
صحكت قائله بعند :
- برده هحبك متحاولش
جلست "آيات" فى السيارة والتف "آدم" ليجلس بجوارها ثم ابتسم قائلاً :
- حبيبتى عايزه تروح فين النهاردة ؟
صمتت قليلاً ثم قالت :
- ايه رأيك نتمشى على النيل
قال بدهشة :
- نتمشى على النيل
قالت بسرعة :
- أيوة .. ايه مش عايز
قال بلامبالاة وهى ينطلق بيارته :
- فكرت هتقولى نعد فى مكان يعني
قالت بصوت طفولى :
- زهقت .. وكمان مش بحب الأماكن المقفوله .. بحب أوى أقف أتفرج على النيل .. كنت أنا و "أسماء" نخرج نتمشى على النيل ونقف ونسرح ونتكلم لحد ما نزهق
توقف "آدم" فى حد المناطق الهادئة .. نزلت "آيات" ووقفت تنظر الى النيل بسعادة ونسماء الليل تداعب وجنتيها .. نظرت الى "آدم" الواقف بجوارها تتأمله ثم التفتت اليه وقالت فجأة :
- "آدم" انت فى حاجة مضايقاك ؟
التفت اليها قائلاً بدهشة :
- ليه بتقولى كده ؟
قالت بحيرة :
- مش عارفه .. ساعات بحس كده .. ساعات بحس انك مضايق من حاجه أو مخنوق من حاجه
صمت "آدم" وهو ينظر اليها لا يدرى ما يقول .. فأكملت قائله بحنان :
- "آدم" مش أنا حبيبتك وبعد اسبوعين ان شاء الله هكون مراتك .. يعني لو فى حاجة مضايقاك قولى عليها وفضفض معايا يمكن ترتاح
ظل "آدم" ينظر اليها وهو يرى مشاعرها الصادقة تجاهه .. أشاح بوجهه بسرعة وأخذ يتطلع الى النيل ثم عاد ينظر اليها وهو يرسم ابتسامه على شفتيه ويقول :
- لا يا حبيبتى أنا مفيش حاجة مضايقانى .. متشغليش بالك انتى
ابتسمت "آيات" له ثم وضعت يدها على ذراعه التى كان يستند بها الى السور وقالت :
- ماشى يا حبيبى .. بس خليك فاكر وقت ماتحب تتكلم مع حد أنا موجوده
ارغم نفسه على الإبتسام ووضعه كفه فوق كفها الممسكة بذراعه وقال لها :
- مكنتش أعرف انك بتحبينى أوى كده
نظرت اليه بعتاب قائله بصوت متهدج :
- اخص عليك ازاى تقول كده .. أنا بحبك أوى يا "آدم" بحبك بجد .. عشان كده بضايق أوى لما بحس انك ممكن تكون مضايق
شعر بالإختناق وهو يستشعر صدق كلماتها .. قال فجأة :
- يلا نمشى
قالت بإستغراب :
- ليه فى حاجه ؟
قال بحده :
- لا بس افتكرت معاد مهم
شعرت "آيات" بالدهشة من تصرفه لكنها لم ترد مضايقته بكثرة الأسئلة .. أوصلها الى الفيلا .. ودون أن يوجه لها كلمة .. فقالت قبل أن تنزل من السيارة :
- طمنى عليك لما توصل البيت
هز رأسه قائلاً :
- ماشى
خرجت "آيات" وأغلقت الباب لينطلق "آدم" فى طريقه .. كان يشعر بالضيق والحنق .. لا يدرى لما شعر بذلك .. ظل يسير بسيارته وهو يحاول ازاحة هذا الشئ الذى يجثم على صدره ويحاول خنقه
*************************************
هتفت "إيمان" بغضب بعدما أخبرتها والدتها بأمر العريس الجديد الذى يريد أن يتقدم لها :
- مش هقابله يعني مش هقابله
قالت "أمها بحده :
- يعني ايه مش هتقابليه
قالت "إيمان" بعند :
- يعني مش هقابله .. مش عايزة أتجوز
هتفت أمها بغضب :
- يعني ايه مش عايزة تتجوزى يا بت انتى .. اتهبلتى فى عقلك ولا ايه .. لا اتظبطى لأظبطك متطلعيش جنانك عليا
هتفت "إيمان" وقد بدأت فى البكاء :
- انتى ليه مش عايزة تفهميني يا ماما .. أنا تعبت بأه مش كل شوية حد ييجى ويمشى ويتصل يقول معلش مفيش نصيب .. كفاية بأه مش عايزة أتجرح تانى
صاحت والدتها وهى تغادر الغرفة :
- أهو ده اللى انتى فالحة فيه كل شوية عياط وغم .. هتقابليه ورجلك فوق رقبتك ولما ييجى أبوكى يبقى يشوفله صرفه معاكى
أغلقت الباب خلفها بعنف .. فجلست "إيمان" على فراشها تبكى الى أن شعرت بالإرهاق فنامت ودموعها تبلل وجهها
استيقظت فوجدت الجميع قد آووا الى فرشهم .. توجهت الى الثلاجة وأخرجت بعض الطعام وتوجهت الى غرفة المعيشة واشعلت التلفاز بصوت منخفض وجلست تأكل بنهم .. بعد عدة دقائق تذكرت أمر ذلك العريس .. توقفت عن تناول الطعام وقد بدت عليها الحيرة .. قامت وتوجهت الى الثلاجة وأعادت الطعام الى مكانه وقامت وتوضأت ودخلت غرفتها تصلى لله عز وجل وتدعوه ألا تُجرح تلك المرة
************************************
توقف "آدم" بسيارته فى احدى دور سينما السيارات والتى كانت تتميز بالهدوء .. التفت وابتسم لـ "آيات" الجالسه بجواره فبادلته الإبتسام .. نظر "آدم" أمامه .. لم يكن يعى حرفاً مما يدور على الشاشة .. لأنه كان شارداً .. ويفكر بعمق .. التفت ينظر الى "آيات" التى اندمجت فى تناول الفيشار وهي تنظر الى الشاشة بترقب شديد وقد استهواها الفيلم الذى تتابعه .. شعر "آدم" وهو ينظر اليها بأن فيها شيئاً من البراءة .. رغم الملابس الضيقة الملفتة المثيرة التى كانت ترتديها وحجابها الغير محكم على رأسها والذى أظهر رقبتها كاملة .. ورغم المكياج الذى أبرز ملامح وجهها وأعطاها عمراً أكبر من عمرها .. إلا أن شئ واحد فيها ظل يشع براءه .. ابتسامتها .. تلك الابتسامه العذبة التى ترتسم على وجهها حال رؤيته .. وتتسع حال فرحها .. وتختفى اذا تضايقت .. و تزداد رقة كلما قال كلمات تُخجلها .. تلك الإبتسامة التى تعلن عن نفسها وعن طهرها وبرائتها وسط كل تلك المظاهر التى يكرهها "آدم" .. شعرت "آيات" بنظراته فالتفتت تنظر اليه .. بمجرد أن تلاقت أعينهما ابتسمت .. ابتسمت عيناها قبل شفتاها .. حاول الإشاحة بوجهه فلم يستطع .. شعر بالضيق وبالإختناق مرة أخرى .. شعر مرة أخرى بذلك الشئ الذى يجثم على صدره بقوه .. أراد هذه المرة أن يقتله وأن يمنعه من التواجد بداخله مرة أخرى .. أراد أن يزيحه من طريقه تماماً .. فكر .. للحظات .. ولم يجد إلا طريقاً واحداً ليقضى على هذا الشئ قبل أن يظهر أكثر ويعلن عن نفسه .. مد يده ليتلمس وجنتها .. ابتسمت بخجل وهى تطرق برأسها .. ثم رفعت رأسها لتنظر اليه مرة أخرى .. لكن ابتسامتها تلاشت عندما وجدته ينحنى نحوها لــ .. يقبل شفتيها .. شعرت بالصدمة وتجمدت .. لم تمنعه .. لم تعترض .. لم تتحرك .. أنهى قبلته التى استغرقت ثوانى معدودة .. ثم اعتدل فى جلسته وهو ينظر أمامه يتأمل شاشة العرض وهو يبتسم ابتسامة رضا .. أخيراً قضى على هذا الشئ .. للأبــد
**************************************
عادت "آيات" الى الفيلا وعلامات الوجود على وجهها .. أقبلت عليها "حليمة" لتقول :
- حمدالله على السلامة يا بنتى .. أحضرلك الأكل ولا اتعشيتي مع خطيبك
قالت "آيات" بصوت مضطرب :
- مش عايزة يا دادة
صعدت الى غرفتها وعينا "حليمة" تتابعها بقلق .. دخلت "آيات" غرفتها وأغلقت الباب .. جلست على فراشها فى الظلام .. لا ينير الغرفة سوى ضوء القمر المتسلل عبر الشرفة .. جلست فى مكانها متجمده كالتمثال .. ونظرات عينيها غائرتان .. وضعت أصابعها على شفتيها تتلمسهما وهى تتذكر قبلة "آدم" .. شعرت فجأة بقشعريرة تجتاح جسدها وبنغزات الدموع فى عينيها .. أخذت نفسهاً طويلاً وشعور الضيق يتزايد بداخلها .. أخرجت هاتفها واتصلت بـ "أسماء" التى أجابتها قائله :
- ايه ده معقول .. مش متعودة يعني انك تعبريني فى الوقت ده .. من ساعة ما اتخطبتى وانتى الوقت ده حجزاه لخطيبك .. نفسى أفهم مبتزهقوش رغى
قالت "آيات" بصوت مضطرب مبحوح :
- "أسماء" أنا مضايقه أوى
قالت "آسماء" بجديه :
- ايه فى ايه .. ايه اللى حصل اوعوا تكونوا اتخانقتوا
قالت "آيات" بإضطراب :
- لا مش كده
ثم صمتت .. فحثتها "أسماء" قائله :
- فى ايه يا بنتى متتكلمى
عضت "آيات" شفتيها وهى تقول بحنق :
- حصلت حاجة مش عارفه حسه انى مضايقه
قالت "أسماء" :
- طيب متفهميني ايه اللى حصل عشان أبقى فاهمة انتى بتتكلمى عن ايه
زفرت "آيات" بضيق وهى تقول بصوت خافت لا يكاد يُسمع :
- "آدم" بسنى
ضحكت "أسماء" بشدة وهى تقول :
- وقعتى قلبي أنا قولت مصيبة حصلت
قالت "آيات" بضيق :
- طيب قوليلى
قالت "أسماء" ضاحكة :
- أقولك ايه يا بنتى .. أنا مش فاهمة اصلا انتى مضايقه ليه
قالت آيات" بحيرة :
- يعني اللى حصل ده عادى
قالت "أسماء" بتهكم :
- والله يا "آيات" اللى يسمعك كده يقول طفلة فى ابتدائى
هتفت "آيات" بغضب :
- خلاص يا "أسماء" .. أنا أصلاً غلطانه انى اتصلت بيكي .. باى
هتفت "أسماء" بسرعة :
- يا مجنونة استنى .. طيب خلاص حبه جد بأه .. انتى ايه مضايقك دلوقتى ؟
قالت "آيات" بحده :
- معرفش مضايقه وخلاص .. حسه ان أنا مضايقه
قالت "أسماء" :
- طيب مش انتى بتحبيه يا "آيات" ؟
قالت "آيات" بسرعة :
- جداً وانتى عارفه
قالت "أسماء" :
- وهو بيحبك ؟
قالت "آيات" بثقه :
- أيوة بيحبنى
هتفت "أسماء" قائله :
- يعنى انتى بتحبيه وهو بيحبك ومخطوبين وهيتكتب كتابكوا بعد اسبوعين وباسك .. فيها ايه دى ؟
صمتت "آيات" .. لا تدرى ما تقول .. فقالت "أسماء" :
- متردى يا بنتى
قالت "آيات" بقلق :
- حسه ان كده غلط .. وكمان أنا خايفه "آدم" ياخد فكرة وحشة عنى
قالت "أسماء" بإستغراب :
- انتى عبيطة يا "آيات" كل المخطوبين بيعملوا كده
قالت "آيات" بنبره حزينه :
- أنا حسه بالذنب أوى .. مش عارفه يمكن عشان أول مرة يحصل كده .. مش عارفه بس حسه .........
قاطعتها "أسماء" قائله :
- يا بنتى متكربيش الموضوع
صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت بأعين دامعه وصوت مرتجف :
- بس يا "أسماء" أنا سمعت فى مرة شيخ بيقول ان لو حصل حاجات زى دى بين اتنين مش متجوزين ربنا مش بيباركلهم فى ارتباطهم ده .. وان هو لو بيحبها فعلاً هيحافظ عليها ومش هيعمل فيها كده ..وان اللى بيعمل كده مع واحدة مش مراته بيبقى شايفها وحشة ومش محترمة
قالت "أسماء" :
- "آيات" محسسانى انه اغتصبك .. دى بوسه يا بنتى .. مش حاجة كبيرة يعني
تنامى الى مسامعها شهقات بكاء "آيات" فقالت بحنان :
- "آيات" بتعيطى ليه دلوقتى ؟
تعالت شهقات "آيات" وقالت ودموعها تتساقط على وجنتيها :
- مش عارفه .. بس حسه انى مضايقة أوى
قالت "أسماء" بهدوء :
- طيب بطلى عياط .. الموضوع مش كبير للدرجة دى .. هو باسك بس ولا حصل حاجة تانى ؟
قالت "آيات" بصوت مرتجف :
- باسنى بس
قالت "أسماء" :
- خلاص شيلي الموضوع من دماغك ومتفكريش فيه .. خلاص .. وبطلى عياط بأه
مسحت "آيات" دموعها وهى تقول :
- طيب خلاص يا "أسماء"
قالت "أسماء" بحنان :
- هديتي ؟
قالت "آيات" :
- أيوة خلاص .. أنا هقفل لانى حسه بصداع جامد هاخد حاجة للصداع وأنام
قالت "أسماء" :
- طيب ماشى وكلمينى لما تصحى
- ماشى .. يلا باى
أنهت "آيات" المحادثة وهى تشعر بنفسها أهدأ .. دخلت الحمام وتوضأت وصلت الفروض التى فاتتها ثم أوت الى فراشها
عاد "آدم" الى بيته وألقى بنفسه على فراشه وهو يتذكر استسلامها لقبلته فإبتسم ساخراً وقال لنفسه متهكماً قبل أن يغلق عيناه : كما توقعت بالضبط
**************************************
جلست "سمر" فى مكتبها بالمستشفى تنتظر دخول المريض التالى .. لكنها شعرت بالدهشة بعدما رفعت رأسها لتجد "آيات" أمامها .. فهتفت بدهشة :
- "آيات"
ثم ابتسمت قائله :
- بتعملى ايه هنا ؟
ابتسمت "آيات" وهى تغلق الباب قائله :
- جيت أشوفك .. ومتخفيش دفعت كشف يعني ده دورى مش بعطل حد من اللى بره يعني
التفت "سمر" حول المكتب وعانقتها قائله :
- لا طبعا هردلك الكشف .. حبيبتى فرحانه أوى انى شوفتك
ثم قالت :
- بس بصراحة مستغربة أوى
تنهدت "آيات" وهى تجلس أمام المكتب قائله :
- بصراحة مكنتش قادرة أستنى .. حسيت انى عايزة أتكلم معاكى .. صحيت ولبست وجيت على طول .. جلست "سمر" على المقعد أمامها وهى تقول بقلق :
- خير يا "آيات" فى ايه ؟
أطرقت "آيات" برأسها وأخذت تفرك حزام حقيبتها بين يديها .. قالت "سمر" مشجعة :
- اتكلمى فى ايه ؟
ثم قالت :
- لو خايفة أحب اطمنك .. أى حاجة هتقوليها دلوقتى مستحيل تطلع بره
نظرت اليها "آيات" وقالت ممتنه :
- عارفه يا "سمر" وعشان كده جتلك
قالت "سمر" بإبتسامة حانية :
- طيب قوليلى بأه فى ايه ؟
أخذت "آيات" نفساً عميقاً ثم قصت عليها ما حدث بينها وبين "آدم" بالأمس .. هتفت "سمر" بغضب :
- انتى غلطتى أوى يا "آيات" ده خطيبك مش جوزك
هتفت "آيات" تدافع عن نفسها وعن "آدم" :
- بس احنا بنحب بعض يا "سمر"
قالت "سمر" بصرامة :
- حتى لو بتحبوا بعض .. اللى حصل ده غلط أوى
شعرت "آيات" بالحزن وهى تستمع الى كلمات "سمر" التى تعزز احاسها بالذنب الذى يراودها منذ الأمس .. قالت "سمر" :
- "آيات" أنا عارفاكى كويس .. وبقالنا سنين مع بعض .. كلمتك كتير على لبسك وعلى الميك آب بس مكنتيش بتسمعيلي وكنت بدعيلك ان ربنا يهديكى ومبحاولش أضغط عليكي عشان متكرهينيش وتبعدى عنى .. بس بجد الموضوع ده مينفعش أقول ربنا يهديكي وأسكت
صمتت قليلاً ثم قالت :
- "آيات" فى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بيقول : " فالعينُ تَزني وزِناها النظرُ، واليَدُ تَزني وزِناها اللمسُ، والرِّجلُ تَزني وزِناها الخُطى، واللسانُ يزني وزِنَاه المَنطِقُ، والفَمُ يَزني وزناهُ القُبَلُ، والنفس تَمَنَّى وتشتَهي، والفَرجُ يُصَدِّقُ ذلكَ أو يكذبهُ "
وضعت "آيات" يدها على فمها وقد اغرورقت عيناها بالعبرات .. وأخذت ترتجف وهى تغمض عينيها باكية .. اقتربت منها "سمر" وجلست على المنضدة أمامها ووضعت يديها على قدميها وهى تقول :
- "آيات" اللى انتى حسه بيه دلوقتى حاجة كويسة أوى .. لان ده معناه ان عندك نفس لوامة .. بتلومى نفسك لما بتعملى حاجة غلط .. وده عشان انتى بنت طيبة ونضيفة وكويسة .. بس مشكلتك ان مفيش فى حياتك حد يوجهك للصح ويبعدك عن الغلط
قالت "آيات" من بين شهقاتها :
- أعمل ايه دلوقتى .. يعني أنا كده ........
ثم انفجرت باكية مرة أخرى
عانقتها "سمر" قائله :
- ممكن متعيطيش لو سمحتى .. بصى فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاله راجل من الأنصار اسمه "أبو اليسر بن عمرو" وقاله : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَبَاشَرْتُهَا وَقَبَّلْتُهَا وَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا قَالَ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) ، قَالَ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً فَقَالَ : " بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً . "
توقفت "آيات" عن البكاء وقالت بصوت مبحوح :
- مفهمتش يا "سمر" اشرحى
قالت "سمر" مبتسمه :
- يعنى فى راجل راح للنبى صلى الله عليه وسلم وقاله انه باس واحدة واتمتع بيها من غير ما يحصل بينهم علاقة كاملة .. فالنبي صلى الله عليه وسلم مردش عليه لحد ما ربنا سبحانه وتعالى أوحى للنبي عن طريق سيدنا جبريل بالآية اللى بتقول : " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " .. فسيدنا "عمر" سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقاله : الآية دى للراجل ده بس فالنبي قاله لا لكل الناس .. يعني أى حد يغلط .. يعمل بعدها حاجة كويسة .. عشان الحسنات تضيع السيئات اللى خدها .. فهمتى يا "آيات"
أومأت "آيات" برأسها قائله :
- آه فهمت
صمتت برهه ثم نظرت الى "سمر" قائله بلهفه :
- يعني أنا دلوقتى لو عملت خير وحسنات كتير كده ربنا يسامحنى على اللى حصل
ابتسمت "سمر" قائله :
- أيوة يا "آيات" بس لازم تعاهدى ربنا ان ده ميحصلش تانى أبداً .. لازم تحطى حدود بينك وبين خطيبك
ًثم ضحكت قائله :
- وبعدين يا ستى كلها اسبوعين .. استحملوا الاسبوعين دول
ضحكت "آيات" وعانقت "سمر" بحرارة قائله :
- ربنا يريح قلبك يا "سمر" .. أنا بجد كنت مضايقه أوى بس انتى طمنتيني وعرفتيني المفروض أعمل ايه
ابتسمت "سمر" قائله :
- احنا اخوات يا "آيات" أى حاجة حابه تسأليني عنها كلميني على طول
ابتسمت "آيات" وهى تخرج مرآتها لتعدل من زينتها ثم نهضت قائله بمرح :
- همشى بأه قبل ما أمهات الأطفال اللى بره يدعو عليا
ضحكت "سمر" وقالت :
- ماشى يا "آيات" .. خلى بالك من نفسك
قالت "آيات" مبتسمه :
- ربنا يوفقك يا "سمر" .. باى
- مع السلامة
**********************************
ابتسمت "ساندى" وهى ترى اسم "آدم" على هاتفها فأسرعت بالرد قائله :
- هاى دكتور
قال"آدم" الذى كان يقود سيارته :
- هاى "ساندى" .. ازيك
قالت بعتاب :
- تمام يا دكتور .. مبروك الخطوبة ولو انى زعلانه جداَ انك معزمتنيش
قال "آدم" :
- معلش الخطوبة كانت على الضيق بس فى كتب الكتاب ان شاء الله أكيد هتكونى معزومة
قالت بمرح :
- خلاص اتفقنا بس لو معزمتنيش المرة دى كمان بجد هزعل جداً
قال "آدم" بجديه :
- فاضية شوية يا "ساندى" .. عايز أقابلك
اتسعت ابتسامتها وقالت بلهفه :
- طبعاً يا دكتور .. ولو مش فاضية أفضالك
ابتسم قائلاً :
- تمام .. يبقى نتقابل كمان نص ساعة
اتفق معها على المكان ثم أنهى المحادثة معها .. لم يكن يغلق هاتفه حتى أتاه اتصال من "آيات" فرد قائلاً :
- حبيبة قلبي كنت لسه هكلمك
تكلمت بجدية قائله :
- "آدم" عايزة أشوفك ضرورى
قال "آدم" بقلق :
- خير فى حاجة يا "آيات" ؟
قالت بنفس النبرة الجادة :
- أيوة بس لما أشوفك
قال "آدم" :
- طيب جايلك حالا .. انتى فى الفيلا
- أيوة
- خلاص ربع ساعة وهكون عندك
اتصل بـ "ساندى" وأجله معاده معها ليوم آخر .. ثم انطلق فى طريقه الى الفيلا وهو يحاول تخمين فيما أرادته "آيات" .. دخلت السيارة وانطلق بها .. التفت اليها قائلاً :
- مالك يا حبيبتى ؟
قالت "آيات" بجديه :
- عايزة أتكلم معاك شوية .. بس وقفنا فى مكان الأول
توقف "آدم" فى مكان ما على الكورنيش .. كانت "آيات" طيلة الطريق شاردة .. خرجت من السيارة فتبعها "آدم" .. وقف أمامها قائلاً :
- فى ايه يا "آيات" ؟
بلعت "آيات" ريقها بصعوبة وهى تخشى أن يسئ فهم حديثها .. لكنها تشجعت ونظرت اليه قائله :
- "آدم" انت عارف أنا بحبك أد ايه .. مش كده
أومأ برأسها وعيناه تتفرسان فيها .. فأكملت قائله بنبره حزينه وقد ترقرقت العبرات فى عينيها :
- اللى حصل امبارح ده مكنش المفروض يحصل
أخذ "آدم" ينظر الى عينيها الدامعة وملامحها الحزينة بتمعن وبصمت .. فأكملت قائله بصوت مرتجف :
- أنا كنت عارفه ان ده غلط .. بس معرفش ليه ممنعتكش .. أصلاً ده حصل فجأة وأنا مكنتش مركزة .. ومعرفش كنت مصدومة ومعرفتش أعمل ايه
ثم قالت :
- فضلت طول الليل حسه بالذنب .. والصبح اتكلمت مع واحدة صحبتى وقالتلى .......
صمتت قليلا وقد ارتجفت شفتاها وتساقطت العبرات من عينيها وهى تقول بصوت باكى :
- قالتلى ان فى حديث ان ده حاجة زى الزنا كده .. أو بمعنى تانى ان ده طريق للزنا
قالت الكلمة الأخيرة بصوت مرتجف وما كادت تنطقها حتى ارتجف جسدها لقوة بكائها .. أخفت وجهها بكفيها وهى تحاول السيطرة على شهقات بكائها .. تجمدت نظرات "آدم" بل وتجمدت كل حواسه .. وهو ينظر اليها باكية أمامه .. شاعرة بالذنب .. من أجل قبله .. لم تشاركه فيها .. بل تلقتها فقط .. شعر وكأن شخصاً ألقى على رأسه دلواً من الماء البارد .. توقفت "آيات" عن البكاء وهى تقول :
- أنا عارفه ان انت عملت كده عشان بتحبنى .. بس أنا مش عايزة حاجة تحصل تخلى ربنا غضبان علينا ويعاقبنا يا "آدم"
رفعت رأسها تنظر اليه بأسى وقد بللت العبرات وجهها :
- أنا مش عايزة ربنا يعاقبنا بإنه يحرمنا من بعض يا "آدم"
ظل يتطلع اليها دون أن يتفوه بكلمة .. مسحت عبراتها وهى تقول :
- بس ده اللى كنت عايزه أقوله .. ومش عايزاك تزعل منى .. أنا عارفه ومقدرة ان انت بتحبنى .. والله أنا كمان بحبك .. بس أنا خايفه نعمل حاجة غلط ونتعاقب عليها
نظرت اليه قائله :
- ساكت ليه .. قول حاجة
خرج "آدم" عن صمته قائلاً :
- اركبي عشان أوصلك الفيلا
قالت بحزن :
- انت زعلت منى ؟
قال بهدوء :
- لأ .. بس عندى شغل
قالت "آيات" :
- انا آسفة انى عطلتك بس أنا مكنتش قادرة أتسنى وكنت حبه أتكلم معاك
توجهت الى السيارة وركبت .. لحق بها "آدم" وركب بجوارها .. أخرجت مرآتها لتجد الكحل قد سال على وجهها وخرب مكياجها .. تنهدت فى ضيق وأخرجت مناديلها المذيلة للمكياج وأخذت تزيله عن وجهها .. لم يلتفت لها "آدم" طوال الطريق بل ظل شارداً .. أوقف سيارته أمام الفيلا .. وما كاد يلتفت اليها مودعاً حتى شعر وكأن أحداً ضربه على رأسه .. نظر الى تلك الفتاة الجالسه بجواره بعينيها الصافيتين البريئتين وبوجهها الذى تعلوه حمره خفيفه وبشفتيها الرقيقتين .. التفتت اليه "آيات" قائله :
- "آدم" ياريت متزعلش منى .. وتكون فهمت كلامى صح
استمر فى النظر اليها فشعرت بالخجل وتضرجت وجنتاها بحمرة محببه .. أخذ يتأملها "آدم" وقد عقد لسانه .. نظرت اليه مرة أخرى مبتسمة تلك الإبتسامة العذبه .. شعر وكأنه يراها لأول مرة .. تأملته "آيات" وقد شعرت بأنه ينظر اليها كما لم ينظر من قبل .. عشقت نظراته فى تلك اللحظة .. وابتسمت بخجل قائله :
- بتبصلى كده ليه ؟
سألها بهدوء قائلاً :
- انت ليه بتغيري شكلك ؟
قالت بإستغراب :
- تقصد الميك آب يعني ؟
لم يجيب فقالت وهى تهز كتفيها :
- عادى يعني .. كل البنات بتحب الميك آب
ظل صامتاً يتطلع اليها .. فسألته قائله :
- انت مبتحبش الميك آب ؟
انتبه الى نفسه والى ما يحدث .. وقال لنفسه ما شأنك أنت ان وضعت مكياج أم لم تضع .. فبعد أقل من اسبوعين ستنتهى اللعبة وستفترقان كل الى حال سبيله .. نظر "آدم" أمامه وهو يقول :
- يلا انزلى عشان ألحق معادى
نظرت اليه تحاول أن تفهم فيما يفكر .. تحاول أن تفهم نظراته التى تعجز كثيراً عن تفسير معناها .. لكنها اتمثلت لأوامره ونزلت .. وتابعت السيارة بعينيها وهى تبتعد .. ولأول مرة .. يرفع "آدم" عينيه لينظر اليها فى مرآة السيارة وهو يبتعد
رواية جواد بلا فارس الفصل الثامن 8 - بقلم بنوته اسمرة
جلس "آدم" في أحد المطاعم وتحت يده ملف، أخذ يطرق عليه بأصابعه في توتر وهو ينظر إلى ساعته بين الحين والآخر.
أقبلت عليه "ساندي" تتهادى في خطواتها، حيته قائلة:
– هاي دكتور. اتأخرت عليك؟
قال "آدم" بابتسامة مجاملة:
– مش كتير.
قالت بمرح وهي تجلس أمامه على الطاولة:
– سوري يا دكتور. الطريق كان زحمة موت.
أومأ "آدم" برأسه وبدا أن عقله مشغول بشيء آخر. طلب لها مشروباً. تحدثا قرابة النصف ساعة في موضوعات شتى عن الجامعة والدراسة والعمل، إلى أن قال "آدم" بجدية:
– "ساندي"، كنت محتاج منك خدمة.
قالت "ساندي" بلهفة:
– طبعاً، أنت تؤمر يا دكتور.
أمسك الملف الذي كان يستند إليه ذراعه ووضعه أمامها قائلاً:
– دي دراسة جدوى لمشروع قرية سياحية في العين السخنة. الدراسة دي عملتها من كذا سنة. أرباحها خيالية ومضمونة جداً.
ابتسمت "ساندي" قائلة وهي تتفحص الملف:
– طبعاً طالما حضرتك اللي عاملها تبقى ممتازة يا دكتور "آدم".
قال "آدم" وهو ينظر إليها بتمعن:
– الدراسة دي أنا محتاج ليها ممول.
ثم قال بضيق:
– كنت المفروض إني أنا هكون أحد الممولين فيها، بس مش هينفع دلوقتي أشارك في رأس المال.
ثم قال بلهفة:
– أنا عارف إن والدك رجل أعمال ومش بس كده، عنده شركة سياحية كبيرة ومنافس قوي في السوق.
ابتسمت "ساندي" بتفاخر وهي تقول ضاحكة:
– فعلاً بابا حقق اسم كبير أوي في عالم السياحة.
قال "آدم" بجدية:
– وعشان كده أنا حابب إنه يمول المشروع ده. المشروع ده من أضخم المشاريع اللي اتعملها دراسة جدوى، وكمان المكان نفسه خيالي مش ممكن تتخيلي روعته. وكل شيء موجود في الملف ده.
قالت "ساندي" مبتسمة:
– طيب وليه حضرتك متعرضش على بابا المشروع ده بنفسك؟
قال "آدم" مبتسماً وهو يرجع ظهره للخلف:
– ما أنا هعرضه بنفسي. بس انتي متخيلة رجل أعمال زي باباكي بيتعرض عليه كام مشروع وكام دراسة جدوى؟ إيه اللي يخليه يلتفت لمشروعي وياخده بجدية؟
ضحكت "ساندي" بدلال قائلة:
– عايزني أكون واسطة يعني؟
ابتسم ابتسامته الساحرة وهو يقول بلؤم:
– بالظبط كده.
ابتسمت وهي تقول بخبث:
– أخبار نتيجة الامتحان المفاجئ إيه؟
ابتسم "آدم" ولمعت عيناه وهو يقول:
– امتحان مفاجئ إيه اللي بتتكلمي فيه؟ قولي أخبارك امتحان الفاينال إيه؟
ابتسمت "ساندي" وقد لمعت عيناها عندما أخرج "آدم" ورقة من جيبه ووضعها أمامها. نظرت "آيات" بفرحة وعدم تصديق إلى الأسئلة الموجودة في الورقة، ثم نظرت إلى "آدم" قائلة بمرح:
– يا سلام عليك يا دكتور. كده تمام أوي وشكلنا هنعمل مع بعض أحلى بيزنس.
ابتسم "آدم" وقال محذراً:
– الورقة دي ليكي انتي بس، ولو اتسربت يمين ولا شمال.. انتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه يا "ساندي".
قالت ضاحكة وهي تضع الورقة في حقيبتها:
– ليه هو أنا مجنونة ولا إيه؟ أسربها عشان ياخدوا درجات عالية؟ أنا مالي ان شاء الله الدفعة كلها تسقط، المهم إن أنا ضمنت الفول مارك.
ابتسم "آدم" قائلاً:
– استنى منك رد إمتى؟
قالت بحماس:
– بابا مسافر وراجع من السفر خلال أسبوعين إن شاء الله ويمكن أقل كمان. أول ما ييجي مش هخليه يقوم من على الملف غير لما يقراه كله. وأنا واثقة فيك يا دكتور وعارفة إن أكيد بابا هينبهر بدراسة الجدوى اللي عملتها.
اتسعت ابتسامة "آدم" وهو يقول:
– اتفقنا يا "ساندي".
***
جلست "آيات" في كافيتيريا الكلية تنقل إحدى الأجزاء التي فاتتها من المحاضرة إلى دفترها. اقتربت منها "أسماء" فرفعت "آيات" رأسها لتنظر إليها ببرود، ثم عادت تكمل كتابتها. جلست "أسماء" في المقعد المجاور لها وقالت:
– "آيات" مالك في إيه؟ انتي مخصماني ولا إيه؟
قالت "آيات" ببرود دون أن تنظر إليها:
– مفيش حاجة.
قالت "أسماء" بحده:
– لا في. مش معبراني. بتحضري المحاضرات من غيري. بتصل بيكي بتردي بالقطارة. في إيه يا "آيات"؟ من يوم المكالمة اللي كنتي مضايقة فيها وانتي بتعامليني وحش.
نظرت إليها "آيات" بحدة وقالت:
– كنت فاكرة إني صحبتك. كنت فاكرة إني بتخافي عليا بجد. بس بجد أنا اتصدمت فيكي يا "أسماء".
قالت "أسماء" بدهشة:
– ليه كل ده؟ إيه اللي حصل؟ فهميني.
قالت "آيات" بصوت خافت حتى لا تلفت نظر أحد ممن حولها:
– لما قولتلك على اللي حصل بيني وبين "آدم" أعدتي تقوليلي عادي ومفيهاش حاجة وكل المخطوبين بيعملوا كده. تعرفي إن دي حاجة النبي قال عنها إنها زنا وإنها طريق بيودي للزنا. وانتي حتى مفكرتيش تنصحيني وتقوليلي لأ يا "آيات" اللي حصل ده غلط؟ لا فضلت تقولي إني طفلة في ابتدائي وإن ده طبيعي طالما بنحب بعض.
ثم جمعت أشياءها من فوق الطاولة وحملت حقيبتها وهي تقول قبل أن تغادر:
– بجد اتصدمت فيكي يا "أسماء".
رحلت "آيات" لتترك "أسماء" متجمدة مكانها. لحظات ونهضت هي الأخرى، سارت تبحث عن "آيات" إلى أن وجدتها تخرج من باب الكلية. فتوجهت تجاهها بسرعة وجذبتها من ذراعها بشدة وجعلتها تلتفت إليها، ثم صاحت بحنق:
– وأنا كنت هعرف منين يعني إن كده غلط؟ ليه أسألت الظن فيا وقولتي إنك مش بتحبيني ومش بتخافي عليا؟ أنا معرفش إن كده غلط. ما كل الناس حوالينا بيعملوا كده ومن غير خطوبة حتى. ليه شوفتيني وحشة كده يا "آيات"؟
ثم اغرورقت عيناها بالعبرات وهي تقول بصوت باكي:
– إحنا صحاب من أربع سنين. عمرك شفتيني أذيتك ولا عملت حاجة تحسسك إني مش بحبك؟ ها ردي عليا. أصلاً أنا مليش صحاب غيرك وربنا يعلم إني بحبك أكنك أختي، وحتى مش بحاول أتعرف على بنات تانية لأن حاسة إن إنتي صحبتي بجد. وعارفة إنك بتحبيني زي ما أنا بحبك. تيجي دلوقتي تقوليلي إني مش خايفة عليكي؟ والله ما كنت أعرف. أنا افتكرت الموضوع عادي ولما لقيتك مضايقة وبتعيطي قولت أهونها عليكي شوية عشان مبحبش أشوفك مضايقة.
ثم قالت بألم:
– بس شكراً أوي يا "آيات" شكراً أوي على الكلام اللي سمعتيهولي ده. أنا صاحبة وحشة وزبالة، ابعدي عني بقى.
قالت ذلك ثم توجهت إلى بوابة الكلية وهي تحاول مداراة دموعها التي تجمعت داخل عينيها. وقفت "آيات" في مكانها تنظر إليها وهي تبتعد. ثم تنهدت بضيق شديد وجلست على أحد المقاعد بوجوم.
***
طرقت "آيات" باب مكتب "آدم" ودخلت وقد بدا على وجهها العبوس. قالت بهدوء:
– "آدم"، هعطلك عن حاجة؟
قال وهو ينهض ويقف أمامها:
– لا أبداً.
وقف ينظر إليها وإلى المكياج الذي كان يغطي وجهها. وإلى التيشيرت الضيق الذي أبرز تفاصيل جسدها. وضعت الكتب من يدها ووقفت أمامه وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بضيق:
– اتخانقت مع "أسماء".
قال "آدم" وهو يشعر بالملل من الاستماع إلى المشكلة:
– اتخانقتوا ليه؟
قالت "آيات" بحنق:
– أنا اتغبيت أوي معاها وقولتلها كلام مكنش ينفع أقوله وهي مضايقة مني دلوقتي.
قال "آدم" ببساطة:
– خلاص كلميها واعتذري لها وصالحيها.
قالت "آيات" بحزن:
– خايفة مترضاش تصالحني.
فقال "آدم" بنفاذ صبر:
– يعني عايزاني أعملك إيه يعني؟ أكلمها بدالك وأقولها معلش صالحي "آيات"؟
شعرت "آيات" بالصدمة من الأسلوب الذي خاطبها به. فرسمت ابتسامة على شفتيها بصعوبة وأخذت كتبها وقالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً:
– معاك حق، هكلمها واعتذر لها. شكراً يا "آدم" وآسفة عطلتك.
خرجت مسرعة وأغلقت الباب خلفها وهي تشعر بقطرات الدموع في عينيها. لكنها سيطرت عليها ومنعتها من الإنهمار.
***
دخلت والدة "إيمان" المطبخ لتجدها واقفة وتغلي شيئاً ما ذو رائحة قوية. فقالت لها وهي تتشمم الرائحة المنبعثة من الطنجرة:
– إيه ده؟ بتعملي إيه يا "إيمان"؟
قالت "إيمان" بوجوم دون أن تنظر إليها:
– شوربة كرنب.
قالت أمها باستغراب:
– إيه شوربة كرنب دي؟
قالت "إيمان" بهدوء:
– عشان التخسيس يا ماما.
قالت أمها وهي تتأفف من الرائحة:
– بس دي ريحتها صعبة أوي يا "إيمان". هتشربيها إزاي دي؟
قالت "إيمان" بنفاذ صبر:
– هشربها وخلاص.
قالت أمها وهي تنظر إليها:
– طيب اتغدى الأول. ده أنا عاملة صينية مكرونة بالبشاميل من اللي بتحبيها.
قالت "إيمان" بحنق وهي تضع الشوربة في طبقها:
– مكرونة بشاميل إيه يا ماما؟ بقولك هشرب كرنب عشان أخس. يعني أقرف نفسي بأم الشوربة دي عشان آكل شوية مكرونة يضيعوا كل اللي عملته.
قالت أمها وهي تغادر المطبخ:
– أنا مالي ياختي هو أنا اللي هاكل ولا انتي؟ انتي حرة اعملي اللي تعمليه.
جلست "إيمان" ممسكة بطبقها أمام التلفاز وهي تجبر نفسها على شرب هذا السائل ذو الرائحة القوية.
***
نظرت "أسماء" من العين السحرية لتجد "آيات" واقفة أمام الباب. ترددت قليلاً قبل أن تفتح لها. نظرت "آيات" إليها بحزن. فبادلتها "أسماء" بنظرة عتاب. دخلت "آيات" وأغلقت الباب قائلة بحزم:
– بصي، وقبل ما تقولي أي حاجة. حقك عليا. أنا غلطت فعلاً وقولتلك كلام صعب. اعملي فيا بقى اللي انتي عايزاه بس مش ماشية من هنا غير لما تقوليلي إنك صالحتيني.
ابتسمت "أسماء" ونظرت إليها بعتاب قائلة:
– يعني لو قولتلك مش هصالحك مش هتمشي وهتفضلي قاعدة هنا على طول؟
ابتسمت "آيات" قائلة:
– أيوة.
قالت "أسماء" بلؤم:
– طيب مش هصالحك. عشان تفضلي معايا هنا على طول.
عانقتها "آيات" قائلة:
– متزعليش مني يا "سمسم". والله بحبك أوي ومقدرش أستغنى عنك.
خالص.
في تلك اللحظة تعالت أصوات أبوي "أسماء" بالصراخ ودخلا في إحدى شجاراتهما. فصرخت "أسماء" فيهما:
– اقفلوا عليكوا الباب. في ناس هنا.
نظرت "آيات" إليها بحزن. فقالت "أسماء" بضيق:
– "آيات" امشي دلوقتي.
أومأت "آيات" برأسها وقد تعالت حدة أصواتهما. أغلقت "أسماء" باب غرفتها عليها ونامت على فراشها تضع فوق رأسها وسادة تكتم بها تلك الأصوات التي تمنت أن تخرس للأبد.
***
جلست "آيات" في حجرة المعيشة تضع اللاب توب فوق قدميها وهي تنظر إلى صورة "آدم" التي تحتفظ بها على حاسوبها. قفز قلبها فرحاً عندما وجدت اتصالاً من "آدم". ردت قائلة:
– ألو.
قال "آدم" والذي كان جالساً أمام حاسوبه:
– إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟
قالت بهدوء:
– الحمد لله. إزيك؟
انتقل بلامبالاة:
– الحمد لله. بتعملي إيه؟
ابتسمت وهي تقول:
– قاعدة بتفرج على صورتك.
ابتسم بسخرية وهو يقول:
– فرحتيني.
اتسعت ابتسامتها وهي تقول:
– لما بحس إنك وحشني ببص للصورة عشان أحس إنك معايا.
قال "آدم" بلامبالاة:
– وأنا كمان عايز صورة ليكي عشان لما تكوني مش معايا أبصلها وأحس إنك معايا.
قالت بلهفة:
– طيب استنى هبعتلك صورة دلوقتي.
قال ببرود:
– ماشي يا حبيبتي.
أخذت "آيات" تنظر إلى عشرات الصور التي تحتفظ بها في حاسوبها ثم قالت:
– محتارة. مش عارفة أبعتلك أنهي صورة.
صمت "آدم" وقد انشغل بالحديث مع "ساندي" عبر الفيس بوك. قالت "آيات" وهي تنظر إلى الصور:
– انت شكلك مبتحبش الميك آب. أبعتلك صورة من غير ميك آب؟
قال "آدم" وتركيزه مع "ساندي":
– ابعتي اللي تحبيها وأكيد هتعجبني.
ابتسمت "آيات" وهي ترسل الصورة وقالت:
– خلاص بعتها.
صمتت قليلاً ثم قالت:
– انت مشغول ولا إيه؟
قال "آدم" بسرعة:
– لا أبداً. برد على واحد صاحبي مسافر.
قالت "آيات" بحزن:
– طيب شفتها؟
قال كاذباً:
– أيوة شوفتها. زي القمر يا حبيبتي.
عقدت "آيات" ما بين حاجبيها وقد شعرت ببروده. فقلت بهدوء:
– طيب يا "آدم" أنا هقفل دلوقتي عشان تتكلم مع صاحبك براحتك.
قال "آدم" بسرعة:
– لا يا حبيبتي أنا معاكي خلاص.
قالت بهدوء:
– أنا أصلاً هنام دلوقتي. خلي بالك من نفسك ومتسهرش كتير عشان محاضرة بكرة. تصبحي على خير.
– تصبحي على خير.
قبل أن تغلق قال "آدم":
– "آيات". بحبك أوي.
ابتسمت قائلة:
– وأنا كمان بحبك أوي. باي.
أنهت "آيات" المكالمة وهي تشعر بالحزن. أحياناً تشعر بقرب "آدم" منها وبحبه الكبير لها. وأحياناً تشعر به بعيداً غريباً بارداً. اعترفت لنفسها بأنها حتى الآن لم تستطع فهمه. اعترفت لنفسها بأنها تشعر بشيء غريب في قلبها. شيء يقلقها ويشعرها بالخوف. شيء يجعلها تفتقد جزءاً من شعورها بالأمان. شيء القلق ملازماً لها. تمنت أن تستطيع فهمه. وأن تستطيع احتوائه. وأن تستطيع أن تجعله لا يقوى على فراقها. ولا يتمنى إلا قربها.
***
أنهى "آدم" محادثته مع "ساندي" وأغلق حاسوبه وخرج يبحث عن أمه. اقترب من غرفتها ليجدها ساجدة على الأرض فوق سجادة الصلاة. سمع همهمتها وصوت نحيبها. جفل قلبه لمرآها هكذا. نظر إليها بحزن لأنه يعلم جيداً بأنه سبب بكائها. وكأنه لا يطيق النظر إليها أكثر. عاد إلى غرفته مرة أخرى وآوى إلى فراشه وهو ينظر إلى سقف الغرفة. دقائق بعدها امتدت يده إلى أحد أدراج الكمودينو ليخرج منه بعض الصور. أخذ يتأمل صوره مع والدته منذ بضع سنوات. وتلك الابتسامة الساحرة التي تملأ وجهه. تأمل ابتسامة والدته الحانية وهو يشعر وكأنها تضفي عليه المزيد من الحزن والألم. نظر إلى صورة أخرى على أحد المكاتب الفاخرة وهو يبتسم بسعادة للمصور. وصورة تجمعه بـ "زياد" صديقه في أحد الأماكن والتي تبدو بأنها يعاد بناؤها أو ترميمها. أعاد الصور مكانها وتحولت نظراته من الحزن إلى القسوة. وتمتم بصوت منخفض:
– مش هسيبك غير لما أرجع حقي منك يا "سراج" التييييييييت وأربيك انت وابنك.
أغمض عينيه وبداخل رأسه صورة لـ "سراج" تجمعه بإبنه. "عاصي".
***
توقفت سيارة "آدم" أمام الفيلا. ركبت "آيات" قائلة بابتسامة:
– معلش اتأخرت عليك.
ابتسم قائلاً:
– عادتك ولا هتشتريها؟
ضحكت بعذوبة قائلة:
– بأه كده يا "آدم" ماشى.
انطلق في طريقه فقالت له:
– حبيبي في مكان عايزة أروحه الأول.
قال لها:
– فين؟
قالت "آيات":
– هوصفلك الطرق.
طلبت من "آدم" التوقف أمام أحد فروع جمعية رسالة. نظر "آدم" إلى المنطقة السكنية حوله. فقالت له "آيات":
– مش هتأخر عليك. هسلم بس حاجة وأرجع على طول.
رآها "آدم" تتوجه إلى داخل الجمعية فشعر بالدهشة. انتظرها حتى عادت وركبت بجواره. سألها باستغراب:
– كنتي بتعملي إيه هنا؟
قالت "آيات" بشيء من التردد:
– أنا مشتركة في الجمعية.
قال "آدم" وهو يفرس فيها:
– مشتركة فيها إزاي يعني؟
قالت "آيات":
– بكتب الكتب على الكمبيوتر وبجيبها لهم على سي دي وهما بيحولوها لطريقة برايل عشان الناس اللي فقدوا بصرهم يعرفوا يقرؤوها ويستفيدوا منها.
شعر "آدم" بالدهشة وهو يستمع إليها. أدار المحرك وسار في طريقه دون أن يتحدث إليها. توقف أمام أحد المطاعم ونزلا معاً. جلست "آيات" على المقعد المجاور له وانتظرا إحضار النادل لما طلبا. قالت له "آيات" وهي شارده:
– تعرف يا "آدم" ساعات بحس إننا محظوظين أوي. ربنا ادانا حاجات كتير حلوة وفي ناس كتير أوي محرومة منها.
نظر "آدم" إليها وكأنها يحاول استكشافها. أكملت دون أن تنظر إليه:
– ربنا خد مني ماما الله يرحمها. ودي حاجة صعبة أوي إني أتحرم منها ومن حضنها. بس ربنا عوضني بأب حنين أوي. بيحبني وبيخاف عليا. بس في ناس ربنا حرمها من الاثنين من الأب ومن الأم. أو بيكونوا عايشين بس مش حنينين وطيبين.
ظل ينظر إليها صامتاً. فنظرت إليه قائلة بحزن:
– واحدة صاحبتي كده. باباها ومامتها عايشين بس مش حنينين عليها. مش بيعرفوا يتفاهموا معاها ولا بيعرفوا يتفاهموا مع بعض. على طول خناق وزعيق. بتصعب عليا أوي.
وجدت "آدم" صامتاً فقالت بسرعة وهي ترسم ابتسامة على شفتيها:
– معلش صدعتك بكلامي. عارفة إنك مبتحبش تتكلم في المشاكل.
نظرت أمامها تتطلع إلى المنظر الذي يطل عليه المطعم. أما "آدم" فاستمر في تفرسه فيها. ومشاعر كثيرة متناقضة تتصارع بداخله. فكر أنه بعد أقل من أسبوعين سيكشف أوراقه. وسيخبر "آيات" بالحقيقة وبالسبب الذي دفعه لخطبتها ولكتب كتابها. رغماً عنه قفز إلى رأسه سؤال: تُرى ماذا سيكون شعورها وقتها؟ ماذا ستشعر بعدما تعلم أنها كانت جزء من خطته للنيل من عمها وابتزازه؟ ماذا ستشعر بعد أن تعلم أنه ما تقرب إليها إلا من أجل استعادة حقه المسلوب؟ زفر بضيق وهو ينظر إليها بغضب. أراد أن يصرخ فيها: لماذا أنت طيبة هكذا؟ لماذا أنت صادقة هكذا؟ لماذا لا تكونين مثل "ساندي" ومثل "بوسي" ومثل باقي الفتيات من طبقتك؟ لماذا لا تكونين مانيكان للعرض مثلهن؟ لماذا تلك البراءة التي لم تستطيعي اخفاءها جيداً خلف مكياجك وملابسك المثيرة؟ لماذا أحببتيني لهذه الدرجة؟ لماذا لا تكونين كعشرات الفتيات اللاتي ينجذبن إلى وسامتي وعملي وثرائي دون الاهتمام بما أحب وبما أكره؟ لماذا تتسللين إلى داخل عقلي لتكتشفيه؟ لماذا لا تكتفين بما أظهره لكِ؟ لماذا تريدين المزيد؟ لماذا لا تتركيني وشأني لأكمل خطتي كما خططت؟
حانت من "آيات" التفاتة إليه لترى علامات الضيق على وجهه.
فقالت بلهفة:
– "آدم" في حاجة مضايقاك؟
زفر بضيق قائلاً وهو يحاول التصرف بطريقة طبيعية:
– شوية مشا مشاكل في الشغل متشغليش بالك.
ابتسمت له ونظرت في عينيه قائلة:
– معلش يا حبيبي بس انت ان شاء الله هتقدر تحلها. معلش مفيش شغل مفيش فيه مشاكل. متضايقش نفسك.
تطلع إليها للحظة ثم أبعد عينيه عنها وهو يشعر بذلك الشيء يعود ليجثم على صدره مرة أخرى.
طلب "آدم" من "آيات" الانتظار أمام المطعم حتى يحضر سيارته التي صفها على بعد عدة شوارع بسبب زحمة السير. سمعت "آيات" ضحكات لشابين بالقرب منها فلم تلتفت إليهما. سمعت أحد الشابين يتجرأ عليها بالكلام بكلماته المبتذلة. التفتت ونظرت إليه نظرة محذرة إلا أن الفتى وجد فيها دافعاً ليزيد من مضايقتها. شعرت بالحنق وهي يميناً ويساراً وهي تقول في نفسها: انت فين يا "آدم"؟
اقترب الشاب منها فالتفتت إليه تقول بحده:
– احترم نفسك. خطيبي جاي دلوقتي ولو شافك هيبهدلك.
قال الشاب بمياعة:
– يا خسارة. هو القمر مخطوب؟ ينفع كده يعني تكسر قلبي ده. دبت فيك خلاص يا جميل.
قالت بغضب وهي تبتعد خطوة للخلف:
– قولتلك احترم نفسك.
قال الشاب مبتسماً:
– أحبك وأنتي متعصبة. هو في كده؟ حتى وأنتي متعصبة زي القمر.
توقف "آدم" بسيارته أمام "آيات" التي لاحظ علامات الخوف على وجهها واقتراب الشاب منها. بمجرد أن رأت "آيات" سيارة "آدم" توجهت إليها مسرعة وركبت ورمقت الفتى بنظرة غاضبة. فتجرأ الشاب وأرسل لها قبلة في الهواء تحت مرأى من "آدم". انطلق "آدم" بسيارته يشق طريقه بين السيارات. كانت تلهث وكأنها كانت تجري. نظر إليها ليجد جبينها المعقود ونظراتها الغاضبة. قال وهو يتظاهر بأنه لم ينتبه لما حدث:
– في حاجة؟
أخذت نفساً عميقاً وحاولت الابتسام وهي تنظر له قائلة:
– لا يا حبيبي مفيش حاجة.
ثم التفتت لتنظر من الشباك المجاور لها وقد عقدت حاجبيها مرة أخرى وتبدلت نظرة الغضب إلى نظرة حزن. لم يكن ضيقها بسبب الشاب الذي ضايقها فحسب. بل بسبب "آدم" الذي لم يهب لنجدتها أو لتلقين الفتى درساً. تنبهت "آيات" جيداً لنظرات "آدم" التي رأت ووعت ما يحدث. ومع ذلك لم يحرك ساكناً وكأنها لا تخصه. وكأنها ليست خطيبته وحبيبته وكرامتها من كرامته. وكأنها لن تصبح بعد عدة أيام زوجته وعرضه. شعرت بالحزن في قلبها. تُرى ألا يغار عليها إلى هذا الحد؟ أي رجل في مكانه كان تصرفه سيكون مختلفاً. كان سيثور ويغضب ولربما تشاجر مع الفتى من أجلها. لماذا حتى لا يطيب خاطرها بكلمة؟ لماذا يتظاهر بأنه لم يرى ما حدث؟
راقب "آدم" تعبيرات وجهها. تنهد في ضيق. شعر بالاختناق. شعر بأنه لم يعد يتحمل تلك الأيام التي تفصله عن يوم كتب الكتاب. لتنتهي لعبته.
***
عادت "آيات" إلى منزلها لتلقي بنفسها على فراشها حزينة دامعة العينين. قال لها "آدم" قبل أن تخرج من السيارة:
– بحبك يا "آيات".
ولأول مرة تسمعه تلك الكلمة دون أن يقفز قلبها فرحاً. شعرت بشيء يسلب فرحتها بها. شعرت بها وكأنه يقولها لأنه يجب أن يقولها. شعرت وكأنها كلمة ألقاها لسانه دون أن يمررها على قلبه. أخذت تتسائل: تُرى أيحبني بالفعل؟ لماذا إذن أشعر بالخوف والقلق والحيرة من نظرات عينيه ونبرات صوته؟ تُرى أندم على ارتباطه بي؟ أيراني غير مناسبة له؟ أيخشى من جرح مشاعري برفضه إياي؟ أمسكت هاتفها تنهدت بعمق ثم اتصلت بـ "آدم".
كان "آدم" واقفاً يستند على سيارته وينظر إلى أضواء القاهرة من فوق جبل المقطم عندما وجد اتصالاً من "آيات". رد قائلاً:
– أيوة يا "آيات".
قالت "آيات" بسرعة وكأنها تخشى هروب الكلمات منها:
– "آدم". أنا عايزة أقولك حاجة واسمعني للآخر ومتردش غير لما أقولك. ماشي.
صمت "آدم" فقالت بصوت مضطرب:
– "آدم". أنا عمري ما حبيت حد. ولا عمري حسيت بحاجة ناحية أي ولد غير المشاعر العبيطة اللي أي بنت بتحسها في ثانوي. بس عمري ما شورت على راجل واتمنيت إنه يكون جوزي.
صمتت قليلاً ثم قالت بأعين دامعة:
– انت أول واحد أحس نحيته بكده. أول واحد أقول هو ده الراجل اللي نفسي يكون جوزي. ونفسي أعيش معاه في بيت واحد. ونفسي يحبني زي ما بحبه. انت كبرت أوي في نظري لما دافعت عني يوم ما سواق التاكسي كان بيزعقلي. احترمتك أوي وحسيتك راجل أوي وعشان كده حسيت إني معجبة بيك. ولما شوفتك السنة دي معرفش إحساسي ده كبر. ولما اتقدمتلي كنت طايرة من الفرح وبجد حبيتك أوي يا "آدم" لأني شوفت فيك كل اللي كنت بتمناه في فارس أحلامي.
كان "آدم" يستمع إليها في وجوم. فأكملت بصوت باكي:
– بس لو انت حاسس إن مش أنا فتاة أحلامك. وإنك ندمت ومش عايز تكمل. قول لي يا "آدم". متخافش أنا هتفهم ده لأني عارفة إن مينفعش نكمل مع بعض لو واحد فينا مش متقبل التاني وخايف يقوله كده عشان ميجرحوش.
تساقطت العبرات من عينيها وقالت بصوت مرتجف:
– أنا عارفة إن ده هيكون صعب عليا بس ده أحسن عندي مليون مرة من إني اكتشفت بعدين إنك اتجوزتني عشان متجرحنيش. "آدم" في اللحظة اللي أنا بكلمك فيها دلوقتي أنا مستعدة أسمع منك كلمة مش عايزك يا "آيات". لو انت حاسسها قولها دلوقتي. لأنك لو أجلتها أنا معرفش ساعتها هقدر أتحملها ولا لأ.
أغمض "آدم" عينيه وهو محتفظاً بصمته. فأكملت بصوت مرتجف والعبرات تتساقط على وجنتيها:
– "آدم" خليك صريح معايا. لو مش عايزني وندمت قول لي دلوقتي وأنا هقول لبابا إن مفيش نصيب ده لو انت خايف تتكلم مع بابا. ولو خايف عليا متخافش. أنا فاهمة إن الخطوبة بتبقى فترة للتعارف وعشان كل واحد يقدر يشوف هو ده الإنسان اللي يتمناه ولا لأ. يعني أنا هعذرك ومش هضايق منك يا "آدم".
صمتت "آيات" وهي تحاول السيطرة نفسها ومسح عبراتها التي أغرقت وجنتيها. قاتلت "آيات" بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً:
– "آدم" أنا خلصت ومستنية ردك. حابب تكمل معايا ولا لأ؟
صمت "آدم". وظهرت الحيرة في عينيه. والأسى على وجهه. طال صمته. فحثته "آيات" قائلة والدموع تبلل عينيها من جديد:
– أنا حاسة بيها بس عايزة أسمعها منك عشان أفضل فاكرة. عشان تنسيني كل الكلام الحلو اللي سمعته منك قبل كده.
صمت فقالت بحده:
– "آدم" رد عليا. قولتك خلاص أنا فهمت. بس عايزة أسمعها. قولها وخلاص وهقفل بعدها ومش هضايقك تاني. انت عايز تكمل معايا ولا لأ؟
عض "آدم" على شفتيه بقوة. وتنهد بقوة ثم أغمض عينيه قائلاً:
– أيوة عايز أكمل معاكي.
شعرت "آيات" بالدهشة فلم تكن تلك الإجابة التي شعرت بأنها على طرف لسانه. قالت "آيات":
– بجد يا "آدم"؟ يعني مش ندمان؟
قال "آدم" بهدوء وهو يبلع ريقه بصعوبة:
– لا مش ندمان.
تنهدت "آيات" بارتياح وضحكت وسط دموعها قائلة:
– حاسة إني بحلم. مكنتش متوقعة إنك تقول لي كده.
اتسعت ابتسامتها وهي تمسح دموعها قائلة:
– الحمد لله. كنت خايفة أوي. كده ارتحت.
لكن شعور "آدم" كان أبعد ما يكون عن الراحة. ظل يستمع إلى السعادة في نبرات صوتها وكل كلمة تشعره بسواد قلبه أكثر فأكثر. قالت "آيات":
– شكلك بره مش كده؟
تمتم:
– أيوة.
قالت "آيات" مبتسمة:
– طيب يا حبيبي متتأخرش ولما تروح طمني عليك. مش هنام إلا لما تتصل.
تمتم "آدم":
– لا نامي يمكن أتأخر.
ابتسمت قائلة بحنان:
– مش هعرف أنام إلا لما أطمن إنك في البيت. خلي بالك من نفسك.
قال "آدم" بخفوت:
– مع السلامة.
قالت "آيات" قبل أن يغلق:
– بحبك أوي.
صمت "آدم" للحظات. ثم قال بصوت مضطرب:
– وأنا كمان.
ابتسمت وأنهت المحادثة وهي تتنهد في راحة.
أما "آدم" فأخذ ينظر إلى الفراغ الشاسع أمامه. وهو يسمع كلماتها تتردد في أذنيه. تشعره بالحيرة والأسى.
عاد إلى بيته واتصل بها يخبرها بوصوله. بدل ملابسه وتوجه إلى فراشه. ظل ينظر إلى سقف الغرفة. ثم فجأة قام وتوجه إلى حاسوبه وفتح رسالة "آيات" والتي أرفقت بها صورتها والتي لم يفتحها بعد. ظل ينتظر تحميل الصورة وهو لا يعرف لماذا أراد رؤيتها. ظلت أصابعه تطرق على الماوس بعصبية. إلى أن ظهرت الصورة. اختارت صورة بدون أي زينة. وابتسامتها العذبة تنير وجهها. ظل يتأمل ملامحها باهتمام. نظر إلى عينيها وتذكر آخر كلماتها: بحبك يا "آدم". شعر في تلك اللحظة بالخوف. الخوف الشديد. سيطر شعور الخوف عليه وأخذ في التزايد فأغلق حاسوبه بسرعة لتختفي صورتها من أمام عينيه.
رواية جواد بلا فارس الفصل التاسع 9 - بقلم بنوته اسمرة
جلس "آدم" فى حجرة الصالون ينتظر نزول "آيات".
دخل "عبد العزيز" من الباب مبكراً عن موعده، انتبه إلى "آدم" فدخل، سلم عليه قائلاً:
- أهلاً بيك يا دكتور.
نهض "آدم" وسلم عليه قائلاً:
- أهلاً بحضرتك.
جلس "عبد العزيز" في مواجهة "آدم" وقال:
- بخصوص مكان سكنك اللي اديتهولي يا دكتور "آدم"، انت سبت الشقة دي من فترة مش كده؟ لأنهم قالولي إنها اتباعت مرتين.
شرب "آدم" رشفة من كوب الماء الموضوع أمامه وقال بهدوء أعصاب:
- أيوه بعتها، وحالياً قاعد عند والدتي في بيتنا القديم لحد ما الشقة الجديدة تخلص، لأني بعمل فيها شوية تعديلات.
قال "عبد العزيز":
- أنا افتكرتك اديتني عنوان شقتك الحالية.
قال "آدم" مبتسماً:
- لأ، اديت لحضرتك عنوان الشقة اللي كنت عايش فيها عشان لما تحب تسأل عني تلاقي الجيران عارفينيني.
ابتسم "عبد العزيز" قائلاً:
- فعلاً الجيران كانوا عارفينك وعارفين الست والدتك كمان، وقالوا عنكم كلام طيب جداً.
ابتسم "آدم" وقد شعر بالارتياح. نزلت "آيات" والتي فوجئت بوالدها. نظر إليها "عبد العزيز" بغضب وهو ينظر إلى ملابسها ومكياجها. شعرت "آيات" بالاضطراب. فقال "عبد العزيز" بهدوء حتى لا يحرجها أمام "آدم":
- اطلعى البسي حاجة تانية يا "آيات"، الطقم ده شكله مش حلو عليكي.
شعرت "آيات" بالحرج وقالت بصوت خافت:
- حاضر يا بابا.
ثم التفتت إلى "آدم" قائلة:
- ثواني ونازلة.
صعدت "آيات" وارتدت ملابس أكثر اتساعاً، وإن كانت مازالت غير محتشمة. وأزالت المكياج في عبوس. نزلت الدرج فوقف "آدم" ينظر إليها متفرساً فيها. ثم استأذن من والدها وانصرفا.
قاد "آدم" سيارته بهدوء وتوقف في مكان ما. التفت إليها قائلاً:
- انتي باباكي مش بيخليكي تحطي ميك أب وإنتي خارجة؟
ارتبكت "آيات" وقالت دون أن تنظر إليه:
- أيوه.
قال "آدم" بغلظة:
- يعني بتحطي من وراه؟ بتستغفليه يعني؟
نظرت إليه "آيات" بحدة. فقال لها بصرامة:
- مفيش معنى تاني للي إنتي بتعمليه غير كده.
قالت "آيات" بحدة:
- هو مانعني إني أحط ميك أب لأنه مش بيحبه، بس أنا بنت وصغيرة وبحب أكون جميلة وأحط ميك أب، كل البنات بتعمل كده.
قال "آدم" بهدوء وهو ينظر إليها:
- فعلاً كل البنات بتعمل كده.
نظرت إليه فأكمل قائلاً بحزم:
- بس البنت المميزة اللي تجبر الراجل إنه يحترمها مش هتعمل كده.
احمرت وجنتاها خجلاً وأطرقت برأسها. فقال وهو يتطلع إليها:
- نفسي تشوفي نفسك دلوقتي وخدودك لونهم أحمر من الكسوف وقوليلي الشكل ده أحلى ولا الدهان اللي بترسمي بيه على وشك.
نظرت إليه "آيات" فأكمل قائلاً:
- على فكرة مفيش راجل محترم بيحترم البنت اللي بتعرض نفسها في الشارع زي ما تكون جارية في سوق الجواري.
قالت "آيات" بعتاب ممزوج بالحزن:
- أنا جارية يا "آدم"؟
قال بهدوء وهو ينظر إلى عينيها:
- لأ يا "آيات" مش جارية، بس مصره تخلي شكلك زيه.
نظرت إلى عينيه وهي تحاول فهم ما يريد وما يفكر فيه. قالت مبتسمة:
- لو إنت مش حابب الميك أب يا "آدم"، أنا مش هحطه تاني.
انتبه "آدم" فجأة لما يفعل. وسأل نفسه مرة أخرى: ما شأنك إن وضعت مكياج أم لم تضع؟ أشاح بوجهه عنها وقال ببرود:
- اعملي اللي إنتي عايزاه.
قالت "آيات" بحماس:
- لو مش عايزني أحط بجد مش هحط.
قال "آدم" كأنه يعاند نفسه ويعاند ما يريد:
- لأ، حطي، حطيه يا "آيات".
قالت بدهشة:
- بس إنت لسه قايل...
قال بحنق:
- سيبك من اللي قولته، أنا عايزك تحطي ميك أب، عايز أشوفك بيه على طول.
أنهى جملته ثم انطلق بسيارته بعصبية. ظلت "آيات" تنظر إليه باستغراب وهي لا تعي تلك التغيرات المفاجئة التي تطرأ عليه من حين لآخر.
***
فتح "علي" باب البيت وهو ينادي في مرح:
- ماما، "إيمان".
جرت أمه مسرعة من المطبخ وفتحت "إيمان" غرفتها:
- خير، فيه إيه يا "علي"؟
قال بسعادة:
- الحمد لله لقيت شغل.
عانقته أمه قائلة:
- يا منت كريم يا رب.
قالت "إيمان" بسعادة:
- مبروك يا "علي".
قال مبتسماً:
- الله يبارك فيكي يا "إيمان".
سألته بلهفة:
- اشتغلت إيه؟
قال "علي":
- هي شغلانة بسيطة في محل بيع أجهزة كمبيوتر، بس أهي بداية يا "إيمان" بدل ما أنا قاعد كده من غير شغل ولا مشغلة.
قالت أمه بحماس:
- ربنا يجعلك فيها الخير يا ابني وتبقى قدم السعد عليك وتكبر وتبقى أحسن واحد في الدنيا يا "علي" يا ابني.
قبل "علي" يديها قائلاً:
- ربنا ما يحرمني منك يا أمي ولا من رضاكي عني.
***
كالعادة شعرت بالتوتر والارتباك وهي جالسة في غرفتها تنتظر أن تناديها والدتها. فتحت والدتها الباب وقالت بحماس:
- يلا يا "إيمان"، أبوكي قال لي ناديكي، أبوكي وأخوكي "علي" قاعدين مع العريس.
برق شعرت "إيمان" بخفقات قلبها تتسارع بجنون. ظلت تدعو الله في سرها أن يبيض وجهها تلك المرة. دخلت برأس منخفض وألقت السلام بصوت خافت. ردوا السلام وجلست في المقعد المواجه لهذا العريس. استكملوا حديثهم مرة أخرى وكأنها غير موجودة.
شعرت بالحنق من هذا التجاهل وكادت أن تبكي أو تنهض لتغادر لولا أنها أجبرت نفسها على البقاء. فجأة وجدته يوجه إليها الكلام قائلاً:
- ازيك يا دكتورة "إيمان".
شعرت "إيمان" بالسعادة بالرغم من أنه سؤال عادي، لكن كونها محور اهتمام رجل هو ما أسعدها. ردت بصوت خافت:
- الحمد لله.
لم تستطع أن ترفع رأسها لتنظر إليه. ظلت غاضة بصرها تفكر، كفيها في ارتباك شديد. قال هذا العريس:
- أنا عرفت إنك في التكليف، مش كده؟
قالت بتوتر:
- أيوه.
قال العريس:
- إنتي كنتي حابة تدخلي طب أسنان ولا التنسيق اللي أجبرك عليها؟
شعرت "إيمان" بالسعادة لأسئلته المتلاحقة عنها. فقالت بشيء من الارتباك:
- بصراحة أنا كنت حابة أدخل صيدلة بس دخلت أسنان عشان مجموعي مجابش صيدلة، بس بعد ما دخلتها حبيتها أوي.
قال ضاحكاً:
- يعني طبقتي مقولة حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب.
ابتسمت وهي تقول:
- حاجة زي كده.
تجرأت ورفعت رأسها لتنظر إليه. كان شاباً أسمر البشرة لا تخلو ملامحه من الوسامة. خفق قلبها لمرآه فغضت بصرها مرة أخرى. ابتسم العريس قائلاً:
- طيب مش عايزة تسأليني عن حاجة؟
دار الحديث بينهما قرابة النصف ساعة بعدها استأذن للانصراف. دخلت "إيمان" غرفتها وتركته يتحدث مع أبوها وأخوها أمام الباب. أخذت تستعيد في رأسها الحوار الذي دار بينهما. وأخذ يتردد في أعماقها نفس السؤال الذي يتردد كل مرة: تُرى أسيوافق أم سيرفض؟
دخلت والدتها الحجرة فقالت بلهفة:
- العريس قال إيه يا ماما؟
قالت أمها مستبشرة:
- إن شاء الله خير. قال كمان كام يوم كده هيتصل يعرف ردك.
قالت "إيمان" من قلبها:
- يارب تممها على خير يا رب.
***
وقف "آدم" في منطقته المفضلة فوق المقطم ينظر أمامه شارداً عابساً. ظل يسأل نفسه: ماذا يحدث لك يا "آدم"؟ لماذا هذا التردد الذي تشعر به بداخلك؟ ألست أنت من وضع الخطة؟ لماذا التردد الآن؟ أخذ يتردد بداخله سؤال: ما ذنبها؟ ما ذنب "آيات" فيما حدث لك؟ لكنه رد على هذا السؤال قائلاً: أنا لن أؤذيها، أنا لا أريد سوى استرداد حقي فقط. "آيات" لن تخسر شيئاً وستجد يوماً رجلاً أفضل مني. ما هي إلا أسابيع قليلة أو حتى أشهر وتنسى اسمي، وتنسى أنها رأتني يوماً وستستمر في حياتها، مع رجل تحبه ويحبها. عند تلك النقطة شعر بقشعريرة في جسده. تراءت أمامه عيناه صورتها، وابتسامتها العذبة، ونظرات عينيها التي تشع حباً، واهتمامها به، ومشاعرها الصادقة النقية. تباً لذلك، لماذا يشعر بتلك النغزات في قلبه؟ لماذا لا تكف تلك المشاعر المثبطة عن التجوال بداخله؟ شعر وكأنه بداخل فرن مشتعل بالرغم من النسمات الباردة التي كانت تلفح وجهه. خلع الجاكت وفتح بعض من أزرار قميصه وهو يتنهد بعمق لعله يتخلص من ذلك الشيء الذي يصر على الجثوم فوق صدره. وبقوة.
***
فشلت "بوسي" طوال الأيام السابقة من الوصول إلى "آدم" فلم تجد بداً من الذهاب إلى الجامعة لمقابلته. لم تجده ذلك اليوم في مكتبه. قابلت إحدى الطالبات وسألتها قائلة:
- لو سمحتي متعرفيش دكتور "آدم خطاب" ألاقيه فين؟
قالت الطالبة:
- شوفيه في مكتبه.
قالت "بوسي":
- روحت مكتبه ملقتهوش موجود.
قالت طالبة أخرى:
- أنا فعلاً مشفتوش النهاردة.
قالت الطالبة الأولى:
- ممكن يكون واخد إجازة لأن دكتور "آدم" كتب كتابه آخر الأسبوع.
نظرت إليها "بوسي" وقد جحظت عيناها وقالت:
- إيه؟ كتب كتابه؟
قالت الطالبه:
- أيوه، خطب واحدة من دفعتنا، وكتب كتابهم آخر الأسبوع.
ثم ضحكت قائلة:
- هي كمان غابت النهاردة.
تمتمت "بوسي" بخفوت:
- ميرسي.
خرجت "بوسي" من الكلية وعيناها تشعان غضباً وحقداً، وقد امتلأتا بالعبرات وقالت في نفسها: ماشى يا عريس.
***
في اليوم التالي، وقفت "آيات" أمام المرآة تقيس الفساتين التي ستقوم بارتدائه في كتب كتابها. ثم التفتت إلى "أسماء" قائلة:
- "أسماء" إيه رأيك في الفستان؟
ابتسمت "أسماء" قائلة:
- تحفة يا "آيات".
قالت "آيات" وهي تنظر إلى نفسها في المرآة بسعادة:
- واحد صاحب بابا عنده مصنع ملابس سواريه هو اللي صمم إن فستان كتب كتابي يبقى هدية منه.
ضحكت "أسماء" قائلة:
- أيوه يا عم محدش قدم وتصميم محدش لبسه غيرك. ربنا يتمملك على خير يا "يويو".
قالت "آيات" بلهفة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة:
- يارب يعجب "آدم".
حاولت "آيات" كثيراً الاتصال بـ "آدم" دون جدوى. ظلت والدة "آدم" تستمع إلى رنين هاتف ابنها كل فترة، فأصابها القلق لعدم رده. دخلت غرفته لتجده فوق فراشه بملابس خروجه. اقتربت منه لتجد العرق متصبباً من وجهه وجسده. وضعت كفها فوق جبينه لتجده مشتعلاً. أصابها القلق فارتدت ملابسها وصعدت للطابق العلوي حيث جارهم الطبيب وطلبت منه النزول لفحص ابنها. أخبرها الطبيب بأنه أصيب بالبرد وكتب على بعض الأدوية. نزلت والدته مسرعة لشراء الأدوية التي وصفها الطبيب. عادت وجلست بجواره وبجانبها الكمادات تضعها على جبينه ووجهه. فتح "آدم" عينيه بصعوبة ليجدها جالسة بجواره تضع هذا الشيء البارد فوق وجهه. نظر إليها ونظر إليه. قالت بقلق:
- إنت كويس يا "آدم"؟
أومأ برأسه فوجد رأسه يتألم من مجرد تلك الإيماءة البسيطة. قالت أمه بحنان:
- طيب نام، أنا حطالك فرخة على النار أول ما تخلص هجبلك تاكل.
نظر "آدم" إليها ثم أغمض عينيه وراح في سبات عميق من فرط التعب. رن هاتفه مرة أخرى فنظرت والدته إلى الهاتف الملقى بجواره على الأرض. نظرت لتجد اسم "آيات". نظرت إلى "آدم" النائم. ثم... توجهت إلى الخارج ببطء. دفعها الفضول لتعرف من تلك الـ "آيات" التي تتصل بابنها بإلحاح. ردت قائلة بتوجس:
- أيوه.
شعرت "آيات" بالدهشة عندما استمعت لصوت امرأة. فقالت:
- ألو، مين معايا؟
قالت والدة "آدم":
- أنا ماما "آدم". إنتي مين؟
ابتسمت "آيات" قائلة بحماس:
- إزيك حضرتك يا طنط، أنا "آيات"، خطيبته.
وقع الخبر على رأس والدته كالصاعقة. فرددت:
- خطيبته!
فقالت "آيات":
- أيوه يا طنط، معلش سامحيني، أنا عرفت في الخطوبة إن حضرتك كنتي مسافرة وتعبانة. معلش كان لازم أكلمك بس أنا طلبت كتير الرقم من "آدم" وهو كان بيقولي إن الظروف مش سامحة إني أكلم حضرتك.
صمتت والدة "آدم" وقد تساقطت العبرات فوق عينيها وهي تقطب جبينها في حزن وألم. فقالت "آيات":
- طنط حضرتك معايا؟
قالت والدة "آدم":
- أيوه.
قالت "آيات" بقلق:
- هو "آدم" موجود؟ أنا بكلمه من الصبح مبيردش.
قالت أمه ببرود:
- تعبان شوية.
قالت "آيات" بجزع:
- تعبان إزاي يا طنط، ماله "آدم"؟
قالت أمه:
- عنده برد وسخن أوي، والدكتور كان لسه عنده من شوية.
قالت "آيات" وهي تشعر بالحزن والألم:
- طيب يا طنط اديني العنوان.
صمتت أمه قليلاً. ثم ألقت نظرة على ابنها وهي تتساءل في نفسها: ماذا تفعل من خلف ظهري يا "آدم"؟ بالتأكيد تلك الخطوبة ليست طبيعية وإلا لكنت أخبرتني بأمرها؟ إذا كنت تلعب فسأفسد عليك لعبتك يا بني. قالت والدته بجزم:
- خدي العنوان يا بنتي.
أسرعت "آيات" بارتداء ملابسها في عجالة وانطلقت بسيارتها إلى العنوان الذي أخذته من والدته. شعرت "آيات" بالدهشة وهي تدخل تلك المنطقة الشعبية البسيطة. أوقفت سيارتها أمام البيت بعدما تعبت وعانت في إيجاد العنوان. رأت سيارة "آدم" فعلمت أنها في المكان الصحيح. صعدت الطبقات إلى أن وصلت إلى البيت. فتحت لها والدته. فنظرت إليها "آيات" تحاول تخمين أتلك المرأة أمه أم لا. نظرت إليها أمه تحاول استكشاف تلك الخطيبة التي أخفاها ابنها عنها. ابتسمت "آيات" قائلة بخجل:
- أنا "آيات" خطيبة "آدم". حضرتك مامته؟
أومأت أمه برأسها وأفسحت لها للدخول. شعرت "آيات" بالارتباك بسبب تلك المعاملة الباردة التي تلقتها من والدته. قالت والدته وهي تقوم بواجب الضيافة:
- اتفضلي يا بنتي، تشربي إيه؟
قالت "آيات":
- شكراً يا طنط، مش عايزة أتعب حضرتك، أنا بس عايزة أطمن على "آدم".
أشارت والدته إلى غرفته وتقدمتها. دخلت "آيات" لتجد "آدم" يتوسط الفراش وقطعة قماش مبللة بالماء فوق رأسه. حبات العرق تنبت على وجهه. اغرورقت عيناها بالعبرات واقتربت منه تتحسس وجهه ثم قالت بقلق:
- ده سخن أوي.
قالت أمه بهدوء:
- شوية وهيبقى كويس، الدكتور كتبله على علاج وقال على بالليل هيكون كويس.
جلست "آيات" بجواره وهي تشعر بالحزن من أجله. تأملتها والدته جيداً. تأملت هذا الحزن على وجهها وتلك العبرات في عينيها.
نادت عليه كثيراً فلم يستيقظ. فالتفتت "آيات" لوالدته قائلة بقلق:
- أجيبله دكتور تاني؟ أو ناخده مستشفى؟
قالت والدته:
- يا بنتي ما تقلقيش، حرارته هتنزل كمان شوية.
قالت "آيات" بقلق:
- طيب.
أزالت عن جبينه قطعة القماش التي سخنت من فرط حرارته المرتفعة وغمستها في الماء البارد. فوضعتها على الكمودينو ثم عادت لوضعها على جبينه مرة أخرى. قالت والدته:
- هروح أشوف الأكل اللي على النار.
قالت "آيات" وهي تنظر إليها:
- ماشي يا طنط، ومتقلقيش أنا هعمله الكمادات.
توجهت والدته إلى المطبخ. وظلت "آيات" بجواره وهي تنظر إليه بألم. وتناديه بين الحين والآخر. تذكرت "آيات" استقبال والدته لها. وشعرت بالقلق من تلك المعاملة الباردة. خرجت "آيات" من الغرفة تنظر يميناً ويساراً لتتلمس طريقها إلى المطبخ.
سمعت صوتاً فتوجهت نحوه. التفتت والدة "آدم" لتجد "آيات" واقفة على باب المطبخ وهي تبتسم بارتباك. قالت "آيات":
- تحبي أساعدك يا طنط؟
قالت والدة "آيات" وهي تنظر إلى ملابسها:
- لا شكراً، هدومك هتتوسخ.
ابتسمت "آيات" وتوجهت إلى مريلة المطبخ القديمة المعلقة على الباب وارتدتها قائلة بمرح:
- كده مش هتتوسخ.
نظرت إليها والدته وكأنها تحاول استكشافها. اقتربت "آيات" ووقفت لا تدري ما تفعل. فقالت والدته:
- لو بتعرفي تقشري البصل قشريه.
ابتسمت "آيات" بخجل وقالت:
- بصراحة أول مرة هقشر بصل.
ثم قالت بحماس:
- بس لازم أتعلم عشان إن شاء الله لما نتجوز أنا و "آدم" أطبخله بنفسي.
عملت المرأتان معاً في المطبخ. كانت والدة "آدم" تحاول معرفة معلومات عنها وعن علاقتها بابنها. علمت بأنها إحدى طالباته، وبأن كتب كتابهما نهاية الأسبوع. شعرت بالألم يحرق قلبها. وقالت في نفسها: لماذا يا "آدم"؟ ماذا تحرمني من أن أفرح بك وبزواجك؟ اغرورت عيناها بالعبرات. فقالت "آيات" بقلق:
- إنتي كويسة يا طنط؟
قالت والدة "آدم" بهدوء:
- أيوه يا بنتي، متشغليش بالك.
سمع كلاهما صوت "آدم" ينادي والدته. فقفزت "آيات" وتوجهت إلى غرفة "آدم".
التفت "آدم" ليشعر بالصدمة من رؤيتها أمامه. قال بدهشة كبيرة وبصوت مبحوح:
- "آيات"! إنتي بتعملي إيه هنا؟
قالت "آيات" وهي تقترب منه:
- اتصلت بيك وطنط أدتني العنوان. إنت كويس يا حبيبي؟ خضتني عليك أوي.
ظل عقل "آدم" يعمل بسرعة. خشي أن تفسد خطته. نظر إليها ليتبين رد فعلها بعدما رأت مكان عيشه. لم يجد على وجهها سوى القلق من أجله. دخلت والدته الغرفة وهي تنظر إليه نظرات نارية. يعرف سببها جيداً. أخذت "آيات" من يد والدته الصينية الموضوع عليها الطعام وقالت لـ "آدم" بحنان:
- اقعد كويس عشان أحطلك الأكل.
جلس "آدم" بصعوبة. فوضعت الصينية فوق قدميه. رمقته بحنان وهي تبتسم له. خرجت والدته من الغرفة وهي ترمقه بنظرة عتاب لم يتحملها. فأشاح بوجهه عنها. جلست "آيات" بجواره وقالت بحنان:
- آكلك أنا يا "آدم"؟
هز رأسه نفياً. وما كاد يمسك بالملعقة حتى ارتعشت قليلاً في يده وبدا خائر القوى. أمسكت "آيات" الملعقة وبدأت في إطعامه كالطفل الصغير. نظر إليها "آدم" بعينين نصف مفتوحتين يتأملها وهي تطعمه. ابتسمت له تلك الابتسامة العذبة التي اعتادتها عيناه وألفتها. كان يتمنى أن يبتسم لها. لكن رغماً عنه لم يستطع. لم يستطع خداعها بتلك البسمة، التي ستعطيها المزيد من الشعور بالأمان. وبالأمل. شعر بانقباض في قلبه. قالت "آيات" بحنان:
- كنت خايفة عليك أوي.
أشاح بوجهه عنها وحاول أن يصم أذنيه عن كلماتها وعن مشاعرها التي تغمره بها. أزاح الصينية الموضوعة على قدمه وقال بعبوس:
- "آيات" روحي، أنا بقيت كويس.
قالت "آيات" باستنكار:
- "آدم" إنت ما أكلتش حاجة، وكمان أنا مش همشي غير لما أطمن عليك.
شعر "آدم" بالنوم يداعب خفونه وبالإرهاق يشل حركته. أغمض عينيه واستسلم له. رمقته "آيات" في حنان وحملت الصينية وتوجهت خارج الغرفة وأغلقتها بهدوء. نظرت إلى والدته التي تعد الطعام على السفرة قائلة بحزن:
- مأكلش كويس، ونام.
قالت أمه:
- لما يصحى هخليه يكمل أكله.
أخذت منها الصينية وقالت لها:
- يلا يا بنتي عشان ناكل سوا.
ابتسمت "آيات" وهي تقول بمرح:
- ماشي يا طنط، تسلم إيدك.
بعد عدة ساعات أفاق "آدم" على ضحكات بالخارج. قام من فوره وهو يتذكر "آيات" وهي تطعمه. أخذ يسأل نفسه أكان هذا حلماً أم واقعاً. خرج ليجد "آيات" جالسة مع والدته أمام التلفاز. نهضت "آيات" قائلة بسعادة:
- "آدم" الحمد لله.
أدار "آدم" نظراته بينهما وظل صامتاً. ثم فجأة نظر إلى الساعة التي تجاوزت العاشرة بقليل وقال لـ "آيات":
- إنتي بتعملي إيه هنا لحد دلوقتي؟
قالت "آيات" بحنان:
- محبتش أمشي قبل ما أطمن عليك.
قال "آدم" وهو يشعر ببعض آثار التعب:
- "آيات" الوقت اتأخر، يلا عشان تروحي.
ابتسمت له قائلاً:
- حاضر، بس لو سمحت ارجع أوضتك تاني وما تقومش من السرير غير عشان تصلي وبس.
رمقته أمه بنظرات ساخرة. فأبعد عينيه عن عينيها بسرعة وقال بنفاذ صبر:
- يلا يا "آيات".
دفعته "آيات" حتى عاد إلى فراشه مرة أخرى ودثرته بغطائه ثم قالت بحنان:
- بكرة إن شاء الله هاجي أزورك.
قال بحده:
- لأ، هبقى أتصل بيكي في التليفون.
شعرت بالحزن. وبالضيق. لماذا لا يريدها أن تزوره في بيته مرة أخرى؟ سلمت على والدته ثم حملت حقيبتها وخرجت. نظرت والدته إليه وهي تقول:
- أنا مش فاهمة إنت بتعمل إيه بالظبط. مش هقولك إلا ربنا يهديك يا ابني، ربنا يهديك ويهديلك نفسك ويبعد عنك شيطانك.
حاولت "آيات" كثيراً تشغيل محرك سيارتها دون جدوى. زفرت بضيق وسعدت مرة أخرى. فتحت والدة "آدم" فقالت لها "آيات" في حرج:
- معلش يا طنط، متعرفيش ميكانيكي قريب من هنا؟ العربية مش عايزة تدور.
قالت والدة "آدم":
- لا يا بنتي والله معرف.
قالت "آيات" مبتسمة:
- خلاص مفيش مشكلة، أنا هاخد تاكسي وهسيبها هنا وهبقى أبعت حد ياخدها. آسفة يا طنط على الإزعاج.
أغلقت والدة "آدم" الباب. فخرج "آدم" من غرفته وهي يسير بصعوبة قائلاً:
- فيه إيه يا ماما؟
قالت له:
- خطيبتك عربيتها عطـلت وكانت بتسأل على ميكانيكي. قولتلها معرفش.
صمت "آدم" قليلاً ثم قال فجأة:
- ماما لو سمحتي نادى "آيات" بسرعة.
فتحت والدته الباب ونادتها قبل أن تخرج من البوابة:
- "آيات".
نظرت "آيات" إلى الأعلى وهتفت:
- أيوه يا طنط.
قالت والدته:
- تعالي يا بنتي.
صعدت "آيات" مرة أخرى. فقال لها:
- "آدم" عايزك.
ما كادت "آيات" تتوجه إلى غرفته حتى خرج لها ووقف أمامها. صمت للحظات ثم مد يده إليها بمفتاح سيارته قائلاً:
- خدي عربيتي يا "آيات".
نظرت "آيات" إلى المفتاح ثم إليه وقالت مبتسمة:
- خلاص يا "آدم"، أنا هاخد تاكسي مفيش مشكلة.
نظر إليها بحزم قائلاً:
- مينفعش تركبي تاكسي لوحدك بالليل كده.
خفق قلب "آيات" وهي تنظر إليه. شعرت بالسعادة تغمر قلبها وهي تستشعر لأول مرة قلقه عليها. قالت وهي لا تستطيع إبعاد عينها عن عينيه:
- خايف عليا؟
خفق قلبه. لأول مرة منذ زمن يشعر بأن داخل صدره قلب ينبض. لكنه تمالك نفسه وقال بهدوء:
- يلا عشان متتأخريش.
ابتسمت له وأخذت المفتاح وخرجت. توجه إلى شباك غرفته وفتحه وتابعها بعينيه حتى ركبت السيارة وانطلقت بها. عاد إلى فراشه يحاول النوم. لكن النوم جفاه. لم يستطع أن يغمض عينيه إلا بعدما اتصلت به "آيات" لتخبره بأنها وصلت إلى بيتها بسلام.
رواية جواد بلا فارس الفصل العاشر 10 - بقلم بنوته اسمرة
الحلقة ( 10 )
استقبل "آدم" صديقه "زياد" فى المطار قائلاً :
- حمدالله على السلامة يا "زيزو"
عانقه "زياد" قائلاً :
- الله يسلمك يا "آدم" .. خير جايبنى على ملا وشى ليه .. تعالى بسرعة وعايزك الموضوع ميحتملش تأجيل خير فهمنى بأه
قال "آدم" وهو يضع ذراعه على كتفيه ويسير معه :
- تعالى بس وأنا هحكيلك
توقفت سيارة "آدم" فى مكانه المفضل فوق جبل المقطم .. نزل و "زياد" ووقفاً متجاورين .. قال "زياد" مبتسماً :
- انت لسه بتحب تيجي هنا ؟
قال "آدم" وهو ينظر الى الفراغ أمامه :
- أيوة .. هنا بحس انى حر .. والأبواب كلها مفتوحة أدامى
نظر اليه "زياد" بإهتمام قائلاً :
- قولى بأه انت محتاجنى فى ايه ؟ .. وايه ده الموضوع اللى ميحتملش تأجيل
نظر اليه "آدم" قائلاً :
- أنا كتب كتابى بعد 5 أيام يا "زياد"
هتف "زياد" فى سعادة :
- ألف ألف مليون مبروك يا "آدم" .. اخص عليك ومخبى عليا مكنش العشم
نظر "آدم" أمامه فى وجوم .. اختفت ابتسامة "زياد" وسأله قائلاً :
- فى ايه يا "آدم" .. اوعى تقول أمك اللى غصبتك وجو أفلام الأبيض واسود ده
تنهد "آدم" قائلاً :
- لا محدش غصبنى
أشار اليه "زياد" قائلاً :
- بأه دى خلقة واحد هيتجوز بعد 5 أيام
قال "آدم" بجدية وهو يلتفت اليه :
- اسمعنى يا "زياد" .. اللى هكتب كتابى عليها دى تبقى بنت أخو "سراج حسان اليمانى"
نظر اليه "زياد" بدهشة كبيرة وقال :
- ازاى يعني بنت أخوه .. واشمعنى بنت أخوه .. وبعدين هو "سراج" ازاى سكتلك
صمت "آدم" فهتف "زياد" :
- "آدم" رد عليا وفهمنى ايه اللى بيحصل بالظبط
قال "آدم" ببرود وقسوة :
- "سراج" ميعرفش لانه مقاطع أبو خطيبتى .. وده اللى نفعنى لان "سراج" لو كان عرف كانت خطتى فشلت من أولها
نظر اليه "زياد" بشك قائلاً :
- خطت ايه اللى فشلت ؟ .. انت ناوى على ايه "آدم"
قال "آدم" بقسوة :
- ناوى أرجع حقى اللى اتسرق منى يا "زياد"
قال "زياد":
- وهترجعه ازاى ؟
قال "آدم" ونظرات عينيه البارده تزيد من بروده الليل :
- هكتب كتابى عليها .. وهساومهم على الطلاق
نظر اليه "زياد" مصدوماً دون أن يتفوه بكلمه .. فأكمل "آدم" :
- ساعتها أبوها هيضطر يساعدنى ويضغط على أخوه يرجعلى حقى عشان يخلص بنته
خرج "زياد" من صمته قائلاً :
- يا سلام وافرض بأه "سراج" مرضاش يرجعلك حقك .. انت عارفه كلب وميهموش الا نفسه
قال "آدم" بحده :
- ساعتها أبوها هو اللى هيضطر يدفعلى حقى
قال "زياد" بحده :
- و ابوها ذنبه ايه يا "آدم" ؟
صاح "أدم" بضيق :
- هما مش عيلة فى بعض واللى سرقنى يبقى أخوه وابن أخوه .. خلاص يتصرفوا مع بعض المهم حقى يرجع
قال "زياد" بأسى :
- "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" يا "آدم"
ثم قال بتحدى :
- طيب افرض بأه مرضيوش ورفعوا عليك قضية خلع ولا قضية نصب هتعمل ايه ساعتها
صمت "آدم" قليلاً ثم التفت اليه قائلاً بهدوء :
- لا هيخافوا
قال "زياد" بدهشة :
- وايه اللى هيخليهم يخافوا ان شاء الله
قال "آدم" بجمود :
- لانى ههددهم ساعتها انى هقول انها كانت بتجيلي البيت وأسوأ سمعتها فى الكلية وأقول انى كنت على علاقة بيها من زمان
شعر"زياد" بالصدمة وهو يستمع الى كلمات "آدم" التى تخلو من أى خلق فقال :
- حرام عليك .. حرام عليك يا "آدم" وهى ذنبها ايه ؟
قال "آدم" بعصبيه :
- أنا مش هأذيها يا "زياد" .. أنا ههددهم بس لكن مش هقول عنها حاجة .. وبعدين أنا لو كنت عايز أأذيها كنت كشفت نفسي بعد الدخلة مش بعد كتب الكتاب .. أنا بس عايز أمسك عليهم حاجة عشان أقدر أساوم بيها وأرجع حقى
هتف "زياد" بغضب :
- غلط يا "آدم" اللى انت بتعمله ده غلط .. ذنبها ايه هى وأبوها فى مشاكلك انت و "سراج" و "عاصى " ؟
صاح "آدم" بغضب هادر وهو يشيح بيديه :
- و أنا ذنبي ايه فى اللى حصل ده كله ؟ ..نصبوا عليا هما الاتنين وسرقونى وكل ده عشان فسخت خطوبتى ببنتهم .. اترميت فى السجن شهرين مع الحرامية والنصابين والبلطجية كل ده عشان طالبت بحقى .. بعتولى بلطجية لحد بيتي ضربونى وكسروه فوق دماغى وكسروا عربيتي كل ده عشان اتجرأت ورفعت عليهم قضية وبرده خسرتها .. قولى أعمل ايه أرجع حقى ازاى .. مشيت صح خدت فوق دماغى .. معدش قدامى غير طريق واحد وهو انى آخد حقى بدراعى
ثم قال بقسوة شديدة :
- ومش بس آخد حقى .. أنا مش هسيبهم الا لما أنسفهم من أدامى نسف .. هحاربهم فى شغلهم لحد ما أخسرهم كل حاجة
نظر "زياد" الى صديقه بأسى وقال :
- أنا مقدر كل اللى انت بتقوله وعارف أد ايه انت اتظلمت يا "آدم" .. لكن مهما حصل مينفعش تظلم واحدة بريئة ملهاش ذنب فى أى حاجة .. انت بتقول انك مش هتأذيها .. كون انك تكتب عليها وتطلقها ده مش هيبقى أذيه ليها ؟
قال "آدم" بعصبيه :
- لا مش أذيه .. أصلا كتب الكتاب زى الخطوبة شوف كام بنت خطوبتها بتتفسخ .. دى حاجه عاديه بتحصل لأى بنت
قال "زياد" وقد يأس من محاولة اقناعه :
- وجايبنى هنا ليه ؟
نظر اليه "آدم" قائلاً :
- محتاجك معايا .. عايزك تكون شاهد على العقد .. لان طبعا مفيش حد من قرايبي هيكون موجود ولا حتى والدتى مفيش الا زمايلى فى الجامعة .. فهقدمك ليهم على انك قريبي .. مش عايز أثير شكوكهم لحد ما كتب الكتاب يتم
قال "زياد" بأسى :
- أنا آسف يا "آدم" مستحيل أشارك فى حاجة زى كده
صاح "آدم" بغضب :
- هو انا بقولك اشهد على ورقة جواز عرفى .. ده جواز يا ابنى على ايد مأذون
قال "زياد" بحزم :
- جواز لعبة يا "آدم" .. لعبة بتلعبها عشان تضر بيها غيرك وأنا مستحيل أشارك فى كده
قال "آدم" بحنق :
- قولتلك محدش هينضر
وضع "زياد" كفه على كتف "آدم" قائلاً :
- أتمنى يا "آدم" انك تصحى وتفوق لنفسك قبل فوات الأوان
**********************************
جلست "بوسى" على الأريكة تفكر فى ألف طريقة وطريقة للإنتقام من "آدم" الذى خانها وباعها .. كانت تشعر بالغضب والحقد والكره .. ودت لو توجهت اليه فى الجامعة وفضحته وسط طلابه .. وأخبرتهم بحقيقة هذا الرجل الذى يجمعه بها علاقة محرمة .. والذى يسحب منها الأموال ليصرفها على ملذاته .. والذى لا يصلح لأن يكون دكتورة فى جامعة محترمة ومسؤلاً عن طالبات فى سن المراهقة .. أخذت تقطم أضافر يدها بعصبيه وهى تحاول أن تصل الى خطة محكمة للإنتقام .. فهى تعرف "آدم" جيداً وتعرف طرقه الملتوية للهروب من أى مشكلة .. فجأة سمعت صوت المفتاح فى الباب فهبت واقفة .. دخل "آدم" وألقى عليها نظرة وأغلق الباب خلفه .. اقترب منها مبتسماً .. ودت لو قفزت وأمسكت فى عنقه وحطمته بين يديها لكنها تمالكت نفسها حتى تحين اللحظة المناسبة .. قال "آدم" بصوته الرخيم وهو يقبل وجنتيها :
- ازيك يا حبيبتى
عقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تنظر اليه بحده .. أخرج يده من خلف ظهره محملة بباقة ورد كبيرة وابتسم لها قائلاً :
- دى عشانك
نظرت "بوسى" الى الباقة ثم اليه دون أن تلمسها فقال "آدم" :
- مضايقه منى عشان بقالى فترة بعيد عنك مش كده ؟
عانقها قائلاً :
- حبيبتى معلش حقك عليا بس مكنتش فى المود الأيام اللى فاتت وكنت محتاج أبقى لوحدى شويه
قالت له "بوسى" :
- ودلوقتى انت فى المود
أبعدها عنه ونظر اليها مبتسماً وقال :
- أيوة يا حبيبتى وجيت أصالحك وأقولك أنا آسف يا "بوسى" .. وكمان أخرجك ونسهر سهرة حلوة .. ايه رأيك ؟
أخذت منه الباقه وهى تقول بلؤم :
- ماشى يا حبيبى ثوانى أجهز نفسى
دخلت "بوسى" وبدلت ملابسها وقد شعرت بالدهشة من تغيره المفاجئ خاصة بعدما علمت بأمر كتب كتابه .. كانت واثقه من أنه يريد منها شيئاً ما والا لما عاملها بتلك الطريقة الحانية .. خرجا معاً الى احدى المطاعم الراقية وحرص "آدم" على تدليلها كثيراً حتى كادت أن تتناسى أمر خطبته .. نظرت الى يديه لتجدهما خاليتان من أى دبلة .. ففكرت تُرى أكذبت عليها الفتاتان بالجامعة ؟ .. ثم قالت لنفسها ولما تكذبان .. ما مصلحتهما فى ذلك .. انتهت السهرة التى كانت كالحلم بالنسبة لها .. فمضى زمن لم ترى "آدم" يدللها على هذا النحو .. عادا الى البيت بدلت ملابسها فعانقها "آدم" قائلاً :
- وحشتيني أوى يا "بوسى"
ابتسمت قائله وقد تناست كل غضبها :
- وانت كمان يا حبيبى
رفع رأسها ونظر اليها يداعب خصلات شعرها وهو يقول :
- "بوسى" عايز منك خدمه
ابتسمت وهى تلقى برأسها فوق صدره قائله :
- أأمر يا حبيبى
اتسعت عيناها دهشة وتجمدت مكانها عندما سمعته يقول :
- عايز 30 ألف تانيين غير اللى خدتهم .. وهردهملك فى أقرب وقت
ابتعدت عنه "بوسى" ونظرت اليه بحده قائله بإحتقار :
- هو ده بأه اللى مخليك تعاملنى طول الليل زى البرنسيسة .. أنا برده قولت هو "آدم" عيان ولا ايه عشان يعاملنى بالحنية دى
زفر "آدم" بضيق وقال :
- ايه لزمة الكلام ده دلوقتى
صاحت بغضب :
- عشان مبتعرفنيش الا لو كنت عايز حاجة يا "آدم" .. مبسمعش كلمة حلوة منك الا لو كنت عايز منى حاجة .. ارحمنى بأه .. انت ايه مبتحسش
حمل "آدم" الجاكت فى عصبيه وهتف فى غضب :
- أنا خارج
أسرعت خلفه وصاحت بغضب :
- فى ستين داهية
خرج وأغلق الباب خلفه بقوة .. اتجه الى سيارته وانطلق بها بعصبيه بالغة
*****************************************
وقفت "ايمان" ترتدى اسدالها وتنشر الغسيل فى شرفة بيتهم .. عندما تعالت فجأة أصوات الزغاريد .. نظرت "إيمان" حولها لتتبين مصدر تلك الزغاريد .. قفز قلبها من مكانه عندما أدركت ان تلك الأصوات منبعثة من داخل بيتها .. تركت ما بيدها ودخلت لتستقبلها أمها قالت بلهفه :
- فى ايه يا ماما ؟
أطلقت "أمها" زغروده أخرى ثم قالت :
- العريس وافق يا "إيمان" وجاى هو وأمه وأبوه يوم الخميس عشان يخطبوكى
تحولت ملامح "إيمان" من الصدمة الى عدم التصديق الى السعادة وهى تصيح بفرح :
- بجد يا ماما .. متأكده ؟ .. اوعى تكونى بتهزرى
أطلقت أمها زغروده أخرى وقالت :
- مبروك يا "إيمان" مبروك يا حبيبتى
قفزت "إيمان" فى الهواء وهى لا تصدق سعادتها .. سمعتا طرقات على الباب فتحت لتجد احدى جاراتها تقول :
- خير يا أم "على" سمعنا زغاريت طالعه من عندكوا
قالت أمها بسعادة :
- عقبال عندك يا أم "محمد" .. "إيمان" بنتى هتتخطب
أطلقت المرأة زغروده ثم قالت :
- يا ألف نهار أبيض والله وكبرتى يا "إيمان" .. عقبال على يا أم "على"
قالت أمها ضاحكة :
- تعيشي .. وعقبال متفرحى بولادك انتى كمان .. ادخلى ادخلى لازم أعملك شربات حلاوة الخبر الحلو ده
دخلت "إيمان" غرفتها وهى لا تصدق نفسها .. لا تصدق أن السعادة طرقت بابها أخيراً .. سجدت الى الله شاكرة له .. وقلبها يقفز من الفرح .. فتحت دولاب ملابسها للتتخير منذ الآن .. ماذا سترتدى لملاقاة عريسها وأهله
**************************************
تلقت "سمر" مكالمة من "إيمان" قالت لها فيها :
- "سمر" مش هتصدقى .. العريس وافق عليا يا "سمر"
قالت "سمر" بسعادة ممزوجة بدهشة :
- انهى يا "إيمان" .. اللى كان رفض؟
قالت "إيمان" بفرح :
- لا مش ده ده واحد غيره
قالت "سمر" بعتاب وهى تضحك :
- اخص عليكي مجبتليش سيرته يا نادله
قالت "إيمان" :
- معلش يا "سمر" والله كنت خايفه يرفض ويبقى شكلى زبالة كالعادة
ضحكت "سمر" قائله :
- والله فرحتيني يا "إيمان" ربنا يتمملك على خير يا حبيبتى
قالت "إيمان" بلهفه :
- بقولك ايه تعالى عدى عليا النهاردة .. هو وأهله جايين يوم الخميس وعايزاكى تختارى معايا الهدوم الى هلبسها
قالت "سمر" :
- ماشى يا حبيبتى هخلص شغل وأعدى عليكي ان شاء الله
قالت "إيمان" بسعادة :
- متحرمش منك يا "سمر" وعقبالك انتى كمان
اختفت ابتسامة "سمر" لكنها عادت لترسمها على وجهها مرة أخرى وقالت :
- المهم نفرح بيكي الأول يا عروسه .. يلا اقفلى عشان ألحق أخلص الكشوفات اللى بره دى
قالت "إيمان" ضاحكة :
- كروتيهم يا "سمر" ده أنا قلبت العيانين النهاردة عشان أروح بدرى
ضحكت "سمر" قائله :
- ما انتى فاشلة هقول ايه .. يلا يا بت سبينى أشوف شغلى خليني أجيلك بدرى
قالت "إيمان" بلهفه :
- ماشى هستناكى يلا سلام
أنهت "سمر" عملها وتوجهت الى بيت "إيمان" التفتت لتدخل البوابة فوجدت شاباً جالساً يسد مكان الدخول فغضت بصرها وقالت :
- لو سمحت ممكن أعدى
نظر اليها الشاب وابتسم فى مرح قائلاً :
- تدفعى كام وأنا أعديكي
زفرت "سمر" بضيق وقالت :
- لو سمحت عديني
قال الشاب ضاحكاً :
- طيب قوميني عشان مش قادر أقوم
ما كاد "على" يخرج من المسجد المواجه لبيته حتى وجد "سمر" واقفة لا تستطيع الدخول من البوابة تطرق برأسها وعلى وجهها علامات الضيق .. والشاب الجالس يرمقها بنظراته ويبتسم فى وجهها .. شعر "على" بدماؤه تغلى فى عروقه واقترب من الشاب صائحاً :
- لم نفسك يله
اختفت ابتسامة الشاب والتفت هو و "سمر" ينظران الى على الذى جذب الشاب من ملابسه وهو يصيح بغضب :
- لو عايز تتربى قولى وأنا أربيك
صاح الشاب :
- ايه فى ايه يا "على" .. انا معملتهاش حاجة
ثم التفت الشاب الى "سمر" قائلاً بحنق :
- عدى يا ستى
دخلت "سمر" من البوابة بسرعة فقال "على" للشاب وهو يرمقه بنظرات غاضبة :
- لو شوفتك بتضايقها تانى مش هسيبك فاهم
قال الشاب بحنق :
- خلاص يا سي "على" .. خلصنا بأه
دخل "على" البيت فوجد غرفة "إيمان" مغلقة فعلم أن "سمر" معها فى الداخل .. طرق الباب ثم وقف بعيداً .. فتحت "إيمان" الباب فأشار لها "على" بالخروج .. خرجت "إيمان" وهى تنظر اليه بدهشة قائله :
- فى ايه يا "على" ؟
قال "على" وهو يلقى نظرة على باب غرفتها الذى أغلقته خلفها :
- قولى لصحبتك لو حد ضايقها تانى تقولك و أنا هعرف شغلى معاه
قالت "إيمان" بدهشة :
- مش فاهمة مين يضايق "سمر"
قال "على" :
- قوليلها بس اللى قولتهولك ده
قالت بإستغراب :
- ماشى هقولها
دخلت "إيمان" وقالت لـ "سمر" التى كانت تتفحص ملابس "إيمان" المعلقة فى دولابها :
- "على" قالى أقولك لو حد ضايقك تانى قوليلى وهو هيتصرف معاه
التفتت "سمر" تنظر الى "إيمان" بإرتباك .. وأومأت برأسها ثم عادت تتفحص الملابس .. قالت "إيمان" بخبث وهى تجلس فوق فراشها :
- هى ايه الحكاية بالظبط ؟
قالت "سمر" بصوت هادئ :
- مفيش .. فى شاب ضايقنى تحت ومكنش راضى يعديني وأخوكى هزأه .. بس كده
قالت "إيمان" بلؤم وهى تبتسم :
- آه قولتيلي .. أصل أخويا "على" بيغير جدا
احمر وجه "سمر" وقالت لتغير الموضوع :
- الطقم ده مناسب
قالت "إيمان" مبتسمه بخبث :
- أنا كمان شايفه كدة .. شايفاه مناسب
نظرت "سمر" الى "إيمان" بحده فإنفجرت "إيمان" ضاحكة وهى تقول :
- يا بنتى اعترفى بأه ده أنا صحبتك
قالت "سمر" بحده :
- أعترف بإيه .. انتى اتهبلتى فى عقلك يا "إيمان"
قالت "إيمان" بدلع :
- طيب خليكوا انتوا الاتنين كده .. بكرة تترجونى عشان أكون حمامة السلام بينكوا
قالت "سمر" بحنق :
- لا انتى شكلك اتهبلتى فعلاً .. العريس طير عقلك من أعده واحدة .. ربنا يستر من اللى هيحصل بعد كده
أطلقت "إيمان" ضحكة عالية و"سمر" ترمقها بنظرات غيظ
**************************************
نزلت "آيات" الدرج مبتسمه وهى متوجهة الى غرفة الصالون لملاقاة "آدم" لكنها توقفت فجأة عندما سمعته يقول :
- طيب على الأقل نأجلها لبعد كتب الكتاب
شعرت بالدهشة فأطرقت السمع .. سمعت والدها يقول بحزم :
- ازاى يعني يا دكتور .. خطوبة وكتب كتاب من غير شبكة .. لو مش مستعد حاليا خلاص نأجل كتب الكتاب شوية
قال "آدم" بسرعة :
- لا أنا مش حابب التأجيل
قال "عبد العزيز :
- وأنا مينفعش أوافق ان بنتى تتكتب كتابها من غير شبكة محترمة تليق بيها وبمقامها .. ولا انت مستخسر فى بنتى يا دكتور
قال "آدم" على الفور :
- لا طبعاً مش ممكن أستخسر فيها حاجة
صمت قليلاً ثم قال :
- خلاص على معادنا ان شاء الله .. وبعد بكرة ننزل نشترى الشبكة
قال "عبد العزيز" بإرتياح :
- على خيرة الله
توجهت "آيات" الى الغرفة وابتسمت فى وجههما .. خرجت "آيات" بصحبة "آدم" الذى بدا واجماً شارداً .. ابتسمت له قائله :
- فى حاجة يا حبيبى
قال "آدم" بوجوم :
- لا متشغليش بالك
ثم التفت اليها قائلاً :
- بعد بكرة ان شاء الله هننزل نشترى الشبكة وكتب الكتاب فى معاده
ابتسمت له وظلت عينيها معلقة به .. ثم ما لبثت أن شعرت بالأسى وهى تراقب جبينه المقطب ونظرات عينيه الحائرة .. توقف "أدم" عند احدى اشارات المرور فقالت له هامسه وهى مازالت تنظر اليه :
- بحبك أوى
التفت "آدم" ينظر اليها .. خفق قلبه .. مرة أخرى .. وهو يرى الصدق فى عينيها .. حاول أن ينطق بها فلم يستطع .. لم يستطع قولها وهو ينظر الى عينيها .. فنظر أمامه ثم قال :
- وأنا كمان بحبك أوى
ابتسمت "آيات" .. ثم ما لبثت شردت هى الأخرى وقطبت جبينها تفكر بعمق الى أن ظهرت علامات الارتياح على وجهها .. لما هداها اليه عقلها
**********************************
وقف "آدم" مع "زياد" فى شرفة بيت هذا الثاني وهو يقول بحنق :
- أعمل ايه أبوها طالب شبكة بمبلغ مش عارف أدبره ورافض يأجلها .. لو الشبكة مجتش مش هنعرف نكتب الكتاب
قال "زياد" بحزم وهو ينظر ال صديقه :
- طلعنى أنا خالص من اللعبة دى قولتلك مش هساعدك يا "آدم" .. مش عايز أشيل ذنب البنت الغلبانه دى هى وأبوها
قال "آدم" بحنق :
- هرجعهملك فى أقرب وقت يا "زياد" .. أنا خلاص هاخد حقى
قال "زياد" بجدية :
- لو خدتهم بالطريقة دى فلوسك هتبقى حرام يا "آدم"
قال "آدم" بغيظ :
- خلاص يا "زياد" فضها سيرة أنا هتصرف
قال "زياد" بتهكم :
- مخدتهمش ليه من البنك بتاعك
نظر اليه "آدم" بغيظ فأكمل "زياد" :
- ست "بوسى" هانم اللى مش لاقيه حد يربيها .. تعرف انت متستهلش الا واحدة زيها فعلاً
نظر اليه "آدم" بحده فأكمل قائلاً :
- مترد مخدتهمش منها ليه
قال "آدم" بإقتضاب :
- مريضيتش
قال "زياد" ساخراً :
- البنك فلس ولا بتتقل عليك ؟ .. شكلك عملت حاجة ضايقتها فقطعت عنك المصروف
صاح "آدم" بغضب :
- انت في ايه نازل تريقه من الصبح .. أنا غلطان انى جتلك أصلاً
توجه "آدم" الى الباب وقبل أن يخرج لحق به "زياد" قائلاً :
- "آدم" افتكر كويس المقولة اللى بتقول : "من يأبى اليوم قبول النصيحه التي لاتكلفه شيئاً فسوف يضطر في الغد الي شراء الأسف بأغلى سعر "
توقف "آدم" للحظات وقد أولاه ظهره .. ثم تركه وخرج من البيت .. نظر اليه "زياد" من الشرفة وهو يركب سيارته .. فتنهد قائلاً :
- ربنا يهديك يا "آدم" .. وترجع "آدم" بتاع زمان
جلس "آدم" فى بيته ساهراً يفكر بضيق .. كيف يستطيع تدبير المبلغ لشراء الشبكة .. يفصله عن تحقيق خطته بضعة آلاف .. هل سيتهدم كل شئ فى لحظة .. شعر بالغضب وزفر بضيق وهو لا يدرى ماذا يصنع ..
وجد فجأة "آدم" اتصالا من "بوسى" .. تجاهلها تماماً .. لكنه وجد بعد دقائق رسالة تقول فيها :
- تعالالى دلوقتى جبتلك المبلغ اللى طلبته .. منتظراك
ابتسم "آدم" بسعادة وقفز من فراشه توجه الى بيتها على الفور .. فتح الباب فاستقبلته "بوسى" بكامل زينتها وابتسمت فى وجهه وهى تقول :
- حبيبى مهنش عليا زعلك
اقترب "آدم" منها وعانقها قائلاً :
- تسلمى يا حبيبتى
رفعت "بوسى" رأسها وابتسمت له .. ثم توجهت الى المنضدة وحملت المال الموضوع فوقها واتجهت به الى "آدم" الذى لمعت عيناه بمجرد أن رآى المال فى يدها .. أخذه منها وقبلها قائلاً :
- متقلقيش يا "بوسى" هرجعهملك فى أقرب وقت
ابتسمت قائله بدلال :
- "آدم" متسبنيش النهاردة .. أنا أصلا مسافره ومش هشوفك الا بعد فترة طويلة
سألها قائلاً دون اهتمام حقيقي :
- مسافرة فين ؟
قالت :
- مسافرة لأخويا فى أمريكا .. هعد عنده فترة يعني تغيير جو
ابتسم لها قائلاً :
- هتوحشيني يا "بوسى"
اقتربت منه هامسه :
- انت أكتر
جذبته من يده فترك المال على الطاولة وتوجه معها الى غرفة النوم ..
فى الصباح استيقظ "آدم" وألقى نظرة عليها ثم نهض وارتدى ملابسه وأخذ المال وغادر البيت .. سمعت "بوسى" صوت الباب وهو يغلق .. فنهضت تنظر للفراغ بجوارها فى سخرية .. ثم توجهت الى المقعد الذى غيرت مكانه الليلة الماضية ووضعت فوق ظهره جزء من ستارة الشرفة .. رفعت الستارة لتظهر الكاميرا الموضوعه فوق ظهر المقعد .. أعادت الفيديو من البداية لتظهر وهى تعدل من وضع الكامير .. حركت الصورة سريعاً ليظهر بعد ذلك "آدم" وهو يدخل الغرفة معها و ...... ابتسمت بعدما تأكدت من تسجيل كل شئ .. أخرجت كارت الذاكره من الكاميرا ووضعته فى كفها وأطبقت عليه بقوة وكأنها تطبق على كنز ثمين وابتسامة الإنتصار على شفتيها
*************************************
فى اليوم التالى وقف "آدم" فى مكانه المعتاد ينظر الى الفراغ وهو يشعر بشئ بداخله يحاول أن يثور ويفصح عن نفسه .. شعر وكأنه يحارب وحشاً لا يستطيع رؤيته .. فى تلك اللحظة اتصلت "آيات" بـ "آدم" وقالت له :
- "آدم" انت فين ؟
قال "آدم" بوجوم :
- أنا فى المقطم
سألته بحنان :
- بتعمل ايه ؟
قال "آدم" :
- مش بعمل حاجة .. واقف فى المكان اللى بحب أروحه
قالت على الفور :
- طيب استنانى أنا جايه .. باى
قال بدهشة :
- "آيات" استنى
لكنها أغلقت الخط .. أراد الاتصال بها وعزمها عن عدم المجئ .. لكن شئ ما بداخله أرادها أن تأتى .. أراد أن يراها .. أن يسمع صوتها .. أن يرى الصدق والنقاء فى عينيها .. وعذوبة ابتسامتها فوق شفتيها .. أتت .. تحمل تلك الإبتسامه التى شعر بأنها تزيح الجبال من فوق صدره .. أتت حاملة نظرات الحب فى عينيها .. والصدق والبراءة فى ملامح وجهها الصافى .. أتت حاملة فى يديها علبة أخذ ينظر اليها بإستغراب .. اقتربت منه ووقفت أمامه مبتسمه دون أن تتكلم .. نظر الى العلبة فى يدها ثم اليها وقال :
- جيتي ليه ؟
قالت دون أن تبعد عيناها عنه :
- انت فاكرنى مش هحس بيك وباللى مضايقك
اضطرب "آدم" وخفق قلبه بقوة .. نظر اليها يحاول فهم ما تعنيه فأكملت قائله بحنان :
- أنا سمعت كلامك مع بابا امبارح عن الشبكة
أشاح بوجهه عنها لكنه عاد ينظر اليها عندما قالت بحنان وهى ترمقه بنظرات حب :
- أنا كل حاجة معتمده فيها على بابا .. يعني أى حاجة عايزة أجيبها بخليه يجيبهالى أو بطلب منه فلوس على أدها .. وعمرى للأسف ما حوشت ولا فكرت أحوش .. وأى فلوس كانت بتبقى معايا كنت بصرفها لانى عارفه انى لما هطلب من بابا هيدنى ومكنتش عارفه انى ممكن أحتاج فلوس ومقدرش أطلبها من بابا
تحولت نظرات "آدم" اليها الى نظرات دهشة ممزوجة بالقلق .. ضاقت عيناه يحاول فهم لما تخبره بكل ذلك .. نظرت "آيات" الى العلبة فى يدها ثم نظرت اليه .. نقل "آدم" نظره من العلبة اليها ونظرات عينيه بدت كعلامة استفهام كبيرة .. قالت "آيات" بحنان ورقة وعذوبه وهى تفتح العلبة :
- ده دهبي يا "آدم" بيعه واشترى الشبكة اللى بابا طلبها منك
شعر "آدم" بغصة فى حلقة .. شعر وكأنه يختنق ولا يستطيع التنفس .. أكملت برقه :
- أنا عارفه ان صعب عليك تقبلهم منى .. بس أنا وانت واحد .. وخلاص بعد يومين هبقى مراتك والدهب ده هيبقى بعد كده فى بيتنا يعني ملكنا احنا الاتنين .. لو الظروف ضاقت بيك فى يوم هتلاقيني بديهملك يا "آدم" .. فمفيش فرق خدتهم دلوقتى أو خدتهم بعدين
شعر بقلبه يريد أن يقفز من صدره ويذهب اليها ليعانقها ويحتويها فى حنان .. ظل ينظر اليها وهو يحتويها بنظراته .. شعر بالألم فى قلبه وهو يراها تقدم له كل ما تملك فى سبيل أن تملكه هو .. تذكر خطته وانتقامه .. تذكر كيف سيكسر فرحتها ويحطم قلبها بعد يومين .. تذكر أن تلك العينان اللاتان تتطلعان اليه الآن بحب ستنهمر منهما العبرات بسببه .. تذكر أن تلك الإبتسامه التى تزين وجهها ستموت فوق شفتيها بسببه .. تحاول أن تكون مصدر سعادته وهو لا يتوانى عن فعل شئ ليكون مصدر شقائها .. نظر الى القطع الذهبية المتراصة فى العلبة التى تمسكها بيدها .. ثم نظر اليها فشعر بأنها أغلى قيمة من تلك القطع .. ود لو ضمها اليه وبثها حبه وحنانه .. لكن مازال فى داخله سواد يسيطر عليه .. مازال شيطانه أقوى من مقاومته الضعيفه الهشه .. توجهت "آيات" الى سيارته ووضعت العلبة فوق المقعد .. ثم قالت له قبل أن تغادر بإبتسامه عذبه :
- مستنياك بكرة أنا وبابا عشان نخرج نشترى الشبكة
قالت ذلك ثم توجهت الى سيارتها وانطلقت بها .. ظل "آدم" واقفاً فى مكانه وقد ازداد وجوماً وشروداً
************************************
ظل "آدم" طيلة اليوم حبيس غرفته .. ينظر الى القطع الذهبيه ويتلمسها بأصابعه .. تتقاذفه الأفكار يميناً ويساراً .. يسير فى الغرفة كالنمر الجريح .. لا يعرف وجهته .. لا يعرف دواءه .. فقط يشعر بالألم وبالقهر .. حاولت "آيات" كثيراُ الإتصال به .. لكنه لم يجيب .. كيف يجيب .. بماذا سيجيب .. أيبثها المزيد من كلماته الخادعة .. ووعوده الزائفة .. وأحلاماً ستتحول الى كابوس مزعج ستجد نفسها فى منتصفه .. وجد رساله منها تقول فيها :
- لو فاضى شوية افتح الفيس
جلس "آدم" أمام حاسوبه وكأن يدا خفيه تحركه .. وجدها لكنها لم تتحدث اليه .. ولم يتحدث اليها .. لا يدرى ماذا يقول لها .. ظل ينظر الى صورتها التى أرسلتها له من قبل .. تباً .. لماذا يشعر بهذا الحنين .. لماذا يخفق قلبه برقه .. لماذا لم تعد خفقاته قاسية قوية .. أرسلت له رسالة فقرأها بلهفه ليعرف ما فيها :
- أحبك بجنون ولغيرك لن اكون
أحبك ملء عيونى لأن عيونك ملكونى
أتمناك بجانبى ولكنى أخاف منك معذبى
أحب قربك وأبغض بعدك
أعيش لك وأهيم بك
ليتنى أتنفس عبيرك
وأنعم بحنانك
ولكنى أخاف فقدانك *
تملكه شعور لم يألفه من قبل .. ورقه لم يعهدها بداخله .. وحناناً جارفاً يستشعره بكل كيانه .. نظر الى تلك العلامة التى تظهر وتختفى فى انتظار حروفه .. فى انتظار كلماته .. لم يشعر إلا بأصابعه وهى تكتب على لوحة المفاتيح :
- متخفيش مش هسيبك أبداً
ظل ينظر الى تلك الجملة التى أرسلها .. وسأل نفسه لماذا أرسلها .. ألتكتمل خطتك .. ألتشعرها بالأمان حتى تُكلل خطتك بالنصر .. وجد نفسه يقول .. لا بل أرسلتها .. لأننى حقاً أشعر بها .. نعم .. لن أتركها أبداً
***********************************
هتف "زياد" قائلاً :
- انت بتتكلم جد ؟
قال "آدم" وجالس معه فى منزله :
- أيوة .. ادتنى دهبها وقالتلى اشترى الشبكة اللى بابا طلبها منك
نظر اليه "زياد" بحده قائلاً بحنق :
- والله انت ما تستاهل ضفرها .. هو فى كده .. البنت شكلها بتحبك فعلاً يا "آدم" .. حرام عليك دى لو عرفت الحقيقة ممكن يجرالها حاجة
صمت "آدم" قليلاً ثم قال :
- أنا هعمل تعديل فى الخطة
صاح "زياد" بحنق :
- المفروض تلغى الخطة من الأساس مش تعمل فيها تعديل
وقف "آدم" فى مواجهة "زياد" قائلاً بغضب :
- مش هيب حقى يا "زياد" واللى الكلاب دول عملوه فيا هردهلهم الطاق طاقين
قال "زياد" بحنق :
- والبنت اللى ملهاش أى ذنب دى ؟
قال "آدم" بجدية :
- اسمعنى كويس .. منكرش انى بدأت أتأثر بيها وبدأت مشاعرى تتحرك نحيتها .. وفى نفس الوقت مش ناوى أتراجع عن خطتى
قال "زياد" بإستغراب :
- مش فاهم .. هتحلها ازاى دى
قال "آدم" بحزم :
- هنكتب الكتاب عادى فى معاده .. وبعد كتب الكتاب هفهمها على كل حاجة .. بس مش هتعرف باباها وهوهم باباها انى ببتزه عشان يساعدنى آخد فلوسى من أخوه .. وبعد ما فلوسى ترجعلى هعرفه انى مكنتش ناوى أسيب "آيات" وانى متفق معاها على كده
صاح "زياد" متهكماً :
- ايه الخطة الفاشلة دى .. وانت متوقع انها هتخبي على أبوها .. وتسيبه مقهور أدامها وهو فاكر ان بنته مستقبلها بيضيع .. انت فاكرها صنم زيك
صاح "آدم" بنفاذ صبر :
- خلاص هخبي عليهم هما الاتنين وأنفذ خطتى عادى ولما آخد الفلوس هعرفهم انى مش هطلقها وانى عايزها
ضحك "زياد" ساخراً ثم قال :
- وأبوها يسامحك وهى تسامحك وينسوا انك ابتزيتهم .. وتعيشوا فى تبات ونبات وتخلفوا صبيان وبنات مش كده ؟ ده على فرض أصلا ان عمها هيدفعلك الفلوس .. أنا واثق مليون المية ان عمره ما هيدفع حاجة .. اللى هيدفع الفلوس دى هو أبوها عشان يخلص بنته من ايدك
صمت "آدم" فأكمل "زياد" :
- "آدم" انت عايز كل حاجة فى ايدك .. ومحدش بياخد من الدنيا دى كل حاجة .. اختار .. يا فلوسك يا "آيات" .. مش هينفع تاخد الاتنين
ظل "آدم" محتفظاً بصمته لفترة .. ثم قال بحزم وهو ينظر الى "زياد" :
- لا هاخد الاتنين .. فلوسى و "آيات" .. أنا هعرف ازاى أخليها تسامحنى
قال "زياد" :
- و أبوها ؟ .. أبوها مش ممكن يسامحك
قال "آدم" بعناد :
- مش مهم أبوها يسامحنى .. أبوها ميفرقش معايا فى حاجه .. المهم هى .. وأنا هعرف ازاى أخليها تسامحنى
************************************
توجهت "آيات" مع والدها و "آدم" لشراء الشبكة .. نظر "آدم" اليها وهو يتأمل تعبيرات وجهها الفرحة وهى تختار شبكتها وتبتسم فى سعادة .. وجد الابتسامة ترتسم على شفتيه رغماً عنه .. أخذ ينظر اليها برقه وهى تضحك مع والدها بمرح .. اختفت الإبتسامه من وجهه وهو يفكر فى اليوم العصيب الذى ينتظره فى الغد .. كان من المقرر أن يفصح عن كل شئ فى يوم كتب الكتاب .. لكنه نظر الى تلك السعادة على محياها وهو يشعر بالأسف على ما سيحدث .. وما هو مضطر لأن يفعله .. قرر أن يؤجل الأمر اسبوعاً .. حتى لا يكسر فرحتها بتلك السرعة .. سيحاول خلال الإسبوع أن يتقرب اليها حتى لا تقوى على العيس بدونه .. حتى اذا ما أتت لحظة طلب الصفح يجد قلبها مهيأ له .. يعلم أنها طيبة القلب .. ستنسى الإساءة .. وتصفح عنه .. "آيات" تحبه .. لن تتركه .. لن تقوى على فراقه .. سيعمل على تحقيق ذلك قبل الافصاح عن كل شئ .. ظل يردد تلك الكلمات حتى يقنع قلبه وعقله .. وحتى يريح ضميره .. نعم .. لن يطول الأمر كلها عدة أيام فقط أسترد خلالها حقى المسلوب .. ثم بعدها أطلب منها الصفح وأطلب منها أن تشاركنى حياتى للأبد .. بالتأكيد ستصفح عنى .. نعم ستفعل .. حبها لى أكبر من بضع أيام تعيشها فى العذاب .. بضع أيام فقط .. وسينتهى هذا الكابوس .. وسأنسج لها حلماً وردياً أعيش معها فيه للأبد
التفت والدها يقبل رأسها وهو يقول :
- ألف مبروك يا بنتى
قالت مبتسمة:
- الله يبارك فيك يا بابا
نظرت الى "آدم" فهمس قائلاً وابتسامته الجذابه على محياه :
- مبروك
همست بسعادة :
- مبروك علينا احنا الاتنين
امتدت يده ليمسك كفها الذى استقر فى راحته بإستكانه .. تطلع كل منهما الى الآخر فى سعادة
************************************
تأنق "آدم" أما مرآة غرفته وخرج متوجه الى باب البيت عندما خرجت أمه من غرفتها .. وقفت تنظر اليه بأعين دامعة .. تجمد "آدم" فى مكانه وهو يرى العبرات فى عينيها .. تكلمت بصوت باكى وقالت :
- مبروك يا ابنى
أخفض "آدم" رأه أرضاً وهو لا يقوى على مواجهة نظراتها .. تساقطت عبراتها وقالت بقلب مكلوم :
- كان نفسى أكون جمبك وأفرح لفرحك بس اظاهر انك مستعر من أمك يا "آدم"
أغمض عينيه وهو يشعر بكلماتها تمزقه وتؤلمه .. أكملت بصوتها الباكى :
- عروستك طيبة وبنت حلال ربنا يباركلكوا فى بعض
توجه "آدم" مسرعاً الى الباب ليخرج .. بل ليهرب .. تابعته أمه بعينيها وما كاد يخرج حتى جلست على أحد المقاعد لتنفجر فى بكاء مرير
وقفت "آيات" أمام المرآة تنظر الى نفسها بسعادة .. شعرت بالعبرات فى عينيها فقالت "أسماء" :
- بقولك ايه متبوظيش الميك اب مش عايزه دموع
التفتت اليها "آيات" وقالت بتأثر :
- حسه انى فرحانه أوى يا "أسماء" مش مصدقه
ثم نظرت الى المرآة مرة أخرى وهى تقول بحماس:
- خلاص بعد دقايق أنا و "آدم" هنتجوز .. وهنفضل مع بعض طول العمر
قالت "أسماء" مبتسمه :
- ربنا يتمملك على خير يا "آيات"
سمعتا طرقات على الباب .. اقتربت "حليمة" وهى تقول بأعين دامعه :
- بسم الله ما شاء الله .. زى القمر يا "آيات"
قالت "آيات" بحماس ممزج بالسعادة :
- بجد يا دادة يعني هعجب "آدم" ؟
قالت "حليمة" بحماس :
- ده انتى تعجبى الباشا
عانقتها والعبرات تتساقط على وجنتها وهى تقول :
- الحمد لله ان ربنا مد فى عمرى وشوفت اليوم ده
قالت "آيات" وهى تنظر اليها :
- دادة بتعيطي ليه دلوقتى هتخليني أعيط
قالت "أسماء" :
- لا أبوس ايدك يا "آيات" الميك اب هيبوظ
اقتربت احدى الخادمات من باب الغرفة وهى تقول مبتسمه :
- المأذون اتصل وقال انه على وصول يا آنسة "آيات"
شعرت "آيات" بقلبها يقفز فرحاً فنظرت الى نفسها فى المرآة للمرة الأخيرة وهى تقول فى نفسها بسعادة آخر مرة هبصلك وأنا الآنسة "آيات"
صفق الجميع لمرآى "آيات" وهى تبدو تبتسم لهم فى سعادة .. خفق قلب بسعادة "آدم" وهو ينظر اليها أمسك يدها قائلاً :
- زى القمر
قالت بسعادة :
- بجد
قال بحزم :
- أيوة بس اعملى حسابك مفيش ميك أب تانى بعد كده أنا سايبك النهاردة بس عشان عروسة وعايزه تفرحى .. بس بعد كده لو شوفتك بميك اب وانتى خارجة هيبقى فيها كلام تانى .. الميك اب ده يبقى ليا أنا وبس وكمان يكون حاجة بسيطة مش بالشكل اللى يغير ملامحك
استمعت اليه "آيات" بسعادة فأكمل قائلاً :
- ولبسك كمان محتاج فرمته من أول وجديد
ضحكت قائله :
- كل اللى انت عايزه هعمله
بتسم لها قائلاً :
- يعني مش معترضه على حاجة من اللى قولتها ؟
نظرت اليه بحب قائله :
- تؤ
ابتسمت عيناه وقال :
- يعني هتسمعى كلامى على طول ؟
قالت هامسه :
- أيوة هسمع كلامك على طول
اتسعت ابتسامته وأحكم قبضته على كفها وهو يقول هامساً :
- اتفقنا يا مدام "آيات"
نظرت اليه "آيات" وهى تشعر بأنها ملكت من الدنيا .. كل شئ
توقفت سيارة أمام الفيلا .. وما كاد باب السيارة أن ينفتح حتى نزلت "بوسى" وتوجهت الى الأمن الواقف على الفيلا .. ألقت نظرة على الفيلا ثم قالت له :
- مش دى فيلا "عبد العزيز حسان اليمانى" ؟
قال رجل الأمن :
- أيوة يا فندم
نظرت "آيات" الى الزينة المعلقة بقلب مكلوم وبأعين تشع حقداً ثم قالت :
- ممكن أقابل بنته "آيات" ؟
قال الرجل :
-طيب لحظة واحدة
اتصل الرجل بالفيلا لترد عليه "حليمة" وأخبرها بأمر تلك المرأة التى تريد مقابلة "آيات"
توجهت "حليمة" الى بوابة الفيلا وهى تنظر للمرأة بأعين متفحصة .. قالت "حليمة" :
- اتفضلى يا هانم أقولها مين
قالت "بوسى" بتوتر :
- هى متعرفنيش بس عايزة أقابلها ضرورى
قالت "حليمة" :
- طيب اتفضلى
قالت "بوسى" :
- لا .. ياريت تخليها تطلعلى هنا .. أرجوكى أنا محتاجة أتكلم معاها ضرورى جداً
ثم سألت بقلق :
- كتب الكتاب اتكتب ولا لسه ؟
قالت "حليمة" وهى تشعر بالإستغراب من تلك المرأة :
- لسه
قالت "بوسى" بلهفة :
- طيب لو سمحتى نديلها بسرعة
توجهت "حليمة" الى الداخل واقتربت من "آيات" التى كانت محاطة بضيوفها وهمست لها قائله :
- "آيات" يا بنتى فى واحدة برده مصره تقابلك وبتقول حاجة مهمة أوى
قالت "آيات" بلا مبالاة :
- طيب خليها تدخل يا دادة
قالت "حليمة" :
- مش راضية تدخل وعايزاكى تطلعيلها
قالت "آيات" :
- خلاص قوليلها مش دلوقتى أنا مش فاضية خلاص المأذون جه وهيكتبوا الكتاب دلوقتى
قالت "حليمة" وهى تشعر بالقلق :
- بس يا بنتى أنا حسه انى قلبي متوغوش وحسه انها عايزه تقولك حاجه مهمة .. اطلعى شوفيها عايزه ايه بسرعه وارجعى تانى
خرجت "آيات" ووقفت أمام باب الفيلا وهى تقول :
- هى فين يا دادة ؟
قالت "حليمة" وهى تشير الى بوابة الفيلا :
- أهى واقفة أدام البوابة
توجهت "آيات" اليها بخطوات مسرعة ثم توقفت أمامها وهى تقول بعجاله :
- أيوة حضرتك عايزانى .. ياريت بسرعة عشان أنا مشغوله
قالت "بوسى" وهى تنظر اليها من رأسها الى أخمص قدميها .. ثم قالت بتهكم :
- لا معلش افضيلي شوية
شعرت "آيات" بالدهشة من الطريقة التى تتحدث بها وقالت :
- أفندم .. حضرتك تعرفيني
قالت "بوسى" بحزم :
- لا معرفكيش ومش عايزه أعرفك أصلا أنا جايه أقولك حاجة وأمشى
قالت "آيات" بحده ولم يعجبها طريقة تحدث تلك المرأة :
- أفندم .. اتفضلى
صمتت "بوسى" قليلاً ثم فجرت قنبلتها :
- أنا و "آدم" .. خطيبك .. على علاقة ببعض من أكتر من سنة .. ولحد دلوقتى لسه مع بعض
صمتت "آيات" للحظات ثم ابتسمت بسخرية وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تقول بثقة شديدة :
- لو ده اللى جايه تقوليهولى يبأه تعبتى نفسك على الفاضى أنا بثق فى خطيبى جد