تحميل رواية «جواد بلا فارس» PDF
بقلم بنوته اسمرة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسللت أشعة الشمس الذهبية لتلقي بنورها على أحد الأبراج السكنية في أحد أحياء القاهرة الراقية. تململ "آدم" في الفراش وفتح عينيه بتكاسل. حانت منه التفاتة إلى المرأة النائمة بجواره. أزاح الغطاء ونظر إلى ساعة هاتفه، ثم نهض وخرج من الغرفة وتوجه إلى الحمام. أخذ دشاً ثم وقف أمام مرآة الحمام يزيل بيده بخار الماء الذي ترسب عليها. نظر إلى وجهه الوسيم، وعينيه الزرقاوين الواسعتين التي تدير عقول الفتيات، وبشرة وجهه الخمري وشعره الأسود الحريري الذي انسابت بعض خصلاته المتبللة على جبينه، فأعطته مظهراً جذاباً. إذا...
رواية جواد بلا فارس الفصل الحادي عشر 11 - بقلم بنوته اسمرة
دارت عيناها بسرعة وهى تفكر فيما يحدث داخل الفيلا الآن.
التفتت بحدة تنظر الى الفيلا خلفها ووجهها غارقاً بعبراته.
ارتجفت شفتاها بشدة وهى تهمهم:
- لا .. لا.
جثا الحارس على ركبته بجوارها وهو يتفحصها بقلق ويقول:
- بتقولى ايه يا آنسة "آيات"؟
لم تجيبه "آيات" ولم تلتفت اليه حتى.
شهقت بقوة ونهضت ترفع طرف فستانها تجرى بأقصى سرعتها فى اتجاه الفيلا وقلبها يخفق فى وجل.
كانت طعنات كعب حذائها على الأرض تشق سكون الليل ويطغى على أصوات الموسيقى المنبعثة من داخل الفيلا.
هرولت لتسبق الريح .. بل لتسبق الزمن.
تساقطت عبراتها الساخنة لتحرق وجهها وكاد قلبها أن يتوقف خوفاً وهلعاً وهى تدعو الله أن تصل قبل أن تُكتب وثيقة اعدامها.
شقت "آيات" طريقها بين الحضور.
كانت الوجوه مبتسمه مبتهجة.
بحثت بعينيها عن والدها.
أقبلت "أسماء" نحوها قائله بقلق:
- "آيات" كنتى فين؟
لم تجيبها "آيات" بل لم تسمعها.
جرت فى اتجاه حجرة الصالون حيث رأت المأذون جالساً وعلى يمينه "آدم" وعلى يساره والدها.
سمعت أحد أصدقاء والدها من خلفها يقول:
- يلا يا عروسة مستنيينك عشان نكتب الكتاب.
وقفت تنقل نظرها بين ثلاثتهم والحكل يختلط بالدموع على وجهها.
ارتج قلب "آدم" هلعاً عندما رآها على هذا النحو.
هب والدها واقفاً وقال فى هلع:
- "آيات" مالك؟
التفتت تنظر الى والدها وقد بدأت فى النحيب مرة أخرى.
نظر والدها الى جسدها المرتعش فأحطاها بذراعيه قائلاً بحده من فرط خوفه:
- "آيات" .. مالك يا بنتى؟
حاولت التحدث لكن الكلمات خانتها.
فقط كانت تبكى وترتجف.
عانقها والدها وهو يقرأ آيات من القرآن الكريم على مسامعها وقلبه يخفق فى هلع.
اقترب "آدم" منها وقد هاله مرآها على هذا النحو.
وضع يده على كفتها وهو يقول بقلق بالغ:
- "آيات" ايه اللى حصل؟
رفعت "آيات" رأسها الموضوع على صدر والدها وانتفضت بعدما رأت يد "آدم" الموضوعة عليها وابعدت نفسها عن يده وانزوات تدفن نفسها فى حضن والدها أكثر وهى تأن ألماُ.
نظرت الى والدها بعينيها الدامعتين وكأنها ترجوه أن يحميها من "آدم".
نظر اليها "آدم" بدهشة وهو لا يدرى ما بها ولما تبتعد عنه.
تجمهر بعض الضيوف فى حجرة الصالون ونظرت الدهشة والفضول تملأ أعينهم.
فأراد "عبد العزيز" أن يبتعد بها عن عيونهم المتطفلة فقال:
- مفيش حاجة يا جماعة .. لحظات وهرجعلكم.
جذبها والدها وتوجه بها الى مكتبه.
لحق بهما "آدم" وأغلق الباب خلفه.
اقترب منها "آدم" قائلاً وهو يكاد يجن من رؤيتها بهذه الحالة:
- "آيات" قوليلى فى ايه .. ايه اللى حصل؟
كانت ماتزال تئن بصوت يمزق القلب.
وضعت يديها على أذنيها حتى لا تسمعه.
أغمضت عينيها حتى لا تراه.
تمنت أن يختفى من أمامها.
عانقها والدها وعبراته تتساقط من عينيه قائلاً:
- يا بنتى .. يا بنتى ريحينى وقوليليى مالك.
أنزلت يديها وتشبثت بملابس والدها بعدما كادت أن تسقط أرضاً.
أجلسها والدها على الأريكة وجلس بجوارها.
ذهب "آدم" مسرعاً لاحضار كوب من الماء.
قبل أن يعود التفتت "آيات" الى والدها.
خرج صوتها كصوت الألم.
فلو كان للألم صوتاً مميزاً لكان هو صوتها فى تلك اللحظة:
- مش عايزاه يا بابان.
نظر اليها والدها بلهفة ودهشة يحاول استيعاب ما يحدث لابنته.
مسح على رأسها قائلاً:
- مين يا حبيبتى .. "آدم" يا "آيات" .. مش عايزة "آدم"؟
قالت "آيات" وسط بكائها:
- أيوة يا بابا .. ده واحد مقرف.
كانت مازالت ترتجف.
جلس "عبد العزيز" بجوارها وقال بلهفه:
- احكيلي يا "آيات" ايه اللى حصل .. عملك ايه؟
فى تلك اللحظة حضر "آدم" ومعه كوب الماء.
أشاحت "آيات" بوجهها عنه بحده وأغمضت عينيها بقوة.
نظر اليها "آدم" بدهشة وحيرة وخوف و ألم.
نقل والدها بصره بينهما ثم التفت الى "آيات" قائلاً بحزم:
- قولى يا "آيات" متخفيش .. عملك ايه؟ .. "آدم" عملك ايه؟
نظر "آدم" الى والدها بدهشة ثم نظر الى "آيات" التى قالت بصوت مرتجف متألم وهى تخشى أن تفتح عينيها حتى لا تراه:
- واحدة جتيلى وورتنى فيديو ليهم مع بعض .. وقالتلى انه كان خاطب "شيرين" بنت عمو "سراج".
تجمد "آدم" فى مكانه وهو يستمع اليها.
فيديو .. أى فيديو .. ظل عقله يعمل بسرعة جنونية.
أمعقول أنها "بوسى"؟
نظر "عبد العزيز" الى "آدم" بدهشة ممزوجة بالغضب قائلاً:
- انت كنت خاطب "شيرين" بنت أخويا؟
قبل أن يتحدث تحدثت "آيات" قائله بصوت باكى:
- قالتلى ان عمو "سراج" و "عاصى" نصبوا عليه فى فلوس وانه خطبنى عشان يستغلنى .. هى قالتلى كده.
كانت "آيات" مازالت مغمضة العينين بقوة.
وترتعش كورقة فى مهب الريح.
أحاطها والدها بذراعيه ونظر الى "آدم" قائلاُ بغضب هادر:
- الكلام ده مظبوط؟ .. انطق.
لم يجيبه "آدم" بل نظر الى "آيات" قائلاً:
- فيديو ايه اللى وريتهولك؟
صرخت "آيات" بألم وقد انخرطت فى بكاء حار وتضاعفت ارتعاشة جسدها وهى تتذكر ما رأت.
كاد "عبد العزيز" أن يصاب بالجنون.
هتف فى "آدم" بغضب:
- "آدم" الكلام ده مظبوط .. اتكلم.
صمت "آدم" وقد أغمض عينيه بقوة وهو يشعر بأن كل خططه باءت بالفشل.
فتح عينيه قائلاً بصوت خافت:
- أيوة مظبوط.
قال "عبد العزيز" بغضب ممزوج بالحيرة:
- يعني ايه .. انت كنت خاطب "شيرين" بنت أخويا .. وأخويا نصب عليك.
كاد "عبد العزيز" ينتهى من جملته حتى هتف "آدم" ليدافع عن نفسه قائلاً بحده وغضب:
- أيوة كنت خاطبها كنت خاطب بنت أخوك .. وكنت شريك مع أخوك فى مشروع سياحى .. ولما لقيتها اتغيرت 180 درجة واتصاحبت على شلة فاسدة وبقت المشاكل تكتر بينا وبعد ما نصحتها مرة واتنين وتلاته بدون أى استجابه فسخت خطوبتى معاها .. لكن أخوك المحترم وابن أخوك مضونى على عقود مزورة ونصبوا عليا وسرقوا فلوسى وسرقوا دراسة الجدوى اللى كنت عاملها للمشروع.
ثم قال بقسوة وغضب مكبوت:
- ومش بس كده بقيت كل ما أطالب بحقى يبعتولى بلطجية يأدبونى عشان اسكت ولما رفضت اسكت لفقولى قضية واترميت فى السجن شهرين.
كان يلهث بشدة لكنه أكمل قائلاً:
- ومش بس كدة .. مش بس طلعت خسران من المشروع لا طلعت مديون كمان ولحد دلوقتى وأنا مديون ولولا ان صاحب الدين وافق انهم يتقسطوا كل شهر كان زمانى مرمى فى السجن دلوقتى.
نظر اليه "عبد العزيز" بغضب واحتقار وصاح:
- وأنا وبنتى ذنبنا ايه فى شغلك ومشاكلك انت وأخويا وابنه وبنته؟ .. بتقرب مننا احنا ليه .. كنت عايز مننا ايه؟
قال "آدم" ببرود:
- كنت عايز حقى.
قال "عبد العزيز" بغضب:
- حقك تاخده من اللى ظلمك .. من اللى سرقك .. مش من ناس ملهمش أى دخل بالموضوع.
قال "آدم" ببرود وان كان قد بان يشعر بضعف موقفه:
- انتوا اخوات فى بعض يعني اللى حصل ده فى وشك انت كمان.
نهض "عبد العزيز" ووقف أمام "آدم" وهو ينظر اليه بإحتقار قائلاً:
- انت انسان خسيس ومعندكش ذرة أخلاق ولا ضمير.
صاح "آدم" بغضب:
- أخوك وابن أخوك نصبوا عليا وسرقونى ورمونى فى السجن .. مين فينا اللى معندوش أخلاق ولا ضمير.
صاح "عبد العزيز" بقوة:
- أخويا أنا اصلا متبرى منه لانه نصاب وحرامى .. أقولهالك تانى .. أخويا نصاب وحرامى .. ومشاكله متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد.
ثم قال وعلامات الإشمئزاز على وجهه:
- خيبت ظنى فيك وأنا اللى فتحتلك بيتي وكنت هسلمك بنتى.
فى تلك اللحظة شعر "آدم" بشئ من تأنيب الضمير.
شعر به وهو ينظر الى "آيات" التى ألقت برأسها على ظهر الأريكة وقد التفتت الى الجانب الآخر حتى لا تراه.
كانت مغمضة العينين.
تتساقط عبراتها على وجهها فى صمت مزق قلبه.
نظر اليها بلهفه وقد أشفق عليها.
أشفق عليها مما رأته ومما سمعته.
ود لو جلس بجوارها وعانقها وطلب منها عفوها وشرح لها ما عاناه وما أوصله لذلك الطريق بعدما أغلقت جميع الأبواب فى وجهه.
ود لو شرح لها الظلم الذى تعرض له علها تشفق عليه وتعذره.
نظر اليها بألم وهو يتمنى أن يقترب منها ليمسح تلك العبرات المنسابة على وجنتيها.
أفاق على صوت "عبد العزيز" وهو يقول بصرامة:
- اتفضل اطلع بره بيتي مش عايز أشوف وشك هنا تانى .. والحمد لله اننا لسه على البر وبنتى متكتبش كتابها عليك.
وقف "آدم" ينظر الى "آيات" بألم.
فصرخ به "عبد العزيز" بغضب مشيراً الى الباب:
- قولتلك اطلع بره بيتي.
بدا وكأن أعصابها الملتهبة لم تحتمل هذا الكم من الصراخ.
فوضعت يديها على أذنيها وظلت تصرخ بقوة.
أرادت أن تهتف قائله: كفى لم أعد أحتمل.
لكنها لم تجد كلمات تعبر بها عما تريد.
وكأنها طفل صغير لم يتعلم الكلام بعد.
ولغته الوحيدة التى يعرفها هى الصراخ الذى يعبر به عما يريد.
اقترب منها "عبد العزيز" بفزع وأحاطها بذراعه قائلاً بصوت باكى:
- "آيات".
ظلت تصرخ الى أن بح صوتها.
تجمعت العبرات فى عيني "آدم".
لأول مرة منذ زمن يشعر بنغزات الدموع فى عينيه.
اقترب منها "آدم" قائلاً بألم وبصوت مرتجف:
- "آيات" لو عايزانى أمشى همشى بس اهدى.
ما هى إلا لحظات حتى سكنت وقد أغشى عليها بين ذراعي والدها.
هتف "آدم" بقلبه قبل لسانه:
- "آيات".
هم بأن يقترب منها.
لكن "عبد العزيز" قال بقوة وصرامة:
- ابعد عن بنتى .. امشى اطلع بره يا اما هطلبلك البوليس .. سمعت.
فتح الباب ليدخل أحد أصدقاء "عبد العزيز" بعدما ارتفع صوت الصراخ حتى أكل الفضول والخوف الضيوف بالخارج.
صرخ "عبد العزيز" فى صديقه وهو يشير الى "آدم" قائلاً:
- طلعلى الكلب ده بره .. خليه يخفى من أدامى لقوم أقتله.
قبل أن يتجه صديق "عبد العزيز" الى "آدم" كان قد غادر بالفعل.
تشيعه نظرات الدهشة والإستنكار والفضول من الجميع.
أسرع وتوجه الى سيارته الواقفة أمام الفيلا.
وانطلق بها وأوقفها على بعد أمتار قليلة من بوابة الفيلا.
أخذ يضرب بقبضة يده على المقود بقوة وشراسه وهو يلعن هذا الحظ الذى أوصل "بوسى" الى "آيات" وقبل لحظات من كتب الكتاب.
نعم هى "بوسى" ومن ستكون غيرها.
أراد أن ينطلق الى بيتها ليخرج فيها غضبه وحنقه.
لكنه أراد أولاً الإطمئنان على "آيات" المنهارة بالداخل.
أخذ ينظر الى الفيلا عله يتبين أى شئ.
لحظات وتعالت أصوات سرينة سيارة الإسعاف.
قفز قلبه هلعاً.
دخلت السيارة الفيلا ليرى النقالة تخرج منها فارغة ثم تعود محملة بـ "آيات".
شعر بقلق بالغ.
رأى والدها يصعد معها فى سيارة الإسعاف قبل أن تنطلق فى طريقها الى المستشفى.
أدار "آدم" المحرك وانطلق بسيارته خلف سيارة الإسعاف.
ظل "آدم" قابعاً فى سيارته أمام المستشفى قرابة النصف ساعة.
كان يخشى أن يدخل فيطرده "عبد العزيز".
لكن قلقه على "آيات" أخذ يتضاعف الى أن لم يعد يحتمل البقاء داخل السيارة.
نزل منها وتوجه الى الاستقبال ليسأل عن "آيات".
علم رقم غرفتها والطبيب المشرف على حالتها.
سأل عن مكتب الطبيب وتوجه اليه قائلاً بلهفه:
- لو سمحت يا دكتور .. "آيات عبد العزيز حسان اليمانى" الحالة اللى جت من شوية عايز أطمن عليها.
سأله الطبيب:
- انت قريبها؟
قال "آدم" بصوت خافت:
- خطيبها.
قال الطبيب:
- عندها انهيار عصبي نتيجة تعرضها لصدمة مفاجئة أو شئ مقدرتش تتحمله.
اديناها مهدئ وان شاء الله تبقى كويسة.
أهم حاجة زى ما قولت لباباها هى محتاجة راحة تامة وتبعد عن أى حاجة ممكن انها توترلها أعصابها.
قال "آدم" بلهفه:
- يعني هتبقى كويسة؟
قال الطبيب مبتسماً:
- أيوة متقلقش هى بس محتاجه راحة.
شكره "آدم".
توجه الى باب المستشفى ليخرج.
لكنه فجأة عدل عن رأيه وتوجه بدلاً من ذلك الى غرفة "آيات" غير عابئ بأمر والدها.
طرق الباب ودخل ليجدها بمفردها وسط الفراش الأبيض وقد علقت لها المحاليل.
اقترب من فراشها ونظر اليها بألم.
كانت ساكنة مغمضة العينين.
مسح على شعرها برفق وهو يتمتم:
- أنا آسف يا "آيات".
كانت نائمة لا تسمع ما يقول.
لكنه أكمل هامساً بتأثر والدموع تلمع داخل عيناه وهو يمسح على شعرها بيده:
- والله ماكنت ناوى أذيكي .. "آيات" لو سمعتيني هتعذريني .. "آيات" أنا مكنتش هسيبك .. قسيت على نفسى أكتر ما قسيت عليكي بس غصب عنى.
ثم نظر اليها بألم قائلاً:
- هتسامحيني مش كده؟
انتى بتحبيني أكيد هتسامحيني.
فجأة دخل "عبد العزيز" ليجد "آدم" بجوار ابنته فصراخ قائلاً:
- انت بتعمل ايه هنا .. ابعد عن بنتى يا حقير.
ثم خرج من الغرفة وأخذ يصرخ قائلاً:
- نادولى أمن المستشفى بسرعة.
خرج "آدم" من الغرفة وتوجه الى الخارج مسرعاً قبل أن يحضر الأمن.
توجه الى سيارته وانطلق بها وهو لا يدرى وجهته.
وقف "عبد العزيز" يصلى فى غرفة ابنته بالمستشفى وقلبه يبكى قبل عيونه.
أخذ يتضرع الى الله عز وجل أن يحفظ ابنته ويصرف عنها كيد الماكرين.
وينجيها من "آدم" ومن شره.
أنهى صلاته وجلس على أحد المقاعد بجوار فراشها يتلو من كتاب الله بصوت خافت عله يتسرب الى آذانها ويخفف ما بها من هموم.
كان يتوقف كل فترة عن القراءة ليتمتم:
- حسبي الله ونعم الوكيل .. ربنا ينتقم منك.
فزع "زياد" من الطرقات المتتالية على باب بيته وصوت الجرس الذى لا ينقطع.
توجه الى الباب مسرعاً وفتحه وأخذ ينظر الى "آدم" بدهشة.
دخل "آدم" وتوجه الى أقرب مقعد لينهار عليه.
أغلق "زياد" الباب وتوجه اليه قائلاً:
- فى ايه يا "آدم"؟
أخفى "آدم" وجهه بين كفيه فجلس "زياد" بجواره وهو يقول بقلق:
- ايه اللى حصل؟
قال "آدم" وهو ينظر اليه:
- آيات فى المستشفى الدكتور بيقول انهيار عصبي.
هتف "زياد":
- لا حول ولا قوة الا بالله .. ايه اللى حصل .. ايه اللى وصلها لكدة؟
قص عليه "آدم" ما حدث ثم أعقب حديثه بعنف قائلاً:
- بنت التيييييييييييييت دى .. روحتلها البيت لقيتها غيرت الكالون.
قال "زياد" بإرتياح:
- الحمد لله ان ده حصل الحمد لله.
نظر اليه "آدم" بدهشة فقال "زياد" بحزم:
- ربنا ميرضاش بالظلم .. وانت كنت هتظلمها هى أبوها.
صاح "آدم":
- واللى حصلى مكنش ظلم؟
قال "زياد" بحزم:
- مش معنى انك اتظلمت يبأه تظلم ناس ملهاش ذنبت.
تنهد "آدم" بقوة.
بالفعل .. بدأ الإحساس بالذنب يتسرب اليه رويداً رويداً.
رغم محاولته لمقاومة هذا الإحساس.
نظر الى "زياد" قائلاً وعلامات الألم على وجهه:
- متتخيلش كانت بتصرخ ازاى .. كانت مغمضة عنيها عشان متشوفنيش يا "زياد" .. كان جسمها بيرتعش بطريقه غريبه .. صوت عياطها كان بيقطع فى قلبي.
تنهد "زياد" قائلاً بأسى:
- أنا مش عارف عقلك كان فين يا "آدم" .. قولتلك بلاش يا "آدم" البنت شكلها بتحبك ومش هتستحمل انت عندت وصممت قولت هخليها تسامحنى.
قال "آدم" بغيظ شديد:
- ماهى بنت التيييييييييييييت دى لو مكنتش عملت اللى عملته كان الموضوع هيكون أسهل .. لكنها وريتها فيديو ليا وليها واحنا مع بعض معرفش صورته ازاى.
صمت قليلاً ثم قال:
- أكيد عرفت بموضوع كتب الكتاب .. وآخر مرة كنت عندها سجلت الفيديو ده.
قال "زياد":
- وانت كنت عندها امتى.
قال "آدم" بضيق:
- أول امبارح .. كنت محتاج فلوس وهى دبرتهملى.
قال "زياد" بحده:
- مش عارف أقولك ايه .. بجد ما عارفه أقولك ايه .. انت انحدرت لمستوى صعب أوى يا "آدم" .. عارف ايه الحاجة الوحيدة اللى مصبرانى عليك.
لم يجيبه "آدم" فأكمل قائلاً:
- اننا عشرة عمر وانى عارف ان اللى أدامى دلوقتى مش "آدم" اللى أعرفه .. اللى أدامى دلوقتى شيطان.
التفت "آدم" بحده وقد شعر بقوة الكلمة.
فأكمل "زياد" و هو يشير الى قلب "آدم" قائلاً:
- بس أنا واثق ان هنا لسه فى نقطة بيضا .. وانها هترجع تكبر تانى وتنور قلبي.
تنهد "آدم" وقد شعر بإرهاق شديد.
ارهاق ذهني وبدني ونفسي.
ربت "زياد" على كتفه قائلاً:
- قوم ارتاحلك شوية.
لم يكن "آدم" فى حاجة للإلحاح.
فقد كان فى أمس الحاجة للراحة بالفعل.
توجه الى احدى الغرف وألقى بنفسه فوق الفراش وأغمض عينيه واستسلم للنوم.
ها هى ترى حلمها مرة أخرى.
النجيلة الخضراء التى تتراقص مع نسمات الرياح.
والشمس تغرب فى الأفق وتزين السماء بألوانها الحمراء والبرتقالية والصفراء.
وها هو فارسها مقبلاً على صهوة جواده.
فى عزم واصرار.
وها هى تبتسم وتستعد لإستقباله.
تستعد لأن تعطيه يدها ليجذبها خلفه وينطلق بها.
لكن ابتسامتها تلاشت والفرحة فى عينيها انطفأت عندما اقترب منها الجواد لتكتشف أنه .. جـــواد بلا فـــارس.
استيقظت "آيات" فجأة.
وهى تنظر الى الغرفة حولها.
حاولت أن تتذكر أين هى وماذا تفعل فى هذا المكان.
شعرت بأنها نسيت الزمان والمكان.
شعرت بكل شئ وقت توقف.
حتى عقلها.
شعرت به وقد توقف عن العمل.
فجأة رأت وجه والدها يقترب منها ويتمتم:
- الحمد لله .. الحمد لله.
نظرت اليه فى دهشة.
لماذا يبكى.
أين أنا.
ماذا أفعل فى هذا المكان.
وأين "آدم".
كان اسمه هو الشرارة التى أعادت عقلها الى العمل.
وأعادت ذاكرتها اليها.
"آدم" .. ذلك الحبيب الغارد الذى طعنها وتركها وسط دمائها وأشلائها ورحل.
بدأت فى النحيب و الأنين.
أسرع والدها لينادى الطبيب.
ليقدم دواؤه لصغيرته التى تتألم وتبكى قهراً.
اقترب الطبيب حاملاً دواؤه.
ودت لو صرخت به.
لن ينفعنى دواؤك.
فجُرحى ليس له علاج.
جُرحى لن يندمل أبداً وان مر عليه ألف عام.
لا تتعب نفسك أيها الطبيب لن تجد لدائى دواء.
دائى هو طعنات غادرة بيد من أحببت.
ألمثل تلك الجروح دواء؟
لا تتعب نفسك أيها الطبيب.
حتى وإن سكن أنيني وهدأ.
فلا تظن أنك نجحت فى علاجي وتقديم أسباب شفائي.
لأن أنين قلبي بداخلى لن يسكن أبداً.
أغمضت عينيها من جديد بعدما سرى المهدئ فى أوردتها واختلط بدمائها.
أغمضت عينيها لتحلم مجدداً بجوادهــا الــذى فقــد فارســه.
وقف "عبد العزيز" ينظر الى ابنته النائمة بأعين دامعه وقلب مكلوم.
تنهد فى حسرة وهو يمسح بيده على رأسها فى حنان.
كانت وغزات الألم فى قلبه تتزابد حتى صارت غير محتملة.
وضع يده على قلبه ليوقف الألم اللعين الذى تفشى فيه دون جدوى.
شعر بالإختناق وبتنميل فى أطارفه.
ضغط الزر فحضرت الممرضة تلبي النداء.
أجلست "عبد العزيز" بعدما رأت آثار التعب على وجهه.
ظل يعتصر صدره بيده وهو لا يقوى على شرح ما به من "آلام.
أقبل الطبيب ليخبر "عبد العزيز" بضرورة عمل آشعة على .. القلــب.
استيقظ "آدم" على أصوات بالخارج.
استيقظ وجلس فى الفراش وهو ينظر الى بدلته التى مازال يرتديها و يتذكر أحداث الليلة الماضية والتى تمنى أن تكون كابوساً سيستيقظ منه بعد برهه.
نزل من الفراش وتوجه الى الخارج ليجد "زياد" يعد الطاولة بطعام الإفطار.
نظر اليه "زياد" قائلاً:
- انت لسه مغيرتش هدومك .. ادخل خد دش وتعالى افطر.
امتثل "آدم" لكلام "زياد" الذى أحضر له ما يرتديه.
جلس "آدم" على الطاولة يلوك الطعام فى فمه دون أن يشعر بمذاقه.
شارداً واجماً متغرقاً فى التفكير.
قال له "زياد":
- ناوى على ايه يا "آدم"؟
قال "آدم" بأسى ممزوج باليأس:
- هعمل ايه يعنى .. خلاص كل حاجة ضاعت.
نظر اليه "زياد" قائلاً:
- و خطيبتك؟
ابتسم "آدم" بمرارة وقال:
- هى كمان ضاعت .. معتقدش انها ممكن ترضى تبص فى وشى تانى.
تنهد "زياد" بأسى وقال بعتاب:
- قولتلك يا "آدم" محدش بياخد من الدنيا كل حاجة .. بس انت أصريت على اللى فى دماغك.
نهض "آدم" ودخل الغرفة بدل ملابسه فقال له "زياد" قبل أن ينصرف:
- على فين؟
قال "آدم" وهو يتوجه الى الباب:
- على المستشفى.
لم يجد "آدم" طبيب "آيات" فسأل احدى الممرضات التى أخبرته أنها استيقظت بالأمس على نوبة عصبية وأن الطبيب أعطاها المزيد من المهدئ وأنها نائمة منذ الأمس.
حاول "آدم" رؤيتها لكنه علم بأن والدها معها فى غرفتها.
ظل يتحرك فى المستشفى بالطير المذبوح.
يريد أن يطمئن عليها لكنه ممنوع من رؤيتها.
رأى "أسماء" مقبلة من باب المستشفى بمجرد أن وقع نظرها عليه أقبلت نحوه قائله بلهفه:
- ايه اللى حصل لـ "آيات" يا دكتور "آدم" .. من امبارح وأنا مش عارفه أوصلها ولسه عمو رادد عليا من شوية وقالى انها فى المستشفى دى.
قال "آدم" بحزم وهو ينظر الى "أسماء":
- خليكي معاها يا "أسماء" متسبيهاش .. خليكي جمبها.
قال ذلك ثم غادر المستشفى تحت أنظار "أسماء" المندهشة.
لكن صدمت "أسماء" تضاعفت بعدما سمعت من والد "آيات" تطورات ما حدث الليلة الماضية.
فتحت فمها فى دهشة وهى تنظر الى صديقتها النائمة فى أسى وقالت بأسى:
- آه يا "آيات" يا حبيبتى أكيد كان صعب عليكي أوى.
قال "عبد العزيز" بصوت مرهق:
- لازم أشتكيه للعميد بتاعه .. اللى زى ده ميصلحش انه يكون دكتور فى الجامعة .. حسبي الله ونعم الوكيل فيه ربنا ينتقم منه.
جلست والدة "إيمان" فى غرفة المعيشة تفصص حبات البازيلاء أمام التلفاز.
اقترب منها "على" وجلس بجوارها وقبل يدها قائلاً:
- تسلم ايدك يا ست الكل.
ابتسمت والدته قائله:
- تعيش يا "على".
- العريس وأهله جايين بعد بكرة مش كدة.
- أيوة أمه لسه أفله معايا من شوية .. ربنا يجعله من نصيب أختك يا "على".
قال "على" مبتسماً:
- متقلقيش ان شاء الله خير .. ول كان من نصيبها هتاخده.
صمتت قليلاً وبدا عليه الحرج ثم تنحنح قائلاً:
- ماما أنا كنت عايز أكلمك فى موضوع.
نظرت اليه والدته قائله:
- عاز فلوس؟
ازداد حرجه وقال بضيق:
- لا يا ماما أنا معايا فلوس.
ثم نظر اليها قائلاً:
- ماما أنا بصراحة ومن الآخر كده معجب بواحدة من صحاب "إيمان" وعايزك تكلميها.
قالت والدته ضاحكة:
- يبأه أكيد "سمر".
ابتسم "على" بحرج.
فقالت والدته بلهفه:
- "سمر" مش كده؟
أومأ "على" برأسه فقالت أمه بحماس:
- يازين ما اخترت دى بت زى النسمة ربنا يجعلها من نصيبك يا "على".
قال "على" بقلق:
- بصى يا ماما أنا لسه فى بداية الطريق وعارف انى هتعب شوية بس بصراحة خايف تضيع من ايدي فعشان كده يا ماما عايزك تكلمى "سمر" .. على الأقل نلبس دبل دلوقتى وأنا ان شاء الله بدور على شغل تانى يكون أحسن من ده.
قالت والدته بحماس:
- متشلش هم .. هتكلم معاها.
قبل "على" يد والدته بفرح قائلاً:
- ربنا يخليكي لينا يا ماما.
عاد "آدم" الى بيته تتبعه نظرات أمه المتفحصة.
اقتربت منه قائله:
- فى حاجة يا "آدم"؟
قال "آدم" بإرهاق:
- لا متشغليش بالك يا ماما.
تنهدت أمه بحسرة وألم وهى ترى ابنها يقصيها من حياته ويخرجها منها.
تركته فى يأس وذهبت الى المطبخ.
دخل "آدم" غرفته وأغلق الباب.
توجه الى فراشه وجلس عليه.
كانت علامات الحزن والأسى على وجهه.
والحيرة فى عينيه.
يشعر بأن كل ذلك كابوس وسيفيق منه.
لابد أن يكون كابوساً.
ليس من المعقول أن يخسر كل شئ.
خطته .. و "آيات" .. تساءل.
تُرى كيف حالها الآن.
كيف ستتجاوز صدمتها.
أستستطيع نسيانه.
بل أسيستطيع هو نسيانها.
رغماً عنه شعر بشئ تجاهها.
شعر بقلبه يتحرك من سباته ليخبره بأنه مازال فيه روحاً.
جذبته برقتها ملكته ببرائتها خطفت قلبه بصدقها ونقائها وحبها الكبير.
أحبته حباً يعرف جيداً بأنه لا يستحقه.
أكثر ما يؤلمه هى نظرتها اليه التى تشوهت.
لم تعد تراه "آدم" ذلك الرجل الذى كتبت فيه الشعر والخواطر.
بالتأكيد تراه الآن شيطاناً.
كما رآه أعز أصدقائه.
وكما تراه والدته.
قطب جبينه فى أسى.
وترددت أمانيه بداخله.
ليتك دخلتى حياتى فى وقت آخر وظرف آخر.
ليتك دخلتى حياتى وأنا "آدم" القديم.
ليتك دخلتى حياتى قبل أن تتشوه.
ما كنت عندها لأفكر لحظة فى أن أؤذيكِ.
ما كنت عندها سأتركك لتضيعي من بين يدي.
برائتك أظهرت لى كم أنا حقير.
صدقكِ أظهر لى كم انا زائف.
حبك أظهر لى كم أنا حقود.
تنهد فى ضيق وهو يشعر بغرفته تضيق به.
نهض وغادر بيته مسرعاً.
تجول فى الشوارع بسيارته وعيناه تشعان حيرة وأسى.
اختارت "إيمان" ملابسها بعناية فائقه واستعدت لاستقبال عريسها ووالديه.
جلس الجميع معاً فى غرفة الصالون رغم اعتراض "على" الذى لم يلقى صدى من والديه.
لاحظت "إيمان" منذ الوهلة الأولى ببعد حماتها عنها.
كانت تنظر اليها نظرات غير مريحة ولم تبتسم فى وجهها ولا مرة.
بل لم تبتسم أصلاً ولا مرة.
شعرت "إيمان" بالتوتر وتحولت سعادتها الى خوف وهى ترمقها بنظراتها من حين لآخر علها تجد وجهها وقد لانت ملامحه.
انتبهت الى حديث عريسها والذى كان يتسم بخفة الظل.
ابتسمت على نكاته وكتمت ضحكاتها على مزحاته.
شعرت بالسعادة وهى جالسه تستمع الى الحوار الدائر واهتمام والد العريس بمعرفة بعض التفاصيل عنها ومشاركتها فى الحديث.
لم يعكر صفوها سوى عبوس والدة العريس والذى لاحظه الجميع.
انتهت الزيارة مبكراً بعدما أعلنت والدة العريس أنها ترغب فى الإنصراف.
نظرت "إيمان" الى والدتها التى كانت تشعر بالضيق من تقرفات والدته التى تخلو من اللياقة.
فى الأسفل وبمجرد أن خرجوا من البوابة التفتت والدة العريس الى ابنها قائله بغيظ:
- وهى دى بأه اللى عجبتك يا فالح؟
قال العريس:
- أيوة.
صاحت:
- آه يا مرارى يانى .. وملقتش غير دى.
قال ابنها بدهشة:
- مالها يا ماما؟
قالت أمه بحنق وتهكم:
- انت مش شايف عامله زى الهضبة ازاى .. اتفرج عليها بعد الجواز والخلفة مش هتعرف تدخل من باب الشقة جتك الأرف فيك وفى ذوقك.
قال ابنها بضيق:
- بس دكتورة ومحترمة وعجبنى شكلها .. وكمان أهلها ناس طيبين.
قالت أمه بسخريه:
- وعامله زى ضلفة الدولاب.
ثم قالت بحماس:
- يا ابنى دى خالتك "روحية" اتصلت بيا امبارح تقولى على حتت عروسة مفيش بعد كده .. انت اللى اتسرعت واتسربعت.
قال ابنها:
- خلاص يا ماما بأه معدش ينفع الكلام ده.
صاحت:
- معدش ينفع ليه ان شاء الله هو انت كنت اتجوزتها ده مجرد كلام.
قال بدهشة:
- يعني ايه؟
قالت تشجعه:
- يعني تروح تشوف العروسة اللى خالتك "روحية" جيباهالك.
قال ابنها وهو يفكر:
- وافرضى بأه معجبتنيش ابقى خسرت "إيمان".
قالت أمه بتهكم:
- بلا وكسة محسسنى انها السفيرة عزيزة .. أقولك يا ابن أمك تعمل ايه .. ما تقولهمش انك صرفت نظر لحد ما تشوف العروسة .. والله عجبتك يبأه تقول لأهل "إيمان" انك صرفت نظر ومش مستريح .. معجبتكش أهو يبقى مخسرتش حاجة .. ها قولت ايه؟
ابتسم ابنها قائله:
- فكرة حلوة يا ماما وكدة أبقى مسكت العصاية من النص.
قالت أمه بحماس:
- وأنا متأكده انها هتعجبك دى خالتك "روحية" بتقول عليها كلام يشرح القلب.
ثم نظرت حولها قائله بحنق:
- يلا من هنا أحسن قلبي اتقبض من ساعة ما شوفت البت دى.
جلست "آيات" فى فراشها تنظر الى الجدار أمامها بعينان ذابلتان من كثرة البكاء.
اقتربت منها "أسماء" قائله بحنان:
- ايه رأيك أشغلك التي فى نتفرج على حاجة سوا؟
لم تجيبها "آيات".
فجلست بجوارها على الفراش تنظر اليها بأسى وهى تقول:
- "آيات" .. طب اتكلمى .. مش أنا صحبتك .. قوليلى أى حاجة.
ظهرت الدموع فى عيني "آيات" وهى مازالت تنظر الى الجدار أمامها وتضم قدميها الى صدرها.
قالت "أسماء" بحنان:
- عارفه ان اللى حصلك مكنش سهل .. بس صدقيني بكره تنسيه.
أطلقت "آيات" آهة ألم ثم بدأت فى النحيب بضعف.
فحتى البكاء لم تعد تقوى عليه.
شعرت بأن طاقتها قد نفذت.
أو على وشك النفاذ.
عانقتها "أسماء" والدموع تتجمع فى عينيها هى الأخرى وهى تقول:
- خلاص يا "آيات" .. كفاية عياط بأه.
لم يكن بكاءاً بقدر ما كان أنيناً.
حضنتها "أسماء" الى أن توقفت عن بكائها فابعدتها عنها ومسحت عبراتها وهى تقول بحماس:
- والله بكره تنسيه وتنسى كل اللى حصل ولا كأنه دخل حياتك.
وكلها شهر وشوية ونمتحن ونخلص من الكلية دى خالص .. وننسى سيرتها وكل حاجة عنها.
نظرت اليها "آيات" بضعف وحزن وأسى.
فقالت "أسماء" بحماس:
- بكرة تشوفى وتقولى "أسماء" قالت .. يا بنتى اللى يبيعك بيعيه .. ده واحد ميستهلش انك تعيطي عليه أصلاً .. هو اللى خسرك مش انتى اللى خسرتيه يا "آيات".
ثم قالت:
- عارفه لما شوفته فى المستشفى قبل ما اعرف الحكاية .. كان باين عليه مضايق أوى وحزين أوى .. يا بنتى والله هو اللى خسر وندم وزمانه هيموت ويرجعلك .. أصلاً عمره ما هيلاقى واحده زيك وهو عارف كده كويس .. والله هو اللى خسر يا "آيات" مش انتى.
تنهدت "آيات" وهى تغمص عينيها تعباً فقالت "أسماء" بحنان:
- نامى شوية يا حبيبتى.
تمددت "آيات" وقامت "أماء" بتغطيتها.
وجلست على المقعد المجاور لفراشها.
أغمضت "آيات" عينيها علها تهرب من واقعها.
فالنوم بالنسبة لها ما هو الا وسيلة للهروب من هذا الواقع الأليم.
خرجت "آيات" من المستشفى وعادت الى الفيلا.
فى المساء دخل والدها اليها وابتسم لها قائلاً:
- أخبار حبيبتى ايه دلوقتى؟
ابتسمت ابتسامه واهنه.
تمنى "عبد العزيز" أن يسمع صوتها الذى اشتاق اليه طيلة الأيام الماضية.
لكن الطبيب أخبره بأنه أمر مؤقت وبمجرد تحسن نفسيتها ستعاود الحديث مرة أخرى.
وطلب منه توفير كل سبل الراحة لها وعدم التحدث فيما يزعجها.
لذلك كان "عبد العزيز" يتجنب الحديث عن "آدم" وعما يخصه.
لكن هناك أمر لابد منه.
جلس "عبد العزيز" بجوارها وامتدت يده لتنزع دبلة "آدم" وخاتمه من أصابعها.
ترقرق العبرات فى عينيها لتسقط على وجهها الحزين.
وهى ترى الدبلة التى ألبسها اياها طآدم" تنزع من يدها.
الى الأبد.
قال والدها بصوت باكى وهى يمسح بيده على وجنتها:
- أنا آسف يا بنتى .. كان لازم أهتم بالسؤال عنه أكتر من كده .. يمكن لو كنت سألت أكتر كنت عرفت اللى يخليني أرفضه من البدايه.
أنا آسف يا بنتى.
ارتج جسدها بالبكاء فضمها الى صدره قائلاً:
- مش عايز أشوفك بتعيطى تانى فاهمة يا "آيات" .. كل حاجة هترجع زى الأول وأحسن كأنه مدخلش حياتنا أصلاً.
وبعد ما تخلصى امتحاناتك هاخدك ونسافر بره مصر كلها .. أى بلد تختاريها نعد فيها زى ما انتى عايزه.
أبعدها عنه لينظر الى وجهها الباكى وهو يبتسم وسط دموعه قائلاً:
- شوفى بأه أنا ناوى اخليها رحلة تجنن .. وعايزك تستعدى ليها على الآخر.
ولو عايزه "أسماء" تطلع معانا مفيش مشكلة أنا هكلم والدها .. وأفسحكوا انتوا الاتنين فسحة تجنن .. ها ايه رأيك؟
ابتسمت باتسامه ضعيفة مجاملة لوالدها دون شعور بذرة سعادة بداخلها.
فأكمل والدها بحماس مصطنع قائلاً:
- عايزك تفكرى من دلوقتى وتشوفى ايه المكان اللى تحبيه تروحيه.
هسيب اختيار المكان عليكي أما بروجرام الرحلة فهيكون عليا أنا .. اتفقنا؟
أومأت برأسها وهى تمسح دموعها.
قبل جبينها قائلاً:
- نامى دلوقتى يا حبيبتى .. يلا تصبحى على خير.
وضعت "آيات" رأسها على وسادتها.
التى لم تمضى عليها سوى دقائق قليله حتى تبللت بدموعها المنسابه من عينيها دون توقف.
تراءت أمام عيناها الفيديو الذى رأته لـ "آدم".
أغمضت عينيها بشدة علها تزيل تلك الصورة من أمام عينيها.
لكن هيهات.
أخذت تفكر كيف يكون فارسها بتلك الأخلاق المتدنية.
كيف لم تراه على حقيقته.
كيف ظنت بأنه فارسها الذى تنتظره.
كيف استطاع أن يخدعها الى هذه الدرجة.
كانت تريد رجلاً يحميها ويحتويها ويحبها ويدافع عنها.
لكنها لم تجد أى من ذلك.
أفاقت من حلمها على واقع بشع.
تذكرت قبلته لها فى السيارة.
سرت قشعريرة باردة فى جسدها.
مدت يدها الى فمها تسمحه بقوة وكأنها تحاول ازالة أى أثر لقبلته.
وكأنها لا تطيق تلك الذكرى.
ظلت تتلوى فوق فراشها وتعالى صوت بكائها.
أزاحت الغطاء فجأة ونهضت لتتوجه الى حاسوبها.
فتحت صورة "آدم" لتنظر اليها بتقزز.
تلك الصورة التى كانت تجلس أمامها تتأملها دون كلل أو ملل.
أصبحت الآن تشعر تجاهها وتجاه صاحبها بالنفور الشديد.
مسحت الصورة وكل ما يمت له بصلة.
توجهت الى حساب الفيس بوك لتحظره تماماً.
وتطــرده خـــارج عالمهــــا.
دخلت "والدة "إيمان" غرفة ابنتها لترحب بـ "سمر" ثم طلبت من "إيمان" الخروج من الغرفة لتتحدث الى "سمر" فى موضوع خاص.
خرجت "إيمان" من الغرفة وهى تبتسم بخبث.
بدأت والدة "إيمان" حديثها قائله:
- شوفى بأه يا "سمر" .. انتى معزتك من معزة "إيمان" و "على" أيوة والله بحبك من يوم ما شوفتك .. بنت مؤدبة وطيبة وأخلاق وكل حاجة رنبا يحفظك يا بنتى.
ابتسمت "سمر" فى خجل وقالت:
- تسلمى يا طنط ربنا يباركلك.
قالت والدة "إيمان":
- بصى بأه يا "سمر" .. أنا مبحبش ألف وأدور فهتكلم دوغرى.
"على" ابنى قالى انه عايزك.
ارتبطت "سمر" واحمرت وجنتاها خجلاً.
نظرت الأرض وقد أُلجم لسانها فأكملت قائله:
- هو شغال دلوقتى .. هى صحيح شغلانه بيطة بس يا بنتى كل حاجة بتبتدى صغيره وبعدين بتكبر.
وبعدين هو بيقول انه هيدور على شغل تانى أحسن من الشغلانه دى.
ومتقلقيش ولا يكون عندك هم أصلا أنا و أبو "إيمان" شايلين قرشين لـ "إيمان" و "على" .. يعني "على" مش على الحديدة زى ما انتى فاهمه.
لا .. بس هو بيحب يسعى ورا القرش وميحبش يعتمد الا على نفسه.
صمتت "سمر" دون أن تتفوه بحرف.
فأكملت:
- هو عايز يلبس دبل على الأقل .. عشان يتقال ان "سمر" لـ "على" و "على" لـ "سمر".
لانه بصراحة ربنا خايف تضيعي من ايده .. قولتى ايه يا "سمر"؟
بدا الإضطراب على "سمر" فقالت والدة "إيمان" بطيبة:
- طيب اي حبيتبى هسيبك تفكرى براحتك ومستنية رد منك .. اول ما تردى عليا ان شاء الله هاجى أنا وأبو "على" نطلب ايدك من ماما.
ماشى يا حبيبتى؟
نظرت اليها "سمر" بحيرة.
فابتسمت والدة "إيمان" فى وجهها وخرجت لتترك "سمر" ومشاعر كثيرة متناقضة تجذبها يميناً ويساراً.
ظل "آدم" يبحث عن "آيات" فى محاضراته يأمل فى أن يراها.
ظل يتجول فى الكلية يومياً عله يلمحها.
لكن لا أثر لها.
علم بأنها لا تحضر الى الكلية.
كاد أن يجن من كثرة تفكيره بها.
أراد الإطمئنان عليها بأى شكل.
لكن كل السبل مقطوعه.
حتى صديقتها "أسماء" لا تحضر الى الكلية.
ففكر "آدم" فى حيلة يجذبها بها الى الكلية ليستطيع رؤيتها والإطمئنان عليها.
بمجرد أن انتهى من القاء محاضرته قال وهو ينظر الى طلابه:
- المحاضرة الجاية عليها 10 درجات من درجات المادة ولازم الكل يحضرها.
ياريت تعرفوا الناس اللى مبتجيش ان محاضرة المرة الجاية مهمة.
خرج "آدم" من المدرج لتلحق به "ساندى" قائله:
- دكتور "آدم".
التفت اليها فقالت كبتسمه:
- ازيك يا دكتور أخبارك ايه؟
قال بنفاذ صبر:
- الحمد لله.
قالت بابتسامه واسعه:
- عندى ليك خبر حلو يا دكتور.
نظر اليها "آدم" بلهفه ينتظر ما ستقوله.
قالت بمرح:
- بابا عجبه المشورع جداً جداً وطالب يقابل حضرتك.
لاحت ابتسامه صغيره على زاوية فمه فأكملت "ساندى" حماس:
- قالى حضرتك تحدد المعاد وهو هينتظرك.
قال "آدم" وقد ظهرت علامات الارتياح على وجهه:
- تمام يا "ساندى" هشوف معاد مناسب وأعرفك.
ابتسم لها قبل أن ينصرف وهو يفكر فى أنه لم يخسر كل شئ بعد.
دخلت "أسماء" غرفة "آيات" لتجدها جالسه تطالع كتبها فوق فراشها.
اقترب منها مبتسمه وقالت:
- ازيك يا "يويو" أخبارك ايه.
ابتسمت "آيات" وأشارت لها بالجلوس.
جذبت "أسماء" الكتاب من يدها وقالت بمرح:
- خيانة بتذاكرى من ورايا.
ابتسمت "آيات" ابتسامة ضعيفة ثم كتبت على احدى الدفاتر بجانبها:
- يا بنتى الامتحانات خلاص قربت وعايزين نخلص بأه من هم المذاكره ده.
قرأت "أسماء" ما خطته.
رواية جواد بلا فارس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم بنوته اسمرة
انتظر "آدم" فى توتر إلى أن سمحت له سكرتيرة "شكرى" والد "ساندى" بالدخول.
دخل مكتبه بثقة وتبادلا عبارات السلام والمجاملة.
ثم قال "شكرى" بإعجاب شديد:
"الحقيقة المشروع إلى "ساندى" ورتنى الملف بتاعه مشروع هايل جداً. وكمان المنطقة نفسها شوفت الصور والسى دى اللى كانوا مع الملف. وبصراحة المنطقة تحفة."
قال "آدم" بحماس:
"وعلى الواقع شئ تانى. مكان بجد خيال."
صمت "شكرى" قليلاً ثم قال:
"بس فى نقطة مخوفانى شوية يا دكتور."
قال "آدم" وقد ضاقت عيناه:
"نقطة إيه؟"
قال "شكرى" بجدية:
"المنافسة القوية اللى هنواجهها هناك."
ابتسم "آدم" بثقة وهو يقول:
"وهو ده بالظبط اللى أنا عايزه."
قال "شكرى" بإستغراب:
"إزاى يعنى؟"
قال "آدم" شارحاً:
"المنطقة اللى اخترتها عشان أنفذ عليها مشروعى هى من أروع مناطق العين السخنة. المنطقة دى على شكل دايرة. متقسمة من النص لـ 3 مثلثات. كل مثلث بيمثل قرية سياحية. يعنى المنطقة عبارة عن 3 قرى سياحية على شكل دايره. بيشتركوا مع بعض فى نقطة واحدة فى النص ودى اسمها "المنطقة الخضراء" وهى مساحة كبيرة للـ 3 قرى حق الانتفاع بيها."
قال شكرى:
"تمام."
فأكمل "آدم" بحماس:
"الـ 3 قرى ملك لمجموعة شركات كبيرة مصرية وأجنبية وبيأجروا القرى التلاته بالكامل للشركات السياحية. الـ 3 قرى دول قرية واحدة بس منهم هى اللى متأجرة حالياً وهى اللى شغاله والقريتين التانيين غير مؤجرين."
قال "شكرى" وهو يفكر بإمعان:
"بس يا دكتور القرية اللى متأجرة دى متأجرة لرجل أعمال كبير أوى وكمان القريه بتاعته ناجحة جداً وعليها إقبال كبير كل موسم."
قال "آدم" بتهكم:
"القرية دى ناجحة بدراسة الجدوى بتاعتى وبالأسس اللى حطتها أنا لإدارة القرية السياحية."
قال "شكرى" بإستغراب:
"إزاى يعنى؟"
قال "آدم" بصرامة:
"أنا كنت داخل شريك فى المشروع ده مع "سراج اليمانى" صاحب القرية اللى شغاله دلوقتى واسمها "قرية الفيروز". بس حصل خلافات بيني وبينه وهو خد دراسة الجدوى و كل تفاصيل خطتى اللى حطتها عشان ادارة القرية ونفذها بالمللى. وده سر نجاح قريته."
قال "شكرى" بحماس:
"يعنى حضرتك يا دكتور تقدر تحط خطة عمل وطريقة فى إدارة القرية تضرب بيها شغل "سراج اليمانى"؟"
ابتسم "آدم" قائلاً:
"بالظبط كده. لإننى عارف كل صغيرة وكبيرة فى "قرية الفيروز" وعارف كويس عيوبها ومميزاتها. وأقدر أخلى "سراج اليمانى" خلال فترة صغيرة يقفل القرية ويقعد فى بيتهم."
ضحك "شكرى" قائلاً:
"ممتاز يا دكتور. شكلنا هنعمل بيزنس كبير أوى مع بعض. لإننى زيك بعشق روح التحدى وطموحى ملوش حدود."
ابتسم "آدم" قائلاً:
"أهم حاجة عندى إنى أبدأ تنفيذ فى أقرب وقت."
قال "شكرى":
"اللى فهمته من "ساندى" إنك معندكش استعداد حالياً تدخل شريك فى رأس المال."
قال "آدم":
"بالظبط كده. أنا هدخل شريك بالمجهود مقابل إدارتى للقرية كاملة من الألف للياء."
قال "شكرى" مبتسماً:
"اتفقنا يا دكتور وهكلم المحامى يجهز العقود والنسب ولينا قعدة تانية مع بعض."
ثم قال:
"بس قولى لو كل حاجة مشيت تمام. انت هيكون عندك استعداد تسافر العين السخنة إمتى؟"
قال "آدم" بثقة:
"السنة الدراسية باقى عليها أقل من شهر. بمجرد ما الإمتحانات تخلص هطلب أجازة من الجامعة وأسافر فوراً."
قال "شكرى" ضاحكاً:
"أحب الناس اللى عندها حماس كبير زيك يا دكتور. اتفقنا."
***
خرجت "أسماء" من المصعد فتناهى إلى مسامعها صراخ أبويها من داخل البيت.
فتحت الباب بسرعة وتوجهت إليهما قائلة بحده:
"حرام عليكوا صوتكوا جايب لآخر العمارة فضحتونا قدام الناس."
أكمل والدها موجهاً حديثه لوالدتها دون أن يأبه لوجود "أسماء":
"أصل انتى أصلاً مش ست زى باقى الستات. لو كنتى فاكرة نفسك ست تبقي غلطانة. هو أنا إيه اللى بيخلينى أبص بره ما أنا لو لاقى ست جوه البيت مش هبص بره."
صاحت أمها بتهكم:
"ليه بأه إن شاء الله؟ أنا ست غصب عنك. بس الدور والباقى على اللى عامل نفسه راجل وهو تيييييييييت. أصلاً التيييييييييييت ميعرفش إلا التيييييييييت اللى زيه. عشان كده كل اللى بتعرفهم بنات صيع زيك بالظبط."
قبل أن تكمل حديثها هوى زوجها على وجهها بصفعة.
صمتت آذان "أسماء" وهى تصيح باكية:
"كفاية بأه حرام عليكوا."
صاح والدها في والدتها:
"أنا هوريكي يا بنت التيييييييييييييييت إذا كنت راجل ولا لأ."
أفاقت والدتها من صدمة الصفعة سريعاً ودفعته بيديها قائلة:
"امشى اطلع بره بيتي يا تييييييييييييييت."
دفعها زوجها بيديه هاتفاً بغضب:
"بيتي مين يا أم بيت ده بيتي أنا. انتى اللى تطلعي بره مش أنا."
صاحت أمها بغضب:
"لأ بيتي أنا مشاركات فيه بفلوسي. وانت اللى هتطلع منه مش أنا. ما انت لو كنت راجل كنت عرفت تجبلى شقة بفلوسك لكن طول عمرك فاشل وصايع وبتاع نسوان ولولايا كان زمانك بتشحت انت وبنتك."
هوى زوجها وجهها بصفعة أخرى وقال:
"أظاهر انتى عايزة تتربى. أنا بأه هسيبك كده زى البيت الوقف. لا انتى طايلة جواز ولا طايلة طلاق وابقى ورينى هتعملى إيه. أما علمتك الأدب وربيتك مبقاش أنا. وهتجوز عليكي بدل واحدة تلاتة وهجيبهم يعيشوا معاكى هنا وابقى ورينى هتعملى إيه. أعلى ما في خيلك اركبيه."
لم تحتمل "أسماء" المزيد فخرجت من البيت لا ترى أمامها من فرط دموعها المنهمرة على وجهها.
***
أنهت "سمر" الكشوفات وظلت جالسة في مكتبها شاردة تفكر في كلام والدة "على".
وجدت في داخلها مشاعر كثيرة متناقضة. فرح. خوف. لهفة. رغبة في الموافقة والرفض في نفس الوقت.
لكم تكره هذا الشعور. الشعور بالعجز والحيرة.
لا تستطيع أن تتحدى خوفها وتقدم على تلك التجربة.
تذكرت كيف مضت عليها وعلى والدتها الأيام والليالي دون أن يجدوا ما يسدوا به رمقهم.
تذكرت الشعور بالجوع. ليس جوع جسدي فحسب. بل جوع عاطفي.
جوع عاطفي لأب يحتوي ويطمئن ويبتسم في وجهها فيعطيها الأمل ويخفف من أوجاعها.
أب يمسك بيدها الصغيرة ويقول لها لا تخشي شيئاً يا صغيريتي فأباكي موجود.
أب تراه يحتضن والدتها ويمسح دمعها. لكنه اختار الرحيل. بل الهروب. وكأنهما حمل ثقيل على عاتقيه.
أخذت تتساءل: ترى أين هو الآن؟ ماذا يفعل؟ أتزوج مرة أخرى؟ بالتأكيد تزوج. أله أبناء؟ ألها أشقاء وشقيقات؟
لماذا لم يعد؟ إذا تحسن به الحال لماذا لا يعود؟ لماذا حتى لا يخبرهم عن مكانه؟ لماذا لا يتصل كل فترة ليطمئن عليهم؟ ألهذه الدرجة نسييهم؟ نسي أن له زوجة وابنة؟
أخذت تتساءل في ألم: ألم يشتاق إليها وإلى والدتها؟ ألم يشتاق إلى ابنته الصغيرة التي تركها يرقة صغيرة؟ ألم يشتاق إلى أن يراها وهي فراشة يافعة؟
عادت بتفكيرها إلى "على". وإلى رغبته في الارتباط بها.
أخذت تتساءل في نفسها: أي نوع من الرجال أنت يا "على"؟ أ تستطيع الصمود في مواجهة مصاعب الحياة أم ستهرب عند أول أزمة؟ إلى متى ستستطيع الصمود؟ أ تستطيع حقاً أن تواجه الحياة معي. بحلوها ومرها؟ أم ستترك يدي في منتصف الطريق؟ أريد أن أطمئن إليك يا "على" وأن أثق لك. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟
***
استيقظ "آدم" من النوم فزعاً. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ونهض يغسل وجهه.
عاد إلى غرفته وهو يشعر بأن النوم فارق جفونه.
جلس على فراشه في ظلام الغرفة. وشعور بالضياع يتملكه.
نظر إلى فراشه وهو يتذكر "آيات" يوم أن كان مريضاً. تذكر خوفها وقلقلها عليه. تذكر رقتها وحنانها وهي تطعمه في فمه.
أغمض عينيه بألم وهو يعترف لنفسه بأنه يشعر بالحنين إليها. ويتمنى أن تعفو عنه وتسامحه وأن تغمره بحبها وحنانها من جديد.
صرخ قلبه قائلاً: آه يا "آيات" لو تعلمين كم أحتاج إليكِ الآن. أحتاج إليكِ لتطيبي جراحي ولتساعديني على أن أخرج من هذا المستنقع الذي غمرت نفسي به. لست خائفاً على نفسي الآن بقدر خوفي عليكِ. من سيطيب جراحك؟ وهل ستطيب يوماً؟
كم أتمنى رؤيتكِ. والتمتع بابتسامتك العذبة التي تغمر قلبي بعذوبتها ورقتها وصدقها.
ماذا فعلت بكِ وبنفسي؟
توجه إلى حاسوبه وفتحه. تأمل صورتها بلهفة وحنين واشتياق.
قرأ رسائلها. طبع كل حرف فيها داخل ذاكرته.
كيف استطاع أن يفرط في حب بتلك القوة. وفي فتاة بهذا الصدق والبراءة.
فتاة أعطته قلبها ومشاعرها واهتمامها ولم تبخل عليه حتى بذهبها. أعطته كل شيء. فماذا أعطاها هو؟
لم تثقل عليه بالطلبات طوال فترة الخطبة. بل لم تطلب أي شيء أصلاً. لم تسأل حتى عن مكان سكنهما. لم تسأل عن مرتبه. لم تتضايق من مكان سكنه وبيته المتواضع عندما زارته. لم تعلق حتى على هذا الأمر وتعاملت بشكل طبيعي. واندجت مع والدته وعاملتها بطيبة بلا غرور أو ترفع.
أخذ يفكر بألم: لن أجد مثلها يوماً. فتاة لم ترد مني إلا قلبي. ولم أرد أنا سوى تحطيم قلبها.
***
فوجئ "آدم" بـ "عبد العزيز" يقتحم مكتبه بالجامعة ويلقي أمامه علبة الشبكة ويقول بصرامة:
"تفضل شبكتك واوعى أشوفك بتقرب من بنتي تاني."
لم يترك له فرصة الرد وتوجه "عبد العزيز" إلى الخارج وهو يصفق الباب خلفه بقوة.
فتح "آدم" العلبة يتلمس القطع الذهبية التي اختارتها "آيات" بنفسها. تذكر فرحتها وسعادتها في هذا اليوم وهي تنتقي كل قطعة وتجربها. تذكر ابتسامتها العذبة وهي تقول له "مبروك علينا احنا الاتنين".
أغلق العلبة وألقاها فوق المكتب بلا مبالاة. تنهد في حسرة وهو يسند رأسه إلى قبضتي يده فوق المكتب.
توجه "عبد العزيز" إلى عميد الكلية وقص عليه ما حدث من "آدم" تجاهه وتجاه ابنته. قال بحده:
"الدكتور اللي زي ده لازم يُطرد من الجامعة. مينفعش واحد زي ده ويدرس لطلاب وطالبات. واحد بالأخلاق دي ميصحش إنه يدرس في جامعة محترمة ولا كلية محترمة. لازم يُطرد عشان يكون عبرة لغيره."
قال العميد وهو يتصل بمكتب "آدم":
"هدى نفسك يا فندم وإن شاء الله هنشوف الموضوع ده. ألو.. دكتور "آدم" ياريت تشرفني شوية في مكتبي. طيب منتظرك."
فوجئ "آدم" بوجود "عبد العزيز" في حجرة العميد. قال العميد:
"تفضل اقعد يا دكتور "آدم"."
جلس "آدم" وهو يتنهد بضيق. قال العميد:
"الأستاذ "عبد العزيز" جاي يقدم فيك شكوى."
قال "آدم" بضيق:
"شكوى إيه يا فندم؟"
صاح "عبد العزيز" قائلاً:
"يعني مش عارف اللي عملته؟ ضحكت عليا وعلى بنتي وخطبتها وكنت عايز تكتب عليها وكل ده عشان تبتزني أنا وهي؟ مش عارف إزاي ضميرك وأخلاقك ماتوا للدرجة دي."
قال العميد:
"لو سمحت يا أستاذ "عبد العزيز" مفيش داعي للكلام ده."
ثم التفت إلى "آدم" قائلاً:
"ردك إيه يا دكتور "آدم" على اللي سمعته دلوقتي؟"
قال "آدم" ببرود:
"عنده دليل على اللي بيقوله ده؟ لو عنده دليل يقدمه."
هتف "عبد العزيز" بغيظ:
"أما بجح صحيح."
قال "آدم" للعميد متجاهلاً "عبد العزيز":
"أنا يا فندم كنت هاجي لحضرتك عشان أقدم على إجازة بعد ما تنتهي السنة الدراسية دي."
ثم نظر إلى "عبد العزيز" قائلاً:
"هسيب القاهرة كلها."
قال "عبد العزيز" بخنق:
"يكون أحسن برضه."
قال العميد:
"ياريت نحل الموضوع ودي ومفيش داعي الموضوع يكبر. إيه رأيك يا أستاذ "عبد العزيز"؟"
قال "عبد العزيز" بحزم قبل أن يغادر:
"أنا هشتكي للي خلقه. هو قادر ينتقم منه ويجيب لي حق بنتي. مش هقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل. بنتي من يوم اللي حصل وهي مفتحتش بقها بكلمة. بس ربنا قادر ينصر المظلوم وينتقم من الظالم."
غادر "عبد العزيز" ليترك "آدم" غارقاً في بحور الندم والألم.
***
عادت "إيمان" من الخارج بصحبة والدتها وهي تهتف:
"كان حتة يوم. رجلي خلاص مش قادرة أمشي عليها."
قالت أمها:
"هو انتي فاكرة شوار العروسة بالساهل ده؟ هم ما يتلم."
ضحكت "إيمان" قائلة:
"لأ ده أنا لو فضلت كل يوم أخرج بالشكل ده على الفرح هكون اختفيت."
قالت أمها:
"أهو أحسن من شوربة الكرنب اللي قارفة نفسك بيها ليل نهار."
قالت "إيمان" بمرح:
"لأ خلاص كرنب إيه ده؟ المشي اللي مشيته النهاردة يعادل حلتين تلاتة أربعة. أنا هبطل كرنب وهركز في موضوع الشوار ده. دخل مزاجي."
هتفت أمها قائلة:
"آه ياختي هو انتي دافعة حاجة من جيبك."
ضحكت "إيمان" وهي تعانقها قائلة:
"ربنا يخليكي لينا يا ست الكل يا منورة حياتنا وميحرمناش منك أبداً."
توقفا عن الحديث بعدما خرج "على" من غرفته لينظر إليهما نظرة تردد وحيرة وأسى.
قالت أمه:
"انت مروحتش الشغل يا "على"؟"
تنهد قائلاً:
"لأ روحت وجيت يا مام."
قالت "إيمان" بمرح:
"إيه مالك شايل طاجن ستك كده ليه؟"
قال "على" بضيق:
"عريس "إيمان" اتصل بيا من شوية."
قالت "إيمان" بلهفة:
"خير قالك إيه؟"
صمت "على" قليلاً وهو ينظر إلى أخته يشفق على ما ستسمعه. ثم قال بصوت خافت:
"قال كل شيء نصيب."
اختفت ابتسامة "إيمان" وهي تنظر إلى أخيها في حيرة.
ضربت أمها بيدها على صدرها قائلة:
"إيه؟ يعني إيه؟ وهو كان لعب عيال؟"
قال "على" يهدئ:
"قال إنه مش مرتاح وكل شيء نصيب."
تجمعت العبرات في عين "إيمان" وقالت بصوت مرتجف:
"بس هو كان موافق. إيه اللي حصل؟"
قال "على" وهو يرمقها بعطف:
"معرفش يا "إيمان". مقالش غير كده."
ثم قال:
"بصي يا إيمان. مش انتي صليتي استخارة؟ يبأه ده نتيجة صلاتك وأكيد ربنا اختارلك الخير ليكي."
هتفت "إيمان" بغضب وحرقة:
"حرام والله العظيم حرام."
لم تقف "إيمان" لتسمع المزيد من كلمات المواساة بل توجهت مسرعة إلى غرفتها وأغلقتها عليها وألقت بنفسها فوق فراشها لتعود وسادتها تتبلل بدموعها من جديد.
***
بدأت الامتحانات سريعاً ودخل الطلاب في دوامتها التي تشقلب كيانهم رأساً على عقب.
كان في ذلك أثر كبير في أن تنخرط "آيات" في شيء ينسيها ولو لبعض الوقت التفكير في حزنها.
كان امتحان مادة إدارة الأعمال هي المادة الأخيرة في الجدول.
قامت "آيات" بقصها من الجدول قبل أن تعلقه على باب غرفتها. حتى كتاب المادة وأوراقها أخفتهم في مكان لا تقع عيناها عليهم.
حاولت أن تتناسى حزنها وكربها وساعدها على ذلك والدها ووجود "أسماء" بالقرب منها.
كل يوم تقترب فيه من آخر مادة كان يدب الخوف في أوصالها والألم في قلبها.
حتى أتى اليوم الموعود. ليلة الامتحان.
كانت تضع الكتاب أمامها لا تجرؤ حتى على لمسه. كانت تنظر إليه بتقزز شديد وهي تشعر وكأن هذا الكتاب جزء منه. جزء من "آدم".
حاولت التركيز في مذاكرة هذه المادة التي كانت تحفظها عن ظهر قلب لكنها وجدت أن عقلها صفحة بيضاء وكأنها تقرأ هذه المادة للمرة الأولى.
في صبيحة يوم الامتحان. ارتدت "آيات" أول ما وقع تحت يدها من دولابها. ودون أي زينة كمان هي عادتها في الأيام الماضية.
نزلت إلى الأسفل ليستقبلها والدها مبتسماً مشجعاً.
كان "عبد العزيز" يقوم بتوصيلها إلى الكلية في كل امتحان ويجلس في كافيتيريا الكلية حتى تنتهي من أداء امتحانها ويرجعها إلى البيت.
كان يخشى عليها بشدة أن تقابل "آدم". أو يحاول مضايقتها.
دعا الله كثيراً في هذا اليوم أن يمر الامتحان الأخير دون مشاكل.
وقف ونظر إليها بحنان قائلاً:
"جاهزة يا حبيبتي؟"
أومأت برأسها. سارا معاً إلى السيارة وانطلق بهما السائق إلى الجامعة.
جلست "آيات" في المدرج تنتظر ورقة الأسئلة وقلبها يخفق بعنف. تمنت ألا تراه. تمنت أن يمضي اليوم بسلام حتى تغادر هذه الجامعة بغير رجعة.
التفتت حولها لتنظر إلى "أسماء" التي ابتسمت لها فبادلتها "آيات" بابتسامة هشة ضعيفة.
حانت اللحظة وتم توزيع ورقة الأسئلة.
فتحت "آيات" ورقة الإجابة وكتبت السؤال الأول. نعم هذا السؤال تعرفه جيداً. رأته كثيراً وحفظته عن ظهر قلب في بداية العام الدراسي.
لكن الآن. شعرت بأن الكلمات تهرب منها. وكأنها ترى السؤال لأول مرة.
تعرف السؤال. وتعرف الإجابة. لكن أصابعها تأبى أن تكتبها.
حاولت إرغام عقلها على التركيز دون جدوى.
ذكرها هذا السؤال بيوم ألقى "آدم" تلك المحاضرة. تذكرت كيف كانت تنظر إليه وقتها بحب ولهفة. تذكرت الامتحان المفاجئ الذي كانت تعلم بأمره. تذكرت يوم أن علمت بأنه يرغب في التقدم لها وخطبتها. تذكرت يوم خطبتها. تذكرت يوم مرضه وقلقها وخوفها عليه. تذكرت يوم شراء الشبكة. تذكرت يوم كتب كتابها ومدى سعادتها وهي تنظر إلى المرآة.
حاولت إرغام عقلها عن التوقف في الاسترسال في تلك الذكريات التي أصبحت تؤلمها أشد إيلام. لكن عقلها أبى.
أسندت رأسها بيديها تحاول أن تصب تركيزها على ورقة الأسئلة دون سواها.
لكن قلبها خفق بقوة حتى كاد أن ينخلع من مكانه عندما دخل "آدم" المدرج وقال:
"أخبار الامتحان إيه يا شباب؟"
لم ترفع رأسها. لم تحاول النظر إليه. صوته جعلها تشعر بالخوف. بالرعب. بالفزع.
لا تدري مما هي خائفة. فقط تشعر بقلبها يخفق بجنون. ولا تتمنى سوى رحيله عن المدرج. وتركها بسلام.
بحث عن عيناه عنها. إلى أن رآها. كانت تدفن وجهها في ورقتها دون أن ترفعه لتنظر إليه.
اقترب من أحد الطلبة وهو مازال ينظر إليها. قال للطالب:
"أخبار الامتحان إيه؟"
قال الطلاب بحماس:
"سهل جداً يا دكتور. ده أسهل امتحان مر علينا."
قال طالب آخر:
"أول مرة تحط امتحان سهل كده يا دكتور. أكيد كلنا هننجح فيه."
تقدم "آدم" تجاهها وتظاهر بفحص ورقة إحدى الطالبات التي ابتسمت وهي تقول:
"شكل الدفعة كلها هتجيب امتياز يا دكتور."
لم يعبأ "آدم" بكلامها. فتركيزه كله ينصب على "آيات" التي لم ترفع عينيها إليه حتى الآن.
ترك الطالبة وتقدم أكثر باتجاه "آيات". شعرت بأن الدماء هربت من وجهها. رأته بطرف عينها واقفاً بجوارها. شعرت بالاختناق وكأنه يسحب الأكسجين الذي تتنفسه.
اقترب أكثر فأحاطت جسدها بذراعيها وكأنها تحمي نفسها منه.
امتقع وجه "آدم" وهو ينظر إليها ويقول:
"يالله كم ذبلت. تلك الوردة اليافعة ذبلت للغاية. أين تلك الابتسامة العذبة التي كانت تزين محياها؟ أين تلك العينان اللتان كانتا تلمعان في مرح؟ أين هي تلك الفتاة التي تشع بهجة وسرور؟"
أتته الإجابة من داخله: لقد قتلتها يا "آدم". قتلتها.
شعر بألم حاد في قلبه. وبأسى ظهر جلياً على وجهه.
امتدت يده ليتفحص ورقة إجابتها. لا شيء. لم تكتب أي شيء.
شعرت بأن قربه منها يعذبها. يجدد آلامها وأحزانها التي لم تشفى منها بعد.
أخذت تصرخ بكل كيانها: ارحل. ارحل عني لا تقترب مني. لا أريد أن أراك. لا أريد أن أسمعك. لا أريد أن أشعر بك. وجودك يمزقني ويذكرني كم كنت ساذجة. كم كنت أضحوكة. كم كنت لعبة بين يديك.
تجمعت العبرات في عينيها مهددة بالسقوط. مهددة بفضحها أمام عينيه. حاولت منعها بقوة من السقوط لكنها فشلت. وانهمرت عبراتها أمام عينيه.
نظر إليها "آدم" يراقب تعبيرات وجهها المتألم. وتلك اللآلئ التي تتساقط من عينيها وتحاول محوها بسرعة. قال هامساً:
"أخبار الامتحان إيه؟"
لم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع يديها لتغطي أذنها. يالله لكم أصبحت تكره صوته. أصبحت تشعر بصوته وكأنه خناجر تمزق أذنيها.
أحكمت وضع يديها على أذنيها حتى لا تسمعه أبداً.
نظر إليها "آدم" بألم. ثم. ولدهشته وجدته يأخذ قلمها من بين أصابعها. تركته فوراً حتى لا تتلامس أيديهما.
أخذ القلم وفتح ورقة إجابتها ودون أن ينتبه أحد وضع علامة مميزة بداخل الورقة.
نظرت إلى العلامة التي صنعها بدهشة. ماذا يفعل؟ أيحاول الانتقام منها؟ أيحاول إيهام المراقبين بأنها من صنع تلك العلامة؟ أيحاول أن يضعها في مأزق؟
رفعت رأسها تنظر إليه. فتلاقت نظراتهما.
تلك العينان الزرقاوان كم عشقتهما من قبل. كم تمنت ألا تفارقهما أبداً. كم سبحت في بحارهما. أما الآن فلا تشعرانها تلك العينان إلا بالألم. والنفور. والغضب.
نظر "آدم" إليها. كم تبدو بريئة. ضعيفة. حزينة. تمنى أن يزيل تلك النظرة عن عينيها. وتلك العبرات من وجهها. ليرى "آيات" التي يعرفها. التي تنظر إليه بحب وشوق.
أخذ يهتف بداخله: ماذا أفعل لتسامحيني؟ ماذا أفعل لأنال ثقتك من جديد؟ ماذا أفعل حتى تتوقفي عن طعني بتلك النظرات المعاتبة الغاضبة. التي تشعرني بمدى سُوئي وحقارتي.
أبعدت عينيها عنه. وقد اكتفت بما حصلت عليه من ألم. من عينيه التي أصبحت مصدر ألمها وشقائها.
آلمه بعدها ونفورها. لكنه يعلم جيداً بأنه يستحق ذلك.
التفت ليغادر في صمت.
انتهت "آيات" من أداء الامتحان الذي لم تكتب فيه إلا بضع كلمات لن تعطيها درجة النجاح بأي حال من الأحوال.
وقفت خارج المدرج تبكي في إحدى الزوايا.
خرجت "أسماء" وقالت لها بلهفة:
"فيه إيه يا "آيات"؟"
كتبت "آيات" في دفترها:
"محلتش حاجة."
عانقتها "أسماء" تحاول تهدئتها وهي تقول:
"خلاص يا حبيبتي ولا يهمك. مش مهم."
ثم نظرت إليها قائلة:
"طيب تعالى نشوف امتحان الشفوي."
كتبت "آيات" في دفترها:
"محلتش نظري كويس. الشفوي هيفيدني بإيه؟"
قالت "أسماء":
"يا ستي متعرفيش ما فيه ناس مبتبقاش حلة حاجة وبتلاقيهم بينجحوا. وإن شاء الله تنجحي."
سارت "آيات" مع "أسماء" للبحث عن لجنة الشفوي. انتظرتا قليلاً مع الطلبة في الخارج حتى استطاعتا الدخول للدكتور الذي سيقوم بإمتحانهما شفهياً.
جلستا أمامه. قال الدكتور:
"أسماؤكم إيه؟"
قالت "أسماء" اسمها. أما "آيات" فكتبته على ورقة وأعطتها له.
نظر إليها في دهشة فقالت "أسماء":
"معلش يا دكتور عندها مشاكل في زورها فعشان كده هتكتب الإجابات في ورقة."
قال لها:
"ربنا يشفيكي يا بنتي."
نظر إلى اسمها ثم قال:
"لأ انتي لجنتك مع دكتور "آدم خطاب"."
تسارعت خفقات قلبها وهي تنظر إلى "أسماء" بدهشة. قالت "أسماء":
"بس يا دكتور. دكتور "آدم" بيمتحن الدبلوم. و"آيات" دي أول سنة ليها في رابعة يعني دفعتنا."
قال الدكتور:
"والله ده اللي دكتور "آدم" قالهولي. الطالبة دي تمتحن شفوي عنده."
نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض ثم تمتمت "أسماء":
"استنيني بره هخلص امتحان وأطلعلك."
خرجت "آيات" ووقفت في الخارج وعلامات الأسى على وجهها.
فجأة وجدت "أحمد" يقترب منها. ووقف أمامها.
نظرت إليه "آيات" لترى نظرات الحزن في عينيه. بدأ حديثه قائلاً:
"إزيك يا "آيات" عاملة إيه؟"
أومأت برأسها. فشعر بالألم. وقال لها:
"أنا عرفت اللي حصل. محبتش أكلمك الفترة اللي فاتت. حسيت إني مش هقدر أعملك حاجة ولا أخفف عنك. بس النهاردة آخر يوم ومكنش ينفع يمر كده من غير ما أتكلم معاكي."
توترت "آيات" فأكمل بأسى:
"أنتي متستاهليش كده. متستاهليش كده أبداً."
خانها عبراتها لتتساقط فوق وجنتيها. ظهرت علامات الألم على وجهه وهو يراها متألمة هكذا دون أن يجد في نفسه القدرة على التخفيف عنها.
على بعد خطوات وقف "آدم" ينظر إليهما. ينظر إلى "آيات" الباكية و "أحمد" الواقف أمامها يواسيها بكلماته ونظراته.
شعر بغصة في حلقه. كان يجب أن يكون هو مكان "أحمد" الآن. واقف مع "آيات" يتحدث معها.
سمع "أحمد" يقول لها:
"أنا لسه بحبك يا "آيات". عارف إنك مش مستعدة أبداً تسمعي كلام زي ده دلوقتي. بس أنا فعلاً بحبك."
ثم كتب في ورقة قائلاً:
"دي أرقامي كلها. لو احتجتي أي حاجة كلميني في أي وقت."
أعطاها الورقة وهو ينظر إليها بحنان قائلاً:
"ماشي يا "آيات"؟"
كانت تشعر بالاضطراب. أخذت الورقة وأومأت برأسها.
شعر "آدم" بالغضب تجاه هذا الـ "أحمد". ود لو ذهب إليه وصرخ في وجهه. ابتعد عنها. ود لو صرخ في وجه "آيات". ألقى بتلك الورقة في وجهه. لكنه يعلم جيداً أن كلا الأمرين لن يجني منهما إلا إحراج نفسه فحسب.
انتبه "أحمد" لوجود "آدم" فنظر إليه بتحدي. ثم التفت إلى "آيات" قائلاً وهو يرفع صوته:
"حبيبتي مش عايزك تشيلي هم طول ما أنا جنبك."
نظرت إليه "آيات" بعتاب.
دخل "آدم" مكتبه وصفق الباب خلفه بقوة.
انتبهت "آيات" على صوت غلق الباب فالتفتت لترى مصدره.
في تلك اللحظة خرجت "أسماء" وسلمت على "أحمد" ثم قالت:
"خلصت شفوي؟"
قال "أحمد":
"لأ لسه. هروح أمتحن وأرجعلك."
واجذبت "أسماء" "آيات" في اتجاه مكتب "آدم". نظرت إليها "آيات" بحزن. فقالت "أسماء" بحده:
"آيات ضيعتي منك الـ 10 درجات بتوع المحاضرة ده غير الامتحان اللي اتعمل في آخر محاضرة واللي برضه محضرتيهوش والنظري محلتيش فيه كويس. إيه ناوية تضيعي الشفوي كمان؟"
ظهر الألم على محياها فقالت "أسماء" بحنان:
"عارفة إنه صعب بس حاولي تضغطي على نفسك. عايزين نخلص من الكلية دي بأه."
ظهرت العبرات في عيني "آيات" ثم كتبت في دفترها:
"مش قادرة يا "أسماء". لو شفته هيعيط تاني. مش عايزاه يشوفني ضعيفة وبعيط."
كانت في عينها نظرة تصميم ألا تحضر الامتحان. ألا تراه.
امتثلت "أسماء" لرغبتها مرغمة وقالت:
"طيب تعالي يلا ننزل زمان عمو مستنينا في الكافيتيريا."
انتظرها "آدم". دخل كل طلاب لجنته إلا هي. أرسل إحدى الطالبات للبحث عنها فعادت تقول:
"البنات قالولي إنها مشيت يا دكتور. شكلها مش هتحضر الامتحان."
ظهرت علامات الحزن على وجهه. لقد أغلقت "آيات" كل الأبواب في وجهه. وها هي تغلق آخر باب. وآخر أمل. في أن يراها ويتحدث معها ويشرح لها.
شعر بالغضب وبالضيق. لماذا لا تعطيه فرصة الدفاع عن نفسه؟ لماذا لا تستمع إليه؟ لماذا تطرده خارج عالمها بلا شفقة أو رحمة؟ لماذا لا تريد أن تفهم أنه ليس بهذا السوء؟
ولكن ما الفائدة؟ لن يفيد أي كلام ولا أي سؤال. أيقن "آدم" في تلك اللحظة أنه بالفعل خسر "آيات". خســرها للأبـــد.
***
- أنا آسفة يا طنط.
قالت "سمر" ذلك بصوت مرتجف. حائر. مضطرب.
نعم تتمنى الموافقة. تتمنى أن تكون من نصيب "على". لن تنكر أنها انجذبت إليه. إلى أخلاقه وتدينه وغيرته وطيبته.
لكنها خائفة. مازالت خائفة. مازالت لا تستطيع التغلب على خوفها.
استخارت ربها. مرات ومرات. وقفت تناجيه في جوف الليل.
لكنها مازالت خائفة. مازال الخوف يسيطر عليها ويشل تفكيرها.
لن تستطيع الإقدام على هذه الخطوة. لا تشعر بأنها مستعدة لها بعد.
نعم رفضته. رفضته وهي تتمنى الموافقة.
علم "على". حزن. وصدم. تحدث مع صديق طفولته قائلاً بتهكم ممزوج بالألم:
"أكيد رفضتني عشان مش قد المقام."
ثم قال:
"أنا قولت لماما تقولها إني هدّور على شغل تاني. وإني لسه في بداية الطريق."
ثم تنهد بحسرة قائلاً:
"أعمل إيه؟ مش ذنبي إن حال البلد زي الزفت. مش ذنبي إن مفيش فرص شغل. مش ذنبي إني من أول ما اتخرجت مش عارف أشتغل شغلانة عدلة أكون بيها نفسي. أنا مش واحد صايع أنا اتعلمت وخدت شهادة بس للأسف مش عارف أشتغل بالشهادة اللي طفحت الدم عشان آخدها."
قال صديقه مواسياً:
"إن شاء الله تلاقي شغلانة أحسن يا "على"."
نهض "على" وهتف بغضب قائلاً:
"إمتى؟ هلاقيها إمتى؟ بعد ما "سمر" تضيع من إيدي وتتجوز أول واحد جاهز يخبط على باب بيتها؟ ولا إمتى؟ قول إمتى هعيش زي الناس وأبقى قادر أفتح بيت؟ لما يبقى عندي 40 سنة؟"
التفت "على" ليغادر في عصبية جذبه صديقه قائلاً:
"على استنى بس رايح فين؟"
صاح "على" بحدة:
"رايح في ستين داهية سيبني. بقولك سيبني."
سار "على" بأقصى سرعة وهو لا يدري إلى أين تأخذه قدماه. كان يشعر ببركان ثائر بداخله. بركان غاضب ناقم يريد أن يخرجه ليرتاح.
توقف بعدما تعب من المشي. أخذ يلهث وهو ينظر حوله. وجد مسجداً صغيراً فدخل وتوضأ وصلى.
بكت عيناه قبل قلبه وهو يتضرع إلى الله أن يفرج كربه وأن يفتح له أبواب الرزق.
***
استيقظت "أسماء" من نومها على أصوات الصراخ مرة أخرى.
جلست في فراشها للحظات ثم ما لبثت أن نهضت وخرجت لتجد النقاش قد احتد بين أبويها كالعادة.
قالت "أسماء" بضعف:
"حرام عليكوا بأه."
هتفت والدتها بغضب:
"تعالي يا "أسماء". تعالي شوفي أبوكي المحترم عمل إيه."
ثم نظرت إليها أمها قائلة:
"أبوكي اتجوز يا "أسماء"."
شهقت "أسماء" بقوة وهي تضع يديها على فمها وتنقل نظرها بين والدها ووالدتها في عدم تصديق.
فصاح والدها متهكماً متشفياً:
"أيوه اتجوزت. وهجيبها تعيش معاكي هنا في البيت عشان أذلك وأقهرك."
صاحت زوجته بغضب:
"ومين قالك إني هقعد لك هنا؟ أنا ماشية رايحة أعد في بيت بابا ولو مطلقتنيش هرفع عليك قضية خلع وهبهدلك في المحاكم."
صاحت "أسماء" باكية وهي تنظر إلى والدتها برجاء:
"لأ أرجوكي متقوليش كده عشان خاطري متقوليش كده. مش هقدر أتحمل يا ماما. متسبوش بعض."
قالت أمها:
"إحنا أصلاً كان لازم ناخد الخطوة دي من زمان."
ثم نظرت إلى زوجها بتحدي قائلة:
"لو مطلقتنيش هرفع عليك قضية خلع فاهم."
ثم توجهت إلى غرفتها تحضر حقيبة ملابسها.
صاح زوجها بسخرية:
"أعلى ما في خيلك اركبها. مش هطلق وهسيبك كده لحد ما ترجعي تبوسي جزمتي عشان أفتحلك باب الشقة."
شعرت "أسماء" وكأن الأرض تميد بها. نعم إنها تميد بالفعل. جلست على أحد المقاعد ودفنت وجهها بين كفيها لتنفجر في بكاء حار.
***
نظر "آدم" حوله ليتأكد بأنه جمع كل أغراضه. أخرج الحقائب أمام باب البيت.
ثم دخل وطرق باب غرفة والدته. فتحها ليجدها جالسة على فراشها تبكي بحرقة.
اقترب منها وهو ينظر إليها بأسى. جلس بجوارها. صمت قليلاً ثم قال دون أن ينظر إليها:
"أنا مضطر يا ماما. مضطر عشان أقدر أقف على رجلي تاني."
قالت له بصوتها الباكي:
"اعمل اللي يريحك يا "آدم"."
التفت إليها قائلاً:
"ماما أنا فعلاً مضطر أسافر. بس متقلقيش. هظبط وضعي هناك وبعدين هاجي آخدك."
قالت أمه باكية:
"اعمل اللي فيه صالحك يا "آدم" ومتشلش همي يا ابني."
تنهد "آدم" بألم وهو يشعر بالتمزق بين مشاعره ورغباته وطموحاته.
نهض متثاقلاً. التفتت أمه تنظر إليه بأعين دامعة. انحنى وقبل رأسها ثم غادر سريعاً.
حمل حقائبه وألقى نظرة أخيرة على البيت ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
انخرطت والدته في بكاء مرير وتعالت شهقات بكائها وهي تضم إحدى صوره إلى صدرها.
***
تعانق الصديقان طويلاً. ثم نظر "زياد" إلى "آدم" قائلاً:
"فكرت كويس."
قال "آدم":
"أيوه يا "زياد" فكرت كويس."
ثم سأله قائلاً:
"هترجع شرم إمتى؟"
قال "زياد":
"بكرة إن شاء الله."
تعانقا مرة أخرى وقال "زياد" قبل أن ينصرف:
"خلي بالك من نفسك يا "آدم"."
ربت "آدم" على كتفه قائلاً:
"وانت كمان يا "زياد"."
ركب "آدم" سيارته. لكنه شعر بأنه يرغب في توديع شخص ما قبل ذهابه.
أوقف سيارته أمام الفيلا. وهو ينظر إليها. يأمل أن يرى "آيات". يأمل أن يلقي عليها نظرة أخيرة. يأمل أن يخبرها بأنه راحل. سيترك القاهرة ويرحل يبني نفسه في مكان آخر. يأمل أن يعتذر إليها. ويطلب صفحها. يأمل أن يطمئن عليها. وأن يرى ابتسامتها على وجهها ليخف شعوره بالذنب تجاهها.
وقف طويلاً دون أن يظهر لها أي أثر.
أدار سيارته وانطلق في طريقه إلى العين السخنة. لتحقيق أحلامه وطموحاته. ليعود "آدم خطاب" كما كان. ليبني كل شيء من العدم. ليعود قوياً ذا سلطة ومال.
خسر "آيات" ويتألم لخسارتها. لكنه سيحاول تحقيق أحلامه. ليخفف شعوره بالخسارة.
سيحارب "سراج" وابنه في عقر دارهم. سيذيقهم كأس الخسارة. ويجعلهم يتجرعون مرارة الندم.
نظر بحزم إلى الطريق وسيارته تسير عليها بتصميم وإصرار.
***
على إحدى الطاولات في النادي. جلست الأربع فتيات. كل منهن شاردة في عالمها الخاص ومشاكلها الخاصة وأحزانها الخاصة.
تنهدت "إيمان" في أسى وهي تتذكر الإهانة التي تعرضت لها. هذه المرة وقع الإهانة كان أقوى وأشد من سابقاتها. هذه المرة شعرت بمرارة الرفض في حلقها وفي قلبها وفي روحها.
هذه المرة علمت وتأكدت بأن الفرح لن يطرق بابها أبداً فمثلها لن تحب ولن تُحب. لن تكون كصديقاتها لن تتزوج مثلهن. ستعيش وحيدة لأن مثلها لن يرغبها أحد.
فكرت بسخرية: لماذا يترك رجل تلك الفتيات الرشيقات النحيلات ليتزوج ممن هي مثلها؟ لن يحدث ذلك إلا في عالم أحلامها. أحلامها التي يجب أن تفيق منها وتعلم جيداً أنها مجرد أحلام وأوهام.
يجب أن ترضى بواقعها وتقنع به حتى لا تتعب مرة أخرى. حتى لا تُهان مرة أخرى.
من الآن هي من سترفض. سترفض أن يراها أي رجل ليجلس واضعاً ساقاً فوق ساق ويقرر إن كانت تصلح له أم لا. لن تضع نفسها في هذا الموقف مرة أخرى. لن تسمح لأحد بإهانتها مرة أخرى أو التقليل من شأنها. سترفض قبل أن تُرفَض. تعلم أن في ذلك هروب. لكن المواجهة أصبحت مؤلمة. مؤلمة للغاية.
أمسكت "سمر" إحدى الزهرات على الطاولة تتلمسها بيدها وقلبها يتساءل. تُرى أتعرف الحب يوماً؟ أ تستطيع الوثوق في رجل يوماً؟ ترى أستجد من يملأ ذلك الفراغ الذي تشعر به بداخلها؟
أحياناً تشعر بالندم لرفضها "على". كانت بالفعل تشعر بانجذاب تجاهه. لكنها ليست بحاجة إلى رجل يتقدم لخطبتها وتصير زوجته. بل هي بحاجة إلى أب. تشعر بأنها في كنفه وتحت حمايته. تشعر أمامه بأنها طفلة صغيرة وهو مسؤول عنها. تشعر معه بأنها ابنته وليس فقط زوجته.
تُرى أمن الممكن أن يكون "على" ذلك الرجل حقاً؟ أتسرعت برفضها إياه؟ أمن الممكن أن يكون "على" هو الأب والزوج الذي تحلم به؟
مسحت "أسماء" دمعة كانت أن تفلت من عينيها وهي تتذكر شجارات والديها. ما هذا الكم من عدم الاحترام؟ لماذا تشعر دائماً بأن الاحترام مفقود بينهما؟
تذكرت إحدى الجمل التي قرأتها يوماً. أن أساس الزواج الناجح هو الاحترام القائم بين الزوجين وإن فُقد فهذا معناه أن حياة الزوجين معاً قد انتهت.
فكرت بمرارة في سطوة الرجل والذي يحق له أن يتزوج واحدة واثنان وثلاث وأربع. لماذا لا تكون للمرأة نفس السلطة فيحق لها الزواج من أكثر من رجل. لماذا يكون للرجل فقط حق قهر المرأة وإذلالها بالزواج من أخرى. لماذا التهديد دائماً بالزواج الثاني لارهاب الزوجة الأولى.
شعرت بالاختناق وهي تضع نفسها مكان أمها. تُرى أمن الممكن أن تكون مكانها يوماً؟ أمن الممكن أن تتزوج رجلاً يلعب بورقة الزواج الآخر ليرهبها ويخضعها له. لن تتحمل. لن تحترمه. لن تستطع أن تعيش مع رجل لا يستخدم معها سوى أسلوب الارهاب لتحقيق ما يريد. لن تسمح لرجل أبداً بأن يهينها ويضربها ويسبها ويجرحها ويفرض سيطرته عليها. لن تكون تحت رحمة رجل لا تتمنى في الدنيا سوى رضاه. ولا يتمنى هو سوى قهرها.
نظرت "آيات" إلى السماء الزرقاء. شعرت بأنها تذكرها بشيء ما. ظلت تحاول تذكره. إلى أن تذكرت. لون عيناه.
نفضت رأسها بألم وكأنها تريد إخراج أي ذكرى له من رأسها.
تنهدت بقوة وهي تتذكر كيف أحبته وكيف وثقت به. وكيف ظنته فارسها. كيف خدعت فيه. كيف رفعها إلى فوق السحاب ليهوي بها فجأة إلى الأرض. لترتطم بها.
لماذا لا توافق على الزواج من "أحمد"؟ الذي ينتظر إشارة منها. لماذا لا تفعل وتسكت قلبها عن التحدث من اليوم. وتترك لعقلها حرية التصرف. لماذا لا تأخذ بالمثل القائل. خد اللي يحبك. لماذا لا تفعل. "أحمد" ش.
رواية جواد بلا فارس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم بنوته اسمرة
توجه "آدم" إلى القرية التي ستكون تحت تصرفه بعد أن استأجرها "شكرى". تذكر زيارته لها وللقريتين المجاورين عندما جاء مع "سراج" و"عاصى" لاختيار القرية المناسبة. تذكر بمرارة كيف كان متحمساً لبدء مشروعه وكيف سهر الليالي في التخطيط له ودراسته من كل جانب. تذكر بمرارة كيف أحب "شيرين" وكيف مات حبها داخل قلبه بعد أن تحولت من فتاة بريئة إلى فتاة سافرة. ظل يشجب تصرفاتها كثيراً ويبين لها خطأها، لكنها كانت مصرة على الطريق الذي اختارته ولم تعبأ بخسارته. ففسخ خطبتها بعد أن تشوهت صورتها أمامه وحادت عن صورة فتاة أحلامه.
أخذ يفكر في أخطائه وفي علاقاته النسائية. نعم، هو الآن وصل إلى درجة كبيرة من الانحدار الأخلاقي، لكن فتاة أحلامه ظلت بنفس صورتها لم تتغير تلك الصورة ولم تتبدل. شعر بأن "آيات" كان من الممكن أن تكون هي، فلديها استعداد فطري بأن تكون أفضل، ويسهل تشكيلها وتوجيهها، وتستجيب للنصيحة إذا ما لمست صدق صاحبها. فكر بأسى كيف خسرها وكيف أضاعها من يده.
نظر إلى أمواج البحر المتلاطمة، وهو يحاول أن يتناسى حزنه وألمه وقهره. أقنع نفسه بأنه سيجد غيرها، يجد وليفة تشاطره حياته وتعيد إليه نفسه التي فقدها. لكن عليه أولاً بناء ذاته واسترجاع أمجاده وتقليص أعدائه درساً لن ينسوه. ألقى بكل عواطفه ومشاعره في البحر قبل أن يولي ظهره ويتوجه إلى هدفه بحزم وإصرار وتصميم.
***
كانت "آيات" نائمة في غرفتها، متمددة على فراشها وعقلها سابح في مكان آخر. علمت من والدها بسفر "آدم" وتركه للجامعة. أخذت تفكر: تُرى أين ذهب؟ ولماذا ترك التدريس بالجامعة؟ أخذت تلوم نفسها بشدة على اهتمامها بأمره. قالت لنفسها: وما شأنك أنتِ يا "آيات" إن بقي أم ذهب؟ لم تعد أموره من شأنك ولا أمورك من شأنه. نزلت الستارة يا "آيات" وانتهت المسرحية السخيفة التي أعطاكِ فيها دور البطولة وأشرككِ فيها رغماً عنكِ. انتهت المسرحية وصفق الجمهور وربح "آدم" المركز الأول في الغش والخداع. وها أنتِ تنزلين من فوق المنصة لتعودين إلى مكانك المظلم الكئيب، لا تحملين في قلبك سوى الحزن والألم. لا يشعر بكِ مؤلف المسرحية وكاتبها وموزع أدوارها. لقد نسيكِ ورماكِ من خلف ظهره وواصل حياته وخططه كما يريد. لم تكوني سوى بطلة من إحدى بطلاته في مسرحية من إحدى مسرحياته. لا تظني أنكِ كنتِ تعنين له شيئاً. أنتِ الغبية يا "آيات" كان يجب أن تشعري بذلك. كان يجب أن ترشدكِ فطنتكِ لذلك. أتتذكرين يوم أن رأى الشاب يضايقك ويزعجك؟ لم يحرك ساكناً، لأنكِ لا تعنين له شيئاً. ولم تعني له شيئاً. أفيقي من وهمك، فلا يستحق دموعك وأحزانك. وفرّي دموعك لمن يستحقها يا "آيات" ولا تبكي بعد اليوم.
سمعت طرقات على باب غرفتها فنهضت في تكاسل لتفتح الباب. وجدت "أسماء" واقفة بجوار والدها وكلاهما يبتسم في سعادة. نظرت إليها "آيات" تحاول معرفة سبب تلك السعادة البادية عليهما. صرخت "أسماء" فجأة وهي تعانقها وتلف بها في الغرفة:
"نجحنا يا "آيات" نجحنا!"
لم تصدق "آيات" نفسها. نزعت "آيات" نفسها من حضن "أسماء" ونظرت إليها غير مصدقة. قالت "أسماء" بفرح وهي تقفز في الهواء:
"نجحنا احنا الاتنين خلاص خلصنا مذاكرة وجامعة وامتحانات. خلاص لا امتحانات بعد اليوم!"
اقترب منها والدها وعانقها بشدة قائلاً:
"مبروك يا حبيبة قلبي."
ابتسمت "آيات" وهي تنظر إليه. لكن ابتسامتها لم تكن بتلك العذوبة التي كانت تبدو بها من قبل. شعر والدها وهو ينظر إليها بأن سعادتها ناقصة، وما زالت عيناها تشع حزناً. حتى ابتسامتها كانت تشي بشيء من الألم. تنهد في حسرة ثم أخفى شعوره بالأسى بداخله وقال بمرح:
"لازم نسهر سهرة حلوة بالمناسبة دي. يلا أسيبكوا مع بعض وبالليل جهزوا نفسكوا انتوا الاتنين."
خرج "عبد العزيز" فجلست الفتاتان على الفراش. أعطت "أسماء" إحدى الأوراق لـ "آيات" قائلة:
"خدي يا "يويو" دي درجاتنا في جميع المواد."
نظرت "آيات" إلى الورقة ثم تجمدت نظراتها وفتحت فمها في دهشة وهي تنظر إلى مادة إدارة الأعمال. رفعت رأسها لتنظر إلى "أسماء" التي قالت لها:
"أنا برده استغربت. انتي لا حليتي نظرى ولا دخلتي الشفوى وضاع منك درجات أد كده في أعمال السنة. كنت حاطة ايدي على قلبي وأنا بشوف درجتك في المادة دي عشان مكنتش عايز اكي تشيليها وتمتحنيها تاني. كنت عارفة انها هتكون صعبة عليكي."
ثم ابتسمت "أسماء" قائلة:
"بس فرحت واستغرب في نفس الوقت لما لقيتك جايبة فيها امتياز."
نظرت "آيات" إلى الورقة مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت تنظر إليها بغضب شديد. أخذت تتساءل في نفسها: ما هذا؟ تعويض؟ تعويض عن تلك الأيام التي قضتها معه؟ أم تعويض عن جرحها وإهانتها وتحطيم قلبها؟ أيظن أنه بهذه الطريقة سيريح ضميره؟ أيظن أنها ستسامحه لمجرد أن أعطاها تقديرًا لا تستحقه؟
ألقت الورقة بغضب ونهضت تفتح باب الشرفة بعصبية. وقفت في الشرفة وهي تقطب ما بين حاجبيها في ضيق شديد، وتلهث من فرط عصبيتها وتوترها. اقتربت منها "أسماء" وقالت:
"سيبك من اللي فات يا "آيات". انسيه بحلوه ومره. ولا كأنه حصل في يوم من الأيام. امسحي الأيام دي من ذاكرتك تمامًا."
أومأت "آيات" برأسها، ونظرة تصميم في عينيها، فهذا ما قررته بالفعل.
***
تلقى "آدم" اتصالاً من "شكرى" في المساء يطمئن فيه على سير الأوضاع بالقرية. فقال "آدم" بحماس:
"لا متقلقش. كل حاجة تمام. الافتتاح هيكون في أقرب وقت إن شاء الله. الامتحانات خلصت وعايزين نلحق الموسم من أوله."
قال "شكرى" مبتسماً:
"أنا واثق فيك يا دكتور."
ابتسم "آدم" قائلاً:
"وأنا متشكر لثقتك الكبيرة دي."
ثم قال بجدية:
"محتاج شوية حاجات ناقصة في الكافيتيريا والبار. لازم كل حاجة تبقى جاهزة قبل الافتتاح. هبعت الليستة بالفاكس. وكمان الإعلانات اللي عملناها عن الموظفين اللي طالبينهم ياريت توقفها لأنني خلاص اخترت كل الـ Staff اللي هيكون شغال في القرية."
قال "شكرى" في سعادة:
"شكلك مبضيعش وقت يا دكتور."
قال "آدم" وفي عينيه نظرة تصميم:
"معنديش وقت عشان أضيعه. لازم نبتدي في أقرب وقت. إعلانات القرية. لازم كل بيت في مصر يعرف بقريتنا الجديدة."
قال "شكرى" مفكراً:
"لسه مخترناش اسمها يا دكتور."
قال "آدم":
"لا خلاص اخترت اسمها. اسمها هيكون 'قرية جولدن بيتش'."
أخذ "شكرى" يلوك الاسم في فمه قائلاً:
"جولدن بيتش. جولدنش بيتش. مممممم اسم جميل وقوي."
ابتسم "آدم" قائلاً:
"كنت واثق إنه هيعجبك."
قال "شكرى" ممازحاً:
"أما نشوف 'الفيروز' ولا 'جولدن بيتش'."
قال "آدم" بجدية بالغة:
"متقلقش. قريب قوي هتتمحي قرية الفيروز من على خريطة القرى السياحية في العين السخنة."
ضحك "شكرى" قائلاً:
"أنا واثق من كده يا دكتور. منتظر الفاكس. ولو احتجت حاجة كلمني. سلام."
أنهى "آدم" المكالمة وعكف مرة أخرى على مطالعة الأوراق التي أمامه وهو يدرس كل خطوة جيداً، ليضع خطة محكمة لنجاح قريته السياحية، قرية "جولدن بيتش".
***
استيقظت "أسماء" على صوت زوجة أبيها وهي تقول:
"إنتِ لسه نايمة لحد دلوقتي؟ قومي شوفي المطبخ يضرب يقلب!"
قالت "أسماء" وهي تنظر إليها بحدة:
"حد قالك إني الشغالة الفلبينية اللي بابا جابها لكِ؟"
صرخت فيها قائلة:
"احترمي نفسك يا بنت انتي وإلا والله العظيم أقول لباباكي!"
نظرت "أسماء" بسخرية لتلك المرأة التي تكبرها ببضع سنوات فقط وقالت بتحدي:
"اعملي اللي انتي عايزة تعمليه."
خرجت وهي توعدها قائلة:
"ماشي والله لأقول لباباكي لما ييجي. وشوفي بأه هيعمل فيكي إيه."
تنهدت "أسماء" بقوة وهي تغطي وجهها بوسادتها لتقلل من حدة أصوات الموسيقى التي انبعثت من غرفة زوجة أبيها.
ما كاد والدها يعود من عمله حتى استقبلته زوجته الجديدة شاكية باكية، فما كان منه إلا أن صرخ على "أسماء" قائلاً:
"أمك اللي قالتلك تعملي كده؟ مش كده؟ قالتك تهيني مراتى وتقرفيها في عيشتها عشان تطفشيها؟ أنا عارف تفكير أمك كويس. لو كنتي فاكرة إنك كده هتطفشيها تبقي غلطانة انتي وأمك. متلزمونيش ولو حد هيمشي من البيت ده هيبقى انتي. فاحترمي نفسك يا بنت انتي أحسنلك."
شعرت "أسماء" بالقهر والظلم وقالت:
"والله يا بابا معملتلها حاجة وماما ما قالتليش حاجة."
صاحت زوجة أبيها قائلة:
"يعني أنا بتبلى عليكي يعني؟ أما قليلة الأدب صحيح. يعني أنا كدابة؟"
قال والدها بصرامة:
"شوفي يا "أسماء" مراتي تعامليها زي ما بتعاملي ماما بالظبط فاهمة؟ ولو اشتكتلي منك تاني هزعلك يا "أسماء"."
دخلت "أسماء" غرفتها ونظرت زوجة أبيها تتابعها في تشفٍّ. انفجرت "أسماء" باكية وهي تشعر بأنها وصلت إلى أعلى درجات التحمل، ولن تستطيع تحمل المزيد.
***
توقفت سيارة فارهة أمام بناية أنيقة. نزل السائق وفتح الباب لينزل من السيارة رجل في العقد السادس من العمر بدت عليه القوة والصلابة رغم سنوات عمره المتقدمة. سار بحزم إلى أن وصل إلى مكتبه بتلك الشركة الكبيرة. دخل "سراج اليماني" مكتبه لتلحق به مديرة مكتبه ومعها دفترها تذكره بمواعيده لهذا اليوم. لكنه قاطعها قائلاً:
"فين "عاصي"؟"
قبل أن تتمكن مديرة مكتبه من الرد، سمع صوتاً من خلفها يقول:
"صباح الخير يا بابا."
نظر "سراج" إلى ابنه "عاصي" الشاب ذو الثلاثين من عمره والذي يتمتع بعينان تشعان مكراً ودهاءً تستطيع تبينه من أول وهلة. كانت تعابير وجهه القاسية تشكل مع ابتسامته الساخرة على ركن فمه صورة منفّرة تحذرك من الاقتراب من هذا الرجل. نظر "عاصي" إلى والده قائلاً بسخرية:
"كالعادة يا بابا أول ما بتحتاجني بتلاقيني قدامك."
أشار "سراج" إلى مديرة مكتبه بالانصراف. بدت الجدية على ملامحه وهو يقول:
"إنت عرفت إن القرية اللي جنب قرية الفيروز اتأجرت؟"
قال "عاصي" وهو يجلس:
"أيوة عرفت."
سأل "سراج" باهتمام وهو يضيق عينيه:
"مين اللي أجرها؟ ومين اللي ماسكها دلوقتي؟"
قال "عاصي" وهو يمط شفتيه:
"لسه ما عرفناش."
قال "سراج" بصرامة:
"عايز بكرة بالكتير تكون عندي كل المعلومات دي."
قال "عاصي" بثقة:
"مدير القرية بتاعتنا هناك كلفته إنه يشوفلنا الموضوع ده ومنتظر منه تليفون بالتفاصيل كلها. متقلقش يا بابا."
ثم قال بسخرية:
"وبعدين مين الغبي ده اللي رايح يفتح قرية سياحية جمب قرية "سراج اليماني"؟ دي لوحدها تخليك تعرف أد إيه هو شخص غبي وفاشل ومحسبهاش كويس."
ثم قال بثقة وغرور:
"متقلقش يا بابا. العين السخنة مفيش فيها إلا قرية الفيروز، وهنفضل أكبر وأشهر قرية فيها. وأي حد هيفكر ينافسنا يبقى بينهي مشروعه بدري بدري. لأن مصيره هيبقى الخسارة. محدش يقدر يقف قدام "سراج اليماني" وابنه "عاصي"."
***
أتت الخادمة لتنبئ "آيات" الجالسة في حديقة الفيلا بزيارة آخر شخص توقعت رؤيته في منزلها في تلك اللحظة، "سمر". قامت "آيات" تستقبل صديقتها بلهفة وفرحة ظهرت في ابتسامتها وعينيها، وإن لم تستطع التعبير عن ذلك بالكلام. أجلستها "آيات" في حجرة الصالون. كانت تنظر إلى "سمر" بسعادة، فل طالما أحبت صحبتها واستمتعت بها. كانت تشعر معها دائمًا بالراحة ونفسها تهفو إلى الحديث معها. ابتسمت "سمر" وهي تقول:
"إزيك يا "آيات" وحشتيني أوي."
أومأت "آيات" برأسها مبتسمة. فقالت "سمر" بحزن:
"لسه برده مبتتكلميش."
اختفت ابتسامة "آيات" ليحل محلها الحزن. قالت "سمر" بحزم:
"آيات" اللي انتي فيه ده بإيدك انتي. "آيات" لحد امتى هتفضلي كده؟ فُوقي بأه من اللي انتي فيه."
نظرت إليها "آيات" بعبوس. فقالت "سمر":
"آيات" يا حبيبتي، إنتِ عارفة ليه بصاحبكِ رغم إن من الواضح إن في حاجات كتير مختلفة بيننا."
نظرت إليها "آيات"، فأكملت "سمر" بجدية:
"لأنكِ بنت من جواكي عاملة زي قطعة القطن في بياضها ونقائها ورقتها."
ابتسمت "آيات" بوهن. فأكملت "سمر" بحماس:
"آيات" بجد إنتِ ممكن تكوني أحسن من كده بكتير، بكتير أوي. بجد أنا بحبك أوي ولو مكنتش بحبك ما كنتش جيت لحد عندك عشان أقولك الكلمتين دول. أنا كنت حابة أتكلم معاكي بعيد عن "أسماء"."
ظهرت علامات الدهشة على وجه "آيات". فقالت "سمر":
"أسماء" كمان بنت كويسة من جواها بس عيبها إنها عنيدة شوية. لكن انتي يا "آيات" بحسك زي الورقة البيضا اللي سهل الواحد يرسم عليها اللي هو عايزه. وفي نفس الوقت مش ساذجة ولا عبيطة. لا انتي عاقلة وبتقدري تواجهي مشاكلك. عارفة يا "آيات" الإنسان القوي هو اللي يقدر يواجه مشاكله ويحلها."
صمتت قليلاً ثم قالت بتردد:
"فاكرة يوم ما جيتيلي المستشفى واتكلمنا عن الحاجة اللي حصلت وكانت مضايقاكي؟"
نظرت "آيات" إلى الأرض بخجل وزفرت بضيق وهي تتذكر قلب "آدم" التي تشعرها ذكراها بالضيق والنفور. فأسرعت "سمر" قائلة:
"مش بقولك كده عشان أضايقك. لا بقولك كده عشان أفكرك قد إيه انتي كنتي شجاعة. ولما عرفتي إن كده غلط واجهتيه وقتها رغم مشاعرك القوية نحيته ورغم خوفك من إنه يزعل. وفرحت أوي بجد بيكي وحسيت قد إيه انتي إنسانة قوية."
نظرت إليها "آيات" بحزن. فقالت "سمر" بحنان:
"حبيبتي لازم تبتدي صفحة جديدة مع نفسك ومع ربنا يا "آيات". إنتِ كويسة من جوه بس ده مش كفاية. لازم يبقى من بره زي من جوه يا "آيات". مش اللي بيحب حد بيسمع كلامه؟"
أومأت "آيات" برأسها. فقالت "سمر":
"إنتِ بتحبي ربنا مش كده يا "آيات"؟"
أومأت "آيات" برأسها مرة أخرى. فقالت "سمر" بحماس:
"أهو ربنا بأه اللي انتي بتحبيه ده أمرك بشروط معينة للحجاب. ولو شرط واحد مش موجود فيه يبقى الحجاب مش صحيح. عارفة إيه هي الشروط دي؟"
نظرت إليها "آيات" بحيرة ثم هزت رأسها نفيًا. فقالت "سمر" بهدوء:
"إنه يكون ساتر للجسم. إنه يكون واسع فضفاض مش موضح تفاصيل الجسم. إنه ميكونش زينة في نفسه يعني ميكونش ملفت. أنه ميكونش شفاف. أنه ميكونش معطر ببرفيوم أو بخور. أنه ميكونش شبه لبس الرجال. أنه ميكونش شبه لبس الكافرات. أنه ميكونش لباس شهرة يعني عشان الناس تشاور عليكي وإنتِ لابساه. فهمتي يا "آيات"؟"
أومأت "آيات" برأسها وهي تزن في عقلها ما قالته "سمر". فقالت لها "سمر" بحنان:
"والله يا "آيات" أنا صعبان عليا أوي أشوفك كده. لأن حاسة إنك ممكن تكوني كويسة أوي أحسن مني كمان. بجد والله مش بجاملك أنا فعلاً ساعات بحس إنك أحسن مني وممكن تكوني أحسن. بس انتي خدي خطوة وهتلاقي بعدها ربنا ييسرلك كل حاجة."
بدأ على "آيات" التفكير. فقالت "سمر" بحماس:
"إيه رأيك يا "آيات" تيجي معايا المسجد اللي أنا بروح أحفظ فيه؟ والله المحفظة كويسة أوي وهتحبيها. تحسي إنها أختك الكبيرة بجد. كلامها جميل بتتعد تتكلم معانا بعد ما تسمعلنا تقرألنا اللي هنحفظه. إيه رأيك تيجي تجربي وإن شاء الله الصحبة هتعجبك أوي. ها إيه رأيك؟"
فكرت "آيات" قليلاً ثم ابتسمت بوهن وهي تومئ برأسها. فاتسعت ابتسامة "سمر" قائلة:
"خلاص يبأه إن شاء الله معادنا زي النهاردة لأنني لسه راجعة من عندها النهاردة. إحنا بنتقابل في مسجد قريب من بيتي. إن شاء الله هاجي أخدك. ولو عايزة تسألي باباكي اسأليه وعرفيني هيقولك إيه. وكمان لو عايزة "أسماء" تيجي معانا قولي لها واقنعيها بطريقتك انتي أقرب لـ "أسماء" مني. قلتي إيه؟"
ابتسمت "آيات" فربتت "سمر" على يدها قائلة بإبتسامة:
"صدقيني هتبقى أحسن من دلوقتي مليون مرة. بكرة تشوفي. بس قولي يا رب. وخليكي معاه."
***
دخلت والدة "إيمان" عليها الغرفة لتجد أشياءها مبعثرة وعلى الكتب بعض الأطباق الفارغة وعلى الأرض كوب فارغ، فهتفت بحدة:
"إيه ده يا بت يا "إيمان" أوضتك مالها عاملة زي الزريبة كده؟"
كانت "إيمان" جالسة في منتصف فراشها تلعب في هاتفها وفي يدها علبة بسكويت تأكل منها. نظرت إليها "إيمان" ثم عادت تلعب في هاتفها دون أن ترد، فصاحت والدتها بغضب:
"إنتي يا بت مش بكلمك؟ قومي يا معفنة نضفي أوضتك. ريحتها تغم النفس."
فتحت والدتها شباك الحجرة والتفتت إليها تقول في غضب:
"قومي يا بت فزي."
نهضت "إيمان" متثاقلة وهي تقول بضيق:
"طيب حاضر هروقها."
قالت والدتها متهكمة:
"أكل ومرعى وقلة صنعة. ما إنتِ لو بتتحركي وتهزي لحمك ده هتخسي بدل ما إنتي عاملة زي البروطة كده."
صاحت "إيمان" بحدة:
"ماما خلاص مفيش داعي للكلام ده."
قال والدتها بتهكم:
"بأه ده منظر دكتورة؟ ييجوا زمايلك في المستشفى يشوفوا عفانتك عشان محدش فيهم يبص في خلقتك تاني."
خرجت "إيمان" من الغرفة توجهت إلى الحمام وأغلقت الباب عليها لتهرب من كلام أمها اللاذع. جلست على طرف البانيو وأخذت تبكي في صمت. طرقت والدتها الباب بعنف وقالت:
"اخلصي عايزة أكمل غسيل."
صاحت "إيمان" بحدة:
"طيب طيب."
مسحت عبراتها وقامت لتغسل وجهها. نظرت في المرآة لترى وجهها المبلل وعينيها المنتفخة من السهر وكثرة البكاء وتلك الهالات التي ظهرت تحت عينيها فباتت واضحة على بشرتها ناصعة البياض. شعرت بالتقزز وهي تنظر إلى وجهها. أبعدت عينيها سريعًا حتى لا تستمر في النظر إلى وجهها الذي أشعرها كم هي قبيحة وغير مرغوبة.
***
لم تعد "أسماء" تتحمل معاملة زوجة أبيها، ولا انحياز أبيها لزوجته الجديدة. لم تعد تتحمل العيش مع امرأة اختارها والدها لتحل محل أمها ولتكون الخنجر الذي يطعن أمها في أنوثتها وكرامتها. وصلت إلى ذروة تحملها فقالت لوالدها بوهن:
"أنا عايزة أروح أعيش عند ماما يا بابا."
لم يعترض والدها، بل بدا وكأنه كان ينتظر طلبها، ليخلو له البيت مع زوجته الجديدة. حزمت أمتعتها في أسى، وهي تبكي ألمًا وقهرًا. رأت نظرات الفرح والتشفى في عيني زوجة أبيها. لم تؤلمها تلك النظرات بقدر ما ألمها غياب أبيها، فلم يهتم حتى بوداعها أو بتوصيلها.
نزلت "أسماء" لتتوجه إلى بيت جدها حيث تعيش أمها، مع جدها ومع خالتها الأرملة وابنيها. كان الوضع بالنسبة لها يشعرها بالضيق لوجود الشابين معها في نفس البيت. لكنها أرغمت على ذلك، فقد قررت ألا تعود أبداً إلى بيت أبيها. كان البيت كبيرًا مكونًا من طابقين. حرصت "أسماء" على عدم إزعاج أحد بعدما قالت لها والدتها بحزم:
"أنا مش عايزة مشاكل فاهمة؟ ملناش حتة تانية نروح فيها. خليكي عاقلة وراضي الكل يا إما هتلاقيني أنا وإنتي اترمينا في الشارع."
امتثلت "أسماء" لأوامر أمها. بل الأكثر أنها كانت تمضي معظم الوقت في غرفتها لئلا يتضايق أحد من وجودها. كانت تعيش في البيت بملابس البيت العادية وبشعرها المكشوف رغم وجود الشابين في البيت. كانت تشعر بأنه لأمر شاق عليها أن تتحجب طيلة الوقت، خاصة وأن أحد الشابين في الثانوية العامة وإن لم يكن في إحدى دروسه فهو في البيت قابع فيه دائمًا. أما الشاب الآخر أنهى كليته ولا يعمل فيقضي معظم الليل في الخارج ومعظم النهار في البيت نائمًا. لم يكن يضايقها سوى نظرات هذا الشاب التي لم تكن تريحها بأي حال من الأحوال. لذلك كانت تحاول دائمًا أن تتحاشى رؤيته أو المكث معه في مكان واحد.
***
هتف "سراج" في دهشة ممزوجة بالحيرة:
"إيه؟ بتقول إيه يا "عاصي"؟"
قال "عاصي" بحدة:
"زي ما بقولك يا بابا. الكلب اللي اسمه "آدم" هو اللي ماسك القرية الجديدة واللي مأجرها رجل أعمال شغال في مجال السياحة بس أول مرة يأجر قرية في العين السخنة."
قال "سراج" وقد عقد ما بين حاجبيه في غضب:
"شكل اللي اسمه "آدم" ده مش ناوي يجيبها لبر."
قال "عاصي" بغضب:
"ده أنا أولع فيه هو وأهله. وزي ما رميته في السجن هرجع أرميه تاني. أظاهر إنه اشتاق له أوي ونفسه يرجعه تاني."
قال "سراج" بحزم:
"متعملش أي حاجة من غير ما أعرف يا "عاصي"."
ثم قال وهو شارد:
"استنى شوية لحد ما الأمور تتضح أكتر ونعرف هو ناوي على إيه بالظبط."
قال "عاصي" متهكمًا:
"هيكون ناوي على إيه يعني يا بابا؟ أكيد عايز يفرد نفسه ويقول أنا أهو. بس واللّي خلقه ما هسيبه المرة دي إلا لما أطلع روحه في إيدي. لأنني حذرته إنه يبعد عن طريقي لكن شكله غاوي مشاكل وبيحبها أد عنيه."
قال "سراج" بجدية:
"عايز أعرف دبة النملة في القرية دي. الناس اللي شغالة معاه مرتاباهم؟ مين دراعه اليمين؟ البروجرام الترفيهي اللي عمله للسياح؟ حتى أنواع الأكل اللي في المنيو. عايز كل التفاصيل دي تكون عندي."
قال "عاصي" بثقة وهو يرفع أحد حاجبيه:
"متخافش أنا ابتديت فعلاً أزرع ناس عنده في القرية."
ثم قال بغل:
"أما نشوف أنا ولا انت يا سي "آدم"."
***
دخل "آدم" غرفته وهو يشعر بإنهاك بالغ. ألقى بنفسه فوق فراشه يريح ظهره المتعب. طيلة الأيام الماضية لم يذق غمضاً ولا راحة. كان يعمل بهمة ونشاط حتى شعر بالإنهاك. أراد أن ينهي كل شيء في أقرب وقت ليستطيع افتتاح القرية وإعلان بدء الحرب. ساعده انهمكه في عمله على أن يتغلب ولو قليلاً على اشتياقه لـ "آيات". لكن عندما يعود إلى غرفته في المساء لا يملك سوى التفكير فيها. شعر برغبة قوية في مهاتفتها والإطمئنان عليها ومعرفة حالها وهل تحسنت واستطاعت الكلام مرة أخرى أم لا. تنهد بقوة وهو يتذكر ما فعله بها وصدمتها حينما علمت بحقيقته فلم تتحمل مشاعرها الرقيقة الصادقة كل هذا الخداع والأكاذيب. تذكر آخر مرة رآها يوم امتحان مادته، كيف كانت عبراتها تتساقط فوق وجنتيها ومشاعر الألم محفورة على وجهها. لكم يريد الآن أن يتحدث معها ويخفف عنها. لكم أراد أن يخبرها بأنه لم يكن ليؤذيها ولم يكن ينوي تركها. أراد أن يخبرها بأن مشاعره تحركت تجاهها بالفعل، وأنه تمناها بالفعل وأنه رغب بأن تصير زوجته بالفعل. لكن تُرى هل ستصدقه؟ بالطبع لن تصدقه. كيف تصدق من كذب عليها وخدعها؟ كيف تثق به مرة أخرى؟ شطح بخياله بعيداً. عندما يتمكن من هزيمة "سراج" وابنه، ويحقق ما حلم به ويبني نفسه مرة أخرى. تُرى أتقبل به إن عاد إليها؟ لم يحتج إلى تفكير طويل فالإجابة جاهزة. بالطبع لا. لم تهتم "آيات" لا بماله ولا بثرائه بل اهتمت بشخصه الذي صدمت فيه. فلا فائدة إذن إن ملك الدنيا ووضعها تحت أقدامها، مادامت نظرتها فيه قد تحطمت. تذكر نفورها منه ونظر عينيها الغاضبة المعاتبة. أصابه ذلك بالإحباط الشديد. وقال في نفسه: انسى يا "آدم". انسى. لن تفكر فيك بعد الآن. لن تحترمك بعد الآن. لن تكون لك بعد الآن. شعر بالغيرة تتسرب إلى قلبه وهو يتذكر وقوفها مع "أحمد" الذي صرخ بأعلى صوته وسط الجامعة معلنًا عن حبه لها وعن رغبته في الزواج منها. تُرى أمازال يعرض عليها الزواج؟ أستوافق "آيات" على الزواج منه؟ أستصير فعلاً زوجة لغيره؟ امتلأ قلبه بالألم وأخذ نفساً عميقاً لعله يريح قلبه مما يعانيه. تناول هاتفه واتصل بـ "زياد" يتحدث معه قليلاً ليصرف ذهنه عن التفكير في "آيات". في وسط حواره قال:
"آه صحيح كنت عايز أقولك حاجة مهمة."
قال "زياد":
"خير يا "آدم"؟"
قال "آدم" بحزم:
"أنا محتاجك معايا يا "زياد"."
قال "زياد" باستغراب:
"محتاجني معاك إزاي يعني؟"
قال "آدم" بجدية:
"بص يا "زياد" أنا محتاج معايا حد أثق فيه. ومش هلاقِي أحسن منك. أنا عارف "سراج" و "عاصي" كويس جداً وعارف تفكيرهم. زمانهم دلوقتي عرفوا إني مدير القرية الجديدة وإني اخترت المكان ده بالذات عشان أحاربهم. وأكيد هيحاولوا يدمروني بكل الطرق. أنا محتاج معايا حد أثق فيه لأن كل اللي شغالين هنا لسه جداد ولسه محطوطين تحت الاختبار. عارف إن هيكون منهم جواسيس وناس هيقدر "عاصي" إنه يرشيها عشان يوصلها. عشان كده لازم يكون في حد جنبي لو أنا مش موجود يكون هو عيني اللي بشوف بيها. فاهمني يا "زياد"؟"
قال "زياد" بعد تفكير:
"طيب وشغلي يا "آدم"؟"
قال "آدم" على الفور:
"أصلاً القرية اللي انت ماسكها دلوقتي قرية تعبانة لشركة صغيرة. يعني الفرصة اللي أنا بعرضها عليك أحسن مليون مرة من إدارتك للقرية التعبانة دي. وكمان المرتب هيكون زي ما انت عايز. ده غير إن شغلك هيكون معايا أنا يعني لا صاحب القرية يقرفك ولا يطلع عينك لأنني أنا المسئول الأول والأخير عن كل حاجة في القرية لأنني شريك فيها بمجهودي."
صمت "زياد" يفكر في عرض "آدم" فحثه "آدم" قائلاً:
"مش هقبل رفض يا "زياد". بجد محتاجك جنبي. وفعلاً دي فرصة بالنسبة لك. وإنت عارف كويس إن الشركة اللي إنت شغال معاها شوية وهتلاقيهم صفوا أعمالهم لأن الشركات الصغيرة اللي زي دي بتظهر بسرعة وتختفي بسرعة. قولت إيه؟"
قال "زياد" مفكرًا:
"هي فعلاً فرصة زي ما بتقول. خاصة فعلاً إن الشغل بأه زفت وأنا فعلاً متوقع إنهم هيقفلوا الشركة قريب."
قال "آدم" بلهفة:
"طب إيه؟"
قال "زياد" مبتسمًا:
"شكلي مش هعرف أخلص منك أبداً."
ضحك "آدم" قائلاً:
"أهو هو ده الكلام. بجد فرحتيني يا "زياد"."
ثم قال:
"بص بأه يا باشا تلم عزالك كده وتجيلى في أقرب وقت. في بلاوي متلتلة لازم تخلص قبل الافتتاح. قشطة يا معلم."
ضحك "زياد" قائلاً:
"قشطة يا دكتور."
***
ما كادت "ساندي" تعلم بأن افتتاح القرية السياحية الخاصة بشركة والدها سيكون خلال شهر حتى قالت لوالدها بلهفة:
"بابا أنا عايزة أشتغل في القرية السياحية الجديدة."
قال والدها مستغربًا:
"بس إحنا متفقين من زمان إن شغلك هيكون معايا في الشركة يا "ساندي"."
قالت بدلال:
"بس أنا حابة أشتغل في القرية يا بابا. عشان خاطري يا بابا واقف. وبعدين أكيد هستفاد كتير جدًا من خبرة دكتور "آدم"."
فكر والدها قليلاً ثم قال:
"طيب يا "ساندي" زي ما تحبي."
عانقته "ساندي" قائلة بمرح:
"ميرسي يا بابا."
ابتسمت في سعادة وهي تشعر بالحماس واللهفة للعمل في القرية السياحية، بجوار "آدم".
***
- لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك.
أخذ والد "آيات" يلبي نداء العمرة بصوت مسموع وهو جالس بجوارها في الطائرة. قرر والدها القيام بأداء العمرة قبل الذهاب إلى رحلتهما. أراد أن يدعو الله عز وجل لابنته بالشفاء في هذه البقعة المباركة. وظن أن في ذهابها خير كثير لها. ود لو أدى معها مناسك الحج لولا أن الحج في أشهر معلومات كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ: شَوَّالٌ وَ ذُو الْقَعْدَةِ وَ ذُو الْحِجَّةِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحُجُّ فِيمَا سِوَاهُنَّ". أخذ "عبد العزيز" يردد: لبيك اللهم لبيك.. دون كلل أو ملل. نظرت إليه "آيات" وهي تستمع إليه وتشعر بشعور غريب. ودت لو استطاعت النطق لتلبي مثله. فعلت بقلبها.
حطت الطائرة ونزلت منها في المدينة وهي تنظر إلى حولها برهبة. توجها إلى الفندق لوضع حاجياتهما، ثم توجها إلى القبر النبي صلى الله عليه وسلم لزيارته والسلام عليه ثم توجها إلى مكة.
أمرها والدها أن تقول بقلبها: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". فعلت مثلما قال والدها. بمجرد دخولها المسجد الحرام شعرت بشعور لذيذ يغمرها وتنبهت كل حواسها. نظرت حولها إلى المعتمرين لتشعر بسكينة وصفاء. كانت تنظر حولها بدهشة ورهبة واستمتاع. شعور غريب لم تألفه من قبل. كان والدها مستمرًا في التلبية وهي كذلك، حتى وصلا إلى الكعبة فأمرها بقطع التلبية. يالله! نظرت "آيات" إلى الكعبة لتشعر وكأن الزمن توقف بها. وكأن العالم كله ما هو إلا هذه البقعة المباركة ولا شيء سواه.
لا تعرف "آيات" من أين أتتها تلك العبرات، ولا لماذا أتت، لكنها وجدتها تتساقط فوق وجنتيها بغزارة. لم يكن الحزن سبب بكاءها، بل كان التأثر الشديد. شعرت وكأنها أمام شيء عظيم، شيء لا تستحق الوقوف أمامه ولا التواجد حوله. شعرت بنفسها صغيرة للغاية، ضعيفة للغاية، مليئة بالذنوب والخطايا.
توجها إلى الحجر الأسود، فإضطبع "عبد العزيز" - أي كشف عن كتفه الأيمن-. من حظهما كان الزحام قد خف نوعًا ما، فاستطاعا الاقتراب منه. أمرها والدها بلمسه بيدها اليمنى وتقبيله. تذكرت "آيات" كلام والدها قبل صعودهما إلى الطائرة. أخبرها أن في تقبيل الحجر الأسود اتباع سنة، ليس المقصود بها التبرك أو غير ذلك، بل المقصود هو فعل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم. تذكرت والدها حينما قال لها أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال حين قبّل الحجر الأسود: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك). وقال لها أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًا". شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تتلمس الحجر الأسود بيدها. لم تتمالك نفسها مرة أخرى ففاضت عيناها بالبكاء.
أمرها والدها قائلاً:
"قولي 'بسم الله، والله أكبر' عشان نبدأ الطواف."
ففعلت "آيات". تذكرت كلام والدها أنهما سيطوفان 7 أشواط تبدأ من الحجر الأسود وتنتهي عنده. وخلال ذلك تستطيع قراءة القرآن أو الدعاء أو الاستغفار.
مسحت بيدها هي ووالدها على الركن اليماني بدون تقبيل وسمعت "عبد العزيز" يقول:
"رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ."
فعلت مثله.
طافت "آيات" وهي تستغفر الله عز وجل وتبكي بحرقة. ما زالت تجهل أسباب بكائها لكن كل ما حولها يجعلها تبكي. شعرت وكأن البكاء يطهرها ويزيل ما في قلبها وروحها من آثام. استشعرت بأن الله عز وجل يراها الآن، تفعل ما أمر به، وتستغفره. فازدادت حدة بكائها. كان "عبد العزيز" قد سبقها في أول ثلاث أشواط حيث الرمل - أي الإسراع في السير-. أما باقي الأربع أشواط فمشى مشيًا عاديًا استطاع أن يكون قريبًا منها فيستمع إلى بكائها. نظر إليها في حنان وأكمل دعاءه واستغفاره وتضرعه إلى الله عز وجل لشفاء ابنته وحفظها من كل سوء.
بعدما انتهيا من الطواف قام "عبد العزيز" بتغطية كتفه الأيمن واتجه إلى مقام إبراهيم، هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقف عليه عند بناء الكعبة، وفي هذا الحجر أثر قدمي إبراهيم عليه السلام. تذكرت كلام والدها أن عمر رضي الله عنه قال: "وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: 'وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى'".
ذكرها والدها قائلاً:
"آيات" يا بنتي، هتقري في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ). وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)."
أومأت برأسها إيجابًا وبدأت في الصلاة. بعدما انتهت من صلاتها أخذها والدها حيث ماء زمزم، ذلك الماء المبارك الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له".
شربه "عبد العزيز" بنية أن يقيه من عطش يوم القيامة ثم التفت إلى "آيات" قائلاً:
"اشربيه يا بنتي بنية إن ربنا يشفيكِ."
شربت "آيات" ذلك الماء المبارك وهي تدعو الله عز وجل أن يشفيها ويفرج كربها ويزيل همها وينير بصيرتها. شعرت بأن للماء مذاقًا خاصًا في فمها. لم تشعر من قبل بأن للماء طعمًا، لكن هذه شعرت وهي تشرب من زمزم بأن له طعمًا مميزًا تمنت أن يبقى في فمها للأبد. بعد ذلك عادا إلى استلام الحجر الأسود مرة أخرى بالتقبيل. ثم توجها إلى المسعى وعندما اقتربا من الصفا تلا "عبد العزيز" قول الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وكذلك فعلت "آيات".
بعدما صعدا إلى الصفا نظرا إلى الكعبة واستقبلا القبلة وردد "عبد العزيز" ثلاث مرات ومعه "آيات":
"اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنـجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده."
بدأ هو و "آيات" في السعي وقراءة القرآن والدعاء والاستغفار حتى وصلا إلى المروة. رددوا ثلاث مرات مع النظر إلى الكعبة:
"اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلا الله، وحده، أنـجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده."
ظلا يسعيان بين الصفا والمروة. وبعدما أتما الشوط السابع عند المروة قام "عبد العزيز" بحلق جميع شعر رأسه. وقص لـ "آيات" مقدار عقلة إصبع من شعرها. بدل "عبد العزيز" ملابس الإحرام بملابسه العادية. أما "آيات" فظلت في الملابس الفضفاضة التي ارتدتها لأداء العمرة.
مكثا في مكة بعض الوقت وحملا معهما الهدايا وماء زمزم. وتوجها إلى الكعبة وطافا بها طواف الوداع قبل أن يغادرا مكة. شعرت آيات وهي تطوف طواف الوداع وكأنها تودع شخصًا عزيزًا. شعرت بأنها ستفتقد هذا المكان بشدة. شعرت براحة وسكينة لم تألفهما من قبل. شعرت وكأن كل همومها وأحزانها قد زالت وكأنها ولدت في ذلك اليوم بقلب جديد، روح جديدة. شعرت بسعادة بداخلها لا تدري سببها. شعرت بأنها ستعود إلى هذا المكان مرة أخرى، بل مرات. فحنينها لهذا المكان بدأ ولن ينطفئ أبدًا.
نظرت من شباك الطائرة إلى المدينة قبل أن تغادرها. نظرت لها من السماء بملء عينيها وكأنها تحفر صورتها في قلبها وعقلها. أسندت رأسها إلى المقعد وهي تتنهد في راحة. وتتذكر ما فعلته في العمرة. ربت والدها على يدها وابتسم لها قائلاً بحنان:
"مبسوطة يا "آيات"؟"
نظرت إليه وابتسمت. اغرورقت عيناه وهو يراها لأول مرة منذ فترة تبتسم بسعادة. وتلمع عيناها بهجة. شعر بأنه يرى "آيات" التي افتقدها والتي اشتاق إلى رؤيا ابتسامتها العذبة. اتسعت ابتسامته وهو ينظر إليها بحنان. كان ينتظر منها إيماءة برأسها لتجيب بها عن سؤاله كما هي عادتها. لكن دموعه أخذت في التساقط على وجنتيه عندما ردت قائلة:
"الحمد لله."
رواية جواد بلا فارس الفصل الرابع عشر 14 - بقلم بنوته اسمرة
هبت نسمات الصيف الحارة لتلفح وجه "آيات" الواقفة في شرفة غرفتها. توجهت إلى الداخل لتهرب من تلك الموجات الساخنة. نزلت إلى الأسفل حيث قابلت في طريقها دادة "حلمية" التي خرجت للتو من غرفة الطعام لتبتسم في وجهها قائلة:
"كويس هتفطروا مع بعض النهاردة."
نظرت إليها "آيات" وعلى شفتيها ابتسامة عذبة. سعدت بها "حليمة" التي حمدت الله على عودة "آيات" إلى وضعها الطبيعي. دخلت غرفة الطعام وهي تقول بمرح:
"خيانة بتفطر من غيري."
قبلت رأس والدها الذي ضحك قائلاً:
"ومن امتى بأه واحنا بنفطر سوا؟ أنا راجل بصحى بدري عشان شغلي وحضرتك بتنامي للضهر."
جلست "آيات" بجوار والدها على الطاولة وقالت:
"وأصحى بدري أعمل إيه؟ أنا لا شغلة ولا مشغلة."
تناولت قطعة خبز ثم نظرت إلى والدها قائلة:
"لسه برضه يا بابا رافض شغلي عندك في الشركة؟"
قال "عبد العزيز" وهو يرشف من فنجانه:
"مش مسألة رافض يا "آيات".. أنا بس مش عايز أتعبك يا حبيبتي وكمان لما نبقى نطلع الرحلة اللي اتفقنا عليها."
قالت "آيات" ضاحكة:
"آه الرحلة اللي بسمع عنها من قبل امتحاناتي ولسه مطلعنهاش لحد دلوقتي."
ابتسم "عبد العزيز" قائلاً بأسف:
"أديكي شايفة من ساعة ما رجعنا من العمرة وأنا مطحون في الشركة.. بس زي ما وعدتك هفضى نفسي في أقرب وقت ونطلع الرحلة اللي وعدتك بيها."
ابتسمت "آيات" قائلة بتأثر:
"أحلى رحلة ممكن أفكر إني أطلعها في يوم من الأيام هي العمرة.. بجد كان شعور مختلف عمري ما حسيت بيه قبل كده."
ثم نظرت إلى والدها قائلة:
"ياريت يا بابا نطلعها مع بعض كل سنة."
قال "عبد العزيز" وهو يربت على يدها:
"إن شاء الله يا "آيات".. وكمان هنطلع نحج مع بعض السنة دي إن شاء الله."
قالت "آيات" بلهفة:
"بجد يا بابا.. متتصوريش فرحتي قد إيه.. أنا من يوم ما رجعت من هناك وأنا نفسي أروح هناك وأشوف الكعبة تاني."
قال "عبد العزيز" وهو ينهض:
"إن شاء الله نروح تاني وتالت وعاشر كمان.. بس سيبيني دلوقتي بأه عشان الشغل بيناديني."
شيعته "آيات" بنظراتها قائلة:
"ربنا معاك يا بابا."
أنهت "آيات" فطارها وتوجهت إلى غرفة المعيشة تشاهد التلفاز. رن هاتفها فردت مبتسمة:
"ألو.. أيوة يا سمر."
قالت "سمر":
"اسمها السلام عليكم يا بنتي."
ضحكت "آيات" قائلة:
"السلام عليكم يا سمر."
"وعليكم السلام.. ها هتيجي النهاردة؟"
قالت "آيات":
"أيوة طبعاً بس له مرجعتش."
"يلا قومي راجعي وبطلي كسل."
ثم قالت:
"أصلاً اللي بتكلمك دي لسه مرجعتش."
ضحكت "آيات" قائلة:
"طيب قولي لنفسك الأول."
قالت "سمر":
"أسماء مش عايزة تيجي معانا برضه."
قالت "آيات" بحزن:
"أسماء مش عايزة تعمل أي حاجة.. من ساعة ما مامتها وباباها انفصلوا وراحت عاشت مع مامتها وهي اتغيرت أوي وبعدت عني أوي.. حتى لما بكلمها كتير أوي مبتردش عليا ولما بترد ببقى حاسة إنها عايزة تنهي المكالمة."
قالت "سمر":
"بس اللي أعرفه إنكم صحاب أوي."
قالت "آيات" بحسرة:
"أيوة صحاب جداً.. بس هي أسماء كده لما حاجة تضايقها تلاقيها بعدت عن الكل وخدت جنب لوحدها.. حتى مبترضاش تحكي عن مشاكلها.. أنا فوجئت لما عرفت إن مامتها وباباها انفصلوا مع إنها ما قالتليش إنهم مكانوش متفقين مع بعض وده مزعلني منها أوي."
قالت "سمر":
"ربنا يفرج كربها."
"آمين."
ثم قالت "آيات" بعزم:
"بس أنا برضه هفضل ألح عليها إنها تيجي معايا المسجد.. حاسة إن جو المسجد هيخليها تنسى مشاكلها وتندمج مع المجموعة اللي هناك.. وكمان لما تبتدي تحفظ قرآن أكيد هتحس براحة أكبر وربنا هيزيل همها."
ثم قالت:
"أنا نفسي حسيت بكده وحسيت الصحبة الحلوة دي هونت عليا حاجات كتير."
قالت "سمر":
"خلاص حاولي تقنعيها وأنتي وشطارتك بأه.. هستناكي متتأخريش."
"ماشي يا سمر."
هاتفت "آيات" "أسماء" التي ردت بهدوء قائلة:
"ألو."
قالت "آيات" بمرح:
"سمسم ازيك.. وحشاني رغم إنك مش معبراني خالص."
قالت "أسماء" بحزن:
"معلش يا "آيات" أنا مش في المود اليومين دول."
قالت "آيات" بعتاب:
"طيب ليه مبتتكلميش معايا يا أسماء مش إحنا صحاب؟"
تنهدت "أسماء" قائلة:
"مفيش حاجة أصلاً عشان أتكلم عنها.. سيبك مني.. إنتي أخبارك إيه.. عاملة إيه دلوقتي؟"
قالت "آيات":
"أسماء سيبك مني وقوليلي إنتي اللي عاملة إيه.. مرتاحة مع مامتك في بيت جدك؟"
قالت "أسماء" بضيق:
"آيات بجد مش حابة أتكلم عن أي حاجة تخصني أصلاً.. أنا بحاول أهرب من التفكير في مشاكلي فمش عايزة أتكلم فيها أصلاً.. كلميني عن أي حاجة إلا عني.. بجد يا آيات مش حابة أتكلم في حاجة ملهاش حل.. ما هينوبني إلا إني أتحسر على حالي وخلاص فبلاش منه."
قالت "آيات" مشجعة:
"حبيبتي إن شاء الله كل حاجة هتتصلح بس إنتي متكونيش محبطة كده."
قالت "أسماء" لتغير الموضوع:
"أخبار الإجازة معاكي إيه؟"
ضحكت "آيات" قائلة:
"إجازة إيه يا بنتي إحنا خلصنا خلاص."
ابتسمت "أسماء" بوهن قائلة:
"معلش تعود بقى.. تعرفي له مش مصدقة إننا خلصنا دراسة.. كانت أيام تييييييييييييت."
ضحكت "آيات" قائلة:
"واضح إنك بتعزيها أوي."
قالت "أسماء" بابتسامة:
"أوي أوي.. أهي غارت."
قالت "آيات":
"بقولك إيه يا سمسم ما تيجي معايا المسجد النهاردة.. والله الناس اللي هناك لذيذ أوي وهترتاحي معاهم."
قالت "أسماء" بضيق:
"لأ مش حابة أروح في حتة."
قالت "آيات":
"بس يا أسماء..."
قاطعتها "أسماء" قائلة:
"آيات بجد متضغطيش عليا.. سبيني وأنا شوية كده وهتلاقيني فوقت ورجعت زي الأول.. معلش يا آيات بس فعلاً أنا مش في المود خالص."
قالت "آيات" بحزن:
"ربنا يريح قلبك يا أسماء."
تنهدت "أسماء" قائلة:
"آمين."
دخل "زياد" مكتب "آدم" بالقرية السياحية وهو يصيح قائلاً:
"إيه يا آدم الطباخ التعبان اللي عينته ده؟"
رفع "آدم" رأسه ونظر إليه قائلاً:
"ماله.. عمل إيه؟"
قال "زياد" وهو يجلس:
"ده كبيره يا آدم يفتح كشك على ناصية شارع."
قال "آدم" بضيق:
"أنا مليش في موضوع الطبيخ ده.. قدملي شهاداته والأماكن اللي اشتغل فيها وكلها أماكن كويسة."
قال "زياد":
"وأكيد اتطرد منها."
قال "آدم" وقد بدأ عليه التعب:
"أنا كان مطلوب مني أعمل انترفيو لكل عامل ولكل مسؤول في القرية.. فأكيد هتلاقي في حاجات ممكن تفلت من تحت إيدي وعشان كده وجودك معايا هيفرق كتير."
قال "زياد":
"متقلقش سيب موضوع الطباخ ده عليا."
قبل أن ينصرف وقع بصره على البار الصغير في زاوية المكتب فالتفت إلى "آدم" الذي عاد للإنهمالك في عمله وقال:
"إنت بتشرب ولا إيه؟"
تابع "آدم" عيناه الواقعة على البار ثم نظر إليه قائلاً:
"لأ ده عشان الأجانب والناس اللي بتشرب.. أكيد مش هقدم لهم قهوة وشاي."
قال ذلك ثم التقط علبة السجائر وأخرج منها سيجاراً وبدأ في إشعاله. قال "زياد" بعتاب:
"إنت رجعت للسجاير تاني ولا إيه مش كنت بطلت يا ابني؟"
قال "آدم" بلا مبالاة وهو يعود النظر إلى حاسوبه:
"كبر."
هز "زياد" رأسه وغادر المكتب. رفع "آدم" رأسه لينظر إلى البار الذي أمر بوضعه داخل مكتبه. شعر ببعض الامتعاض لكنه تجاهل الأمر وقال في نفسه: " ضروريات عمل." ثم عاد إلى عمله مرة أخرى.
ما كادت "سمر" تتوجه إلى باب المستشفى لتغادرها حتى التقت بـ "علي". نظرت إليه بدهشة ثم انتبهت إلى نظراتها فأخفضت بصرها وأكملت طريقها الذي اعترضه "علي" قائلاً:
"لو سمحتي يا دكتورة."
اضطربت "سمر" بشدة ووقفت وهي تشعر بالتوتر الشديد. بدا على "علي" التوتر مثلها. قال بحرج:
"أنا بس كنت عايز أقول لحضرتك إني لقيت شغل تاني.. حالياً أنا بشتغل محاسب في شركة استيراد.. لسه متثبتش فيها بس على أمل إني أتثبت إن شاء الله.. أنا متفائل."
بلغ اضطراب "سمر" درجاته القصوى. كانت تنظر إلى الأرض دون أن يكون لديها الجرأة لتنظر إليه. فأكمل بارتباك:
"أنا بس كنت عايز أعرفك إني عندي طموح كبير ونفسي أحققه.. ونفسي أكون أحسن.. يعني أقصد..."
تلعثم بشدة ثم قال:
"أنا حابب آجي البيت أنا ووالدي ووالدتي ويبقى الكلام براحتنا أكتر وأدام والدتك."
شعرت "سمر" بالكلمات تهرب منها لا تدري ما تقول. وقفت صامتة تنظر أرضاً وهي مرتبكة وعاقدة ما بين حاجبيها. توتر "علي" بشدة ثم قال فجأة بعصبية وقد ظن بأنها ترفضه للمرة الثانية:
"أنا آسف.. انسى اللي قلته.. آسف إني ضايقتك."
ثم التفت وغادر المكان وهو يشعر بالحنق والضيق. وقفت "سمر" مكانها تحاول تنظيم ضربات قلبها التي أخذت تتسارع بقوة. ثم ما لبثت أن نزلت الدرج واستقلت التاكسي إلى منزلها وهي تفكر فيما حدث منذ قليل.
كان "عبد العزيز" جالساً في حديقة الفيلا مع "آيات" يحتسيان الشاي. قالت "آيات" بحماس:
"عارف يا بابا.. المنهج بتاعي قال لي إن مستوايا اتحسن كتير في القراءة وقال لي إن لو ركزت في التجويد ممكن آخد إجازة فيها."
ابتسم "عبد العزيز" بسعادة قائلاً:
"ما شاء الله.. يلا اتجدعي وخذيها وأنا أجيب لك أحلى هدية تطلبيها."
قالت "آيات" مبتسمة:
"لأ أنا لو هاخدها يبقى هاخدها عشان ربنا وهستنى هديتي منه هو."
قال "عبد العزيز":
"ربنا يفتح عليك يا بنتي."
نظر "عبد العزيز" إلى "آيات" قائلاً:
"إنتي ليه معدتيش بتلبسي أي حاجة من الدهب بتاعك؟"
ارتبكت "آيات" وصمتت لا تدري ما تقول. أتقول له ابنتك ساذجة يا أبي وأعطت كل ذهبها لهذا الحقير الذي خانها وخدعها واستغلها؟ أأقول لك أنني أعطيته كل ذهبي لكي يشتري لي شبكة كبيرة حتى يعلو في نظرك وتشعر بأنه يقدر ابنتك وتوافق على كتب الكتاب في موعده؟ أم أخبرك بأنني كنت على استعداد أن أعطيه كل مالي إن كنت أملك مالاً باسمي؟ ماذا ستقول عني إن علمت؟ وفي نفس الوقت لا أستطيع أن أخفي عنك ما حدث. لن أستطيع أن أكذب عليك وأنا أنظر في عينيك. فتحت فمها لتخبره بالحقيقة عندما قاطعها صوت هاتفه. رد "عبد العزيز" على محامي الشركة وما لبث أن امتقع وجهه وقال من فوره وسار بعيداً عن مسامع "آيات" قائلاً:
"إنت واثق من اللي بتقوله ده؟"
قال محاميه بحزن:
"أيوة للأسف يا عبد العزيز بيه.. خسرنا كل فلوسنا في البورصة ومطلوب منا تسديد مبالغ طائلة في فترة صغيرة جداً."
قال "عبد العزيز" قائلاً:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها."
ثم قال:
"إنت فين دلوقتي؟"
"في المكتب بشوف حل للمصيبة دي."
قال "عبد العزيز" بلهفة:
"استناني عندك أنا جايلك."
توجه "عبد العزيز" حيث تجلس "آيات" وقال وقد بدا عليه التوتر والإضطراب:
"أنا رايح المكتب يا آيات."
غادر دون أن يعطيها فرصة للرد. وقفت وصاحت:
"في حاجة يا بابا؟"
التفت قائلاً:
"لأ مفيش.. شغل مستعجل بس."
غادر مسرعاً. شعرت "آيات" بخوف يدب في أوصالها. خوف لا تدري سببه. استعاذت بالله من الشيطان الرجيم وجلست وهي تحاول أن تطمئن نفسها.
وقفت "أسماء" في المطبخ تحضر الشاي لنفسها. كانت ترتدي بيجاما واسعة وقد عقصت شعرها إلى الخلف. وقفت تدندن وهي تصب الماء المغلي في كوبها. شعرت فجأة بشخص خلفها فالتفتت ثم انتفضت بعدما رأت "هاني" ابن خالتها الأكبر يقف خلفها. قالت بفزع:
"خضتني."
ابتسم لها قائلاً:
"بتعملي إيه؟"
قالت باقتضاب وهي تشعر بالضيق من وقوفه بالقرب منها:
"شاي."
وقف بجانبها ينظر إليها وهو يستند بذراعيه إلى رخامة المطبخ. أنهت "أسماء" إعداد الشاي وتوجهت إلى غرفتها بعدما التقت نظراتهما للحظة فلم تعجبها طريقته في النظر إليها ولا تلك الابتسامة الخبيثة على زاوية فمه. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وجلست في فراشها تحتسي كوب الشاي الساخن.
كان "آدم" في تلك الفترة يعمل بهمة ونشاط لتكون القرية بأفضل حال عندما يحين موعد الافتتاح. كان يتوتر ويكثر من التدخين كلما اقترب الموعد. كان يعقد آمالاً كبيرة على نجاح مشروعه السياحي. وعلى النجاح في منافسته مع "سراج" و "عاصي". ومثلما تمكن "عاصي" من زراعة جواسيسه داخل قرية "جولد بيتش" تمكن "آدم" أيضاً من زراعة جواسيسه داخل قرية "الفيروز". ليس ذلك فحسب.. بل تمكن من خلال علاقاته السابقة بالعاملين في شركة "سراج" بالقاهرة من الحصول على معلومات عنه وعن أعماله أولاً بأول. وهذا ما ساعدته كثيراً بعدما استطاع تجنيد مديرة أعمال "سراج" والتي كانت على علاقة وطيدة بـ "آدم" أثناء عمله مع "سراج" فهو من وفر لها تلك الوظيفة. وحان وقت رد الجميل.. أو كما يسمونه هكذا وهو أبعد ما يكون عن "الجميل". كانت مديرة أعمال "سراج" تنقل أخباره إلى "آدم" حيث استغل "آدم" تلك الأخبار بعدما علم بوجود مشاكل ثقة بين العملاء وبين قرية الفيروز بسبب بعض الإهمال وسوء الخدمة. لذلك اهتم جيداً بشكل قريته وبالديكورات الداخلية وبتوفير خدمة من أفضل ما يكون.
أعد "آدم" جيداً للاحتفال الذي سيقام في ليلة الافتتاح. حرص على توفير ألذ أنواع الطعام وأغلى أنواع الخمور. واستخدم في الخدمة فتيات يرتدين ملابس جريئة. بدأ الاحتفال بحضور "شكري" و "ساندي" وتم قص الشريط الأحمر وصفق الجميع في سعادة. كان "شكري" مبهوراً بما استطاع "آدم" إنجازه في القرية في تلك الفترة البسيطة. علم جيداً بأنه لم يبخل عليها لا بوقته ولا بجهده. أعجبت "ساندي" أيضاً بالقرية وازداد تمسكها بالعمل في القرية مع "آدم". بدأت أصوات الموسيقى تسري في مكان الحفل. وبدأت الفتيات بخدمة الضيوف. أشاد الجميع بجمال القرية وبجودة الطعام والشراب. وأيضاً بروعة ديكورات الغرف وتقسيمها والأماكن المطلة عليها. كانت الطبيعة حول القرية ساحرة تخطف الألباب. اتسعت ابتسامة "آدم" وهو يراقب تعبيرات الإعجاب التي كانت في عيون الحضور وأولهم وأهمهم.. "شكري". تنهد في راحة وقد شعر بأنه على بداية الطريق الصحيح.
أثناء قيادة "عاصي" سيارته رن هاتفه فرد قائلاً:
"أيوة يا بابا."
"إنت فين يا عاصي؟ مش عارف إن عندنا عشاء عمل النهاردة؟"
"لأ أنا عندي سهرة أهم."
"سهرة إيه دي؟"
"افتتاح قرية جولد بيتش."
صمت "سراج" قليلاً ثم قال:
"إنت ناوي تروح؟"
قال "عاصي" بتهكم:
"لازم طبعاً أروح الافتتاح.. ودي تيجي لازم نبارك لدكتور آدم."
قال "سراج":
"ماشي يا عاصي بس مش عايز مشاكل في الافتتاح أكيد الصحافة هتبقى هناك.. وابقى اتصل بيا طمني على الأوضاع هنا."
قال "عاصي":
"متقلقش يا بابا أنا واخد بالي كويس.. سلام."
نظر "عاصي" إلى الطريق أمامه وهو يفكر في "آدم" وفي تحديه الذي بدأه. أخذت الأفكار الشيطانية تلعب برأسه وأخذ يفاضل بينها ليختار الطريقة التي سيعاقب بها "آدم" على وقوفه في وجهه.
جلس "عبد العزيز" يطالع الأوراق مع محاميه وهو يشعر بألم حاد في قلبه. كانت المصيبة أكبر من قدرته على التفكير في إيجاد مخرج. قال المحامي بأسف:
"أنا مش عارف إزاي ده حصل.. أسهمنا انهارت مرة واحدة في البورصة والمستثمرين طالبين فلوسهم.. الخسارة كبيرة جداً ورأس المال اللي هيتبقى بعد بيع الأسهم وحتى الأصول والأملاك بالكاد هتغطي الخسارة."
قال "عبد العزيز" وهو يفرك عضلة صدره بقوة لعله يخفف من الألم الحارق في صدره:
"طيب نستنى شوية منبيعش دلوقتي."
قال أحد مدراء شركته:
"الأسهم بتخسر يوم عن يوم.. لو استنينا أكتر من كده هنخسر أكتر وأكتر.. أنا مش شايف حل غير في البيع بالسعر الحالي."
ظهرت علامات الألم على وجه "عبد العزيز" ثم ما لبث أن ضاق نفسه ليطلق صيحة ألم قبل أن يسقط مغشياً عليه.
أخذ "آدم" يحيي ضيوفه ويقدم لهم ما لذ وطاب. ثم ما لبث أن جلس على إحدى الطاولات. بدأت موسيقى هادئة تدور في المكان فاقتربت منه "ساندي" تتألق في فستان سهرتها عاري الكتفين وهي تقول بدلال:
"قوم ارقص معايا يا آدم."
نظر إليها "آدم" وقد رفع إحدى حاجبيه بدهشة لاستخدامها اسمه بدون لقب. فقالت ضاحكة وقد أدركت سبب دهشته:
"إحنا بقينا زملاء عمل وأصحاب كمان يعني دور الطالبة والدكتور ده خلاص معدش ينفع بينا."
ابتسم "آدم" بسخرية ثم ما لبثت أن تحولت ابتسامته الساخرة إلى ابتسامة مجاملة. نهض "آدم" معها وتوسطا القاعة وأمسك بيديها وهو يحيطها بذراعه الآخر وشرعا في الرقص سوياً. نظرت "ساندي" حولها فالتقت عيناها بعيني فتاة أجنبية. يبدو أنه لم يرق لها رقص "آدم" مع "ساندي". نظرت إلى "ساندي" ببرود فبادلتها "ساندي" نظرة تحدي وسخرية. تركت الفتاة كأسها على الطاولة واقتربت منهما ثم قالت بلهجة مصرية ركيكة:
"دكتور آدم مدير القرية؟"
أومأ "آدم" برأسه إيجاباً. وضعت يديها على ذراعه وقد لعب الخمر برأسها فبدأت في التحدث بثقل:
"تعالى نرقص سوا."
ترك "آدم" "ساندي" لمراقصة تلك السائحة الأجنبية والتي كانت على رأس فوج كبير نزل في القرية في تلك الليلة. كان "آدم" يتحرك معها كالدمية.. جسد بلا روح.. لكنه كان يقول لنفسه أن ذلك من ضروريات العمل.. فلا يجب إغضاب مثل تلك العميلة.. وأن حربه مع "عاصي" إن أراد حقاً أن يربحها فعليه أن يتمسك بكل فرصة ويستغلها جيداً. التفت إليها قائلاً بابتسامته الساحرة:
"عجبتك القرية؟"
قالت وهي ترمقه بنظراتها:
"جداً.. وأصحابي كمان.. شكلنا هنطول هنا شوية."
قال "آدم" وقد برقت عيناه:
"القرية تحت أمرك."
وقالت بخبث:
"وصاحب القرية؟"
نظر إليها "آدم" وقد فهم ما ترمي إليه. قالت بدلال:
"عايزة أشوف شاليه صاحب القرية.. ممكن؟"
ابتسم لها "آدم" وقبل أن يفتح فمه رأى أمامه الشخص الذي توقع رؤياه والذي انتظره طيلة الحفل.. "عاصي". قال للفتاة الأجنبية دون أن يرفع نظره عن "عاصي":
"ثواني وراجع لك."
اقترب "آدم" من "عاصي". ابتسم "عاصي" بتسخرية بمجرد أن وقعت عيناه على "آدم" وقال:
"أهلاً بدكتور آدم.. مفاجأة مش كده؟"
وقف "آدم" أمامه وهو ينظر إليه بغل وحقد قائلاً:
"لأ مش مفاجأة.. أنا عارفك كويس.. عارف كويس إن الكلب لما ترميله عظمة مش هيقدر يقاوم وهيجري وراها."
ظهرت علامات الغضب على وجه "عاصي" وقال:
"احترم نفسك يا آدم."
قال "آدم" بحده:
"أنا محترم غصب عنك."
اقتربت منه الفتاة الأجنبية ولفت ذراعه بذراعيها وهي تقول:
"مش يلا بقى؟"
نظر "عاصي" بسخرية إلى الفتاة فقال "آدم" بشماتة مشيراً إلى إحدى الطاولات التي التف حولها مجموعة كبيرة من الأجانب:
"أحب أقدم لك جيسي وصحابها.. كانوا من نزلاء قرية الفيروز.. بس بعد ما شافوا قريتنا النهاردة لغوا الحجز في الفيروز وحجزوا في جولدن بيتش."
شعر "عاصي" بغضب بالغ وهو ينظر إلى الفتاة المتعلقة بذراع "آدم" ثم نظر إليه قائلاً:
"مش هتقدر تقف قصادي يا آدم.. انسحب أحسن لك."
قال "آدم" بتحدي صارخ:
"أعلى ما في خيلك اركبه يا عاصي.. أنا أدك انت وأبوك.. وهوقعكم زي ما وقعتوني."
قال "عاصي" صارخاً وهو يدفع "آدم" في كتفه:
"اجري العب بعيد يله."
لم يتحرك "آدم" بل تحرك حراسه.. ثلاث رجال مفتولي العضلات بمجرد أن رؤا يد "عاصي" وهي تدفع "آدم" أسرعوا بالإحاطة بـ "عاصي". نظر إليهم "عاصي" بتوتر فابتسم "آدم" ساخراً وهو يقول:
"أصل كنت عارف إنك جاى فجبتهم يرحبوا بيك."
نظر إليه "عاصي" بغبطة وقال:
"ليك يوم يا آدم.. كلامنا منتهى.. هنكمله بعدين."
قال "آدم" ضاحكاً:
"في أي وقت تحبه.. إنت تؤمر."
رحل "عاصي" وعينا "آدم" تتابعه بإستمتاع. قالت الفتاة وهي تقترب منه:
"ياه ده إنت جامد أوي."
ابتسم "آدم" فقالت بدلال وهي ترمقه بنظراتها الجريئة:
"مش هتوريني الشاليه بتاعك بقى؟"
توجه "آدم" معها خارج الحفل الذي أوشك أن ينتهي. أوقفه "زياد" وهو يرمق الفتاة شزراً:
"رايح فين يا آدم؟"
قال "آدم" بهدوء:
"خلاص الحفلة خلصت.. شوف إنت لو حد احتاج حاجة.. سلام."
شعر "زياد" بالضيق من رحيل صديقه مع تلك الفتاة التي تكشف من جسدها أكثر مما تستر.
شعرت "أسماء" أثناء نومها بشيء حار يسبح فوق جسدها. أحكمت وضع الغطاء عليها. وغطت في النوم مرة أخرى. أفاقت وهي تشعر بضغط على أجزاء متفرقة من جسدها. فتحت عينيها لترتطم بوجه "هاني". هبت جالسة في فراشها وهي تقول بفزع:
"إنت بتعمل إيه في أوضتي؟"
أشار "هاني" بإصبعه إلى فمه قائلاً:
"شششش.. وطّي صوتك."
أمسكت "أسماء" الغطاء الذي كشفه عنها وغطت به جسدها حتى ذقنها وقالت وهي تنظر إليه برعب:
"اطلع بره بدل ما أصرخ وأفضحك."
قال "هاني" بسخرية:
"مش هتقدري."
قالت بتحدي وقد شعرت بأن حركتها قد شلت من الرعب:
"لأ أقدر."
فجأة انطلقت تغادر الفراش وتنطلق في اتجاه الباب. فتحته وتوجهت إلى غرفة خالتها تطرق الباب بعنف. أسرع "هاني" بالخروج من غرفتها والتوجه إلى غرفته والنوم على فراشه متظاهراً بالنوم. فتحت خالة "أسماء" الباب وهي تقول:
"إيه.. في إيه.. حد يخبط على حد كده؟"
قالت "أسماء" باكية:
"هاني كان في أوضتي يا خالتي."
قالت خالتها باستنكار:
"هاني ابني؟"
استيقظ الجميع على تلك الأصوات المرتفعة. اقتربت منها أمها قائلة:
"إيه.. في إيه يا أسماء؟"
قالت "أسماء" باكية وهي تنظر إلى أمها وخالتها:
"هاني كان في أوضتي.. لقيته واقف جنب السرير وشال الغطا من عليا وقالي اسكتي ومتتكلميش."
صاحت خالتها قائلة بغضب:
"ابني متربي يا أسماء.. إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟"
خرج "هاني" من غرفته وهو يتظاهر بالنعاس وقال:
"إيه.. في إيه.. إيه الدوشة دي؟"
قالت أم "أسماء":
"إنت كنت نايم؟"
قال وهو يفرك عيناه:
"أيوة صحيت على صوتك."
وقالت "أسماء" باكية:
"كذاب.. ده لسه طالع من أوضتي دلوقتي."
أمسكتها خالتها من ذراعها قائلة:
"إنت بنت مش متربية وقليلة الأدب وكمان بتتبلي على ابني.. أفهم إيه من التمثيلية اللي إنتي عملاها دي.. بترسمي على الواد يعني ولا إيه؟"
انفجرت "أسماء" في بكاء حار وهي تمتم:
"والله العظيم كان في أوضتي."
جذبتها أمها من ذراعها بعدما اعتذرت لأختها وقالت لـ "أسماء" بصرامة:
"اعتذري لخالتك."
نظرت "أسماء" إلى خالتها وقالت:
"آسفة يا خالتي.. بس والله..."
جذبتها أمها قبل أن تنهي كلامها وتوجهت إلى غرفتها وأغلقت الباب ثم قالت بقسوة:
"إنت إيه معندكيش إحساس؟ بقولك مش عايزة مشاكل وإنتي رايحة فاضحة نفسك في نص الليل وتقولي الواد دخل أوضتك؟"
قالت "أسماء":
"يا ماما..."
قالت أمها بعنف:
"اخرسي.. ومش عايزة أسمع أي كلمة في الموضوع ده.. ولو عملتي مشكلة تاني يا أسماء يبقى ترجعي بيت أبوكي أحسن وتعدي مع المحروسة بتاعته."
قالت ذلك ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها. جلست "أسماء" خلف الباب وهي تدفن وجهها بين قدميها وتبكي وشعور بالقهر والظلم يغمرها.
دخلت "آيات" إلى المستشفى بصحبة دادة "حليمة" وهي تهرول وتسأل كل من تقابله بأعين دامعة:
"بابا فين.. عبد العزيز حسان اليماني؟"
أشارت لها إحدى الممرضات أن تتوجه إلى مكتب الاستقبال ففعلت وقالت بصوت باكي:
"لو سمحتوا بابا جاله إيه قولولي بابا جاله إيه.. اسمع عبد العزيز حسان اليماني."
قال لها الرجل:
"الأستاذ عبد العزيز في العناية المركزة بالدور الرابع."
هرولت "آيات" وهي تضع يدها على قلبها وتتمتم:
"يارب يارب."
أطمأنتها "حليمة" قائلة:
"متقلقيش يا بنتي إن شاء الله خير."
رأت محامي والدها واقفاً في الممر فجرت إليه قائلة بلهفة:
"بابا فين يا عمو؟"
قال لها المحامي بأسى:
"في العناية المركزة يا ابنتي."
انفجرت باكية وهي تقول:
"إيه اللي حصل.. إيه اللي حصله؟"
قال المحامي وهو يتنهد بحسرة:
"جاله خبر خسارة كبيرة اتعرضلها بعدها جتله أزمة وجابوه على هنا على طول والدكاترة دخلوه العناية المركزة."
انهارت باكية على أحد المقاعد وهي تقول بصدق:
"مش مهم أي حاجة المهم إنه يبقى كويس.. أي خسارة ممكن تتعوض لكن هو لأ.. مش ممكن أعوضه أبداً."
ثم قالت من أعماق قلبها:
"يارب اشفيه يارب.. يارب احفظه يارب."
تجولت الفتاة في الشاليه وهي تنظر إليه بإعجاب. فقال لها "آدم" مبتسماً:
"عجبك؟"
قالت وهي تتأمل "آدم" بإعجاب:
"جميل جداً.. وإنت كمان جميل جداً."
ابتسم "آدم" مجاملاً ثم نظرت إليه قائلة بمرح:
"عندك درينك؟"
قال "آدم" وهو يهز رأسه نفياً:
"لأ للأسف مش عندي غير شاي ليكي في الشاي."
ابتسمت وهي تقترب منه بدلال قائلة:
"لأ خلاص مش مهم."
أحاطته بذراعيها والتقت نظرات عيونها الجريئة بعيونه التي تتلاطم نظراتها كتلاطم الأمواج في بحر هائج مظلم حائر لا تدري كل موجة في أي وجهة تذهب فترتطم في طريقها بموجة أخرى لتمتزج معها وتختفي بداخلها وهكذا حتى تصل إلى الشط بهدوء وقد سكنت ثائرتها واطمأنت ذراتها بوصولها أخيراً إلى بر الأمان. لكن عيناه بحثت عن الشط فلم تجده.
رواية جواد بلا فارس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم بنوته اسمرة
قال "آدم" وهو يهز رأسه نفياً:
- لا للأسف مش عندي غير شاي ليكي.
ابتسمت وهي تقترب منه بدلال قائلة:
- لا خلاص مش مهم.
أحاطته بذراعيها والتقت نظرات عيونها الجريئة بعيونه التي تتلاطم نظراتها كتلاطم الأمواج في بحر هائج مظلم حائر. لا تدري كل موجة في أي وجهة تذهب، فترتطم في طريقها بموجة أخرى لتمتزج معها وتختفي بداخلها، وهكذا حتى تصل إلى الشط بهدوء وقد سكنت ثائرتها واطمأنت ذراتها بوصولها أخيراً إلى بر الأمان.
لكن عيناه بحثت عن الشط فلم تجده. لكم غرق من قبل بين الأمواج العالية تأخذه وتجذبه إلى حيث أرادت. لكن هذه المرة شعر بالنفور لازمه. أين هو من تلك الفتاة البريئة التي بكت أمامه عندما استشعرت أمام خالقها شعوراً عظيماً بالذنب من أجل... قبلة. تذكر عبراتها التي انهمرت وهي تدفن وجهها بكفيها وتخبره بأنها ظلت طوال الليل تشعر بالذنب مما حدث بينهما. خشيت من خالقها من أجل تلك القبلة وهو ينتهك حرمات الله وتحت ناظريه. أين تلك الفتاة التي معه الآن من الفتاة النقية التي أوقفت خاطبها عند حده وكرهت تجاوزاته التي تغضب ربها رغم شدة حبها له. أين هي من تلك الفتاة العفيفة التي لم تقبل أن يمسها رجل آخر غير زوجها حتى ولو كان خطيبها.
نظر إلى الفتاة التي معه يحاول أن يتناسى تلك الأفكار التي تراوده. لكن كلما غاص في البحر أكثر، كلما شعر بالنفور بداخله يكبر. حتى... نهض عنها.
نظرت إليه بغضب قائلة:
- في إيه؟
عدل ملابسه وقال بهدوء:
- بعد إذنك اخرج.
نظرت الفتاة إليه بغضب شديد وهي تسب بلغتها. انتظرها "آدم" خارج الشاليه حتى خرجت وهي ترمقه شزراً. أغلق "آدم" باب الشاليه وأخذ يحث السير وكأنه يهرب من شيء مخيف بشع. أخذ يسير بغير هدى في اتجاه البحر حتى علم بأن هذا الشيء المخيف البشع الذي أراد الهروب منه إنما بداخله هو. لكن كيف السبيل إلى الهرب؟ كيف النجاة؟
ركل الأرض بطرف حذائه بقوة فتناثرت حبات الرمل أمامه كموجة غاضبة. جلس على الرمل ينظر إلى البحر الثائر كثوران نفسه. تنهد بقوة وهو يستشعر مدى الانحدار الذي أوصله إليه عقله. تذكر نظرات "آيات" يوم أن علمت بحقيقته. نظرت إليه بتقزز ثم أغمضت عينيها حتى تتجنب رؤياه. وصمت أذنيها لتتجنب سماع صوته. شعر الآن بما كانت تشعر به وقتها. فها هو يشعر بالتقزز من نفسه ومن كل شيء فيه. يشعر بأنه غارق في مستنقع لزج كلما حاول النهوض جذبه إليه مرة أخرى حتى استسلم له تماماً.
ظل صوت يهتف بداخله: "انهض يا آدم... انهض".
فصاح صوت آخر: "أمثلي يستطيع النهوض؟ لقد أغرقني المستنقع بقذارته حتى لم أعد أشتم إلا تلك العفونة المنبعثة مني. لن أستطيع النهوض. لكني رغماً عني... لم أعد أطيق تلك الرائحة التي أصبحت تصيبني بالغثيان."
***
جلست "آيات" تبكي وتتضرع إلى الله أن ينقذ والدها وأن يحفظه لها. أخيراً خرج الطبيب المسؤول عن حالته. فهبت واقفة وهي تنظر إليه بخوف وقلق قائلة:
- بابا عامل إيه دلوقتي؟ ممكن أشوفه؟
قال الطبيب وعلامات الإشفاق على وجهه:
- للأسف... عضلات القلب ضعيفة وفي صمام تالف. لازم عملية تبديل صمام في أقرب وقت.
أجهشت "آيات" في البكاء. فأحاطتها "حليمة" الباكية بذراعيها. فقال الطبيب:
- المشكلة إن العملية أصلاً فيها خطورة عليه لأن زي ما قلت عضلات القلب ضعيفة. بس في نفس الوقت مينفعش نتنى على العملية أكتر من كده.
قالت "آيات" من بين شهقات بكائها:
- يعني نعمل إيه؟
قال الطبيب:
- بصي يا بنتي الحالتين فيهم خطورة سواء انتظرنا أو عملنا العملية. بس رأيي الشخصي إننا نعمل العملية ونتوكل على الله.
ثم قال:
- طبعاً لازم موافقة حد من أهله.
قالت "آيات" وهي تحاول أن تتمالك نفسها:
- طيب هرد عليك حضرتك النهارده وأقولك عنعمل إيه.
قال الطبيب:
- معاكي لحد أسبوع لأن مينفعش ندخله العمليات دلوقتي. لما حالته تستقر شوية.
انصرف الطبيب وترك "آيات" غارقة في حيرتها وخوفها.
***
كانت "إيمان" في طريقها إلى عملها عندما استقلت الحافلة وجلست بجوار الشباك تتطلع منه إلى الطريق بعقل نصف منتبه. كان الشرود بادياً عليها وهي مستغرقة في التفكير. لكنها انتبهت فجأة على ضحكات عالية من المقعد خلفها. سمعت شاباً يقول لآخر:
- أهي واقفة مش لاقية حتة تقعد فيها.
فقال الآخر ضاحكاً:
- طبعاً يا ابني ودي يجبولها كرسي يكفيها إزاي دي.
نظرت "إيمان" أمامها لتجد سيدة بدينة للغاية تقف وهي تتمسك بأحد المقاعد وحبات العرق تتصبب فوق جبينها فتسمحها بمنديلها وتعود لتتمسك بيديها في المقعد. سمعت الشاب يقول:
- حد يقولها تقف في النص بلاش تركن أوي على الجنب اليمين أحسن الأتوبيس يتقلب بينا.
ضحك زميله وهو يقول:
- أو ممكن نجيب فيل ونحطه الجهة التانية عشان يبقى في توازن.
شعرت "إيمان" بالعبرات الساخنة تتساقط فوق وجهها وهي تستمع إلى سخرية الشابين من تلك المرأة. لم تكن "إيمان" في مثل بدانتها، لكنها شعرت بكلمات الشابين كالخناجر تطعن فيها هي. وكأن كلماتهما موجهة إليها. ألقت نظرة شفقة على تلك السيدة وهي تحسبن على الشابين في الخلف. ألا يعلم مثل أولئك النهي الرباني في سورة الحجرات: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ". ألا يعلم أولئك الجهال أن الله لا ينظر إلى الأجساد لكنه ينظر إلى عمل تلك الأجساد: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ". ألا يعلمون أن الإنسان كرمه الله عز وجل وأسجد له ملائكته وعلمه من علمه، لذلك وجبت المحافظة على كرامته مصانة غير مهانة. ألا يعلم أولئك الذين يسخرون ويستهزأون من غيرهم من ذوي البدانة أن أحياناً تكون تلك البدانة أمراً وراثياً لا دخل للإنسان فيها، كلون عينيه ولون شعره ولون بشرته وشكل أنفه وطوله وقصره. كيف تلوم إنسان أن لون عينيه أسود؟! كيف تلومه لأنه قصير القامة؟! كيف تلومه لأن أنفه كبير؟! هو لم يخلق نفسه بل الله خلقه والله جميل يحب الجمال لا يخلق شيئاً قبيحاً أبداً. لكن لا يوجد إنسان كامل، فالكمال لله وحده فقط. ومقاييس الجمال والدمامة نسبية من شخص لآخر. قد يفضل رجل الشقراوات وآخر يفضل السمراوات. قد يفضل رجل النحيلات ويفضل آخر البدينات. لكن الغير مقبول هو الاستهزاء بما لا يروق لك.
ودت "إيمان" لو صرخت في وجهي الشابين قائلة: "ألم تعلموا بأن الله أعد عذاباً شديداً وهلاكاً ودماراً لكل من يستهزئ بغيره ويعيب فيهم ويغتابهم؟ 'وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ'". وفي أحد التفسيرات أن "الويل" هو وادٍ في جهنم.
مسحت "إيمان" عبراتها المتساقطة وهي تتذكر أن الله عادل لا يظلم أبداً، ولذلك أعطى تلك المرأة من حسنات هذين الشابين ما الله به عليم.
***
جلس "آدم" في مكتبه يطالع حاسوبه ويطمئن على سير العمل في القرية. شعر بالسعادة عندما وجد الإقبال على قريته في يومها الأول بعد الافتتاح فاق توقعاته. شعر بأنه سيصل إلى حلمه بأسرع مما ظن. دخل "زياد" مكتبه وعلى وجهه علامات العبوس. قال له "آدم" مبتسماً بسعادة:
- شوفت كام نزيل في القرية ومن أول يوم؟
قال "زياد" واجماً:
- أيوة شوفت.
نظر إليه "آدم" يرقب تعبيرات وجهه برهة ثم قال:
- إيه في إيه يا "زياد"؟ في مشاكل ولا حاجة؟
نظر إليه "زياد" بعتاب قائلاً:
- البنت بتاعة امبارح باتت معاك يا آدم؟
ظهر على "آدم" علامات التبرم. فقال "زياد" بحده:
- شوفتكوا وانتوا رايحين جهة الشاليه بتاعك. باتت عندك مش كده؟
نظر إليه "آدم" قائلاً ببرود:
- لأ.
ارتحت.
نظر إليه "زياد" متفرساً ثم قال:
- يبقى كنت ناوي بس في حاجة منعتك.
زفر "آدم" بضيق. فقال "زياد":
- لو مكنتش صاحبي وبحبك مكنتش اهتميت وكنت قولت يولع هو وهيا وأنا مالي. بس أنا خايف عليك يا آدم.
قال "آدم" بضيق:
- متخافش يا "زياد". وبعدين متعكرش مزاجي أنا فرحان وسيبني أشوف شغلي بمزاج.
قبل أن ينصرف "زياد" قال له "آدم":
- آه يا "زياد". جهز نفسك النهاردة عشان افتتاح الملهى الليلي.
قال له "زياد" بتبرم:
- مش عارف إيه لازمتها.
قال "آدم" بحزم:
- لازمتها إننا بنجذب السياح وبنجذب المصريين اللي عايزين قرية سياحية كاملة من كله. خاصةً بقى إن قرية الفيروز مفيهاش ملهى ليلي ولا فيها مساحة ينفع يتعمل فيها ملهى ليلي ولا حتى فيها ترخيص ملهى ليلي.
قال "زياد" بضيق:
- يعني مينفعش نجذب الناس للقرية بتاعتنا غير بالكباريه ده؟
قال "آدم" بحده:
- ماسموش كباريه. ده مكان فيه رقص وشرب مش أكتر من كده. متحسسنيش إني هفتح بيت دعارة في القرية.
قال "زياد" متبرماً:
- طيب انت حر. مع إنني مش مستريح للموضوع ده. لأن نوعية الناس اللي هتدخله مش هتبقى مظبوطة.
قال "آدم" بنفاذ صبر:
- اللي مش مظبوط نظبطه. أمال البودي جاردز اللي أنا جايبهم دول جايبهم ليه؟
أومأ "زياد" رأسه بعدم اقتناع ثم غادر المكتب.
***
توجهت "آيات" إلى مكتب محامي والدها بالشركة. لتسأله عن كيفية سحب أموال من حساب والدها تكفي للعملية. فليس لها حساب خاص بها. لكن المحامي صدمها بشدة عندما قال في أسف:
- أنا عارف إنها هتبقى صدمة كبيرة عليكي بس أنا مضطر أصارحك. باباكي اتعرض لخسارة جامدة جداً. الأرصدة كلها اتجمدت واتحجز على الفيلا والشركة وكل حاجة باسم "عبد العزيز" بيه.
نظرت إليه "آيات" مصدومة وقد فغرت فاها. فاكمل قائلاً:
- لو بعت الشركة بالفيلا بكل مشتملاتها يدوبك هتقضي الدين اللي على باباكي لأن حجم الاستثمارات كان كبير جداً وللأسف سهمنا نزل جامد في البورصة وكل يوم بينزل عن اليوم اللي قبله.
غارت عيناها وقد عُقد لسانها من الصدمة لا تدري ما تقول. فقال المحامي:
- أنصحك يا آنسة "آيات" ببيع كل شيء عشان تسديد الديون. لأن كل ما اتأخرتي في البيع كل ما السهم نزل أكتر.
قالت "آيات" بنظرات دامعة:
- يعني إيه؟ مفيش فلوس يعمل العملية؟
قال المحامي:
- ممكن تستأذني حد من أصحاب الدين إنك تتأخري شوية في السداد. بس لازم البيع في أقرب وقت.
قالت "آيات" بحيرة وأسى:
- إزاي يعني هبيع أنا مفيش حاجة باسمي كل حاجة باسم بابا.
قال المحامي:
- أنا معايا توكيل منه. بس محتاج آخد موافقتك. على فكرة قبل ما والدك يدخل المستشفى كنا بنتكلم في القصة دي وأكيد كان هيوافق على البيع.
فكرت "آيات" بعقل مشتت. لم تجد غير أن تستمع إلى كلام المحامي. فقالت بأعين دامعة:
- خلاص حضرتك اتصرف. المهم يكون معايا فلوس في أقرب وقت عشان عملية بابا هتتكلم جامد.
طمأنها المحامي قائلاً:
- متقلقيش إن شاء الله البيع ينتهي بسرعة. بس ياريت تعملي حسابك وتفضّي الفيلا في اليومين الجايين.
شعرت "آيات" بالحزن والألم والقهر لكنها تمتمت:
- إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.
خرجت "آيات" من مكتب المحامي لتركب سيارتها بآلية. وصلت إلى المستشفى وجلست في الخارج بعدما رفض الطبيب السماح لها بالدخول. جلست على أحد المقاعد تنهمر العبرات من عينيها في ألم ولسانها لا يفتر عن الدعاء لوالدها والتضرع إلى الله بشفائه.
***
خرج "آدم" من مكتبه ليجد "ساندي" تتشاجر مع إحدى الموظفات. ثم أقبلت على "آدم" قائلة بحدة:
- "آدم" البنت دي تطرد فوراً.
نظر "آدم" إلى الفتاة الواقفة وقال:
- مالها عملت إيه؟
قالت "ساندي" بتعالٍ:
- مش عايزة تسمع الكلام. بقولها تديني حسابات النزلاء عشان أراجعها رفضت. بنت قليلة الأدب لازم تطردها.
أمر الفتاة بالانصراف ثم نظر "آدم" بغضب إلى "ساندي" قائلاً:
- أنا هنا اللي أقول مين يمشي ومين يستنى. وبعدين إنتي عايزة الحسابات تراجعيها ليه؟ مالك إنتي ومال الحسابات. إنتي وظيفتك هنا في العلاقات العامة وبس.
قالت "ساندي" بحدة:
- دي قرية بابا وأعلم فيها اللي أنا عايزاه.
قال "آدم" بصرامة:
- اسمعي يا "ساندي". هتلتزمي بشغلك هنا وتبعدي عن طريقي يبقى تمام ومفيش مشاكل. أما لو فضلتِ تدخلي في اللي ميخصكيش يبقى تروحي تشتغلي في شركة باباكي اللي في القاهرة أحسن.
نظرت إليه "ساندي" بغيظ وقالت بحده:
- أظاهر إن انت نسيت إن دي قرية بابا وانت شغال عنده.
قال "آدم" بعنف:
- لأ دي قريتي زي ما هي قريته. أنا شريكه مش شغال عنده.
رمقها بنظرة غاضبة قبل أن يتركها وينصرف. شعرت "ساندي" بالغضب الشديد. فما كانت تتوقع تلك المعاملة من "آدم" بعدما ساعدتها على إقناع والدها بمشروعه.
***
جلست "سمر" في حجرة المعيشة أمام التلفاز. سمعت صوت الباب يفتح خلفها. دخلت والدتها وألقت السلام ثم قالت:
- في غدا؟
قالت "سمر":
- أيوة يا ماما. أقوم أسخنهولك.
قالت والدتها:
- لا خليكي.
دخلت والدتها وبدلت ملابسها ثم توجهت إلى المطبخ. تبعتها "سمر" ووقفت على باب المطبخ تنظر إلى أمها. فالتفتت إليها قائلة:
- أخبار شغلك إيه؟
قالت "سمر" بخفوت:
- تمام الحمد لله.
قالت والدتها:
- اتغديتي؟
قالت "سمر":
- أيوة من شوية.
صمت كلاهما لفترة قبل أن تقطع "سمر" هذا الصمت قائلة:
- ماما... هو إنتي متعرفيش أي حاجة عن بابا؟
وقع الطبق من يد والدتها ليتفتت إلى أشلاء. حاولت جمعه فانجرحت يدها. أسرعت "سمر" بمساعدة أمها قائلة:
- خليكي... أنا هشيله.
نظفت "سمر" مكان الطبق المكسور. ثم نظرت إلى والدتها التي علا الغضب وجهها. ثم قالت:
- إيدك كويسة؟
قالت أمها:
- أيوة.
ثم التفتت إليها قائلة بحزم:
- مش عايزة أسمع سيرة الراجل ده تاني. ماشي يا "سمر"؟
قالت "سمر" بألم:
- أنا بس عايزة أعرف هو ليه مبيسألش عننا يعني خلاص نسينا؟
صاحت أمها قائلة:
- أيوة نسينا ومعدناش لازمه. ومش عايزة أسمع كلمة واحدة عنه بعد كده.
خرجت أمها المطبخ مسرعة لتدخل غرفتها باكية. تبكي شعوراً لا يوصف بالظلم والقهر والخيانة. يااه ما أقسى الخيانة. عندما تأتي من أقرب الأشخاص إليك. تكون مرارتها كالعلقم. وألمها كحد السكين.
***
جلست "آيات" مع "أسماء" في الفيلا. قالت "أسماء" تواسيها:
- معلش يا "آيات". ربنا يقوم عمو بالسلامة.
قالت "آيات" باكية:
- أنا مش عايزة غير كده. مش مهم أي حاجة خالص. المهم هو يقوم بالسلامة.
ابتسمت "أسماء" مشجعة وقالت:
- إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
ثم قالت:
- هتعملي إيه في فلوس العملية؟
قالت "آيات" بحزن وأسى:
- المحامي هيبيع كل حاجة ونستأذن حد من أصحاب الدين إني أأجل الدفع شوية. مع إني خايفة أوي يرفضوا.
قالت "أسماء":
- وليه متطلبيش دهبِك من دكتور "آدم"؟
خفق قلب "آيات" بقوة وهي تستمع إلى اسمه. ثم ما لبثت أن شعرت بالضيق. فقالت "أسماء" بحزم:
- إنتي محتاجة كل مليم واكيد دهبِك ده هيفك ضيقتك. اطلبيها منه.
صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت بحزن وتهكم:
- تفتكري لو طلبتهم منه هيرجعهم لي؟
قالت "أسماء" بحدة:
- اطلبيها يا "آيات". ولو مرجعهمش يبقى منه لله بجد.
تنهدت "آيات" وهي تشعر بالحيرة ثم قالت بوهن:
- مش قدامي فعلاً غير كده. مع إني حاسة إنه مش هيرجعهم لي.
قالت "أسماء" مشجعة:
- كلميه دلوقتي.
أمسكت "آيات" هاتفها وهي تشعر بالاضطراب والتوتر. هل هي ستسمع صوته بعد كل هذه المدة؟ لولا ضيقتها ما فكرت في الاتصال به قط. فآخر ما تريده هو سماع صوته. أو التحدث معه. اتصلت فلم يجب أحد. عاودت الاتصال فلم يجب. تنهدت بحسرة وهي تقول بمرارة:
- أكيد عارف إنها أنا وإني هطلب دهبي. قولتلِك مش هيرجعهم.
قالت "أسماء" وهي تخرج هاتفها:
- طيب كلميه من رقمي.
انتظرت "آيات" لبعض الوقت ثم حاولت الاتصال به من هاتف "أسماء" ثم قالت:
- برضه مبيردش.
قالت "أسماء" وهي تنهض:
- إن شاء الله يرد. أنا همشي بقى يا "آيات".
وقفت "آيات" قائلة بوهن:
- طيب يا "أسماء" وأنا هطلع أنام شوية وآخد دش وبعدين هنزل أروح المستشفى أبات مع باباها هناك يمكن يفوق ولا حاجة.
عانقتها "أسماء" قائلة:
- متخافيش إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
تنهدت "آيات" بعمق قائلة:
- يارب يا "أسماء" يارب.
***
كانت "أسماء" جالسة في فراشها شاردة تفكر في حالها وفي وضعها هي و "آيات". أرهقها التفكير فقامت واغلقت المصباح وتمددت على فراشها تحاول النوم. فجأة "هاني" يدخل عليها الغرفة ويغلق الباب خلفه. صاحت قائلة:
- امشي اطلع بره.
أشار "هاني" إلى فمه بإصبعه وقال مهدداً:
- لو صرختي زي المرة اللي فاتت هقول إن إنتي اللي طلبتي تجيلي أوضتك.
فكرت "أسماء" في كلامه. لو فعل ذلك فستطرد من البيت شر طردة. بكت قائلة:
- حرام عليك سيبني في حالي بقى.
اقترب من الفراش فانزوت به أكثر. قال وعيناه تلمعان في ظلام الغرفة:
- أسيبك إيه هو أنا عبيط؟ حد يشوف الحلاوة دي كلها قدامه ويسيبها.
شدت "أسماء" الغطاء عليها أكثر. لكنه جذبه وأزاحه عنها. بكت قائلة:
- حرام عليك ده أنا بنت خالتك.
قال بغلظة وهو يتلمسها بيده:
- مبلاش تمثيل بقى. إنتي لو واحدة محترمة مكنتيش قاعدة بلبس زي ده في بيت فيه شابين.
نظرت "أسماء" إلى البنطلون البادي نصف الكم الذي ترتديه وتتجول به في البيت بلا حرج وهتفت باكية:
- أنا لابسة عادي مش وحش. وإنتوا ولاد خالتكم مش حد غريب. حرام عليك.
لم يعبأ ببكائها ولا بتوسلاتها وقال بتهكم:
- متخافيش مش هاذيكي. ده إن كنتي لسه سليمة أصلاً.
شعرت بأنفاسه الكريهة المعبأة برائحة الدخان تلفح وجهها وتكتم أنفاسها وشهقات بكائها المرير. شعرت بالعجز والضعف وقلة الحيلة وهي تعلم أن مصيرها إن لم تطعه هو الطرد من البيت بفضيحة تشوه سمعتها أمام الجميع. شعرت بالنفور والتقزز منه ومن نفسها. بكت وتوسلت وترجته أن يتركها. لكنه ظل يعبث بها إلى أن اكتفى. شعرت "أسماء" برغبة شديدة في التقيؤ فلم تستطع أن تكبح جماح نفسها فمدت رأسها بجوار الفراش لتتقيأ كل ما في بطنها المضطرب. قال "هاني" بتقزز وهو يغادر:
- قرفتيني الله يقرفك. وبعدين زي ما وعدتك أهو صاغ سليم.
خرج من غرفتها ليتركها باكية بحرقة وهي تكاد تختنق وتغمض عينيها بشدة علها تتناسى تلك الدقائق الكريهة وما حدث فيها. نهضت مسرعة إلى دولاب ملابسها وارتدت على عجالة وأخذت ما استطاعت أن تصل إليه يدها من ملابسها وخرجت من البيت مسرعة دون أن تهتم بإيقاظ والدتها وإبلاغها برغبتها في الرحيل.
***
في وسط الاحتفال في الملهى الليلي الجديد الملحق بقرية جولدن بيتش. قال "زياد" لـ "آدم" بصوت مرتفع حتى يتمكن من سماعه:
- كله تمام ومفيش مشاكل.
ابتسم "آدم" قائلاً:
- كويس وأنا شايف إن معظم اللي هنا مش نزلاء القرية. بس أكيد هيبقوا نزلاء من بكرة.
قال "زياد" مبتسماً:
- شكلنا فعلاً هناكل السوق هنا.
ضحك "آدم" قائلاً:
- طبعاً يا ابني كلها فترة صغيرة وميبقاش في العين السخنة إلا قريتنا.
ثم قال بحماس:
- ولسه كمان لما الإعلانات الجديدة تنزل في التليفزيون.
قال "زياد" وهو يحتسي كوب عصير:
- هتنزل إمتى؟
قال "آدم" بحماس:
- من الأسبوع الجاي إن شاء الله. ده غير العروض اللي عاملينها للعائلات. إن شاء الله في أقل من شهر القرية هتكون كومبليت.
ابتسم "زياد" قائلاً:
- أنا كمان متوقع كده.
قال "آدم" وهو يبحث بعينيه عن "شكري":
- أمال فين "شكري"؟
قال "زياد":
- كان هنا من شوية.
أخرج "آدم" هاتفه ليتصل به. لكنه تجمد في مكانه وقد تعلقت عيناه بالهاتف. ترك من كوب العصير الذي كان ممسكاً به وهو لا يبعد نظره عن الهاتف. انتبه "زياد" لنظراته فقال بقلق:
- إيه في حاجة؟
لم يجبه "آدم" بل أسرع لمغادرة الملهى وابتعد عن الضوضاء. أخذ ينظر إلى اسم "آيات" بهاتفه وقلبه يخفق شوقاً وخوفاً ورهبة. تُرى لماذا اتصلت به؟ أعاد الاتصال بها بلهفة وشوق.
خرجت "آيات" من الحمام وهي تلف منشفة حولها وأسرعت بالتقاط هاتفها الموضوع على الفراش. نظرت إلى رقم "آدم" وهي تشعر بتوتر بالغ واضطراب تنفسها. جلست على فراشها وهي تحاول أن تنظم تنفسها لتستطيع التحدث معه. انتهى الرنين. وعندما أوشكت على الاتصال به وجدته يتصل. أخذت نفساً عميقاً ثم ردت قائلة:
- ألو.
ابتسم "آدم" بسعادة عندما سرى صوتها الرقيق إلى أذنه. قال بلهفة:
- إزيك يا "آيات"؟
حاولت "آيات" التحدث بصوت طبيعي وإخفاء توترها واضطرابها. قالت بسرعة حتى لا تهرب الكلمات منها:
- الحمد لله. أنا كنت بتصل عشان الأمانة بتاعتي اللي عند حضرتك.
أخذت "آيات" تضم أصابع يدها بقوة إلى قبضتها. كانت تشعر بتوتر بالغ. يا الله، كم تحتاج إلى ذهبها الآن لتستطيع جمع المال من أجل العملية الجراحية التي تتوقف عليها حياة والدها. خافت بشدة. خافت أن يرفض إعادتهم إليها. اضطرب تنفسها عندما صمت. طال صمته. تجمعت العبرات في عينيها وأخذت بالتساقط. ماذا ينتظر؟ أينتظر أن تترجاه أن يعيدهم إليها؟ إن كان هذا ما يريده فستفعل. من أجل أن تنقذ والدها. همت بالتحدث لترجوه أن يعيدهم إليها فهي في أمس الحاجة إليهم. لكنه سبقها قائلاً بصوته الرخيم:
- أكيد طبعاً.
لم تصدق أذنها. أكمل قائلاً:
- أنا مكنتش عارف أرجعهم لك إزاي. من يوم اللي حصل وأنا معرفتش أشوفك وكمان خفت أديهم لوالدك عشان مينفعش يعرف اللي إنتي عملتيه. خفت يأذيكي لما يعرف إنك اديتيهملي.
تنهدت "آيات" براحة ومسحت عبراتها. فأكمل "آدم" قائلاً:
- أنا دلوقتي في العين السخنة مش في القاهرة.
قالت "آيات" بسرعة:
- مفيش مشكلة ابعتهم لي مع أي شركة شحن.
صمت "آدم" يفكر. شعر بأنه لا يريد أن يضيع تلك الفرصة. الفرصة الوحيدة التي من الممكن أن يلتقي فيها بـ "آيات". والتحدث معها ورؤيتها. لم يكن أبداً ليضيع تلك الفرصة من يده. قال "آدم":
- أنا جاي بكرة القاهرة. هديهملك بنفسي.
قالت "آيات" وهي تشعر بالتوتر:
- مفيش داعي ابعتهم مع أي شركة أو حتى بالبريد السريع.
قال "آدم" وهو يبحث عن حجة:
- لا طبعاً مينفعش ده دهب. افرضي الطرد ضاع أو حد سرقه.
قالت "آيات" باستسلام:
- طيب خلاص.
قال "آدم" برقة:
- خلاص أنا جاي بكرة وأول ما أوصل القاهرة هكلمك.
قالت بهدوء:
- ماشي. مع السلامة.
أنهت "آيات" المحادثة وهي تشعر وكأن حملاً ثقيلاً زُح عن صدرها. أسرعت بارتداء ملابسها والذهاب إلى المستشفى حيث والدها المريض.
***
طرقت "أسماء" بيت والدها بلهفة. إلى أن فتحت لها زوجته وهي تقول بغضب:
- إيه في إيه يا بنت إنتي في حد يخبط على حد في نص الليل؟
قالت "أسماء" الباكية:
- فين بابا؟
همت بالدخول فأوقفتها زوجته وهي تقول:
- عندك عندك. في إيه هو أنا سمحتلك تدخلي؟
صاحت "أسماء" قائلة:
- بقولك فين بابا.
ثم نظرت إلى الداخل وهي تهتف:
- بابا... بابا... بابا.
قالت زوجته بحدة:
- باباكي مش موجود. باباكي مسافر. وكفاية قلة أدب بقى هتصحي الجيران. اتفضلي امشي من هنا.
أغلقت الباب في وجهها. فظلت "أسماء" تطرق الباب دون أن تجيبها. أخرجت "أسماء" الهاتف لتتصل بوالدها لكنها وجدت الخط مشغول. كان والدها في تلك اللحظة يتحدث مع زوجته التي اتصلت به قائلة:
- شفت بنتك عملت إيه. جايه تفضحني وسط العمارة وعمالة تزعق وتشتم وآخر سفالة وقلة أدب.
قال زوجها بحده:
- هي فين؟
قالت زوجته بصوت باكي:
- خفت منها أفلت الباب عليها. شكل أمها هي اللي قايلالها تعمل كده. قولتلِك مش هتسيبنا في حالنا. طلقها بقى خلينا نخلص من القرف ده.
صاح زوجها بغضب:
- مش هطلقها وأعلى ما في خيلها تركبه. اقفلي دلوقتي.
جلست "أسماء" على السلم تتصل بوالدها كل دقيقة إلى أن وجدته يتصل بها. قالت بلهفة:
- بابا أنا.........
قاطعها والدها وهو يصرخ بغضب:
- إنتي إزاي يا بنت إنتي تروحي لمراتي وأنا مش موجود وتزعقيلها كده؟
قالت "أسماء" باكية:
- أنا مزعقتش. أنا كنت بنادي عليك كنت فاكرك جوه.
هتف والدها بعنف:
- روحي قولي لأمك الكلام ده ميجيش معايا. ومش هطلق وخليها كده زي الكلبه.
قالت "أسماء" وقد تعالت شهقات بكائها:
- مش ماما اللي بعتاني والله. أنا اللي جايه لوحدي.
قال واحدة بغلظة:
- طيب ارجعي لأمك تاني وإياك أشوفك بتهوبي ناحية مراتى تاني.
لم يعطها فرصة للرد أنهى المكالمة وأغلق الهاتف. أخذت "أسماء" تبكي إلى أن أجهدها البكاء. نهضت بتثاقل حاملة حقيبتها. سارت في الشارع الخالي المظلم وهي لا تدري ما تفعله. فها هي صديقتها "آيات" تمر بظروف صعبة هي الأخرى. وعلى وشك الطرد من بيتها بعد أيام. ووالدها ملقى في المستشفى لا تستطيع أن تدبر تكلفة علاجه. لمن تذهب؟ بمن تلجأ؟ سارت لا تعرف وجهتها. إلى أن قابلها أحد الرجال الذي نظر إليها بطريقة أشعرتها بالخوف الشديد وبالنفور. تذكرت نظرات "هاني" الخبيثة وأنفاسه الكريهة. وقفت بجوار أحد الأعمدة لتتقيأ بما في معدتها من جديد. تساقطت العبرات فوق وجهها وهي تشعر بأن ليس أمامها سوى العودة إلى بيت جدها. إما بيت جدها... وإما الشارع. حيث الكلاب المسعورة في كل مكان!
***
في اليوم التالي استعد "آدم" للسفر وأخبر "زياد" بضرورة توجهه إلى القاهرة لإعادة مصوغات "آيات" إليها ثم قال بلهفة:
- ادعيلي يا "زياد" إن المقابلة دي تكون نتيجتها حلوة.
قال "زياد":
- بصراحة مش متفائل بس يارب.
قال "آدم" وهو يعدل من ربطة عنقه:
- تفتكر دي حجة عشان تكلمني؟ يعني هي فعلاً لو عايزة الدهب بتاعها كانت خلت باباها يكلمني ويطلبه. مش هي تكلمني بنفسها مش كده؟
قال "زياد" مفكراً:
- يمكن خافت تقول لباباها إنها أدتلك دهبها.
قال "آدم":
- تفتكر يا "زياد" ممكن نرجع أنا وهي لبعض تاني؟
قال "زياد" بحزن:
- مش عايز أحبطك بس أنا شايف إن ده مستحيل.
قال "آدم" وهو ينظر إلى "زياد":
- بس هي بتحبني أوي يا "زياد". إنت متعرفش "آيات" بتحبني إزاي. ولا قد إيه هي طيبة وحنينة.
صمت ولاحت ابتسامة على شفتيه وهو يقول:
- وحشتني أوي. مش مصدق إني أخيراً هشوفها.
أسرع "آدم" متوجهاً إلى سيارته التي انطلق بها في طريقه إلى القاهرة. بمجرد وصوله اتصل بـ "آيات" قائلاً:
- أنا وصلت يا "آيات" تحبي نتقابل فين؟
قالت "آيات":
- تعالى الفيلا.
صمت "آدم" قليلاً ثم قال:
- مينفعش نتقابل في مكان بره؟
قالت "آيات" بحزم شديد:
- لأ.
ثم قالت:
- لما توصل الفيلا رن لي.
أنهت "آيات" المكالمة وهي تنظر إلى الشرفة في انتظاره. بعد ما يقرب من نصف ساعة رأت سيارته تقترب من الفيلا. شعرت بقلبها يخفق بشدة داخل صدرها. أسرعت إلى الداخل حتى تتجنب رؤياه ثم نادت دادة "حليمة" وقالت لها:
- وصل يا دادة.
همت "حليمة" بالخروج فأسرعت "آيات" قائلة:
- دادة زي ما فهمتك.
قالت "حليمة":
- متقلقيش يا بنتي.
توقف "آدم" أمام بوابة الفيلا وهو ينظر إليها. نزل من سيارته وهو يتصل بـ "آيات" التي لم تجب. رأى "حليمة" مقبلة تجاهه. توقفت أمامه قائلة:
- الآنسة "آيات" بعتتني آخد الأمانة بتاعته.
نظر "آدم" إليها بضيق ثم ألقى نظرة على الفيلا وقال:
- طيب هي مينفعش تخرج تاخدها بنفسها؟
قالت "حليمة" بحزم:
- لا مينفعش.
شعر "آدم" بالضيق الشديد فقد كان يمني نفسه برؤيتها وبالحديث معها. توجه إلى سيارته وأحضر العلبة وأعطاها إلى "حليمة" وما كادت لتلتفت لتغادر حتى أوقفها قائلاً:
- "آيات" كويسة؟
نظرت إليه "حليمة" بحزم وقالت بترفع:
- أوي كويسة... كويسة أوي.
دخلت "حليمة" إلى الفيلا فهبت "آيات" واقفة وقالت بلهفة:
- ها يا دادة أدهالك؟
أعطتها "حليمة" العلبة فتفتحتها "آيات" بلهفة تتمم على محتوياتها ثم ابتسمت قائلة:
- الحمد لله كل حاجة موجودة.
قالت "حليمة" بتردد:
- سألني عليكي.
نظرت إليها "آيات" قائلة:
- وقولتيله إيه؟
قالت "حليمة":
- قولتلُه زي ما نبهتي عليا. إنك كويسة ومجبتلوش سيرة عن أي حاجة خالص.
أومأت "آيات" برأسها. قالت "حليمة" بطيبة:
- ليه ما قولتيش له إنك في ضيقة يا بنتي؟
نظرت إليها "آيات" بحدة قائلة بمرارة:
- أقوله عشان يشمت فيا. ده واحد بيكرهني أنا وبابا يا دادة. لو عرف اللي حصلنا هيشمت فينا.
نهضت تنظر من باب الشرفة النصف مفتوح. رأتـه مازال واقفاً أمام سيارته ينظر في اتجاه الفيلا. رجعت إلى الخلف بسرعة حتى لا يراها. بعد عدة دقائق سمعت صوت السيارة. نظرت من جديد لتراه يرحل ويبتعد من أمام ناظريها. تابعته بعينيها الحزينتين إلى أن اختفى من أمامها. ثم توجهت إلى خارج الفيلا وقادت سيارتها إلى حيث محل الذهب لبيع كل ما تملكه من هذه الدنيا من أجل إنقاذ والدها.
***
انطلق "آدم" بسيارته في شوارع القاهرة وهو يشعر بالحزن والأسى. ألهذه الدرجة تكره رؤيته؟ لماذا لم تدعه يراها ويتحدث إليها؟ لماذا لا تسمع منه مثلما سمعت عنه؟ شعر بالضيق الشديد لأنه شعر بأنه فقد كل الخيوط التي توصله إليها. توجه "آدم" إلى بيت والدته. تلك المرأة الطيبة التي تحملت منه الكثير والتي يشعر بأنه ظلمها بشدة. نظر إلى البيت بشوق. صعد الدرجات إلى أن وصل إلى الباب المكسور. شعر بالدهشة وهو يفتح الباب الذي لم يكن مغلقاً. رأى علامات الكسر على الباب ومحتويات البيت المبعثرة. أخذ ينادي على والدته بفزع:
- ماما... ماما.
لم يجدها. لا أثر لها. هاله الدماء التي كانت تغطي أرض غرفة والدته. وأرض الصالة. كاد أن يجن. أسرع بطرق باب الشقة المقابلة بلهفة وخوف وجزع. فتحت جارته فقال لها:
- أنا "آدم خطاب" متعرفيش فين ماما؟
قال ذلك وهو يشير إلى شقة والدته. فقالت المرأة بأسى:
- واحد ابن حرام طلع عليها بالليل وسرق كل اللي حيلتها وشكلها كانت هتصوت وتفضحه فخبطها على دماغها ونقلوها على المستشفى.
شعر "آدم" بفزع وخوف شديد قال بلهفة:
- هي فين؟ مستشفى إيه؟
قالت المرأة:
- والله يا ابني معرف. اسأل أسطى "عبده" المكوجي هو اللي طلب لها الإسعاف. وهو نازل من فوق شاف باب الشقة مكسور ولما دخل لقاها غرقانة في دمها.
أسرع "آدم" بالتوجه إلى الرجل الذي قال بغضب:
- كنت فين يا ابني وأمك مرمية لوحدها كده؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. خلاص مفيش في قلوبكوا رحمة.
قال "آدم" بأعين دامعة وصوت أجش:
- هي فين؟ وديتها مستشفى إيه؟
أخبره الرجل عن المستشفى الحكومي التي نقلت سيارة الإسعاف أمه إليها. أسرع التوجه إلى المستشفى والعبرات تغطي وجهه المتألم. أوقف السيارة ودخل مسرعاً يبحث عنها. إلى أن وجدها نائمة على أحد الأسرة وقد عُصبت لفافة بيضاء حول رأسها. اقترب منها يبكي بحرقة وهو يتحسس رأسها ويدها. حاول مناداتها فلم تستجب. التفت إلى إحدى الممرضات قائلاً بلهفة:
- لو سمحتي... عايز الدكتور اللي متابع حالتها.
قالت الممرضة ببرود وهي تلوك اللبان في فمها:
- الدكتور مشي.
قال "آدم" بحدة:
- طيب أنا عايز أعرف حالتها أسأل مين هنا؟
نظرت الممرضة إلى الأوراق المعلقة على طرف فراشها بلا مبالاة ثم قالت:
- متقلقش إن شاء الله هتبقى كويسة.
قال "آدم" بحزم:
- لو سمحتي أنا عايز أعرف حالتها بالظبط.
قالت الممرضة بحنق:
- شايفني دكتورة قدامك؟ أنا ممرضة يا أخويا. قولتلك هتبقى كويسة. لما يبقى الدكتور يفوت بكرة ابقى اسأله.
نظر إليها "آدم" بغضب وهي تبتعد. لم ينتظر أكثر بل أزاح الغطاء عن والدته الذي انبعث منه رائحة كريهة. وحملها مسرعاً وتوجه بها إلى الخارج. صاحت إحدى الممرضات:
- إنت يا أفندي واخدها ورايح بيها على فين؟ ده مجنون ده ولا إيه.
لم يعبأ "آدم" لكلامها وتوجه إلى السيارة وانطلق بها إلى إحدى المستشفيات التي يعرفها. دخل المستشفى فأسرعت الممرضة بإحضار الترولي وتوجهت بها إلى غرفة الفحص. دخل "آدم" غرفة الفحص وقال للطبيب بصوت مضطرب للغاية:
- قالولي إن حرامي خبطها على دماغها وودوها المستشفى بس معرفتش حالتها هناك ومحدش كان متابعها فجبتها وجيت على هنا.
طمأنه الطبيب وطلب من الممرضة أشعة لمعرفة هل تعاني من كسور بالجمجمة أم لا. وبمدى خطورة حالتها.
جلس "آدم" خارج الغرفة وهو يسند جبينه إلى قبضتيه وهو يغمض عينيه بقوة. حاول أن يدعو الله لها. لكن توقفت الكلمات على لسانه وأبت أن تخرج. هتف صوت بداخله: كيف ستدعوه يا آدم؟ كيف؟ أوتظن أنه سيستجيب لك؟
***
توجهت "آيات" إلى المستشفى بعدما تمكنت من بيع مصوغاتها الذهبية ودفعتهم تحت حساب العملية. ما كادت تتوجه إلى غرفة والدها في العناية المركزة حتى قالت لها الممرضة:
- والدك تعب أوي. وحاولنا نتصل بيكي مردتيش.
صاحت "آيات" بأعين دامعة:
- إيه؟ موبايلي نسيته في البيت. حصله إيه؟
خرج الطبيب فأسرعت تقول بلهفة:
- بابا ماله يا دكتور؟
قال الطبيب:
- لازم العملية تتعمل النهارده خلاص مفيش ينفع انتظار أكتر من كده.
قالت "آيات" باكية:
- أنا دفعت مبلغ تحت الحساب دلوقتي وإن شاء الله هجيب باقي الفلوس.
أعطاها الطبيب ورقة لتمضي عليها قائلاً:
- طيب امضي على موافقتك إجراء العملية.
أغمضت "آيات" عينيها تستخير ربها عز وجل. ثم... مضت الورقة وسلمتها إلى الطبيب. جلست "آيات" على أحد المقاعد وهي تهتف من أعماق قلبها المكلوم:
- يارب اشفيه يارب. إنت قادر على كل شيء. يارب استجب لي واشفيه يارب.
رواية جواد بلا فارس الفصل السادس عشر 16 - بقلم بنوته اسمرة
بعد فترة طويلة من الانتظار، شعر "آدم" بالتوتر الشديد. مد يده إلى جيبه ليشعل إحدى سجائره، إلا أنه تذكر وجوده في المستشفى، فأعاد العلبة إلى جيبه مرة أخرى. نهض من مقعده وهو يدور حول نفسه كالطير الجريح. كان التوتر قد أخذ منه مبلغه.
وأخيرًا، انفتح الباب وخرجت والدته من حجرة الأشعة على الترولي. كانت قد بدأت في الإفاقة قليلاً.
قال "آدم" للطبيب بلهفة:
خير يا دكتور؟
قال الطبيب:
لا، اطمئن. إن شاء الله بسيطة، بس المسكن اللي خدته مكنش كافي، ففقدت وعيها من شدة الألم.
شعر "آدم" بالألم وهو يقول بندم شديد:
أنا السبب.
ثم نظر إلى الطبيب قائلاً:
طيب، والآشعة اللي حضرتك عملتها على راسها؟
قال الطبيب:
لا، متقلقش. الحمد لله الوضع مطمئن، بس أهم حاجة ترتاح كويس الفترة اللي جاية.
قال "آدم":
حاضر يا دكتور.
توجه "آدم" إلى غرفة والدته. رآها وقد فتحت عينيها وتدور بهما في الغرفة. اقترب منها ببطء، فالتفتت تنظر إليه. ما كادت العبرات تقفز إلى عينيها حتى قفزت إلى عينيه هو الآخر. اقترب منها وجلس بجوارها وقبّل رأسها المضمد ويديها ودموعه تغرقهما، وهو يقول بصوت مرتجف:
أنا آسف يا ماما، بجد آسف.
بللت العبرات وجهها، وشهقات بكائها تمزق قلبه. فنظر إليها بتأثر قائلاً:
أنا عارف إني ابن عاق. ادعيلي إن ربنا يهديني.
تحدثت أمه بصوت واهن وهي تقول:
بدعيلك يا "آدم"، بدعيلك يا ابني إن ربنا يهديك ويكفيك شر نفسك.
قبل يديها مرة أخرى، ثم مسح العبرات المتساقطة فوق وجهه قائلاً بحزم:
بمجرد ما صحتك تتحسن، هاخدك تيجي تعيش معايا. مش ممكن أسيبك هنا تاني.
ابتسمت أمه وأجهشت في البكاء وهي تقول:
وحشتني أوي يا "آدم".
شعر "آدم" برغبة قوية في البكاء، رغبة لم تجتاحه من قبل كما هي الآن. شعر بشيء محبوس بداخله يخنقه ويتمنى أن يخرج. وضع رأسه فوق كتف والدته وأجهش في البكاء. ربتت أمه بيدها على شعره وهي تلف ذراعيها حوله كالطفل الصغير. علت شفتيها ابتسامة من بين دموعها وهي تضمه إليها بشدة خشية أن يبتعد عنها مرة أخرى.
قالت أمه بصوت مرتجف:
ربنا يهديك يا "آدم"، ربنا يهديك.
رفع "آدم" رأسه ونظر إليها بوجهه الباكي قائلاً:
مسامحاني؟
نظرت أمه إليه بحنان قائلة:
لما تبقى أب، هتعرف إن ابنك ده حتة منك، مينفعش تغضب عليه. عشان رضاك عليه من رضا ربنا، فمش هيجيلك قلب تفضل غضبان عليه، وهتسـامحه وتاخده في حضنك. ومهما عمل فيك، هتفضل تحبه وتدعيله.
قبل "آدم" رأسها برفق وقال بتأثر:
أنا مستاهلكيش على فكرة.
أمسكت وجهه بين كفيها وقالت بحزم:
لا، تستاهل. بس ارجع "آدم" ابني، وسيبك من الطريق اللي انت ماشي فيه ده.
تنهد "آدم" بحزن، ثم نظر إليها قائلاً برقة:
نامي دلوقتي. الدكتور قال إنك محتاجة راحة. ومتقلقيش، هفضل جنبك لحد ما تقومي بالسلامة وأخدك معايا.
ابتسمت أمه بسعادة وهي تنظر إليه وتتأمله. تشبع شوقها إليه طوال الفترة السابقة.
***
ظلت "آيات" تدعو وتستغفر الله عز وجل وهي تنتظر خروج والدها من حجرة العمليات. مرت ساعة وراء ساعة ونار الانتظار تأكلها وتنهش فيها. تنظر إلى الباب المغلق وتتمنى أن يتحرك ويُفتح. ظلت تنظر إليه تأمره بعينيها أن ينفتح، إلى أن استجاب لها. خرج الطبيب، فنهضت بلهفة تسأله وعيناها حمراوين من شدة البكاء.
قالت بصوت مبحوح:
بابا عامل إيه دلوقتي يا دكتور؟
التفت الطبيب حوله ثم قال:
إنتي مفيش حد من قرايبك معاكي؟
هزت "آيات" رأسها نفياً وهي تقول بضعف:
لا، أنا مليش حد غير بابا.
نظر إليها الطبيب بشفقة. فقالت تحثه على الكلام وهي تمسح الدموع التي تبلل وجهها:
هو كويس؟ هيخرج إمتى؟
تنهد الطبيب وقال بحنو:
معلش يا بنتي، البقاء لله.
تسمرت "آيات" في مكانها، تنظر إلى الطبيب وقد حبست أنفاسها. بدت عيناها كبئرين ماء امتلآ على آخرهما. تمتمت قائلة:
إيه؟
نظر إليها وقد أشفق على حالها فقال بأسى:
قلبه متحملش العملية. للأسف اتوفى.
لم ترفع "آيات" عيناها عن الطبيب. أخذت دموعها تتساقط وهي تكرر:
إيه؟
نادى الطبيب إحدى الممرضات وقد شعر بالقلق على "آيات". قال لها:
خليكي معاها، متسيبيهاش.
استمرت "آيات" في النظر إليه ودموعها لا تتوقف عن الإنهمار. ورددت للمرة الثالثة:
إيه؟ بتقول إيه؟ فين بابا؟
اضطرب تنفسها وهي تحاول أن تستوعب ما قاله. نظرت إلى غرفة العمليات وأخذت تنادي:
بابا.. بابا.. اخرج يا بابا أنا مستنياك.
حاولت الممرضة أن تمسك ذراعيها لتبعدها عن غرفة العمليات، فنفضت "آيات" ذراعيها منها بقوة وهي تصيح:
بابا.. بابا اطلع أنا مستنياك.
حاولت اقتحام غرفة العمليات، لكن الطبيب أمسكها وهو يصيح في الممرضة:
هاتيلي حقنة مهدئ بسرعة.
أجهشت "آيات" في البكاء وهي تصرخ بأعلى صوتها:
بابا.. بابا اطلع.. بابا.
قال لها الطبيب وهو يحاول أن يهدئها:
لا حول ولا قوة إلا بالله. اهدى يا بنتي.
خارت قواها على الأرض وهو ممسكًا بها وأخذت تصيح:
بابا اطلع بقى.. بابا اطلع.
التف حولها عدد من الممرضات. أخذت تبكي بحرقة. حملوها إلى الترولي وأدخلوها إحدى الغرف، وما زالت صيحات بكائها تشق قلب من يسمعها.
***
أمضت "أسماء" الليل في غرفتها وهي جالسة فوق فراشها تبكي قهراً. أزاحت التسريحة ووضعتها خلف الباب حتى لا يتمكن ابن خالتها من الدخول مرة أخرى إلى غرفتها. في الصباح، تخيرت "أسماء" عباءة واسعة ارتدتها وارتدت فوقها حجاباً طويلاً وخرجت من الغرفة. تجمعت الأسرة حول طاولة الطعام. لمحت نظرات السخرية في عيني "هاني" وهو ينظر إلى ملابسها. تذكرت أحداث الليلة الماضية فلم تجد في نفسها رغبة في تناول الطعام. نهضت وتوجهت إلى غرفتها بعدما طلبت من خالتها مفتاحاً لغرفتها.
قالت لها:
عايزاه ليه؟
قالت "أسماء" بإرتباك:
عادي يا خالتي.
وقالت خالتها بلا مبالاة:
هبقى أدورلك عليه.
دخلت "أسماء" غرفتها وأغلقتها مرة أخرى بالتسريحة. تعلم بأنه لن يجرؤ على اقتحام غرفتها في وضح النهار، لكنها لم يكن لديها استعداد للمخاطرة. فتحت الشرفة وخرجت تستنشق الهواء الساخن، الذي ألهب عينيها ففاضت دموعها مرة أخرى.
قالت لنفسها:
هي مش هتتحل بقى يا "أسماء"!
***
ساعد المحامي "آيات" في إجراءات الدفن. خانتها ذاكرتها فلم تتصل بـ "سراج" لتخبره بوفاة أخيه، ولا حتى بـ "أسماء". كانت في دنيا غير الدنيا. ولولا وجود دادة "حليمة" بجوارها لماتت في بيتها جوعاً أو حزناً دون أن يشعر بها أحد. سقطت مغشياً عليها مرات عدة، فأسرعت دادة "حليمة" بمساعدتها وبمداواتها. دُفن "عبد العزيز" في مقابر العائلة.
عادت "آيات" إلى الفيلا الخالية. أخذت تنظر إلى كل ركن فيها بألم، فكل مكان بها يحمل ذكرى لها مع والدها الحبيب. جلست على فراشها متعبة مرهقة.
فقالت لها "حليمة" بإشفاق:
أجبلك تاكلي يا حبيبتي.
هزت "آيات" رأسها نفياً وهي تضع رأسها على الوسادة وتغمض عينيها.
مسحت "حليمة" بكفها على شعر "آيات" وهي تقول بحنان:
طيب نامي دلوقتي يا بنتي، ولما تصحي هحضرلك الغدا.
لم تجد "آيات" في نفسها رغبة لفعل أي شيء سوى النوم، حيث تهرب من الواقع إلى عالم الأحلام. لكن واقعها اخترق حلمها بقوة لتقوم فزعة من نومها وهي تصرخ:
بابا!
هرولت "حليمة" من المطبخ قائلة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إنتي كويسة يا "آيات"؟
قالت "آيات" بوهن:
أيوه.
جلست "حليمة" بجوارها. فوضعت "آيات" رأسها على الوسادة مرة أخرى لتتساقط منها عبرات صامتة. مسحت "حليمة" وجه "آيات" المبلل، ودون أن تشعر، بكت هي الأخرى.
نهضت "آيات" في منتصف الليل وأمسكت مصحفها تقرأ من كتاب الله وقد فاضت عيناها. نوت بقلبها إهداء ثواب تلك القراءة لأبيها. لم تستطع أن تكمل. قطع عليها بكائها القراءة. كانت تشعر بألم يمزقها إلى أشلاء. كيف تتحمل فقدان أبيها؟ لم يكن فقط أباً، بل كان كل عائلتها وكل صحبها. كان شعورها كمن فقد عائلته كلها في يوم واحد. أخذت ترفع يديها بالدعاء له بالرحمة والمغفرة.
***
أمضى "آدم" الأسبوع بجوار والدته في المستشفى. لم يتركها خلاله إلا لفترات قصيرة ثم يعود إليها مرة أخرى. تابع سير العمل بالقرية عن طريق الهاتف، وتابعه "زياد" بالأخبار أولاً بأول. كانت أمه سعيدة بهذا التغير وهذا الاهتمام منه.
قالت له في إحدى المرات وهي تنظر إليه متبسمة:
ياه.. كنت وحشني أوي يا "آدم".
ابتسم "آدم" فأكملت دامعة العينين:
كان وحشني ابني اللي بيخاف عليا وبيهتم بيا. كان وحشني أوي.
جلس "آدم" بجوارها قائلاً:
طيب بلاش عياط عشان خاطري.
ابتسمت وهي تحاول إخفاء تأثرها وقالت:
حاضر يا ابني، خلاص مش هعيط.
ثم نظرت إليه قائلة:
شغلك مش متعطل يا "آدم"؟
قال "آدم":
لا، متقلقيش يا ماما. أنا متابع كل حاجة بالتليفون، وكمان "زياد" هناك، فعشان كده مطمن.
قالت أمه بسعادة:
ما شاء الله. هو "زياد" بيشتغل معاك؟
ابتسم قائلاً:
أيوه.
قالت أمه بحنان:
طول عمركوا روحكوا في بعض. ربنا ما بيفرق بينكوا أبداً.
قال "آدم" بمرح وهو ينظر إلى هاتفه:
أهو بيتصل، يا ريتنا كنا جبنا سيرة ربع جنيه.
رد "آدم" قائلاً:
أيوه يا "زياد".
قال "زياد" بتوتر:
أيوه يا "آدم". إزيك طنط؟ عاملة إيه دلوقتي؟
قال "آدم" وقد انتبه لتغير صوته:
أحسن الحمد لله. مال صوتك؟ في حاجة حصلت؟
تنهد "زياد" بضيق ولهفة كما لو كان لا يستطيع الانتظار أكثر ليخبره بما لديه:
لازم تيجي تلحقني بسرعة يا "آدم" في حريقة في القرية.
صاح "آدم" وقد هب واقفاً:
إيه؟ حريقة؟
نظرت إليه أمه بجزع وقالت:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال "زياد" باضطراب:
أيوه حريقة. لسه المطافي ماشية من شوية.
صاح "آدم" قائلاً:
في حد مات؟
قال "زياد" بسرعة:
لا، اطمن. لا في حد مات ولا حد اتصاب. لأن الكلام ده حصل بالنهار، مكنش في حد في الملهى.
صاح "آدم" بغضب بالغ:
الملـهى؟ الحريقة كانت في الملهى؟
تنهد "زياد" قائلاً:
أيوه. النار مسكت فيه، وللأسف المطافي جت متأخر وجزء كبير منه اتحرق.
قال "آدم" بغضب هادر:
مفيش غيره. "عاصي" الكلب هو اللي عملها.
قال "زياد" بقلق:
متتهورش يا "آدم" لو سمحت. أنا بلغت البوليس وهو أكيد هيعرف مين اللي عمل كده.
قال "آدم" بعنف وبدا وكأنه لم يستمع إلى كلمات "زياد":
أنا هوريك يا "عاصي" الكلب. إذا كنت حابب شغل البلطجة، معنديش أي مشكلة. اشرب بقى.
كان "آدم" يغلي من الغضب. فقالت له والدته بقلق:
خير يا "آدم"؟
قال "آدم" بحدة:
مفيش. شوية مشاكل في الشغل، متشغليش بالك يا ماما.
قالت أمه وهي تنظر إليه بإشفاق:
طيب يا حبيبي، سافر. انت متعطلش شغلك بسببى. أنا بقيت كويسة.
نظر "آدم" إليها بحزم قائلاً:
مش هسيبك هنا يا ماما. هتيجي معايا.
ثم توجه إلى الخارج قائلاً:
هروح أسأل الدكتور إذا كان ينفع تسافري ولا لأ.
***
صاحت "أسماء" بحدة:
إنتي بتستعبطي يا "آيات"؟ بجد زعلتيني منك جداً. أسبوع يا "آيات"، أسبوع وأنا معرفش إن باباكي اتوفى؟ وألف موبايلك كمان.
قالت "آيات" بوهن وهي جالسة في فراشها:
معلش يا "أسماء". أنا مكنش عقلي فيا، مكنتش قادرة أتكلم ولا حتى أشوف حد.
قالت "أسماء" وهي تجلس بجوارها:
بس أنا مش حد يا "آيات".
قالت "آيات" ودموعها تتساقط على وجهها:
معرفش بقى. أنا كنت طول الوقت بنام عشان أهرب من التفكير. وبعدين لما فوقت كلمتك وقولتلك.
عانقتها "أسماء" قائلة:
يا حبيبتي يا "آيات". معلش، ربنا يرحمه.
بكت "آيات" قائلة:
مش قادرة يا "أسماء"، مش قادرة أتحمل فراقه. مش قادرة أصدق إنه خلاص مات. بنام وبصحى أحس إنه هيخبط على باب أوضتي، ويقولي تعالي اتعشى معايا، ويكلمني عن الرحلة اللي هنطلعها سوا. ده وعدني ياخدني للحج السنة دي، وهنطلع عمرة كل سنة. مش قادرة أصدق إني خلاص مش هشوفه تاني. إزاي مشوفوش تاني يا "أسماء"؟ إزاي؟ إزاي هعيش من غير بابا؟ إزاي بابا معدش موجود؟ إزاي معدتش هسمع صوته؟ يعني هو كده خلاص معدش هيكون موجود تاني؟ خلاص كده، هفضل عايشة من غير ما أشوفه.
انهمرت العبرات من عيني "أسماء" وهي تنظر إلى صديقتها في أسى واشفاق وقالت:
ربنا يصبرك يا "آيات".
نظرت "أسماء" إلى الحقائب التي تملأ الغرفة وقالت:
إنتي هتسيبي الفيلا إمتى؟ وهتروحي فين؟ ودفعتي أصلاً فلوس العملية إزاي؟ معاكي فلوس؟
قالت "آيات" وهي تحاول تمالك أعصابها:
خدت دهبي، وبعته ودفعت جزء من حساب العملية. ولما الشركة اتباعت كملت ودفعت باقي حساب المستشفى. الفيلا كمان اتباعت بكل اللي فيها في المزاد، بس مديني مهلة لآخر الشهر عشان أخرج منها.
قالت "أسماء" باستغراب:
بس مش المفروض عمك ده اللي بتكرهوه يورث في باباكي؟
قالت "آيات":
لا، الميراث مبيتوزعش إلا بعد تسديد الديون. مش ربنا بيقول في سورة النساء "من بعد وصية يوصى بها أو دين".
ثم قالت بألم:
مع إنّي برده هيبقى عليا أكيد ديون، لأن المحامي قال لي إن الفلوس بتاعة الفيلا والعربية مش هتكفي. فهضطر أبيع عربيتي وللأسف معنديش حاجة تاني أبيعها، والفلوس اللي باسم بابا في البنك كمان راحت.
قالت "أسماء" بأسى:
ده إيه الهم ده.
ثم قالت بحزم:
بيعي عربيتك وخلي فلوسها ليكي انتي. انتي أولى بيها. وسيبك من موضوع الديون واللي يسألك، قولي ممعكيش.
نظرت إليها "آيات" بلوم وبألم وقالت:
إنتي تعرفي إن في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بيقول "يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين". وكمان في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه". يعني الرسول مصلاش على الميت صاحب الدين إلا بعد ما حد من الصحابة قال إنه هيسدد عنه دينه. إزاي أسيب بابا من غير ما أسدد دينه.
تنهدت "أسماء" بأسى وقالت:
والله لو كان معايا حاجة يا "آيات" مكنتش اتأخرت عنك.
قالت "آيات" وهي تنظر إليها ممتنة:
عارفة يا "أسماء".
قالت "أسماء":
أمال إنتي هتعيشي فين بعد ما تسيبي الفيلا؟
قالت "آيات" بحيرة وأسف:
معرفش.. معرفش.
***
أغلق "عاصي" الهاتف وهو يضحك بشدة. سأله والده الجالس معه في المكتب قائلاً:
خير؟ متضحكنا معاك.
قال "عاصي" بسعادة:
مفيش. "آدم" كان مسافر القاهرة، فبعتله هدية صغيرة نستقبله بيها لما يرجع.
قال أبوه باستغراب:
هدية إيه يا "عاصي"؟
قال "عاصي" بتشفٍّ:
ولعتله في الملهى الليلي اللي فرحان بيه.
ضرب "سراج" بقوة على المكتب فانتفض "عاصي". صاح "سراج" بغضب:
أنا مش قايلك متعملش حاجة من غير ما ترجعلي يا "عاصي"؟
قال "عاصي" بغيظ:
هو اللي بدأ اللعب بالنار، اللي يلعب بالنار تلسعه.
صاح "سراج" بحدة:
غبي يا "عاصي"، غبي. إنت عارف "آدم" كويس، مش من النوع اللي يخاف ويكش. إنت عارفه كويس. إيه اللي خلاك تتهور كده؟
قال "عاصي" بحدة:
هيـعمل إيه يعني؟ ولا يقدر يعمل حاجة.
هتف "سراج" بحدة:
غور من قدامي يا "عاصي"، وتروح حالاً القرية تأمن عليها كويس وتخليك فيها اليومين دول، لأني واثق إن "آدم" مش هيسكت. وأي حاجة جديدة تبلغني بيها فوراً.
ثم صاح محذراً وهو يشير بإصبعه:
وإياك حسك عينك تعمل حاجة من غير ما ترجعلي، فاهم يا غبي.
خرج "عاصي" من مكتب والده وعلامات الغضب على وجهه. وقف أمام المصعد وهو يتمتم بغضب:
أكنّي عيل صغير. اعملي يا "عاصي". وإياك تعمل يا "عاصي". حاجة تقرف.
***
توجه "آدم" مع والدته إلى منزلها يجمع حاجياتها ثم انطلق بها إلى العين الساخنة. كان "آدم" شارداً طوال الطريق يفكر بغيظ فيما فعله "عاصي" بقريته، فليس لديه أدنى شك بأنه وراء حرق الملهى الليلي. تلقى اتصالات عديدة من "شكري" الذي بدا غاضباً، لكن "آدم" طمأنه بأن الخسائر ليست كبيرة وبأن الإقبال على القرية لم يتأثر بتلك الحادثة. لكن "آدم" صمم على تلقين "عاصي" درساً حتى لا يتجرأ مرة أخرى على الاقتراب منه.
أوصل والدته إلى الشاليه وتوجه من فوره إلى الملهى الليلي. عاينه بغضب وهو يتفحص الخسار ثم صاح بغضب:
ابن التيييييييييي.
قال "زياد" بتهدئة:
الحمد لله إنها جت على قد كده يا "آدم". كويس إن محدش اتصاب ولا حد مات، وإلا كانت هتكون فضيحة بجد.
خرج "آدم" مسرعاً واجتمع بالحرس الخاص الذي استأجرهم، و... أمرهم بما يجب أن يفعلوه. قوبل بالاعتراض في البداية، لكن الاعتراض اختفى بعدما لوح "آدم" بالثمن!
***
أثناء الغداء، قالت والدة "سماء":
أنا خارجة النهاردة مع خالتك وجدك، رايحين نزور ناس قرايبنا في البلد وهنرجع متأخر.
خشت "أسماء" من البقاء بمفردها في المنزل، فقالت بلهفة:
لا، أنا جايه معاكوا.
ولم تعترض والدتها. حانت منها التفاته إلى "هاني" الذي ابتسم لها بسخرية. قامت وتوجهت إلى غرفتها، فكانت رؤيته تسبب لها الغثيان. بعد منتصف الليل، عادوا من الخارج والكل متعب مرهق. توجهت "أسماء" إلى غرفتها ووضعت التسريحة خلف الباب كعادتها كلما دخلت إلى غرفتها. ما كادت تلتفت حتى رأت "هاني" أمامها. كادت أن تصرخ، لكنه وضع يده على فمها يكممه قائلاً:
شششش. لو فتحتي بوقك، هتبقى فضيحة وهقولهم إني كنت نايم في أوضتك لأنها طراوة، وإنتي اللي بتتبلي عليّ.
بكت "أسماء" وهي تقول له:
حرام عليك بقى. أنا بنت خالتك، مش واحدة من الشارع.
كالمرة السابقة، لم يعبأ لبكائها ولا لتوسلاتها، وجذبها إلى الفراش. أخذت تهتف بين شهقات بكائها المرير:
كفاية بقى.
اهتنت تلك الدقائق الكريهة كسابقتها وعاد إلى غرفته منشياً، شاعراً بالانتصار. أما "أسماء"، فكانت نفسيتها وأعصابها في الحضيض. ظلت تتلوى في فراشها بعدما تقيأت بشدة وأصابها الإعياء. أغمضت عينيها بشدة وهي لا تتمنى إلا شيئاً واحداً... الموت.
***
استيقظ "عاصي" على صوت هاتفه. رد بصوت ناعس:
أيوه.
صاح الطرف الآخر:
الحق يا أستاذ "عاصي". في بلطجية دخلوا القرية بعربيات جيب وكسروا الواجهة والإزاز اللي في المدخل. وولعوا في الجنينة ومحدش عرف يمسكهم.
هب "عاصي" واقفاً وارتدى ملابسه على عجالة ونزل يرى المصيبة التي أصابت قريته. وجد النزلاء قد تجمهروا في الأسفل وهم ينظرون بجزع إلى الحريق الكبير المشتعل في الحديقة والزرع.
فصاح قائلاً:
اطلبوا المطافي بسرعة.
صاح مدير القرية:
طلبناها يا أستاذ "عاصي".
صاح به "عاصي" بحدة وهو يرى الزجاج المحطم والتماثيل المهشمة والنار التي تلتهم كل ما يقابله:
وكنت فين حضرتك لما ده حصل وفين الأمن؟
قال مدير القرية بقلق وارتباك:
كل حاجة حصلت فجأة. دلوا بعربيات جيب ورموا مولوتوف على الجنينة وحجارة على الواجهات، وعلى ما جينا نتصرف لفوا ومشوا بسرعة.
صاح "عاصي" بغضب هادر:
اتفضل اقفل حسابك وسلم شغلك وشوفلك مكان تاني تديره. إنت كبيرك أوي تدير حضانة أطفال مش قرية سياحية.
شعر مدير القرية بالمهانة وتوجه إلى الداخل مسرعاً بغضب. وقف "عاصي" ينظر إلى ما حوله بغيظ وقد تعالت صيحات الاستنكار من النزلاء.
فصاح بغضب:
حد يطلب المطافي.
***
توجهت "آيات" إلى مكتب محامي والدها. كانت هذه هي المرة الأولى التي تحتاج لأحد غير والدها وتطلب منه شيئاً ما. شعرت بحرج بالغ. قالت ورأسها منخفض:
أنا محتاجة مبلغ صغير وهمضيلك وصولات أمانة.
صمت المحامي قليلاً ثم قال متهرباً:
أنا لو كان معايا فلوس مكنتش أعزها عليكي، بس أنا حالياً بمر بأزمة مالية خاصة بعد ما شغلي في شركة والدك انتهى. يعني أنا زيي زيك.
نظرت إليه بألم وقالت:
بس أنا مفيش مكان حتى أروح فيه. محتاجة على الأقل أأجر شقة. والفلوس اللي اتبقت من بعد بيع العربية مش هتكفي إلا إيجار كام شهر. ده غير الأكل والشرب والمصاريف.
قال المحامي بلا مبالاة:
انزلي اشتغلي. إنتي متخرجة ومعاكي شهادة وأكيد هتلاقي شغل كتير.
قالت "آيات" بيأس والدموع في عينيها:
طيب حضرتك متقدرش تشوفلي شغل في أي شركة؟
قال المحامي وهو يمط شفتيه:
هحاول أشوفلك.
خرجت "آيات" من مكتبه تنظر إلى الشارع المزدحم وقد امتلأت عيناها بالعبرات. نظرت إلى المارة في الشارع بألم وهي تستعد لأول مرة لمواجهة الحياة بمفردها.
رواية جواد بلا فارس الفصل السابع عشر 17 - بقلم بنوته اسمرة
تجولت "آيات" في الفيلا تتأمل كل ركن فيها بأعين دامعة.
جمعت ما يعز عليها فراقه، ووضعته في حقيبتها.
تجمعت الحقائب في الأسفل.
فتحت شرفة غرفة المعيشة ووقفت تنظر إلى القمر بأعين دامعة.
هذه هي الليلة الأخيرة التي ترى فيها هذا القمر من بيتها الذي ولدت وعاشت وتربت فيه.
من الغد سيكون هذا البيت ملكًا لغيرها، سيسكنه أناس آخرون.
ستطأ أقدام غريبة تلك الأرض التي زحفت ومشيت عليها أولى خطواتها.
وتلك الشرفة التي سهرت فيها ليالٍ طويلة.
ستشتاق لهواء هذا البيت، لجدرانه، لأثاثه، لأركانه.
فرت منها دمعة حزينة.
مسحتها بأصابعها، وسؤال ملح يتردد بداخلها: أين ستذهبين يا "آيات"؟
ليس لديكِ مأوى، وليس في حوزتك إلا بضعة آلاف من الجنيهات.
ماذا ستفعلين؟ إلى من ستلجأين؟
لم يكن لكِ في هذه الدنيا إلا والدك، لكنه رحل.
رغمًا عنه ورغمًا عنكِ.
أتستطيعين مواجهة هذه الحياة بمفردك؟
قاطع دخول دادة "حليمة" شرود أفكارها.
ابتسمت لها "حليمة" بحنان قائلة:
"أجيبلك تتعشي يا بنتي؟"
هزت "آيات" رأسها نفيًا وقالت بأسى:
"ومين له نفس للأكل يا دادة؟"
نظرت إلى القمر مرة أخرى، وشردت في حالها من جديد وهي تقول:
"المفروض أسيب الفيلا بكرة ومش عارفه أروح فين."
ثم التفتت إلى "حليمة" قائلة وهي ترمقها بنظرات حزينة:
"هيِعز عليا فراقك أوي يا دادة."
ابتسمت "حليمة" بحنان.
"بجد هتوحشيني أوي. لو كنت عارفه أنا رايحه فين كنت خدت معايا، بس أنا حتى مش عارفه هعيش إزاي."
عانقتها "حليمة" وأخذت تمسح على شعرها بحنان.
أجهشت "آيات" في البكاء، علها تريح صدرها مما يقاسيه من أحزان.
قالت "حليمة" بطيبة:
"بس أنا باه مش هسيبك يا 'آيات'."
نظرت إليها "آيات" قائلة وهي تمسح عبراتها:
"مش هينفع يا دادة أخدك معايا. أنا أصلاً لسه معرفش هعيش فين."
ابتسمت "حليمة" وهي تتأملها قائلة:
"هتعيشي معايا."
نظرت إليها "آيات" بدهشة.
أكملت "حليمة":
"بيتي القديم لسه موجود مبعتوش. سبحان من خلاني ما أحتاجش أبيعه. وأهو الزمن لف ودار واحتجتله. وكمان أنا محوّشة قرشين من مرتبّي اللي كنت باخده من والدك الله يرحمه. هتيجي تعيشي معايا ورزقي ورزقك على الله."
أغرورقت عينا "آيات" بالعبرات وهي تنظر إليها.
لم تتمالك نفسها فأجهشت في البكاء مرة أخرى وهي تقول بتأثر شديد:
"بجد يا دادة مش عارفه أقولك إيه."
قالت "حليمة" بأعين دامعة:
"متقوّليش حاجة. أبوكي كان راجل طيب، زرع في حياته الخير، وإنتي بتحصديه دلوقتي. عمره ما عامل حد من اللي شغالين عنده بطريقة وحشة. كان بيعامل الناس بطيبة وعمره ما قصر مع حد ولا عمره أذى حد. ولما سألته في مرة عن سر معاملته الحنينة للخدم وللناس اللي شغالة عنده، قالي إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'إخوانكم خولكم - أي خدمكم -، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم'. كان راجل طيب ويعرف ربنا والناس كانت بتحبه. ربنا يرحمه هو وأمك."
ابتسمت "آيات" وهي تقول:
"يارب. يارب ارحمهم."
ربتت "حليمة" على كتفها وقالت مبتسمة:
"متشغليش بالك. لينا رب وهو أرحم بينا من عباده."
ثم قالت:
"أما أروح أتمم على الحاجة اللي هناخده."
نظرت "آيات" إلى السماء وقد لاحت ابتسامة على شفتيها وهي تقول بتأثر:
"الحمد لله. إنت كريم أوي يا رب."
***
استيقظ "آدم" من نومه فوجد والدته في مطبخ الشاليه تعد الطعام.
فنظرت له قائلاً:
"صباح الخير يا ماما."
نظرت إليه أمه قائلة:
"صباح النور يا 'آدم'."
قال "آدم" وهو يقترب منها:
"ماما بتعملي إيه؟ روحى ارتاحى وأنا خلاص اتفقت مع واحدة هتيجي تنضف وتطبخ."
قالت أمه بحزم:
"لا مليش أنا في الحاجة دي. أنا مبحبش واحدة غريبة تنضف بيتي ولا تحط إيديها في أكلي."
قال "آدم":
"يا ماما إنتي تعبانة، مينفعش اللي بتعمليه ده. الدكتور قال ترتاحي."
قالت أمه بعناد:
"أنا الحمد لله بقيت كويسة أوي وأقدر أقف على رجلي وأعمل شغلي."
قال "آدم" مستسلمًا:
"طيب براحتك."
ثم قال يحذرها:
"بس لو تعبتي ارتاحي على طول، اتفقنا؟"
ابتسمت له قائلة:
"ربنا يخليك ليا يا ابني ولا يحرمني منك."
أخذها في حضنه قائلاً:
"ولا يحرمني منك يا ماما."
نظرت إليه والدته بعتاب قائلة:
"إنت لسه مبتصليش؟"
ارتبك "آدم" وشعر بالحرج.
فقالت بحزن:
"ربنا يهديك يا 'آدم'."
نظر إليها "آدم" قائلاً:
"أيوه. ادعيلي. الدعوة دي. إنتي دعوتك مستجابة."
قالت أمه:
"بدعيلك يا حبيبي. بس مش كفاية دعائي لوحده. ربنا بيقول في سورة الرعد: 'إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ'. لازم تبدأ بتغيير نفسك بنفسك يا 'آدم'."
تنهد "آدم" قائلاً:
"إن شاء الله."
ثم توجه إلى باب المطبخ وقال:
"هروح أغير عشان متأخرش على الشغل."
قالت له أمه باهتمام:
"مش هتفطر؟"
قال "آدم" بعبوس:
"لا مليش نفس."
ارتدى "آدم" ملابسه وخرج من الشاليه متوجهًا إلى مكتبه.
كان العبوس بادٍ على ملامح وجهه.
كان يشعر بالضيق والحنق.
لا يدري السبب، لكنه غير مرتاح، غير سعيد.
يشعر أن شيئًا بداخله مفقود.
شيء لم يستطع أن يملأه بملذاته ونزواته وسهراته وأمواله وقريته السياحية.
على الرغم من النجاح الذي حققه حتى الآن، إلا أنه لم يشعر بالفخر لهذا النجاح، بل يشعر بالفشل.
زفر بضيق وهو يجلس إلى مكتبه.
تحدث إلى نفسه قائلاً:
"لماذا هذا الشعور البغيض؟ لماذا لا تفرح يا 'آدم' بإنجازاتك ونجاحك؟ لماذا تشعر بأنك لم تنجز شيئًا ولم تربح شيئًا؟ لماذا هذه المرارة التي تشعر بها داخل حلقك؟ ما الذي ينقصك يا 'آدم'؟ عمّا تبحث لتكون سعيدًا؟"
علم الإجابة، لكنه لم يجرؤ على الإفصاح بها لنفسه.
شعوره بالذنب ألجمه وقيده وجعله كالعاجز.
كالعطشان الذي يتمنى قطرة ماء وأمامه نهر من الماء العذب، لكنه بدلاً من أن يشرب منه توجه إلى البحر المالح.
لكنه كلما حاول أن يروي ظمأه ازداد عطشًا.
لا عطشه ارتوى، ولا جسده ارتاح.
***
في صباح اليوم التالي، خرجت "آيات" من الفيلا مع "حليمة" وهي تتأمل الفيلا وتودعها بعينيها الممتلئتين بالعبرات.
أسرع الحارس بحمل الحقائب في السيارة الأجرة التي توقفت أمام باب الفيلا.
نظر إلى "آيات" بأسى قائلاً:
"آنسة 'آيات' مش محتاجة أي حاجة؟"
نظرت إليه "آيات" قائلة:
"شكرًا."
قال الحارس وهو متأثرًا بما حل بها:
"إنتي زي أختي الصغيرة. أنا عندي أخت في سنك. أنا هنا مش هامشي. الساكن الجديد الحمد لله هيخليني في شغلي. لو احتجتي أي حاجة أنا موجود هنا."
نظرت إليه "آيات" وقد اغرورقت عيناها بالعبرات وهي تقول:
"متشكرة أوي."
تابعها بعينيه الحزينتين وهي تركب السيارة بجوار "حليمة" لتنطلق بهما إلى سكنها الجديد.
في أحد الأحياء الشعبية، توقفت السيارة.
ساعد السائق في إنزال الحقائب وإيصالها إلى باب الشقة.
صعدت "آيات" البناية القديمة، الدرجات المتهالكة، وتأملت الجدران المزرية والتي تنبعث منها رائحة غريبة.
أسرعت "حليمة" بفتح الباب.
ثم توجهت إلى الشباك ففتحته لينير البيت بنور الصباح.
تأملت "آيات" الشقة الصغيرة المكونة من غرفتين صغيرتين، بكل منهما فراش، وبصالة صغيرة بها صالون متهالك، ومطبخ وحمام.
كان البيت الصغير في حالة مزرية وقد غطى التراب الأثاث بالكامل.
قالت "حليمة" بتفاؤل:
"متقلقيش، هينضف ويبقى زي الفل."
ابتسمت "آيات" بوهن والتفتت لتدخل الحقائب إلى الداخل.
فساعدتها "حليمة".
ثم قالت بمرح:
"تحبي تختاري أنهي أوضة؟"
نظرت "آيات" إلى الغرفتين، فكلاهما في حالة رثة.
قالت بخفوت:
"أي واحدة مش هتفرق."
توجهت "حليمة" إلى إحدى الغرف وقالت وهي تفتح شباكها:
"تعالى هنا، دي شارحة عن التانية."
بدأت "حليمة" بتنظيف غرفة "آيات" التي مدت يد المساعدة إلى "حليمة" رغم اعتراضها.
كان العمل شاقًا، فأكوام التراب كانت تغطي كل شيء.
بعد أكثر من ساعة من العمل المتواصل في الغرفة، أصبحت صالحة للاستهلاك الآدمي.
ألقت "آيات" بجسدها المرهق على الفراش.
فلم تعتد العمل في البيت ولا تحمل مشاق التنظيف.
استسلمت إلى النوم و"حليمة" تغلق باب غرفتها وهي تبتسم في إشفاق.
***
جلس "آدم" على الشط يتأمل البحر أمامه.
كان شاردًا، فلم ير تلك الفتاة التي ترتدي البكيني والتي اقتربت من مكان جلوسه.
انتبه إليها عندما قالت:
"حضرتك دكتور 'آدم' مدير القرية، مش كده؟"
ابتسم "آدم" مجاملًا وقال:
"أيوه أنا."
جلست الفتاة دون دعوة على المقعد المجاور له وهي تقول بمرح:
"بجد القرية تحفة. أول مرة أحس إن مصر فيها أماكن حلوة. طول عمري بقضي الإجازة بره، بس لما شوفت إعلانكم قولت أجرب، وبجد انبهرت."
ابتسم "آدم" قائلاً:
"الحمد لله إن قريتنا عجبتك."
قالت الفتاة وهي تمد يدها إليه:
"أنا 'بسنت'."
أمسك يدها في راحته قائلاً:
"تشرفنا يا آنسة 'بسنت'."
ضحكت قائلة:
"لا مبحبش آنسة وأستاذ والجو ده. أنا 'بسنت' وأصحابي بيقولولي 'بوسي'."
ذكره الاسم بـ "بوسي" تلك المرأة التي أمضى معها ما يقرب من العام.
يعيش معها وفي بيتها ويصرف من مالها.
تلك المرأة التي عاش معها عيشة تغضب رب السماوات والأرض.
عقد حاجبيه بضيق وهو يتذكر أيامه ولياليه معها.
شعر بنفور شديد من نفسه.
تذكر آخر لقاء جمعه بها.
تذكر إفسادها لزواجه من "آيات".
"آيات"... تلك الفتاة التي يأبى عقله أن ينساها.
لماذا يتذكرها دائمًا؟ لماذا لا يستطيع نسيانها؟
لماذا تقفز إلى عقله بين الحين والآخر؟
قال لنفسه: "أفق يا 'آدم'. 'آيات' ضاعت من بين يديك للأبد. لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب."
قالت "بسنت" التي كانت تراقب تعبيرات وجهه:
"إنت شكلك مش معايا خالص."
نظر إليها "آدم" وكأنه نسي وجودها.
ثم نهض قائلاً:
"بعد إذنك، عندي شغل."
ابتعدت وهي ترمقه بنظراتها المغتاظة.
كانت الفتاة جميلة، ومتحررة، وترمقه بنظرات الإعجاب.
ويعلم أنه إذا أراد علاقة معها فسيلقى ترحيبًا منها.
لكنه لم يفعل.
سأل نفسه: لماذا؟
فأتاه الجواب من داخله: سئمت الحرام.
***
استيقظت "آيات" على رائحة الطعام الشهي.
شعرت بألم حاد في بطنها وهي تتذكر أنها لم تتناول شيئًا منذ الأمس.
فتحت الباب لتجد البيت مقلوبًا رأسًا على عقب.
تلمست الطريق إلى المطبخ لتجد "حليمة" واقفة تعد الطعام.
لتفتت تنظر إليها مبتسمة وقالت:
"صباح الخير يا ست البنات. ثواني والأكل يكون جاهز."
قالت "آيات" مبتسمة بضعف:
"قصدك مساء الخير يا دادة."
ثم قالت:
"هي الساعة كام؟"
قالت "حليمة" وهي تنظر إلى هاتفها:
"المغرب هيأذن."
صاحت "آيات" قائلة:
"كده يا دادة تسيبيني نايمة؟ أنا مصلتش الضهر ولا العصر."
أسرعت "آيات" وتوجهت إلى الحمام لتتوضأ.
جمعت الظهر والعصر.
وبمجرد أن انتهت، سمعت أذان المغرب يتردد من المسجد القريب.
نادتها "حليمة" قائلة:
"يلا يا بنتي الأكل جهز."
قالت "آيات" وهي تقف:
"هصلي المغرب الأول يا دادة."
ابتسمت "حليمة" وقالت:
"طيب تعالي نصلي جماعة بدل ما كل واحدة تصلي لوحدها."
ابتسمت "آيات" ووقفت بجوار "حليمة" التي أمّتها في الصلاة.
تناولت "آيات" طعامها بنهم شديد على الرغم من بساطته وتواضعه.
راقبتها "حليمة" بإشفاق والابتسامة على ثغرها.
أسرعت "آيات" بالرد على الهاتف قائلة:
"السلام عليكم. إزيك يا 'سمر'؟"
قالت "سمر" بلهفة:
"وعليكم السلام. اخص عليكي يا 'آيات'، بأه ده كله يحصل وأنا معرفش."
قالت "آيات" بخفوت:
"حصل إيه؟"
هتفت "سمر" بضيق:
"يعني والدك يتوفى، ومشكلة الديون، وإنك تسيبي الفيلا. كل ده وأنا معرفش. هو يا بنتي مش إحنا صحاب ولا إيه؟"
قالت "آيات":
"أيوه طبعًا يا 'سمر'. بس معلش اعذريني. أنا والله حتى 'أسماء' مكنش بيبقى فيا دماغ أكلمها."
قالت "سمر":
"أنا لسه قايلة مع 'أسماء' وحكتلي على اللي حصلك. عملتي إيه في موضوع السكن؟"
توجهت "آيات" إلى غرفتها وأغلقت الباب وهي تقول:
"اللي ساعدني وفتح لي بيته آخر شخص توقعت إنه يقدر يساعدني."
قالت "سمر" باستغراب:
"مين اللي ساعدك؟"
قالت "آيات" مبتسمة بتأثر:
"دادة 'حليمة'. فتحت لي بيتها وبتعاملني زي بنتها."
ابتسمت "سمر" وقالت:
"الحمد لله. ربنا كبير."
أغرورقت عينا "آيات" بالعبرات وهي تقول:
"أيوه فعلاً كبير، وما فيش أحن منه."
قالت "سمر" مشجعة:
"يبقى طلعي حاجة لله يا 'آيات'، حتى لو كانت صغيرة."
ابتسمت "آيات" وهي تقول:
"كويس إنك فكرتيني. أنا هعمل كده فعلاً."
ثم قالت بحزن:
"رغم إني مش هقدر أطلع مبلغ كبير."
قالت "سمر" مبتسمة:
"ربنا بيقول 'فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ'. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 'سبق درهم مائة ألف درهم'. قالوا: وكيف؟ قال: 'كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق به'. يعني أجر راجل تصدق بدرهم أكبر من أجر راجل تصدق بمية ألف درهم. فسألوه إزاي يا رسول الله. فقال: إن اللي تصدق بدرهم واحد ده راجل كان معاه درهمين تصدق بواحد واحتفظ بواحد، فمعنى كده إنه تصدق بنص ماله. أما التاني كان معاه فلوس كتير تصدق منها بـ مية ألف درهم. لكن المية ألف دول بيمثلوا جزء صغير من فلوسه الكتير. يعني اعملي الخير ومتستصغريش، بالعكس لما تتصدقي وأنتي محتاجة وفي أشد الحاجة، الثواب بيبقى أكتر بكتير من لو تصدقتي وأنتي مرتاحة ماديًا."
ابتسمت "آيات" وهي تقول بحماس:
"بجد فرحتيني بالكلام ده يا 'سمر' وحمستيني إني أتصدق بجد. وربنا يتقبل مني يا رب."
ابتسمت "سمر" وقالت:
"إن شاء الله يتقبل منك يا 'آيات'."
ثم قالت بجدية:
"'آيات'، إحنا أخوات. لو احتجتي أي حاجة هتقوللي، مش كده؟"
قالت "آيات":
"طبعًا يا 'سمر'. ومتشكرة أوي على مكالمتك دي."
قالت "سمر":
"مفيش شكر بينا، إحنا أخوات زي ما قولتلك. وبجد لو احتجتيني في أي حاجة هتلاقيني جنبك."
قالت "آيات" بتأثر:
"بجد متشكرة يا 'سمر'. الكلام ده لوحده بيطمني وبيحسسني إني مش لوحدي."
قالت "سمر" تطمئنها:
"إنتي مش لوحدك يا 'آيات'. كلنا هنكون جنبك."
بعد قليل، تلقت مكالمة من "إيمان" التي قدمت إليها واجب العزاء وكلمات المواساة.
سعدت "آيات" باهتمام صديقاتها بها وشعرت بأن كلماتهم تهون عليها مصابها.
***
هتفت "إيمان" بحنق:
"أنا تعبت. تعبت. بنشتغل زي التييييييييييت ومش هاين عليهم يدفعولنا مرتبات عدلة."
قالت لها صديقتها الجالسة معها في كافيتيريا المستشفى:
"كل حاجة في البلد دي خربانة. فالحين بس يدوا فلوس قد كده للي بتمثل وللي بترقص وحتى للي بيلعب كورة. لكن اللي بيطفح الدم زينا في كلية زي كليتنا ويشتغل ويداوي الناس وتطلع عينه يدوه ملاليم."
تفتت "إيمان" بحدة:
"حسبنا الله ونعم الوكيل. حاجة تقرف بجد. حتى أخويا مش لاقي شغل عدل ولسه لحد دلوقتي متثبتش في وظيفته."
قالت صديقتها:
"أخوكي ده محترم أوي. شوفته كذا مرة وهو جاي لك المستشفى مبييبصش لبنات أبداً ولما بنت بتعدي من قدامه بيبص في الأرض."
قالت "إيمان":
"فعلاً 'علي' محترم أوي ومش بيحب يعمل حاجة غلط وهو عارف إن حرام يبص للبنات."
ثم قالت بأسى:
"عارفة أنا نفسي في واحد زي 'علي' أخويا كده. ميبصش على بنات ولا يشوف حد غيري. لو قارني بالبنات أكيد أنا اللي هخسر."
ثم تنهدت قائلة:
"تعرفي؟ خايفة أوي ارتبط بواحد وبعد الجواز عينه تزوغ على واحدة تانية ويخوني معاها. بفكر كتير أوي في كده. حاسة إني لو اتجوزت مش هعرف أملى عين جوزي ومش هعرف أثق في نفسي وأجامل وألبس زي ما الستات بتلبس. حاسة إني مكسوفة من شكلي ومن جسمي أوي."
سألتها صديقتها:
"طيب إنتي ليه متعمليش رجيم يا 'إيمان'؟"
قالت "إيمان" بحنق:
"عملت كتير بس مش بعرف أستمر. كل ما أتحمس إني أعمل رجيم أرجع تاني آكل زي البغلة لحد ما أتخن أكتر من الأول."
ثم قالت بحزن:
"نفسي أوي يبقى جسمي حلو عشان لما أتزوج متكسفش من نفسي. نفسي أحس زي البنات كده إني واثقة في نفسي وإني بنت زيهم. أنا ساعات بحس إني مش بنت. ساعات بحس إني ست كبيرة."
ترقرق العبرات في عينيها وهي تقول:
"عارفة لما بكون بشتري حاجة والراجل يقولي يا مدام.. بتخنق أوي وبحس إني عايزة أعيط. ولا لما بسمع حد بيتريق على تخني بحس إني عايزة ملك الموت ينزل ويقبض روحي."
قالت صديقتها:
"معلش يا 'إيمان'. في ناس كده مؤذية. مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده'. وبعدين خلي عندك ثقة في نفسك واصلي على رجيم وإن شاء الله تخسي."
تنهدت "إيمان" وقالت بيأس:
"ربنا يسهل إن شاء الله."
***
فتحت "آيات" الباب لتجد "أسماء" أمامها تقول بغيظ:
"دوخت على ما لقيت البيت."
ابتسمت "آيات" قائلة:
"معلش."
تعانقت الصديقتان بشدة لفترة طويلة.
قالت "أسماء":
"وحشتيني أوي. عاملة إيه؟"
قالت "آيات" بأعين دامعة:
"الحمد لله."
نظرت "أسماء" إلى المنزل المتواضع.
ثم أقبلت "حليمة" فسلمت عليها قائلة:
"إزيك يا دادة؟"
ابتسمت "حليمة" وقالت:
"الحمد لله يا بنتي. أما أروح أعمل لكوا شاي."
جلست الفتاتان في الحجرة التي خصصتها "حليمة" لـ "آيات".
فقالت "أسماء":
"البيت مبهدل أوي."
قال "آيات" بحزن:
"اهو أحسن من الشارع."
قالت "أسماء" بشرود:
"وأحسن من اللي أمر من الشارع."
قالت لها "آيات" باستغراب:
"تقصدي إيه؟"
ردت "أسماء" بوهن:
"مفيش. خلينا فيكي إنتي. ناوية على إيه؟"
قالت "آيات" وهي تفكر في حالها:
"أكيد هنزل أشتغل. مش معقول هسيب دادة 'حليمة' تصرف عليا، هي أصلاً على قد حالها."
ثم قالت بمرارة:
"تصوري عمي لحد دلوقتي مكلمنيش. ولا حتى عشان يعزيني في وفاة بابا. ولا قالي إنتي ناقصك حاجة ولا لأ."
قالت "أسماء":
"إنتي قولتي له إن عمو توفى؟"
قالت "آيات":
"لا متصلتش بيه بس أكيد عرف. وأكيد على الأقل خالص عرف إن شركة بابا اتباعت لأن الإعلان نزل في الجرنال."
قال "أسماء" بحنق:
"أنا مش عارف إيه الأهالي اللي معندهمش إحساس دول. حاجة تقرف."
قالت "آيات" وهي تحاول أن تتناسى مآسيها:
"سيبك. أنا أصلاً مش عايزة منه حاجة."
فتحت "أسماء" حقيبتها وأخرجت رزمة نقدية وأعطتها لـ "آيات" قائلة:
"ياريت كان معايا أكتر. بس إنتي عارفة إني خيبة ومكنتش بعرف أحوش. أنا بعت دهبي وده نص الفلوس والنص التاني شايلاهم لأني حاسة إني هحتاجهم قريب."
نظرت "آيات" إلى المال وقالت بحزم:
"لا طبعًا مش هاخد منك حاجة يا 'أسماء'."
قالت "أسماء" بحدة:
"ليه بقى إن شاء الله؟ مش إحنا صحاب يا 'آيات'؟"
قالت "آيات" بصرامة وهي تشعر بالضيق لتعرضها لهذا الموقف:
"صحاب حاجة واللي إنتي بتعمليه ده حاجة تانية. مستحيل أقبلهم منك."
قالت "أسماء" وقد تضايقت من رفض "آيات":
"معنى كده إنك بتعملي فرق بيني وبينك يا 'آيات'."
قالت "آيات" بسرعة:
"لا والله أبدًا. بس أنا لسه معايا فلوس اتبقت من بيع العربية. وكمان أنا عارفة ظروفك المهببة إنتي كمان. شيليهم. أكيد هتحتاجيهم. وأنا لو احتجت حاجة هطلب منك."
قالت "أسماء":
"وعد. وعد لو احتجتي حاجة هتطلبي مني."
نظرت إليها "آيات" بامتنان قائلة:
"أيوه وعد."
ابتسمت "أسماء" قائلة بتهكم مازحة "آيات":
"فين الشاي اللي دادة 'حليمة' قالت عليه؟ دي لو كانت بتسخنه في حرارة الشمس كان زمانه غلى من بدري."
دخلت "حليمة" الغرفة تحمل صينية الشاي وهي تقول:
"الشاي للعرايس الحلوين."
***
عادت "أسماء" إلى بيت جدها.
وما كادت تصل إلى منتصف الصالة حتى أحاطها "هاني" بذراعيه من الخلف وهو يقول:
"وحشتيني يا قمر."
انتفضت "أسماء" وحررت نفسها من بين ذراعيه ثم التفتت تنظر إليه بغضب.
شعرت بالدهشة من جرأته وفي وضح النهار.
لكن دهشتها اختفت بعدما قال وهو ينظر إليها بجرأة:
"محدش في البيت، كلهم خرجوا يعني البيت فاضي علينا أنا وإنت يا جميل."
صاحت "أسماء" بغضب:
"احترم نفسك بقى. مش هسكت لك المرة دي."
ضحك قائلاً:
"تصدقي اترعبت. هتعملي إيه يعني؟"
قالت بغضب هادر:
"هصرخ وأفضحك وألم عليك الناس."
قال بتهكم:
"لو صرختي إنتي اللي هتتفضحى مش أنا."
انقض عليها فجأة وأحاطها بذراعيه.
سمعت صوت الباب يفتح فصرخت قائلة:
"ماما! ماما الحقيني!"
تركها "هاني" على الفور.
دخلت أمها وخالتها يصيحان في جزع:
"إيه؟ في إيه؟"
"بتصرخي ليه؟"
قالت "أسماء" بغضب:
"الزفت ده كل شوية يقرب مني ويعمل حاجات مش مظبوطة. أنا سكت كتير بقى بس تعبت وقرفت."
صاحت خالتها قائلة:
"إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟"
أجهشت "أسماء" في البكاء قائلة:
"ابنك يا خالتو كل شوية يتحرش بيا وبيجيلي أوضتي بالليل."
اقتربت منها أمها وصفعتها قائلة:
"اخرسي يا بنت الهبلة. إيه اللي بتقوليه ده."
وضعت "أسماء" كفها على خدها المتألم وهي تقول باكية:
"والله العظيم يا ماما ما بكذب، ده اللي بيحصل فعلاً."
صاحت خالتها:
"لا يا حبيبتي أنا ابني متربي أحسن تربية. الدور والباقي عليكي إنتي. من أول ما رجلك خطت البيت ده وإنتي بترسمي عليه وبترمى بلاكي عليه."
ثم التفتت إلى أختها قائلة:
"لمي بنتك لألمها لك."
جذبتها أمها من ذراعها قائلة بغضب:
"عجبك الفضايح دي؟"
جذبت "أسماء" ذراعها من يد أمها وهي تصيح بغضب:
"أنا فاض بيا. إنتي مش أم. إنتي معندكيش إحساس."
صفعتها أمها مرة أخرى وهي تصيح:
"بطلي قلة أدب بقى فضحتينانظر إليها "هاني" بشماتة وكأنه يقول لها.. لقد حذرتك بأن الفضيحة ستكون من نصيبك أنتِ .. لم تعبأ "أسماء" بنظراته ولا بكلام والدتها وخالتها وتوجهت إلى غرفتها حاملة كل شيء يخصها وخرجت أمام ناظري والدتها التي قالت: "رايحة فين؟"
التفتت إليها "أسماء" بوجهها المبلل بالعبرات وهي تقول بعنف:
"ملكيش دعوة بيا وانسى إنك خلفتيني أصلاً."
خرجت "أسماء" ولم يتبقى أمامها إلا مكان واحد للذهاب إليه... "آيات".
***
انهارت "أسماء" باكية في حضن "آيات" وهي تقص عليها ما عانته في منزل خالتها.
لم تتمالك "آيات" نفسها، ففاضت دموعها هي الأخرى وهي تقول:
"حسبي الله ونعم الوكيل. ربنا ينتقم منه."
قالت "أسماء" وهي تغمض عينيها بشدة علها تتناسى تلك الذكريات السيئة:
"كنت حاسة إني بموت في البيت ده ومحدش حاسس بيا. لا أم ولا ابن."
نظرت إليها "آيات" قائلة بحدة:
"'أسماء' إنتي إزاي سكتي على الأرف ده؟ ده المفروض تقولي وتتكلمي ومتسكتيش."
قالت "أسماء" بضعف:
"ما أنا اتكلمت محدش صدقني. خوفت أتكلم تاني يطردوني أو يفضحوني."
قالت "آيات" بعنف:
"الطرد والفضيحة أرحم مليون ألف مرة من إنك تستسلمي للحقير ده. سكوتك ده هو اللي شجعه إنه يتمادى معاكي. ومش كل مرة كانت هتعدي سليمة، أكيد في مرة من المرات كان هيغتصبك."
قالت "أسماء" وعيناها تشع ألمًا ممزوجًا بالحيرة:
"خوفت يا 'آيات'. خوفت."
قالت "آيات" بحزم:
"أنا لو كنت مكانك كنت صرخت وفضحته ومهمنييش أي حاجة ولو هتطرد أطرد بس أكون حافظت على نفسي وما خليتش حيوان زي ده يلمسني."
قالت "أسماء" بوهن:
"ياريتني كنت اتكلمت وقلت لك من زمان. كان زمانك نصحتيني وكان زماني بعدت عن القرف ده."
انفجرت في البكاء مرة أخرى فعانقتها "آيات" قائلة بحنان:
"خلاص انسى اللي حصل."
قالت "أسماء" من بين عبراتها:
"مش ممكن أبدًا أقدر أنسى يا 'آيات'. أنا مش بس قرفانة منه، أنا كمان قرفانة من نفسي أوي."
قالت "آيات" وهي تمسح على شعرها برفق:
"بكرة تنسي."
ثم نظرت إليها قائلة:
"ومتقلقيش هتفضلي هنا معايا. هنكون مع بعض على الحلوة والمرة. وأنا من بكرة هبدأ أدور على شغل."
قالت "أسماء" وهي تمسح عبراتها:
"طيب ما تروحي لعمك."
هزت "آيات" رأسها بقوة وهي تقول:
"لأ. مش ممكن أبدًا أروح أشحت منه."
قالت "أسماء" بسرعة:
"لأ مش هتشحتي منه. إنتي هتطلبي منه إنه يشغلك عنده أو عند أحد من صحابه. يعني هتطلبي منه يساعدك إنك تلاقي شغل مش أكتر من كده. ويا سلام بقى لو شاف لنا شغل لينا إحنا الاتنين. اهو نقدر نصرف على نفسنا."
قالت "آيات" وعلامات الحزن على وجهها:
"تعرفي إن محامي بابا الله يرحمه رفض يساعدني. رغم إن بابا كان بيعاملة كويس."
قالت "أسماء" بحدة:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيه. أصلاً الناس معدش في قلوبها رحمة. بحس إنهم بقوا كتل حجر ماشية على رجلين."
ثم قالت وكأنها تتعلق بأي شيء للنجاة مما هما فيه:
"حاولي تروحي له يا 'آيات' مهما كان عمك وحش بس معتقدش إنه يسيبك في ظروف زي دي. على الأقل خالص يساعدك إنك تلاقي شغل."
قالت "آيات" وهي تشعر بالحيرة والتردد:
"بس اللي أعرفه عن شغله إنه شغله مش مظبوط وعشان كده بابا بعد عنه."
قالت "أسماء":
"طيب خليه على الأقل يشوف لك شغل في شركة حد من رجال الأعمال اللي يعرفهم. مش معقول كل اللي يعرفهم شغلهم مش مظبوط. وبعدين هو هيقولك في وظيفة كذا إنتي تشوفي إذا كانت مناسبة ولا لأ. بس نتحرك نعمل أي حاجة. الفلوس اللي معانا لو خلصت هنتبهدل يا 'آيات'. والشغل مش سهل إنك تلاقيه."
تنهدت "آيات" قائلة وهي تفكر:
"مش عارفة. محتارة أوي. هستخير ربنا النهاردة وأشوف ربنا كاتب لنا إيه."
***
صاح "سراج" بحدة وهو يتحدث مع ابنه "عاصي" عبر الهاتف:
"إيه اللي إنت بتقوله ده يا 'عاصي'؟"
صاح "عاصي" قائلاً:
"يعني نسكت له بعد اللي عمله في قريتنا ده يا بابا؟ التييييييييييت اللي زي ده لازم ياخد على دماغه عشان يتعلم الأدب ويعرف مين هما أسياده."
قال "سراج" بحزم:
"هدي اللعب شوية يا 'عاصي'. لو عملت أي خطوة دلوقتي هيرد عليك بعشرة ومش هنخلص. استنى شوية لحد ما نلاقي فرصة مناسبة ونضربه في مقتله."
تفتت "عاصي" بعنف:
"يا مين ينولني رقبته دلوقتي أخلص عليه وأمحيه من على وش الدنيا."
قال "سراج" محذرًا:
"'عاصي'، قولتلك هدي اللعب دلوقتي."
قال "عاصي" بغل:
"حاضر يا بابا."
صمت "سراج" قليلاً ثم سأله قائلاً:
"إنت هترجع إمتى من العين السخنة؟"
قال "عاصي" بصرامة:
"مش راجع. أنا خلاص هفضل هنا في العين السخنة ويا أنا يا التيييييييييييت ده."
ظل "عاصي" يفكر في كيفية القضاء على "آدم" وإزالته من أمامه تمامًا.
لم يكن "عاصي" من تلكم الأشخاص التي تتميز بالورع أو الخوف أو الشفقة.
بل كان قلبه أشبه بالصخر.
وأثبت خلال سنين حياته أن له نصيب كبير من اسمه... "عاصــي"!
***
دخل "آدم" الشاليه ليجد أمه جالسة على أحد المقاعد.
قال:
"إزيك يا ماما."
نظرت إليه بعتاب ثم أشاحت بوجهها عنه.
اقترب منها وسألها قائلاً باهتمام:
"في حاجة يا ماما؟"
صمتت قليلاً ثم قالت:
"إزاي تقدر تعيش كده يا 'آدم'؟"
جلس على المقعد المجاور لها وهو يقول بدهشة:
"إزاي يعني مش فاهم؟"
قالت بحدة:
"عيشتك حرام يا ابني. وفلوسك حرام."
هتف "آدم" قائلاً:
"أنا فلوسي مش حرام يا ماما."
قالت بألم:
"لأ حرام يا ابني. لما تيجي من ورا الخمرة تبقى حرام. لما تيجي من ورا لحم الخنازير تبقى حرام. لما تيجي من الرقص والمسخرة والستات العريانة وقلة الأدب تبقى حرام. أنا اتمشيت النهاردة في القرية واتصدمت من اللي شوفته."
قال "آدم" بارتباك:
"الخمرة ولحم الخنازير في زباين بيطلبوها وأنا مبضربش حد على إيده عشان ياكل أو يشرب منها. وكمان في أكلات معينة مينفعش تتعمل من غير الخمرة والأكلات دي هي اللي بيتميز الأماكن الراقية والمطاعم والقرى الكبيرة. وبالنسبة للملهى الليلي هو أصلاً مش شغال دلوقتي بسبب الحريقة اللي حصلت. وبالنسبة للرقص وللستات العريانة أنا مش هضربهم على إيدهم وأقولهم مترقصوش وغطوا جسمك."
نظرت إليه أمه بألم وقالت بحسرة:
"إنت شايف إن كل اللي قولته ده مقنع؟ طيب لو مقنع تقدر يوم القيامة تقوله قدام ربنا لما يسألك جبت فلوسك منين؟ تقدر تقوله لما تتسأل في قبرك منين جبت فلوسك وصرفتها في إيه؟ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: 'لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ'. هتقدر تقول الكلام ده وقتها يا 'آدم'؟"
قال "آدم" بضيق:
"أنا مبعملش حاجة غلط. لا بشرب خمرة ولا باكل حاجة حرام."
قالت أمه بحزم:
"بس بتبيعهم للي بياكلهم وللي بيشربهم وده حرام وبتاخد سيئات زيهم بالظبط لأنك بتقدمها ليهم وبتسهلها عليهم. النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا'."
نهض "آدم" قائلاً وهو يريد الهروب من هذا النقاش:
"أنا داخل أرتاح شوية."
دخل "آدم" غرفته وبدل ملابسه.
ألقى بنفسه فوق فراشه في تهالك.
أخذ يفكر في كلام والدته وهو يشعر بضيق شديد في صدره وكأن الهواء سُحب من الغرفة بأكملها.
شعر باختناق شديد وهو يفكر في كل شيء وأي شيء.
قام يجلس في فراشه وهو يحاول أن يزيل هذا الإحساس الذي أصبح ملازمًا له في الفترة الأخيرة.
قال لنفسه:
"لماذا هذا الضيق يا 'آدم'؟ تعمل في مركز يتمناه آلاف الشباب في سنك؟ لك مرتب كبير يسد احتياجاتك ويفيض؟ ما مشكلتك؟ لماذا هذا الثقل الذي تشعر به فوق صدرك؟ لماذا لا تهنأ وتفرح وتسعد وتعيش حياتك كما يفعل غيرك؟ ما الذي ينقصك يا 'آدم'؟ ما الذي ينقصك؟"
تسربت إلى مسامعه صوت آيات من القرآن الكريم أدارتها والدته في المسجل ورفعت الصوت عاليًا حتى اخترق الباب المغلق ونفذ إلى أذنيه.
أعاد ظهره إلى الوراء وهو يرهف أذنيه بإنتباه شديد.
كالظمان الذي يسمع صوت خرير الماء بالقرب منه.
- يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 ) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15)
عندما وصلت إلى مسامعه تلك الآية امتلأت عينا "آدم" بالعبرات حتى فاضت وتساقطت على وجهه الذي اشتاق لتلك الدموع الخاشعة الذليلة المستشعرة بذنبها وتقصيرها وبعدها.
أغمض عينيه ليفرغ ما بداخلهما من عبرات تحرقهما.
وانتفض جسده بعدة شهقات لم يستطع كبحها.
- أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ .
رواية جواد بلا فارس الفصل الثامن عشر 18 - بقلم بنوته اسمرة
جلس "سراج" في بار قريته السياحية وقد علا وجهه علامات الاستغراق في التفكير.
اقترب منه أحد الرجال قائلاً:
"عاصي" بيه.
التفت إليه "عاصي"، فقال الرجل:
مدير القرية اللي حضرتك طردته بعد ما البلطجية اتهجموا علينا.
قال "عاصي" بغلظة:
ماله سي زفت ده؟
تردد الرجل قليلاً ثم قال:
سمعنا إنه اشتغل في قرية جولدن بيتش.
التفت "عاصي" إليه بحدة وترك كأس الخمر من يده وقال باستغراب:
يعني إيه اشتغل في جولدن بيتش؟
قال الرجل وقد بدا عليه الارتباك:
ده اللي عرفناه يا "عاصي" بيه. "آدم" مدير القرية لما عرف إن حضرتك طردته، عرض عليه مرتب كبير وشغله في القرية.
قال "عاصي" وعيناه تشعان شرراً:
شغله إيه؟
قال الرجل:
مسكة إدارة المطعم.
كمَّه "عاصي" الكأس الموضوع على البار بقبضته فوقع على الأرض وقد أصدر صوتًا عاليًا أثناء تهشمه. انتفض الرجل وهو ينظر إلى "عاصي" الذي بدا وكأنه تحول إلى وحش كاسر. زمجر قائلاً:
وطبعًا التيييييييييييييت ده قالوا على كل أسرارنا في إدارة القرية. زمانه عرف كل كبيرة وصغيرة في قريتنا.
صاح في الرجل قائلاً:
روح أنت. وأي حاجة جديدة تحصل بلّغني بيها فورًا.
أومأ الرجل برأسه وانصرف من أمام "عاصي" وهو يتنهد بارتياح. عض "عاصي" شفتيه بقوة وهو يتوعد "آدم" قائلاً:
ماشي يا تيييييييييييييت. مبقاش أنا "عاصي" إن ما خليتك تلف حوالين نفسك.
***
دخلت "آيات" المطبخ تساعد "حليمة" التي قالت:
روحي أنتِ يا بنتي، دول شوية فول وشوية طعمية مش هياخدوا مني حاجة.
قالت "آيات" وهي تسخن الخبز:
مفيش مشكلة يا دادة، هساعدك.
استيقظت "أسماء" ومرت على المطبخ في طريقها إلى الحمام وقالت بصوت ناعس:
صباح الخير.
صباح النور.
صباح النور يا بنتي.
قالت "آيات" وقد عزمت أمرها على الذهاب إلى عمها:
على فكرة يا "أسماء"، أنا استخرت ربنا وهروح النهاردة إن شاء الله لعمي.
ابتسمت "أسماء" قائلة:
كويس، وإن شاء الله خير.
كانت "آيات" متوترة للغاية من تلك المقابلة. مضت سنوات طوال لم ترَ فيها عمها "سراج" ولا أولاده. تُرى أما زال يتذكر شكلها؟ أيتذكر اسمها؟ ماذا ستكون ردة فعله عندما يراها أمامه؟ تطلب منه وظيفة تكسب منها لقمة عيشها. تنهدت "آيات" بحسرة ولاحت في عينيها العبرات وهي تتذكر والدها وفقدانها له. ترك فقدانه شرخًا كبيرًا في نفسها. شعرت بأنها كشجرة اللبلاب التي فقدت دعامتها وأخذت في التمايل. لكنها أبدًا لن تسمح لنفسها بالسقوط. ستواجه الحياة وسلاحها هو قربها من الله عز وجل. كانت "آيات" تحاول التقرب إليه بقدر ما تستطيع. أبدلت ملابسها بأخرى أوسع منذ أن عادت من العمرة. وإن كانت ملابسها لم تتصف بعد باللباس الشرعي، إلا أنها شعرت براحة كبيرة عن تلك الملابس الضيقة التي اعتادت الخروج بها. ومنذ أن عادت من العمرة لم تضع أي زينة على وجهها، فأصبح أكثر إشراقًا ونعومة. تنهدت "آيات" وشعور بالقلق يتسرب إليها. كانت تخشى لقاء عمها، تخشاه بشدة.
***
قامت والدة "آدم" بتحضير الفطور على الطاولة، ثم ذهبت لإيقاظ ابنها. طرقت طرقة خفيفة ثم فتحت الباب، لكنها تسمرت في مكانها وبدأت العبرات تبلل عينيها وهي تنظر إلى "آدم" الساجد على الأرض. وضعت كفها على فمها لتكتم شهقات بكائها وأغلقت باب الغرفة ببطء. جلست على أحد المقاعد وهي تبكي وتناجي ربها:
يارب اهديه يارب. يارب اصرف عنه كل سوء. يارب أعنه على نفسه وعلى شيطانه. يارب اهديه، أنا قلبي راضٍ عنه، فارضَ عنه يارب.
سمعت باب غرفته يُفتح فمسحت عبراتها بسرعة وقالت تقول له:
يلا يا "آدم" عشان تفطر.
التف الاثنان حول الطاولة. كانت أمه تنظر إليه من حين لآخر بنظرات فرحة ممزوجة بالحنان والرضا. تقابلت نظراتهما فابتسم "آدم" ثم قال:
ادعي لي يا ماما.
قالت أمه بنبرة صادقة:
والله يا ابني بدعي لك دائمًا. ربنا ينور لك طريقك ويهديك يا "آدم".
اتسعت ابتسامته وهو يغادر الشاليه متوجهًا إلى مكتبه في القرية. لأول مرة منذ شهور طويلة جدًا يشعر براحة في صدره. كان شعور الضيق ما زال يلازمه، إلا أنه هذا اليوم كان أخف وطأة. استمتع بهذا الشعور من الراحة الذي افتقده طويلًا. دخل مكتبه وشرع في ممارسة عمله بحماس. دخل "زياد" المكتب ليقول:
صباح الخير يا "آدم".
ابتسم له "آدم" قائلاً:
صباح النور يا "زياد". إيه الأخبار؟ مدير قرية الفيروز اللي اتطرد أخباره إيه معانا؟
قال "زياد" وهو يجلس أمامه على المكتب:
مبسوط على الآخر.
ضحك "آدم" قائلاً:
زمان "عاصي" هيموت من الغيظ.
قال "زياد" بتوتر:
يا خوفى المرة دي متجيش سليمة زي المرة اللي فاتت.
قالت "آدم" بحزم:
ما يقدرش يعمل حاجة. أنا زودت الحراسة على القرية ومدى أوامر للبودي جاردز لو شافوا حد بيبلطج في القرية يموتوه ضرب لحد ما يبان له صاحب.
قال "زياد" فجأة:
إيه أخبار بنت أخو "سراج" اللي أنت كنت خاطبها؟
قال "آدم" باستغراب:
اشمعنى يعني؟ ليه بتسألني؟
قال "زياد":
أصل أبوها مات.
شعر "آدم" بالصدمة وهو يستمع لخبر موت "عبد العزيز" وهتف قائلاً:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم نظر إليه قائلاً:
انت عرفت منين؟
قال "زياد":
قريته في الجرنال من فترة.
شعر "آدم" بالقلق على "آيات" فهو يعلم أنها ليس لها أقارب، وليس لها أحد في هذه الدنيا إلا والدها. أسرع "آدم" يخرج هاتفه ويتصل بـ "آيات".
جلست "آيات" مع "سمر" و "إيمان" و "أسماء" في غرفتها ببيت "حليمة" عندما رن الهاتف. نظرت إلى الرقم وشعرت باضطراب بالغ عندما علمت أن "آدم" هو المتصل. أخذت تتساءل في نفسها عن سبب اتصاله، ماذا يريد منها. نظر إليها الثلاث فتيات وهي تمسك هاتفها وتنظر إليه بتوتر. سألتها "أسماء" باهتمام:
إيه؟ مين يا "آيات"؟
قالت "آيات" بتوتر:
"آدم".
أسرعت "سمر" قائلة:
متعبريهوش.
انقطع الاتصال فقالت وهي ما زالت تحاول تخمين سبب اتصاله:
أصلًا مكنتش هرد.
عاود الاتصال مرة أخرى فقالت "إيمان":
طيب شوفي عايز إيه.
قالت "سمر" بحزم:
لأ، هيكون عايز منها إيه يعني؟ خلاص الموضوع انتهى، وده واحد نصاب وكداب. المفروض متتكلميش معاه تاني ولا تثقي فيه أبدًا.
قالت "أسماء" في حيرة:
بس ليه بيتصل؟ تفتكري عايز إيه يا "آيات"؟
تنهدت "آيات" بضيق ثم أغلقت هاتفها تمامًا حتى لا يعاود الاتصال بها وهي تقول بضيق:
معرفش ومش عايزة أعرف.
شعر "آدم" بالتوتر عندما حاول الاتصال بها مرة أخرى ليجد هاتفه مغلقًا. زفر بضيق فسأله "زياد" قائلاً باهتمام:
إيه؟ مبتردش؟
قال "آدم" بحنق وهو يكتب رسالة على هاتفه:
كان بيرن وفجأة لقيته مقفول. أكيد مش عايزة تكلمني.
نظر إليه "زياد" قائلاً:
هتبعت لها رسالة؟
قال "آدم" وهو يكتب رسالته:
أيوه.
أرسل "آدم" رسالته وقلبه وعقله مشغولان بـ "آيات" وحالها بعد وفاة والدها. شعر بالأسف لفقدانها والدها لعلمه بمدى تعلقها به، وبمدى حبها له واعتزازها به. رق قلبه لحالها وأخذ يتخيل شعورها بمرارة الفقد التي ذاق مثلها بعد وفاة والده. حاول الاتصال بها مرة أخرى لكن الهاتف ظل مغلقًا. انصرف "زياد" دون أن يشعر به "آدم". دخل فيسبوك وتوجه إلى حسابها. أخذ يبحث عن اسمها دون جدوى. طردته من عالمها تمامًا. حاول الاتصال بها مرة أخرى دون جدوى. زفر بضيق وقد أخذ القلق منه مبلغه.
***
في المساء، ألقت "آيات" نظرة على "أسماء" النائمة بجوارها. ثم أسندت ظهرها إلى وسادتها وهي تفكر في لقاء الغد. قررت الذهاب إلى عمها غدًا. امتدت يدها إلى هاتفها تفتحه. اندهشت عندما وجدت رسالة من "آدم". فتحتها بأيدٍ متوترة وقرأت ما فيها: "آيات، البقاء لله. عرفت أن والدك توفى. أنا عايز أطمئن عليك".
نظرت "آيات" إلى الرسالة بسخرية ممزوجة بمرارة شعرت بها في قلبها. هتفت بداخلها: تريد أن تطمئن عليَّ؟ ما أرق قلبك؟! تنهدت في ضيق وتركت هاتفها على الأرض بجوار السرير وحاولت النوم.
استلم "آدم" تقريرًا بوصول رسالته فأسرع بالنهوض من فوق فراشه وأمسك هاتفه الموضوع على المكتب واتصل بها. نظرت "آيات" إلى الهاتف وهي تشعر بالاضطراب. ثم ما لبث أن اختفى اضطرابها وظهرت علامات الألم على وجهها وهي تتذكر كيف خدعها وكيف لعب بعواطفها ومشاعرها وكيف استغل حبها له ليصل إلى ما يريد. وكيف خانها مع تلك المرأة. وكيف تجرأ وفعل هذا الذنب الكبير. هتفت بصمت: ماذا تريد مني؟ لم أعد أملك شيئًا تريده. لم أعد أملك أي مال. لم أعد أملك أحدًا تستطيع ابتزازه. لم أعد أملك أي شيء في هذه الدنيا. ابحث عن غيري لتستغلها وتلعب بها. لن أسمح بأن أكون لعبة في يدك مرة أخرى. أغلقت "آيات" هاتفها تمامًا، ووضعت رأسها على وسادتها وقد فاضت عيناها بالعبرات، تنظر إلى هاتفها على الأرض بحزن وألم.
شعر "آدم" بالحزن عندما وجد هاتفها مغلقًا مرة أخرى. قال في نفسه: لماذا يا "آيات"؟ ما أردت سوى الاطمئنان عليكِ. لماذا تبعديني عنكِ هكذا بلا رحمة؟ لماذا لا تستمعين إلى أعذاري ومبرراتي لما فعلت؟ لست شخصًا بغيضًا كما تظنين، بل أنا شخص مريض يا "آيات"، مريض بذوبي وآثامي وأخطائي. أنا أولى بشفقتك من نفورك، وأولى بعطفك وحنانك من بغضك. جلس على فراشه وهو يتنهد بحسرة وهو يتذكر كيف أضاعها من بين يديه.
***
تقدمت "آيات" تعبر أروقة الشركة بارتباك ظاهر. شعرت بتوتر معدتها وكأنها ذاهبة إلى امتحان مصيري. كادت أن تعود أدراجها لكنها تذكرت الضيقة التي وقعت فيها، وكيف أنها بلا مال وبلا عمل. ويجب أن تتصرف بسرعة قبل أن ينفذ مالها ومال "أسماء". دخلت غرفة مديرة أعمال "سراج" وهي تقدم رجلاً وتؤخر أخرى. وقفت أمامها بارتباك وهي تقول:
لو سمحتِ، عايزة أقابل الأستاذ "سراج اليماني".
نظرت إليها السكرتيرة وقالت بروتينية:
في معاد معاه؟
قالت "آيات" بتوتر:
لأ، بس ياريت حضرتك تقوليله بنت أخوه "عبد العزيز" عايزة تقابله.
نظرت إليها المرأة نظرة متفحصة، ثم قامت من فوق مكتبها وتوجهت إلى مكتب "سراج" قائلة:
في واحدة بتقول إنها بنت أخو حضرتك وعايزة تقابلك.
نظر إليها "سراج" بدهشة ثم ما لبثت أن ظهرت تعبيرات التعالي الممزوج بالغضب على وجهه، ثم قال بحنق:
قوليلها مش فاضي.
التفتت السكرتيرة لتغادر فأوقفها قائلاً:
ولا أقولك استنى. دخليها، بس ادخلي معاها ولما أشاور لكِ تقولي إن فيه اجتماع.
قالت المرأة بطاعة:
حاضر يا فندم.
جلس "سراج" وقد أسند ظهره إلى الخلف ورفع رأسه بتعالٍ مستعدًا لرؤية ابنة أخيه، ابنة أخيه الذي تبرى منه أمام الناس لعدم رضاه عن طرقه الملتوية في تسيير أعماله. دخلت "آيات" تتقدمها مديرة أعماله. نظر إليها نظرة متفحصة. بدت متوترة وهي تتطلع إلى عمها الذي لم تره منذ سنوات طويلة. ظل كلاهما ينظر إلى الآخر بصمت بترقب. ابتسمت "آيات" بصعوبة وهي تقول:
إزيك يا عمو.
صمت "سراج" لبرهة ثم قال بدون ترحيب حقيقي:
أهلًا أهلًا، إزيك.
قالت "آيات" بتوتر:
الحمد لله.
أشار لها بالجلوس قائلاً:
اتفضلي اعدي.
جلست "آيات" تضع حقيبتها أمامها وهي تفرك يديها بقلق. نظرت إليه قائلة:
حضرتك عرفت إن بابا اتوفى؟
عقد "سراج" ما بين حاجبيه للحظات ثم قال:
آه عرفت.
نظرت إليه "آيات" بمزيج من الدهشة والحزن. وهي تقول في نفسها: وما دمت قد علمت فلماذا لم تسأل إذن عن ابنة أخيك؟! صمتت قليلاً ثم قالت بتوتر وخجل:
حضرتك عرفت إن بابا الله يرحمه كان عليه ديون وإننا بعنا كل حاجة عشان نسدد الديون دي.
قال "سراج" بلامبالاة:
أيوه عرفت دي كمان.
صمتت "آيات" لا تدري ما تقول. كان اللقاء أبرد مما توقعت. كادت أن تغير رأيها وترحل دون أن تخبره بالسبب الحقيقي الذي دفعها إلى المجيء إليه. لكنها تذكرت محنتها فأرغمت نفسها على البقاء. نظرت إليه باستغراب فهو لم يسأل حتى أين تقيم ولا من أين تعيش. تنهدت بعمق ثم قالت بألم:
أنا اضطريت أبيع الفيلا وأبيع الشركة والعربية وكل حاجة عشان الديون تتسدد. أنا بس كنت عايزة من حضرتك...
توترت وشعرت بالخجل فلم تستطع أن تنظر إلى وجهه. خفضت رأسها وقالت:
يعني... أنا محتاجة وظيفة.
رجع "سراج" ظهره إلى الخلف. ران الصمت للحظات ثم قال بصوته الأجش:
طيب تعالي بعد كام يوم أكون حاولت أشوف لكِ شغلانة.
ثم قال:
أنتي خريجة إيه؟
قالت "آيات" بلهفة:
بكالوريوس تجارة.
قال "سراج":
اشتغلتي فين قبل كده؟
قالت "آيات" بتوتر:
لأ، أنا مشتغلتش قبل كده، دي أول مرة.
ابتسم "سراج" بسخرية ثم ما لبث أن قال:
طيب هحاول أتصرف.
في تلك اللحظة دخل "عاصي" المكتب. نظر إليه والده بدهشة. قال "عاصي" وهو يلقي نظرة على "آيات":
مساء الخير. معلش مكنتش أعرف إن عندك حد.
قال "سراج" وهو يشير إلى "آيات":
دي بنت عمك "عبد العزيز".
نظر إليها "عاصي" وقد رفع حاجبيه يرمقها بنظرة متفحصة أذهلته. ثم قال:
"آيات"؟ مش ممكن. كبرتي واحلويتي.
شعرت بسخونة في وجهها وقد توردت وجنتاها بحمرة الخجل وأخفضت رأسها. ابتسم قائلاً:
إزيك؟ إيه أخبارك؟
قالت بخفوت وهي تتحاشى النظر إليه:
الحمد لله.
أشار "سراج" إلى مديرة أعماله بطرف خفي فقالت على الفور:
بفكرك باجتماع حضرتك اللي هيبدأ دلوقتي يا "سراج" بيه.
نهضت "آيات" على الفور وقالت بجرح:
شكرًا يا عمو. أنا همشي دلوقتي وهاجي لحضرتك مرة تانية إن شاء الله تكون شفت لي موضوع الشغل.
أومأ "سراج" برأسه وقال بنبرة متعالية:
إن شاء الله.
التفت "عاصي" إلى والده بعد خروج "آيات" قائلاً باستغراب:
شغل إيه اللي بتتكلم عنه؟
قال "سراج" بتهكم:
أبوها مات مديون وسابها على الحديدة ومش لاقية وظيفة تعيش منها وجايلى أشوف لها شغل.
قال "عاصي":
وقولتلها إيه؟
قال "سراج" بنفاذ صبر:
قولتلها هبقى أتصرف. المهم قول لي، هو انت إيه اللي نزلك القاهرة؟ مش قلت هتفضل في العين السخنة؟
قال "عاصي" بصرامة:
جاي أنخور ورا التيييييييييييت اللي اسمه "آدم" ده، وأشوف أي حاجة أقدر أمسكها عليه وألوي دراعه بيها.
ثم هتف بغضب:
تصور التييييييييت ده شغل عنده مدير القرية بتاعتنا اللي طردته.
ثم قال وكأنه يتحدث إلى نفسه:
بس وربنا ما أنا عاتقه. هخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه إنه يقف قصادي ويتحداني.
بمجرد خروج "آيات" من مكتب "سراج" أسرعت مديرة أعماله بمهاتفة "آدم" الذي كان في منتصف اجتماع هام، لكنه استأذن منهم ليرد عليها لظنه بأنها تحمل له أخبارًا هامة عن "سراج" و "عاصي". قال بلهفة:
أيوه.
قالت مديرة أعمال "سراج" وهي تتلفت حولها لتتأكد من عدم وجود من يسمعها:
أيوه يا دكتور "آدم".
قال باهتمام:
في حاجة جديدة؟ أنا في اجتماع دلوقتي.
قالت بسرعة:
أيوه، من شوية جت واحدة وقالت إنها بنت أخو "سراج" بيه.
اتسعت عينا "آدم" دهشة وقال:
"آيات"؟
انتبه "زياد" الذي كان جالسًا على طاولة الاجتماعات إلى اسم "آيات" فنظر إلى "آدم" باهتمام. قالت مديرة أعماله:
مش عارفة اسمها.
قال "آدم" بلهفة واهتمام:
متعرفيش جت له ليه؟
قالت المرأة:
كانت جاية طالبة منه شغل.
قال بدهشة:
شغل؟
قالت:
أيوه. قالت إن باباها كان مديون وباعوا كل حاجة، الفيلا والشركة. وإنها عايزة شغل عشان تصرف منه على نفسها.
خفق قلب "آدم" في لوعة وصمت قليلاً وهو يقول:
يعني هي دلوقتي بتدور على شغل، وباعت كل حاجة ورثتها؟
قالت المرأة:
ده اللي فهمته من كلامها.
قال "آدم" بحزم:
طيب لو جت له تاني بلغيني. ضروري جدًا. فاهمة؟
تمتمت المرأة بطاعة:
أيوه فاهمة. سلام دلوقتي.
خرجت "آيات" وهي تشعر بالتوتر الشديد. هربت دمعة من عينيها وهي تخرج من الشركة. كانت تعلم بوجود مشاكل بين أبيها وعمها لكنها لم تتوقع أن يقابلها بمثل هذا البرود. ما ذنبها هي في خلافاته مع والدها؟ كيف يعاملها بمثل هذه القسوة؟ كادت "آيات" أن توقف سيارة أجرة للعودة إلى منزلها، لكنها تذكرت بأنها يجب أن تقتصد في نفقاتها حتى تجد وظيفة تضمن لها مرتبًا في آخر كل شهر. فهي لا تثق في أن "سراج" سيجد لها عملاً، رغم قدرته على ذلك بمجرد إشارة من إصبعه. لكنها شعرت كما لو كان يريد الانتقام من والدها فيها، ورد ما فعله به. وقفت "آيات" في محطة الأتوبيس تنتظره مع من ينتظرونه. مر بعض الوقت حتى جاء الأتوبيس. تزاحم الناس من حولها وهي تشعر بالضيق. دخلت إلى الأتوبيس بقوة الدفع. شعرت بالراحة عندما وجدت مقعدًا بجوار الشباك ما زال فارغًا. جلست في مكانها وانطلق الأتوبيس. كانت تلك هي المرة الأولى التي تركب فيها المواصلات العامة. نظرت من الشباك وهي تريح ظهرها إلى الخلف وتستند برأسها على الزجاج تفكر في حالها وفي مستقبلها المجهول. شعرت وكأن شيئًا ما يلمسها فانتفضت ونظرت إلى الرجل بجوارها والذي كان يبدو عليه علامات الهدوء. كان ينظر أمامه وقد عقد ذراعيه فوق صدره. عادت للنظر إلى الشباك تتابع المارة بجوار الأتوبيس وقد شردت مرة أخرى. مرة أخرى شعرت بنفس الشيء. نظرت بجوارها بطرف عينيها فوجدت الرجل يتشبث بظهر المقعد الذي أمامه، فقالت في نفسها لعله تحرك من اهتزاز الأتوبيس. فانزاحت حتى التصقت في الشباك تمامًا لتتحاشى ملامسة الرجل لها. بعد عدة دقائق شعرت بنفس الشيء. التفتت تنظر إليه بحدة وقد تأكدت بأنه يتعمد لمسها بيده القريبة منها وهو عاقد ذراعيه فوق صدره. شعرت بالغضب والضيق. نظرت حولها فلم تجد أحدًا منتبهًا لما يحدث. انزوت أكثر بعيدًا عنه. لكنه اقترب بجسده منها ولمسها مرة أخرى. تجمعت العبرات في عينيها. أرادت الصراخ في وجهه لكنها خافت من فضح نفسها أمام ركاب الأتوبيس. تذكرت "أسماء" عندما كانت في وضع مشابه لوضعها وخشت هي أيضًا التحدث وعنفتها "آيات". أما الآن فهي تشعر بما كانت تشعر به "أسماء". شعور بالنفور والخوف والغضب والمهانة والتقزز. نظرت إليه وهتفت بصوت منخفض:
لو سمحت ابعد شوية.
تظاهر الرجل بأنه لم يسمعها ومال يمينًا ويسارًا وكأن حركة الأتوبيس هي التي تهزه هكذا. لم تعد "آيات" تحتمل اقترابه وملامسته إياها. نهضت فجأة وطلبت من السائق التوقف. نزلت "آيات" من الأتوبيس ودموعها في عينيها. أوقفت أول سيارة أجرة قابلتها وأملته العنوان حيث انطلق بها إلى بيت "حليمة".
دخلت "آيات" البيت ولم تجد أحدًا به. دخلت غرفتها وجلست على فراشها باكية. كانت تشعر بالغضب والمهانة. أخذت تمسح بيدها المواضع التي لمسها الرجل بيده وكتفه وكأنها تريد إزالة آثاره منها. شعرت وكأن تلك الأماكن اتسخت بلمسه إياها. كانت ترتعش بالبكاء فأحاطت جسدها بذراعيها وانحنت إلى الأمام وهي تغمض عينيها دون أن تستطيع السيطرة على عبراتها التي تنساب على وجهها. سمعت صوت هاتفها. فنظرت إلى حقيبتها الموضوعة بجوارها على الفراش ثم فتحتها لتجد رقمًا غريبًا. كفكت دمعها وكادت أن تتجاهل الاتصال لولا أن تذكرت "سراج" فلعله وجد لها عملاً وأراد إبلاغها. ثم فكرت بدهشة كيف علم برقمها. لم تنتظر لتعرف الإجابة بل ردت مسرعة وهي تقول بلهفة:
ألو.
لم تسمع صوتًا فقالت مرة أخرى:
ألو.
أتاها صوت "آدم" قائلاً:
أنا "آدم" يا "آيات".
انتفض قلبها بشدة. وحبست أنفاسها المضطربة. ثم قالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعيًا:
أيوه حضرتك عايز إيه؟
على الرغم من محاولتها إلا أن صوتها خرج متحشرجًا مضطربًا، باكيًا. فقال "آدم" بقلق:
أنتي كويسة؟
بدا وكأنها استعادت تماسكها فقالت بحزم:
أفندم. حضرتك عايز إيه؟
قال "آدم" وقد ازداد قلقه:
أنتي كنتِ بتعيطي؟
صمتت وقد انسابت العبرات من عينيها مرة أخرى. فقال "آدم" بلهفة:
"آيات" أنتي كويسة؟ اتكلمي معايا. مالك في إيه؟ بتعيطي ليه؟
صاحت بصوتها الباكي:
ملكش دعوة بيا. دي حاجة متخصكش ولو سمحت متتصلش بيا تاني.
شعر "آدم" بقلبه وقد كاد ينخلع من مكانه قلقًا وخوفًا وألمًا من أجلها. فقال بصوت حانٍ:
"آيات" أنتي فين؟ اديني عنوانك.
صاحت بغضب:
عنوان إيه اللي أنت عايزه؟ أنت ابعد عني خالص. فاهم؟ أنا لا عايزة أشوفك ولا عايزة أسمع صوتك ولا عايزة أعرفك أبدًا.
قال "آدم" بألم وندم:
عارف. عارف إنك مش طايقاني. بس لو سمحتي عرفيني أنتي فين وعنوانك إيه.
قالت بصرامة قبل أن تنهي المكالمة:
أنا هريحك خالص ومش هفتح الخط ده تاني. ويا ريت تنسى إنك عرفتني في يوم من الأيام لأني خلاص نسيتك ومبقتش أطيق أفتكرك.
فتحت هاتفها وأخرجت شريحتها لتقسمها إلى نصفين وتلقيها أمامها على الأرض.
***
اندمج "علي" في عمله وتابع العمال الذين يعملون تحت أمره. بعد استراحة الغداء دخل المخازن ليجد بعض العمال قد شرعوا في طبع تواريخ صلاحية على العلب. فأقبل عليهم قائلاً:
انتوا بتعملوا إيه؟
قال أحدهم:
المشرف نده لنا وقالنا نطبع الكلام ده على كل العلب دي.
وأشار بيده على العديد من الكراتين والتي غطت الحائط والتي كانت تحتوي على عبوات الأغذية المحفوظة. نظر "علي" بدهشة إلى الكراتين قائلاً:
جت إمتى الشحنة دي؟
قال أحد العمال:
علمي علمك.
فتح "علي" إحدى الكراتين وأخذ يتفحص العبوات علبة علبة ليجد بأن التواريخ في الأسفل قد تم إزالتها بالكامل. ظل يتفحص إلى أن وصل إلى إحدى العلب والتي لم يتم حذف التاريخ منها بدقة فبدا واضحًا للعيان أن العبوات منتهية الصلاحية من شهرين. هتف قائلاً:
يا ولاد التييييييييييييييت.
أخذ العبوات وتوجه إلى مدير الشركة يطلب مقابلته. لكن السكرتيرة منعته إلى أن أخذ في الصراخ وقد تعالى صوته قائلاً:
أنا عايز مدير الشركة دي دلوقتي حالًا. بتغيروا في تاريخ الصلاحية وتبيعوا للناس أكل فاسد. أنا عايز أعرف دلوقتي المدير عارف اللي بيحصل ده ولا نايم على ودانه، ولا كلكم طابخينها سوا.
أقبل أحد المسؤولين بالشركة وحاول تهدئة "علي" لكن "علي" أصر على مقابلة مدير الشركة والذي صدمه بقرار فصله! فصاح بدهشة وألم:
ليه؟ ليه؟
قال مدير الشركة بغضب:
أنت مالكش دعوة إلا بشغلك وطالما حطيت مناخيرك في حاجة متخصكش يبقى متلزمنيش. مين قال إن العبوات منتهية الصلاحية؟ أنا راجل شريف وعندي ضمير.
صاح "علي" بغضب وهو يشير إلى إحدى العلب في يده:
العلبة دي التاريخ واضح عليها إنه منتهي من شهرين.
قال مدير الشركة:
دي علبة وسط ملايين العلب السليمة.
قال "علي" بحدة:
لأ العلب مش سليمة، العلب كلها متشال من عليها الصلاحية. العمال تحت في المخزن عمالين بيطبعوا تواريخ جديدة على العلب.
ثم صاح:
حرام عليكم! هي الناس ناقصة؟ اتقوا ربنا. دول ناس غلابة. ده مفيش بيت في مصر إلا وفيه حد مريض. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم. ده انتوا ربنا هينتقم منكم شر انتقام.
خرج "علي" من الشركة وهو يحمل العلبة في يده وأوقف سيارة أجرة لكي يتوجه إلى قسم الشرطة. لكن لم يكد يبتعد بالسيارة عدة أمتار حتى أقبل بعض الرجال الذين أوقفوا السيارة وجذبوه من ملابسه وأوسعوه ضربًا وركلًا. هرب سائق السيارة الأجرة وترك "علي" فريسة لهؤلاء الوحوش.
***
صاحت "أسماء" بحنق:
أنتي إزاي سكتي؟ إزاي سمحتيله يتحرش بيكي كده؟
قالت "آيات" بأعين دامعة وهي تجلس بجوارها على الفراش:
كنت خايفة.
نظرت إليها "أسماء" بعطف فقالت "آيات" بصوت مرتجف:
فاكرة لما زعقتلك وقولت لك ليه متكلمتيش؟ ليه مصرختيش؟ قولتي لي إنك خوفتي من اللي ممكن يتقال عليكي. أنا حسيت بإحساسك ساعتها. حسيت إني خايفة إن الناس تبص لي وحش. وكنت مخضوضة ومش عارفة أعمل إيه. فضلت أقوله يبعد بس هو مكنش بيبعد ومكنش حد واخد باله من اللي بيعمله. يعني لو زعقت بصوت عالي كان ممكن يقول إنني بتبلى عليه. عشان كده وقفت العربية ونزلت.
دمعت عينا "أسماء" وهي تتذكر "هاني" وتحرشاته ثم هتفت قائلة بغضب:
حسبي الله ونعم الوكيل فيهم كلهم ولاد ستين تيييييييييييييييييييت.
قالت "آيات" بحزم:
بلاش تشتمي. خسارة فيهم الحسنات اللي ياخدوها مننا. قولي منهم لله وخلاص.
قالت "أسماء" بحنق:
منهم لله بس؟ ده أنا نفسي أجمع كل الرجالة اللي بيعملوا كده وأحطهم في ميدان عام ويدلق عليهم بنزين وكل بنت حصلها كده تمسك عود كبريت وترميه عليهم.
قالت "آيات" بيقين:
سبيهم. نار الآخرة أشد حرارة من نار الدنيا. المحاضرة اللي كنت بروحها المسجد قالت لنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من جهنم".
قالت "أسماء" بتشفي:
يارب يولعوا فيها كلهم.
ثم قالت لـ "آيات":
عمك ده بارد قوي.
قالت "آيات" بحزن:
متوقعتش تكون مقابلته كده خالص.
ثم دمعت عيناها قائلة بصوت باكي وقد عزت عليها نفسها:
كان نفسي قوي يقوم من على المكتب وياخدني في حضنه ويقول لي متخافيش طول ما أنا موجود. أنا عمك ومن الممكن أسيبك وهخلي بالي منك.
تنهدت "أسماء" بحسرة وقالت بتهكم:
إذا كان الأم والأب اللي بيخلفوا وبيربوا مبيبقاش في قلوبهم رحمة عايزة العم هو اللي يهتم. سيبك بلا هم أنا قرفت من الناس كلها.
ثم التفتت إليها قائلة:
والمحروس "آدم" ده كمان عايز إيه بعد ما خربها وأعد على تلها؟
قالت "آيات" بحنق:
متفكرنيش. أصلًا كلمني في وقت مكنتش طايقة أسمع فيه صوت أي راجل. اديته كلمتين معرفش طلعوا مني إزاي وكسرت الشريحة.
قالت "أسماء" بحماس:
أحسن في داهية هو كمان. خلاص أنتِ فلستي عايز منك إيه بقى؟ يسيبك في حالك.
قالت "آيات" بسخرية:
قال بيقول لي عايز يطمن عليا.
ضحكت "أسماء" بسخرية قائلة:
لا والله فيه الخير. مش قولتك كلهم ولاد...
قاطعتها "آيات" قائلة:
يا بنت انتي امسكي لسانك شوية. بياخدوا حسناتك يا هبلة.
زفرت "أسماء" بضيق وقالت وهي تخرج من الغرفة:
طيب خليني ساكتة أحسن لأني لو فتحت بقى مش هطلع شتيمة بس، ده أنا هطلع مجاري.
ضحكت "آيات" وهي تتابعها بعينيها إلى أن خرجت.
***
هرولت أم "علي" بلوعة وهي تبحث عن ابنها في المستشفى. سألت عنه إحدى الممرضات فأشارت إلى الغرفة التي تضم عدة أسرة متجاورة. على أحدها يرقد "علي" وقد ضمد رأسه ووضع ذراعه في الجبيرة. بكت "إيمان" وهي ترى أخيها والكدمات الواضحة على وجهه. هتفت أمه بلوعة:
"علي". إيه اللي جرالك يا ابني؟
نظر إليها "علي" بأسى قائلاً:
زي ما أنتِ شايفة. طردوني من الشغل وضربوني.
ضربت أمه بيدها على صدرها وهي تجلس بجواره على الفراش قائلة:
ليه؟ ليه عملوا كده؟
قال "علي" بمرارة:
عشان إحنا بلد تيييييييييييت. كل حاجة فيها غلط واللي يفكر يقف قصاد الناس دي بياخد على دماغه زي ما أنتِ شايفة.
بكت أمه بحسرة قائلة:
حسبي الله ونعم الوكيل فيهم. كنت عملتلهم إيه عشان يعملوا فيك كده؟ ده أنت يا كبد أمك لا بتأذي حد ولا بتضايق حد وماشي جمب الحيط.
ابتسم "علي" قائلاً بمرارة:
أيوه أنا في حالي وماشي جمب الحيط. بس أنا مستحيل أشوف غلط وأقبل وأسكت وأقول مليش دعوة. لأني لو عملت كده هبقى بشاركهم في جريمتهم دي وعقابي عند ربنا زيهم بالظبط. تصوروا إنهم بيعدلوا تاريخ الصلاحية على عبوات أكل محفوظ فاسد وبيخلوها تاريخ جديد. عايزين يسمموا الناس.
قالت "إيمان" بغضب:
منهم لله. خلاص مبقاش فيه ضمير للدرجة دي. حتى الأكل؟
قال "علي" بمرارة:
قولي حتى الهوا. دول لو طالوا يسمموا الهوا هيسمموه.
أغمض "علي" عينيه بألم، وهو يقول في نفسه: يارب أحلامي بسيطة للغاية. لست كغيري أحلم بالسيارة الفارهة والفيلا الأنيقة وعمل يدر عليَّ الملايين. بل حلمي هو وظيفة حلال وبيت مؤجر وأثاث متواضع وزوجة تشاركني حياتي. يكن لي منها أبناء أعلمهم وأربيهم وأجعلهم يسيرون في درب الهدى والصلاح. لست أبغي سوى حفظ كرامتي وماء وجهي. لست أرغب سوى في العيش. العيش فقط.
***
جلس "آدم" أمام حاسوبه في غرفته بالشاليه يتطلع إلى صورة "آيات". ظلت عيناه تمر فوق تلك الكلمات التي سطرتها بيديها والتي تبثه فيها حبها وشوقها. نظر إلى الكلمات بمزيج من الحسرة والألم. وأخذ يفكر كيف تحول هذا الحب بداخلها إلى كره ونفور. ما زال لا يصدق. ما زال لا يصدق أن حبه بداخلها قد مات وانتهى. أخذ يقول لنفسه: انساها يا "آدم". أمامك مئات البنات اختر من شئت. لكن شيئًا ما بداخله تمسك بها. هي وحدها. شعر بأنه لا يريد غيرها. يريدها وحدها، بصفائها ونقائها وبرائتها وطيبة قلبها. تذكر اللحظات التي جمعتهما في الماضي وكيف كانت معه صادقة المشاعر، واضحة كالشمس، رقيقة كرقة الندى على ورقات الشجر. كم تهفو نفسه إليها، إلى النهل من بحر حنانها وعذوبة صوتها. تذكر أنه لم يصلِّ العشاء بعد. فوقف يصلي بين يدي الله. وجد نفسه يدعو الله في سجوده أن يغفر له، وأن يجمع بينه وبين "آيات". ظل يردد دعاءه كثيرًا دون ملل أو كلل. لا يعلم كيف سيتحقق ذلك. كيف يمكن أن يتطهر من ذنوبه وهو ما زال يعمل في تلك القرية. لن يستطيع ترك عمله. عمله الذي بناه وكبره ويدر عليها مبالغ طائلة. وفي الوقت ذاته يتمنى رضا ربه عليه. يتمنى "آيات" بقربه، تشاركه حياته وأحلامه وطموحاته. يريد مغفرة ربه ثم مغفرة "آيات". لكن كيف السبيل؟ كيف يحقق تلك المعادلة الصعبة؟ كيف ينجح في الجمع بينهم؟ لديه مثلث من ثلاث زوايا: الله، "آيات"، عمله. كيف يمكن أن يجمع الثلاث زوايا في خط مستقيم؟ كيف؟ ليس أمامه سوى حل واحد: أن يخترق أحد أضلاع المثلث ويثنيه إلى أن يصبح خطًا مستقيمًا. لكنه وقف حائرًا. أي الأضلاع يكسر؟
رواية جواد بلا فارس الفصل التاسع عشر 19 - بقلم بنوته اسمرة
استيقظت أم "آدم" من نومها وخرجت من غرفتها لتجد "آدم" واقفاً في الشرفة.
اتجهت إليه وقالت:
- صباح الخير يا "آدم".
التفت "آدم" وابتسم بوهن قائلاً:
- صباح النور يا مامان.
نظرت إليه أمه باستغراب وقالت:
- أنت إيه اللي مصحيك بدري كده؟
قال "آدم" وقد بدت على وجهه تعبيرات حزينة وفي عينيه حيرة استشعرتها أمه من أول وهلة:
- أنا ما نمتش أصلاً.
اقتربت منه ووقفت بجواره على سور الشرفة ونظرت إليه قائلة باهتمام:
- خير يا ابني في إيه؟
تنهد "آدم" محاولاً تخليص نفسه من ضيقه الذي يجثم على صدره. صمت ولم يجب، فحثته قائلة:
- أنا أمك يا "آدم"، لو في حاجة قولي يا ابني، يمكن أقدر أساعدك.
التفت "آدم" إليها وقال بحزن وضيق:
- "آيات".. والدها اتوفى.
صمتت والدته قليلاً ثم قالت:
- "آيات" خطيبتك القديمة مش كده؟
أومأ برأسه، فقالت أمه بأسى:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمه ويغفر له.
قال "آدم" وهو ينظر إلى الشمس التي بدأت أشعتها تلوح في الأفق:
- باباها كان مديون واضطرت تبيع كل ميراثها عشان تسدد ديونه.. وحتى الفيلا باعتها، وما عرفتش هي عايشة فين ولا إزاي.
ثم زفر بضيق قائلاً:
- وراحت لـ "سراج" عمها تطلب منه شغل.
سألته أمه باستغراب:
- وأنت يا ابني عرفت كل ده إزاي؟ هو أنتوا لسه بتكلموا بعض؟
قال "آدم" بضيق:
- عرفته وخلاص.. حاولت أكلمها كتير مردتش عليا، وفين وفين لما ردت. ولما طلبت عنوانها وإني أطمن عليها، قالتلي إنها لا عايزة تشوفني ولا عايزة تسمع صوتي، وإنها مش هتشغل الشريحة دي تاني، ومن ساعتها وموبايلها مقفول.
تابعت أمه باهتمام تعبيرات الضيق على وجهه. لاحت ابتسامة حانية على شفتيها وهي تقول:
- أنت حبتها يا "آدم"؟
نظر "آدم" إلى أمها بحزن وعيناه تقول: نعم.. أحبها.. أحبها.
اتسعت ابتسامة أمه وهي تقول بحماس:
- دي بنت طيبة وبنت حلال. أول ما شوفتها بصراحة ما عجبنيش شكلها، يعني كانت بتحط مكياج كتير ولبسها ضيق، فبصراحة اتضايقت. بس لما اتكلمت معاها حسيت إني ارتحت لها قوي وحسيت إنها مؤدبة ومحترمة.
ابتسم "آدم" بوهن قائلاً:
- حبيتها يعني؟
قالت أمه بحماس:
- بصراحة أيوة.. ومادمت أنت كمان حبيتها يبقى يا ابني متضيعهاش من إيدك.
اختفت ابتسامة "آدم" وهو يقول:
- ماما، انتي متعرفيش اللي حصل ولا تعرفي إحنا سبنا بعض ليه وإزاي.
نظرت إليه أمه نظرة مشجعة على الحديث. فأخذ نفساً عميقاً ثم قص عليها كل شيء. بدأ من الخطة التي وضعها لخطبة "آيات" وابتزاز "عبد العزيز" بورقة زواجها لاسترجاع حقه الذي سلبه "سراج" و"عاصي".. إلى علاقته بـ"بوسي" وفضحها إياه عند "آيات" والفيديو الذي صورته لهما معاً. انتهى من كلامه الذي شعر بالضيق الشديد وهو يقصه على مسامع والدته. كان ينظر إلى أمامه أثناء حديثه وهو لا يجرؤ على النظر إليها. شعر بالحزن والندم الشديد وهو يتذكر ما فعله بـ"آيات".. ومن قبلها نفسه. ران الصمت طويلاً. كانت أمه تحاول استيعاب ما قال، تحاول استيعاب أن ابنها زانٍ ومخادع، تحاول استيعاب مدى السوء الذي وصل إليه "آدم". لكنه فلذة كبدها، وسيبقى كذلك. مهما فعل ستسامحه وتحاول أن تقومه وتدعو له بالهداية. وضعت يدها على كتفه وهي تنظر إلى تعبيرات وجهه.. وإلى عينيه التي بدأت في اللمعان بما فيهما من عبرات. ثم قالت بحنان:
- ربنا غفور رحيم يا ابني.. وزي ما قال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". ومن رحمة ربنا إن باب التوبة مفتوح في كل وقت وكل زمان وكل مكان. بس أنت ارفع إيدك وقول يا رب. ده مفيش أكرم منه ولا أرحم منه. بيغفر ويسامح ويمحي كل ذنوبك في ثانية. بس أنت توب واستغفر يا حبيبي ومتخليش الشيطان يوسوسلك إن مالكش توبة أو إن ربنا مش هيغفرلك.
نظر إليها "آدم" بلهفة وعيناه ترجوها الاستزادة من هذا الكلام الذي يبعث في نفسه الأمل. فأكملت بحماس:
- في قصة للنبي صلى الله عليه وسلم حكاها، أنا مش حافظة الكلام بالظبط بس هحكيهالك كأنها قصة. كان زمان أوي قبل ما ربنا يرسلنا النبي صلى الله عليه وسلم.. كان فيه راجل قتل 99 روح. والراجل ده حس في يوم إنه عايز يتوب وعايز يبقى بني آدم كويس. راح لراهب وقاله إنه عايز يتوب وإنه قتل 99 واحد. الراهب قاله: أنت مالكش توبة. فراح الراجل ده موت الراهب وكمل عدد اللي قتلهم لـ 100. بعد كده الناس قالوا له: في عالم كبير روح له وقول له إنك عايز تتوب. راح للعالم ده وقاله إنه قتل 100 إنسان وعايز يتوب. العالم قاله: وإيه اللي مانعك إنك تتوب؟ توب بس لازم تسيب المكان اللي أنت فيه، لأن المكان ده مكان مش كويس وهيجرك تاني للمعاصي والذنوب لو أنت فضلت فيه. وروح البلد الفلانية دي فيها ناس كويسة هياخدوا بـإيدك. الراجل ما كدبش خبر، بس وهو في الطريق مات. وعشان هو كان فعلاً عايز يتوب وهو واقع بيحتضر، اتجه بصدره ناحية البلد الطيبة اللي كان رايح لها. بعد ما مات نزلت ملائكة الرحمة عايزين يقبضوا روحه.. ونزلت ملائكة العذاب عايزين يقبضوا روحه.. والملائكة اتخاصموا عليه. ملائكة الرحمة قالوا: ده تاب وكان عايز يقرب من ربنا واستغفر لذنوبه ورايح للبلد اللي فيها صحبة كويسة عشان يساعدوه على التوبة. وملائكة العذاب قالوا: ده راجل ما عملش أي حاجة خير في حياته ولا حتى حسنة واحدة. ساعتها ربنا أرسل ملاك في صورة إنسان، خلوه حكم بينهم. قال لهم: قيسوا المسافة بين البلد اللي عاش فيها الراجل ده وبين المكان اللي مات فيه. وكمان قيسوا المسافة بين البلد الطيبة اللي كان رايح لها وبين المكان اللي مات فيه. وإذا طلعت المسافة الأولى أكبر من الثانية، يبقى تقبضه ملائكة العذاب. وإذا كانت المسافة الثانية أكبر من الأولى، يبقى تقبضه ملائكة الرحمة. قاسوا المسافة ولقوا إن المسافة الأكبر هي اللي بين المكان اللي مات فيه وبين البلد الطيبة اللي كان رايح لها، فقبضته ملائكة الرحمة وربنا غفر له ذنوبه كلها. رغم إنه ما عملش أي حسنة في حياته لحد ما مات، بس مات على توبة وعلى نية صادقة في التوبة وعلى عمل يدل على إنه فعلاً تاب.
شعر "آدم" بقشعريرة تسري في جسده وهو يستشعر رحمة الله عز وجل. تذكر بالفعل الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم والذي شرحته أمه الطيبة دون أن تتذكر نصه: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنّ بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملَكٌ في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضَيْن، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة".
تأملت أمه انفراجة أساريره فابتسمت قائلة:
- "إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" يا ابني.. وربنا سبحانه وتعالى بيقول " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ".
تنهد "آدم" في راحة وقد بدأ الأمل يدب في أوصاله. الأمل في الكثير والكثير.. الأمل في التوبة.. الأمل في التطهير من ذنوبه وآثامه.. الأمل في أن يصبح إنسانًا أفضل.. الأمل في استرجاع "آيات".. من المؤكد أنها لن ترفض العودة إليه إذا ما لمست صدق توبته. التفت إلى أمه قائلاً بحماس:
- تفتكري ممكن "آيات" ترجع لي لو حست فعلاً إني اتغيرت وإني ندمت على كل اللي عملته؟
أشارت أمه إلى السماء بإصبعها وقالت:
- اسأله وهو يديك. مفيش حاجة بعيدة عليه. وربك بيقول " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ".
أخذ "آدم" نفساً عميقاً وزفره في راحة وقد شعر بصدره قد اتسع وشرح. اتسعت ابتسامته وهو ينظر إلى أمه ثم قبل رأسها ويديها وهو يقول بتأثر:
- ربنا يخليكي لي يا ماما وميحرمنيش منك أبداً.
نظرت إليه بحنان قائلة:
- ويبارك لي فيك يا ابني وميحرمنيش منك أبداً.
************************************
استيقظت "آيات" من نومها وجلست على فراشها تفكر في وضعها وإلى الطريق المسدود الذي وصلت إليه. تنهدت في يأس وهي تتذكر مقابلة عمها التي أشعرتها كم هي وحيدة في هذه الدنيا دون سند أو دعامة ترتكز عليها. اغرورقت عيناها بالدموع وهي تتذكر دعامتها التي فقدتها.. أبيها الحبيب.. الذي تشعر الآن بدونه بالضياع. أغمضت عينيها وهي تتخيله أمامها تلقي بنفسها بين ذراعيه وتريح رأسها على كتفه وتترك له همومها ليزيحها بيديه من فوق كتفيها، ثم يعانقها بشدة يخفيها بين ذراعيه ويحميها من شرور الناس وأذاهم. فتحت عينيها لتعود مرة أخرى إلى واقعها المرير وهي تقول لنفسها: همومك لن يزيحها غيرك يا "آيات".. ولن يحميكِ أحد غيرك.. يجب أن تعتادي ذلك.. يجب أن تكوني أقوى.. فالضربة التي لا تقسمك يجب أن تجعلكِ أقوى.
توجه "عاصي" إلى كلية التجارة بجامعة القاهرة يحاول أن يتقصى أي معلومات تقع تحت يديه عن "آدم". قابل هناك إحدى الطالبات التي قالت له:
- أيوه عارفاه بس هو السنة دي واخد إجازة بس كان بيدي سنة رابعة السنة اللي فاتت.
قال "عاصي" باهتمام:
- أصل أنا قريبه وكنت مسافر ومش عارف أوصله لأنه غير رقمه وكمان غير مكان سكنه. متعرفيش أقدر ألاقيه فين.. أو مين هنا من الدكاترة قريب منه ويعرفه عن قرب.
قالت الفتاة بحماس:
- ممكن تسأل العميد.
بدا على "عاصي" التردد قليلاً، فالعميد لن يأتيه إلا برقمه وعنوانه وهو لا يريد تلك المعلومات.. بل يبحث عما يستطيع به أن يلوى ذراع "آدم". فقال للفتاة:
- أنا فعلاً هسأل العميد. طيب إنتي متعرفيش الطلبة هنا بيقولوا عليه إيه.. أكيد أنتوا بينكم وبين بعض بتبقوا عارفين الدكتور الكويس من الوحش وبتكون عارفين حاجات ممكن العميد ما يعرفهاش.
قالت الفتاة وقد شعرت بالاستغراب من أسئلته:
- لأ أنا معرفش عنه حاجة غير إنه كان خاطب واحدة من الكلية السنة اللي فاتت وسابوا بعض. غير كده معرفش حاجة عن دكتور "آدم".. وهو معاملته مع الطلبة كويسة.
قال "عاصي" باهتمام:
- قولتيلي كان خاطب واحدة من الكلية.. طيب متعرفيش سابوا بعض ليه.. وهو اللي سابها ولا هي اللي سابته.
بدأت الفتاة تشعر بعدم الراحة من أسئلته الغريبة فقالت بنفاذ صبر وهي تهم بالانصراف:
- لا معرفش سابوا بعض ليه.. عن إذنك.
أوقفها "عاصي" وقال بلهفة:
- طيب اسمها إيه البنت دي؟
قالت الفتاة بحنق:
- اسمها "آيات اليماني".. ممكن تعديني؟
نظر "عاصي" إلى الفتاة بدهشة وقال:
- "آيات اليماني"؟.. تقصدي "آيات عبد العزيز حسان اليماني"؟
قالت وهي تغادر مسرعة:
- معرفش.
لكن "عاصي" لم ييأس. سأل حتى تأكد من أن "آيات" هي الفتاة التي خطبها "آدم" ثم انفصلا. شعر بمزيج من الدهشة والانتصار. فها هو يعرف معلومة جديدة قد يتوصل من خلالها إلى نقطة الضعف التي سيخترقها للوصول إلى "آدم".. ومن ثم تحطيمه.
***********************************
أثناء تناول طعام الغداء قالت "أسماء":
- متتصلي بعمك كده يا "آيات" يمكن يكون شاف لك الشغل اللي قالك عليه.
قالت "آيات" وهي تتناول طعامها:
- مش معايا رقمه.. وبعدين قال لي أروح له بعد يومين.
قالت "أسماء":
- اليومين فاتوا خلاص.
توقفت "آيات" عن تناول الطعام وقالت بيأس:
- تفتكري فعلاً هيشغلني؟
قالت "حليمة" بحماس:
- طبعاً يا بنتي الضفر ما يطلعش من اللحم، ومهما كان انتي بنت أخوه.
قالت "آيات" بتهكم:
- يا دادة انتي مش شفتي قابلني إزاي.. أكنى واحدة غريبة ما يعرفنيش.
قالت "حليمة" وهي ما تزال تصر على أن كل الناس طيبين مثلها:
- معلش دي ساعة شيطان.. لما يشوفك تاني النفوس هتصفى ويخدك تحت جناحه.
قالت "آيات" بشرود:
- ياريت فعلاً النفوس تصفى.. أنا مليش غيره دلوقتي.
نظرت إليها "أسماء" بعتاب قائلة:
- وأنا ودادة "حليمة" روحنا فين يعني؟
نظرت إليهما "آيات" بامتنان وقالت:
- انتوا دلوقتي كل أهلي وكل صحابي.
ابتسمت حليمة وهي تربت على كتفها وكتف "أسماء" قائلة:
- وانتوا الاتنين بناتي اللي ما خلفتهمش.. أنا لا اتجوزت ولا خلفت بس ربنا رزقني بيكوا انتوا الاتنين تونسوا وحدتي.
ابتسمت الفتاتان لطيبة "حليمة" وحنانها. قامت "حليمة" بعدما أنهت طعامها فنظرت "أسماء" إلى "آيات" قائلة:
- هو لسه فيه ناس بالطيبة دي؟
ابتسمت "آيات" وهي تقول:
- عارفه.. لما كنت في المسجد كنت بحفظ سورة الفرقان ولما قرأت الآية اللي بتقول "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا".. افتكرت دادة "حليمة" على طول.
قالت "أسماء" بتأثر:
- فعلاً ست طيبة أوي وبيتمر فيها العشرة.. على الأقل هي أحن عليا من أمي اللي ولدتني.
اغرورقت عيناها بالدموع فجلست "آيات" على المقعد المجاور لها وأحاطت كتفيها بذراعها وهي تقول:
- خلاص بقى مش بحب أشوفك زعلانة.
مسحت "أسماء" دمعة كادت أن تفر من عينها وهي تقول:
- خلاص مش زعلانة.
ابتسمت الفتاتان كلاهما في وجه الأخرى لتدب كل منهما الأمل في نفس صاحبتها.
*******************************
توجهت "آيات" مرة أخرى إلى شركة عمها.. فليس لها ملجأ سواه. جلست في مكتب مديرة مكتبه تنتظر أن يسمح لها بالدخول. طلب "سراج" من مديرة مكتبه أن تبقى معها حتى لا تطيل المكث. دخلت "آيات" بحرج أكبر من الحرج الذي لازمها في أول زيارة لها. ابتسمت له باضطراب فأشار لها بالجلوس بتكبر. جلست "آيات" بتوتر وهي تقول:
- حضرتك قولت لي أجي كمان يومين عشان موضوع الشغل.
قال "سراج" وهو ينشغل بالتطلع إلى الملفات الموضوعة على المكتب أمامه:
- لا لسه ملقتش حاجة مناسبة.
شعرت "آيات" بالإحباط وقالت:
- أنا مستعدة أشتغل أي حاجة مش شرط حاجة محددة.
قال "سراج" وهو ما يزال منهكًا فيما يفعل:
- انتي حديثة التخرج وما فيش خبرة في أي حاجة. عيازانى أشغلك إيه في شركة كبيرة زي شركتي اللي أقل واحد فيها معاه خبرة 3 سنين.
شعرت "آيات" بالحزن والضيق. أشار "سراج" لمديرة مكتبه بطرف خفي ففعلت كما فعلت المرة السابقة:
- "سراج" بيه حضرتك عندك اجتماع كمان خمس دقايق.
قامت "آيات" بتثاقل وعلامات الحيرة والاضطراب على وجهها فقال لها "سراج" وهو ينظر إليها:
- سيبي بياناتك ولو لقيت حاجة مناسبة هبقى أبلغك.
خرجت "آيات" من مكتبه وهي تملي مديرة مكتبه بمرارة رقمها وعنوانها فسألتها المرأة باهتمام:
- ده عنوان بيتك مش كده؟
قالت "آيات" بشرود:
- لا ده عنوان ست كانت بتشتغل عندنا أنا قاعدة معاها في بيتها.
غادرت الشركة كما في المرة السابقة.. عيناها ممتلئتان بالدموع. دونت المرأة بيانات "آيات" في ورقة ووضعتها في أحد الأدراج وعادت إلى الانهماك في عملها عازمة على الاتصال بـ"آدم" في نهاية اليوم بعد الانتهاء من عملها لإبلاغه بعودة "آيات" مرة أخرى.
عادت "آيات" إلى البيت وقصت على "أسماء" ما حدث فقالت لها:
- ده راجل تيييييييييت صحيح.
قالت "آيات" بألم:
- حسسني إني رايحة أشحت منه. أنا خلاص مستحيل أروح له تاني.. مستحيل أطلب منه أي حاجة تاني.
ثم قالت:
- وأصلاً مكنتش مركزة ساعتها ومليت مديرة مكتبه رقمي القديم.. نسيت إني كسرت الشريحة وغيرت الرقم.
قالت "أسماء" وهي تتنهد بتحسر:
- وهنعمل إيه دلوقتي يا "آيات"؟
*******************************
- يعني "آيات" بنت عمي كانت خطيبة "آدم"؟
ألقى "عاصي" تلك العبارة على مسامع "سراج" الذي اتسعت عيناه دهشة وهو يقول:
- معقولة.. أنت متأكد يا "عاصي"؟
قال "عاصي" بثقة:
- أيوه متأكد.. واللي عرفته إن حصل مشكلة بينها وبينه يوم كتب الكتاب بعد ما المأذون جه.. بس محدش يعرف إيه هي المشكلة دي بالظبط.
أخذ "سراج" يفكر وقد استحوذت الدهشة على ملامحه.. فقال "عاصي" بحزم:
- لازم أعرف من "آيات" كل حاجة.. أكيد تعرف معلومات عن "آدم" ممكن تفيدنا ونقدر نستخدمها ضده.
قال "سراج" وكأنه يتذكر أمرًا:
- آه على فكرة كانت هنا النهاردة.
قال "عاصي" باهتمام:
- وبعدين؟
قال "سراج" بلامبالاة:
- قولتلها لسه ملقتلهاش شغل وإني هبقى أتصل بيها لو لقيت حاجة مناسبة.
قال "عاصي" بحنق:
- يا بابا.. طيب وبعدين هنوصلها إزاي دلوقتي؟
قال "سراج" وهو يضغط الزر لينادي مديرة مكتبه:
- أنا قولتلها تسيب رقمها وعنوانها.
دخلت المرأة وقالت:
- أيوه يا فندم.
قال لها "عاصي" بلهفة:
- "آيات" بنت عمي سابت بياناتها قبل ما تمشي؟
أومأت المرأة برأسها وقالت:
- أيوه سابت رقمها وعنوانها.
قال "عاصي" بعجالة:
- طيب هاتيه بسرعة.
توجهت إلى مكتبها وأخرجت الورقة التي احتفظت بها وسلمتها إلى "عاصي" الذي نظر إليها وعلى شفتيه ابتسامة انتصار. ما كادت تعود إلى مكتبها حتى ضربت جبينها بكفها وهي تتمتم بغيظ:
- أووووف.. غبية.
أمسكت هاتفها واتصلت بـ "آدم" الذي أجابها بلهفة قائلاً:
- ألو.. ها في جديد؟
قالت المرأة بضيق:
- أيوه البنت جت تاني.
قال "آدم" بلهفة وهو يهب واقفاً:
- ها وبعدين؟
قالت المرأة بصوت خافت وهي تتلفت حولها:
- "سراج" بيه قالي آخد منها بياناتها قبل ما تمشي.. وكتبت لي رقمها وعنوانها.
قال "آدم" بسعادة وقد اتسعت ابتسامته وأمسك قلمه من فوق المكتب بلهفة:
- طيب مليني الرقم والعنوان.
قالت المرأة بحرج:
- مش معايا.
اختفت ابتسامة "آدم" وهو يقول باستغراب:
- مش قولتي إنها أدتك رقمها وعنوانها؟
قالت المرأة:
- أيوه بس "عاصي" بيه طلبهم وأديت له الورقة ونسيت أكتبها عندي.
قال "آدم" بغيظ:
- أعمل فيكي إيه دلوقتي؟
قالت المرأة بسرعة:
- متقلقش هحاول أتصرف.
قال "آدم" بحزم:
- الرقم والعنوان عايز أعرفهم في أقرب وقت.. النهاردة قبل بكرة.
قالت المرأة بثقة:
- متقلقش هحاول أوصلهم.
خرج "عاصي" من مكتب "سراج" فأسرعت بإنهاء المكالمة.. وتابعته بعينيها إلى أن انصرف وهي تفكر في طريقة تحصل بها على الورقة التي سلمتها إلى "عاصي" بيدها.
************************************
عاد "علي" إلى بيته مستندًا إلى والده ووالدتها. جهزت "إيمان" غرفته وفراشه. مدَّد عليه جسده المتعب من آثار الضرب والكدمات. أسرعت والدته بالذهاب إلى المطبخ لإعداد ما يتقوى به ابنها. نظرت إليه "إيمان" بإشفاق وقالت:
- أنت كويس يا "علي"؟
قال "علي" مبتسمًا بضعف:
- الحمد لله يا "إيمان".
جلست على المقعد أمامه وقالت بحماس مصطنع:
- إن شاء الله الظروف هتبقى أحسن وهتلاقي الشغلانة اللي بتحلم بيها.
قال "علي" بتهكم:
- طبعًا طبعًا.
علمت "إيمان" بأن كلماتها لن تصلح لمواساته فنهضت وهي ترمقه بنظرات حانية. أخرج "علي" مصحفه من درج الكومودينو بجوار فراشه الصغير وأخذ يقرأ في كتاب الله إلى أن وصل إلى الآية في سورة الإسراء التي تقول " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ".. تنهد "علي" بضيق من نفسه وهو يشعر بأن انكبابه في طلب الدنيا خف شيئًا فشيئًا عن سعيه وعمله لدار البقاء. تمتم في خفوت:
- استغفر الله العظيم.
وما زال يستغفر حتى أذن المغرب. فتحامل على نفسه متثاقلاً وذهب إلى الحمام ليتوضأ. رأته والدته فساعدته في الوضوء. ثم نظرت إليه بدهشة عندما وجدته متوجهًا إلى الباب وقالت له:
- رايح فين يا "علي"؟
قال وهو يرتدي حذاءه:
- اشتقت للصلاة في المسجد.
جلس "علي" على أحد المقاعد يصلي. أخذ ينظر إلى الأرض بحسرة وقد اشتاق لوضع جبهته عليها خضوعًا لله عز وجل. انتهى من صلاته وقد شعر بسكينة في قلبه. اقترب منه أحد الرجال ذوي السمت الإسلامي والذي كان يعرفه شكلاً دون أن يتحدث معه. قال له الرجل:
- شفاك الله وعافاك يا أخي.
ابتسم له "علي" قائلاً:
- جزاك الله خيرًا.
ابتسم له الرجل ببشاشة وقال:
- افتقدتك اليومين اللي فاتوا.. لأني متعود أشوفك دايماً في المسجد ما شاء الله عليك.
قال "علي" بأسى:
- مفيش.. كنت تعبان شوية.
نظر الرجل إلى ذراع "علي" الموضوعة في الجبيرة وقال:
- حادثة؟
صمت "علي" قليلاً ثم قال:
- يعني حاجة زي كده.
ربت الرجل على كتف "علي" وقد انتبه إلى تعبيرات الحزن والأسى على وجهه وقال:
- أبشر إن شاء الله.
نظر إليه "علي" قائلاً:
- تفتكر فيه أمل؟
ابتسم الرجل وقال:
- النبي صلى الله عليه وسلم علمنا إن " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا ، قَالُوا : إِذًا نُكْثِرُ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَكْثَرُ ".
تمتم "علي":
- عليه الصلاة والسلام.
أكمل الرجل قائلاً:
- وكمان النبي صلى الله عليه وسلم قالنا "ادعوا الله تعالى وأنتم موقنون بالإجابة".. أحسن الظن بالله يكن كما ظننت إن شاء الله.
قال "علي" للرجل:
- فعلاً.. أنا كان ناقصني اليقين في إجابة دعائي. جزاك الله خيرًا إنك ذكرتني.
ربت الرجل على كتفه. ظل "علي" جالسًا في المسجد يقرأ من كتاب الله حتى حان موعد العشاء فأداها في جماعة. ظل يدعو الله كثيرًا في سجوده وهو يعلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.. فظل يدعوه بيقين في إجابة دعائه وبالرضا والتسليم لقضائه.
***********************************
سمعت "آيات" صوت الجرس وهي جالسة في غرفتها تقرأ في مصحفها. فالتفتت إلى "أسماء" الواقفة في الشرفة وقالت:
- مين اللي بيخبط علينا؟
نظرت إليها "أسماء" قائلة:
- معرفش تلاقي حد من جيران دادة "حليمة".
ثم قالت:
- في عربية شيك أوي وقفت تحت البيت ونزل منها راجل شكله مش من المنطقة.. تفتكري هو اللي بيخبط؟
قالت "آيات" باستغراب:
- هيكون مين يعني؟
قالت "أسماء" وهي تمط شفتيها:
- معرفش بس أول ما الراجل دخل من المدخل سمعت بعدها شوية صوت الجرس.
لم تكد تنتهي من جملتها حتى طرقت "حليمة" باب الغرفة ونظرت إلى "آيات" وهي تقول بحماس:
- "آيات" يا بنتي.. ابن عمك بره.
انتفضت "آيات" وهبت واقفة وهي تقول:
- ابن عمي مين؟
نظرت "أسماء" بدهشة تتابع ما يحدث فقالت "حليمة" مبتسمة:
- "عاصي" ابن عمك قاعد بره في الصالون مستنيكي.
تبادلت الفتاتان نظرة دهشة. قالت "أسماء" بلهفة:
- قومي البسي بسرعة أكيد جاي يتكلم معاكي عن الشغل اللي طلبتيه من عمك.
ارتدت "آيات" ملابسها في عجالة وقلبها يخفق بشدة من فرط توترها. خرجت فوقف "عاصي" يستقبلها مبتسمًا وهو يمد يده إليها قائلاً:
- إزيك يا "آيات"؟
شعرت بالحرج فمدت يدها تسلم عليه.. ثم نزعتها من يده سريعًا وهي تقول:
- الحمد لله.. اتفضل.
أشارت إلى المقعد فجلس. دخلت "حليمة" وقدمت له الشاي بينما كانت "أسماء" تستمع إلى حديثهما وهي واقفة بالقرب من الصالون. بدأ "عاصي" حديثه قائلاً:
- أولاً بعتذر إني كنت مقصر في حقك الفترة اللي فاتت بس أنا مكنتش هنا.. أنا كنت في العين السخنة ولسه راجع من كام يوم وراجع تاني على هناك.
قالت "آيات" بابتسامة مجاملة:
- لا أبداً لا تقصير ولا حاجة.
قال "عاصي" بابتسامة مشجعة:
- طيب بما إن مفيش زعل يبقى نخرج نتعشى مع بعض.
شعرت "آيات" بالحرج فأسرع قائلاً:
- عشان نتكلم في تفاصيل الشغل.
قالت "آيات" بلهفة:
- شغلي؟
قال "عاصي" بحماس:
- أيوه هتشتغلي معايا.. بس عايزن نتكلم في التفاصيل مع بعض وفرصة ندردش شوية وأعرف أخبار بنت عمي.
صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت:
- طيب ممكن صحبتي تيجي معايا؟
قال بدهشة:
- صحبتك؟
قالت "آيات" شارحة:
- أيوه هي عايشة معايا هنا.
شعر "عاصي" بالضيق لأنه أراد التحدث معها بمفردها لكنه خشي أن ترفض فقال:
- طبعًا طبعًا دي تنورنا.
ابتسمت "أسماء" التي كانت تستمع إلى الحوار فاستأذنت "آيات" لترتدي ملابسها. دخلت "أسماء" الغرفة تنتظرها وبمجرد أن أغلقت "آيات" الباب قالت "أسماء" بسعادة:
- الحمد لله أخيرًا الدنيا هتبتدي تتظبط معانا.
قالت "آيات" بضيق:
- كان إيه لازمه موضوع العشا ده.. ما كان قالي التفاصيل هنا وخلصنا.
قالت "أسماء" بحماس:
- يا بنتي وفيها إيه ما نتعشى معاه وبعدين ما أنا هكون معاكي مش هتكوني لوحدك.
كانت "آيات" تشعر بعدم اقتناع لكنها أرغمت نفسها على إمرار هذا الأمر من أجل حل مشكلتها الحالية. مضى بهما "عاصي" إلى أحد المطاعم الراقية. تذكرت "آيات" زيارتها السابقة لذلك المطعم مع والدها. مرت سحابة حزن أمام عينيها لتلك الذكرى. ثم ما لبثت أن نفضت تلك الذكريات من رأسها ورسمت على شفتيها ابتسامة مجاملة عندما نظر إليها "عاصي" مبتسمًا. قالت "أسماء" بمرح:
- حلو أوي المكان ده.
ابتسم لها "عاصي" قائلاً:
- كويس إنه عجبك.
ثم التفت إلى "آيات" قائلاً:
- وبنت عمي.. عاجبها المكان ولا لأ؟
ابتسمت "آيات" قائلة:
- أيوه.. جميل.
شرع في طلب الطعام لثلاثتهم. نظر إليهما "عاصي" مستفهماً:
- إنتوا صحاب من زمان؟
قالت "أسماء" بمرح:
- بقالنا أكتر من 4 سنين مع بعض.
التفت إليها "عاصي" قائلاً:
- وإنتي خريجة إيه يا آنسة "أسماء"؟
قالت "أسماء" مبتسمة:
- أنا زي "آيات" ما إحنا كنا زمايل في الجامعة ومن هناك اتعرفنا على بعض وبقينا صحاب وأكتر من الإخوات.
رفع "عاصي" حاجبيه قائلاً:
- واضح فعلاً إنكوا قريبين من بعض أوي بدليل إنكوا عايشين مع بعض.
توترت "أسماء" فلم ترد مناقشة أسباب تركها لبيتها. التفت "عاصي" إلى "آيات" قائلاً:
- شكلك من النوع الهادي يا "آيات".. قاعدة ساكتة ومبتتكلميش.
قالت وقد بدأت تضيق ذرعًا من جلوسها معه:
- لأ عادي.
ثم قالت بجدية:
- ياريت نتكلم في الشغل.. إيه التفاصيل اللي قولت إننا هنناقشها مع بعض.
في تلك اللحظة حضر النادل ووضع أمامهم أصناف الطعام. بدأ "عاصي" في تناول طعامه وهو يقول:
- أنا عندي قرية سياحية في العين السخنة.. وحابب إنك تشتغلي معايا هناك.
قالت "آيات" بحذر:
- هشتغل إيه بالظبط؟
قال "عاصي" وهو يلوك الطعام في فمه:
- الشغلانة اللي تختاريها.. ممكن تشتغلي في العلاقات العامة أو في الاستقبال أو في أي مكان تختاري فيه في القرية.. زي ما تحبي.
صمتت "آيات" وهي تفكر في كلامه. فانتهزت "أسماء" الفرصة لتقول في مرح:
- ويا ترى الشغل ده لـ "آيات" لوحدها.. مفيش حاجة تنفع صحبتها؟
التفت إليها "عاصي" وقال مبتسمًا بلؤم:
- لا طبعًا.. أكيد فيه لـ صحبتها.
ابتسمت "أسماء" بسعادة وهي تقول:
- اتفقنا.
التفت "عاصي" إلى "آيات" ورفع حاجبيه وهو ينظر إلى ملابسها متفحصًا وهو يقول:
- بس طبعًا محتاجة لوك تاني خالص.
نظرت إليه "آيات" بدهشة وهي تقول:
- إزاي يعني؟
قال "عاصي" وهو يشير إلى ملابسها:
- مينفعش ده يكون لبس واحدة شغالة في قرية سياحية وخاصة لو في العلاقات العامة أو بتتعامل تعامل مباشر مع زوار القرية والسياح.. لازم يبقى لبسك أشيك من كده وكمان مينفعش يبقى وشك كده من غير ميك آب.
ثم نظر إلى "أسماء" وابتسم بخبث قائلاً:
- يعني خليكي حلوة زي صحبتك.
ابتسمت "أسماء" فقال "عاصي" وهو يتفحصها هي الأخرى:
- برده انتي كمان محتاجة شوية تعديلات.
ثم قال بحماس:
- عامة متقلقوش هنديكوا سلفة من مرتبكوا تشتروا بيها لبس مناسب.. لازم قبل ما تروحوا القرية تكونوا على سنجة عشرة.. عشان أي حد بيشتغل في القرية بيكون عنوان ليها.
شعرت "آيات" بالضيق الشديد من كلامه. نظر إليها "عاصي" متفحصًا وهو يقول:
- مالك يا "آيات" مبتأكليش ليه؟
قالت "آيات" بوجوم:
- شبعانة.
قال "عاصي" بخبث:
- إلا قولي لي يا "آيات" انتي مخطوبة؟
قالت "آيات" وعقلها منشغل في طريقة للهرب من تلك السهرة التي أصبحت ثقيلة عليها:
- لأ.
فسألها قائلاً:
- ولا اتخطبتي قبل كده؟
نظرت إليه بحدة وهي تتساءل في نفسها.. هل يعلم بأمر خطبتها من "آدم" أم لا.. قالت فجأة:
- معلش أنا تعبانة ممكن نروح؟
نظرت إليها "أسماء" باستغراب ممزوج بالحنق. أما "عاصي" فنظر إليها متفرسًا محاولًا تخمين ما تفكر وما تشعر به. استجاب لمطلبها دون إلحاح حتى لا يضايقها. أوقف سيارته تحت البيت وهو يقول بمرح:
- طبعًا لما تبتدوا الشغل معانا في العين السخنة هيكون ليكوا شاليه مخصوص.. يعني موضوع السكن مش عايزكوا تقلقوا منه خالص.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى "آيات" قائلاً:
- مش عايزك تقلقي أبداً يا "آيات" طول ما أنا جنبك.
ارتبكت "آيات" من نظراته ونزلت من السيارة هي و"أسماء" فلوح لهما مودعًا. صعدت "آيات" إلى البيت تتبعها "أسماء" بمجرد أن دخلت "أسماء" الغرفة أغلقتها عليهما وهي تقول:
- ليه قومتي بسرعة يا "آيات"؟ أنا حسيت إنه اتضايق من كده.
قالت "آيات" بضيق شديد:
- يضايق ولا يتفلق.
سألتها "أسماء" قائلة:
- إيه في إيه؟ من ساعة ما قعدنا معاه وإنتي مش مظبوطة ولاوية بوزك.
نظرت إليها "آيات" بحدة قائلة:
- إنتي مسمعتيش الكلام اللي قاله.. عايز يلبسنا على مزاجه وكمان يخليني أحط ميك آب عشان أبقى عنوان يشرف قريته.. أهو أنا بقى ميلزمنيش الشغل في قريته دي.
هتفت "أسماء" بضيق:
- محسساني إنه قالنا البسوا بيكيني.
قالت "آيات" بغضب وقد احمر وجهها بشدة:
- ده بيقول إن لبسك إنتي مش عاجبه.. لبسك اللي أنا شايفة إنه ضيق ومينفعش تخرجي بيه أصلاً.
قالت "أسماء" وقد بدأ غضبها يتصاعد هي الأخرى:
- وماله لما نلبس لبس شيك وراقي زي ما هو عايز.. أنا مستعدة أوافق على أي حاجة.. أي حاجة مقابل إني أشتغل وأصرف على نفسي ومرجعش بيت خالتي تاني.. لو هو ده شرطه أنا موافقة.
قالت "آيات" بحزم وهي تقف في مواجهتها:
- بس أنا مش موافقة ومش ممكن أوافق.
قالت "أسماء" بحدة:
- لو موافقتيش هنموت من الجوع.. مستحيل يشغلني من غيرك.
قالت "آيات" وهي تتوجه إلى ملابس البيت لتستبدلها بملابسها التي ترتديها:
- مفيش حد بيموت من الجوع.
التفتت "أسماء" بغيظ وهي تلقي بحقيبة يدها فوق الفراش:
- إنتي ليه عنيدة كده؟
التفتت إليها "آيات" وهي تقول بصرامة:
- أنا مش هلبس حاجة تغضب ربنا يا "أسماء".. وأظن إنتي كنتي بتلبسي ضيق قدام ابن خالتك وشوفي وصلتيه بلبسك إنه يعمل إيه.
اتسعت عينا "أسماء" من الغضب فهتفت بغضب هادر:
- طيب أنا ابن خالتي اتحرش بيا عشان كنت بلبس ضيق.. إنتي بقى الراجل اللي في الأتوبيس اتحرش بيكي ليه.. ها.. ما إنتي بتلبسي واسع وبرضه اتحرش بيكي.. يعني مش باللبس.. أي واحدة دلوقتي بيحصلها تحرش مهما كانت لابسة حتى لو ماشية لابسة شوال.. وده مش عيب في البنت ده عيب في ولاد التيييييييييييييييت اللي ماشيين في الشارع.
قالت "آيات" بحزم:
- أولاً أنا لبسي مش واسع للدرجة.. أيوه أوسع منك وأطول منك بس عارفة إني برضه لبسي لسه مش صح. ثانياً بقى العيب من البنت وعليها ذنب كبير لما تلبس لبس يثير الرجالة اللي ماشية في الشارع ويستفزهم.. مش بقول إن اللي بيتحرش ده صح.. لا ده أصلاً مش راجل وما فيش فيه ريحة الرجولة وبكرة هيحصل في أخته وأمه وبنته ومراته اللي هو بيعمله في بنات الناس لإن كما تدين تدان.. بس البنت لما تبقى نازلة من بيتها ولابسة لبس مبين كل تفاصيل جسمها وواحد يمد إيده ولا يتحرش بالكلام يبقى هي مشتركة معاه في اللي حصل ومشتركة معاه في الذنب لأنها عرضت جسمها زي ما بتتعرض الجارية في سوق العبيد.. ما ينفعش تحطي قدام كلب حتة لحمة وتلوميه إنه كلها.. لو مش عايزاه ياكلها خلاص خبيها مش تسبيها مكشوفة قدامه. لكن لما تبقى واحدة محترمة خارجة من بيتها ولابسة لبس محترم وواحد يقل أدبه عليها فهي معليهاش أي ذنب ومش بتاخد أي سيئات والسيئات بتكون من نصه هو لوحده لأنها لبست محترم ومعملتش أي حاجة تستفزه أو تثيره. يعني البنت اللي بتلبس وحش دي شريكة في جريمة التحرش عشان كده مقدرش أقول عليها ضحية. أما البنت اللي بتلبس محترم هي دي فعلاً الضحية. وكفاية إن ربنا يكون غضبان على الأولى.. وراضي عن الثانية.
التزمت "أسماء" الصمت وهي تفكر في كلام "آيات" التي قالت كتقرير لما انتهى عليه نقاشهما:
- أنا مش هلبس حاجة تغضب ربنا عشان أرضي "عاصي" أو عشان أرضي أي حد.
قالت بحنق:
- أنا حاسة بذنب فظيع عشان سلمت عليه بإيدي رغم إن "سمر" نبهتني كتير للموضوع ده وقالت لي مينفعش أسلم على راجل بإيدي.. أنا اتحرجت لما مد لي إيده.. بس مكنش لازم أعمل كده مهما كان هو مين ومهما كنت هتكسف.. لأن مفيش راجل ولا بنت ولا أي مخلوق في الدنيا يستاهل إني أغضب ربنا عشانه.
خرجت من غرفتها وتركت "أسماء" شاردة فيما سمعت.
***********************************
سمعت والدة "آدم" عدة طرقات على باب غرفتها في الصباح الباكر. فنهضت من فراشها بعجالة وفتحت الباب لتجد "آدم" واقفًا أمامها فقالت بقلق:
- خير يا ابني.
قال "آدم":
- أنا مسافر القاهرة يا ماما.
قالت أمه وهي تنظر إليه بتفحص:
- خير يا ابني حصل حاجة؟
تنهد "آدم" بضيق قائلاً:
- "آيات" لسه قافلة تليفونها وهموت وأطمن عليها.. مش قادر أستنى أكتر من كده.
ابتسمت أمه بحنان وربتت على كتفه قائلة:
- متقلقش إن شاء الله تلاقيها وتجيبها معاك.
قبل "آدم" رأسها قائلاً:
- ادعي لي يا ماما.
انصرف آدم فرفعت أمه كفها إلى السماء وقالت:
- يارب يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع عليه ضالته.
انطلق "آدم" بسيارته إلى القاهرة وهو عازم على إصلاح أموره مع "آيات" فلم يعد يطيق بعدها عنه ولو للحظة. أرادها معه.. بجواره.. في حياته.. تشاركه إياها. لن يتركها وحدها وهو أدرى الناس بمدى طيبتها وبراءتها. لن يتركها وسط الغابة لتلتهمها الضباع والكلاب. سيكون زوجها وحاميها. يحتاج منها فقط أن تسامحه.. ولن يتوانى عن إسعادها. توجه في بادئ الأمر إلى الفيلا. خرج من سيارته وألقى عليها نظرة من الخارج. لفت نظره أحد الحراس. نعم لقد رأى هذا الحارس من قبل. أقبل عليه قائلاً:
- مساء الخير.
نظر إليه الحارس وقد تذكره فقال:
- مساء النور يا دكتور "آدم".
ألقى "آدم" نظرة على الفيلا ثم نظر إليه قائلاً:
- محدش موجود في الفيلا مش كده؟
قال الحارس:
- لو تقصد حد من طرف عيلة "اليماني" فلأ مفيش.. اللي هنا ناس جديدة سكنت بعد ما باعوا الفيلا.
سأله "آدم" باهتمام:
- متعرفش "آيات" بنته راحت فين؟
قال الحارس:
- لا معرفش.
ثم قال وكأنه تذكر شيئًا:
- بس هي يوميها مشيت مع دادة "حليمة" اللي كان
رواية جواد بلا فارس الفصل العشرون 20 - بقلم بنوته اسمرة
جلس "آدم" على أحد المقاعد فى المستشفى، منهاراً. تتساقط الدموع من عينيه فى غزارة، ويرمقه المارة من العاملين بالمستشفى بنظرات الشفقة.
دخل "زياد" المستشفى ليبحث عنه، ولم يحتاج إلى البحث كثيراً. وجده فوق أحد المقاعد، ملابسه رثة أصابها الحروق والتمزيق، يجلس كما لو كان جثة بلا روح. اقترب "زياد" منه وجلس بجواره وهو يشعر بالأسى تجاه صديقه المكلوم. ربت على كتفه قائلاً:
"انت كويس يا آدم؟"
لم يجبه "آدم" بل أغمض عينيه بشدة لتتساقط العبرات منهما أكثر. ثم ما لبث أن انفجر فى بكاء مرير. حاول التحكم فى نفسه فلم يستطع. تألم "زياد" لمرآى حال صديقه وقال:
"ادعيلها إن ربنا يرحمها ويغفرلها."
قال "آدم" بصوت منهار وهو يحاول السيطرة على نفسه دون جدوى:
"ماتت محروقة يا زياد.. اتفحمت.. أنا اللي المفروض أتحرق مش هي يا زياد."
توقفت شهقات بكائه للحظات ثم قال بصوته الباكي الذي يمزق طيات القلب:
"كانت طيبة جداً.. مبتأذيش حد وفي حالها.. أنا اللي مؤذي يا زياد.. أنا اللي مؤذي.. أذيتها وأذيت أبوها وأذيت أمي وأذيت نفسي."
ثم قال:
"مش قادر أتخيل إن خلاص كده معدش هيبقى في حياتي آيات."
عاود بكاؤه مرة أخرى وهو يقول:
"مش عايزها تموت.. أنا محتاجلها جنبي.. بس للأسف اتأخرت عليها.. ياريتني كنت جيتلها من بدري.. ياريتني مكنتش سبتها وسافرت.. كان زمانها معايا دلوقتي."
ربت "زياد" كتف صديقه في اشفاق وهو يقول:
"خلاص يا آدم اهدى.. مش هيفيد الكلام ده."
مسح "آدم" بكفيه العبرات التي تغرق وجهه. فسأله "زياد":
"انت اللي هتستلمها؟"
قال "آدم" بألم:
"هستلمها.. هي والدادة بتاعتها."
قال "زياد":
"هي الدادة ملهاش أهل يستلموها؟"
قال "آدم" وهو ينظر إلى "زياد" بعينيه الحمراوين:
"محدش جه لحد دلوقتي.. وأنا مش هسيبها في المشرحة.. لازم تدفن."
سقطت العبرات مرة أخرى من عينيه وهو يقول:
"لأن آيات كانت بتحبها."
سأله زياد:
"هتستلمهم امتى؟"
تمتم "آدم":
"بكرة."
ساد الصمت لفترة ثم قال "زياد":
"طيب قوم معايا."
قال "آدم" لحزم:
"لا.. هفضل هنا."
هتف "زياد":
"قوم يا آدم.. روح.. مش هيسلموك الجثتين غير بكرة."
قال "آدم" بعناد وهو لا يريد مغادرة المستشفى:
"قولتلك.. هفضل هنا."
تنهد "زياد" وظل بجوار صديقه.
*********************************
نزلت الفتاتان من الأتوبيس. قالت "أسماء" بألم:
"رجلي مش حاسة بيها خالص."
قالت "آيات" وهي تحمل طعام "حليمة" في يدها:
"وأنا كمان خلاص مش قادرة."
قالت "أسماء" بحنق:
"ما انتي اللي أصريتي إننا نشتري جرنال النهاردة ونلف كمان على عناوين المكاتب اللي طالبين موظفين."
قالت "آيات" وهي تسير بصعوبة لألم قدميها:
"أعمل إيه.. قولت يمكن نلاقي حاجة.. ما العناوين اللي خدناها من جرنال امبارح وأول زي ما شوفتي.. يا إما حد سبقنا يا إما طالبين شهادات خبرة."
قالت "أسماء" وهي تزفر بضيق:
"هيعمل إيه دلوقتي؟"
قالت "آيات" بشرود:
"في مكتبة في الشارع اللي ساكنين فيه شوفتهم النهاردة واحنا معديين من قدامهم معلقين يافطة طالبين واحدة تشتغل في المكتبة."
قالت "أسماء" بسخرية:
"حلو أوي بصراحة.. شغلانة هايلة.. ويا ترى هيدوكي كام بقى؟"
زفرت "آيات" بضيق وهي تقول:
"يدوني زي ما يدوني بقى.. أهو أحسن من مفيش لحد ما نشوف شغل تاني."
قالت "آيات" فجأة:
"إيه ريحة الدخان دي؟"
قالت "أسماء" بإستغراب:
"مش عارفة."
التفتتا للدخول إلى الشارع الذي تقطن فيه "حليمة". صرخت "أسماء" وهي تجذب "آيات" من ذراعها:
"آيات!"
نظرت "آيات" إلى ما تنظر إليه "أسماء" فهالها ما رأت. شهقت بقوة وسقط الطعام من يدها وهي تحث الخطى في اتجاه المبنى المنهار. نظرت الفتاتان إلى الركام بهلع وانفجرتا في البكاء.
قالت إحدى السيدات للفتاتين:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. انتوا كان ليكم حد ساكن هنا؟"
التفتت إليها "آيات" تصرخ قائلة:
"دادة حليمة.. فين دادة حليمة؟"
قالت المرأة وهي تنظر إليهما بعطف:
"البقاء لله يا بنتي.. كل اللي كانوا في المبنى ماتوا.. الله يرحمهم."
انفجرت "آيات" في البكاء ولم تستطع قدماها حملها فجلست في مكانها تبكي بشدة. وقفت "أسماء" تنظر إلى الركام باكية واضعة كفها على فمها وكفها الآخر على كتف "آيات".
قالت المرأة في أسى:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
التف حولهما امرأتان أخريان وقالت إحداهما:
"مالها.. كان ليها حد في العمارة؟"
قالت أخرى:
"أيوه.. ظاهر كده."
ربتت إحداهن على كتف "آيات" النهارة وقالت:
"اهدّي يا بنتي مش كده.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. قومي معايا يا بنتي."
حاولت "أسماء" الباكية مساعدة "آيات" على الوقوف بمساعدة إحدى النساء وأدخلتهما إلى منزلها.
أحضرت لهما كوبين من الماء الممزوج بالسكر لتهدئة من روعهما فقد كانت "آيات" تبكي وتنتحب بشدة حتى كادت أن تفقد وعيها. جلست المرأة بجوارها على الأريكة وهي تقول بحنان:
"كانت تقربلك إيه اللي بتقولي عليها حليمة دي؟"
لم تتوقف "آيات" عن البكاء ولم تستطع الكلام. فقالت "أسماء" وسط بكائها:
"كانت الدادة بتاعتها وكنا عايشين معاها في شقتها."
قالت المرأة بإستغراب:
"عايشين معاها.. أمال انتوا كنتوا فين؟"
قالت "أسماء":
"كنا بره من الصبح بندور على شغل ولسه راجعين دلوقتي."
نظرت إليهما المرأة بحنان قائلة:
"شوفوا رحمة ربنا كبيرة إزاي أنقذكم من اللي حصل ده."
تفتت "آيات" بصوت باكي:
"هي فين؟"
قالت المرأة:
"خدوا الجثث كلها وودوهم مشرحة المستشفى."
أغمضت "آيات" عينيها بألم وقالت:
"مستشفى إيه؟"
قالت المرأة:
"والله يا بنتي معرف.. بس ابني أكيد عارف لأنه كان معاهم هناك.. راح مع واحدة كانت برضه يا عيني بتعيط على ابنها اللي كان ساكن في العمارة."
ثم قالت:
"خليكوا قاعدين ولما ييجي ابني من بره هعرفلكوا منه المستشفى دي فين."
قامت المرأة الطيبة ودخلت مطبخها المتواضع لتحضر بعض الطعام للفتاتين. بعد ما يقرب من ساعة حضر ابن المرأة. وسألته أمه عن المستشفى التي أخذوا الجثث إليها. قال الشاب:
"آه.. أنا كنت هناك بعد اللي حصل.. بكرة الصبح إن شاء الله هاخدكم هناك.. لما مشيت كان في جثتين مكنش حد لسه اتعرف عليهم."
قالت "آيات" بصوت مبحوح من كثرة البكاء:
"شكلهم إيه الجثتين دول؟"
قال الشاب:
"لا والله.. مشوفتهمش."
قالت أمه لـ "آيات" بطيبة:
"خليكوا بايتين هنا وبكرة الصبح إن شاء الله ابني ياخدكم المستشفى."
كان التعب قد أخذ من الفتاتين مبلغه فساقتهم المرأة إلى إحدى الغرف وقالت:
"دي أوضة بناتي.. هما دلوقتي متجوزين والأوضة فاضية من ساعة ما مشيوا بس متقلقوش.. أنا بنضفها على طول.. يلا يا حبيبتي ارتاحوا وبكرة ابني إن شاء الله يوصلكم للمستشفى."
التفتت "أسماء" إلى المرأة قائلة بوهن:
"شكراً."
أغلقت المرأة الباب. فنظرت الفتاتان إلى بعضهما بريبة وقالت "أسماء" بصوت خافت:
"أنا خايفة."
قالت بصوت باكي "آيات" وهي تمسح عبراتها:
"شكلها طيبة."
قالت "أسماء" بقلق:
"أنا معدتش بثق في حد."
قالت "آيات" وهي تعاود البكاء:
"طيب لو مشينا هنروح فين؟.. إحنا مكنش معانا فلوس كتير واتصرفت في المواصلات والأكل.. يعني حتى ممعناش فلوس نأجر أوضة في فندق."
قالت "أسماء" وهي تضع أحد المقاعد خلف الباب لتشل حركة مقبضة فتمنع فتحه:
"ربنا يستر بقى."
تمددت الفتاتان على الفراش وقد راحتا في سبات عميق على الفور من شدة الإجهاد والتعب.
**********************************
أشرق فجر اليوم الجديد. تثاءب "زياد" وهو يريح ظهره إلى الخلف. التفت إليه "آدم" قائلاً بصوته المجهد:
"قوم يا ابني روح."
قال "زياد":
"أروح إزاي يعني يا آدم.. هفضل معاك طبعاً.. من ساعة ما اتصلت بيك أطمن على الأخبار وقولتلي على اللي حصل وأنا هموت من خوفي عليك وركبت العربية وطرت على القاهرة."
قال له "آدم" بإمتنان:
"تسلم يا زياد."
التفت إليه "زياد" قائلاً:
"ربنا يصبرك يا آدم."
ترقرق العبرات في عيني "آدم". أقبل عليهما عامل المشرحة وهو يقول:
"تعالى يا ابني خلاص المسئول جه وهيسلمكوا الجثث."
ظهرت تعبيرات الألم على وجه "آدم" عندما قال الرجل "جثث". أهذا ما أصبحت عليه حبيبته؟! جثة هامدة فارقتها الحياة؟ حمل الجثتين إلى إحدى عربات الإسعاف وتوجها بهما إلى حيث تم تغسيلهما ثم إلى أحد المساجد للصلاة عليهما ثم توجها بهما إلى... المقابر.
ساق الشاب الفتاتان إلى مكان المستشفى. دخلت "آيات" الباكية. قالت "أسماء" وهي تنظر حولها برعب:
"هو إحنا لازم نشوفها؟"
التفت إليها الشاب قائلاً:
"أيوه عشان تتعرفوا عليها وتستلموها."
أجهشت "آيات" في البكاء وهي تقول:
"مش هقدر أشوفها."
تقدم أحد عمال المشرحة قائلاً:
"أيوه."
قال له الشاب:
"البنتين دول ليهم واحدة قريبتهم كانت ساكنة في العمارة اللي وقعت امبارح في الزلزال اللي حصل فيها الحريقة.. وجايين عشان يتعرفوا عليها ويستلموها."
قال عامل المشرحة بحيرة:
"بس الجثث بتاعة عمارة اللي وقعت في الزلزال اتسلمت كلها."
توقفت "آيات" عن البكاء وقد دب الأمل في قلبها في أن "حليمة" على قيد الحياة. تبادلت نظرة دهشة مع "أسماء" ثم التفتت إلى الرجل تقول له في لهفة:
"حضرتك متأكد؟"
قال الرجل:
"أيوه يا بنتي متأكد."
سألت "أسماء" الرجل قائلة:
"الست اللي بندور عليها اسمها حليمة....؟"
توجه الرجل إلى مكتب صغير وأخرج أحد الكشوفات. ثم علت وجهه سحابة حزن وقال:
"ربنا يرحمها يا بنتي.. ماتت.. وناس استلموها من شوية."
أجهشت "آيات" في البكاء مرة أخرى عندما تأكدت من موت "حليمة". ساعدتها "أسماء" على الجلوس فوق أحد المقاعد. التفتت "أسماء" إلى الرجل قائلة:
"حضرتك متأكد؟"
قال الرجل:
"أيوه طبعاً يا بنتي متأكد."
في تلك اللحظة ناداه أحد الأطباء فذهب مسرعاً إليه. جلست "أسماء" بجوار "آيات" الباكية وقالت:
"خلاص يا آيات.. اهدّي."
قالت "آيات" وهي لا تزال تبكي:
"أنا حاسة إن قلبي موجوع أوي يا أسماء.. أنا كنت بحبها أوي.. دي هي الشخص الوحيد اللي اتبقالي في الدنيا دي.. ربنا يرحمها.. مش قادرة أتحمل فراقها.. حاسة إني هموت يا أسماء."
عانقتها "أسماء" وهي تنظر حولها بضيق وقالت:
"طيب تعالى نمشي من هنا.. أنا قلبي اتقبض."
نهضت الفتاتان معاً وقال لهما الشاب:
"تحبوا أوصلكوا لمكان؟"
التفتت إليه "أسماء" قائلة:
"لا شكراً.. وأسفين إننا تعبناك معانا."
قال الشاب:
"لا أبداً.. متقولوش كده.. ربنا يصبركوا."
**************************************
وقف "آدم" أمام القبر الذي دفن فيه الجثة التي ظن أنها لـ "آيات". يرفع كفيه إلى السماء ويدعو لها بالرحمة والمغفرة. انفجر في البكاء وهو يردم فوقها التراب. كان يشعر وكأن قلبه يشطر ويتفتت إلى فتات صغيرة. يحمل كل جزء منها مرارة الفقد. جلس أمام قبرها لا يريد الرحيل. ربت "زياد" على كتفه قائلاً:
"يلا يا آدم.. قوم روح وغير هدومك وارتاح شوية."
كانت ثيابه في حالة رثة للغاية، لكنه لم يعبأ بذلك. ظلت عيناه معلقة بالقبر. حثه "زياد" قائلاً:
"يلا يا آدم."
قال "آدم" بحزم دون أن يلتفت إليه:
"روح انت.. أنا هستنى هنا."
قال له "زياد" بعناد:
"مش همشي من غيرك.. طيب روح بيت مامتك غير هدومك وارتاح شوية وتعالى هنا تاني."
سقطت العبرات من عينه الثكلى وهو يقول:
"مش قادر أقوم.. مش قادر أسيبها.. دي أول ليلة هتقضيها في القبر.. لوحدها."
ارتجف جسده فجأة لشدة بكائه وهو يقول:
"خايف عليها أوي.. خايف أوي."
قال "زياد" وهو يتألم لألم صديقه:
"إن شاء الله ربنا يرحمها ويتجاوز عن سيئاتها."
قال "آدم" بحسرة وشعور بالندم يمزقه:
"كان فيه حاجات كتير في حياتها غلط.. ياريتني نصحتها.. ياريتني شلت من دماغي فكرة إني أرجع حقي وكنت كملت معاها.. كنت هغير فيها حاجات كتير.. هي كان عندها استعداد تتغير وتبقى أحسن.. كانت بتحبني وكانت بتسمع كلامي.. كنت أقدر أحميها من ذنوب كتير بتعملها.. بس أنا ضيعتها.. ضيعتها من إيدي وضيعتها دلوقتي.. ياريتني نصحتها.. ياريتني مسبتهاش.. ياريتني ما سافرت."
تنهد بعمق وهو يكمل بألم:
"ياريت بوسى مكنتش راحتلها.. كان زمانا مع بعض دلوقتي.. أنا مكنتش ناوي أسيبها.. يوم كتب الكتاب فعلاً مكنتش ناوي أسيبها."
ثم قال بمرارة:
"لكن فايدته إيه الكلام ده دلوقتي.. لا هيرجعوهالي ولا هيخليني أسامح نفسي على اللي عملته فيها وفي نفسي."
ارتعش صوته وهو يقول:
"آخر مرة كلمتها في التليفون كانت بتعيط.. كان في حاجة تعباها ومردتش تقولهالي.. كان نفسي أكون جنبها وأخفف عنها.. كان نفسي أشوفها وأقولها سامحيني يا أحن وأرق وأطيب قلب عرفته.. كان نفسي تاخدني في حضنها وتاخد بإيدي وتساعدني إني أتغير وأبقى إنسان تاني.. كان نفسي نساعد بعض ونعين بعض واللي فيه نقص التاني يكمّله."
تنهد بحسرة وهو يشعر بالنيران تتصاعد من داخله مع كل شهيق وزفير. قام "زياد" وترك صديقه يتجرع أحزانه ويفرغ ما بداخله لعله ذلك يخفف عنه ما هو فيه.
***************************************
جلست الفتاتان في شرود في إحدى الحدائق العامة. تنهدت "أسماء" قائلة:
"أنا جعانة."
نظرت إليها "آيات" وقالت:
"إنتي معاكي كام؟"
نظرت "أسماء" إلى حقيبتها ثم قالت في تبرم:
"معايا 12 جنيه.. وإنتي؟"
نظرت "آيات" في حقيبتها تضع الجنيه فوق الجنيه وقالت:
"معايا 17 جنيه."
زفرت "أسماء" بضيق شديد وهي تقول:
"يعني معانا 29 جنيه.. أصلاً مش هيكفونا يوم واحد.. ده غير إن مفيش حتة نبيت فيه."
نظرت "أسماء" إلى "آيات" وهي تقول في لوعة:
"هنبات في الشارع يا آيات.. ولا هنعمل إيه دلوقتي؟"
تنهدت "آيات" في حسرة ولم تجيب. قالت "أسماء" بحزم:
"مفيش قدامنا إلا عاصي ابن عمك.. هو اللي هينقذنا من الورطة اللي إحنا فيها دي."
التفتت إليها "آيات" بحدة قد عقدت ما بين حاجبيها لتقول في عناد:
"لأ.. مش هروح لـ عاصي."
هتفت "أسماء" بغضب:
"والله؟.. طيب وهنعمل إيه حضرتك.. هنبات في الشارع؟"
قالت "آيات" بحزم وهي تشرد بتفكيرها:
"لأ.. مش هنبات في الشارع."
قالت لها "أسماء" بإستنكار:
"أمال هنعمل إيه.. فهميني؟"
ازدرأت "آيات" ريقها بصعوبة وهي تقول:
"مفيش قدامنا غير... أحمد."
نظرت إليها "أسماء" بدهشة لبرهة ثم ما لبثت أن قالت:
"أحمد مين؟.. تقصدي أحمد فؤاد؟"
أومأت "آيات" برأسها إيجاباً فقالت "آيات":
"في آخر يوم امتحاناتنا اداني أرقامه وقالي لو احتجته أكلمه."
قالت "أسماء" بلهفة:
"أيوه صح.. أحمد بيحبك وأكيد هيساعدنا."
قالت "آيات" بحزم:
"أنا مش هطلب منه مساعدة عشان هو بيحبني.. أنا هطلب منه مساعدة لأن مفيش قدامي غيره.. والمساعدة دي هتكون بدون أي مقابل."
قالت لها "أسماء" بتبرم:
"يا ستي اعملي اللي انتي عايزاه.. المهم نخلص من الورطة دي."
قالت "آيات" بضيق:
"بس للأسف أنا محتفظتش بأرقامه."
ابتسمت "أسماء" وقالت وهي تخرج هاتفها من حقيبتها:
"متقلقيش.. أنا معايا رقمه."
نظرت إليها "آيات" بدهشة وهي تقول:
"جبته منين؟"
قالت "أسماء" وهي منهمكة في إيجاد رقمه على هاتفها:
"أيام خطوبتك واللي حصل فيها.. خد رقمي القديم وكان بيكلمني عشان يطمن عليكي."
قالت "آيات" بغيظ:
"ما قولتيليش يعني الموضوع ده.. وبعني يطمن عليا بصفته إيه يعني؟"
قالت "أسماء" بفرح:
"أهو رقمه أهو.. يلا كلميه بس متطوليش عشان مش معايا إلا كام دقيقة.. لو خلصوا مش هنعرف نشحن تاني."
أخذت منها "آيات" الهاتف في تردد.. كانت متوترة للغاية.. جزء منها لا يريد الاتصال به.. وجزء آخر يقول ليس لكِ ملجأ سواه.. إما هو أو عاصي.. عزمت أمرها واتصلت به وقلبها يخفق بقوة. سمعت صوت الرنين ثم:
"ألو."
صمتت "آيات" قليلاً ثم قالت:
"ألو.. أنا آيات يا أحمد."
ساد الصمت بينهما ثم هتف بسعادة وهو لا يصدق نفسه:
"آيات.. مش ممكن.. وحشتيني.. إزيك عاملة إيه؟"
قالت "آيات" بتوتر وهي تنظر إلى "أسماء" التي أشارت إليها تحثها على مواصلة الحديث:
"الحمد لله.. أحمد.. في مشكلة أنا واقعة فيها.. وكنت محتاجة منك مساعدة لو كان ينفع يعني."
قال "أحمد" بلهفة:
"طبعاً.. أنا تحت أمرك.. بس مش هينفع على الفون.. تعالي نشوف بعض ونتكلم براحتنا."
قالت "آيات" بصعوبة:
"أنا مع أسماء في حديقة الأزهر."
قال "أحمد" على الفور:
"طيب.. أنا هنزل دلوقتي من الشركة ونص ساعة بالكتير وهكون عندك."
أنهت "آيات" المحادثة وهي لا تدري إن كانت تصرفت بطريقة صحيحة أم لا. قامت وتوجهت إلى المسجد القريب مع "أسماء" لأداء فريضة المغرب.
*********************************
أوقف "أحمد" سيارته وأخذ يبحث بناظريه عن "آيات" إلى أن وجدها. ابتسم بسعادة وأقبل نحوها قائلاً بلهفة:
"إزيك يا آيات."
قامت "آيات" لتقف في مواجهته. مد يده ليسلم عليها. أحاطت جسدها بذراعيها وهي تقول في توتر:
"معلش يا أحمد.. مش هسلم بالإيد."
ابتسم في توتر ومد يده إلى "أسماء" قائلاً:
"إزيك يا أسماء."
سلمت عليه "أسماء" وقالت بوهن:
"الله يسلمك يا أحمد."
نظر "أحمد" إليهما.. كان يبدو عليهما التعب بالإضافة إلى ملابسهما غير المهندمة. نظر إلى "آيات" في اهتمام قائلاً:
"تعالوا نعد في مكان ونتكلم براحتنا."
أومأت "أسماء" بالموافقة لكن "آيات" قالت على الفور:
"لأ.. مفيش داعي.. نتكلم هنا أحسن."
وقف يستمع إليها في انصات قائلاً:
"خير يا آيات.. اتكلمي."
قالت "آيات" بعد فترة من التردد:
"بابا اتوفى من فترة وكان عليه ديون اضطريت أبيع كل حاجة عشان نسددها.. وكنت عايشة مع أسماء عند دادة حبيمة في بيتها."
انهمرت عبراتها وهي تقول في ألم:
"الزلزال اللي حصل امبارح.. البيت وقع و... ماتت."
ارتجف جسدها لشدة بكائه.
نظر إليها "أحمد" بألم وهو يقول برقة:
"الله يرحمها.. خلاص يا آيات اهدّي."
حاولت "آيات" التماسك وهي تقول:
"كل فلوسنا كانت في البيت اللي وقع.. ومفيش مكان نروح فيه."
صمتت لا تدري ما تقول. بل شعرت أنها لا تدري ماذا تريد منه.. ماذا سيفعل لها.. لا تدري أتطلب منه مالاً أم سكناً أم عملاً.. شعرت بالتوتر والحرج وندمت أنها اتصلت به. قالت فجأة بإضطراب:
"أنا آسفة يا أحمد.. مش عارفة ليه اتصلت بيك.. أنا مش عارف."
ثم نظرت إليه بعينيها الدامعتين وهي تقول:
"بس أنا معرفش حد ممكن ألجأله.. وأنا..."
قاطعها "أحمد" مبتسماً وهو يقول:
"متشليش هم.. تعالوا معايا."
قالت له "آيات" بقلق:
"نيجي فين؟"
قال "أحمد" وهو ينظر إليها بحنان:
"شكلك تعبانة.. إحنا عندنا شقة في مدينة نصر.. هروح بس الفيلا أجيب المفتاح وبعدين أوصلكوا على هنا."
نظرت "آيات" إلى "أسماء" ثم التفتت إلى "أحمد" قائلة بتوتر:
"مش عايزة أضايقك أو..."
قاطعه مرة أخرى وهو يقول:
"مفيش داعي للكلام ده يا آيات.. يلا اتفضلوا."
انطلق "أحمد" بهما إلى الفيلا. أوقف سيارته ثم التفت إليهما قائلاً بإبتسامة مرحبة:
"تعالوا انزلوا.. هعرفكم على ماما وبابا وأعرفهم عليكم."
وقالت "آيات" بحرج:
"معلش يا أحمد.. مفيش داعي."
قال دون أن يتضايق من رفضها:
"مفيش مشكلة.. استنوني.. هجيب المفتاح وأجي على طول."
ترجل "أحمد" من سيارته. التفتت "آيات" لتنظر إلى "أسماء" قائلة بندم:
"مكنش لازم أكلمه."
قالت "أسماء" بدهشة:
"ليه؟"
قالت "آيات" وهي تشعر بضيق شديد:
"محرجة أوي منه.. يعني هو ذنبه إيه عشان يشيل همنا."
قالت "أسماء" وهي تريح ظهرها إلى الخلف بتعب:
"بصي.. أنا تعبانة ومش قادرة أناهد معاكي."
نزل "أحمد" من غرفته فرأى أمه وأبيه خارجان من غرفة الطعام. نظرت إليه أمه قائلة:
"جيت إمتى يا أحمد؟"
قال "أحمد" وهو يلوح بالمفاتيح:
"جيت من شوية.. كنت عايز مفتاح شقة مدينة نصر."
نظر إليه أمه بإستغراب قائلة:
"لسه عايزها في إيه؟"
قال "أحمد" وهو متوجه إلى باب الفيلا:
"في اتنين صحابي هيباتوا فيها مؤقتاً."
خرج "أحمد" فتوجهت والدته إلى الشباب تنظر من الزجاج إلى الفتاتين القابعتين في سيارة ابنها. ركب "أحمد" ثم انطلق بهما خارج أسوار الفيلا. التفتت أمه إلى أبيه قائلة بحدة:
"صحاب ابنك اللي هيباتوا في الشقة.. بنتين مش ولدين؟"
قال والده بإستغراب:
"وهو أحمد ليه هيبيتهم في الشقة؟"
قالت زوجته بحده:
"وأنا أعرف منين؟"
ثم قالت:
"اتصل بيه شوف إيه الحكاية ومين البنتين دول."
قال زوجها وهو متوجه إلى مكتبه:
"لما يبقى يرجع.. هبقى أتكلم معاه."
هتفت زوجته بحنق:
"ده إيه البرود ده.. بقولك ابنك معاه بنتين في العربية وواخدهم وطالع بيهم على الشقة وبيقولك هيبيتهم فيها."
التفت إليها قائلاً:
"أنا عارف ابني كويس وعارف بتعامل معاه إزاي.. إطلعي انتي منه."
تابعته بعينيها إلى أن دخل مكتبه وهي تشعر بالغيظ.
*********************************
فتح "أحمد" باب المنزل وأشار لهما بالدخول قائلاً:
"اتفضلوا."
دخلت الفتاتان وهما تنظران إلى ما حولهما. أضاء "أحمد" النور. كانت شقة فاخرة ذو أثاث راقي. التفتت "آيات" تنظر إليه فإبتسم لها قائلاً:
"متخافوش.. محدش بييجي هنا.. وعامة ماما وبابا عارفين إن فيه اتنين صحابي هيباتوا في الشقة."
ثم نظر إلى المنزل قائلاً:
"معلش.. الشقة مقفولة من فترة عشان كده هتلاقوها متربة.. بس بكرة الصبح إن شاء الله هبعت واحدة تنضفها."
قالت "آيات" بحرج:
"مفيش داعي."
ابتسم "آحمد" وهو يقول لها بحنان:
"متشليش هم.. ماشي."
أومأت "آيات" برأسها في حرج. فأخرج المفتاح من الباب وأعطاه لها قائلاً:
"خدي مفتاح الشقة يا آيات.. ولو حبيتي تغيري الكالون غيريه."
ثم أشار إلى الباب خلفه قائلاً:
"عمة الباب فيه ترباس من جوه."
قالت له "أسماء" بإمتنان:
"بجد متشكرين أوي يا أحمد.. مش عارفين من غيرك كنا عملنا إيه."
قال لها "أحمد":
"أنا معملتش حاجة."
ثم توجه إلى الخارج وهو يقول:
"يلا أسيبكوا ترتاحوا.. تصبحوا على خير."
نزل "أحمد" فالتفتت "آيات" إلى "أسماء" التي أخذت تنظر إلى محتويات المنزل وهى تقول:
"ده طلع بيحبك أوي على فكرة."
زفرت "آيات" بضيق وهي تقول:
"أنا خايفة يفهمني غلط.. ويفتكر إن دي مقابل دي."
نظرت إليها "أسماء" وهي تقول:
"لأ يا شيخة.. معتقدش.. وبعدين انتي مطلبتيش منه حاجة.. هو اللي عرض إننا نستنى في الشقة دي."
قالت "آيات" وهي تفكر بحزن:
"وبعدين هنعمل إيه يا أسماء؟.. أكيد مش هنفضل هنا على طول.. لازم نشوف حل."
قالت "أسماء" بضيق:
"والله أنا مش عارفة.. هي عمالة تتقفل في وشنا كده ليه.. كل ما أقول خلاص هتفرج ألاقيها اسودت أكتر."
قالت "آيات" وعينيها تمتلئ بالعبرات:
"وحشتني أوي."
التفتت إليها "أسماء" تنظر إليها لتدمع عينيها هي الأخرى. قالت "آيات" ودموعها تتساقط:
"ربنا يرحمها.. كان نفسي أعرف هي مدفونة فين."
كفكفت دموعها ونظرت إلى "أسماء" قائلة:
"تفتكري يا أسماء مين اللي استلمها؟"
قالت "أسماء" وهي تفكر:
"يمكن حد قريبها."
قالت "آيات" بحيرة:
"بس هي ملهاش حد."
مطت "أسماء" شفتيها وهي تقول:
"معرفش.. يمكن حد من جيرانها."
ثم قالت فجأة وهي تضع يدها على بطنها وعلامات الألم على وجهها:
"أنا جعانة أوي."
قالت "آيات":
"وأنا كمان هموت من الجوع.. شوفت سوبر ماركت قدام البيت واحنا طالعين.. هنزل أجيب أي حاجة."
قالت "أسماء" محذرة:
"بس خلي بالك.. ممعناش غير 29 جنيه ومعرفش هنقدر نجيب فلوس تاني امتى."
أومأت "آيات" برأسها وما كادت تلتفت لتتوجه إلى باب البيت حتى سمعتا صوت الجرس. نظرتا إلى بعض في ريبة. ثم نظرت "آيات" من العين السحرية لتعرف من القادم. فتحت الباب بعدما تعرفت على "أحمد". ابتسم لها قائلاً:
"خوفتوا تكونوا نمتوا."
وقالت له بحذر:
"لأ.. لسه."
وضع "أحمد" بعض الأكياس من يده بجوار الباب من الداخل وهو يقول:
"قولت بدل ما تنزلوا.. انتوا أكيد لسه مش عارفين حاجة في المنطقة هنا.. وكمان التلاجة فاضية للأسف.. لأن الشقة دي مقفولة على طول."
شعرت "آيات" بالحرج الشديد وقالت:
"مفيش داعي يا أحمد."
قال لها وهو ينظر إليها بحنان:
"أنا معملتش حاجة.. يلا تصبحوا على خير.. ولو احتجتي حاجة كلميني وأنا أجيلك على طول."
أغلق الباب بيده. نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض ثم ابتسمت "أسماء" قائلة بخبث:
"ده الحب ولع في الدرة على الآخر."
*********************************
فتح "آدم" الحمام بشعره المبلل الذي تتساقط قطرات الماء منه على وجهه. دخل غرفته وفرش سجادته ليصلي العشاء. دعا لـ "آيات" كثيراً في سجوده والعبرات تتساقط فوق سجادة الصلاة. أنهى صلاته وألقى بنفسه فوق الفراش في إنهاك. اقترب منه "زياد" قائلاً:
"آدم.. أنا جبت أكل.. قوم كُل لقمة."
أولاه ظهره وأغمض عينيه. نظر إليه "زياد" بأسى ثم تركه وأغلق باب الغرفة. فتح "آدم" عينيه في ظلام الغرفة ثم ما لبث أن أغلقهما وقد عقد جبينه في ألم. بعد منتصف الليل بقليل استيقظ "آدم" فجأة. جلس على فراشه وهو يتذكر أحداث اليومين الماضيين كما لو كان كابوساً يتمنى الاستيقاظ منه. توجه إلى الخارج ونظر إلى "زياد" النائم على الأريكة. توجه إلى الطعام فوق الطاولة وأخذ بضعة لقيمات يتقوى بها. ثم حمل مفاتيح سيارته ومصحفاً صغيراً وتوجه إلى الخارج دون أن يهتم بارتداء ملابس لائقة. استيقظ "زياد" على صوت غلق الباب. انتفض وذهب إلى غرفة "آدم" ليجده قد غادرها. فتح شرفة غرفته فوجده متوجهاً إلى سيارته. ثم انطلق بها. تنهد "زياد" في أسى وهو يعلم جيداً إلى أين توجه "آدم".
جلس "آدم" أمام القبر وقد افترش الأرض. ينظر إليه بأعين دامعة تتساقط منهما العبرات في صمت. لف ذراعيه حول قدميه وضمهما إلى صدره. أخذ يشرد بخياله ويتخيلها الآن وقد انضمت جدران القبر لتضمها تلك الضمة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم "إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ". يعلم جيداً أن تلك الضمة تكون بحسب عمل الإنسان فإن كان خيراً كانت تلك الضمة حانية كضمة الأم لوليدها. وإن كان شراً كانت قاسية تتهشم فيها العظام وتختلط فيها الضلوع. ارتجف جسده ودب الخوف في أوصاله. خوف عليها.. على ما تلاقيه الآن في قبرها في أول ليلة. نظر حوله.. إلى سكون الليل وإلى الوحشة التي تحيط بالمكان. وإلى شواهد القبور التي تتطلع إليه في صمت. ثم عاد لينظر إلى القبر أمامه وازداد انهمار عبراته وهو يتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجد ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". ارتجف جسده بشدة وهو يبكي ألماً وخوفاً. أخذ يتمتم دون انقطاع:
"يارب ارحمها.. يارب ارحمها.. يارب ارحمها."
ثم أخرج مصحفه من جيبه وظل يتلو آيات من كتاب الله بصوت مرتجف. ذلك الكتاب الذي هجره طويلاً. ها هو يعود إلى حمله بين يديه وإلى تمرير عينيه وقلبه على كلماته الربانية. يشعر بقيمته وبكم هو في حاجة إليه. نوى بقلبه أن يهديها ثواب قرائته. ودعا ربه أن يتقبلها منه.
**************************************
في الصباح توجه "أحمد" إلى مكتب والده بالبيت. ابتسم له والده وأزاح عويناتة من فوق أنفه قائلاً:
"تعالى يا أحمد."
ابتسم "أحمد" وجلس وهو يقول:
"ماما قالتلي إن حضرتك عايزني."
نظر إليه والده "فؤاد" قائلاً:
"مين صحابك دول اللي بايتين في شقة مدينة نصر؟"
قص عليه "أحمد" مأساة "آيات" ورغبته في مساعدتها. فقال له:
"برافو عليك.. مكنش يصلح تسيب بنتين في ظروف زي دي من غير ما تساعدهم."
ثم نظر إليه متفحصاً وهو يقول:
"بس قول لي.. بتساعدهم لله في لله كده ولا في سبب تاني؟"
تنحنح "أحمد" ثم قال بمرح:
"بصراحة يا فؤاد بيه.. في أسباب أخرى."
قال فؤاد بلؤم:
"أهاا.. قولتلي.. مين فيهم بقى؟"
قال "أحمد" مبتسماً:
"آيات."
قال "فؤاد" وهو يرجع ظهره إلى الخلف يستند به على ظهر مقعده:
"ماشي يا سي أحمد.. المهم دلوقتي عايز أسألك عن حاجة مهمة."
قالت له بجدية:
"اتفضل يا بابا."
قال "فؤاد" بإهتمام:
"في دكتور كان عندك في الكلية اسمه آدم خطاب.. تعرفه؟"
ظهرت علامات الضيق على وجه "أحمد" وهو يتذكر خطبة "آدم" لـ "آيات" ثم قال:
"أيوه أعرفه.. كان دكتور عندنا في الجامعة."
ثم هتف بغيظ:
"بس راجل مش محترم."
رفع "فؤاد" حاجبيه بدهشة ثم قال:
"إزاي يعني مش محترم؟"
قال "أحمد" بحده:
"سي آدم ده كان خطيب آيات.. البنت اللي كنت بكلم حضرتك عنها دلوقتي.. وطلع راجل مش محترم وماشيه مش مظبوط.. خانها مع واحدة صورته فيديو وهو معاها وراحت يوم كتب الكتاب لـ آيات ووريتها الفيديو.. و آيات وباباها طردوه من البيت وفسخوا الخطوبة."
نظر إليه "فؤاد" صامتاً يزن ما قاله في عقله ثم سأله:
"آيات اللي قالتلك؟"
قال "أحمد":
"لأ.. مش آيات.. صاحبتها أسماء.. بعد اللي حصل آيات جالها انهيار عصبي وتعبت ودخلت المستشفى ومكنتش بتتكلم من الصدمة وبعدين سافرت مع باباها عمرة.. وأنا في الفترة دي كنت بتصل بـ أسماء عشان أطمن على آيات وأعرف أخبارها."
أومأ "فؤاد" برأسه في شرود.. فسأله "أحمد" بإهتمام وقال:
"انت ليه بتسأل عنه يا بابا؟"
أخذ "فؤاد" نفساً عميقاً ثم قال:
"لأني قررت أأجر قرية سياحية جمب قريته في العين السخنة.. فكنت حابب أعرف كل حاجة عنه هو ومدير القرية التانية.. لأن القرية اللي أنا اخترتها ملك لمجموعة شركات مالكة لـ 3 قرى جمب بعض.. فكنت حابب أعرف كل المعلومات عن منافسيني في القريتين اللي جمبين."
ينظر إليه "أحمد" بدهشة وقال:
"ما قولتيش يعني على موضوع القرية دي."
قال "فؤاد":
"الموضوع في دماغي من زمان بس كنت محتاج حد يشاركني فيه.. لأنه مشروع ضخم ومش هقدر أدخل فيه لوحدي.. والحمد لله لقيت بدل للشريك اتنين."
ابتسم "أحمد" قائلاً بحماس:
"طيب إيه رأيك تشغل آيات وأسماء في القرية.. دول بنتين ممتازين بجد يا بابا.. وأهو تاخد فيهم ثواب."
قال "فؤاد":
"أنا فعلاً محتاج عمالة الفترة اللي جاية.. بس مش في القرية.. هنا في شركة السياحة اللي هتتعامل مع العملاء وتجذبهم لقريتنا."
ثم قال:
"هما نفس تخصصك.. إدارة أعمال ولا تخصص تاني؟"
قال "أحمد":
"أيوه.. نفس تخصصي."
قال "فؤاد":
"طيب ممتاز.. خليهم يجولى الشركة في بعد يومين.. لأن مسافر بكرة.. هعمل معاهم انترفيو بسيط.. وإن شاء الله يكونوا معانا في الشركة."
اتسعت ابتسامة "أحمد" وهو يقول بحماس:
"متشكر أوي يا بابا.. أكيد هيفرحوا أوي."
ابتسم فؤاد قائلاً:
"بس خلي بالك.. أنا الشغل عندي مفيهوش لا قرابة ولا مجاملات.. لو هيشتغلوا معايا هديهم مرتبات كويسة.. بس في المقابل عايز شغل ممتاز.. يعني ميعتمدوش على صحوبيتك ويهملوا شغلهم."
ضحك "أحمد" قائلاً:
"طول عمرك متعرفش غير شغلك يا فؤاد بيه.. لا ليك في الكوسة ولا في السلطة."
ضحك "فؤاد" وهو يحمل عويناتة ليرتديها مرة أخرى:
"طيب يلا بقى عشان عندي شغل."
شعر "أحمد" بالإرتياح وركب إلى سيارته بسعادة وعزم على التوجه إلى "آيات" ليخبرها بهذه البشرى.
*************************************
قالت والدة "آدم" على الهاتف بقلق بالغ:
"أنا خايفة عليه يا زياد."
تنهد "زياد" قائلاً وهو يحاول أن يبث فيها الطمأنينة:
"متقلقيش يا خالتي.. أنا معاه وواخد بالي منه."
قالت بصوت باكي:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يرحمها.. يا قلبي عليك يا ابني.. ربنا يصبرك."
قال "زياد":
"يارب."
قالت "أم آدم" بلهفة:
"لما ييجي يا زياد.. اتصل بيا وخليني أسمع صوته.. وقوله يفتح موبايله يا ابني.. أنا هموت من القلق عليه."
قال "زياد" مطمئناً إياها:
"حاضر.. من عنيا يا خالتي.. متقلقيش."
سمع "زياد" صوت المفتاح في الباب فهب واقفاً وهو يقول:
"أهو جه."
قالت بلهفة:
"ادْهولي يا زياد."
دخل "آدم" إلى البيت أشعثاً أغبراً. نظر "زياد" إلى ما كان يرتديه.. فلقد اعتاد أن يرى "آدم" متأنقاً في غاية الأناقة.. ولم يعتد أن يراه غير مهتم بملابسه هكذا. نظر إليه قائلاً:
"آدم.. مامتك عايزة تكلمك."
أخذ "آدم" الهاتف من "زياد" وقال بصوت مبحوح:
"أيوه يا ماما."
قالت أمه بصوت كمن أوشك على البكاء:
"إزيك يا حبيبي.. انت كويس؟"
تنهد بإرهاق قائلاً:
"أيوه كويس."
صمتت أمه قليلاً ثم قالت بحزن وأسى:
"ربنا يرحمها يا ابني."
دمعت عيناه وهو يقول:
"آمين."
قالت أمه:
"هترجع امتى يا ابني؟"
قال "آدم" وهو يمسح دمعة فرت من عينه:
"شوية كده."
ثم قال:
"إنتي كويسة.. ناقصك حاجة؟"
قالت أمه:
"لأ يا ابني.. مش ناقصني غير وجودك جنبي."
قال "آدم" بخفوت:
"يومين كده وهرجع إن شاء الله."
قالت أمه:
"تيجي بالسلامة يا حبيبي.. بس افتح تليفونك عشان لما أحب أطمن عليك."
قال بإستسلام:
"حاضر."
قال "زياد" لـ "آدم" محاولاً جذب انتباهه لشئ آخر بعيداً عما يقاسيه:
"أنا عرفت مين اللي أجر القرية التالتة يا آدم."
بدا على "آدم" وكأن الأمر لا يعنيه. ودون أن يتفوه بحرف توجه "آدم" إلى غرفته تحت أنظار زياد. وتمدد فوق فراشه في إنهاك.
*************************************
فتح "علي" الباب. بمجرد أن رأى "سمر" أمامه شعر بمشاعر كثيرة متضاربة. فغض بصره على الفور. نظرت إلى ذراعه المجبر وهي تشعر بالإشفاق عليه. فمنذ أن أخبرتها "إيمان" بما حدث له وهى تشعر بالحزن من أجله. تمتمت بصوت خافت:
"إيمان موجودة؟"
قال لها وهو يفسح الطريق:
"أيوه موجودة.. اتفضلي."
انتظرت "سمر" أمام الباب إلى أن حضرت "إيمان" قائلة:
"تعالي يا سمر.. ادخلي."
دخلت "سمر" وتعانقت الصديقتان. وقع نظرها مرة أخرى على "علي" الذي كان متوجهاً إلى غرفته. تلاقت عيونهما للحظة. بدت عيناها حزينتين لما أصابه. وبدا معاتباً إياها على رفضها المتكرر له. ثم دخل غرفته وأغلق الباب بهدوء.
جلست "سمر" مع "إيمان" في غرفتها فقالت هذه الأخيرة:
"باركيلي."
التفتت إليها "سمر" على الفور وقالت:
"إيه.. عريس؟"
ضحكت "إيمان" بسخرية:
"هو انتي لسه عندك أمل.. ده أنا فقدت الأمل من زمان."
نظرت إليها "سمر" بحزن لما تشعر به من إحباط ثم قالت:
"أمال أباركلك على إيه؟"
قالت "إيمان" بتهكم وهي تجلس فوق الفراش:
"سبت شغلي."
هتفت "سمر" بدهشة وهي تجلس بجوارها:
"إيه.. سبتي شغلك.. ليه يا إيمان؟"
قالت "إيمان" بتبرم:
"قرفت.. بدور في ساقية طول الشهر ومبقبضش غير ملاليم.. قرفت من الشغل ومن الناس ومن كل حاجة."
قالت "سمر" بعتاب:
"بس على الأقل كنتي بتخرجي وبتشوفي ناس يا إيمان."
قالت "إيمان" بضيق:
"بلا أرف.. سيبك.. قوليلي أخبارك إيه إنتي؟"
قالت "سمر" الحمد لله. ثم سألتها في حرج:
"إزي أخوكي دلوقتي؟"
تنهدت "إيمان" بأسى قائلة:
"أهو زي ما انتي شايفة.. التيييييييييت.. ضربوه وكسروله إيده.. كل ده عشان مكنش موافق إنهم يغيروا تاريخ صلاحية عبوات الأكل المحفوظ."
قالت "سمر" بحنق:
"ربنا ينتقم منهم."
قالت "إيمان" بتهكم:
"كل حاجة في البلد دي بايظة.. محدش مرتاح يا بنتي.. محدش مرتاح أبداً."
قالت "سمر" وسحابة حزن تمر بعينيها:
"على رأيك.. محدش مرتاح."
نظرت "سمر" إلى "إيمان" بتفحص. فإنتبهت لزيادة وزنها عدة كيلو جرامات. شعرت "سمر" بالإشفاق عليها. وبالضيق أيضاً فهى من تفعل بنفسها ذلك. لم تشأ أن تخبرها بأنها لاحظت زيادة وزنها حتى لا تصاب بالإحباط فهى تعلم حساسية "إيمان" الشديدة لهذا الأمر.
************************************
وقف "آدم" أمام القبر يدعو ويستغفر. بدا وكأنه لا يريد مفارقة هذا المكان. كان الحزن والألم ينخران فى جسده فبدا وجهه كلوحة تعبر ببراعة عما يقاسيه ويكابده. ودعها بنظراته الحزينة وعيونه الدامعة وقد اتسعت الهالات تحت عينيه. همس لها بصوت مرتجف وكأنه قادم من أعماق روحه:
"يوم القيامة.. هتقابليني.. وهتسامحيني.. وهتكوني سندي.. وهتكوني ملاكي.. وهتكوني كل حاجة ليا... ياريتك كنت سامحتيني.. ياريتك كنت سامحتيني... ياريتك كنت سامحتيني..."
ظل يبكي ويتلو القرآن حتى أشرقت الشمس.