تحميل رواية «جواد بلا فارس» PDF
بقلم بنوته اسمرة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسللت أشعة الشمس الذهبية لتلقي بنورها على أحد الأبراج السكنية في أحد أحياء القاهرة الراقية. تململ "آدم" في الفراش وفتح عينيه بتكاسل. حانت منه التفاتة إلى المرأة النائمة بجواره. أزاح الغطاء ونظر إلى ساعة هاتفه، ثم نهض وخرج من الغرفة وتوجه إلى الحمام. أخذ دشاً ثم وقف أمام مرآة الحمام يزيل بيده بخار الماء الذي ترسب عليها. نظر إلى وجهه الوسيم، وعينيه الزرقاوين الواسعتين التي تدير عقول الفتيات، وبشرة وجهه الخمري وشعره الأسود الحريري الذي انسابت بعض خصلاته المتبللة على جبينه، فأعطته مظهراً جذاباً. إذا...
رواية جواد بلا فارس الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم بنوته اسمرة
شعرت "آيات" بالتوتر الشديد وهي تدلف إلى مكتب "فؤاد" والد "أحمد".
حانت منها التفاتة إلى "أسماء" فوجدتها بنفس توترها.
تبادلت الفتاتان النظرات قبل أن يقدمها "أحمد" إلى والده قائلاً:
"بابا أحب أعرفك على "آيات" و "أسماء" .. زمايلي في الكلية"
ابتسم "فؤاد" ووقف يمد يده ليسلم على الفتاتين قائلاً:
"أهلاً بيكم"
سلمت عليه "أسماء". أما "آيات" فتوترت، رفعت يدها قليلاً ثم تراجعت وقالت بارتباك شديد:
"معلش يا عمو مش بسلم بإيدي"
أعاد "فؤاد" يده بجواره ثم أشار لهما بالجلوس قائلاً:
"اتفضلوا"
جلست الفتاتان في مقعدين متواجهين. أما "أحمد" فجذب مقعداً وجلس بالقرب من "آيات".
عقد "فؤاد" كفيه فوق المكتب وقال:
"ها تحبوا تشربوا إيه؟"
ضغط زرًا بجواره، فحضرت السكرتيرة على الفور ثم انصرفت تحضر ما طلبوه.
بدأ "فؤاد" حديثه قائلاً:
"أحمد كلمكم عن طبيعة الشغل اللي محتاجكم فيه؟"
قبل أن تجيب الفتاتان، أسرع "أحمد" بالإجابة قائلاً:
"لا يا بابا ما قولتلهمش حاجة .. قولت حضرتك تشرحلهم أفضل"
رجع "فؤاد" بظهره إلى الخلف ثم قال:
"أنا ناوي إن شاء الله أعمل مشروع سياحي .. قرية سياحية في العين السخنة"
نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض في دهشة. فلاحظ "فؤاد" دهشتهما فضاقت عينيه قائلاً:
"في حاجة؟"
التفتت "آيات" إليه وتنحنحت ثم قالت:
"لا أبداً .. بس ابن عمي برضه عامل مشروع سياحي في العين السخنة وكان عارض علينا نشتغل معاه"
قال "فؤاد" باهتمام:
"اسمه إيه ابن عمك؟"
"عاصي سراج اليماني"
رفع "فؤاد" حاجبيه بدهشة وهتف:
"إنتي بنت أخو "سراج اليماني"؟"
حانت منها التفاتة إلى "أسماء" ثم نظرت إليه قائلة بتوتر:
"أيوة"
صمت "فؤاد" وقد بدا عليه التفكير. سأله "أحمد" باهتمام:
"ليه في حاجة يا بابا .. حضرتك تعرفه؟"
عقد "فؤاد" ذراعيه مرة أخرى فوق المكتب ونظر إلى "آيات" قائلاً:
"قرية "سراج اليماني" اسمها قرية الفيروز ودي جنب قريتنا بالظبط"
أومأت "آيات" برأسها وقد غرقت في التفكير.
نظر إليها "فؤاد" نظرة ثاقبة وقال:
"وقرية "شكري ......." اسمها جولدن بيتش ودي كمان جنب قريتها"
فجأة تجمدت الدماء في عروقها عندما سمعته يقول:
"ومديرها دكتور "آدم خطاب""
بدا على "أسماء" الدهشة وهي تستمع إلى "فؤاد". أما "آيات" فقد بدا عليها الضيق.
رمق "أحمد" والده بنظرات عتاب وكأنه يقول: لماذا أخبرتها؟
خشي "أحمد" أن تتراجع "آيات" عن العمل في القرية بعدما علمت بأنها ستعمل في قرية منافسة لـ "سراج" عمها، و "آدم" خطيبها السابق.
نظرت "أسماء" إليها ترقب تعبيرات وجهها علها تستشف ما تفكر فيه وما تنوي فعله.
ظلت "آيات" صامتة ترمق السجادة في شرود.
أكمل "فؤاد" حديثه قائلاً:
"شغلك انتي و "أسماء" لو وافقتوا تشتغلوا عندي .. مش هيكون في القرية فمتقلقيش مش هتحتكوا بحد منهم .. شغلكوا هيكون هنا في المكتب السياحي اللي هنستقبل فيه الحجوزات واللي هنعمل منه الدعاية للقرية"
التفتت "آيات" تنظر إلى "فؤاد" وهي تسأله باهتمام:
"هنشتغل إيه بالظبط؟"
"أنا محتاج ناس بتحب شغلها وناس متفرغة لأن الشغل الفترة الجاية هيكون متعب .. أنا مش داخل منافسة زي دي عشان أخسرها .. وداخل وأنا عارف كويس حجم منافسيني .. ولازم أتفوق عليهم .. عشان كده محتاج معايا ناس بتعشق النجاح .. وتكره الفشل"
ثم قال:
"وعلى قد ما هتدوا لشغلكم على قد ما شغلكم هيديكوا .. يعني اللي بيتعب معايا بيلاقي نتيجة لتعب"
صمتت "آيات" تزن كلماته في عقلها ثم قالت:
"طيب هل في ملف خاص بالمشروع أو ملخص عنه؟"
"أكيد فيه"
"طيب أحب أشوفه وأدرس الموضوع الأول قبل ما أوافق"
ضحك "فؤاد" قائلاً:
"محسساني إني بتكلم مع سيدة أعمال من الدرجة الأولى"
شعرت "آيات" بالجرح وقالت:
"أنا بس حابة إني أتأكد إن كل حاجة هتكون مظبوطة .. أقصد إن مش هيبقى فيه حاجات تغضب ربنا .. أنا كنت في الجامعة وفي ثانوي بعشق الرحلات .. وزرت العين السخنة كتير قوي وأعرفها كويس جداً .. وروحت قرى كتير بصراحة كان فيه حاجات كنت بضايق منها بس مكنتش بهتم .. لكن دلوقتي يهمني إني لما أشتغل في مكان ميكونش فيه حاجة غلط بتحصل .. عشان مش هشيل ذنبها"
ابتسم "فؤاد" وهو يخرج إحدى الملفات من درج مكتبه ويضع فوقها سي دي ويضعهم أمام "آيات" قائلاً:
"دي نسخة من البريزنتيشن اللي بقدمه للعملاء .. وده سي دي فيه صور القرية والمناطق اللي حوالي ها"
أخذتهم "آيات" قائلة:
"إن شاء الله هرد على حضرتك خلال يومين بالكتير"
التفت "فؤاد" إلى "أسماء" قائلاً:
"وانتي يا "أسماء"؟"
ابتسمت "أسماء" وقالت في كياسة:
"طبعاً أنا يشرفني جداً إني أشتغل عند حضرتك يا أستاذ "فؤاد""
"خلاص يبقى اتفقنا .. ادرسوا الموضوع كويس ومنتظر ردكم عليا .. خلاص المكتب انتهينا من تشطيباته وبكرة بالكتير يكون اتفرش .. فمحتاج رد في أقرب وقت"
***
جلس مدحت والد "أسماء" أمام التلفاز وهو لا يعي ما يدور.
سمع المفتاح يدور في الباب فهب واقفاً وعلامات الغضب على وجهه.
نظرت إليه زوجته الجديدة قائلة:
"انت هنا يا بي"
عقد ذراعيه أمام صدره قائلاً:
"أيوة هنا .. كنتي فين؟"
قالت في تبرم:
"كنت مع صحابي"
زمجر في غضب:
"طبعاً بتصرفي في الفلوس اللي سحبتيها امبارح"
ارتبكت وقالت:
"أنا كنت محتاجة مبلغ وخدته .. وبعدين انت ادتني الكريدت عشان لو احتجت حاجة أسحبها"
صاح بغضب هادر:
"ممكن أفهم كنتي بتعملي إيه بـ 15 ألف جنية؟"
زفرت بحنق وقالت وهي تلوح بيديها:
"اشتريت شوية حاجات"
"أيوة إيه هي الحاجات اللي اشتريتيها دي؟"
هتفت بغضب وهي تتوجه إلى غرفة النوم:
"حاجات وخلاص"
انقض عليها جاذبًا إياها من ذراعها وهو ينظر إليها بشراسة قائلاً:
"أوعي تكوني فاكراني نايم على وداني .. أنا عارف كويس إنتي عملتي إيه بالفلوس دي"
بلعت ريقها بصعوبة وقالت وهي تخفي خوفها:
"إيه الكلام ده؟"
قال بعنف:
"أنا عارف كويس إنك لسه بتقابلي التيييييييييييت خطيبك .. وإنك ادتيله الفلوس دي"
شعرت بالصدمة لكنها تمالكت أعصابها وقالت:
"إيه الكلام الأهبل ده؟"
لطمها على وجهها فتأوهت بألم. قال بحزم:
"أنا اللي غلطان من الأول إني اتجوزت عيلة زيك متعرفش يعني إيه مسؤولية"
صاحت وهي تمسح بكفها على وجنتها المتألمة:
"احمد ربنا إني رضيت بواحد زيك شايب وعايب"
لطمها مرة أخرى صارخًا فيها:
"لمي هدومك وامشي اطلعى بره .. انتي طالق"
ضحكت بسخرية قائلة:
"قال يعني طردتني من الجنة .. بلا أرف"
ألقى بجسده فوق أحد المقاعد وهو يدفن وجهه بين كفيه ويشعر بأن عالمه ينهار من حوله.
***
في المساء وقف "آدم" أمام البحر الهادر يراقب موجاته الغاضبة التي ترسل الزبد تحت قدميه.
اقترب منه "زياد" قائلاً وهو يلهث:
"إيه يا ابني انت فين دوختني عليك"
التفت إليه "آدم" بصمت.
وقف "زياد" أمامه يتفرس فيه قائلاً:
"انت كويس؟"
أومأ "آدم" برأسه. فقال "زياد":
"أنا رجعت النهاردة من شرم لقيت كل اللي في القرية بيتكلموا عن اللي حصل النهاردة"
عاد "آدم" ينظر إلى البحر مرة أخرى وهو لا يزال محتفظاً بصمته.
سأله "زياد":
"انت بجد منعت الخمور من القرية .. وشلت من المنيو الأكلات اللي بتتعمل بيها؟"
أومأ "آدم" برأسه دون أن ينظر إليه.
فأكمل "زياد" مبتسماً:
"وعرفت كمان إنك قلبت الملهى الليلي لقاعة بلياردو وبولينج .. وإن المهندس هييجي من بكرة يعاين المكان"
التفت "زياد" ينظر إلى البحر لبرهة. ثم نظر إلى "آدم" قائلاً:
"هو ده اللي كان لازم يحصل .. أنا كمان مكنتش مرتاح للحاجات دي .. كنت حاسس إن بركة فلوسنا كانت ناقصة"
تحدث "آدم" قائلاً بحزم:
"قول فلوسنا كانت حرام أصلاً"
ركل "زياد" الرمل بطرف حذائه ثم قال:
"معاك حق"
ثم تنهد في ضيق قائلاً:
"رغم إن الواحد عارف كده بس للأسف ساعات بنضعف قدام المغريات المادية"
ثم وضع كفه على كتف "آدم" وقال مبتسماً:
"بس برافو عليك"
ساد الصمت بينهما إلى أن قطعه "زياد" قائلاً:
"بس يا ترى إيه هيكون رد فعل "شكري" لما يعرف .. تفتكر ممكن يعترض؟"
قال "آدم" بحزم وهو يراقب موجة عالية تبتلع أخرى:
"يتفلق .. لو مش عاجبه يخبط دماغه في الحيطة"
التفت "آدم" ليغادر المكان.
جلس "زياد" على الرمل وهو يراقب الأمواج بدوره. ثم أراح ظهره فوق الرمال ينظر إلى النجمات القليلة التي تتلألأ في السماء وهو يقول لنفسه:
"إيه يا "زياد" مش ناوي تلاقي نصك التاني بقى"
ثم رفع ذراعيه إلى السماء قائلاً بمرح:
"ابعتهالي يارب"
***
جلست "آيات" على الأرض في حجرة المعيشة تفترش أمامها الصور والأوراق التي كانت موجودة في الملف الذي أعطاها إياه "فؤاد".
أقبلت عليها "أسماء" حاملة كوبين من الشاي الساخن.
وضعت أحدهما بجوار "آيات" ثم جلست على أحد المقاعد تنظر إلى صديقتها المنهمكة في مطالعة الأوراق والصور ثم قالت:
"ها إيه الأخبار؟"
حكت "آيات" رأسها ثم قالت وهي تنظر إلى إحدى الأوراق في يدها:
"بصراحة مشروع جبار .. ولو اتعمله دراسة جدوى صح مكاسبه هتكون رهيبة .. الموقع فعلاً خرافي .. رغم إني حافظة العين السخنة بس عمري ما شوفت فيها مكان بالروعة دي"
قالت "أسماء" باهتمام:
"هتوافقي يعني؟"
نظرت إليها "آيات" قائلة بشرود:
"لسه مقررتش .. فيه حاجات قلقاني"
"إيه اللي قالقك مش بتقولي مشروع كويس؟"
ثم هتفت "أسماء" بتهكم:
"وبعدين يا "آيات" ملف إيه اللي بتدروسيه .. محسساني إني هدخل شريكة في المشروع .. يا بنتي ده انتي يدوبك شغالة في المكتب السياحي .. ده إيه الهم ده يارب"
قالت "آيات" بحزم:
"لازم أعرف كل حاجة عن المكان اللي هشتغل فيه .. افرضي اشتغلت في المكتب السياحي وفي الآخر اكتشفت إن فيه حاجات حرام بتحصل في القرية دي .. أشيل ذنبهم يعني؟"
قالت "أسماء" بحدة:
"حاجات حرام إيه يا بنتي متنرفزينيش .. دي قرية محترمة هيحصل فيها إيه يعني؟"
قالت "آيات" بهدوء:
"يحصل فيها اللي كنا بنشوفه في القرى اللي بنروحها يا "أسماء" .. ستات عريانة ماشية يمين وشمال .. بيسين مينفعش تنزليه إلا وانتي لابسة بيكيني والرجالة راحة جاية عينهم تندب فيها رصاصة .. والبيرة اللي كانت بتتشرب زي البيبسي بالظبط .. ده غير المناظر اللي كنا بنشوفها عيني عينك كده من غير أي كسوف ولا خجل .. ويا سلام بقى على الأجانب اللي كنا بنتكعبل فيهم على الشط والواحدة منهم قلعة كل هدومها ونايمة على الأرض تعمل حمام شمس .. مش ده اللي كان بيحصل في القرى اللي بنروحها يا "أسماء"؟"
قالت "أسماء" بتبرم:
"يعني نعمل إيه .. نقول للرجالة اتلموا ومتبصوش على البنات وهي ماشية على البحر أو وهي نازلة البسين .. ولا نقول لكل بنت اياكي تعملي علاقة مع واحد في القرية عشان مناخدش ذنبك؟"
ثم قالت بتهكم:
"لو كل الناس فكرت بطريقتك يبقى السياحة هتضرب وكل واحد صاحب قرية يقفلها ويقعد في بيته أحسن .. ويبقى بلد زي مصر خسرت أهم مصادرها للدخل القومي .. يا بنتي لو كل الناس فكرت زيك كده كان البلد خربت"
ابتسمت "آيات" بثقة وهي تقول بتحدي:
"طيب .. أنا بقى هعمل دراسة جدوى للمشروع ده بالطريقة اللي أنا شايفاها .. هحط فيها كل الأفكار اللي في دماغي .. وهنحسبها بالورقة والقلم .. ونشوف إذا أفكاري دي اتنفذت السياحة فعلاً هتضرب ولا لأ"
ابتسمت "أسماء" بسخرية وهي تنهض قائلة:
"والله انتي مخك تعبان"
نظرت "آيات" إلى الأوراق أمامها. ثم حملتهم جميعهم وتوجهت إلى غرفة المكتب والتي تحتوي على الحاسوب الساكن في ركن الغرفة. ثم شرعت تدق بأناملها فوق لوحة المفاتيح في تؤدة.
***
لم يشعر بمضي الوقت وهو يتأمل صورتها.
امتدت أصابعه لتتلمس الشاشة. ذلك الوجه البريء الخالي من أي شيء مصطنع. تلك النظرة البريئة والبسمة الرقيقة.
امتدت يده إلى درج مكتبه ليخرج منها تلك الورقة التي تمزق قلبه كلما تطلع إليها. شهادة وفاة.
نظر بعيون ثكلى إلى اسمها الذي كان يأمل أن يراه على عقد زواجهما. لكن إرادة الله سبقت أمانيه.
أخذ شهيقاً عميقاً ليزفر معه ما يعتمل في صدره من ألم. لكن هيهات. لا سبيل للخلاص من هذا الألم.
تناول مصحفه من فوق المكتب. وأخذ يقرأ فيه. علا صوته في التلاوة ليصل إلى مسامع أمه.
ابتسمت في حنو وهي ترنو إلى غرفته ببصرها. كم اشتاقت لسماع ترتيله العذب. وصوته الخاشع يطرب أذنيها المرهفتين.
انتهى من التلاوة بعدما دامت لما يقرب من ساعة.
أطلت برأسها من الباب الموارب وابتسمت في حنو قائلة:
"أجيبلك تتعشى يا "آدم"؟"
هز رأسه نفياً. ففتحت الباب أكثر ودخلت قائلة:
"يا حبيبي انت على لحم بطنك من الصبح .. مفطرتش وحتى في الغدا مأكلتش إلا لقمتين .. عشان خاطري يا حبيبي أحضر لقمة ناكل سوا .. ماشي"
أومأ برأسه إيجاباً إذعاناً لإصرارها فابتسمت قائلة:
"إن شاء الله يبارك لي فيك"
أحضرت صينية كبيرة موضوع عليها ما لذ وطاب. وضعتها فوق الطاولة ونادت عليه.
جلس بجوارها يلوك الطعام في فمه وكأنه لا يشعر بمذاقه.
قالت مبتسمة:
"عجبك الأكل؟"
قال بخفوت:
"أيوة يا ماما تسلم إيدك"
ربتت على ظهره وهي تضع أمامه المزيد من الطعام. نظر إليها قائلاً:
"على فكرة أنا منعت الخمرة واللحوم الحرام من القرية .. والملهى هنقلبه صالة ألعاب"
اتسعت ابتسامة والدته فقال لها:
"حبيت أعرفك عشان تعرفي إن فلوسي معادش حرام"
قالت له في حماس:
"ربنا يبارك فيك يا ابني ويصرف عنك كل سوء .. أهو كده انت ابني "آدم" اللي طمرت تربيتي فيك"
ابتسم بوهن وأمسك كفها قائلاً:
"ربنا يخليكي ليا يا ماما وجودك جمبي فارق معايا"
وضعت يدها الأخرى فوق كفه وقالت:
"وهتلاقيني لآخر يوم في عمري جنبك ووراك .. لو وقعت أقومك .. ولو تعبت أداويك .. انت ابني وحتة مني نفسي أشوفك أحسن واحد في الدنيا دي"
ثم استدركت قائلة:
"مش بالمال ولا بالجاه .. لكن بالأدب والدين والأخلاق"
قبل "آدم" يدها قائلاً بتأثر:
"عارفة لو كل الأمهات زيك .. كان شباب كتير حالهم انصلح .. لكن فيه أمهات بدل ما تدعي لابنها بالهداية بتدعي عليه .. ومتعرفش إن دعاء الأم مستجاب .. فيه أمهات بتدمر ولادها بلسانها .. بكلمة منها تخرج في ساعة إجابة ربنا يتقبل دعاءها على ابنها"
ابتسمت أمه في حنو وقالت:
"عمر ما قلبي طاوعني أدعي عليك .. حتى لما كنت قاسي عليا كنت بدعيلك بالهداية .. والحمد لله أهو ربنا استجاب وهداك وصلح حالك وبارك لي فيك يا "آدم""
***
شعرت "مديحة" والدة "أسماء" بالصدمة عندما فتحت الباب لتجد زوجها أمامها.
نظرت إليه لبرهة وقد تجمدت في مكانها. ثم قالت:
"أفندم عايز إيه؟"
لم يجبها بل اندفع للداخل فتراجعت للوراء.
أغلق الباب خلفه فصاحت:
"امشي اطلعى بره"
نظر إليها بصرامة قائلاً:
"أسماء هربت من البيت ليه يا "مديحة"؟"
اشتعلت عيناها غضباً وهتفت:
"انت جاي تفتكر بنتك دلوقتي .. صباح الخير يا "مدحت"؟"
اشتعلت عيناه غضباً هو الآخر وقال:
"بنتك لفيت عليها في كل حتة وسألت طوب الأرض عليها ومحدش عارف هي فين .. إيه اللي خلاها تسيب البيت انطقي"
قالت بصوت مضطرب وهي تحاول أن تطمئن نفسها:
"متقلقش هي أكيد عند "آيات" صحبتها"
قال بوجوم:
"آيات ماتت"
شهقت "مديحة" واضعة كفها فوق فمها وقالت:
"ماتت .. ماتت إزاي؟"
"العمارة اللي كانت ساكنة فيها وقعت في الزلزال"
دمعت عيناها وهي تهتف بفزع:
"و "أسماء"؟ .. "أسماء" حصلها إيه يا "مدحت"؟"
زفر بيأس قائلاً:
"أسماء مكنتش معاها"
صرخت قائلة والدموع تنهمر من عينيها:
"انت واثق .. واثق إن بنتي مكنتش معاها؟"
"أيوة واثق"
ثم اقترب منها ينظر إليها وقال بصرامة:
"إيه اللي خلى "أسماء" تمشي؟"
قالت بصوت باكي:
"معرفش .. قالت كلام عن إن "هاني" ضايقها .. بس "هاني" بيقول إنه معملهاش حاجة .. معرفش هي كانت بتقول كده عشان تلفت الانتباه ليها ولا زي ما أختي بتقول إن "هاني" عجبها ولما مدهاش وش طلعت الكلام ده عليه"
صمت "مدحت" قليلاً يستوعب ما قالت ثم بدا وكأن جنونه قد جن وصاح:
"هاني ابن أختك؟ .. عملها إيه .. "أسماء" قالتلك إيه؟"
قالت بمزيج من الخجل والحيرة والندم:
"قالت إنه كان بيدخلها أوضتها و إنه ... بيتحرش بيها"
أمسكها "مدحت" من ذراعيها بقسوة قائلاً:
"وصدقتيه وكذبتيها؟ .. كدبتي بنتك يا "مديحة"؟"
قالت بإضطراب وهي تشعر بالألم من قبضتيه على ذراعيها:
"هاني مش ممكن يعمل كده .. الولد متربي كويس و ........."
لم ينقذها من بين يديه سوى سماعه لصوت الباب من خلفه.
أطل "هاني" برأسه. وما كاد يدخل المنزل حتى ترك "مدحت" ذراعي "مديحة" ليهوي على وجه "هاني" بصفعة ألصقته بالجدار.
نظر "هاني" بدهشة وصدمة إلى "مدحت".
وصرخت "مديحة" قائلة:
"سيبه يا "مدحت"!"
لم يلتفت إليها بل جذبه من شعره وأعقبه بصفعة أخرى فجرت الدماء من شفتيه وأخذ يصيح ويئن بألم.
صرخ "مدحت" بغضب:
"عملت إيه في بنتي يا تيييييييييييييييييت"
تحاول "هاني" التحدث لكن "مدحت" لم يدعه له الفرصة. صرخ بصوت مكتوم بعدما سدد له "مدحت" ركلة في بطنه احتقنت لها الدماء في وجهه وهو يشعر بصعوبة شديدة في التنفس.
أقبلت أمه من الخارج تصرخ وتولول:
"انت اتجننت انت بتعمل إيه في ابني؟"
جثت على ركبتيها بجوار "هاني" تتفحصه وهي تصيح بغضب في "مدحت":
"انت بتمد إيدك على ابني .. والله لأوديك في ستين داهية"
ثم نظرت إلى أختها قائلة:
"لمي هدومك وامشي اطلعى بره انتي وجوزك والله لأحبسكوا انتوا الاتنين"
وضعت رأس "هاني" الدامي على صدرها وهي تبكي قائلة:
"هاني .. عمل فيك إيه الحيوان ده؟"
اقترب "مدحت" وبصق في وجه "هاني" الجالس على الأرض وقال في صرامة:
"اتفو عليك عيل تيييييييييييت"
انصرف "مدحت" بينما توجهت "مديحة" الباكية تجمع أغراضها في عجالة وهي تبكي في لوحة وحسرة وندم.
قام "هاني" بمساعدة أمه التي لم تتوقف عن النحيب والوعيد لأختها وزوجها. أجلسته على الأريكة.
في تلك اللحظة خرجت "مديحة" من الغرفة فهجمت عليها أختها تجذبها من ملابسها وتصرخ فيها:
"مش عارفين تربوا بنتكوا وجايين تتشطروا على ابني .. روحي شوفي بنتك التيييييييييت هربت مع مين وبعدين ابقي تعالي كلميني"
نظرت إليها "مديحة" بغضب بأعينها الدامعة وهي تقول:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي انتي وابنك .. بس مش غلطتكوا .. دي غلطتي إني مصدقتش بنتي ودافعت عن ابنك التييييييييييت"
جذبت ذراعها من بين يديها وخرجت لا تدري إلى أين تذهب. فلا هي تملك المال ولا تملك المكان.
مكانها الوحيد كان بيتها الذي طُردت منه وها هي الآن تُطرد من بيت أبيها الذي تعلم جيداً أنه لا حول له ولا قوة أمام عنفوان ابنته.
نزلت الدرج وهي تفكر في ابنتها الضائعة التي انتهجت خطواتها من قبل. ونزلت بحقيبة ملابسها لا تدري إلى أين تذهب.
عزمت على التوجه إلى الصاغة لبيع إحدى مصوغاتها الذهبية إلى أن تبحث عن عمل وهي التي كانت تعيش منعمة مرفهة في بيت زوجها.
صدمت عندما نظرت إلى "مدحت" الذي لا يزال واقفاً أمام بوابة المنزل.
أقبل نحوها وأشار إلى السيارة بصرامة قائلاً:
"اركب"
قالت بكبرياء:
"لا مش راكبة .. وبعدين مش خايف مراتك الجديدة تشوفك وانت بتوصلني؟"
فتح باب السيارة وقال بغضب وعيناه تنذران بالشر:
"بقولك اركبي أنا روحي في مناخيري متجننينيش"
لا تعلم لما استسلمت وركبت. حطم كرامتها وكبرياءها ولن تسامحه أبداً.
بدا أيضاً وكأنه لا يطيق وجودها بجواره في السيارة. لكن كان يجمعهما الآن شئ مشترك أهم بكثير من مشاعر كليهما تجاه الآخر.
قال بجدية:
"دلوقتي عايزين نحصر أسماء الناس اللي "أسماء" تعرفهم ونروح لهم واحد واحد"
قالت "مديحة" بعصبية:
"انت فاكرني هستناك .. أنا عملت كده واتصلت بكل اللي تعرفهم محدش عارف مكانها"
"نحاول تاني وتالت ورابع .. مفيش قدامنا غير كده"
نظرت إليه بحقد قائلة:
"ما انت لو كنت أب وزوج محترم مكنش ده حصل .. لكن انت ........."
دوس مكابح السيارة بقوة حتى أصدرت صريراً مرعباً. كادت أن يصطدم رأسها في الزجاج الأمامي.
وقبل أن تأخذ أنفاسها التفت إليها "مدحت" هاتفاً بصوت صم آذانها:
"أنا راجل مش محترم و تيييييييييييت .. انتي بقى إيه يا أم يا فاضلة .. في أم تسيب بنتها تحت إيد تييييييييييت زي ده .. في أم تكدب بنتها وتصدق ابن أختها .. في أم تسيب بنتها تنزل من بيتها بشنطة هدومها متعرفش هي راحة فين .. ردي عليا يا "مديحة"؟"
لم تستطع "مديحة" الرد. بل لم تستطع حتى النظر إليه. انهمرت عبراتها وهي تتطلع أمامها وشعور عميق بالندم ينهشها.
أدار "مدحت" السيارة مرة أخرى في عصبية وهو يقول:
"هترجعي معايا البيت لحد ما نشوف حل للمصيبة اللي احنا فيها وأطمن على بنتي .. بعدها نتطلق وكل واحد يروح لحاله"
لم ترد "مديحة" سوى بمزيد من العبرات المنهمرة. ومزيد من الشعور بالندم.
***
"أيوة أسمع عنه .. ابنه كان عندي في الكلية"
قال "آدم" ذلك موجهاً حديثه إلى "زياد" بعدما عرف منه بأن "فؤاد" هو الذي استأجر القرية الثالثة.
تذكر "آدم" يوم أن هتف "أحمد" وسط الجامعة معلناً حبه لـ "آيات". تذكر يومها كيف هرعت إلى مكتبه لتخبره بأنها لا تبادله مشاعره. علم وقتها بأنها تحمل له هو مشاعر خاصة دفعتها إلى التصرف بتهور والإقدام إلى مكتبه لشرح الأمر.
تنهد وهو يتذكر مدى طيبتها ووضوحها وبرائتها.
أخرجه "زياد" من شروده قائلاً:
"بس لسه مش عارفين مين المدير اللي هيجيبه للقرية .. بس بيقولوا إنه محتاج شريك معاه عشان يقدر يفتتح القرية وفي اتنين رجال أعمال عارضين شراكتهم بس لسه متفقش مع حد فيهم"
أومأ "آدم" برأسه وهو يقول:
"فؤاد رجل أعمال محترم بس ملوش في شغل السياحة .. يعني ميُعتبرش منافس قوي بالنسبة لنا .. تلاقيه حب يجرب حظه .. بس أنا واثق إنه مش هيستمر .. ده إذا لقى حد يشاركه أصلاً"
قال "زياد" وهو يمُط شفتيه:
"أنا كمان شايف كده .. مفيش داعي للقلق"
سمعا صوت طرقات على باب الشاليه فهب "آدم" واقفاً ليرى القادم.
شعر بالإمتعاض وهو يرى "ساندي" أمامه.
ابتسمت قائلة:
"هاي ازيك يا "آدم"؟"
قال "آدم" وعلامات الجدية على وجهه:
"كويس الحمد لله"
هتفت بمرح:
"حسيت إني هموت من الملل قولت آجي أعد معاك انت وطنط .. بصراحة حبيتها أوي وأنا وهي بقينا صحاب خلاص"
التفت "آدم" بتبرم ونادى والدته. أسرعت بالقدوم لترى "ساندي" أمامها.
أقبلت عليها "ساندي" تقبلها وهي تقول:
"ازيك طنط عاملة إيه دلوقتي؟"
ابتسمت والدة "آدم" قائلة:
"بخير يا بنتي تسلمي"
تركهما "آدم" وتوجه إلى غرفة المعيشة حيث "زياد" وأشار له قائلاً:
"قوم نخرج"
قال "زياد" وهو يتلفت حوله:
"مين اللي جه؟"
قال "آدم" بتأفف:
"ساندي"
نظرت "ساندي" إلى "آدم" الذي مر بجوارها متوجهاً إلى باب الشاليه وهتفت:
"انت خارج؟"
التفت إليها قائلاً بتهكم:
"ده بعد إذنك"
شعرت بالغيظ. قال لها "زياد" وهو يلحق بصديقه:
"إزيك يا "ساندي"؟"
قالت وهي شاردة وعلامات الضيق على وجهها:
"كويسة"
أغلق "زياد" الباب خلفه.
رسمت "ساندي" على شفتيها ابتسامة مصطنعة عندما قالت لها والدة "آدم":
"اتفضلي يا ابنتي اقعدي"
جلست في تبرم. فآخر ما كانت تريده عندما قدمت إلى الشاليه هو مجالسة والدة "آدم".
***
وقف "عاصي" في شرفة الشاليه الخاص به يمسك بيده كأساً من الخمر وفي اليد الأخرى الهاتف.
أرجع رأسه للخلف وانفجر ضاحكاً وهو يقول:
"أيوة أظاهر كده .. قولتلك من الأول إنه عيل غبي .. رايح يمنع الخمرة من القرية لأ وقلب الملهى الليلي لصالة ألعاب"
انفجر في الضحك مرة أخرى وهو يقول:
"احترس السيارة ترجع للخلف"
قال "سراج" على الطرف الآخر:
"أنا مش عارف هو بيخطط لايه بالظبط"
قال "عاصي" بحقد:
"هيكون بيخطط لإيه يعني ده عيل تييييييييت متخفش منه"
رشف رشفة من كأسه ثم قال:
"لا والتاني اللي اسمه "فؤاد" اللي رايح يأجر قرية جنب حيتان زينا .. أهو ده بقى غباؤه ملوش وصف .. واحد لسه بيقول يا هادي في شغل السياحة مش يختار مكان مفيهوش منافسين كبار زينا .. لا جاي راشق في النص .. يشرب بقى"
ثم قال:
"ده حتى مش عارف يشيل الليلة لوحده وبيدور على شريك"
"هو لقى شريك ولا لسه؟"
قال "عاصي" بثقة:
"لا لسه .. متقلقش أنا بعرف الأخبار أول بأول .. وأول ما هعرف حاجة هبلغك .. بس اطمن "فؤاد" هو آخر شخص نخاف منه"
قال "سراج" وهو يوافقه الرأي:
"معاك حق"
***
جلست "آيات" في مكتب سكرتيرة "فؤاد" وهي تتذكر بضيق قدوم "أحمد" ذلك اليوم ودسه لرزمة مالية في يدها وأخبرها أنها ستخصم من مرتبها الأول.
حاولت بحرج وضيق رفض هذا المال لكنه أصر بشدة وتركها وانصرف.
التفتت إليها "أسماء" الجالسة بجوارها وهي تقول:
"افرضي معجبوش الدراسة اللي عملتيها .. هنتصرف إزاي؟"
قالت "آيات" بحزم:
"مش هقبل الشغل طبعاً"
بثت كلماتها الغيظ في نفس "أسماء" التي قالت بتهكم:
"أول مرة أشوف واحدة رايحة تشتغل في شركة وتفرض عليهم طريقتها في الشغل .. وكمان مقررة إنهم لو معجبهمش دراسة الجدوى بتاعتها ترفض الشغل معاهم"
قالت "آيات" وقد تعبت من مناقشة "أسماء" في هذا الأمر:
"قولتلك مليون مرة مش هعمل حاجة حرام .. ولو الموضوع متظبطش زي ما أنا عايزة مش هشتغل معاهم"
سألتها "أسماء" بحدة:
"ولما ترفضي الشغل هنعمل إيه ساعتها .. وهنرد لـ "أحمد" السلفة اللي اداهالنا من المرتب إزاي؟"
شعرت بالضيق وهي تفكر في ورطتهما.
قطع عودة السكرتيرة حبل أفكارها لتشير لهما إلى مكتب "فؤاد" قائلة:
"اتفضلوا بس خلوا بالكم إن الأستاذ "فؤاد" عنده اجتماع بعد 10 دقايق بالظبط"
لم تكن "آيات" في حاجة إلا لهذه الدقائق لعرض الدراسة التي عكفت على كتابتها لمشروع القرية السياحية.
قام "فؤاد" وسلم على "أسماء" ثم التفت لـ "آيات" دون أن يمد يده قائلاً:
"إزيك يا "أسماء" .. إزيك يا "آيات"؟"
"الحمد لله"
"الحمد لله"
أشار لهما بالجلوس وعقد كفيه فوق المكتب وقال:
"خير كنتوا عايزينى في حاجة؟"
تنحنحت "آيات" قائلة:
"أيوة .. أنا عملت دراسة جدوى لمشروع القرية السياحية"
كانت نظرات "فؤاد" تنم عن دهشته. مدت يدها بالملف فأخذه منها وارتدى عويناته الموضوعة فوق المكتب وأخذ يتفحصه.
مرت الدقائق تشعرها بالتوتر أكثر.
قبل أن ينتهي "فؤاد" من مطالعة الملف كاملاً دخلت سكرتيرته معلنة عن بدء الاجتماع.
تسرب شعور بالضيق في نفس "آيات" التي كانت تتمنى أن تتاح لها الفرصة لمعرفة رأيه في الحال.
قامت بحرج وقالت:
"معلش أنا أصلاً اللي غلطانة إني جيت من غير معاد .. إن شاء الله هحدد معاد مع السكرتيرة ونبقى نيجي مرة تانية"
نزع "فؤاد" عويناته ونظر إليها قائلاً:
"تقدري تشرحي الدراسة اللي عملتيها قدام ضيوفي اللي عامل معاهم الاجتماع؟"
تبادلت "آيات" نظرة دهشة مع "أسماء" ثم التفتت إلى "فؤاد" قائلة بإرتباك:
"مش عارفة"
نهض "فؤاد" قائلاً:
"تعالوا معاي"
اتبعته الفتاتان في استسلام.
كاد قلب "آيات" أن يتوقف من شدة التوتر والإرتباك.
دخل "فؤاد" قاعة اجتماعات صغيرة تضم طاولة كبيرة جلس عليها ثلاثة رجال بالإضافة إلى "أحمد" الذي رفع حاجبيه في دهشة لمرأى الفتاتين برفقة والده.
قدم "فؤاد" كل منهم للآخرين. علمت بأن أحد هؤلاء الرجال هو محامي "فؤاد" أما الرجلان الآخران فهما رجلا الأعمال المرشح أن يشارك أحدهما "فؤاد" في مشروع القرية السياحية.
جلس "فؤاد" وظلت الفتاتان واقفين.
قال "فؤاد" وهو يلوح بملف "آيات" في يده:
"الآنسة "آيات" عملت دراسة جدوى لمشروع القرية وحابب إنها تعرضه عليكم بنفسها"
طلب "فؤاد" من السكرتيرة إدارة البروجيكتور.
وقفت "آيات" بجوار الشاشة البيضاء تشعر بتوتر بالغ وقد أصبحت تحت محط أنظار الجميع.
كانت تثق بفكرتها وبمشروعها لكنها لم يسبق أن قدمت بريزينتيشن من قبل. وأمام رجال أعمال ذو أهمية!
استعانت بالله وقامت بعرض الصورة الأولى التي كانت تمثل صورة لدائرة صفراء في منتصفها دائرة صغيرة خضراء وتحدثت قائلة:
"زي ما حضراتكوا عارفين المنطقة اللي في الصورة ملك لمجموعة شركات مصرية وأجنبية ومتقسمة لـ 3 قرى جنب بعض على شكل دايرة .. الـ 3 قرى بيشتركوا في المنطقة الخضرا اللي في النص ودي متقسمة لملعب جولف و اسطبل خيول لممارسة رياضة ركوب الخيل وللـ 3 قرى حق الانتفاع المشترك بيها بحسب تقسيم معين بيكون منصوص في العقد"
تقدمت من البروجيكتور لعرض الصورة التالية والتي كانت تمثل مثلث أصفر ثم التفتت إليهم تتحاشى النظر إلى وجوههم حتى لا تتوتر أكثر وقالت:
"القرية الأولى هي قرية الفيروز .. رجل الأعمال اللي اجرها "سراج اليماني" ومدير القرية هو ابنه "عاصي" .. مميزات القرية دي هي إنها أكبر الـ 3 قرى في المساحة وتقسيم الغرف والشاليهات ممتاز .. القرية الثانية هي قرية جولدن بيتش رجل الأعمال اللي اجرها هو "شكري ..... " .. ومديرها ..."
صمتت برهة وهي تشعر بالتوتر لذكر اسمه. ثم قالت:
"مديرها دكتور "آدم خطاب" .. هي أصغر في الحجم من قرية الفيروز لكن ميزتها الطابع المعماري الأثري اللي فيها .. القرية التالتة وهي قريتنا وهي أصغرهم مساحة لكن ميزتها وجود 2 بيسين بعكس القريتين التانيين اللي فيهم بيسين واحد"
قال أحد الرجلين وهو يمط شفتيه:
"وإيه الميزة في كده؟"
قالت "آيات" بهدوء:
"هشرح دلوقتي .. قرية الفيروز وقرية جولدن بيتش بدأوا منافسة قوية بينهم .. القريتين بيسمحوا بوجود الخمور وكافة أنواع اللحوم .. وقرية جولدن بيتش فيها ملهى ليلي .. وفي المقابل قرية الفيروز فيها مساج للرجال والنساء والقائم عليه بيكون رجال فقط"
قالت الجملة الأخيرة بشيء من التقزز. ثم أردفت:
"زي ما حضراتكوا شايفين هما قريتين سياحيتين كبار بس زيهم زي أي قرية تانية مفيش حاجة بتميزهم غير فروقات بسيطة مبتأثرش كتير .. لو فتحنا القرية التالتة وخدت نفس الطابع بتاع القريتين دول يبقى مستفدناش أي حاجة ومقدمناش أي حاجة جديدة .. وهتبقى منافسة روتينية مش أكتر"
سألتهم فجأة:
"عارفين البطاطس الشيبسي؟"
ابتسم الجميع. قال "أحمد" بمرح:
"أكيد عارفينها"
قالت "آيات" بحماس:
"نتخيل إن اللي بياكل شيبسي في مصر هما 3 مليون فرد .. اتعودوا على منتج بشكل ومواصفات ونكهات معينة .. وبعد فترة جت شركة جديدة نزلت منتج تاني بس المنتج ده بنفس مواصفات ونكهات وطعم المنتج الأول مجرد بس إنهم سموه اسم جديد .. اللي هيحصل إن الـ 3 مليون هيتقسموا نصين نص هيشتري المنتج الأول ونص هيشتري المنتج التاني .. لأن المنتجين زي بعض فمش فارقة كتير .. لو أنا جيت ونزلت منتج بنفس شكل ومواصفات المنتجين التانيين كل اللي هيحصل هو إن الـ 3 مليون هيتقسموا على 3 .. لكن لو أنا جيت وقدمت منتج بإسم جديد .. وشكل جديد ونكهة جديدة وجودة أعلى وكمان عملت عليه تخفيض .. تفتكروا هيفضل عدد اللي بيشتروا الشيبسي هما هماهم الـ 3 مليون؟"
أجابت على نفسها قائلة:
"أكيد لأ .. لأن فيه ناس بتحب نكهات تانية ملقتهاش في المنتجين الأول والتاني .. واللي أنا عملته هو إني وفرت للناس دي النكهة الجديدة اللي تجذبهم .. ده بالإضافة إن الـ 3 مليون اللي اتعودوا على المنتج القديم أكيد الفضول هيدفعهم إنهم يغيروا ويجربوا الجديد .. ولما أنا أهتم بالجودة وأخليها أعلى .. يبقى كسبتهم هما كمان في صفي وأبقى فعلاً ملكت السوق بدون منازع"
صمتت قليلاً تتأمل الوجوه التي تعلقت أنظارهم بها تبغي المزيد من التوضيح.
عرضت إحدى الصور لأحد الشواطئ الخلابة ثم التفتت إليهم قائلة:
"دي صورة من قرية في تركيا .. اللي أنا بقترحه في دراسة الجدوى بتاعتي إننا نعمل زي ما القرية دي عملت بالظبط"
سألها أحد الرجلين باهتمام:
"وإيه اللي عملته القرية دي؟"
قالت "آيات" بثقة:
"أضافت مفهوم جديد للسياحة اسمه السياحة الحلال"
رفع أحد الرجلين حاجبيه بسخرية قائلاً:
"سياحة حلال!"
أما الآخر فقال باهتمام:
"ياريت تشرحي أكتر"
أكملت "آيات" قائلة:
"من كام سنة دخلت تركيا مفهوم السياحة الحلال للقرى والشواطئ بتاعتها .. كان الكل متوقع في البداية فشل ذريع للنوع ده من السياحة .. لكن تركيا أثبتت إن الفكرة ناجحة وناجحة جداً .. عارفين قيمة المبيعات وصلت لكام في خمس سنين؟"
قال أحد الرجلين بروتينية:
"100%"
ابتسمت "آيات" قائلة:
"لأ .. 200%"
ساد الوجوه مزيج من الدهشة والإعجاب.
قال أحد الرجلين:
"طيب وإيه مفهوم السياحة الحلال ده؟ .. وإيه الفرق بينه وبين السياحة اللي بنشوفها في كل القرى اللي بنروحها؟"
قالت "آيات" وهي تعرض صورة للقرية الثالثة مصورة بالأقمار الصناعية:
"أولاً قريتنا هيُمنع فيها منعاً باتاً أي حاجة حرام .. من أول الخمور لحد البكيني"
ضحك أحد الرجلين بصوت عالٍ وهو يرجع رأسه إلى الخلف ويقول:
"حلوة دي .. هنمنع البكيني .. إزاي بقى ممكن أفهم .. أمال الناس هتلبس إيه؟"
كظمت "آيات" غيظها وأكملت قائلة:
"ثانياً بالنسبة لحمام السباحة .. زي ما قولت إن قريتنا فيها حمامين سباحة ودي ميزة كويسة جداً .. لأن اللي هيحصل هو إننا هنخصص بيسين للرجال وبيسين للستات .. بيسين الرجالة هنسمح فيه بدخول الرجال والصبيان والبنات تحت سن 7 سنين .. وبيسين السيدات هنسمح فيه بدخول السيدات والبنات الصغيرة والصبيان من تحت سن 7 سنين .. ومش بس كده .. هيبقى فيه حد أدنى للبس .. يعني في حمام السيدات ممنوع لبس البكيني وهيلتزموا بالمواصفات الشرعية للبس اللي المفروض تلبسه السيدات قدام بعضهم وكذلك في حمام الرجالة .. طبعاً القائمين على حمام الرجالة هيكونوا كلهم رجال من أول عامل النظافة لحد المدير المسؤول .. ونفس الشئ في حمام السيدات"
اندفع أحد الرجلين يقول بحدة:
"ها وبعدين .. هتعملي إيه بقى على البيلاج .. أظن هتقوليلنا نقفل البيلاج أحسن"
قالت "آيات" بهدوء:
"لأ طبعاً إزاي نقفل البيلاج .. سياحة الشواطئ هتفضل زي ما هي .. دي متعة في حد ذاتها .. مفيش حد بيسافر مصيف أو قرية إلا وبيحب إنه يقعد على الشط وينزل البحر"
صمتت قليلاً ثم قالت بحزم:
"بس برضه هيبقى فيه شروط للحد الأدنى من اللبس .. وأظن نوعية الناس اللي هتيجي القرية عشان يفصلوا بين الرجالة والستات في حمامات السباحة مستحيل يقبلوا بعري على الشط .. يعني واحد بيغير على مراته وجه قريتنا عشان تبقى بحريتها في حمام السباحة بعيد عن عيون الرجالة مش معقول أبداً أول ما يقعد معاها على البيلاج يلبسها بيكيني أو لبس مكشوف!"
قال الرجل وهو ما زال محتداً:
"إنتي بتتكلمي عن مين بالظبط .. مين اللي هيحب سياحة زي دي .. و إنه يقعد في قرية بالمنظر ده؟"
قالت "آيات" دون أن تسمح له بإخراجها عن طورها بأسلوبه:
"اللي هيحب النوع ده من السياحة هو كل راجل مصري عنده نخوة وكرامة وبيغير على بنته ومراته وأمه وأخته .. وكل ست في مصر بتغير على جوزها وابنها من إنه يشوف مناظر مش كويسة .. المصريين بالفطرة عندهم نزعة دينية .. حتى لو الواحد بيعمل غلط برضه بيفضل يغير على مراته وميقبلش عليها الهوا .. فيه ناس كتير أوي في مصر عندها إمكانيات إنها تروح قرى سياحية بس مبيرضوش عشان المناظر اللي هما متأكدين إنهم هيشوفوها هناك .. الناس اللي قاعدة في بيوتها دي ونفسها تصيف في مكان محترم متشلش فيه ذنوب وفي نفس الوقت تستمتع"
رواية جواد بلا فارس الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم بنوته اسمرة
أخذت "آيات" تتمشى بغير هدى، سابحة في أفكارها وأحلامها وطموحاتها. أخذتها قدماها إلى الفيلا، التي شهدت كل ذكريات طفولتها وصباها. نظرت إلى الفيلا من البوابة الحديدية بنظرة اشتياق ممزوجة بالحزن. تنهدت، وهي تتحسر على تلك الأيام التي ولت ولن تعود. ترقرقّت دموع الشوق في عينيها، الشوق لبيتها القديم، لوالدها، لـ "حليمة"، لحياتها السابقة.
ثم ما لبثت أن نفضت تلك الذكريات عنها والتفت لتعود أدراجها. لكنها فجأة وجدت من يمسك بذراعها من الخلف. التفتت بحدة، فاصطدمت عيناها برجل سمح الوجه، ذي لحية سوداء، أنيق الملبس. ارتسمت على ثغره ابتسامة عذبة، وفي عينيه نظرة سعادة ومرح. نظرت إليه لبرهة، ثم ما لبثت أن رسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، ونظرت إليه بشوق ولهفة وعدم تصديق، وهتفت بسعادة بالغة:
"كريم!"
اتسعت ابتسامته وهو يقول إليها:
"آيات! مش مصدق، كبرتي يا بنت انتي."
أطلّت الفرحة من عينيها وهي تقول بسعادة:
"أنا اللي مش مصدقة، كريم انت جيت امتى؟ وطنط وعمو جم معاك ولا لأ؟"
قال لها مبتسماً:
"لا، محدش جه غيري. هما لسه في النمسا."
ثم أخذ نفساً عميقاً وقال:
"أنا اللي اشتقت لمصر أوي، فخدت بعضي وجيت."
قالت "آيات" بفرحة كالأطفال:
"أنا فرحانة أوي إنك جيت، بجد فرحانة أوي."
ثم قالت بعتاب:
"رغم إنك مبتسألش عليا."
قال معتذراً:
"معلش، أنا عارف إني قصرت معاكي. بس بجد من يوم ما سافرت وأنا مطحون شغل، لحد ما قولت ستوب كفاية أوي كده. الواحد بأه ينزل بلده يعمله فيها مشروع صغير على قده ويتجوز ويستقر بأه."
ابتسمت قائلة بمرح:
"إيه ده انت لسه عانس؟ مش عيب عليك، ده انتي دلوقتي عندك ييجي 33 سنة."
أطلق "كريم" ضحكة عالية ثم قال:
"هو فيه راجل بيعنس يا تحفة انتي."
قالت "آيات" مازحة:
"أنا قولت بأه هترجع وفي ايدك واحدة نمساوية مستوردة."
ضحك قائلاً بمرح:
"لا مليش أنا في المستورد، البلدي يوكل برده."
ابتسمت وقالت وهي تنظر إليه بسعادة:
"بجد لسه مش قادرة أصدق إني شوفتك."
نظر إليها بسعادة وهو يقول:
"أنا اللي مبسوط أوي إني شوفتك، ونفسي أشوف عمو عبد العزيز أوي. هو في الفيلا ولا في الشركة؟"
ألقت "آيات" نظرة حزينة على الفيلا، ثم ترقرقّت عيناها بالدموع وهي تقول:
"بابا اتوفى يا كريم."
اختفت ابتسامة "كريم" لتحمل محلها تقطيبة جبينه وهو يهتف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله."
نظر إليها يتأمل عبراتها المتساقطة وشهقات بكائها قائلاً بأسى:
"طيب ادخلي دلوقتي ونتكلم بعدين عشان مينفعش تعيطي كده في الشارع."
مسحت عبراتها لتقول بمرارة:
"الفيلا اتباعت، أنا مبقتش عايشة هنا."
نظر إليها بدهشة، ثم قال:
"إزاي يعني؟"
صمتت وهي تطرق برأسها أرضاً لتتساقط عبراتها من جديد. جذبها من ذراعها وفتح باب إحدى السيارات الواقفة أمام الفيلا المواجهة لفيلا "آيات" القديمة وقال:
"ارركبي يا آيات."
ركب خلف المقود وانطلق بها إلى أحد المطاعم. نظرت إلى النيل بجوارها وهي شارده. تأملها قائلاً:
"فاكرة لما كنت بفسحك وأجيبك هنا؟"
التفتت تنظر إليه وهي تقول بإبتسامة حزينة:
"أيوه فاكرة."
انحنى "كريم" على الطاولة واضعاً ذراعيه فوقها وهو ينظر إليها قائلاً:
"احكيلي يا آيات، شكلك متغير كتير، حاسك بقيتي أكبر من سنك. اتكلمي امتى عمو اتوفى وليه بعتي الفيلا وعايشة فين دلوقتي؟"
قالت بأسى:
"أنا فعلاً حاسة إني عندي 50 سنة يا كريم، موجوعة أوي، من كل حاجة."
نظر إليها بإشفاق قائلاً:
"طيب اتكلمي، ولا خلاص معدتيش بتعتبريني أخوكي الكبير؟"
مسحت عبرة متساقطة وهي تقول:
"لأ طبعاً إزاي، انت فعلاً أخويا يا كريم، وطول عمري بحب أحكيلك مشاكلي وبحب إنك تنصحني."
"طيب اتكلمي أنا سامعك."
أخذت نفساً عميقاً. ثم... روت عن وفاة والدها وعما قاسته من بعده من الديون والإفلاس والبقاء بلا مأوى. كان يعقد حاجبيه بقوة وهو يستمع إليها وينظر إليها بأسى. انتهت من كلماتها فأعطاها منديلاً تكفكف به دمعها وهو يقول بحنان:
"مش عايزك تخافي طول ما أنا موجود يا آيات."
نظرت إليه بامتنان لما بثته كلماته القليلة، الكثير من الأمان بداخلها. فأكمل قائلاً بحزم:
"أول حاجة لازم تحصل إنك تسيبي شقة زميلك دي، ميصحش تعدي في شقة واحد غريب وأخوكي موجود."
ابتسمت ولم تعقب، فأكمل بحيرة:
"وصحبتك دي اللي حكايتها حكاية، كده مش هينفع تعدي معايا في الفيلا، بس مفيش مشكلة هسيبهالكوا وانزل أنا في أي فندق مؤقتاً لحد ما نشوف الأمور هترسي على إيه."
قالت "آيات" على الفور:
"لأ يا كريم مش معقول نخرجك من بيتك، وبعدين أنا خلاص هشتغل وهيبقى لي مرتب."
قال "كريم" بجدية:
"ولحد ما تشتغلي ويبقى لك مرتب إزاي تفضلي عايشة في شقة زميلك يا آيات؟"
قالت بحرج:
"أنا اضطريت أعمل كده، مكنش قدامي غير كده."
تنهد قائلاً:
"عارف، بس طالما في بديل يبقى خلاص الوضع ده ميصحش يستمر أكتر من كده. هتيجي تعدي انتي وصحبتك في الفيلا، لحد ما الأمور تتظبط."
فكر قليلاً ثم نظر إليها وقال:
"شركة إيه اللي هتشتغلي فيها؟ انتي بتقولي شركة والد زميلك، طيب هتشتغلي إيه يعني؟"
"هشتغل في مكتب سياحي."
رفع حاجبيه في دهشة ثم قال:
"مكتب سياحي؟"
صمت وعلامات الضيق على وجهه ثم قال:
"طيب مش وقت كلام في الموضوع ده دلوقتي، أهم حاجة دلوقتي إنك تنقلي من الشقة دي النهاردة."
أوصلها "كريم" إلى بيت "أحمد"، والتفت إليها قائلاً وهو ينظر إلى العمارة وإلى المنطقة حولها:
"تحبي أستناكي؟"
التفتت إليه وقالت:
"لأ، هناخد وقت على ما نرتب حاجتنا. هتصل بيك لما أخلص."
أخرجت هاتفها وقالت:
"قولي رقمك يا كريم."
أمسك منها الهاتف ودون رقمه ثم اتصل به. ثم قال:
"قوليلي رقم زميلك عشان أتصل بيه أشكرة."
قالت له "آيات":
"مش معايا رقمه، هو مع أسماء صحبتي."
"طيب خلاص ابعتيهولي في رسالة عشان أعرفه إنكوا هتسيبوا الشقة وأشكره على اللي عمله معاكي."
أومأت برأسها وتوجهت إلى البناية. استقبلتها "أسماء" قائلة:
"كنتي فين يا بنتي؟"
أغلقت "آيات" الباب وعلامات الفرح على وجهها وقالت:
"كريم رجع من السفر."
نظرت إليها "أسماء" بإستغراب وهي تقول:
"كريم مين؟"
قالت "آيات" بحماس وهي تضع حقيبة يدها فوق المقعد:
"كريم جارنا، أخويا في الرضاعة اللي حكيتلك عنه."
قالت "أسماء" وهي تمط شفتيها:
"مش فاكرة، أنا فاكرة إنك قولتيلي ليكي أخ بس مش فاكرة انتي قولتيلي إيه عنه."
قالت "آيات" وهي تجلس على أحد المقاعد:
"ده ابن جيراننا اللي في الفيلا اللي قصادنا، مامته كانت صاحبة ماما الله يرحمها. ولما ماما اتوفت بعد ولادتي طنط دي رضعتني عشان كانت لسه والدة جديد. ومن كام سنة سافروا كلهم النمسا عشان عمو باباه جاله شغل هناك و"كريم" اشتغل هو كمان هناك."
ثم أضافت بسعادة:
"بس هو دلوقتي رجع مصر لوحده. فرحت أوي لما شوفتة تاني، بجد كنت مفتقداه جداً. كريم ده يا بنتي أنا كنت بعتبره بابا التاني مش بس أخويا."
ضحكت "أسماء" بتهكم وقالت:
"بابا!"
قالت "آيات" بحماس وهي تقف في مواجهتها:
"تعرفي إنه قالي إننا نسيب الشقة ونروح نعد عنده في الفيلا."
نظرت إليها "أسماء" بدهشة. وبدت شارده. قالت لها "آيات" بقلق:
"إيه في إيه؟ مفرحتيش ليه؟ افتكرتك هتفرحي."
قطبت جبينها قائلة:
"مش عارفه. أنا طبعاً واثقة فيه لأنك واثقة فيه، بس أنا بقيت أخاف من الناس كلها. وانتي بتقولي إنه رجع لوحده يعني عايش لوحده."
ثم استدركت:
"ولا هو متجوز؟"
"لأ مش متجوز. بس متقلقيش، هو أصلاً قالي إنه مش هيعد في الفيلا وهيسبني أعده فيها أنا وانتي لوحدنا لأنه بصراحة شاف إنه ميصحش إنك تعدي في الفيلا وهو موجود فيها."
رفعت "أسماء" حاجبيها بدهشة وقالت مبتسمة:
"ده شكله طيب أوي."
قالت "آيات" بحماس:
"طيب موووت. بجد أكتر حد محترم ممكن تقابليه في حياتك."
ضحكت "أسماء" قائلة:
"يا خسارة مامته دي عملت فيكي فصل بايخ أوي، كان لازم ترضعك يعني حبك."
قالت "آيات" بمرارة وفي عينها نظرة حزينة:
"لأ كدة أحسن، لأن علاقة الأخوة هي اللي بتدوم، لكن الحب بيخلص بسرعة."
اختفت ابتسامة "أسماء" وهي تنظر إلى "آيات". بدت على وشك البكاء لكنها تداركت نفسها بسرعة وهي تقول بمرح زائف:
"يلا بأه عشان نلم حاجتنا، هو مستني اتصال مني."
عكفت الفتاتان على تعبئة أغراضهما. حانت من "أسماء" التفاتة قائلة:
"شكله إيه كريم ده؟"
قالت "آيات" وهي تضع ملابسها في حقيبتها:
"ريحي نفسك، مش استايلك."
"مش استايلي إزاي يعني؟"
التفتت إليها "آيات" قائلة:
"ملتحي وبيدقق في كل حاجة. يعني بالنسبة لك هتشوفيه متشدد ورجعي."
قالت "أسماء" بتهكم:
"آه، قولتيلي."
ابتسمت "آيات" وهي تقول شاردة:
"كان بينصحني في حاجات كتير وكنت على طول بسمع كلامه. بس لما سافر ودخلت الجامعة، معرفش. حسيت إني لوحدي. ونسيت كل اللي عملهولي واللي كان بيقولهولي."
تنهدت بأسى قائلة ونظرة حزن في عينيها:
"ياريتُه فضل هنا، خاصة لما بدأت أدخل الجامعة وأشوف ناس وأختلط بناس. أكيد كان هيغير نظرتي لحاجات كتير."
لمعت دمعة في عينها وهي تقول:
"وأكيد كان هيغير مشاعري تجاه حاجات كتير."
توقفت "أسماء" عن تعبئة أغراضها ثم نظرت إلى صديقتها وسألتها بشك:
"آيات، انتي لسه...؟"
قاطعتها "آيات" على الفور وقالت بصرامة شديدة:
"لأ."
ثم التفتت إلى حقيبتها تعاود جمع أغراضها. وقفت "أسماء" تنظر إليها للحظات. ثم انهمكت هي الأخرى فيما تفعل.
***
طرق "أحمد" باب مكتب والده في المنزل. دخل ليجد والده جالساً مستغرقاً في التفكير. ابتسم وهو يجلس قبالته قائلاً بمرح:
"كانت جامدة صح؟"
نظر إليه والده فأكمل "أحمد" بحماس:
"بجد أفكارها روعة، ولو اتطبقت فعلاً هنبقى فعلاً كسبنا السوق. أنا رأيي ندخل بقلب جامد، الاقتراحات اللي قالتها آيات بجد ممتازة."
اختفت ابتسامته وهو ينظر إلى والده الذي يجلس واجماً. سأله "أحمد" بإهتمام:
"في حاجة يا بابا؟"
قال "فؤاد" وهو يخلع عويناته ليعبث بها:
"الرجلين اللي كانوا هيشاركوني، رفضوا الفكرة اللي آيات طرحتها."
ثم أطلق تنهيدة وقال:
"للأسف الاتنين رفضوا."
مط "أحمد" شفتيه في تبرم ثم قال:
"مش مشكلة، أكيد هنلاقي حد غيرهم يشاركنا."
ثم نظر إلى والده وقال بحنق:
"وبعدين مش إحنا اتفقنا أسبوع ويفكروا؟ إيه اللي خلاهم يردوا دلوقتي ومفتكرش كام ساعة من الاجتماع؟"
قال "فؤاد" بحيرة:
"مش عارف."
ثم نظر إلى "أحمد" وقال بحزم:
"أفكارها فعلاً عجبتني، خاصة إنها هتريح ضمير الواحد من إنه يضطر يسمح بحاجات مش مظبوطة. يعني الواحد هيشتغل ويكسب وينافس وكمان هيكون ضميره مرتاح."
رجع ظهره إلى الخلف قائلاً بحزم:
"أنا هنفذ أفكارها كلها، ومش بس كده... أنا كمان هخليها تشتغل في القرية نفسها مش في المكتب السياحي هنا."
ابتسم "أحمد" فقال والده مبتسماً:
"وإن شاء الله هلاقي حد يشاركني، رجال الأعمال المحترمة كتير وأكيد حد فيهم هتعجبه الفكرة إن شاء الله."
قال "أحمد" بلهفة:
"يعني أفرحها وأبشرها؟"
"أيوه، خلاص آيات من النهاردة موظفة في شركتي، وطبعاً أسماء صحبتها."
خرج "أحمد" متوجهاً إلى سيارته عازماً على الذهاب إلى "آيات" ليخبرها بتلك البشرى بنفسه، يرى علامات السعادة على وجهها. رن هاتفه فرد قائلاً وهو يستعد لركوب السيارة:
"ألو."
"أستاذ أحمد فؤاد؟"
"أيوه أنا يا فندم."
"مع حضرتك كريم أخو آيات."
توقفت يد "أحمد" على مفتاح السيارة وهو يعقد حاجبيه في دهشة. أكمل "كريم" قائلاً:
"أنا متشكر جداً على اللي حضرتك عملته مع أختي، وهي وصحبتها هيسيبوا الشقة النهاردة، فياريت نتقابل عشان أديلك مفتاح الشقة."
صمت "أحمد" يحاول أن يتوعب ما يسمع ثم قال:
"مفيش مشكلة، شوف تحب نتقابل فين؟"
"أنا مستني تليفون من آيات لما هتخلص لم حاجتها هي وصحبتها هتكلمني ساعتها هكلمك وأجيلك أسلمك المفتاح."
أنهى "أحمد" المكالمة وهو شارداً ثم هتف بحنق ممزوج بالدهشة:
"ده مين كريم ده إن شاء الله."
أدار سيارته وانطلق في طريقه إلى "آيات".
***
رن جرس الباب. فقالت "آيات" وهي تتوجه لفتحه:
"أكيد كريم."
فتحت الباب لكنها شعرت بالدهشة لمرأى "أحمد". قال بوجوم:
"إزيك يا آيات."
"الله يسلمك."
بدا عليه الضيق وهو يقول:
"كنت جاي عشان أبشرك إن بابا عجبته أفكارك اللي طرحتيها في الاجتماع وإن شاء الله هتشتغلي معاه انتي و أسماء، وكمان هتشتغلوا في القرية نفسها مش في المكتب السياحي."
اتسعت ابتسامة "آيات" وهي تتمتم:
"الحمد لله."
قال لها فجأة:
"مين كريم ده؟"
"هو كلمك؟"
"أيوه وبيقولي إنه أخوكي، انتي أصلاً ملكيش إخوات."
"ده أخوكي في الرضاعة، كان مسافر النمسا ورجع."
أومأ برأسه وهو يقول بضيق:
"مفيش داعي تسيبي الشقة أصلاً، محدش ساكن فيها ومحدش فينا بيروحها."
في تلك اللحظة انفتح باب المصعد ليخرج منه "كريم". امتقع وجهه لرؤية ذلك الغريب واقفاً مع "آيات" أمام باب البيت. اقترب منهما فقالت "آيات" بتوتر:
"إزيك يا كريم.. ده أحمد زميلي اللي كلمتك عنهم."
مد "كريم" يده وسلم عليه قائلاً:
"أهلاً وسهلاً يا أستاذ أحمد."
نظر إليه "أحمد" بدهشة وهو يقول:
"الله يسلمك."
"شكراً على اللي عملته مع أختي."
"لأ أبداً مفيش حاجة."
التفت "كريم" إلى "آيات" قائلاً:
"خلصتوا؟"
قالت وهي تدلف للداخل:
"أيوه ثواني هجيب الشنط."
دخلت للحظات كان "أحمد" يرمق خلالها "كريم" بدهشة وبدا وجهه كعلامة استفهام كبيرة. كاد أن يفتح فمه للتحدث لكن أقبلت "آيات" في تلك اللحظة ومعها "أسماء". أسرع "كريم" بحمل الحقيبتين، وأخذ المفتاح من يد "آيات" وسلمه إلى "أحمد" قائلاً وعلى ثغره ابتسامة:
"متشكر مرة تانية."
ثم أشار إلى الشقة قائلاً:
"تقدر تتمم على كل حاجة في الشقة قبل ما نمشي."
قال "أحمد" على الفور:
"لأ طبعاً."
كانت "أسماء" ترمق "كريم" بنظراتها المتفحصة وقد اتسعت عيناها دهشة. فتح لهما "كريم" باب المصعد وقال:
"اسبقوني وهنزل بعدكم."
وبمجرد أن انغلق باب المصعد التفتت "أسماء" إلى "آيات" وقالت بحدة:
"انتي بتستعبطي يا آيات؟ انتي عايزة تفهميني إن الراجل ده أدنا في السن؟"
قالت "آيات" وهي تضحك بشدة:
"لأ طبعاً، كريم أكبر مني بـ 11 سنة يعني عنده دلوقتي 33 سنة."
صاحت "أسماء" بدهشة:
"يعني عايزة تفهميني إن مامته كانت بترضعه وهو عنده 11 سنة؟!"
انخرطت "آيات" في ضحك متواصل حتى انفتح باب المصعد. خرجت منه ومازالت تضحك إلى أن قالت "أسماء" بغيظ:
"يا بنتي فهميني.. إزاي أخوكي في الرضاعة؟"
قالت "آيات" من بين ضحكاتها:
"يا بنتي مامته كانت حامل وولدت بس البيبي مات، عشان كده قدرت ترضعني وقتها لأنها ولدت بعد ما ماما الله يرحمها اتوفت بفترة صغيرة."
هتفت "أسماء":
"آه، قولتيلي.. ده أنا اتجننت لما شفته لأن شكله مش سنك خالص، قولت البنت دي بتسرح بيا ولا إيه."
صمتت قليلاً ثم قالت:
"بس كان معاكي حق، مش استايلى."
ابتسمت "آيات" وهي تقول بتهكم:
"أيوه أنا فاهماكي كويس، انتي عايزة واحد أبو جل في شعره وحظاظة في إيده وسلسلة في صدره وبيقول مامى وبابى."
وكزتها "أسماء" بكوعها قائلة:
"ها ها ها خفة، مش للدرجة دي يعني، بس على الأقل يكون ستايليش."
نظرت إليها "آيات" بتحدي قائلة:
"ليه هو انتي شايفة كريم مش ستايليش؟ على فكرة طول عمره بيهتم بلبسه وبشكله جداً."
قالت "أسماء" بتهكم:
"بس شكله عقد يا بنتي، دي كفاية دقنه اللي مدياه سن أكبر من سنه. مشوفتيش خد منك المفتاح إزاي واداه هو لـ أحمد؟ لأ وكمان مرضيش يركب معانا الأسانسير، على أساس إني امرأة والمرأة عورة يعني."
قالت لها "آيات" بغيظ وهي تنظر إلى "كريم" و "أحمد" الخارجان من البوابة:
"عمل كده عشان ما يضايقكيش يا متخلفة."
اقترب "أحمد" منهما وقد بدا عليه الضيق قال لـ "آيات":
"لو احتجتي أي حاجة كلميني يا آيات."
نظر إليه "كريم" بضيق، فقالت "آيات" بتوتر:
"شكراً يا أحمد."
التفت إلى "أسماء" ومد يده قائلاً:
"سلام يا أسماء، لو احتجتي حاجة كلميني في أي وقت، رقمي معاكي."
ابتسمت "أسماء" وسلمت عليه قائلة:
"ميرسي يا أحمد."
انطلق "كريم" بسيارته متوجهاً إلى الفيلا. كانت "أسماء" ترمقه من المقعد الخلفي بشيء من الفضول. لاحظت أنه لم ينظر إليها في المرآة قط، فأشاحت بوجهها تنظر من شباك السيارة وهي تبتسم بسخرية. أوقف "كريم" سيارته والتفت إلى "آيات" قائلاً بحنان:
"محتاجين نقعد ما بعض قعدة جامدة، يلا انزلي ارتاحي دلوقتي ولو احتجتي حاجة كلميني."
ثم رفع حاجبه بحزم قائلاً:
"كلميني أنا ها، مش حد تاني."
قالت "آيات" على الفور:
"أصلاً مكنتش هتصل بيه يا كريم، وبجد ملجأتلوش غير لما مكنش في حد قدامي غيره."
ثم هتفت فجأة:
"آه على فكرة باباه قال إنه خلاص موافق على شغلي عنده أنا و أسماء."
"طيب يلا انزلي دلوقتي ونتكلم بعدين."
***
اقتربت الشمس من المغيب مودعة هذا اليوم، واعدة بفجر يوم جديد. جلس "آدم" في شرفة الشاليه ماسكاً مصحفه، خاشعاً قلبه، دامعة عيناه. اقترب منه "زياد" قائلاً:
"مساء الخير يا آدم."
قاطع "آدم" التلاوة والتفت إليه قائلاً:
"أهلاً يا زياد."
جلس "زياد" أمامه وهو ينظر إلى هاتف "آدم" المغلق والموضوع فوق طاولة صغيرة قائلاً:
"قافل موبايلك ليه؟"
"كنت مضايق شوية ومكنتش عايز وجع دماغ."
زفر "زياد" بضيق وقال:
"أحسن إنك قفلته."
"في حاجة حصلت؟"
قال "زياد" بحنق:
"شكري اتصل وأعد يجعر عشان الخمرة اللي رجعناها المخازن وفضل يقول كلام ملوش لازمة وعايزك تفتح تليفونك عشان يكلمك. كنت واثق إنه هيعملنا مشاكل."
مط "آدم" شفتيه وقال:
"أكيد ساندي اللي قالتله."
"أكيد طبعاً."
قال "آدم" بهدوء:
"أصلاً كان لازم هيعرف، دي في الأول والآخر قريته."
"طيب ناوي على إيه؟ هو شكله فعلاً مش هيتراجع عن موضوع الخمرة ده، مش فاهم ليه، واخدها على قلبه أوي."
قال "آدم" وهو يعاود النظر إلى مصحفه:
"يعمل اللي يعمله، أنا كمان مش هتراجع."
كاد أن يبدأ في التلاوة مرة أخرى، لكنه نظر إلى هاتفه الموضوع فوق الطاولة والتقطه وفتحه. وقف يجرى اتصالاً فرمقه "زياد" بنظرات الفضول قائلاً:
"هتكلمه؟"
أومأ "آدم" برأسه. كانت المكالمة عاصفة. احتد فيها "شكري" قائلاً:
"إزاي يعني يا دكتور ترجع الخمرة المخازن تاني؟ انت عايز تضحك الناس علينا ولا إيه؟"
قال "آدم" بحزم:
"لأ مش عايز أضحك الناس علينا، بس أنا شايف إن ملهاش لازمة ونقدر نمشي القرية من غيرها."
قال "شكري" بحدة:
"إزاي يعني يا دكتور؟ إزاي نبقى قرية فايف ستارز من غير الخمرة اللي السياح بيشربوها زي الماية. كده إحنا بننزل خطوة وبنسمح لـ عاصي وأبوه إنهم يسبقونا. لما قريتهم يقدموا فيها خمرة واحنا لأ، كده إحنا بنقول للسياح سيبوا قريتنا وروحوا لقريتهم."
قال "آدم" بعناد وهو يشعر بالضيق من هذا الحوار:
"لأ مش لازم يكون فيه خمرة عشان السياح يتمسكوا بالإقامة في قريتنا. وبعدين إحنا متميزين عن قرية الفيروز بحاجات كتير، وكمان..."
قاطعه "شكري" قائلاً بحزم:
"الخمرة اللي رجعت المخازن أنا هكلمهم دلوقتي يرجعوها القرية تاني وياريت تستقبل العربية اللي جايه أو تخلي حد يستقبلها."
صمت "آدم" قليلاً ثم قال بصرامة:
"لو العربية جت همشيها يا شكري."
صاح "شكري" محتداً:
"انت بتقول إيه؟"
قال "آدم" بعناد وهو لا ينوي التراجع في هذه النقطة:
"بقول اللي سمعته. أنا مدير القرية مش انت، وأنا اللي أديرها بطريقتي اللي شايفها صح."
صاح "شكري" محتداً بشدة:
"طيب أنا عندي اجتماع دلوقتي، نتكلم بعدين يا دكتور.. بس اعمل حسابك إني مش هقبل أبداً إنك تهد الإسم اللي عملناه في الفترة اللي فاتت."
انتهت المحادثة بينهما بطريقة عاصفة كما بدأت. وقف "آدم" ينظر إلى قرص الشمس الذي غرب، بحيرة وتردد وخوف وحزن. مشاعر كثيرة متضاربة وأفكار بداخله تأتي وتذهب. التفت إلى "زياد" قائلاً:
"يلا نصلي المغرب."
***
"زي ما بقولك كده، اشتغلت مع فؤاد. أنا لسه الخبر واصلني طازة."
تفوه "عاصي" بذلك بحدة عبر الهاتف. فقال "راج" بحزم:
"هي اتجننت ولا إيه؟ هي مش عارفه إنهم منافسين لينا؟"
قال "عاصي" بغيظ وكأنه يتحدث إلى نفسه:
"بأه حتة بت زي دي لا راحت ولا جت ترفض تشتغل معايا وتروح تشتغل مع اللي اسمه فؤاد ده."
"أنا مش غايظني إلا الكلام اللي هيتقال دلوقتي. لما بنت أخو سراج اليماني تشتغل في قرية منافس له معنى كده إنها شافت القرية التانية دي أفضل من قرية عمها."
قال "عاصي" بغضب:
"شكلها عايزة تتقرص من ودنها عشان تتظبط."
"استنى يا عاصي، لما نشوف آخرتها إيه. بلاش تهور."
صاح "عاصي":
"كل شوية استنى يا عاصي، استنى يا عاصي لحد ما الناس هتركبنا يا بابا. في مواقف مينفعش فيها أستنى. البت دي لو اشتغلت مع فؤاد هيستغل وجودها في قريته لمصلحته، ومش بعيد ينشرها في الجرايد وبالبنط العريض، بنت عيلة اليماني بتشتغل في قريته ورفضت الشغل في قرية عمها."
ضاقت عيناه ليقول:
"لازم قرصة ودن عشان تتظبط."
***
جلست "آيات" بصحبة "كريم" في أحد المطاعم وقد بدا عليهما الاستغراق في الحديث. قالت:
"صدقني يا كريم، الراجل بجد محترم، وأنا حابة أشتغل معاه."
قال "كريم" بشيء من الضيق:
"اسمها أشتغل عنده مش معاه. وبعدين انتي محتاجة الشغل في إيه؟"
قالت "آيات" بإستغراب:
"إيه اللي محتاجة فيه إيه؟ محتاجاه عشان أعيش وأصرف على نفسي."
ينظر إليها "كريم" قائلاً:
"وأنا روحت فين؟ وبعدين كفاية أوي إحساسي الفظيع بالذنب إني مسألتش عنك الفترة اللي فاتت. بس بجد دوامة الشغل كانت واخدهني ومعرفتش أبداً باللي حصل لوالدك الله يرحمه. لو كنت عرفت صدقيني كنت هنزل مصر فوراً وآخدك وأرجع بيكي على النمسا، مكنتش سيبتك أبداً لوحدك كده."
ثم استطرد قائلاً:
"بس ملحوقة، أديني رجعت أهو."
"أنا كمان قصرت في حقك وفي حق طنط وعمو، بس معرفش ليه الاتصالات اتقطعت فجأة وكل واحد بقى في وادي. أنا حتى فقدت الأمل إنكم ممكن ترجعوا مصر تاني، وقولت خلاص مش هشوفكم تاني أبداً."
نظر إليها بعتاب قائلاً:
"وليه متصلتيش بيا لما ده كله حصل؟"
قالت "آيات" بشرود:
"معرفش، كل حاجة حصلت بسرعة، في فترة صغيرة كان لازم أسيب البيت. ولما دادة حليمة عرضت عليا أعيش معاها قولت بس الدنيا اتظبطت وهلاقي شغل وهعرف أعيش. جه موضوع الزلزال ده وفجأة لقيت نفسي في الشارع وكان لازم أتصرف في نفس اليوم وإلا كنت هقضيه في الشارع. فكان أحمد أقربلي وأسرع في إنه يساعدني وبعدها على طول قالي على موضوع الشغل عند باباه. قولت بس أهي اتحلت."
قال "كريم" بإستغراب:
"معقول ملكيش صحاب خالص تلجأيلهم؟"
تنهدت "آيات" قائلة:
"أقرب واحدة ليا هي أسماء وأنا وهي ظروفنا واحدة. في بنتين كنت عارفاهم في رحلة وبجد بحبهم، بس مكانوش هيقدروا يساعدوني إني ألاقي شغل. هما عارفين من زمان إني محتاجة شغل، ولو كان حد فيهم أمامه شغل مناسب كان قال لي على طول. وبعدين أنا لما اتصلت بـ أحمد اتصلت عشان عارفة إنه باباه عنده شركة وإنه يقدر يشغلني. ولما قالنا على شقتهم وإننا هنفضل لوحدنا قولت أحسن ما أفرض نفسي على إيمان اللي أنا عارفة ظروفها كويس، ولا على سمر اللي ممكن مامتها تضايق من وجودنا. لكن شقة أحمد كنا قاعدين فيها لوحدنا."
قال "كريم" بحزم:
"غلطانة طبعاً. هو ملهوش جيران؟ وشايفين بنتين في الشقة، وميعرفوش إيه القصة بالظبط؟ ده غير إنه من الواضح إنه كان بيجي الشقة كمان."
قالت "آيات" على الفور:
"لأ والله مكنتش بدخله، كان بيبقى واقف على الباب."
قال "كريم" وينظر إليها بحزم:
"حتى لو مكنش بيدخل الوضع مكنش مظبوط أبداً يا آيات."
دمعت عيناها وهي تقول بضيق:
"معرفش بأه، هو ده اللي حصل وقتها. أنا أصلاً كنت طالعة من المشرحة ومكنتش عارفة أركز. أصلاً أنا لما كلمته مكنتش عارفة أنا عايزة منه إيه، بس قولت ممكن يساعدني في شغل أصرف منه."
ربت "كريم" على كتفها قائلاً:
"طيب خلاص متضايقيش نفسك، اللي حصل حصل."
قالت "آيات" وهي تعاود الحديث في نقطة العمل:
"كريم، انت مش ملزم تصرف عليا، وبجد أنا متحمسة للشغل جداً."
صمت "كريم" لبرهة ثم قال بضيق:
"آيات، انتي عارفة يعني إيه شغل في قرية سياحية؟ عارفة إيه اللي بيحصل هناك؟"
قالت "آيات" بحماس:
"لأ متخافش، مفيش حاجة من اللي انت خايف منها دي خالص."
"إزاي يعني؟"
شرحت له "آيات" أفكارها للقرية اللي طرحتها على "فؤاد" ورجال الأعمال. فقال "كريم" مبتسماً:
"كبرتي يا آيات، وبقيتي بتعرفي تفكري."
قالت بغضب مصطنع:
"قصدك إيه بأه؟ قصدك إني كنت غبية يعني؟"
ضحك "كريم" وقال:
"لأ مش قصدي، بس أنا فاكرك آيات البنوتة بتاعة ثانوي، آخر مرة شوفتك فيها فاكرة؟"
"طبعاً فاكرة، ده أنا يوميها عيطت عياط. ربنا يسامحكم سيبتوني وسافرتوا."
ابتسم قائلاً:
"خلاص أديني رجعت أهو، وانتي كبرتي وبقيتي عروسة."
ثم نظر إليها نظرة ذات مغزى وقال:
"رغم إن فيكي حاجات كده مش عاجباني."
علمت "آيات" أنه يقصد ملابسها فقالت بحرج:
"أصلاً اللي انت شايفه ده تقدم."
رفع حاجبيه وقال:
"تقدم! ليه انتي كنتي بتلبسي إيه قبل كده؟"
لم تجب وأشاحت بوجهها. فقال بحنق:
"أوعي تقولي زي صحبتك؟"
قالت "آيات" وشعور بالضيق والندم يلازمها:
"بص يا كريم، مش حابة أتكلم في اللي فات، ماشي."
"خلاص ماشي، زي ما تحبي."
نظرت إليه وقالت:
"ها قولت إيه في موضوع الشغل ده؟ أنا حابة آخد رأيك أوي."
قال "كريم" بجدية:
"بصي يا آيات، منكرش إن الفكرة رائعة وعجبتني. بس فيه مشكلة، انتي مينفعش تسافري لوحدك وتعيشي لوحدك في بلد غريبة ومن غير محرم كمان."
هتفت "آيات" قائلة:
"بس أنا لوحدي يعني ظروفي كده."
"وأنا روحت فين؟"
"مش قصدي يا كريم، بس انت لو مكنتش جيت كنت هبقى لوحدي وكنت هسافر لوحدي."
"بس أنا موجود خلاص."
صمتت بضيق. فقال:
"بصي أنا مش بفرض عليكي حاجة، انتي سألتيني عن رأيي وقولتهولك. أنا مش حابب إنك تسافري لوحدك وتعيشي لوحدك في بلد متعرفيهاش ومن غير راجل معاكي. وكمان صحبتك مش حابب سفرها لوحدها وأهلها موجودين."
قالت "آيات" وهي تتذكر مأساة "أسماء" بحزن:
"أسماء مضطرة، انت متعرفش اللي حصل ومش هقدر أحكيهولك، بس فعلاً هي مضطرة لكده."
تنهد "كريم" قائلاً:
"رأيي وقولتهولك. الفيلا وخليكي عايشة فيها على الأقل هبقى مطمن عليكي. وإن كان على الشغل أنا قولتك راجع وعايز أعمل مشروع، يعني لو صبرتي كام شهر ممكن تشتغلي معايا."
قالت "آيات" بحيرة:
"بس أنا فعلاً متحمسة أوي لمشروع القرية."
قال "كريم" وهو شارداً:
"بصراحة أنا كمان اتحمست، خاصة إنها فكرة مفياش أي حرمانية. وكمان هتبقى حاجة كويسة من باب الدعوة، ويمكن القرى الباقية تقلدنا وتعمل زينا ويبقى إحنا اللي كسبانين دين ودنيا."
بدا شارداً وهو يفكر في أفكار "آيات" لمشروع القرية السياحية. نظر إليها قائلاً:
"اسمه إيه والد زميلك؟.. وشركته فين؟"
أخبرته "آيات" بالتفاصيل ثم نظرت إلى ساعتها قائلة:
"يلا روحني بأه عشان متأخرش على أسماء أكتر من كده."
***
دخلت سكرتيرة "فؤاد" قائلة:
"فيه واحد اسمه كريم ضياء عايز يقابل حضرتك.. بيقول بخصوص قرية العين السخنة."
شعر "فؤاد" بالدهشة وطلب منها السماح له بالدخول. دخل "كريم" فوقف "فؤاد" يستقبله بالترحاب. بعد تبادل عبارات المجاملة، بدأ "كريم" حديثه قائلاً:
"على فكرة أنا أخو آيات اليماني، وكلمتني عن المشروع وعن الأفكار اللي حضرتك تبنتها للمشروع. أنا كنت مسافر النمسا من سنين، ورجعت وأنا عايز أعمل مشروع في بلدي وأستقر هنا. ولما سمعت من آيات اتحمست جداً لمشروع القرية. أنا عارف إن معاك شريك بالفعل، بس كنت حابب إني أدخل في المشروع ده ولو بنسبة بسيطة."
ابتسم "فؤاد" وعقد كفيه فوق المكتب وهو يقول:
"لأ أنا مليش شريك لحد دلوقتي."
رفع "كريم" حاجبيه بدهشة قائلاً:
"ده اللي فهمته من آيات. بس عامة طالما مفيش شريك لحد دلوقتي، أنا بعرض عليك إنك تشاركني في المشروع ده. بس عشان تكون حضرتك عارف أنا مش هقدر أشارك بنسبة عالية، لأن المشروع ضخم ورأس المال اللي معايا مش هيكفي إني أدخل مناصفة في الشراكة."
قال "فؤاد" على الفور:
"وأنا مش شرط عندي إنك تدخل معايا مناصفة. هنقعد أنا وحضرتك والمحامي ونشوف النسبة اللي مناسبة بالنسبة لك وده بعد ما تدرس كل بيانات المشروع والدراسة اللي عملناها للأرباح والنفقات وغيره."
ابتسم "كريم" ببشاشة وقال:
"على خيره الله."
ثم قال:
"بس فيه نقطة مهمة بالنسبة لي."
"اتفضل."
"أشارك في إدارة القرية. يعني أنا مش عايز أرمي فلوسي في مشروع ويطلع لي أرباح وخلاص. لأ أنا عايز أشرف على المشروع ده من الألف للياء. لأن اللي عجبني في المشروع ده هو الأفكار المحترمة اللي نقدر بيها نعمل قرية سياحية في مصر من غير محرمات ومن غير ما نشيل ذنوب. وفي نفس الوقت هنغير مفهوم ناس كتير عن السياحة والقرى السياحية ونقدم لهم مكان يستغنوا بيه عن الأماكن اللي بيروحوها واللي بيكون فيها من المعاصي ما الله به عليم."
ابتسم "فؤاد" وقال:
"وأنا مفيش مشكلة بالنسبة لي. بس محتاجين نقعد مع بعض الفترة الجاية عشان نوصل لشكل محدد وثابت في إدارة القرية عشان متحصلش مشاكل مستقبلاً إن شاء الله."
اتسعت ابتسامة "كريم" قائلاً:
"اتفقنا."
***
وقف "آدم" مع أحد العاملين بالقرية يعطيه بعض التعليمات عندما وجد سيارة تقف بداخل القرية وتتوجه إليها "ساندي" وتأمر العمال بتحميل الصناديق إلى الداخل. توجه مسرعاً إليها وقال:
"فيه إيه يا ساندي؟"
نظر إلى الكراتين التي يحملها العمال ولما مكتوب عليها فصاح فجأة:
"إنت يا ابني رجع الكراتين دي العربية."
قالت له "ساندي" بتحدي:
"لأ مش هترجع، بابا اللي قالي أعمل كده."
ثم نظرت إلى العمال قائلة بنبرة متعالية:
"دخلوا الحاجة دي جوة."
صرخ "آدم" في الرجال قائلاً:
"بقولك سيب اللي في إيدك انت وهو."
نظر الرجال إلى بعضهم في حيرة ثم ما لبث أن استجابوا لأوامر "آدم" متجاهلين "ساندي" تماماً. التفتت إليه "ساندي" وقد أغاظها تجاهل العمال لأوامرها وقالت:
"انت إيه اللي عملته ده يا آدم؟ بقولك بابا اللي قالي أنزل الحاجات دي في مطبخ القرية."
قال "آدم" بصرامة وعيناه تشعان غضباً:
"أولاً اسمي دكتور آدم. ثانياً أنا قولت لأبوكي إني مش هدخل خمرة للقراية تاني."
صاحت بحدة:
"وده اسمه إيه إن شاء الله؟ إزاي يعني؟ انت عايز تخسرنا ولا إيه؟"
ثم صاحت بسخرية:
"آه فهمت.. شكلك اتفقت مع عيلة اليماني علينا؟ هما اللي قالولك تعمل كده وتبوظ شغلنا مش كده؟ وانت طبعاً مقدرتش ترفض طلب لعيلة حبيبة القلب اللي ماتت."
تجمدت الدماء في عروقه وهو ينظر إليها نظرة ثاقبة أشعرتها بالخوف. قال بصرامة شديدة:
"إياكي تجيبي سيرتها على لسانك تاني."
أدار لها ظهره وانصرف. حث الخطى لا يدري إلى أين هو ذاهب. كعادته لم يجد مكان أكثر راحة من الجلوس فوق الرمل ومطالعة البحر أمامه. تنهد في ضيق وهو يشعر بأنه أجل كثيراً قراراً لابد من أخذه. نعم، لا يوجد حل آخر. حاول كثيراً استخدام أسلوب الترقيع لكن ذلك لم يجدِ نفعاً. لم يعد هناك حل سوى البتر! نعم، مؤلم وصعب وقاسٍ.. لكن ليس أمامه سواه حتى يتخلص من الداء الخبيث إلى غير رجعة!
***
تقبلت "آيات" خبر مشاركة "كريم" لـ "فؤاد" بسعادة غامرة، خاصة بعدما عملت بأمر إدارة "كريم" للقرية السياحية. توطدت علاقة قوية وثقة لا بأس بها بين كل من "فؤاد" و "كريم" بعدما لمس كل منهما في الآخر نقاء السريرة. استخار "كريم" ربه وعزم على التوكل عليه في هذا الأمر. سجدت "آيات" لله شكراً على تحسن أوضاعها وعدم اضطرارها لأن تعيش عالة على أحد. ستعمل وتكد وتكسب قوتها. تذكرت "إيمان" ومشاكل أخيها مع البطالة وعدم إيجاد عمل مناسب له. وعلمت منها أيضاً بتركها لعملها. فتحدثت مع "كريم" عن رغبتها في عمل الفتاة وأخيها في القرية. رحب "كريم" بذلك، ففي الفترة القادمة سيحتاج الكثير من العمالة في القرية وحبذا لو كان أشخاص موثوق بهم. كان رد "إيمان" في بادئ الأمر:
"انتي اتجننتي يا آيات؟ لأ ماما ولا بابا ولا علي هيوافقوا على كده."
لكن "آيات" أخبرتها:
"أنا مش عايزة إنتي لوحدك، أنا عايزة علي كمان."
كانت سعادة والدة "إيمان" غامرة. أما "علي" بدا قلقاً في البداية إلى أن شرحت له "إيمان" الطريقة التي سيعتمد عليها أصحاب القرية في إدارتها وخلوها من أي محرمات. تحمس كلاهما وكان ردهما بالموافقة.
لم يمضِ إلا أسبوع حتى استعد الجميع لمغادرة القاهرة والتوجه إلى العين السخنة لبدء العمل في القرية التي تحتاج إلى الكثير من العمل الدؤوب والصبر حتى يجنوا ثمرة عملهم.
وفي اليوم الموعود توقفت سيارة "كريم" تحت منزل "علي" ثم ما لبث أن تعرف الرجلان، وكل منهما يتطلع إلى وجه الآخر مستبشراً خيراً. التفت إلى الجميع وذكرهم بقوله:
"متنسوش يا جماعة دعاء السفر."
التفت إليه "علي" قائلاً:
"جزاك الله خيراً على التذكير."
تمتمت "إيمان" بدعاء السفر. أما "آيات" و "أسماء" نظرت كل منهما إلى الأخرى. ثم ما لبثت أن قالت "آيات" لـ "كريم":
"كريم، قوله عشان مش حافظاه."
قال "كريم" ببطء:
"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل."
فرددت الفتاتان الدعاء خلفه. جلس "علي" بجوار "كريم" وأخذ نفساً عميقاً يعبئ رئتيه بهواء الصباح المنعش وقد ارتسمت ابتسامة أمل على ثغره. شعر بانشراح في صدره وبفرحة غامرة لاستجابة دعائه فأخذ يتمتم بلا كلل:
"الحمد لله."
تشاركت الثلاث فتيات في المقعد الخلفي. بدت "آيات" سعيدة ومتحمسة لبدء حياتها العملية وتنفيذ أفكارها على أرض الواقع. كانت تشعر ببعض التوتر لوجود "آدم" بنفس البلد، لكنها تجاهلت ذكراه ووجوده وحذفت أي فكرة عنه من عقلها. لا يهمها إن كان موجوداً أم غير موجود، تراه أم لا تراه، لم تعد تشعر تجاهه بأي شيء. ولن يفرق وجوده من عدمه. بالنسبة لها هو كالهواء، موجود لكنه غير محسوس!
أما "أسماء" فشعرت بالراحة لمغادرة القاهرة وبدء حياة جديدة خالية من المشاكل وعزمت على نسيان كل ما مرت به. وإن كان رغم عنها تشعر بشيء من الحزن والقهر لنسيان أبويها أمرها.
تنهدت في حسرة ونفضت تلك الصور الحزينة من عقلها وعزمت على ترك الماضي حيث هو. حانت منها التفاتة إلى "كريم" ثم إلى "علي". للمرة الأولى تتعامل مع أشخاص بهذه الخصال التي أشعرتها بمزيج من الدهشة والحنق. نظرت من الشباك ونظرة حائرة في عينيها.
تطلعت "إيمان" إلى الطريق وهي تتساءل، أيكون هذا التغيير في صالحها أم ضدها. كانت شارده لا تعرف تحديداً.
رواية جواد بلا فارس الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم بنوته اسمرة
عبرت سيارة "كريم" بوابة القرية التى كانت تحمل لافته أنيقة كبيرة كتب عليها "قريــة الماســة" .. نظرت "آيات" حولها تتطلع الى الطبيعة الساحرة .. اتسعت أعين الجميع فى انبهار ولاحت ابتسامه على شفتى "كريم" وهو يدعو ربه أن يجعل له فى هذا المكان خيراً كثيراً وأن يرزقه السداد والتوفيق .. توقفت سيارته وهبط الجميع ..
صاح "على" بإنبهار:
ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله
قالت "إيمان" مبهورة وهى تتطلع حولها حيث المساحة الخضراء والهواء المنعش القادم من البحر محمل برائحة اليود الذكية المنعشة:
ما شاء الله المكان حلو أوى
توجه الجميع الى الداخل .. وبدأ "كريم" فى استيلام مهامه كمدير للقرية .. اجتمع الجميع فى الغرفة التى اصبحت مكتباً له .. ابتسم "كريم" ووجه حديثه الى "على" قائلاً:
تعالى نتكلم بأه فى تفاصيل الشغل بس الأول عايزين نشوف اقامتنا هتبقى ازاى عشان البنات تروح ترتاح من السفر
قال "على" بحرج:
اللى تشوفه حضرتك
نظر "كريم" الى كل من "على "و "آيات" وقال:
فى اقتراحين الاقتراح الأول اننا ناخد 3 شقق جمب بعض واحدة ليك يا "على" انت وأختك وواحدة ليكي يا "آيات" انتى وصحبتك وواحدة ليا .. والاقتراح التانى ان أنا و انت يا "على" نكون فى شقة واحدة .. والبنات مع بعض و طبعاً الشقتين هيكونوا جمب بعض
قالت "آيات" بحماس وهى تنظر الى "إيمان" و "أسماء":
أيوة الإقتراح التانى أحسن ياريت نكون كلنا فى شقة واحدة
ابتسم "أسماء" وقالت:
أيوة ياريت أنا و "آيات" و "إيمان" نكون مع بعض
نظر "كريم" الى "على" وقال:
ها ايه رأيك
التفت "على" الى "إيمان" يعرف رأيها فابتسمت له وأومأت برأسها .. فقال لـ "كريم":
خلاص تمام كده .. بس زى ما قولت الشقتين يكونوا جمب بعض
توجه الجميع الى المنزلين الذى اختارهما "كريم" لإقامتهم .. ترك الفتيات يرتحن من عناء السفر وتوجه هو مع "على" الى القرية للبدء فى عملهم ..
هتفت "أسماء" بسعادة وهى تجلس على أحد الأسرة:
أنا فرحانه أوى القرية تحفة
قالت "إيمان" مبهورة:
تحفة بس دى روعة بجد مكان خيالى
قالت "آيات" بمرح طفولى:
أنا كمان فرحانه أوى .. وفرحانه أكتر ان احنا التلاته مع بعض
ما لبث أن رن هاتف "إيمان" فأخرجته من الحقيبه قائله بمرح:
والله اللمه دى ناقصاكى
تظاهرت "سمر" بالبكاء وقالت:
اهئ اهئ يلا يا وحشه سبتيني ومشيت
قالت "إيمان" بحزن:
والله العظيم بجد وحشتيني من دلوقتى يا "سمر"
هتفت "آيات" بمرح:
هاتيهالى هاتيهالى
أخذت منها الهاتف وقالت:
"سمر" حبيبتى وحشتيني
"سمر":
- بس بأه يا "آيات" متغيظونيش .. انتوا التلاته مع بعض وفى العين السخنة وأنا هنا مطحونة فى المستشفى
فى تلك اللحظة دخلت الممرضة لتقول لـ "سمر":
أدخل الكشف يا دكتورة
أشارت لها "سمر" بأصبعها قائله:
لا استنى شوية
قالت "آيات" بمرح:
اسكتى يا "سمر" المكان رهيب بجد .. لا وايه أنا و "اسماء و"إيمان" نازلين مع بعض فى شقة واحدة
هتفت "سمر" مغتاظه:
بس بأه يا "آيات" متغيظينيش
ضحكت "آيات" فالتقطت "إيمان" الهاتف منها وقالت:
أيوة يا حبى
"سمر":
- حبك ايه بأه ما نتى ناسيانى وعايشه حياتك .. يلا يا "إيمان" اقفلى
ضحكت "إيمان" قائله:
والله العظيم وحشانى
قالت "سمر" بحزن:
والله انتى أكتر .. خلاص بأه عشان عيني دمعت وكمان فى كشف ملطوع بره .. هقفل واكلمك بالليل
"إيمان":
- ماشى يا حبيبتى
قالت "إيمان" بحزن:
"سمر" هتوحشنى أوى
هتفت "اسماء":
يا ستى ما هى أكيد هتجيلنا
قالت "آيات" وهى تتناول ملابسها من الحقيبة:
يلا بأه عشان نرتاح وبعد كده نتكلم فى البيزنيس
أطلقت "إيمان" ضحكة عالية وقالت:
طيب انتوا خريجي تجارة وتتكلموا فى البيزنيس .. أنا بأه طب أسنان هتشغلونى ايه فى القرية دى
قالت "آيات" بمرح:
يا ابنتى هو انتى مصدقة انك دكتورة سنان بجد .. ده احنا عملنا خير كبير وثواب عظيم فى العيانين اللى كانوا بيبقوا تحت ايديكى .. وبعدين متقلقيش القرية كبيرة وأكيد هنلاقى فيها حاجة مناسبة لدكتورة سنان فاشلة زيك
قذفتها "إيمان" باحدى الوسائد مفتاظة وقالت:
قولتلك متقوليش عليا فاشلة تانى
صاحت "أسماء" بغيظ:
والله لو أخوكى وأخوكى شافوكوا كده هيرحلوكوا على القاهرة عدل .. بأه ده منظر ناس هتشتغل فى قرية سياحية كبيرة .. هى السياحة خربت من شوية
التفت اليها "آيات" قائله:
سبنالك انتى العقل يختى .. وبعدين بكرة تشوفى هبقى بيزنيس وومان محصلتش
ساد بينهم جو من المرح افتقده ثلاثتهم منذ فترة طويله .. شعرت كل منهن بالأمل والسعادة والتفاؤل بداخلها .
عاد "كريم" مع "على" الى المكتب وقال:
ايه رأيك ؟
قال "على" منبهراً:
ما شاء الله بجد .. وكمان الأفكار اللى هتتنفذ رائعة .. انا متحمس جدا للشغل
ابتسم "كريم" وهو يجلس على مكتبه وقال:
وأنا بحب أوى الناس اللى بتبقى متحمسه لشغلها
ابتسم "على" وقال بحماس:
بجد أنا حابب الشغل هنا أوى .. اولا فرصة كبيرة بالنسبة لى .. ثانياً حاسس انى فى المكان ده هقدر أطلع كل الطاقة اللى جوايا .. بجد أنا متحمس جداً يا أستاذ "كريم"
قال "كريم" وهو يشمر ساعديه:
بص من البداية كده أنا بجد حبيتك لله فى لله ومتسألنيش ليه .. بس سماهم فى وجوههم .. من أول ما شوفتك وأنا استبشرت بيك خيراً .. فبلاش بأه أستاذ و الألقاب العقيمة دى .. اعتبرنى واحد صحبك
قال "على" بإمتنان:
على فكرة بأه أنا كمان ارتحتلك .. وطبعاً يشرفنى انى يبقى فى صداقة بينا بعيداً عن الشغل .. يعني حتى لو مكملتش شغل هنا أو استغنيت عن خدماتى فى أى وقت فيكفى انى اتعرفت على أخ محترم زيك
قال "كريم" بمرح وهو ينهض:
طب يلا بأه نبعت أكل للبنات احسن زمانهم بياكلوا فى بعض من الجوع .. وناكل احنا كمان أحسن خلاص أنا واقعت
وجها الى مطبخ القرية .. نظر "على" فى أحد قوائم الطعام ليجده خالياً من الخمور ومن أى لحوم محرمة أو مطبوخة بشئ محرم .. نظر اليه "كريم" وقال وقد فهم ما يبحث عنه فى القائمة:
عيب عليك
ابتسم "على" بحرج وهو يترك القائمه من يده وقال:
يعني الواحد حابب يطمن بس .. زيادة اطمئنان مش أكتر
التفت اليه "كريم" وقال بجدية:
بص يا "على" .. اوعى تفتكر انى واحد راجع من بره ومعاه فلوس وهمه يعمل مشروع يكسب منه وخلاص .. لا أنا مش كده .. أنا لما قررت أرجع مصر قررت أرجع عشان أعمل حاجة أفيد بيها البلد دى .. والناس اللى فيها .. حتى لو كانت حاجه بسيطة .. بس أهم حاجة عندى انها تقربنى من ربنا مش بتعدنى عنه .. حبيت فكرة القرية لانها فكرة دعوية ممتازة وهقدر أخدم بيها ديني .. أنا محتسب فى المشروع ده حاجات كتير أوى .. منها انى أبين للناس ان مش عشان الواحد يتفسح ويرفه عن نفسه انه يلجأ لحاجات مش هينوبه منها غير المعاصى والذنوب .. لا احنا ممكن نعيش ونتمتع ونتفسح ونعمل كل اللى احنا عايزينه بس برضا ربنا علينا ومن غير ما نغضبه .. ربنا لما حرم كل المحرمات اللى فى ديننا حرمها عشان بتضرنا وبتأذينا .. وعشان نجاتنا فى البعد عنها .. ومش معنى اننا نلتزم بكلام ربنا يبأه احنا ناس مكلكعة ومعقدة ومبتعرفش تضحك ولا تستمتع بحياتها .. لأ .. احنا بنعرف نعمل كل ده من غير ما نغضب ربنا .. أنا عايز بجد الناس كلها تعرف ان مش عشان أكسب فلوس وأزود دخلى ألجأ للى يغضب ربنا وأقول مضطر عشان أعيش .. لا مفيش حد مضطر على الحرام .. مفيش حد بيترك شئ لله الا وربنا بيعوضه باللى أحسن منه .. عشان كده أنا ميهمنيش كسبت كام أد ما يهمنى انى معملش أى حاجة غلط .. وأنا زى ما قولتك التمست فيك انك شاب محترم .. صحيح لسه متعرفين من ساعات بس أنا اتعاملت مع ناس كتير أوى جوه مصر وبره مصر وبقيت أقدر أفهم الانسان اللى أدامى من نظرة .. عشان كده رفعت التكليف بينى وبينك لانى حابب اننا نعين بعض .. يعني لو شوفتنى فى مرة غلطت تقولى حاسب يا "كريم" خلى بالك .. لان الانسان دايما لازم يحيط نفسه بصحبة صالحة لان هو ده اللى بيقومه لما بيحيد عن الطريق وربنا عز وجل حثنا على ده فى سورة الكهف لما قال " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " .. وضح فى الآية دى أهمية الصحبة الصالحة وحذرنا من صحبة السوء .. عشان كده لما لقيت سمتك طيب .. واهتميت واحنا بنعمل جولة فى القرية انك تسألنى عن تفاصيل الشغل والاختلاط فى القرية .. ولما العصر أذن وسألتنى عن مكان المسجد .. ودلوقتى وانتى بتبص على المنيو بتدور هل فيها حاجة حرام ولا لأ .. استبشرت خيرا وحسيت انك بجد هتكون خير معين ليا ان شاء الله ..
ثم ابتسم بعذوبه وقال:
بجد أنا مبسوط انى اتعرفت عليك
ابتسم "على" وقال بتأثر:
أنا اللى مبسوط انى عرفتك يا "كريم" .. ويارب فعلاً أكون عند حسن ظنك
أنهى "آدم" صلاة العشاء ثم نهض وطوى سجادة الصلاة ووضعها على أحد المقاعد .. خرج من غرفته وتوجه الى والدته الجالسه فى حجرة المعيشة تشاهد التلفاز وقال:
أنا خارج شوية يا ماما
- ماشى يا حبيبى
خرج "آدم" من الشاليه .. وتطلع الى اتجاه البحر للحظات ثم سار اليه سيراً فى تؤدة .. وقف أمامه ينظر الى ارتفاع امواجه وقد وضع يديه فى جيبي بنطاله .. كان بدو ساكناً كالتمثال .. ثم ما لبثت عيناه أن لمعت بالدموع .. أخذ نفساً عميقاً يحاول به التخفيف من حرارة النيران المشتعلة بقلبه .. تمتم بشفتيه وكأنه يتحدث الى شخص أمامه:
خلاص يا "آيات" هسيب كل حاجة وأرميها ورا ضهرى .. هخرج من دوامة الانتقام اللى دخلت نفسى فيها .. هسيب كل حاجة عشان أبقى انسان كويس زي ما كنتى شايفانى .. كنتى شايفانى انسان محترم .. أنا هرجع محترم تانى يا "آيات"
تساقطت عبرة على وجنته وأكمل هامساً:
كان نفسى أفرحك وأقولك انى اتغيرت .. كان نفسى نرجع لبعض تانى .. أنا كنت عايش فى نار .. النار كانت محوطانى من كل نحيه .. بس مكنتش عايز أخرج منها .. كنت واقف وسطها بمزاجى.. وانتى كنتى عامله زى النسمة الهادية اللى دخلت حياتى واللى غصب عنى اتمنيت انى أخرج من النار وأقرب منها
انتفض فجأة بعدما شعر بيد تربت على كتفه التفت ليجد "زياد" فى وجهه .. مسح عبراته المتساقطة بسرعة .. قال "زياد":
- رحتلك الشاليه خالتى قالتلى انك خرجت .. وأنا راجع شوفتك وانت واقف أدام البحر
أومأ "آدم" برأسه فى صمت .. تنهد "زياد" بحزن وقال:
انسى بأه يا "آدم" .. ربنا يرحمها
لمعت عيناه مرة أخرى بالعبرات وهو قول بصوت مرتجف:
وحشتنى أوى
التفت ينظر الى "زياد" والدموع تتساقط مرة أخرى على وجهه وقال:
لما جيت هنا جيت بمزاجى .. كانت بتوحشنى بس على الأقل كنت عارف انها موجودة .. انى هرجعلها .. كنت حاسس من جوايا انى هلف ألف وأرجعلها .. بس دلوقتى هى معدتش موجودة يا "زياد" .. معدتش أقدر أرجعلها .. بجد وحشانى أوى .. وحشتنى ابتسامتها .. وحشتنى نظرة عنيها .. وحشتنى رقتها .. وحشتنى طيبتها .. كانت طيبة أوى .. كانت بتحبنى أوى
أعاد النظر الى البحر وهو يقول بمرارة:
يوم كتب الكتاب لما كنت ماسك ايدها اتمنيت ساعتها اننا منفترقش أبداً .. ساعتها حسيت انى بحبها بجد .. لما قولتلها ان فى حاجات فيها محتاجه تتغير .. بصتلى وابتسمت ووافقتنى على طول .. لما ادتنى دهبها حسيت انها مستعدة تعمل أى حاجة عشانى .. حسيت انها بتحبنى بجد بصدق بإخلاص .. رغم كل الشر والحقد اللى كان جوايا لكنها قدرت تدخل قلبي وتبرجلى عقلى .. لو كنت فضلت معاها كنت هقدر أرجع معاها تانى انسان محترم وكنت هنسى كل الأفكار الحقيرة اللى كنت بفكر فيها ..
هتف به "زياد" وقال:
"آدم" انت بتعذب نفسك بنفسك .. خلاص هى الله يرحمها ماتت ومش هترجع .. انسى بأه عشان تقدر تكمل حياتك ..
نظر اليه "آدم" بأعين متألمه حائرة وقال:
قولى ازاى .. قولى أنساها ازاى .. أزاى أبطل أحس انها وحشانى .. ازاى أخرجها من قلبي وعقلى .. قولى يا "زياد" .. قولى وريحنى لانى فعلاً نفسى أرتاح .. ازاى أبطل أحس انها وحشانى ؟
لم ينتظر من "زياد" اجابه .. التفت وغادر المكان أخذ نفساً عميقاً مرة أخرى يحاول به تهدئه نيرانه .. لكن هيهات
وقفت "آيات" فى شرفة غرفتها .. أخذت نفساً عميقاً تنعش به رئتيها .. نظرت الى دوران القمر واكتماله .. ثم التفتت تنظر الى البحر أمامها .. تأملته الى أن شعرت بوخز الدموع تحرق عينها .. خرجت من تاملها لتحاول السيطرة على تلك الرغبة القوية فى البكاء التى اجتاحتها .. سألت نفسها : ما هذه الغصة التى تشعرين بها فى حلقك يا "آيات" .. انها بالتأكيد لفقدك والدكِ الحبيب .. و"حلمية" الطيبة المخلصة .. ارحمهما يا الهى واغفر لهما وتجاوز عنهما .. تألمت كثيراً لفقدهما لكنها حكمتك .. هكذا أردت .. وهكذا حكمت .. تنهدت بقوة ودخلت من الشرفة .. مرت على "أسماء" النائمة فى فراشها المجاور .. ثم خرجت من الغرفة .. نظرت الى غرفة "إيمان" وتوجهت اليها .. وجدتها واقفة تصلى ماسكة مصحفها .. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل .. شعرت براحة وسكينة وهى تراها تصلى قيام لله عز وجل ..
أنهت "إيمان" صلاتها فى تلك اللحظة لتفاجئ بـ "آيات" الواقفة على باب الغرفة .. تقدمت منها "آيات" وقالت:
ما شاء الله "إيمان" انتى بتصلى قيام على طول ؟
قالت "إيمان" مبتسمه:
لا بصراحة مش على طول .. فى أيام مبصليش فيها قيام .. نفسى أواظب أوى
قالت "آيات" وهى تنر اليها بإعجاب:
ما شاء الله عليكي .. تعرفى أنا مصلتش قيام خالص .. مصلتوش غير مرتين تلاته بس
قالت "إيمان" بحماس:
ليه يا "آيات" .. على فكرة هتحسى براحة عجيبة وانت بتصلى قيام .. كفاية انك تعرفى ان ربنا سبحانه وتعالى بيتنزل الى السماء الدنيا فى التلت الأخير من الليل وبيقبل الدعاء فى الوقت ده
استشعرت "آيات" تلك الكلمات بقلبها فأكملت "إيمان" بنفس الحماس:
ربنا سبحانه وتعالى بيقول "أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً , وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً " .. وكمان بيقول "أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ " .. وكمان بيقول " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " .. وفى آيات كتير أوى بتحث على قيام الليل .. كان النبي صلى الله عليه وسلم بيصلى قيام الليل لحد ما رجله تتورم .. فسألوا النبي ليه بيصلى كده رغم انه ربا غفرله ما تقدم وما تأخر من ذنبه فرد وقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" .. تعرفى كمان ان أمنا عائشه رضى الله عنها قالت عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا يدع قيام الليل ، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدا " .. تخيلى ده النبي اللى ربنا غفرله كل ذنوبه .. ما بالك احنا بأه بذنوبنا دى وبأعمالنا دى مش احنا برده أحوج لقيام الليل من النبي صلى الله عيه وسلم ؟
قالت "آيات" بتأثر:
أكيد .. ده احنا عندنا بلاوى مش ذنوب .. على الأقل بتكلم عن نفسى
قالت "إيمان":
تعرفى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه , وهي كل ليلة " .. يعني كل ليلة فى ساعة لو دعيتي فيها ربنا يستجيب لدعائك .. تخيلى باه واحنا بنام ونسيب الساعة دى تضيع منا
عقد "آيات" ما بين حاجبيها وقالت:
يااه ده احنا مقصرين أوى
نظرت اليها "إيمان" قائله:
أنا كنت زيك كده يا "آيات" وأمر منك كمان .. بس "على" أخويا ربنا يكرمه كان بيفضل يزن عليا ويتكلم معايا لحد مرة ورا مرة حسيت انى بدأت أتغير من جوايا
نظرت اليها "آيات" وقالت بحماس مبتسمة:
أنا كمان ان شاء الله هصلى قيام من بكرة
- من بكرة ليه متخليش الشيطان يعطلك .. اتوضى وصلى دلوقتى لسه شوية على الفجر
توجهت "آيات" على الفور الى الحمام وتوضأت .. فرشت سجادة الصلاة فى غرفتها وأمسكت مصحفها .. شعرت بسكينة وراحة وفرحة لا تدرى سببها وهى تبدأ فى صلاتها .. وقفت تقرأ طويلاً الى أن بدأت تشعر بتعب فى قدميها .. مر على خاطرها كلام "إيمان" عن تورم قدم النبي صلى الله عليه وسلم الشريفتين .. فشعرت بسعادة فى قلبها .. شعرت بلذة هذا الألم .. وخشع قلبها أكثر .. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "أصل الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته،فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء،لأنها تابعة له " .. انتهت من القيام لتخر ساجدة .. دعت الله كثيراً فى سجودها .. شعرت ولأول مرة بلذة الطاعة .. صلت طوال عمرها .. لكنها لم تشعر من قبل بأن للصلاة لذة لا يشعر بها الا من خشع قلبه وتعاظم اسم الله فى داخله .. لا يشعر بها الا من فصل مشاعره وحواسه عن العالم من حوله .. ودخل الصلاة مستشعراً كل حركة .. وأنه الآن واقف بين يدى الله .. ينظر اليه .. ويسمعه .. بل ويشاركه صلاته ! .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا صليتم فلا تتلفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في الصلاة ما لم يلتفت" .. وقال صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "
انتهت من صلاتها بعدما تنامى الى مسامعها آذان الفجر فقد سرقها الوقت ولم تشعر بدنوه .. جلست "آيات" فى مكانها تردد الآذان خلف المؤذن .. كانت تشعر براحة كبيرة فى نفسها وكأنها أمضت معاهدة سلام مع نفسها ومع العالم أجمع .. عاهدت نفسه ألا تترك القيام قط .. وأن تواظب عليه كل ليلة
فى الصباح .. توجه "زياد" الى مكتب "آدم" قائلاً:
صباح الخير يا "آدم"
رد "آدم" التحية وهو يضع بعض الأغراض فى حقيبة .. نظر اليه "زياد" بإستغراب وقال:
بتعمل ايه ؟
أطرق "آدم" قليلاً ثم نظر الى "زياد" وقال بحزم:
أنا خلاص يا "زياد" هسيب القرية دى .. أنا خلاص خدت قرارى ومش هرجع فيه
أومأ "زياد" برأسه وبدا غير مندهش .. وهذا ما أصاب "آدم" بالدهشة فقال:
شكلك مش مستغرب يعني .. مع انى متكلمتش معاك فى الموضوع ده .. ولا قولتلك انى ناوى أسيب الشغل فى القرية
ابتسم "زياد" بوهن وقال:
أيوة متكلمتش بس أنا كنت حاسس انك هتعمل كده .. من يوم ما "شكرى" عرف بموضوع الخمرة واتكلم وزعق وأنا عارف انها كده قفلت وانكوا مش هتتفقوا مع بعض
قال "آدم" بضيق:
مش بس الخمرة .. رفض موضوع صالة الألعاب وأصر على الملهى .. ده غير القمار اللى بيحصل عيني عينك .. ده غير المناظر المقرفة كل شوية الواحد يتكعبل فيها .. حاولت أقنعه ومفيش فايدة .. وأنا خلاص مش عايز أعد فى الأرف ده كفاية بأه
أومأ "زياد" برأسه صامتاً فسأله "آدم":
وانت ناوى على ايه
- أصلاً يا "آدم" انا مكنتش مرتاح من البداية .. بس كنت محتاج اللى يشجعنى عشان آخد الخطوة دى .. وبقالى فترة عارف انك هتعمل كده
ثم قال:
طبعاً رأيي من رأيك نبعد أحسن عن الأرف ده .. كفاية الاحساس بالذنب اللى كان خانق الواحد وهو حاسس انه بيعمل حاجة غلط
قال "آدم" مبتسماً:
كنت عارف على فكرة انك هتقول كده .. وانك هتسيب القرية زيه
هتف "زياد" بحنق:
تبقى تنفعه بأه خلي "شكرى" يشبع بيها وبالأرف اللى فيها
ثم قال:
طيب وناوى تعمل ايه ؟ .. هترجع للجامعة تانى ؟
قال "آدم" بحيرة وهو يكمل جمع أغراضه:
مش عارف .. لسه مقررتش
ثم نظر اليه قائلاً:
وانت ناوى تعمل ايه
قال "زياد" بمرح:
مش عارف .. لسه مقررتش
ابتسم "آدم" فأكمل "زياد":
هترجع القاهرة ؟
- أيوة .. بس مش هرجع الجامعة دلوقتى .. عايز أصفى ذهنى من كل حاجة .. محتاج أبعد عن كل حاجة فترة لحد ما أقرر أنا عايز أعمل ايه
- أجازة مفتوحة يعني
- أيوة بالظبط كده
- طيب قشطة أنا كمان هستجم .. الواحد اطحن الفترة اللى فاتت فى القرية دى
ثم نظر الى "آدم" مستفهماً:
صحيح ايه أخبار القرية الجديدة
- مش عارف .. كل اللى أعرفه ان الافتتاح بتاعهم كمان يومين
قال "آدم" بدهشة:
ايه ده بالسرعة دى
- يا ابنى ما أنا قايلك من أول يوم وهما شغالين الله ينور .. وكمان اللى سمعته انهم عملين نظام جديد خالص .. سمعت انهم فصلين بين الرجالة الستات فى القرية وحطين قوانين فى اللبس
- قوانين فى اللبس ازاى يعنى ؟
- معرفش التفاصيل أنا مبقتش بتابع من يوم ما حست اننا خلاص أيامنا معدودة فى القرية دى
قال "آدم" وهو يفكر:
شوقتنى أشوف القرية دى .. متيجى نروح الافتتاح بتاعهم
قال "زياد" بلا مبالاة:
خلاص تعالى نروح
قال "آدم" بحماس:
ماشي يبأه نحضر الافتتاح ونسافر على طول
صمت "آدم" وهو يفكر فيما قاله "زياد" عن الأنظمة والقوانين الجديدة التى لم يسمع بها من قبل والتى وضعها أصحاب القرية الجديدة .. شعر بفضول كبير لمعرفة تلك القوانين تفصيلياً والى رؤية سير العمل فى تلك القرية
اجتمع "كريم" و "على" و "آيات" و "إيمان" و "أسماء" معاً فى مكتب "كريم" .. التف الجميع حول الطاولة .. ترأس "كريم" الإجتماع وتحدث قائلاً:
عايزين نحدد شغل كل واحدة فيكوا فى القرية
نظر الى "آيات" قائلاً:
بالنسبة ليكى يا "آيات" هتكونى حلقة الوصل بيني وبين كل البنات اللى بتشتغل فى القرية يعنى انتى اللى هتتعاملى معاهم تعامل مباشرة مشاكلهم اقتراحاتهم كل حاجة خاصة بيهم هتكون معاكى انتى .. بالإضافة لمتابعتك لسير عملهم .. عارف انها شغلانه صعبة بس انتى أدها وكمان انتى الوحيدة اللى شايف انها تقدر تقوم بالهمة دى لان مش هيكون بيني وبينك حرج من أعادنا مع بعض وكلامنا .. يعني انتى تعبرى نائبة ليا فى القرية ودراعى اليمين فى كل حاجة تتعلق بالبنات اللى شغالين فى القرية
ابتسمت "آيات" وقالت بحماس:
تمام يا "كريم"
- يعني مستعدة للموضوع ده
- أيوة مستعدة
قال برضا:
طيب تمام .. نيجي للآنسة "أسماء"
نظرت اليه "أسماء" فتحدث اليها واضعاً عيناه فى الأوراق التى فى يده:
حضرتك هتكوني مسؤلة عن أى مشكلة أو شكوى بتواجهها نزلاء القرية من السيدات .. طبعا لو كانت الشكاوى من أحد العاملات بالقرية هترجعى فيها ل "آيات" .. ولو كانت المشكلة متعلقة بعامل فى القرية هترجعى فيها لـ "على" لانه هو كمان يعتبر نائب ليا بس مهمته هو كل العماله الرجال فى القرية .. هيكون مسؤل عنهم ومشرف عليهم بصفة مباشرة ... شايفه انك تقدرى على المهمة دى ؟
قالت "أسماء" بتوتر:
بصراحة انا خايفة لانى أول مرة أشتغل
قال "كريم" وهو مازال يتطلع الى أوراقه:
على فكرة الموضوع مش صعب والا مكنتش رشحتك ليه وانتى بدون خبره .. كل اللى مطلوب منه استقبال شكاوى النزلاء من السيدات وارائهم وإما انك توجهيها ل "آيات" أو ل "على"
صمتت قليلاً ثم قال بحماس وهى تنظر اليه:
خلاص موافقة
- شايفه نفسك تقدرى تسدى فى الشغلانه دى
- أيوة ان شاء الله
- تمام .. نيجى للآنسة "إيمان"
توترت "إيمان" وحانت منها التفاته الى "على" ثم نظرت الى يديها المتعرقتين من فركها اياهما بتوتر .. قال "كريم":
حضرتك هتشاركي فى الاشراف على صاله الألعاب الرياضية الخاصة بالسيدات
شعرت "إيمان" بالإحمرار يغزو وجنتيها .. وقع كلامه على مسامعها كإهانه لم تحتملها .. لماذا اختارها هى بالذات لهذه المهمة .. ألأنها .... ؟! .. شعرت بوخز الدموع فى عينيها .. لم تشعر بنفسها الا وهى تنهض لتغادر غرفة المكتب وسط أعين الجميع المندهشة .. أغلقت الباب خلفها لتنهمر دموعها كالمطر .. كتمت شهقاتها وتوجهت مسرعة الى المنزل .. ران الصمت على الجميع وعيونهم معلقة بالباب الذى خرجت منه "إيمان" .. التفت "كريم" لـ "آيات" قائلاً وهو مقطب الجبين:
هو أنا قولت حاجة غلط
قالت "آيات" بدهشة:
لا .. أنا معرفش هى مشيت ليه
قال "على" وهو ينهض:
طيب أنا هروح أشوفها مالها
قالت "آيات" وهى تسارع بالنهوض:
لا خليك هى أكيد راحت الشقة أنا هروحله
نهضت "أسماء" لتغادر بصحبة "آيات" .. فوجئت الاثنتان بـ "إيمان" الباكية فى غرفتها .. قالت لها "آيات" بلهفة وهى تجلس بجوارها على الفراش:
"إيمان" مالك فى ايه
صاحت "إيمان" بحدة:
أخوكى بيهزأنى يا "آيات"
نظرت اليها "آيات" بدهشة وهى تقول:
ازاى يعني .. "كريم" ما قالش حاجة غلط ما احنا كنا أعدين وسامعين
قالت ودموعها مازالت تنهمر على وجهها:
اشمعنى أنا اللى اختارنى عشان أشارك فى الاشراف على الجيم .. اشمعنى يعني المكان ده .. ليه محطنيش فى الاشراف على البسين .. أو أى مكان تانى فى القرية
ثم صاحت بصوت باكى:
قصده يعني انه يقولى انى تخينه ومحتاجه أخس .. هو ماله ومالى أنا حره بأه أنا عجبنى نفسى كدة
انخرطت فى بكاء حار .. تبادلت "آيات" مع "أسماء" النظرات المندهشة .. اقتربت منها "أسماء" قائله:
"إيمان" انا واثقه انه مكنش يقصد كده
قالت بغضب:
انا أصلا غلطانه انى جيت .. لو كنت أعرف انى هتهزأ كده مكنتش جي
قالت "آيات" بحزم:
"إيمان" انتى مكبرة الموضوع
- طبعاً هتدافعى عنه ما هو أخوكى
- لا مش بدافع عنه عشان أخويا بس أنا مش شايفه انه غلط لما حطك فى الاشراف على الجيم .. عادى يعني
قالت "إيمان" بصرامة وهى تكفكف دموعها بظهر يدها:
لأ مش عادى .. هو قصده يهزأنى ويحرجنى .. مش عارفه ليه .. بس أكيد هو قاصد
صمتت "آيات" وهى تتطلع اليها ثم قالت:
على فكرة يا "إيمان" .. عارفه ايه مشكلتك ؟ .. مشكلتك انك مش حسه بأنوثتك .. وعلى طول فاقدة الثقة بنفسك
قالت "إيمان" بسخرية مريرة:
أنوثة ايه يا بنتى .. انتى مش شايفه البرميل اللى أدامك
فوجئت "آيات" بـ "كريم" يتصل بها فقالت:
"كريم" بيتصل
نظرت اليها "إيمان" بألم وكأنها تتذكر الجملة التى قالها منذ قليل والتى أعادت اليها الشعور بالمهانه .. نهضت "آيات" وتوجهت الى غرفتها وقالت:
أيوة يا "كريم"
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
قال "كريم" بإهتمام:
خير .. عرفتى هى اضايقت ليه ؟
صمتت "آيات" لا تدرى ما تقول .. فحثها:
"آيات" معايا
- أيوة معاك
- كلمتيها .. عرفتى هى اضايقت ليه ؟
قالت بتردد:
انت ليه اخترتها هى بالذات عشان تمسك الجيم ؟
قال "كريم" بإستغراب:
يعني ايه اخترتها هى بالذات .. أنا حطيت كل واحدة فى مكانها اللى أنا شايف انها هتكون مناسبه فيه .. وبعدين اقتراح انها تمسك الجيم ده كان اقتراح "على" مش اقتراحى
قالت بدهشة:
"على"
- أيوة .. قالى انها اشتركت كتير فى جيم قبل كده .. وفى أماكن مختلفه .. وانها أكيد هتمون عارفه الألعاب كويس وتقدر تساعد البنات هناك .. فشوفت كلامه مناسب .. بس هى دى كل القصة
- خلاص يا "كريم" هفهمها كده
- أمال هى فهمت ايه بالظبط ؟
قالت "آيات" بتردد:
افتكرتك قاصد تهزأها
قال بدهشة شديدة:
لا حول ولا قوة الا بالله وأهزأها ليه ؟
- مفيش هى فهمت كده .. يعني عشان هى مليانه شوية افتكرتك تقصد تهزأها
قال "كريم" وقد تقطب جبينه فى ضيق:
ايه اللى يوصلها انها تفكر كده .. وأنا مالى أنا اذا كانت مليانه ولا رفيعه .. وايه اللى يخلينى أتريق عليها وأهزأها يعني وأنا معرفهاش أصلاً .. وبعدين ههزأها أدام أخوها يعني .. تفكيرها غريب
- خلاص يا "كريم" بأه نقفل على الموضوع ده .. انا مش عايزاها تمشى من هنا بجد محتجاها معايا
قال "كريم" بحده:
يا بنتى أنا ما قولتش تمشى .. ده انتوا الستات عليكوا مخ الله المستعان .. فهميها اللى أنا كنت أقصده بكلامى وان ده أصلا اقتراح أخوها مش اقتراحى .. وقوليلها ده شغل مش لعب عيال .. يعني لو فى حاجة مضايقاها تتكلم مش تمشى وتسيب الاجتماع كده
- طيب خلاص هقولها
تنهد قائلاً:
طيب حلى انتى المشكلة دى أنا فى دماغى مليون حاجة عشان الافتتاح بتاع بكرة
- خلاص انت ربنا يعينك أنا هشوف الموضوع ده
- فهمتى بأه يا ستى .. يعني "على" اخوكى هو صاحب الفكرة مش "كريم"
نظرت "إيمان" بحرج الى "آيات" وقالت:
وقالك ايه تانى ؟
قالت "آيات" الجالسه بجوارها على فراشها:
قالى ده شغل مش لعب عيال مينفعش تسيب الاجتماع وتمشى كده
زفرت "إيمان" بضيق وهى تقول بصوت باكى:
شكلى بأه زبالة أدامه
- لا يا بنتى لا زبالة ولا حاجة .. بس بطلى الحساسية دى
نظرت "آيات" ايلها بحزن وقالت:
"إيمان" انتى ليه بتعملى فى نفسك كده .. انتى مش وحشة .. عارفه لو خسيتى حبه صغيرين هتبقى قمر والله
قالت "إيمان" بتهكم:
حبه صغيرين
قالت "آيات" بحماس وحزم:
بصى أهم حاجة تبقى انتى راضية عن نفسك .. مش مهم تخسى كتير ولا قليل المهم تبقى واقفة بتتفرجي على نفسك فى المرايا وانتى حسه انك مبسوطة .. وانتى حسه انك بنوته
تطلعت "إيمان" اليها بحزن فأكملت:
يا بنتى لازم يبقى عندك ارادة أقوى من كده عشان تغيريى من نفسك .. مشكلتك انك كارهه نفسك ومش حباها يا "إيمان"
تساقطت العبرات من عينى "إيمان" فنظرت اليها "آيات" بحنان وقالت:
بتعيطي ليه دلوقتى
قالت "إيمان" وهى تبكي:
عارفه يا "آيات" .. انا عمرى ما حسيت انى بنوته زى ما بتقولى .. عارفه البنات فى ثانوى لما بيهتموا بنفسهم وبشعرهم وبجسمهم .. أنا مكنتش كده .. كانت ماما دايما بتحسسنى انى ولد مش بنوته ودلوعة .. لأ .. تعرفى انها كانت بتخليني ألبس لبس "على" فى البيت .. مكنتش بحب أبص لنفسى فى المرايا .. هى برضه معذورة الظروف كانت على الأد .. فكانت بتشترى من صغرنا لبس يليق عليا وعلى "على" .. عشان نلبسه من بعض .. حتى فى ثانوى شراباتى اللى كنت بروح بيها المدرسة كانت شرابات "على" .. كان صحابي بيتريقوا عليا عشان لابسه شرابات رجالى . .بس مكنتش بتكلم ولا أقول لماما لانى عارفه ظروفنا فمكنتش بحب أقولها اشتريلى ولا هتيلى .. كنت بتكسف .. وكنت فاكرة انى لما هشتغل ويبقى معايا فلوس هجيب اللى نفسى فيه وأحس انى بنوته .. بس لما كبرت حسبت ان فى حاجة ماتت جوايا .. حاجة محسسانى انى كائن هلامى ملوش جنس محدد .. مش عارفه أهتم بنفسى زى أى بنت .. مش عارف احس أصلا انى بنت .. لما بسمع البنات بتتكلم عن وصفة للشعر أو لتنعيم الجسم بحس اكنى من عالم تانى ..بحس انى نفسى أكون زيهم وأتكلم زيهم واهتم باللى بيهتموا بيه .. بس مش عارفه .. مش عارفه اكون زيهم
قالت "آيات" وهى تشعر بحجم ما تعانيه "إيمان" من آلام حبستها بداخلها:
"إيمان" انتى مشكلتك الوحيدة هى عدم ثقتك بنفسك .. بجد انتى محتاجه شوية ثقه مش أكتر
ثم هتفت بمرح:
وبعدين يا ستى لو كان على خلطات الشعر والبشرة فالبت "أسماء" دى فظيعه أستاذة خلطات .. بالليل هخليها تضربلنا كام خلطة من بتوعها وأهو الواحد يبقه وشه منور فى حفلة بكرة
صاحت "إيمان" بمرح وهى تمسح دموعها:
لا يختى أنا مش هحط حاجة على وشى وخاصة "أسماء" اللى عملاه
نادت "آيات" "أسماء" فأتت .. قالت لها بمرح:
"سمسم" متشوفيلنا خلطة من بتوعك تجهزيهالنا بالليل عشان نبقى مزز بكرة فى الحفلة
صاحت "أسماء" قائله بتهكم:
يختى اتنيلى .. اخوكى وأخوها قسموا الستات فى حته والرجالة فى حته .. حفلة ايه دى بس يا ربي اللى محشططين فيها كل نوع فى حته .. الناس بتروح الحفلات عشان تتشاف وتتخبط .. أخواتكوا انتوا الاتنين على فكرة خنقونى آخر خنقة
أطلقت "إيمان" و "آيات" الضحكات العالية فنظرت اليهما "أسماء" بغيظ وهى تقول:
آه اضحكوا اضحكوا .. بكرة نلاقيهم مقسمين الهوا اللى فى القرية .. هوا للرجاله وهوا للستات .. واللى يشم من هوا التانى يقيموا عليه الحد
قالت "إيمان" من بين ضحكاتها:
والله انتى رهيبة يا "أسماء" .. لا بجد مسلية الواحد يتفرج عليكي بدل التليفزيون
ثم التفتت الى "آيات" قائله:
هى من زمان كده
ضحكت "آيات" وهى تقول:
آه للأسف من يوم ما عرفتها وهى صواميل مخها مفكوكه محتاجه تتربط
قالت "أسماء" بغيظ وهى تهم بمغادرة الغرفة:
كده طيب مفيش ماسكات .. خليكوا معفنين كده
نهضت "آيات" بسرعة وقبلتها قائله:
لا يا "سمسم" مقدرش على زعلك .. متحرميناش من خلطاتك الرهيبة .. حتى عشان البنت الغلبانه دى
- طيب على الله يطمر
عبرت سيارة "عاصى" بوابة قرية الماسة لتتوقف أمام المبنى الإدارى .. خرج من سيارته ونظر حوله بأعين متفحصه .. اقترب من احد العاملين وقال:
لو سمحت ألاقى فين الآنسة "آيات" ؟
أشار له الى المبنى وقال:
هتلاقيها فى مكتبها .. ولو ملقتهاش تبقى بتلف على الموظفين فى القرية
دخل "عاصى" البناية وأخذ ينظر الى الأسماء المعلقة على الغرف حتى وجد اسم "آيات" نظر اليه بسخرية ثم طرق الباب .. لم يسمع صوتاً ففتحه ليجده فارغاً .. اقترب منه أحد العاملين وقال:
حضرتك تؤمر بحاجة يا فندم
التفت اليه وقال بترفع:
عايز الآنسة "آيات"
- هى مش موجودة فى مكتبها بس ممكن تسأل عنها الأستاذ "كريم"
قال "عاصى" وهو يرفع حاجبه:
"كريم ضياء" مدير القرية ؟
- أيوة يا فندم .. ده مكتبه
أشار العامل الى المكتب .. فالتفت "عاصى" متوجهاً اليه دون أن يوجه كلمة شكر الى العامل .. طرق الباب فأذن له "كريم" بالدخول .. دخل "عاصى" يرمى عينيه فى محيط الغرفة .. وقف "كريم" قائلاً:
اتفضل
نظر اليه "عاصى" بتهكم ممزوج بالدهشة لما رآى عليه من سمت أدهشه .. سأل ليتأكد من هويته:
انت "كريم ضياء" ؟
- أوية أنا يا فندم اتفضل
جلس "عاصى" ثم قال بتعالى:
كنت عايز أقابل الآنسة "آيات اليمانى" .. ملقتهاش فى مكتبها وقالولى أسألك عنها
ضاقت عينا "كريم" وهو ينظر الى "عاصى" قائلاً:
وحضرتك مين ؟
- أنا "عاصى اليمانى" .. ابن عمها
نظر اليه "كريم" متفحصاً ثم قال:
مدير قرية الفيروز مش كده .. اهلا بيك
- وبيك .. ممكن تشوفلى هى فين ؟
أخرج "كريم" هاتفه واتصل بـ "آيات" وطلب منها الحضور الى مكتبه .. شعرت "آيات" بالدهشة وهى تنظر الى "عاصى" الجالس فى مكتب "كريم" .. نظر اليها "عاصى" قائلاً:
ازيك يا "آيات"
قالت بإقتضاب:
الحمد لله
- تعالى نتكلم بره شوية
قال "كريم" بحزم:
اتفضل اتكلم معاها هن
نظر اليه "عاصى" بحدة ثم قال بشئ من الغضب:
عايز أقول لبنت عمى حاجة خاصة
قال له "كريم" بصرامة:
اللى انت عايز تقوله لأختى قوله أدامى
نظر اليه "عاصى" بدهشة وقال بتهكم:
أختك
- أيوة أختى .. "آيات" أختى فى الرضاعة .. اتفضل قولها اللى انت عايزه أدامى
التفت "عاصى" الى "آيات" بحده قائله:
قوليله ميتدخلش ب
رواية جواد بلا فارس الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم بنوته اسمرة
دخل "مدحت" بيته ليجد "مديحة" جالسة تبكي فوق الأريكة.
نظرت إليه ومسحت عبراتها وهي تحاول أن تتمالك نفسها.
اقترب منها وقال:
- في حاجة.
نظرت إليه ورفعت حاجبها بسخرية قائلة:
- ومن امتى بتهتم يعني اذا كان في حاجة ولا لأ.
زفر بنفاذ صبر وتوجه إلى غرفة النوم لتبديل ثيابه.
توجه إلى بعد ذلك إلى المطبخ وفتح الثلاجة يبحث عن طعام ليسد به رُمقه.
أغلق الثلاجة بعنف بعدما وجدها خالية إلا من بعض الطعام الفاسد أو الذي أوشك على الفساد.
توجه إلى غرفة المعيشة حيث تجلس "مديحة" وقال بغضب مكبوت:
- هو مفيش أكل.
قالت وهي تفتح التلفاز:
- لأ مطبختش.
- ليه مطبختيش؟
نظرت إليه بعناد قائلة:
- مزاجي. هو انت فاكرني الخدامة بتاعتك. مش اح cổng متفقين على الطلاق. أطبخلك بتاع ايه بأه. أنا لما بطبخ بطبخ لنفسي مش ليك ومكنش ليا مزاج النهاردة أطبخ.
أطلق سبة بصوت منخفض وتوجه إلى غرفة النوم ليخرج هاتفه من جيب بنطاله ليطلب الطعام من أحد المطاعم.
لحقت به "مديحة" وقالت:
- انت بتشتمني؟
نظر إليها بأعين تشع غيظاً وقال:
- "مديحة" غوري من قدامي دلوقتي.
نظرت إليه بشيء من الاحتقار ثم توجهت إلى غرفة "أسماء" التي أصبحت غرفتها التي تقيم بها وأغلقت الباب بعنف.
أطلق "مدحت" سبة أخرى وجلس ينتظر عامل التوصيل.
أحضر العامل الطعام فوضعه على الطاولة وشعر بالارتياح لتناول طعامه.
خرجت "مديحة" من الغرفة ونظرت إليه بغيظ وقالت:
- طول عمرك أناني. طيب على الأقل شوف الكلبة اللي قاعدة جوه دي عايزة تاكل ولا لأ.
نظر إليه بغضب وصاح:
- مش قولتي اننا هنطلق وانك مش الخدامة بتاعتي عشان تطبخيلي. أهو أنا بأه مش ولي أمرك عشان أصرف عليكي.
صاحت قائلة:
- طول عمرك كده وهتفضل كده مبشوفش نفسك غلطان أبداً. دايماً أنا اللي غلط وانت باشا مبتغلطش.
قام من فوراً وأزاح الكرسي إلى الخلف بعنف حتى وقع على الأرض وصاح:
- انتي بتقولي شكل للبيع. انتي واحدة معندكيش دم ولا ذرة احساس. سبتي بنتك تضيع من ايدك والتيت ابن أختك يتحرش بيها ولا فتحتي بقك بكلمة. ده انتي أفشل أم وزوجة على وجه الأرض.
- لأ انت اللي زوج مثالي. يا راجل يا شايب يا اللي رايح تتجوز واحدة قد بنتك. أهي سبتك زي التيت واطلقت منك.
دفعها بقبضتيه في كتفيها من شدة غيظه وقال:
- أنا اللي طلقتها زي ما هطلقك وارميكي في الشارع تشحت عشان تلاقي لقمة نضيفة. أما خليتك تقولي حقي برقبتي مبقاش أنا "مدحت".
توجهت "مديحة" إلى غرفة "أسماء" مرة أخرى وأغلقت الباب في وجهه بعنف شديد حتى كاد أن ينخلع من مكانه.
جلس "مدحت" أمام الطاولة ثم ما لبث أن دفع الطعام بيده بعصبية حتى تساقط وتناثر على الأرض.
***
اتكأت والدة "آدم" على الأريكة وبيدها طبق من الأرز تنقي ما به من شوائب.
دخل "آدم" الشاليه واقترب منها قائلاً:
- ازيك يا ست الكل.
ابتسمت في وجهه بطيبة وقالت:
- إن شاء الله تسلم يا ابني.
جلس "آدم" بجوارها. رآها تضيق من عينيها وهي تعاود النظر إلى الطبق في يدها.
انحنى إلى الأمام وسألها باهتمام:
- ماما انتي حاسة ان نظرك ضعف ولا حاجة.
نظرت إليه وقالت وهي ترمش بعينيها:
- والله ما أنا عارفة يا ابني بقيت أحس ان عيني مزغللة.
قال بجدية:
- طيب وليه ما قولتيليش يا ماما.
ثم قال:
- طيب سيبى ده دلوقتي وتعالي نكشف أكيد هتبقى محتاجة لنضارة.
قالت بلا مبالاة:
- لا ملهاش لازمة. مش مهم.
نهض "آدم" وأخذ الطبق من يدها ووضعها على الطاولة وقال:
- مفيش حاجة اسمها ملهاش لازمة. اذا مكنتش صحتك مهمة أما إيه اللي مهم يعني.
قالت وهي مازالت جالسة لا تريد النهوض:
- يا ابني ما أنا شايفة أهوه. ملهاش لازمة النضارة.
جذبها من يدها لوجهها إلى غرفتها قائلاً:
- يلا ادخلي البسي يا ماما لو سمحتي.
لاحت ابتسامة على شفتيها تشي بسعادتها لاهتمام "آدم" بها.
انطلق بسيارته إلى إحدى عيادات العيون.
أثناء انتظار دورها في الكشف مالت عليه وقالت وهي تتطلع إلى وجهه بتتمعن:
- انت كويس يا ابني.
التفت إليها وابتسم بوَهن وقال:
- أيوه متقلقيش عليا.
نظر إليه بحزن وقالت:
- انت ندمان انك سبت الشغل؟
قال على الفور بثقة شديدة:
- لأ طبعاً مش ندمان أبداً.
ثم أحاط كتفيها بذراعه وقربها منه قائلاً في حنان:
- متقلقيش عليا. أنا عارف اني هقدر أقف على رجلي تاني.
قال بقلب مخلص:
- ربنا يكرمك ويرزقك من وسع ويديلك على قد نيتك يا ابني.
قالت بحماس وبطيبة الأمهات المعهودة:
- عارف يا ابني الحرام ده بياكل في جسم الانسان وبيقلل بركة ماله وصحته وعفيتة. لكن الحلال حتى لو كان قليل بس ربنا بيبارك فيه. عارف يا "آدم" أبوك كان مرتبه قليل أوي أوي. بس سبحان الله والله يا ابني عمرنا ما مدينا ايدينا لحد. كنا أول كل شهر نعد نفكر إزاي هنقضي الشهر بالمرتب الصغير ده. بس سبحان الله كنا بنحس ببركة ربنا في كل حاجة وكان ربنا بيسترها معانا لحد آخر الشهر وساعات كان يتبقى فلوس كمان. كنت أجي أشيلها ألاقي أبوك الله يرحمه يقولي لازم نطلع منها صدقة عشان ربنا يبارك لنا في مالنا وصحتنا وابننا "آدم". كنت ساعات أقوله خلّيهم يمكن نحتاجهم في وقت عوزة. كان يقولي متقلقيش لو معاكي 10 جنيه وطلعتي منها 5 جنيه يتبقى كام؟ كنت أقوله يتبقى 5 جنيه. يقولي لأ يتبقى 10 لأن الفلوس اللي بتطلعيها لله مبتجللش المال أبداً دي بتزود بركته.
ابتسم "آدم" وهو ينظر إلى أمه بتأثر. قبل رأسها حتى انتبه إليه بعض الجالسين في العيادة.
وقال لها وهو مازال محيطاً كتفيها بذراعه:
- ربنا يرحمه. ويبارك فيكي يا ماما. انتي وبابا سبب اللي أنا فيه دلوقتي. لأني بعملكم الطيب ربنا كافأكم وهداني. لو مكنتوش انتوا كده كان ممكن أفضل تايه طول عمري.
قبل رأسها مرة أخرى. فنظرت إليهما إحدى السيدات الجالسات بتأثر وقالت:
- ربنا يخليهولك يا حاجة.
التفتت إليها أم "آدم" وهي تشعر بسعادة غامرة من معاملة ابنها البارة بها. شعرت كأنها ملكته التي يدللها ويعتني بها ويحث نفسه على نيل رضاها.
ربتت على قدميه وقالت بابتسامة واسعة:
- إن شاء الله يا رب.
***
واجهت "أسماء" مشكلة مع أحد العاملين بالقرية فبحثت عن "علي" إلى أن وجدته واقفاً أمام أحد البوابات. يتحدث إلى أحد الحرس معطياً إياه بعض التعليمات.
اقتربت منه وقالت:
- لو سمحت يا أستاذ "علي".
التفت إليها "علي" ثم أخفض بصره وقال:
- ثواني بعد إذنك.
التفت إلى الرجل وأنهى حديثه معه. انصرف الرجل فالتفت إليها علي ونظر إلى الأرض قائلاً:
- اتفضلي.
اقتربت منه "أسماء" لتريه المكتوب على إحدى الورقات بيديها. غزي عطرها الفواح أنفه، فابتعد خطوة إلى الخلف.
نظرت إليه "أسماء" بشيء من الضيق وقالت:
- فيه 2 من عمال البوفيه بتاع حفلة بكرة اعتذروا وطالبين أجازة بكرة وسلموني طلبهم ده. واحد تعبان والتاني مسافر وأنا مش عارفة هل نطلب اتنين غيرهم ولا الموجودين هيكفوا.
قال "علي" بهدوء وهو يأخذ منها الورقة ليقرأها:
- أصلاً دي مش شغلتك يا آنسة. المفروض كانوا يجولي أنا مباشرة.
نظرت إليه "أسماء" بضيق وظنت أنه يهمل دورها فقالت بتحدي:
- لأ دي شغلي الأستاذ "كريم" قال كده.
طوى "علي" الورقة وعض على شفتيه قليلاً ثم قال بهدوء:
- حضرتك فهمتي كلام الأستاذ "كريم" غلط. حضرتك مسؤولة عن السائحات ومشاكلهم اللي بيوجهوها في القرية لو كانت مع أحد الموظفين حضرتك بترجعيلي. ولو كانت مع إحدى الموظفات بترجعي للآنسة "آيات".
قالت بحنق وقد أيقنت أنها أساءت الفهم:
- طيب فهمت. وبعدين أصلاً عامل البوفيه هو اللي جالي وسلمني الورقة وأنا جيت لحضرتك عشان معرفتش أتصرف.
قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف:
- مفيش مشكلة. بعد إذنك.
غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد.
***
انطلق "أحمد" بسيارته يشق طريقه إلى العين السخنة لحضور الافتتاح المقام في يوم غد.
كان يسير على الطريق بسرعة ولهفة. لملاقاة "آيات" التي افتقدها في الأيام الماضية.
قال "فؤاد" الجالس بجواره:
- فاضل كتير يا "أحمد".
التفت إليه "أحمد" قائلاً:
- لأ يا بابا متقلقش نص ساعة ونوصل بالسلامة.
قال "فؤاد" بإعجاب:
- تعرف. "كريم" ده طلع راجل وقد المسؤولية. أنا حاسس إننا هنجح جامد في المشروع ده.
قال "أحمد" وقد أسعده أن يشيد والده بـ "كريم":
- إن شاء الله يا بابا. هو فعلاً باين عليه راجل محترم.
عبرت سيارته بوابة القرية بتؤدة. ابتسم "فؤاد" عندما رأى "كريم" واقفاً في استقباله بصحبة أحد الرجال.
تبادل الجميع عبارات التحية وقدّم "كريم" إليهم "علي" قائلاً:
- الأستاذ "علي". أخويا وصحبي وأحد نوابي في القرية.
رحب به "فؤاد" قائلاً:
- تشرفنا يا أستاذ "علي".
قال "علي" بحرج:
- الشرف ليا يا فندم.
دخل الجميع إلى مكتب "كريم" وجار بينهم حديث عن العمل إلى أن قال "أحمد":
- طيب هستأذن أنا. هخدلي لفة في القرية.
سار في القرية يتأمل ما حوله بنظرة رضا. أخذته قدماه شرقاً وغرباً. إلى أن توجه عائداً في طريقه إلى المكتب.
فجأة لمحها. كانت واقفة تنظر إلى أحد الملفات في يدها وهي تخط بقلمها بعض الملاحظات.
علت الابتسامة ثغره وقال مقترباً منها:
- "آيات". ازيك.
التفتت "آيات" إليه ورسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وقالت بحرج:
- الحمد لله. حمد الله على السلامة.
اتسعت ابتسامته وهو يتأملها بعينيه قائلاً:
- الله يسلمك. ها إيه أخبار الشغل هنا طمنيني مرتاحة.
أومأت برأسها وقالت ممتنة:
- أيوه الحمد لله.
قال بحنان:
- فرحتيني. كنت قلقان عليكي.
شعر "أحمد" بيد تربت على كتفه فالتفت ليجد "كريم". ابتسم له بحرج وقال:
- ما شاء الله يا "كريم" المكان هنا روعة زي ما شفته على السي دي بالظبط.
قال "كريم" بهدوء وإن كانت ملامحه تنم عن الضيق:
- الحمد لله إنها عجبتك يا "أحمد". على فكرة باباك مستنيك في المكتب. "علي" هياخدكم على الأوضتين بتوعكم.
التفت "أحمد" إلى "آيات" قبل أن ينصرف قائلاً:
- سلام يا "آيات". أشوفك بعدين.
كاد "آيات" أن ترحل بدورها لكن "كريم" أوقفها. نظرت إليه بحرج وقالت:
- عارفة إنك هتقولي إنك مضايق إن "أحمد" كان واقف يتكلم معايا. بس هو اللي جه كلمني وأنا يدوبك رديت على قد السؤال.
صمت "كريم" وهو يتطلع إليها ثم قال:
- بصي يا "آيات" أنا ليا عينين وعقل بفكر بيه. وواضح جداً من نظرات "أحمد" ليكي واهتمامه بيكي إنه حاسس بحاجة نحيتك.
ارتبكت "آيات" ونظرت أرضاً وهي لا تجرؤ على إخباره بأنها تعلم ذلك جيداً.
فأكمل "كريم":
- أنا مقبلش إن راجل يبص لأختي كده. مركز عينه عليكي وواقف يتكلم معاكي أكنه محرم ليكي. مينفعش يا "آيات".
بلعت ريقها بصعوبة ونظرت إليه قائلة:
- طيب فهمت. وبعدين أصلاً عامل البوفيه هو اللي جالي وسلمني الورقة وأنا جيت لحضرتك عشان معرفتش أتصرف.
قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف:
- مفيش مشكلة. بعد إذنك.
غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد.
قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف:
- مفيش مشكلة. بعد إذنك.
غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد.
قال "علي" بهدوء وهو يستعد للانصراف:
- مفيش مشكلة. بعد إذنك.
غادر في هدوء. فالتفتت إليه "أسماء" ترمقه بنظراتها المتهمة. ثم ما لبثت أن عادت إلى عملها من جديد.
***
في المساء. أطلقت "إيمان" ضحكة عالية وقالت وهي تنظر إلى وجهها في المرآة وقد كساه سائل لزج ذو لون أخضر:
- بقيت شبه الرجل الأخضر.
ضحكت "آيات" الجالسة خلفها تضع على وجهها نفس السائل وقالت:
- معلش اللي عايز الورد يتحمل شوكه.
نظرت "إيمان" إلى "أسماء" الذي اكتسى لونها هي الأخرى باللون الأخضر وقالت بمرح:
- "أسماء" انتي حاطة إيه في البتاع ده. عارفة لو اتشوهت هعمل فيكي إيه.
قالت "أسماء" ضاحكة:
- يا ابنتي ما أنا و "آيات" حاطين زيك أهوه يعني لو في حاجة وحشة مكنش حطيناه على وشنا.
قالت "إيمان" وهي تجلس بجوارها:
- يعني البتاع ده لما هشيله هبص في المراية ألاقي نفسي بقيت مزة.
ضحكت "أسماء" وقالت:
- ليه هو أنا عاملة خلطة سحرية. قال مزة قال.
نظرت إليها "إيمان" بغيظ. فقالت "آيات":
- أصلاً انتي يا "إيمان" بشرتك رايقة أوي ما شاء الله يعني مش محتاجة ماسكات خالص. بس أهو تجربي معايا العك بتاع "أسماء".
قالت "أسماء" بغيظ:
- طالما عك طلبتي مني أعملهولك ليه. زي القطط صحيح.
ثم نظرت إليهما وقالت بحماس:
- شكل الحفلة دي هتبقى جامدة. ناس ستايل وأجانب بقى ورجالة لووووووز.
صاحت "إيمان" مستنكرة:
- يخرب عقلك إيه رجالة لوووز دي. خليتي إيه للولاد.
قالت لها "أسماء" بمرح:
- خليكي انتي في البتاع اللي حاطاه على وشك ده. كفاية عليا أخوكي.
- ماله "علي" بأه.
- ممملوش يا ستي. بس تحسه عنده كلكيعة قد كده. شكله كان بيحب واحدة زمان وهي اللي كرهته في الصنف.
ضحكت "إيمان" وقالت:
- لأ "علي" مش كاره الصنف ولا حاجة.
صاحت "أسماء" باستنكار:
- أما لو كان كاره كان عمل إيه. ده بيتكلم من مناخيره وبالقطارة بيحسسني إني بشحت منه مش بشتغل معاه. على فكرة أخوكي بجد مغرور أوي.
قالت "إيمان" بجدية:
- لأ والله "علي" مش مغرور خالص بالعكس هو حد بسيط أوي.
مدت "أسماء" شفتيها وقالت:
- معرفش. بس أنا شيفاه مغرور.
ثم نظرت إلى "آيات" قائلة:
- وأخوكي انتي كمان مغرور وشايف نفسه.
ألقت عليها "آيات" الوسادة فأصابت وجهها وقالت:
- احترمي نفسك ومتقوليش على "كريم" كده.
نظرت "أسماء" بأسى إلى الوسادة التي اتسخت بالماسك وهتفت:
- بوظتيلي الماسك ربنا على الظالم والمفترى.
قالت لها "آيات" بتشفّي:
- أحسن عشان متتكلميش عن أخويا تاني.
نهضت "أسماء" بتبرم لتضع الماسك مرة أخرى على وجهها فأطلقت "آيات" و "إيمان" الضحكات العالية وقالت "إيمان" بمرح:
- أحسن تستاهل.
***
في مساء يوم حفل افتتاح قرية الماسة. استعد الجميع لهذا الحدث الكبير.
بدأ التوتر على البعض منهم. وبدا الحماس والتفاؤل على آخرين.
كان الجميع يعمل كالنحل في الخلية. من أجل الخروج أمام الناس والصحافة والإعلام بأفضل صورة لائقة.
كانت قاعة الاحتفال من الداخل تحتوي على طاولات للنساء في جهة وطاولات للرجال في الجهة الأخرى.
راقب "كريم" كل شيء بدأ من جودة الطعام إلى الفقرات الترفيهية والبريزنتيشن للتعريف بالقرية.
وقف "علي" أمام باب القاعة يرتدي حلة أنيقة يرحب بالرجال ويرشدهم إلى مكان القاعة.
وقفت "أسماء" على بعد خطوات منه وقد ارتدت فستاناً أبرز بعض مفاتنها وزينت وجهها بالمكياج. ولفّ حجابها إلى الخلف حتى بدت رقبتها عارية من الأمام.
حانت منها التفاتة إلى "علي" الذي يقف بزاوية مولياً إياها ظهره.
رفعت حاجبيها في دهشة وهي تنظر إلى سيارة "ساندي" التي توقفت على بعد خطوات لتهبط منها متوجهة إلى القاعة.
تسمرت "ساندي" في مكانها وهي ترى "أسماء". اقتربت منها قائلة:
- إيه ده "أسماء". مش "أسماء" بردوا.
أومأت "آيات" برأسها مبتسمة فسألتها "ساندي" باستغراب وهي تراها واقفة على باب القاعة:
- ازيك يا أسماء بتعملي إيه هنا.
اتسعت ابتسامة "أسماء" وهي تقول بنعومة:
- هاي "ساندي". أنا بشتغل هنا.
رفعت "ساندي" حاجبيها في دهشة فقالت "أسماء" بنظرات ماكرة:
- منورة قريتنا يا "ساندي".
تجاهلت "ساندي" حديثها وتوجهت إلى داخل القاعة. نظرت بمزيج من الدهشة والامتعاض إلى ترتيب الطاولات. وإلى الصواني المحملة بالعصائر التي تقدم للضيوف.
ألقت نظرة سريعة ثم ما لبثت أن عادت أدراجها وانطلقت بسيارتها إلى خارج القرية.
أقبلت إحدى الزائرات فابتسمت "أسماء" في وجهها ورحبت بها.
قالت المرأة بإعجاب:
- القرية بتاعتكم ممتازة. أخذت جولة فيها بجد رائعة وكمان الأوفرز اللي عاملينها هايلة. ربنا يوفقكم.
قالت "أسماء" بأدب:
- شكراً لحضرتك وإن شاء الله نكون دايماً عند حسن ظنك.
قالت المرأة بحماس:
- يا ترى فين مدير القرية أو حد من المسؤولين هنا. عايزة أشكرهم بنفسي.
أشارت "أسماء" إلى "علي" الذي كان مستمعاً إلى الحوار وقالت:
- ده الأستاذ "علي" نائب مدير القرية.
التفتت المرأة إلى "علي" وقالت ببشاشة وهي تمد له يدها للمصافحة:
- أهلاً بحضرتك. بجد بحيكم على المجهود العظيم ده.
نظر "علي" إلى يدها الممدودة ثم أبعد عينيه وقال بأدب:
- أهلاً بحضرتك. معلش آسف مبسلمش على ستات. إن شاء الله تلاقي الإقامة عندنا في القرية ممتعة.
تلاشت ابتسامة المرأة وأعادت يدها بجوارها ودخلت القاعة دون أن تتفوه ببنت شفة.
زفرت "أسماء" بضيق وهي تتابع المرأة بعينيها ثم التفتت إلى "علي" قائلة بحنق شديد:
- مكنش فيها حاجة يعني لو سلمت عليها بدل ما تحرجها كده.
أطرق "علي" برأسه دون أن يجيب. شعرت "أسماء" بالحنق أكثر وهتفت:
- بقول مكنش فيها حاجة يعني لو سلمت عليها بدل ما تحرجها كده.
تمتم "علي" بهدوء دون أن ينظر إليها:
- سمعتك.
زاد رده من حنقها أكثر وأكثر. فقالت بحدة:
- طالما سمعت جاوبني.
قال "علي" وهو يعقد حاجبيه بضيق وهو لا يزال ينظر أمامه دون أن يلتفت إليها:
- حضرتك مسألتيش حاجة عشان أجاوبك.
زفرت "أسماء" بحنق ونظرت أمامها صامتة.
قال "علي" فجأة بنبرات هادئة:
- النبي صلى الله عليه وسلم قال "لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". وأنا معنديش استعداد أتحمل العذاب ده عشان أرضي واحدة أو محرجهاش.
ظلت "أسماء" صامتة. حانت منها التفاتة إليه لتجده يقف كما هو لا ينظر إليها. نظرت أمامها وقد بدا عليها الشروود.
في تلك اللحظة أقبلت "آيات" بصحبة "إيمان" فهتفت "أسماء" بتهكم:
- ما لسه بدري.
قالت "آيات" بعجالة:
- كان ورايا شوية حاجات بخلصها.
التفت "علي" وألقى نظرة رضا على ملابس أخته المحتشمة وعلى وجهها الخالي من الزينة.
قالت "آيات":
- ادخلي انتي يا "أسماء". هقف بدالك شوية.
توجهت "أسماء" إلى داخل القاعة بصحبة "إيمان" واهتمتا بالضيوف بالداخل.
جالت "إيمان" بعينيها في القاعة تتفحص المكان فوقع نظرها على "كريم" الذي يمر بين الطاولات بخفة مرحباً بهذا ضاحكاً مع هذا.
أشاحت بوجهها سريعاً وجلست على إحدى الطاولات.
وقفت "آيات" ترحب بالنساء. عندما تقدم منها "أحمد" بحلته الأنيقة وعطره الراقي وقال مبتسماً:
- إيه الأخبار.
قالت وهي تبعد عينيها عن وجهه متذكرة كلمات "كريم":
- تمام الحمد لله.
نظر إليها قائلاً:
- لو تعبتي ادخلي وواحدة من البنات تقف مكانك.
قالت على الفور دون أن تنظر إليه وقد بدأت تشعر بالضيق من تدخله المتزايد في شؤونها:
- لأ متعتبتش.
دلف "أحمد" إلى داخل القاعة وقام بمهمة مجالسة الضيوف والترحيب بهم شأنه شأن "كريم" الذي بدا نجم الاحتفال بأناقة ملبسه وعذوبة لسانه وبشاشة وجهه وثقته بنفسه وحديثه المرح.
***
عدلت أم "آدم" من وضع عويناتِها الجديدة فوق أنفها وتوجهت إلى غرفة ابنها تتطلع إليه وهو واقف أمام مرآته بحلته الأنيقة الفاخرة يصفف شعره بتؤدة فابتسمت قائلة:
- ربنا يحرسك من العين يا ابني.
ثم اقتربت منه ووضعت كفها على رأسه تقرأ له فاتحة الكتاب والمعوذتين.
بعدما انتهت التفتت إليها مبتسماً. فقالت له:
- على فكرة أنا خلاص يا ابني جهزت الشنط.
قال لها وهو يتوجه إلى الكومودينو يحمل هاتفه ومفاتيحه:
- تمام. أنا مش هتأخر عليكي إن شاء الله يا ماما. يعني كلها ساعة ساعة ونص بالكتير.
ثم نظر إليها وقال:
- برضه مش عايزة تيجي معايا.
قالت وهي تجلس على فراشه:
- لأ يا ابني أنا مليش في الحفلات والجو ده. أنا هستناك هنا.
قبل رأسها وقال:
- طيب شغلي التليفزيون اتسلى فيه على ما أرجع. وأنا هاخد الشنط دلوقتي أحطها في العربية.
حمل "آدم" الحقائب ووضعها في حقيبة السيارة. اتصل بـ "زياد" وهو ينطلق بسيارته وقال:
- ها انت فين. أنا في الطريق.
- وأنا كمان لسه طالع حالا نتقابل هناك هستناك بره عشان ندخل سوا.
***
- التفت "علي" يقول لـ "آيات" وهو غاضاً بصره:
- خلاص كده أعتقد مفيش حد جاي بعد كده. ندخل أحسن.
دخلت "آيات" ولحق بها "علي". توجهت إلى طاولات النساء ترحب بهن وتقدم لهن المشروبات الباردة المنعشة.
بدا على الجميع الرضا من الأنظمة المتبعة في القرية ولكن الأمر لم يخلُ من بعض الانتقادات اللاذعة.
توقفت سيارة "زياد" في القرية وقبل أن يترجل من السيارة أتى "آدم" بسيارته.
تصافح الصديقان وقال "زياد" وهو ينظر حوله متأملاً:
- يلا بينا ندخل نشوف الناس دي بتعمل إيه بالظبط. ده أنا سمعت عن قوانين غريبة عمر ما حد نفذها قبل كده.
- يلا بينا.
دخلا الاثنان القاعة. لأول وهلة شعر كلاهما بالدهشة لوجود طاولات مخصصة للنساء وأخرى للرجال. وبدا كل قسم مندمجاً وشبه مستقل عن الآخر.
نظرا إلى بعضهما البعض. وتوجها إلى طاولات الرجال.
أدار "آدم" عينيه في المكان متفحصاً وجوه الرجال. وقع بصره على "أحمد".
فجأة صاح "زياد" قائلاً:
- مش ممكن.
التفت إليه "آدم" ينظر إليه مستفهماً. لكن "زياد" تركه وتوجه إلى "كريم" الذي كان واقفاً مع رجلين يتحدثون بمرح.
وقف أمامه قائلاً بدهشة ممزوجة بالسعادة:
- "كريم ضياء"!
التفت "كريم" لينظر إلى "زياد" ثم ما لبث أن اتسعت ابتسامته وصاح قائلاً:
- "زياد". مش ممكن. وحشني أوي يا ابن الإيه.
تعانق الاثنان وكل منهما ينظر إلى الآخر بسعادة. صاح "زياد":
- انت بتعمل إيه هنا ورجعت من النمسا امتى.
قال له "كريم" مبتسماً:
- رجعت من أقل من شهر. وبعمل إيه هنا فسيادتك أنا مدير القرية.
هتف "زياد" بدهشة:
- والله العظيم. ده إيه الصدفة الجميلة دي.
أشار "زياد" لـ "آدم" الذي تركه واقفاً على بعد خطوات. أقبل "آدم" ينظر إلى "كريم". فقدم "زياد" كلاهما إلى الآخر قائلاً:
- أعرفكم ببعض. "كريم ضياء". دكتور "آدم خطاب".
تصافح الرجلان ورحب كل منهما بالآخر. قال "زياد" بمرح:
- "آدم" يا "كريم" يبقى أخويا وصحبي من واحنا صغيرين.
ثم نظر إلى "آدم" قائلاً:
- "كريم" اتعرفت عليه في شرم لما كنت بشتغل في القرية اللي هناك. راجل محترم جداً. وآخر مرة شفته فيها قبل سفره النمسا بأيام.
ثم عاد ينظر إلى "كريم" وهو يقول:
- وأهو رجع أهوه وبقى مدير قرية الماسة.
نظر إليه "آدم" بدهشة قائلاً وهو يتأمله بلحيته التي لم يرَ من قبل مدير قرية سياحية يحملها:
- انت مدير القرية.
ابتسم "كريم" قائلاً:
- أيوه مدير القرية بس مش لوحدي معايا شريك. "فؤاد".
- أيوه طبعاً أسمع عنه.
في تلك اللحظة اقترب "فؤاد" فعرف "كريم" كل منهما على الآخر. فرفع "فؤاد" حاجبيه قائلاً وهو ينظر إلى "آدم":
- "آدم خطاب"! مدير قرية جولدن بيتش.
قال "آدم" مصححاً:
- سابقاً: أنا و "زياد" سبنا الشغل من يومين.
نظر إليه "كريم" بدهشة وقال:
- مكنتش أعرف إنك سبتها.
ثم نظر إلى "زياد" وقال بدهشة:
- ولا كنت أعرف إنك بتشتغل في جولدن بيتش.
قال "زياد" بضيق:
- دي قرية ما يعلم بيها إلا ربنا كويس إننا خلصنا من الشغل فيها.
قال "كريم" باهتمام:
- نازلين فين دلوقتي.
قال "زياد" شارحاً:
- لأ إحنا راجعين النهاردة على القاهرة. كان عندنا فضول بس نحضر الافتتاح ونتفرج على القرية اللي الناس ملهاش سيرة غير عنها.
ابتسم "كريم" مرحباً وقال:
- القرية وصحاب القرية تحت أمركم.
قدم لهما واجب الضيافة وهو يتطلع حوله خوفاً من حضور "عاصي". حاول أن ينظر تجاه النساء للبحث عن "آيات" لكنه لم يجدها لأول وهلة فأشاح بوجهه.
هتفت "آيات" باستغراب:
- طيب ومشيت بسرعة ليه.
قالت "أسماء" ساخرة:
- أنا عارفة يدوبك دخلت دقيقة وخرجت تاني تتمختر وركبت عربيتها ومشيت.
قالت "آيات" وهي تفكر:
- أكيد كانت جاية تشوف النظام إيه مش إحنا نعتبر قرية منافسة لقرية باباها.
فكرت "آيات" بقلق. تُرى هل "ساندي" فقط من دفعها الفضول لحضور الافتتاح. أم أن "آدم" أيضاً ربما دفعه فضوله للحضور.
نفضت تلك الفكرة من رأسها وهي تقول:
- لا تقلقي نفسك يا "آيات". وحتى لو حضر فلا شأن لكِ به.
تناءت أفكارها واندَمجت في الحديث مع إحدى السيدات.
وقف "آدم" ينظر بإعجاب شديد إلى الشاشة التي تعرض صور للقرية وأنظمة العمل بها.
اقترب منه "كريم" قائلاً:
- يهمني أعرف رأي شخص خبرة زيك يا دكتور.
التفت إليه "آدم" وقال بإعجاب ظاهر:
- بصراحة ممتاز. أفكار جريئة محدش نفذها قبل كده. وفي نفس الوقت تريح ضمير أي واحد شغال في السياحة.
ابتسم "كريم" قائلاً:
- وأنا سعيد إن ده رأيك يا دكتور.
- بس انت دراستك إيه.
ضحك "كريم" قائلاً:
- تقصد عشان الأنظمة اللي حطيناها في القرية والأفكار اللي نفذناها. لأ كل دي اقتراحات أختي. هي اللي قدمت المشروع وبعدها كلمتني عن أفكارها وعجبتني جداً ودخلت شراكة مع الأستاذ "فؤاد".
قال "آدم" مبتسماً:
- بجد هايل ربنا يوفقكم.
وبعد ما يقرب من الساعة استأذن "آدم" و "زياد" للانصراف. فهتف "كريم":
- بتهزر يا "زياد" ملحقناش نعد بعض.
- هاجيلك تاني أكيد هتروح مني فين.
- طيب ابقى اعملها انت بس وانت عارف القرية تحت أمرك انت ودكتور "آدم". منتظر إن شاء الله زيارة منكم قريب عشان تشوفوها على الطبيعة.
قال "آدم" مصافحاً إياه:
- أكيد إن شاء الله هيبقى فيه زيارة تانية. بس اعذرني عشان سايب والدتي منتظراني في الشاليه. وعشان كمان السفر أدامنا 3 ساعات على الطريق.
قال "كريم" مودعاً إياهما:
- ربنا يحفظها إن شاء الله. اتشرفت بمعرفتك يا دكتور.
ثم عانق "زياد" قائلاً:
- مستني زيارتك إن شاء الله.
رحل "آدم" بصحبة "زياد" متوجهاً كل منهما إلى سيارته.
كانت "آيات" مندمجة في الحديث مع إحدى السيدات. وفجأة ارتطمت بها فتاة من الخلف.
فالتفتت الفتاة و "آيات" في نفس الوقت ولترتطم يد الفتاة المحملة بكوب العصير بـ "آيات" ويتساقط العصير على ملابسها.
صاحت الفتاة بحرج:
- أنا أسفة. معلش بجد أنا أسفة أوي.
قالت "آيات" وهي تنظر إلى ملابسها التي اتسخت بالعصير:
- لأ أبداً ولا يهمك.
قالت الفتاة وهي تخرج مناديلها من حقيبتها وتمسح آثار العصير عن ملابس "آيات":
- أوف مش هيطلع. طيب اعمليه في الحمام بماية وشوية وهتنشف.
نظرت إليها "آيات" مبتسمة وقالت:
- مفيش مشكلة هروح الشقة أغير.
قالت الفتاة بأسف شديد:
- معلش والله مخدتش بالي. أنا آسفة مرة تانية.
- لأ أبداً ولا يهمك.
التفتت "آيات" لتقابل "أسماء" التي تحاول كتم ضحكاتها وقالت:
- شكلك فظيع بالعصير المدلوق عليكي ده. تخيلي لو حد من الصحفيين صورك ونلاقي بكرة صورتك ومكتوب فوقها بالبنط العريض. إحدى المسؤولات في قرية الماسة تسكب العصير على ملابسها كالأطفال.
نظرت إليها "آيات" بغيظ وقالت:
- "أسماء" مش وقتك.
قالت "أسماء" وهي مازالت تضحك:
- طيب روحي غيري هدومك بسرعة مش معقول هتقضي بقية الحفلة بالمنظر ده.
لم تجد "آيات" حلاً آخر فتوجهت تشق طريقها بين النساء.
ما كاد يصل "زياد" إلى سيارته حتى هتف:
- أوبس نسيت آخد رقم "كريم".
نظر إلى "آدم" قائلاً وهو ينصرف:
- ثواني يا "آدم" هاخد منه الرقم بسرعة وأجيلك.
أومأ "آدم" برأسه ووقف واضعاً يديه في جيب بنطاله يتطلع إلى المكان حوله منتظراً عودة "زياد".
دخل "زياد" القاعة فكاد أن يصطدم بـ "آيات" التي كانت تهم بالخروج. رجع خطوة للخلف قائلاً:
- اتفضلي.
خرجت "آيات" وهي تحاول بالمناديل مسح بقع العصير التي ترسبت فوق ملابسها.
كانت عينا "آدم" تدور في المكان. ثم التفت ينظر إلى باب القاعة منتظراً خروج "زياد".
توقف الزمن. بل توقف كل شيء. توقف قلبه عن مهمته في ضخ الدم إلى جسده. وتوقفت رئتيه عن إمداد قلبه بالأكسجين. وتوقف عقله عن التفكير.
لم تعمل سوى عينيه التي تعلقت بتلك الفتاة الخارجة من القاعة.
اتسعت عيناه وهو يراها تمر أمامه. لم يتمكن من رؤية وجهها إلا للحظة لكنها كانت كافية ليتعرف عليها.
عادت أجهزته للعمل ولكن بسرعة جنونية. لم يشعر بنفسه إلا وهو يسرع الخطى ليلحق بها.
هتف بلوعة وبصوت مرتعش وكأنه قادم من مكان سحيق:
- "آيات"!
توقفت. لم يقل إلا كلمة واحدة لكنها عرفت صوته. وكيف تستطيع نسيان ذلك الصوت التي كانت تستمتع إليه في محاضراته بالساعات.
حبست أنفاسها. كرر ندائه. الذي لم يكن نداءً بقدر ما كان استفهاماً ملعوفاً ممزوجاً بالتعجب:
- "آيات"!
اضطرب تنفسها وتسارعت نبضات قلبها. بلعت ريقها بعصبية وأخذت نفساً عميقاً لتلتفت ببطء وتقف في مواجهته.
غارت عينا "آدم" في محجريهما وتحركتا بسرعة على وجهها بتفاصيله وكأنها لا تصدق ما تراه أمامها.
هربت الدماء من وجهه وكأنه يرى شبحاً أمامه. اضطرب تنفسه بشدة وبدا كمن يجاهد ليبقى قلبه الذي يخفق بجنون حبيس صدره.
اقترب منها أكثر وقال بذهول ولهفة وجزع:
- آيات.
بلعت "آيات" ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه. حاولت أن تفهم مشاعرها في تلك اللحظة فلم تستطع.
بدا وكأن قلبها وعقلها يتحدثان معها بلغة لا تفهمها. ثم. استدارت لتغادر.
اندفع "آدم" بسرعة جاذباً إياها من ذراعها. التفتت تنظر إليه بدهشة واستنكار.
فأمسك بيده الأخرى ذراعها الآخر وأدارها لمواجهته.
نظرت إليه بحدة وصاحت:
- سيبني.
لمعت الدموع في عينيه وعلى شفتيه ابتسامة حائرة مترددة وهو يقول بصوت مضطرب:
- "آيات".
رواية جواد بلا فارس الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم بنوته اسمرة
عادت "آيات" إلى غرفتها وهي ترتعش بشدة، وقلبها يخفق بقوة. توجهت إلى النافذة تتأكد من كون "آدم" لم يتبعها. جلست على فراشها وما زالت يداها ترتعشان. أعادت في عقلها ما حدث منذ قليل. تملكها شعور بالخوف والغضب في آن واحد. خوف من أن يتعرض لها مرة أخرى، وظلت تتساءل في نفسها: ماذا يريد؟ لماذا تصرف هكذا؟ يا لجرأته، بل يا لوقاحته! شعرت بالغضب من إمساكه بها وقربه منها على هذا النحو. لم تشعر إلا والعبـرات تتساقط فوق وجنتيها. ماذا يظنني؟ كيف يتعامل معي بهذا الشكل؟ أيظنني سهلة إلى هذه الدرجة؟ يقترب مني وقتما شاء وكيفما شاء. كيف يجرؤ على الاقتراب مني ولمسي بهذا الشكل؟ أبدلت ملابسها بملابس النوم. فلم تشعر في نفسها بأي رغبة في العودة للحفل. كانت تخشى أن تواجهه مرة أخرى. وحتى وإن لم تواجهه، لن تستطيع التحدث مع أي شخص الآن. فالشيء الوحيد الذي تشعر به الآن هو الرغبة في البكاء. لا تعرف تحديداً لماذا تبكي، لكنها فقط كانت تريد أن تبكي. وبكت!
***
فتح "آدم" باب الشاليه ولحقه "زياد". استقبلته أمه قائلة: "خلاص يا حبيبي أنا جاهزة وتممت على كل حاجة في الشاليه".
لكنها فوجئت به يقبل عليها ويمسك كتفيها قائلاً وابتسامة واسعة على محياه: "آيات عايشة يا ماما، مماتتش".
اتسعت عينا أمه من الدهشة وقالت: "بتقول إيه يا ابني؟"
هزها بيديه وقال بحماس والسعادة في عينيه: "بقولك آيات. الحمد لله عايشة. شوفتها يا ماما".
نقلت أمه نظرها بينه وبين "زياد"، فقد ظنت أن حزنه عليها جعله يتخيل رؤيتها. قال "زياد" مبتسماً: "شكلها فعلاً مماتتش، واللي ماتت دي كانت واحدة تانية".
التفت إليه "آدم" وقال بلهفة: "أنا مش قادر أصبر، عايز أروح أشوفها تاني وأتكلم معاها".
قال "زياد" محذراً: "اهدأ شوية يا آدم. البنت كانت هتطلب لك الأمن، مش عايزين مشاكل".
شهقت أم "آدم" قائلة: "تطلب لك الأمن؟ ليه يا ابني؟"
قال "زياد" بمرح: "ابنك لما شافها فضل ماسك فيها مش عايز يسيبها. والبنت كانت يا عيني مرعوبة ومخضوضة. وده برضو متمسك فيها بإيده وسنانه".
ابتسم "آدم" قائلاً: "أعمل إيه يعني؟ كنت هجنن لما شفتها قدامي".
ثم قال بحزن: "بس مدّتنيش أي فرصة أتكلم معاها، ولا إني أشرح لها أي حاجة".
قال "زياد" مطمئناً إياه: "متقلقش، بكرة تتكلموا مع بعض وتقولها كل الكلام اللي جواك. بس اهدأ كده واعقل عشان الأمور دي متتاخدش إلا بالهداوة".
لم يستطع "آدم" النوم. ظل ممدداً فوق فراشه واضعاً اللاب توب فوق قدميه يتأمل صورتها والابتسامة على شفتيه لا تغادرهم. لم يصدق حتى تلك اللحظة أن "آيات" ما زالت على قيد الحياة. تمنى أن يذهب إليها ويتحدث معها فما كان يطيق هذا الانتظار. لكنه خشي أن يسبب لها المزيد من الخوف. اختفت ابتسامته وهو يتذكر كيف كانت خائفة منه. فزعه. تحاول إفلات نفسها من يديه بعنف. تنهد وهو يعلم أن الأمر لن يتم بسهولة. فبالتأكيد ما زالت تحمل له في نفسها البغض والرفض. لكنه لن يدع الأمور على حالها. يجب أن يقنعها بأنه تغير. وأنه ترك كل ما يغضب ربه. وأنه عاد مرة أخرى إنساناً نقياً. وأنه نادم على كل ما فات. تذكر جرمه في حق نفسه، وفي حق ربه. فتساءل في نفسه: هل تقبلت توبتي يا رب؟ هل عدت فعلاً إنساناً نقياً؟ هل ما زلت غاضباً علي؟ شعر بالتكاسل لكنه أجبر نفسه على النهوض من فراشه. توضأ وصلى ركعتين لله عز وجل. يستغفره فيها ويرجو مغفرته. ويرجو أن يقربه من "آيات"، وأن تكون له دون سواه.
***
جلس "عاصي" في بار قريته. في إحدى يديه كأساً وفي الأخرى فتاة. رن هاتفه فرد بلهفة: "إيه الأخبار؟"
قال الشخص على الطرف الآخر: "إزيك يا أستاذ عاصي. الحلفة خلصت دلوقتي".
سأله باهتمام: "ها، إيه اللي حصل؟"
"مفيش حفلة زي أي حفلة. بس كانوا مقسمين الستات في جهة والرجالة في جهة. عشان كده معرفش أدخل وسطيهم وأدور على آيات".
زفر "عاصي" بضيق قائلاً: "وبعدين؟ معمـلتش حاجة يعني؟ زي ما رحت زي ما جيت".
قال الرجل: "لا طبعاً، ودي تيجي؟ صحيح أنا معرفتش آخدلها صورة كده ولا كده وهي جوه الحفلة. بس لما طلعت خدتـلها شوية صور في الجون".
سأله "عاصي" بلهفة وهو يبتعد عن الفتاة التي معه: "ها، كمل".
قال الرجل بحماس: "في الأول افتكرتها هتمشي وتسيب الحفلة، فمشيت وراها. ولما لقيت واحد جاي ناحيتها استخبيت وراقبتهـم".
"واحد مين؟"
"آدم خطاب اللي كان شغال في جولدن بيتش".
رفع "عاصي" حاجبيه قائلاً: "كمل".
"كان باين عليهم بيتخانقوا. هو ماسكها وعايز يحضنها وهي بتزعق فيه وبتـبعد عنه. بس خدت صورة في الجووووون مش واضح فيها إنها كانت بتزقه أو بتحاول تبعد نفسها عنه".
ضحك "عاصي" قائلاً: "حلو قوي كده. الصورة دي هتعمل بيها زي ما اتفقنا".
قال الرجل: "متقلقش يا أستاذ عاصي. بكرة الصبح هتلاقي الخبر منور في الجرنال بتاعنا".
شعر "عاصي" بالانـتصـار ولمعت عيناه وهو يقول: "أما نشوف أنا وانتِ يا بنت عمي. ابقى خلي أخوكي ينفعك".
***
سمعت "آيات" ضحكات صديقتيها تتعالى بعدما دخلتا البيت. مسحت دموعها المتساقطة على وجهها بظهر يدها. سمعت "إيمان" تقول لـ "أسماء": "شكلها نامت، النور مطفي".
قالت "أسماء" بمرح: "هربت من الحفلة وسابتنا نتعجن لوحدنا".
طرقت "أسماء" الباب ثم فتحته لتُصدم من وجه "آيات" الباكي. كانت جالسة في منتصف فراشها الصغير وعينيها ممتلئتان بالدموع. أقبلت الفتاتان عليها وقالت "إيمان" بدهشة: "آيات، انتي كنتي بتعيطي؟"
جلست "أسماء" بجوارها قائلة: "مالك يا آيات؟ حد ضايقك في الحفلة؟"
قالت "آيات" بصوت مبحوح: "شفت آدم".
قالت "أسماء": "دكتور آدم؟ وبعدين؟ كلمك؟"
أخذت تقص عليهما ما حدث بعدما غادرت الحفل. فصاحت "أسماء" بحنق: "هو فاكر نفسه إيه؟ إزاي يعمل كده؟"
قالت "إيمان" وهي تشعر بالغضب هي الأخرى: "بجد راجل مش محترم".
قالت "آيات" بصوت مرتعش وقد شعرت برغبة في البكاء مرة أخرى: "لما نادى عليا وشوفته محسـتش بأي حاجة. عارفه أكأنه واحد غريب عني معرفوش. لكن لما عمل معايا كده ومسكني بالشكل ده، بجد حسـيت إني بكرهه. إزاي يتجرأ ويعمل كده؟"
قالت "أسماء" بحيرة: "بس أنا مش فاهمة كان عايز منك إيه؟"
قالت "آيات" بحدة: "ولا أنا فاهمة. كل اللي طالع عليه: 'انتي مكنتيش معاها'. مفهمتش هو بيقول إيه. خوفت منه أوي. شكله مكنش طبيعي خالص. لولا إن كان في واحد خارج من القاعة ونددتله مكنتش عرفت أهرب منه".
قالت "إيمان" بحزم: "لازم تقولي لأخوكي يا آيات. لازم يعرف إن في معاكي راجل. ممكن يكون عمل كده عشان فاكرك لوحدك وملكيش حد".
قالت "أسماء" باستغراب: "أنا أصلاً مش فاهمة ليه يقرب منك كده ويمسكك مش عايز يسيبك. هو عارف كويس أوي إن خلاص كده الموضوع انتهى. وكمان هو أصلاً مكنش بيحبك. إيه بقى اللهفة اللي ظهرت عليه فجأة دي؟"
قالت "آيات" بحنق: "معرفش ومش عايزة أعرف".
سألتها "أسماء": "هتقولي لأخوكي؟"
تنهدت "آيات" قائلة: "أيوة، بكرة إن شاء الله هعرفه بموضوع خطوبتي القادمة. بس خايفة أقوله على اللي حصل النهاردة يروح يتشـاكل معاه".
قالت "إيمان" بتشفي: "أحسن، خليه يتشـاكل معاه عشان يتربى ويتعمل الأدب. أنا أصلاً مش عارفة انتي ليه ما قولتيش لأخوكي إنك كنتي مخطوبة لـ آدم".
قالت "آيات" بمرارة: "مـجتش فرصة للكلام. وبعدين محـبتش أتكلم في الموضوع ده وأفتحه تاني. وكمان متخيلتش أبداً إنه ممكن ييجي الحفلة أني أشوفه. أنا عارفه إنه في قرية منافسة لينا، فقولت مستحيل نتقابل أبداً".
ربتت "أسماء" على قدمها قائلة: "طيب يا حبيبتي نامي دلوقتي وبكرة نفكر هنعمل إيه".
حاولت "آيات" النوم، لكن النوم خاصم جفونها. ظلت مستيقظة حتى قبل الفجر بقليل. قامت وصـلت ركعتي قيام الليل. وصـلت الفجر ووضعت جسدها على فراشها وغطت في نوم عميق.
***
استيقظ "كريم" وخرج من غرفته ليسمع أصوات في المطبخ. توجه إليه ليرى "علي" يعد الفطار. فابتسم له قائلاً بصوت ناعس: "صباح الخير يا علي".
التفت له "علي" قائلاً: "صباح النور".
توجه "كريم" إلى الحمام، بينما أعد "علي" على الطاولة ووضع فوقها الطعام المعد. فتح الباب وتناول الجرائد الموضوعة أمامه ثم وضعها فوق الطاولة. التفت الاثنان حول طاولة الطعام، فقال "علي": "الحفلة كانت حلوة امبارح، أنا شايف إن الناس كانت مبسوطة".
قال "كريم" وهو يلوك الطعام في فمه: "أنا برضه شايف كده. طبعاً كان في ناس مش عاجبها الوضع، بس ده طبيعي. لولا اختلاف الآراء لبارت السلع. كل واحد بيدور على الحاجة اللي مناسبة له ولمبادئه ولتخليه مبسوط وضـميره مرتاح".
قال "علي" وهو يتناول إحدى الجرائد من فوق الطاولة: "عجبني فكرة الجرائد اللي بتتوزع على كل القرية كل يوم الصبح".
ابتسم "كريم" قائلاً: "فكرة آيات. ما شاء الله عليها دماغها جامدة".
تجمدت نظرات "علي" على أحد العناوين في الجريدة، ثم ما لبث أن تغيرت ملامحه. نظر إليه "كريم" بتـمعن قائلاً: "إيه؟ متقولش بدأوا هجوم. أصلاً دي حاجة متوقعة. أكيد في ناس كتير مش هيعجبها الأسلوب المحترم اللي احنا شغالين بيه".
بدا على "علي" الوجوم وهو يعطي الجريدة لـ "كريم". أخذ "كريم" الجريدة ونظر إليها ليتقلى الخبر الصاعق. تمتم يقرأه بصوت خافت: "مشهد عاطفي يجمع بين مدير قرية جولدن بيتش السابق وشقيقة مدير قرية الماسة".
امتقع وجه "كريم" واحتقنت به الدماء عندما رأى الصورة المنشورة تحت الخبر. "آدم" ممسكاً بوجه "آيات" بكفيه مقترباً منها بوجهه وكلاهما ينظر إلى عين الآخر. أطرق "علي" برأسه وقد أصابه الحزن لما يشعر به "كريم" الآن. وضع نفسه موضع "كريم". فلو كانت الصور المنشورة لـ "إيمان" أخته، لكاد أن يجن الآن. نهض "كريم" دون أن يتفوه بكلمة وأحضر هاتفه واتصل بـ "آيات" وهو ما زال ممسكاً بالجريدة في يده.
صاحت "أسماء" النائمة: "آيات ردي على موبايلك أو افصليه".
استيقظت "آيات" وشعرت بالتوتر لاتصال "كريم". ظنت أنها يريد أن يسألها لما غادرت الحفل مبكراً. وستضطر إلى أن تقص عليه كل شيء. ردت قائلة: "السلام عليكم. أيوه يا كريم".
سمعته يقول بحزم شديد: "وعليكم السلام. واقف مستنيكي قدام باب الشقة. اطلعيلي فوراً".
ازداد توتر "آيات" واضطرابها. لماذا يتحدث إليها بجفاء هكذا؟ ليس معقولاً أن هذا بسبب مغادرتها الحفل مبكراً. تمتمت وهي ترتدي أسدالها: "أستر يا رب".
فتحت باب الشقة وهالها وجه "كريم" المحتقن. خرجت وأوارت الباب خلفها ونظرت إليه قائلة: "خير يا كريم؟"
رفع الجريدة أمام عينيها. تجمدت الدماء في عروقها وبردت أطرافها وهي تتطلع إلى صورتها مع "آدم" وإلى العنوان الذي يشير بوجود علاقة بينها وبينه. شهقت بقوة وهي تضع كفها على فمها. طوى "كريم" الجريدة وأبعدها عن ناظريها وهو يقول بصرامة: "أنا عايز أسمع منك انتي كمان قبل ما أروح أربي الكلب ده".
ثم أغمض عينيه للحظة وتمتم بخفوت: "أستغفر الله".
تتساقط العبرات من عينيها. ثم ما لبثت أن تعالت شهقاتها بالبكاء وهي لا تصدق أن عرضها أصبح شيئاً يُلاك في الصحف وعلى ألسن الناس. أغمضت عينيها بشدة وجسدها يرتجف بقوة. نظر إليها "كريم" بـتـمعن. ثم ما لبث أن جذبها لحضنه وهو يقول لها: "فهميني يا آيات. إزاي الصورة دي اتخدت؟"
لم تستطع الرد إلا بمزيد من البكاء. ربت على رأسها قائلاً: "طيب اهدى. اهدى عشان نعرف نتكلم".
في تلك اللحظة خرج "علي" من الشقة المجاورة وأشار إلى "كريم" قائلاً: "ادخلوا هنا. أنا نازل".
جذبها "كريم" إلى الشقة وأغلق الباب. وجهها للجلوس على الأريكة وجلس بجوارها وهي ما زالت تبكي. ربت على ظهرها قائلاً: "ممكن تهدي شوية. عايز أفهم منك اللي حصل. عشان الموضوع ده مستحيل أعديه بالساهل كده".
توقفت عن البكاء وقالت بصوتها الباكي ووجهها الممتلئ بالعبرات: "هو اللي ماسكني غصب عني ومكنش راضي يسيبني. أصلاً اللي متعرفوش إنه كان خطيبي".
صمت "كريم" قليلاً من وقع الخبر عليه. ثم بإنفعال: "إزاي يعني؟ آيات اتكلمي وقوليلي كل حاجة. متخبيش عني حاجة".
صمتت "آيات" قليلاً لتتمالك نفسها. ثم.. قصت عليه كل شيء. كل شيء. وانتهت بقولها: "مكنتش فاكرة إني هـيكون موجود في الحفلة. ولما نادى عليا افتكرته هيحاول يتكلم بس. لكنه مسكني من دراعي ومكنش راضي يسيبني أمشي وفضل يقرب مني غصب عني".
انتهت من حديثها ورفعت عينيها تنظر إلى "كريم" فلم تجد وجهه إلا محتقناً أكثر وفي عينيه نظرة غضب شديد. أوقفها قائلاً: "ارجعي انتي وأنا هتصرف".
نظرت إليه بقلق قائلة: "هتعمل إيه؟"
قال بحزم وهو يسوقها إلى شقتها: "قولتلك هتصرف".
عاد إلى شقته وبدل ملابسه في عجالة وما زالت نظرة الغضب في عينيه. ثم توجه إلى الخارج وهو يحمل هاتفه ومفاتيح سيارته. اتصل بـ "علي" وقال: "علي، هتعرف تتصرف النهاردة من غيري؟"
سأله "علي" بقلق: "أيوة. بس انت مش هتيجي الشغل يعني؟"
قال "كريم" باقتضاب: "مسافر القاهرة. وهتابعك في التليفون".
"ماشي. ترجع بالسلامة إن شاء الله".
انطلق "كريم" يشق طريقه خارج القرية. اتصل بـ "زياد" فلم يجد إجابة. حاول مرات ومرات إلى أن استيقظ "زياد" من نومه وأجاب بعينين نصف مفتوحتين: "ألو".
قال "كريم" بحزم: "زياد، قولي عنوان صاحبك".
هرب النوم من عيني "زياد" وجلس على فراشه قائلاً: "صاحبي مين؟"
"دكتور آدم".
قال "زياد" بقلق: "ليه عايز عنوان في إيه؟"
"أنا في طريقي للقاهرة عايزة في حاجة مهمة".
شعر "زياد" بالتوتر. هل من الممكن أن تشتكي "آيات" من "آدم" إلى "كريم" باعتباره مدير القرية والمسؤول عنها؟ رد قائلاً: "إحنا مسافرناش يا كريم. إحنا هنا في العين السخنة".
"طيب ثواني".
أوقف "كريم" سيارته على جانب الطريق ثم قال: "اديني رقم الشاليه بتاعه".
أخبره "زياد" عن رقم الشاليه. فأنهى "كريم" المكالمة سريعاً. حاول "زياد" الاتصال بـ "آدم" دون جدوى، فارـتدى ملابسه وتوجه إلى الشاليه يطرق بابه. فتحت له والدة "آدم" فسألها بلهفة: "آدم هنا يا خالتي؟"
"أيوة يا ابني نايم جوه".
انطلق "زياد" إلى غرفة "آدم" ليوقظه قائلاً: "آدم! آدم قوم! آدم!"
استيقظ "آدم" وهو ينظر إلى "زياد" بدهشة. ثم أغمض عينيه مرة أخرى قائلاً: "عايز إيه بقى يا زياد؟ أنا منمتش إلا الصبح".
قال "زياد" بقلق: "كريم اتصل بيا وكان مسافر لك على القاهرة وطلب مني عنوانك. قولـتله إننا لسه هنا مسافرناش، فطلب رقم الشاليه بتاعك".
فتح "آدم" عينيه ونظر إلى "زياد" بدهشة وقال: "مش فاهم. كان هيسافرلي القاهرة؟ ليه؟"
"مش عارف يا آدم، بس مش مرتاح. خايف تكون آيات دي حكتله على اللي حصل امبارح".
جلس "آدم" على فراشه وهو يقول بإمتعاض: "وهو ماله هو؟ دي حاجة بيني وبينها".
فتح "زياد" فمه للرد عليه، لكن صوت جرس الباب قاطعه. نظر كلاهما إلى وجه الآخر. ثم نهض "آدم" وتوجه إلى الباب وهو يقول لأمه: "ماما ادخلي جوه بعد إذنك".
دخلت والدته غرفتها وهي تقف خلف الباب تستمع إلى ما يدور، فقد شعرت بالقلق ينتابها. فتح "آدم" الباب وهو يغمض عينيه ليحميها من نور الصباح الذي غزاها. نظر إليه "كريم" بحزم وصـرامة وقال: "ممكن نتكلم شوية؟"
شعر "آدم" بالدهشة، فالرجل الضاحك المرح الذي قابله بالأمس تحول 180 درجة وصار وجهه كحجر صوان. ونظرات غاضبة يصوبها تجاهه. أدخله "آدم" إلى غرفة الصالون وأشار له بالجلوس قائلاً: "اتفضل".
تحدث "زياد" قائلاً: "خير يا كريم؟ في إيه؟"
رفع "كريم" الجريدة أمام ناظريهما. خطف منه "آدم" الجريدة وهو يتطلع إلى الخبر المنشور وإلى صورة "آيات". اتسعت عينا "زياد" في ذهول، ثم ما لبث أن هتف "آدم" بغضب: "ولاد الـ...!"
رفع عينيه ليرتطم بنظرات "كريم" الغاضبة. قال "كريم" بعنف: "ممكن أفهم إيه اللي انت عملته مع آيات امبارح ده؟ إزاي تهاجم عليها كده؟"
هتف "آدم" وهو يشعر ببركان غضب بداخله بسبب ما نشر عن "آيات": "وانت مالك انت ومال آيات؟ انت مدير القرية، لكن مش من حقك تدخل في حاجة تخص النزلاء اللي عندك".
قال "كريم" بحزم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: "أنا أخوها. يعني ليا الحق إني أتدخل في كل حاجة تخصها. وليا الحق إني أحاسبك دلوقتي على اللي عملته امبارح. عايز أسمع منك حالاً تفسير للي حصل امبارح".
قال له "آدم" بدهشة: "أخوها؟ إزاي يعني؟ آيات ملهاش أخوات".
قال "كريم" بحدة: "أخوها في الرضاعة مش بالنسب. ودلوقتي منتظر منك إجابة لأني مش هعدي الموضوع ده بالساهل. حتى اللي نشر الخبر ده لازم هيتعاقب على السب والقذف اللي عمله".
تنهد "آدم" وهو يشعر بعقله قد توقف عن العمل. لا يستطيع التفكير بوضوح. فمنذ الأمس وهو يتلقى الصدمات واحدة تلو الأخرى. قال "زياد" محاولاً تهدئة الأمور: "آدم مكنش قصده يا كريم. هو بس انـفعل لما شافها. مكنش مصدق نفسه. لأنه كان فاكرها ماتت".
قال "كريم" بدهشة شديدة: "ماتت؟ وإيه اللي خلاه يفتكرها ماتت؟"
قال "آدم" بوهن وهو يشير إلى الأريكة: "اقعد وأنا أحكيلك".
توجه "آدم" إلى غرفته ليحضر شهادة الوفاة التي استخرجها لـ "آيات". والتي شعر "كريم" بالصدمة وهو يتطلع إليها. ثم.. تحدث "آدم" ليخبره بجانبه من القصة. ران الصمت طويلاً إلى أن قال "آدم" بخجل: "أنا آسف إني اتصرفت كده. بس حط نفسك مكاني. واحدة انت مستلمها من المشرحة ودافنها بإيدك وعملت لها شهادة وفاة وفجأة لقيتها قدامك. غصب عنك مش هتعرف تتحكم في مشاعرك ومش هتعرف تفكر بوضوح".
تنهد "كريم" بضيق وهو يقول: "المشكلة دلوقتي في الخبر اللي اتنشر ده".
ظهر الغضب على وجه "آدم" وهو يقول: "متقلقش، أنا هعرف شغلي مع اللي عمل كده. سيبـهولي".
قال "كريم" بحزم وهو ينهض: "أنا هعذرك بس عشان الكلام اللي قلته دلوقتي وعشان الموقف الصعب اللي اتعرضتله. بس مش هسمحلك إنك تقرب من أختي تاني. الرابط اللي كان بينكوا خلاص انتهى. مش عايز أشوفك تضايقها تاني".
ثم قال بغضب مكبوت: "أما اللي نشر الكلام ده فأنا لازم أرفع عليه قضية سب وقذف".
أومأ "آدم" برأسه وهو يقول بصرامة: "معاك حق. ارفع عليه القضية عشان يتربى على اللي عمله ده. بس أنا برضه مش هسيبه".
خرج "كريم" دون أن يضيف كلمة أخرى. التقط "آدم" الجريدة التي تركها "كريم" على الطاولة وأخذ يتطلع إلى تفاصيل الخبر والذي كانت تتحدث عن علاقة خفية بينهما. امتقع وجهه والتفت يغادر الشاليه. لحقه "زياد" وهو يسأله: "على فين يا آدم؟"
قال وهو يركب سيارته بسرعة: "رايح الجريدة اللي نشرت الخبر ده".
انطلق "زياد" خلفه بسيارته. كانت جريدة محلية لم يجد صعوبة في الوصول إلى مقرها. نزل "آدم" وهو يحمل بيده الجريدة وأخذ يسأل عن صاحب الاسم الموضوع في بداية المقال إلى أن وجده. دفعه "آدم" في كتفه وهو يهتف: "إيه الكلام اللي انت نشرته ده؟"
شعر الرجل بالخوف لأول وهلة. ثم ما لبث أن قال: "إيه؟ خبر زي أي خبر".
صاح "آدم" بعنف: "الخبر ده تنزله تكذيب دلوقتي حالاً. انت فاهم؟"
قال الرجل ضاحكاً بسخرية: "لا مش فاهم. تكذيب إيه؟ انت بتحلم".
كان رد "آدم" لكمة قوية سددها إلى وجه الرجل مع تعالي صيحات الاستنكار من الجميع. جذبه "زياد" قائلاً: "خلاص يا آدم، كفاية".
ألقى "آدم" الجريدة فوق الرجل الملقى على الأرض وقال باشمئزاز: "أنا هعرفك إزاي تنشر خبر زي ده. أنا والبنت اللي في المقال هنرفع عليك قضيتين سب وقذف ومش هسيبك إلا وانت محبوس".
هم بأن يضربه مرة أخرى لكن "زياد" أحكم قبضته عليه وهو يجذبه إلى خارج المبنى. هتف "زياد" قائلاً: "مش هتجيبها لبر يا آدم. مش هترتاح إلا لما تجيب لنفسك مصيبة".
ركب "آدم" سيارته وهو يشعر بالحمق الشديد. فسأله "زياد": "رايح فين؟"
قال وهو ينطلق في طريقه: "رايح في داهية".
أخذ ينطلق بسيارته لا يلوى على شيء وهو يفكر في مدى الأذى الذي سببه إلى "آيات". شعر بالضيق الشديد وهو يفكر في حالها الآن بعد نشر هذا الخبر وهذه الصورة التي تجمعه بها. زفر بضيق وضرب على المقود بقبضته بقوة شديدة وهو يهتف: "الله يخرب بيتك. كنت ناقصك انت كمان".
***
"إيه اللي منشور في الجرنال ده يا آيات؟"
شعرت "آيات" بالخجل الشديد وهي تستمع إلى تلك العبارة عبر الهاتف. لم تكن تعلم أن المتصل هو "أحمد" وإلا ما كانت ردت عليه. صمتت فحثها قائلاً بصوت غاضب: "آيات، قولـيلي معناه إيه الكلام ده؟ إزاي تتصوروا مع بعض كده؟ انتي رجعتيله تاني يا آيات؟"
صاحت "آيات" بحنق: "دي حاجة ملكش إنك تتدخل فيها. ولو سمحت أنا هقفل دلوقتي عشان مش قادرة أتكلم".
انفجرت "آيات" في البكاء. جلست "أسماء" بجوارها تطيب خاطرها. دخلت "إيمان" حاملة كوب عصير ليمون وأعطته إلى "آيات" قائلة: "اشربي ده يا حبيبتي".
قالت "آيات" من بين بكائها: "أنا عملت إيه عشان يحصلي ده كله؟ ربنا يسامحه. طلعلي منين ده معرفش. بسببـه بقت الناس تتكلم عني وسمعتي بقت زي الزفت".
صاحت "أسماء" بقوة: "محدش يقدر يتكلم عن سمعتك. ده جرنال حقير أصلاً محدش بيصدق كلام الجرايد".
قالت "آيات" بصوت باكي: "والصورة؟ والصورة اللي منشورة. لو مصدقوش الكلام، الصورة هتخليهم يصدقوا".
زفرت "إيمان" بحنق شديد وهي تقول: "الناس دي معندهاش دين ولا أخلاق. ده قذف محصنات وخوض في الأعراض. ربنا ينتقم منهم".
قالت "آيات" وهي تحاول السيطرة على بكائها: "أعمل إيه دلوقتي؟ مش هقدر أطلع من البيت وأشوف حد. أكيد كل اللي في القرية شافوا الصورة".
في تلك اللحظة رن جرس الباب. فارـتدت "إيمان" أسدالها وتوجهت لفتحه. خفق قلبها بقوة عندما وجدت "كريم" الذي خفض بصره بمجرد أن رآها. وكذلك فعلت هي ووقفت متوترة. فقال بهدوء: "لو سمحتي، قولي لـ آيات تلبس وهستناها تحت".
قالت "إيمان" بصوت مضطرب: "حاضر".
نزل "كريم" ينتظرها بالأسفل. عدة دقائق ووجدها أمامه تنظر يميناً ويساراً. قال وهو يشعر، ينظر إلى عينيها اللتين بدا عليهما آثار البكاء: "انتي كويسة؟"
ارتجفت شفتاها وأطـرقت برأسها والدموع تتجمع في عينيها من جديد. تنهد "كريم" بأسى وربت على كتفها قائلاً بحنان: "متخـفيش، أنا هعرف أجيبلك حقك منه. كلمت المحامي بتاع الأستاذ فؤاد وإن شاء الله هنمشي في إجراءات القضية".
رفعت "آيات" رأسها ونظرت إليه في اضطراب. شعرت بشيء من الحزن والألم وهي تقول: "بس الموضوع مش مستاهل قضية. يعني.. يعني هو كده هيدخل السجن؟"
قال "كريم" بحزم: "إزاي مش مستاهل قضية؟ يكتب عنك خبر زي ده وينشر صورة ليكي ومن غير ما يتأكد من أي معلومة في الخبر بتاعه. لازم طبعاً يتعاقب. ده قذف".
قالت "آيات" وقد فهمت ما يعنيه: "آه آه يستاهل طبعاً. أنا افتكرتك بتتكلم عن.. عن.. آدم".
قال "كريم" وهو يتنهد بضيق: "ده حكايته حكاية هو كمان".
نظرت إليه قائلة: "إيه اللي حصل؟ انت روحتله؟"
قال "كريم" بتهكم: "الأستاذ مطلعلك شهادة وفاة".
فغرت "آيات" فاها بدهشة. فروى لها "كريم" ما سمعه من "آدم". تجمعت الخيوط في عقلها واستطاعت تفسير تصرفاته الغريبة ليلة أمس وطريقته في التعامل معها والتي أشعرتها وقتها بالخوف منه. لم تستطع إنكار شعورها بالتفهم لمتصرفاته التي ضايقتها بالأمس. فبالتأكيد كانت الصدمة شديدة عليه. نظر إليها "كريم" بـتـمعن وقال: "مش عايزك تشيلي هم حاجة. خلاص أنا اتكلمت معاه ومش هيقربلك تاني. والصحفي برضه مش عايزك تشيلي همه".
التفتت إليه وهي تقول بمرارة: "بعد إيه؟ الناس خلاص قرأت اللي موجود في الجرنال. انت ناسي إن الجرايد بتتوزع على القرية كلها. يعني كل الناس قرأته".
دمعت عيناها. فقال لها بحنان: "احتسبي يا آيات أجر الأذية دي. انتي مش هتكوني أحسن من أم المؤمنين عائشة اللي خاضوا في عرضها. وهي من هي. وربنا سبحانه وتعالى قال: 'إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبةٌ مِّنكُم لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُم'. قولي الحمد لله وادعي إنه يرفع عنك البلاء ده. و متقلقيش حتى لو متحاسبش في الدنيا فربنا هيتولى عقابه في الآخرة".
تمتمت "آيات" وهي تكفـكف دمعها: "الحمد لله".
تمـددت "آيات" على فراشها وهي تشرد في كلام "كريم" الذي رواه لها عن "آدم" وعن ظنه أنها فارقت الحياة. تذكرت "آيات" نظرات عينيه يوم أمس ولهفته عليها. ودموعه التي كانت تملأ عينيه. شعرت بالدهشة. لماذا يهتم بدفنها ودفن "حليمة" وإستخراج شهادة وفاة لها؟ لماذا شعر بهذه السعادة لدرجة أنه بكى عندما وجدها حية أمامه؟ لماذا هذا الاهتمام؟ ظل السؤال في عقلها بلا إجابة.
***
التفت "زياد" ليقول لـ "آدم" الجالس بجواره على الشط: "آدم، أنا رأيي تسيب العين السخنة دلوقتي لأن بجد الدنيا مولعة على الآخر".
صمت "آدم" لبعض الوقت وهو ينظر إلى البحر ثم قال: "مش همشي".
نظر إليه "زياد" قائلاً: "طيب هتعمل إيه؟ هتفضل قاعد هنا في قرية شكري؟"
لمعت عينا "آدم" واحتفظ بصمته. فهتف "زياد": "أنا مش حابب أستنى في القرية المقرفة دي".
ثم أشار إلى بعض الفتيات والشباب على بعد عدة أمتار منهما والذين يلهون معاً بجرأة قائلاً: "مش شايف المناظر؟ الواحد حاسس إنه في مكان موبوء".
ثم زفر بحدة وقال: "أنا خلاص قرفت بقى من الشغلانة دي. حاسس بجد إني عايز أسيب المكان ده. أنا بقالي سنين بشتغل في السياحة لما جبت أخرى خلاص".
قال "آدم" بثقة: "متقلقش، هـلاقي حل".
التفت إليه "زياد" قائلاً: "حل إيه؟"
قال "آدم" وقد لمعت عيناه بلؤم: "بكرة تعرف".
ثم عاد ينظر إلى البحر أمامه وهو عازم على التمسك بـ "آيات" بكل ما أوتي من قوة.
***
حاولت "آيات" في الأيام التالية إشغال نفسها بعملها ونسيان ما حدث. كانت تشعر بالحزن والألم عندما ترى اثنين ينظران إليها ثم تنحي أحدهما وتهمس في أذن الأخرى. لكنها حاولت أن تحتسب أجر ذلك البلاء الذي وقع بها. كانت تعمل بهمـة ونشاط لترهق عقلها وجسدها حتى لم يعد لديها قدرة على التفكير في همومها. لكن السؤال عن سر اهتمام "آدم" بها ظل في رأسها بلا إجابة.
مارست "إيمان" عملها المعتاد في صالة الألعاب الرياضية. كانت تشعر بسعادة بالغة لممارسة هذا العمل لأنه يشجعها على اللعب هي الأخرى ومشاركة هؤلاء الفتيات في محاولة إنزال وزنها. علمت منهم وصفات مجربة في فقدان الوزن وكونت مجموعة من الفتيات ليشجعوا بعضهن البعض على السير على أحد الأنظمة الغذائية لفقدان الوزن. وكانت هي قائدة تلك المجموعة. شعرت بالحماس الشديد في مواصلة النظام الغذائي هذه المرة. فلكم بدأت في الأنظمة والتي كان مصيرها الفشل الذريع لقلة حماسها ولقلة عزيمتها. أما هذه المرة فالأمر مختلف. كانت ولأول مرة منذ فترة طويلة تشعر بالسلام الداخلي مع نفسها. وكأنها تصالحت معها. وبدأت في النظر إلى نفسها بشيء من الإيجابية. أنهت كتابة التقرير الإشرافي الذي طلبه "كريم" من كل مشرفي القرية وتسليمه له في نهاية كل أسبوع. ذهبت في اتجاه مكتبه تقدم قدماً وتؤخر الأخرى. لا تعلم لماذا يعتريها هذا التوتر الشديد كلما صادفته أو تحدثت معه. حاولت البحث عن "آيات" لإعطائها الملف لـتسلمه بدلاً منها. لأنها شعرت أنها لا تملك الجرأة لمواجهته وخاصة بعدما حدث في الاجتماع. توجهت "آيات" إلى مكتب "كريم" وسلمته تقرير "إيمان" عن صالة الألعاب الرياضية. تفحص الملف بنظرة سريعة. وقبل أن تغادر "آيات" أوقفها قائلاً: "هي لسه مضايقة مني؟"
قالت "آيات" على الفور: "لا بالعكس. دي محرجة منك جداً. عشان اللي حصل وأنها فهمتك غلط في الاجتماع".
أومأ "كريم" برأسه وغادرت "آيات" المكتب.
***
أنهت "أسماء" عملها وشعرت بالإرهاق والجوع فتوجهت إلى الاستراحة المخصصة للموظفين. جلست على إحدى الطاولات وبدأت في تناول طعامها. سمعت فتاتين في الطاولة التي خلفها تقول إحداهما للأخرى: "لا بس في ناس محترمة برضه".
ردت الأخرى قائلة: "أيوة في ناس محترمة. بس اللي اسمه علي ده راجل قليل الأدب بيبص للبنات بصات وحشة واتحـرش بيا قبل كده".
انحشر الطعام في حلق "أسماء". امتدت يدها إلى كوب الماء وتناولت عدة رشفات منه وهي تسمع الفتاة تقول: "معاكي حق. أنا برضه مبـرتاحلوش خالص. حتى بفكر نشتكيه للأستاذ كريم. هو راجل محترم وأكيد هيمشيه".
قال الفتاة: "يا ستي مش عايزين مشاكل. ممكن علي ده يقول إننا بنتبلى عليه وشكلنا إحنا اللي هيكون شكلنا وحش".
بدا الدموع في عيني "أسماء" وتجعد جبينها بقوة وهي تتذكر تحرشات "هاني" بها والتي كاد أن يتنساها وينسى كل ما حدث قبل قدومها إلى القرية. لكن ها هي تلك الذكريات الكريهة تعود لتطفو على سطح ذكرياتها مرة أخرى. قامت من فورها وألقت نظرة على الفتاتين ثم توجهت منطـقة كالسهـم تبحث عن "علي"!
كانت تشعر ببركان غضب بداخلها. كاد أن يأتي بما في معدتها وهي تتذكر اضطرارها للاستسلام لـ "هاني" بسبب خوفها وجبنها. أعادت كلمات الفتاة في عقلها وشعورها بالخوف من الكلام والتحدث بما يحدث معها. تخيلت "علي" وهو يفعل مع الفتاة كما فعل "هاني" معها. أخذ غضبها في التزايد إلى أن وصل لقمته. ها هي وجدت مبتغاها. "علي" جالس على أحد المقاعد في الحديقة. انطلقت في اتجاهه. وقفت أمامه وهي تصرخ فيه بغضب هادر: "عامل فيها راجل محترم. هو ده بقى الدين اللي ربنا قال عليه".
نظر إليه "علي" بدهشة شديدة وهو يحاول استيعاب ما تقول. فأكملت بغضب: "انت إنسان حقير ومعندكش أخلاق وأنا مش هسكت. أنا هقول للأستاذ كريم ولو معملش حاجة وطردك من هنا أنا هسيب القرية دي لأن ميشرفنيش إني أشتغل مع واحد سافل زيك".
قالت ذلك ثم غادرت مسرعة. امتقع وجه "علي" بشدة وهو يستمع إلى تلك الكلمات التي انهالت بها عليه. هب واقفاً وركض خلفها ثم وقف أمامها يمنعها من التحرك ونظر إليها بغضب قائلاً: "إيه اللي انتي بتقوليه ده؟"
صاحت بغضب متهكمة: "أيوة مثل مثل. ما انت رائع قوي في التمثيل. انت عارف كويس أنا بتكلم عن إيه".
كاد "علي" أن يجن من حديثها وأسلوبها فصاح بغضب: "والله ما فاهم انتي بتتكلمي عن إيه بالظبط. ولا فاهم انتي ليه بتشتـميني كده".
قالت "أسماء" وهي تنظر إليه باشمئزاز: "سمعت بنتين وهما بيتكلموا مع بعض في الكافتيريا عن اللي انت بتعمله في البنات وتحرشاتك بيهم ونظراتك ليهم. انت بجد إنسان حقير قوي بجد. وراسـم نفسك وعامل إنك محترم بس أهو ربنا كشفك على حقيقتك".
نظر إليها "علي" بأعين تشع غضباً وهو يضم قبضتي يده بقوة حتى ابيضت أصابعه وهرب الدم منها. قال بصرامة: "والله العظيم لو مكنتش بنت أنا كنت عرفت شغلي معاكي. مين البنتين اللي بتقولي إنك سمعتيهم بيتكلموا عني؟"
نظرت إليه "أسماء" وقد شعرت ببعض الخوف من نظرات عينيه الغاضبة فلم يسبق لها أن رأته غاضباً هكذا. قالت بتوتر: "قاعدين في الكافيتيريا".
أشار لها بحزم أن تلحق به وقال: "وريهم لي".
ذهبت معه في اتجاه الكافتيريا. حمدت الله أن الفتاتين ما زلتا في مقعديهما. أشارت "أسماء" في اتجاه طاولتهما فـتـجه إليهما "علي". بمجرد أن رأوه توقفوا عن الكلام. نظر إليهما "علي" بغضب قائلاً وهو يحاول أن يتحكم في أعصابه: "أنا عملت إيه بالظبط؟ إيه اللي قولـتوه عني؟"
وقفت "أسماء" تـراقب ما يحدث باهتمام وقد...
رواية جواد بلا فارس الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم بنوته اسمرة
وقفت "آيات" في شرفة غرفتها تراقب مجموعة من الأطفال يلعبون بالكرة. ابتسمت وهي ترى تلك البراءة التي يتعاملون بها مع الحياة، وتلك الابتسامة التي تعلو شفتي كل منهم، فلا أحمال تثقل كاهلهم ولا هموم تشغل عقلهم، فقط اللعب والمرح والضحك. تمنت أن تعود طفلة مثلهم تلهو وتلعب وتمرح ولا تعرف عن الحياة ما تعرفه الآن.
ليتها تعود إلى بيتها القديم في كنف والدها الحبيب تنعم بالراحة والأمان، ويخلو قلبها من الهموم والأحزان. لكن كيف السبيل للعودة؟ لو كانت العودة ممكنة لتمنينا جميعًا أن نبقى صغارًا، ولما تجاوز أحدنا مرحلة الطفولة قط.
لماذا تلك القسوة؟ لما يؤذي الناس بعضهم البعض هكذا؟ لماذا شخص لا يعرفك يؤذيك ويخوض في عرضك؟ ماذا جنيت؟ تنهدت في حسرة وهي تفكر أن الأذى الذي تعرضت له من القريب كان أقوى وأشد مرارة من الأذى الذي تتعرض له الآن، لأن الضربة من القريب مؤلمة وموجعة أكثر.
انتبهت لنفسها ولأفكارها قائلة: لماذا تتذكرينه؟ اتركي أيامه بكل ما فيها، لا يستحق حتى العتاب. قفز إلى عقلها ذلك السؤال الذي لم تجد إجابته بعد: لماذا اهتم بالبحث عنها، وبدفنها، وبإخراج شهادة وفاتها؟ لماذا تلك الحالة الغريبة التي بدا عليها بمجرد أن رآها؟
تتذكر جيدًا الدموع التي لمعت في عينيه وتساقطت على وجهه وهو يتمتم باسمها بشفتين مرتعشتين. تذكر تحسسه لوجهها وهو يأبى أن يتركها أو يفلتها من بين يديه. اقشعر جسدها، فحركت رأسها يمينًا ويسارًا وكأنها تنفض منه تلك الأفكار وتلك الأسئلة. فمهما كان السبب الذي دفعه لذلك، فلا شأن لها به.
***
أوقف "آدم" سيارته داخل قرية "الماسة". نظر حوله يتلفت يمينًا ويسارًا عله يراها، لكن محاولاته باءت بالفشل. سأل على مكتب "كريم" ثم توجه إليه. ظهر الضيق على وجه "كريم" وهو يتطلع إلى "آدم"، لكنه وقف ورحب به قائلًا:
- أهلًا بك يا دكتور.
ابتسم "آدم" بتوتر وقال:
- أهلًا بك يا أستاذ كريم.
أشار "كريم" إلى أحد المقاعد أمام المكتب قائلًا:
- اتفضل.
جلس "آدم" وبدا عليه الاضطراب قليلًا، ثم ما لبث أن ابتدأ حديثه قائلًا:
- أنا حبيت أعتذر مرة تانية عن اللي حصل بسببي لـ "آيات".
قال "كريم" باقتضاب وهو يقضب جبينه:
- خلاص حصل خير، أنا بدأت فعلًا في إجراءات القضية، وإن شاء الله يكون في جلسة قريب.
قال "آدم" بحماس:
- وأنا كمان رفعت قضية على الصحفي والجريدة، يعني كده هيبقوا قضيتين مش قضية واحدة.
أومأ "كريم" برأسه. فنظر إليه "آدم" قائلًا فجأة:
- أنا عارف إنها أكيد حكتلك كل حاجة عني، بس أنا اتغيرت كتير.
عقد "كريم" حاجبيه وهو يقول بحزم دون أن ينظر إليه:
- ملوش لازمة الكلام ده يا دكتور، حياتك الخاصة تخصك لوحدك.
تنهد "آدم" بأسى قائلًا:
- طيب أنا مش هتكلم في حاجة فاتت دلوقتي، بس كل اللي يهمني إنك تعرف إني مستحيل أؤذي "آيات" بأي شكل من الأشكال، ومش هسمح لحد إنه يأذيها أبدًا.
أطرق "كريم" برأسه صامتًا، فأكمل "آدم" قائلًا:
- المهم دلوقتي واللي أنا جاي لك عشانه، هو شهادة الوفاة اللي أنا طلعتها لـ "آيات".
رفع "كريم" رأسه ونظر إليه وقال شاردًا:
- أنا برضه كنت قلقان من الموضوع ده، الشهادة دي لازم تتلغي. أنا هكلم المحامي وأشوف إيه الإجراءات اللي المفروض نعملها، لأن "آيات" دلوقتي قانونًا متوفية.
- أنا كلمت المحامي بتاعي اللي ماشي في إجراءات القضية، وقالي على الخطوات اللي لازم نعملها. لازم أكون موجود لأني أنا اللي طلعت شهادة الوفاة، وكمان "آيات". وحد يضمنها.
قال "كريم":
- طيب تمام، هشوف نقدر نسافر إمتى وأبلغ حضرتك يا دكتور.
قال "آدم" بحماس وهو يخرج إحدى الكروت الشخصية من جيبه ويقدمه إلى "كريم":
- وأنا جاهز في أي وقت، كلمني بس على الموبايل وقولي المعاد المناسب ليكوا.
تناول "كريم" الكارت منه ووضعه فوق المكتب قائلًا:
- تمام.
نهض "آدم" قائلًا:
- بعد إذنك.
خرج "آدم" من مكتب "كريم". لم يشأ الخروج من القرية. مجرد معرفته بأن "آيات" في هذه القرية يجعله يشعر بأنه قريب منها. أخذ يدور في القرية يتأملها بأعين الإعجاب. راقت له التطورات التي أدخلها "كريم" على القرية. توجه إلى البحر. رفع حاجبيه بدهشة وهو يرى النساء جالسات دون أن يرتدين ملابس البحر، فمن المعروف أن شواطئ القرى السياحية الكبرى غير مسموح بالتواجد على الشط بدون ملابس البحر.
ظل يتمشى بمحاذاة البحر وهو يشعر بسكينة وراحة لم يشعر بهما في مكان آخر. عاد أدراجه وهو يدور بعينيه في القرية لا ييأس من البحث عنها. رآها، جالسة على أحد المقاعد تعقد ذراعيها أمام صدرها، شاردة، تنظر أمامها، عاقدة حاجبيها. اقترب منها. رغمًا عنه لاحت ابتسامة على شفتيه. كاد أن يقترب أكثر ويتحدث معها، إلا أنه تذكر ما حدث لها بسببه، وبما قيل عنهما في الصحف. نظر حوله ليجد الأمر لا يخلو من وجود بعض الأشخاص هنا وهناك. عاد ينظر إليها مرة أخرى بحسرة وهو يتمنى الاقتراب منها.
في تلك اللحظة التفتت، فتلقت نظراتهما. شعرت بالدهشة وهي تراه أمامها. ود لو اقترب منها وتحدث معها، لكنه خاف عليها من نظرات الناس وكلامهم. أطرق برأسه وتنهد بأسى، وأرغم نفسه على التوجه إلى حيث أوقف سيارته. تابعته "آيات" بعينيها في دهشة، ترى لماذا أتى؟ ولماذا وقف ينظر إليها؟ ولماذا ذهب؟ عادت لتلتفت أمامها وهي توبخ نفسها عن الاهتمام بأمره. حثت نفسها قائلة: لا شأن لك به، فليفعل ما يشاء وقتما يشاء.
***
في منتصف الاجتماع الذي عقده "كريم" مع "علي" و "آيات" و "إيمان" و "أسماء" قال "كريم":
- والمشكلة دي هنتصرف فيها إزاي؟
قالت "آيات" بأسى:
- مش عارفة، بس لازم نشوف حل. مش معقول كل شوية نلاقي هجوم في جرنال شكل.
قال "كريم" وهو يزم شفتيه بضيق:
- مفيش حل غير إننا نزود إعلاناتنا في الجرايد، ونعمل عروض دورية، ونحاول على قد ما نقدر مندّيش للصحافة مادة تتكلم فيها.
قال "علي" بضيق:
- حتى لو مدينهمش مادة، برضه هيتكلموا. دول ناس معندهمش ضمير. بس سيبهم للي خلقهم. ميعرفوش إن النبي صلى الله عليه وسلم قال على قول الزور إنه من أكبر الكبائر. ربنا ينتقم منهم.
قال "كريم" وهو يتفحص الأوراق أمامه:
- خلاص كده يعتبر اتكلمنا في كل حاجة تقريبًا.
تنحنح "علي" قائلًا بحرج:
- على فكرة يا "كريم"، إن شاء الله والدي ووالدتي جايين بكرة العين السخنة.
ابتسم "كريم" قائلًا:
- ينوروا.
قال "علي" مبتسمًا:
- الله يكرمك. أنا بس كنت عايز أستأذنك إنهم يعدوا في شقة في نفس العمارة اللي إحنا فيها، في شقة هتفضى النهاردة إن شاء الله.
هتف "كريم" على الفور:
- أنت بتقول إيه يا راجل، عيب عليك تستأذني إيه، دول على عيني ورأسي.
ابتسم "علي" وقال وقد أحرجته ترحاب "كريم" بأهله:
- ربنا يكرمك.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي "إيمان" وقد أسعدها ترحيب "كريم" بزيارة أهلها للقرية. أتى "كريم" اتصالًا، فنهض قائلًا:
- بعد إذنكم.
خرج "كريم" من المكتب. جلس الجميع ينتظرون عودته. لا تعلم لماذا قالت ذلك الكلام في هذا الوقت، لكنها اندفعت فجأة قائلة:
- على فكرة أنا مبحبش الرجالة اللي بتفضل تتكلم بالقرآن والحديث، لأنهم أول ناس هيحللوا لنفسهم إنهم يتجوزوا على مراتهم.
ساد الصمت وكأن على رؤوسهم الطير. نظرت إليها "آيات" و "إيمان" بدهشة، فلم يجدا داعيًا لذكر ذلك وفي اجتماع عمل. لم يقطع هذا الصمت إلا "أسماء" وهي تقول:
- وكل حاجة بيعملوها بيحللوا لنفسهم بالحديث والقرآن، ومحدش يقدر يغلطهم.
ساد الصمت مرة أخرى حتى تكاد تسمع صوت إبرة لو سقطت على الأرض. لكن هذه المرة قطع الصمت صوت "علي" الهادئ وهو ينظر إلى يديه اللتين تمسكان بأحد الأقلام فوق الطاولة وهو يقول:
- الرجالة مش محتاجين يحللوا لنفسهم التعدد، لأنه حلال فعلًا.
تسببت كلماته في شعورها بالغضب، فنظرت إليه بحدة. أكمل بهدوء:
- "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ". رخصة من عند ربنا للراجل.
توترت "أسماء" وأخذت تحرك قدميها بعصبية، فأكمل "علي" بنفس الهدوء:
- بس ربنا شرط التعدد ده بشرط مهم: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً". يعني مش كل الرجالة ليها حق في التعدد، ولا كل الرجالة بتبقى عايزة التعدد.
ساد الصمت للمرة الثالثة. شردت "أسماء" تفكر في كلماته، ثم ما لبثت أن نظرت إليه قائلة بتحدي:
- والراجل اللي يتجوز بنت صغيرة أد أولاده ويرمي مراته الأولى في الشارع وحتى يرفض إنه يطلقها عشان يذلها؟
قال "علي" على الفور:
- ميبقاش راجل.
ظلت معلقة عينيها به، فأكمل بحزم:
- الراجل اللي يستغل قوامته على المرأة عشان يذلها ميبقاش راجل. والنبي صلى الله عليه وسلم وصانا بالنساء خيرًا، وإننا نعاملهم برفق ولين زي ما بنعامل الإزاز اللي سهل إنه يتكسر. الراجل هو اللي يعامل المرأة زي ما الرسول وصانا. أما اللي يأذيها ويقهرها ويستغل قوامته عليها ميبقاش راجل أصلًا.
غرقت "أسماء" في شروها مرة أخرى إلى أن جاء "كريم"، وبعد دقائق انتهى الاجتماع. لم تستطع منع نفسها من متابعة "علي" أثناء خروجه برفقته "كريم". قالت لها "آيات" باستغراب:
- مش فاهمة ليه اتكلمتي عن الموضوع ده قدام "علي"؟
قالت "أسماء" بضيق وهي تهم بالانصراف:
- عادي، كبروا.
***
دخلت "إيمان" إلى الشرفة لتقول لـ "أسماء" الواقفة فيها:
- "سمسم"، ممكن تيجي تعمليلي ماسك من بتوعك؟
أومأت "أسماء" برأسها ودخلت إلى المطبخ وبدأت في إعداد ما طلبته "إيمان" منها. قالت "إيمان" بمرح:
- هقف أتفرج عليكي عشان أبقى أعمله بنفسي، ما هو مش كل شوية هقرفك معايا.
كانت "أسماء" تتحرك بشروق، وكأنها لا تشعر بما حولها، تتحرك بآلية لتمزج المكونات معًا. نظرت إلى "إيمان" بشيء من التردد وقالت:
- واضح إنك بتحبي أخوكي قوي.
قالت "إيمان" مبتسمة:
- "علي"، بصراحة هو أخ عسل، يعني طيب ومش بيغلس عليا، بس لما بيزعل بيبقى أستغفر الله، زعله وحش وعصبي جدًا.
نظرت "أسماء" إلى الخليط الذي تمزجه للحظات، نظر، أعادت النظر إلى "إيمان" قائلة:
- هو كان على طول كده في حالة وواخد جنب؟
ابتسمت "إيمان" قائلة:
- هو على طول هادي، بس زمان أيام ما كان في ثانوي كان شقي شوية وكان مطلّع روح ماما. بس الحمد لله أول ما دخل الجامعة ربنا هداه لما اتعرف على ناس كويسة في المسجد وبقى هادي ومبقتش ماما تشتكي منه خالص بعد ما كان مجننها بعمايله.
قالت "أسماء" بسخرية:
- مش متخيلة أخوكي حد يشتكي منه.
ضحكت "إيمان" قائلة:
- لا والله ده كان فظيع، سهر لوجه الفجر ومافيش مذاكرة وشتائم وحاجة كده رهيبة. بس زي ما قولتلك لما اتعرف على ناس كويسة حبهم قوي وصاحبهم وبعد عن صحابه القدام خالص.
في تلك اللحظة رن جرس الباب، فقالت "أسماء":
- شوفي مين يا "إيمان".
ارتدت "إيمان" إسدالها وتوجهت إلى الباب لتفتحه. خفق قلبها بقوة لمرأى "كريم" واقفًا أمام الباب. أطرق برأسه وقال:
- "آيات" هنا؟
قالت بصوت خافت:
- أيوه، ثواني.
دخلت غرفة "آيات" وأخبرتها بقدوم "كريم". توجهت "آيات" إليه قائلة:
- خير يا "كريم"؟
قال لها بعد لحظات صمت:
- لازم نسافر القاهرة عشان موضوع شهادة الوفاة اللي دكتور "آدم" طلعها لك.
توترت "آيات" لذكر اسمه، فأكمل:
- هو مستني منا إننا نحدد المعاد عشان نروح سوا.
قالت "آيات" بضيق:
- مينفعش نروح من غيره؟
- لا للأسف، لازم ييجي معانا لأنه هو اللي طلع الشهادة بنفسه، ولازم الموضوع ده نشوف له حل. إنتي كده قانونًا متوفية، وده مينفعش، كمان عشان القضية اللي إحنا رافعينها على الصحفي.
صمت قليلًا ثم قال:
- على فكرة هو كمان رفع قضية على الصحفي والجريدة.
أومأت "آيات" برأسها وهي تتساءل بداخلها: أرفع تلك القضية من أجله أم من أجلها؟ أتاها الجواب من داخلها بسخرية: بالطبع من أجله، وماذا تعنين أنتِ له؟
أخرجها "كريم" من شروها قائلًا بحنان:
- مالك يا "آيات"؟
أطرق برأسها قائلة:
- مفيش.
ربت على كتفها قائلًا:
- معلش، متزعليش. إن شاء الله ربنا هيرزقك باللي أحسن منه مليون مرة.
لمعت العبرات في عينيها ثم رفعت رأسها وقالت بكبرياء:
- أنا أصلًا نسيته، هو معدش حاجة بالنسبة لي.
أطرق برأسها مرة أخرى لتخفي عينيها المبللتين بالدموع. عانقها "كريم" بحنان وقال:
- مش عايزك تزعلي نفسك عشان أي حاجة. نأتي متعرفيش الخير فين. ادعي ربنا دائمًا إنه يرزقك الخير ويرضيكي بيه، لأن ربنا أحيانًا بيرزقنا الخير ومبنبقاش شايفين إن ده خير ولا بنكون راضيين بيه.
ثم أبعدها عنه قليلًا قائلًا:
- ماشي؟
أومأت برأسها، فقال:
- قولي دائمًا الحمد لله.
تمتمت: الحمد لله.
دخلت "آيات" المطبخ، فنظرت إليها "إيمان" قائلة:
- في حاجة يا "آيات"؟
تنهدت "آيات" وهي تقول:
- كان بيطمن عليا وبيقولي إننا هنسافر عشان موضوع شهادة الوفاة ده نشوف له حل.
قالت "إيمان" وابتسامة صغيرة على شفتيها:
- أخوكي ده حنين قوي، وطيب قوي. تحسيه راجل كده ومسؤول عنك رغم إنه مش شقيقك.
نظرت إليها "أسماء" بخبث ورفعت حاجبها قائلة:
- ها، وإيه كمان؟
ارتبكت "إيمان" واحمرت وجنتاها بخجل قائلة:
- مفيش.
قالت "أسماء" وابتسامة خبيثة على شفتها:
- طيب، خدي الماسك يا موزة.
أخذته "إيمان" من يدها وخرجت من المطبخ مسرعة وهي تشعر بالخجل. أطلقت "أسماء" ضحكة عالية وهي تقول بلهجة مسرحية:
- القرع لما استوى قال للخيار يا لوبيا!
ابتسمت "آيات" قائلة:
- يا باااي عليكي غتتة، أحرجتيها يا بنتي.
هتفت "أسماء" بمرح:
- أحرجتها إيه بس، ده إحنا شكلنا هنشوف أيام فل في القرية دي.
***
أثناء جلوسه في غرفة المعيشة، تنامى إلى مسامعه صوت بكاء من خلف باب الغرفة. نهض "مدحت" واقترب من غرفة "أسماء" التي تقسم فيها "مديحة". كاد أن يطرق الباب لكنه تراجع. شق خطوات ثم التفت وعاد مرة أخرى. طرق الباب فاختفى صوت البكاء. لحظات وفتحت "مديحة" وعيناها يبدو عليهما آثار البكاء. تأملها قائلًا:
- في حاجة؟
قالت بحدة:
- لا، مفيش.
- سمعتك بتعيطي.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- ومن امتى ده بيهمك؟
زفر بضيق ونظر إليها بحدة، فأكملت:
- ولا يكون ضميرك صحي فجأة؟
قال بغضب وقد فشل في المحافظة على هدوئه:
- أنا ضميري مستريح على الآخر، الدور والباقي على ضميرك انتي.
صاحت قائلة:
- عايز إيه يا "مدحت"؟ أنت بتخبط عليا عشان تتخانق معايا؟
قال وهو ينظر إليها باحتقار:
- مفيش مرة نتكلم فيها إلا ولازم تسمي بدني بكلامك وتخرجيني عن شعوري. مفيش مرة اتعاملتي معايا زي ما أي ست عاقلة بتتعامل مع جوزها. مفيش مرة حسستيني فيها بضعفك قدامي وبإنك الست وأنا الراجل. مفيش مرة حسيت فيها إنك بتحترميني وبتعملي اعتبار لكلامي.
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
- انتي اللي هديتي كل حاجة بينا. انتي اللي دمرتي حياتنا.
قالت ببرود وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها:
- وانت العاقل الراسي المخلص اللي اتظلمت معايا في الجوازة دي، مش كده؟
صاح بحدة:
- إحنا الاتنين غلطانين. أنا وانت غلطانين. كفاية مكابرة بقى، بنتك ضاعت منا بسبب مشاكلنا.
دمعت عيناها وأجهشت في البكاء وانتفض جسدها وهي تقول:
- وحشتني أوي، مش عارفة عاملة إيه دلوقتي. يا ترى عايشة ولا ميتة؟ ولو عايشة عايشة إزاي وفين؟ قلبي واجعني عليها أوي.
تشنجت بالبكاء، فتنفس "مدحت" بأسى وهو يقول متألمًا:
- أعمل إيه؟ أدور عليها فين؟ قلبت عليها الدنيا.
نظرت إليه ترجوه قائلًا:
- عشان خاطري يا "مدحت"، لاقيها. نفسي ترجع بأه، نفسي أطمئن عليها. عمري ما هسامح نفسي على اللي حصل. أنا مكنتش متوقعة الأمور هتوصل للدرجة دي. أنا افتكرتها هتروح لصاحبتها.
أجهشت مرة أخرى في البكاء وهي تصيح:
- عايزة بنتي، عايزة "أسماء" يا "مدحت"، هاتها لي.
اقتربت منها وربتت على كتفها قائلًا:
- إن شاء الله هنلاقيها. بكرة هنزل تاني أدور عليها في المستشفيات والأقسام ومحطات الأتوبيس. إن شاء الله هلاقيها.
نظرت إليه وأومأت برأسها وهي تحاول التشبث بأي أمل في أنها سترى ابنتها مرة أخرى.
***
استقبل كل من "علي" و "إيمان" والديهما بالترحيب والأعناق والعبرات. هتفت أمهما وهي تعانق "إيمان" بشدة:
- يا حبيبتي يا بنتي، وحشتني أوي.
تساقطت العبرات فوق وجنتيها، فقال لها زوجها:
- إيه يا أم "إيمان"؟ ما العيال كويسين أهو، لزمته إيه البكاء دلوقتي.
ربت "علي" على كتفها قائلًا وهو يقبل جبينها:
- خلاص يا ماما بأه.
قالت بصوت باكي وهي تنظر إليهما:
- وحشتوني، أعمل إيه؟
ابتسمت "إيمان" وهي تعانقها مرة أخرى قائلة:
- وإنتي كمان وحشتيني أوي يا ماما.
وجد فجأة "كريم" مقبلًا عليهما، فابتعدت عن أمها في حرج ووقفت مطرقة برأسها وقد شعرت بالاضطراب. نظر إليهما قائلًا ببشاشة:
- حمد الله على السلامة.
اقترب منه "علي" وقدمه إلى والديه قائلًا بسعادة:
- ده الأستاذ "كريم"، مدير القرية.
سلم والده عليه وقال:
- أهلًا بك يا ابني.
مدت والدة "إيمان" يدها وهي تقول:
- إزيك يا ابني؟
نظر "كريم" إلى يدها في حرج، فسلم عليها "علي" بدلاً منه. قال "كريم" مبتسمًا:
- الحمد لله بخير. منورين العين السخنة.
قالت أم "إيمان" مبتسمة:
- ده نورك يا ابني.
حمل "علي" حقيبتهما وصعد بها إلى شقة والديه والتي كانت في الطابق الذي يعلو طابقهم. دخل الجميع إلى الشقة بعدما استأذن منهم "كريم" للانصراف. قالت والدة "إيمان" لـ "علي":
- الجدع ده باين عليه ابن حلال.
قال "علي" بحماس:
- قوي يا ماما، بجد راجل محترم جدًا.
سألته أمه بفضول ولهفة:
- هو متجوز؟
- لا يا ماما، مش متجوز.
ابتسمت والدته قائلة بلهجة ذات مغزى وقد لمعت عيناها:
- ربنا يرزقه ببنت الحلال.
ثم حانت منها التفاتة إلى "إيمان" التي تظاهرت بأنها لم ترها.
***
وقفت "أسماء" تراقب "علي" الذي كان يعطي تعليماته لبعض العاملين بالقرية. كانت تراقبه كمن يراقب شيئًا غريبًا يكتشفه لأول مرة، شيئًا يشدها ويجذبها. كلامه غريب عجيب، لكنه يخترق عقلها، ويطيب له قلبها. راقبت إحدى الفتيات وهي مقبلة نحوه، يبدو أنها تشتكيه من شيء ما. أطرق برأسه واستمع شكواها، ثم أجابها ببضع كلمات وانصرفت. التفت لينصرف، فحانت منه التفاتة إليها. رآها وهي واقفة هناك على بضع أمتار تحت الظل توجه أنظارها إليه. رأته ينظر إليها، فشعرت بالخجل والتفتت لتغادر المكان.
تلقت "إيمان" اتصالًا من والدتها تقول لها:
- "إيمان"، عايزكي شوية، تعالي.
- أنا في الشغل يا ماما.
- لا، سيبى الشغل دلوقتي وتعالي.
قالت "إيمان" بقلق:
- خير يا ماما، في حاجة؟
- أيوه، بعمل محشي وبط وعايزاكي تساعديني.
هتفت "إيمان" بغيظ:
- محشي وبط إيه يا ماما، دلوقتي بقولك عندي شغل.
- طيب، خلصي بس وتعالي، سلام.
بعد عدة ساعات، أنهت "إيمان" عملها وتوجهت إلى البناية التي تقسم فيها. وقفت أمام البناية المغلقة وهي تبحث عن مفتاحها في حقيبتها، فلم تجده. يبدو أنها نسيته في الحقيبة الأخرى عندما بدلتها هذا الصباح. كادت أن تعيد أدراجها عندما وجدت "كريم" مقبلًا في اتجاه البناية. اضطربت كعادتها عندما تراه ووقفت جانبًا. أخرج مفاتيحه وفتح البوابة، ثم رجع خطوتين للخلف وأشار لها بالدخول قائلًا:
- اتفضلي.
ودون أن تنظر إليه، دخلت وصعدت الدرجات بسرعة وسمعته يغلق البوابة خلفها. صعدت إلى الدور العلوي حيث شقة والدتها. أمضت الساعات في إعداد الطعام وهي تهتف بحنق:
- ماما، انتي عازمة جيش؟ إيه الأكل ده كله؟
قالت والدتها بحزم:
- احشي وأنتي ساكتة.
أكملت "إيمان" عملها الدؤوب وبعدما انتهت من عملها ومن طاقتها. جاءت مهمة تسوية الطعام التي استغرقت وقتًا حتى شعرت "إيمان" أن قدميها وظهرا يصرخان ألمًا. رأت أمها تعد صينية كبيرة محملة بالطعام، فنظرت إليها "إيمان" باستغراب قائلة:
- لمين ده؟
قالت أمها وهي تكمل مهمتها في إعداد الصينية:
- شششششش.
حملت أمها الصينية وتوجهت إلى الباب قائلة:
- افتحي الباب.
فعلت "إيمان" وهي ما تزال تشعر بالدهشة. هبطت والدتها الدرجات. لم تغلق "إيمان" الباب بل ظلت مكانها تسمع صوت أقدام أمها على الأرض ثم صوت جرس. و...
- إزيك يا أستاذ "كريم"؟
فتحت "إيمان" فاها في دهشة واتسعت عيناها وأطرقَت السمع. ابتسم "كريم" قائلًا:
- الحمد لله، إزي حضرتك يارب تكون القرية عجبتكم؟
سمعت أمها تقول بحماس:
- دي زي الفل. الله يباركلك يا رب. ده أنا سامعة عنك سمع خير. "علي" و "إيمان" ملهمش سيرة غير عنك.
ضربت "إيمان" كفها بوجهها وهي تتمتم بصوت خافت:
- هاااااار أسود.
سمعت أمها تكمل بنفس الحماس:
- اتفضل يا أستاذ "كريم"، دي حاجة بسيطة كده مش أد المقام.
تناول "كريم" منها الصينية بحرج وهو يقول مبتسمًا:
- تسلم إيدك، بس مكنش في داعي تتعبى نفسك، وبعدين ده كتير أوي.
قالت أمها بمرح:
- كتير إيه؟ ده انتوا يا عيني شابين قاعدين لوحدكم في الشقة، لا في واحدة تطبخ ولا تعملكم حاجة. الله يرزقكم انتوا و "علي" ابني ببنتين طيبين زيكم كده.
ابتسم "كريم" قائلًا:
- متشكر أوي، ومعلش تعبّك معانا.
قالت أمها بحماس:
- لا أبدًا، متقولش كده، ده انت معزتك من معزة "إيمان" و "علي". آه والله. وبعدين أنا معملتش الأكل ده، دي "إيمان" هي اللي أصرت تعمله بنفسها.
ضربت "إيمان" وجنتها مرة أخرى وهي تتمتم:
- بتعملي إيه يا وله.
أكملت والدة "إيمان" قائلة بحماس:
- أصل "إيمان" بنتي من صغرها وهي إيدها معايا في شغل البيت. وما شاء الله عليها دلوقتي بتعمل الأكل أحسن مني كمان. آه والله. نفسها في الأكل حلو أوي. ما أنت هتدوق وتبقى تقول رأيك بأه.
- تسلم إيدها.
ضغطت "إيمان" على أسنانها بشدة وهي تتمتم بغيظ:
- حسبي الله ونعم الوكيل.
قالت أمها قبل أن تغادر:
- يلا بالهنا والشفا، ولو احتاجت حاجة أنا زي أمك بالظبط، متتكسفش.
ابتسم قائلًا:
- متشكر أوي، تسلمي.
صعدت أمها لتفاجأ بـ "إيمان" الواقفة على باب الشقة وتنظز إليها بغيظ. ما كادت أمها تدخل وتغلق الباب حتى هتفت "إيمان" بغضب:
- إيه يا ماما، جو أفلام الأبيض والأسود ده؟ إيه اللي انتي عملتيه ده؟
قالت أمها ببرود:
- عملت إيه يعني؟ النبي وصانا على سابع جار، وده مش جار بس، ده صاحب الفضل عليكي وعلى "علي".
قالت "إيمان" بحدة:
- ماما، انتي عارفة كويس أنا قصدي إيه. أنا فاهماكي كويس.
أشاحت أمها بيدها وهي تنصرف قائلة:
- يختي اتنيلى على الله يجي بفائدة بس.
تابعتها "إيمان" بعينيها وهي تشعر بالغضب والغيظ.
***
أغلقت "آيات" باب الشقة خلفها وهبطت الدرج وهي تشعر بالتوتر. ظلت تذكر الله في نفسها لعلها تهدئ من روعها. خرجت من البناية لتجد "كريم" منتظرها في سيارته، وخلفه "آدم" في سيارته. أشاحت بوجهها حتى لا تقع عيناها عليه، لكنه تابعها بعينيه وهي تلف حول السيارة لتركب بجوار "كريم". لاحت ابتسامة على شفتيه وهو ينظر إليها. ود لو تحدث معها، لكنه يعلم بأنه عليه أن ينتظر، فمهمته ليست سهلة على الإطلاق.
انطلقوا في طريقهم إلى القاهرة. قاموا بعدة خطوات وفي أكثر من مكان حتى يتم إلغاء شهادة الوفاة وإثبات أنها ما زالت على قيد الحياة. في منتصف النهار، كان بلغ منهما التعب والجوع مبلغه، فاقترح "آدم" الذهاب إلى أحد المطاعم لتناول طعامهم. جلس ثلاثتهم حول الطاولة. كان بين "آيات" و "آدم" مقعد فارغ، لكن في المقابل كان في مواجهتها تمامًا. حاول "آدم" قدر استطاعته ألا ينظر إليها حتى لا يثير حنق "كريم". وضعت عينيها في طبقها ولم ترفعهما قط حتى لا تصطدم بوجهه.
لكن رغمًا عنها تسرب صوته الذي طالما عشقت إلى أذنيها. ذكره صوتها بكل شيء، بكل تفاصيل علاقتهما. تذكرت أول مرة رأته فيها، عندما كان سائق السيارة الأجرة يتشاجر معها. تذكرت كيف رأته فارسها وهو واقف بجوارها يدافع عنها ويحميها من بطش الرجل بها. تذكرت كيف كانت تنتظر مواعيد محاضراته بفارغ الصبر، وكيف كانت تنظر إليه هائمة سابحة في أحلامها. وتذكرت كيف تحطم ذلك الحلم الجميل لتستيقظ على واقع مفزع. قفزت كل الذكريات إلى عقلها فجأة: خداعه، كذبه، خيانته، قبلته في السيارة، "بوسي"، الفيديو، اعترافه بخطبته لابنة عمها، استغلاله إياها.
لم تتحمل كل تلك الذكريات التي أخذت تظهر أمامها بإصرار رافضة أن تختفي من عقلها. سقطت منها الملعقة بعدما ارتجفت يدها بتوتر. التفت "آدم" و "كريم" إليها بعدما قطعا حديثهما. نظرت إلى "كريم" بتوتر قائلة بصوت مضطرب:
- ثواني وراجعة.
نهضت وغادرت بسرعة وكأن وحشًا يطاردها. قطب "آدم" جبينه وهو يشعر أنه سبب ذلك الاضطراب الذي أصابها. ألهذه الدرجة لم تعد تطِق رؤيته؟
عادت. تأملها. بدت على عينيها البكاء. هو يعرفها جيدًا، يعرفها أكثر من نفسها. يستطيع رؤية ذلك الألم الذي تنطق به ملامح وجهها ونظرات عينيها. لم يتحمل أن تظل أمامه هكذا وهو لا يستطيع مجرد الحديث معها، وشرح نفسه أمامها، والتخفيف من حزنها وصدمتها وآلامها. نهض قائلًا:
- هستناكوا في العربية.
تابعه "كريم" بنظراته ثم التفت إلى "آيات" قائلًا بحنان:
- إنتي كويسة يا "آيات"؟
أومأت برأسها وهي تحاول رسم بسمة على شفتيها وهي تقول:
- أيوه الحمد لله، بس يمكن السفر تعبني.
جلس "آدم" في السيارة وهو يفكر في هذا الطريق الشائك الذي يجب عليه قطعه ليبلغ "آيات". لكن كيف السبيل لبلوغ مراده؟ كيف يستطيع كسب ثقتها من جديد؟ كيف يستطيع أن يثبت لها أنه عاد إنسانًا طاهر الذيل؟ كيف يثبت لها أنه تاب وأناب؟ ظلت الأسئلة تتقاذف داخل عقله وهو يحاول أن يجد إجابة لكل منها. حانت منه التفاتة ليجد "آيات" خارجة من المطعم بصحبة "كريم". التفت "كريم" إلى "آيات" قائلًا:
- نسيت موبايلي على الترابيزة، خدي المفتاح واعدي في العربية.
تناولت منه المفتاح وعاد "كريم" إلى المطعم. أسرع "آدم" بالخروج من السيارة وتوجه ناحيتها. بمجرد أن رأته مقبلًا نحوه أحثّت السير في اتجاه السيارة، لكنه وقف أمامها قائلًا:
- "آيات".
قالت بحزم ودون أن تنظر إليه:
- لو سمحت، متكلمنيش.
حاولت الانصراف، فوقف أمامها وقال بلهفة:
- أنا مش عارف أتكلم معاكي في القرية، خفت حد يشوفنا سوا ويتكلم عنك، خاصة بعد اللي اتنشر في الجرنال.
ظهرت الدموع في عينيها وهي تتذكر تلك الصورة وما كتب تحتها. قال "آدم" وهو ينظر إليها بألم:
- أنا آسف يا "آيات". والله ما كنت أعرف إنك هتتأذي كده. أنا مكنتش قادر أتحكم في نفسي لما شفتك آدمي. والله غصب عني. معلش، متضايقيش مني. أنا رافع عليه قضية دلوقتي وإن شاء الله هجبلك حقك منه.
تماسكت "آيات" نفسها، فآخر ما تريده الآن هو البكاء أمامه. قالت بحزم وهي ما تزال لا تريد النظر إلى وجهه:
- لو سمحت، سيبني أعدي.
قال بسرعة:
- طيب، أنا هتكلم وإنتي اسمعي. مش عايز أكتر من كده. أنا عارف إنتي حاسة بإيه ناحيتي دلوقتي وشايفاني إزاي، ومعاكي حق. معاكي حق تكرهيني ومتثقيش فيا تاني. معاكي حق تبقي مش طايقة تبصي في وشي. بس أنا اتغيرت. والله اتغيرت. أنا غلطت غلط بشع، عارف. بس ربنا بيسامح، مش كده؟ مش ربنا بيسامح؟ أنا على أمل إنه يسامحني ويغفر لي.
تقطعت أنفاسه، قال بصوت مضطرب:
- إنتي كنتي بتحبيني؟ يبقى مش صعب عليكي تسامحيني.
لمعت عيناه بالعبَرات وهو يقول:
- والله ما كنت أؤذيكي. في الأول أيوه، بس بعد كده حبيتك بجد.
أخذت "آيات" نفسًا عميقًا ورفعت عينيها تنظر إليه بحدة وقالت بقسوة:
- أنا مستحيل أسـامحك، أبدًا. مهما حصل مش هسـامحك. عايزني أسـامحك على إيه ولا إيه؟ أسـامحك على إيه بالظبط؟
قال بجمود وفي عينيه نظرة ألم:
- تسـامحيني إني لعبت بيكي من الأول. تسـامحيني إني كنت عايز أنتقم من عمك فيكي وأرجع حقي عن طريقك. تسـامحيني إني استغليت مشاعرك ناحيتي عشان أرجع حقي. تسـامحيني إني خنتك قبل كتب الكتاب بيوم. تسـامحيني إني عرفت واحدة لمدة سنة وكنت عايش معاها عشان أستغلها وآخد فلوسها. تسـامحيني إني سمعتك كلام كتير عن مشاعري ناحيتك وكان كله كذب. تسـامحيني إني كنت إنسان حقير عاق بأمه. تسـامحيني إني مكنتش حتى بصلي ولا كنت عارف ربنا.
صمت قليلًا ليأخذ نفسه، ثم قال ونظرات عينيه هي مزيج من الحيرة والألم:
- عايزك تسـامحيني على كل ده.
رغمًا عنها تساقطت عبراتها، فمسحتها بسرعة بظهر يدها. كان ذكر كل ذلك أمامها بذلك الوضوح وبتلك الطريقة شاق جدًا عليها. رجع "آدم" خطوة للخلف ليسمح لها بالعبور. اتجهت مسرعة إلى السيارة وأغلقت الباب وهي تدفن وجهها بين كفيها وتفرغ ما بداخلها من ألم وقهر وعذاب. بالبكاء.
عاد "آدم" إلى سيارته واجمًا. أخرج هاتفه واتصل بـ "فؤاد".
- دكتور "آدم"، أهلًا بك.
- أهلًا بك يا أستاذ "فؤاد". أنا كنت عايز أقابلك ضروري. أنا حاليًا في القاهرة.
- خير يا دكتور إن شاء الله.
- لا خير إن شاء الله. عايز أتكلم معاك بخصوص قرية الماسة. ينفع نتقابل دلوقتي؟
- والله يا دكتور أنا حاليًا في غداء عمل في فندق... هينتهي كمان 10 دقايق بالكتير.
- طيب ينفع آجي لحضرتك دلوقتي، ولا في مشاكل؟
- لا طبعًا موافق يا دكتور، مفيش مشاكل. منتظرك إن شاء الله.
أنهى "آدم" المكالمة وقد بدا عليه العزم والإصرار. عزم على بدء حياته مرة أخرى، لكن هذه المرة بشكل لائق، بشكل يجعله فخورًا بنفسه، بشكل يجعل ضميره مستريحًا، بشكل يجعل "آيات" تراه مرة أخرى، فارس أحلامها.
رواية جواد بلا فارس الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم بنوته اسمرة
"طبعاً أنا ليا الشرف إني أشتغل معاك يا دكتور."
"آدم" قال ترحيباً، فقد كان كل ما يخشاه أن يرفض "فؤاد" لما تناقلت مسامعه عن علاقته بـ "آيات" وما حدث بينهما.
"آدم" قال بحماس: "تمام، أنا متشكر جداً يا أستاذ فؤاد."
"فؤاد" قال بجدية: "طبعاً أنا يشرفني إن راجل زيك عنده خبرة أكاديمية وعملية إنه يشتغل معايا في قريتي. بس أنا مش فاهم تحديداً حضرتك عايز شراكة ولا إيه بالظبط؟ لأنك قولت شغل، ما قولتش شراكة."
"آدم" تنحنح قليلاً ثم قال: "بصراحة حالياً مفيش عندي إمكانيات للشراكة. ولو هشارك هيكون بمجهودي فقط. وأنا شايف إن حضرتك مش محتاج حد يشاركك بالمجهود لأن باله فعل عندك الأستاذ كريم مدير القرية. عشان كده أنا متكلمتش في شراكة، أنا اتكلمت في شغل. وأنا مش هشترط منصب محدد، أنا كل اللي يهمني إني أشتغل في القرية."
صمت قليلاً ثم تنهد قائلاً: "أنا سبت قرية جولدن بيتش بعد ما اتخنقت من اللي بيحصل فيها. وكنت لغيت من دماغي تماماً فكرة الشغل في السياحة رغم إن الماجستير بتاعي كان عن الموضوع ده وكمان أنا بحب الشغل في السياحة جداً وعندي خبرة كويسة فيه. فعشان كده لما شفت القرية بتاعت حضرتك والقوانين اللي حاططها مع أستاذ كريم، بصراحة اتشجعت جداً. وفعلاً لو كان معايا رأس مال حالياً أنا مكنتش اترددت لحظة في إني أشاركك."
ثم زفر بضيق وقال: "بس للأسف أنا مفيش إمكانية للشراكة إلا بالمجهود، وطبعاً حضرتك مش محتاج. فأي مكان هتقولي امسكه في القرية أنا مش هعترض إن شاء الله. وزي ما قولت لحضرتك عايز 'زياد' كمان معايا. هو خبرته العملية أكتر مني. 'زياد' بيشتغل في السياحة من سنين وكان مدير قرية في شرم."
صمت "فؤاد" يفكر فيما قاله "آدم". ثم التفت إليه وابتسم قائلاً: "أبشر يا دكتور، أنت والأستاذ 'زياد' أكيد هتكونوا مكسب كبير لقريتنا. 'كريم' راجل محترم وشريكي وممشّي القرية بطريقة ممتازة بس دي أول مرة يشتغل فيها في السياحة. لكن أنت و'زياد' عندكم خبرة. وكفاية إنه مجالك يا دكتور."
ثم هتف بحماس: "على خيره الله، إن شاء الله اعتبر نفسك أنت و'زياد' من النهاردة من فريق قرية الماسة."
اتسعت ابتسامة "آدم" وقال بسعادة: "بجد متشكر جداً يا أستاذ فؤاد. وإن شاء الله هنكون عند حسن ظنك."
خرج "آدم" من الفندق الذي التقى فيه بـ "فؤاد"، وهو يشعر بسعادة بالغة. توجه إلى المسجد القريب وأدى فريضة المغرب وهو يشعر بالراحة والسعادة في قلبه. طوال الطريق إلى العين السخنة كانت الابتسامة ترتسم على شفتيه من حين لآخر. استنشق الهواء وكأن اليوم ذراته تحمل عبقاً جديداً لم يستنشقه من قبل، عبق الأمل والسعادة وتحقيق الذات. والأهم، أنه اقترب خطوة من "آيات".
***
جلست "آيات" في غرفتها منذ أن عادت إلى العين السخنة. لم تشعر في نفسها الرغبة للتحدث مع أحد أو لرؤية أحد. ظلت تفكر فيما دار اليوم بينها وبين "آدم"، وتلك الكلمات القاسية التي ألقاها على مسامعها. لماذا ذكر مساؤه بتلك الطريقة التي جعلتها تكاد تختنق؟ أيظن أنها ستسامحه؟ كيف، كيف تستطيع أن تغفر كل ما قال؟
سمعت صوت المفتاح يدور في الباب، فمسحت وجهها بيديها ونهضت تستقبل الفتيات. نظرت إليها "إيمان" قائلة: "إيه ده، رجعتي امتى؟"
قالت "آيات" بصوت مبحوح قليلاً: "من كم ساعة كده."
قالت "أسماء" وهي توجه إلى غرفتهما: "عملتي إيه في موضوع الشهادة؟"
قالت "آيات" وهي تستند على الجدار بظهرها: "خلاص تقريباً كده الموضوع اتحل. لسه إجراءات بسيطة هيعملها المحامي، بس مش هروح تاني القاهرة."
أومأت "أسماء" برأسها وقالت: "كويس."
قالت "إيمان" وهي تتجه إلى الباب: "أنا طالعة أشوف ماما."
فتحت الباب وشهقت بقوة عندما وجدت "كريم" أمامها، والذي كان يهم بالطرق على الباب. وضعت يدها على صدرها وقد شعرت بالفزع لهذه المفاجأة. فقال بخفوت: "معلش، أنا آسف خضيتك. أنا كنت لسه هضرب الجرس."
أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة وتوجهت إلى الداخل. قالت لـ "آيات" بصوت مضطرب: "أخوكي بره يا 'آيات'."
توجهت "آيات" إلى "كريم" الذي نظر إليها باهتمام قائلاً: "كويسة دلوقتي؟"
ارتبكت قائلة: "أيوه الحمد لله."
"إيه بقى اللي كان مضايقك؟ دكتور 'آدم' اتكلم معاكي؟"
أطرق "آيات" برأسها قليلاً ثم نظرت إليه قائلة بصوت خافت: "أيوه."
"قالك إيه؟"
لاحت العبرات في عينيها وقالت: "قالي إنه اتغير وتاب، وإن ربنا بيقبل التوبة، وإنه عايزني أسمحه على كل اللي عمله."
أطرق "كريم" برأسه شارداً ثم نظر إليه وقال: "وقولتي له إيه؟"
هزت كتفيها وقالت: "قولته مش هقدر أسامحه."
تنهد "كريم" قائلاً بضيق: "هتكلم معاه. أنا لا عايزاه يتكلم معاكي ولا يقرب منك."
قالت "آيات" بتوتر: "هو اتكلم معايا باحترام، يعني مضايقنيش. أقصد يعني متتخانقش معاه."
نظر إليها "كريم" متأملاً وهو يقول: "أنا مقولتش هتخانق معاه. أنا قولت هتكلم معاه."
ربت على كتفها قائلاً: "متضايقيش نفسك انتي. ماشي."
أومأت برأسها وابتسامة صغيرة على شفتيها. تنحنح "كريم" وبدا عليه التردد. نظرت إليه قائلة: "في حاجة؟"
ابتسم بخجل قائلاً: "يعني كنت عايز أسألك عن حاجة كده."
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة: "اسأل."
أخفض من صوته وهو يقول: "انتي و'إيمان' صحاب من زمان؟"
قالت "آيات" باستغراب: "'إيمان'، أيوه من 4 سنين تقريباً. بتسأل ليه؟"
قالت بنفس النبرة الخافتة: "ورأيك فيها إيه؟"
ضاقت عيناها وهي تجيب بحيرة: "رأيي فيها إزاي يعني؟"
"يعني رأيك فيها يا 'آيات'. انتي مش صحبتها يبقى أكيد في رأي محدد مكوناه عنها."
قالت "آيات" مبتسمة بخبث: "آه. بصراحة هي بنت محترمة أوي وطيبة أوي وحنينة أوي. ودمها خفيف. عايز تعرف إيه تاني؟"
ابتسم "كريم" قائلاً: "لا خلاص كفاية كده."
اتسعت ابتسامتها وهي تقول بخبث: "بس مقولتيليش يعني بتسأل ليه."
ضحك قائلاً: "هتشتغليني يا بنت. يلا على شقتك."
ضحكت قائلة بعتاب: "آه ما أنا في البتاع مدعية، وفي البتاع التاني منسية."
"لا متقلقيش، هتبقي مدعية إن شاء الله."
هتفت بسعادة كالأطفال: "بجد يا 'كريم'؟ يعني..."
كمم فمها بكفه وقال: "ششششش. متخلينيش أندم إني قولتك. اسكتي خالص لحد ما اتكلم مع باباها الأول. ميصحش هي تعرف قبلهم."
هتفت بسعادة: "طيب خلاص، ماشي. مش هقول حاجة. بس كلم بسرعة عشان مش هقدر أتكلم في نفسي كتير."
أطلق "كريم" ضحكة عالية وهو يقول: "هتقوليلي ده انتوا الستات مبتحطش في بوقكوا فول. تعرفي المثل اللي بيقول لو عايزة تنشري خبر قوليه لواحدة ست وقوليلها إنه سر. تلاقيه انتشر زي النار في الهشيم."
ضربته في كتفه بقبضتها وهي تقول: "بس أحسن لما تيجي تسألني عنك أطلع فيك القطط الفطسانة."
ابتسم قائلاً: "وأهون عليكي يا 'آيات'. خلاص، أنا هسيبك لضميرك."
قالت "آيات" وهي تنظر إليه والفرحة في عينيها لا تستطيع إخفاءها: "بجد أنا فرحانة أوي. ربنا يتمملك بخير يا 'كريم'. أنت تستاهل كل خير. و'إيمان' والله بنت محترمة أوي، مش هتلاقي أحسن منها."
أومأ برأسه وابتسم قائلاً: "هستخير الأول ونشوف ربنا هيختار لنا إيه."
***
عاد "آدم" إلى الشاليه قائلاً لأمه وهو يقبل يديها ورأسها في سعادة: "بارك لي يا ماما، بركة دعاكِ لقيت شغل تاني."
ابتسمت أمه في سعادة قائلة: "بسم الله ما شاء الله. ربنا يرزقك يا ابني وينولك كل اللي في بالك."
اتسعت ابتسامته وهو يقول: "كلمت أستاذ 'فؤاد' صاحب قرية الماسة اللي جنبنا، والحمد لله وافق إني أشتغل في القرية. ووافق كمان على شغل 'زياد'."
تلاشت ابتسامة أمه وهي تقول بعتاب: "قرية سياحية تاني يا ابني؟ ده أنا مبقتش أحب أطلع بره الشاليه من المناظر اللي بشوفها."
قال "آدم" وهو يجذبها من ذراعها ليجلسها بجواره: "لا متقلقيش، القرية دي حاجة تانية خالص. مش هتلاقي فيها أي حاجة من اللي كنتي بتشوفيها هنا. بجد قرية محترمة جداً ومديرها راجل محترم أوي."
ابتسمت بخبث وقالت: "آه طبعاً، مين يشهد لمدير القرية غيرك."
اختفت ابتسامة "آدم" وظهر الحزن على ملامحه. نظرت إليه أمه باهتمام وقالت: "في حاجة يا ابني؟"
تنهد "آدم" بأسى وقال وهو مطرق برأسه وقد شبك أصابعه في بعضها بتوتر: "اتكلمت مع 'آيات' النهاردة واحنا في القاهرة."
"وقالتلك إيه؟"
هز رأيه بأسى وهو يقول: "قالتلي مش ممكن أسامحك."
ربتت أمه على ظهره وقد ظهر الحزن في عينيها. وقالت: "معلش يا ابني، مفيش حاجة بتيجي بالساهل. لازم الواحد يتعب ويشقى عشان يوصل للي هو عايزه."
أومأ "آدم" برأسه صامتاً. فقالت بحماس: "متقلقش، أنا هتصرف."
التفت إليها قائلاً باستغراب: "هتتصرفي إزاي يعني؟"
"مش انت بتقول إنك هتشتغل في القرية بتاعتهم؟ يعني أكيد هتمشي من هنا ونروح نعد في القرية التانية. يعني أكيد هنقابل أنا وهي. أنا بقى هعد معاها وهتكلم معاها، يمكن أعرف أحنن قلبها عليك."
نظر إليها "آدم" بلهفة وقال: "بجد يا ماما؟ ربنا يكرمك يا رب."
ربتت على ظهره وقالت مبتسمة: "متشيلش هم، أنا هتصرف."
***
وقفت "أسماء" غير منتبهة لذلك الشاب الذي يقف على بعد خطوات منها ويلقي عليها بنظرات متفحصّة من رأسها إلى أخمص قدميها. كانت تمسك في يدها إحدى الأوراق تتفحصها بعناية. بدأ الشاب في الاقتراب منها قائلاً: "لو سمحتي، هو الأتوبيس بيعدي من هنا؟"
نظرت إليه ببرود وقالت: "خفّه."
ابتسم بينما يقترب منها أكثر وقال: "طيب قوللي، انتي حلوة على طول كده ولا بالنهار بس؟"
فجأة استمع صوت من خلفهما يصيح: "لم نفسك يله."
التفت كلاهما. خفق قلبها عندما وجدت "علي" قادماً خلفها يرمق الشاب بنظرات غاضبة. التفت إليه الشاب ببرود وقال: "حد كلمك يا كابتن؟"
أشار إليه "علي" برأسه قائلاً: "اتفضل من هنا."
عقد الشاب ذراعيه أمام صدره وهو يقول بعناد: "ولو متفضلتش؟"
هتفت "أسماء" بحدة: "على فكرة ده نائب مدير القرية، يعني لو متحركتش من هنا بنفسك هيجيب السيكيوريتي يحركوك."
نظر الشاب إليهما شزراً ثم غادر بصمت. التفتت "أسماء" تنظر إلى "علي" مبتسمة وهي تقول: "متشكرة أوي."
لم يجبها. بل رماها بنظرة غاضبة ثم التفت ليغادر. اختفت ابتسامة "أسماء" ثم سارت خلفه وهي تقول: "في إيه؟ بتبصلي كده ليه؟"
التفت إليها وقال دون أن ينظر إليها: "مفيش."
عاد يكمل سيره فأوقفته مرة أخرى بقولها: "طبعاً هتقولي إن أنا اللي غلطانة عشان لابسة ضيق وحاطة ميك أب."
التفت إليها وقال: "طالما انتي شايفة كده، يبقى مش محتاجة تسمعي نفس الكلام مني. ده غير إن الموضوع ده ميخصنيش، انتي حرة في لبسك."
بلعت ريقها بصعوبة وعقد جبينها وهي تقول بتوتر: "على فكرة أي واحدة دلوقتي بتتعاكس سواء لابسة محترم أو لأ. كده كده بتتعاكس."
نظر إلى الأرض وقال بحزم: "آه، بس في فرق بين واحدة بتتعاكس، واحد بيرمي عليها كلمة وهو معدي من جمبها. وبين إنه يتجرأ ويقرب منها بالشكل ده ويتكلم معاها كأنه واثق من إنها هتستجيب لكلامه."
قالت بحدة: "قصدك إيه باستجيب لكلامه؟ أنا مكنتش هستجيب لكلامه طبعاً، ولو مكنتش انت جيت أنا كنت هزأته بنفسي."
قال بنفس الحزم: "أنا مقولتش إنك كنتي هتستجيبي. أنا قولت هو كان واثق إنك هتستجيبي، لأن لبسك عنوان ليكي. اللي بتلبس ضيق وهي ماشية في الشارع أكيد بتعمل كده عشان تلفت الانتباه ليها. ما هي لو بتعمل كده لنفسها، عندها بيتها تلبس فيه اللي هي عايزاه."
صمتت وقد عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه. فأكمل "علي" بهدوء: "أظن الكلام ده انتي عارفاه كويس أوي. وأظن إنه اتقالك قبل كده، لأن صحابك كلهم مـ..."
قطع كلمته. فقال بصوت مرتعش: "كمل. صحابك كلهم محترمين مش كده؟ كنت هتقول كده مش كده؟"
صمت "علي" وهو يعض على شفتيه كأنما ندم على كلمته. لمعت عيناه بالدموع وقالت بصوت كمن أوشك على البكاء: "مش معنى إني بلبس كده إني مش محترمة."
غادرت مسرعة قبل أن يرى تلك العبرة التي تساقطت فوق وجنتها. وقف "علي" مكانه وهو يزفر بضيق شديد.
***
صعدت "إيمان" الدرج إلى شقة والدتها. لكنها فوجئت بـ "كريم" في وجهها ينزل السلم. شعرت بالدهشة فأخفضت رأسها ووقفت في مكانها حتى ينزل. لكنه توقف وأشار إليها قائلاً: "اتفضلي."
ارتبكت بشدة وأكملت صعودها. شعرت بأنه ينظر تجاهها. حانت منها التفاتة إليه، لتتأكد بالفعل من أنه يركز أنظاره عليها. استغربت ذلك بشدة وأشاحت بوجهها على الفور. نزل الدرج وهي تصعد مسرعة مندهشة كيف ينظر إليها هكذا. هذه هي المرة الأولى التي تراه ينظر إليها دون أن يغض بصره!
فتحت والدتها الباب وجذبتها من يدها و... أطلقت زغرودة خافتة. نظرت إليها "إيمان" بدهشة وهي تقول: "إيه؟ في إيه؟"
جذبتها أمها من ذراعها تبتعد عن الباب وهي تقول: "ارقصي يا 'إيمان'. افرحي يا 'إيمان'. زغردي يا 'إيمان'."
نظرت إليها "إيمان" وقد اتسعت عيناها دهشة وهي تقول: "إيه اللي حصل يا ماما؟"
قالت والدتها وهي لا تستطيع تملك نفسها من الفرحة: "أستاذ 'كريم' طلب إيدك من أبوكي."
اتسعت عينا "إيمان" وفغر فاها في دهشة وتعالت خفقات قلبها وهي تقول: "إيه؟"
قالت أمها بحماس ممزوج بالفرح: "والله زي ما بقولك. مش قولتلِك. المحشي والبط جابوه على ملا وشه. ابقي اسمعي كلام أمك بعد كده."
صاحت "إيمان": "محشي وبط إيه يا ماما! طيب قوللي كلمة عدلة. قوللي إنه معجب بيكي يا 'إيمان'. مش محشي وبط."
اختفت ابتسامة "إيمان" وهي تنظر إلى أمها بشك وقالت: "ماما، أوعي تكوني بتضحكي عليا. والله العظيم أروح فيها. ماما، مفيهناش هزار في الحاجات دي."
أطلقت أمها ضحكة عالية وهي تقول: "يا بت والله حصل. حتى اسألي أبوكي أهو قاعد جوه في البلكونة."
في تلك اللحظة خرج والدها وابتسم لها قائلاً برزانة: "مبروك يا 'إيمان' يا بنتي. والله الجدع شكله طيب وابن حلال. جهزي نفسك النهاردة إن شاء الله عشان هييجي يقعد معاكي."
قالت وقلبها يقفز في فرح: "النهاردة؟"
قالت أمها: "أيوه يا بت عشان تتكلموا مع بعض قبل ما يتكلم مع أبوكي في تفاصيل الجوازة."
اتسعت ابتسامة "إيمان" ومشاعر كثيرة بداخلها. فرح... سعادة... تفاؤل... راحة... خوف... اضطراب... حب!
***
"- سمّر!" "هستناكي ولو مجتيش بجد هزعل منك."
هتفت "إيمانا" بهذه العبارة وهي تتحدث إلى "سمر" التي قالت: "بتهزري؟ لا طبعاً لازم هاجي. ألف مليون مبروك يا 'إيمان'. ربنا يتمملك على خير."
قالت "إيمان" بحماس: "اعملي حسابك إنك هتقعدي معانا شوية انتي وطنط. الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، فيها 3 أوض و'أسماء' بتبات مع 'آيات' ففي أوضة فاضية. طنط تاخدها وأنتي تباتي معايا."
"خلاص اتفقنا. هقول لماما وآهي فرصة الواحد يغير جو كام يوم ده. أنا مطحونة في الشغل يا بنتي."
"خلاص اتفقنا بجد. متتصوريش أنا فرحانة أد إيه إني هشوفك."
"أنا اللي فرحانة جداً إني هشوفك انتي و'آيات' و'أسماء'."
***
في اليوم الموعود، كان نفس اليوم الذي تسلم فيه "آدم" و"زياد" عملهما في القرية. شعر "كريم" ببعض القلق من وجود "آدم"، خاصة بعدما عرف من "آيات" أنه تحدث معها يوم أن كانوا في القاهرة. لذلك قال له بحزم: "وجودك في القرية أكيد هيفيدنا كتير يا دكتور. بس ياريت تبقى وجودك هنا للشغل وبس."
نظر إليه "آدم" وأدرك ما يقصده. فأكمل "كريم" بنفس الحزم: "ماشي يا دكتور؟"
قال "آدم" بهدوء: "أنا مستحيل أضايق 'آيات' أو أؤذيها. متقلقش مني."
أقبل "زياد" وهو يربت على كتف "كريم" قائلاً بمرح: "مبروك يا عريس."
ابتسم "كريم" قائلاً: "الله يبارك فيك يا 'زياد'. عقبالك إن شاء الله."
قال "آدم" مبتسماً: "يلا روح أنت. ربنا يعينك أكيد وراك حاجة كتير. متقلقش أنا و'زياد' هنا."
أومأ "كريم" برأسه والتفت إلى "زياد" وقال: "مستنيِك إن شاء الله متتأخرش."
"طبعاً، ودي تيجي."
ثم نظر إلى "آدم" قائلاً بحرج: "وانت كمان يا دكتور ياريت تنورنا."
كان "آدم" يعلم أنها ما دعته إلا مضطراً ومجاملة ليس إلا. لكن "آدم" ما كان ليترك فرصة تقربه فيها من "كريم"، لعله يغير الفكرة التي كونها من كلام "آيات" عنه.
تعالت الزغاريد. ارتدت "إيمان" فستاناً وردي اللون، ووضعت القليل من مساحيق التجميل والتي أبرزت جمالها. صففت لها "آيات" شعرها بعناية بشكل جميل. كانت سعيدة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة وقد بدت بشكل لم تتوقع أن تراه في مرآتها يوماً.
جاءها اتصال من "سمر" تخبرها بأنهم على مشارف القرية. خرجت "إيمان" وقالت لـ "علي" بلهفة: "علي، ربنا يكرمك. 'سمر' ومامتها أدم البوابة. ممكن تروح تجيبهم؟"
توجه "علي" إلى البوابة فوجد سيارة تقودها سيدة كبيرة وبجوارها "سمر". هز رأسه واقترب من المرأة قائلاً: "أهلاً وسهلاً."
ابتسمت قائلة: "أهلاً بيك."
أشار لها "علي" بالطريق الذي يجب أن تسير فيه. فقالت له: "طيب اركب معانا."
قال بحرج: "لا اتفضلوا."
رمقته "سمر" بطرف عينها قبل أن تنطلق أمها بالسيارة. كان لقاء الفتاتين حاراً: "وحشتيني أوي أوي أوي."
"انتي كمان يا 'سمر'، وحشتيني أوي."
كادت الدموع أن تفر من عيني "إيمان" فصاحت "آيات": "لا أبوس إيدك، أنا مصدقتش إني ظبطته."
تعانقت "آيات" و"سمر" في اشتياق وكل منهما سعيدة برؤية الأخرى. التفتت "سمر" قائلة: "أما إيه فين 'أسماء'؟"
قالت "آيات" بحزن: "تحت. تعالي ننزلها."
***
حضر المأذون و... تم زواج "كريم" و"إيمان" وسط فرحة الأهل والأصدقاء. لم تتوقف والدة "إيمان" عن الزغاريد، كانت سعادتها لا توصف بالكلمات ولا بالعبارات. بكت أكثر من مرة وهي تتطلع إلى ابنتها التي قالت بمرح: "ماما، محسساني إني اتجوزت خلاص. ده كتب كتاب يعني قاعدة لكِ مش راحة في حتة."
استأذن "كريم" ليدخل للعروستُلبسها شبكتها. صاحت "إيمان" في لوعة: "لازم يعني؟"
ضحكت "آيات" قائلة: "لا مش لازم خالص. ربنا معاك يا أخويا يا حبيبي."
دخل "كريم" متوجهاً إليها. وقفت وهي تنظر أرضاً وهي تسمع صوت خفقات قلبها المضطرب داخل صدرها. مد يده إليها، فتسمرت مكانها وهي تفرك يديها بتوتر. ضحك ضحكة خافتة وهو يقول: "مش هاكلها متخفيش. أنا هلبسك الشبكة بس."
أطلقت "آيات" ضحكة عالية. بينما أطلقت "سمر" وأمها ضحكات خافتة. نظرت إليها والدتها قائلة: "بت يا 'إيمان'، اخلصي."
كادت أن تبكي وهي تتمتم بصوت مضطرب: "هلبسها أنا."
ابتسم "كريم" قائلاً: "طيب، ممكن ألبسك الدبلة على الأقل."
أومأت برأسها وهي مازالت تنظر أرضاً. وبعد عناء ومجاهدة للنفس، مدت يدها لترسى الكهرباء فيها بعدما التقطها "كريم" في راحته. ألبسها دبلته وهي لم تستطع منع تلك البسمة التي قفزت إلى شفتيها. أعطاها دبلته الفضية لتلبسه إياها. اختفت ابتسامتها وهي تقول بصوت خافت: "لازم؟"
ضحك بخفوت قائلاً وهو يرتديها بنفسه: "لا مش لازم دلوقتي، نأجلها بعدين."
أطلقت والدة "إيمان" زغرودة عالية. خرج "كريم" يستقبل التهاني بالخارج. بينما جلست "إيمان" مع صديقتيها وهي تشعر بسعادة لم تشعر بها من قبل.
انحنت "آيات" على "سمر" قائلة: "هنزل أشوف 'أسماء' وآجي."
أومأت "سمر" برأسها. خرجت "آيات" من الشقة. لكن فجأة تجمدت في مكانها وهي ترى "آدم" الواقف أمام الباب يتحدث في الهاتف. أغلق سريعاً بمجرد أن رآها. نظرت أرضاً، وبدأت في نزول الدرج. هتف قائلاً: "'آيات'، ممكن بس أقولك حاجة؟"
قالت وهي تستمر في النزول دون أن تلتفت إليه: "لا، مش ممكن."
نزل مسرعاً ووقف أمامها يعترض طريقها. نظرت إليه بغضب وصاحت: "ابعد لو سمحت."
وقف أمامها بعناد قائلاً: "اسمعيني الأول."
صاحت بحدة: "مش عايزة أسمعك. ابعد من قدامي."
"'آيات'، أنا عارف إني غلطت، بس أنا كنت مضطر. ليه مش عايزة تفهمي؟"
نظرت إليه باحتقار قائلة: "وأنا كنت في الشارع من غير بيت ومن غير فلوس، لكن معملتش زيك. رغم إني بنت وضعيفة. وكان ممكن أضيع نفسي. بس أنا حافظت على نفسي لأني مش دي أخلاقي ولا دي تربيتي."
أطرق "آدم" برأسه وقد آلمه كلامها بقدر ما آلمه نظرة الاحتقار في عينيها. ابتعد وأفسح لها الطريق. نزلت مسرعة وهي تحاول منع الدموع من التجمع داخل عينيها. توجهت إلى غرفة "أسماء" فوجدتها تقف في الشباك. اقتربت منها قائلة: "'أسماء'، قاعدة هنا لوحدك ليه؟ يا بنتي اطلعي اقعدي معانا."
التفتت إليها "أسماء" وقالت بوجوم: "لا، مش عايزة. اطلعي انتي."
وقفت "آيات" بجوارها وهي تقول بحنان: "طيب، قوللي مالك؟"
سقط ضوء القمر على عينيها فلمعت فيهما الدموع. ثم نظرت إلى "آيات" قائلة بصوت باكي: "حاسة إن ماليش مكان بينكم."
قالت "آيات" وهي تربت على ظهرها: "ليه بتقولي ده؟"
صاحت "أسماء" وهي تبكي: "عشان هي دي الحقيقة. أنا فعلاً مليش مكان هنا. بس أنا مش عارفة أروح فين. أنا لو فكرت أمشي من هنا مش هعرف أروح في حتة."
قالت لها "آيات" بحنان: "وليه عايزة تمشي من هنا يا 'أسماء'؟ في حد ضايقك؟"
أطرق برأسها وهي تهزها نفياً وتقول بصوت خافت: "لا، مفيش حد ضايقني."
"لا، أنا حاسة إن في حد ضايقك. انتي كنتي كويسة، لكن بقالك كام يوم مش مظبوطة خالص. أكيد في حاجة حصلت."
مسحت "أسماء" عبراتها وهي تقول: "لا، متشتغليش بالك. يلا اطلعي عشان 'إيمان'."
قالت "آيات" بإصرار: "مش هطلع إلا إذا طلعتي معايا."
نظرت إليها "أسماء" بحزم وهي تقول: "أنا مش هطلع. اطلعي انتي لو سمحت. أنا بجد حابة أفضل لوحدي شوية. معلش يا 'آيات'، بس فعلاً مش حابة أتكلم في أي حاجة."
قالت "آيات" باستسلام وهي ترمقها بنظرات حزينة: "طيب خلاص، زي ما تحبي. بس أتمنى فعلاً تفتحيلي قلبك وتقوليلي إيه؟ أنا مبخبيش عنك حاجة. أي حاجة بحكيها لكِ. بس انتي على طول كده بتشيلي جواكي ومبتتكلميش."
لمعت العبرات في عينيها مرة أخرى وهي تقول: "أنا كويسة، متقلقيش."
عادت "أسماء" تتطلع من الشباك وتغرق في شرودها من جديد.
استأذن "كريم" من والد "إيمان" في الخروج برفقته. بدلت "إيمان" ملابسها وأزالت المكياج، واستعدت للخروج برفقة "كريم". انصرفا معاً وهي تشعر بالتوتر الشديد لخروجها لأول مرة بصحبة رجل. حاولت أن تقنع نفسها بأن هذا الرجل أصبح زوجها، لكنها لم تستطع على الرغم من ذلك إخفاء توترها واضطرابها وشعورها بشيء غريب ليست معتادة عليه من قبل.
قبل أن تنصرف "آيات" برفقة "سمر" ووالدتها، أقبلت عليها والدة "إيمان" قائلة: "خدي يا 'آيات' الطبق ده بتاع 'أسماء'. أنا مش عارفة مطلعتهوش ليه وفضلت قاعدة لوحدها تحت كده."
توقف "علي" عن جمع الأطباق بعدما استمع إلى ما قالته أمه. سمع "آيات" تجيب: "والله ما عارفة يا طنط. اترجيتها كتير بس مرضيتش خالص وشكلها مضايقة ومش راضية تقولي إيه اللي مضايقها. أكيد حاجة في الشغل ضايقتها."
"طيب يا حبيبتي، اديها الطبق ده والحاجة الساقعة. عقبال ما أفرح بيكم كلكم إن شاء الله."
تنهد "علي" بضيق وهو يشعر بأنه السبب في ذلك، بعدما تحدث معها بهذا الحديث الذي ضايقها وجرحها.
***
جلست "إيمان" أمام "كريم" على الطاولة في ذلك المكان الهادئ. تنظر إلى يديها اللتان تعرقتا من كثرة فركها إياهما. رفعت نظرها لتتلاقى نظراتها بنظرات "كريم" فأخفضت عينيها على الفور. ابتسم لها قائلاً: "طيب، بلا بلاش تبصيلي. اتكلمي."
لم تجب، فقال: "تعرفي إنك من يوم ما جيتي القرية دي وأنا مسمعتش صوتك."
ظلت مطرقة برأسها وتوترها يتزايد. فقال: "طيب، هسألك سؤال بسيط. انتي وافقتي عليا ليه؟"
حاولت التحدث فلم تستطع. تنهد "كريم" قائلاً وهو يرجع ظهره للخلف: "شكلك هتتعبيني."
رفعت عينيها تنظر إليه، تتبين هل هو غاضب منها أم لا. لكنه فاجأها بابتسامته العذبة ونظرات عينيه المرحة، فابتسمت وهي تبعد عينيها عنه. فقال بمرح: "طيب، على الأقل بتبتسمي. أحسن الناس لو بصت علينا هيفتكروكِ خاطفة."
تمتمت بصوت خافت: "أنا بس متوترة شوية."
أسند مرفقيه على الطاولة وهو يقول مبتسماً: "لا، ما أنا شايف، مش محتاجة تقولي لي."
ثم تمتم بعتاب: "كده، متلبسنيش الدبلة؟"
قالت بصوت مضطرب: "معلش."
"إيه معلش دي؟ أصرفها منين يعني؟ في عروسة ترفض تلبس عريسها الدبلة؟"
نظرت إليه وقد عقدت جبينها وهي تقول: "معلش، مكنش قصدي أضايقك."
نظر إليها بمرح قائلاً وهو يشير إلى الدبلة في إصبعه: "ماشي، بس خلي بالك، أنا لبستها لنفسي مؤقتاً بس."
ابتسمت وقد أطرقت برأسها في خجل.
انتهت سهرتهما وعادا إلى البناية. شعرت "إيمان" بسعادة كبيرة، فقد استمتعت طيلة السهرة بشخصيته المرحة، ابتسامته العذبة، حتى وإن لم تتحدث معه إلا قليلاً. لكنها كانت سعيدة لأنه لم يظهر ضيقه منها لهذا السبب، بل أبدى تقديراً لموقفها ولمشاعرها. توقفا أمام بابيهما المتجاورين. التفت إليها "كريم" مبتسماً وهو يقول: "إيه رأيك نتغدى مع بعض بكرة؟"
ابتسمت بخجل وقالت مطرقة برأسها: "إن شاء الله."
نظر إليها قائلاً: "طيب، بصيلي طيب."
حاولت فلم تستطع. توترت قائلة: "أنا هدخل بأه."
قال "كريم": "ماشي، اتفضلي."
التفتت لفتح الباب، فوجئت به يمسك ذقنها ويدير وجهها إليه. نظرت إليه لتتلاقى عيناهما للحظات. قال مبتسماً: "تصبح على خير."
صمتت لبرهة. ثم تمتمت بصوت خافت وهي مازالت تنظر إلى عينيه التي شعرت بوجود قوة مغناطيسية تجذبها إليهما: "تصبح على خير."
ألقت "إيمان" بنفسها فوق فراشها والابتسامة على محياها. لم تجد في نفسها الرغبة للنهوض وتبديل ملابسها، فقد جلست سابحة في فضاء خيالها تتذكر تلك الليلة بكل تفاصيلها. لا تدري إلى كم من الوقت ظلت هكذا في مكانها بلا حراك. سمعت رنين هاتفها فوجدت رقماً غريباً. خمنت أنه لـ "كريم"، فلم تعتد اتصال أرقام غريبة بها وفي هذا الوقت. ردت قائلة بصوت خافت: "السلام عليكم."
أتاها صوته: "وعليكم السلام. صحيتِك؟"
قالت بسرعة: "لا، أصلاً لسه منمتش."
قال بحنان: "أنا بس اتصلت أقولك إني النهاردة مش عايز أظبط المنبه عشان يصحيني للفجر. عايزك انتي تصحيني. ممكن؟"
اتسعت ابتسامتها وهي تقول: "ممكن."
صمت قليلاً ثم قال بخفوت: "خلاص، هعتمد عليكي. تصبحي على خير."
"وانت من أهل الخير."
كان بينها وبين الفجر عدة ساعات، لكنها علمت أنها لن تستطيع النوم. أسندت رأسها إلى وسادتها والبسمة لا تفارق ثغرها.
رواية جواد بلا فارس الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم بنوته اسمرة
في صباح اليوم التالي، استيقظت كل فتاة بمشاعر مختلفة عن الأخرى. استيقظت "إيمان" بابتسامة على ثغرها وخفقات قلبها التي تشي بسعادتها وهنائها، ولمعة عينيها التي تراها لأول مرة وهي تنظر في مرآتها. نظرت إلى تلك الدبلة التي تزين أصابعها وأخذت تتحسسها في سعادة.
"أسماء" استيقظت مثقلة القلب بالهموم، كسيرة الفؤاد، حزينة العينين. تحاول التغلب على ما بداخلها والتظاهر بأنها أفضل.
"سمر" استيقظت وهي ترى بشائر الصباح من الشرفة، تتطلع إلى البحر أمامها وهي تفتح لهوائه رئتيها لتعبيئها برائحته الذكية المنعشة. شعرت كطائر حر يسبح في الفضاء الشاسع، لكن قلب هذا الطائر يتمنى بشدة أن يجد وليفه الذي يركن إليه، ويسكن إليه، ويطمئن لقربه.
"آيات" استيقظت على مشاعر: غضب، ألم، جراح، أحزان، ذكريات مريرة. لكن تتخلل كل تلك المشاعر القاسية لمسة من حنين.
ابتدأ اليوم بتلك المشاعر المتباينة على الفتيات الأربعة.
دخلت "آيات" المطبخ لتسمع ضحكات ومزاح "إيمان" و"سمر" اللتان تعدان طعام الإفطار، فحَيَّتْهُما مبتسمة:
- صباح الخير.
التفتت الفتاتان إليها:
- صباح النور.
- صباح النور.
خرجت "أسماء" من الحمام وحاولت رسم بسمة على شفتيها وهي تقبل "إيمان" قائلة:
- ألف مبروك يا "إيمان".
قالت "إيمان" وهي تتظاهر بالغضب:
- لأ أنا زعلانة منك بجد.
- والله عارفة إنك أكيد زعلانة، بس فعلاً أنا كنت تعبانة. معلش، ملحوقة، تتُعَوَّض في فرحك إن شاء الله.
التفت الأربع فتيات حول طاولة الطعام. قالت "سمر":
- طبعاً هتسيبوني وتروحوا شغلكم؟
ابتسمت "آيات" قائلة وهي تلوك الطعام في فمها:
- أيوه طبعاً، أمال عايزينانا نعد جنبك ولا إيه؟
قالت "سمر" بحزن:
- طيب، هعمل أنا إيه لوحدي؟ هحس بملل فظيع.
قالت "إيمان" ملتفتة إلى "آيات":
- متخلي "سمر" يا "آيات" تروح العيادة بدل الدكتورة اللي واخدة إجازة النهاردة.
هتفت "آيات":
- والله فكرة.
قالت "سمر" باستغراب:
- عيادة إيه؟
قالت "آيات" شارحة:
- افتتحنا عيادة أطفال هنا في القرية. عيادة صغيرة بس ما شاء الله الإقبال عليها حلو أوي. بس الدكتورة اعتذرت لمدة أسبوع. إيه رأيك لو حسيتي إنك هتملي، تعالي اقعدي فيها شوية.
قالت "سمر" بحماس:
- أكيد طبعاً، أنا أصلاً رغم إرهاقي في الشغل إلا إني بعشقه. بجد بعشق الأطفال أوي ونفسي أفضل حوالي طول الوقت. بحس فيهم بالبراءة وبحاجات كتير لسه موجودة جوايا.
ثم شردت قائلة وسحابة حزن في عينها:
- عارفين... ساعات بحس إني طفلة. ولما بشوف أب حنين على ابنه الصغير بقول في نفسي: يا ريتني رجعت صغيرة تاني ولقيت حد يتعامل معايا بحنية كده ويحسسني إنه بابا وإنه مسؤول عني. عمركم شفتوا واحدة بتتمنى راجل يحسسها إنه باباها؟ أهو أنا بتمنى كده.
- نفسي في راجل أغْمِض عيني وأنا واثقة إنه مش هيضيعني. أرمي كل همومي وخوفي وحمولي عليه وأنا واثقة إنه هيكون قد المسؤولية.
نهضت "أسماء" فجأة قائلة:
- أنا همشي.
نظرت إليها "آيات" قائلة:
- طيب استني، هخلص أهو ونمشي سوا.
لم تترك لها فرصة للحديث، بل قالت وهي تحمل حقيبتها وتغادر:
- لأ، هسيبكم عشان ورايا حاجات كتير.
***
جلس "آدم" و"زياد" بصحبة "علي" و"كريم" في مكتب هذا الأخير. قال "كريم":
- زي ما اتفقنا وقسمنا الشغل بينا يا شباب. أهم حاجة عندي إن يكون في تنسيق بينا. وأنا مش ديكتاتور، يعني اللي يكون عنده اقتراحات أفضل أو أساليب أفضل لسير العمل يبلغني بيها.
ابتسم "آدم" قائلاً:
- تمام يا "كريم". إنت كده سهلت علينا كتير. وكمان ميزتك إنك بتحسس اللي بيشتغلوا عندك إنهم بيشتغلوا معاك مش عندك.
قال "زياد" بحماس:
- أنا بجد اتحمست أوي للشغل هنا.
نظر "كريم" إلى ساعته وقال:
- مفيش إلا ساعة على صلاة الجمعة. نتقابل في مسجد القرية إن شاء الله.
أثناء انصراف الرجال من مكتب "كريم"، توجهت "آيات" إلى المكتب. وقف "آدم" أثناء خروجه ينظر إليها وحياها قائلاً:
- صباح الخير.
تجاهلته تماماً ودخلت المكتب. ربت "زياد" على كتف "آدم" وساقه بعيداً. قالت "آيات" مبتسمة:
- "كريم" عايزة منك خدمة.
- خير يا "آيات"، أؤمري.
قالت وهي تجلس أمامه:
- هما خدمتين مش خدمة واحدة. الخدمة الأولى... صحبتي "سمر" اللي هي صاحبة "إيمان" اللي جت امبارح من القاهرة عشان تحضر كتب الكتاب.
- آها، مالها؟
- هي دكتورة أطفال، وما شاء الله عليها ممتازة أوي وبتحب شغلها. وبما إن الدكتورة اللي في عيادة الأطفال في إجازة، إيه رأيك "سمر" تشتغل في العيادة بدالها؟
- بس يا "آيات"، البنت جاية عشان تحضر كتب كتاب صاحبتها وتريح لها يومين في القرية، نقوم نقولها تعالي اشتغلي عندنا؟
قالت "آيات" بحماس:
- لأ، بالعكس دي مرحبة جداً. أصلاً زي ما قُلتلك هي بتحب شغلها أوي وكانت مضايقة إننا كلنا هنكون في الشغل وهنسيبها لوحدها.
- طيب خلاص، طالما كده مفيش مشكلة.
- تسلم يا "كريم". الطلب التاني بقى... عايزة أخرج النهاردة أشتري شوية لبس.
نظر إلى ملابسها قائلاً:
- ماشي، مفيش مشكلة. نفس الستايل كده؟
ابتسمت قائلة:
- لأ، ستايل تاني. بصراحة عايزة ألبس لبس يرضي ربنا بقى، مش عايزة أحس إني مقصرة في الموضوع ده. يعني مش عايزة أحس إن ربنا غضبان مني عشان لبسي.
- هو لبسي أحسن من الأول بكتير، بس برضه حاسة إن لسه... نفسي أكون زي "إيمان" و"سمر" كده، لبسهم محترم ومش ملفت.
ابتسم "كريم" قائلاً:
- والله فرحتيني يا "آيات". طيب إيه رأيك بقى إني هاجي معاكي ونختار اللبس سوا، وأي حاجة إنتي عايزاها هتكون هدية مني ليكي.
- لأ، أنا اللي عايزة أشتريهم. أنا معايا فلوس، متقلقش.
قال بحزم:
- خلاص، اتنهت. وبعدين سيبيني آخد الثواب ده. كل ما تبقي لابسة حاجة واسعة أنا جايباها لي، هاخد أنا الثواب عليها. متحرمنيش بقى من الثواب ده لو سمحت.
ابتسمت باستسلام قائلة:
- بس أنا عايزة أروح النهاردة.
قال بمرح:
- أمرك يا باشا. أصل الجمعة، هاخدك ونروح نجيب اللبس على طول. بس كده، دي "آيات هانم" تؤمر والعبد لله ينفذ.
ضحكت قائلة:
- ماشي يا سيدي، واضح إن مزاجك عالي النهاردة. طبعاً مش كتب كتابك كان امبارح.
لاحت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يقول:
- عارفة، بمجرد ما كتبنا الكتاب وأنا حسيت إن قلبي ده عمال يرفرف بجناحاته. رغم إني مش كده خالص، يعني بحس إني مركز ومش خفيف، بس حسيت امبارح إني أخف من الريشة.
أطلقت ضحكة عالية وقالت:
- فين يا "إيمان" تسمعي الكلمتين دول عشان تعرفي تأثيرك في أخويا.
- هي على فكرة بنت حلال أوي، وأكتر حاجة عجبتني فيها حياؤها. متتصوريش الصفة دي لما بتكون في البنت بتخليها جميلة في عين الراجل إزاي.
ابتسمت "آيات" وهي تنظر إليه بسعادة قائلة:
- ربنا يباركلكوا في بعض. إنتوا الاتنين طيبين وتستاهلوا كل خير.
***
توجهت إليه بعدما أخذت نفسًا عميقًا. حاولت ألا تنظر إليه وهي تقول:
- لو سمحت يا أستاذ "علي"، عايزة إمضاء حضرتك على الطلب ده.
التفت "علي" إليها وتناول الملف من يدها. قرأه بدقة ثم زيله بتوقيعه. استعادت منه الملف وهمت بالانصراف. باغتتها قائلاً:
- آنسة "أسماء".
توقفت دون أن تنظر إليه. بدا عليه التوتر والاضطراب. قال:
- أنا آسف، أنا مكنش قصدي إني أجرحك بكلامي.
ظهر الحزن في عينيها، لكنها قالت بصعوبة:
- عادي، محصلش حاجة.
همت بالانصراف، لكنه أوقفها مرة أخرى وقال:
- أنا كل اللي كان قصدي أقوله إن صحابك أكيد اتكلموا معاكي في الموضوع اللي كنا بنتكلم فيه وقتها. يعني مش محتاجة تسمعي أكتر من اللي سمعتيه عشان تنفذي وتختاري صح.
أطرقت "أسماء" برأسها قليلاً، ثم نظرت إليه قائلة بألم:
- أنا للأسف غيرهم. مكنش ليا أب وأم يقولولي الصح من الغلط. كانوا مديني حرية في حاجات كتير منها لبسي. صعب أوي حد عاش كده تيجي فجأة وتقوله إنت غلط وإن الصح كذا. غصب عني مش عارفة أتقبل ده.
تنهد "علي" ثم قال وهو ينظر أمامه:
- مش صعب لو الإنسان ده عرف إن ربنا هو اللي أمره بكده. ربنا هو اللي قال إن ده صح، وإن ده غلط. وعلى فكرة، طالما الإنسان ده مكنش يعرف الصح من الغلط ومحدش نبهه، ده يُعذَر لجهله. وربنا يغفر له إن شاء الله على اللي فات من حياته. لكن طالما عرف، يبقى كده أُقيمت عليه الحجة، ويبتدي يتحاسب. أيوه، كان جاهل، بس دلوقتي مَعَدِّش جاهل، وعرف الصح من الغلط. مينفعش يفضل مستمر في الغلط ويقول: أصلي مكنتش أعرف. لأ، إنت دلوقتي عرفت، يبقى تلتزم بكلام ربنا وتنفذ.
شعرت براحة غريبة وهي تتحدث إليه. قالت وهي تنظر إليه:
- بس أنا أحسن من بنات كتير. حتى لو لبسي ضيق، بس أنا محترمة في تعاملاتي ومش بسمح لحد إنه يتجاوز معايا. إنت من ساعة ما أنا اشتغلت هنا سمعت عني كلمة وحشة أو شفت مني حاجة وحشة؟
قال "علي" بهدوء:
- لأ، مشفتش منك حاجة وحشة ولا سمعت عنك حاجة وحشة.
قالت "أسماء" بحماس:
- ربنا رب قلوب. يعني هو مطلع على تصرفاتي وعلى اللي في قلبي. وده أهم كتير من المظاهر. أهم كتير من إني ألبس محترم بس أبقى بنت مش كويسة وأتعامل مع الشباب بطريقة وحشة. في بنات كتير أوي محترمة أوي في لبسها بس مش محترمة في تصرفاتها.
صمت "علي" للحظات ثم قال:
- وإنتي ليه تبصي للي محترمة في لبسها ومش محترمة في تصرفاتها؟ ما تبصي للي محترمة في الاتنين. لازم الواحد يبص للي أعلى منه مش اللي أقل منه. اللي بيبص للي أقل منه ويقول: أنا أحسن، ده بيفضل طول عمره تحت ومبيطلعش أبداً ولا بيتقدم. لكن اللي بيبص للي أعلى منه بيحب يقلده وبيحب يوصله وأكيد هيوصله. وبعدين، أيوه ربنا عارف اللي في قلبك ومطلع عليه، مختلف ناس في دي. بس برضه ربنا أمرك بحاجات لازم تنفذيها. يعني مينفعش متبقيش بتصلي وتقولي: ربنا رب قلوب، ربنا عالم باللي في قلبي وإني بنت كويسة. طيب ما تصلي، مش هو أمرك تصلي؟ صلي، إيه اللي منعك. لو إنتي فعلاً كويسة ومسلمة أمرك لله ومستسلمة لله ولأوامره ولنواهيه، هتصلي لأنه أمرك تصلي. أهو ربنا أمرك تتحجبي، وبمواصفات معينة. مينفعش تتحجبي على مزاجك أو بالطريقة اللي إنتي شايفاها صح. لازم تتحجبي بالطريقة اللي هو شايفها، واللي هو عايزها، واللي هو أمرك بيها.
صمتت "أسماء" تحاول استيعاب كلماته وتمريرها على عقلها وقلبها. سألته بخفوت:
- وإيه هي الطريقة دي؟
قال "علي" بحماس:
- أولاً، ميكونش ضيق يكون واسع. ثانياً، ميكونش شفاف ويبين الجسم. ثالثاً، ميكونش مبرفن ببرفان أو بخور أو أي حاجة يقدر اللي واقف جنبك يشمها. رابعاً، ميكونش ملفت. خامساً، ميكونش شبه لبس الكافرات. سادساً، ميكونش شبه لبس الرجال. سابعاً، ميكونش ثوب شهرة.
نظرت إليه "أسماء" باستغراب وقالت:
- معلش يعني، إيه "ميكونش ثوب شهرة" دي؟ مش فاهمة.
قال "علي" بهدوء شارحاً:
- يعني متكونيش لابساه عشان الناس تشاور عليكي وإنتي ماشية في الشارع. الرسول نهانا عن اللبس المزيف أوي، الفخم أوي، اللي الواحد بيلبسه عشان الناس تشاور عليه وهو ماشي في الشارع، وده بيبقى خيلاء. ماشي، يعني يقول: يا أرض اتحدي ما عليكي قد. وبرضه نهانا عن اللبس الرث أوي، المبهدل أوي، اللي الواحد يلبسه عشان الناس تشاور عليه وتقول: ده الراجل ده زاهد وعابد. يعني الرجال والنساء محرم عليهم لبس الشهرة. يعني متلبسيش حاجة ملفتة عشان الناس تشاور عليكي وتعرفك.
تمتمت قائلة:
- أيوه، فهمت.
قال وهو ينظر إلى ساعته:
- بعد إذنك عشان ألحق الصلاة.
قالت بخفوت:
- اتفضل.
التفتت تنظر إليه لتتابعه بنظراتها أثناء مغادرته. نعم، تعلم بأنه لن يفكر فيها يومًا، وأنها بالتأكيد ليست الفتاة التي سيختارها زوجًا وحبيبة، وأنها بالنسبة له فتاة متبرجة، وأنه ليس كأي رجل قابلته في حياتها. وعلى الرغم من ذلك، خفق قلبها بقوة ونعومة، وحب، وهي تتابعه بعينيها!
***
توافد الرجال في القرية على مسجد القرية الذي جهزه "كريم" بكل ما يلزم. ابتسم "آدم" الجالس على الأرض في انتظار بدء الخطبة وهو يميل على "زياد" قائلاً:
- ما شاء الله، حلوة أوي فكرة المسجد في القرية. عشان الناس متكسلش تطلع بره القرية يدوروا على مسجد يصلوا فيه. أهو كده مفيش راجل في القرية له حجة.
ابتسم "زياد" وهو يتأمل المسجد قائلاً:
- فعلاً فكرة حلوة أوي.
ثم التفت إلى "آدم" قائلاً:
- والله الواحد حاسس براحة كبيرة هنا. غير ما كنا بنحس في قرية النحس "شكري". أعوذ بالله، الواحد هناك كان بيبقى قلبه مقبوض على طول. لكن هنا سبحان الله، كفاية إن الواحد ضميره مرتاح.
ابتسم "آدم" قائلاً:
- ده غير معدلات الشغل هنا. أنا صعقت من الأرقام.
قال "زياد" بمرح:
- قال إيه، إحنا اللي كنا فاكرين إن قرية "شكري" عليها إقبال. لو جه شاف معدلات الحجز في القرية هنا هيقفل قريته ويقعد في بيتهم.
ساد الهدوء فجأة عندما اعتلى الإمام المنبر. نظر "آدم" و"زياد" إلى بعضهما في دهشة، فلم يكن الإمام سوى "كريم". ألقى نظرة على الموجودين وتلاقت أنظاره بأنظار "آدم" و"زياد". ثم... بدأ خطبته:
- الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله الله عليه وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: يقول الله عز وجل: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن باب التوبة مفتوح في كل زمان ومكان حتى تشرق الشمس من مغربها. رخصة لكل إنسان وقع في معصية أو ذنب صغيرًا كان أم كبيرًا، يستطيع بتلك الرخصة أن يتوب إلى الله عز وجل فيغفر له ذنبه ويمحيه تمامًا من صحيفة أعماله كأن لم يفعله في حياته قط. فلنتحدث عن أنواع البشر وأنفسهم. هناك شخص يملك بين جنباته نفس أمارة بالسوء. وصاحب هذه النفس، والعياذ بالله، يقبل على المعصية ويميل إليها دائمًا دون أدنى شعور بالذنب. يقترف المعصية سرًا وجهارًا، ليلاً ونهارًا، دون أن يطرف له جفن. ونسي الملك المطلع عليه من فوق سبع سماوات. وهذه النفس استحوذ عليها الشيطان تمامًا فسار يحركها كيف يشاء، وهي مأوى للشر في جسم الإنسان ومنبع للشر. وإذا قيل له: لماذا تفعل ذلك يا عبد الله؟ تعلل بعلل واهية ويضع أخطاءه على شماعة "إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا".
كان "آدم" يستمع إلى الخطبة دون أن يرف له جفن. تعلقت عيناه بكريم وتعلقت أذناه بكلماته. أكمل "كريم" قائلاً:
- النوع الثاني هي النفس اللوامة، والتي أقسم الله بها في سورة القيامة: "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ". وهي نفس في صراع دائم بين الخير والشر. إذا ارتكب صاحبها ذنبًا، ظل يلوم نفسه، ويؤنبها، ويستشعر ذنبه وتقصيره في حق الله. يتذكر يوم القيامة والآخرة فيتحسر على ما اقترف من ذنوب، ويندم على ما فات من حياته.
أما النوع الثالث فهو النفس المطمئنة. وهي منبع الإيمان في صاحبها. فهي نفس خاشعة، متوكلة على ربها، واثقة بالله، محبة لله، خاضعة لله، تشتاق إلى الله، والتي قال الله عنها: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي". فأسأل الله أن يرزقنا جميعًا تلك النفس المطمئنة.
انتهت خطبته، وأقام الصلاة. بعد الانتهاء من الصلاة، التفت "زياد" إلى "آدم" قائلاً:
- يلا.
قال "آدم" وهو يجلس مستندًا إلى أحد العواميد في المسجد:
- لأ، سيبني شوية.
أومأ "زياد" برأسه وخرج من المسجد. أسند "آدم" رأسه إلى العمود خلفه، وشرد وهو ينظر إلى سقف المسجد. وجد فجأة يدًا تربت على كتفه، فالتفت ليجد وجه "كريم" الباش. جلس بجواره قائلاً:
- إيه يا دكتور، مش هتمشي؟
أومأ برأسه قائلاً:
- شوية كده.
جلس "كريم" بجواره مفترشًا الأرض. نظر إليه قائلاً:
- ربنا كبير أوي على فكرة.
لمعت العبرات في عيني "آدم" وأخذ ينظر إلى "كريم" صامتًا. فربت على قدمي "آدم" قائلاً:
- متخليش الشيطان يحبطك ويوهمك إن ملكش توبة. لأن ربنا اسمه الغفور، بيغفر التوبة للعبد التائب الصادق في توبته. أهم حاجة إن التوبة تكون صادقة، مش توبة باللسان فقط.
أومأ "آدم" برأسه، ثم قال باهتمام:
- والواحد يعرف منين إذا كان ربنا قبل توبته ولا لأ؟
- الأهم هو إنك تطبق شروط التوبة صح.
قال "آدم" باستغراب:
- وهي إيه شروط التوبة؟
قال "كريم" بهدوء:
- شروط التوبة أربع، لازم يجتمعوا مع بعض عشان تبقى توبة صادقة وربنا يتقبلها. أول حاجة، إن توبتك تكون مخلصة لله. يعني مش تائب عشان خايف من الشرطة مثلاً، أو عشان خايف من الناس، أو عشان خايف من الفضيحة. أو مثلاً تائب من شرب الخمرة عشان خايف على صحتك منها. أو تائب من الزنا عشان خايف على نفسك من الأمراض.
صمت قليلاً ثم قال:
- أو تائب عشان حبيبتك ترضى عنك.
تلاقت أنظارهما، وبلع "آدم" ريقه بصعوبة وقد فهم ما يقصده "كريم". فأكمل "كريم":
- أول شرط من شروط التوبة إنك تتوب لله عشان خايف منه وعشان ندمان على ذنبك في حق ربك.
ثم أكمل:
- تاني شرط، إنك تتوب بقلبك وتكره المعصية بقلبك مش بس بلسانك. تالت شرط، إنك تسيب المعصية دي فوراً، مش تقول: هسيبها بكرة ولا بعد بكرة ولا من الشهر الجاي. لأ، سيبها فوراً وابعد عنها فوراً. الشرط الرابع، إنك تنوي وتعقد عزمك إنك مترجعش للذنب ده تاني أبداً. الشرط الخامس، وده شرط مهم جداً وللأسف ناس كتير بتغفل عنه، وهو رد المظالم لأهلها. يعني لو كنت نهبت حد، أو سرقت حد، أو أكلت مال، أو شهدت زور على حد، أو قتلت حد. لازم المظالم دي تترد. لازم الشروط الخمسة عشان تبقى توبتك كاملة وربنا يتقبلها إن شاء الله.
قام "كريم" وغادر المسجد، وتردد "آدم" خلفه يعيد ما قاله في عقله مرات ومرات ومرات.
***
انطلق "كريم" في طريقه بصحبة "آيات" إلى المول التجاري. وأثناء تجربة "آيات" لإحدى القطع، اتصل بـ "إيمان" التي ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها بمجرد أن رأت اسمه وردت قائلة:
- السلام عليكم.
قال بصوته الرخيم:
- وعليكم السلام. ازيك يا "إيمان"؟
تمتمت بخفوت:
- الحمد لله.
- أنا في المول مع "آيات" بنشتري شوية حاجات. إن شاء الله كلها ساعة وأرجع القرية. هتكوني جاهزة؟
- أيوه إن شاء الله. هرجع بس الشقة أغير هدومي.
- خلاص، ماشي. على تليفون إن شاء الله. وأنا راجع هتصل بيكي.
- خلاص اتفقنا.
باقي الحلقة 28.
بعد نصف ساعة، توجهت "إيمان" إلى عيادة الأطفال حيث تعمل "سمر" وابتسمت لها قائلة:
- إيه الأخبار؟
قامت "سمر" من فوق مكتبها وعقدت ذراعيها وهي تستند بظهرها إلى المكتب وقالت:
- بصراحة، العيادة روعة والجو هنا جميل أوي. حاسة إن نفسي هنا مفتوحة للشغل أوي.
في تلك اللحظة، أتت "أسماء" وهي تقول:
- بنات، مشفتوش "آيات"؟ دايرة عليها ورق مهم لازم تمضيه. وبتكلم موبايلها غير متاح.
قالت "إيمان":
- آه، "آيات" مع "كريم" في المول بيقولوا بتشتري حاجات.
ثم نظرت إلى ساعتها قائلة:
- كلها نص ساعة أو أقل ويرجعوا إن شاء الله.
ابتسمت "أسماء" وهي تنظر إلى "سمر" قائلة:
- إيه رأيك يا "سمر" في القرية؟
قالت "سمر" بحماس:
- كنت لسه بقول لـ "إيمان"، المكان ممتاز بجد، حاسة براحة نفسية عجيبة. آه لو أفضل هنا ومارجعش القاهرة تاني.
نظرت إليها "إيمان" بخبث وقالت:
- والله في إيدك تفضلي هنا ومترجعيش القاهرة تاني.
نظرت إليها "سمر" مستفهمة. فقالت "إيمان" بمرح:
- يا بنتي، حني على الراجل الغلبان بقى وهو يبقى بابا وماما وأنور وجدي.
توترت "سمر" وقالت بعتاب:
- بس يا "إيمان".
نظرت إليهما "أسماء" مستفهمة:
- راجل مين؟
قالت "إيمان" وهي تتنهد:
- الراجل اللي عايز يتجوزها وهي رافضة حتى إنه يدخل بيتهم.
نظرت إليها "سمر" قائلة:
- يا "إيمان"، خلاص انسى الموضوع ده بقى.
قالت "إيمان" بمزاح:
- لأ، مش هنسى. نفسي أفرح بيكي إنتي و"علي".
هوى قلب "أسماء" بين قدميها. قالت بصعوبة:
- "علي" أخوكي؟
أومأت "إيمان" برأسها وهي تقول:
- آه، "علي" أخويا يا ستي.
بدا الاضطراب على "أسماء" وقالت بصوت مرتعش:
- أنا همشي.
خرجت "أسماء" من العيادة تحث السير وهي تشعر بأن الرؤية غير واضحة. ثم اكتشفت بأن ما كان يحجب عنها الرؤية بوضوح هو تلك الدموع التي أخذت بالتجمع داخل عينيها!
التفتت "إيمان" إلى "سمر" قائلة بجدية:
- "سمر"، إنتي بجد رافضة "علي"؟
نظرت إليها "سمر" بحيرة وقالت:
- "علي" إنسان محترم جداً، وبجد ساعات بحس إننا مناسبين لبعض أوي. بس مش عارفة... مش عارفة ليه مش قادرة أقول أيوه.
قالت "إيمان" بحزم:
- لو إنتي فعلاً شايفاه مناسب هتوافقي. لو رافضاه عشان موضوع الشغل، هو خلاص اشتغل دلوقتي يا "سمر" وفي مركز كبير ومرتب كبير ما شاء الله.
قالت "سمر" بحيرة:
- صدقيني مش دي المشكلة. أنا فعلاً بحترم "علي"، وحاسة إنه مناسب أوي ليا، وإنا هنكون زوجين ناجحين. بس مش عارفة، جوايا تردد كبير أوي، وخوف. مش عارفة... حاسة بحيرة كبيرة أوي. عشان كده قلت لمامتك لما كلمتني متخليش حد يستناني، لأني حاسة إن الحيرة اللي جوايا دي مش هتخلص أبداً.
تنهدت "إيمان" قائلة:
- كان نفسي أوي تكونوا لبعض.
قالت "سمر" بحزن:
- وأنا نفسي أكتر منك. نفسي بجد... بس حاسة إني مكتفة، ومش قادرة آخد الخطوة دي. أنا من يوم ما مامـتك كلمتني وأنا بستخير، ولحد دلوقتي بستخير. بس لسه... لا شايفة حاجة، ولا حاسة بحاجة.
***
عادت "آيات" بصحبة "كريم" وبمجرد أن دخلا القرية قالت "آيات" بمرح:
- "كريم"، وديني الشقة الأول. عايزة أغير هدومي وألبس حاجة من اللي اشتريناها.
ابتسم لها قائلاً:
- ماشي يا ستي.
نظرت إليه بتأثر قائلة:
- بجد يا "كريم"، ربنا ما يحرمني منك. إنت دلوقتي كل عيلتي، مش أخويا وبس. عارف أنا بجد محظوظة أوي إن ليا أخ زيك. رغم إنك مش أخويا شقيق، بس بجد أنا بنسى النقطة دي تماماً. بحس فعلاً كأننا أخوات من أم واحدة وأب واحد.
ابتسم وهو يربت على رأسها قائلاً:
- أنا كمان بعتبرك أختي بجد. يعني إنتي أختي يا "آيات". متقلقيش، حتى لما أتجوز هفضل آخد بالي منك وهفضل معاكي، مش هسيبك. وحتى لما تتجوزي وتروحي بيت جوزك، برضه هفضل جنبك، وقت ما تحتاجييني هتلاقيني.
لمعت الدموع في عينيها تأثرًا بكلماته، فصاح بمرح:
- أوف، ده إنتوا الستات حاجة بشعة. تزعلوا تعيطوا، تفرحوا تعيطوا. حاجة بؤس.
ضحكت "آيات" بملء فمها وهي تقول:
- عشان إحنا كائنات رقيقة حساسة.
تعلقت أنظاره بـ "إيمان" التي كانت تسير في اتجاه البناية. كانت تبعد عنها بضع خطوات فقط. عندما اقترب منها "كريم" وأطلق زمور سيارته فانتبهت. أوقف سيارته أمام البناية فقالت "آيات" بخبث:
- افتحلي الشنطة، هاخد حاجتي وأطلع.
قال "كريم" وهو يحمل الحقائب:
- سيبيها وأنا هطلعهالك.
ألقت نظرة على "إيمان" التي اقتربت وقالت وهي تأخذهم من يده:
- لأ، هاتهم مش تقال.
توجهت "آيات" إلى داخل البناية، بينما ابتسم "كريم" وهو يقول لـ "إيمان":
- ازيك يا "إيمان"؟
ابتسمت بخجل قائلة:
- الحمد لله.
نظر إلى ملابسها وقال:
- غيرتي هدومك ولا لسه؟
- لأ، لسه. طالعة دلوقتي. مش هتأخر عشر دقايق بس وأنزل.
ابتسم قائلاً:
- براحتك.
كادت أن تنصرف، لكنه أوقفها قائلاً:
- استني.
فتح باب السيارة الخلفي وأخرج منه باقة كبيرة تحوي ورودًا حمراء زاهية معدة بطريقة رائعة. قدمها إليها وعلى شفتيه ابتسامة واسعة وهو يقول:
- اتفضلي.
اتسعت ابتسامة "إيمان" ونظرت إلى الورد بسعادة وهي تحمله بين يديها كالطفل الصغير. ثم نظرت إليه قائلة:
- متشكّرة أوي.
تمتم مبتسمًا:
- العفو. يلا، مستنيكي.
أومأت برأسها ودخلت البناية وهي تكاد تقفز في الهواء فرحًا.
دخلت "آيات" البيت ليتنامى إلى مسامعها صوت شهقات بكاء قادمة من غرفتها. تركت ما بيدها أمام الباب وأغلقتـه وتوجهت مسرعة لتجد "أسماء" جالسة على فراشها تدفن وجهها بين يديها وتبكي بحرقة. اقتربت منها "آيات" وقالت بـ"ـلـ"ـوعة":
- "أسماء"، مالك؟ إيه؟
قالت "أسماء" وهي تحاول أن توقف بكاءها دون جدوى:
- مفيش حاجة.
جلست "آيات" بجوارها وهي تقول بحدة:
- إزاي يعني مفيش حاجة؟
قالت "أسماء" بنفاذ صبر وهي تكفّكف دمعها:
- قُلتلك مفيش حاجة يا "آيات". شوية وهبقى كويسة.
هتفت "آيات" بحدة وقد غاظها كتمان "أسماء" لمشاعرها وأحزانها دائمًا:
- إنتي على طول كده. عمرك ما جيتي قولتيلي: يا "آيات"، أنا مضايقة من كذا. على طول بتشيلي في قلبك وتسكتي. بجد يا "أسماء"، أنا مكنتش مصدقة إن أنا ولا حاجة بالنسبة لك.
نظرت إليها "أسماء" قائلة:
- إزاي يعني ولا حاجة؟ أنا مليش غيرك أصلاً وإنتي عارفة كده.
- لو كان فعلاً مليكيش غيري كنتي حكيتيلي على اللي جواكي مش قفلتي على نفسك كده.
تنهدت "أسماء" بحزن وقالت:
- لما بتكون المشكلة ملهاش حل، مبـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ" "ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ"ـ" " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " " "
رواية جواد بلا فارس الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم بنوته اسمرة
رواية جواد بلا فارس الفصل الثلاثون 30 - بقلم بنوته اسمرة
ابتسم "آدم" وهو يمد يده إلى والدته يبغى الهاتف. أعطته إياه فوضعه على أذنه قائلاً برقة:
- أنا كويس يا حبيبتي، متقلقيش عليا.
تجمدت "آيات" في مكانها ووضعت يدها على فمها واتسعت عيناها فزعاً. قال "آدم" بحنان:
- متتصوريش فرحان باتصالك قد إيه، لأنه خلاني أتأكد إن أنا مهم بالنسبة لك. كنت هتجنن امبارح من خوفي عليكي، بس "كريم" طمني إنك كويسة. لو كان جرالك حاجة كنت روحت فيها.
أغلقت "آيات" هاتفها فوراً وهي تحاول السيطرة على دقات قلبها التي أخذت تتسارع بشدة. لكن هيهات، القلب الذي تسارعت دقاته يأبى أن يعود إلى سباته.
مسحت وجهها بكفيها وهي تحاول ألا تفكر في كلماته التي أسمعها إياها منذ قليل. قامت وغسلت وجهها، نظرت إلى نفسها في مرآة الحمام بعينيها الحائرتين وملامحها المضطربة. بلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بقلبها وهو يعصيها ويرفض أن يستكين كما كان. جففت وجهها بعصبية وخرجت ترتدي ملابسها وتتوجه إلى عملها، على أن انشغالها به ينسيها تلك الأفكار وتلك المشاعر التي تحاول مقاومتها وبشدة.
توجه "علي" إلى مكتب "كريم"، فوجده يتحدث إلى الهاتف. أشار له "كريم" بالجلوس وانتظاره حتى ينهي مكالمته الهاتفية. بدا على "علي" الضيق والتوتر. أنهى "كريم" مكالمته ونظر إليه وهو يقول:
- خلاص كاميرات المراقبة هتتركب في القرية النهارده، والحراسة اللي على البوابة زودناها.
أومأ "علي" برأسه، لكن عقله كان في مكان آخر.
ضاقت عينا "كريم" وهو يقول:
- مالك يا "علي"، في حاجة؟
تنهد "علي" قائلاً في وجوم:
- بص يا "كريم"، أنا بعتبرك صاحبي وأخويا، عشان كده جيت أتكلم معاك. أنا حاسس إني مخنوق أوي.
نهض "كريم" والتف حول المكتب، جلس على المقعد المواجه لـ "علي" وسأله باهتمام:
- خير يا "علي"، قول أنا سامع.
تنهد "علي" بأسى وقال:
- "أسماء" صاحبة أختي وأختك.
قال "كريم" باستغراب:
- مالها؟ حصل منها حاجة؟
قال "علي" بضيق:
- اللي حصل إني وأنا وهي اتكلمنا كذا مرة مع بعض عن لبسها وعن شروط الحجاب، وكانت بتسألني في حاجات وأنا أرد عليها زي التعدد والمصافحة.
ظل "كريم" صامتاً. فأكمل "علي" وهو مطرق برأسه:
- اللي عرفته من "إيمان" إنك حسيت بحاجة ناحيتي. وقالتها صراحة يعني مفيش مجال لسوء الفهم. من ساعة عرفت وأنا حاسس إني مخنوق ومضايق جداً. خاصة إن "إيمان" قالتلي إن ظروفها صعبة ومشاكلها كتير. فما كنتش أحب أزود مشاكلها دي وأخليها تـ ....
توقف ولم يستطع أن يكمل. ظل مطرقاً برأسه. إلى أن قال "كريم" وهو يسند مرفقه فوق المكتب:
- غلطان يا "علي".
رفع "علي" رأسه ينظر إلى "كريم" الذي قال بحزم:
- غلطان إنك تتكلم معاها في حاجة شخصية زي لبسها، ولو حتى من باب إنك تنصحها. مينفعش يا "علي"، وأظن إنك عارف الكلام ده كويس. لأن انت شاب ومعرض للفتنة، زي ما هي بنوتة صغيرة ومعرضة للفتنة. وده اللي حصل فعلاً، البنت اتعلقت بيك وحبتك. وأنا واثق إنك أكيد أنت كمان مشاعرك اتحركت ناحيتها.
أطرق "علي" برأسه مرة أخرى وقد احتقنت الدماء في وجهه. أكمل "كريم":
- لو كنت عايز تنصحها فكان ممكن تقول لأختك "إيمان" تتكلم معاها، أو تقول لي وأنا أقول لـ "آيات". لكن كلامك معاها كده ده باب فتنة كبير يا "علي".
عقد "علي" جبينه بضيق وهو يقول:
- طيب أعمل إيه دلوقتي؟
تنهد "كريم" وانحنى إلى الأمام يسند مرفقيه إلى قدميه وهو يقول:
- حاول متحكش بيها خالص، لا في شغل ولا في غير شغل. وأنا هحاول أشوف طريقة بحيث إن تعاملها يكون مع "آيات" مباشرة من غير ما تضطر تتعامل معاك.
ثم تنهد قائلاً وهو ينظر إلى "علي" بعتاب:
- طيب هي معذورة لجهلها. لكن أنت مش معذور يا "علي".
تمتم "علي" بضيق:
- استغفر الله العظيم. أنا فعلاً كنت حاسس إن مكنش المفروض أتكلم معاها كده وإنها ممكن مشاعرها تتحرك ناحيتي، بس معرفش إيه اللي خلاني أستمر وأتكلم معاها عن لبسها.
تنهد قائلاً:
- أنت صح. لو كنت عايز أنصحها فعلاً كنت خليت "إيمان" هي اللي تتكلم معاها مش أنا.
قال "كريم" وهو يرجع ظهره للخلف:
- خلاص حصل خير، وكويس إن الموضوع في أوله. ملحوقة يعني. وأنت راجل محترم يا "علي". بس طبيعي إنك تضعف، بس أهم حاجة زي ما علمت كده تلوم نفسك على الغلط وتصححها.
أومأ "علي" برأسه وهو يقول:
- متشكر يا "كريم". مكنش في غيرك أقدر أتكلم معاه ويفهمني.
ابتسم "كريم" قائلاً:
- أنا تحت أمرك في أي وقت يا "علي". أنت مش أخو "إيمان" مراتي بس، لأ، أنت أخويا أنا كمان.
ابتسم "علي" وهو يستأذن للانصراف إلى عمله.
---
وقفت "أسماء" في الشرفة بعدما اعتذرت هذا اليوم أيضاً عن الذهاب إلى عملها. كانت تشعر بأنها تحتاج إلى ترتيب حياتها وأفكارها ومشاعرها. تريد حسم صراعات كثيرة بداخلها. وأهم هذه الصراعات وأكبرها هو أهلها، الذين افتقدتهم بشدة. التقطت هاتفها الموضوع فوق الطاولة بالشرفة، وتأملت الشمس التي وصلت إلى كبد السماء تشع نورها في بهاء. اتصلت بأنامل مترددة برقم والدها. اندفعت العبرات من عينيها بمجرد سماع صوته الذي تسلل إلى أذنيها ليزيد من حنينها وشوقها إليه. حاولت التحدث لكنها لم تستطع. اضطر "مدحت" أن يغلق الخط بعدما لم يجد من يجيب.
نظرت "مديحة" إلى "مدحت" بشك وهي تقول:
- مين؟
قال وهو يجلس على أحد المقاعد في غرفة المعيشة:
- معرفش، محدش رد.
قامت وأخذت الهاتف من يده وعاودت الاتصال بالرقم. فصاح فيها:
- انتي اتجننتي يا "مديحة"؟
قالت بحدة وهي تنظر إليه باحتقار:
- أنا واثقة إنها واحدة تيييييييييييييت من اللي تعرفهم.
وقف وهو يصيح:
- قلتلك مليون ألف مرة أنا خلاص قطعت علاقتي بكل اللي أعرفهم. اعقلي بقى ومتطلعيش روحي.
اتسعت عيناه في دهشة وهو يرى "مديحة" التي تجمدت في مكانها. ثم ما لبثت أن صاحت بلهفة:
- بنتي!
قالت "أسماء" بصوت باكي:
- وحشتيني يا ماما.
جلست "مديحة" على المقعد خلفها منهارة وهي تقول:
- "أسماء"، وحشتيني يا حبيبتي، وحشتيني قوي. "أسماء"، انتي كويسة؟
قالت "أسماء" وهي تحاول أن تتمالك نفسها:
- أيوة الحمد لله. انتي كويسة؟ وبابا كويس؟
بكت "مديحة" بشدة وهي تقول:
- اسمحيني يا بنتي، اسمحيني. حقك عليا. أنا عارفة إني أم فاشلة، ومستحقش أكون أم أصلاً.
أجهشت "أسماء" في البكاء هي الأخرى. أخذ "مدحت" الهاتف من يد "مديحة" بلهفة وهو يقول بصوت مرتجف وعينين دامعتين:
- "أسماء" حبيبتي، انتي كويسة يا حبيبتي؟
قالت "أسماء" من بين شهقاتها وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
- أيوة يا بابا كويسة. بس انتوا وحشتوني قوي.
قال لها بلهفة:
- أنتِ اللي وحشتيني قوي يا "أسماء". أنتِ فين يا حبيبتي؟ قولي لنا مكانك وهنجيلك دلوقتي.
قالت "أسماء" بلهفة:
- هو انت وماما رجعتوا تاني لبعض يا بابا؟
ألقى نظرة على "مديحة" التي وقفت أمامه ووجهها مبلل بالعبرات. ثم قال:
- قولي لي انتي فين يا "أسماء".
تنهدت بعمق ثم قالت:
- أنا في العين السخنة.
قال باستغراب:
- في العين السخنة؟ بتعملي إيه هناك؟
أخذت منه "مديحة" الهاتف وهتفت:
- حبيبتي، قولي لي مكانك بالضبط وهنجيلك دلوقتي حالاً يا حبيبتي.
أعطتهم "أسماء" العنوان، فأسرعت "مديحة" بتبديل ملابسها، وانطلقت مع "مدحت" في طريقهما إلى قرية الماسة.
---
في اليوم التالي زار "آدم" في المستشفى كل من "كريم" و "زياد" و "علي". كان سعيداً لرؤيتهم حوله. ابتسمت والدته وهي تعدل من وضع الوسادة خلف ظهره، وقالت للشباب:
- منورين والله. أهو كده لازم تكونوا إخوات وتخافوا على بعض وتبقوا إيد واحدة. الديب مبيقدرش إلا على الغنمة اللي ماشية لوحدها، لكن لو سط القطيع يخاف يقرب لها.
ابتسم "زياد" قائلاً بمرح:
- أه فعلاً، هو "آدم" يدي على غنمة.
ضحك "آدم" قائلاً:
- ماشي يا أبو ذراع مكسور. بأه مش مكسوف من نفسك بعد اللي حصل لك ده؟ شكلك بقى بايخ جداً بصراحة.
قال "زياد" بمرح:
- متفكرنيش، ده أنا كل ما أفتكر أتغاظ. أموت وأعرف إزاي هي نطت سليمة وأنا اللي حصلي كده.
التفت إليه "كريم" قائلاً بمزاح:
- أكيد الموضوع متعلق بالنية يا "زياد".
صاح قائلاً:
- والله نيتي بيضة وزي الفل.
ثم التفت إليه والدة "آدم" قائلاً:
- ولا إيه رأيك يا خالتي؟
قالت بحماس:
- "زياد"، ده "زياد" ده زينة الرجالة. ده ربنا يباركله ابن حلال مصفى. ربنا يرزقه ببنت الحلال اللي تشيله جوه حبايب عينيها.
قال "زياد":
- والله أنتِ زي السكر يا خالتي، والوحيدة اللي انصافتني في الدنيا دي. ربنا ميحرمني منك.
ثم قال بخبث:
- وبخصوص بنت الحلال، فشكلك يا خالتي هتلبسي الحتة اللي على الحبل قريباً.
اتسعت ابتسامته وهي تهتف:
- بجد يا "زياد"؟
أطلقت زغروطة. فصاح "آدم":
- ماما، إحنا في المستشفى.
لم تلتفت إليه بل سألت "زياد" بحماس وابتسامة واسعة على شفتيها:
- مين يا "زياد"؟ واحدة من هنا ولا من جيراننا في القاهرة؟
قال مبتسماً:
- لا، من هنا.
نظر إليه "آدم" قائلاً:
- ده أنت طلعت ندل آخر حاجة. وأنا آخر من يعلم يعني. ما قلتليش حاجة عن الموضوع ده.
قال مبتسماً:
- أديني قلت أهو.
التفت إليه "كريم" قائلاً:
- مين بقى تعيسة الحظ، قصدى سعيدة الحظ؟
قال بثقة:
- الدكتورة "سمر".
التفت إليه "علي" باهتمام دون أن ينطق ببنت شفة. فقالت أم "آدم" باستغراب:
- مين دكتورة "سمر" دي؟ أنا شفتها قبل كده؟
قال "آدم" ضاحكاً:
- دي الدكتورة اللي كانت جوه عيادة الأطفال، و "زياد" أنقذها. مش لاقي غير دي يا "زياد"؟ دي هتفضل تذل فيك طول عمرك على اللي حصل ده.
شرد "علي" وهو يشعر بداخله بمشاعر شتى، تتقاذفه يميناً ويساراً، شرقاً وغرباً. لكنه استغرب من شيء واحد، وهو أن كل هذه المشاعر لم يكن من بينها الغضب.
---
قام "عاصي" من فوره يستقبل "سراج" الذي دخل مكتبه قائلاً:
- أهلاً يا بابا، اتفضل.
جلس "سراج" مكان "عاصي" أمام المكتب. أغلق "عاصي" الباب وجلس أمام والده الذي قال بحدة:
- وبعدين يا "عاصي"؟ هتبطل تتصرف من دماغك إمتى؟
قال "عاصي" بتبرم:
- يا بابا، أنا متصرفتش كده إلا لما جبت آخري مع الناس دي. يعني عجبك معدلات الشغل اللي بتقل يوم عن يوم؟ محدش له سيرة إلا عن قريتهم. حتى الصحفيين اللي بندفع لهم كل شهر قد كده ونازلين تشويه في سمعة القرية وبرضه لسه معدل شغلهم عالي زي ما هو.
صاح "سراج" بغضب وهو يضرب بكفيه فوق المكتب:
- تقوم تبعت رجال تخطف "آيات" يا "عاصي"؟ هتستفاد إيه يا غبي من كده؟
قال "عاصي" بحق:
- هستفاد إني هضغط بيها على اللي اسمه "كريم" ده.
نظر إليه "سراج" باحتقار وهو يقول:
- غبي وهتفضل طول عمرك غبي. أهم مسكوا واحد من الرجلين اللي بعتهم. هتعمل إيه دلوقتي يا فالح؟
نظر إليه "عاصي" بدهشة وقال:
- أنت عرفت منين يا بابا؟
قال "سراج" بتهكم:
- أنت فاكر إن أنت بس اللي ليك عيون في كل مكان؟ أنت نسيت إن أنا "سراج اليماني" ولا إيه؟
قال "عاصي" بضجر:
- متقلقش، الواد ميعرفش مين اللي مأجره ودافع له الفلوس، يعني أصلاً ميعرفش حاجة عشان يقولها. خليهم يشبعوا بيه.
هضم "سراج" قبضتيه معاً ووضعهما فوق المكتب قائلاً:
- وبعدين هنتصرف إزاي؟
قال "عاصي" في شرود:
- متقلقش، بفكر في حاجة كده هتجيب من الآخر.
سأله "سراج" بحذر:
- حاجة إيه؟
نظر إليه "عاصي" وهو يرفع أحد حاجبيه ويقول بلؤم:
- هدية صغيرة تتحط في مكتب "كريم".
نظر إليه "سراج" وقد فهم ما يعنيه "عاصي". لاحت ابتسامة على شفتيه وهو يقول:
- أهو هو ده الشغل اللي من الآخر. مش تقول لي خطف "آيات".
ابتسم "عاصي" قائلاً:
- خلاص متقلقش، يومين بالكتير الهدية توصل.
قام ليغادر المكتب، فأوقفه "سراج" قائلاً:
- إيه أخبار السكر؟
التفت إليه "عاصي" وقال بخبث:
- متقلقش، وصل المخازن.
نظر إليه "سراج" وقال بلهجة ذات معنى:
- متسيبوش كتير في المخازن عشان النمل ميحومش حواليه.
ابتسم "عاصي" وهو يفتح الباب قائلاً:
- متقلقش.
---
وقف "آدم" يصلي ويستخير الله عز وجل في إقدامه على خطوة أجلها كثيراً. دعا الله كثيراً في سجوده أن ييسر له الخير، وأن يجمع بينه وبين من يهواها قلبه. أطال سجوده، وأطال دعاءه وتوسله لله وهو يقول:
- يارب، أنا ما بتمنى غيرها. يارب خليها تسامحني. يارب اجعلها من نصيبي. أنا ما بتمنى زوجة غيرها. يارب مش هقدر أتحمل جوازها من راجل غيري. يارب اجعلها من نصيبي. يارب عيني مش شايفة غيرها وقلبي مش حاسس بغيرها. نفسي تكون ليا وأكون ليها، ونعين بعض وناخد بإيد بعض. يارب أنا محتاجها في حياتي عشان تثبتني على اللي أنا فيه. محتاجها يارب عشان تعيني على طاعتك. يارب نفسي تكون مراتي في الحلال. نفسي أنسى معاها كل حاجة غلط كنت بعملها. يارب اقبل دعائي. يارب.
أنهى "آدم" صلاته وخرج ليجد والدته في غرفتها. اقترب منها وجلس بجوارها، فقامت واعتدلت في فراشها وهي تضع يدها على رأسه التي لفها الشاش وهي تقول:
- مالك يا ابني؟ تعبان؟
هز رأسه نفياً وهو يقول:
- لا أبداً يا ماما، الحمد لله أحسن كتير.
نظرت إليه بأعين متفحصة وهي تشعر ببال ابنها المشغول:
- أمال مالك يا ابني؟ في حاجة مضايقاك؟
التفت إليها قائلاً:
- ماما، أنا عايز أخطب "آيات".
ابتسمت والدته وهي تقول بسعادة:
- يا حبيبي، يا ريت والله، ده يوم المنى.
قال "آدم" بحماس:
- طيب أنا فكرت آخد الخطوة دي فعلاً وأتكلم مع أخوها. على الأقل أثبت لهم إني جد فعلاً. إيه رأيك؟
أومأت برأسها وقالت بحماس:
- أيوة كده. أبوك الله يرحمه كان يقولي الواحد يعيش يوم واحد زي الأسد أحسن من إنه يعيش 100 يوم زي النعامة.
ابتسم "آدم" وهو يقول:
- يعني رأيك أتقدم وأتكلم مع أخوها؟
قالت بنفس الحماس وهي تربت على ظهره:
- أيوة يا حبيبي اتقدم، عشان يعرف إنك شاريها بجد. وإن شاء الله ربنا يحنن قلبها وتوافق.
أومأ "آدم" برأسه. بثّت كلمات والدته الحماس بداخله، حتى إنه لم يستطع الانتظار أكثر. بدل ملابسه وتوجه إلى الخارج، تشيعه دعوة أمه وابتسامتها الحانية المشجعة. رفعت كفها إلى السماء تسأل الله أن يسعد قلب ابنها، وأن يرزقه بمن هواها قلبه.
شعر "كريم" بالدهشة لاتصال "آدم" الذي طلب فيه زيارته لبعض الوقت. عدل "كريم" من وضع المنزل واستعد لاستقباله. دخل "آدم" وهو يحاول إخفاء التوتر الذي يشعر به بداخله. قال "كريم" بترحاب:
- اتفضل يا دكتور، اتفضل.
جلس "آدم" على الأريكة وجلس "كريم" على المقعد المجاور له. بعد عبارات التحية والمجاملة، تنحنح "آدم" وقال:
- "كريم"، أنا جاي لك النهارده عشان أتقدم لـ "آيات".
صمت "كريم" وبدا عليه الصدمة مما سمع. فقال "آدم" بتوتر:
- أنا عرفت إن "أحمد" اتقدم لها، وأنا لحد دلوقتي معرفش هي كان ردها إيه عليه.
نظر إلى "كريم" بتوتر وقلبه يخفق بوجل. لديه ثقة كبيرة في أنها سترفض "أحمد"، لكن على الرغم من ذلك لم يستطع ألا يشعر بالتوتر والخوف من أن يكون مخطئاً في تفسير مشاعرها. قال "كريم":
- ولا أنا أعرف إيه ردها، لسه مقالتليش ردها.
أومأ "آدم" برأسه. ران الصمت بينهما. ثم قال:
- طيب ياريت تعرض عليها طلبي، وهي تختار.
نظر "كريم" إلى "آدم" متفحصاً، ثم أسند ظهره إلى المقعد قائلاً:
- بصراحة يا دكتور، ماكدبش عليك، أنا مقلق شوية من الموضوع ده.
تنهد "آدم" قائلاً:
- أنا اتغيرت يا "كريم". عارف إنك أكيد سمعت من "آيات" كل اللي عرفته عني، وعارف إن نظرتك ليا عاملة إزاي دلوقتي. بس أنا اتغيرت. وأنت أكتر واحد المفروض إنه يقدر يعني إيه إنسان تاب، وبعد عن كل حاجة غلط في حياته.
باغته "كريم" قائلاً:
- عشان "آيات"؟
قال "آدم" على الفور:
- لا، مش عشان "آيات". عشان ربنا. أنا سبت جولدن بيتش وأنا فاكر إن "آيات" ماتت. سبتها بكل العرف اللي فيها، حتى من قبل ما أعرف إني ممكن اشتغل هنا في الماسة. أنا بعت عربيتي عشان أنفذ الشرط الأخير في التوبة، عشان أرد المظالم اللي مكنش حد منكم هيعرف عنها حاجة. بس أنا بعامل ربنا، وتوبت عشانه هو، عشان يبقى راضي عني.
نظر إليه "كريم" وقد ظهرت ابتسامة صغيرة على زاوية فمه. فأكمل "آدم" بثقة:
- أنا مش ممكن أبداً أجرح "آيات" يا "كريم". أنا بحبها، والله بحبها. وأوعدك وأوعدها إني هحافظ عليها. أنا دلوقتي عرفت قيمة "آيات"، ونفسي بجد توافق إنها تكون مراتي وإننا نبتدي حياتنا سوا.
ثم قال بأسى:
- "كريم"، اللي عايزك تفهمه وتشرحهولها هو إني ما أملكش من الدنيا دي أي حاجة. العربية بعتها زي ما قولت لك، وما أملكش غير مرتبى اللي بقبضه من القرية، واللي جزء منه بيطلع كل شهر لدين قديم في رقبتي بسبب شغلي اللي خسرته مع "عاصي" وأبوه. يعني أنا حتى مش هقدر دلوقتي أجيب لها شبكة، ولا هقدر أوعدها ببيت كبير وعفش غالي. مش في إمكانياتي دلوقتي.
صمت وأطرق برأسه بأسى، ثم نظر إليه قائلاً وهو يعقد جبينه بقوة:
- كان نفسي أقدم لها حاجة تليق بيها، وبقيمتها. بس للأسف، أنا لسه هبتدي حياتي من أول وجديد. كل اللي أقدر أقدمه دلوقتي... دبلتين.
ثم أشار إلى قلبه قائلاً:
- وده.
نظر إليه "كريم" قليلاً، ثم قال:
- وأنا لامس صدق توبتك دي يا دكتور. بس القرار في إيد "آيات".
أومأ "آدم" برأسه قائلاً:
- وأنا هنتظر ردها.
---
دلف "مدحت" بسيارته بوابة القرية. أخذت "مديحة" تتطلع إلى ما حولها تبحث عيناها بلهفة عن ابنتها "أسماء". اتصل "مدحت" بها ليعلمها بوصولهما، فوصفت له الطريق إلى البناية التي تقيم بها. نظرت من الشرفة واتسعت ابتسامتها وهي ترى سيارة والدها مقبلة في اتجاه البناية. دخلت مسرعة وأخذت طرحة لفتها على شعرها كيفما اتفق، ونزلت مسرعة وقلبها يخفق بقوة، لا تتحمل تلك الثواني التي تفصلها عن أحضانهما. أوقف "مدحت" سيارته بمجرد أن لمحها تخرج من البوابة. خرجت "مديحة" مسرعة من السيارة وأقبلت عليها تأخذها في أحضانها لتروي اشتياقها وحنينها إليها. بكت "أسماء" في أحضان والدتها، ذاك الحضن الذي افتقدته طويلاً جداً، حتى عندما كانت تعيش معها في نفس المنزل. لا تتذكر متى آخر مرة شعرت بذراعي أمها تلتفان حولها هكذا. لا تتذكر متى آخر مرة أسندت وجنتها إلى هذا الصدر الحاني. لم تكن "أسماء" بعناقها تروي اشتياق الفترة الماضية فحسب، بل كانت تروي اشتياق سنوات من الجفاف العاطفي. أبعدتها أمها لتنظر إليها بعينيها الدامعتين وهي تقول:
- "أسماء"، وحشتيني قوي يا بنتي.
قالت "أسماء" بصوتها المرتجف:
- وانتِ كمان يا ماما وحشتيني قوي.
التفتت إلى "مدحت" الذي جذبها إلى أحضانه باكياً كما لم تراه من قبل. أحاطته بذراعيها وهي تشعر بارتعاش جسده لقوة بكائه. كانت الدموع تتساقط من عينيها، لكن البسمة مرتسمة على ثغرها بثبات. في تلك اللحظة شعرت بأن لها قيمة، بأن وجودها له معنى، بأن لها من يفتقدها ويشعر باشتياق إلى وجودها في حياته. لم تكن سعادتها بالغة لرؤيتهما فحسب، بل لشعورها بأنها شخص مهم في حياتهما.
أدخلتهما "أسماء" المنزل بترحاب شديد. جلسا معاً على الأريكة، كل منهما في جهة، يسمعان منها ما حدث لها منذ أن تركت البيت. ظهرت تعبيرات الأسى والحزن على وجهيهما، وكل منهما يستشعر كم كان مقصراً في حق تلك الفتاة التي رزقهم الله إياها.
---
شعرت "آيات" بيداً تحيط بكتفيها فانتفضت والتفتت لتجد "كريم" مبتسماً. وضعت يدها على صدرها قائلة:
- خضتني.
ضحك ضحكة خافتة وقال:
- هيكون مين يعني اللي يجرؤ إنه يحط إيده على كتفك كده؟
ابتسمت قائلة:
- معرفش، اتخضيت وخلاص.
نظر إلى الكراتين التي كانت تتفحص محتوياتها وهو يقول:
- طالعة بكرة مع الفوج السياحي؟
قالت "آيات" بحماس:
- أيوة إن شاء الله.
أومأ برأسه قائلاً:
- ممكن تسيبي شغلك شوية؟
- أها.
سارت معه في اتجاه الشاطئ وهو ما زال لافاً كتفها بذراعه. نظرت إليه "آيات" قائلة:
- عارفة إنك عايز تتكلم في إيه.
نظرت إليها مبتسماً وقال دون أن يتوقفا عن السير:
- طيب، عايزك في إيه؟
نظرت أمامها وقالت:
- هتسألني عن رأيي في طلب "أحمد".
- ممممم، إيه رأيك في طلب "أحمد"؟
توقفت "آيات" عن السير ونظرت إليه قائلة:
- مش موافقة يا "كريم".
نظر إليها قائلاً دون أن يبدو مندهشاً لردها:
- توقعت كده. بس أحب أسمع منك أسباب رفضك.
نظرت حولها بضيق ثم قالت:
- "أحمد" من أيام ما كنا في الجامعة وأنا عارفة إنه بيحبني. ووقتها كان الحب بالنسبة لي مهم. مستحيل كنت ارتبط بإنسان مش بحبه، وأنا مكنتش بحب "أحمد". عشان كده لما قال لي زمان إنه عايز يتجوزني رفضت.
ثم نظرت إليه قائلة بحزم:
- بس دلوقتي فيه حاجات تانية أهم من الحب. مش هتنازل عنها في الإنسان اللي هتجوزه.
- إيه هي الحاجات دي؟
قالت بحماس:
- أهم حاجة يكون إنسان محترم ويعرف ربنا. ياخد بإيدي وآخد بإيده. نبقى إحنا الاتنين طوق نجاة لبعض. أحس إنه بيحبني وخايف عليا. مقصدش الحب الرومانسي اللي كله كلام جميل. لأ، أقصد إنه يحبني بتصرفاته قبل ما يقولها لي بلسانه. أحس إنه خايف عليا من النار، وإنه بيبعدني عن كل حاجة غلط وبيصلح من تصرفاتي. عايزاه همنا يبقى واحد. إزاي نرضي ربنا ونقرب منه. عايزاه يخاف من ربنا ويخاف يغضبه، مش واحد عايش في الدنيا كده وخلاص مش عارف هو اتولد ليه ولا عارف هو عايش ليه.
اتسعت ابتسامة "كريم" وهو ينظر إليها بإعجاب قائلاً:
- متتصوريش يا "آيات" أنا فرحان بيكي قد إيه. ربنا يهديكي كمان وكمان.
ابتسمت وهي تنظر إليه قائلة:
- يعني معايا حق أرفض "أحمد"؟
- معاكي حق ترفضي كل اللي يخالف أحلامك دي. لأن اللي بتقوليه هو مواصفات الرجل الصالح اللي أتمناه لأختي.
أطرقت "آيات" برأسها. فباغتها "كريم" بقوله:
- دكتور "آدم" طلب إيدك مني.
رفعت رأسها بحدة تنظر إليه وقد اتسعت عيناها دهشة وألجم لسانها. ازداد ارتفاع وهبوط صدرها. أكمل "كريم":
- شرح لي ظروفه. هو دلوقتي يعتبر هيبدأ حياته من السفر، وعربيته باعها عشان يسدد دين في رقبته، وبيقول إنه مش هيقدر يقدم لك دلوقتي غير دبلتين.
قالت باقتضاب:
- وإيه قولته؟
- قولتلُه هقولها وأنتظر الرد مننا.
انفعلت "آيات" قائلة:
- أنت إزاي يا "كريم" تقوله كده؟ كان المفروض تقوله لأ، مش هيحصل، مش ممكن أختي ترتبط بيك.
سألها "كريم" بهدوء:
- ليه؟
قالت بانفعال:
- ليه؟ مش عارف ليه. عشان الدكتور الغير محترم، زاني. تقبل إن أختك تتجوز واحد كده؟ أصلاً مينفعش أتجوزه لأن ربنا بيقول "الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً". وأنا مش كده، فمينفعش أنا وهو نتجوز.
قال "كريم" بهدوء:
- الآية دي متنطبقش على "آدم".
نظرت إليه بدهشة وصاحت:
- إزاي يعني متنطبقش عليه؟ ما أنت عارف اللي عمله يا "كريم" وهو أكد لي الكلام ده بنفسه.
قال "كريم" بحزم:
- "آدم" بمجرد ما تاب ورجع لربنا سقطت عنه صفة الزنا. يعني خلاص خرج من الآية اللي أصلاً تفسيرها غير ما أنتِ فاهمة، بس ده مش موضوعنا دلوقتي.
قالت "آيات" بعناد:
- بس ربنا بيقول "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً". أنت تقبل إني أتجوز واحد كده؟
رفع "كريم" حاجبيه قائلاً بتحدي:
- كملي الآيات يا "آيات". كمليها.
صمتت. فأكمل عنها قائلاً:
- " إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً". مش كده؟ مش هي دي الآية اللي بعدها؟
صمتت "آيات" وقد أطرقت برأسها في شرود. فقال "كريم":
- أنا لا بقولك وافقي عليه ولا بقولك ارفضيه. بقولك استخيري واللي أنتِ هتقرريه هيكون. أنا مستحيل أغضب عليكي واحد أنتِ مش عايزاه.
نظرت إليه "آيات" بحيرة وقالت:
- أنت رأيك فيه إيه؟ تاب بجد؟ اتغير بجد؟
قال "كريم" بثقة:
- "آيات"، أنا بقدر أفهم اللي قدامي بسهولة. لو مكنتش حسيت إنه إنسان كويس كنت رفضت فوراً من غير ما أرجع لك.
تركها "كريم" وسط حيرتها وشرودها. أكملت السير حتى وقفت أمام البحر الهادر، تنظر إلى علو أمواجه كعلو أمانيها. لا تريد أن تخطئ الاختيار هذه المرة. لا تنظر مشاعرها التي تحركت من سباتها، لكنها لن تفعل كالمرة الأولى وتنساق خلف مشاعرها دون تحكيم عقلها. تريد أن تتأكد من أنه لن يجرحها مرة أخرى. تريد أن تتأكد من أنه فارسها المفقود.
---
جلست الفتيات الأربع في غرفة "آيات" بينما نام أبوي "أسماء" في غرفة "إيمان". والغرفة الثالثة بقيت لوالدة "سمر". قالت "آيات" بسعادة:
- أنا فرحانة أوي عشان أنتِ فرحانة يا "أسماء".
قالت "أسماء" ببهجة لم تشعر بها منذ وقت طويل:
- فرحانة بس؟ ده أنا حاسة زي اللي كان ضايع منه حاجة مهمة وأخيراً لقاها. بجد مكنتش متوقعة إني هفرح كده لما أشوف بابا وماما. بس بجد فرحت أوي أوي.
ابتسمت لها "سمر" قائلة:
- ربنا ما يحرمكوا من بعض أبداً.
بادلتها "أسماء" الابتسامة وقالت:
- يا رب.
سألتها "إيمان":
- وبعدين ناوية على إيه؟ هتكملي شغل في القرية ولا هترجعي معاهم؟
قالت "أسماء" بحيرة:
- بصراحة لسه مقررتش. مش عارفة.
قالت "آيات" بحنان:
- استخيري ربنا، وإن شاء الله أي كان اختياره هيكون خير لكِ.
أومأت "أسماء" برأسها وقالت:
- ماشي، هستخير. بس ابقي اكتبي لي دعاء الاستخارة في ورقة عشان مش حافظاه.
قالت لها "سمر":
- يا بنتي، سهل جداً. "اللّهم إني أستخيرُك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تَقْدِرُ ولا أَقَدِْر وتعلَمْ ولا أَعْلَمْ وأنت علاَّمُ الغيوب. اللّهم إن كنت تعلمُ (وتقولي الحاجة اللي بتستخيري ربنا عشانها) خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقْدُرْه لي ويسِّرْه لي. وإن كان هذا الأمرُ شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفّهُ عني واصرفني عنه واقْدِرْ لي الخير حيث كان، ثم رَضّتَيِ به".
سألتها "أسماء":
- وأصليها إزاي؟
قالت "سمر":
- عادي زي الصلاة العادية، ركعتين وبتقولي الدعاء ده بعد التشهد الأخير وقبل ما تسلمي، أو ممكن تقوليه بعد ما تسلمي من الصلاة.
أومأت "أسماء" برأسها. قالت "إيمان" لـ "آيات":
- طالعة بكرة مع الفوج السياحي؟
أومأت "آيات" برأسها وقالت:
- أها.
سألتها "سمر":
- طالعين فين؟
قالت "آيات":
- جبل عتاقة. الفوج اللي طالع رجاله وستات، فقولنا يكون فيه 2 دليل، راجل عشان يتعامل مع الرجالة، وبنت عشان الستات يتعاملوا معاها براحتهم.
ثم قامت قائلة:
- فكرتوني، هقوم أجهز شوية حاجات كده عشان آخدها معايا بكرة إن شاء الله.
---
في الغرفة المجاورة كانت تلك هي المرة الأولى منذ فترة طويلة يضطر فيها "مدحت" و "مديحة" إلى المبيت معاً في غرفة واحدة. شعرت "مديحة" بالحرج كما لو كانت مع رجل غريب. جلس "مدحت" فوق فراشه مستنداً ظهره إلى إحدى الوسائد شاردًا. خرجت "مديحة" إلى الشرفة تستنشق هواء الليل العليل. بعد دقائق تبعها "مدحت" ووقف بجوارها يتأمل الطبيعة الساحرة تحت ضوء القمر الذي صار بدراً يزين السماء ببهائه وروعة. قالت مديحة قاطعة هذا الصمت:
- الحمد لله إننا لقيناها. لما شفتها مكنتش مصدقة نفسي.
أطرق "مدحت" برأسه ينظر إلى الأشجار التي تحرق أوراقها بنعومة مع نسمات الليل:
- الحمد لله. أنا كمان مصدقتش نفسي لما سمعت صوتها في التليفون. ومصدقتش إنها سليمة وعايشة. الحمد لله إن ربنا حفظها طول الفترة دي. كان ممكن نلاقيها بس نلاقيها في حال تاني وفي وضع تاني. الحمد لله.
دمعت عينا "مديحة" وهي تقول:
- قصرت كتير قوي في حقها. حاسة بإحساس فظيع. حاسة بجد بإحساس بشع.
نظر إليها "مدحت" قائلاً:
- أنا كمان قصرت معاها كتير. محسيتش إن عندي بنت إلا لما راحت مني.
ثم قال:
- وقصرت معاكي أنتِ كمان.
التفتت تنظر إليه. كانت تلك هي المرة الأولى التي تجده معترفاً بتقصيره تجاهها. فأكمل وهو ما زال يتطلع إليها:
- عارف إني غلطت كتير، وإن أي مشكلة بتحصل كنت بكبر دماغي وأشوف مزاجي بره. مفيش مرة قعدت معاكي وحاولت أحل المشكلة بهدوء.
قالت وهي على وشك البكاء:
- أنا كمان غلطت.
صمتت والدموع تتساقط من عينيها. فقال بحنان لم تألفه:
- غلطتي في إيه؟
هزت كتفيها وتطلعت أمامها قائلة:
- في حاجات كتير.
ابتسم "مدحت" وقال:
- تعرفي إن دي المرة الأولى اللي تعترفي فيها إنك غلطتي في حقي.
التفتت إليه بحدة وقالت:
- ودي برضه المرة الأولى اللي تعترف فيها إنك غلطت في حقي.
اختفت ابتسامته وقال بجدية:
- بصي يا "مديحة"، أكتر حاجة بيكرهها الراجل هو إنه يلاقي مراته واقفاله الكلمة بالكلمة. دي حاجة بتستفز أي راجل. أي نعم أنا عصبي ولما بزعل ببقى غبي، بس أنتِ كمان بتنرفزيني يا "مديحة" وبتخرجيني عن شعوري. في مواقف كتير ممكن تحتويها بهدوء، من غير ما تعاندي معايا ومن غير ما تتحديني.
قالت بعصبية:
- بس أنت لما بتتعب يا "مدحت" مش بس بتكون غبي، أنت بتكون عنيف جداً. مفيش ست تقبل على نفسها وكرامتها إنها تتضرب كل شوية والتاني وعلى حاجات تافهة.
قال "مدحت" بحدة:
- ما هو أنتِ بعنادك اللي بتنرفزيني لدرجة إنك بتخليني أمد إيدي عليكي.
صاحت بغضب:
- برضه أنا اللي غلطانة؟ حاجة حلوة أوي والله، أنت اللي بتضرب وأنا اللي غلطانة.
تنهد "مدحت" بقوة وقال:
- أظاهر إننا مش هنعرف أبداً نبقى زي أي اتنين متجوزين بيتكلموا مع بعض بإسلوب محترم.
قال ذلك ودخل إلى الغرفة وترك "مديحة" وعيناها غارقة في بحر دموعها.
---
في صباح اليوم التالي توجهت "آيات" إلى الحافلة المنطلق بالفوج السياحي إلى جبل عتاقة. شعرت بالصدمة عندما صعدت الحافلة لتجد "آدم" جالساً على أحد المقاعد في منتصف الحافلة. نظرت إليه بدهشة شديدة. فابتسم لها بعذوبة. أشاحت بوجهها وتحدثت مع زميلها في الرحلة وتم التأكد من صعود جميع الركاب. جلست في مكانها في المقعد الأول وهي لازالت تشعر بالدهشة لوجود "آدم" على متن الحافلة. انطلق السائق بهم في طريقهم إلى جبل عتاقة حيث تقع إحدى العيون الكبريتيه الطبيعية والتي تصل فيها درجة حرارة الماء إلى 35 درجة والتي تقوم بعلاج العديد من الأمراض الجلدية والجهاز العضلي الهيكلي والأمراض الروماتيزمية. توقفت الحافلة في المكان المنشود. قادت "آيات" النساء، وقاد زميلها الرجال. شعرت بنظرات "آدم" المصوبة تجاهها لكنها تجاهلته تماماً. كانت الجولة رائعة استمتع به السائحين. انتوا من أخذ الحمامات الكبريتيه فأمرتهم "آيات" بأخذ حماماً ساخناً حتى تتفتح المسام وتتبدد رائحة الكبريت. ثم توجه الفوج إلى الحافلة للعودة إلى القرية وأخذ قسطاً من الراحة. فبعد حمام الكبريت يكون الجسم متثاقلاً ويلزم فترة من الراحة بعدها للإجهاد الذي يصيب القلب والدورة الدموية بحمامات الكبريت.
انطلقت الحافلة بهم عائدة إلى القرية مرة أخرى. وفي منتصف الطريق، انفجرت أحد إطارات الحافلة، فتوقف السائق لتبديل الإطار التالف. نزلت "آيات" تنظر إلى الجبل حولها، وإلى المنطقة الصحراوية والرمال تحت أقدامها. نظرت إلى السماء بلونها الرمادي وإلى الشمس التي غربت في الأفق والتي تعد بالعودة مرة أخرى مع فجر يوم جديد. سارت قليلاً تتأمل صفحة السماء الصافية وهي تشعر بحيرة كبيرة بداخلها. حيرة ما بين مشاعرها وبين تجربتها المريرة التي آلمتها أشد إيلام. فجأة، تجمدت الدماء في عروقها عندما سمعت من خلفها انطلاق الحافلة مكملة طريقها في اتجاه القرية. التفت جرت "آيات" مسرعة وهي تصرخ بأعلى صوتها:
- استني.. استني.
لكن صوتها كان أضعف من أن يصل إلى السائق أو لأحد الركاب. نظرت بفزع إلى الحافلة التي ابتعدت تماماً. توقفت عن الجري وهي تلهث. نظرت حولها إلى الليل الذي بدأ في الهطول. أخذت تلهث بشدة، وهي تحاول تهدئة خفقات قلبها المضطرب.
أطل "آدم" برأسه من الممر الفاصل بين جانبي الحافلة. لم يتمكن من رؤيتها فوق مقعدها. ظنها نائمة ولربما تستند برأسها بزاوية مائلة لذلك لم يتمكن من رؤية رأسها أعلى المقعد. عاد يسند ظهره إلى مقعده. كان يعلم بأن الفوج سيقيم إلى رجال ونساء وأنه لن يتمكن من رؤيتها طويلاً. لكنها أراد أن يكون معها. فما كان يطيق البقاء في القرية وهي ليست موجودة بها. أخذ يحاول رؤيتها مرة أخرى دون جدوى. تسرب إليه الشعور بالقلق. على الرغم من أن الوضع يبدو طبيعياً. قام من مقعده ليُصعق عندما وجد مقعدها فارغاً. قال للمشرف الجالس في الجهة الأخرى:
- فين الآنسة "آيات"؟
التفت زميلها الذي كان يسند رأسه إلى زجاج الحافلة. ونظر إلى مقعدها الفارغ ثم قال بدهشة:
- معرفش.
هتف "آدم" بالسائق:
- اوقف لو سمحت.
التفت السائق ينظر إلى "آدم" بدهشة. فرخ به:
- بقولك اقف.
نزل "آدم" من الحافلة وهو ينظر حوله. قال المشرف على الرحلة بقلق:
- أكيد نزلت لما كنا بنغير العجلة ومخدناش بالنا إنها مركبتش.
صاح فيه "آدم" بغضب بالغ:
- إزاي يعني مخدتش بالك؟ هي مش مشرفة معاك على الرحلة؟ إزاي مخدتش بالك إنها مش قاعدة في الكرسي بتاعها؟
أطرق الرجل برأسه ولم ينطق ببنت شفة. أمره "آدم" وهو يبدو في قمة قلقه:
- لازم نرجع ندور عليها.
صعد "آدم" ليطلب من السائق العودة مرة أخرى، لكن السائق فاجئه باقتراب نفاذ الوقود. فلن يكفي للعودة مرتين. أخذ "آدم" يسب بخفوت وهو يشعر بالحنق الشديد. نظر إلى المشرف وقال:
- روح أنت عشان السياح اللي معانا، وابعتلي حد بأي عربية.
قال ذلك ودون أن يعطيه فرصة للرد نزل من الحافلة وانطلق يعدو بأقصى سرعة في عكس اتجاه سير الحافلة. ظل يردد بلسانه:
- يارب.. يارب.
شعر بخوفه يتصاعد خاصة بعدما أسدل الليل أستاره. أخذ يفكر في "آيات" التي حتماً هي خائفة الآن. زاد من سرعة عدوه وكأنه يسابق الزمن.
نظرت "آيات" حولها بفزع وقد هبط الظلام ليسود المكان. لولا القمر المضي في السماء لما تمكنت من رؤية ما حولها. سمعت أصوات الرياح تزأر وتزمجر في غضب. والرمال تتحرك لتلسع وجهها ويديها. عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تردد بعض الأذكار حتى تطمئن قلبها الفزع.
---
شعرت "آيات" بخوفها يتصاعد فأخذت تردد بعض الآيات بصوت عالٍ. يتسرب صوتها المرتجف بالتلاوة إلى أذنيها لتشعر بشيء من الطمأنينة. وكأن صوتها يونسها. ظلت واقفة في مكانها تلف حولها بين الحين والآخرة، آملة أن ينتبهوا إلى اختفائها. بعد مضي ما يقرب من ساعة من العدو المتواصل، تمكن "آدم" أخيراً من العثور عليها. واقفة كالغزال الشارد في عرض الطريق. ابتسم قائلاً:
- الحمد لله.. الحمد لله.
صاح قائلاً:
- "آيات".
التفتت تنظر إليه. لمعت الدموع في عينيها وهي تنظر إليه بلهفة. كالغريق الذي وجد طوق نجاته. ابتسمت وهي تشعر بالسعادة الشديدة لرؤيته. اقترب منها بأنفاسه المتقطعة وقف أمامها راكعاً يضع كفيه على ركبتيه يحاول إدخال المزيد من الهواء إلى رئتيه التي تعبت من عدوه تلك المسافة الطويلة. نظرت إليه قائلة بصوت مضطرب:
- أنت نزلت من الباص ليه؟
اعتدل واقفاً وهو لا يزال يلهث وحبات العرق تتصبب من وجهه وهو يقول بصوت متقطع الأنفاس:
- نزلت أدور عليكي. لقيتك مش موجودة على الكرسي بتاعك.
نظرت إليه بأعين دامعة. فابتسم في وجهها وقال:
- متخافيش. هيبعتولنا حد بالعربية. متخافيش.
أومأت برأسها. اتسعت ابتسامته وهو يتأملها بحب قائلاً:
- كنت فاكر هاجي ألاقيكِ منهارة وبتعيطي.
أطرق برأسها وهي تقول:
- قعدت أقرأ قرآن. بس برضه كنت خايفة جداً.
قال بحنان بالغ:
- متخافيش يا "آيات". أنا معاكي.
تحاشت النظر إليه وابتعدت عنه بضع خطوات لتجلس على صخرة كبيرة فوق رمال الصحراء الباردة. اقترب منها "آدم" وجلس على الأرض أمام الصخرة. تحاشت "آيات" النظر إليه. بينما أخذ يتأملها بحب وحنان جارف. ثم قال:
- أخوكي قالك؟
بلعت ريقها بصعوبة وقد فهمت مقصده. أومأت برأسها دون أن تنظر إليه. قال لها وهو يتأملها متفحصاً:
- وردك إيه؟ ممكن أعرفه دلوقتي؟
صمتت. طال صمتها، وهي تنظر إلى الرمال التي تلعب بها بطرف حذائها. وهو ينظر إليها لا يحيد نظره عنها. وأخيراً قالت بصوت خافت لا يكاد يكون مسموعاً:
- مش قادرة أنسى.
صمت "آدم". شرد. أمعن التفكير. وأخيراً نظر إليها قائلاً:
- والمفروض دلوقتي إني أقولك خلاص يا "آيات"، معدتش هضايقك تاني؟
ثم قال بحزم:
- لا يا "آيات"، مش هقول كده. هقولك فكري تاني وتالت ورابع. أنا مش هيأس إلا في حالة واحدة انتي عارفاها كويس.
ثم قال:
- مش هيأس إلا إذا اتخطبتي لغيري. ساعتها بجد هشيلك من قلبي وهنساكي.
ظلت مطرقة برأسها. فنظر إليها بألم قائلاً:
- حتى مش عايزة تبصيلي؟ للدرجة دي مش طايقاني؟
بللت شفتها بلسانها. ثم قالت بصوت مضطرب دون أن تنظر إليه:
- لا مش كده. بس.. مش عايزة أعمل حاجة حرام.
ظل "آدم" ينظر إليها للحظات. ثم.. أطرق برأسه هو الآخر. التفتت تنظر جانباً في عكس الاتجاه الذي يجلس فيه. صمت "آدم" لبرهة ثم ما لبث أن ارتسمت ابتسامة حانية على ثغره وقال وهو ما زال مطرقاً برأسه:
- معاكي حق. لازم نتقي ربنا عشان ربنا يبارك لنا.
اندهشت لكلامه. فلو تسمعه من قبل يتحدث على هذا النحو. لم تلتفت لكنها أرهفت أذنيها بشدة. سمعت صوته الذي بدا عليه الارتياح والفرح وهو يقول:
- مادمتِ خايفة تبصيلي وتغضبي ربنا يبقى أكيد انتي خايفة ربنا ينزع البركة بينا زي ما نزعها قبل كده. مش كده يا "آيات"؟
ظلت محتفظة بصمتها. فاتسعت ابتسامته وقال وهو يقف وعينيه على الطريق أمامه:
- معاكي حق. ما عند الله لا ينال إلا بطاعته.
وقف ينظر في الاتجاه الآخر. يجاهد نفسه بصعوبة ألا يغضب ربه بـ.. نظــرة.. يصوبها إلى حبيبته الجالسة أمامه. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وقد أسعدتها كلماته التي لم تتوقع يوماً أن تصدر من "آدم". التفتت تنظر إليه لتجده واقفاً أمامها ينظر إلى الاتجاه الآخر. أشاحت بوجهها لتنظر في الاتجاه المعاكس. أخذت تتساءل بداخلها.. عن هذا التغير الذي تراه في سلوكه. أتصديق مشاعرها وأحاسيسها؟ أم تظل محتفظة بخوفها وقلقها؟ تنهدت وهي تمتم:
- يارب أنت أعلم بنفسي مني. اهديني للطريق اللي فيه خير ليا.
---
اتصلت "إيمان" بـ "كريم" لتقول في قلق بالغ:
- "آيات" لسه مرجعتش يا "كريم". أنا قلقانة عليها أوي. خايفة يكون ابن عمها خطفها.
قال بقلق:
- إزاي يعني لسه مرجعتش؟ طيب اقفلي.
اتصل "كريم" بـ "آيات" فلم تجيب. فهاتفها متروك بداخل الحافلة. اتصل بالمشرف، فأخبره بما حدث وبأنه أرسل سيارة لاحضارها هي و "آدم". اتصل "كريم" بـ "آدم" فتمتم:
- أخوكي بيتصل.
انتبهت "آيات" وسمعته يقول:
- أيوة يا "كريم". لا متقلقش، لقيتها. العربية في الطريق. ماشي. طيب ثواني.
أعطاها الهاتف قائلاً:
- "كريم" عايز يطمن عليكي.
ردت وطمأنته على نفسها. وأخبرته بأن السيارة في طريقها إليهما. أنهت المحادثة ومدت يدها بالهاتف إليه. أخذه ووقف مبتعداً كما كان. أخذت تفرك ذراعيها بكفيها في محاولة لبث الدفء فيهما. التفت إليها "آدم" قائلاً:
- بردانه؟
وبدون أن ينتظر ردها، خلع جاكيت البدلة وهم بأن يتوجه إليها ليعطيه لها. عندما.. رأى شيئاً اسطوانياً طويلاً يزحف على الصخرة خلفها. دقق النظر ليجد ثعباناً ذا رأس كبير وعينين حمراوين ولسان مشقوق يحركه حركات مرتعشة يزحف بتؤدة بالقرب منها. رفعت رأسها تنظر إلى "آدم". اتسعت عيناه في دهشة وهي تراه مقبل عليها بسرعة ونظرة غريبة في عينيه. في نفس اللحظة التي هم الثعبان بأن ينقض عليها بنابيه، أمسكه "آدم" بيديه الاثنتين. أطلقت "آيات" صرخة طويلة وهبت واقفة وهي تنظر إلى هذا الشيء الذي يتلوى في يدي "آدم". أطلق "آدم" صيحة قبل أن يتركه ليسقط أرضاً. أخذ يزحف مبتعداً ليترك خلفه على الرمال آثاراً متعرجة. اتجه إلى "آيات" التي كان وجهها ينطق بأعتى علامات الفزع. هتف قائلاً بلهفة:
- "آيات"؟ التعبان عضك؟
أخذت تنهج بشدة. ثم قالت بصوت خافت:
- لأ.
اتسعت عيناها وهي تنظر إلى آثار العض والدماء على يده. فصاحت بجزع:
- "آدم"! عضك يا "آدم"!
أخذت تجهش في البكاء وهي تتلفت حولها قائلة:
- "آدم"، لازم نشوف دكتور بسرعة. أكيد كان مسمم.
أمسك "آدم" بيده وهو يتمتم:
- متقلقيش.
قال ذلك وهو يشعر بداخله بخوف كبير. خوف من أن يسري سم الثعبان داخل جسده قبل أن تصل السيارة وتحمله عائداً إلى القرية. خوف من أن يتسمم دمه ويلفظ أنفاسه قبل أن يتمكن من أخذ المصل. خوف من أن يلاقي ربه دون أن يعلم إن كانت توبته قد قُبلت أم لا. يا الله.. أنا لست مستعداً للموت. لست واثقاً بعد من أنك غفرت لي ذنوبي. لست مستعداً لدخول قبري. لست مستعداً لأن يقبض ملك الموت روحي. أريد أن أكفر عن ذنوبي أولاً. أريد أن أغرق نفسي في الطاعات لأتطهر مما لوثت به نفسي من آثام.
نظرت إليه "آيات" بلوعة وهي تبكي بقوة وقالت:
- "آدم"، أنت كويس؟
لم تستطع أن تتبين هروب الدماء من وجهه تحت ضوء القمر. لم يجيبها "آدم". بدا عقله منشغل بشيء آخر. شيء أهم. رأته "آيات" وهو يجثو على الأرض. ليتيمم. ثم اعتدل في وقفته. رفع كفيه بمحاذاة أذنيه. وكبر للصلاة. إذا كانت هذه هي النهاية، فلتكن وأنا أصلي. فلتقبض روحي وأنا ساجد. هذا ما حدث به نفسه قبل أن يبدأ في صلاته. وقف بخشوع يصلي. وقد بدأ الوهن يزحف إلى جسده. وضعت "آيات" كفها على فمها تكتم شهقاتها وهي تنظر إلى وجهه الذي تصبب عرقاً. وإلى عينيه الغائرتين. شعر بحلقه يجف. وبجفونه تثقل. قاوم هذا الشعور. واستمر في الصلاة. وضع جبينه على الأرض ساجداً. وظل يستغفر. ويستغفر. ويستغفر. أغمض عينيه وقد استسلم لمصيره. خفق قلبه بخوف واضطراب. ظل يرجو الله أن يغفر له ويتقبل توبته. ظل يرجوه أن يرحمه وأن يتجاوز عن سيئاته. لم يشعر بأي شيء آخر. سوى بدنو لحظة الموت. تمنى لو كان مستعداً لها أكثر من ذلك. تمنى لو كان بإستطاعته العودة إلى الوراء وتصحيح كل شيء بحياته. تمنى وتمنى. هربت دمعة من عينه وهو ساجد. دمعة خوف وخشية ورهبة. تذكر وقتها حديث النبي صلى الله عليه وسلم "عينان لا تمسهما النار عين باتت تحرس في سبيل الله. وعين بكت من خشية الله". ها هو يبكي خشية من الله عز وجل. فهلا حرم عليه النار. استبشر خيراً وأحسن ظنه بالله. لم يتوقف لسانه عن الاستغفار. لم يرفع جبينه عن الأرض. فلـتأتِ تلك اللحظة وهو ساجد. فلـيجرع سكرات الموت وهو ساجد. لعله يُبعت يوم القيامة وهو ساجد. فيرحمه الله ويعفو عنه. لا يدري إلى كم من الوقت ظل ساجداً. لكنه انتبه إلى صيحة "آيات" وهي تهتف بصوت مرتفع:
- أيوة هنا. تعالوا بسرعة.
قام "آدم" من سجوده وأتم صلاته. بدا خائر القوى. رأى سيارة تتوقف أمامهما. صاحت "آيات" في السائق بصوت ملتاع باكي:
- بسرعة رجعنا القرية. في تعبان عضُّه.
خرج الرجل من سيارته مسرعاً يعين "آدم" على النهوض والجلوس داخل السيارة. ركبت "آيات" في الخلف. ظلت طوال الطريق تتابعه في مرآة السيارة الجانبية. أخذت جفونه تثقل شيئاً فشيئاً وازداد شعوره بالحمى. إلى أن وصلوا أخيراً إلى المشفى. وتم إعطاؤه المصل المضاد لسم الأفعى.
---
مر اليوم التالي بصعوبة على الجميع. لم يصدق "آدم" أنه لا يزال حياً. فكل ما كان يشعر به من ألم ووهن جعله يظن بأنه ما هي إلا لحظات وتفارق روحه جسده. أخذ "كريم" يواسيه قائلاً:
- "آدم"، افتكر دايماً حديث النبي صلى الله عليه وسلم "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". يعني كل ده تكفير لذنوبك إن شاء الله.
ابتسم "آدم" وهو في فراشه قائلاً:
- والله لو كل اللي بيحصلي ده تكفير ذنوبي فأنا راضي. وراضي أوي كمان.
ربت "كريم" على كتفه. فأمسك "آدم" بيده قائلاً:
- "آيات" كويسة؟
أومأ "كريم" برأسه. خرج "كريم" من حجرة "آدم" بالمشفى ليلاقي "آيات" الجالسة بالخارج في صحبة والدته تطيب بخاطرها وتواسيها. قامت "آيات" وانصرفت مع أخيها. ركبت السيارة بجواره والتفتت إليه قائلة:
- هو كويس؟
أومأ "كريم" برأسه وانطلق في طريقه. أسندت رأسها على زجاج السيارة. فالتفت إليها "كريم" يقول:
- تعبانة؟
قالت بصوت مبحوح من كثرة البكاء:
- مرهقة بس.
لاحت ابتسامة على شفتيه وهو يقول متهكماً:
- يتمتعن وهن الراغبات.
التفتت إليه بسرعة واحمرت وجنتاها خجلاً. فنظر إليها بمرح قائلاً:
- شكلك بيقول إن هيبقي فيه خطوبة قريب.
رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تدير وجهها لتنظر من الشباك بجوارها. فضحك "كريم" ضحكة خافتة وهو يقول:
- طيب مش نفرح الراجل اللي نايم في المستشفى ده.
التفتت تنظر إليه مبتسمة بخجل وهي تقول وقد بدا عليها الارتباك:
- دلوقتي؟
اتسعت ابتسامته وهو يقول:
- اللي أعرفه إن الواحد لما بيكون تعبان وبيسمع خبر حلو ده بيديله دفعة إن صحته تتحسن. إيه رأيك نديله الدفعة ولا نأجلها لما يخرج؟
اتسعت ابتسامتها بينما لمعت عيناها قائلة:
- خلاص، ماشي.
أطلق ضحكة أخرى. وعبثت أصابعه في شاشة هاتفه. ثم وضع الهاتف فوق أذنه. سمعته يقول:
- السلام عليكم. أيوه يا دكتور. كنت عايز أبشرك بحاجة كده في وسط المآسي اللي أنت فيها دي.
ثم التفت "كريم" ينظر إلى "آيات" التي تبتسم بخجل. ثم قال:
- منتظرينك إن شاء الله عندنا في البيت.
هب "آدم" جالساً في فراشه، حتى كاد المحلول المعلق أن يقع أرضاً. هتف بلهفة:
- يعني إيه يا "كريم"؟
ضحك "كريم" قائلاً:
- هيكون إيه يعني يا دكتور. ركز كده.
اتسعت ابتسامة "آدم" وهو ينظر إلى والدته في سعادة وهو يقول:
- خلاص إن شاء الله. أصلاً الدكتور هيكتبلي على خروج النهارده. إن شاء الله هكلمك بالليل أبلغك المعاد.
- خلاص، مستنيك إن شاء الله. وحمد الله على السلامة مرة تانية.
شعر "آدم" بسعادة تغمر قلبه وروحه وعقله. حمد الله كثيراً. وشكره كثيراً. على استجابة دعائه. ظل طوال اليوم في فراشه يتعجل مغادرة المشفى. والذهاب لخطبة حبيبته.
---
أصرت "آيات" على عدم عمل حفل للخطوبة. فقط يرتديان دبلتي الخطوبة. فعلى الرغم من سعادتها وفرحة قلبها. إلا أنها كانت تشعر ببعض الخوف. الذي تتمنى أن يختفي تماماً من داخلها. توجهت برفقة "كريم" و "إيمان" و "آدم" ووالدته إلى الصائغ لشراء دبلة الخطوبة. نظرت إلى الدبل المعروضة وهي تتذكر يوم ذهبت برفقة "آدم" ووالدها لشراء دبلة خطبتها الأولى. لاحت سحابة حزن على وجهها وهي تتذكر كيف نزع والدها تلك الدبلة من إصبعها. وكيف تحطمت آمالها وأحلامها. حانت من "آدم" التفاته إليها. ليرى ذاك الحزن في عينيها. فشعر على الفور بأنها تتذكر ذاك الماضي الذي يتمنى من كل قلبه أن ينسيها إياه ويمحيه من ذاكرتها تماماً. أشاح بوجهه عنها غاضاً لبصره وهو يشعر برغبة عارمة في احتوائها بذراعيه والتحدث إليها بما يجش في صدره ليزيل تلك المخاوف والآلام من قلبها تماماً. سألها "كريم":
- ها.. اخترتي؟
نظرت إلى تلك القطع الذهبية وهي تشعر بشيء من انقباض الصدر. تمتمت بخفوت:
- لأ، عادي. مش مشكلة أي واحدة فيهم.
قال "آدم" بحزم وعينيه على تلك القطع الذهبية:
- لأ.
صمتت. فأكمل:
- اختاري الدبلة اللي تحبيها. واللي تحبي تلبسيها.
ثم قال بصوت حانٍ:
- عشان الدبلة اللي هتختاريها دلوقتي مش هتقلعينها من إيدك أبداً.
خفق قلبها بقوة لكلماته التي أشعرتها بأنه يعي تماماً تلك المخاوف التي تعتمل داخل صدرها. وقفت تنظر إلى القطع الذهبية في حيرة وعيناها تلمع بعبارات خفيفة. لا تدري ما أصابها فجأة. لكنها وقفت مضطربة. فجأة قال "آدم" للصائغ:
- شكراً.
أشار لهم بالخروج. شعرت "آيات" بالدهشة. لكن دهشتها زالت عندما خرجوا من المحل وسمعته يقول لـ "كريم" بحزم:
- هنروح محل تاني.
أومأ "كريم" برأسه وتخيروا محلاً آخر. دخلت "آيات" فوضع الصائغ أمامها تشكيلة كبيرة. فقال "آدم" وهو ينظر إلى القطع الذهبية:
- لو معجبكيش حاجة هنا مفيش مشكلة نروح مكان تاني. المهم تختاري حاجة حباها.
أخذت "آيات" تنظر إليهم. ثم.. وقع نظرها على إحدى الدبل. فقال قلبها: نعم، تلك. أخذتها وارتدتها في إصبعها. التفت "آدم" ينظر إليها. خفق قلبه لمراء تلك الابتسامة العذبة التي ارتسمت على شفتيها. أشاح بوجهه مبتسماً وهو يقول:
- عجبتك؟
قالت بخفوت:
- أيوة.
أرتها لـ "كريم" ولوالدة "آدم" التي قالت بسعادة:
- مبروك عليكي يا حبيبتي.
نظرت "آيات" إلى الدبلة في سعادة بالغة. قالت والدة "آدم" بحنان:
- اختاري يا بنتي خاتم. ده هيكون هدية خطوبتك.
نظر "آدم" إلى أمه بدهشة. قالت "آيات" بحرج:
- شكراً يا طنط. مفيش داعي.
ربتت والدته على ظهرها قائلة:
- من هنا ورايح اسمي ماما مش طنط. وبعدين انتي بنتي وأنا عايزة أهدي بنتي.
قبل "آدم" رأس والدته ممتناً. وقبلتها "آيات" بتأثر. تخيرت خاتماً رقيقاً. كانت سعادة "آدم" غامرة عندما قامت والدته بإلباسها ذاك الخاتم وتلك الدبلة. ثم.. تُطلق زغرودة عالية تملأ المكان بهجة وسعادة. أخذ نفساً عميقاً مريحاً وهو يتمتم بسعادة:
- الحمد لله. يارب باركلي فيها.
أخرج "آدم" الدبلة الفضية التي اشتراها منذ قليل ووضعها في إصبعه وأخذ ينظر إليها بسعادة. أخيراً.. صارت خطيبته مرة أخرى. أخيراً استجاب الله دعاءه وأعادها إليه مرة أخرى. قال بحنان وهو مطرق برأسه:
- مبروك يا "آيات".
ابتسمت وخفقات قلبها تعزف لحناً جميلاً. قالت بسعادة ممزوجة بالخجل:
- الله يبارك فيك.
قال برقة:
- وفيكي. ربنا يباركلي فيكي.
اتسعت ابتسامتها وهي تشعر بأن الفرح طرق بابها أخيراً.