تحميل رواية «جاريتي» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تقف أمامه خائفة حقاً، هي تهابه رغم أنه يعمل لدى والدها حارساً شخصياً منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها لم تتعامل معه، كانت دائماً تتجنبه، هل لأنه ضخم جداً وملامحه خشنة وكلامه قليل؟ كيف أصبحت زوجته الآن، بل فُرضت عليه زوجة؟ كيف ستتعامل معه، كيف بعد ما سمعته يخبر أبيها أنها ليست على قدر المسؤولية؟ أي مسؤولية تلك التي يجب أن أتحملها؟ من الواضح أن حياتي القادمة معه سوف تكون مؤلمة ومرعبة. في حديقة قصر كبير، كانت تجلس أرضاً فتاة رقيقة جميلة في عقدها الثاني، ذات بشرة خمرية جذابة وعيون عسلية لامعة، لديه...
رواية جاريتي الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي
كانت تقف أمامه خائفة حقاً، هي تهابه رغم أنه يعمل لدى والدها حارساً شخصياً منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها لم تتعامل معه، كانت دائماً تتجنبه، هل لأنه ضخم جداً وملامحه خشنة وكلامه قليل؟
كيف أصبحت زوجته الآن، بل فُرضت عليه زوجة؟ كيف ستتعامل معه، كيف بعد ما سمعته يخبر أبيها أنها ليست على قدر المسؤولية؟
أي مسؤولية تلك التي يجب أن أتحملها؟ من الواضح أن حياتي القادمة معه سوف تكون مؤلمة ومرعبة.
في حديقة قصر كبير، كانت تجلس أرضاً فتاة رقيقة جميلة في عقدها الثاني، ذات بشرة خمرية جذابة وعيون عسلية لامعة، لديها طابع الحسن بذقنها وشامة أيضاً فوق شفتها من جهة اليسار، شعر عسلي كعينيها. كانت تمسك بيدها قلماً وورقة، متعمقة في رسم عينين تراهما يومياً في أحلامها، عينان قاسيتان لكن تنظر لها بحنان غريب. تظهر لها في أحلامها بصور مختلفة، وكل يوم ترسم تلك النظرة بشكل مختلف، وإذا رأيت الصور لن تتخيل أنهم جميعاً لنفس العينين.
أفاقت من استغراقها في الرسم على صوت فتح البوابة الكبيرة وعبور سيارة أبيها التي توقفت أمام الباب الكبير للقصر. ترجل السائق ليفتح الباب الخلفي ليترجل السيد راجي الكاشف ويتوجه مباشرة لداخل القصر، ويترجل من الباب المجاور للسائق الحارس الخاص لوالدها ويتبعه إلى الداخل أيضاً، بعد أن ألقى عليها نظرة خاطفة من خلف نظارته الشمسية. ذلك الوحش الكاسر الذي يتبع والدها في كل مكان كظله. قطبت بين حاجبيها وهي تحاول أن تنسى ذلك الكريه الذي لا يلقي لها بالاً، هي ترى ذلك وكأنها هواء، وفي الحقيقة ذلك الأمر يريحها تماماً. في الحقيقة هي لا تحب التعامل مع أحد، ليس لديها أصدقاء، لا تذهب لجامعتها سوى في أوقات الامتحانات، هي تخشى الناس، تخشى تنمرهم عليها وعلى عرج قدميها، فهي لديها عيب خلقي في قدمها اليسرى أقصر من اليمنى ولذلك تعرج بشكل واضح.
"مهيرة... مهيرة."
التفت مهيرة في اتجاه الصوت الذي يناديها وابتسمت بحب حقيقي للشخص الوحيد المقرب منها والتي لا تخشى قربها ولا تخجل منها.
وقفت مهيرة على قدميها وتقدمت بخطوات بطيئة في اتجاهها وهي تقول: "نعم يا داده، أمري يا قمر."
ابتسمت زينب في سعادة وهي تربت على كتف مهيرة قائلة: "ميأمرش عليكي ظالم، الغداء جاهز يا حبيبتي."
وقفت مهيرة تنظر إليها بسؤال غير منطوق تعرفه زينب جيداً، ولكن ما باليد حيلة.
"أيوه باباكي مستنيكي على السفرة."
أغمضت مهيرة عينيها بألم، أبوها مشكلتها الكبرى بعد عرجها. تحبه جداً، لديها عدة مشاكل معه غير أنه لا يفهمها، يريد منها أشياء معينة لا تستطيع تنفيذها، كيف وهي تخجل من نفسها ومن عجزها؟ لا يفهم أن نظرات الناس تقتلها، وأيضاً أشياء أخرى حدثت في الماضي.
تحركت ببطء وفي صمت في اتجاه غرفة الطعام، وكالعادة في ذلك الموقف تجد ذلك الوحش الملقب بسفيان يجلس على يمين والدها، وكالعادة أيضاً لا يتخلى عن نظارته الشمسية. لا تفهم سبب ذلك، كانا يتحدثان في أمور العمل وحين دخلت صمتا كالعادة. في الحقيقة هي لا تعرف ما وظيفة هذا سفيان، هل هو حارس شخصي أم مدير أعمال والدها، أم هو شريك، أم كل ذلك؟ لا يهم، كل ما يشغلها الآن هو أن ينتهي ذلك الغداء الكارثي بسرعة.
تقدمت بخطواتها البطيئة المؤلمة لها بسبب نظراتهم عليها.
ألقت تحية صغيرة بصوت منخفض وجلست على يسار والدها في مواجهة الوحش، هكذا قالت لنفسها.
نظر إليها السيد راجي: "إزيك يا مهيرة."
رفعت رأسها عن طبقها وقالت بخفوت متلعثم: "كويسة يا بابا."
ابتسم بواقار الذي يفرضه عليه سنه ومركزه وقال: "كنتِ بترسمي إيه وأنتِ قاعدة في الجنينة؟"
نظرت إليه باندهاش، هل لاحظها؟ ثم نظرت إلى سفيان نظرة سريعة ثم عادت إلى أبيها قائلة: "مجرد شخبطة يا بابا، مش حاجة مهمة."
ربت والدها على يدها في حنان أبوي نادراً ما يظهر وقال: "مفيش أي حاجة أنتِ بترسميها بتكون شخبطة وخلاص، صحيح أنا عارفة إنها حاجات ملهاش معنى بس أتمنى يوم تخليني أشوف شخابيطك دي."
شعرت بالخجل لتحدث والدها عن هوايتها بذلك الأسلوب أمام سفيان، وخاصة وهي تشعر أنه ينظر إليها الآن من خلف تلك النظارة، ولا تعلم هل هذا اهتمام أم كما تشعر دائماً أنه في الأساس لا يراها ويرى كل شيء يخصها تافهاً وبلا معنى كأبيها.
وكان سفيان من داخله يغلي غضباً، ذلك المشهد كل يوم يجعله يشعر برغبة عارمة في تحطيم ذلك الرجل الجالس بجواره ببرود.
عاد الصمت من جديد، ولكن من كسره هذه المرة هو سفيان وهو يسأل: "سيد راجي، ممكن النهاردة أروح بدري بما إن حضرتك هتقضي اليوم في البيت؟"
تنهد السيد راجي وهو يقول: "على الرغم من إني مش بطمن غير في وجودك، لكن كمان والدتك ليها حق فيك ولازم تروح، مفيش مانع طبعاً."
انتهى الغداء وعادت مهيرة إلى غرفتها بعد أن استمعت إلى الجملة التي قالها والدها لسفيان: "عايزك تفكر في اللي قولتهولك، أنا مش هكون مطمن عليها غير معاك، أنت أكتر واحد عارف الخطر اللي حواليا."
ماذا كان يقصد؟ هل يقصدها هي؟ وما هذا الخطر الذي يحوم حول والدها؟
لماذا لديها شعور أن القادم سيء جداً؟
توجهت إلى نافذة الغرفة وفتحتها، وقفت تنظر إلى كل تلك المساحة الخضراء حول القصر، ذلك المنظر يشعرها بالراحة، يهدئ أعصابها وينسيها خوفها. لاحظت ذلك الواقف عند بوابة القصر يتحدث إلى الحراس، يبدو أنه يعطيهم تعليمات أمنية في فترة غيابه. هي أيضاً رغم خوفها منه إلا أن وجوده يشعرها بالأمان، ولا تعرف تفسيراً لذلك. أحياناً تشعر إنها مجنونة، كيف تخافه وتشعر بوجوده بالأمان؟
كان يتحدث وهو يشير إلى جوانب القصر، ثم صمت. شعرت في تلك اللحظة أنه ينظر إليها، ولا تعلم لماذا شعرت بأنها تريد أن تمد يدها لترى عينيه لأول مرة وترى ما لون عينيه. أخفضت نظرها أرضاً ثم تحركت لتعود لداخل الغرفة.
جلست على مكتبها الصغير وأخرجت دفترها الوردي وفتحته وكتبت:
"أريد أن أجد الحب يوماً، فلربما تغيرت حياتي وأصبح لها معنى. أتمنى أن أجد من لا يجدني ناقصة أو معيبة، أريد من يشعرني بأنني أستحق. فيا من أحلم به كل يوم، يا صاحب العيون القاسية الحانية، فلتأتِ سريعاً، لقد أوشكت أن أصاب باليأس."
رواية جاريتي الفصل الثاني 2 - بقلم سارة مجدي
أغلقت دفترها ووقفت على قدميها وتحركت بإتجاه السرير. جلست على طرفه ونظرت إلى الكومود الذي بجانبه، وبالتحديد إلى تلك الصورة المقطرة. ظلت تنظر إليها كثيراً، ودون شعور منها سالت دموعها وهي تقول:
- كل يوم بفضل أكلمك وأقول لك أنا قد إيه كنت محتاجة وجودك، بس أنت مش هنا. مش عارفة أكرهك ومش عارفة أبطل احتاج لك، على الرغم من إنك أنت سبب كل عذابي.
سمعت طرقات على الباب. مسحت وجهها بظهر يدها وهي تتحرك سريعاً على قدر استطاعتها لتدخل إلى الحمام.
فتحت زينب الباب وهي تنادي عليها:
- مهيرة أنت هنا يا حبيبتي؟
أجابتها مهيرة من داخل الحمام بصوت حاولت إظهاره ثابتاً:
- ثواني يا داده وخارجة.
جلست زينب على كرسي طاولة الزينة وهي تقول:
- براحتك يا بنتي.
ظلت مهيرة بالحمام تحاول تمالك نفسها. غسلت وجهها وسرحت شعرها ووضعت بعضاً من ذلك الكريم الخاص بالوجه حتى تداري آثار بكائها، حيث أن زينب هي من ربتها وتعرفها جيداً، وسوف تكتشف بكاءها بمجرد النظر إلى وجهها وأنفها الأحمر.
خرجت من الحمام وهي تحاول رسم ابتسامة على ملامحها. ولكن زينب شعرت أن هناك شيء ما. سألتها مباشرة دون مراوغة:
- أنت كنت بتعيطي ولا أنا بيتهيأ لي؟
ضحكت مهيرة بصدق من قلبها وهي تقول:
- لأ، بيتهيأ لك.
وجلست على السرير أمامها.
قالت زينب وهي تلوّي فمها:
- ماشي، هعديها المرة دي. المهم...
تكلمت مهيرة سريعاً قائلة:
- أيوه، خلينا في المهم.
ظلت زينب على صمتها تنظر إليها بتمعن حتى شعرت مهيرة بالتوتر والقلق. ثم قالت:
- أنت امتحاناتك الأسبوع الجاي مش كده؟
لوت مهيرة فمها بشكل طفولي وهي تقول:
- أيوه، للأسف.
رفعت زينب حاجبها قائلة:
- وليه للأسف إن شاء الله؟ هو حضرتك مش بتذاكري ولا إيه؟ ولا شاطرة بس قاعدة ترسميلي فعيون؟ وياريتني عارفة عيون مين دي!
ضحكت مهيرة بانطلاق لا يحدث غير مع دادة زينب فقط وقالت:
- أولاً أنا مذاكرة كويس جداً. وللأسف لأني هروح الجامعة. والعيون دي أنا نفسي معرفش عيون مين، بس بشوفها كل يوم في الحلم.
تنهدت زينب بصوت عالٍ وهي تقول:
- أنا بس نفسي أفهم أنت كارهة الجامعة ليه.
وقفت مهيرة على قدميها وتحركت خطوتين لتجلس أمام زينب قائلة:
- أنت اللي بتسألي السؤال ده يا داده؟ ما أنت عارفة كل حاجة.
ربتت زينب على رأسها بحنان وقالت:
- يا بنتي ده قضاء الله، أنت هتعترضي؟
رفعت مهيرة رأسها ونظرت إليها بعينيها الممتلئة بالدموع وقالت:
- اللهم لا اعتراض. أنا مش معترضة بس الناس مش بترحم يا داده. إذا كان بابا نفسه لولا أن الناس عارفة أن عنده بنت كان خباني عن كل الناس عشان مفضحوش ويقولوا أن السيد راجي الكاشف عنده بنت عارجة.
وضعت زينب يدها على كتف مهيرة وأوقفتها على قدميها ثم وقفت أمامها وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تقول:
- سيبك من كل دول. أنت بنتي حبيبتي. أنت أغلى حاجة في حياتي يا مهيرة، أغلى من نفسي يا بنتي.
ابتسمت مهيرة بحب حقيقي لتلك المرأة التي ربتها منذ كانت في الخامسة بعد هروب والدتها من والدها.
أبعدتها زينب قليلاً عن حضنها وهي تقول:
- طيب مش المفروض تعرفي باباكي عشان الترتيبات إياها؟
لوت مهيرة فمها باستياء وهي تقول:
- وده سبب تاني يخليني أقول للأسف.
ضحكت زينب على تلك الطفلة لا تفهم سبب خوف مهيرة من سفيان. دائماً تشبهه بالوحش. دائماً تتجنبه.
ترجمت أفكارها لسؤال تعلم أنها لن تجد له جواب ككل مرة سألتها عنه ولم تجيبها يوماً، ولكن هذه المرة كانت مختلفة فمهيرة بحاجة للكلام حقاً.
- مش ناوية تقوليلي المرة دي كنوع من التغيير يعني، أنت بتخافي من سفيان ليه؟
نظرت إليها مهيرة في حيرة ثم قالت:
- في مرة كنت نازلة لبابا المكتب وكان معاه سفيان. كان بابا بيقوله أن حمايتي أنا أهم من أي حاجة تانية. وساعتها سفيان قاله تحت أمرك. بعدها بدقايق تليفون بابا رن. خرج للفرندة عشان يرد. سمعته ساعتها بيقول:
"هم جديد يا سفيان؟ حتة بت لا راحت ولا جت. أنا مش شايفها أكتر من خدامة وتتضرب بالجزمة كمان."
قطبت زينب حاجبيها قائلة:
- ودي مين دي اللي مغلول منها أوي كده؟
نظرت لها مهيرة باندهاش وغضب وقالت:
- أكيد أنا. مش أنا اللي كان بابا بيوصيه عليها قبل الكلام ده على طول.
اقتربت زينب منها وهي تقول بتعقل وهدوء وكأنها تتعامل مع طفل صغير:
- مش شرط يا حبيبتي، ممكن يكون بيتكلم عن أي واحدة تانية. وأكيد مش عارف يبرطم قدام الباشا.
ضحكت وهي تتحرك باتجاهها وقالت:
- إنسي كل ده. هو ما يقدرش يعمل لك حاجة من كل ده حتى لو أنت المقصودة بالكلام. المهم قومي قولي للباشا على مواعيد امتحاناتك.
وخرجت وأغلقت الباب خلفها.
تنهدت مهيرة بصوت عالٍ وهي تقول:
- أنا أو غيري، هو بيتعامل كده مع البنات. شايفهم خدمين عنده. يارب ابعده عني.
وتحركت للحمام لتزيل ذلك الكريم عن وجهها.
كان سفيان جالس أرضاً بجانب كرسي متحرك يدلك قدم أمه قائلاً:
- أنت عارفة أني بحب أقعد تحت رجلك، بس الشغل بقا أعمل إيه؟ ادعي لي.
ربتت أمه على رأسه وهي تقول:
- بدعيلك يا حبيبي قلبي وربّي راضيين عليك يا سفيان يا ابن نوال. بس أنت يا حبيبي في قلبي ده مكانك، مش تحت رجلي.
ضحك سفيان بصوت عالٍ وهو يقبل ركبتها القريبة من وجهه وقال:
- تشكري يا ست نوال والله. قوليلي بقا الآنسة جودي فين لحد دلوقتي؟
ابتسمت لابنها الغالي الذي يذكرها بوالده رحمه الله وقالت:
- كانت مستأذنة مني تنزل هي وزهرة صحبتها يشتروا شوية حاجات. متقلقش، زمنها جاية.
ظل سفيان جالس يتحدث مع أمه في أي شيء وكل شيء. كان دائماً يشعر بأنه مقصر في حقها لتغيبه المستمر. فاجأته أمه سائلة:
- أخبار مهيرة إيه؟
قطب سفيان بين حاجبيه وقال باندهاش:
- مهيرة؟ وإنتِ بتسألي عليها ليه؟
تكلمت السيدة نوال بقليل من الشرود:
- حلمت بيها امبارح.
ثم نظرت إلى ابنها التي ترتسم على ملامحه معالم الاندهاش والاستنكار أيضاً، فأكملت هي:
- صحيح، أنا مشفتهاش قبل كده. بس أنا حلمت بيها. وبصراحة قلقانة عليها.
ظل سفيان ينظر لأمه دون أن ينطق بكلمة. ثم أخفض رأسه ينظر أرضاً يفكر بكلمات أمه البسيطة التي فعلت به الأفاعيل. وفي تلك اللحظة تدخل إليهم عاصفة هوجاء وهي تقول بمرح وسعادة:
- سفيان حبيبي، أنت جيت فعلاً.
وارتمت في أحضانه وأكملت:
- وحشني جداً جداً على فكرة.
ابتسم سفيان بسعادة وهو يقبل أعلى رأسها قائلاً:
- وأنتِ كمان وحشتيني جداً جداً على فكرة.
ثم ضحك بصوت عالٍ وهو يكمل قائلاً:
- هو أنتِ مش هتكبري أبداً؟
لوت فمها كالطفلة وقالت:
- لو مدلعتش على أخويا حبيبي ومامتي حبيبتي، هدلع على مين؟
كان سفيان ينظر إليها وهو يبتسم، ولكن عقله سافر لتلك الوحيدة التي لا تجد من تدلل عليه.
أفاق من شروده على كلمات جودي الضاحكة:
- والله يا ماما زي ما بقولك كده. الدكتور ده بجد رهيب. بس مش عارفة ليه حسيت إني شفته قبل كده.
انتبه سفيان وقال سائلاً:
- هو دكتور جديد ولا إيه؟ دي السنة خلاص خلصت.
أجابته سريعاً قائلة:
- معرفش. أصل دكتور مختار عيان، فا الدكتور حذيفة هيدرس لنا مكانه لحد ما يرجع. بس أنا بجد متأكدة إني شفته قبل كده، فين معرفش.
ضحك سفيان على طريقة أخته في الحديث وقال وهو يضرب رأسها من الخلف:
- المفتش كرومبو حضرتك.
ضحكت وهي تقول:
- لأ، المحقق كونان.
ضحك الجميع في سعادة، ولكن قلبه دائماً يذكره بتلك الخائفة دوماً والوحيدة دوماً أيضاً.
هز رأسه حتى يخرجها من تفكيره وقال:
- طيب يلا يا حضرة المفتش، روحي غيري هدومك على ما أجهز لكم أحلى عشا.
قفزت جودي في سعادة وتوجهت إلى غرفتها وهي تهتف بصوت عالٍ:
- يعيش سفيان! هو اللي مأكلنا هو!
ضحك بصوت عالٍ وهو يضرب كفاً بكف. ونظر لأمه بسعادة سببها تلك الضحكة الصافية السعيدة على وجهها. أمسك بكرسيها وتحرك بها في اتجاه المطبخ وهو يقول:
- وأنتِ يا قمر تعالي معايا بقا عشان تسليني وأنا بطبخ.
ضحكت أمه بصوت عالٍ وهي تدعو له قائلة:
- ربنا يسعدك يا سفيان وأفرح بيك عن قريب.
قطب جبينه ولم ينطق بكلمة، ولكن داخله يتحدث ألف حديث. هو لن يطول حلمه أبداً أبداً.
رواية جاريتي الفصل الثالث 3 - بقلم سارة مجدي
فى صباح اليوم التالى كانت جودى ترتدى ملابسها حين استمعت لصوت طرقات على الباب وصوت سفيان يقول
- يلا يا أستاذه علشان أوصلك قبل ما أروح الشغل
اجابته سريعا
- حاضر يا سفيان حاضر
نظر سفيان إلى والدته وقال
- بنتك دى بطيئة جدا
- سمعتك على فكره
ضحك بصوت عالى وهو يلتفت لصغيرته ويمسك اذنها وقال
- أنت طلعتى من الاوضه امتى ها
- أى أى ودنى يا سفيان
تكلمت الأم بتوبيخ
- من إمبارح وأنت بتقولى سفيان حاف كده مش عيب فين كلمه أبيه
شعرت جودى بالحرج وقالت
- أكيد أبيه سفيان مش زعلان هو كان وحشنى جدا فانسيت بصراحه أنا أسفه يا أبيه
أبتسم سفيان وهو يضمها إلى صدره بقوه وقال
- أنا مش زعلان ويلا بقا أنا كده اتأخرت
وتقدم من أمه وقبل رأسها ويديها وقال
- ادعيلى يا أمى
ابتسمت وهى تربت على خده قائله
- دعيالك يا حبيبى ربنا يثبت خطاك وينصرك ويوفقك
أبتسم وهو يعتدل فى وقفته وقال
- يلا يا جودى سلامو عليكو يا أمى
ارتدى نظارته قبل أن يغادر المنزل نظرت إليه جودى سائله
- هو أنت على طول لابس النظاره برا البيت ليه يا أبيه
نظر إليها ثم بسخريه اجابها قائلا
- مش عايز حد يخاف منى كفايه ضخمتى
ظهرت ملامح الاستنكار على وجه جودى البرئ وقالت
- يخافوا من أيه يا أبيه ده عنيك لونها يجنن
أصدر صوت مستنكر وهو يقول
- ايوه و بيزينها جرح بشع
صمتت وهى لا تستطيع أن تنكر أو تأيد
وقف أمام الجامعه وقال
- يلا يا انسه انزلى بقا اخرتينى
ضحكت بمرح وهى تقول
- على قلبك بردو
فتحت الباب وكادت أن تنزل حين لمحت الدكتور حذيفه فقالت
- بص بص يا أبيه اهو هو ده الدكتور حذيفه إللى قولتلك عليه
نظر مكان ما أشارت لتكون هذه المفاجئه الأحلى منذ شهور
خرج من السياره سريعا ونادا بصوت عالى
- حذيفه
ألتفت حذيفه على أثر النداء لتتسع عيناه فى دهشه وهو يقول بعدم تصديق
- سفيان
احضتن الصديقان بعضهما فى شوق حقيقى كانت جودى تشاهد ذلك القاء باندهاش كبير لم تتخيل أن يكون هذا الدكتور الوسيم هو ذلك الحذيفه البشع صديق أخيها القديم الذى كان يتنمر عليها قديما
أنتبهت على صوت سفيان وهو يقول
- وحشنى جدا رجعت أمتى من السفر
أبتسم حذيفه وهو يربت على كتف صديقه قائلا
- وأنت أكتر رجعت من حوالى أربع شهور
ضربه سفيان على كتفه وهو يقول بلوم
- أربع شهور ومتفكرش تكلمنى وتعرفنى بوصولك
نظر إليه حذيفه بحنين واستنكار مصتنع وقال
- طلبت رقمك القديم لقيته مقفول وعرفت كمان انكم عزلتم هوصلك ازاى يا استاذ
هز سفيان رأسه وهو يقول
- على العموم حمد لله على السلامه
وأخرج كرت من جيب الجاكت وأعطاه له وقال
- دى ارقامى كلمنى نوال لما تعرف هتفرح جدا
ضحك حذيفه بصوت عالى وهو يقول
- والله وهى كمان وحشانى ووحشانى المكرونه بالباشميل جدا هكلمك وجيلكم أكيد
تنحنحت جودى فنظر إليها الاثنان فقترب منها سفيان وهو يضع يديه حول كتفها وقال
- جودى
ظهرت معالم الاندهاش على وجه حذيفه وهو يقول
- معقول دى زقرده قصدى جودى
كشرت جودى ورفعت حاجبها الايسر وقالت
- حمد لله على السلامه يا دكتور
حاول سفيان كتم ضحكته من منظر صديقه بعد كلمه جودى التى قالتها
وقالت لسفيان
- أنا هدخل بقا علشان عندى محاضره سلام يا أبيه
وتحركت دون كلمه أخرى إلى داخل الجامعه
ضحك حذيفه وهو يقول
- دى لسه زى ما هى بس مقولتليش هى فى كليه ايه
- هندسه وانت كمان ادتها محاضره إمبارح مكان دكتور تانى
نظر حذيفه إليها وقال
- خلاص يا صاحبى متخفش عليها دى فى عنيا
نظر إليه سفيان بتمعن وعقله يخبره أن صديقه واخته طريقهم واحد
كان يقود سيارته بعد ان انهى حديثه مع صديقه حين وصل أمام قصر راجى الكاشف فتح الحرس البوابه الإلكترونيه عبر البوابه و تحركت عيناه مباشره لمكانها تحت الشجره مكانها المفضل وهى ترسم كم يتمنى أن يجلس بجوارها وهى ترسم وكم يتمنى أن ترسمه هو ولكن كلها أحلام
أبتسم وهو يراها منهمكه فى رسم شئ ما
اوقف السياره وترجل منها حين رفعت عينيها إليه ونظرت إليه برعب لا يعرف لما تخاف منه أنها حتى لم ترى عينيه إلى الأن ترى ماذا سيكون رد فعلها حين تراها تحرك سريعا إلى داخل القصر ومنه إلى غرفه مكتب السيد راجى
طرق الباب وحين استمع إلى الأذن بالدخول فتح الباب
وحين خطى أول خطوه إلى داخل الغرفه صاح به السيد راجى قائلا
- اتأخرت ليه يا سفيان
ابتسم سفيان بهدوء وقال
- اسف سيد راجى مش هتتكرر
أشار له لكى يجلس أمامه وهو يقول
- الشهاوى كلمنى والتهديد بقا واضح وصريح
ظل سفيان صامت ينتظر باقى الحديث والذى يتوقعه حرف حرف
أكمل السيد راجى قائلا
- عايزنى اتجوز ندى الشهاوى وإلا
صمت قليلا ثم قال وهو يضرب بيده سطح مكتبه
- وإلا مهيره هتكون التمن
انقبض قلب سفيان وقطب بين حاجبيه ورفع رأسه ونظر لسيد راجى قائلا
- وقرارك
ظل ينظر إليه حين قال السيد راجى باقرار
- إلا مهيره يا سفيان إلا مهيره
قال سفيان باستنكار
- هتتجوزها
تحرك السيد راجى من خلف مكتبه وجلس أمام سفيان
و نكس رأسه ثم رفع رأسه ونظر إلى سفيان برجاء وقال
- أنت إللى هتتجوز
رواية جاريتي الفصل الرابع 4 - بقلم سارة مجدي
كان الصمت والذهول هما سيدا الموقف.
ظل سفيان ينظر إلى السيد راجي ينتظره ينفي ما قاله.
مرت دقائق ولم يتحدث السيد راجي، فتحدث سفيان قائلاً:
- إيه إللي حضرتك قلته ده؟ أنا مش فاهم.
وقف السيد راجي على قدميه وتحرك ليقف خلف سفيان ووضع يده على كتفه وهو يقول:
- أنا مش هثق في حد غيرك. سفيان، أنت الوحيد إللي آمنه على حياتي. فمبالك بيها هي.
وقف سفيان أمامه وهو يقول:
- أنا مش فاهم حاجة. وبعدين هو الشهاوي هيقبل إن أنا إللي أتجوزها مكان حضرتك.
قطب السيد راجي حاجبيه في اندهاش وقال:
- وإيه دخل الشهاوي؟ طالما أنا موافق.
تراجع سفيان خطوة للخلف وهو يقول بذهول:
- أنت بتقول إيه؟ أنا مش قادر أستوعب. إزاي تطلب مني أتزوج ندى الشهاوي؟ وإزاي الشهاوي ملوش دخل؟ حضرتك عارف أنت بتقول إيه؟
ظهرت مشاعر الصدمة على السيد راجي وهو يقول:
- مين جاب سيرة ندى الشهاوي؟ أنا بتكلم عن مهيرة.
ألجمت الصدمة سفيان تماماً، ولم يستطع الكلام.
هل ما يسمعه حقيقة؟ هل السيد راجي يطلب منه الزواج من ابنته؟ هل سيصبح الحلم حقيقة؟ هل ستكون له؟ يقترب منها؟ تلك المجنونة الصغيرة المرتعبة منه التي تظن في نفسها دايماً نقص بسبب عرج قدمها. ولكن هل هي ستقبل به؟ أنه الوحش كما تصفه دائماً. تذكر أول مرة عرف بذلك الاسم حين كانت تتحدث مع زينب بالمطبخ وكان هو على وشك الدخول لطلب كوب من القهوة، سمعها وهي تقول:
- أنا مش عارفة ليه بابا مصر إن الوحش ده هو إللي يروح معايا الجامعة. يا داده، أنا بخاف منه جداً.
تنهدت زينب بيأس من تلك الطفلة التي ترفض أن تكبر وقالت لها بمهادنة:
- يا مهيرة، سفيان طيب جداً ومش عيب ولا ذنب إنه ربنا خلاه جسمه ضخم وخلاه قوي. وطالما مش بيتجبر على حد يبقى فين المشكلة.
ثم جلست بجانبها وهي تكمل قائلة:
- وبعدين ده مبيتكلمش معاكي خالص. ولا عمره قالك حاجة تضايقك أو تخوفك.
نفخت مهيرة في يأس من تلك المحامية الخاصة بالسيد سفيان وقالت:
- هو أنتِ على طول بتدافعي عنه ليه؟ ها، أنا إللي بنتك على فكرة مش هو.
احتضنتها زينب وهي تقول:
- أنتِ بنتي حبيبتي إللي ربيتها وكبرتها ومحبش أبداً أشوفك بتتحملي على حد كده. ده غير إنك قدامه بتبقي قطة.
ضحكت بصوت عالٍ ومهيرة تغادرها حانقة، ولولا عرج قدميها لركضت إلى غرفتها حتى لا يراها أحد أبداً.
فاق من ذكرياته على كلمات السيد راجي وهو يقول:
- أنا عارف إنك في موقف محرج. وعارف كمان عن إعاقة بنتي. وأنك راجل ما شاء الله متتعيبش. بس أنا مش هطمن عليها غير معاك. اتجوزها وخليها في حمايتك. ولو عايز تتجوز غيرها أنا معنديش مانع.
كانت عيني سفيان تتسعان مع كل كلمة ينطقها السيد راجي. من ذلك الرجل الذي يبخس قدر ابنته بتلك الطريقة. لما يجدها ناقصة أو معيوبة؟ كان يود لو يلكمه الآن على تلك الكلمات التي ألمت قلبه بشدة، فقال:
- الآنسة مهيرة متتعيبش يا راجي بيه. وليا الشرف أنها تكون مراتي. بس يارب هي توافق.
سعد الرجل جداً بكلمات سفيان وقال له:
- توافق إيه وترفض إيه؟ سيب الموضوع ده عليا. أنا هتصرف. ومن النهارده لحد نهاية الامتحانات هي خطيبتك. ونكتب الكتاب آخر يوم امتحاناتها.
كان سفيان يشعر بالضيق من طريقة تعامل السيد راجي لمهيرة. لماذا لم يهتم برأيها؟ هل سيجبرها؟
تحرك السيد راجي إلى مكتبه وأمسك ورقة ومد يده بها إلى سفيان وهو يقول:
- ده جدول امتحاناتها. خلي بالك منها.
كانت مهيرة جالسة تحت شجرتها المفضلة ترسم صورة جديدة لتلك العينين، ولكن هذه المرة ميزت لونها بوضوح في حلمها. كانت خضراء زرعية، لونها مميز ونادر أيضاً. كانت رائعة حقاً. ساحرة.
خرج سفيان ووقف بجانب السيارة لا يستوعب شيئاً مما حدث. حلم على وشك التحقق، ولكن هناك ألم بقلبه قوي. هي تخافه. تراه وحش إذاً؟ سترفض الزواج منه؟ ولكن كلمات السيد راجي تعني أنه سيجبرها، وهذا ما لا يقبله أبداً.
انتبه لنداء زينب لمهيرة.
وتحرك مهيرة البطئ وتجنب النظر إليه حين مرت من أمامه. هل انكمشت على نفسها حين اقتربت من مكان وقفه.
أغمض عينيه بألم. ثم نظر إلى السماء وتنهد بصوت عالٍ وهو يقول:
- يااارب.
كانت تنظر إلى والدها بذهول. هل ما سمعته صحيح؟ هل يقول ستتزوج؟ ومن من الوحش؟ لم تعد تشعر بقدميها. جلست على الكرسي الذي خلفها ونظرت إلى أبيها قائلة بتوسل:
- بابا أرجوك، أنت بتتكلم جد؟ أنا مش هتجوز سفيان صح؟ أرجوك يا بابا.
تكلم السيد راجي بصوت عالٍ وغاضب أيضاً:
- لأ هتتجوزيه. وده أمر مش باخد رأيك أصلاً.
كانت دموعها تغرق وجهها وهي تقول برجاء:
- يا بابا أنا بخاف منه.
نهرها والدها قائلاً:
- إيه الكلام التافه ده؟ وبعدين أنتِ تحمدي ربنا إن حد زي سفيان، راجل حقيقي ميعيبوش أي حاجة، قبل أصلاً أنه يتجوزك بالإعاقة إللي عندك دي. وكمان فاشلة، لابتعرفي تتكلمي ولا ليكي في شغل البيت ده، غير إنك فاشلة اجتماعياً. ده إحنا المفروض نعمله تمثال إنه هيتجوزك. ده لو حتى هو شايفك مجرد خدامة، فأنتِ الكسبانة.
كانت تنهار مع كل كلمة ينطقها والدها. إذا كان أبوها يراها بذلك السوء، فما بال سفيان؟ إذاً لا مفر. والدها باعها لسفيان. وسفيان اشترى جارية فاشلة بكل المقاييس، معيوبة شكلاً ومضموناً. هل عليها أن تذهب إليه وتقبل يديه وقدميه حتى تنال رضى سيدها الجديد؟ إذاً فهي تتوقع من الآن أي حياة بائسة ستعيشها.
نظرت إلى والدها ثم وقفت على قدميها ونكست رأسها وهي تقول باستسلام:
- حاضر.
وخرجت مباشرة دون كلمة أخرى.
كان يستمع إلى حديثهم عبر شباك المكتب الذي يقف أمامه، يستند على ظهر سيارته.
كان يود لو يدخل إلى ذلك الرجل ويبرحه ضرباً. ما هذا الكلام؟ أي خدامة فاشلة هي؟ هي سيدة قلبه دون منازع من أول يوم رآها فيه حين دخل إلى ذلك البيت لأول مرة منذ عشر سنوات. كانت مازالت طفلة في الثالثة عشر بشعرها الغجري الطويل وعيونها التي خطفت قلبه، ويتألم لعرج قدميها الذي يقيدها. ولكن صبراً، فقط تصبح له وسيغير كل ذلك. سيثبت لها أنها ملكة حياته كلها.
كانت جودي تجلس بجوار زهرة بالمدرج يتحدثان حين استمعت لصوت ذلك البغيض حازم وهو يقول:
- إزيك يا جودي؟
لم تجب عليه، فاكمل قائلاً:
- طيب حتى ردي السلام ده، إحنا حتى زملاء.
لم تجبه أيضاً، فتحرك من خلفهم ليقف أمامهم وهو يحاول أن يمسك يدها وقال بغل وافتقار وتقزز:
- أنا بس نفسي أفهم أنتِ عاملة شريفة على مين؟
وقبل أن يكمل كلمته أو يلمس يدها، رفعت يدها لتهوى على خده وهي تقول:
- شريفة غصب عنك ومحدش يقدر يقول غير كده. وكلمة تانية مش همد إيدي. هقلع إللي في رجلي.
كان كل المدرج يشاهد ما حدث، حتى هو كان يقف عند باب المدرج يتابع ما يحدث. ولكن بعد ما حدث وجب التدخل.
قال بصوته الجهوري:
- خلاص.
ووقف بجانب جودي وهو يقول:
- اعتذر لزميلتك فوراً. ولو حصل واتعرضتلها تاني مش هيحصل كويس.
نظر حازم بغضب لجودي وقال:
- آسف.
وتحرك سريعاً ليغادر المدرج كله وهو يتوعدها في سره.
نظر حذيفة لجودي ثم قال:
- كله مكانه، مش هينفع هو. وأي حد هيتطاول أو يتعدى حدوده مش هيحصل خير أبداً. المفروض إنكم رجال وتخلوا بالكم منهم مش تعكسوهم. على العموم زميلكم غلط ونال عقاب مناسب والحكاية خلصت، خلينا نبدأ المحاضرة.
كانت جودي في حالة عصبية لا توصف. ذلك الحازم لا يفهم أبداً. إنها ليست من هؤلاء البنات الذين يقيمون علاقات مع الشباب. لكنه غبي، لا يفهم أبداً.
نظرت إلى حذيفة الذي كان يلاحظ كل تعابير وجهها التي تدل على الضيق، وحين التقت عيونهما، ابتسامة عينيه المشجعة أنستها كل شيء. فجلست مكانها بصمت. نظرت لها زهرة سائلة:
- أنتِ كويسة؟
هزت رأسها بنعم، ثم نظرت إليها قائلة:
- تفتكري حازم هيعديها؟ أنا خايفة أوي. وكمان خايفة أقول لسفيان. بس هو تعدى كل الحدود. أنتِ شاهدة مش كده؟
ربتت زهرة على يديها مهدئة وقالت:
- متقلقيش إن شاء الله خير. ورأي، قولي لأخوكي وهو هيتصرف صح صدقيني. إحنا منعرفش رد فعل الحيوان ده هيكون إيه. بس بصراحة الدكتور حذيفة ربنا يجازيه خير على موقفه بصراحة.
عادت جودي بنظرها إلى حذيفة وهي تقول لنفسها:
- لسه زي ما أنت يا حذيفة، تجيب لي حقي بالعقل.
رواية جاريتي الفصل الخامس 5 - بقلم سارة مجدي
كان فى سيارته عائد إلى بيته يشعر بغضب شديد.
تلك الفتاه لقد تطاولت وتعدت كل الحدود، كيف تضربه هو حازم زين الدين.
ابن رجل الأعمال الأكبر فى البلد، حتى والدها بجانب والده لا شىء.
هو كان مجرد موظف بسيط، ولكنها تتعامل وكأنها لا يوجد بنت مثلها.
فى الحقيقه كل الفتايات تتمنى نظره منه، ترتمى تحت قدميه دون أن يطلب، يتوسلون رضاه.
لما هي لا تراه؟ لا تنظر إليه نظره عابره.
هو تراهن عليها وسيفوز بذلك الرهان مهما حدث.
عليه الأن ان يفكر جيدا ويغير الخطه، وسوف تدفع ثمن تلك الصفعه.
جالس أمام أمه منكس الرأس بعد أن أخبرها بما حدث، دون التطرق لكلمات السيد راجح الجارحة لمهيرة.
ولكن ختم كلماته قائلا:
- بتخاف منى جدا يا أمى جدا.
- وبصراحه مش عارف أعمل إيه في الحكاية دي.
- مش بتبصلي ولا بتقرب من المكان اللي أنا فيه غير غصب عنها.
- على العموم أنا هبدأ أظبط الشقة فوق علشان أنا قدامي شهر بس على ما هي تخلص امتحانات.
كانت تنظر إليه وعلى وجهها ابتسامه رقيقة.
هي تعلم بحبه لمهيرة، لكن زواجه منها بتلك الطريقة غريب، فهناك سر وذلك السر يقلل من مهيرة من وجه نظره، ولذلك لا يريد اخبارها.
ابتسمت وهى تربت على رأسه المنكس وهى تقول:
- مبروك يا حبيبي، هنروح نطلبها رسمي أمتى.
رفع رأسه ينظر إليها بشكر وابتسم وهو يقول:
- يوم الجمعة إن شاء الله.
ثم جثى على ركبتيه أمامها وهو يقول:
- أمي عايزك تحسسيها بالأمان.
- كفاية بتخاف مني أنا، وياريت لو جودي تصاحبها.
- علشان متحسش أنها هنا لوحدها.
تأكدت ظنونها، هناك سر كبير.
ولكنها ابتسمت وهى تقول:
- زيها زيك وزي أختك عندي، وربنا يعلم متقلقش.
- المهم أنت اشتريلي هدية حلوة.
اخفض بصره أرضا وقال لنفسه:
- لو أطول أديها عمري وقلبي متأخرش عليها.
لكنه نظر لأمه وقال:
- تفتكري اجيب لها هدية إيه.
رفعت كتفيها بمعنى لا أعلم وقالت:
- أنت أكتر حد فاهمها وعارفها وعارف هي بتحب إيه.
هز رأسه بنعم ثم جلس جيدًا على الأرض ووضع رأسه على فخذها وقال:
- ادعيلي يا أمي ادعيلي أرجوكي.
وأكمل بصوت منخفض:
- اللي جاي مش سهل أبدا.
- أنا خايف عليها قوي.
كانت مهيرة تبكي وهى تكتم أنفاسها في وسادتها حتى لا تغضب أباها.
فتحت زينب الباب لتطمئن عليها، وحين وجدتها على هذه الحالة اقتربت منها سريعًا وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تحاول تهدئتها قائلة:
- أهدي يا بنتي والله سفيان طيب وحنين، وهيشيلك جوه عينيه.
نظرت إليها مهيرة وهي تقول بصوت متقطع:
- هيشيلني جوه عينيه إيه بس يا دادا، إذا كان أبويا شايفني معيوبة وفاشلة هو هيشوفني إزاي.
استغفرت زينب بصوت واطئ وقالت:
- معيوبة إيه وفاشلة إيه، هو أنتِ في زيك.
- وبعدين أكيد باباكي ميقصدش كده، أنتِ اللي حساسه أووي يا مهيرة.
- هو أنا يعني مش عارفاكي.
وقفت مهيرة على قدميها بغضب وهي تقول:
- ليه مش أنا فعلاً عارجة ولا ده مؤقت.
- وهو أنا مش فعلاً مليش صحاب ولا بعرف في المجاملات الاجتماعية اللي كلها نفاق.
- تفتكري واحد زي سفيان كلكم شايفينه مفهوش غلطة يتجوز واحدة زي ليه.
- ها، هي كل الحكاية بيعة وشروة، هيكسب اسم عيلة كبيرة وكمان هكون في بيته جارية ولا أقدر أتكلم، وكمان بابا يخلص من الهم الكبير اللي في حياته.
- والمفروض كمان أشكرة أنه اتجوزني مش كده.
كانت زينب تشعر بنهيارها خائفة عليها.
تتمنى أن يتزوجها سفيان، فهي تشعر أنه يهتم بها.
هي ليست صغيرة وتستطيع فهم هذه الأشياء.
ولكن مهيرة بكل تلك العقد التي تكونت لديها منذ كانت طفلة ذات خمس أعوام، هروب أمها ومعاملة أبيها السيئة لها بعد ذلك الحادث، وتنمر صديقاتها في المدرسة وفي الجامعة كانت تسمع كلمات جارحة، ففضلت أن تذهب فقط في الامتحانات.
حتى سفيان كان يتجنبها لأنها في الأساس تتجنبه وتخاف منه وهو يعرف ذلك جيدًا أيضًا.
شغله ينحصر في الحراسة فقط.
نظرت إلى مهيرة التي كانت على وشك الانهيار ووقفت أمامها وهي تقول:
- يا بنتي مينفعش كده، أنتِ كده بتأذي نفسك.
- والله الحكاية أبسط من كده.
نظرت لها مهيرة بغضب وازاحت يد زينب عن كتفيها وقالت وهي تتحرك بعصبية:
- أنا محدش بيفكر فيا، كلكم نفسكم تخلصوا مني كلكم.
وصرخت بصوت عالٍ، صوت هز كل أركان القصر الكبير.
صرخت وصرخت وصرخت حتى وقعت أرضًا غائبة عن الوعي مع نداء زينب والسيد راجي.
كانت جودي في طريقها للخروج من باب الجامعة حين لمحته يقف عند الباب.
لم تنظر إليه وعبرت من أمامه دون كلمة أخرى.
وهو في الأساس لم يرد الكلام معها، كل ما أراده أن يبقى خلفها حتى تعود إلى منزلها آمنة، ثم سيتحدث مع صديقه في الأمر حتى يجدوا حل.
هو متأكد أن ذلك الشاب لن يترك حقه، خاصة بعد تلك الصفعة منها على وجهه أمام جميع زملائهم.
وهو أكثر من يعرف أفكار هؤلاء الشباب.
كانت جودي تسير في طريقها بعد أن ودعت صديقتها دون أن تنتبه لذلك الذي يمشي خلفها.
وقفت في محطة الباصات.
كان عقلها يدور ويدور في دوائر القلق.
هي موقنة أن حازم لن يفوت لها تلك الصفعة.
ولكن ماذا عليها أن تفعل؟ هل تخبر سفيان؟
وإذا لم تخبره، فهي من المؤكد سيخبره حذيفة.
دون أن تصل لحل أتى الباص، ركبته في صمت وظلت جالسة في مكانها تتطلع من الشباك لذلك الشارع المزدحم.
كان هو يقف خلف الكرسي الخاص بها دون شعورها.
كان يفكر هل هذا القلق على أخت صديقه فقط واجب لابد منه، أو هناك شيء آخر.
ولكنه استبعد ذلك من رأسه، فبعد ما حدث معه وتلك الندبة التي لم ولن تطيب لن يفكر مرة أخرى في الحب.
هو الآن بينه وبين الحب تار ودم.
نزلت جودي من الحافلة بالقرب من البيت وخلفها حذيفة الذي لم يلاحظ أن سفيان يقف في نافذة المنزل ويراهم.
وحين التقت عينيه بعين صديقه أخرج حذيفة الهاتف واتصل بصديقه.
وحين سمع صوته قال:
- كنت بأمنها يا صاحبي بعد اللي حصل النهارده، وهي أكيد هتحكيلك.
- ابقى كلمني.
وأغلق الخط ثم استدار عائدًا.
رواية جاريتي الفصل السادس 6 - بقلم سارة مجدي
أغلق سفيان النافذة وعاد إلى الداخل في صمت. هو يعرف أخته جيدا، ولا يشك في صديقه أيضا، ولكن ما هذا الشيء الذي يجعل حذيفة يأتي خلفها إذا هناك أمر جلل؟
حين فتحت جودي الباب وألقت السلام وجلست أمام أخيها صامتة، تأكد من ظنونه. ناغشها قائلا:
- هي القطة أكلت لسانك وأنت راجعة ولا إيه؟ ولا تكوني تعبانة؟ مش عادتك يعني تدخلي بهدوء كده.
نظرت إليه بخوف حقيقي جعله يقف على قدميه ويتوجه إليها فورًا. جلس بجانبها وضمها إلى صدره وهو يقول:
- في إيه يا جودي؟ في حاجة حصلت؟
ابتعدت عن حضنه ودون مراوغة قصت عليه كل ما حدث، حتى خروجها من باب الجامعة ورؤيتها لحذيفة هناك ورحلة عودتها بالباص.
ظل ينظر إليها ثم ربت على ظهرها وهو يقول:
- متخافيش، أنا هوصلك كل يوم وأرجعك. وجوه الجامعة نتصرف. ومتخافيش أنت. صح؟ وهو حيوان محتاج يتربى.
هزت رأسها بنعم ثم وقفت وهي تقول:
- أنا محتاجة أنام وياريت متقوليش لماما حاجة عشان متقلقش، ماشي؟ وأنا مش خايفة على فكرة.
ثم تحركت من أمامه عائدة إلى غرفتها، حين سمعته يقول:
- مش هقولها. وأنا عارف على فكرة.
ظل جالسًا في مكانه يفكر، ثم تحرك وعاد إلى غرفته واتصل بصديقه.
كان حذيفة يفتح باب شقته حين استمع لرنين هاتفه. أخرجه من جيبه، هو يعرف من يتصل به، ودون أن يطلع على الاسم فتح الخط وقال:
- أهلاً يا صاحبي.
صمت سفيان قليلاً، ثم قال:
- جودي غلطت في حاجة؟
أجابه مباشرة:
- لأ.
أكمل سفيان قائلاً:
- أنا هوصلها كل يوم وأرجعها.
قاطعه حذيفة قائلاً:
- وجوه الجامعة متخافش عليها، أنا موجود.
قال سفيان:
- ماشي يا حذيفة. شكرًا.
أجابه حذيفة قائلاً:
- مش هرد عليك على فكرة.
ضحك سفيان بصوت عالٍ وهو يقول:
- أنت كمان بتنهي كلامك بعلى فكرة؟
سائلاً باستخفاف مرح:
- وده مين بقا اللي بينهي ديما كلامه بعلى فكرة؟
أجابه مباشرة:
- جودي.
صمت حذيفة ولم يجبه، فقال سفيان:
- هقفل أنا بقا. ونبقى نتكلم تاني. سلام يا صاحبي.
أغلق حذيفة الهاتف وهو مازال يقف أمام باب شقته. فتحه ودخل. كان البيت هادئًا كعادته، ولكن الغريب هو صوت التلفاز. تقدم من غرفة المعيشة ليفاجئ بأواب على كرسيه المتحرك يشاهد برنامجًا تعليميًا.
أواب ابنه الصغير ذو الثلاث أعوام. ندبته الكبيرة وثأره مع الحب بسبب الإهمال فقد قدرته على السير طوال حياته. صاحب الشعر الذهبي والعيون العسلية.
اقترب منه وقبل أعلى رأسه، ثم جثا على ركبتيه أمامه قائلاً بصعوبة:
- إزيك يا حبيبي؟ وحشتني جدًا على فكرة.
ابتسم أواب في هدوء وهو يمسك يد حذيفة يقبلها قائلاً بصعوبة:
- وأنت كمان وحشتني.
ضحك حذيفة وقال:
- نفسي ألاقي حل للنقط اللي بتطير دي. المهم... أخبار يومك إيه؟ أسف إني اتأخرت عليك النهارده على فكرة.
حرك أواب رأسه بلا وقال:
- عادي يا بابا. مس ناني معايا.
هز حذيفة رأسه بيأس من ابنه، فالسيدة ناهد جليسته أصبحت ناني.
ظل ينظر لابنه الذي عاد بتركيزه لذلك البرنامج التعليمي الذي لا يفهم هو منه شيئًا. كيف يفهم ابنه ما يقولون؟
نظر إلى أواب من جديد وسأله:
- هو أنت فاهم هما بيقولوا إيه يا أواب؟
نظر إليه أواب نظرة متعالية وقال:
- أكيد.
رفع حذيفة حاجبيه وقال:
- أكيد؟ أنا اللي جاهل يعني يا ابني؟ أنا دكتور في الجامعة على فكرة.
وقام بدغدغته، فضحك أواب بصوت عالٍ. أتت على إثره السيدة ناهد وبيدها طبق ضخم من الفشار الذي يحبه أواب جدًا.
نظر إليه حذيفة وعلى وجهه ابتسامة، ولكن عينيه يسكنها حزن لا وصف له.
كان سفيان جالسًا يتناول الطعام مع أمه التي سألت عن جودي، فأخبرها أنها تشعر ببعض الصداع وتريد أن تنام. لم تصدقه، ولكن مادام هو يعرف ماذا بها، جودي غير قلقة. استمع لصوت هاتفه، وحين أخرجه من جيبه وجد اسم داده زينب. انتبهت كل حواسه وشعر أن شيئًا سيئًا حدث، وكذلك انتبهت السيدة نوال.
حين وضع الهاتف على أذنه، استمع إلى صوتها الباكي. وقع قلبه بين قدميه.
- سفيان، أرجوك يا بني تعال بسرعة.
- حالا.
كلمة واحدة وتحرك سريعًا، يلبس حذائه ودون كلمة خرج من البيت كالملسوع. كانت أمه تتابعه وهي تدعو له.
كان يسوق سيارته بسرعة عالية، كاد أن يصطدم أكثر من مرة.
وصل أخيرًا ونزل راكضًا إلى داخل القصر ليجد الخادمة واقفة على أول درجات السلم. سألها:
- فيه إيه؟
تكلمت بصوت متقطع:
- ف.فوق.
صعد السلم ركضًا، وقف ينظر في كل الاتجاهات. أول مرة يصعد إلى ذلك الطابق، ولكن استمع لصوت فتح باب فالتفت ليجد السيد راجي يخرج من الغرفة التي على اليسار.
ركض إليه سائلاً:
- راجي بيه، إيه اللي حصل؟
نظر إليه السيد راجي بصدمة وحيرة وقال:
- مهيرة.
كأنه ضربه في قلبه. نظر إلى الرجل فوجده منكس الرأس، فشعر أنه لن يجيب أي سؤال. صمت هو الآخر، ولكن عينيه ثابتة على باب الغرفة، يتمنى أن يخترقه.
بعد دقائق، كانت زينب تفتح الباب باكية وأشارت لهم بالدخول.
كانت قدماه تسبقاه إلى الداخل، ولكنه تحكم في نفسه لينتظر دخول السيد راجي أولاً.
وحين دخل إلى الغرفة، كانت عيناه ثابتة على ذلك الملاك النائم بدموعها الباقية على وجنتيها.
انتبه إلى كلمات السيد راجي:
- خير يا دكتور، طمني أرجوك.
تكلم الطبيب بعملية شديدة:
- انهيار عصبي حاد.
الصمت هو كان رد الجميع، إلا من بكاء زينب.
- انهيار عصبي.
ذلك كان سفيان الذي يسأل وهو يتألم.
كتب الطبيب الوصفات الطبية وهو يقول:
- ياريت نجنبها أي ضغط عصبي أو أي حاجة مضيقاها. ومع الأدوية دي إن شاء الله هتكون كويسة.
سألت زينب بصوت باكي:
- الأسبوع الجاي عندها امتحانات.
ظهر الرفض جليًا على وجه الطبيب وقال ببرود:
- لأ، لأ. معتقدش إنها هتقدر على إنها تدخل الامتحانات. ممكن تعمل تأجيل.
كان سفيان لا يتكلم، يستمع إلى كلمات الطبيب وهو ينظر إليها هي... حبيبته، طفلته الصغيرة، ملكة قلبه. هل حدث لها كل ذلك بسبب زواجها منه؟ هل تخافه لذلك الحد؟ أم من كلمات والدها الجارحة؟ ماذا يفعل الآن؟ هل يبتعد أم ينتشلها من هذا المكان ومن ذلك الأب الذي لا يعرف شيئًا سوى القسوة على تلك الملاك؟
انتبه لخروج الطبيب وخلفه السيد راجي، وكانت زينب تجلس بجانبها.
تقدم خطوة واحدة وهو يقول بتقرير:
- أنا السبب.
نظرت إليه زينب وهي تقول:
- هي غلبانة ومش فاهمة، واللي شافته مش قليل أبداً.
ثم وقفت على قدميها ووقفت أمامه وهي تقول:
- أرجوك يا ابني، أرجوك خدها من البيت ده. ابعدها عنه. حرام كل اللي بيحصل فيها ده، حرام. أبوس إيدك يا ابني خدها من هنا.
كان قلبه يؤلمه حقًا، لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في تلك اللحظة. دخل السيد راجي الغرفة ينظر إلى مهيرة النائمة، لا يظهر أي شيء على ملامحه، فقط صمت. وبعد عدة دقائق نظر إلى سفيان وقال ببرود:
- إحنا في انتظاركم يوم الجمعة يا سفيان.
وخرج دون كلمة أخرى.
كان سفيان ينظر له بغضب وكاد أن يخرج خلفه، ولكن يد زينب منعته وهي تقول:
- في حاجات لازم تعرفها قبل ما تتجوز مهيرة. أسرار.
ودون كلمة أخرى خرجت من الغرفة. نظر هو إلى مهيرة نظرة أخيرة وهو يقول:
- وعد عليا أعوضك عن أي ألم في حياتك. وده وعد راجل من كل قلبه بيحبك.
رواية جاريتي الفصل السابع 7 - بقلم سارة مجدي
كانت زينب تقف في الحديقة الخلفية بجوار شجرة كبيرة تحاول تمالك أعصابها. ويقف خلفها سفيان ينتظر أن يعرف تلك الأسرار التي أوصلت صغيرته لتلك الحالة.
بعد عدة دقائق أخرى كان قلبه بها يحترق.
قالت زينب بصوت يقطر ألمًا ووجعًا:
- السيد راجي من عائلة كبيرة أوي أوي، والست مريم والدة مهيرة كانت بتشتغل في شركتهم. شافها وحبها، لكن هي لأ، كانت مرتبطة بابن عمها. لكن السيد راجي مقدرش يقبل إن في واحدة تقوله لأ، فـأجبرها إنها لو متجوزتوش هيسجن ابن عمها، وهي كانت عارفة إنه يقدر يعمل كده، فـمُجبرة وافقت.
وهنا بدأت حياة كلها عذاب. شك وإهانة، ضرب وحبس. لحد ما عرف إنها حامل في مهيرة، اتحول معاملته ليها وبقى هادي وكويس. لحد في يوم كانت في أواخر الشهر السابع، أبوها وابن عمها جم يزوروها. وهو أول ما شافهم وكأنه شافها بتخونه، طردهم وفضل يضرب فيها لحد ما كانت خلاص هتموت في إيده. وهي في الأرض باست جزمته وقالت له:
- بنتي هتموت، ارجوك، مش قادرة، أنا حاسة إني هولد.
تنهدت زينب بصوت عالي وهي تجلس أرضًا وأكملت:
- فاق على كلمتها وفضل واقف مكانه مش عارف يتحرك. ولما ملاهاش بتتحرك ولا طالع منها أي نفس، شالها بسرعة وراح على المستشفى. وهناك كان الدكتور عايز يبلغ البوليس، بس السيد راجي بنفوذه منعه. حالتها كانت صعبة جدًا وآثار الضرب في كل جسمها وبتنزف. ولما عملوا السونار اكتشفوا إن رجل البنت اتكسرت وحصل تهشم لعظمة الساق. دخلت العمليات على طول وولدوها قيصري. وفعلاً لقوا البنت فيها كسر في رجلها الشمال وحالة رجلها سيئة. والست مريم فضل عندها نزيف لحد ما شالولها الرحم.
بعد ما الست مريم خفت والبنت فضلت في الحضانه أكتر من أسبوعين، الدكتور سمح إنها تروح معاهم. بعد ما قال إنها هتاخد وقت طويل على ما الكسر يلتئم لأنها نازلة بدري وضعيفة وكمان محتاجة تتعرض على دكتور علاج طبيعي. لكن راجح بيه ما اهتمش خالص بالموضوع.
صمتت قليلاً ثم قالت:
- وعشان كده فضلت تعرج طول حياتها.
كان سفيان يستمع إليها وهو يشعر أن نارًا تشتعل بداخله. كان يود لو يعود لذلك الوحش اللي بالداخل ويضربه ويضربه أو يقتله، إنه حيوان في شكل إنسان.
جلس سفيان أمامها وهو ينظر إليها قائلاً:
- وبعدين إيه اللي حصل بعد كده، خلى أمها تسيبها وتهرب؟
أغمضت زينب عينيها في ألم وقالت:
- تفتكر يعني اللي ضربها بالوحشية دي لدرجة إنه يسبب عاهة مستديمة لبنته اللي لسه متولدتتش، هيتعامل معاها إزاي. ده غير إنه، وللقدر، ورثت مهيرة الشامة اللي فوق شفتها، ودي وراثة في عيلة أمها، يعني باباها وابن عمها عندهم الشامة دي.
قطب سفيان بين حاجبيه وهو يقول:
- هو شاكك في نسب مهيرة.
نظرت إليه بصمت ثم أخفضت رأسها.
كان حازم يجلس مع أصدقائه في مكانهم المعتاد، وما هو غير نايت كلوب درجة تالتة.
تكلم ياسر قائلاً:
- هتعمل إيه يا عم مع البت جودي؟ دي يا عم طرقعتلك الجامعة كلها بتتكلم عليك.
وقف حازم بغضب وأمسكه من مقدمة ملابسه قائلاً:
- أنت عايز إيه يا هـ... ومين قالك إني هسيبها في حالها؟ بكرة أخليها تبوس جزمته ولا هعبرها.
وقف أحمد وهو يفصل بينهم وقال:
- اقعدوا بقا. وانت يا عم حازم، ما تفكك من البت دي، باين عليها فعلاً محترمة وملهاش في الكلام ده.
شرب حازم من الكوب اللي أمامه وهو يقول:
- وده حلوته... بكرة نقعد نشرب هنا بعد ما أكون نفذت اللي في دماغي. وبعدين ملهاش إزاي؟ أنت مشفتش الدكتور الجديد ده وقف معاها إزاي... أكيد في حاجة بينهم يا عم. وأنا بقا عايزكم تقولوا كده لكل الناس، علشان أنا أعرف ألعب.
وشرب مرة أخرى من كأسه. حين اقتربت فتاة تتمايل بملابس تظهر أكثر مما تخفي، ووضعت يدها على كتف حازم قائلة:
- حازم باشا، منور الدنيا كلها. تأمر بحاجة يا باشا؟
رفع عينيه إليها وقال:
- أنا هدخل الأوضة وابعتيلي حاجة على ذوقك.
ووقف على قدميه وهو يغمز لأصدقائه. ومشى وهو يترنح إلى تلك الغرفة ليفعل الفاحشة الكبرى وهو يتباهى بها.
كان حذيفة جالس في غرفته يفكر في كل الاحتمالات. يعرف أن ذلك الشاب لن يمرر الأمر وهو يخاف عليها جدًا، لكنه سيكون كظلّها وسيتدخل إذا حدث أي شيء. هي أمانة صديقه ولابد من حمايتها.
فاق من شروده على طرقات على باب الغرفة. وقف على قدميه واتجه إلى الباب وفتحه. كانت السيدة ناهد.
ابتسمت بهدوء خجل وقالت:
- آسفة يا دكتور حذيفة، بس كنت عايزة أفكرك بميعاد بكرة.
قطب بين حاجبيه وهو يقول:
- ميعاد إيه؟
أخفضت رأسها وهي تقول:
- دكتور أواب.
تنهد بصوت عالي وهو يقول:
- هو إمتى؟
أجابت مباشرة:
- بكرة بعد الظهر.
فكر قليلاً. لا يستطيع العودة باكراً ويترك جودي وحدها. نظر إلى السيدة ناهد وقال:
- هو ممكن نأخر الميعاد؟
هزت رأسها بنعم وقالت:
- إمتى يعني؟
- بكرة بردو بس بعد ما أرجع من الجامعة.
قالت:
- يعني على الساعة خمسة كده.
ابتسم وقال:
- تمام.
استأذنت منه وغادرت.
أغلق الباب واستند عليه بظهره وهو يقول:
- يا ترى اللي أنا بعمله ده صح ولا غلط؟
كانت جودي تجلس خلف مكتبها تطلع إلى كتاب، ولكن عقلها سارح في من ملك قلبها منذ كانت صغيرة. كانت دائمًا تحب مشاكساته. كانت دائمًا تصر على النزول مع سفيان لتقابله. لكن هو لم يعاملها يومًا غير أنها أخت صديقه فقط.
قلبها يؤلمها جدًا... وكأن قبضة قوية تعتصره، ودموع عينيها لا تتوقف. هي من أول مرة رأته وقلبها أخبرها أنه هو، لكنها كانت تريد أن تتأكد. وسفيان أكد ذلك. ولكنه به شيء مختلف، عيناه بها ألم رغم ابتسامته، هي تشعر به. كما شعرت به منذ أكثر من ثلاث سنوات، شعرت بألم قوي في قلبها ولا تعلم وقتها ماذا حدث معه. ولكنها أكيدة أن في ذلك الوقت حدث شيء مؤلم.
رواية جاريتي الفصل الثامن 8 - بقلم سارة مجدي
كان سفيان جالسًا في سيارته يتذكر كلمات زينب الأخيرة.
- الست مريم ما فيش منها، ورغم اللي عملوه فيها، عمرها ما كانت تفكر تسيبه عشان خاطر بنتها... لكن نقول إيه.
سألها وهو لا يستطيع تخمين ما حدث.
- عملها إيه تاني؟
نظرت إليه ودموعها تغرق وجهها وقالت.
- ما كانش بيعدي يوم غير لما يضربها عشان تفضل تقول إنها بتحبه، ويحلفها كل يوم إن مهيرة بنته كانت بتستحمل وتسكت... لحد في يوم صحيت من النوم على صوت عياط بنتها. جريت عليها لقيته واقف جنب سريرها. افتكرت إنه بيحاول يسكتها، لكن لما قربت من البت لقيت إنه كان ضاربها وبيحاول يكتم نفسها. صوابع إيديه معلمة على وشها.
ركعت وباست إيده ورجله إنه يسيب البنت.
فضل ساكت يبص لها وهي مرمية على رجليه بتترجاه وقال.
- عايزاني أسيبها تعيش؟
هزت رأسها بنعم فقال.
- اقفي.
تحركت سريعًا ووقفت.
أمسكها من شعرها وخلع عنها مآزرها وقال لها.
- أنتِ طالق... بره بيتي... ومتحاوليش تقربي منها ولا حتى تشوفي خيالك.
تنهدت زينب بصوت عالٍ ثم وقفت على قدميها فوقف أيضًا سفيان أمامها، فأكملت.
- ما كنتش تقدر تعمل حاجة. لو ما خرجتش، هيموت البنت. خرجت وهي مش لابسة حاجة غير قميص النوم. لحقتها أنا، وأديتها عباية من عباياتي، واترجتني أفضل جنب مهيرة وما أسيبهاش أبدًا. ومن وقتها وهي بتتصل بيا كل يوم تطمن عليها.
تحرك سفيان ليقف أمامها وهو يسأل.
- اتجوزت؟
هزت زينب رأسها وهي تقول.
- ابن عمها كان اتجوز. ولما هي رجعتلهم على الحالة دي، كان هيموت من الحزن عليها. وأول ما ورقها وصلتلها، خطبها. وبعد عدتها اتجوزها.
صمت سفيان قليلًا، ثم قال.
- مهيرة عارفة كل ده؟
هزت رأسها بلا، ثم قالت.
- أبوها قالها إن أمها هربت مع عشيقها وسابتها وهي مريضة. بس مهيرة، رغم إنها عمرها ما سألتني عن أمها، بس أنا متأكدة إنها نفسها تلاقي أمها. ديما بشوفها سرحانة في صورة أمها.
آفاق سفيان من ذكرياته على دمعة وحيدة انحدرت من عينيه. صغيرته عاشت عمرها كله تحت رحمة رجل مريض. وهو اللي كان يتخيل إنها طفلة مدللة وحيدة أبوها، حياتها ناعمة مخملية. تنهد بصوت عالٍ وهو يخرج هاتفه. هو يريد التحدث مع أحد، يريد أن يخرج كل تلك الشحنة السالبة. يريد أن يخرج كل ذلك الغضب. وضع الهاتف على أذنه يستمع إلى رنينه حتى أتاه صوت صديقه قائلًا.
- أهلاً سفيان.
قال له مباشرة.
- قول لي عنوانك، محتاج أتكلم معاك.
انقبض قلب حذيفة من صوت سفيان الذي يكسوه الألم. فدون كلمة أخرى أملى عنوانه. وبعد عدة دقائق كان سفيان يقف أمام صديقه في حالة نفسية سيئة جدًا.
كانت زهرة جالسة في بيت عمها بجانب أبيها، ولكن عينيها ثابتة على باب الغرفة تنتظر دخوله. هي تعشقه منذ كانت صغيرة، وكانت تشعر أنه يبادلها نفس الشعور. ولكن ذلك الحادث هو ما فرق بينهم. هكذا هو يفكر، لكن هي متمسكة به مهما حدث، لن تبتعد ولن تتخلى.
أفاقت من شرودها على صوت الباب ودخول عمها وهو يرحب بهم بسعادة. واقترب منها وهو يقول.
- إزيك يا زهرة، وحشتيني يا بنتي.
ابتسمت وهي تنحني لتقبل يديه باحترام وقالت.
- وحضرتك كمان وحشتني جدًا يا عمي. أخبار صحتك إيه؟
احتضنها عمها بعد أن ربت على رأسها وقال.
- طول ما أنتم بخير يا بنتي، أنا بخير.
حينها فتح الباب ودخل تسبقه عصاه وهو يقول بابتسامة.
- منور الدنيا كلها يا عمي. إزيك يا زهرة؟
أجاب الحاج حامد قائلًا.
- الدنيا منورة بيك يا ابني.
ظلت تنظر إليه، قلبها معلق بتلك العينين التي لا تراها. ولكن هي له، مهما حاول.
ظلت تنظر إليه حتى استمعت لكلماته وهو يقول.
- أخبار الجامعة إيه يا زهرة؟
ابتسمت وهي تقول.
- الحمد لله، قربت أتخرج وأبقى مهندسة زيك.
ابتسم بتهكم وهو يقول.
- أنتِ أحسن مني. على الأقل أنتِ بتشوفي.
حل الصمت على الجميع، ونظرة انكسار في عين عمها. لن تسمح لذلك أبدًا أن يحدث.
نظرت إليه بتحدٍ وقالت.
- مفيش أحسن منك يا صهيب. وبعدين أنا وأنت واحد، مش خطيبي.
ظهر الغضب على ملامح صهيب، ولكن والده منعه من فرصة الرد وقال.
- طبعًا، ده أنتوا المفروض بقا نفرح بيكم قريب.
وقف صهيب وحاول الخروج من الغرفة، ولكنها نهضت سريعًا ووقفت أمامه وهي تقول.
- صهيب، أنا بنت عمك وخطيبتك، وبقولها لأول مرة قدام أبويا وعمي. أنا بحبك... ومش هكون زوجة لحد غيرك. يا أكون ليك يا أنعنس أنا وأنت، وذنبك في رقبتك.
وقف الحاج حامد وهو يقول.
- يا ابني، أنا مش هآمن على بنتي مع حد غيرك. وبعدين أنت مفيش حاجة تقدر تقف قدامك، أنت راجل من ظهر راجل. أوعى تخيب ظني فيك.
أغمض صهيب عينيه بألم. بماذا يحاولون إقناعه؟ أنه يحبها، ولكن هو الآن لا يصلح. لا يريد أن يحبسها في جنبات ظلمته الدائمة. لو كان هناك أمل في أن يعود إليه نظره مرة أخرى، لتمسك بها. ولكنه لا أمل له.
تكلم والده الحاج إبراهيم قائلًا.
- يا ابني، خلي عندك ثقة في الله. واتمسك ببنت عمك اللي اعترفت قدامي وقدام أبوها بحبها ليك. ده وشها دلوقتي شبه الطماطم.
وأكمل وهو يربت على كتفه قائلًا.
- فرحنا يا ابني، وأفرح أنت كمان.
ظل صهيب على صمته، ثم قال.
- لو تسمح لي يا عمي أتكلم مع زهرة لوحدنا. ولو وافقت على اللي هقوله، نحدد معاد كتب الكتاب.
كانت مهيرة جالسة على سريرها تنظر إلى النافذة المفتوحة في الحائط المجاور لها.
كانت تتذكر كل ما قاله والدها وكل ذلك الألم الذي شعرت به.
كانت دائمًا تسأل: لماذا هربت أمها من أبيها؟ لم تصدق يومًا أنها هربت مع عشيقها، وكل يوم تقضيه مع والدها تتأكد من ذلك.
مؤكد، هي لم تتحمل كل ذلك العذاب، ولكن لماذا تركتها؟ لماذا لم تأخذها معها؟
انتبهت لصوت الباب، ولكنها لم تلتفت. تعرف أنها داده زينب. أبوها منذ وقت ما حدث لم تراه، على الرغم من أنها عرفت أنه من أحضر الطبيب، ولكنه لم يأتِ ليطمئن عليها.
كل يوم يزداد إحساسها بالدونية.
تشعر أنها غير مرغوب بها.
جلست زينب أمامها، دون أن تلتفت إليها مهيرة، وهي تقول.
- الحمد لله، بقيتِ النهارده زي الفل.
لم تجبها.
أكملت زينب قائلة.
- على فكرة، سفيان حاول يأجل مع راجي باشا حوار يوم الجمعة، بس هو رفض.
أغمضت مهيرة عينيها بألم وهي تقول لنفسها.
- عايز يخلص مني بسرعة... مش مستحمل يأجل.
أكملت زينب حديثها.
- بس تعرفي بقا، أنا نفسي تتجوزي سفيان بأسرع وقت. سفيان راجل وهيصونك ويحميكي. وليكي عندي مفاجأة كبيرة أوي هتعجبك جدًا، وكنتي بتتمنيها جدًا كمان.
بس لو أنتِ عارفة بجد إن داده زينب بتحبك، اتمسكي بجوازك من سفيان واخرجي يا بنتي من البيت ده.
رواية جاريتي الفصل التاسع 9 - بقلم سارة مجدي
جالس أمامه من أكثر من نصف ساعة ينظر إلى الأرض.
تكلم حذيفة قاطعاً ذلك الصمت وقال:
- سفيان، أنا عايز أفهم، في إيه؟ أنت قلقتني جداً.
تنهد سفيان بصوت عالٍ وقال:
- الموضوع كبير أوي يا حذيفة. كل اللي أقدر أقوله دلوقتي إني هتجوز بعد شهر.
ظهرت معالم الصدمة على وجه حذيفة وهو يردد:
- تتجوز؟ أنت بتتكلم جد؟
رفع سفيان حاجبه وهو يقول:
- باين عليا إني بهزر؟
اعتدل في جلسته وهو يجيبه قائلاً:
- الصراحة لأ، بس مقلتليش مين العروسة.
وقف سفيان على قدميه ليقف عند النافذة ينظر إلى ذلك الظلام وتلك النجوم الصغيرة البعيدة وقال:
- كل اللي أقدر أقوله إنها حب حياتي. بحبها من أكتر من عشر سنين. ولو على هي مين، فهي مهيرة الكاشف.
قطب حذيفة حاجبيه وهو يقول:
- مهيرة الكاشف؟ الاسم مش غريب عليا.
نظر إليه سفيان وقال:
- بنت راجي الكاشف، اللي بشتغل عنده.
نظر إليه حذيفة بتدقيق، وقبل أن يقول أي شيء، التفت سفيان على صوت طفل يقول:
- بابا.
وقف حذيفة سريعاً واتجه إلى ابنه وجثى أمامه سائلاً:
- حبيب بابا، تعالَ أما أعرفك.
وقف سفيان وهو يتطلع إلى ذلك الطفل باندهاش. حين اقترب منه أواب وهو يمد يديه.
كان سفيان يشعر بالاندهاش، ولكنه مد يده وهو يتطلع إلى حذيفة باستفهام.
فابتسم حذيفة بحزن وقال:
- ابني أواب، وده حكاية كبيرة أوي كمان على فكرة.
***
جالسة أمامه تنظر إلى وجهه الوسيم بعينيه الرماديتين. لون فريد كروحه.
قال بصوت بارد ولكنه على قلبها دافئ حنون:
- ليه مصرة إنك تتجوزيني؟
صمتت قليلاً ثم قالت:
- أنت عارف. لأ، متأكد إني بحبك، من وأنا لسه بضفاير.
ابتسم ابتسامة شحيحة يملؤها الشجن وقال:
- ده كان زمان، لما كنت لسه قادر أكون سندك وحمايتك، ضهرك وأمانك. لكن دلوقتي أنا محتاج اللي يخلى باله مني.
وقفت على قدميها وتحركت لتتجه إليه وجلست بجانبه وهي تقول:
- أي اتنين لازم يكون فيه مابينهم تعاون ومساندة ومشاركة. النهاردة أنا أسندك، بكرة أنت تشلني. ده هو الجواز يا صهيب.
ظل صامتاً لبعض الوقت ثم قال:
- وأنا موافق نتجوز، بس ليا شرط.
أجابته سريعاً:
- أنا موافقة على أي حاجة، المهم أبقى معاك وليك.
نظر لها وعلى وجهه ابتسامة استهزاء وقال:
- اعرفي الشرط الأول.
***
كان السيد راجي جالس بمكتبه يمسك بين يديه صورة قديمة لزفافه هو والسيدة مريم. عاد بذاكرته إلى عشرين عاماً مضى. حين قابلها أول مرة ووقع في حبها من أول نظرة. ولكنها قلبها وعقلها كان مع ابن عمها. لكنه لم يعتد أن يرفض له طلب، مابالك بطلب قلبه. هددها بسجن ابن عمها ورفدها من العمل. وغصباً وافقت وتزوجته، وأهدته الهدية الأغلى في حياته. ولكنه لم ولن يستطع أن يحافظ عليها، كما لم يستطع أن يحافظ على حب حياته.
***
كان أواب يناقش سفيان بالمنطق. ذلك الطفل معجزة صغيرة حقيقية. عقله واعٍ وكبير، وكأنه رجل كبير.
ابتسم سفيان وهو يداعب شعر الصغير ويقول له:
- تسمح لي نبقى أصحاب يا أواب؟
نظر أواب إليه وقال:
- مينفعش طبعاً، أنت كبير وأنا صغير. إزاي نكون أصحاب؟
ضحك سفيان بصوت عالٍ وهو يقول:
- بس أنا عايز أكون صاحبك.
هز أواب رأسه بلا وقال:
- بابا قالي مينفعش أصاحب اللي أكبر مني.
حينها تدخل حذيفة قائلاً:
- معاد نومك أستاذ أواب. يلا قول لعمو تصبح على خير.
ابتسم أواب وهو يقول لسفيان:
- تصبح على خير يا عمو.
بعد أن اختفى حذيفة وابنه في تلك الغرفة، كان سفيان عقله يعمل في كل الاتجاهات. متى وأين وكيف؟
خرج حذيفة بعد بعض الوقت وهو يقول:
- عارف إن دماغك سرحت في مليون قصة. بس اصبر وأنا هحكيلك كل حاجة.
جلس سفيان ووضع قدم فوق أخرى وهو يقول:
- اتفضل، أنا سامعك.
جلس حذيفة وقال:
- بعد ما سافرت علشان الماجستير، اتعرفت هناك على ماري. عربية عايشة هناك بقالها أكتر من عشر سنين. حبيتها وهي كمان، أو أنا كنت فاكر كده. اتجوزنا وعشت معاها أحلى سنة في حياتي. وبعدين عرفت إنها حامل، لكن هي مكانتش عايزة البيبي. حاولت تنزله بكل الطرق لحد الولد من كتر الأدوية الولد عنده مشاكل في المخ. بس أنا من بعد ما اتولد وأنا مهتم بيه من دكتور لدكتور. بس الحمد لله، مفيش أحلى من أواب في حياتي.
قال سفيان:
- وماري؟
- ماتت.
إجابة واضحة قاطعة.
قطب سفيان حاجبيه وهو يقول:
- ماتت إزاي؟
تنهد حذيفة بصوت عالٍ وهو يقول:
- جرعة هيروين زيادة.
رواية جاريتي الفصل العاشر 10 - بقلم سارة مجدي
ظلت صامته تنتظر سماع شرطه الذي مهما كان هي ستوافق عليه، مادامت ستحقق حلمها بالزواج من صهيب حب الطفولة والشباب.
تكلم أخيراً، قاطعاً عليها تأملها لملامحه التي تعشقها.
- لو مصرة أنك تربطي نفسك بعاجز زيي فأنا معنديش مانع، لكن شرطي إننا بعد ما نكتب الكتاب ويتقفل علينا باب واحد هنفضل ولاد عم وبس.
نظرت إليه في تركيز، تحاول استيعاب ما سمعت، فقالت مستفهمة:
- هو بجوازنا مش هنبقى ولاد عم؟
ضحك باستخفاف وهو يقول:
- لأ، المفروض أنك هتكوني بنت عمي ومراتي.. لكن أنا بقول أنك هتفضلي بنت عمي وبس، عمرك ما هتكوني مراتي.
وخيم الصمت عليهم، هي تفكر كيف هو يشعر بالعجز ويخرج هذا العجز في شكل نوبات غضب كالأطفال، وهو يفكر أنها الآن سترفض وأنه وضعها في خانة ضيقة، ولكن ما لم يكن في حسبانه أنها تعشقه بجنون، وقربه واسمه فقط حلم بعيد، كانت ترتعد خوفاً من عدم حصولها عليه.
ابتسمت وهي تقول:
- طيب، وصفتي في البيت هتكون إيه؟
قطب بين حاجبيه، لكنه عاد إلى تلك الابتسامة المستفزة وهو يقول:
- خدامة، ممرضة... كان نفسي أفرحك وأقول أنك ممكن تكوني جارية في سريري.. لكن أنا مليش في الجواري.
حاولت كتم ضحكتها، هو يريد أن يهينها، يقلل من شأنها حتى تبتعد، ولكنها أبداً لن تبتعد.
فوقفت من جلستها لتقف أمامه مباشرة، ثم جثت على ركبتيها وهي تقول:
- وأنا موافقة يا سيدي.. هكون خدامتك والممرضة الخصوصية بتاعتك.. ولو في يوم بقيت ليك في الجواري... أنا جارتك وملك يمينك.
ثم ربتت على يديه وهي تقف وتنادي على أبيها وعمها بصوت عالٍ حتى لا تسمح له بقول أي جملة أخرى.
وحين دخلَ إلى الغرفة... قالت:
- صهيب وافق خلاص، تقدروا تقعدوا كده مع بعض وتتفقوا على كل حاجة.
ثم خرجت حتى لا يلاحظ أحد تلك الدموع التي تجمعت في عينيها.
كان صهيب بداخله يشعر بالسعادة لتمسكها به... ويشعر أيضاً بألم كبير من جرحه لها بكلامه الجارح وقسوته.
عاد سفيان إلى البيت بعد أن جلس لأكثر من ثلاث ساعات مع حذيفة، هو يعرف صديقه جيداً.
صديقه يتألم بسبب ما عاناه من الحب والكذب، لديه رحلة طويلة حتى تعود ثقته في النساء من جديد.
كان يتمنى أن يكون حذيفة لديه بعض المشاعر تجاه جودي، كما هي تحمل له المشاعر، نعم هو يعلم بحب أخته لصديقه، هي لم تخبره، ولكن عينيها تحكي قصصاً وحكايات عن عشق يتوارى خلف خجل وحياء.
لكن الآن ليس لديه ما يقوله أو يفعله سوى التمني أن ينال صديقه الراحة الحقيقية... وأن تستطيع جودي الخروج من حب حذيفة وتجد من يحبها بصدق حقيقي ينسيها ما كان.
كانت السيدة نوال جالسة أمام ولدها تتابع كل المشاعر المتتالية على ملامحه، هي الآن قلقة عليه جداً بعد أن غادر المنزل كالملسوع... وعاد في تلك الحالة، نادت عليه فانتبهت كل حواسه وهو يقول:
- أمريني يا أمي.
ابتسمت وهي تقول له:
- ميأمرش عليك ظالم...
ربتت على يديه وهي تقول:
- مالك يا ابني شايل هم الدنيا فوق راسك ليه؟ بقا معقول ده شكل واحد، كلها أسبوعين ويتجوز.
ابتسم سفيان وهو يقول:
- أنا كويس يا أمي متقلقيش... صحيح نسيت أقولك، مش حذيفة رجع من السفر؟ وكمان شغال في الجامعة... هو الدكتور اللي حكت عنه جودي... النهاردة كنت عنده في البيت... واتعرفت على ابنه كمان.
كانت سعادة السيدة نوال لا توصف، فهي تحب حذيفة كسفيان تماماً... ولكن هناك قلب تحطم من تلك الكلمات التي قالها سفيان دون أن ينتبه... أو كان منتبه لتلك التي تقف على باب غرفتها تستمع لحديثه.
قالت السيدة نوال:
- وده لحق اتجوز وخلف امتى الواد ده؟ ومراته بقا مصرية ولا أجنبية؟
حكى لها كل شيء وهو ينظر إلى تعابير أخته في المرآة... وبعد أن استمعت لكل ما قال عادت إلى غرفتها وهي محملة بهم كبير.
إذا هذا ما حدث من أكثر من ثلاث سنوات... وهذا هو سر حزن عينيه الدائم.
وقفت أمام النافذة تنظر إلى الشارع الخالي الآن من المارة وهي تقول لنفسها:
- حبيت واتجوزت وخلفت... وأنا هنا مستنياك... آه يا وجع قلبي اللي ملوش دوا.
ثم رفعت عينيها الممتلئة بالدموع وقالت:
- يارب... يارب ارحمني... وارحم قلبي.. أنا خلاص مش قادرة... والله ما قادرة.
كانت السيدة نوال تنظر إلى ابنها بحزن وهي تقول:
- يا عيني يا ابني... لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الواد ده من يومه وهو مفيش فرحة بتدوم له أبداً... ربنا يجعله في ابنه أحسن عوض.. ويرزقه بزوجة طيبة تعوضه وتشيل ابنه في عنيها.
أمن سفيان خلفها وهو يدعو في قلبه بالسعادة لصديقه وأيضاً بالراحة لصغيرته المتألمة.
اخفض بصره وهو يقول:
- أمي، بكرة إن شاء الله هنروح نخطب مهيرة، أنتِ فاكرة صح؟
ابتسمت وهي تقول:
- طبعاً فاكرة، وهى دي حاجة تتنسى.. ده بكرة هيتحقق فيه أحلى أحلامي لما أخطب لابني البنت اللي بيحبها.
رفع عينيه إليها باندهاش وهو يقول:
- هو حضرتك كنتِ عارفة؟
ضحكت بصوت عالٍ وهي تقول:
- وهل معقول محسش بقلب ابني العاشق؟ يارب يا حبيبي تكون زوجة العمر وتسعدك وتهنيك.
كانت زينب تحضر ثياب مهيرة التي سترتديها غداً وهي تدعو في نفسها على ذلك الأب القاسي.
نظرت إلى مهيرة الجالسة بالقرب من النافذة، عيونها تبكي في صمت، فتذكرت ما حدث من نصف ساعة فقط حين أتى السيد راجي إلى مهيرة في غرفتها، ظنت أنه أتى ليطمئن على صحتها ولكنه كان له رأي آخر.
كانت جالسة على سريرها تقرأ.
حين وقف أمامها وهو يقول:
- بكرة سفيان وعيلته جاين علشان الخطوبة... عايزك بكرة تكوني ولأول مرة على قد المستوى.
وخرج دون كلمة أخرى.
ظلت تنظر إلى الباب بصدمة، هل بعد أكثر من ثلاث أيام مريضة يأتي إليها ليقول ذلك فقط؟ وها هي جالسة في صمت تبكي وفقط.
مرت ساعات الليل طويلة على القلوب المتعبة وسريعة على من سكن قلبه ولا يشعر بها، كمن ينغمس في الملذات المحرمة.
كان كل من بالقصر على قدم وساق استعداداً لزيارة سفيان وعائلته.
كانت مهيرة في غرفتها تساعدها زينب في ارتداء ملابسها وتسريح شعرها، كانت وكأنها جثة لا حياة فيها.
استمعت لصوت طرقات على الباب وصوت الخادمة تقول:
- راجي باشا بيقول الضيوف وصلوا.
انقبض قلب مهيرة خوفاً، وشعرت بها زينب.
فربتت على كتفها وهي تقول:
- بكرة تعرفي أن دي أحسن حاجة حصلتلك.
وامسكتها من كتفيها وأوقفتها وهي تقول:
- يلا يا حبيبتي.... ربنا يتمملك على ألف خير.
كانت السيدة نوال وجودي وسفيان يجلسون مع السيد راجي، وفي ظهرهم السلم الداخلي للمنزل.
كانت مهيرة تنزل السلم خلف زينب وتقدمت منهم ببطء وسلمت على السيدة نوال بهدوء وجودي أيضاً، ولم تنظر إلى سفيان وجلست على الكرسي الذي خلفها مباشرة.
كان السيد راجي يتحدث مع سفيان والسيدة نوال متجاهلاً مهيرة تماماً، ليس لها رأي وكأن من ستتزوج ليست هي.
انتبهت السيدة نوال لذلك فنظرت إليها وقالت:
- إيه يا مهيرة ساكتة ليه؟ قوليلي يا حبيبتي لو عايزة حاجة، كل اللي تقوليه أوامر.
نظرت إليها مهيرة بشجن وحزن واضح، ثم نظرت إلى والدها وقالت:
- حضرتك عارف إن عاجزة.
انتفض سفيان في جلسته وهو ينظر إليها وقلبه يؤلمه، قطبت السيدة نوال حاجبيها وهي تقول:
- يا حبيبتي، هو انت مش واخدة بالك إن أنا مشلولة ولا إيه؟
شعرت مهيرة بأنها آلمت السيدة التي شعرت من نظرة عينيها بحنان لم تراه في حياتها، حاولت الاعتذار، لكن السيدة نوال ابتسمت وهي تربت على قدم مهيرة وقالت:
- مين فينا يا بنتي ليه في نفسه حاجة؟ وبعدين أنتِ مفيش منك... وأنا حبيتك وعايزاكي النهارده قبل بكرة مرات ابني.
نظرت إليها مهيرة وعيونها ممتلئة بالدموع ولم تستطع أن تتحدث.