تحميل رواية «جاريتي» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تقف أمامه خائفة حقاً، هي تهابه رغم أنه يعمل لدى والدها حارساً شخصياً منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها لم تتعامل معه، كانت دائماً تتجنبه، هل لأنه ضخم جداً وملامحه خشنة وكلامه قليل؟ كيف أصبحت زوجته الآن، بل فُرضت عليه زوجة؟ كيف ستتعامل معه، كيف بعد ما سمعته يخبر أبيها أنها ليست على قدر المسؤولية؟ أي مسؤولية تلك التي يجب أن أتحملها؟ من الواضح أن حياتي القادمة معه سوف تكون مؤلمة ومرعبة. في حديقة قصر كبير، كانت تجلس أرضاً فتاة رقيقة جميلة في عقدها الثاني، ذات بشرة خمرية جذابة وعيون عسلية لامعة، لديه...
رواية جاريتي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة مجدي
كان رؤوف يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا في قلق. لا يجيب هاتفه، ولم يستطع الوصول لسفيان. ماذا يفعل الآن؟ تهديدات الشهاوي واضحة لا جدال فيها.
حين تحدث معه رؤوف لآخر مرة، أخبره قائلًا:
- الشهاوي بعتلي صور ورق. لو وصل للنائب العام، مش هتفلت من المؤبد. بيقولك أنت عارف إيه اللي المفروض تعمله.
ابتلع ريقه وهو يشعر أن الحساب قد حان موعده. كل أخطاء الماضي أمام خطئه الأخير. الحساب الآن مضاعف.
حاول للمرة التي لا يعرف عددها الاتصال برؤوف، ولكن أيضًا نفس الرد: مغلق.
كانت تقف أمام الباب في ذهول مما تسمع. هل هذا حقيقي؟ هل هذا الضحك صادر من صهيب؟ هل حقًا عاد صوته يملأ العالم من جديد؟ وضحكاته التي يرقص لها قلبها طربًا وفرحًا. كان صوت حديثه المرح مع أمه وصوت ضحكاتها مع ضحكاته أكثر ما يسعدها، ولا تريد شيئًا بعدها.
طرقت على الباب لتسمع أصوات ضحكات خافتة تقترب مع صوت صهيب وهو يقول:
- دي أكيد زهرة.
فتحت الحاجة راضية الباب وعلى وجهها ابتسامة سعادة ورضا. وحين قابلت زهرة، زادت عليها إحساس بالامتنان.
ابتسمت وقالت:
- قلبك دليلك. نورتي يا زهرة، اتفضلي.
غمزت لها زهرة وهي تقول:
- ده نورك يا طنط. أنا سامعة ضحك جامد جدًا، أنا كمان عايزة أضحك.
وقف صهيب في مكانه وقال:
- تعالي وأنا أضحكك.
اقتربت منه ووقفت بجانبه وقالت بصوت منخفض:
- وحشتني.
ضحك بصوت عالٍ وقال:
- وأنتِ كمان جدًا جدًا. يلا بينا.
أمسكت يده وهي تقول باندهاش:
- على فين؟
قطب جبينه وقال:
- مش أنا عازمك على الفطار؟
رفعت حاجبها وهي تقول غير مصدقة تلك المفاجأة الرائعة. سوف تخرج مع خطيبها وحبيبها لأول مرة.
- ده بجد؟ يلا جدًا، أنا جعانة أوووي.
تحركا معًا باتجاه الباب وصهيب يقول بصوت عالٍ:
- إحنا نازلين يا أمي.
خرجت من المطبخ تقول:
- ماشي يا حبيبي، بالسلامة.
خرجت من المنزل متجاورين.
ولكن صهيب وقف مكانه. فسألته: ماذا به؟
فقال:
- أول مرة أخرج من البيت لشارع ومطعم، بصراحة خايف.
أمسكت يديه وقالت:
- كل حاجة في أولها صعبة ومخيفة. بس مع بعض هنعدي أي حاجة، صح؟
ابتسم بتوتر وهز رأسه بنعم، وظل صامتًا. ظل محتفظًا بيدها بين يديه. ابتسمت هي لتلك الحركة ومشوا سويًا. ولم تتقدم خطوة واحدة عن خطواته حتى لا يظن أنها تقوم بسحبه.
حين وصلوا إلى المطعم، اختارت زهرة طاولة بعيدة نسبيًا وهادئة وجلست وهي تنظر إليه بحب وقالت:
- المكان هنا تحفة، أنا بحبه جدًا. محترم وديمًا بجيه أنا وجودي.
اقترب النادل منها قائلًا:
- أهلاً آنسة زهرة، نورتي المكان.
ابتسمت بمجاملة وقالت:
- شكرًا جدًا يا حسام. عايزة أحلى فطار مع كوبايتين شاي.
هز رأسه بنعم وتحرك فورًا.
ابتسم صهيب وهو يقول:
- أنتِ معروفة هنا بقا.
أجابته بفخر مصطنع قائلة:
- طبعًا، ده أنا مسيطرة.
كانت لحظات من العمر حقًا. صهيب عاد من جديد. كل ما حلمت به الآن بين يديها أمامها يتجسد في تلك البسمة. قالت بحالمية:
- تعرف إن أنا بحب لون عنيك جدًا.
تحركت تلك العضلة في خده وهو يقول:
- هي لسه زي ما هي ولا اتغيرت؟
قطبت جبينها وقالت:
- لا زي ماهي. بتلمع، قوية، صارمة. بس بتحبني.
ابتسم في سعادة وهو يقول:
- طيب يلا خلينا نروح عشان تلحقي محاضراتك.
حين عبروا من باب المطعم، اصطدم صهيب بشاب يعبر من أمامه. فنهر ه الشاب بفظاظة قائلاً:
- ما تبص أنت أعمى ولا إيه؟
ظل صهيب على وقفته دون أن يتحرك وقال:
- أنا آسف، أنا فعلًا أعمى.
حين لاحظت زهرة ما حدث، حاولت التكلم قائلة:
- يا أستاذ، في إيه؟
نهرها صهيب قائلاً:
- خلاص يا زهرة، يلا بينا.
ساعدته ليركب السيارة. كان صامتًا، مقطب الجبين، لم ينطق بكلمة واحدة حتى وقفت أمام بيته.
فتح الباب وترجل من السيارة.
وتحرك بتخبط. وحين حاولت مساعدته، نهرها قائلاً:
- مش عايز حد يساعدني. وأظن واضح ليكِ لو فضلتِ مستمرة معايا إيه اللي هيحصل. اللي زي ملوش فرصة يعيش يا زهرة.
وتركها واقفة فارغة الفاه وصعد بتخبط واضح.
كانت تنظر إليه وهي تشعر بالخسارة.
كان يجلس في صالة منزل السيدة نوال يشعر بالتوتر والقلق.
حين حادثه سفيان يخبره أن جودي تريد الجلوس معه وأن لديها ما تريد إخباره به.
شعر بالخوف. هل ستخبره بحبها لشخص آخر؟
أم هل ستسحب موافقتها؟ يشعر أن ما سيسمعه منها لن يسره أبدًا.
تقدمت مهيرة بعرجها الواضح، تمشي ببطء وخجل، ووضعت كوبي القهوة على الطاولة الصغيرة. وكادت أن تخرج حين أمسك سفيان يدها وقبلها. فشعرت بالخجل لفعله هذه أمام صديقه. ولكنه ابتسم بشقاوة وقال:
- تسلم إيدك يا حبيبتي.
أشارت له بعينيها على حذيفة الذي يتابع الحوار بابتسامة.
فنظر لصديقه وقال:
- هو أنتِ مكسوفة عشان بظهر لكِ حبي قدام حذيفة؟
لكن أنا مش مكسوف ومستعد أعلنه قدام العالم كله.
سحبت يديها وخرجت سريعًا.
تكلم حذيفة قائلاً:
- ربنا يسعدك يا صاحبي. أنت تستاهل كل خير. وهي كمان واضح إنها طيبة جدًا.
ابتسم سفيان وقال:
- أنا أسعد راجل في الدنيا بوجودها في حياتي.
ونظر له بتشفٍّ وقال:
- عقبالك.
زاد شعور حذيفة بأن القادم أصعب مما يتخيل.
دخلت جودي إلى الغرفة بهدوء وهي تلقي التحية هادئة.
وجلست بجوار سفيان. ظل حذيفة ينظر إليها بتمعن. فقطع سفيان ذلك الصمت وقال:
- أنا هخرج عشر دقائق. تقولوا بسرعة اللي عايزينه، ماشي.
وخرج وهو يبتسم.
نظر إليها حذيفة بتركيز شديد وقال:
- إزيك يا جودي؟
رفعت عينيها إليه وأجابت بهدوء:
- الحمد لله كويسة.
تنهد بصوت عالٍ وقال:
- سفيان قال لي إن في حاجات عايزة تقوليهالي. اتفضلي، أنا سامع.
اعتدلت في جلستها ورفعت رأسها وقالت:
- صحيح. عندي سؤال.
ابتسم وقال:
- اتفضلي.
- شقتك هي اللي هنتجوز فيها، هي نفسها اللي أنت ساكن فيها دلوقتي؟
قطب جبينه قليلاً من غرابة السؤال. لم يتوقع هذه الأسئلة.
ولكنه هز رأسه بنعم وقال:
- أيوه هي.
هزت رأسها هي الأخرى وقالت:
- وي ترى الشقة دي كام أوضة؟
قال لنفسه باندهاش: "هي ليه مركزة مع الشقة أوي كده؟ غريبة."
حرك كتفيه عالياً وقال:
- تلات أوض ورسبشن كبير وأوضة ليفينج ومطبخ وحمام.
أجابها إجابة وافية حتى ينتهي من قصة الشقة وتقول ما يريحه.
ظلت صامتة لثوانٍ ثم قالت:
- أنا موافقة أتجوزك يا حذيفة. بس...
صمتت بقصد تزيد من توتره الواضح وحتى ترى تلك التعابير الذي أنعشت قلبها ووضعت القليل من الأمل بجانب الأمل الذي زرعه سفيان داخلها.
قال باندهاش مستفهم:
- بس إيه؟
أسندت ظهرها على الكرسي قائلة ببرود:
- أنا وافقت بس عشان أواب. يعني اعتبر نفسك جبت بيبي سيتر لابنك مضمونة، عشان هي بتحبه جدًا وهو كمان متعلق بيها.
ظهرت معالم الغضب على وجهه ولكنه تماسك قائلاً:
- بيبي سيتر؟ طيب ما أواب عنده بيبي سيتر مدام ناهد لو متعرفيهاش، مش محتاج واحدة جديدة.
وكأنها كانت تنتظر تلك الكلمة، فوقفت على قدميها قائلة:
- طيب إذا كان كده، طلبك مرفوض.
ينظر إليها بصدمة. إنها المرة الثانية التي ترفضه فيها. هل حقًا ستتزوجه من أجل أواب؟ حدث نفسه سريعًا:
"طيب أنا كده هضيعها من إيدي. أوافق ولما تبقى في بيتي هعرف إزاي أخليها تحبني."
ناداها قبل أن تغادر قائلاً:
- خلاص، أنا آسف. أنا عايز أتزوجك يا جودي. محتاجك في حياتي وحياة ابني.
نظرت إليه بطرف عينيها دون أن تلتفت وقالت:
- يعني موافق على كلامي؟
أجابها:
- أيوه.
على نفس وقفتها قالت:
- هتكون ليا غرفة لوحدي.
أجابها سريعًا وهو يشعر أن قلبه ينغز بقوة:
- حاضر.
أكملت:
- والتعامل ما بينا برسمية.
قطب جبينه غيظًا ولكنه قال:
- حاضر.
ابتسمت دون أن ينتبه وقالت:
- هنادي لسفيان واتفق معاه على كل حاجة. بس مفيش حاجة هتحصل إلا بعد الامتحانات، يعني بعد شهر.
قال سفيان الذي ظهر فجأة:
- وسفيان هنا أهو. وكلامك كله أوامر يا قمر. ألف مبروك يا حبيبتي.
وقبلها على جبينها قبلة جعلت الذي يشاهدهم يغلي غيظًا.
رواية جاريتي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة مجدي
عاد السيد راجي إلى أرض الوطن بعدما أُغلقت في وجهه كل السبل، حيث لم يستطع الوصول لسفيان، وأيضًا رؤوف هاتفه دائمًا مغلق.
حين خرج من المطار، كان حارس الشهاوي واقفًا في انتظاره. تقدم منه وأمسك الحقيبة ووضعها في السيارة، وتحرك به قاصدًا قصر الشهاوي.
كان يفكر طوال الطريق أن هذه هي النهاية. لقد دمر حياته بيده. كانت صورة مريم تتجسد أمامه وهو يلوم نفسه على كل لحظة تألمت بسببه. ابنته، الذي أضاعها هي الأخرى من يده. حدث نفسه قائلًا:
«أدفع ثمن كل الظلم الذي عاشته مريم معك، ومن بعدها ابنتك، وكل شخص ظلمته في يوم.»
أفاق من شروده على توقف السيارة أمام السلم الكبير لقصر الشهاوي. ترجل من السيارة ليجد الشهاوي يقف أعلى الدرج ينظر إليه من علو.
ها هو ذلك الخسيس يقضي على أسطورة السوق، السيد راجي الكاشف.
ظل الشهاوي على وقفته لبعض الوقت، وعلى وجهه ابتسامة نصر يقف بغرور وتكبر.
خطى السيد راجي خطوة واحدة ووقف مكانه حين استمع لصوت سيارات تعبر من البوابة الكبيرة. تعرف على سيارة سفيان، وشعر بسعادة غامرة.
ترجل سفيان من السيارة وترك الرجال التي كانت بالسيارات الأخرى تتعامل مع حراس الشهاوي، ووقف أمام السيد راجي. ودون كلمة، مد يده له ببعض الأوراق.
نظر السيد راجي إلى ما في يده وقرأ ما بها، ثم نظر إلى سفيان وهو مقطب الجبين. فتكلم سفيان دون مراوغة:
- أنت عارف هو بيعمل كل ده علشان يستولي على مجموعة الكاشف. وبالفعل قدر يورط المجموعة في شغل مشبوه.
صمت قليلاً ثم أكمل بصرامة:
- هما حلين: تتجوز ندى الشهاوي وتحافظ على المجموعة باسمك وتكون شريك معاه، أو تبيع المجموعة وتنقذ نفسك.
ظل السيد راجي ينظر لسفيان بتركيز وهو يفكر في كل كلمة، ثم قال:
- تفتكر هو هيوافق بده؟
رفع سفيان حاجبه الأيسر وقال:
- سيب الموضوع ده عليا.
في هذا الوقت، كان رجال سفيان استطاعوا السيطرة على حرس الشهاوي. الذي يتابع ما يحدث بتركيز، ولكنه مطمئن. هو لم يترك ولو ثغرة صغيرة لراجي يستطيع منها الهرب.
أخرج راجي القلم ووقع الأوراق وأعادها لسفيان، الذي أشار لإحدى الرجال خلفه. فتقدم من السيد راجي وتحرك به إلى سيارة سفيان. ووقف أمام الباب.
نظر سفيان لوقفة الشهاوي لثوانٍ معدودة، ثم تحرك باتجاهه. وحين وقف أمامه، مد يده الممسكة بالأوراق إليه دون كلام.
أمسك الشهاوي الأوراق واطلع عليها بنظرة انتصار، ثم نظر لسفيان قائلًا:
- والقصر؟
توحشت نظرات سفيان وقال:
- احلم بيه، وإن شاء الله هتلاقيه في جهنم.
ونزل خطوة واحدة ثم وقف ونظر للشهاوي بطرف عينيه وقال:
- لو فكرت تقرب من السيد راجي تاني، افتكر إن إحنا مبقاش عندنا اللي نخسره. وأصعب لعب ألعب مع حد معندوش اللي يخسره.
ونزل السلم سريعًا عائدًا لسيارته وركبها بجوار السيد راجي وأدار المحرك وتحرك فورًا مغادرًا ذلك القصر.
كان السيد راجي يشعر بالانكسار. لقد فقد كل شيء. مجموعة شركاته الكبيرة الأسطورية، الآن أصبحت ملك ذلك المتسلق الصعلوك الشهاوي.
نظر لسفيان ثم قال:
- هعمل إيه دلوقتي يا سفيان؟ أنا خلاص كده انتهيت.
نظر إليه نظرة خاطفة، هو يحاول أن يلجم غضبه منه كلما تذكر كلمات مهيرة. وما حدث معها وكل ما مرت به كان سببه ذلك الرجل الذي بجانبه.
تكلم سفيان كاظماً لغيظه قائلاً:
- القصر لسه ملكك، ممكن تبيعه وتشوف مشروع جديد وتشتغل.
ابتسم السيد راجي بتهكم وهو يقول:
- هبقى أشوف هعمل إيه.
صمتوا لدقائق ثم قال:
- مهيرة عاملة إيه؟ وحشاني جدًا. لو ممكن يا سفيان نروح لها، أنا محتاج أشوفها أوي.
كاد أن يصرخ به: أي نوع من الآباء أنت اليوم تريد أن تراها، وأنت كنت سبب كل معاناتها، سبب إصابة قدمها وإحساسها الدائم بالدونية، حرمانها من أمها، إشعارها الدائم أنها ناقصة وليست الفتاة التي حلم بها ابنة له.
الآن يريد أن يقابلها؟ لا، وألف لا. فأجابه بتشفٍّ:
- آسف والله، بس هي مش في البيت، هي عند والدتها.
شحب وجه السيد راجي. هل وصلت مهيرة لمريم؟ إذا هي عرفت كل شيء وماذا فعلت بها؟ إذا لا أمل له في غفران وسماح.
نكس رأسه قليلاً ثم قال:
- تمام، خلينا نروح على القصر، وإن شاء الله أمشي في إجراءات بيع القصر، علشان أسافر تاني. أنا مبقاش ليا حد هنا ولا مكان.
شعر سفيان من داخله بالسعادة، فمهيرة بدأت في الفترة الأخيرة تستعيد ثقتها بنفسها وحبها للحياة وإقبالها عليها، وجوده في حياتها بدعمه المشروط وحبه الكبير. وأيضًا وجود أمها بحياتها ومساندتها. وأيضًا العائلة الصغيرة التي أصبحت فيها من أهم أعضائها. كل ذلك يمكن أن يتهدم إذا رأته أمامها سبب كل مشاكلها ومعاناتها.
قال سفيان بصوت هادئ:
- تمام، هكلم الناس معارفنا وهما هيتصرفوا.
لماذا شعر بالخيبة حين لم يعقب سفيان على كلماته؟ مؤكد عرف أي أب سي هو. عرف كل ما فعله بابنته. سفيان يريد الانتقام منه ومعه حق. الآن هو وقت الحساب. الآن يدفع ثمن كل أخطائه. وياله من ثمن مؤلم وجارح.
كانت جودي تجلس بجانب زهرة تحاول أن تقويها وتدعمها. أن حالتها المنهارة تلك لن تأتي إلا بنتائج عكسية.
أمسكت يدها وهي تقول:
- صهيب دلوقتي محتاجك أكتر من الأول، محتاج إنك تثبتي له إنك متمسكة بيه وإن مفيش حاجة في الكون هتبعدك عنه. هو محتاج دلوقتي لقوتك وصبرك وحبك.
تنهدت زهرة بصوت عالٍ. هي تعرف ذلك جيدًا. الآن لا مجال للانهيار أو التراجع. كل كلمة قالتها جودي هي تعرفها جيدًا، لكن بداخلها خوف كبير يجعلها تشعر أن كل شيء ضاع من بين يديها.
نظرت لجودي وهي تقول:
- أنا عارفة يا جودي، لكن خايفة. خايفة جدًا. اللي حصل المرة دي مش مني ومنه، ده برانا وده أثر أكتر وخلّاه يرجع لإحساس إني مينفعش ارتبط بيه لأنه عاجز.
رفعت رأسها إلى السماء وقالت:
- يارب خد نظري ورجعله نظره، أنا موافقة وراضية. يارب ساعدني.
صمتوا قليلاً ثم قالت جودي بصوت ساخر:
- عرفتي خبر الموسم؟
نظرت لها زهرة بتمعن وقالت:
- خير؟ إيه اللي حصل؟ خلينا نفرح شوية.
نظرت لها جودي بتهكم وهي رافعة لحاجبها قائلة:
- والله... طيب اسمعي بقى يا حلوة... أنا وحذيفة خطوبتنا بعد أسبوع.
كانت زهرة تنظر إليها وكأنها كائن فضائي. وقالت باندهاش وسعادة:
- بجد يا جودي؟ وأخيرًا!
أشارت لها جودي أن تصمت ولا تكمل حديثها قائلة:
- مش زي ما أنتِ فاكرة. أنا مش في قلبه أصلاً. ابنه متعلق بيا جدًا وعلشان كده هنتجوز.
قطبت زهرة جبينها وهي تقول:
- يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. وبعدين جواز إيه ده اللي علشان ابنه؟ يعني إيه؟
تنهدت جودي بصوت عالٍ ثم قالت:
- يعني مفيش حب من ناحيته. ده حتى مفكرش يقولها بالكذب. لأ، وسفيان مقتنع إن هو بيحبني. مش عارفة جايب التأكيد ده منين.
تنهدت زهرة وهي تلوّي فمها قائلة:
- هو إحنا ليه بيحصل معانا كده؟ إحنا بنحبهم وهما بيحبونا ليه يعذبونا معاهم كده ليه؟
لتقول جودي بتهجم:
- اتكلمي على صهيب. حذيفة بره الكلام ده.
عم الصمت عليهم لبعض الوقت، ثم نظروا لبعضهم البعض وانفجرا من الضحك.
وبعد عدة دقائق، وقف أمامهم شبح رجل كان يومًا شابًا وسيمًا.
كأنه يقف أحمد صديقه لحازم أمامهم في حيرة من أمره. كانت ملابسه مهملة وشعره مشعث. يبدو عليه الإرهاق.
كانت جودي تنظر له بخوف وذكرى ما فعله معها حازم تعود لها.
تكلم قائلاً:
- أنا آسف يا آنسة جودي، بس ارجوكي اسمعيني. حازم عمل حادثة كبيرة ورجله اتقطعت، وكمان اتعمى. وهو عايز يشوفك ضروري.
حاولت الاعتراض أو الغضب عليه واتهامه بأنه يكذب وأنها لعبة جديدة منهم. أشار لها بيده وقال:
- ليكي حق متصدقيش.
أخرج من جيبه ورقة مطوية مكتوب بها عنوان المستشفى ورقم الغرفة وقال:
- هنا عنوان المستشفى ورقم الغرفة. ارجوكي، ده رجاء من حازم نفسه بعد ما فقد كل حاجة.
رواية جاريتي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة مجدي
ظلت جودي تنظر إلى الورقة في يديها وهي تشعر بالحيرة والخوف.
وكانت زهرة لا تقل عنها حيرة.
نظرت لها وهي تقول:
- هتعملي إيه؟
نظراتها كانت كلها خوف وحيرة، ولم تجبها.
في ذلك الوقت، كان يقف من بعيد يراقب ما حدث باندهاش.
من هذا الشخص؟ هيئته المزرية أثارت ريبته وقلقه، وتلك الورقة التي أعطاها لها...
وصمتها ونظراتها الخائفة.
لم يشعر غير وقدمه تتحرك من تلقاء نفسها في اتجاهها.
وقف أمامها، وما زاد من خوفها عليها أنها لم تشعر به ولم تنتبه لوقوفه أمامها.
ناداها بهدوء، عكس ما بداخله من قلق وتوتر.
رفعت عينيها إليه ليصدم بكل ذلك الخوف بداخلهم.
تقدم خطوة واحدة وهو يقول:
- مالك يا جودي؟ في إيه؟ ومين اللي كان واقف معاكم ده؟
ظلت نظرات الخوف والضياع، وهي تمد يدها له بالورقة.
أمسكها وفتحها سريعاً وهو مقطب الجبين وقال:
- مش فاهم، إيه ده؟
تكلمت زهرة سريعاً قائلة:
- اللي كان واقف ده أحمد، صديق حازم العامري.
انتبهت كل حواس حذيفة وهو يقول:
- عمل حاجة تضايقكم؟
حركت رأسها بلا، وتكلمت قائلة:
- لأ خالص يا دكتور. هو بيقول إن حازم عمل حادثة ورجله اتقطعت وكمان اتعمى، وعايز جودي تزوره في المستشفى. والورقة دي فيها عنوان المستشفى ورقم الأوضة.
هز رأسه بنعم، وهو يعود بتركيزه لجودي وقال:
- طيب، وأنتِ خايفة من إيه؟
ظلت نظراتها ثابتة ولم تجيبه.
فقال هو بتقرير:
- خايفة يكون فخ... وخايفة لو مرحتيش يكون فعلاً الكلام ده حقيقي.
سالت دموعها وهي تهز رأسها بنعم.
ابتسم في تشجيع، وكأنه يتحدث لابنه أو أب.
وقال:
- خلاص مفيش مشكلة... أنتِ هتروحي بس مش لوحدك.
وأخرج هاتفه واتصل على صديقه وقال:
- أنت فين يا صاحبي؟
أجابته سفيان بقلق على جودي، فطمئنه وحكى له كل ما حدث.
وبعد أن استمع لإجابته، أغلق الهاتف ونظر لتلك التي تنظر إليه في خوف قائلاً:
- نص ساعة وسفيان يوصل ونروح كلنا. ولو الآنسة زهرة تحب تيجي معانا.
اقتربت زهرة من جودي وحاوطتها بذراعها وهي تقول:
- أكيد هاجي، مش هسيبها لوحدها. بس ثواني أعمل تليفون.
وتركتهم وتحركت خطوتين.
كانت تعلم أنه لن يجيب على الهاتف، فاتصلت بزوجة عمها مباشرة وقالت لها:
- ارجوكي ادخلي الأوضة عنده وافتحي الإسبيكر، لازم يسمعني.
نفذت زوجة عمها، وبالفعل دخلت غرفة ابنها الذي كان جالساً سارحاً ومهموماً.
ووضعت الهاتف على الطاولة أمامه وخرجت.
انتبه على صوت زهرة الباكي وهي تقول:
- أقسم بالله بحبك وعمري ما هبعد عنك... ومستعدة أرجع لاتفقنا القديم... أكون مجرد خدامة تحت رجليك بس أرجوك يا صهيب أوعى تفكر تسيبني... أوعى توجعلي قلبي... هموت في بعدك والله هموت... أنا متأكدة إنك سامعني، صوت أنفاسك بالنسبالي حياة أعيش عمري كله أسمعهم وعمري ما آمل... صهيب أنت كل حياتي، أنت روحي، كياني، قلبي وعقلي... أنا بكلمك دلوقتي علشان أستأذنك أروح مع جودي وخطيبها وأخوها مشوار ضروري.
وقصت عليه كل ما حدث وأخبرته عن خطبة جودي للدكتور حذيفة وعن حالة جودي وبكائها وخوفها وأنها لا تريد أن تخذلها من جديد.
ولكنها تريد موافقته وعلمه بالأمر.
وختمت كلماتها وهي تقول:
- هتسمح لي يا سيدي أروح معاها.
صمتت تنتظر، تستمع جيداً لصوت أنفاسه العالية.
وبعد عدة دقائق، كانت على وشك اليأس من أن تجد منه رد.
كادت أن تتكلم حين قال لها بصوته الرخيم:
- دكتور حذيفة قريب منك... خليني أكلمه.
ابتسمت في سعادة وقالت:
- حاضر يا سيدي، حاضر.
وعادت تلك الخطوات التي ابتعدتها، ومدت يدها لحذيفة بالهاتف وقالت:
- خطيبي عايز يكلم حضرتك.
ابتسم حذيفة بمجاملة وأمسك الهاتف قائلاً:
- السلام عليكم.
أجابه صهيب قائلاً:
- وعليكم السلام، دكتور حذيفة مع حضرتك صهيب، خطيب زهرة وابن عمها.
أجابه حذيفة بترحيب:
- أهلاً وسهلاً أستاذ صهيب.
ابتسم صهيب بحزن وقال:
- باشمهندس لو مصر على الألقاب.
ضحك حذيفة وقال:
- ما أنت كمان بتقول دكتور.
ابتسم صهيب وقال مباشرة:
- أرجوك خلي بالك من زهرة، أنا عندي صورة عن حالة الآنسة جودي... بس أرجوك زهرة في أمانتك.
تكلم صهيب سريعاً وبحمية رجولية قائلاً:
- متقلقش، هي مع أخوها. فرقبتي يا صهيب.
تكلم صهيب سريعاً قائلاً:
- وأنا مطمن... فرصة سعيدة جداً وسعيد إني اتعرفت عليك.
أجابه حذيفة بود قائلاً:
- وأنا كمان... الآنسة زهرة معاك؟
أمسكت الهاتف وابتعدت من جديد.
لتسمعه يقول:
- خلصي وطمنيني.
أجابته سريعاً:
- حاضر.
صمتت وهو أيضاً.
وبعد دقيقة كاملة قال:
- استأذني من عمي وتعالى اتغدى معانا، في كلام كتير محتاجين نقوله.
وأغلق الخط سريعاً دون أن يستمع لرد.
في نفس التوقيت، كان سفيان قد أوصل السيد راجي إلى قصره وغادر سريعاً.
وهو بالطريق، قرر محادثتها يريد أن يستمع لصوتها، يشعر بقربها.
كان الهاتف على أذنه ينتظر أن يسمع صوتها الناعم الحنون.
خفق قلبه بقوة وهو يستمع إلى همستها باسمه.
عادة فيها حين تجيب أحداً في الهاتف لا تقول أي عبارة ترحيب، ولكنها تقول اسم المتصل، وكأن هذا الاسم هو أحلى عبارات الترحيب.
ابتسم وهو يجيبها:
- قلب سفيان.
صمتت، ما زالت تخجل منه وما زالت لا تستطيع أن تعبر عما بداخلها.
ابتسم وهو يلاعبها قائلاً:
- خدودك احمرت وعينيكي بتبص في كل الاتجاهات، ومسكتي خصلة شعرك بتشديها صح.
صمت تام، غير تلك الأنفاس الذي يسمعها بقلبه.
لظن أنها أغلقت الهاتف، فقال بصوت عالٍ نسبياً:
- سيبى شعرك.
انتفضت في مكانها، وبالفعل تركت خصلة شعرها التي تتلاعب بها.
ابتسم وهو يقول:
- وحشتيني.
قطبت تلك التي تحادثه بصمت من هذا التحول في كلامه، ولكنها بالأخير ابتسمت.
قال لها بحب حقيقي:
- وحشتيني أوي يا مهيرة. تعرفي نفسي آخدك ونروح مكان بعيد بعيد جداً... ننسى الناس واللي حصل واللي هيحصل. نفسي أخليكي أسعد واحدة في الدنيا.
كانت تستمع إليه ودموعها تغرق وجهها.
شهقة خافتة جعلته ينتبه، فصمت قليلاً ثم قال:
- بتعيطي ليه؟ قولت إيه زعلك؟ طيب يارب أموت.
فقالت سريعاً:
- بعيد الشر عنك، ليه بتقول كده؟ أنا مليش حد غيرك.
ابتسم في سعادة وقال:
- شكل نوال دعتلي النهاردة وهي بتصلي. أنا هقفل على الكلمة الحلوة دي، ولما أرجع لك بقا نشوف موضوع "ملكيش حد" دي. سلام يا قلب سفيان.
وصل سفيان أمام باب الجامعة واتصل بحذيفة، فخرجا إليه.
فتترجل سفيان من السيارة لترتمي جودي بين ذراعيه حتى تشعر بالأمان.
شعر حذيفة بالألم، لماذا لم تشعر معه بالأمان؟ لماذا لم يشعر أنها شعرت بالارتياح بوجوده كوجود سفيان بجانبها؟
جز على أسنانه غيظاً، ولكنه حاول أن لا يظهر أي شيء.
ولكن كانت عيون زهرة تقرأ كل ما يدور بداخله.
ابتسمت بداخلها وهي تقسم أن حذيفة لا يحب جودي، ولكنه يعشقها.
حين وصلوا أمام المستشفى، قال سفيان:
- هنزل أنا أسأل إذا كان موجود فعلاً ولا لأ.
أمسكت جودي في يده وهي تهز رأسها بلا وقالت:
- متسبنيش لوحدي.
قطب سفيان حاجبيه وهو يقول:
- خايفة من إيه يا جودي؟ كلنا معاكي. وبعدين الأستاذ خطيبك ده بيعمل إيه؟ ما أنا سايبه معاكي أهو.
كان حذيفة يغلي حرفياً.
هو لا يعني شيئاً بالنسبة لها.
هي لا تشعر بالأمان في وجوده.
هو ليس السند والحماية.
ظل ينظر إليها وسفيان يحدثها كأنها طفل صغير.
لم يتحمل، فتح باب السيارة وترجل منها ودخل إلى المستشفى.
نظر سفيان إلى ظهر صديقه وهو يتفهم حالته.
وحين عاد بنظره لأخته، تلاقت عينيه بزهره التي ابتسمت وقالت بهمس:
- بيحبها.
أومأ برأسه نعم، وهو يعود بتركيزه لتلك التي ترتجف ولا يفهم سبب ذلك.
عاد حذيفة بوجه غير الذي دخل به وهو يقول:
- اللي قالوه أحمد صح... وحالة حازم مطمنش أبداً... والدكاترة مش مطمنين خالص.
ترجلت جودي من السيارة سريعاً ووقفت أمام حذيفة وهي تمسك بيده قائلة:
- أرجوك يا حذيفة خليني أنفذ له طلبه، خلينا ندخله.
نظر إلى صديقه الذي غمز له بأن يذهب بها.
وحين تحرك، ترجلت زهرة من السيارة.
ولحقها سفيان، ولحقا بجودي وحذيفة.
طرق حذيفة الباب، ولكنه لم يستمع لرد.
فعاد الطرق مرة أخرى، ولكن لا رد.
ففتح الباب ببطء، لتتسع عينيه دهشة وصدمة.
لحقته جودي لتكون حالتها تشابه حالته، ولكنها كتمت شهقة كادت أن تخرج منها.
كان هناك شبح رجل كان في يوم ما في قمة العنفوان والجبروت والشباب والصحة.
الآن، لم يبق منه حطام إنسان في حالة مزرية.
ضمادة كبيرة تلف رأسه وعينيه وذراعه الأيمن في الجبس بكامله.
وكانت الملاءة من عند قدميه مليئة بالدماء والفراغ تحتها واضح لذكرى ساقين ذهبا ولن يعودا أبداً.
ظل حذيفة واقفاً في مكانه يشعر بالألم حقاً على ذلك الشاب الذي أضاع عمره هباء.
تقدمت جودي ببطء.
استشعر ذلك الممد على السرير وقال بقلق:
- مين؟
وضعت يدها مرة أخرى تكتم شهقة ودموعها لا تتوقف.
أعاد سؤاله مرة أخرى:
- مين هنا؟
حاولت جودي تمالك نفسها وإخراج أي صوت، فقالت بصوت يشبه الهمس:
- أنا جودي... ألف سلامة عليك يا حازم... شد حيلك وإن شاء الله هتكون كويس.
مد يده يبحث عنها في كل مكان وهو يقول:
- أنتِ بجد هنا؟ بجد جيتي زي ما طلبت؟
مدت يدها له، فامسكها كالغريق الذي وجد طوق النجاة.
تحفزت كل عضلة في ذلك الواقف عند الباب، وكذلك هؤلاء المتابعين في صمت ما يحدث من خارج الغرفة.
ظل يقبل يدها في توسل وهو يقول:
- أنا آسف، سامحيني... أنا كذبت وسرقت وزنيت وشربت خمرة ولعبت قمار... عملت كل حاجة تغضب ربنا، بس والله تبت... تبت. فاضل ذنب واحد بس اللي عملته فيك واللي كنت ناوي أعمله... أبوس إيدك سامحيني. ولو كنت أقدر أقوم كنت ركعت تحت رجليكي وبستها علشان تسامحيني... أنا آسف، أرجوكي، أرجوكي سامحيني.
ربتت جودي على يده وقالت:
- اهدى يا حازم، والله مسامحاك... اهدى بلاش تعمل كده، وإن شاء الله هتخف وهتكون كويس.
بكى بصوت عالٍ كالاطفال وقال:
- لو عشت هعذب كل اللي حواليا. رجليا الاتنين اتقطعوا وبقيت أعمى... ربنا عقابه شديد أوووي، لكن أنا كمان ذنبي كان كبير كبير أوووي، بس خلاص طالما أنتِ مسمحاني كل حاجة تهون... وياريت تقولي لدكتور حذيفة كمان يسامحني.
نظرت جودي لحذيفة الذي تقدم ووقف بجانبها وقال:
- مسامحك يا حازم... وإن شاء الله تقوم بالسلامة.
مد حازم يده ليمسكها حذيفة وربت عليها، ولكن حازم سحبها ليقبلها، ولكن حذيفة أبعدها فوراً وهو يقول:
- مفيش داعي يا حازم، إحنا بجد مسامحينك وربنا يسامحنا جميعاً.
بكى وبكى كالأطفال وهو يقول:
- يارب... يارب.
كانت كل الأجهزة المحيطة به بحالة جسده الهزيلة تقطع القلوب التي تشاهده.
خرجت جودي وحذيفة من الغرفة وكلماته ترتد صداها في صدورهم.
"يارب الحمد لله، يارب سامحني، يارب سامحني، يارب".
وفجأة صدر صوت عالٍ من ذلك الجهاز بجانبه.
حضر الطبيب سريعاً، ولكن الله أراد أن يريح ذلك الذي عاد إلى صوابه وإلى الله.
صحيح أخطأ، ولكن الله أرآه قدرته وليرحمه الله.
صرخت جودي صرخة صغيرة كتمها صدر حذيفة الذي ضمها وهو يدعو الله أن يرحمه.
كانت زهرة تبكي بصمت وابتعدت عن الجميع وأخرجت هاتفها وطلبت رقمه.
وحين أجابها قالت سريعاً:
- مات... مات يا صهيب، مات.
وظلت تبكي وتبكي.
وكان هو كالأسد الحبيس، لا يعرف ماذا عليه أن يفعل الآن.
كانت خديجة تعمل بالمطبخ بعصبية شديدة.
اليوم الذي يقضيه لدى مريم تشعر وكأن بها نار حية تأكلها.
تستمع إلى صوت ضحكته العالية الخارجة من قلبه بسعادة حقيقية.
تتألم لما لم يحبها كحبه لمريم، لما لا يراها كما يرى مريم.
ولكنها لا تستطيع الابتعاد عنه مهما حاولت.
كان يراقب حركاتها وهو يقف عند باب المطبخ، يعلم ما يدور بداخلها ويعلم أيضاً أنه يظلمها.
ولكنه ظلم نفسه ومريم لسنوات.
ولكن هذا لا يجعله يقبل بظلمها.
تقدم منها في هدوء.
من المفترض اليوم هو بقائه مع مريم، ولكنه اتصل بها وأخبرها عن حالة خديجة، فوافقت على بقائه معها بقلب ونفس راضية.
وصل خلف خديجة مباشرة وبسرعة حملها كطفلة صغيرة بين يديه.
رغم عمره الذي تجاوز الخمسين، ولكنه ما زال يحافظ على لياقته.
صرخت خديجة خوفاً وهي تقول:
- نزلني يا عادل علشان ظهرك.
ابتسم وهو يقول:
- ده أنا أشيلك طول عمري يا ديجة.
وتحرك بها إلى الغرفة ومددها على السرير وجلس عند قدميها يدلكها لها.
سحبت قدميها وهي تقول:
- ميصحش يا عادل.
أعاد قدمها وظل يدلكها لها وهو يقول:
- أنتِ مراتي حبيبتي... وبعدين إحنا واحد... وراحتك واجب عليا.
كانت الدموع تسيل من عينيها في صمت.
حين لاحظها، اقترب منها ليضمها إلى صدره قائلاً:
- اقسم لك بالله العظيم لو كان قلبي بإيدي كنت حبيتك أنتِ من أول يوم. وده مش معناه إني مش بحبك... بالعكس، أنا بحبك جداً، بحب قلبك الطيب وروحك الهادية، بحب اهتمامك وحبك ليا. يا ديجة أنتِ مراتي حبيبتي، ليكي مكانة في قلبي كبيرة جداً ومحدش أبداً هيوصلها.
نظرت له ودموعها تغطي وجهها:
- بجد يا عادل... بتحبني.
ابتسم وهو يمسح تلك الدموع وقال:
- بحبك... أنا بحبك... أقسم بالله بحبك.
اخفضت نظراتها وقالت:
- ولما أنا كل ده، مريم بقا عندك إيه؟
تنهد بصوت عالٍ وهو يقول:
- مريم بنت عمي وحلم طفولتي وحب المراهقة وتحدي في عنفوان الشباب... وحرمان السنين.
صمت قليلاً ثم قال:
- ممكن أطلب منك طلب.
هزت رأسها بنعم.
أمسك يدها وقبلها بحب وهو يقول:
- أنا بشكرك من كل قلبي علشان ساعدتيني أشيل وزر كبير كنت هتحاسب عليه يوم القيامة... بس كمان أنا مش عايزك تكوني زعلانة. ممكن اليوم اللي هكون فيه تحت تفكري إن أنا مثلاً عندي شغل مسافر، أي حاجة. بس ارجوكى بلاش تزعلي وتنقهري كده. بلاش أحس كل ما أشوفك إني كفرت عن ذنب عشان أشيل ذنب جديد.
ظلت تنظر إليه بصمت، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تهز رأسها بنعم.
رواية جاريتي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة مجدي
كان يستمع لصوت بكائها وأصوات أخرى من حوله، لعن الحادث ولعن نفسه، ولعن عينيه اللتين تقيدانه. صرخ بها بصوت عالٍ قائلاً:
- تعالى فوراً يا زهرة، تعاليلي فوراً.
هزت رأسها وكأنه يراها، وأغلقت.
عادت تقف بجانب جودي التي تشاهد كل ما يحدث حولها بشرود وصدمة. تقدم منهم سفيان وقال:
- يلا يا بنات، خليني أروحكم عشان أرجع أشوف إيه اللي هيحصل.
ثم نظر إلى حذيفة قائلاً:
- خليك هنا، ولو في أي حاجة كلمني.
هز حذيفة رأسه وهو يربت على كتف سفيان. وتحرك ليقف أمام جودي قائلاً:
- جودي، تماسكِ. وادعيلوا، هو محتاج الدعاء مش العياط. خليكي قوية زي ما أنا متعود منك.
كانت تنظر إليه بتركيز وهزت رأسها بنعم. وتحركت مع سفيان في صمت، تستند على زهرة التي تحتاج أيضاً لدعم كهذا الدعم الذي يقدمه حذيفة لجودي.
حين أوصلها سفيان، وقفت أمام البيت تنظر إليه بضياع. لا تعلم أن كانت ستجد ما تحتاجه لديه الآن.
صعدت وهي غير متوقعة أي دعم، بل هي تعرف جيداً ماذا يريد، وكل ما سيخبرها به. وليكن ما يكن، هي مجهدة، مستنزفة. لن تتمسك بأحد لا يريدها.
حين فتحت الحاجة راضية الباب، ألمها قلبها على مظهر زهرة الذابل الحزين. أشارت لها بالدخول حين قالت:
- اتفضلي يا حبيبتي.
هزت زهرة رأسها، فهي حقاً لا يوجد لديها طاقة للحديث. وقبل أن تتحدث زوجة عمها مرة أخرى، سمعت صوته من خلفها يناديها بلهفة.
ألتفتت إليه لتجده يقف عند باب الغرفة فاتح ذراعيه إليها لتركض إليه سريعاً وترتمي بين ذراعيه باكية.
ظل يربت على ظهرها في محاولة لتهدئتها، وجلس أرضاً بها. كانت تهذي:
- اتعذب كتير يا صهيب. رجله الاتنين اتقطعوا واتعمى. باس أيد جودي عشان تسامحه. كان بيقول يارب بحرقة وألم وندم.
ظل يربت على ظهرها وقال:
- ربنا يرحمه ويغفر له. أهدي يا حبيبتي، أهدي.
رفعت رأسها عن صدره وظلت تنظر إليه. ثم هدرت به بصوت عالٍ وهي تضربه على صدره:
- حبيبتك ولما أنا حبيبتك بتعذبني ليه؟ بتكسر فرحتي بقربك ليه؟ ديما محسسني إن أنا اللي بحبك بس. ليه ديما محسسني إنك سراب؟ كل ما أقرب منك تبعد. ليه مش عايز تقتنع إن أنا بحبك، بعشقك؟ بعشق التراب اللي بتمشي عليه لو أطول أتكحل بيه هتكحل. قلبي وعقلي وروحي ملكك من وأنا لسه في اللفة. ليه بتوجع قلبي؟ ليه؟
كانت مع كل كلمة تبكي بحرقة وتضرب صدره موضع قلبه. كان مستسلماً تماماً لضرباتها، كان يتعذب لعذابها. يعشقها كما تعشقه ويتمنى قربها. ولكن هل ما حدث اليوم سيتكرر؟ أم ستسجن نفسها معه داخل جدران البيت؟ ماذا سيحدث إن ضايقها أحد بالشارع؟ ماذا سيفعل وقتها؟ أم الأهم من كل ذلك هو قربها.
هدأت ضرباتها وبكائها، ولم يتبق سوى شهقات متباعدة.
أمسك كتفيها وهو يقول:
- عارف إني تعبك معايا، بس أقسم لك أنا كمان تعبان. تعبان جداً.
صمت قليلاً ثم قال:
- بس لآخر مرة هقولهالك يا زهرة. وبعد كده لا أنا ولا أنتِ لينا الحق نرجع فيها.
ظلت صامته لثوانٍ ثم قال:
- أنتِ متأكدة إنك عايزة تعيشي معايا عمرك كله؟ ودي الإجابة الأخيرة.
ظلت تنظر له بغل، ووقفت على قدميها ونظرت إليه من علو وقالت:
- أيوه يا صهيب، آخر قرار. عايزة أعيش معاك عمري كله.
ثم انحنت لتهمس له قائلة:
- بس وحياة حبي ليك قصاد كل العذاب اللي شفته منك، لهوريك أيام سودة.
وتحركت سريعاً من أمامه دون أن تلمح تلك الإبتسامة السعيدة التي ارتسمت على وجهه.
حين وصل إلى البيت هو وجودي، اتصل على صديقه ليعرف ماذا يحدث في المستشفى وما قرره أهل حازم.
أجابه حذيفة قائلاً:
- خلاص يا سفيان، والده خلص كل الإجراءات. واحنا دلوقتي في الطريق وقربنا نوصل.
فقال سفيان سريعاً وهو يدير السيارة:
- قول لي العنوان.
أجابه حذيفة قائلاً:
- مش هتلحق، احنا خلاص تقريباً وصلنا. خليك أنت مع جودي.
تنهد سفيان وقال:
- ابقى كلمني بعد ما تخلص.
وأغلق الهاتف وترجل من السيارة وصعد إلى شقة والدته. سألها عن جودي، أجابته قائلة:
- في أوضتها. إيه اللي حصل يا ابني ومالها أختك؟
جلس أمامها وقص عليها كل ما حدث من البداية. من أول ما حدث بالجامعة حتى لحظة وفاة حازم.
كانت دموع السيدة نوال تسيل على خدها في صمت، وظلت تدعو له بالرحمة والمغفرة. ربت سفيان على ركبتها. ووقف حتى يدخل لأخته، ولكن السيدة نوال أمسكت يده قائلة:
- سيبها يا سفيان، خليها تقعد مع نفسها. سيبها تبكي وتزعل من غير ما حد يشوفها عشان متحسش بالحرج.
هز رأسه بنعم وقال:
- أنا هطلع شقتي. صحيح مهيرة رجعت ولا متعرفيش؟
ابتسمت بهدوء وهي تقول:
- لأ، الأستاذ عادل وصلها من أكتر من ساعة.
هز رأسه وتحرك ليصعد إلى شقته.
كانت مهيرة واقفة في مطبخ بيتها تحضر طعام سريع لها ولسفيان، وهي تتذكر ما حدث صباحاً في بيت أمها.
كانت جالسة بحضن والدتها تنعم بحضنها الدافئ. ربتت مريم على ظهرها وقالت:
- طمنيني عليكي يا مهيرة. عايزة أعرف كل حاجة عنك. عايزة أشاركك أحزانك وفرحك. عايزة أعوض عمري اللي فات معاكي.
ابتسمت مهيرة وهي تعتدل لتنظر إلى أمها وقالت:
- عمرك ما سبتينى، كنتي على طول معايا. كنت ديما بكلمك واحكيلك. عمري ما صدقت كلام بابا. كنت ديماً متأكدة إن في سر. وبعد كلامك مبقاش في أي شك.
صمتت قليلاً ثم قالت:
- بس أنا مش فاهمه إزاي قبلتي تتجوزي عمو عادل وهو متجوز.
ابتسمت مريم بحزن وقالت:
- وقت ما طردني أبوكي، رجعت بيت بابا. وقتها عادل كان اتجوز خديجة. فضلت عايشة مع أبويا سنة كاملة لحد ما مات. فضلت عايشة لوحدي شهرين بعديه. لحد ما في يوم لقيت عادل جايني وقالي إنه عايز يتجوزني. رفضت، لكن هو فضل مصمم لحد في يوم قال لي لو أنتِ رافضة عشان خديجة، فهي عارفة وموافقة. متخيلتش إنها تكون موافقة فعلاً. ووقتها كانت لسه مخالفتش. وفكرت إن هو ده سبب موافقتها. لكن اكتشفت إن السبب بعيد خالص عن موضوع الخلفه.
كانت مهيرة تستمع بتركيز وقالت:
- وطلع إيه السبب؟
تنهدت بصوت عالٍ وهي تنكس رأسها قائلة:
- عادل قالها إنه بيحبني من واحنا صغيرين. وإنه كان المفروض نتجوز من زمان. وإنه أنا مبقاش ليا حد غيره وإنه لازم يتجوزني.
تعجبت مهيرة من صراحة عادل وقدرته على قول ذلك لزوجته. كم من رجل يحترم زوجته ليخبرها ويجعل لها حرية الاختيار.
قالت وهي تقترب من جلسة أمها أكثر:
- هو كان بيخيرها يعني؟
هزت رأسها بلا وقالت:
- مش بالظبط. هو كان بيقولها لأنه مش عايز جوازي منه في السر. وفي نفس الوقت هو كان بيحترم خديجة جداً. وقالي إنه كان متأكد إنها هتوافق. لأنها بتحبه.
صمتت قليلاً ثم قالت:
- بس لما جاتلي هنا قبل كتب الكتاب، حسيت بحزنها. فقررت إنه يكون مجرد كتب كتاب عشان أكون مسؤولة من عادل وفي نفس الوقت إحتراماً ليها ولمشاعرها.
قالت مهيرة بتعجب:
- وهو وافق؟
ابتسمت مريم قائلة:
- أيوه. قالي إن وجودي جمبه كفاية.
كان يتابعها من باب المطبخ وهي تبتسم. كانت تقطع طبق سلطة متوسط. أصدر صوت لتنتبه له.
ابتسمت وهي تقول:
- حمد لله على السلامة.
قال بهدوء حزين:
- الله يسلمك.
وتحرك في اتجاه غرفته. ظلت واقفة مقطبة الجبين تفكر ماذا به.
تركت ما بيدها وتحركت خلفه. طرقت على الباب سمعت صوته يسمح لها بالدخول.
وحين خطت إلى الداخل، كان منكس الرأس يسند بيديه على ركبتيه وقال مباشرة دون أن ينظر إليها:
- مش محتاجة تستأذني عشان تدخلي يا مهيرة.
لم تجب عليه، ولكنها تقدمت منه وجثت أمامه سائلة باهتمام:
- مالك؟ في حاجة حصلت؟
نظر لها طويلاً ثم قال:
- قومي اقعدي جمبي وهحكيلك.
وقفت على قدميها وجلست على الكرسي المقابل له.
نظر إليها طويلاً ثم قال:
- أبوكي رجع من السفر. وخسر كل فلوسه.
رواية جاريتي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سارة مجدي
ابوكى رجع من السفر .... وخسر كل فلوسه
جمله ظلت تتردد داخلها ولا تعرف بماذا تشعر هل تحزن عليه ام تفرح لأنتقام القدر .... ام هى لا تشعر بأى شىء من الأساس
كان ينظر إليها بتمعن ... يحاول أن يستشف أى ردة فعل لها ولكن لا يظهر على ملامحها أى شىء
وبعد عدة دقائق صامته تماما وتركها هو على راحتها
نظرت إليه وقالت
- إزاى
قص لها كل ما حدث عن محاوله الشهاوى لمشاركته وحين فشل أرسل إليه بعض التجار الكبار ... وشاركهم فى صفقه كبيره باطنها مخدرات .... وتورط بها أسم شركه الكاشف
صمت قليلا ثم قال
- علشان كده عجل بجوازنا علشان يسافر ويحاول يحل الموضوع من هناك ...لكن المشاكل زادت والشهاوى قدر يضغط عليه بكل الطرق وكان الحل الوحيد هو أنه يتنازل عن مجموعه الكاشف للشهاوى .
ظلت على صمتها لبعض الوقت ثم قالت
- والقصر
كان لا يفهم سبب هدوئها ولكن ذلك طمئنه قليلا فقال
- لأ لسه محتفظ بالقصر .
وقفت على قدميها وهى تتجه إلى الخزانه تخرج له ملابس بيتيه مريحيه وهى تقول
- كويس على الأقل لسه يملك حاجه ويقدر يتصرف
كان ينظر إليها بتركيز يحاول تجميع كل الموقف تقدمت منه وبيدها ملابسه ووضعتها فى يديه ثم عادت لتحضر له خفه المنزلى ووضعته أمام قدميه ونظرت له وعلى وجهها إبتسامه رقيقه واشارت إلى قدمه وهى تقول
- تسمحلى .
لم يستوعب الأمر وبما يسمح بالتحديد ولكنها لم تنتظر رده فمدت يدها وخلعت عنه حذائه وجوربيه وألبسته الخف المنزلى و قالت وهى تغادر الغرفه
- الغدا جاهز متتأخرش.
واغلقت الباب خلفها .... ظل على جلسته يستوعب كل ما حدث الأن ... عدم تأثرها بما حدث لوالدها وردة فعلها الهادئه .... وما فعلته الأن هل هذا حدث بالفعل نظر إلى قدميه ليجد بهم خفه المنزلى حقا ... هى فعلت ذلك ... وهو لم يتحرك لم يمنعها .... قطب جبينه وهو لا يعرف كيف يشعر هل بالسعاده لأنها تتقرب منه بإرادتها وتتعامل معه براحه ... ام هى مازالت تفكر أنها جاريه أسيره فى قصر الوحش نحى عن رأسه كل ذلك وتحرك إلى الحمام ينعش نفسه ويخرج لها حتى يفهم ما يدور برأسها .
عاد حذيفه إلى بيته مجهدا ... جسديا ... ونفسيا ... اليوم كان صعب جدا ... كلمات حازم ونهايته ... عقاب الله كان شديد ولكن ليحتسبوا ذلك تخفيف لذنوبه ورحمه من الله .
دعا له فى سره بالرحمه والمغفره .
جلس على أول كرسى قابله فى إجهاد واسند ظهره ليغمض عينيه ويحاول استجماع شتات نفسه .... حين سمع صوت عجلات كرسى أواب أبتسم وهو يقول
- تعرف أنت وحشتنى جدا ... على فكره
ظل أواب ينظر إليه قليلا ثم قال
- أنت تعبان يا بابا .
اعتدل حذيفه فى جلسته وقال
- اليوم كان متعب جدا ... بس أنا كويس .
اقترب أواب بكرسيه المدولب وهو يقول .
- بس جودى مش كويسه
قطب حذيفه جبينه باهتمام وقال
- ليه ... هى كلمتك... فيها أيه .
هز الطفل رأسه بلا وقال
- أنا حسيت أنها بتعيط ... سمعتها .
صمت تام هو ينظر لأبنه باندهاش ... والآخر ينظر إليه ببراءه ثم قال
- عايز أكلمها .
لم يتردد حذيفه فهو أيضا ... يريد ان يطمئن عليها ... ولكنه مندهش من تلك الحاله التى هى عليها .. صحيح وضع حازم كان مؤلم ... وموته ألمه بقوه لكن هى من ازاها وحاول تشويه سمعتها ... كان يرتب ليعتدى عليها .... لما ذلك الحزن عليه ....
ومن هنا بدء شيطانه يوسوس له بأنه كان هناك شىء بينهم وهى لم تخبره .
طلب الرقم وأعطى الهاتف لأواب بعد أن ضغط على ذر مكبر الصوت .
بعد عدة ثوانى استمع لهمسها بأسمه قائله
- أيوه يا حذيفه
رقص قلبه بصدره من جراء سماع أسمه بهذه البحه من صوتها ولكن صوتها يدل على بكاء شديد قطع تلك اللحظه صوت أواب وهو يقول
- أنت بتعيطى ليه .
ابتسمت وهى تقول
- مضايقه جدا ... يا أواب ... النهارده زميل لينا فى الكليه مات ... بس مات بعد ما اتعذب ... الله يرحمه .... عمل حاجات كتير غلط ... بس ربنا حب يخليه يروحله وهو نظيف .... فبتلاه بألم شديد وتوبه كبيره .
كان يستمع إلى كلماتها وكأنها ثلج يهبط على نار قلبه فيطفئه .
تكلم أواب قائلا ...
- أنا مش عايز جودى عيط ... أنا بخاف .
صمت تام نظرات اندهاش على وجه حذيفه ولكن جودى أجابت الصغير وقالت
- خلاص أنا مش هعيط تانى ... و أواب شجاع ومش هيخاف تانى .... صح .
هز الصغير رأسه بنعم وقال
- اه ...
وترك الهاتف لوالده وتحرك ليغادر إلى غرفته .
ظل ينظر إلى الهاتف ثم رفعه إلى أذنه وقال
- جودى .
لم تجيبه فورا ... ولكن بعد دقيقه كامله ظن أنها أغلقت الهاتف اجابته بخفوت
- نعم
تنهد بصوت عالى ثم قال
- أنت كويسه.
تحركت من على السرير لتقف بجانب النافذه ثم قالت بعد أن استنشقت بعض الهواء
- لأ ..... حاسه أنى خايفه .... موجوعه اوووى .
صمت لثوانى يحاول أن يستوعب كلماتها ثم قال
- كان فى حاجه جواكى نحيته .
صمت هو كل ما استمع إليه مرت دقيقتان فناداها استمع لصوت أنفاسها ثم قالت
- طالما شاكك أن فى حاجه جوايه نحيه حازم أو أى حد تانى عايز تتجوزنى ليه ...... على العموم يا دكتور حذيفه شىء ميخصكش .... ولو فى ما بينا إتفاق على جواز فأنا وضحت قبل كده أنه علشان أواب وبس .... مفيش حد فينا له حقوق عند التانى .... سلام
واغلقت الخط سريعا ... قبل أن تنهار باكيه .... كل يوم يثبت لها أنه لم يتقدم لخطبتها من أجلها ولا لأنه يحبها ... كل يوم يزيد الجرح و تتسع المسافه بينهم
ظل ينظر إلى الهاتف باندهاش مصحوب بصدمه .... إلى أين وصل معها بغبائه ..... بدل من أن يعترف لها بحبه وغيرته عليها .... يتهمها ذلك الأتهام ... ويصل معها لحائط سد ... كل يوم يزيده .... ماذا عليه أن يفعل الأن .
كان صهيب جالس فى بيت عمه هو وأبيه وأمه بعد أن تناولوا وجبه الغداء ... بعد أن أتصل به صهيب وأخبره أنه يريد أن يتحدث معه فى أمر هام
تكلم صهيب مباشره قائلا ...
- عمى أنا كنت عايز أحدد معاد كتب الكتاب .
فى نفس اللحظه دخلت زهره إلى الغرفه وبيدها صينيه كبيره عليها أكواب الشاى والكيك .
فنظر لها والدها وهو يقول
- والله يا ابنى ده قرارك أنت وزهره ... شوفوا أيه إللى يريحكوا واحنى اكيد موافقين ولا أيه رأيك يا إبراهيم .
ابتسم إبراهيم وقال
- معاك حق ... هما يحددوا و أحنى ننفذ وفورا ... كمان .
تكلمت زهره أخيرا ... قائله
- شقة صهيب جاهزه يا بابا ... وانا قدامى شهر امتحانات وبعدها افرش الشقه ونكتب الكتاب .
فصمت والدها قليلا ... ثم قال
- يعنى بعد شهرين نكتب الكتاب مش كده
هزت رأسها بنعم ثم تذكرت ذلك الذى لا يراها فقالت
- أيوه ... ده طبعا ... لو مفيش إعتراض من عمى أو صهيب .
حين قالت الحاجه راضيه
- وأخيرا ... ده يوم المنى .... متقلقوش من أى حاجه .... أنا و فضيله و زهره هنخلص كل حاجه على المعاد ... و أخيرا ... هنفرح .
وقف الحج حامد قائلا ...
- خلونا نسيبهم يتفقوا .... ونقعد أحنى فى البلكونه الجو النهارده تحفه .
وخرجوا جميعا خلفه وتركوا تلك الغاضبه مع ذلك الذى لا يعلم كيف يراضيها .
ناداها قائلا ...
- زهره أنت هنا ولا خرجتى معاهم
اجابته بحنق قائله
- هنا .
ابتسم إبتسامه صغيره ثم قال
- طيب قربى هنا خلينا نتكلم
قالت سريعا ... بغضب واضح
- بسمع عن بعد قول إالى انت عايزه سمعاك .
اخفض رأسه قليلا ... ثم قال
- أنت لسه زعلانه منى ... يا زهره انا بكلمك من إمبارح وأنت مش راضيه تردى عليا .... حسى بالى حسيت بيه ... تخيلى كده للحظه أن الشخص إللى خبط فيه ده كان ضايقك أنا ساعتها كنت هعمل أيه ... ولا حاجه أنا شخص عاجز .... مفيش منى فايده ..... وعلشان كده كنت عايز أديكى حريتك بعيد عن السجن إللى أنا عايش فيه .
صمت ينتظر ردها ولكن صمتها طال ناداها فقالت
- خلينا نتخيل أن أنا بعد الجواز حصلتلى حادثه وبقيت مابقدرش أمشى يعنى مش هقدر أخدمك ولا أشوف طلباتك وطلبات البيت .... هتعمل أيه .
اجابها سريعا ...
- أنت مش خدامه علشان يكون كل دورك تخدمينى وتشوفى طلبات البيت .
فوقفت تقول بعصبيه
- وأنت مش بودى جارد علشان يكون كل دورك حمايتى .
صمت ولم يجيب تقدمت منه وجثت على ركبتيها وأمسكت يده تقبلها بحب خالص
- أنا بحبك....و حياتى معاك كل حلمى واملى فى الحياه ... خلينا نسند بعض .... منكونش حمل تقيل على بعض .... خلينى النور إلى فى حياتك .... وخليك كل حياتى.
أبتسم بسعاده وهو يقول
- أنا بحبك يا زهره بحبك جدا ... وكل إللى بعمله ده علشان عايزك تكونى سعيده حتى لو مع حد غيرى ..
وقفت على قدميها تنظر إليه بتحدى وهى تقول
- بس ده ميمنعش أنى هخلى أيامك الجايه سودا قصاد كل إللى أنت عملته فيا .
أبتسم وهو يمد يده لها فتضع فيها يدها ليقربها من فمه ويقبلها بحب وهو يقول
- خدامك اعملى فيا إللى أنت عايزاه أنا أستاهل علشان زعلت القمر منى .
كانت تبتسم فى سعاده حقيقيه ... ها هو وأخيرا ... أعترف بحبه لها دون رجوع ... لقد قالها من قبل ولكن ليس بهذه الطريقه ... ليس بذلك الأحساس ... ولا بتلك الصراحه .
كانت تضع الأطباق بهدوء على طاوله الطعام هكذا تبدوا ولكنها من الداخل توجد نار مشتعله ... قلقا عليه لماذا لما تشعر بهذا الشعور .... كانت لا تفكر فيه طوال الفتره السابقه .... وكأنها نسيته تماما ... لماذا أخبرها عنه ... لماذا .
كان يقف أمامها ولكنها لا تراه ... عقلها السارح فى البعيد لم يلحظه وهذا يدل على تفكريها العميق ...
تقدم ليقف بجانبها وقال بصوت خفيض:
- الجميل سرحان في إيه؟
نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بخجل شديد وحرج واضح:
- هو أنا ممكن أعزم ماما وعمو عادل عندنا هنا؟
قطب بين حاجبيه وهو ينظر إليها بتمعن، كلما شعر بتقاربهم بكلمة بسيطة منها يكتشف أن هناك مسافات ومسافات بينهم.
اخفض رأسه وهو يتنهد، ثم قال وهو ينظر إلى عمق عينيها:
- أنا لا هقولك آه أو لأ، هقولك ده بيتك، تقدري تعملي اللي أنتِ عايزاه.
ثم تحرك ليجلس على كرسي طاولة الطعام واضعاً رأسه بين كفيه. ظلت تنظر إليه، ثم تحركت لتقف أمامه، ثم جلست على ركبتيها وهي تقول:
- أنت زعلان مني؟
رفع رأسه لينظر إليها في جلستها تلك، متذكراً أول يوم لها معه في بيت والدته. تنهد، ثم قال:
- ليه يا مهيرة؟ ليه؟ ليه ديما حاطة حاجز ما بينا؟ ليه ديما بحس إنك الجارية اللي جابوها غصب لقصر الوحش؟ ليه؟
يا مهيرة، أنا بحبك، أقسم بالله بحبك... ولا هممني عرج رجلك، ولا هممني أنتِ بنت مين، ولا اتجوزتك إزاي، أهم حاجة عندي إني بحبك واتمنيتك... وأنك بقيتي في بيتي... مش عايز أكتر من كده غير حاجة واحدة بس... أحس إني قريب منك، أمانك وحمايتك، إنك تتعاملي معايا طبيعي... من غير فكرة إن أبوكي باعك ليا، لأنها في دماغك أنتِ بس... أنا شايفك غالية أوي ونجمة عالية أوي.
كانت دموعها تغرق وجهها، كلماته الرقيقة، حبه الصادق، احساسه بما تعاني وكيف تفكر، كل ذلك جعلها تشعر أنها مقصرة بحقه.
أمسكت يده وهي تقول:
- أنت دنيتي كلها... حلمي اللي اتحقق من غير ما أحلمه... كنت بتمنى يكون ليا بيت وعيلة وسند، وأنت حققتلي كل ده... أنا مبقتش بخاف منك، أنا بحترمك... نفسي أقولهالك... بس عايزة أكون قدها يا سفيان، لكن صدقني.... أنا حاساها أوي.
امسكها من كتفيها ليوقفها أمامه، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يقبلها برقة.
وكانت هي بين يديه ذائبة تماماً، تبادله القبلة بشغف حقيقي.
ابتعد عنها لحاجتهم إلى الهواء، ولكنه لم يبعدها عن حضنه، ووضع جبينه فوق جبينها وهو يقول:
- أنا بحبك... بعشقك... بموت فيكي... أنا ملكك وأنتِ ملكي... ومفيش حاجة على وجه الأرض هتبعدني عنك في يوم... مهما حصل.
سندت رأسها على صدره وهي تقول:
- أنت الأمان والحياة... أنت كل حاجة حلوة حصلتلي مرتبطة بيك... يارب أقدر أسعدك وأكون الزوجة اللي تستحقك بجد.
رواية جاريتي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سارة مجدي
مرت أيام ومهيرة معظم أوقاتها شارده، رغم ابتسامتها الناعمة ومشاركتها لسفيان وجبات الطعام يومياً التي تعدها هي.
كان دائماً يمازحها قائلاً:
- آه، أكلك يجنن يا مهيرة، عمري ما كنت أصدق أن هيجي عليا اليوم اللي أستمتع فيه وأنا بقوم بدور فأر تجارب.
كانت تضحك وقتها وتقول:
- كده يعني، أنت مش عايزني أتعلم أطبخ.. طيب هجرب في مين؟
وكان دائماً يقبل يديها وهو يقول:
- جربي براحتك، أنا أطول.. بس بالله عليكي حني على عبدك المخلص وبلاش شطة في الأكل.
فتخجل كثيراً وهي تقول:
- بلاش الكلام ده يا سفيان.. وبعدين والله أنا بحط حبة صغيرين خالص.. بس أنت اللي مش بتستحمل.. خلاص مش هحط خالص.
ضحك بصوت عالٍ على تذمرها الطفولي.
ولكنه دائماً يشعر أن هناك شيء ما يدور بداخل عقلها.
وقد تمت دعوة السيد عادل والسيدة مريم لزيارتهم يوم الجمعة.
ولكنه يشعر أن في شيء آخر تخطط له.
ولكنه سينتظر.. وسيدعمها مهما حدث وسيبقى في ظهرها دائماً.
كانت جودي وزهرة يستعدان للامتحانات.
كانت زهرة تقضي أسعد أيام حياتها مع صهيب، الذي انفتح معها كثيراً ويعبر عن حبه وسعادته معها في كل وقت ومناسبة.
وهي تتصنع الدلال، فيزيد هو من جرعة الحب.
ودائماً ما يظل يخبرها أنه آسف وأنه كان غبي ليرفض كل تلك السعادة من قبل.
وكل ما تقول له أنها لم ترَ شيئاً بعد يقول لها:
- أنا خدامك ملكك، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، وأساساً أنا أستاهل.
تذكرت ما حدث أمس حين اتصل بها صباحاً يخبرها أنه اتصل بصديقه جواد ودعاه للعشاء هو وزوجته وأن عليها الحضور لتتعرف عليها.
رحبت بشدة وارتدت فستاناً من اللون الفيروزي ورفعت شعرها بشكل بسيط.
كانت رقيقة جذابة.
حين لمحها جواد قال لصهيب:
- يا ابن المحظوظة.. إيه يا ابني ده.
قطب صهيب حاجبيه قائلاً بعصبية:
- في إيه يا جواد؟ هو عشان أنا أعمى هتعكسها قدامي؟
ضحك جواد بصوت عالٍ وقال:
- أعاكس إيه يا ابني.. وبعدين أنا لو هعاكس هعاكس مرات أخويا، أنت تعرف أن دي أخلاق صاحبك يا.. يا صاحبي.
قال الأخيرة بلوم، فقال صهيب:
- يبقى ليه بقا كلامك السخيف ده.
ربت جواد على كتف صديقه وهو يقول:
- أنا مش بتكلم لا على الشكل ولا اللبس، أنا بتكلم على نظرة عينيها ليك يا صاحبي.. ربنا يخليكوا لبعض يا صاحبي.
ابتسم صهيب وهو يقول:
- أنا عارف أنها كتير عليا.. ربنا يقدرني وأقدر أسعدها.
كانت تستمع لكلماته مع صديقه وهي في قمة السعادة.
حتى قاطعتها ميما قائلة:
- كان ديماً كتوماً في الكلية، لكن الشخص الوحيد اللي كان ديماً على لسانه "زهرة عملت زهرة قالت"، وعمره ما قال أنه بيحبك أو في شيء بينكم.. لكن كان كل اهتمامه حاجة واحدة بس، زهرة.
نظرت لها زهرة وعلى وجهها ابتسامة سعادة وقالت:
- أنا كمان بحبه من صغري.. هو كل حاجة في حياتي.. بس لو هو يتأكد هيرتاح ويريحني.
ربتت ميما على كتفها وقالت:
- صهيب راجل معتز بنفسه وكرامته عنده أهم حاجة.. تعرفي أنه قاطع جواد الأربع سنين اللي فاتوا وكان السبب أنه مش محتاج شفقة من حد.. جواد وقتها حاول معاه كتير لكن كانت حالته بتسوء فقرر يبعد ويريح.. وبصراحة عمري ما شفت صهيب بالانفتاح ده قبل كده والفضل في ده كله ليكي.
كانت تبتسم ببلاهة.
حتى أن جودي كانت تنظر إليها ثم قالت:
- أنتِ يا بنتي اتهبلتي؟ بتضحكي على إيه؟
نظرت إليها زهرة بهيام وقالت:
- قال لي كلام.. أحلى كلام.
من بعد ما قاله ما هنام.
رفعت جودي حاجبيها في اندهاش وقالت:
- ده أنتِ بتغني يا شادية.. هو في إيه يا بت؟
ضحكت زهرة وهي تقول:
- هنتجوز بعد الامتحانات بشهر.. وقال لي أنه بيحبني.. وقال أني كتير عليه.. وقال..
ضحكت جودي وهي تشير لها بيدها أن تصمت ثم قالت:
- ألف مبروك يا حبيبتي وربنا يهنيكي يا رب.
وصمتت تنظر إلى الأمام في حزن.
ربتت زهرة على كتفها سائلة:
- مالك يا جودي؟ هو حذيفة مزعلك ولا إيه؟
ضحكت جودي باستخفاف دون أن تنتبه لذلك الواقف خلفها يستمع لكلماتها التي تنغرس في قلبه مباشرة.
ابتسمت جودي وقالت:
- أنا مش في دماغه ولا قلبه علشان حتى يفكر يزعلني.. أنا ولا حاجة بالنسباله.
ضحكت مرة أخرى بمرارة قائلة:
- ده فاكر أن كان في حاجة بيني وبين حازم.. تصدقي؟ طيب إزاي فكر أنه يتقدملي وهو شاكك فيا.. كل يوم بيأكد لي أن أنا مش في باله أصلاً وأن هو عمل الخطوة دي عشان أواب وبس.
صمتت.
فتكلمت زهرة وهي حانقة:
- بس أنتِ بتحبيه يا جودي من قبل حتى ما يسافر ويتجوز.. حرام تعيشي العذاب ده.. حرام.. وبعدين أنا شفت خوفه عليكي ولهفته يوم وفاة حازم.. وقد إيه كان ملهوف عليكي.
لتنظر لها جودي باستهزاء دون رد.
صدمة ما يشعر به الآن.. صدمة بكل المقاييس.
جودي تحبه من قبل سفره.. لم يكن لها الأب والأخ الكبير والصديق الوفي فقط.
هي تحبه كما أحبها.
لقد دمر كل شيء بغبائه.. والآن ما زال يجرحها ويؤلمها.
لابد أن يعترف لها.. لابد أن يسعدها.
تحرك من فوره وأمسك هاتفه ليتصل بصديقه الوحيد.
كانت عائدة للمنزل تسير الهوينى وهي تفكر لما تفعل في نفسها كل ذلك.
لماذا وافقت عليه؟
لماذا تعذب نفسها في هوى شخص لا يحبها ولا يراها؟
لماذا تتمنى نظرة من عينيه وهو لم يراها من الأساس؟
تنهدت وهي على وشك الدخول من باب العمارة الخاصة بهم حين فوجئت بتلك اللوحة الكبيرة المعلقة بطول البناية.
مكتوب عليها:
"عشقت العسل الذائب في عينيكِ وسلاسل الذهب المنسدل على ظهركِ.. ضحكتكِ التي تحمل قلبي فوق غيمة وردية وتسكنه جنة روحكِ الطاهرة.. عشقت جدالكِ وتعنتكِ.. عشقت جرأتكِ وقوتكِ.. عشقت نفسي حين رأيتها داخل عينيكِ.. أنا أحبكِ.. بل أعشقكِ.. بل أذوب عشقاً وحنيناً.. وأموت في هواكِ."
أفاقت من هيامها بقراءة تلك الكلمات لتشعر بالذهول وهي ترى عند باب العمارة سفيان وبجانبه مهيرة وأمها أيضاً.
ينظران لها بحب وسعادة.
وفجأة انقطع ذلك الاتصال البصري بحائط بشري ضخم يقف أمامها.
ثم يجثو على ركبة واحدة رافعاً يده التي تحمل علبة حمراء بها خاتم ماسي رائع وهو يقول:
- أنا غبي وحيوان وحمار.. أنا اكتشفت أني أغبى إنسان على وجه الأرض.. بس رغم كل ده أقسم بالله العظيم بحبك.. بحبك من وأنتِ شابكة في رجلي في كل مكان وأنتِ بتسألي أسئلة كانت بتجيب لي جنان.. سافرت هربان عشان خفت عليكي مني.. ولما اتجوزت اتجوزتها لأنها شبهك.. جودي أنا بحبك وبتمنالك.. وأنا أهو راكع قدامك طالب ودك.. وطالب كمان غفرانك.. أنا عارف أن بغبائي عذبتك.. وهرضى بأي عقاب بس إلا أنك تبعدي عني.. جودي تقبلي تتجوزيني؟
كانت دموعها تغرق وجهها.
هي تحلم ما يحدث الآن.. ليس حقيقة.. ليس حقيقة.
ولكن سفيان ومهيرة التي تشجعها وابتسامة أمها المطمئنة.
نظرت لذلك الجاثي أمامها وهزت رأسها بنعم دون أن تستطيع أن تنطق بكلمة.
ليبتسم في سعادة ويقف على قدميه ليلبسها الخاتم وقبل يدها بحب.
ثم نظر إلى سفيان وقال:
- بعد إذنك يا صاحبي.
وانحنى ليحملها من أسفل ذراعيها ويدور بها وهو يصرخ قائلاً:
- بحبك.. بحبك.. بحبك.
وهي تضحك بحب وسعادة.
وأخيراً تحقق حلمها وهي الآن بين يدي حذيفة حبيبها وحبيب طفولتها.. يعترف بحبها وبصوت عالٍ وبأكثر الطرق جنوناً.
وعلى الجهة الأخرى من الشارع كانت هناك عينان صقريتان تنظر لما يحدث بتركيز شديد تستهدف أحد الواقفين.
وفي لحظة خاطفة صوت دوى إطلاق ناري وسقط ذلك الجسد أرضاً وأسفله بركة من الدماء.
وأغمضت العينين على صوت صراخ عالٍ.
رواية جاريتي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سارة مجدي
كان في مكتب راجي الكاشف سابقًا، ومكتبه هو حاليًا، داخل مجموعة الكاشف العظيمة.
جلس على الكرسي الفخم خلف المكتب الراقي، ورفع قدميه على المكتب بعظمة كاذبة.
يقف أمامه رجله المخلص.
نظر له الشهاوي وقال:
- عملت اللي قلت لك عليه.
ابتسم ذلك الرجل وهو يقول:
- زي ما حضرتك أمرت.
ابتسم الشهاوي بانتصار وهو يقول:
- مات.
قال الرجل:
- في المستشفى، والراجل بتاعنا هناك، وهيجيب لنا الخبر الأكيد.
أمسك الشهاوي هاتفه بعد أن هز رأسه بنعم، ووضعه على أذنه ينتظر إجابة.
حين سمع صوت محدثه قال:
- أتمنى رسالتي تكون وصلت. ولو القصر مبقاش باسمي خلال يومين، بنتك هتنام جنب جوزها.
وأغلق الخط مباشرة وهو يضحك بصوت عالٍ.
كان السيد راجي جالسًا في غرفته بقصره، الشيء الوحيد المتبقي له بعد ضياع مجموعته الكبيرة وابنته وزوجته من قبلها، ومن قبلهم الكثير.
والآن، ماذا؟ لم يتبق له شيء ولا أحد.
حين استمع لنغمة هاتفه.
بعد تلقيه لتلك المكالمة التي قلبت حاله، وقف سريعًا ليصعد لغرفته، أبدل ملابسه وركب سيارته وتوجه لبيت سفيان.
وهناك قابل حارس العمارة، وأخبره ما حدث، وتوجه من فوره لأقرب مستشفى.
كانت جالسة على كرسي الانتظار، تنظر إلى الأمام وكأنها في عالم آخر.
ملابسها الملطخة بالدماء التي تنبئها بخسارة قادمة.
هي دائمًا خاسرة، لا أحد يبقى معها، الكل يتخلى عنها.
نظرت إلى يديها التي كانت تضعها موضع قلبه، والدماء التي تغطيها.
هل هذا ما تبقى منه؟
تذكرت ما حدث وكأنه كابوس بشع.
حين كانت تقف بجانبه سعيدة لفرحة جودي واعتراف حذيفة الرومانسي لها.
حين اقترب من أذنها وقال:
- أنا بحبك وبموت فيكي. حياتي من قبلك ملهاش معنى، ومن بعدك موت.
نظرت إليه بلوم وهي تقول:
- بلاش سيرة الموت. أنا بخاف عليك، أنت اللي ليا. أنا مبقاش ليا حد غيرك، أنت كل حاجة.
ابتسم في سعادة وقال:
- بحبك يا أغلى ما في حياتي.
ودوي صوت إطلاق ناري في لحظة خاطفة.
كانت تستقر تلك الرصاصة الغادرة بداخل صدره.
وسقط أرضًا مع صرخة مهولة باسمه، ووقعت أمه عن كرسيها، وصوت أقدام أخته وصديقه، وصراخ مهيرة المؤلم باسمه.
- سفياااااان! لأ لأ يا سفيان لأ، ما تسبنيش، لالالا ااااااااااااااااه.
كانت جودي تبكي بقهرة وهي تصرخ:
- إسعاف بسرعة يا حذيفة، بسرعة. أخويا مش هيسبني. أخويا... سفياااااان.
بعد عدة دقائق، حضرت سيارة الإسعاف، وحين حملوه كان يمسك بيد مهيرة بقوة.
حاولوا سحب يدها، ولكنه متشبث بها، فصعدت معه إلى سيارة الإسعاف.
وتحرك حذيفة سريعًا ليحمل السيدة نوال، وحملت جودي الكرسي وركضوا إلى السيارة.
كانت تبكي قهراً وحرقة من قلب أم، ثمرة حياتها الآن بين يدي الله.
ظلت تدعو الله وتستغفر وتطلب العون من الله.
- لا حول ولا قوة إلا بالله. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. استغفرك ربي وأتوب إليك.
يارب هو سندي وعكازي، هو ظهر أخته وحمايتها يارب من بعدك. نجيه يارب نجيه يارب عشان خاطر مراته الغلبانة اللي محتاجاه. يارب أنت القادر على كل شيء. يارب مالناش غيرك يارب، نجي ابني يارب. يارب لو مكتوب علينا ندوق طعم الخسارة، فإني يارب هو لسه في عز شبابه وملحقش يفرح ولا يعيش. يارب.
كان بكاؤها وكلماتها يوجعان قلب جودي وحذيفة، الذي يموت خوفًا على صديق بدرجة أخ وأخ بدرجة صديق.
كانت تمسك يديه والمسعفين يحاولون إسعافه وإبقائه واعيًا حتى يصل إلى المستشفى.
كانت تدعو الله بصوت منخفض وهي تتشبث بيديه تناجيه أن يبقى.
ومن وقت وصولهم إلى المستشفى واختفائه داخل تلك الغرفة، وهم لا يعرفون عنه شيئًا.
لم يخرج أحد من تلك الغرفة ليطمئنهم.
حذيفة الذي يقطع ممرات المستشفى، يصرخ في أي أحد حتى يطمئنه.
كانت نوال تنظر لمهيرة التي تنظر إلى يديها بشرود.
واقتربت منها وربتت على كتفها وقالت:
- قولي يارب يا بنتي. ابني قوي ومش هيتخلى عنا، بس قولي يارب.
في تلك اللحظة، فتح باب تلك الغرفة وخرج الطبيب.
ركض الجميع إليه إلا مهيرة، ظلت جالسة في مكانها تنظر إليهم.
سأل حذيفة الطبيب قائلاً:
- طمني أرجوك.
نظر الطبيب إليهم بشفقة وقال بعملية:
- الرصاصة مرت بالقرب من القلب. إحنا خرجناها، لكن للأسف المريض دخل في غيبوبة. مفيش حاجة نقدر نعملها دلوقتي، هو محتاج دعوتكم. هو هيتنقل دلوقتي العناية المركزة، وممنوع الزيارة. عن إذنكم.
وتركهم وغادر.
حين جلست جودي تبكي بقوة وانهيار، وصمت تام من نوال.
حين تحرك حذيفة ليقف أمام النافذة، يبكي في صمت.
هي فقط من كانت تتوقع، هي فقط من عرفت أنه سيتركها ويرحل.
هي لا تستحق، لا أحد يريد البقاء معها.
كان يكذب حين قال أنه يحبها، أنه لن يتركها.
في تلك اللحظة، اقتربت منها إحدى الممرضات ووضعت بين يديها متعلقات سفيان: حافظته ومفاتيحه وساعته وخاتمه الخاص.
التي نظرت إليه بتركيز لتجده منقوشًا عليه اسمها.
ظلت تنظر إليه، ثم وقفت وتحركت في اتجاه السيدة نوال، وضعت ما بيدها في حجرها ما عدا الخاتم، وتحركت من أمامها في سكوت.
لا تعرف إلى أين، ولكنها تريد أن تراه.
كانت تمشي على غير هدى حتى اصطدمت بشخص ما.
رفعت رأسها لكي تعتذر، لكنها ظلت صامتة تنظر لمن أمامها بدهشة ورجاء.
ولأول مرة لا يخيب رجائها، وفتح ذراعيه لها لترتمي بين ذراعيه باكية بحرقة وبألم، تبكي خسارة كبيرة لن تعوض.
ظل يربت على ظهرها دون كلام.
وحين هدأت قليلاً، رفعت رأسها لترى الطبيب المسؤول عن حالة سفيان.
لتركض إليه راجية:
- أرجوك يا دكتور، عايزة أشوفه. أرجوك مرة واحدة بس. أرجوك أبوس إيدك. مرة واحدة بس، مرة هي مرة بس.
ظل الطبيب ينظر إليها بشفقة وقال:
- حاضر. اتفضلي معايا.
أخذها إلى غرفة العناية، يتبعها والدها الذي يشعر أنه سبب كل الألم في حياة تلك البائسة.
وقف أمام الغرفة ينظر إلى ذلك النائم بالداخل، لا حول له ولا قوة.
أخرج هاتفه واتصل بالشهاوي قائلاً:
- أنا موافق.
وأغلق الهاتف مباشرة وعاد بنظره إلى ابن لم ينجبه قائلاً:
- أنا آسف يا ابني، آسف.
حركت السيدة نوال الكرسي في اتجاه ابنتها وربتت على رأسها المنكسر قائلة:
- أخوكي هيعيش يا جودي، هيعيش. أنا واثقة أن ربنا رحيم كريم، مش هيكوي قلوبنا بنار فراقه. اجمدي كده، اجمدي.
ثم رفعت عينيها لذلك الصامت وقالت:
- حذيفة.
نظر إليها سريعًا، لترى تلك الدمعات المتجمعة في عينيه.
فقالت:
- شوف لي يا ابني مكان أصلي فيه.
تحرك من فوره وهو يقول:
- حاضر، ثواني.
عاد الشهاوي إلى قصره وهو ينادي على ابنته قائلاً:
- ندى، يا ندى، أنتِ فين؟
أجابته قائلة:
- أنا في أوضة المكتب.
تحرك إليها ليجدها تجلس على الكنبة الجانبية، ممدة قدميها وبيدها كتاب. نادرًا ما يجدها تقرأ، ولكنه قال:
- أخذت بتارك.
نظرت له من خلف الكتاب قائلة:
- من مين؟
أجابها بابتسامة واسعة:
- سفيان.
وقفت سريعًا وهي تقول:
- بجد؟ بجد عملت إيه؟
- في المستشفى بين الحياة والموت.
نظرت إلى البعيد وهي تتذكر سفيان، حبها الكبير.
حاولت أن تجعله يشعر بها، يحبها، ولكنه لم يرها يومًا.
وحين صارحته بحبها، أهانها. لا تنسى كلماته لها.
حين وصفها بأنها مومس لا تليق به، لمتعة وقتية ثم يرميها غير عابئ بها.
نظرت لأبيها بسعادة واحتضنته وهي تقول:
- شكرًا يا بابا. وأنا تحت أمرك في أي حاجة.
كانت دموع عينيها تغطي وجهها وهي تنظر إليه في تلك الحالة. نائم في استسلام، شاحب الوجه، موصول بأجهزة كثيرة.
تقدمت منه لتقف بجانبه، ثم جثت على ركبتيها وأمسكت يده لتقبلها بحب وخوف وهي تقول:
- عارفة إنك مش سامعني، أو يمكن تكون سامعني. بس في كل الأحوال هقولك اللي عايزة أقوله.
قبلت يده مرة أخرى وهي ممسكة بخاتمه بين يديها.
رفعت رأسها لتمسد على يديه وهي تقول:
- أنا كنت بخاف منك أوووي، أصل أنت بصراحة ضخم كده. وكنت على طول مكشر. ديمًا كنت بحس إنك أنت مش بتحبني ولا طايقني. كنت بخاف أشوفك وأخاف أكلمك، وكنت بكره أي حاجة تقربني منك. لحد ما النصيب جمعنا وعرفت إنك كل الأمان والحياة. لكن...
صمتت قليلاً تحاول تمالك نفسها من الدموع وشهقاتها التي ارتفعت.
حين ارتفع صوت الجهاز بجانبها قليلاً، ثم هدأ.
حين ربتت على يديه مرة أخرى وقبلتها من جديد.
أكملت كلماتها وهي تقول:
- وأنا صغيرة بعدت أمي عني. ولما كبرت شوية محستش بحنان الأب. ومكنش ليا صحاب في يوم. بعد كل ده هيكون ليا نصيب فيك. واضح إني نحس، أو ربنا مش راضي عني. لو حياتك قصاد بعدي، أنا هبعد. وعيش يا سفيان، عيش يا حبيبي. أيوه حبيبي وكل دنيتي. أنت وبس. في بيتك حسيت بالأمان وإن ليا ظهر وسند. حسيت إن ممكن يكون ليا عيلة وناس بتحبني. حبيتك، واتمنيت أعيش عمري كله معاك. لأ مش معاك، تحت رجليك. جاريتك اللي تتمنى رضاك. بس واضح إني مستاهلكش.
نظرت إلى الخاتم الذي في يديها وقالت:
- أنا هاخد الخاتم بتاعك ذكرى منك، لأيام هعيش عليها عمري اللي جاي.
قبلت يديه مرة أخرى، ثم وقفت على قدميها لتقترب من رأسه وتقبلها، وتقترب من شفتيه لتطبع عليها قبلتها الأخيرة.
ثم قالت:
- وداع يا أغلى من حياتي.
وخرجت وهي تسحب خلفها ألم قلبها وروحها المذبوحة.
نظرت إلى والدها وقالت:
- رجعت متأخر أووووي.
تركت المستشفى دون كلمة.
كان حذيفة يبحث عنها هو ووجودي في كل مكان ممكن في هذه المستشفى، لكن لا أثر لها. من وقت مغادرتهم وذهابهم للصلاة والدعاء لسفيان، لم يرها أحد.
وجد الطبيب أمامه، فذهب إليه سريعًا وقال:
- طمني أرجوك، سفيان أخباره إيه؟
نظر الطبيب إليه وقال:
- من وقت ما البنت اللي كانت معاكم دخلت له، بدأت كل المؤشرات الحيوية بتاعته تعلى. وده مؤشر عن أنه ممكن يفوق قريب جدًا.
قطب حذيفة حاجبيه سائلًا:
- بنت مين؟
نظر إليه الطبيب وقال:
- اللي كانت لابسة فستان أزرق.
فهم حذيفة أنه يتكلم عن مهيرة، فقال سائلًا:
- هي دخلت لسفيان؟
هز الطبيب رأسه مؤكدًا.
فسائله:
- طيب حضرتك متعرفش هي فين؟
هز الطبيب رأسه نافيًا وهو يقول:
- الحقيقة مشفتهاش تاني من بعد ما خرجت من عند المريض.
ثم غادر دون كلمة أخرى.
عاد حذيفة إلى حيث تجلس السيدة نوال أمام غرفة العناية وأخبرها بما عرف.
قطبت جبينها وهي تقول:
- هتكون راحت فين بس؟
وعند ذلك الذي يسبح خياله في مكان آخر ودنيا أخرى... حين استمع لكل كلماتها، ومن وقتها قلبه يؤلمه، ولكنه يشعر أنه مكبل ولا يستطيع الحراك. وفي تلك اللحظة نزلت دمعة وحيدة على خده قهرًا.
رواية جاريتي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة مجدي
ظل الجميع جالس في المستشفى في حالة قلق على ذلك الذي بداخل الغرفة بين يدي الله. وتلك التي اختفت أمانته بينهم لم ينتبهوا لها، وهم لم يحافظوا عليها.
كانت تلك كلمات نوال حين اكتشفت غياب مهيرة، مما جعل حذيفة يلوم نفسه بشدة. هو الرجل، كان لابد له من احتواء كل أسرة صديقه. نظر إلى جودي التي لم تتوقف عينيها عن الدموع. اقترب منها وجلس بجانبها ومسك يديها وقال:
- جودي، سفيان محتاج دعواتك مش دموعك. والدتك محتاجاكي تسنديها وتقويها، وخاصة في غياب مهيرة، وكمان منعرفش هي فين أساسًا.
نظرت له وهزت رأسها بنعم، ثم مسحت دموعها ووقفت وتحركت لتقف أمام أمها وجثت على ركبتيها وقالت:
- هيقوم يا ماما، مش هيسبني لوحدنا. هيقوم علشان يرجع مهيرة. أكيد مش هيتخلى عنها.
نظرت إليها أمها بعينيها الباكيتين وقالت:
- لما يصحى ويسألني على مراته هقوله إيه؟ هقوله إيه؟
في تلك اللحظة، اقتربت مريم ومعها عادل في لهفة وقالت:
- سفيان عامل إيه؟ طمنونا عليه.
نظرت لها نوال وكأنها وجدت الحل وقالت:
- مهيرة عندك مش كده؟
نظرت لها مريم ببلاهة وقالت:
- ليه هي مهيرة مش هنا؟ أمال راحت فين؟
نظر الجميع في قلق واضح وخوف.
نظرت مريم لعادل قائلة:
- بنتي يا عادل، بنتي.
في تلك اللحظة، انقلب الحال حولهم ووجدوا الطبيب المعالج لسفيان ومجموعة من الممرضات يركضون إلى غرفة سفيان.
وقف الجميع في قلق حين قالت السيدة نوال:
- في إيه؟ ابني ماله؟
مر الوقت بطيئًا جدًا عليهم، القلق يعصف بقلوبهم. كل يدعو من قلبه أن يعود ذلك الذي تعلق الجميع به حبًا وأخوة وصداقة، وحماية وأمان.
خرج الطبيب ليقف أمامهم بابتسامته العملية قائلاً:
- مين مهيرة؟
نظر الجميع لبعضهم البعض وقال حذيفة:
- مراته.
تنهد الطبيب براحة وقال:
- المريض فاق الحمد لله، وحمد الله على سلامته. علاماته الحيوية كلها سليمة. هيفضل النهارده بس في الرعاية وبكرة هننقله أوضة عادية.
ثم نظر للجميع وقال:
- فين مهيرة؟ علشان هو مش عايز يرتاح ولا ياخد دوا غير لما يشوفها.
ظل الجميع صامتًا، ثم تحدثت نوال قائلة:
- مراته راحت البيت تجيب حاجات. ممكن أدخله أنا أطمّنه وأطمّن عليه، أنا أمه.
هز الطبيب رأسه بنعم وأشار للممرضة، التي أشارت بدورها للسيدة نوال، فتحركت خلفها.
كانت زهرة جالسة بجانب صهيب تشرح له كل ما تريده وتقوم بتنفيذه في البيت، وهو يوافقها دون جدال وعلى وجه ابتسامة متسلية. كانت سعيدة بذلك التبدل في شخصيته. أرادت استغلال مزاجه الرائق وقالت:
- كنت عايزة آخد رأيك في حاجة.
همهم وقال:
- هو أنا بعمل حاجة غير إني أوافق على أي حاجة تقوليها؟
قطبت جبينها وهي تنخزه في خصره قائلة:
- عايز تقول إنّي متسلطة مثلًا؟
ضحك بصوت عالٍ وهو يقول:
- لا خالص، أنا اللي مسالم بس.
ضحكت وقالت:
- ماشي يا عم المسالم. اسمع بقا للي عايزة أقوله وركز كده، ماشي.
شعر أن ما ستقوله سيغير مزاجه، ولكنه قال:
- قولي يا رغايّة.
وقفت على قدميها من جانبه لتجثو على ركبتيها أمامه وقالت:
- إيه رأيك نفتح أنا وأنت شركة هندسية؟
ظل صامتًا لبعض الوقت ثم قال ببرود:
- قصدك أنتِ تفتحي شركة هندسية.
تهندت بصوت عالٍ وقالت:
- لا، أنا وأنت. حضرتك هتكون مسؤول عن الاتفاقات مع العملاء، وكمان هتساعد المهندسين في إيجاد الفكرة اللي العميل طالبها. وأنا عليا متابعة تنفيذ كل اللي أنت قلته علشان يكون برفكت.
ابتسم بسعادة وقال:
- تعرفي إني بحبك.
ضربت ركبته وقالت:
- أنا متأكدة.
وحينها رن هاتفها. لترى اسم جودي فتحته بسعادة لتجد بكاء جودي يسبقها وهي تقول:
- سفيان يا زهرة، سفيان.
كانت جالسة تنظر من الشباك تبكي بصمت وهي ممسكة بخاتمها.
كانت هناك عيون تراقبها بصمت وحزن كبير، لكن تركتها لأنها ليس لديها القدرة على المواساة.
حين دخلت إليه كانت تحمد الله في سرها، شاكرة الله فضله ونعمته. حين شعر بدخول أحد الغرفة التفت سريعًا، وحين وجد أمه لم تختفِ ابتسامته، ولكن قلبه انقبض.
اقتربت منه وأمسكت يده قائلة:
- حمد الله على سلامتك يا قلبي. الحمد لله ربنا رجعك ليا من جديد.
ابتسم بوهن ثم قال:
- الحمد لله يا أمي، عمر الشقي بقى.
ضحكت من وسط دموعها وقالت:
- عمرك ما كنت شقي يا حبيبي، ديمًا حنون وطيب. ربنا بيختبرنا يا ابني والحمد لله على كل حال.
نظر إليها قليلًا ثم قال:
- مهيرة فين يا أمي؟
نكست رأسها وقالت:
- متقلقش، هي بس راحت البيت وجاية على طول.
ضحك بالم وهو يقول:
- مبتعرفيش تكذبي يا أمي. ارجوكِ قوليلى الحقيقة.
استغفرت الله بصوت مسموع ثم قالت:
- معرفش يا ابني. من أكتر من 12 ساعة مش عارفين عنها حاجة.
قطب جبينه وقال:
- ليه وإزاي؟
حكت له ما حدث وما قاله الطبيب لحذيفة وحضور مريم وعادل.
تأوّه بصوت عالٍ ثم قال:
- إزاي يا أمي، إزاي؟ ليه تغيب عن عينك ليه؟ ملهاش غيرنا، هتكون راحت فين؟
ثم بدأ في فك الأسلاك الطبية من حوله ومحاولة النهوض، حين صرخت به نوال قائلة:
- إنت بتعمل إيه؟ إنت لسه فايق من الغيبوبة وإصابتك مش سهلة. إنت خايف عليها وهي سابتك وهربت.
نظر لها بغضب وقال:
- مهربتش، سابتني علشان شايفة إنها السبب إنها نحس. إن كل الناس اللي بتقرب منها بتسبها بعدين. ومستحملتش إن أنا أسيبها بالموت. أنا عارف دماغها، عارف بتفكر إزاي. لا وكمان مراحتش لأمها وملهاش حد، تفتكري راحت فين؟ نايمة في الشارع ولا فين؟ ردي عليا يا أمي.
رواية جاريتي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سارة مجدي
نكست رأسها وقالت
- والله يا ابنى قلقانه عليها بس انت كمان تعبان شد حيلك بس وقول لحذيفه عايز تدور فين وهو هيدور عليها لحد ما تشد حيلك .
اغمض عينيه وهو يقول
- ارتاح ازاى وانا معرفش حاجه عن مراتى .... يا امى افهمينى لازم اخرج .
ثم قال لنفسه
- يا ترى انت فين يا مهيره .... قلبى وجعنى اوووى عليكى ..... يارب تكونى بخير .
كانت زهره ممسكه بيد جودى تقويها بعد استيقاظ سفيان وحالته العصبيه القويه التى سيطر عليها الطبيب بصعوبه بحقنه مهدئه
وخروج حذيفه السريع مقرر البحث عن مهيره فى كل مكان ربتت على يدها وهى تقول
- متقلقيش ان شاء الله هيلاقيها وزى ما قولتوا ملهاش ناس كتير تروح عندهم فسهل ان شاء الله أنه يلاقيها .
هزت جودى رأسها قائله
- هو عنده حق هى ماكنتش لسه اتعودت علينا ولا حست أنها مننا علشان كده حست أن ملهاش مكان وسطنا خصوصا لو فكرت فعلا أنها هى السبب فى إللى حصله أحنى غلطنا ... كل واحد عاش فى قلقه وخوفه ونسيناها .
لم تستطع زهره قول أى شىء خاصه أن جودى معها بعض الحق خاصه بمعرفتها بقصه مهيره وما عانته وطريقة زواجها بسفيان فمأكد هكذا ستفكر .
أتصل السيد راجى بالشهاوى وطلب منه إرسال إحدى رجاله لأخذ الأوراق الخاصه بالقصر
وبالفعل حضر الرجل المخلص للشهاوى
ووقف أمام راجى ينظر له بانتصار حين قابله راجى شعر أنه يعرفه من قبل ... هل قابله من قبل من الممكن فهو كما فهم يد الشهاوى اليمين ... ولكن هناك إحساس مختلف تجاهه لا يفهم سببه .
قدم الورق له دون كلمه ولكن لذلك الواقف أمامه رأى آخر .
فتقدم ليجلس على أقرب كرسى ووضع قدم فوق الأخرى وقال
- اتفضل أقعد يا راجى بيه فى كلام ما بينا لازم نقوله
فى نفس الوقت كانت ندى الشهاوى جالسه فى غرفتها أمام مرآتها تتأمل ملامحها حين سمعت صراخات عاليه ركضت لتخرج من غرفتها ولكن وجدت النار فى كل مكان صرخت بصوت عالى ..... تنادى على الأمن الخدم لا أحد يجيب صرخات وصرخات والنار تحاوطها من كل مكان خوف ورعب والنار تلتهم كل شىء من حولها لا مكان لها غير النافذه ولكنها كانت تنظر إلى النار وإلى النافذه ولكن القدر أختار لها النار إنتقاما لكل خطأ قامت به لكل مره ظلمت وجنت فى حق نفسها قبل الأخرين ظلت تتحرك فى كل الاتجاهات لتقع من النافذه دون حراك
نظر السيد راجى لذلك الرجل باندهاش من جرئته وجلس أمامه سائلا
- أنت بتتكلم معايا كده إزاى .
نظر له ذلك الرجل بتمعن شديد وتكبر أيضا ونظرة الانتصار لم تتغير عن وجهه وقال
- فى حساب قديم ما بينا وكان لازم اصفيه ... وبصراحه أنا استغليت الشهاوى علشان أحقق كل إللى أنا عايزه وحصل
كان السيد راجى يشعر بالاندهاش حقا
فاكمل ذلك الرجل قائلا
- ودلوقتى قصر الشهاوى بقا رماد ومعاه بنته كمان .
جحظت عيون السيد راجى من الصدمه ولم يستطع النطق.
كان حذيفه يقف أمام بيت الداده زينب يشعر بالغضب تذكر نظرات السيده المتلهفه لمعرفة أى شىء عن ربيبتها وحين سألها عن مهيره بكت بحرقه على تلك الفتاه التى جارت عليها الدنيا ولم تسعدها يوما
وها هو ينتظرها حتى يوصلها للمستشفى ويعود ليكمل بحث عن تلك المختفيه
كان يراقب كل ما يحدث وهو لا يعرف ماذا عليه أن يفعل أنها تضعه فى موقف صعب لكنها وثقت به ولا يريد أن يخسر تلك الثقه
أخرج هاتفه ليتصل بها
وقال مباشره
- سفيان فاق وحالتوا النفسيه سيئه جدا وعايز يسيب المستشفى علشان يدور عليكى .
كانت تبكى بحرقه وقهر ماذا تفعل الأن
أغلق الهاتف وهو فى حيره قويه .... هل ما فعله صواب ام خطأ.
كان صهيب جالس مع والده وعمه يتحدثان فى فكره زهره حتى يحقق لها ما ترغب ... أنها تفكر فيه أكثر من أى شىء آخر ولذلك سيتغلب على وحوشه الوهميه ويخرج عن تلك القوقعه
واتفقا على شراء شقه كبيره فى منطقه راقيه وتجهيزها وعدم إخبار زهره أى شىء حتى تكون مفاجأه لها
بعد الإنتهاء من حديثهم خرج ليذهب لغرفته
نظر الحج إبراهيم لأخيه وقال
-أنا مديون لزهره بحياتى رجعتلى ابنى للحياه .... مش عارف اكافئها بأيه
ربت الحاج حامد على كتف أخوه وقال
- صهيب ابنى زى ما هو ابنك ...وأنا كمان سعيد جدا باللى حصل وتغيره ورجوعه للحياه .... وزهره بتحبه بجد ... ودى أكتر حاجه مفرحانى هى مع صهيب فى أمان .
أبتسم الحاج إبراهيم فى سعاده وقال
- هنفرح بيهم قريب ... وتقريبا كده صهيب عايز يعملها الشركة مفاجئة الفرح
ضحك الحاج حامد بصوت عالى وهو يقول
- هما أحرار بقا أحنى نساعده من سكات ... ربنا يفرحهم
حين دخل صهيب إلى غرفته كان يضع الهاتف على أذنه وهو يقول
- طمنينى صاحبتك وأخوها عاملين أيه
صمت يستمع لكلماتها ثم قال
- ربنا يشفيه ويعتره فى مراته ..... طيب هترجعى أمتى ؟
صمت لثوانى فقط ثم قال
- لوحدك !
صمت ثانيه أخرى ثم قال بصوت عالى
- خلاص أستنى هخلى عمى يجى يخدك .
استمع لكلماتها ثم قال
- عمى هنا يا زهره ... دقايق ويكون عندك ... ومتعصبنيش يا زهره قولتلك أستنى .
وأغلق الهاتف ليخرج مره أخرى ويخبر عمه الذى ذهب مباشره لها وهو يربت على كتف صهيب بتشجيع .
حين استيقظ سفيان نظر حوله ليجد أمه جالسه بجانبه تنظر إليه بلهفه فقال
- بقالكوا قد أيه منيمنى .
اخفضت نظرها أرضا وقالت
- من أمبارح .
تحرك ببطء ورفع عنه الغطاء وأنزل قدميه عن السرير فقالت
- رايح فين يا سفيان .. يا ابنى أنت لسه تعبان .
تجاهل إجابة السؤال وقال
- حذيفه وصل لحاجه .
اجابته سريعا
- زينب بره ومشفتهاش من آخر مره كنتوا مع بعض .
هز رأسه بنعم ودخل إلى الحمام وبعد عدة دقائق خرج وهو يرتدى ملابسه فى اللحظه التى دخل فيها السيد عادل الغرفه قائلا
- أنا عارف فين مهيره .
كاد سفيان أن يخرج من الغرفه حين قابل حذيفه أمامه ظل ينظر إليه نظرة خذلان يضغى عليها الغضب وقال
- كنت فاكرك راجل بجد يعتمد عليه ....... لو يوم أنا وقعت تكون أنت السند للعيله كلها .... لكن من أول ساعه مراتى تضيع كده ومحدش يعرف عنها حاجه .... شكرا يا صاحبى
وخطى من جانبه خطوتان ووقف ثم عاد مره أخرى أمامه ولكمه فى وجه بقوه ارتد على أثرها حذيفه إلى الخلف وعلت صرخات وشهقات نوال وجودى ومريم
حين تدخل عادل قائلا
- أنا عارف مهيره فين .... أهدى يا سفيان علشان جرحك .
كل النظرات توجهت إلى عادل الذى قال
- اطمنوا هى بخير بس مش هقول هى فين غير لما تسمعونى كلكم كويس جدا .
كاد سفيان أن يتكلم ولكن قاطعه عادل قائلا
- مهما تخيلت وتوقعت مش هتعرف هى فين وأنا مش هقول حاجه غير لما تسمعونى
دخل الجميع إلى الغرفه وجلسوا جميعا فى تأهب لما سيقال .
تنهد عادل بصوت عالى وقال
- من أكتر من عشرين سنه وقت ما مريم اشتغلت فى مجموعة الكاشف وقبل راجى ما يشوفها ويعمل كل إللى عمله فى الحقيقه قبلها بخمس سنين كمان
صمت قليلا ثم أكمل قائلا
- كانت فى واحده شغاله سكرتيره لمدير قسم فى الشركه
شافها راجى و عجبته ونفس إللى عمله مع مريم عمله معاها بس أكتر بكتير ... ومن غير جواز رسمى كان أسمها أمل ... سجن والدها إللى كان شغال موظف بسيط فى مصلحه حكوميه ... بقضيه رشوه وبعدها تبديد عهده ... أخواتها وأمها حياتهم ضاعت ومفيش مستقبل لقت نفسها مفيش قدامها غير أنها توافق .... وافقت أنها تسلمه نفسها مقابل خروج أبوها وشغله عنده فى الشركه .... وفعلا حصل وفضل فتره كل ما يعوزها تروحله الفيلا لحد ما فيوم أكتشفت أنها حامل خافت تقوله لكن جربت تسأل أنها لو حامل هو هيعمل أيه .. وكانت اجابته "هقتل"
كانت دموع مريم تغرق وجهها وعلامات الصدمه ظاهره على ملامح جودى ونوال ... حذيفه كان ينظر أرضا فى محاوله للسيطره على أعصابه سفيان كان يغلى غضبا ... كان يشبك يديه ويعصر أصابعه من الغل الذى كان بداخله تجاه ذلك الرجل الذى كان يوم ما يعمل لديه لو عرف كل ذلك لقتله بدم بارد ودون ذرة ندم ... وأيضا قلقا على زوجته التى لا يعلم أين هى إلى الأن .
أكمل عادل كلماته قائلا
- عرفت أنها ميته ميته فقررت تهرب من كل ده وفى يوم خرجت من بيتها وهى مقرره تسيب البلد وتروح مكان جديد محدش يعرفها فيه كان معاها فلوس كويسه ما هو كان بيدها فلوس كل مره تروحله علشان يحسسها بالإيهانه ... وفعلا أول ما وصلت بدأت تدور على مكان تسكن فيه .... ولقت فى أوضه كده فوق سطوح عماره ماكنتش مفروشه جابت سرير صغير وشوية لوازم .. وبدأت تدور على شغل لحد ما لقت شغل فى مصنع صغير كده ومعظم سكان العماره اتعرفوا عليها كانت كل يوم تنزل من بدرى وترجع المغرب ... فى مره وهى نازله قبلت واحد من سكان العماره كان راجل أرمل عنده بنت صغيره كان إسمه حسام الدين أحمد ... كان بيشوفها كل يوم بينزلوا فى نفس المعاد وتقريبا بيرجعوا فى نفس المعاد .... لأنه كان صاحب المصنع إللى اشتغلت فيه ... بس لهى كانت تعرف ولا هو ... المهم أنه حب يتعرف عليها وحكتله حكايتها من غير تفاصيل بعد موثقت فيه وارتاحتلوا .... يعنى قالت أنه واحد ضحك عليها وأنها حامل ...وان مفيش حد من سكان العماره عارف أنها حامل وأنها كام شهر وهتمشى تدور على مكان جديد ...... صعبت عليه وقرر يتجوزها جواز على الورق تربى بنته ويكتب الطفل إللى فى بطنها بأسمه علشان الناس ... وفعلا عاشت معاه تقدروا تقولوا خدامه داده رفيقة سكن ... وهو عمره ما غلط فيها ولا ظلمها .... هى جابت ولد ... وساموه أيمن
كبروا الولاد واتعلموا علام كويس .... بنته إللى كان أسمها مها دخلت فنون جميله ... وأيمن دخل هندسه .
تنهد بصوت عالى ووقف ليتجه إلى الشباك ينظر إلى الخارج وأكمل قائلا
- فى يوم الراجل ده تعب وهى قعده تحت رجليه بتمرضه قالها ....
شرعا أيمن مالوش في فلوسه، لكنه مش هيعمل كده ويكشف سر اندفن مع السنين.
وقبل أيمن ما يتخرج بكام شهر مات حسام الدين.
وبعدها بسنة أخته اتجوزت وسافرت مع جوزها. أمل كانت محجمة أيمن في صرف فلوس ميراثه، كان للضرورة جداً. فتح مكتب هندسي أقرب لشركة صغيرة، والباقي خلته يحطهم في البنك. وهو كان ولد مطيع متربي أوي، كان بيسمع كلامها.
ولما أمل المرض اشتد عليها في يوم اعترفت لابنها بكل حاجة.
اتقلبت حياته كلها وقرر ينتقم.
وقف سفيان فاقد الأعصاب وأمسك عادل من ملابسه وقال:
- أنا إيه اللي استفدته من كلامك ده؟ عايز تقول إن مهيرة ليها أخ؟ دخل إيه ده بمكان مراتى؟ عايز تقول إنها عند أخوها؟
قولي العنوان.
أمسك السيد عادل يد سفيان الممسكة بملابسه وقال بهدوء:
- أنا مقدر الحالة اللي أنت فيها... بس كمان مش هقولك مهيرة فين لحد ما أكمل باقي الحكاية.
تكلمت مريم قائلة:
- أنت عرفت كل ده إزاي يا عادل؟
نظر لها عادل وابتسم وقال:
- بعد ما جيتلك البيت أنا وعمي وجوزك طردنا... سافرت كام يوم عند صديق ليا. والصديق ده هو حسام. وحكالي كل حاجة بعد أنا ما حكيتله حكايتنا. ومن وقتها وأنا متابعهم ومتابع أخبارهم وعلى اتصال بأيمن.
نظر لسفيان وقال:
- اسمعني كويس وافهم اللي هقوله ده كويس.
نظر له سفيان بتركيز فتكلم عادل قائلاً:
- من مدة قريبة أيمن قرر يشتغل مع الشهاوي عدو راجي اللدود. وبدأ يخطط ويرتب لكل اللي حصل لراجي الفترة اللي فاتت. وهو اللي خطط لإصابتك.
زادت الهمهمات المستنكرة والشهقات، ولكن سفيان ضيق عينيه في تركيز دون كلمة. فاكمل عادل قائلاً:
- اتفق مع واحد محترف إصابة خطيرة لكن مش قاتلة علشان الشهاوي يفضل يثق فيه. ويجيب راجي تحت رجله.
تكلم سفيان قائلاً:
- مش فاهم يعني إيه.
- الشهاوي ماضي على توكيل عام لأيمن. طبعاً من غير ما يعرف. وبعد تنازل راجي عن المجموعة، أيمن باعها لنفسه. وكان فاضل القصر. فكان لازم يستغل إحساسه بالذنب بعد ما عرف قصة مهيرة كاملة. وفعلاً لما بلغوه باللي حصل جه هنا المستشفى وشاف حالتك وحالة مهيرة واتنازل فعلاً عن القصر للشهاوي.
بس أيمن قرر ينتقم كمان من الشهاوي لأنه بضغطه على راجي جوزك مهيرة، هو فاكر إنها مغصوبة ومش سعيدة. علشان كده انتقم من الكل. ندى الشهاوي القصر ولع وهي فيه وماتت. والشهاوي عرف إنه خسر كل حاجة لحساب أيمن.
صمت قليلاً ثم قال:
- اتجنن. ودلوقتي أيمن في القصر عند راجي.
سأل سفيان:
- مهيرة تعرف حاجة عن أخوها؟
هز عادل رأسه بنعم. وقال:
- بعد اللي حصلك مهيرة حست إنها السبب في كل اللي بيحصلك لأنها من وجهة نظرها نحس وكل اللي بتحبهم بيبعدوا عنها. قررت إنها تبعد عنك المهم إنك تعيش. وفعلاً دخلتلك الرعاية وبعدها خرجت. وقتها كنت واقف قدام المستشفى بفهم إيه الحكاية بعد ما أيمن كلمني وحكالي. شفتها وهي نازلة تايهة وضايعة دموعها مالية عينيها. أول ما شافتني اترمت في حضني وفضلت تبكي وتقول:
"عايزة أبعد لازم أبعد. سفيان لازم يعيش. أنا لازم أبعد."
فضلت حاضنها وأنا بهديها وقولتلها هوديكى لمريم. صرخت وقالت لأ... ماما لأ... أنا نحس... ماما لأ.
مكنش قدامي غير إني أخليها عند خديجة. بس قبل ما نتحرك من المستشفى لقيت أيمن واقف قصادي.
وبدون أن يستمع لكلمة أخرى وخرج سريعا من الغرفة حتى يطمئن عن مالكة قلبه وروحه ويضمها إلى صدره يشعرها بالأمان والاحتواء ويتنفس هو أخيراً.
رواية جاريتي الفصل الأربعون 40 - بقلم سارة مجدي
كان يقود سيارته بسرعة كبيرة، كاد أن يصطدم أكثر من مرة، ولكنه لن يتوقف، لن يهدئ سرعته، يريد أن يراها، يطمئن عليها، يريد أن يحضنها، يستمع إلى أنفاسها، يشعر بوجودها بجانبه من جديد، حتى يعود قلبه للحياة من جديد.
أوقف السيارة بقوة، وأصدرت العجلات صريراً عالياً جعل كل من بالشارع ينتبه له. نزل من السيارة بسرعة دون أن يغلقها، دخل إلى البيت ركضاً، متغاضياً عن ألم صدره من ذلك الجرح الذي لم يطب بعد، بل وبدأ في النزف من جديد.
وقف أمام باب السيدة خديجة وطرق بقوة، واستمع لصوتها.
كانت مهيرة جالسة في الغرفة التي خصصتها لها السيدة خديجة منذ وصولها إلى هذا البيت. وكان مكانها الذي اختارته بجانب الشباك، جالسة تنظر إلى السماء، ممسكة في يدها خاتماً تستمد منه القوة على التحمل بعد كل ما عرفته.
استمعت لصوت توقف سيارة بصوت عالٍ، زادت ضربات قلبها وهو يخبرها أنه هو. وحين استمعت لصوت الطرقات السريعة على الباب، تأكدت من هذا. وقفت على قدميها تنظر إلى الباب، تنتظر دخوله.
كان يقف أمام السيدة خديجة يلهث من الألم والشوق. شعر بالخجل لحضوره إلى هنا والسيد عادل غير موجود. ابتسمت السيدة خديجة بعد أن استشعرت حرجه، فعادل اتصل بها وأخبرها عن قدومه وطلب منها عدم إخبار مهيرة.
قالت له:
"اتفضل، هي في الأوضة دي."
وأشارت لإحدى الأبواب، فابتسم لها وخطى إلى الداخل، وقلبه يسابق قدميه إليها. فتح الباب بدون أن يطرق، وجدها تقف أمامه. ابتسم تلقائياً وتحرك سريعاً ليضمها إلى صدره بقوة، حتى تألم فابتعدت عنه سريعاً، وابتعد هو خطوة للوراء، وظل ينظر إليها بقوة يتفحصها بحب وسعادة. ولكن بعد عدة دقائق، قطب جبينه وتقدم منها الخطوة التي ابتعدها ووقف أمامها، ثم قال:
"كويس إنك بخير... علشان الأيام الجاية هتحتاجي صحتك جدا."
قطبت جبينها وقالت:
"سفيان... انت... انت كويس؟"
رفع حاجبه باندهاش وقال:
"خايفة عليا بجد؟ طيب سبتيني في المستشفى وأنا بين الحياة والموت ليه؟"
تجمعت الدموع في عينيها وقالت سريعاً باعتراف:
"أنا نحس... أنا مستاهلش... أنا مستاهلش الحب، مستاهلش أي حاجة... اتحرمت من حضن أمي وحنانها، واتحرمت من أمان أبويا وحمايته، واتحرمت من صداقة واحتواء أخويا... وكل دول كانوا موجودين لكن معشتهمش... ويوم ما لقيت حبك، أمانك، حنانك، صداقتك، الدنيا اللي بجد واللي اتحرمت منها طول عمري، يحصل لك اللي حصل... كنت هضيع مني... أنا مستاهلش حاجة."
وبكت بقوة وحرقة، ليجد نفسه يضمها لصدره بقوة، ناسياً ألم جرحه.
ظلت تبكي حتى هدأت قليلاً، لتشعر بشيء لذج تحت يدها التي تستند على صدره، لتصرخ حين وجدت قميصه الأبيض لونه تحول للأحمر وكف يدها ممتلئ بالدماء.
صرخت وهي تقول:
"بتنزف يا سفيان، بتنزف... شفت أنا قولتلك أنا شر مفيش من وراه خير."
وتحركت سريعاً واتصلت بعادل حتى يرسل سيارة إسعاف.
كان سفيان ينظر إلى يديها الممسكة بخاتمه ولهفتها وخوفها، ابتسم وهو يقسم أن يخرج منها اعترافاً بحبه الآن، اعترافاً حلم به كثيراً. أشار لها أن تهدأ بعد أن أغلقت اتصالها بالسيد عادل، وأمسك بيدها الممسكة بالخاتم وقال:
"وكمان طلعتي حرامية وسارقة الخاتم بتاعي."
نظرت إلى يديها وقالت:
"ساعة ما الممرضة جابت الحاجات بتاعتك وبصيت فيهم، لمحت الخاتم. لأول مرة آخد بالي إنك بتلبس خاتم، مشفتوش في إيدك إزاي؟ ولما ركزت فيه لقيته منقوش عليه اسمي... حسيت وقتها قد إيه أنت كتير عليا، وإني مستاهلكش."
امسك الخاتم وقال وهو يبتسم:
"أنا مكنتش بلبس خواتم لحد. في يوم كنت بزور صديق ليا وكان لابس خاتم منقوش عليه رسومات غريبة، ولما سألته عنه قال إن هو اللي بيعملهم... فطلبت منه يعمل لي اتنين، واحد ليا باسمك... وواحد ليكي باسمي... واحتفظت بتاعك لحد ما أعرف إذا كنتي بتحبيني ولا لأ."
ظلت تنظر إليه بعيون مليئة بالدموع دون أن تتكلم.
كان السيد راجي يستمع لكلمات أيمن وهو يتذكر ما فعله بأمل، وتذكر كم الحقارة والندالة التي تعامل بها معها. ونظر إلى ذلك الشاب الذي طالما حلم به، ولكنه الآن يقف أمامه عدو وليس حبيب، ينظر له بكره وغِل، حقد وألم، ثأر لابد من أخذه. ومعه حق، ماذا فعل هو ليكون له ابن كذلك الشاب الناجح القوي.
كانت نظرات راجي تسعد أيمن بشدة، تجعله يشعر أنه أخذ حق أمه، ولكن ما زال هناك الكثير.
وقف أيمن على قدميه ينظر لراجي من علو قائلاً:
"قدامك أربعة وعشرين ساعة ويكون القصر فاضي... رجالتي هتفضل هنا علشان لو حصل أي حاجة... ومتفكرش تروح لمهيرة علشان معتقدش بعد اللي عرفته عنك، هتكون عايزة تشوفك تاني... ورصيدك اللي في البنك طبعاً هما باسم الشركة، وعلشان كده كل الأرصدة دلوقتي باسمي."
ضحك باستخفاف وهو يتحرك من أمامه قائلاً بسخرية:
"أشوفك بخير يا راجي باشا."
وخرج من القصر ليركب سيارته في انتصار، ثم أخرج هاتفه ليتحدث إلى السيد عادل.
وحين سمع صوت السيد عادل يرحب به، قال فوراً:
"لو سمحت عايز أعرف عنوان مهيرة."
صمت لثانية واحدة ثم قال:
"خلاص أنا جاي فوراً... وممكن تكون فرصة علشان نحل موضعها هي كمان... علشان كل حاجة ترجع لأصولها."
وصلت سيارة الإسعاف أمام بيت السيد عادل.
وصعد المسعفون سريعاً وحملوا سفيان الذي بدأ يشعر فعلاً بالدوار. مد يده لمهيرة قائلاً:
"خليكي جنبي أرجوكي."
قبلت يده وهي تلبسه خاتمه وتقول:
"مش هسيبك، هفضل جنبك لحد ما تقول لي أنت مش عايزني."
قطب جبينه ولم يستطع أن يتكلم حين وضعه المسعفون في السيارة.
وحين تحركت سيارة الإسعاف، أشار لها لتتقدم منه وقال:
"مهيرة، أنتِ عارفة إني بحبك... بس أنا حاسس إني هموت خلاص... المهم إني هموت وآخر حاجة هشوفها عنيكي."
كانت تبكي وتلوم نفسها وقالت:
"مت'قولش كده أرجوك... والله أنا بحبك... أنت كل دنيتي وحياتي، أنت الأمان والحماية... أنت الدنيا اللي عشتها بجد، أنا قبلك كنت عايشة ميتة بتنفس بس... أرجوك متسبنيش... أنا بحبك."
ووضعت يدها على وجهها وظلت تبكي، فتدخل أحد المسعفين قائلاً:
"متقلقيش يا مدام، هيكون كويس... هيعيد الخياطة بس للجرح."
نظر له سفيان وهو يريد قتله أو حرقه، لا فارق.
ولكنه تغاضى عن ذلك ونظر لتلك الملاك صاحبة الأنف الأحمر وقال:
"مبحبكش تعيطي... أنا كويس... أكتر من كويس، كفاية إن مهيرة الكاشف بجلالة قدرها بتحبني."
كانت زهرة تتحدث مع جودي عبر الهاتف وهي تقول:
"الحمد لله إنكم لقيتها... وإن شاء الله تطمنوا على أخوكي ونفرح بيكي بقى... ده أنا ملحقتش أفرحلك باللي حذيفة عمله."
قالت جودي وهي تنظر لذلك الواقف بجانبها يتحدث أيضاً في هاتفه، وقالت بسعادة:
"معاكي حق، معقولة الدكتور حذيفة... يركع على ركبة ونص ويقول لي بحبك تتجوزيني."
ضحكت زهرة بسعادة حقيقية وقالت:
"ربنا يهنيكي يا حبيبتي... هقفل أنا بقى ونبقى نتكلم تاني."
كان يستمع إلى كلماتها مع صديقتها، فابتسم وهو يقول:
"شكل أمور صحبتك بقت بخير."
أمسكت يده وقالت:
"الحمد لله أمورهم بدأت تتحسن... بس سيبك أنت... هو أنا قولتلك النهاردة إني بحبك؟"
ضحك بصوت عالٍ ثم قال:
"آه بس مفيش مانع تقوليها تاني."
اقتربت من أذنه وقالت:
"بحبك."
ظل ينظر إلى الأمام وعلى وجهه ابتسامة سعادة حقيقية.
كان يقف أمام النافذة يتحدث إلى أواب الذي يريد أن يأتي إلى المستشفى، وهو يحاول إقناعه بأنه سيأتي إليه، ولكن أواب قال له:
"عايز أكلم جودي."
نظر لها يجدها أغلقت الهاتف وتضعه بجوارها، فتقدم منها وهو يمد يده بالهاتف قائلاً:
"أواب عايز يكلمك."
ابتسمت له وأمسكت الهاتف قائلة:
"حبيبي عامل إيه؟ وحشتني جداً على فكرة."
قال أواب بلوم:
"إنت مش بتسألي عليا؟"
ابتسمت وهي تقول:
"معلش اعذرني، أخويا كان في المستشفى."
فأجابها قائلاً:
"هو كويس؟ أواب مش كويس."
رفعت نظرها لحذيفة وهي تقول:
"ليه يا حبيبي مالك؟ حاسس بحاجة؟ أخلي بابا يجيلك دلوقتي؟"
قال الطفل بهدوء:
"أنا عايزك انت."
فقالت وهي تنظر لعين حذيفة:
"بابا هيجيلك دلوقتي علشان يجيبك ليا، أوك."
سعد الطفل كثيراً وقال:
"أحبك قوي."
وأغلق الهاتف سريعاً وأعطاه للسيدة ناهد وهو يقول:
"عايز ألبس علشان بابا جاي يوديني لجودي."
ضحكت السيدة ناهد على سعادة الطفل الحقيقية بعد ما كان يشعر بالبؤس والحزن. ساعدته في تبديل ملابسه، ووقف أمام الباب بكرسيه في انتظار أبيه الذي لم يتأخر، ونفذ كلام جودي التي قالت له بطريقة آمرة بعد أن عارضها أنه لا يفضل أن يحضر أواب إلى المستشفى، ولكنها قالت:
"الولد خايف، وبقالك يومين سايبه للدادة... فلازم تروح تجيبه وفوراً."
حين وصل سفيان إلى المستشفى، في نفس اللحظة التي وصل بها أيمن إلى المستشفى ليرى مهيرة وهي تنزل من سيارة الإسعاف والمسعفون يحملون سفيان، اقترب منها سريعاً وناداها. فالتفت سفيان لينظر لذلك الذي يقترب من مهيرة، وشعر بنار تتأجج بداخله، فناداها، فنظرت له بابتسامة سعيدة واقتربت بعد أن أمسكت يد أيمن ووقفت أمامه وقالت:
"أعرفك يا سفيان، ده أيمن أخويا."
نظر سفيان للشاب الذي طالما شاهده بجانب الشهاوي صامت بعيون حادة. لاول مرة يراه يبتسم وهو ينظر إلى أخته الصغيرة بذلك الشوق الحقيقي.
مد سفيان يده له، فظل أيمن ينظر إلى يديه طويلاً، وحين لمح نظرة مهيرة السعيدة، مد يده له وقال:
"حمد لله على سلامتك... وأسف."
ابتسم سفيان من طرف فمه وقال:
"الله يسلمك... ولا يهمك."
كانت مهيرة تشعر الآن بالغباء، ولكنها تغاضت عن كل ذلك حتى تطمئن على سفيان، الذي قال لأيمن حين تحرك به المسعفون من جديد:
"خلي بالك منها... مراتي في أمانتك."
فرفع أيمن يده قائلاً:
"متقلقش... في إيد أمينة."
ورفع ذراعه ليحاوط كتفها ويتحرك بها ليتبع ذلك الذي اختفى داخل المصعد.
جلست مهيرة أمام السيدة نوال خارج الغرفة الذي يرقد بها سفيان، منكسة الرأس وتقبل يديها قائلة:
"أنا آسفة يا ماما... بس والله كنت خايفة وجودي جنبه يأذيه."
ربتت نوال على رأسها وقالت:
"عارفة يا بنتي، حقك عليا أنا..."
مأخدتش بالي منك وإنتِ بنتي قبل ما تكوني أمانة ابني. تعرفي يا مهيرة، قبل ما سفيان يقولي إنه عايز يتجوزك، حلمت بيكي.
نظرت لها مهيرة باندهاش وقالت:
- معقولة؟ مع إن حضرتك مشفتنيش وقتها قبل كده.
ابتسمت نوال وقالت:
- ده حقيقي. وأنا في الحلم مشفتش وشك.
تكلمت مهيرة سائلة:
- وحضرتك شفتي إيه بقى؟
نظرت إلى الأمام وقالت:
- حلمت بأبو سفيان وهو واقف ورا سفيان وبيقولي: "قولي لابنك يخلي باله من مهيرة... أنا عارف إنه بيحبها."
وعلشان كده لما سفيان قالي إنه خطبك، فرحت أوي، لإن عارفة إنه بيحبك.
قبلت يديها وهي تقول:
- ربنا يخليكي لينا.
ابتسمت لها ثم قالت:
- روحي صالحي مامتك.
نظرت مهيرة لمكان وقوف مريم وهزت رأسها بنعم، ثم تحركت ببطء ووقفت خلفها وقالت مباشرة:
- أنا آسفة يا ماما. عارفة إنك زعلانة مني، بس ارجوكي حاولي تفهمي حالتي كانت عاملة إزاي وقتها. والله كنت خايفة، خايفة أوي.
تكلمت مريم دون أن تلتفت وقالت:
- أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة من نفسي. مكنتش ليكِ الأم اللي تلجأي لحضنها وقت خوفك. بس والله يا بنتي مكنش بأيدي. منه لله اللي كان السبب.
تحركت مهيرة لتقف أمامها وقالت:
- أنا من يوم ما وعيت على الدنيا، وأنا نفسي إني أترمى في حضنك. يا أمي، إنتِ حلم عشت عمري كله أتمنى يتحقق.
فتحت مريم ذراعيها وهي تبتسم لترتمي مهيرة بين ذراعيها في سعادة.
كان أيمن الجالس بجانب عادل يتابع مهيرة بعينيه، يتابع حركاتها، همساتها، ابتسامتها. كان يراقب جلستها أمام السيدة نوال باندهاش، ما هذه العلاقة التي تربطها بحماتها؟ وكأنها أمها الحقيقية.
اعتذر من السيد عادل ووقف على قدميه ليتحرك باتجاه مهيرة والسيدة مريم.
وقف أمامهم وهو يقول:
- مدام مريم، أنا سعيد جدًا إني اتعرفت على حضرتك.
نظرت مريم إليه بتمعن وابتسامة سعادة على وجهها وقالت:
- بلاش رسميات في كلامك معايا يا ابني. لو تحب ممكن تقول لي يا ماما زي مهيرة. وأنا هكون سعيدة جدًا بده.
ابتسم وقال:
- طبعًا يشرفني.
ثم نظر لمهيرة قائلاً:
- صحيح، أنا وإنتي لسه متعرفين على بعض من يومين، لكن ده مينفيش إني أخوكي، سندك وظهرك وحمايتك. وعندي سؤال ياريت تجاوبيني عليه بصراحة.
قطبت مهيرة حاجبيها باهتمام وقالت:
- أكيد اسأل.
وضع يديه في جيب بنطاله وهو يقول:
- إنتي مبسوطة مع سفيان؟
قطبت جبينها باندهاش، ولكنها قالت بابتسامة:
- سفيان أحلى حاجة حصلت في حياتي.
هز رأسه بنعم وقال:
- كنت عايز أطمن بس. يعني بعد ما عرفت إنه راجي هو اللي طلب منه إنه يتجوزك علشان تهديدات الشهاوي.
هل ضربها في قلبها بخنجر مسموم؟ هل حقًا ما يقول؟
حين رأى أيمن انسحاب اللون من وجهها، شعر أنه أخطأ حين أخبرها. من الواضح أنها لم تكن تعلم ذلك.
تقدم خطوة وقال:
- مهيرة، أنا آسف. بس نصيحة، اسمعي سفيان الأول. متحكميش من غير ما تسمعيه.
اقتربت مريم من مهيرة لتأكيد كلام أيمن قائلة:
- إنتي مشوفتيش كان عامل إزاي لما فاق؟ أول حد سأل عنه إنتي. ولما عرف إنك مش موجودة كان هيكسر الدنيا وضرب حذيفة ومسك في خناق عادل. صدقيني يا بنتي، سفيان بيحبك بجد. اسمعيه الأول.
ظلت تنظر إليهم بعيون زائغة تغشاها الدموع، ولكنها هزت رأسها بنعم. لن تخسره إلا إذا تأكدت أنه لا يحبها.
أحضر حذيفة أواب إلى المستشفى. كان الطفل سعيدًا وكأنه ذاهب لرحلة أو مدينة ملاهي وليس إلى المستشفى. وحين سائله قال:
- علشان هشوف جودي. وحشتني.
ابتسم حذيفة بسعادة. تعلق ابنه بجودي حقًا يسعده. والأكثر تعلق جودي به. حين وصل للممر الذي يجلسوا فيه أسرة سفيان، وحين لمح أواب جودي ناداها بسعادة. لتقف سريعًا وتتجه إليه في سعادة، فتح ذراعيه الصغير ليضمها بقوة. كان الجميع يشاهد ذلك الموقف بسعادة حقيقية. أن ذلك الطفل صاحب الروح الشفافة، كمثيله من الأطفال، ملائكته ترفرف في عالم البشر، يرسلهم الله لنا لنرى عظيم قدرته وجمال خلقه. ذلك الطفل الذي يقول عنه الجميع طفل غير طبيعي، هو صاحب الروح الشفافة الطاهرة التي تشعر بالغيره وحتى عن بعد. إنه أكثر من الطبيعي بكثير.
جثت جودي أمامه قائلة:
- وحشتني جدًا يا أواب.
أمال رأسه للجهة اليمنى وقال:
- وإنتي كمان.
ثم ربت على وجنتها وقال:
- ما تخافيش، عمو هيكون كويس.
ابتسمت في سعادة وهي تقول:
- وأنا مصدقاك.
اقتربت نوال وهي تقول:
- أواب حبيب تيته، وحشتني.
نظر لها أواب وأرسل إليها قبلة في الهواء وقال:
- وإنت كمان يا تيته.
اقتربت منه مهيرة لتقبل أعلى رأسه. فنظر لها وقال:
- ما تزعليش من عمو، وما تعيطيش.
اندهش الجميع من كلماته، وخاصة مهيرة التي ظلت تنظر إليه باندهاش. ثم قبلت كفه الصغير ووقفت من جديد تنظر لأيمن الذي نكس رأسه في خجل منها. فاقتربت منه تقول:
- أنا مش زعلانة منك، كل حاجة كانت لازم تنكشف في يوم. وأنا هسمع سفيان الأول.
ابتسم لها في تشجيع، وحينها خرج الطبيب من غرفة سفيان.
تجمع الجميع حوله، فنظر لهم وابتسم:
- مهيرة موجودة المرة دي ولا زي المرة اللي فاتت؟
ابتسم الجميع وقال حذيفة:
- لا موجودة يا دكتور، بس ارجوك طمنا.
ابتسم الطبيب وقال:
- الجرح كان فتح وعدينا خياطته تاني، وكلها يومين إن شاء الله وممكن يخرج، بس أهم حاجة الراحة.
علت الهمهمات بالحمد لله، فأكمل الطبيب قائلاً:
- فين مهيرة بقى علشان المريض يطمن؟
تحركت مهيرة بخجل، فأشار لها الطبيب لتدخل إلى الغرفة. وبالفعل فتحت الباب بهدوء ودخلت تنظر له بلهفة وقلق. كان ينظر إليها بحب حقيقي، ولكنه لاحظ نظرات القلق في عينيها، فأشار لها أن تقترب.
فاقتربت بخجل ووقفت أمام السرير وقالت:
- عامل إيه دلوقتي؟
ابتسم لها وقال:
- طول ما إنتي جنبي ومعايا، أنا كويس جدًا.
أخفضت نظرها وقالت:
- كنت عايزة أسألك سؤال.
قال لها بهدوء:
- قربي هنا جنبي واسألي اللي إنتي عايزاه.
اقتربت منه ووقفت أمامه، فمد يده لها، فوضعت يدها فيها، فجذبها لتجلس بجانبه. ظل ينظر إليها حتى تكلمت قائلة:
- عندي سؤالين. أنا عارفة إنه مش وقته، بس أنا محتاجة أعرف وأرتاح. واللي إنت هتقوله هصدقه.
ظل على صمته حتى تكمل. فقالت:
- أول سؤال... بابا اللي طلب منك إنك تتجوزني؟
ظل صامتًا يريدها أن ترفع عينيها إليه حتى يجيب أمام عينيها لتصدقه أولًا، وليرى تأثير كل كلمة عليها.
طال صمته، فرفعت عينيها إليه ليبتسم لها وقال:
- كده أجاوبك. أنا قولتلك قبل كده إني حبيبتك من أول يوم جيتي فيه القصر. بس كنتي حلم بعيد بعيد جدًا جدًا. عمر السيد راجي الكاشف ما كان هيوافق إن البودي جارد بتاعه يتجوز بنته. لحد ما وصلتله تهديدات الشهاوي. كان بيثق فيا جدًا، وطلب مني إني أتزوجك. حسيت ساعتها قد إيه ربنا بيحبني. حقق لي حلمي، لإن لو طلبتك من والدك أكيد كان هيرفض. علشان كده مسكت في الحكاية وما صدقت، لإن بحبك. من كل قلبي أتمنيتك.
هزت رأسها بنعم بابتسامة ناعمة وقالت:
- السؤال التاني... في يوم كنت راجعة من المدرسة، كنت واقف في الجنينة بتتكلم في التليفون مع...
وصمتت خائفة من استكمال كلماتها. ليس منه، ولكنها خائفة من إجابته. خائفة أن تصدم فيه. من الممكن أن يكون له ماضٍ ليس مشرف وغير نظيف.
ظل ينظر إليها في حيرة، ثم قال:
- كملي يا مهيرة، كنت بكلم مين؟
أخذت نفس بصوت عالٍ.
- كنت بكلم واحدة، وبتزعقلها بصوت عالي، وقلت كلام كتير صعب أوي إني أقوله تاني.
صمت لثوانٍ، ثم قالت:
- يعني... يعني قولتلها...
قاطعها قائلاً:
- مجرد مومس لليلة في سريري.
نظرت له بصدمة. أغمض عينيه ليأخذ نفس، ثم قال:
- أقسم بالله العظيم، ما كان ليا علاقة بأي واحدة ست قبلك. واللي كانت بتكلمني دي كانت ندى الشهاوي، كانت بتعترفلي بحبها. وما كانتش أول مرة. وكان لازم أهينها بكلام جارح علشان تبعد عني، وأخلص منها بقى.
نظرت له في سعادة ورفعت يديه الممسكة بيده لتقابل الخاتم المنحوت عليه اسمها وهي تقول:
- بحبك.
ضحك بصوت عالٍ حتى تأوه من الألم، ثم قال:
- كده أموت وأنا مرتاح.