تحميل رواية «فتيات القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة الأجرة أمام منزل قديم شاسع، واجهته الملفته ذات اللون الباهت غريبة الديكور. في شرفاته المشرعة التي بدت على أكمل وجه رصت أصائص زهور، البينجا والأرث والفيكا والاسبنس. شيء يذكرك بحديقة جدتك في آخر أيامها. وعلى درج المنزل فرشت سجادة دمشقية نبيتيّة اللون توصلك لباب عريض من ضلفتين تغطيه أزهار الباجا ومقبضه الحديدي دائري الشكل تتوسطه فتاة قزمة ضئيلة جدا بحجم عقلة الإصبع. أخرجت راما ورقة صغيرة مكرمشة، تأكدت من العنوان قبل أن تطرق الباب الذي خلا من أي جرس بخجل مفرط. حتى الآن لا تعرف كيف انتهى...
رواية فتيات القصر الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
توقفت سيارة الأجرة أمام منزل قديم شاسع، واجهته الملفته ذات اللون الباهت غريبة الديكور.
في شرفاته المشرعة التي بدت على أكمل وجه رصت أصائص زهور، البينجا والأرث والفيكا والاسبنس.
شيء يذكرك بحديقة جدتك في آخر أيامها.
وعلى درج المنزل فرشت سجادة دمشقية نبيتيّة اللون توصلك لباب عريض من ضلفتين تغطيه أزهار الباجا ومقبضه الحديدي دائري الشكل تتوسطه فتاة قزمة ضئيلة جدا بحجم عقلة الإصبع.
أخرجت راما ورقة صغيرة مكرمشة، تأكدت من العنوان قبل أن تطرق الباب الذي خلا من أي جرس بخجل مفرط.
حتى الآن لا تعرف كيف انتهى بها المطاف في شرنقة تلك الفكرة.
فتحت الباب خادمة في مثل عمرها ترتدي تنورة ضيقة قصيرة وقميص أحمر.
بدت أنيقة وواثقة من نفسها.
"المتدربة الجديدة؟" سألت الخادمة.
أحنت راما رأسها.
كان المنزل من الداخل شاسع جدا أكثر مما تخيلت راما.
الديكور إسباني وكل ركن في المنزل ينبض بالرفاهية والأبهة.
تبعت راما الخادمة الجميلة على الأرضية المفروشة بالسجاد الأوروبي.
"انتظري هنا من فضلك،" همست الخادمة بابتسامة قبل أن تطرق الباب.
"المتدربة الجديدة وصلت يا فندم."
"خليها تدخل."
انفتح باب غرفة مكتب أنيق مزجج من كل اتجاه.
على المكتب رصت مجموعة من الأوراق وقلم ومنفضة سجائر.
في الجهة المقابلة على المقعد الرئيسي كانت تجلس فتاة تولي الباب ظهرها، في يدها هاتف آيفون.
"أنتي المتدربة الجديدة؟"
"نعم يا فندم."
"اقعدي من فضلك."
جلست راما على المقعد ووضعت يديها بتوتر فوق ساقيها.
لأول مرة ترتدي تنورة قصيرة جعلتها مضيفة طيران بامتياز.
"عندك فكرة عن الشروط؟" سألت الشابة المتدربة راما.
"بالتأكيد يا فندم عندي فكرة."
"أنتي مستعدة لقبول العمل؟"
وقبل أن تجيب راما، همست الفتاة بنبرة واثقة رفيعة المستوى: "ستكونين مستعدة في أي وقت ومكان لتلبية رغبات (السيد)."
"في الدفتر أمامك يمكنك أن تطالعي المسودة الرئيسية."
"هناك خانة الضرب."
"خانة السباب."
"خانة العصبية."
"خانة الرغبات المتغيرة."
"من فضلك أشرّي بالقلم على الفقرات التي تزعجك حتى يمكننا تقييمك ورؤية صلاحيتك للعمل من دونها."
مسكت راما بالدفتر والمسودة الطويلة.
في نهاية الورقة أشرت على الموافقة على كل ما سبق.
تطبق الشروط والأحكام.
لم تأت لهنا للرفض.
تعرف ما ينتظرها جيدا وصارعت روحها ونفسها وأفكارها أكثر من أسبوعين قبل أن تطلب تحديد الموافق.
استدارت الشابة الرئيسة أخيرا وهمست بتساؤل: "انتهيتي؟"
"نعم،" قالت راما ومدت الورقة.
عاينت الرئيسة الشابة الورقة بسرعة قبل أن تؤشر عليها: "ستخضعين للتدريب مدة ثلاثة أشهر إذا بدر منك أي إخلال بالعقد سيتم تسريحك ومنحك مكافأة نهاية خدمة."
"الآن يمكنك أن تنصرفي."
ثم نادت على لارين: "المتدربة الجديدة تحت عهدتك."
رواية فتيات القصر الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
بعد المقابلة التي جمعتها بلارينا، خرجت راما من المكتب الواسع بخطوات ثابتة تخفي اضطرابًا لم تعتد أن تظهره.
كانت المقابلة قصيرة… كلمات محددة… نظرات ثاقبة من عيني لارينا، وتعليمات واضحة لا تقبل التراجع.
أمرت لارينا أن تتولى راما بنفسها الاعتناء بالحديقة الخلفية، وتجهيز باقات زهر نادرة للمكتب الداخلي للسيد، وحددت لها أنواعًا من الأزهار: الأوركيد الأبيض، زنابق الوادي، وأفرع الجاردينيا.
ثم طلبت منها أن تنظف زاوية قديمة في الحديقة… زاوية لم يقترب منها أحد منذ سنوات.
"مسؤلة الحديقه؟" همست راما بسخرية وهى تبدل ملابسها.
"عليها أن ترتدي تنورة ضيفه وقميص أبيض لامع أو أحمر أثناء عملها حتى يحدد السيد غير ذلك."
كانت قد حضرت للتو ولا تعرف إذا كان من اللائق أن تمنح الأعمال قبل أن تستريح من سفرها الصعب، لكنها تحتاج تلك الوظيفة بشدة، إنها أملها الوحيد في حياة آمنة مثالية.
بعد أن بدلت ملابسها وقفت راما أمام المرآة.
"حسنًا، أعتقد أنني جميلة ومثالية للعمل في حديقة السيد."
أغلقت راما باب غرفتها بهدوء ثم وقفت أمام غرفتها كما طلب منها.
لم تمضِ سوى لحظات حتى رأت خادمة تحمل نوته قادمة تجاهها.
الخادمة الشابة عاينت راما من شعرها حتى قدميها، وهي تهمس لراما: "هذا إجراء احترازي حتى تعتادي الأمر."
ثم رفعت الخادمة رأسها لتعلن أمام لارينا: "المتدربة راما دي فلور جاهزة للعمل."
"عذرًا، اسم والدي ليس دي فلور." اعترضت راما بأدب.
من فوق درج السلم واصلت لارينا سيرها.
"يبدو أنك لم تقرئي دفتر قوانين السيد بعد؟ سنمنحك الاسم الذي نرغب به، وجهلك ليس عذرًا. ستقفين ساعة عارية الكتف داخل الحديقة الخلفية قبل أن تبدئي العمل."
حنت راما رأسها وضربت قدمها بالأرض.
"سأنفذ العقوبة بصدر رحب." كررت راما ما تمكنت من حفظه من كتاب القصر.
ثم خرجت تجاه الحديقة.
كانت تلك الرقعة الصغيرة التي حددتها الرئيسة المزعجة راما تعج بأعشاب غريبة لا تعرف لها اسمًا.
أثناء تنظيفها، شعرت راما وكأن الأرض تهمس تحت أصابعها، ورائحة غريبة تتصاعد مع كل حفنة طين.
لكنها واصلت العمل، إنه اليوم الأول ولا تريد أن تفقد وظيفتها بتلك السهولة.
عند المساء، وبينما الجميع استعدوا للعشاء، كانت راما لا تزال هناك، يكسو ملابسها الطين، وخصلة شعرها العسلي ملتصقة بجبهتها.
وقفت لارينا خلفها فجأة، بصمتها المألوف، وقالت بنبرة باردة:
> "هناك أشياء… لا يجب أن تلمسيها قبل أن يُؤذن لكِ."
ثم غادرت، تاركةً خلفها ورقة صغيرة مطوية، داخلها تعليمات بخط يد السيد نفسه، حول زهرة نادرة ستُزرع في تلك الزاوية.
حاولت راما أن تعرف اسم الزهرة، كانت اختارت تلك الوظيفة بالذات لحبها في الأزهار ولأنه مجال تخصصها، ومن حسن حظها أنه الوظيفة المطلوبة داخل القصر الذي لا تعرف لما يصرون على وصفه بالبيت الكبير.
فركت راما ذقنها.
"فكري أكثر يا فتاة، ما اسم تلك الزهرة؟ وكيف تزرع؟"
ثم، قررت أخيرًا أن تتبع التعليمات العامة:
"أرض هشة مسمدة وضوء شمس يصلح لأي زرع."
نظفت راما نفسها من الأوساخ وارتدت الملابس المسائية.
حيث كان يحظر ارتداء ملابس عادية إلا داخل الغرف الخاصة.
***
في صالة الطعام الخلفية للخدم،
توزعت خمس خادمات حول طاولة خشبية أنيقة مستطيلة الشكل، تعلوها مزهرية بلورية بها زهور الأوركيد البيضاء.
الإضاءة خافتة دافئة، تتراقص على جدران الغرفة التي زُينت بنسخ زيتية للوحات عالمية؛ "فتاة اللؤلؤ" و"عازف الكمان الأعمى".
جلست راما على طرف الطاولة، تملأ أطباقًا صغيرة بحساء دافئة.
بينما كانت الخادمة كاري تتبادل النظرات مع الخادمة روزا.
نظرات هادئة قبل أن تقطع الصمت:
"لم يُذكر شيء عن موعد عودة السيد… أليس كذلك؟"
الخادمة / تالين، تمسح زاوية فمها بمنديل قطني قبل أن تقول برقة:
"أفضّل أن يظل الغياب طويلًا… فوجوده مربك. كل خطوة محسوبة."
تضحك بخفة لكن لا تسمح للضحكة أن تتعدى حدود اللباقة.
سيرين تهمس وهي تقلب شريحة من الخبز:
"أعشق طريقة ترتيب الحديقة هذا المساء… كأنها ممر ضبابي من قصة خرافية."
راما بخجل /
"قرأت أن السيد يعشق التفاصيل… حتى أنه أمر بزراعة الأوركيد البنفسجي رغم أنه لا يزهر هنا؟"
لارين/ تقول بهدوء معتادها:
"لا أحد يناقش أوامره… تلك كانت قاعدة البيت الأولى قبل مجيئك."
راما /
"أتُعني أن السيد غير موجود في القصر الآن؟"
لارين اقدم الخادمات بهمس،
"السيد ليس هنا ولن يكون هنا في وقت قريب، حتى عندما يحضر لا نشعر به إلا نادرًا. فقط ترك لنا تلك اللعنة."
يصمتن لحظة، ثم تتحدث نايرة بنبرة متهدجة قليلة الخجل وهى متدربة نالت وظيفتها منذ ثلاثة أشهر:
"إنني أتساءل… كيف تبدو سكرتيرته لارينا عن قُرب؟ أراها دائمًا من بعيد… كأنها جزء من لوحة لا يُسمح بلمسها."
تالين/ تنظر لطبقها، تهمس وكأنها تعترف بسر:
"هي مهيبة… تحضر كظل، وتغادر كضوء خافت."
راما/ تبتسم برفق:
"ثمّة سحر خاص يحيط بكل من يطيل النظر إليها."
__
ترفع سيرين رأسها،
"ستغيرين رأيك عنها قبل مرور أسبوع صدقيني، لارينا حفنة قذارة متحركة."
تنتهي السهرة بهدوء، تتبادل الفتيات أمنيات ليلة طيبة:
"أمسية هانئة."
"حلم هادئ، راما."
"لعلّ السكينة ترافقكن."
ثم تفرقن، كلٌ إلى غرفتها المخملية، على وقع خطوات صامتة فوق أرضيات الخشب العتيق.
--____
بينما قررت راما أن تقصد المكتبة لقراءة دفتر عقوبات السيد.
دفتر النظام — قصر السيد
(مخطوط بخط السيد الأنيق، محفوظ في مكتب لارينا)
نوته القسم الأول: الحديقة الخلفية القديمة
(المسؤولة الحالية:.......)
المخالفات والعقوبات:
1. نسيان ري زهرة "كاميليا الليل" وقت الغسق
عقوبة: قضاء الليلة كاملة وسط الحديقة، واقفة بلا غطاء ولا مأوى حتى شروق الشمس.
2. تجاهل تعطير جذوع الأشجار القديمة بعطر "سانتال 33"
عقوبة: الركوع وتقبيل الأرض تحت كل شجرة.
3. نسيان تنظيف البركة من الأوراق أو الغبار
عقوبة: غسل قدمي لارينا أمام الجميع.
4. إحداث ضجة وقت مرور الطائر الأبيض
عقوبة: الوقوف بلا حراك لساعة كاملة عند قاعدة شجرة السيد الخاصة.
5. ترك أدوات التشذيب دون تنظيف
عقوبة: التهام العشاء واقفة في المطبخ الخلفي.
6. نسيان جمع زهور السيد المفضلة
عقوبة: الجلد بعصا الورد — ثلاث جلدات على راحة اليد.
7. الجلوس أمام السيد وتقبيل يده مهما طال الوقت
للسيد إضافة العقوبة التي يراها مناسبة أو مضاعفة العقوبات أو استحداث عقوبات جديدة.
لاحظت راما أن الخطيئة السابعة مُحيت من الدفتر وترك العقاب فقط.
ثم مرت عينيها على بقية الأقسام.
نوته القسم الثاني: صالة الموسيقى
1. لمس مفاتيح البيانو بلا إذن
عقوبة: خمس صفعات على الخد.
2. نسيان ترتيب نوتات السيد
عقوبة: أداء رقصة صامتة أمام لارينا والحاضرين.
3. نسيان تنظيف أرضية الصالة
عقوبة: الزحف على الأرض لإزالة الغبار بشعرها.
4. ترك كمان السيد خارج موضعه
عقوبة: حرمان من الوجبة المسائية.
---
نوته القسم الثالث: صالة اللوحات الفنية
1. ترك غبار على إطار لوحة
عقوبة: تنظيفها بلسانها.
2. نسيان اسم الرسام أو تاريخ العمل
عقوبة: خمس صفعات على المؤخرة بعصا جلدية.
3. ترك شمعة الإضاءة تنطفئ
عقوبة: الوقوف أمام اللوحة المطفأة، مع تقبيل الأرض عند قدمي لارينا.
---
نوته القسم الرابع: المطبخ والمائدة
1. خطأ في ترتيب أدوات المائدة
عقوبة: الركوع حتى نهاية العشاء.
2. نسيان تحية لارينا عند الدخول
عقوبة: تقبيل يدها علنًا.
3. انسكاب مشروب
عقوبة: التوقف عن الطعام حتى اليوم التالي.
4. نسيان إعداد القهوة الخاصة بالسيد
عقوبة: تلقي صفعتين على الرقبة.
---
نوته القسم الخامس: غرف النوم وخدمة السيد
1. نسيان تدفئة سرير السيد
عقوبة: قضاء الليلة راكعة عند باب جناحه.
2. نسيان تعطير وسادة السيد
عقوبة: النوم بلا غطاء ولا وسادة.
3. إحداث صوت أثناء نومه
عقوبة: خمس جلدات على المؤخرة.
4. نسيان ترتيب الكتب
عقوبة: الوقوف طوال الليل حاملة كتابًا مفتوحًا أمام وجهها.
مررت راما عيونها على بقية الأقسام بسرعة وشعرت بانزعاج مفرط.
مررت الصفحات إلى آخر صفحة.
يلحق اسم كل خادمة بلقب دي فلور طالما تعمل داخل القصر.
(جميع العقوبات تنفذ بإشراف لارينا.
يمكن للسيد تخفيف أو تصعيد العقوبة حسب المزاج.
للارينا الحق في تنفيذ العقوبة التي تراها ملائمة دون إذن السيد.)
أغلقت راما الكتاب، كانت تعرف ما ينتظرها حقًا، لكنها الآن تشعر بالغثيان.
تنحني أو تصفع أو تهان ليس سهلًا، لكنها وجدت المعرفة أصعب من الحقيقة.
قبل وصولها القصر مرت لها التعليمات ووافقت عليها، لكن مجرد تخيلها بذلك القرب أصابها بالتعثر والغثيان.
قبل أن تنام سألت نفسها:
"ماذا يكون مظهر ذلك السيد؟"
"ولماذا لا توجد له صور معلقة على الجدار؟"
"كيف أمر بمنع وجود أي صورة له على جدران القصر؟"
"وماذا قد يكون أصلًا؟"
ورغم أنه يومها الأول فقد فارقها النوم.
مما دفعها أن تطرق باب غرفة تالين.
أقدم الخادمات، اعترفت راما أن النوم عبر غرفتها وأنها تتمنى أن تخبرها تالين بشكل ذلك السيد الذي تخدمه.
ابتسمت تالين وهمست:
"حاضر."
تالين /
"شايك إيه؟"
همست راما:
"خفيف، مع ثلاث معالق سكر."
أوكراما /
"مش خايفة لارينا تظهر؟"
تالين:
"إحنا في وقت البريك وليس علينا إلا أن نحسن التصرف."
فور عودتها جلست تالين لتخبر راما عن السيد.
رواية فتيات القصر الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
رغم كل الأساطير التي نسجها الخدم عن السيد، إلا أن الحقيقة التي يعرفها القليلون… أنه نادرًا ما كان يظهر.
يمر شهورٌ طويلة لا يراه فيها أحد، كأنه شبح ساكنٌ في جدران القصر. كان إذا حضر، يدخل من الباب الخلفي، يعبر الرواق الرخامي بصمت، ويصعد مباشرة إلى جناحه الخاص، لا يرافقه سوى ظل معطفه الطويل وعطره الهادئ الذي يظل معلقًا في الجو لساعات.
الخدم يعرفون وجوده من أمرين:
ضوء خافت ينبعث من نافذة مكتبه في الطابق العلوي.
أو صوت أنامل خفيفة تعزف مقطوعة موسيقية بعيدة في قلب الليل.
لم يكن يتحدث مع الخدم. كان لا يوجه إليهم نظرة واحدة.
بل إن القصر كله كان يُدار بقبضة ناعمة من امرأة واحدة… لارينا، سكرتيرته الغامضة.
امرأة ذات جمال بارد لا يتغير، شعر فضيّ يميل إلى الأشقر، عيون زرقاء باهتة كجليد البحيرات. هي وحدها من كانت تملك حق دخول جناحه، ونقل أوامره للخدم والحرس.
لارينا كانت تعرف أدق تفاصيل القصر؛ من اسم أصغر خادمة، إلى حالة الزهور في الحديقة الخلفية. وكانت تنقل العقوبات والأوامر دون أن ترفع صوتها.
عُرف عنها أن لا شيء يغيب عنها، حتى همسات الخدم خلف الأبواب المغلقة.
السيد كان ميالًا للهدوء، شخصًا حين تراه تشعر أنه خجول أو منطوٍ، إلا أن وسامته الساحرة كانت حاضرة في كل حركة من يده، في جلسته، في طريقة حمله لكتاب، أو تناوله لفنجان قهوة.
شديد العناية بمظهره؛ ثيابه لا تشوبها شائبة، معاطفه تفوح برائحة عطور قديمة من أيام أوروبا، شعره الأسود داكن كالليل، مشذّب دائمًا بعناية.
كان أشبه بـ كونت من أيام القرن الثامن عشر، نُقل فجأة إلى هذا الزمن… وسكن قصرًا مهجورًا يليق بشخصيته المتفردة.
لم يرفع صوته يومًا. لم يظهر غضبه.
فهو لم يكن بحاجة لذلك…
يكفي أن تصل لارينا برسالة صغيرة حتى يتغير مجرى حياة خادم في القصر.
وحين يظهر… يُشبه حضوره لحظة هبوط الضباب، صامتة… لكنها قادرة على إرباك الحواس.
كانت راما تستمع بتركيز ومع كل كلمه يزداد فضولها لرؤية السيد.
"هو بيرجع امتى؟"
وضعت تالين اصبعها فوق ذقنها، "مش قبل ست شهور."
"اخر مره شفته رحل فيها كان المطر مغرق الدنيا."
"خرج من القصر لابس معطفه من غير حارس او خدم."
"مشى تحت المطر وتابعته من شرفتى لحد ما اختفى فى الظلام."
"شخص غريب،" همست راما بشرود.
"وصعب،" اكدت تالين وهى بتتثأب، "يحب أن يعاقبنا على اتفه الأشياء كأن ذلك يمنحه السعاده."
"عقوبات قد تصيبك بالخجل، أذكر مره أنها عاقب خادمه بالجلد على مؤخرتها امام المدفأه وهو يستمع للموسيقى وفى يده كتاب."
"المهم انا لازم انام دلوقتى، تقدرى تنصرفى على غرفتك يا راما."
ثم دفعت راما بلطف تجاه الباب، "تصبحى على خير."
غمرت راما احلام غريبه خلال نومها وصحيت على زعيق لارينا فوق دماغها عندما كانت الشمس فى منتصف السماء.
"ستقومين بعملك دون أن تتناولى طعام الأفطار."
"ستقفين امام شجرة السيد حتى الساعه الرابعه عصرا."
"ولن تدخلى غرفة الطعام مهما طال الوقت قبل أن تنهى عملك."
تصدر لارينا اوامرها ببرودة أعصاب مقرفه.
وعليك أن تمتلك برودة دم مثلجه كى لا تتعصب او تغضب.
"المتدربه راما دى فلور معاقبه."
خرجت راما من غرفتها منكسة الرأس تشعر بالآهانه امام عيون الخدم الأخرين الذين لم يخفو شماتتهم وسخريتهم، كان القصر يصيبهم بالممل وتلك الأحداث تمنحهم بعض السعاده والحركه.
فى الحديقه وقفت راما امام شجرة السيد، شجرة بيترفيم طويله وانيقه تشعر انها تمثل السيد بأوراقها ذات اللون الأحمر الامع.
وبين كل شويه كانت لارينا تمنحها نظره لتتأكد من تنفيذ العقوبه.
ولما الساعه دقت الرابعه عصرا، راما بجسدها المتحجر بدأت تؤدى عمله.
تنزع الحشائش وتروى الشجيرات بجرعات محدده كما ذكرها السيد فى دفتره.
"هيقولون داخل القصر ان السيد يولى حديقته الملكيه عنايه خاصه وانها تكون أول ما يعاينه السيد فور دخوله القصر."
مما دفع راما ان تؤدى كل شيء بدقه املآ ان يلاحظ السيد تفانيها فى العمل.
بعد أن انهت راما عملها دخلت غرفة الطعام متأخره حيث كان الخدم يتسامرون جوار المدفأه.
ولم تسلم من تلميحاتهم الساخره وهمزاتهم المقصوده.
لم تظهر لارينا تلك الليله على غير عادتها، ولما راما قعدت مع بقية الخدم كانو بيتكلمو ان لازم فيه حاجه حصلت داخل القصر، اصل مش معقول لارينا تتخلى عن دور الأميرة الملكيه التى تصدر الأوامر الا لو كان فيه حاجه مهمه حصلت.
واصلت راما عملها عدت ايام، وواصلت لارينا اختفائها المريب.
وفى صبيحة يوم دافيء لما راما فتحت عنيها شافت نشاط ملحوظ داخل القصر.
لما سألت زميلاتها، كيرا همست بابتسامه "نعتقد ان السيد داخل القصر منذ عدة ايام."
"محدش عارف هيظهر امتا، لكن كل الدلائل بتقول انه موجود."
ركضت راما على الحديقه.
امسكت دفترها ووقفت امام كل شجره وكل زهره تقراء التعليمات بدقه، لم تنسى اى شيء حتى التفاصيل الصغيره.
تأكدت ان الحديقه الملكيه فى احسن صوره.
ولما الخدم تجمعوا بالليل ظهرت لارينا اخيرا، كان على وشها الجميله ابتسامه نرجسيه.
قالت لارينا "المتدربه راما دى فلور انت معاقبه".
وكانت لارينا مستمتعه بكل كلمه تخرج من فمها، وتطلق الكلمات بطلاقه مبهره، طبقأ لرؤية السيد.
صرخ الخدم فى صوت واحد "سيدنا المبجله".
هزت لارينا رأسها بأستحسان، "يرى السيد ان المتدربه الجديده لم تؤدى عملها على أكمل وجه وقصرت فى الاهتمام بالحديقة الملكيه وهذا امر لا يمكن للسيد التسامح فيه."
"ستعاقبك المتدربه راما دى فلور بالصفع على المؤخره وتقبيل قدم الرئيسه، يعنى انا."
وأشارت لارينا لنفسها خمس مرات بلا توقف.
رواية فتيات القصر الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
فتحت راما فمها من المفاجأة، سألت نفسها ألف مرة وهي واقفة أمام لارينا: كيف أخطأت؟ أين الخطأ؟
حاولت أن تتذكر أي خطأ قامت به بلا فائدة.
صاحت لارينا: "المتدربة راما دي فلور، تقدمي إلى الأمام."
برقت عينا راما، كانت تفكر: عن أي شيء تعاقب؟ وإن كان عليها أن تعارض الإقرار وتطالب بنقضه كما هو منصوص عليه في كتاب السيد.
لكنها تقدمت رغم ذلك، ووقفت أمام لارينا في انتباه.
ابتسمت لارينا: "أترين تلك الأريكة يا راما دي فلور؟ عليك أن تذهبي قربها وتنحني عليها."
توقفت راما أمام الأريكة وهي تسخر من تلك المهزلة، وكانت تالين تغمز لها بعينها: "يعني دع الأمور تمضي."
انحنت راما على الأريكة، وسمعت صياح لارينا: "السوط؟"
تقدمت خادمة غير مألوفة تحمل صينية معطرة، استقر فوقها سوط جلدي ووضعته أمام لارينا.
رفعت لارينا السوط: "راما دي فلور، خمسة جلدات."
شعرت راما بالألم قبل أن تسمع صوت فرقعة السوط.
لم تكن ضربة عادية، بل كانت ضربة قاسية تحمل الحقد والغيظ.
ثم تبعتها لارينا بأربع جلدات، كل جلده منها ضربت باستمتاع.
ارتفع صياح راما، كانت تعتقد أن الموضوع مجرد مسرحية لإرضاء شخص مريض، لكن مؤخرتها آلمتها جداً حتى أنها فكرت في الصياح والسب واللعن، ثم توقفت في آخر لحظة.
إنها مجبرة على اتباع التعليمات كلها.
رفعت لارينا هاتفها وشاهدت تسجيل الفيديو: "راما دي فلور تصفع على مؤخرتها."
ثم همست: "أتمنى أن يعجب السيد ولا يطالب بإعادته مرة أخرى."
جلست لارينا على المقعد.
في القصر الكبير، لم يكن هناك من يضاهي لارينا حضوراً.
امرأة تحمل جمالاً من نوع نادر، أشبه بلوحة زيتية قديمة تعثرت بها يد القدر في زمننا الحاضر.
طويلة القامة، ذات قوام نحيل ممشوق، يتحرك بخفة راقصة باليه.
بشرتها شاحبة ناعمة، كأنها مصقولة بعناية، لا تعرف شمساً ولا إرهاقاً.
شعرها كان أشبه بخيوط الفضة، طويلاً، ينحدر بنعومة على ظهرها، تُبقيه أحياناً منسدلاً، وأحياناً ترفعه في جديلة بسيطة تعقدها بدبوس عاجي محفور.
أما عيناها… فهما زرقاوان باهتتان كجليد البحيرات، لا يظهر فيهما انفعال. نظرة ثابتة، تختصر آلاف الكلمات دون أن تنطق بحرف.
لارينا لم تكن خادمة ولا مجرد سكرتيرة… بل سيدة القصر الحقيقية.
المُدبرة، المخططة، والمتحكمة في تفاصيل حياة الجميع.
تتحدث خمس لغات بطلاقة: الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، والإسبانية. وكان الخدم يتناقلون بينها أن لها أصولاً إيطالية نبيلة.
كانت شديدة الأناقة، لا ترتدي إلا فساتين سوداء أو رمادية داكنة، مصممة بتفصيل نادر، مع قلادة واحدة تضعها دائماً حول عنقها — حجر أزرق صغير يشبه عينيها.
عطرها هادئ، أقرب لرائحة أزهار اللوتس في الليل.
مثقفة حد الإدهاش.
تحفظ مقطوعات بيتهوفن، وتناقش فلسفة شوبنهاور، وتتقن قراءة الشعر الفرنسي، وتعشق رسومات غويا.
لا ترفع صوتها. كلماتها مختصرة، هادئة، لكنها نافذة كالسهم.
لم يعرف أحد قصتها. كيف جاءت إلى القصر؟ ولماذا ظلت فيه طوال هذه السنوات؟
لكن المؤكد أن لا شيء يحدث في القصر دون أن تعلم به.
وكان يكفي أن تضع يدها برفق على كتف خادمة، أو تمرر نظرتها الباردة على خادم، حتى تنهار مقاومته.
لارينا… سيدة الأسرار والقرارات القاطعة.
تخشى الخدم منها أكثر مما يخشون السيد نفسه، لأنها كانت قادرة على أن تُسقط أي اسم من سجلات القصر، وتجعله يُنسى إلى الأبد.
إذا جلست لارينا على المقعد وكشفت عن قدمها العاجية ولوحت لراما بسخرية أن تنحني وتقبل قدم الرئيسة.
"قبلي راما دي فلور، علك تحسنين التصرف في المرات القادمة."
تأخرت راما دقيقة، مما دفع لارينا أن تهمس: "قبلي أو يزداد العقاب."
انحنت راما وطبعت خمس قبلات على قدم لارينا، وقبل أن تنهي، ركلت لارينا جسد راما بقدمها، أسقطته على الأرض.
الحركة دي ما كانتش من ضمن العقوبات الموقعة على راما، لكن من حق لارينا أن تضيف العقوبة إلى تعجبها في أي وقت.
تدحرجت راما على الأرض أمام الخادمات وانفجرت في البكاء.
أخذت كيري راما إلى غرفتها وهي تهمس: "احمدي ربنا إن السيد مش موجود، كان ممكن العقاب يكون أكبر، السيد مش بيرحم، وعقوباته مخجلة."
قالت راما: "أنا كنت أفضل أن السيد يعاقبني ولا أني أخضع للسكرتيرة اللعينة دي."
همست كيرا: "السيد هنا، واكيد شاف كل حاجة، يعني لو كانت حاجة معجبتوش كان هيرن الجرس."
راما بخوف وارتباك: "يعني السيد شافني بنضرب؟"
كيرا: "أيوه."
راما: "ده واضح إنه صعب جداً، أنا عايزة أعرف الخطأ بتاعي، أعمل إيه؟"
كيرا: "هتلاقي الخطأ بتاعك مكتوب في دفتر العقوبات بعد يومين."
كيرا: "يلا جهزي نفسك عشان العشا."
شعرت راما بالكسوف، لكنها قالت: "حاضر."
جسمها كان بيوجعها لأن لارينا تعمدت كده.
تمددت راما على السرير تريح جسدها، مش قادرة تتذكر الله أخطأت في إيه.
سابت الغرفة ورجعت على الحديقة، هي متأكدة إن كل حاجة اتعملت زي ما التعليمات المكتوبة.
في وسط الحديث، لقيت زهرة ست الحسن مش مضبوطة ومقطوع منها ورقها.
راما كانت متأكدة إنها الصبح عملت كل حاجة صح، أكيد في شخص جه وراها وبوظ شغلها، ومفيش حد يقدر يعمل كده غير لارينا.
بعصبية اقتحمت راما حجرة المعيشة، لارينا كانت قاعدة تقرأ في كتاب، لما راما صرخت في وش لارينا: "أنتي إنسانة كدابة ومريضة."
صمت الخدم، وصمت القصر، ولم يُسمع سوى صوت أنفاس لارينا المتقطع.
رواية فتيات القصر الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
في اللحظة التي تفوّهت فيها راما بكلماتها، ساد صمت كثيف. صمت ثقيل ككفن، حتى الهواء تراجع إلى زواياه. توقّفت أنفاس الخدم. ولم تُحرّك لارينا ساكنًا.
وضعت العلامة الجلدية التي تستخدمها كإشارة على الصفحة المفتوحة من كتابها، أغلقت الدفّة العتيقة بحركة بطيئة محسوبة، ورفعت عينيها إلى راما.
قالت بصوت خافت كنسيم الليل:
"راما دي فلور… اركعي."
لم يكن الأمر قابلًا للنقاش. في القصر، حين تنطق لارينا باسمك متبوعًا بالأمر، فذلك يعني أن الجحيم في انتظارك.
تقدمت كبيرة الخادمات «مادام إيديث» — العجوز الصارمة المسؤولة عن دفتر العقوبات.
فتحت الدفتر المصنوع من جلد أسود، والموسوم بشعار السيد الخاص.
قرأت بصوت جهور:
"إهانة موظف رفيع المستوى في القصر… الفئة الخامسة من المخالفات… عقوبة فورية: غرفة الانعزال الباردة لمدة ٣ أيام، وحذف اسم المخالفة من جدول الحوافز."
تقدمت لارينا، رفعت ذقن راما بإصبعها البارد وقالت:
"لو كان الأمر بيدي كنت سأتغاضى، لكنك لمست مقام القصر أمام الجمع. والآن… لن ينقذك إلا شفاعة السيد نفسه. وأنتِ تعلمين أنه لا يتدخل."
صمتت لارينا لثوانٍ.
ثم رفعت يدها وأشارت بإصبعها الطويل إلى الأرض أمامها.
نظرت راما إليها بعينين دامعتين، كانت شفتاها ترتجفان، جسدها كله يئن من أثر الجلد، لكنها رغم ذلك تماسكت.
قالت لارينا بنبرة ثابتة:
"اركعي، راما دي فلور."
لثانية واحدة، تجمد الزمن في القصر.
تبادل الخدم نظرات خاطفة، كيرا أمسكت نفسها، وتالين التي كانت تبتسم اختفت ابتسامتها.
همست لارينا:
"قوليها وانقذي نفسك يا راما دي فلور، قوليها ويصبح كل شيء من الماضي."
رفعت راما يدها تطلب السماح بالكلام، لكن لارينا صدتها.
"لا تبرير، لا نقاش. قوليها وتصبحي حرة؟"
ابتعلت راما بلعومها، لن تقول الكلمة الآن، لن تقولها حتى تنتقم من كل من في القصر.
بتردد انحنت راما ببطء. ركبة تلو الأخرى لامست الأرض الرخامية الباردة، ارتجف جسدها حين لمس جبينها الأرض، خصلات شعرها المنثور سقطت على وجنتيها.
كان في حركتها مزيج من الغضب والقهر، لم تستسلم بسهولة، بل كمن يحارب داخله ألف صرخة.
اقتربت لارينا منها، وضعت يدها الباردة على شعر راما، ثم همست قرب أذنها:
"تعلمين أني قادرة على محو وجودك من هذا القصر في دقيقة… لكنني أُبقيك… فقط لأني أجد متعة في رؤيتك تنكسرين."
رفعت لارينا يدها ببطء، ومسحت على رأسها بحركة تشبه مداعبة القطط، ثم صفعتها بخفة على عنقها كأنها تقول: أحسنتِ.
أصدرت لارينا تعليماتها:
"ابتداءً من الغد، تُراجع حديقة الزهور ثلاث مرات. وأي نقص أو قطع ورقة يُسجل على المتدربة راما باعتبارها مسؤولة إشرافية. القصر لا يعرف المجاملة."
ثم جلست وأكملت قراءة كتابها.
اقتادوا راما، بينما بقيت عيون الخدم معلقة بجسدها الهزيل المتألم.
قالت مادام إيديث:
"تدوّن الواقعة في سجل الشرف المقلوب."
وساد الهمس في القصر. فالـ"شرف المقلوب" هو سجل أسود، يُكتب فيه اسم الخادمة التي تخطت خطوط السيد أو سكرتيرته. ومن يُسجّل فيه… يُصبح بلا مستقبل.
دقّت الساعة الكبيرة منتصف الليل.
فتوزع الخدم كما لو كانوا بيادق على رقعة شطرنج، كلّ إلى مهمته، بلا كلمة، بلا تنفّس.
في هذا القصر… لا أحد يتجاوز القانون. لا أحد يرفع صوته فوق همس لارينا.
وهكذا استمر الليل.
داخل الغرفة المظلمة جلست راما تشعر بالإهانة، لم أحضر لها لأهرب من المواجهة. كان يمكنها أن تقول: أريد أن أخرج، وحينها تنتهي علاقتها بالقصر وكل من في داخله.
إنها الكلمة المحرمة داخل القصر، وإذا سمع شخص يقولها حتى من باب المزاح يكون مصيره الطرد من القصر.
حتى الآن لم ترَ السيد ولا تعرف كيف تمرر تلك القوانين.
انقضت راما ثلاثة ساعات عندها دخلت مدام إيديث، انفتح الباب وأعلنت: انتهت عقوبة راما دي فلور ويمكنها أن تمارس أعمالها كاملة.
راما مقدرتش تنام، الليل كله قعدت تفكر في اللي حصل. وكان لازم تعرف هي تعاقبت ليه أول مرة.
الصبح كان أول حاجة عملتها راحت تقرأ دفتر العقوبات.
بحثت عن زهرة ست الحسن لكنها ما كانت مذكورة زي ما توقعت.
الخطية التي ارتكبتها راما ولم تلحظها، ترك أوراق الأزهار والشجر داخل البركة الملكية.
يعني لارينا ما كان لها ذنب، همست في سرها: ذلك السيد اللعين ليس سهل.
ثم قرأت دفتر العقوبات مرة أخرى، هناك عقوبة واحدة ينفذها السيد بنفسه. ابتسمت راما: أصبحت رؤيتك ممكنة أيها السيد الغامض.
رواية فتيات القصر الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
الحديقة الملكية تتنفس بنفس السيد.
رائحتها ليست للزينة ولا للبهجة، بل تعويذة محكمة نسجها بشخصه، حيث يشكِّل ممرٌ عطريٌّ خفيٌّ درعًا يحفظ جناح السيد من تسلل الأرواح واللعنات.
هذا الممر يبدأ من شجرة الياسمين الملكي عند البوابة الحجرية، مارًّا بممر من زهر الغاردينيا البيضاء، ثم زهور الأقحوان الأزرق، فصفٍّ كامل من ورد الظل البنفسجي.
ثم يمتد نحو الشرفة العلوية عبر شجيرات النعناع الأبيض وزهور الهال الأزرق، حتى يصل إلى البركة حيث تُعطّرها أزهار الليلك الفضي.
اللمسة الأخيرة للممر… وريقات من زهور السوسن الأسود تزيّن محيط نافذة السيد، فلا يصل إليه إلا الهواء المشبع بهذا الترتيب المتقن.
وكان من القواعد القديمة:
"لا تُقطع زهرة، لا تُلمس ورقة… حتى لو ماتت واقفة."
في تلك الليلة، وبينما لارينا مشغولة بإحصاء سجلات الجواري، كُلِّفت راما بسقي الحديقة.
راما كانت تعلم أنها تحت المراقبة… لكنها كانت أيضًا تحمل في قلبها ضغينة.
بخطوات محسوبة، اقتربت من شجرة الياسمين الملكي وقطفت عنقودًا متدليًا.
ثم مرت أمام زهور الهال الأزرق، وبدلًا من أن ترويها، نزعت أحد الأغصان.
عندما بلغت النعناع الأبيض، توقفت طويلًا.
تعلم أن المساس بهذه النبتة جريمة كبرى، فهي النبتة الحارسة لمدخل جناح السيد.
لكنها فعلتها… قطعت عدة سيقان، وألقت بها في الجدول المائي.
ثم وقفت أمام ورد الظل البنفسجي، الشجيرة المحببة للسيد — كما سمعت من تالين — ومدّت يدها، قطفت وردة نصف ذابلة، وعصرتها بين أصابعها.
كل زهرة نزعتها… كل غصن خلخلته… كان يفكك عقدة من العقد العطرية التي تحيط بالقصر، حتى أصبح ممر الرائحة مشوشًا.
لم تكن كارثتها مجرد قطف زهور كما اعتقدت، بل كانت، دون وعي كامل، قد بدّلت ترتيب الممر العطري المقدس.
وفي الصباح، أدرك القصر الكارثة.
توقفت رائحة النعناع الأبيض عند منتصف الممر، وانتشرت رائحة ورد الظل بين الأغصان الخطأ.
وضاعف الليلك الفضي من شذاه، فحلّت رائحة خانقة في جناح السيد.
وانفتح شقٌّ في تعويذة الحماية.
وفي أروقة القصر… ظهر على طاولة لارينا برعم سوسن أسود وحيد وُضع بعناية.
علامة واحدة واضحة:
"حدود السيد اختُرقت."
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تفيق الحديقة من اضطرابها، وضِعت على طاولة لارينا في غرفة المكتب الخشبية برعم واحد من زهور السوسن الأسود.
ليس موضوعًا عرضًا… بل وُضع فوق قطعة من قماش المخمل الرمادي.
في القصر الملكي، هذا الإعلان لم يكن مجرد بلاغ.
إنها رسالة رمزية لا يعرف شيفرتها إلا الحرس القديم وكبيرات الخدم.
ففي تقاليد القصر — إذا وُضع برعم سوسن أسود فوق المخمل الرمادي — معناه أن أحدًا عبث بتعويذة الحماية، ويجب أن يُطهَّر الأثر ويُطهَّر من تجرّأ.
بحركة محسوبة، التقطت لارينا البرعم دون أن تمس القماش.
ثم أغلقت الستائر الثقيلة ذات الأطراف المذهّبة، وأمرت الخادمات بحمل السجلات والطوامير بعيدًا.
وفي دفتي دفتر الطقوس الممنوع — المزيَّن بحواف من الجلد المشغول والمربوط بقفل معدني — فتحت الصفحة المُعنونة:
"إخلال بتعويذة المسار العطري."
تحت هذا البند، كانت القاعدة:
"الفاعل لا يُسأل عن نيته.
الحديقة لا تغفر… بل تُطهِّر."
أرسلت لارينا في الحال رسولًا بلا اسم يرتدي معطف الخدم الرمادي، يحمل معها قفصًا صغيرًا داخله طائر الحديقة الأزرق — رمز الاستدعاء.
وضع القفص عند غرفة راما.
لم يكن مسموحًا أن تُنادى الخادمه باسمها في تلك اللحظة.
بل أُشير إليها في السجلات باسم:
"حاملة أثر الاضطراب."
في المساء، حين خيّم ضوء الشموع وألقيت الستائر المخملية على نوافذ الجناح الشرقي، تلقت راما الإشارة.
لم تُرسل إليها لارينا هذه المرة.
بل جاء الخادم الرمادي، حاملًا بطاقة سوداء حبرها ذهبي:
"إلى الجناح العلوي… الآن."
الجناح كان موصدًا طوال اليوم، الجناح كان موصدا طول العام، الجناح كان موصد طول العمر ، الجناح كان موصدا تبعآ لمزاجية السيد.
أضواؤه لا تشبه باقي القصر، بل خليط من شموع شاحبة، وسرُج معلّقة تنبعث منها رائحة شمع ممزوج بخزامى محترق.
في الخلفية، كانت تعزف مقطوعة "Adagio for Strings" للملحن Samuel Barber، على آلة كمان منفردة.
عبرت راما الممر المخملي تحت أضواء خافتة.
مرّت بجدران مزيّنة بلوحات لنساء بملامح غامضة…
ثم وصلت إلى الغرفة الدائرية، سقفها مقبّب، وجدرانها مكسوّة بخشب داكن متآكل.
في منتصف الغرفة طاولة من الرخام الأسود تعلوها مزهريه من زهور اللافندر.
وقفت راما تحت لوحة الجارية بريس فونت للرسام ادجر دوغ تمامآ.
كان يجلس جوار مدفأة ضخمة ينبعث منها وهج برتقالي متراقص، كأنها تبتلع جدران المكان.
طاولة منخفضة عليها إبريق فضي للنبيذ وعلبة سجائر من العاج.
المقعد الجلدي الداكن في الزاوية، حيث جلس السيد، في الظل، لا يُرى منه إلا ذراع يمسك بسيجار نحيل مشتعل، والدخان يتلوى في الضوء.
في تقاليد القصر…
لا يُعطى للمذنبة حق النظر إلى السيد أثناء الطقس.
ولا يُنطق بعدد الجلدات.
بل يستمر العقاب حتى يسقط ورد جاف من المزهرية الضخمة قرب الطاولة.
وهذا كان معيار النهاية… حين تذبل زهرة، يتوقف كل شيء.
لم ينطق السيد.
لم يتقدّم، بل بقي ظلًا.
كان دخان لفافة التبغ يتلوى حول رأس السيد عندما لوح بيده وهمس.
ارتعش جسد راما، كانت كلمات السيد جامده مثل قطع الجليد، تحمل نبره سلطوية محببه.
لم يحتج السيد لتكرار اوامره لم يحدث هذا من قبل ولن يحدث مع راما.
تسريع للأحداث.
راما، الممددة أرضًا، أدركت حين لامس السوط جلدها العاري أن في هذا الجناح لا توجد شفقة ولا تفسير.
فهنا، في ظل السيد، الطقوس أشد حدة من أي قانون مكتوب.
وحين سقطت أول ورقة من المزهرية… توقف الكمان.
انتهت العقوبه، انهضت راما جسدها ومثلما طلب منها انسحبت بهدوء.
رواية فتيات القصر الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
مع كل جلدة، لم يكن الألم مجرد أثر على الجلد. كان يعبر طبقات جسد راما ويدخل أعماق عقلها، يتسلل إلى ذكريات لم تسمح لنفسها بفتحها من قبل. كانت كل لسعة سوط تفك قيدًا داخليًا، وتجعلها تشعر أنها تنسلخ عن قشرة اسمها "راما" التي لطالما ارتدتها.
لم تصرخ، لم تبكِ، لكن داخلها كان يعج بصوت خانق.
في اللحظة الأولى، تساءلت لماذا شعرت كأنها تستحقه. لماذا كان في الألم شيء يشبه التبرئة. كأن ضربات السوط تمحو شيئًا آثمًا لم تعرف اسمه، لكنها اعتقدت يومًا أنها مذنبة به.
الموسيقى كانت تعمق من وقع المشهد داخل عقلها، النغم الحزين تسلل لذكريات أيامها الأولى في الحديقة، حين كانت تمشي بين الممرات العطرية بعينين مفتوحتين للحياة. والآن، نفس الزهور التي صنعت منها درب السيد، تسقط أوراقها تحت وقع السوط، كما سقطت ثقتها في نفسها.
كانت تشعر أن كل جلدة لا تعاقبها فقط على ما فعلت الليلة، بل على كل الرغبات الخفية التي لم تعترف بها، على كل المرات التي أرادت أن تتمرد لكنها بقيت خاضعة، وعلى ذلك الدافع الغامض بداخلها لتختبر حدود ما يُسمح به.
حين أشار لها السيد أن تنسحب، لم تشعر أنها عادت إلى ركن الغرفة، بل إلى ركن بداخلها ظل مظلمًا لسنوات. في الركن، وهي تحتمي من ضوء المدفأة، كانت تتلمس بين ألم جسدها وألم وعيها، شعورًا مزيجًا بين الإهانة الغامضة والاعتراف الخفي، شعور المرأة التي تعرف أن الجرح يُحفر ليس في الجسد وحده، بل في تلك المنطقة من الروح التي تخشى أن يعبرها أحد.
كان الخوف حاضرًا، لكن تحته، كان هناك شيء أعمق…
شيء يشبه توقًا مريضًا للفهم. لفهم لماذا هذا الألم له طعم خاص، لماذا تسقط أوراق الزهور تحت وقع السياط كما تسقط أقنعتها واحدة تلو الأخرى.
وظلت هكذا… تستمع لانتهاء الموسيقى، لاهثة، تتشمم رائحة دمها المختلط بعطر الزهور الباقي في الجو، وعيناها تتجنبان ظل السيد.
ثم أولت سيدها وجهها وانسحبت تجاه الباب بظهر منحنى. عندما خرجت من الباب ابتلعت أنفاسها. كان السلم خاليًا من الخدم، وعلى غير العادة بدا أن لا أحد يهتم بعقابها داخل القصر. خادمة نكرة..
شعرت بالألم عندما مررت يدها على ظهرها، شعرت أن ملابسها تمزقت لكن روحها كانت مست أكثر. فتحت باب غرفتها وأحكمت غلقه، ثم نزعت ملابسها ووقفت أمام المرآة.
كانت هناك خطوط متعرجة على ظهرها بقايا الجلدات التي تلقتها بمهانة.
ربما لم تؤلمها الصفعات أكثر من الطريقة التي تم بها عقابها.
حتى في عقابه كان السيد لا يوليها أي اهتمام، لم ينظر إليها ولا مرة وهذا ما أثر في كبريائها أكثر. كانت كلماته الحادة هي التي توجهها:
"قفي هنا، تحركي، انحني، قبلي، ازحفي."
بمهانة أطلقت راما صرخة مكتومة. آه لو فقط انتبه لها!
لو ترك لفافة التبغ أو نظر في وجهها!
كان يفعل كل ذلك بدم بارد، ثم احمرت وجنتيها خجلًا عندما عبرتها الذكرى الوحيدة التي لا ترغب بتذكرها.
"هل يفعل ذلك مع كل الخادمات؟ أم أنا فقط؟"
دهنت كل البقع التي مسها السوط في جسدها، حاولت أن تنام على ظهرها بلا فائدة.
أخيرًا فتحت نافذة الغرفة ونامت على جانبها في مواجهة القمر.
لا شيء يحدث صدفة في قاموس راما، لذلك رغم الألم أطلقت ابتسامة ساخرة. عندما يحين الوقت سترفع علامة الانتصار في وجه كل قبح العالم.
لم يكن جلده أو صفعه قادر على كسر عزيمتها، سيحتاج لأكثر
من سوط حتى يهزمها.
لكنها في الحقيقة لم تتمرد، لم ترفض أو تعترض، لم تمنحه فرصة للاستمتاع وخسرت جزءًا من روحها.
كل الذين تعرضوا لعقاب السيد، يحتفظون بالذكرى لأنفسهم.
كيرا، تالين والأخريات لا يتحدثن عن ما حدث في غرفة السيد، لكن راما رغبت بشدة أن تعرف ما حدث، أرادت أن تقارن بين عقابها وعقاب الأخريات، كان هناك مشهد ناقص أرادت أن تتثبت منه.
في الصباح قصدت راما الحديقة الملكية، استيقظت قبل جميع الخدم حتى تتحاشى نظراتهم وأسئلتهم.
حينما حل وقت الغداء وتجمعت الخادمات على الطاولة
لم يسألها أحد عن ما حدث، كانت قوانين لارينا تحرم ذلك.
ما يحدث في غرفة السيد يخص السيد ولا شيء آخر.
رغم ذلك بعد انتهاء تجمع الغداء سحبت راما تالين من يدها.
أقرب خادمة لها، وحبستها داخل غرفتها.
"لن تخرجي من هنا حتى تخبريني كيف كان عقاب السيد معك."
رفعت تالين يدها.
"كان قد مر وقت طويل، انسى يا راما."
"لن أفتح فمي."
"أريد أن أعرف أرجوك، ألست صديقتك المقربة؟"
همست تالين:
"أعلم."
ثم غمزت بعينها وأغلقت باب غرفتها بإحكام وجلست على السرير.
"أيتها المتدربة راما دي فلور، أخبريني بالحقيقة كلها."
"ماذا فعل السيد معك منذ لحظة دخولك وحتى ظهورك أمام وجهي اليوم؟"
"في المقابل ستخبرك تالين دي فلور بحكايتها."
رواية فتيات القصر الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
حينما دقت عقارب ساعة القصر الحادية عشرة مساءً، تسللت من ممرات الحديقة الداخلية نحو الجناح الغربي، حيث جناح السيد الخاص.
الأضواء كانت خافتة، لا شيء سوى وهج المدفأة يراقص جدران الغرفة بضوء مائل إلى النحاسي.
الموسيقى تنبعث من آلة فيولين منفردة، معزوفة "Adagio in G Minor" لألبينوني، نغم شجيّ يشبه نحيبًا مكتومًا، يتردد صداه فى الأرجاء.
الباب كان مواربًا، كأن السيد تركه كذلك عمدًا.
دفعت الباب بحذر ودخلت، تغمرنى رائحة التبغ الفاخر الممزوج بعطر الزهور الذابلة قرب النافذة.
السيد لم يتحرك، جالسًا فى كرسيه الجلدي الداكن، ظله يمتد حتى أطراف الغرفة، بينما سيجار طويل يتوهج طرفه بين أصابعه.
«اقتربي.»
جاء صوته هادئًا، لكنه يحمل نبرة سلطويه لا تسمح بالتردد.
مشيت خطوتين لكن السيد همس: ليس كذلك، افعليها بالطريقه الصحيحه.
ترددت لحظه قبل أن انزل على ركبتي وازحف، أطراف أصابعى تحتك بالسجادة الوثيرة، رائحة زهر ثقيلة وعبق جلده يملأ الأجواء.
عندما توقفت عند قدميه، لم يقل شيئًا.
انتظرت.
أطال صمته، وكأن في ذلك متعة أكبر من أي فعل.
ثم أشار بإصبعه نحو الأرض:
«هنا.»
زحفت إلى حيث أشار، وعندما استقريت سمعته يقول:
«ارفعي رأسك.»
فعلت.
نظره ثبت في عيني طويلًا. لم يكن فيه غضب ولا رضا… كان فيه شيء آخر. شيء يتلذذ برؤية ارتباكي.
«هل تعرفين لماذا أنت هنا؟»
همست:
«لا… يا سيدي.»
«لأنك… بحاجة للتذكير.»
لم توضح كلماتُه ما الذي سيذكرنى به. لكنه قالها بطريقة جعلت جسدى يقشعر.
أشار بيده:
«ازحفي. ببطء. إلى نهاية الغرفة. ثم عودي.»
ترددت، ثم تحركت.
صوت قماش ثوبى على الأرض كان أوضح من أن يتجاهله.
تحركت ببطء، اشعر بنظراته تسير فوق ككف غير مرئية.
عندما وصلت للحافة، استدرت بعناء وبدأت طريق العودة، نظراتى لم تغادر الأرض.
«أبطأ.»
خففت من حركتى.
«جيد.»
كان صوته يمر بى كما تمر الموسيقى الثقيلة، يشد حواسى دون أن يمسها.
عندما وصلت عند قدميه، لم يأمرنى بالوقوف، صالب ساقيه قرب المدفأة وسحب من لفافة التبغ.
فجأة وقف خلفى، لم يمسنى. فقط صوته العميق، كأنما ينبثق من جدران القصر لا من حنجرته.
«قولي من أنت.»
ترددت. ثم همست:
«راما يا سيدي.»
«لا. هذا اسمك فقط.» قالها بهدوء. صوت الكلمات كأنه ينزع عنى قشرة لا تُرى.
«من أنت؟»
" راما دي فلور سيدي."
صمتت، وراحت الموسيقى تلتفّ حولى. شعرت بشيء غريب، أن كلمات السيد تخترقني لا لتؤلم، بل لتوقظ ما لم اسمح لنفسي أن تلمسه.
اقتربت أكثر، حتى شعرت بحرارة وجوده.
همس:
«أترين؟ لا حاجة للسوط. العقول تُروَّض بالنظرات.»
شعرت بقشعريرة.
ظللت جاثية.
«اسندي ظهرك للحائط، ضعي يديك على ركبتيك، واغمضي عينيك.»
فعلت.
مرت دقائق… أو ربما ساعات، لا أدري.
لم اسمع سوى خطواته البطيئة، صدى الموسيقى، ووشوشة أنفاسي.
أحيانًا كان يقترب حتى اشعر بحرارة وجوده… وأحيانًا يتوارى فلا اعرف إن كان غادر.
مرر طرف إصبعه على عنقي— لمسة سريعة، بلا معنى ظاهر — لكنها صنعت في رجفة لم اعرفها من قبل.
«أنتِ… ممتعة حين تصمتين.»
ثم جلس على مقعده، وأمرني أن ابقى كما أنا.
بقيت كذلك حتى تعرّق جسدي وخدرت أطرافي.
لكنني لم أجرؤ على التحرك.
ظلت هناك، متعبة، مذعنة، وفي داخلي شيء يتفتت وشيء آخر يتشكل.
وفي النهاية، قال:
«عندما تنظرين في المرآة الليلة… تذكري هذا.»
ثم جلدني فوق ظهري عدت مرات.
شعرت بعلامات السوط فوق ظهري.
لم تكن جلدات عنيفة أو قاسية رغم ذلك شعرت أنها تتخلل روحي.
" ادعي في سرك أن لا تريني مرة أخرى، لأن حينها يا فتاة، يا راما دي فلور، ستجدين شيء آخر، شخص آخر وعقاب آخر."
ثم تركني انسحب ببطء من الغرفة… جسدي سليم، لكن روحي ثقيلة.
في غرفتي، نزعت ملابسي ووقفت أمام المرآة.
لا جروح. لا علامات.
لكنني عرفت… أنني خسرت اليوم شيئًا من نفسي وتركت جزءًا آخر معلقًا في غرفة السيد.
ابتسمت تالين وهمست: "هذا السيد غريب، لكن يبدو لي أنه ابتكر لك عقابًا خاصًا، يشعرني أنه لم ينته منك بعد."
رواية فتيات القصر الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
مع انبلاج الصباح، ارتدت راما فستان الخدم الرمادي الداكن، وشدت خصرها بحزام قماشي بسيط. شعرت بثقل جسدها، لكنه انصاع لحركة يديها. انعكاس وجهها في مرآة الغرفة الصغيرة بدا شاحبًا، وشيئًا من التعب القديم استقر خلف عينيها.
خرجت إلى الحديقة الملكية كعادتها. الهواء معبق برائحة الورد الإنجليزي وأزهار الزنابق البيضاء، والندى يلمع على الأوراق. أمسكت بمقص التشذيب وراحت تقلم الورود بدقة متناهية، تحرص أن تنزع ما ذبل من أوراقها دون أن تؤذي الساق. الحديقة كانت عالمها الخاص، مساحة تعرفها أكثر من ذاتها.
لكنها لم تعد كما كانت.
منذ تلك الليلة في جناح السيد، شعرت أن الأرض تحت قدميها تعرف ما جرى. وأن الزهور تراقب. حتى المدفأة الحجرية القديمة في زاوية الحديقة بدت وكأنها تتنفس بثقل.
في الظهيرة، وصلها أمر شفهي من لارينا:
"بعد الحديقة… إلى المكتبة الشرقية. السيد طلب ترتيب الأرفف بنفسك."
لم تجادل.
أنزلت أدوات الحديقة، غسلت يديها بماء الورد في الحوض الرخامي، ثم توجهت للمكتبة الشرقية.
الغرفة فسيحة، يغمرها ضوء غائم من نوافذ عالية مغطاة بستائر ثقيلة، ورفوف خشبية ممتدة حتى السقف.
بدأت في تنظيم الكتب. عناوين بجلد فاخر، وأغلفة من جلد الغزال. لم تكن القراءة من شؤون الخدم، لكن بعض العناوين جذبت عينيها:
"فن السيطرة الصامتة"
"مذكرات رجل نبيل"
"أسرار البيوت القديمة"
كل كتاب كانت تلمسه، وكأن بينه وبين السيد صلة.
بعد المكتبة، انتقلت إلى ترتيب الردهة الرئيسية. زهور الكاميليا البيضاء طلبها السيد بنفسه. كان يكره الزهور الحمراء في الشتاء. وضعت المزهرية البلورية فوق الطاولة المستديرة، حيث تعكسها مرآة كبيرة بإطار نحاسي.
كان عليها أن تنسق الزهور بشكل عشوائي… لكن السيد كان يميز العبث المتعمد من الفوضى الحقيقية.
مع كل عمل، كانت تنفذ بدقة زائدة.
لم تكن خائفة من العقاب بقدر ما كانت تتحدى ذلك الصوت الغامض الذى همس لها:
"لا حاجة للسوط."
في قلبها، وعدت نفسها أن تظل في القصر بلا أخطاء. أن تُنفّذ أوامره ببرود، أن تسلبه متعة السيطرة على خوفها.
لكن حين عادت إلى غرفتها مساءً… وجدت على سريرها ورقة صغيرة، مكتوبة بخط السيد المتقن:
"رائع. هل تحب العيون حين تنظر ولا تسأل؟"
تجمدت في مكانها. لم تفهم هل هذا رضا؟ أم تهديد مقنّع؟
وقبل ان تستغرق فى تساؤلاتها طلبتها لارينا.
عاينتها لارينا بدقه كأنها باقة ورد قبل أن تقول:
"هناك مهمه أخرى تنتظرك، بدلى ملابسك، الليله ستقدمين القهوة فى غرفة السيد."
وقفت راما على باب غرفة السيد تحمل بنفسها صينية القهوة المعتادة — وهو أمر نادر، إذ يُرسلها عادة خادم آخر.
طرقت مرة. لم يرد.
طرقت ثانية.
صوت هادئ أجاب:
"ادخلي."
دفعت الباب. كان الظلام أثقل من الليلة السابقة. المدفأة خافتة، والموسيقى لا تزال "Adagio" لكن أبعد، كأنها تأتى من طابق آخر.
تقدمت. وضعت الصينية على الطاولة.
انتظرت.
صوته جاء بعد لحظة:
"لا حاجة لكِ بالبقاء الليلة. عملك… ممتاز."
كادت أن تتنفس براحة… لكن جزءًا منها خاب.
انحنت برشاقة.
"أوامرك سيدي."
ثم انسحبت.
حين أغلقت الباب خلفها، أدركت شيئًا: هو لم ينته منها. لكنه… يتركها تختنق بتوقعاته.
فى هذا القصر… العقاب لا يأتى بالسوط وحده. أحيانًا… يكفي أن يُترك الباب مواربًا.
فى المساء، جلست تالين بجوارها قرب نافذة الردهة الشرقية:
"يبدو أنكِ نجوتِ الليلة… لكنه لن يترككِ."
ابتسمت راما — ابتسامة واهنة:
"دعيه يحاول."
ثم أغمضت عينيها مستسلمه للنوم ، بينما جرس الساعة القديمة يعلن الحادية عشرة… والموسيقى ترتفع من جناحه مجددًا.
رواية فتيات القصر الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
مع الفجر، وقبل أن تفيق أروقة القصر من سباتها، خرجت راما إلى الحديقة الملكية. برد الصباح كان يلسع أطراف أصابعها، لكن الدفء لم يكن مطلبها. كانت الحديقة في هذا الوقت تنتمي لها وحدها.
أزهار الزنابق البيضاء تفتّحت بخجل، ونسمات خفيفة مرّت بين أغصان الزيزفون، تحمل عبير شجيرات اللافندر المزروعة بمحاذاة السور الجنوبي. الندى يثقل أوراق الدفلى، والورود الإنجليزية ما تزال تحتفظ بحمرة ليلها.
انحنت عند شجرة ياسمين زاحفة، رتبت أغصانها بحذر كي لا تحجب النور عن أزهار الجيرانيوم التي تزين الممر الجانبي. عرفت أن بعض الأزهار عنيدة، تنمو كما تشاء، لكن الحديقة الملكية لا تسمح بالفوضى.
في قلب الممر الأوسط، امتد درب الورد — ممر طويل تصطف على جانبيه شجيرات ورد دمشقى قديم. كان السيد يحب أن يصله عبق الورد من الحديقة إلى نافذة جناحه الشرقي كل صباح. وحرصت راما على ألا يختل هذا الممر.
كانت تعرف من اتجاه الريح، من نضج البتلات، متى تقطف وردة ذابلة، وأين تترك أخرى كى تعزز الرائحة في الطريق.
جثت قرب شجيرة زهر الكاميليا الحمراء. رغم أن السيد يكرهها في الشتاء، أبقتها بعيدة عن الممر، في زاوية لا تطالها نوافذه. تركتها تزهر لنفسها.
على الجهة الأخرى، رتبت زهور النرجس، وشذبت شجيرات الفل، وحرصت أن يتداخل عبيرها مع عبق اللافندر عند طرف الحديقة.
بين الشجيرات، كان ثمة أزهار نادرة: زهور الخشخاش البنفسجي، زهر الأورتنسيا الأزرق، أزهار الدالية المتسلقة، وعناقيد الكرز البرى.
كانت تزيل بعناية ما ذبل، تنفض الندى عن الورود النضرة، وتعيد ترتيب الحصى الأبيض فى الممرات.
وعند منتصف الحديقة… وقفت تتأمل.
الهواء يحمل مزيجًا محسوبًا:
رائحة الورد الدمشقي في المقدمة، يتبعها بخفوت شذا زهر البرتقال، ثم نغمة ناعمة من زهور اللوز في الزاوية الغربية.
هذا الترتيب لم يكن اعتباطيًا. السيد يعرف متى تغيّرت الرائحة في جناحه. وفي كل صباح… تصل الرائحة عبر النافذة الكبيرة المفتوحة على مصراعيها، حيث ستدخل أولا عبير الورد، ثم تتبعها نسمات من الزنابق والياسمين.
وقفت راما على درب الورد، أغمضت عينيها، تنشّقت بعمق، وابتسمت خفية.
المسار كما يجب.
لا شيء يفسد رائحة الطريق إليه.
ثم حملت أدواتها، ولم تنس أن تترك برعم وردة واحدة على الشجيرة الأقرب للدرب.
برعم سيزهر مع غروب هذا اليوم.
السيد سيلاحظ.
وكانت — لسبب لم تعترف به بعد — تريد أن يلاحظ.
حين جلست راما عند طرف الحوض الحجري قرب شجيرات زهر اللوز، كانت يداها مبللتين بماء الندى والتراب. نظرت إلى أصابعها… رقيقة، متشققة من البرد والعمل، لكن لا تزال تطيعها.
ابتسمت ابتسامة شاحبة. في هذه اللحظة، أدركت أن الحديقة لم تكن مجرّد أرضٍ تزرعها… بل صارت وسيلتها للحديث مع السيد، مع القصر، مع ذاتها.
منذ تلك الليلة — ليلة جناحه — وهي تشعر أن نظراته لم تعد كما كانت. أن هناك شيء خفي، يترصّدها خلف الستائر الثقيلة، أو في ظل أغصان الزيزفون.
في البداية، ظنّت أنها ستكرهه.
أنها ستنفذ أوامره برتابة لا تمنحه لذّة السلطة.
لكن الحقيقة كانت أكثر التواءً.
كانت تتحداه… بطريقتها.
ترسل إشارات متوارية بين الزهور.
وضعت زهرة بيضاء صغيرة — زهرة لا مكان لها — قرب النافذة الشرقية.
تعمدت أن تغير ترتيب زهور النرجس لتبدأ بالمتفتّح وتُخفي الذابل في المنتصف، حيث ستذبل الرائحة تدريجًا مع الوقت.
زرعت حزمة زهر برى أزرق قرب زاوية عمياء في الحديقة — حيث تمر الريح، وتحمل شذاها نحو جناحه فقط مع غروب الشمس.
رائحة لا يطلبها، لكنها تبلغه بوجودها.
وفي كل مرة كان يلاحظ.
حين يرسل رسالة بخط يده:
"جميل. عبير مختلف."
كانت تلك الكلمات البسيطة تعني لها أكثر مما تود الاعتراف به.
في أعماقها، كانت راما تمارس لعبة مزدوجة.
جزءٌ منها كان يرفض الخضوع.
يرتب الحديقة بدقّة زائدة، لا حبًا في إرضائه، بل لإثبات قدرتها على السيطرة على مساحة يظنها ملكه.
والجزء الآخر…كان يريد أن يراها.
أن يلاحظ اختلاف ترتيب الكاميليا، أو مسار الورد، أو رائحة زهر اللوز الذى تسلل لممر لا يُفترض به أن يحمل تلك النغمة.
كان الصراع يؤلمها.
كانت تخشى أن تتحول لعبتها الصغيرة إلى كشفٍ كامل.
أن يفهم السيد مغزى إزاحة غصن ياسمين نحو الجناح الشرقي، أو ترك زهرة ذابلة فى المسار الجنوبى… رسالة تقول:
"أنا هنا.
ولست ملكك."
ومع ذلك، واصلت.
كانت تعتقد أن السيد يراقب من النافذة… وربما لم يفعل.
لكن فكرة أنه قد يلاحظ… تمنحها قُدرة أن تتحمّل سطوته.
وحين انتهت ذلك اليوم من ترتيب الحديقة، وقفت عند درب الورد، تنشقت الهواء.
رائحة خفيفة… تغيّرت.
قليلًا.
تمامًا كما أرادت.
رمشت عينيها نحو النافذة العليا.
لم يُفتح الستار.
ورغم ذلك…ابتسمت.
وذات صباح، حين كانت راما تنحني فوق أغصان زهر اللوز، جاء صوت لارينا:
"راما."
استدارت الأخيرة، جفلت قليلًا، لكنها كتمت ارتجافها.
اقتربت لارينا بخطوات رخيمة، تحمل دفترًا صغيرًا بجلد أخضر.
أمعنت النظر في الحديقة بعين خبيرة، كمن يعاين لوحة ويدرك خباياها.
"حديقتكِ هذه… جميلة كما هي العادة. لكن…"
وقفت قرب مسار الورد، شمت الرائحة، ثم ابتسمت ابتسامة عابثة:
"أظن أن السيد سيُحب إن أُضيف القليل من زهر البنفسج الليلكي عند المنعطف المؤدي إلى الرواق الغربي. اجعليه لا يطغى على عبير الورد… بل يهمس من بعيد."
ثم أغلقت دفترها.
"وبعد أن تنتهي، عليكِ بمعاينة أقمشة الردهة الشمالية. هناك ستائر تحتاج تنظيفًا. الخدم أخطأوا في ترتيبها. وأنت… دقيقة بما يكفي لتصلحي الأمر."
راما انحنت بخفة.
"أوامركِ آنسة لارينا."
لكن في قلبها، كانت نار صامتة تشتعل.
ليس في العمل — بل في إدراكها أن لارينا لم تكن تصدر أوامر عادية.
بل تختبر قدرتها على التحمل.
تكدس فوقها الأعمال، وتنتظر سقوطها.
أرسلتها أيضًا بعد الظهيرة لتفقد أواني الشاي في مخزن الفضة، ثم طلبت منها ترتيب زهور مائدة الغداء بنفسها — وهو عمل كانت تشرف عليه لارينا شخصيًّا.
وحين أتمّت راما العمل، ومرّ اليوم كخيط طويل من المهام التي تنزلق من يد إلى يد، وقفت لارينا في نهاية الممر تنظر إليها.
"أنتِ تجيدين البقاء واقفة… أكثر مما توقعت."
ثم مضت، وتركت خلفها عطرا خفيفا يشبه رائحة أزهار الويسكي.
راما كانت تعلم…
هذا لم يكن سوى البداية.
في ذلك القصر…لم تكن السيدات يقتلن بسكين، بل بكلمة…وبحمل العمل حتى يختنق قلبك.
ومع كل خطوة، كانت راما تحصي عدد المهمات… وتبتسم في سرّها.
"لن تسقطينى، يا لارينا. كما لن تسقطني نظرات سيدك."