تحميل رواية «فتيات القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة الأجرة أمام منزل قديم شاسع، واجهته الملفته ذات اللون الباهت غريبة الديكور. في شرفاته المشرعة التي بدت على أكمل وجه رصت أصائص زهور، البينجا والأرث والفيكا والاسبنس. شيء يذكرك بحديقة جدتك في آخر أيامها. وعلى درج المنزل فرشت سجادة دمشقية نبيتيّة اللون توصلك لباب عريض من ضلفتين تغطيه أزهار الباجا ومقبضه الحديدي دائري الشكل تتوسطه فتاة قزمة ضئيلة جدا بحجم عقلة الإصبع. أخرجت راما ورقة صغيرة مكرمشة، تأكدت من العنوان قبل أن تطرق الباب الذي خلا من أي جرس بخجل مفرط. حتى الآن لا تعرف كيف انتهى...
رواية فتيات القصر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
في صباحٍ من تلك الصباحات المتثاقلة التى تمر على ذلك القصر البعيد، حين كان الضباب لا يزال يستر وجه القصر، ويُبقي النوافذ معتمة برذاذ بارد، اجتمع الخدم جميعًا في الردهة الكبرى.
المدفأة الكبيرة تلتمع نارها الهادئة، وصدى خطوات لارينا يسبقها قبل أن تظهر.
لا احد يحب لارينا، حضورها يسبق العاصفة دوما.
كانت ترتدي ثوبًا من المخمل العنبري، عقدًا دقيقًا من لؤلؤ رمادي يتوسط عنقها، تحمل بين يديها لفافة ورقٍ مشدودة بشريط حريري قرمزي.
بهدوءٍ متعمد، وقفت على رأس السلم الحلزوني.
أنزلت نظرتها على وجوه الخدم، كما يفعل الصياد قبل أن يرمي الطُعم.
ثم أعلنت بصوت رصين يشبه النصل:
“بأمرٍ من السيد… تقرر إقامة مسابقة الخادمة المميزة لهذا الشهر.”
همهمة خافتة سرت بين الرؤوس المنحنية.
“المسابقة لاختيار الأكثر كفاءة، أناقة في الأداء، دقة في العمل، وحسن تصرّف. الفائزة ستحصل على امتياز خاص… وأظن أنكن جميعًا تعرفن معنى أن يحظى أحد بمباركة السيد.”
لم تُفصح عن المكافأة.
فالكل في القصر يعرف أن مكافآت السيد لا تأتي إلا محمّلة بثمن، ولو جاء مغلفًا بورق المخمل.
تابعت لارينا، وهي تفتح اللفافة:
“على كل واحدة أن تُحسن مهامها المعتادة، مع اختبار صغير إضافي في اليوم الأخير.”
وابتسمت كمن يخفي خنجرًا بين الزهور.
“وسيكون من دواعي سروري الإشراف الكامل على أداءكن.”
خلال الأيام التالية، تحولت أروقة القصر إلى ساحة صامتة من تنافس خفي.
الفتاة التي تحمِل صينية الشاي صارت تمسح حواف الأكواب بمنديل معطر.
والتي تنظف الردهة الشمالية تزيل أدق بقع الغبار كما لو تحفر في قلب الحجر.
أما راما… فقد انهمكت في حديقتها أكثر من ذي قبل.
كانت تُشذب الأغصان كما لو تخيط ثوبًا ملكيًّا، وتُنسق أزهار الورد الإنجليزي وزهور الأقحوان وزهر البنفسج في درب معقود، تتصاعد منه الرائحة كما يشتهي السيد.
ووسط كل ذلك… كانت تبث إشاراتها.
وضعت وردة بيضاء يتيمة قرب شجرة السرو في المسار الجانبي — كأنها تخبر السيد بأنها ترى…
وفي مكان آخر، تركت فرع لافندر صغير يتدلى وحده من نافذة المكتبة الشرقية.
كانت تختبر صبره كما يختبرها.
وفي الأيام التالية، لاحظت أن ورقة خفيفة وضِعت قرب زهرة الأوركيد البنفسجية.
لم تكن مكتوبة… مجرد ورقة خفيفة مطوية بعناية.
رسالة صامتة.
اقترب يوم المسابقة.
لارينا بدأت تتعمّد إسناد مهام مُرهِقة لراما.
ترتيب أواني الفضة.
تنظيف المشكاوات الزجاجية في السلم الكبير.
ومراجعة قوائم العشاء قبل ساعة من تقديمها.
وكانت راما تنفذ… بصمت.
بابتسامة خافتة لا تكتمل.
في الليلة الأخيرة، حين أعلنت لارينا بدء تقييم الأداء، كانت النار تشتعل في المدفأة العالية، والشموع تقف في حاملات النحاس العتيقة.
اجتمعت الفتيات.
وبدأت جولة التقييم.
وحين مرّت لارينا قرب راما، تمعّنت فيها كما لو تقرأ سطرًا لم يُكتب بعد.
ثم انحنت هامسة:
“لستِ بحاجة إلى الفوز يا راما…أنتِ فقط بحاجة لأن تظلي واقفة.”
ثم مضت.
وراما، بابتسامتها الهادئة، ردّت في سرها:
“وأنتِ بحاجة لأن تعرفي…أنا لا أجلس ولا أتوقف حتى أحقق انتقامي.”
في الليلة الأخيرة من المسابقة، اكتسى القصر بحالة من الصمت المتوتر.
حتى الهواء بدا أثقل، والممرات التي اعتادت ارتجاف أضوائها، ثبتت شعلات مشكاواتها كأنها تخشى الحركة.
كانت لارينا قد استدعت جميع الخادمات إلى الردهة العليا — حيث الأرضية من رخام داكن تتناثر فوقه بقع ضوء من الثريات المتدلية.
في صدر القاعة، جلست على مقعد مرتفع مكسو بالمخمل الأسود، يعلوه شعار القصر المنقوش بنقش نحاسي باهت.
الخادمات مصطفات، وعيونهن مسمرة بالأرض.
راما، في ثوبها الرمادي المعتاد، وقفت في الطرف — شاحبة لكن متماسكة.
رفعت لارينا يدها البيضاء — طويلة الأصابع، تعلوها خاتم بحجر داكن — وقالت بنبرة فيكتورية باردة:
“وصلنا الآن إلى الخطوة الأخيرة… اختبار الطاعة.”
ترددت همهمة خافتة.
عرف الجميع ما تعنيه تلك الكلمة.
تابعت لارينا:
“ليس الشأن في أن تؤدين أعمالكن ببراعة… بل أن تقدّمن ولاءكن بلا تردد.”
نظرت إلى راما، ثم أشارت بإصبعها:
“أنتِ… تقدّمي.”
سرت رعشة طفيفة بين الصفوف.
خطت راما خطوات هادئة.
حتى وقفت أمام لارينا.
سكنت القاعة.
حتى صوت النار في المدفأة خفت.
ابتسمت لارينا — تلك الابتسامة التي تشبه ظل خنجر — وأمالت جسدها قليلًا للأمام.
“اركعي.”
انحنت راما ببطء، حتى لامست ركبتيها الرخام البارد.
نظرة مختصرة دارت بين الخادمات، وكل واحدة تعرف أنها تختبر عاقبة التحدي.
ثم، بصوت لا يكاد يسمع:
“قبّلي قدمي.”
كان صوتها ناعمًا كوشاح حرير… لكنه أشد من السياط.
للحظة، سكن المكان.
عينان من خلف النوافذ العتيقة تابعتا المشهد.
راما، بعينيها العميقتين، رفعت طرف وجهها نحو لارينا.
ثم انحنت.
لمست شفتيها — لم تكن قبلة ولاء… بل قبلة احتقار مقنّع، كأنها تمنحها أكثر مما تستحق.
نهضت في هدوء.
لم تتفوه لارينا بشيء.
لكن ابتسامتها انطفأت للحظة… ثم استعادتها.
“أحسنتِ يا راما. المسابقة انتهت.”
وما بين تلك اللحظة وصدى الحذاء الجلدي لراما وهو يغادر الرخام، علم الجميع أن لارينا لم تربح… بل علّمت درسًا.
في القصر الفيكتوري العتيق…، أحيانًا، ينحني الأقوى، ليمنح الضعيف وهم النصر.
في المساء الكبير، حيث خيّم الضباب الخفيف على الحدائق وأطراف القصر، تهيأت القاعة الكبرى لاستقبال السادة.
الثريات الضخمة تتدلّى من سقف مزخرف بنقوش ذهبية وأكاليل عنب، تتراقص أنوارها على جدران مكسوّة بخشب الجوز العتيق.
الأرضية من الرخام الأسود والأبيض، تمتد على هيئة مربعات ضخمة، يتردد صدى خطوات الخدم عليها بنعومة محسوبة.
كان هذا التقليد السنوي العتيق يعرف بـ”ليلة المواهب”، حيث تتبارى خادمات القصور المختلفة أمام سادتهم.
حضرت وفود من ثلاثة قصور نبيلة: قصر فالينتاين، قصر روزبري، وقصر السيد إيريل.
كل قصر اصطحب خادماته الأجمل والأمهر، ووقف السادة في مقاعدهم المرتفعة على المنصة، بينما اصطف الخدم والخادمات في صفوف متقابلة على جانبي القاعة.
ثياب الخادمات موحدة الشكل، تختلف فقط في تفاصيل بسيطة تشير لهوية القصر: خادمات فالينتاين يرتدين شرائط عنق أرجوانية، وخادمات روزبري بأكمام مطرزة بخيوط فضية، أما خادمات قصر السيد إيريل — حيث راما — فارتدين شريطًا رماديًا داكنًا يلتف حول الخصر وينسدل على الجانب.
رائحة العطور الزهرية والمسك الشرقي خفيفة في الأجواء، والموسيقى تعزف مقطوعة كلاسيكية على البيانو من يد عازف يرتدي قفازين ناصعين.
بدأت الاحتفالية بإعلان المُشرف العام — وهو رجل مسن يُدعى السيد جراي، ذو صوت أجش ووجه غائر — عن شروط المسابقة.
كل خادمة كان عليها أن تُبهر السادة بإحدى المهارات: إما عزف، إما تنسيق زهور، إما قراءة قصائد كلاسيكية، أو أداء خدمة ملكية أمام الجميع.
تقدمت الخادمات واحدة تلو الأخرى.
عزفت خادمة فالينتاين مقطوعة على الكمان بتنهيد حالم، ونسقت خادمة روزبري باقة من زهور الكاميليا والفاوانيا البيضاء.
جاءت خادمة أخرى بموهبة غريبة: نسجت من أقمشة الحرير شكل طائر على عجلٍ أمام الحضور.
في الخلف، كانت راما تنتظر.
تشعر بدقات قلبها في صدغيها.
وترمق لارينا الواقفة عند السيد إيريل، تمدح وتهمس بأسماء الخادمات وهمساتها تكتب مصائر.
في القصر الفيكتوري… لا تُحسم الأمور بالمواهب وحدها.
ثمة أعين… وثمة اختبارات مخبوءة وراء الابتسامات المتحفظة.
حين أُعلن عن اقتراب دور خادمات قصر السيد إيريل، همست لارينا بابتسامة مغلقة:
“تذكّري… كل عين هنا تُحصي الأنفاس.”
ثم أشارت للخادمات أن يتقدمن صفًا واحدًا.
بقي أن يقدّم كلٌّ ما يحسن… والسادة يتفرجون.
كانت لحظة ثقيلة من النظام الصارم… حيث يختلط عبق الزهور برائحة الطاعة المقلقة.
حين أُعلن عن دور خادمات قصر السيد إيريل، عمّ سكون متوتر في القاعة.
خطت الخادمات إلى الأمام في صف منسّق، رؤوسهن منحنية بزاوية مدروسة، أكمام الفساتين المكوية ترتعش قليلًا تحت الضوء الكهرماني للثريات.
كل واحدة تحمل في يدها ما اختارته لتقدمه: كأس بلورٍ مطعّم بالذهب، سلة ورود مهذبة، أو قطعة دانتيل منسوجة يدويًا.
أما راما… فكانت الأخيرة في الصف، يداها خاليتان.
سوى أنها تحملت في قلبها توجّسًا متضاربًا، بين رغبة في إثبات ذاتها، وبين إدراكها أن هناك عينًا خفيّة ترقب ما وراء مظاهر الطاعة.
لارينا، بثوبها الكحلي القاتم المطرز بخيوط الفضة، وقفت كظلٍ دائم خلف السيد إيريل، تسجّل النظرات، وتحدد المصير.
رفع السيد جراي صوته:
“لتبدأ خادمات قصر السيد إيريل بعرض مواهبهن.”
تقدمت الأولى، ونسّقت أمام الجميع صحن فاكهة بتناسق مدهش في ألوانه.
تلتها الثانية، وقدّمت مشهدًا قصيرًا من حكايات شارلوت برونتي.
ثم جاءت الثالثة تعزف مقطوعة خافتة على قيثارة صغيرة.
وما أن جاء دور راما، حتى توقفت الأنفاس.
كان واضحًا أن لارينا تعمّدت تركها في النهاية.
فدوى صوتها الناعم:
تقدمت راما بخطى محسوبة، يداها متشابكتان أمام خصرها، طرف ردائها يتماوج بانضباط.
ثم انحنت برشاقة، والتقطت من طاولة جانبية سلة من زهور الحديقة — تلك التي رتبتها بنفسها طوال الأسبوع — لكنها لم تعلن عن ذلك.
بل حملت السلة واقتربت من السيدات الجالسات على يمين القاعة.
لم تعرضها فحسب… بل شرعت تسرد — بصوتٍ خافتٍ مستقر — أسماء الزهور ومعانيها وفق تقاليد اللغة الفيكتورية للزهور.
“هذه زهرة النرجس الأبيض… تعني الكبرياء الحزين.
وهنا زهرة الكاميليا… رمز الوفاء المستحيل.
أما هذه، زنبقة الوادي… وعدٌ مكتوم.”
لم يكن العرض في المهارة فقط، بل في قدرتها على بث معانٍ دفينة تحت ظل الطاعة الظاهرة.
كان السيد إيريل يرمقها بنظرة هادئة، بينما رفعت لارينا ذقنها بابتسامة باهتة.
في النهاية، وقف السيد جراي:
“خادمة السيد إيريل… راما… حافظت على النمط… وزادت.”
صدح التصفيق المهذب.
عندما خفت ضجيج الاحتفالية المتّزن، وارتدّت الخادمات كلٌ إلى موقعها، جاء وقت إعلان النتيجة.
السادة يجلسون متفرقين، أصوات الكؤوس المتناغمة وحدها تملأ الفراغ، والسيد إيريل يتكئ إلى الوراء في مقعده العاجي الثقيل، عينيه نصف مغمضتين.
تقدّمت لارينا بخطواتها الهادئة إلى صدر القاعة.
ثوبها الكحلي الداكن يجرُّ أطرافه على السجاد المحمّر.
في يدها دفتر صغير مذهب الحواف، فتحت صفحته الأخيرة ببطء.
“بموجب توصية السادة…”
صمتت للحظة، تنقلت بعينيها بين الوجوه.
“الخادمة المميّزة لهذا الموسم…”
توقفت، نظرت صوب راما بعينٍ رمادية ثابتة.
“راما.”
كان التصفيق هذه المرة أشد هدوءًا.
مباركة واجبة… لا حفاوة.
راما لم تتحرك، بقيت ساكنة، كأنها لم تسمع.
اقتربت لارينا منها بهدوء.
همست بصوت مسموع:
“ما اعتدنا أن ننهي ذلك دون اعتراف بالطاعة.”
أشارت إلى الأرض.
الحظة الأخيرة… التي تصوغ بها لارينا تفوقها.
الجميع يعلم.
في تلك اللحظة، لم يكن السيد إيريل ينظر لهما.
كان يرمق من بعيد سلة الزهور… تلك التي تركتها راما قرب النافذة.
وربما، فقط ربما…، قرأ الرسائل التي خبأتها هناك.
فرفع يده معلنًا انتهاء المسابقة قبل أن تنال لارينا غايتها.
لم تكن راما — تلك الفتاة الرقيقة التي تتلمّس بتؤدة حواف الزهور — مجرد خادمة أخرى في القصر.
كان هناك شيء وراء صمتها.
وراء تلك الانحناءات المطيعة، والابتسامات الشاحبة… وراء تحديها البارد الذي لا يراه أحد.
منذ سنوات بعيدة — حين كانت لا تزال فتاة نحيلة في الثانية عشرة — رأت أختها الكبرى، ليان.
شابة فاتنة، شعرها أشقر كثيف، وعيناها خضراوان كالربيع.
كانت ليان زهرة القرية.
وعندما اختيرت ضمن خادمات القصر، كانت الأم تبكي من الفخر.
ولم يمضِ عام… حتى تبدل كل شيء.
ليان، بحكم جمالها، وقعت سريعًا تحت عين السيد إيريل.
نظراته التي كانت تعبر كالخنجر،، دعوات العشاء المقتضبة، والهدايا الصغيرة التي تختفي مع أولى دموعها.
لم تكن تعلم أنه لا يعشق… بل يجمع.
كالصيّاد الذي يعلّق جوائز صيده في صمت.
ليلة واحدة حملت ليان إلى جناحه.
وفي الصباح، لم تكن في أي من حجرات الخدم.
قالوا: “انتقلت إلى قصر آخر.”
وقالوا: “أرسلوها إلى المدينة.”
لكن أحدًا لم يرَها بعدها.
كانت راما تعرف.
عرفت من دموع العجوز كاميليا، الخادمة العتيقة، ومن الآثار الطفيفة التي تركها فستان ليان في غرفة الغسيل، ومن شظايا الزجاجة العطرية التي احتفظت بها راما سرًا.
وحين بلغت الحادية والعشرين، قدمت للالتحاق بالخدم بعد أن ظلت سنين تحفظ أصول الخدمة داخل القصور، وبعد أن حفظت كل أنواع الزهور العطرية والبرية والطبية، كانت تعرف طبيعة كل زهرة قبل أن تضع قدمها داخل القصر.
عندما وضعت قدمها على أرض القصر لأول مرة، لم تكن مجرد خادمة.
كانت شاهدة وكانت تنتظر.
انتظارها لم يكن للانتقام كما تفعل المتمردات.
بل لفهم قوانين القصر، وتعلم لغة السيد، ومعرفة زيف من يبتسمون ويأمرون.
كل انحناءة، كل زهرة تزرعها، كل ترتيب تفعله قرب النافذة، كان رسالة مشفرة، رموز صامتة تحت عيون السادة.
درب الورد الذي يقود إلى جناح السيد… كان يتغير ملمح عبيره بحسب مزاج راما.
تارة تُثقل الرائحة بالخزامى وقت الغضب.
وتارة تُنعشها بالياسمين حين تشعر بقرب سقوط أحدهم.
حتى ترتيباتها في الحديقة،، نقوشها في تراب الزهر، كانت تمضيها بأصابعها الرفيعة لتشكّل رموزًا صغيرة لا يفهمها إلا هي.
كل ذلك… من أجل ليان.
ومن أجل لحظة قادمة حين ينكسر القصر من الداخل.
راما لم تكن تقبّل حذاء لارينا إلا لأنها تعرف أن الأقوياء هنا يزولون أسرع من أوراق الخريف.
وكانت، كما تقول لنفسها كل ليلة:
“الزهور تموت لكن جذورها تبقى.”
رواية فتيات القصر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
كان السيد — ذاك الرجل الذي اعتاد أن يُملي القواعد ويكسرها متى شاء — يقف خلف زجاج نافذته العتيقة، يُمعن النظر في حركة القصر المنتظمة، فلا يرى إلا اسمًا واحدًا يتكرر بين الخدم… راما.
هي لا تبتسم إلا عند الضرورة، ولا تُخطئ، ولا تهمل، كأنها صنعت من حجرٍ أملس لا يُخدش. وكان في هذا الانضباط ما يستفز رغبة السيد في كسرها… ليس رغبة في فتنة أو مغازلة رخيصة، بل من أجل متعة السلطة ذاتها، تلك التي تقتات على إذلال الأكثر كبرياءً.
كان يحدث نفسه في صمت، وعيناه لا تغادران ظلها الرشيق:
"أعجِبُ لامرأةٍ لم تأتها رعشة خوف واحدة منذ أن وطئت هذا القصر… ألم تُدرك بعد أنها في بيتي؟ أن القوانين هنا توضع لتُخضع، لا لتُحترم؟ ألم تعلم أن العقوبات لا تُسنُّ لإصلاح الخطأ، بل لإثبات اليد العليا؟"
ومع هذا، كانت راما حائطًا أملسًا، يتساقط عليه مطر محاولاته دون أثر. كانت تُحكم غلق كل منفذ يمكن أن يتسلل منه الخلل، وتعرف جيدًا أن أداته في مضايقتها — لارينا — لا تملك حيلةً أمام يقظتها. يتسلل الغضب إلى نفسه، لكنه سرعان ما يلبسه قناع النبلاء، ويتمتم وهو يستدير عن النافذة:
"سأظل أرقبكِ، يا راما… لا رغبةً في جسدٍ ولا طمعًا في استمالةٍ، بل لأراكِ وأنتِ تتعثرين في قانونٍ وضعته أنا… لأن هذا القصر لا يُطيق امرأةً لا تنكسر."
لكنه، رغم كل شيء، لم يجد لها عثرة. فالقوانين التي وضعها هو للعقاب لا للغزل، بقيت سيفًا في يده، لكنه بلا موطئ على عنقها.
***
كانت راما — رغم صرامتها في أروقة القصر وقاعات الخدم — تحمل قلبًا آخر حين تطأ قدماها الحديقة الملكية. هناك، وسط النباتات المتسلقة والزهور المتراصة في صفوفٍ أنيقة كجنودٍ في طابور ملكي، كانت تسمح لنفسها بلحظة صفاء نادرة لا يراها فيها أحد.
كانت تتفقد الأعشاب، تُزيل بحرص الأوراق الذابلة، وتُمرر أناملها على البتلات الناضجة كأنها تقرأ منها حكاية صامتة. ولكن ما يشغلها حقًا لم يكن الحديقة ذاتها… بل فكرة واحدة تشبثت بذهنها منذ أسابيع: أن تخلق زهرة جديدة، لا تشبه ما عرفه القصر من ورود.
زهرة تحمل لون الدم القاني عند الغروب، وعطرًا لا يشبه سائر الأزهار؛ لا حلوًا ولا نفاذًا، بل شيئًا يشبه رائحة المطر حين يسقط على الأرض المحترقة. كانت تمضي لياليها في الدفتر الصغير الذي تخفيه بين طيات ملابسها، تدون فيه ملاحظات عن أنواع التهجين، مواقيت الزرع، طبائع التربة.
وكلما جاء الصباح، خرجت إلى الحديقة، لا كخادمة… بل كعاشقةٍ لفكرة، عازمة على أن تترك بصمةً في قصرٍ لا يذكر أسماء الخدم.
كانت تعلم أن السيد يراقبها أحيانًا من شرفته، يظن أن انشغالها هذا ضربٌ من الضعف أو هروب. لكنه لم يكن يعلم أن راما ترى في الزهور ما لا يراه سواه… أنها لا تطمح لإرضاء أحد، بل لتحدي الجمود الأبدي في هذا المكان.
وفي الزاوية القصية من الحديقة، تحت شجرة سرو معمّرة، زرعت بذرتها الأولى… تنتظر صامتةً، لتُثبت أن الخدم لا يتركون أثرًا في السجلات فقط، بل تحت التراب أيضًا.
***
مرّت الأسابيع، وتمادى الشتاء في عناده، لكن راما لم تيأس. كانت تخرج كل فجرٍ، قبل أن يصحو القصر من سباته، تتفقد تربتها، تغمر البذرة بقطرات ماءٍ دافئة، وتهمس لها بشيءٍ من الكلمات التي لا تسمعها إلا الأرض.
وذات صباحٍ ملبّدٍ بالضباب، بدت الزهرة. زهرة لم يشهد القصر مثلها قط. بتلاتها مخملية، بلون العقيق الداكن، يتدرج من الأسود المائل للأحمر إلى حواف فضية تشبه حواف الخنجر. وكان لعطرها — حين يقترب منه المرء — وقعٌ أشبه برائحة الكتب القديمة الممزوجة بمطر الليل.
وقفت راما أمامها، تملأ صدرها فخرًا لم تعرفه يومًا. ولأول مرة، أطلقت على نفسها لقب "الخالقة". في عالمٍ يمنع الخدم من ترك أثر، كانت هذه الزهرة إعلانًا بأنها وُجدت.
لكن… ما أهداه القدر بيدٍ، نزعه باليد الأخرى.
في المساء ذاته، وبينما القصر يغط في صمتٍ لا يكسره سوى صرير النوافذ، تسللت يدٌ مجهولة إلى الحديقة. ولم يكن الدافع إلا الحسد، أو ربما طاعةً لأمرٍ خفي.
وفي لحظةٍ غادرة، سُحبت الزهرة من جذورها، تُركت تربتها مبعثرة، وساقها المهشم يُلقى بعيدًا، كأنها لم تكن.
عندما جاءت راما في الفجر التالي، توقفت خطواتها. كان المشهد أشبه بجريمة صامتة؛ لا شهود لها ولا دليل، سوى أثر التراب المبعثر وقطرة من العطر العالق في الهواء.
لم تصرخ. لم تدمع. بل وقفت صامتةً طويلًا، ثم انحنت، وبهدوءٍ متماسك، جمعت شظايا الزهرة، وضمتها إلى صدرها كمن يحتضن آخر ما تبقى له من حلم.
***
لم يكن الحريق الذي اشتعل في قلب راما من النوع الذي يُخمده الصمت. كانت قوانين القصر تُحتم على الخدم عدم تجاوز مواضعهم، ألا يرفعوا أعينهم، وألا تلامس أقدامهم الممر المؤدي إلى الجناح الغربي حيث غرفة السيد. لكنه في تلك الليلة… لم تعنِ لها القوانين شيئًا.
بثوبها الداكن الملطخ بتراب الحديقة، وعينيها المتقدتين كجمرتين في ليل معتم، اندفعت راما تعبر الممرات الحجرية. ارتطمت بأطراف الستائر المتهدلة، وتجاهلت نظرات الخدم المذعورة، وأصوات النُدُل الذين تمتموا باسمها في فزعٍ مكتوم.
عند باب السيد، توقفت.
كان بابًا من خشب البلوط المعتق، يعانق جدرانه إطارات منقوشة برسومٍ لأسودٍ نافرة، وعليه قبضة نحاسية باردة، لم تجرؤ يدٌ من قبل على لمسها إلا بأمرٍ صريح.
راما… لم تتردد.
وقفت هناك، صدرها يعلو ويهبط كمن خرج لتوه من معركة دامية، وعيناها تحملان خليطًا من الألم المتفجر والغضب النبيل. أصابعها قابضة على شظايا الزهرة الميتة، وفمها مغلق، لا تنبس بشيء.
في داخل الغرفة، كان السيد قد شعر باضطراب المكان. الحريق الصامت الذي رافق خطواتها بلغ إليه قبل أن تصل. رفع بصره نحو الباب، وحدّث نفسه:
"أتت… رغم القوانين… رغم محاذير الأسلاف…"
وابتسم ابتسامة باهتة تحمل شيئًا من الغرابة.
في الخارج، بقيت راما واقفة. لم تطرق الباب، ولم تعلن عن وجودها. وقفت هناك فقط… كتهديدٍ مكتوم… كإعلان صريح بأنها — هذه المرة — لن تنحني.
وكان صمتها، في تلك اللحظة، أعلى صوتًا من أي صرخة.
رواية فتيات القصر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
طوال لحظاتٍ طويلة، ظل الصمت مشحونًا كثقلٍ معلق في الهواء.
ثم، كمن كسر قيدًا قُدّ من الرهبة، مدت راما يدها إلى القبضة النحاسية وأدارتها.
الباب انفتح ببطء، يصدر أنينًا خافتًا كأن جدران القصر ذاتها تستنكر جرأتها.
دخلت راما.
الغرفة مضاءة بمصباحٍ زيتي يتراقص ضوءه فوق جدرانٍ مزينة برسوم صيد قديمة، وستائر مخملية تخنق النوافذ.
جلست السيد خلف مكتبه العريض، أنيقًا كعادته، يحمل مظهر الرجل الذي لا يعترف لشيء في هذا العالم بسلطةٍ فوق سلطته.
راما وقفت عند طرف البساط العتيق، لم تطرق الباب، ولم تنحني.
قالت بصوتٍ خافت لكنه مشحون، يتحدى كل عرف:
"سيدي، حدث أمرٌ في الحديقة الملكية. زهرتي… الزهرة التي عملت عليها لثلاثة فصول، دُمّرت."
ثم أخرجت من جيب ثوبها قطعةً من بتلة متفحمة، ووضعتها فوق سطح الطاولة بعناية أشبه بالإهانة.
رفع السيد عينيه نحوها، نظرة هادئة، باردة، كأنما يعاين مشهدًا أقل من أن يستحق اهتمامه.
ثم تكلم بنبرة رخيمة تحمل في طياتها جبروت السادة:
"ذلك مؤسف يا آنسة راما… وسنجري تحقيقًا كما يقتضي النظام."
صمت لوهلة، ثم أضاف بصوت أبطأ:
"لكن، لا يليق بكسر قوانين القصر. اقتحامك جناحي، مهما كانت الذريعة، انتهاك جسيم."
ارتفع من مقعده، دار حول الطاولة بخطوات رزينة محسوبة كحركات رقعة شطرنج، حتى وقف قُبالتها.
"العقاب… لا يُؤجل."
كانت عينا راما تشعّان بالكبرياء المقهور. لكنها لم تتراجع.
"لا أطلب سماحك، سيدي. أطلب تفسيرًا."
ابتسم السيد ابتسامةً بالكاد ترتفع زاوية شفتيه.
ثم قال:
"في القصر… التفسير رفاهية لا تمنح لمن يعصي القوانين. أما العقاب، فهو يقام ليُذكّر الجميع بحدودهم."
ثم، في رصانة فيكتورية تقليدية، أمرها بالوقوف جوار الجدار الحجري المقابل، حيث الحائط مزدان بحاملات شموعٍ قديمة، وأمر بإحضار العصا ذات المقبض العاجي.
ولم تكن العقوبة جسدًا فحسب… بل طقوس إذلالٍ صامتة، أشبه بكسر إرادة دون صوت.
ففي ذلك القصر… كان السيد يؤمن أن الخدم يُؤدّبون بالصمت، وأن الكبرياء حين يجرح، ينزف ببطء.
وحتى وهي تحت وطأة العقوبة… لم تصرخ راما.
كانت عيناها، وحدهما، تقولان كل شيء.
وفي تلك اللحظة… أدرك السيد أن خسارته معها لم تكن الزهرة… بل السيطرة ذاتها.
في مساءٍ يلفه السكون وتتناثر ظلال المصابيح الخافتة على جدران الجناح العتيق، وصلت لارينا.
خطاها على الأرضية الرخامية تكاد لا تُسمع، وثوبها المائل إلى لون الكهرمان ينساب خلفها كستارٍ من شحوبٍ أنيق.
توقفت أمام باب السيد، طَرقَت طرقتين خفيفتين، ثم انتظرت.
"ادخلي."
صوته جاء منخفضًا، مستقرًا كالموج الثقيل عند حواف صخرة.
فتحت الباب، وانحنت بانحناءة دقيقة محسوبة، قبل أن تتقدم بخطوات رشيقة نحو مكتبه.
في يدها ملفٌ جلديّ صغير، وضعتْه فوق سطح الطاولة، ورفعت عينيها للحظةٍ لتلقى نظرته.
"كما أمرتم، سيدي… تمت مراقبة الحديقة وأروقتها الخارجية. لم يُرصد شيء مريب قبل الحادث."
قالها بصوتٍ مرنٍ، يحمل صفة من صفات الأتباع الذين يجيدون الانحناء دون أن تنكسر رؤوسهم.
السيد، وقد اتكأ بظهره إلى المقعد الجلدي، راح يدور بالقلم بين أصابعه.
نظر إليها نظرة طويلة، فيها شيء من الرضا المغموس بوعيدٍ مستتر.
ثم قال ببطء:
"أحسنتِ، لارينا. تذكّري… أنتِ هنا لتطيعين، لا لتفكرين. تنفيذ الأوامر دون سؤال، ذلك ما يجعلك مفيدة… وأبقيكِ آمنة."
قال الجملة الأخيرة وهو يثبت عينيه في عينيها، كما لو كان يختبر استسلامها أمام الكلمة.
لارينا أومأت برأسها، ولم تعقّب.
كانت تعرف طباع السيد، يعرف كيف يغلف تهديداته بلباقة النبلاء، وكيف يزرع أوامره في عقل من أمامه، لا تقبل جدالًا ولا اعتراضًا.
ثم أضاف، وكأنما يخبرها شيئًا لا يتطلب تساؤلًا:
"ستتولين أمرًا آخر قريبًا… ولن يليق بك السؤال عنه."
ابتسمت لارينا، انحناءة رشيقة من شفتيها فقط.
"متى شئتم، سيدي."
تذكرى أيتها القطة الصغيره ان تضاعفى اعمال رامالن نسمح لفتاه لا معنى لها ان تتحدى ارادتى هل تفهمى ؟
احنت لارينا رأسها ثم انسحبت، كما جاءت… ظلٌ مطيع لا أثر لصوته سوى في دفتر السيد.
رواية فتيات القصر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
في الصباحات الرمادية، حيث يتكثف الضباب حول أعمدة القصر الرخامية وتئن الأشجار تحت وطأة الندى البارد، كانت راما تبدأ يومها. لم يعرف الممر الطويل الممتد بين الأروقة سيدة خدم تضاهيها انضباطًا ولا دقة.
كل ستارة تعاد ترتيبها كما لو أنها لم تمس قط. أطباق الإفطار ترفع وتنظف قبل أن ينتبه الناظر لفراغها، وأروقة الحدائق يعاد ترتيب مساراتها كما لو أن النسيم ذاته خلق ليواكب خطى راما.
لم تسمح قط لخطأ أن يجد مكانًا في سجلها. لم تسقط منها ملاحظة، ولم تنس أمرًا، وإن بدت عيناها دامعتين أحيانًا من شدة الإرهاق. إذ كانت تؤمن أن القصر —مهما طغى عليه ظلم سيده— لن يتسع لفوضى في وجودها.
لكن لارينا... تلك التي تحسن ارتداء الطاعة كما يحسن الثعالب ارتداء الغابات، بدأت تمعن في إثقال كاهلها.
كانت تأتي كل مساء بدفتر التعليمات، وفي صوت وديع يطفو فوق نبرات محسوبة، تضيف مهامًا لا تنتهي:
"السيد طلب مراجعة أغطية الصالون الملكي بالكامل، وتلميع مصابيح الحديقة الشرقية. وبالمناسبة... يجب فرز سجلات المطبخ قبل الغروب، سيدة راما."
وفي كل مرة، كانت راما تومئ برأسها، تثبت عينيها في عيني لارينا، تقرأ فيها ما لم يكتب، ثم تدير ظهرها وتنجز العمل.
لم تحتج راما إلى الشكوى ولا إلى التبرير. كان الصمت سلاحها، والعمل الصادق درعها. ولم يسجل عليها عجز عن إتمام ما أوكل لها، حتى عندما بدا واضحًا أن المقصود من الأعباء ليس إلا إنهاكها.
كانت تعلم —بيقين المرأة التي خبرت دهاليز القصر وأهواء ساكنيه— أن السيد يراقب من بعيد.
يعرف.
ويصمت.
وفي تلك اللعبة الصامتة، لم تمنحهم راما فرصة أن يروا فيها ضعفًا، أو يظفروا بلحظة سهو من يدها.
كانت تواصل. بشرفها القديم، بتقاليد بيتها الذي رحل، وبكبرياء امرأة رفضت أن تكسر.
______________
كان الليل قد تمدد فوق القصر كسحابة من الحبر، والشموع في الممرات تترنح بنورها الخافت كأنها تخشى أن تفضح ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
وفي جناحه العلوي، حيث لا يجرؤ سوى قلة على الاقتراب، وقف السيد أمام المدفأة، ووجهه الغامض يتوارى بين الظلال المتراقصة.
في يده كأس زجاجي شاحب، يديره بين أصابعه ببطء، وعيناه مسمرتان على اللهب المتراقص. لم يكن يستمع للطرقات على الباب، لكنه علم من وقع الأقدام أن لارينا قد حضرت.
دخلت السكرتيرة الأولى بخطوات محسوبة، بثوبها القاتم وعطرها الهادئ المميز الذي لطالما بدا كأنه يفرض حضوره على الغرفة قبل حضورها.
انحنت في وقار فيكتوري دقيق، وقالت بصوت يفيض ثقة:
"السيد استدعاني."
لم يرفع رأسه، بل قال ببرود قاتل:
"لقد أسندت إليك مهمة، لارينا. مهمة بسيطة. كان المطلوب أن تنحني راما... أن تخطئ... أن تكسر قوانين القصر من تلقاء نفسها. لكنها حتى اللحظة لا تزال واقفة، تمضي في عملها وكأن القصر ملكها."
تجمد الهواء للحظة.
لم تكن لارينا —طيلة سنواتها كسكرتيرة أولى— قد سمعت تعاتب، ولا رفعت عليها نبرة الصوت. لكنها الآن شعرت ببرودة غير مألوفة تغمر جسدها.
قال السيد ببطء:
"لم يعهد هذا القصر فشلًا ممن يحملون مفاتيحه."
ثم استدار نحوها للمرة الأولى، ونظر بعينين لا لون لهما.
"ستنالين عقابك، لارينا. الليلة."
حاولت أن تتكلم، أن تعتذر بصياغة فيكتورية منمقة، لكن صوته قطعها:
"الصمت أفضل لك. أنت تعرفين البروتوكول."
لارينا انحنت... لا مجال لاعتراض، ولا سؤال.
نظرت لارينا إلى الأرض، هامسة:
"سيدي..."
اقترب منها، لا بخطى عجلى ولا ببطء متعمد، وإنما بثقل من يعرف أن كل شيء له.
رفع يده، وانتزع التميمة الفضية المعلقة على جيدها... تلك التي خولت لها مقام السكرتيرة الأولى، ومنحت لها مع الوعد بحصانة لا يخرقها إلا السيد.
ثم نطق بصوت هادئ، يقطر بردًا:
"خضوعك سيكتب خلاصك... أو نهايتك."
وأمرها، بنبرة لا تحتمل نقاشًا، أن تهوي أرضًا.
"على ركبتيكِ يا لارينا..."
بلا قدرة على الاعتراض، ركعت.
ثم بصوت أخفض، كمن يرسم لها طريق الهوان:
"إلى الأرض، زحفًا... حتى تصلين إلى قدمي."
لم يكن في الأمر إذلال جسد فحسب... بل إذلال كرامة، وكسرة منصب حمل يومًا بتفاخر.
امتثلت لارينا، كل حركة منها تحمل وجع الكبرياء المهشم، وكل زحف يترك على وجهها أثر احتراق أعمق من الجمر.
وحين وصلت إلى قدميه، توقفت، لا تجرؤ على النظر.
حينها، انحنى السيد قليلًا، ونطق في أذنها بهدوء كالسكين:
"كل من يخفق في تنفيذ أمري... لا تغفر له إلا بالخضوع التام. ستبقين في القصر، تحت عيني، ... ولا حق في الاعتراض. وستذكرين هذه الليلة... كلما مر أمامك طيفي."
"قبلي قدمي يا لارينا."
لمست لارينا قدم السيد بخضوع.
قبل أن يرفع يده إلى هناك.
"قفي."
وقفت لارينا في ركن الغرفة مكسورة ذليلة، ثم همس السيد يطلب راما.
"سيدي! همست لارينا، أرجوك لا، أنا خادمتك المطيعة لا تفعل بي هكذا."
رواية فتيات القصر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
انت لعبتي لارينا، خادمتي المطيعة التي أعتمد عليها عندما أرغب في تنفيذ ألعابي القذرة.
ثم استدار السيد فجأة وعلى وجهه ابتسامة.
أخبريني لما أبقيكِ مقربة وقد أثبتِ فشلك؟
إنها غلطة واحدة يا سيدي، خطأ واحد. لقد خدمتك بولاء طوال مدة خدمتي هنا، ألا أستحق مغفرتك؟
رفع السيد يده.
تعرف لارينا عندما لا يعجب الكلام السيد.
وأرادت أن لا تفقد الفرصة.
امنحني فرصة أخرى من فضلك، دعني أقبل قدمك، اسمح لي أن أمنحك الشعور الذي لا يستطيع غيري أن يمنحه.
نزعت لارينا ملابسها وظهر ظهرها العاري، تناولت السوط بفمها وقدمته للسيد.
اجلدني.
كل هذا العمر الذي قضيتيه في خدمتي لارينا ولم تفهمي أن السوط غير مهم؟
ما أرغب به شيء آخر، شيء أقوى من الجلد، أقوى من تقبيل الأيادي والأقدام.
تحت أمرك سيدي، أفعل ما تشاء.
إلى الجدار يا لارينا ولا تتحركي حتى أسمح لك، لقد أثبتِ فشلك الذريع وحان الوقت لتعلمي كيف يعاقب السيد أحباءه المقربين منه.
هيا…
صرخ السيد بالأسم فأرتجت جدران غرفته.
وفي دقائق… دخلت راما.
لم تكن تعلم شيئًا عن الطقس المظلم الذي يخيم على الغرفة، ولا عن العيون التي تنتظر رؤيتها.
كانت كما اعتادها القصر… هادئة، ثابتة، بوجه يعلوه نور خافت من عناد لا ينكسر.
تقدمت إلى منتصف الحجرة، انحنت بانضباط، وقالت بصوت رخيم:
سيدي، أمرت باستدعائي.
في تلك اللحظة… ارتجفت أنفاس لارينا، وزاغ بصرها بين راما وبين السيد.
أما هو… فابتسم ابتسامة بالكاد ولدت على شفتيه وقال:
نعم… لدي ما أراه بعيني الليلة.
والحجرة تثقل جوها، والنيران تتراقص كأنها تعرف أن شيئًا سيكتب هذه الليلة على جدران القصر…
ثم نظر إلى لارينا، همس كأنما إلى الفراغ:
شاهدي… ولا تغمضي عينًا.
ألقى السيد بالسوط على الأرض تحت قدمه وأشار لراما تلتقطه.
انحنت راما بطاعة عمياء لا تعرف ما ينتظرها.
أريدك أن تجلدي ذلك الشخص القابع ناحية الجدار.
كانت لارينا قد غطت نفسها كما أمرها السيد قبل حضور راما.
لم ترَ سوى جسد حجب الغطاء تفاصيله.
هل يمكنني أن أعرف لماذا يا سيدي؟ ما الجرم الذي ارتكبه ذلك الشخص؟
أنت تتحدثين أيضًا؟ ترغبين من السيد أن يشرح لك قراراته؟
سيدي، همست راما، لقد قرأت دفتر العقوبات جيدًا وأعرف أن من حقي قبل أن أمد يدي على خادم أو عامل أن أعرف جرمه.
ابتسم السيد لأول مرة منذ بداية الليلة، يشعر بحماس.
تعرفين القوانين إذا.
أحفظها، همست راما بثقة.
عليك أن تثقي بالسيد، آنسة راما، أليس هذا كافٍ بالنسبة لك؟
اسمعي أيتها النحيلة القصيرة، كل ما عليك فعله أن ترفعي السوط وتجلدي.
أما…
وسحب السيد من لفافة تبغه.
ستقفين بظهر عارٍ تجاه الجدار حتى أجلدك بنفسي.
ترددت راما لحظة، هناك قرب الجدار لم يكن هناك سوى أنفاس راما المتتابعة.
أمرك سيدي…
رفعت راما السوط، اقتربت من لارينا.
أفعل ذلك بناءً على رغبة السيد.
ثم راحت تجلد الجسد الثابت.
توقفي، أمرها السيد.
يمكنك أن تنصرفي.
أنا…
انحنت راما رأسها في خضوع وغادرت الغرفة.
ألقت لارينا الغطاء وواجهت السيد بجسد عارٍ وعيون دامية.
همس السيد:
هذا ما ينتظرك إذا لم تتخلصي من تلك الخادمة.
سأجعلها تجلدك كل ليلة.
تعرفين طريق نجاتك وهلاكك، تخلصي منها وإلا ستأخذين مكانها في العقاب.
رواية فتيات القصر الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
عندما أغلق الباب خلف راما، لم تعد الغرفة كما كانت.
حتى اللهب الراقص على أطراف المشاعل فقد شكله، وصار ظلاً يتلوى على الجدران.
لارينا لم تتحرك. بقيت حيث هي.
جسدها العاري المشوب بآثار السوط، لم يعد يشعر بالألم كما في البداية، بل شيء آخر.
شيء داخلي أشد وأبرد من كل لسعة.
كانت تعرف جيدًا هذا النوع من العقاب.
ليس من أجل الضرب ذاته.
بل من أجل أن ترى بعينيها من ينفّذ العقوبة، ومن ينفذ له الأوامر.
راما.
تلك الفتاة الثابتة الصامتة، التي لم تكن تنظر لها يومًا كتهديد، أمسكت بالسوط بيد ثابتة، ونفّذت الأمر.
"أنا… من أجل خطأ واحد؟"
راحت الكلمات تتردد في عقلها، كأن أحدهم يوشوشها من داخلها.
لم يكن الألم على الجلد هو ما يشغلها، بل إحساس آخر.
الهوان.
أن تُعاقب أمام السيد، من يدها.
أن تصبح الحكاية لعبةً يتسلى بها.
أحست لارينا أن قلبها تجمّد.
كأن شيئًا طُعن فيه بهدوء.
كان ثمة شعور خبيث، ثقيل، صاعد من صدرها.
ليس خوفًا.
بل غيظ.
غيظ خافت، شاحب، لكنه نابع من مكان لا يموت.
تذكرت كيف أن السيد قال:
"هذا ما ينتظرك إذا لم تتخلصي منها."
فتحت عينيها.
نظرت إلى اللهب.
ثم إلى باب الغرفة حيث غادرت راما.
لم تكن الغرفة مظلمة حقًا، لكنها شعرت أن كل شيء حولها اختفى.
"تخلصي منها… أو تتبادلان الدور."
تلك اللحظة، لم تعد لارينا الخادمة المطيعة.
ثمة شيء انكسر.
أو ربما وُلِد.
كان الألم يتخثر تحت جلدها.
وفي عينيها، تلك الدمعة الوحيدة.
لم تكن من وجع.
بل من فكرة واحدة ظلت ترددها في رأسها:
"راما… ستدفعين ثمن هذه الليلة."
***
في حجرتها الصغيرة ذات الجدران المتآكلة من الرطوبة.
أغلقت لارينا الباب خلفها بصمت.
الهواء كان ثقيلاً، والمكان ضيق، لكنه ملاذها الوحيد.
وقفت أمام المرآة.
لم تكن مرآة فاخرة، مجرد زجاج قديم مضبب الأطراف.
ولكنها اعتادت أن تراه هو أكثر مما ترى وجهها.
ببطء، رفعت الغطاء عن جسدها.
آثار السوط كانت خطوطًا رفيعة بلون الدم.
بعضها جفّ، وبعضها لا يزال يلسع كأن السوط لم يترك ظهرها بعد.
وضعت أصابعها على واحدة من تلك العلامات.
ثم رفعت عينيها إلى انعكاسها.
كانت ترى امرأة أخرى.
ليست لارينا الخادمة الطيّعة.
بل امرأة بعينين تحملان شيئًا يقترب من الحقد.
حقد ناعم، ليس صاخبًا، بل باردًا، ثابتًا.
همست المرآة لها:
"كم مرة طأطأتِ رأسك، وكم مرة بكيتِ بصمت…؟"
لم تجب لارينا.
اقتربت أكثر من الزجاج.
رأت وجهها.
شاحبًا، وعينيها تلمعان بضوء غريب.
ثم قالت بصوت واهن، كأنها تخاطب نفسها:
"لن أسمح لها أن تلمسني مجددًا… ولن أتركها تسير بسلام في هذا القصر."
جالت يدها على الطاولة، التقطت خنجرًا صغيرًا من بين أدواتها القديمة.
مرّ بباطن كفها، تأملت نصله الرفيع.
همست:
"من الليلة… بدأت اللعبة الحقيقية يا راما."
ثم نظرت للمرآة مجددًا، ولأول مرة، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها تكفي لأن تشعل نارًا كاملة في قلب من يراها.
***
ليلٌ دافئ يهبّ على القصر.
والحديقة الملكية تغفو تحت عباءة من العطر والرطوبة والظل.
لم يكن مسموحًا لأي خادمة أن تتجوّل فيها بعد منتصف الليل.
إلا راما.
تلك الفتاة النحيلة، ذات الخطوات التي لا تُسمع، كانت تعرف أن الحديقة هي سر من أسرار القصر.
وملاذ من يعرفون كيف يتعاملون مع السيد.
دخلت راما من البوابة الجانبية، تحمل سلة صغيرة من الخيزران.
داخلها زجاجات صغيرة، وقوارير كهرمانية، ومقص حاد.
شعرها مرفوع للخلف، ووجهها ساكن كقلب قطة قبل الانقضاض.
توجهت إلى ممر العطر.
ممر طويل بين أشجار السرو والكافور.
تمر منه تيارات الهواء لتصل مباشرة إلى شرفة غرفة السيد.
هكذا كان يصله عبق الحديقة مع كل نسمة.
راما أرادت شيئًا آخر الليلة.
عطراً لا يُشبه أي شيء عرفه القصر.
رائحة تندس تحت جلده.
تعشعش خلف أذنه.
وتجعل السيد، مهما قسا، يعود إلى الممر كل ليلة، باحثًا عن تلك الرائحة دون أن يدري.
بدأت عملها.
قطفت أولاً زهور "التيوب روز".
زهور بيضاء ناعمة تعرف في القصر بأنها زهور الليل.
يفوح عبقها حين يخفت كل شيء.
ثم التقطت أوراق الريحان الملكي.
التي تعرف راما أن عبيرها يعكس رائحة الجسد الحار.
بعدها قطفت بحذر زهور اللافندر البنفسجية.
ليس لما تمنحه من هدوء، بل لما تخبئه من أثر حسيّ يتسلل للأعصاب.
مزجت معهم بعض بتلات زهور البرغموت.
لدفعة خفيفة من نكهة حادة، توقظ شيئًا غامضًا في الذاكرة.
أخدت قطرات من زهر النارنج.
عطر الملوك القدماء.
وتركته في زجاجة زجاجية دقيقة.
ثم أضافت لمستها الأهم.
مستخلص عنب الثعلب الأسود.
نكهة لا يتوقعها أحد، بطعم يذكّر بالدم والعشق الأول.
راحت تخلطها واحدة تلو الأخرى.
كل مرة ترفع الزجاجة إلى أنفها، تغمض عينيها، تتنفس ببطء.
بعض التركيبات كانت خانقة.
بعضها أقرب لعطر حديقة مهجورة.
وواحدة جعلت قلبها يرتجف لحظة.
هذه هي.
رائحة تجمع بين الموت البطيء والافتتان الغريب.
كأنها عطر امرأة لا تعود بعدها امرأة.
أفرغت القليل في قارورة كهرمانية صغيرة، ودفنت الباقي تحت شجرة ياسمين عتيقة.
وفي الصباح.
حين تعبر الرياح الممر، سترفع تلك الرائحة حتى شرفة السيد.
ولن يعرف، لكنه سيبحث.
راما مسحت عرق جبينها، وهمست لنفسها:
"لن يُفلت مني."
ثم رحلت قبل أن تسرق الشمس لون السماء.
رواية فتيات القصر الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
في الأيام التالية…
لم يظهر على وجه السيد شيء.
لم تتغيّر ملامحه حين مرّت النسائم الخفيفة من ممر العطر، حاملةً الرائحة الجديدة التي صنعتها راما.
ربما شعر بها.
وربما تجاهلها عن عمد.
فالملوك الحقيقيون يعرفون متى يبدون اللا مبالاة لتزداد لعبة الخضوع اشتعالًا.
في صباح اليوم الثالث…
وقف السيد عند نافذته للحظة، ومرّت تلك النسمة الخافتة، وأخذت معها شيئًا خفيًا من مزاجه.
لكنه لم يقل كلمة.
راما، من ناحيتها، كانت تقف بين الأشجار، تراقب من بعيد دون أن تجرؤ على رفع عينيها إليه.
تعلم أن العطر بدأ يعمل.
وأن الوقت حليفها الصامت.
أما لارينا…
فقد شعرت بتغير شيءٍ لا تعرفه.
كانت تحسّ وكأن القصر بأكمله يدير رأسه ناحية خادمة واحدة دون أن يتحرك.
اشتدّت كراهيتها لراما.
منذ ذلك اليوم، أغرقتها في المسؤوليات.
جعلتها تنظف جناح السيد بنفسها بعد انتهاء الاجتماعات.
أمرتها بحمل صواني الطعام الثقيلة إلى الصالة العليا.
أوكلت لها تنظيف السجاد القديم الممتد في الممرات الطويلة، رغم أنه لم يُمَس منذ أشهر.
كانت تقول لها ببرودٍ مصطنع: "طالما أنفك يتدخل فيما لا يعنيه… فلتتعلّمي أن تنشغلي بيديك."
وفي العلن، لم تترك فرصة إلا ووبّختها أمام الخدم الآخرين: "راما بطيئة… راما كثيرة التمتمة… راما تضيّع وقت القصر."
والخدم بدورهم تعلموا أن ينأوا بأنفسهم.
فالكل يعلم أن من تقع في خصومة لارينا، تعيش أيامها في القصر كمن يمشي على حافة السكين.
راما، مع ذلك، لم تشتكِ.
لا بكلمة… ولا بنظرة.
كانت تحني رأسها، وتمضي بأعمالها، وفي قلبها شيء واحد:
ذلك العطر.
الذي كان يشق طريقه كل مساء إلى غرفة السيد.
رائحة لا تحتاج لإذن.
ولا تسأل رأيًا.
***
كانت راما تعرف — بقلب العارف — أن التجربة الأولى وإن تسللت إلى أنفاس السيد، لم تزل بعد حاجز الجليد عن ملامحه.
وربما… وربما فقط، كان صمته رسالة أو امتحانًا صامتًا.
لم تستسلم.
لم يكن في طبعها أن تنحني إلا في مواطن الطاعة.
أما حين يخص الأمر يدها وصبرها… فكانت كمن تعقد ميثاقًا مع النسيم.
في تلك الليالي، عكفت راما على زاوية بعيدة في الحديقة الملكية.
حيث يحيط بها ممر السرو والزيزفون، وعلى ضفتيه أقواس من الياسمين الهندي.
كان ذلك المكان يعرفها منذ صغرها، وحفظ سرّ تجاربها الأولى حين لم تكن شيئًا في القصر.
هذه المرة…
أرادت رائحة لا تُشبه العطور المعتادة التي يعشقها النبلاء
ولا حتى عبق الصندل والورد الطائفي الذي تفضله سيدات الحريم.
بل شيئًا لا يُعرَف مصدره…
رائحة تشبه أول قطرة مطر على أرض جافة، وأول أنفاس عاشق تائه.
بدأت بزهور الجاردينيا البيضاء، لما فيها من نقاء يرافقه غموض شهي.
أضافت إليها نقاطًا من زيت زهور الكاميليا، تلك التي تشبه بشرتها إذا لامستها أشعة القمر.
ثم قطفت بتؤدة زهور البرغموت من أطراف البستان، لعطرها اللاذع الرقيق الذي يمنح النفس يقظة لا تفسير لها.
أخذت من قلب وردة الأوركيد السوداء — النادرة التي لا يسمحون بقطفها إلا بإذن، لكنها تجرأت.
ومن شجيرة خلف البحيرة الصغيرة، جمعت أوراق النعناع البري، الذي يمنح العطر نفسًا متوحشًا غير متوقع وسط الرقة.
وأخيرًا…
أضافت زهرة واحدة من زهور السوسن البنفسجية، التي لا تتفتح إلا في الليالي القمرية.
كان لابد أن تنتظر ليلة مكتملة الضوء… وقد جاءت.
في تلك الليلة، والقمر يلقي بنوره على ممر العطر، جلست راما وحدها.
مزجت الزيوت بحذر، نقطة بعد نقطة، حتى تشكل الخليط.
بخار خفيف صعد من القارورة النحاسية، وتبددت الرائحة في الهواء…
لم تكن قوية، بل ناعمة تتسلل بين الأنفاس فلا تُدرك حتى تستقر.
وما إن اكتمل…
رفعت القارورة إلى شفتيها، تمتمت همسًا:
"هذه… لك."
دون أن تحدد لمن — للسيد أم لذلك الشيء العميق في قلبها الذي يأبى الاعتراف.
***
بعد أن أتمّت راما عطرها الجديد، وبلغت الرائحة جناح السيد، واكتفت بتلك الارتعاشة الخفيفة التي بدت كأنها لم تحدث…
قررت أن تمضي إلى اللعبة الأعمق.
لم تكن لارينا لتدرك أن راما، بوجهها الهادئ وطاعتها التي تبدو خالية من الحيلة، كانت تخوض حربًا صامتة.
ولأن القصر لا يرحم من يخطئ توقيت المعركة…
انتظرت راما بحنكة.
كل مساء، حين تغيب الأنوار الثقيلة عن الممرات، وتتوارى الأوامر تحت أستار الليل، كانت راما تدخل غرفة لارينا بحجة ترتيب الوسائد أو رش العطر المألوف في أرجاء القصر.
لكن ما كانت ترشه لم يكن ذاك العطر المعتاد.
قطرات من عطرها الخاص — الرائحة اللامرئية التي تخترق الأعصاب بهدوء.
لم يكن عطرًا يعلن وجوده، بل رائحة تتسلل من بين خصلات الشعر ومن أطراف الوسائد ومن زوايا الغرفة.
في البداية، لم تنتبه لارينا.
ظنّت الأمر من بقايا عطور الحديقة أو عبق الممرات.
ثم… بعد أيام، بدأت تعتادها.
صار أنفها يتوق لتلك النغمة الغامضة وسط هواء الغرفة.
ثم… دون أن تعي، صارت تنزعج إن غابت الرائحة.
تتقلب في فراشها بلا طائل.
تشعر بوخز مبهم في صدرها وضيق يجهل سببه.
وفي ليلة بعينها…
كانت الرائحة قد غابت — عمدًا.
لم تدخل راما تلك الليلة.
لم يُرش شيء.
جلست لارينا في منتصف فراشها، بعيون نصف مذعورة، تراقب الزوايا.
أنفها يتحرك كحيوان ضال يبحث عن أثر.
رمت الغطاء جانبًا، بحثت بين الوسائد، فتحت الدرجات، دفعت النافذة.
ثم عادت إلى الفراش، تتقلب بلا نوم.
الساعة مرت… والثانية… والثالثة.
وقبيل الفجر، حين لم تعد تحتمل، خرجت في ممرات القصر، متوترة، وشعرها مبعثر.
ولم يكن في تلك اللحظة من يراها سوى راما…
التي كانت تقف خلف قوس الياسمين، تحمل القارورة الصغيرة، وتبتسم لنفسها.
رواية فتيات القصر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
في الليالي الهادئة، حين يكتظ القصر بالصمت ويغفو الخدم على أطراف الممرات، كانت راما تتسلل بخفة بين الأعمدة وأروقة الجناح المخصص للخادمات.
في يدها الصغيرة، قارورة زجاجية أنيقة، يتراقص في جوفها سائل بلون العسل الباهت.
عطرها الخاص… ذاك الذي سهرت عليه ليالي طوال في ممر العطر، مزجت فيه رحيق الغاردينيا البيضاء، وندى زهر الليمون، وأوراق البنفسج المهروس مع لمحة داكنة من العنبر.
بعد أن عملت على تحسينه بإضافة نقط من عشبة باتسيدين الطبية مخلوطة مع رحيق عشبة بيانكس.
لم تستخدمه كل ليلة، بل اختارت أيامًا متفرقة بذكاء.
ليلة الثلاثاء، ثم الخميس، والأحد التالية، تُباغت غرفة لارينا.
تدلف بهدوء، تقف خلف الباب، تراقب أنفاس نائمة أو جسدًا متقلبًا يتململ في ضيق، ثم ترفع القارورة وترش الرذاذ العطري في الأجواء…
نقطة خلف الوسادة، وأخرى قرب أطراف الستائر، ودفقة خفيفة على أطراف المفرش.
كانت حريصة ألّا تفرط.
عطنة خفيفة تشبه خيال ندى، لا رائحة فجة يمكن أن تُكتشف.
ومع الوقت…
كانت لارينا تنام عميقًا بعد الرش، وتصحو متوترة في الليالي التي تغيب فيها الرائحة.
بعد أسبوعين، وبينما نجحت خطتها بإغراق خصمتها بهذا الإدمان الخفي، استدارت راما نحو غرفتها الخاصة.
في إحدى الليالي، دخلت إلى حجرتها، أغلقت الباب بإحكام، ووقفت أمام المرآة.
أخرجت القارورة ذاتها، ولكن هذه المرة، رشّت الرذاذ فوق وسادتها، عند حافة سريرها، وحول أكمام ثوب نومها.
لم يكن فقط لينعم أنفها بالرائحة… بل لتُهيئ نفسها لحضور لارينا حين يتصادف عبورها بجوار الغرفة.
لقد قررت أن تتنفس الرائحة ذاتها، أن تغلف ليلها بها… كأنها تزرع ظل وجودها في زوايا القصر الخفية.
تلك الرائحة… بدأت تبني مملكة خاصة لا يراها أحد، لكنها تعبق في صدر كل من يقترب.
بدا النوم يجفو لارينا جفاءً موجعًا.
تتقلب فوق فراشها، تحتضن الوسادة ثم تدفعها بعيدًا، تغطي وجهها بيدٍ مرتعشة… لكن لا جدوى.
الرائحة… تلك النغمة الهادئة التي كانت تنسكب في جدران غرفتها كأنها دفء شتوي، غابت.
والليالي التي تغيب فيها… كانت لارينا تنهض من فراشها كمن تقوده أنفاس مجهولة، تتبع أثرًا لا يُرى لكنه يُحسّ، يتسلل إلى صدرها ضاغطًا.
في البداية، قاومت.
ثم ذات ليلة، سارت وراء النداء.
خرجت من غرفتها، بخطى حذرة فوق الأرضية الباردة، حتى وصلت إلى نهاية الممر حيث تقبع غرفة راما.
وقفت هناك… ظهرها إلى الجدار، تتنفس بثقل، تكره نفسها على هذا الفعل، لكنها تشتهي الرائحة.
كانت تتردد، تمسك مقبض الباب ثم تتركه.
تدنو من الشق الفاصل بين الباب وإطاره، حيث يتسرب ذلك العبير الناعم، فتغمض عينيها لحظة… ثم تنسحب عائدة إلى غرفتها، متوترة من فعلتها، مبللة الجبين.
فعلتها مرة.
ثم أخرى.
ثم صارت عادة سرية تؤرقها.
حتى جاءت الليلة.
ليلة مقمرة، حيث امتزج في الهواء ندى الحديقة وشحوب الغيوم…
ووجدت لارينا الباب نصف مفتوح.
توقفت.
شهقت خافتة، قلبها يخونها بارتجاف حاد.
من داخل الغرفة… اندفعت الرائحة، أو لعلها كانت تظن… كانت أقوى، أو هكذا شعرت، كأن الغرفة تناديها باسمها.
وقفت هناك، قدمها على العتبة، تتردد.
راما لم تكن بالداخل.
أو لعلها كانت، وقررت أن تترك الباب هكذا.
لحظة طويلة، والهواء بينهما مشبع بنداءٍ صامت.
ثم انسحبت لارينا، وركضت إلى غرفتها… قلبها يطرق صدرها بعنف، وملامحها متعبة.
هناك، على وسادتها، بقي أثر من تلك الرائحة الوهمية… لكنه لم يكن كافيًا.
كان القصر بأسره يلمح التغيّر في لارينا.
عصبيتها لم تعد تخفى… تقطب حاجبيها لأقل خطأ، وتنهال بالأوامر على الخدم بلا نظام، قراراتها متخبطة، تصرخ دون سبب، وتطرد أحدًا ثم تعيده بعدها بلحظات.
حتى البسطاء في المطبخ، والزهوريات في الحديقة، كانوا يتجنبونها، يميلون برؤوسهم إذا مرت، ويتهامسون خلف ظهرها:
"افتقدت الرحيق… تلك الرائحة التى هدأت قلبها أيامًا، وحين غابت… كشفت حقيقتها."
كانت لارينا تستيقظ متعبة، وعيناها محمّرتان من سهاد طويل… كل شيء حولها يثير حنقها.
كأن الهواء ذاته يمارس استفزازًا متعمدًا.
وفي صباحٍ ثقيل، وقد بلغ بها الضيق مبلغًا لا يُحتمل، اقتحمت الممر الذي تمر به راما نحو الحديقة.
نادت بصوتٍ قاسٍ:
"أنتِ… توقفي!"
توقفت راما، كعادتها هادئة، جسدها مستقر وعيناها لا تعرف الذعر.
اقتربت لارينا، وخاطبتها بجفاء:
"انحني… وقبّلي قدمي."
ظلّت راما صامتة، نظرت إلى عينيها مباشرة… لم تخشَ شيئًا.
وقبل أن تهمّ بأي حركة، انزلقت في أنف لارينا تلك الرائحة… رحيق شاحب، لكنه واضح… مسكر، يشبه الحنين، يشبه نجاةً مباغتة وسط الطوفان.
شعرت لارينا بجسدها يبرد.
ارتخى توترها، انفرجت قبضتاها دون وعي، وسقطت شظايا حنقها على الأرض.
بينما راما… دارت ببساطة، ومضت في طريقها كأن الأمر كله لم يكن.
ظلّت لارينا في مكانها، تتنفس بعمق، عيناها تلاحق طيف راما حتى توارى، وداخلها يتآكل من سؤال لا تملك له جوابًا.
"قف في مكانك."
صرخت لارينا.
استدارت راما بوجه مبتسم وتركت لارينا تقترب منها مثل المدمنة.
امسكت لارينا يد راما وتشممتها.
"انحني."
أمرتها راما.
انحنت لارينا دون إرادتها.
"قبّلي قدمي."
طبعت لارينا قبلتها على قدم راما غير واعية بنفسها.
"إذا أردتي أكثر، أحضري لغرفتي مساء الليلة."
ثم تركتها راما راكعة وسط الرواق غير واعية بما حولها.
رواية فتيات القصر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
تسلل المساء بهدوئه المعتاد، وألقى القصر بثقله على الأجنحة والممرات، لكن قلب لارينا لم يعرف السكون.
كانت تمشي بخطى مضطربة في جناحها، تتوقف أمام المرآة ثم تعود إلى النافذة، تتلمس بشرتها، تتحسس عنقها، وكل شيء فيها يطلب شيئًا لا تعرف كيف تسميه… لكنه يسكن في مكان واحد فقط.
غرفة راما.
في البدء قاومت، ثم استسلمت.
قلبها يدق طرقات عنيفة، حتى خُيّل إليها أن صدى نبضها يسمعه الخدم خلف الجدران.
عند منتصف الليل، تركت جناحها بخطى حافية.
ارتدت وشاحًا خفيفًا فوق قميص النوم، شعرها مبعثر، وعيناها زائغتان.
الممرات شبه معتمة… مصابيح الزيت تخفت رويدًا، والخدم نيام.
اقتربت من باب غرفة راما.
كانت الرائحة تسبقها… أهدأ من النسيم، لكنها أقوى من أي نداء.
دفعت الباب بحذر، فوجدته مواربًا كأنما ينتظرها.
في الداخل، وقفت راما قرب النافذة، ظهرها إليها، شعرها الأسود الطويل مرسل على ظهرها.
لم تتكلم.
تركت لارينا تتقدم.
خطوة… ثم خطوة… حتى توقفت خلفها.
استدارت راما ببطء، وعيناها تقرآن كل الضعف المختبئ في ملامح لارينا.
ابتسمت ابتسامة هادئة، ثم أشارت بإصبعها إلى الأرض أمامها.
"اركعي."
لم تتردد لارينا هذه المرة.
ركعت، بجسد متخاذل، كما لو أن ساقيها لم تعودا تحت سلطتها.
أنزلت رأسها… يداها على ركبتيها، وعيناها نصف مغمضتين من النشوة الخافتة.
تقدمت راما خطوة، وضعت أصابعها أسفل ذقن لارينا ورفعت وجهها.
قالت بنبرة منخفضة:
"قوليها."
لهثت لارينا، وأجابت بصوت مرتعش:
"أريد… عطركِ."
أمسكت راما بالقارورة الصغيرة الموضوعة على الطاولة، لوّحت بها أمام وجهها.
"ليس قبل أن تعرفي قدرك."
مرّرت القارورة على رقبة لارينا دون أن تسمح لها باستنشاق الرائحة، ثم قربتها من أنفها فجأة.
استنشقت لارينا دفعة قصيرة.
شهقت، ومال جسدها إلى الأمام.
جلست راما على المقعد تلاعب القارورة بيدها تراقب عيني لارينا المتربصة بالقارورة، ثم هزت قدمها.
"قبّلي قدمي."
وبلا كلمة… أمسكت لارينا بطرف ثوب راما، وأزاحته قليلًا، ثم انحنت تطبع قبلة متوسلة على قدمها اليسرى… ثم اليمين، عيناها دامعتان، وشفتيها ترتجفان.
راما لم تمنعها.
تركتها تنهل من الرائحة كما أرادت… قربت القارورة، وسمحت لها باستنشاق الدفقات الأولى.
ثم دفعتها برفق إلى الأرض.
"هذا نصيبك الليلة. وإذا أردتِ المزيد…"
انحنت راما إلى مستوى أذنها، وهمست:
"تعرفين أين تجدينني."
غادرت لارينا الغرفة بعدها مترنحة… عيناها مخدرّتان، وفمها نصف مفتوح، كأنها عادت من عالم آخر.
في تلك الليلة… نامت لارينا لأول مرة بهدوء.
لكنها — من أعماقها — أدركت أنها لم تعد تملك نفسها.
الرائحة، وراما… صارتا السيدتين الحقيقيتين لهذا القصر.
---
في اليوم التالي، كان القصر في سكونه المعتاد، لكن شيئًا غير مرئي علِق بالهواء.
العيون التي اعتادت أن تلتقط خطوات راما في أروقة القصر، اختفت عنها آثارها.
لم تمر من الممرات المعتادة.
لم تقترب من مطبخ الخدم وقت الفجر.
ولا ظهرت مع بقية الفتيات حين اصطفن لترتيب أغراض الزهريات.
راما اختفت.
اعتكفت في الحديقة.
في الركن الأبعد، خلف شجيرات البوغنفيليا المتدلية، حيث الزهور البيضاء والصفراء تتشابك مع أغصان شجرة توتٍ قديمة.
جلست هناك، ترتدي ثوبًا بسيطًا، شعرها مسدَل بلا ترتيب متعمد، ويدها تتأمل قارورة صغيرة شفافة لا تفارق راحتها.
لم تكن عزلتها صدفة… بل قرار.
كانت تعرف أن لارينا ستبحث عنها بعينين جائعتين، وستتلفت يمنة ويسرة كلما مرت بمكانٍ لم يكن لرائحته حضور.
تجنّبتها بدهاء.
كلما لمحت ظلها من بعيد، انحرفت في الاتجاه المعاكس.
تسير بهدوء بين الدروب الترابية، تمرر يدها على رؤوس أزهار السوسن، تتنفس بعمق، وتجلس طويلًا عند شجرة النارنج.
حتى أن بعض الخادمات لاحظن الغياب:
"أين راما؟ لم أرها هذا الصباح."
"بالحقل الخلفي… وحدها."
كانت لارينا تجوب أروقة القصر كما لو أنها تبحث عن شيء أضاعته.
عيناها مضطربتان… تقف أمام الممر حيث انحنت بالأمس دون إرادة، تتحسس مكان وقوفها… وكأن الرائحة بقيت هناك، تحاصرها من فراغ.
في كل زاوية كانت تسأل نفسها: أين هي؟ ولماذا غابت؟
وكلما اشتد غياب راما، تضاعف اضطراب لارينا.
في الحديقة، لم تكن راما فقط تختبئ… بل كانت تمارس طقسًا داخليًا.
جلست تحت ظلال الشجرة العتيقة، قارورة العطر في يدها، تتفحصها كما لو كانت سرًا لا يملكه سواها.
أخذت ترش نقطة على منديل صغير، تقرّبه من أنفها… ثم تغلق القارورة بعناية وتعيدها إلى جيبها.
في عزلتها تلك، زارها سهاد حارس الحديقة:
"هل تأمرين بشيء يا آنسة راما؟"
أجابت دون أن ترفع رأسها:
"لا شيء… فقط دع المكان هادئًا."
ثم عادت لصمتها.
في هذه العزلة، كانت تُجيد إدارة الغياب.
تعرف أن الشوق يصنع من الغياب مملكة لا تقهر.
ولم يكن من الصعب عليها أن تتوقع… أن لارينا ستنهار قبل المغيب.
سأكون سيدة القصر الحقيقيه، لقد تحملت بما فيه الكفايه.
سأجعلهم يدفعون الثمن أضعاف أضعاف.
على مائدة العشاء لم تظهر راما.
سألت لارينا:
"أين راما؟ هل رآها أحد اليوم؟"
نظر الخدم إلى بعضهم:
"كانت في الحديقة… آنسة لارينا."
"لم يلمحها أحد بعد ذلك."
بيد مرتعشة تناولت لارينا طعامها، وسقط منها فنجان القهوة عندما همت بشربه.
صرفت الخدم باكرًا، كل واحد تجاه غرفته.
---
توقفت لارينا أمام باب غرفة راما.
لم يكن أحد في الممر الطويل، وحدها تواجه الخشب المغلق، يتردد بداخلها صوتٌ مكسور:
"إن لم تدخلي الآن… لن تغفر لك راما هذا الجبن."
رفعت يدها، طرقت طرقات خفيفة… لم يأتِها رد.
دفعت الباب بخفة.
الغرفة شبه معتمة، لا يضيئها سوى شمعة واحدة عند طرف السرير.
عطر مألوف يسكن الهواء… ذلك المزيج الحار من المسك وخشب الصندل.
وهناك… جلست راما.
في منتصف الغرفة، على مقعد منخفض، شعرها مسدَل، وعيناها ثابتتان على اللاشيء.
عندما دخلت لارينا، لم تلتفت.
بل قالت بصوت خافت… حاد كالسيف:
"أغلقي الباب."
فعلت لارينا.
ثم صمت.
ظلّت واقفة عند الباب لا تعرف إن كانت يجب أن تتقدم أو تعتذر أو تهرب.
لكن راما لم تمنحها تلك الرفاهية.
"اقتربي."
خطت ببطء.
وحين صارت قربها… رفعت راما عينيها، نظرة قاتمة هادئة… لا تحمل لومًا، بل شيء آخر… شيء يصعب تسميته.
قالت:
"ارفعي رأسك."
رفعت لارينا رأسها… عيناها مرتجفتان.
راما تمتمت:
"اذهبي… وهاتِ السوط من الصندوق الأسود في الزاوية."
كانت الصدمة تعبر وجه لارينا للحظة… لكنها لم تعترض.
تقدّمت بخطوات متثاقلة نحو الصندوق الخشبي الأسود.
فتحته.
السوط هناك… ملفوف بعناية، جلده داكن، مقبضه محكم.
أمسكته بيد مرتجفة، ثم عادت به.
"قدّميه."
مدّت يدها… أخذت راما السوط من يدها… ببطء.
ثم قالت:
"اركعي."
نظرة لارينا لم تطلب شفقة… كانت تعرف أن هذا قادم.
بل أنها في قرارة نفسها… انتظرته.
ركعت.
راما وقفت.
جسدها ساكن، لكن عينها لا ترمش.
قالت:
"عندما أخبرك أن لا تقتربي… لا تقتربي. عندما أمشي… لا تتبعيني. عندما أغيب… لا تبحثي عني. أفهمتِ؟"
همست لارينا:
"نعم."
ثم… جلدت راما لارينا.
ضربة أولى.
ثانية.
ثالثة.
الصوت يرن في الغرفة، جلد يصفع لحمًا.
لم تصرخ لارينا.
لم تبكِ.
بل ثبتت رأسها في الأرض.
وكأنها تمارس طقسًا تعرفه منذ ألف عمر.
حتى توقفت راما.
ألقت السوط على الأرض.
ثم جلست على المقعد من جديد.
قالت:
"اخرجي."
لارينا… التي ما زالت على ركبتيها… رفعت رأسها لحظة.
عيناها محمرتان… لكن ليس من دموع.
بل من شيء آخر.
ثم قامت… سارت نحو الباب… وقبل أن تغادر، توقفت، همست:
"أحتاجك."
ثم خرجت.
وأغلقت الباب خلفها.
رواية فتيات القصر الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الأمسية تقترب من خفوتها، حين دوّى صوت لارينا في صالة الخدم:
ــ اجمعوا الجميع… الآن.
اصطف الخدم في صمت مشوب بالحذر، ووقفت راما وحدها في المنتصف، شعرها معقوص بعنف، وثوبها الأبيض المتواضع يوحي بالبراءة أكثر مما ينبغي. أما عيناها… فكان فيهما تحدٍّ غامض.
اقتربت لارينا تحمل السوط المخصص للعقوبات الداخلية. رمقتها بنظرة كأنها تعلن موتًا مؤقتًا.
ــ راما خالفت قوانين القصر. ستنال جزاءها أمامكم.
دون تردد، هوى السوط على ظهر راما. صرخة خافتة خرجت منها، لكنها بقيت ثابتة.
ضربة ثانية.
ثالثة.
حتى بدت أنفاس الحاضرين تتقطع، وبدأت بعض الخادمات يرتجفن.
لكن قبل أن تهوي الضربة التالية، رفعت راما رأسها، وصاحت بنبرة أربكت الحضور:
ــ توقفي! لن أقبل هذا… السيد وحده من يقرر عقابي.
صمت مطبق خيّم على المكان. خرقت القوانين… جهرًا. لم يسبق لخادمة أن فعلت ذلك.
نظرت لها لارينا، ارتجف فكّها للحظة… لكنها تماسكت، ثم استدارت نحو الحارس:
ــ اذهب… أبلغ السيد أن راما رفضت العقوبة… وخرقت قوانين القصر.
بعد دقائق، جاء الرد سريعًا. بنبرة جامدة كأنها آتية من غرفة لا تعرف الرحمة:
ــ تُحضر راما إلى غرفتي. فورًا.
نظر الخدم إلى بعضهم في خوف، بينما ابتسمت راما ببطء، كأنها انتزعت شيئًا من المصير بيديها.
***
تقدّمت راما عبر الممر الطويل المؤدي إلى غرفة السيد. خطاها خفيفة كأنها تخشى أن توقظ شيئًا نائمًا بين الجدران. تحت ثوبها الأبيض الممزق عند الكتف، أخفت القارورة الصغيرة بين ضلوعها. قلبها ينبض، لكن ملامحها لم تشِ بشيء.
حين فُتح الباب، كان السيد جالسًا في مقعده الكبير. الظلال تتكثف خلفه. لم يرفع نظره فور دخولها. فقط أشار إلى الأرض أمامه.
ــ اجثي.
امتثلت. ركبتيها لامستا الأرض الباردة. رفعت عينيها إليه… وابتسمت.
ــ تعرفين ما أنتِ مدعوة من أجله؟
هزّت رأسها.
في لحظة واحدة، أمسكها من شعرها بعنف، جذبها نحوه.
ــ تجرؤين على مخالفة قوانيني أمام الخدم؟ أمام لارينا؟
لم تُجب. نظراتها ظلت معلّقة بعينيه.
ضربها بكفّه على وجنتها. صوت الصفعة ارتد في الغرفة. ثم أخرى.
أمرها:
ــ ضعي يديك على الطاولة.
امتثلت. جلدها العاري ممدود، وراح العقاب ينهمر: سوط جلدي عريض، ضربات منتظمة، تحفر خريطة ألم على ظهرها.
لكنها لم تصرخ.
حين أنهى، ظل واقفًا فوقها، يتأمل جسدها المرتجف.
عندها… بلطف متعمد، التفتت إليه. همست:
ــ سيدي… أرجوك… اسمح لي أن أصلح خطئي بطريقتي.
لم يمنعها.
اقتربت. جلست بخفة على ساقه. كتفها العاري لامس سترته الداكنة. نظرت إليه من أسفل رمشيها، شفتاها مرتجفتان، ثم أدارت وجهها إلى عنقه، تظاهرت كأنها تطلب الصفح. وفي تلك اللحظة… أخرجت القارورة من كمّ ثوبها، وبخفة أنثى تعرف مكرها، ضغطت رشّة خفيفة من العطر على ياقة سترته.
لم يلحظ شيئًا.
ثم تمادت… قطرة خلف أذنه.
أنفاسها تلامس جلده، وهمست:
ــ سامحني.
استنشق العطر… شيء غريب، لم يكن كأي شيء يعرفه. رائحة كثيفة خافتة تتسلل ببطء.
تركها على ساقه للحظة، نظراته شاردة.
أما راما… فابتسمت في قلبها.
***
عيناها لا تزالان معلّقتين به، وعلى زاوية شفتيها ظلال ابتسامة يصعب التمييز إن كانت خضوعًا أم سخرية. بقيت جالسة للحظة فوق ساقه، ساكنة، تسمح للعطر أن يتمادى ويتشبّث بملابسه وجلده.
ثم بحركة بطيئة، نهضت. يدها مرّت برفق على صدره، كأنها ترتّب ياقة سترته، تثبت العطر حيث أرادت.
قالت بصوت خافت:
ــ أشكرك، سيدي… على عدلك.
ثم تراجعت خطوتين للوراء. عينيها لا تزالان تلحقان نظرته التي بدت مشتتة للحظة، كأنه يطارد شيئًا خفيًا لا يُمسك.
انحنت أمامه، حركة طويلة مبالغ فيها، كأنها خادمة تلعب دور التوبة.
ثم استدارت. سارت بخطى واثقة نحو الباب، جسدها يئن من آثار السوط لكنه مستقيم. وقبل أن تغلق الباب خلفها، أرسلت نظرة خاطفة نحوه… كان لا يزال جالسًا، يستنشق أثر العطر دون أن يعي من أين بدأ.
أغلقت الباب بهدوء.
وانسحبت.
في الممر، لم تستطع كبح تلك الابتسامة الصغيرة.
عقاب؟
***
جلس السيد في غرفته، عيناه تُراقبان ببطء عبق العطر الذي بدأ ينتشر في الأجواء. تنفس بعمق، يحاول أن يضبط أعصابه، لكنه وجد نفسه يغوص في ذلك الإحساس الغريب الذي لا يقدر على تفسيره بسهولة. العطر لم يكن مجرد رائحة، بل كان يحمل رسالة خفية، تحديًا مستترًا من راما.
خارج الغرفة، في جناحها، دخلت راما متثاقلة الخطى، جسدها ما زال يعبّر عن ألم العقاب، لكن عينيها كانت تلمعان بثقة لا تهتز. التقت بنظرات لارينا التي كانت تنتظرها كالطائر الذى فقد جناحيه.
قالت لارينا بصوت مرتعش:
— لقد أخطأتِ يا سيدتى، عاقبنى، لم يكن على ان اطيع اوامرك بجلدك.
ابتسمت راما بابتسامة هادئة، وأجابت:
— لا بأس لقد نفذتى الأوامر وتستحقى جائزتك.
فتحت قنينة ألعطر وسمحت للارينا ان تستنشق الترياق الذى يمنحها السلام.