تحميل رواية «فتيات القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة الأجرة أمام منزل قديم شاسع، واجهته الملفته ذات اللون الباهت غريبة الديكور. في شرفاته المشرعة التي بدت على أكمل وجه رصت أصائص زهور، البينجا والأرث والفيكا والاسبنس. شيء يذكرك بحديقة جدتك في آخر أيامها. وعلى درج المنزل فرشت سجادة دمشقية نبيتيّة اللون توصلك لباب عريض من ضلفتين تغطيه أزهار الباجا ومقبضه الحديدي دائري الشكل تتوسطه فتاة قزمة ضئيلة جدا بحجم عقلة الإصبع. أخرجت راما ورقة صغيرة مكرمشة، تأكدت من العنوان قبل أن تطرق الباب الذي خلا من أي جرس بخجل مفرط. حتى الآن لا تعرف كيف انتهى...
رواية فتيات القصر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
في الغرفة المعتمة، حيث لا صوت إلا خفوت ألسنة اللهب في المدفأة، بدأ عبق العطر يتسلل رويدًا... لم يكن الأمر واضحًا في البداية. مجرد رائحة عابرة، خافتة. لكن مع مرور الدقائق، صار الهواء أثقل، يشبه لمسة يد خفية تداعب أعصاب من يستنشقه.
السيد جالس في مقعده الوثير، عيناه نصف مغمضتين، وكأن شيئًا غير مرئي يحاول أن يتسرب إلى جلده.
رفع رأسه قليلًا، تنشق الرائحة بعمق... عبير غامض لم يعرف مصدره، كأنه يستحضر ذكرى لا يتذكرها.
أطبق جفنيه لحظة... ثم قام من مكانه.
اتجه نحو الجهاز القديم قرب المدفأة، وأدار أسطوانة قديمة لباخ. المقطوعة تسللت ناعمة... موسيقى شبيهة بالخدوش الدافئة على جدران الذاكرة.
عادت الرائحة تطوف حوله.
دون أن يشعر، خفت الحدة في ملامحه المتجهمة. شيء ما استقر في صدره... لا يشبه ارتياحًا ولا غضبًا. شيء بينهما. تناقض.
جلس قرب المدفأة، نارها تنعكس على ملامحه. تناول كتابًا كان على الطاولة — مجلد جلدي داكن بلا عنوان.
أشعل سيجارته.
الدخان امتزج برائحة العطر، والموسيقى كانت تهمس في الخلفية.
فتح الكتاب... لكنه لم يقرأ.
عينيه ظلتا عالقتين على الصفحة الأولى، فيما أفكاره تنسحب بعيدًا، كأن مفعول العطر ينقله إلى مكانٍ آخر.
وظل هكذا... النيران ترقص، الدخان يتلوى، والموسيقى تملأ الغرفة بشيء يشبه الطقوس القديمة.
ظل جالسًا لدقائق... الدخان ينساب من بين أصابعه، والعطر يملأ الجو بثقل لا يُحتمل.
ثم، وبدون سبب ظاهر... ارتسمت على شفتي السيد ابتسامة باردة، لئيمة، كأنما انتبه فجأة لسرٍ لا يعرفه سواه. تلك الابتسامة لم تكن فيها طيبة، ولا حتى سخرية. بل شيء أقدم من ذلك... كأنها تعود لعهد آخر، لرجل كان يعرف كيف يُخضع العالم بإيماءة.
نهض من مقعده. الموسيقى لا تزال تدور، والنار تتوهج.
اتجه نحو الشرفة الواسعة، فتح البابين الخشبيين العتيقين بصوت خافت. الهواء البارد تسلل إلى الغرفة حاملًا معه عطرًا آخر... عطر الليل.
أطلَّ من علٍ على الحديقة الملكية. الأزهار المتفتحة في الظلام كانت تشبه سرب أرواح نائمة. أوراقها ترتجف كأنها تعرف أنها مُراقَبة.
والسماء فوقه... كأن النجوم ذاتها تراقبه من بعيد. نقاط صغيرة من الضوء في سديم أسود كثيف.
رفع السيد يديه ببطء، كأنما يهمُّ بأداء رقصة صامتة... حرك يديه في الهواء بخفة، بإيماءات لا تُشبه شيئًا معروفًا. كأنما يرسم شيئًا لا يُرى.
ثم همس بصوت خفيض... كلمات بلا معنى واضح. لا تشبه لغة البشر، ولا صيغة دعاء. مقاطع مبعثرة، فيها شيء من الغناء وشيء من التهديد.
ـ "ڤالين... نازورا... إسليم..."
اختفت الكلمات في الهواء... لكن النجوم ظلت ساكنة، تراقب.
ظل واقفًا هكذا للحظة، قبل أن يبتسم من جديد.
ابتسامة لا يعرف أحد إلى من وُجِّهت... ولا ما الذي وُعِدَ به حين نطق تلك الكلمات وهو يطل على شرفة غرفة راما.
في ساعة متأخرة من الليل... حين أسلم القصر الكبير أنفاسه للنوم، وغفت الأرواح خلف جدرانه المهيبة، خرجت راما من جناحها كقطرة ماء تسللت من بين الأصابع. خطواتها تعرف الممرات، تحفظ صرير الأبواب، وتتحايل على عيون الحراس النائمين.
تقدمت نحو الحديقة الملكية، حيث تهمس الأزهار للريح. دفعت البوابة بهدوء، فتلقفها الليل بعطره البارد. مشت بين أسرّة الزهور، حتى بلغت مكانًا تعرفه... بقعة يطوقها الياسمين من ثلاث جهات، ويترك الجهة الرابعة مفتوحة للسماء.
جلست هناك. مدت يدها تمسح ندى الأوراق، وراحت تتحدث مع الريح بكلمات لا تشبه البشر:
ـ "خذيني إلى حيث لا أحد يعرف اسمي..."
عيناها مطبقتان، لا تدرك أن هناك من يتتبعها من خلف ستار الظلمة.
فوقها، في الطابق العلوي، عند الشرفة العريضة المطلة على الحديقة، وقف السيد.
لم يهدأ قلبه مذ غادرته قبل ساعات، ورائحة العطر لا تزال متشبثة بملابسه. شيء ما فيه تغير، شيء أرق روحه، جعله كمن يحيا في نصف يقظة.
وقف هناك، متكئًا بكفه على الدرابزين الحجري، عيناه معلقتان بتلك الظلال بين الأزهار.
ورآها.
راما... بثوبها الأبيض المتسخ بآثار النهار، وشعرها المنسدل على كتفيها. تجلس وسط الياسمين كحكاية قديمة ترفض أن تموت. الريح تلامسها، والزهور تحاول الاقتراب.
ابتسم السيد بلؤم خافت.
لم يعرف لماذا.
ثم فتح ذراعيه ببطء... حركة بطيئة كأنه يراقص الليل. همس بكلمات لا معنى لها، ألفاظ غريبة خرجت من بين شفتيه، كأنها تعويذة ضائعة منذ قرون.
النجوم كانت تراقب.
والعطر ما زال يتسلل من سترته.
أما راما... فظلت غافلة، تناجي الريح.
والسيد... لم يشأ أن يوقف المشهد.
رواية فتيات القصر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
في تلك الليلة، عادت راما إلى غرفتها بثقل جسدها وأثر السياط يلسع ظهرها مع كل خطوة.
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى سقطت على الأرضية الباردة، متكئة على الحائط.
الحجرة شبه معتمة، سوى ضوء الشمعة الذي يتراقص بجوار النافذة.
كانت أنفاسها متقطعة، وكتفاها يتشنجان مع كل وخزة ألم.
جلست هناك طويلًا، تتأمل خطوط الخشب في السقف، تستدعي شريط ما حدث…
عين السيد، ابتسامته، وضرباته التي لم تكن لتعاقبها بل لتكسر وهم سيطرتها.
لم تصرخ.
لم تسمح لنفسها بالانهيار أمام الخدم، ولا أمامه.
لكن الآن… كانت وحدها.
نزعت ما بقي من ملابسها الملطخة، ولمست بإصبع مرتعش أثر الضربات على ظهرها.
الألم حاد، لكنه مألوف. وجع قديم يعود بطعم جديد.
لم تنتظر طويلًا.
مع أول خيوط سكون الليل، فتحت باب غرفتها بصمت، متسللة نحو الباب الخلفي المؤدي إلى الحديقة.
عرفت أن الجميع نائمون الآن، وليل القصر يبلع الأسرار.
خرجت من بوابة القصر، متوجهة نحو التلّة القريبة خلف الأسوار.
الهواء هناك كان أكثر نقاء، ورائحة العشب الرطب تمتزج بنسيم الليل.
انحنت تجمع الأعشاب التي تعرف أسرارها…
زهرة السِّندروس — لتهدئة الألم العضلي.
عشبة السَذاب — لخفض التورم.
ورق السِّمحاق — لتخفيف أثر الكدمات.
وورقتان من الياس البري، لعطرهما ودفئهما في المزيج.
لم تستعجل.
كانت تعرف أين تنمو هذه النباتات حتى في عتمة الليل.
بعد أن جمعت ما يكفي، عادت بصمت.
في غرفتها، أشعلت موقدًا صغيرًا.
وضعت الأعشاب في إناء نحاسي صغير مع قطرات من زيت الياسمين والمسك، وشرعت تخلطها.
الروائح بدأت تتصاعد، تهدّئ الهواء المشبع برائحة الدم.
أعدّت من المزيج دهانًا دافئًا، دلكت به ظهرها، تكتم شهقة الألم مع كل لمسة.
ثم أفرغت بعضًا من المزيج في زجاجة صغيرة، وأضافت إليه قطرات من عطرها الخاص…
العطر الذي تخفي فيه أسرارها.
عطر الأثر — كما تسميه.
مزيج يربك العقول، يثير الحواس، ويترك في الهواء أثرًا يشبه أثر الحلم.
حين فرغت، جلست أمام المرآة، تنظر إلى انعكاسها بعينين متعبتين…
لكن فيها شيء آخر.
ليس فقط الألم… بل الغيظ.
حين هدأت جلبة القصر وغفت الأرواح المتعبة، سُمِع طرقٌ خفيف على باب غرفة راما.
ثلاث نقرات مترددة، كأن يد الطارق تخشى أن تُسمع.
رفعت راما رأسها عن الوسادة، عيناها المتعبة تضيئهما بقايا ضوء الشمعة.
عرفت الطَرق… لارينا.
"ادخلي."
قالتها بصوت خافت، لكنه آمر.
انفتح الباب ببطء، وظهرت لارينا.
لم تكن تلك السيدة الواثقة ذات القوام المنتصب والابتسامة المستفزة التى جلدتها منذ سويعات.
كانت الآن… مكسورة.
ثوبها منزوع الأكمام، شعرها مبعثر، وعيناها متورمتان من البكاء.
خطوة بطيئة… ثم خطوة… حتى وصلت منتصف الغرفة وتوقفت، لا تجرؤ على النظر في وجه راما.
"أ… أنا… أتيت…"
نبرة متكسرة، اختلط فيها الخوف بالذل.
رمقتها راما طويلًا.
رأت ما أرادت رؤيته هذا الانكسار، هذا الاحتياج.
"من الذي كسرك هكذا يا لارينا؟ أليس هذا ما كنتِ تتلذذين برؤيته في وجهي؟"
قالت راما وهي تجلس في مكانها، دون أن تقف، دون أن تعطف.
همست لارينا، ويداها تتشابكان بقوة:
"أنا… لا أحتمل… راسي… يتفجر… مزاجي… أنتِ وحدك تملكين العطر… عطر الأثر… رجوتك… أعطني… بضع قطرات… فقط…"
أنا اسفه، اذا لم اجلدك كان السيد سيطردنى
ارجوك اقبل قدمك ارحمينى
سكون.
ثم اعتدلت راما، ووقفت أمام طاولة العطور.
حملت الزجاجة الصغيرة، قلبتها بين أصابعها.
رائحة الياسمين والمسك وشيء خفي لا يُسمّى.
استدارت إليها.
"ولماذا أمنحك إياه؟"
سؤال ناعم، لكنّه كالخنجر.
جثت لارينا على ركبتيها.
نعم… جثت.
"أرجوكِ… راما… أرجوكِ… سأفعل أي شيء… أي شيء…"
انهارت دموعها، غطّت وجهها.
ظلت راما صامتة، ترقب هذا المشهد كملكة تشاهد سقوط خصمها.
ثم اقتربت، وقرفصت أمامها.
رفعت ذقن لارينا بإصبعها، وأجبرتها على النظر في عينيها.
"تذكّري جيدًا هذه اللحظة اذا فعلتى اى شيء على غير ارادتى يا لارينا سيكون عقابك صادم"
ثم سكبت بضع قطرات من العطر على معصم لارينا.
رائحة دافئة، مخدّرة، تغزو أنفها.
توقفت رعشة يديها.
هدأت شهقاتها.
شهقت لارينا كمن ابتلع الحياة في زفير واحد، وأغمضت عينيها.
راما ابتسمت.
لا شفقة فيها… بل سيطرة.
همست لها عند أذنها:
"ستعودين غدًا… كما أنتِ… تطلبين المزيد."
اخرجى لا اريد ان يزعجنى أحد
في الليلة التالية، جلست راما وحدها في جناحها، زجاجات العطور مصطفّة أمامها، لكن عيناها تستقران على واحدة فقط.
زجاجة صغيرة، شفافتها تُخفي سائلًا بلون العسل الداكن، يلمع تحت ضوء المصباح كجمرة راكدة.
مدّت يدها إليها، رفعتها ببطء كما لو كانت تحتضن سرًّا قديمًا، ثم أفرغت بضع قطرات في وعاء زجاجي أصغر، وبدأت تُضيف إليه مكونات أخرى —
لمسة من خلاصة العنبر، قطرة من زيت زهرة الليل، ونقطة من خلاصة الراتنج الأسود الذي لا يُستخرج إلا من شجرة واحدة في أطراف الغابة المحرّمة…
كل مكوّن يسقط في السائل كان كأنه يهمس باسم السيد.
اسم من علّمها الخضوع.
من أذلّها يومًا.
راما تعرف الآن…
العطر الأول كان مجرد بداية.
مجرد غلالة خفيفة تهيّج الدم وتربك الروح.
لكن هذه… الجرعة القادمة… ستسري في دمائه كما يسري السم البطيء، تعلق بأوردته، تضعف يقظته، تجعل من مزاجه رهينة أنفاسها… دون أن يشعر.
وحتى لو أنكر، حتى لو احتفظ بجبروته وكبريائه، فهي تعرف…
رأت ذلك في عينيه.
في بطء قراراته.
في التوهج الخافت الذي يمر بعينيه كلما مرّت بقربه تحمل العطر.
في تلك اللحظة الصغيرة، حين يتوقف للحظة قبل أن يتذكّر أنه السيد.
أعدّت راما الزجاجة الجديدة، قطّرتها في قارورة أصغر، واحتفظت بها في صدّتها، قريبًا من قلبها.
همست لنفسها:
"كل شيء في وقته… سأطعمه منكهات أشد… وسأكون صبورة. لن أستعجل… الانتقام الذكي يحتاج نفَسًا أطول من الظلم."
كانت تعلم أن القصر كله سيبدأ شيئًا فشيئًا بالشعور بتأثير هذا العطر.
في الجو.
في الدم.
في الليل.
أما السيد… فستجعله يُقبل على هذه الرائحة بلا وعي، بلا إرادة.
وسيأتي يوم — وهي واثقة — يناديها فيه من عليائه، لا لأمر… ولا لغضب… بل فقط ليشمّ أثرها.
ابتسمت راما لنفسها، وأغلقت الزجاجة.
في الغد… ستكون أولى الجرعات.
رواية فتيات القصر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
في تلك الليلة، عادت راما إلى غرفتها بثقل جسدها وأثر السياط يلسع ظهرها مع كل خطوة.
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى سقطت على الأرضية الباردة، متكئة على الحائط.
الحجرة شبه معتمة، سوى ضوء الشمعة الذي يتراقص بجوار النافذة.
كانت أنفاسها متقطعة، وكتفاها يتشنجان مع كل وخزة ألم.
جلست هناك طويلًا، تتأمل خطوط الخشب في السقف، تستدعي شريط ما حدث… عين السيد، ابتسامته، وضرباته التي لم تكن لتعاقبها بل لتكسر وهم سيطرتها.
لم تصرخ.
لم تسمح لنفسها بالانهيار أمام الخدم، ولا أمامه.
لكن الآن… كانت وحدها.
نزعت ما بقي من ملابسها الملطخة، ولمست بإصبع مرتعش أثر الضربات على ظهرها.
الألم حاد، لكنه مألوف. وجع قديم يعود بطعم جديد.
لم تنتظر طويلًا. مع أول خيوط سكون الليل، فتحت باب غرفتها بصمت، متسللة نحو الباب الخلفي المؤدي إلى الحديقة.
عرفت أن الجميع نائمون الآن، وليل القصر يبلع الأسرار.
خرجت من بوابة القصر، متوجهة نحو التلّة القريبة خلف الأسوار.
الهواء هناك كان أكثر نقاء، ورائحة العشب الرطب تمتزج بنسيم الليل.
انحنت تجمع الأعشاب التي تعرف أسرارها…
زهرة السِّندروس — لتهدئة الألم العضلي.
عشبة السَذاب — لخفض التورم.
ورق السِّمحاق — لتخفيف أثر الكدمات.
وورقتان من الياس البري، لعطرهما ودفئهما في المزيج.
لم تستعجل. كانت تعرف أين تنمو هذه النباتات حتى في عتمة الليل.
بعد أن جمعت ما يكفي، عادت بصمت.
في غرفتها، أشعلت موقدًا صغيرًا. وضعت الأعشاب في إناء نحاسي صغير مع قطرات من زيت الياسمين والمسك، وشرعت تخلطها.
الروائح بدأت تتصاعد، تهدّئ الهواء المشبع برائحة الدم.
أعدّت من المزيج دهانًا دافئًا، دلكت به ظهرها، تكتم شهقة الألم مع كل لمسة.
ثم أفرغت بعضًا من المزيج في زجاجة صغيرة، وأضافت إليه قطرات من عطرها الخاص… العطر الذي تخفي فيه أسرارها.
عطر الأثر — كما تسميه.
مزيج يربك العقول، يثير الحواس، ويترك في الهواء أثرًا يشبه أثر الحلم.
حين فرغت، جلست أمام المرآة، تنظر إلى انعكاسها بعينين متعبتين… لكن فيها شيء آخر.
ليس فقط الألم… بل الغيظ.
حين هدأت جلبة القصر وغفت الأرواح المتعبة، سُمِع طرقٌ خفيف على باب غرفة راما.
ثلاث نقرات مترددة، كأن يد الطارق تخشى أن تُسمع.
رفعت راما رأسها عن الوسادة، عيناها المتعبة تضيئهما بقايا ضوء الشمعة.
عرفت الطَرق… لارينا.
“ادخلي.”
قالتها بصوت خافت، لكنه آمر.
انفتح الباب ببطء، وظهرت لارينا.
لم تكن تلك السيدة الواثقة ذات القوام المنتصب والابتسامة المستفزة التى جلدتها منذ سويعات.
كانت الآن… مكسورة.
ثوبها منزوع الأكمام، شعرها مبعثر، وعيناها متورمتان من البكاء.
خطوة بطيئة… ثم خطوة… حتى وصلت منتصف الغرفة وتوقفت، لا تجرؤ على النظر في وجه راما.
– “أ… أنا… أتيت…”
نبرة متكسرة، اختلط فيها الخوف بالذل.
رمقتها راما طويلًا.
رأت ما أرادت رؤيته هذا الانكسار، هذا الاحتياج.
– “من الذي كسرك هكذا يا لارينا؟ أليس هذا ما كنتِ تتلذذين برؤيته في وجهي؟”
قالت راما وهي تجلس في مكانها، دون أن تقف، دون أن تعطف.
همست لارينا، ويداها تتشابكان بقوة:
– “أنا… لا أحتمل… راسي… يتفجر… مزاجي… أنتِ وحدك تملكين العطر… عطر الأثر… رجوتك… أعطني… بضع قطرات… فقط…”
أنا اسفه، اذا لم اجلدك كان السيد سيطردني.
ارجوك اقبل قدمك ارحمينى.
سكون.
ثم اعتدلت راما، ووقفت أمام طاولة العطور.
حملت الزجاجة الصغيرة، قلبتها بين أصابعها.
رائحة الياسمين والمسك وشيء خفي لا يُسمّى.
استدارت إليها.
– “ولماذا أمنحك إياه؟”
سؤال ناعم، لكنّه كالخنجر.
جثت لارينا على ركبتيها.
نعم… جثت.
– “أرجوكِ… راما… أرجوكِ… سأفعل أي شيء… أي شيء…”
انهارت دموعها، غطّت وجهها.
ظلت راما صامتة، ترقب هذا المشهد كملكة تشاهد سقوط خصمها.
ثم اقتربت، وقرفصت أمامها.
رفعت ذقن لارينا بإصبعها، وأجبرتها على النظر في عينيها.
– “تذكّري جيدًا هذه اللحظة. اذا فعلتى اى شيء على غير ارادتى يا لارينا سيكون عقابك صادم.”
ثم سكبت بضع قطرات من العطر على معصم لارينا.
رائحة دافئة، مخدّرة، تغزو أنفها.
توقفت رعشة يديها.
هدأت شهقاتها.
شهقت لارينا كمن ابتلع الحياة في زفير واحد، وأغمضت عينيها.
راما ابتسمت.
لا شفقة فيها…بل سيطرة.
همست لها عند أذنها:
– “ستعودين غدًا… كما أنتِ… تطلبين المزيد.”
اخرجى لا اريد ان يزعجنى أحد.
________________
في الليلة التالية، جلست راما وحدها في جناحها، زجاجات العطور مصطفّة أمامها، لكن عيناها تستقران على واحدة فقط.
زجاجة صغيرة، شفافتها تُخفي سائلًا بلون العسل الداكن، يلمع تحت ضوء المصباح كجمرة راكدة.
مدّت يدها إليها، رفعتها ببطء كما لو كانت تحتضن سرًّا قديمًا، ثم أفرغت بضع قطرات في وعاء زجاجي أصغر، وبدأت تُضيف إليه مكونات أخرى — لمسة من خلاصة العنبر، قطرة من زيت زهرة الليل، ونقطة من خلاصة الراتنج الأسود الذي لا يُستخرج إلا من شجرة واحدة في أطراف الغابة المحرّمة…
كل مكوّن يسقط في السائل كان كأنه يهمس باسم السيد.
اسم من علّمها الخضوع.
من أذلّها يومًا.
راما تعرف الآن… العطر الأول كان مجرد بداية.
مجرد غلالة خفيفة تهيّج الدم وتربك الروح.
لكن هذه… الجرعة القادمة… ستسري في دمائه كما يسري السم البطيء، تعلق بأوردته، تضعف يقظته، تجعل من مزاجه رهينة أنفاسها… دون أن يشعر.
وحتى لو أنكر، حتى لو احتفظ بجبروته وكبريائه، فهي تعرف… رأت ذلك في عينيه.
في بطء قراراته.
في التوهج الخافت الذي يمر بعينيه كلما مرّت بقربه تحمل العطر.
في تلك اللحظة الصغيرة، حين يتوقف للحظة قبل أن يتذكّر أنه السيد.
أعدّت راما الزجاجة الجديدة، قطّرتها في قارورة أصغر، واحتفظت بها في صدّتها، قريبًا من قلبها.
همست لنفسها:
– “كل شيء في وقته… سأطعمه منكهات أشد… وسأكون صبورة. لن أستعجل… الانتقام الذكي يحتاج نفَسًا أطول من الظلم.”
كانت تعلم أن القصر كله سيبدأ شيئًا فشيئًا بالشعور بتأثير هذا العطر.
في الجو.
في الدم.
في الليل.
أما السيد… فستجعله يُقبل على هذه الرائحة بلا وعي، بلا إرادة.
وسيأتي يوم — وهي واثقة — يناديها فيه من عليائه، لا لأمر… ولا لغضب… بل فقط ليشمّ أثرها.
ابتسمت راما لنفسها، وأغلقت الزجاجة.
في الغد… ستكون أولى الجرعات.
رواية فتيات القصر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
في اليوم التالي، استيقظ القصر على غير عادته. خادمات يُسرعن في تنظيف الأروقة، وأقمشة فاخرة تُنقل من المخازن العميقة إلى الغرف العلوية. الهواء مشبع برائحة العطور الثقيلة، وصوت النعال يطرق الأرضيات الرخامية في إيقاع متوتر.
كان الحفل النصف موسمي لخادمات القصور مناسبة لا تتكرر إلا مرتين في العام. قصر بلتريش، ذاك القصر القديم المهيب الذي يعلو ربوةً من الجهة الغربية للمقاطعة، يستضيف فيه السيدات الأعلى مقامًا في خدم القصور الكبرى. حدث فخم، ترتدي فيه الخادمات المختارات أثوابًا مخصوصة، وتُقدّم فيه الأطباق النادرة، ويتراقص فيه الضيوف وسط الأضواء.
الاستعدادات بدأت منذ الفجر.
أُحضرت عربة السيد ذات النوافذ المزينة بزخارف فضية، ووضعت صناديق صغيرة بداخلها تحتوي على هدايا رمزية من القصر لسيدات بلتريش.
كانت لائحة أسماء الخادمات المسموح لهن بالمرافقة معلقة في الردهة الشرقية. اجتمعت الفتيات أمامها، بعضهن يتأمل في أمل، وأخريات يعرفن أن أسماءهن لن تُكتب هناك أبدًا.
لارينا كانت أول المختارات.
وكذلك ميرا، وألين، وسينتيا.
وحين اقتربت راما من الردهة، كانت نظرات الحاضرات تمزج بين الشفقة والخوف والتشفي الصامت.
راما، رغم كونها الأجمل، لم يُكتب اسمها.
وقفت أمام الورقة البيضاء، نظرت للأسماء بهدوء، ثم تراجعت دون أن تترك أثرًا لانكسارها.
في تلك اللحظة، حضر السيد بنفسه.
مهيبًا كعادته، ثوبه الأسود المطرز بخيوط رمادية، نظراته صارمة.
خيم الصمت على المكان.
وقفت لارينا، ما تزال تحت تأثير العطر وإن كان خافتًا الآن، منحته التحيه.
قال السيد بصوت مسموع:
– “لن ترافقنا راما إلى قصر بلتريش.”
صمت.
ثم أضاف:
– “ستبقى في القصر.”
راما كانت تعلم. تعلم أن حرمانها من الحفل ليست مجرد عقاب. بل خطوة أخرى… فالسيد بات يشعر بتلك الرغبة الدفينة لرؤيتها دومًا بين جدران قصره مهزومة مكسورة.
حين مر بقربها، لحظة عابرة… تنفّس دون قصد رائحة الأثر العالق بها.
خفيفة… بالكاد تُلحظ. لكنها علقت هناك… في شيء خفيّ خلف عينيه.
أدار وجهه دون أن ينبس بكلمة.
في صباحٍ رمادي ثقيل، لفّ الضباب حدائق القصر كما لو كان الستار الأخير قبل المشهد الكبير. اصطفّت العربات الملكية أمام البوابة الحجرية العتيقة، حافلة بالعاملين وحاشية السيد.
كانت العربات فاخرة، مُزيّنة بخطوط فضية على خشب أسود لامع، تعلوها شعارات القصر المذهّبة. أحد السقّائين مرّ بجوارها يرش الماء على الأرض لتهدأ الأتربة، بينما خادمات الخزائن يحملن صناديق مكدّسة، تحوي فساتين حريرية وعلب مجوهرات ملفوفة بشرائط حمراء.
في العربة الأولى، جلس السيد وحده — أو هكذا كان يُفترض. لكن لارينا كانت هناك.
تربعت بجواره، بثوب أزرق داكن يفضح بياض كتفيها، وخصلات شعرها مصفوفة بعناية خلف أذنها. كانت تعرف أن جلوسها إلى جواره إعلانٌ عن مكانتها. وابتسامتها الباهتة حملت خليطًا من الانتصار والوجل.
العربة اهتزت قليلًا مع انطلاقها، وتبعها رتل العربات الأخرى. في إحداها جلست ميرال وباقي خادمات الصف الأول، وعلى مقاعد العربات الخلفية تحشّدت الخادمات الأصغر سنًا، وجوههن بين الترقب والحماس، يتهامسن عن تفاصيل الحفل المرتقب في قصر بلتريش.
كانت الصناديق المصفوفة في العربات الأخرى تحوي الهدايا المُخصصة لأسياد قصر بلتريش: أقمشة منسوجة يدويًا، زجاجات عطر ملكي، وصندوق صغير يحوي خنجرًا محفورًا باسم السيد.
راما…
وقفت خلف نافذتها، تتابع موكب الرحيل.
ثوبها البسيط، شعرها الملفوف كيفما اتفق، ويدها تمسك بحدود الشباك… لم يُسمح لها بمرافقة الحاشية. كان قرار السيد صريحًا أن تبقى، بلا تفسير.
رأت لارينا تتمايل بثقة إلى جواره، ورأت الخادمات يضحكن في عرباتهن، ثم انطلقت العربات من البوابة في ضجة أحذية الخيول وعجلات العربات فوق الحصى المبلل.
لم تنطق راما.
فقط أغمضت عينيها حين اختفى الموكب خلف المنحدر.
***
في قصر بلتريش
مع غروب الشمس، بدأ قصر بلتريش يستعد.
الشمعدانات الضخمة أُشعلت في الممرات الواسعة، وأقيمت منصة خشبية ضخمة في الساحة الداخلية، تحيط بها مقاعد مزخرفة للضيوف. أعمدة القصر التفت بشرائط حريرية ذهبية، وروائح زهر الكاميليا الممزوجة بالعود كانت تعبق في الهواء.
العازفون انتشروا قرب المنصة: قيثارات، مزامير نحاسية، وطبولٌ جلدية، كلها تصدح بنغمات من زمن قديم.
الخادمات تهافتن إلى صالونات الزينة، حيث علّقت الفساتين المطرزة وأُحضرت حليّ مستوردة من القصر. ضحكات مكبوتة وأيادٍ مرتجفة ترتب الشعر وتعدل الطرحة.
في الساحة الكبرى، جلس السيد في المقعد الأمامي المخصص له. بجواره لارينا بثوبها الأزرق، تحمل مروحة رقيقة من الريش، تتصنّع الاتزان.
بدأت العروض: راقصات من القصور الشرقية يتمايلن على نغمات قيثارة رتيبة. ثم تقدم مغنٍ أعمى بصوت أجش، أنشد أغنية قديمة عن عشاقٍ ضائعين في حروب الحدود.
توزعت كؤوس العسل المخمّر بين الضيوف. وهدايا القصر وُضعت على مائدة خشبية طويلة ليراها الجميع.
السيدات يتبادلن الابتسامات… الجو متوتر رغم الزينة.
منافسة مستترة، وكل واحدة تقيس خطواتها أمام السيد.
وفي الزاوية، لم تغب راما عن ذهن لارينا، رغم الأضواء.
كل نغمة موسيقية كانت لارينا تشعر بها بين أضلُعها…
في الطابق الجنوبي من القصر، بعيدًا عن ضجيج الخدم المتأهبين لرحيل القافلة، كانت راما قد أغلقت باب غرفتها الخشبي العريض بإحكام.
لم تشعل الشمعدانات جميعها، بل اكتفت بمصباح زيت صغير وضعته على الطاولة، يتراقص ضوءه بين أوعية الزجاج الملون، وأدوات دقيقة مُرتبة بعناية فوق منضدة عريضة.
راما لم تكن خادمة كباقي الفتيات.
كانت تملك معرفة علمية قديمة عن الكيمياء العطرية، ورثتها عن جدتها — السيدة الحكيمة التي عملت يومًا في بلاط ملكي بعيد.
جلست هناك بثوبها البسيط، ويداها الرقيقتان تتحركان بدقة بين القوارير.
على الطاولة:
قارورة صغيرة تحوي زيتًا مركزًا من زهرة البنفسج.
وعاء زجاجي به محلول كحولي مُقطّر بنسبة 70%.
مبخرة فخارية تنبعث منها بقايا بخور الصندل.
وقطعة صغيرة من العنبر الخام.
كانت راما تعمل على تجربة علمية معقدة:
محاولة تثبيت رائحة زهرية سريعة التبخّر باستخدام قاعدة عنبرية دافئة، ما يُطيل بقاءها على الجلد.
استخلصت قطرتين من زيت البنفسج النقي عبر المقطر الزجاجي.
ثم أضافت ثلاث قطرات من محلول كحولي دافئ.
(الكحول يعمل كوسيط لحمل الزيوت الطيّارة ونقلها بسهولة للجلد، ثم يتبخر سريعًا تاركًا الرائحة.)
قطّعت قطعة صغيرة جدًا من العنبر، وأذابتها ببطء فوق مبخرة صغيرة، حتى بدأت تطلق زيتها السائل.
أسقطت قطرة من زيت العنبر الدافئ داخل المزيج البنفسجي.
استخدمت ورقة ترشيح رقيقة لقياس معدل تبخر العطر.
وضعت قطرة من المزيج فوقها، وانتظرت خمس دقائق.
لاحظت أن البنفسج وحده يتبخّر خلال 3 دقائق.
أما مع قطرة العنبر، فظل العطر واضحًا حتى الدقيقة السابعة.
ابتسمت راما، اذآ العنبر لا يُثبّت العطر فقط، بل يُعطي قاعدة دافئة تجعل الرائحة تُطلق تدريجيًا بدلًا من التبخر دفعة واحدة.
أضافت راما قطرتين من خلاصة الورد الدمشقي، للحصول على طبقة وسطى تدوم لفترة أطول، تمنح رقة وسط بين البنفسج والعنبر.
النوتة العليا: البنفسج (تدوم 3 دقائق)
النوتة الوسطى: الورد (تدوم 10 دقائق)
النوتة القاعدية: العنبر (تدوم حتى 20 دقيقة)
راما كانت تدون ملاحظاتها في دفتر جلدي صغير، خط يدها ناعم ومتأنٍ:
> “العنبر ينجح في كسر حدة التبخر السريع للزهر.
لو أضفت طبقة خشبية من خشب الأرز… ربما يدوم العطر ساعة كاملة.”
في تلك اللحظة، فاحت في الغرفة رائحة مزيجها الأول.
رائحة ناعمة، دافئة، تحمل شيئًا من الحنين، تشبه الأماكن التي لا يعود إليها أحد.
كانت وحدها.
ورغم البرد الذي تسلل من النافذة، شعرت بدفء صغير يتسرب من مبخرتها.
لا أحد يطرق بابها.
لا أحد يسأل.
راما لم تكن بحاجة لأيٍّ منهم الآن.
فقد كانت تملك بين يديها شيئًا أصدق من ضحكات الحفل…
عطرًا يحمل توقيعها، لا يعرفه السيد، ولا تتقنه لارينا.
عندما خرجت راما إلى الحديقه شعرت بالدفاء من شمس الشتاء، كانت يدها ملطخه ببقايا ألعطر عندما تمشت فى الحديقه الملكيه وقبل نهاية درب الأشجار وجدت قطه تلعب وحيده تركض خلف الفراشات ،جلست راما ومدت يدها للقطه التى اقتربت منها فى وداعه القطه التى راحت تلعق يد راما
ثم بعد مدة تحركت راما نحو القصر، تبعتها القطه بأستسلام مرعب.
رواية فتيات القصر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
كانت راما تمشي وحدها في الحديقة الخلفية للقصر، بين الشجيرات العطرية وأشجار الليمون، عندما لمحت قطة رمادية صغيرة تجلس فوق سور حجري منخفض، تحدّق فيها بعينين واسعتين يكسوهما بريق غريب.
لم تكن القطة قد اقتربت منها من قبل، بل كانت دائمًا تتوارى عن الخدم والغرباء، لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفًا.
انحنت راما برفق، مدت يدها تداعب رأس القطة، التي رفعت عينيها نحوها بكسل، ثم تقدّمت بخطوتين وراحت تشمّ يدها. كان العطر قد علق بجلد راما منذ لحظات، حين سكبت قطرتين من زجاجة العطر الجديدة.
وما إن اقتربت القطة من أثر العطر، حتى انقلبت ملامحها.
أطلقت القطة صوتًا خافتًا، أشبه بنغمة رضا، ثم بدأت بلعق يد راما بشراهة، تارة عند ظاهر اليد، وتارة أخرى عند المعصم، وكأنها تبحث عن شيء تعرفه جيدًا، شيء تحتاجه ولا تستطيع مقاومته.
راما ضحكت بدهشة، وحاولت سحب يدها بلطف، لكن القطة تشبثت بها بمخالبها الصغيرة دون أن تؤذيها، وأكملت لعقها.
وحين نهضت راما لتكمل سيرها، تبعتها القطة. في البداية ظنتها مجرد لحظة عابرة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن القطة تتعقبها في كل مكان.
رافقتها حتى مدخل القصر، ثم إلى أروقة الممرات الحجرية، تتنقل خلفها بخفة وهدوء، لا ترفع عينيها عن يد راما، وكأن شيئًا ما بداخلها لا يهدأ إلا بتلك الرائحة.
دخلت راما غرفتها، جلست أمام النافذة، ولم تمض لحظة حتى وجدت القطة تقفز إلى داخل الغرفة وتجلس عند قدميها. راحت القطة تقترب من يدها من جديد، وكأنها تطلب منها أن تسمح لها باللعق.
كان واضحًا أن العطر فعل فعلته… شيء في مكونات تلك الرائحة دفع القطة إلى تعلق غريب.
لم تكن تبحث عن راما لذاتها، بل عن أثر العطر في جلدها. كان الأمر أقرب إلى احتياج فطري خام، رغبة حادة في التقرّب من ذلك الأثر.
وهكذا، صارت القطة تتبع راما في كل أرجاء القصر، من الغرف إلى الشرفات، من الردهات المظللة إلى الزوايا المنسية، لا تبتعد ولا تهدأ إلا عندما تتمكن من لعق يدها أو معصمها حيث ما زال العطر عالقًا.
وفي عيني القطة… لم يكن الأمر مجرد لهو. كان أشبه بنداء قديم أيقظه ذلك العطر.
في البداية، لم تنتبه راما سوى لتصرّف القطة الغريب. كانت تظن الأمر محض صدفة أو لعب قطط. لكن مع مرور الأيام، وغياب السيد والخدم ولارينا بسبب العاصفة الثلجية التي استمرت أيام، ومع تكرار المشهد ذاته — القطة تتبعها أينما ذهبت، تلحّ في لعق يدها كلما اقتربت، وتجلس متحفزة كلما رفعت يدها نحوها — بدأ فضول خفي يتسلل إلى راما.
جلست ذات مساء في غرفتها، والقطة عند قدميها، تحدّق في يدها التي خف فيها أثر العطر، وكانت تراقب عيني القطة كيف يتبدّل فيهما شيء ما حين تشمّ الرائحة.
اختبرت الأمر: وضعت بضع قطرات من العطر على منديل صغير، لوّحت به أمام القطة، فهرعت الأخيرة تموء برغبة وتقفز لتمسك بالمنديل.
ضحكت راما، ثم لمعت الفكرة في ذهنها.
في الأيام التالية، صارت راما تختبر الأمر عمدًا. استعملت عطورًا أخرى — بعضها أثمن، بعضها أشد نفاذًا، وبعضها بلا رائحة تقريبًا — تارة تدهن يدها، وتارة تمسح نقطة على طرف منديل، ثم تراقب سلوك القطة.
بعض العطور لم تحرك فيها ساكنًا، وبعضها جعلها تقترب بحذر ثم تبتعد.
أما ذلك العطر الأول… فكلما استعملته، عادت القطة إلى حالتها الأولى: تلحّ، تلعق يدها بلا هوادة، تتبعها في الأروقة، وتجلس قرب الوسادة إذا اختفى الأثر.
لم تكتفِ راما. دفعتها رغبتها في السيطرة واللعب إلى مزج العطور. أضافت نكهة عنبر خفيفة، لم يؤثر. جربت قطرة من زهر البرتقال، فلم تهتم القطة.
وفي ليلة مقمرة، خلطت راما العطر الأصلي بلمسة خفيفة من زيت النيرولي. وضعت القطرتين على معصمها، وما إن عبرت بجانب القطة حتى استدارت هذه بجنون. مواء متوتر، قفزات قصيرة، عيناها تتسعان بوله، تقفز نحو يد راما حتى شمّت الأثر.
هذه المرة، حين غابت الرائحة بعد وقت قصير، لم تهدأ القطة. راحت تموء بشكل متوتر، تقفز نحو راما كلما تحرّكت، تعض أطراف ثوبها برقة، وكأنها تستجديها أن تعيد العطر.
ابتسمت راما، أدركت أنها وجدت التركيبة المثالية.
باتت تختبر القطة يومًا بعد يوم. تمسح نقطة صغيرة على معصمها أو على طرف منديل، ثم تخفيه عنها. في كل مرة، كانت القطة تصبح مضطربة إذا اختفى الأثر، تقفز نحو راما، تموء بعناد، تدور حولها لا تهدأ إلا عندما تشم من جديد.
وهكذا، لم تعد القطة مجرد مرافقة لراما… بل تحولت إلى مقياس حساس لاختبار أي تركيبة تصنعها.
تركت راما أثرًا من العطر قرب وسادتها، وأخفت زجاجة أخرى في الخزانة، وراحت تسجّل في رأسها الملاحظات:
العطر الأصلي وحده: انجذاب ملحوظ.
إضافة النيرولي: رغبة حادة، قلق عند اختفاء الرائحة.
العنبر: لا تأثير.
زهر البرتقال: فتور.
ومع الوقت، صارت راما تعرف متى تبدأ القطة بالمواء، ومتى ستقفز نحوها تطلب الرائحة.
كأنها أدركت أن العطر هذا… يحمل سرًّا لا يفهمه إلا أنف القطة، وربما شيء آخر يتخطّى العطور، شيء أقرب للعبودية.
بمثابرة هائلة واصلت راما تجاربها كل صباح وكل ليلة مع رفيقتها الجديدة التي بدأت تتبعها في كل مكان. وقبل وصول السيد وقافلته، رشت راما العطر في غرف كل الخدم وغرفة لارينا تحديدًا، وتعمدت أن تترك غرفة السيد بلا رائحة.
قبل أن تقصد الحديقة وتعيد تشكيل درب الورد.
رواية فتيات القصر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
في مساء بارد بعد وصول العاصفة الثلجية أرض القصر، والهدوء الثقيل الذي خيّم على القصر، قررت راما أن تغامر بالدخول إلى المكتبة الملكية.
لطالما كانت تلك القاعة العتيقة مكانًا لا يدخله الخدم إلا بإذن، لكن غياب السيد وقافله جعل راما سيدة القصر الوحيدة.
دفعت الباب الخشبي الثقيل، وانفتح على مصراعيه كأن القاعة نفسها كانت تنتظرها.
رائحة الكتب القديمة، مزيج من الورق المعتّق والعنبر والغبار، ملأت أنفها.
كان ضوء المشاعل المعلقة على الجدران يتراقص فوق أرفف الكتب العالية التي تصل حتى السقف.
بدأت راما تتنقل بنظرها بين العناوين المحفورة على جلود الكتب.
لم تكن تبحث عن شيء محدد في البداية… حتى لفت نظرها ركن صغير إلى جوار نافذة مغطاة بستائر سميكة، حيث تجمعت فيه كتب بعناوين زاهية عن صناعة العطور القديمة وأسرارها.
اقتربت، ومدّت يدها بحذر، وراحت تقرأ العناوين:
“سرّ الرائحة الخامسة” — تأليف: ألكسندر دي فيرنيه
كتاب فرنسي قديم يتناول تأثير العطور على اللاوعي والغرائز الأولية. يتحدث عن وجود رائحة خامسة غامضة قادرة على السيطرة على المزاج البشري والحيواني.
“المخطوطة الذهبية في تقطير الزهور والطيب” — من تأليف: الحكيم أزهر الدين الطوسي
مخطوط فارسي تعود للقرن السابع الهجري، يتناول أسرار استخراج الزيوت العطرية من الورد والزعفران والعنبر، وأسرار خلطها لغايات السحر والهوى.
“أسرار العنبر والعود” — تأليف: غريغوريوس الحائك
كتاب نادر يتحدث عن كيفية صنع عطور تبقى لأيام على الجلد وتؤثر على مزاج الكائنات الحية، بما فيها الحيوانات.
“كتاب زهر الأرواح” — مجهول المؤلف
مخطوط جلدي قديم مكتوب بخط نسخي دقيق، يتناول العطور ذات الأثر النفسي والطاقي، وتأثير الروائح على الأحلام والانجذاب اللاشعوري.
“نفحات الليل: العطور في طقوس الأسر الحاكمة” — تأليف: لورد كافانوس
كتاب مخصص لعطور القصور والأسر الأرستقراطية، وكيفية توظيف الروائح للتحكم في سلوك الضيوف والخدم والحيوانات داخل القلاع.
انهمكت راما في قراءة الصفحات، وجدت في بعضها وصفات دقيقة:
قطرتان من زيت النيرولي
لمسة من ورد دمشقي مجفف
كسرة من عنبر الحوت
نقطة من زيت جوزة الطيب
كلها تمزج مع قاعدة من ماء الورد المخمّر سبع ليالٍ.
في “سرّ الرائحة الخامسة” قرأت عن تأثير الرائحة على ذاكرة الحيوان الأولي، وكيف أن بعض التركيبات القديمة كانت تستعمل في القصور الشرقية لجعل الحيوانات الأليفة تحرس شخصًا واحدًا فقط أو تميّز رائحة سيدها من بين الجميع.
وما أثارها أكثر، فقرة كتبها ألكسندر دي فيرنيه:
> “إن ما لا يفهمه معظم صنّاع العطور هو أن العطر ليس فقط للأنف… بل للغريزة. الرائحة إذا خُلِطت بذكاء، يمكنها أن تصنع من المخلوق تابِعًا لا يفارق صاحبه.”
ابتسمت راما في تلك اللحظة. كانت تعرف أنها عثرت على ما أرادت.
بقيت حتى منتصف الليل تتنقّل بين الكتب:
دوّنت وصفات من “أسرار العنبر والعود”
حفظت ملاحظات من “نفحات الليل” حول تأثير بخور الصندل عند اختلاطه بالنيرولي
ونسخت سرّ الرائحة الخامسة من كتاب دي فيرنيه
قبل أن تغادر، وضعت الكتب في أماكنها بدقة، وأغلقت الباب خلفها، وراحت تهمس في سرها:
> “الآن… سيشمّ القصر ما أريده أنا.”
—
مع انبلاج الصباح، وقبل أن تنقشع خيوط الضباب من فوق سهول القصر، تناهى إلى مسامع الخدم وقع أقدام الخيول الثقيلة، وصرير عجلات العربات، ووقع نباح الكلاب الطليقة أمام القافلة.
أطلّت قافلة السيد من خلف أشجار السرو الضبابية، يتقدّمها حصان أسود ضخم يمتطيه السيد نفسه، بثوبه الداكن، وكتفيه العريضين، ووجهه الجامد كصخر السهوب.
خلفه عشرة من الفرسان، تتبعهم ثلاث عربات كبيرة محمّلة بالصناديق المغلقة، وصندوق آخر صغير مغطى بالقماش الأخضر الداكن.
كان المشهد مهيبًا.
تدافع الخدم عند الساحة الخارجية، بعضهم انحنى احترامًا، وبعضهم ركض نحو المخازن ليعدّ قهوة التمر هندي الساخنة، والبعض هرع لجلب الماء للخيول.
فرحة خفيّة عمّت المكان.
ماجي، الخادمة الأنيقة، أسرعت نحو راما:
> — “لقد عاد… السيد في الساحة.”
كهلان الحارس ضحك بصوتٍ عالٍ وهو يروي لزملائه:
> — “أخبرتكم أن العاصفة لا توقفه… رأيته مرة يعبر النهر الأسود والخيل ترتعد تحته.”
وفي ركن المطبخ، بدأت الخادمات يتهامسن عن الرحلة:
“يقولون إنه جلب معه عنبرًا هنديًا… أغلى من الذهب.”
“وجلب قفصًا فيه طائر لا يصيح إلا لملِك.”
“وقيل… أن هناك تابوتًا صغيرًا من الصندل…”
كلّ واحد يروي حكاية سمع نصفها.
دخل السيد القصر بخطواته الثقيلة، نزع قفازيه الجلديين، وأعطاهما لماجي بصمت.
مرّ بعينيه على المكان كأنه يتفحّص القصر حجرا حجرًا… قبل أن ينعطف نحو جناحه الخاص.
في تلك اللحظة، أرسل الحارس أحد الصبية إلى راما.
وقف أمامها لاهثًا:
> — “السيد يطلبك في غرفته.”
أعدّت راما طرف ثوبها، رتّبت ضفائرها سريعًا، ثم صعدت الطابق العلوي.
الباب نصف موارب.
دفعت بيدها… كان السيد واقفًا أمام النافذة، ظهره إليها، يتأمّل الساحة التي غطاها الضباب.
بصوتٍ هادئ مجلجل قال دون أن يلتفت:
> — “ادخلي يا راما.”
سارت حتى وقفت خلفه بخطوتين، وانحنت:
> — “حمداً على سلامتك يا سيدي.”
استدار، عينيه تتفحّصانها كمن يقرأ أثر الأيام على الوجوه:
> — “كيف كان القصر في غيابي؟”
قالها بنبرة مزيج بين الاستفهام والاختبار.
تقدّمت راما خطوة:
> — “هادئ يا سيدي… لم تقع حوادث تُذكر. العاصفة أبقت الجميع في أماكنهم. والكل التزم بأوامرك. المخازن بخير. الحراس على أسوارهم. لا غرباء عبروا بوابة السرو.”
ظلّ يتأملها، قبل أن يقول ببطء:
> — “وهل زارك أحد… لم يكن له أن يزور؟”
تلبّثت راما لحظة، لكنها أجابت:
> — “لا يا سيدي.”
استدار السيد بغضب:
> — “هل كنت تتوقع زائر ما ؟”
> — “اتجرؤين على سؤالي ؟”
همست راما بخوف:
> — “اعتذر سيدي إن تعديت حدودي، أرجو مغفرتك.”
رفع السيد بكل غرور:
> — “اخرجي ولا تريني وجهك مرة أخرى حتى أستدعيك.”
> — “كوني شاكرة لرحمتي وعطفي.”
مد السيد يده لراما التي قبلتها.
ثم خرجت منحنية مغادرة الغرفة.
—
بعد أن دخلت القافلة ساحة القصر، وتبعها الخدم المرافقون للسيد وقد أنهكهم السفر الطويل، ساروا نحو غرفهم الخاصة في الجناح الجنوبي.
ما إن فتح أحدهم الباب حتى انبعثت في الهواء رائحة غريبة لا تشبه شيئًا مما عهدوه.
كان العطر الذي رشّته راما قبل ساعة — قبل وصول القافلة — قد تشبّع في الأنسجة، اختبأ بين طيّات الستائر وفُرُش الأسرّة، وتمسك بالجدران كذكرى دافئة.
في اللحظة الأولى، انتبه الخدم لتبدل طفيف.
شعر سيرون، الخادم الوسيم صاحب الطباع الحادة، بأن صدره انشرح على نحو لا تفسير له.
توقفت حدة أفكاره المتراكمة من عناء الطريق، واستبدلها إحساس غامض براحة دافئة.
أما ديرين، الذي كان يعاني من صداع مستمر في آخر أيام الرحلة، فقد جلس على حافة فراشه، وأغمض عينيه لحظة، وأحس كأن خيوطًا ناعمة من السكينة تنسحب به نحو النوم دون مقاومة.
مارين، تلك الخادمة الشابة التي كثيرًا ما تشكو من تعب القدمين، وجدت نفسها تبتسم دون سبب، تشعر بأن الغرفة التي بدت ضيقة طوال الطريق، صارت أوسع وألطف، كأن الجدران تنفّست معها.
الأحاديث التي عادة ما تملأ أجواء وصول القوافل — شكاوى، ضحكات مرهقة، حكايات طريق — تراجعت قليلًا.
الجميع تحدثوا بنبرات أهدأ، تحررت من التوتر.
ضحك سيرون بصوت منخفض وهو يروي موقفًا من الطريق، وبدل أن ينفجر الغرفة بالضحك كما جرت العادة، ترددت ضحكات ناعمة قصيرة، كأن العطر ألزم أصواتهم بالبقاء عند مستوى معين من السكينة.
بل حتى الخادم العجوز غريمالد، الذي نادرًا ما يخلع عبوسه، جلس على وسادته، وعلّق:
> “الغرفة… أكاد أشعر أنها تحلق بي في الهواء.”
وتعجّب آخرون.
لم يعرفوا ماذا تغير.
لكنهم شعروا وكأن العناء الذي حملوه من الطريق الطويل لم يلحق بهم للداخل.
لم يشك أحد في راما.
ولم يدرك أحد أن بضع قطرات من خليط سري في الزوايا، كفيلة بتهدئة أجساد متعبة وعقول محتقنة.
أما هي، فكانت خلف الباب، تسمع هدوء ضحكاتهم، وتراقب انطفاء التوتر من خلف الجدار، مطمئنة إلى أن التجربة الأولى نجحت.
كان العطر قد فعل فعله.
كتم النزق، وأبقى التعب بعيدًا عن طبقات الجلد، وحوّل غرف الخدم المرهقين إلى مساحة راحة صامتة… لا تفسَّر.
انزوت راما كما أمرها السيد، اختفت عن الانظار لكنها واصلت نشر عطرها في غرف الخدم حتى أحكمت سيطرتها عليهم.
ثم أوقفت العطر مرة واحدة واكتفت بإغراق ملابسها بعطرها السري وخرجت صباحًا قبل استيقاظ الخدم إلى الرواق ثم جلست تحتسي فنجان قهوة.
كانت لارينا أول المستيقظات وتوجهت نحو راما مباشرة في طاعة عمياء تتحسس يدها.
رواية فتيات القصر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
نشرت راما عطر الأثير حولها.
غمرت ملابسها به حتى تشبعت، وانبعثت من ثناياها تلك الرائحة الساحرة، الناعمة، التي تسحب الأنفاس بلا مقاومة.
لم تمر لحظات ثم جاءت لارينا…
عيناها دامعتان، ويداها ترتجفان وهي تزحف نحوها، همست بصوت مكسور:
«سيدتي… أرجوك… نقطة واحدة… أطعميني من هذا العطر…»
راما لم تلتفت.
تسلل الخدم واحدًا تلو الآخر، بلا أمر، بلا استدعاء. كأن شيئًا خفيًا قاد أقدامهم نحوها.
جلسوا حولها في صمت، يتنفسون العبق الذي يحيطها. وجوههم مشدوهة، أنفاسهم هادئة، وعيونهم نصف مغمضة.
كأنهم عثروا أخيرًا على شيءٍ كانوا يفتقدونه.
لكن الرائحة ظلت تتصاعد من ثوبها، والدوائر من حولها تزداد — كل الخدم جلسوا حولها، تحلقوا كما يتحلق الرعية حول أميرة متوَّجة على عرش غير مرئي.
هدوء غريب عمّ المكان… لا صوت سوى أنفاسهم المتلاحقة، تستنشق الأثير من ثوبها كمن يتنفس حياةً جديدة.
حملَت راما قطتها الأليفة بين ذراعيها.
مررت يدها برفق فوق فرائها الناعم، بينما كان العطر ما يزال يعانق الجو من حولها، يثقل الهواء برائحة الأثير.
الخدم، الذين كانوا ما زالوا جالسين حولها كالأتباع حول ملكةٍ متوجة، انتبهوا لحركتها.
رفعت رأسها، نظرت إليهم جميعًا بنظرة ثابتة، وبدأت تصدر أوامرها بصوت هادئ لكنه نافذ:
«انهضوا جميعًا… لا أحد يتوقف عن عمله.
كل زاوية في هذا القصر يجب أن تبقى نظيفة.
الأرضيات تُمسح الآن… الستائر تُبدَّل… الطاولات تُرتَّب…»
ثم نظرت إلى إحدى الخادمات وأردفت:
«ولا تنسوا… السيد في غرفته.
لا أريد أن يشعر بشيء… لا صوت، لا حركة مريبة، ولا رائحة غريبة تصل إليه.»
تحرّك الخدم سريعًا، كأن كلماتها نزعت عنهم سحر اللحظة الماضية.
نهضوا واحدًا تلو الآخر، وبدأوا يتوزعون في الأرجاء، ينفذون أوامرها بدقة.
أما راما، فظلت تحتضن قطتها، تربّت على رأسها، وعيناها تتابع المشهد كقائدة معركة صامتة تعرف تمامًا كيف تدير جنودها.
ثم نظرت راما تجاه لارينا الخاضعه التى تتوسل راما ان تمدها بالعطر جالسه تحت قدميه.
«مررت راما يدها فى شعر لارينا الناعم.
أنا لن أقوم بمعاقبتك يا لارينا، لكن عليك أن تكوني فتاه مطيعه.
لا شيء يذهب لغرفة السيد دون علمي.
لا أمر يمرر من خلال السيد قبل يكون لدي علم به.
فعلى ذلك وستنالين حصتك بأستمرار.»
أمركن.
نهضت لارينا بعيون مشدوهه:
«كيف تفعلين ذلك؟
لما أجد نفسي مجبرة على طاعتك؟
ما سر تلك الرائحه سيدتي راما؟»
«الكثير من المعرفه يعني الكثير من الألم يا لارينا.»
ثم أخرجت راما قنينة عطر صغيره ودقيقه من جيبها.
«وأنت تستحقين ذلك.»
وضعت نقطة عطر فوق إصبعها وقربته من أنف لارينا.
«كل أمر يخبرك به السيد تعرفين أين تجدينى في غرفتي.
لست مثل السيد يا لارينا فأنا لا أغفر ولا أتهاون في أي خطأ.
جربي أن تعصيني مرة وسأجعلك تنتزعين شعرك من فروة رأسك بكلتا يديك وتخمشين جلدك الجميل حتى يتقطع.»
خرجت راما تجاه الحديقه الملكيه وجلست تستظل بفروع شجرة لاربينسا.
وكل بضعة دقائق تأتيها خادمه تخبرها بأمر من أمور القصر.
من المطبخ، من المكتبه، من غرفة الفنون من المخازن من الرواق والغرف الملحقه.
كانت راما تهز رأسها وتسمح لهم بالانصراف، لم تكن معنيه كيف تسير أمور القصر ما كان يعنيها طاعة الخدم.
ثم حضرت لارينا إلى غرفة راما قبل نهاية الليل وسردت عليها تقرير القصر والخدمات وأوامر السيد ونالت جرعتها الخاصه.
لم يمر أسبوع واحد مع تواصل الجرعات التي علقت بأذهان وأجساد الخدم حتى باتوا يطيعون راما طاعه عمياء وينفذون أوامرها.
رواية فتيات القصر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
على مدار شهرٍ كاملٍ، واصلت راما طقسها العتيق.
كانت تغمر غرفتها بعطر الأثير كل فجرٍ، ترشّه فوق ثيابها، بين خصلات شعرها، وحتى ستائر النافذة، لتغدو الحجرة عالماً آخر لا يشبه سواه.
رائحةٌ تشبه الأحلام الأولى… تلك التي لا يذكرها أحد، لكنها تبقى قابعةً في جوف الروح.
ومع كل يوم، كانت الرائحة تثقل الهواء شيئًا فشيئًا.
الخدم الذين يدخلون غرفتها، أو يمرّون بجوارها، لم يعودوا كما كانوا.
عيونهم نصف مغمضة، أنفاسهم متباطئة، وكأن العالم خارج رائحة راما بات لا يعنيهم.
وبات القصر بأكمله يتحرك على إيقاع أنفاسها.
كل خطوة، كل صوت، كل أمر صغيرٍ أو كبير — يُرفع أولًا إلى السيدة راما.
لم يكن أحدٌ منهم يُدرك متى بدأ هذا الخضوع.
متى باتوا لا يستطيعون أن يرفعوا أعينهم عنها، أو يرفضوا طلبًا يصدر من شفتيها.
حتى السيد نفسه، وإن لم يكن يدري، كان القصر يتصرف من خلف ظهره تحت إرادةٍ خفية.
وفي كل ليلة، كانت لارينا — التي أدمنت عطر الأثير كمدمنٍ فقد القدرة على الرفض — تدخل غرفة راما راكعة، تسرد لها أحوال القصر، وأوامر السيد، وما يدور في الزوايا الغامضة، وتنال جرعتها… نقطة صغيرة فوق أنفها، تكفي لأن تغمرها بيومٍ آخر من الطاعة.
تكرّر الأمر يومًا بعد يوم.
أسبوعًا يتبعه أسبوع.
ثم شهرًا كاملاً.
وفي نهاية الشهر، لم يعد الخدم مجرد أيدٍ تعمل أو أفواه تنفّذ.
صاروا أتباعًا… مريدين… يدينون بالولاء لراما كما يدين المرء لإلهةٍ خفيةٍ تقيم بينهم ولا يُرَى إلا أثرها العابق.
وهكذا، تحوّل القصر العتيق إلى حديقةٍ من الولاءات الغامضة.
أرضٌ يفوح من جدرانها عبق لا يُفسَّر، وخدمٌ يمضون في مهامهم بلا اعتراض، يطيعون أمر راما حتى قبل أن يُقال.
كأنها عقدٌ خفيّ كُتب تحت ضوء القمر، وربطهم جميعًا بتلك السيدة التي تحمل القنينة الصغيرة في جيبها… وتبتسم.
في مساءٍ هادئٍ يوشك فيه الضوء أن ينحسر، جلست العتمة على أكتاف القصر العتيق، وأخذت الظلال تنسلّ بين أعمدته ككائناتٍ متوارية.
في تلك الساعات، بدأ السيد — رجل القصر الأوحد — يشعر بأن ثمة شيء يتبدل، يتناثر في الأجواء… أمرٌ غامضٌ لا تُرى معالمه، لكن أثره كالوخز في صدرٍ يعرف صاحبه أن وراء الهدوء كارثة وشيكة.
لم يكن السيد من الرجال الذين يستسلمون للأوهام، لكنه منذ أيامٍ يستفيق على إحساسٍ ثقيل، كأن الجدران تهمس، وكأن الهواء يشهد ما لا يقال.
خُطى الخدم صارت أهدأ مما يجب.
النظرات تغضّ كلما مرّ.
الأوامر تُنفَّذ، نعم، لكن بلا الحماس المعتاد، بل كأن كل يدٍ تمتد للعمل تحمل أمرًا آخر خفيًا لا يعرفه سواه.
حتى رائحة خافتة، لا تشبه شيئًا يعرفه، باتت تسكن الردهات… عبقٌ لا يستطيع الإمساك به لكنه يلاحقه كذكرى مبهمة.
في ذلك المساء، حين جلس السيد إلى مقعده الوثير خلف النافذة المشرعة على الحديقة، وأخذ يتأمل حركة الخدم الباهتة في الساحة، أيقن أن الأمر تجاوز حدود المصادفة.
فأمر على الفور بإحضار لارينا.
—دخلت لارينا الغرفة برأسٍ مطأطأ ويدين معقودتين أمامها.
كان قلبها يضرب بين ضلوعها، لكنها تخفّت خلف قناعٍ من الهدوء.
جلس السيد، متكئًا بكامل هيبته إلى مقعده العريض، وعيناه تلاحقانها كما يلاحق الصياد طائرًا يعلم أنه قد يفرّ في أية لحظة.
ثم بصوتٍ منخفض لكنه نافذ قال:
“أغلقي الباب يا لارينا.”
فأغلقت الباب دون أن ترفع عينيها، وساد صمتٌ ثقيلٌ، حتى ظنّت الجدران أنفاسها تكاد تُسمع.
ثم بدأ استجوابه.
نصف ساعة كاملة جلس السيد يحدّق في لارينا، يطرح عليها الأسئلة الواحدة تلو الأخرى، بصيغةٍ ثابتة لا تحتمل الإفلات:
“من يحرّك الخدم مؤخرًا؟
لِمَ صارت الأوامر تصلني متأخرة؟
من صاحب الرائحة التي لا تغادر القصر؟
من يأمر خلف ظهري؟
وأين تذهبين بعد الغروب؟
ومن سمح بأن تُنقل الأنباء دون علمي؟”
سؤال يتبعه سؤال، كأمطارٍ متلاحقة، لا تمنح التربة فرصة لتجف.
ولارينا، بوجهٍ شاحب وعينين متسعتين، كانت تكرر ذات الجواب، بصوتٍ أقرب للهمس:
“سيدي… أقسم لك… لا علم لي بشيء.
لا أمر يحدث إلا بأمرك.
لم أسمع عن أمرٍ خفيّ.
ولا أحد تجرأ على مخالفة جنابك.”
تكررت كلماتها مرارًا، حتى خيّل للسيد أن ثمة جدارًا غير مرئي يفصل بينه وبين الحقيقة.
كان يشتم رائحة الكذب — لا من كلماتها، بل من السكون المرتعش في عينيها، ومن ارتجافة أصابعها الدقيقة التي تخفيها خلف ردائها.
أراد أن ينهض، أن يهزّها بكلتا يديه ويخرج السر من بين شفتيها، لكنه أمسك غضبه، وأطلقها بأمرٍ حاد:
“إن بلغك شيء — أي شيء — مهما صغر، يصل إليّ قبل أن يتنفس في القصر.
لن أحتمل خيانةً واحدة، يا لارينا.”
فأومأت برأسها مطيعة، وهي تخفي لوعتها وعلمها العميق بما يدور.
وخرجت من الغرفة، وقد التصقت الرائحة في أطراف ردائها، تلاحقها كما يلاحق الذنب صاحبَه.
حين خفتت الأضواء في القصر، وتسللت الريح العليلة عبر النوافذ نصف المغلقة، تحرّكت لارينا بخطى حذرة بين الممرات المظللة.
كان القصر، في ساعاته المتأخرة، يشبه بطن مخلوقٍ عملاق يتنفس ببطء، جدرانه تتنهد، وأرضه تئن تحت وقع الأقدام الخفيفة.
عَبَرت الرواق الطويل، والشموع تترنح على الجدران كأنها تتهامس.
ورائحة الأثير العالقة في زوايا المكان — عبق السيدة راما — لا تزال تبث أثرها الخفي في الأجواء.
وقفت لارينا أمام باب غرفة راما، ترددت لحظة… ثم طرقت ثلاث طرقاتٍ خفيفة، لا يخطئ وقعها أحد.
من الداخل، جاء صوتٌ رقيق لكنه مشبع بسلطةٍ لا تقبل جدالًا:
“ادخلي.”
فتحت الباب ببطء، ودخلت…
كانت راما جالسة في منتصف الغرفة، وقطتها تنام ملتفةً عند قدميها.
الشعلة الوحيدة على الطاولة تنعكس على بشرتها فتزيدها فتنةً وغموضًا.
تقدمت لارينا حتى باتت تقف عند عتبة السجادة المفرودة، وانحنت قليلًا.
“سيدتي…”
نطقت بصوتٍ خافت، كمن يخشى أن يسمعه الحائط.
رفعت راما عينيها إليها، ولم تقل شيئًا، فقط نظرت — وتلك النظرة وحدها كانت كافية.
تنفست لارينا بارتباك، ثم بدأت تنقل ما جرى.
“استدعاني السيد… فتّشني بالكلمات كما يُفتَّش الخشب في ليلة عاصفة…
سألني عنكِ… عن العطر… عن الأوامر… عن طاعة الخدم.
ألحَّ عليّ، سيدتي… نصف ساعة كاملة، وأنا أُنكر وأُقسم…”
توقفت لارينا، وعيناها تراقبان وجه راما تبحث عن أدنى بادرة انزعاج، لكنها لم تجد سوى سكينةٍ مخيفة.
“لم أذكر اسمك… ولا قلت كلمة واحدة تدلّ عليك… كما أوصيتِ.”
صمتت لارينا لحظة، ثم قالت بتردد:
“سيدتي… إنه يشكُّ الآن… قلبه يلهث خلف الحقيقة… وأظنه سيبدأ بمراقبة الخدم… وربما يتبعني.”
ابتسمت راما، ابتسامة خافتة لا تحمل خوفًا ولا حدة… بل ابتسامة من اعتاد أن يُمسك بالخيوط الطويلة.
ثم قالت، بصوتٍ ناعم كأنما يتسلل من بين ستائر الليل:
“كلما ازداد ظنُّ السيد… ازدادت حاجته إليَّ.
اتركيه يشك… ولا تمنعي عنه شكوكه… فالغريق لا يعرف لمن يستغيث حتى تبتلّ أنفاسه.”
ثم أخرجت من جيبها القنينة الدقيقة ذات الزجاج الياقوتي، ورفعتها في الهواء.
انعكس ضوء الشعلة في سائلها الكهرماني، فأضاءت الغرفة للحظة كوميضٍ خاطف.
“اقتربي…”
فتقدمت لارينا، وانحنت حتى صارت أنفها قريبًا من أصبع راما.
وضعت الأخيرة نقطة صغيرة فوق طرف إصبعها، ثم رسمت بها خطًّا خافتًا خلف أذن لارينا، وهمست:
“هذه حصتك… لا تخافي، فالقلوب التي تذوقت هذا العطر لا تنسى، ولا تتجرأ.”
ثم أردفت، بعذوبةٍ تحمل ظلّ الوعيد:
“انصرفي الآن… وارقبي لي قلب السيد… وأي نسمة شك تمر به… تعالي بها إليَّ، حتى قبل أن يعلم هو.”
انحنت لارينا مطيعة، وخرجت من الغرفة كمن يحمل في جسده سرًّا لا يجب أن يُقال.
رواية فتيات القصر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
كان القصر في ظاهره هادئًا، ينفّذ خدمُه الأوامر بدقةٍ متناهية. الأطباق تُرفع وتُوضع في مواعيدها. الأرضيات تلمع كما اعتادها السيد. الستائر تُبدَّل مع مواسم الضوء، والممرات نظيفة كأنها لم تعرف خطوات بشر.
لكن مع هذا، كان في الهواء شيءٌ غريب… شيء لا يُرى ولا يُلمس… شيء يتسلل بلا استئذان.
السيد، الذي كان يعتاد أن يسير في قصره كملكٍ مطلق، بدأ يشعر بأن عرشه يهتز من حيث لا يَرى.
أوامره تُنفذ… نعم.
خدمه ينحنون كما اعتاد… نعم.
لارينا، تلك الفتاة التي درّبها بنفسه على الطاعة العمياء، صارت ترد على ندائه بأدبٍ معهود… نعم.
ومع ذلك… شيءٌ خفي.
طاعة الخدم صارت كوجبةٍ بلا نكهة… ككلماتٍ تُقال بشفاه لا تشاركها القلوب.
كأن كل ما يُنفذ له بات صورةً بلا روح.
تسلّل ذلك الشك في صدر السيد أول مرة حين أُحضر له عشاءه، ولم يعرف تحديدًا لماذا شعر أن المائدة نُظمت بحرصٍ زائد، كأن من رتبها يحاول إقناعه أن كل شيءٍ طبيعي.
ثم حين لمح في نظرات بعض الخدم ما يشبه التواطؤ الصامت، كأنهم يتحدثون من خلف جفونه.
في البداية ظنها وساوس.
لكنه بدأ يلاحظ أن أوامره — برغم تنفيذها — تصل متأخرة نبضةً واحدة، كأن الخدم ينتظرون إذنًا آخر لا يُقال.
وحين يستدعي لارينا، تقف أمامه بثباتٍ معتاد… لكنها لم تعد تنظر إلى عينيه بالطريقة ذاتها.
كأن حديثًا ما دار قبل حضورها، أو كأنها باتت تعرف أشياءً لا يقولها أحد.
ازداد الشك في صدر السيد كما يكبر طحلبٌ على صفحة الماء.
راح يقطع جلساته الموسيقية الليلية، تلك التي كان يدير فيها أسطواناته الفرنسية القديمة، ويستمع للنوتات المتساقطة كقطرات مطرٍ على زجاج نافذته.
بات ينهض من مجلسه بين المقطوعات، يتفقد أروقة القصر بنفسه، يراقب أعين الخدم، يُطيل النظر في انعكاس المرآة بحثًا عن أثر خيانة… لكنه لا يجد شيئًا.
في الصباح، يُقال له:
“كل شيءٍ كما أمرت يا سيدي.”
وفي الليل، تخبره لارينا:
“لا أمر يمر دون علمك يا سيدي.”
ومع ذلك، يشعر وكأن القصر كله يتحرك على نغمةٍ أخرى لا يسمعها.
حياته، التي اعتاد أن تكون بين يديه كأوراق شطرنج مرتبة، باتت رقعتها نفسها تَميل من جهةٍ لا يراها.
وصار نومه متقطّعًا.
يصحو في منتصف الليل على صوت موسيقى فرنسية توقفت من تلقاء نفسها.
ينظر حوله فلا يرى إلا جدرانًا صامتة، وقطرة عطرٍ خفية لا يعرف مصدرها، لكنها تشعل في صدره قلقًا أكبر.
في مساءٍ ككل المساءات الأخيرة، حين آوى السيد إلى جناحه الخاص، كان كل شيء يبدو كما اعتاده منذ سنوات حكمه على هذا القصر العتيق.
الأرضيات الملساء تلمع كالزجاج.
الستائر الثقيلة تتحرّك بتمهل على وقع نسيم خافت.
الموقد مشتعل بشعلته الدقيقة، والموسيقى الفرنسية القديمة تهمس في الزوايا بنغماتٍ وديعة.
لكن، ثمّة شيء لم يكن كما كان.
ذلك العطر.
في البداية، لم ينتبه السيد.
كان يظنه نسمةً ضلّت طريقها من جناح إحدى السيدات.
لكن مع مرور الدقائق، صار الهواء أثقل… أغنى… يحمل في طيّاته تلك الرائحة الغامضة؛ عبق يشبه الحلم، يشبه ذكرى عتيقة لا يستطيع الإمساك بها.
إنه عطر الأثير.
بلا أن يدري، صار يتسلل إلى غرفة السيد ببطء… لا عبر زجاجات، ولا قناني صغيرة، بل من خلال أجساد خدمه.
كل من يدخل الغرفة، يحمل جزءًا من العطر عالقًا في أطراف ردائه.
أحدهم عبر الممر محمّلًا صينية الشراب، وبين طيّات سترته التصقت خيوط العطر.
وآخر — وهو يبدّل شموع الحائط — نفح بكمه الجسد الدافئ للغرفة بنسمةٍ خفيفة منه.
حتى الأحذية، وقد مشت فوق السجاد المشبّع بهواء الأثير، حملت الأثر معها كخطواتٍ واهنة لا تُمحى.
لم يكن السيد يراهم يُلقون قنينةً أو يُشعلون مبخرة.
كانوا يدخلون، ينحنون، يُسلّمون بما في أيديهم، ويغادرون… مخلفين وراءهم ظلًّا شفيفًا من ذلك العبق الملعون.
بمرور الليالي، أصبح عطر الأثير جزءًا من غرفة السيد.
ينام على الأغطية.
يقبع خلف ستائر السرير.
يتسلل إلى ألياف الوسائد.
ويتشبث بخشب الأثاث العتيق.
وبدأ السيد يلحظ التبدّل.
استفاق ليلةً على نغمةٍ فرنسية اعتادها، فوجدها أكثر بطئًا، كأنها تنبع من جوف بئرٍ معطلة.
شعر بأن الهواء يضيق، والرائحة صارت أثقل، تشتبك مع أنفاسه كعنكبوتٍ خفيّ ينسج خيوطه حول جسده النائم.
وحين أدار وجهه على الوسادة، باغتته نكهة الأثير… لا كرائحةٍ عابرة، بل ككيانٍ يقطن وسادته.
دفع الغطاء عنه ونهض، يحدّق في أرجاء الغرفة.
لا أحد.
ومع ذلك… عطر الأثير هناك.
تعلق في جدران المكان، في نسيج الثياب التي وُضعت له بعناية، حتى في منديله الشخصي.
صار القصر كله — حتى جناحه — يتحرك بنبض عطرٍ لم يأذن له بالدخول.
عندما دخلت لارينا مساء تلك الليله لم يوليها السيد أدنى أهتمام تركها تسرد تقريرها اليومى حتى همت بالانصراف
فطلب منها ان تقترب وتجلس على ساقيه
ثم ابتسم السيد بسخريه وهو يلعق عنق لارينا
انصرفى الان
أمرها السيد ثم امسك قلمه ودفتره والابتسامه لا تفارق محياه
فتح شرفته وحدق بالحديقه وعقله يعمل بطريقه جد مزعجه
كيف فاته كل ذلك ؟
ترك السيد غرفته وقصد المكتبه وأمر الا يزعجه إى شخص
هناك بين الكتب القديمه
ظل السيد أكثر من يومين لا يبارج المكتبه يقراء ويلتهم كتب ألعطر القديمه
ثم خرج اخيرا وفى فمه سيجاره الفاخر
احضرو لى الخادمه راما دى فلور
رواية فتيات القصر الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
في مساءٍ خانق السكون، بعد يومين قضاهما السيد بين رفوف مكتبته العتيقة، يتصفح مخطوطاتٍ مهترئة وكتبًا نادرة عن "عطور الإرادة" وأسرار الأبخرة القديمة التي سادت بلاط النبلاء في عصور سحيقة… خرج أخيرًا من عزلته.
كان وجهه شاحبًا على غير عادته، وعيناه الضيقتان تشعّان ببريق ساخر مخيف. في يده اليسرى سيجارته الطويلة تشتعل ببطء، وفي اليمنى زجاجة صغيرة أنيقة من الزجاج الأزرق الداكن، لا تحمل أي علامة، سوى ختمٍ شمعيٍّ قديم.
جلس السيد على مقعده الجلدي الفاخر، تحت ضوء الشمعدان النحاسي المتدلّي، وفتح زجاجة الترياق الذي حصل عليه من بين دفتي كتابٍ فرنسي عتيق.
رفعها نحو أنفه واستنشق الرائحة النفاذة العتيقة… مزيج من المر واللافندر المحترق، وقطراتٍ من زيت العنبر الأسود.
شعر بحرارة تجري في عروقه.
إنه الترياق القديم، صُنع خصيصًا لتحصين الإرادة من عطور السحر المموّه.
ابتسم لنفسه، وهمس:
"ليبدأ العرض."
ثم أمر خادمًا أن يستدعي الخادمة راما دي فلور إلى جناحه الخاص، وأوصاه ألّا ينبس بكلمة.
***
في الجانب الآخر من القصر، كانت راما تتحضّر بعناية لا تعرف فيها الخطأ.
ثوبها من المخمل الكحلي الداكن، تنسدل أطرافه كظلالٍ ثقيلة، وشعرها مصفوف بعناية أسفل رقبتها على هيئة ضفيرة طويلة تتدلى كالحرير.
وفي كل قطعة من ملابسها… من طيات الفستان، إلى الرباط الحريري حول معصمها، إلى البروش العاجي الصغير في صدرها… تسللت قطرات الأثير.
لم تكن مجرد عطر. بل طقس مكتمل.
عبق الأثير الذي اعتادت سيدات البلاط الفيكتوري استخدامه لإخضاع الرجال النبلاء، لعقودٍ خفية تُنثر في الهواء، تسرق إرادة من يتنفسها، وتجعله طوع أمر العطر والأنثى.
راما لم تكن تخطط لشيءٍ طائش. بل لسيد القصر نفسه.
سارت في الرواق الطويل بخطواتٍ ثابتة، والممرات تصدر صدًى خافتًا تحت وقع حذائها المكسو بالساتان.
والعطر يتصاعد مع كل حركة، يتشبث بالمكان، يلف السجاد والمفروشات كضبابٍ وديع، حتى بدا كأن الأثير سبقها إلى الغرفة.
***
طرقت باب السيد بخفة.
ومن الداخل، بصوتٍ هادئ لا يخلو من فتور، قال:
"ادخلي."
فتحت الباب، وأطلت.
الغرفة بدت كما توقعتها… ولكن السيد، جالس على مقعده الجلدي، لم يُبدِ أية إشارة على أثر الرائحة.
راما تقدّمت نحوه، العطر يسبح حولها كغلالة شفّافة، فوقف السيد ببطء، وسار نحوها.
في عينيه… ذلك البريق المتعجرف، نظرة من يعرف ما يدور، لكنه يترك الخصم يغرق.
قال بنبرة رخيمة:
"تأخرتِ يا راما."
انحنت تحية، وتقدمت خطوتين، وهي تراقب عينيه علّها ترى ارتخاءً، أو ذوبانًا تحت سلطان الأثير.
لكنه ظل ثابتًا.
بل ابتسم.
وأشار إلى المقعد أمامه، وأمرها:
"اجلسي."
جلست الخادمة في صمت، للمرة الأولى تشعر أن شيئا ما لا يتفق مع القواعد.
السيد راح يدور حولها بتمهل، كصيادٍ يطوف بفريسةٍ لم تُجهز بعد.
ثم قال بصوتٍ ساخر:
"أما زلتِ تحملين عطر الأثير في ثنيات ثوبك، يا راما؟"
ارتجفت أطرافها، لكنها تمالكت.
"لا أفهم قصدك يا سيدي."
اقترب حتى كاد أنفاسه تمس عنقها، ونظر في عينيها مباشرة:
"بل تفهمين. وأنتِ أذكى من أن تنكري."
ثم استنشق الهواء حولها في حركة متعمدة، كأنما يسخر من محاولاتها.
"تعلمين، راما… لقد علّمتكُن الطاعة، لكن يبدو أن بعضكن ظن أن في وسعه اللعب بسيّد هذا القصر."
انكمش صدر راما، وابتلعت ريقها.
نظر إليها طويلًا، ثم ألقى بزجاجة الترياق الفارغة على الطاولة أمامها:
"ما اسمك يا خادمه؟"
"راما دى فلور يا سيدى."
"تعرفين لما الصق اسمك القذر بأسمى الفاخر؟"
"اعرف سيدى، فكلنا طوع امرك."
"جميل، ما وظيفتك؟"
"خادمه يا سيدى."
"وعندما ترغب الخادمه بأخضاع السيد ماذا يحدث لها؟"
"يتم محوها من دفاتر القصر يا سيدى."
ثم اقترب السيد خطوة أخرى، حتى صارت أنفاسه تلامس صفحة عنقها الباردة، وقال بصوتٍ أخفض، تغلّفه نبرة السخرية الماكرة:
"ظننتِ أن الأمر سيخفى عني، يا راما؟ أرى الحركات البطيئة خلف الأبواب، والنظرات المتواطئة بين الخدم. أشم رائحة الخيانة قبل أن يُفتح فمٌ أو تُعقد مؤامرة."
تشنّجت ملامح راما، لكنها تماسكت وقالت بصوت خافت:
"سيدي… لا أفهم ما تعنيه. الخدم أطوع من أن يجرؤوا… وأنا… لم أفعل إلا ما أُمِرت به."
ضحك السيد ضحكة قصيرة مريرة، وراح يدور حولها كذئبٍ يطوف حول فريسته المستسلمة:
"بل تفهمين… لكنك تظنين أن هذا القصر ملكٌ لك… أن تضعن في هوائه ما تشتهين، وتسحبن خيوط الإرادة من بين أناملي."
ثم توقف أمامها، وانحنى قليلًا حتى التقت عيناه بعينيها المرتبكتين:
"اسمعيني جيدًا… لن يجرؤ أحد على العبث بهذا البيت وأنا أتنفّس. والأثير الذي نثرتموه، لن يحجب عني رائحة التآمر… أعرف من يتحرّك… ومن يوشوش… ومن يخطط."
رفعت راما رأسها، وشفتاها ترتجفان:
"سيدي… أقسم…"
قاطعها السيد بإشارةٍ حاسمة من يده:
"كفى."
ثم استدار ببطء نحو النافذة، وصوته ينخفض حتى كاد يُسمع همسًا، لكنه كان كفيلًا بأن يجعل أوصال راما تقشعر:
"من يُمسك بخيوط هذا القصر… سأسحبه من ظله. ولتعلمي يا راما… أنني لا أترك ثأري معلقًا."
صمت.
والعطر لا يزال يسبح في الهواء…
لكن راما شعرت — لأول مرة — أن ذلك الأثير الخفي لم يعد سلاحًا بيدها… بل شبكةً ضيقة تنسجها حول عنقها.
السيد ما زال على عرشه.
***
راقبت راما انعكاس ملامحها المرتبكة في زجاج النافذة خلف السيد، حاولت أن تحافظ على وقارها — ذلك الوقار الذي طالما اتكأت عليه كسلاحٍ خفي — لكنها شعرت بأن نبضها يتباطأ، وكأن جدران الغرفة تضيق عليها.
ثم، دون أن يأذن لها السيد صراحة، قال بنبرةٍ خافتة كأنها صدى قادم من قبو بارد:
"انصرفي يا راما… ولتكن خطواتك اليوم أهدأ من أفكارك."
ترددت للحظة، وأرادت أن تعقّب… أن تنطق بشيء يمحو أثر التهديد الجاثم على صدرها، لكنها أدركت أن لا كلمة ستُجدي.
انحنت راما ببطء، وخيوط شعرها تتهدّل فوق كتفيها المخمليّتين، ثم استدارت وغادرت الغرفة، وخطواتها تنقر الأرضية الملمّعة بصوتٍ خافت، كأنها تحاول أن تختفي بين ثنايا الهواء.
وحين أُغلِق الباب خلفها بنعومةٍ متعمدة، ظل السيد واقفًا في مكانه، يحدق في فراغ الغرفة المشبّع بعطر الأثير، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه.
ثم همس لنفسه:
"ثمة يدٌ تحرّك هذا المسرح… وسأقطعها قريبًا."
كان يعلم أن راما لم تكن إلا رأس سهم صغير، وأن السهم قد أُطلق فعلًا.
***
كانت راما تمشي بخطى مسرعة في الممرات الطويلة، ولا يعلو على صوت كعبي حذائها سوى خفق قلبها المرتبك. الحوائط العتيقة تتقلص حولها، والشموع المتراصة في حوامل نحاسية ترسل ظلالًا راقصة فوق وجهها الشاحب.
لم تلتفت لأي خادم، ولم تعبأ بتحية الحراس. عيناها لم تفارقا الأرض الرخامية المصقولة، حتى وصلت إلى جناحها الخاص. بابٌ خشبي ثقيل يتوسطه مقبض نحاسي معتق… دفعته برفق، ودخلت.
كانت الغرفة على النحو الذي تركته:
ستائر مخملية قاتمة تحجب القمر، طاولة صغيرة بجانب السرير تعلوها شمعة وحيدة، ومكتب فوضوي يتوسطه معمل صغير — من صنع يديها — تكدست عليه زجاجاتٌ ضيقة العنق، وأدوات تقطير نحاسية، وأوراق مصفرّة كأنها نجت من حريق قديم.
جلست راما على مقعدها الخشبي العتيق، ثم مدت يدها المرتجفة نحو رفٍّ متهالك بجانب المكتب. سحبت منه كتابًا ذا جلدٍ أسود متشقق، تتخلله زخارف يدوية بالكاد تُقرأ.
فتحته ببطء.
صفحاته تنبعث منها رائحة الورق المتعفن والحبر الجاف، وعلى إحدى الصفحات — التي علمت مكانها مسبقًا — توقفت.
كانت هناك تعويذة مكتوبة بخط غريب متداخل، تُمجّد قدرة العطور على إذابة الإرادة البشرية وإخضاع النفس كما يُخضع الساحر دُماه.
قرأتها بعينيها الحادتين، ثم ابتسمت.
نعم… قالتها همسًا، ثم مررت أصابعها فوق السطور المظلمة.
كان قرارها قد نضج.
ستصنعه. العطر الذي يشبه السحر الأسود… لا عطر أثير هذه المرة، بل شيء يتسلل إلى عقول البشر كريحٍ رطبة في قبوٍ مغلق. شيء يُفرغ الجسد من صلابته ويترك صاحبه عبدًا خالصًا، ينفذ الأمر قبل أن يُقال.