تحميل رواية «دموع الشمس» PDF
بقلم اية هدايا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في ذلك الصباح الجميل، تشع الشمس أشعتها الذهبية على ذلك الوجه الملائكي. تفتح زيتونتها بانزعاج، قبل أن تسمع صوت أخيها الصارخ. سيف بصراخ: اصحي يا شااااااااااامس. شمس بانزعاج وتضع الوسادة فوق رأسها: اهو بدأنا فقرة الصراخ. خش على فقرة فتح الشبابيك. وبالفعل، قام أخاها بفتح نافذة الغرفة. شمس بانزعاج: حلو أوي. خش على فقرة شد اللحاف. نهض أخاها وأزال اللحاف من عليها. شمس بتأفف: كده تمام أوي أوي. فين بقى كوباية الم... لم تكمل جملتها بسبب كوب المياه الذي غرقها كاملاً. شمس وهي تنهض من على الفراش وتقترب من أخ...
رواية دموع الشمس الفصل الأول 1 - بقلم اية هدايا
في ذلك الصباح الجميل، تشع الشمس أشعتها الذهبية على ذلك الوجه الملائكي.
تفتح زيتونتها بانزعاج، قبل أن تسمع صوت أخيها الصارخ.
سيف بصراخ: اصحي يا شااااااااااامس.
شمس بانزعاج وتضع الوسادة فوق رأسها: اهو بدأنا فقرة الصراخ. خش على فقرة فتح الشبابيك.
وبالفعل، قام أخاها بفتح نافذة الغرفة.
شمس بانزعاج: حلو أوي. خش على فقرة شد اللحاف.
نهض أخاها وأزال اللحاف من عليها.
شمس بتأفف: كده تمام أوي أوي. فين بقى كوباية الم...
لم تكمل جملتها بسبب كوب المياه الذي غرقها كاملاً.
شمس وهي تنهض من على الفراش وتقترب من أخيها وتقبله من وجنتيه: اهو هو ده أخويا حبيبي. تسلم يا أبو نسب.
سيف وهو يلوي شفتيه: يعني الواحد لازم يعمل النشرة بتاعت كل يوم عشان تقومي. يلا يا حبيبتي.
وقام بدفعها تجاه المرحاض.
تأفأت شمس: استغفر الله. طب الواحد يعمل فيك إيه. أنا دكتورة نفسية من المجانين بسببك.
سيف بغرور: هو انتي لسه شفتي حاجة.
وأكمل بدرامية: وتلك مازلت البداية يا مولاتي.
شمس بغيظ: طب اطلع يا بابا. روح حضر الفطار على ما أجهز.
سيف: هو حد قالك إن أنا الشيف اللي أهلك جابوه.
شمس وهي تمسح على وجهها بنفاذ صبر: حاضر. هعمل أنا لنفسي. اتكل بقى على الله. عايزة أحق الشغل.
خرج سيف من الغرفة وتركها لكي تتجهز وتذهب إلى عملها.
دخلت إلى الحمام وأخذت حماماً دافئاً، ثم خرجت وارتدت فستاناً سماوياً قصيراً بحمالات، وترتدي عليه جاكيت جينز، وقامت بربط شعرها ذيل حصان، وارتدت في قدميها كوتشي رياضي أبيض.
اتجهت إلى الخارج ولم تجد أحد في المنزل. وجدت طعام الإفطار معد وبجانبه ورقة.
أمسكت بها وبدأت في قراءة محتواها.
"كلي كويس واتغذي عشان مجيش انفخك. الشيف سيف أخوكي."
ضحكت على كلماته وبدأت في تناول الطعام.
نظرت إلى الساعة وجدت نفسها تأخرت على العمل.
تناولت بسرعة الطعام، ثم هبطت إلى أسفل وأوقفت تاكسي واتجهت به إلى المستشفى الذي تعمل به.
وهي في طريقها، اتصلت بها صديقتها المفضلة.
شمس: صباح الخير يا كلبوبتي.
ميرا بغيظ: ولك عين تتريقي. تصدقي أنا كلبة لأني اتصلت عليكي في حاجة مهمة حصلت في المستشفى وانتي بتهزري.
شمس بقلق: في يا ميرا؟ مال صوتك.
ميرا: مدير المستشفى طلب كل الدكاترة يكونوا موجودين في أوضة المكتب بعد نص ساعة. وانتي الدكتورة الوحيدة اللي مجتيش.
شمس: خلاص يا ميرا. سكت الطريق هتلاقيني في وشك خبط لزق على طول.
تنهدت ميرا بغيظ: يا بنتي اتلمي. أنا بقول إيه وهي قاعدة تهزر.
شمس بتنهيدة: خلاص. ربع ساعة وهتلاقيني قدامك.
وبعد ربع ساعة، وصلت شمس إلى المستشفى.
وجدت المكان هادئاً تماماً.
دَلَفَت شمس إلى مكتبها وطلبت إحدى الممرضات.
دخلت الممرضة وتدعى سحر.
سحر بترحاب: أهلاً وسهلاً يا دوك. عاملة إيه؟
شمس بابتسامة: الحمد لله يا سحور. قولي لنا بقى المرضى عاملين إيه.
سحر وهي تلوي فمها: على حطة إيدك. واحد قاعد في ركن وبيعيط كل ما يقرب منه حد. وواحدة بتعد في الورق على أساس إنه فلوس و...
قاطعتها شمس وهي تقول: وإيه أخبار مالك.
تنهدت بحزن وقالت: مش عايز يتكلم. وكل ما أحاول أقرب منه يمسك الشوكة اللي بياكل بيها ويحاول يغزني.
ضحكت شمس وقبل أن تتكلم، دخلت فتاة بعينين خضراوين وشعر أشقر قصير وهجمت على شمس وبدأت في شدها من شعرها: يا كلبة يا جذمة يا حيوانة يا سنضل يا فرده شراب معفنة.
حاولت شمس إبعادها عنها ولكن بلا جدوى، فهي ممسكة بشعرها بإحكام.
أشارت شمس إلى سحر بإحضار كوب من المياه.
قامت سحر بتنفيذ أوامرها وقامت بإعطائه لها.
قامت شمس بسكب المياه على شعرها.
نهضت بسرعة عنها. ونظروا لبعضهم فترة.
وبدأوا في الضحك معاً بصوت عالٍ.
تعجبت سحر من هاتان المجنونتان.
ميرا بغيظ: يلا يا ابله. المدير طالب الكل في مكتبه.
نهضت شمس من مكانها وهندمت ملابسها وأعادت خصلاتها المتمرده خلف أذنها.
اتجهت كل من شمس وميرا إلى مكتب المدير.
لحظات قبل أن تسمع صوته يسمح لهم بالدخول.
شمس بهدوء: حضرتك طلبتنا يا أستاذ علي.
علي بهدوء: دلوقتي كلكم موجودين.
أومأ الجميع رؤوسهم له. ابتسم وقال: دلوقتي في مدير جديد للمستشفى.
نظر الجميع إليه بصدمة، فهو من أفضل المدراء الذين مروا على المستشفى. ولكن ذلك الخبر وقع كالصاعقة عليها هي بالذات. فهو الشخص الوحيد الذي يعرف ماضيها هي وأخاها، وهو من ساعدهم في الماضي.
علي بابتسامة: أنا عارف إن أغلبكم زعل علشان أنا مش هدير المستشفى. بس هو اشترى المستشفى. وأنا هضطر إني أمشي. بجد هتوحشوني كلكم.
وبدأ في مصافحة الأطباء والممرضين والعمال وخرجوا جميعاً إلا هي.
حولت نظرها بينه وبين يديه التي يمدها لها. وقامت بإزالة يده وترقرقت الدموع في عينيها، وقالت بصوت حاولت جعله هادئاً: أنا هعمل إيه من غيرك.
نظر إليها بحنين: انتي هتبقي أحسن وأشطر دكتورة نفسية في العالم. ودا وعد لازم توعديني بيه.
شمس وهي تبكي: لا. أنا عايزك جنبي. انت بالنسبالي عائلتي كلها.
علي بضحك: يا بنتي هو أنا هروح فين؟ أنا بس هتتنقل محافظة تانية. مش دوله تانية.
شمس وقامت باحتضانه: مش هنسالك أبداً يا عمو علي.
علي بضحك: طب هيبقى إيه شكلنا لو حد دخل علينا واحنا بالمنظر ده.
ابتعدت شمس عنه ونظرت له بابتسامة: هتوحشني يا لولو.
علي بصدمة مصطنعة: لولو. أنا الدكتور علي بجلالة قدري يتقال لي لولو.
شمس بضحك: أحلى لولو في الدنيا.
علي بجد: شمس أنا عايزك إنك توعديني إنك تبقي قوية. مش بتتنازلي عن حقك. الماضي راح. اتمسكي بالمستقبل وحافظي على الحاضر. أنا عايز أشوفك عروسة وأشيل عيالك على إيدي. قبل ما أموت.
شمس بحزن: أوعى تقول كده. ربنا يطول في عمرك ويخليك لينا.
علي بضحك: بس بقي عشان أنا دمعتي قريبة وهعيط.
نظرت له شمس وابتسمت له: أوعدك إني هبقى قوية ومش هتنازل عن حقي. بس مش هقدر أنسى الماضي.
قالت جملتها الأخيرة بحزن.
علي بحنين: انتي أقوى من الماضي. اقفي على رجليك وكملي للآخر. وإن شاء الله ربنا ربنا هيقف جنبك لأنه عارف إنك طيبة وتستاهلي كل خير.
ابتعدت شمس عنه وجذبته من يديه وقالت بحماس: طب يلا عشان أنا اللي هوصلك للمحطة.
علي في نفسه: ربنا يطمن قلبك يا حبيبتي وينتقم من اللي كان السبب في اللي حصلك.
يستيقظ من نومه على صوت هاتفه المزعج.
نظر إلى هاتفه وجده صديقه المزعج.
_عايز إيه يا زفت.
_صبح على صاحبي وأقول له إنه اتأخر على الشركة.
اعتدل في نومته ونظر إلى ساعته وجدها تخطت التاسعة.
_تمام. نص ساعة وهكون جاهز. جهز لي ورق الأرض اللي هنبدأ الحفر فيها. عندي مشوار لازم أعمله الأول.
_مشوار إيه دا.
_ليان.
صمت الآخر قليلاً ثم تنهد بأسف على صديق طفولته.
_انت عارف إن اللي حصل كان في الماضي. لازم تنساه.
لم يسمع رد سوى صوت نفسه العالي الذي يدل على غضبه.
وقبل أن يتحدث، وجد الهاتف أغلق في وجهه.
هز رأسه بأسى. يعلم أن الذي مر به ليس بالأمر الهين. ولكن الذي يفكر فيه سيؤدي إلى موته.
نهض من فراشه ودخل إلى الحمام وأخذ حماماً بارداً لكي ينسى أحداث الماضي التي تمر بعقله.
ولكن لا مفر من الماضي.
بدأت بعض الرؤى تمر أمامه.
دخول بعض الرجال الملثمين المنزل ومعهم الأسلحة. ضرب الرصاص بكل مكان. وانفجار المنزل. المشهد الذي رأى به أخته. والدماء التي توجد حول أخيه الصغير. رأى كل ذلك وهو فتى صغير لم يتخطى عمره 15 عاماً.
أفاق من دوامة الذكريات على صوت طرقات على باب منزله.
خرج من الحمام وارتدى بنطالاً قطنياً مريحاً، تاركاً صدره عارياً. وخرج لكي يرى من الطارق.
وجد فتاة في قمة الأنوثة ذات عينان زرقاوان وشعر أشقر منسدل على ظهرها وجسد ممشوق وترتدي ملابس فاضحة تكشف أكثر مما تخفي.
مراد بتأفف: عايزة إيه يا سهى.
سهى وهي تتفحص صدره العاري وتعض على شفتها السفلى وقالت بدلع: عايزك أنت يا بيبي.
مراد بسخرية: عايزاني ولا عايزة فلوسي.
سهى بصدمة مصطنعة: اخص عليك يا مراد. انت عارف إني بحبك. وبموت فيك. ومستعدة أعمل أي حاجة عشان خاطرك.
وفي آخر جملتها اقتربت منه ووضعت يدها على صدره العاري. شعر مراد بالاشمئزاز منها. ولكن هو يفعل ذلك فقط لكي يستطيع الانتقام من الذين قتلوا عائلته والسبب في العذاب الذي تمر به أخته.
اقترب مراد منها وقام بتقبيلها بعنف حتى نزفت شفتاها.
ابتعدت سهى عنه لأنها كانت تحتاج بعض الهواء.
ابتعد مراد عنها نهائياً واتجه إلى غرفته لكي يبدل ملابسه وهو يشعر بالاشمئزاز من نفسه.
وبعد مدة خرج من غرفته وجد سهى ترتدي قميص نوم قصير يثير أي رجل. لكن هو لا. فهو ليس من النوع الذي ينجذب إلى النساء بسهولة. وليست هناك سيدة تستطيع أن تملي عليه ما يقول.
نهضت من مكانها واقتربت منه ووضعت يديها حول رقبته وقالت بغنج: رايح فين يا بيبي.
قام بإزالة يدها ونظر لها بحدة وقال لها: البسي هدومك واخرجي من هنا. البواب هييجي ينضف الشقة والأحسن إنه ما يلاقيش أي زبالة هنا.
ثم ذهب من أمامها وخرج من القصر وهو يتوعد بالكثير والكثير.
عادت شمس من توصيل علي لمحطة القطار وظلت تبكي على أكثر شخص غالٍ على قلبها.
ولكنها وعدته بأنها ستكون قوية ولن تتنازل عن حقها وستحاول أن تنسى الماضي.
وبينما هي تسير كانت شاردة ولم تنتبه إلى تلك السيارة التي تقترب منها.
وفجأة صدمتها السيارة.
شعرت شمس بدوامة سوداء تبتلعها. وكل ما تراه هو أصوات ضحكات عمها وهو يقوم بضربها وتشويه جسدها ومحاولة شخص ما التحرش بها.
لم تشعر بنفسها إلا عندما اقترب منها شخص ما و...
يتبع.
رواية دموع الشمس الفصل الثاني 2 - بقلم اية هدايا
فتحت شمس عينيها بانزعاج وشعرت بألم رهيب في جسدها. نهضت من مكانها وجالت بنظرها في أرجاء الغرفة. وجدت أنها غرفة بيضاء. نظرت إلى يدها وجدت أنابيب موصولة بها تمدها بالغذاء. تحاملت على نفسها وقامت بنزع الأنابيب من يديها. أنزلت قدمها إلى الأرض، فجأة فتح باب الغرفة.
كان ذلك أخاها سيف. اتجه بسرعة ناحيتها وقام باحتضانها.
"عامله إيه يا روحي؟ حصل لك حاجة؟ أنا آسف يا روحي."
أبعدها عنه وبدأ في تفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها.
"إيه يا ابني أنا لسه عايشة؟ وقاعدة على قلبك ومربعة؟ ومش هاموت إلا ما آخد الورث هاهاهاهاها."
"تصدقي إنك كلبة؟ وأنا اللي كنت هاموت من الخوف عليكي."
"قلبي، ماتخافش عليا، أنا بميت راجل."
"إيه اللي حصل؟"
"مش عارفة. أنا كنت ماشية وفجأة حاجة خبطت فيا... ومنير..."
توسعت عينا سيف وقال بقوة.
"إنتي بتقولي إيه؟ مين؟ منير؟ إزاي؟"
لم ترد شمس عليه. شعر سيف بالقلق على أخته، فهي قد عانت كثيراً ولا يريدها أن تعاني من جديد.
"انطقي يا شمس، منير إيه اللي جابه هنا؟"
نظرت شمس له وقامت باحتضانه.
"لا، منير مكنش هنا، بس أنا اللي افتكرت اللي عمله فيا... من ضرب ومحاولة التهجم عليا والحروق اللي على جسمي."
"خلاص اهدي، محدش هيقرب ليكي، أنا موجود وهحميكي من أي حد يفكر يأذيكي."
ابتعدت شمس عنه وقالت له.
"مين اللي جابني هنا؟ ومين اللي قالك إن أنا هنا؟"
رفع سيف يديه علامة على عدم المعرفة.
فجأة فتح باب الغرفة ودخلت الممرضة.
دخلت الممرضة وقامت بإعطاء شمس الدواء. وقبل أن تخرج قال لها سيف.
"بعد إذنك يا آنسة، هو المفروض أدفع الحساب منين؟"
"مفيش داعي يا فندم. في واحد كان جايب الآنسة ودفع الحساب وطلب إني أبلغكوا إنه هو آسف على اللي عمله في الآنسة وتعويضاً ليها هو دفع الحساب."
أعطت الممرضة الدواء إلى شمس وخرجت من الغرفة.
نظر سيف لها بجدية.
"إيه هي آخر حاجة فكراها؟ أو مين اللي خبطك؟"
"أيوه كان في واحد واقف قدامي. آخر حاجة شفتها عينيه... كانت سوداء... لا خضراء... لا رمادي."
"هو إيه ده يا حبيبتي اللي أخضر ورمادي؟ هو إنتي بتنقي تفاح؟"
"أعمل إيه، عينيه كانت ملونة، بس السواد هو اللي ملياها. كانت عينيه مليانة غضب متغلف بهدوء، بس ورا الهدوء ده إعصار كبير. أول ما بصيت فيها حسيت إن الدنيا بتدور بيا. هو ده اللي فكراه."
"ماتروحي تتجوزيه أحسن. ده كله ومش فاكرة حاجة. ده إنتي ناقص تقولي لون شعره إيه."
خرج سيف من غرفة شمس وتركها لكي تستريح. اتجه إلى غرفة الطبيب ليسأله عن موعد خروج شمس من المستشفى.
كانت شمس نائمة في غرفتها حتى فجأة دخل إعصار أكبر من إعصار ساندي اسمه إعصار ميرا.
قفزت ميرا على شمس وبدأت في الصراخ في أذنها.
"شمس، لو مُتّي ينفع آخد الفستان الملون؟ والبنطلون الجينز؟ والقميص الأبيض؟ والسلوبيت الجينز؟ والكتشي الأبيض؟"
"يلهوي الحقوني يا عالم، البت عايزة تورثني بالحياة، وعايزة تاخد البنطلون الجينز. أعمل فيكي إيه؟"
"اعملي سمك فليه وفراخ بنية، أو اعملي خط وامشي عليه، أو اشتري كيس شبسي بجنيه، أو العبي باليه."
"طب شوفي بقى مين اللي هيديكي البنطلون الجينز."
"لا، خلاص، كله إلا البنطلون الجينز."
"جبانة."
نظرت ميرا يميناً ويساراً.
"في إيه يا بت؟"
"شششششش... أمّال فين المز؟"
"مين؟"
"أموت وأعرف دخلتي طب إزاي؟"
"نفس الطريقة يا قلبي اللي دخلتي بيها."
"دخلت ببركة ربنا."
"يباي عليكي، الرد جاهز دايماً."
"طبعاً دي موهبة يا بنتي، إيش فهمك إنتي بالحاجات دي."
"ماشي يا موهبة، مين المز؟"
"أخوكي المز، فين؟"
"أنا هنا اهو، المز جه، مين اللي بيسأل عني؟"
نظرت الفتاتان إلى مصدر الصوت. ضحكت ميرا وقالت.
"تعالي يا مز، أخوكي ده أموت وأعرف متجوزش ليه الغاية دلوقتي، حاسة إنك هتعنس يا سوفي."
"سوفك؟ صحيح أصحاب عرر زي بعض."
نظر ميرا إلى شمس وفي ثواني قفزت ميرا وشمس على سيف.
"علشان تفكر ألف مرة قبل ما تتكلم معانا بالطريقة دي، يا عانس."
"بقيت عانس يا أخويا؟ مش كان سوفي أرحم؟ ولا إنت لازم تجيب لنفسك المشاكل؟"
"بس بقى انتوا وهي وإلا مفيش شوكولاتة... ولا بيبسي... ولا شيبسي."
ابتعدت ميرا وشمس عنه بسرعة وقالا في صوت واحد.
"خلاص يا ابيه."
"أبيه؟ يا شباشب؟ ما كنت عانس من شوية، وسوفي، إيه اللي حصل دلوقتي؟ ساكتين كده ليه؟"
"نسكت وانت موجود ما نرضى نتكلم."
"طب مفيش شوكولاتة."
"انت معلم، وإحنا منك نتعلم."
"يعني إيه؟"
"يعني لو مش جبت الشوكولاتة... خدها للشركة... على رجلي."
"هاخد تاكسي، هاهاهاهاها."
"ولا تسمع اللي يخداعك، انت معلم."
"يعني إيه؟"
"يعني يا سوفا يا حبيبي، مفيش تاكسيهات بتيجي هنا، هاهاهاهاها."
"بكرهكوا."
"وإحنا بنحبك يا سوفا."
أخذ سيف المفتاح من يد شمس وقال.
"يلا علشان أروحك للبيت، الدكتور سمح ليكي بالخروج."
"لا، أنا هروح للمستشفى، أنا عايزة أشوف مالك."
"بس..."
"خلاص يا سيف، أنا كويسة، مالك مر بظروف صعبة وأنا عايزاه يرجع يضحك من جديد ويرجع مالك بتاع زمان."
"إنتي كده إزاي؟ جايبة الطيبة دي منين؟ حتى بعد اللي أبوه عمل فيكي، لسه عايزة ترجعيه زي ما كان."
"عشان أنا مش عايزة مالك يمر باللي مريت بيه."
ترقرقت الدموع في عينيها الخضراء. قامت ميرا باحتضانها وبدأت في تهدئتها وهي تهمس بأذنها بكلمات مهدئة لها. ميرا هي صديقة شمس الوحيدة، وهي ليست مجرد صديقة بل هي أخت لها. تعرف ماضي شمس بالكامل وما الذي مرت به من قسوة وعذاب.
ابتعدت شمس عنها وقامت بإزالة دموعها بطرف كمها كالطفل.
"والله طفلة، أنا عايش مع طفلة."
"ملكش دعوة وإلا هسيب عليك ميرا."
"هاهاهاهاها تعالي هنا يا سوفا."
بدأت في الركض ورائه. ركض سيف من أمامها. كانت أصوات ضحكاتهم تملأ المكان، وكانت شمس تشعر بالراحة لأن لديها عائلة تحبها وتخفف عنها آلامها. ولكنها لا تعلم أن تلك الفرحة لن تستمر كثيراً.
وبعد ساعة من الضحك والمزاح، اتجه سيف إلى الشركة التي يعمل بعد أن قام بتوصيل ميرا وشمس إلى المستشفى، فإن صاحبها لا يتهاون في أمر التأخير عن العمل. واتجهت كل من شمس وميرا إلى المستشفى التي يعملن بها بعد إصرار شمس للذهاب من أجل مالك.
دخلت كل من شمس وميرا إلى المستشفى وبدأت النظرات تتجه نحوهم. وارتفع صوت الهمسات من حولهم. تعجب كل من شمس وميرا واتجهوا إلى الداخل دون أن يعيروا لتلك الهمسات أي اهتمام.
جاءت سحر بسرعة إلى ميرا.
"دكتورة ميرا، في حالة مستعجلة موجودة في العمليات."
"تمام، أنا جاية حالا."
تركت ميرا شمس واتجهت إلى غرفة العمليات.
توجهت شمس إلى مكتبها وجلست عليه بتعب. تنهدت بتعب وعمق وهي تسترجع ذكري ماضيها الأليم. قطع دخولها في دوامة الماضي دخول أحد العمال.
"دكتورة شمس، المدير الجديد طلبك."
تعجبت شمس من طلبه لها. تحاملت على نفسها ونهضت من على الكرسي واتجهت إلى غرفة المكتب. قامت بالطرق على الباب، فسمعت صوت يسمح لها بالدخول.
"حضرتك طلبتني يا فندم."
"انتي؟"
رفعت شمس عيناها لتقابل عينيه. تلك العينان الساحرتان، التي لا تعلم ما لونها تماماً. أهي خضراء أم رمادية؟ أو هي جميع تلك الألوان ومغلفة بطبقة سوداء توجد بها؟ حيرة ممزوجة بالهدوء والقوة في نفس الوقت. إنها نفس تلك العينان التي رأتهما قبل أن تفقد وعيها.
أفاقت من شرودها على صوته الخشن.
"عاملة إيه دلوقتي؟"
أومأت برأسها علامة على الإيجاب.
"دلوقتي، في مريضة موجودة في القسم وحالتها النفسية مش كويسة، وأنا عايزك تعالجيها، ومش عايز أسمع كلمة فشل أو مش قادرة."
تعجبت من نبرة صوته الآمرة الساخرة لها. ونظرت له بجدية وقالت.
"من غير ما حضرتك تطلب يا فندم، ده شغلي وأنا مش هقصر فيه مهما كان، وكلمة فشل مش موجودة في قاموسي. بس فيه حاجة اسمها ربنا، وأنا هعمل اللي عليا، والباقي على ربنا، وقدرتها على العلاج، وإن هي عايزة تتعالج ولا لأ."
تحركت من أمامه وتركته في حالة من الصدمة. في الحقيقة هو تعجب من ثقتها بنفسها وثقتها بأنها ستنجح ولن تفشل.
وقبل أن ترحل، أمسك بساعد يدها وجذبها إليه حتى ارتطمت بصدره القاسي العريض. شعرت شمس بالفزع وبرهبة كبيرة. نظرت إلى عينيه التي تحولت إلى اللون الأسود فجأة.
"بصي بقى يا قطة، إنتي شفتي وشي الحلو، لاكن إنتي أكيد مش عايزة تشوفي وش مراد العرابي. ولو شغلك معجبنيش أو ملقتش تقدم في الحالة، فإنتي اللي هتجني على نفسك."
اقترب منها وهمس بأذنها.
"واوعي تتحدي وحش الاقتصاد."
بدأت شمس في البكاء وفجأة تذكرت منير وما كان يقوم به معها. أفلتت من بين يديه واتجهت إلى ركن في الغرفة ثم أحاطت يدها بجسدها وبدأت في الصراخ وهي تقول.
"لااااااااااااااااا... أنا آسفة مش هعمل كده تاني، أنا آسفة مش هعمل كده تاني... سيييييف الحقني."
ثم فقدت وعيها. شعر مراد بالغرابة والتعجب منها، فهو لم يفعل لها شيئاً سوى أنه اقترب منها فقط. وقام بحملها بسرعة واتجه بها إلى العيادة الطبية.
عند ميرا.
بعد الانتهاء من العملية خرجت وقامت بإزالة القناع من على وجهها. قامت بتبديل ملابسها واتجهت إلى الخارج. جلست ميرا على الأريكة التي توجد في حديقة المستشفى.
"بعد إذنك يا آنسة."
رفعت ميرا رأسها للواقف أمامها. كان شاباً يبدو أنه في العشرينات، صاحب عينان زرقاء كزرقة البحر، وجسد رياضي ممشوق طويل القامة. نظرت له ببرود وقالت.
"أفندم."
تعجب من طريقة التحدث معه ولكنه لم يهتم وقال.
"هو فين مكتب مدير المستشفى؟"
رفعت ميرا حاجبها بسخرية وقالت.
"والله مكتب مدير المستشفى معروف هو فين. وكان ممكن تسأل أي حد من جوه المستشفى، مش جاي تسأل اللي بره المستشفى."
وضع الآخر يده خلف رقبته وانحنى بنصف جزعه العلوي تجاهها. لم تتغير ملامح وجهها، بل تحولت إلى برود وجمود أشد.
"شكلك مبتخافيش يا زيتونة، ولا تعرفي أنا مين؟"
قامت ميرا بوضع إصبعها السبابة على رأسه وقالت بابتسامة جانبية.
"أولاً أنا مش مهتمة أعرف أنت مين. ثانياً متقولش الكلمة دي تاني يا أمور، أحسن ما هتشوف حاجة مش هتليق بمكانتك خالص."
اقترب أكثر منها حتى أصبحت المسافة بينهما منعدمة وقال أمام شفتيها.
"وريني هتعملي إيه... وأعلى ما في خيالك اركبيه."
واقترب لكي يقوم بتقبيلها، ولكنها تفاجأ مما قامت به. قامت ميرا بإخراج علبة مليئة بالمياه المخلوطة بالفلفل الحار وقامت برشه على عينيه.
"متفكرش تلعب معايا تاني، وعلى رأي محمد رمضان... اللي يحضر الجن وميعرفش يصرفه يعرف أن الجن هيقرف. هههههههه سلام يا كابتن."
"والله لأوريكي إزاي تعملي كده تاني. أنا إياد القاسم، حتى عيلة زي دي تعمل فيا كده."
نهض إياد من مكانه وقام بإزالة بقايا الحار من على عينيه وهو يتوعد لتلك الفتاة بالكثير والكثير.
في مكان آخر في صعيد مصر في إحدى قرى سوهاج، في ذلك القصر الكبير الذي يدل على العظمة والوقار، ولكن بداخله خلاف خارجه.
"يا عمي، أنا زهقت، بقالنا خمس سنين بندور عليهم ومش لاقيينهم."
"اهد يا ولدي، يعني هتكون راحت فين؟ إحنا بنسأل عليها في كل مترح، وهي معندهاش حد تتسند عليه."
"لا يا عمي، فيه مقصوف الرقبة أخوها اللي ساعدها على الهروب، وهرب معاها."
"سيف، ده عيل فرفور، ميعرفش يوكل نفسه عشان يوكل غيره."
"أنا مش هسيبها يا عمي، إنتوا عايزين الأراضي اللي باسمها وأنا عايزها هي، وهتكون ليا أنا وبس."
وذهب من أمامه وهو يتوعد بأن يجدها مهما كلفه ذلك، فهي له، نعم له ولن يأخذها أحد منه. وهمس باسمها.
"مش هسيبك يا شمس، مش هسيبك."
رواية دموع الشمس الفصل الثالث 3 - بقلم اية هدايا
تنظر حول نفسها تجد نفسها في مكان فارغ لا يوجد به أي أحد.
"شمس حبيبتي."
تنظر إلى مصدر الصوت. كانت سيدة في قمة الجمال. ركضت شمس إليها وقامت باحتضانها وهي تبكي: "وحشتيني يا ماما... سبتيني ليه... أنا محتاجة ليكي أوي."
قامت بالتمسيد على شعرها وهمست بصوت حنون: "حبيبتي أنا معاكي وهفضل طول عمري معاكي."
رفعت وجهها إليها والدموع تنساب على وجهها وهي تقول: "بس أنتي سبتيني ومشيتي. أنا محتجالك أوي... أنتي متعرفيش هم عملوا معايا إيه."
قامت باحتضانها بقوة وهمست بصوت حنون: "هش... خلاص يا شمس... أنتي أقوى من كده... أنتي شمس محمود. أنتي قوية مش بتستسلمي أبداً... أنتي بنت راجل. أنتي أقوى من الظروف. عارفة اللي مريتي بيه كان صعب بس أنتي أقوى... نسيتي الناس اللي بيحبوكي... وضحوا عشانك."
شمس بهمس وحزن: "مفيش حد بيحبني... كلهم بيحاولوا يكسروني... كلهم شايفني سلعة رخيصة... عمي عايز الأرض... ومنير عايز جسمي."
وبدأت في البكاء أكثر عندما تذكرت ما كان يقوم به. من تعذيب لجسدها وروحها.
قامت والدتها بإبعادها ونظرت لها بحدة وقالت بقوة: "شمس محمود."
رفعت شمس ناظرها إلى والدتها.
أكملت والدتها: "أنتي بنت محمود... يعني أنتي بنت راجل. أنا سيبتك... بس سيف موجود... وميرا موجودة... ومالك محتاج لك... أنتي أنانية."
نظرت شمس لها بتعجب وصدمة.
"أيوا أنتي أنانية... عارفة ليه؟ لأنك نسيتي فضل الناس دي عليكي. فاكرة سيف عمل إيه عشانك... عشان ينقذك. وميرا وقفت جنبك في الوقت اللي كنتي محتاجة صديق. ونسيتي علي... الراجل الطيب اللي ساعدك أنتي وسيف في الهروب."
نظرت شمس لها وقامت باحتضانها: "أنا آسفة يا ماما... أنتي عندك حق... كلهم وقفوا جنبي... وأنا..."
قاطعتها والدتها: "أنتي طيبة وقوية ومش هتستسلمي تاني."
أومأت شمس بابتسامة لوالدتها.
ربطت الوالدة على رأسها: "هي دي بنتي... حبيبتي."
فتحت عينيها. وجالت بنظرها في أرجاء المكان. وجدت أنها في غرفة بيضاء. ونظرت إلى يمينها وجدت مراد يجلس وعيناه مثبتة عليها.
نظرت شمس له ببرود ثم نهضت من مكانها واتجهت ناحية الباب. وقبل أن تفتحه سمعت صوته الساخر: "رايحة فين يا قطة."
التفتت إليه ونظرت إليه ببرود وقامت بتجاهله وخرجت من الغرفة.
شعر مراد بالغيظ والغضب من تجاهلها له. قام بإمساكها من معصمها وجذبها إليه.
اصطدمت شمس بصدره العريض. وحاولت الابتعاد عنه. نظرت إليه بحدة وقالت: "أنت بتعمل إيه؟"
قام مراد بمحاوطة خصرها وقال لها بمكر: "بعمل إيه؟"
نظرت شمس إليه بحدة وقالت: "ابعد عني."
لم يبتعد مراد عنها ونظر لها بتحدي: "هتعملي إيه يا قطة."
نظرت شمس إليه وابتسمت ابتسامة جانبية. تعجب مراد من تلك الابتسامة. ولكن في لمح البصر شعر بالألم.
قامت شمس بضربه في المنطقة السفلية التي تسمى منطقة (أسفل الحزام).
شمس بسخرية: "أوعى تقرب مني كده تاني... وإلا مش هتعرف إيه اللي هيحصل لك."
وابتعدت عنه واتجهت إلى غرفة مكتبها لكي تبدأ العمل على تلك الحالة الجديدة التي طلبت منها.
شعر مراد بالغضب الشديد. فهي أول شخص يقوم بتحديه. انتصب مراد في وقفته ونظر إلى مكان اختفائها وقال بصوت ملئ بالتحدي: "أنتي اللي بدأتي يا قطة... والبادي أظلم... وأنتي اتحديتي وحش الاقتصاد... فإنتي اللي جنيتي على نفسك."
***
عند شمس.
تنهدت بعمق وعلي شفتيها ابتسامة ملئ بالتحدي: "شكراً يا ماما... عندك حق... أنا شمس محمود... بنت راجل... قوية ومش بستسلم... أنا دكتورة نفسية... بعالج الناس... لا منير هخاف منه... ولا عمي... وكمان ولا وحش الاقتصاد."
نادت شمس على سحر وطلبت منها ملف حالة الفتاة التي يجب عليها أن تقوم بمتابعته.
دخلت شمس غرفة الفتاة بعدما قرأت ملفها. ولكن كل ما تعرفه هو أنها دخلت في حالة من الصدمة وفقدت النطق منذ أن كانت في العاشرة من عمرها. ولم يفلح أي أحد من الأطباء في معالجتها.
تنهدت شمس بعمق. فمهمتها مع تلك الفتاة ستكون صعبة.
دخلت شمس وجلست بجانب الفتاة تأملتها قليلاً. وجدت أنها فتاة في غاية الجمال. بعينين واسعتين باللون العسل الصافي. وشعر بلون البندق. ولكن يبدو على وجهها الحزن وبشرتها شاحبة. وأسفل عينيها سواد يدل على الإرهاق والأرق الذي تعاني منه كل ليلة.
ابتسمت شمس لها وجلست أمامها. حيث أن الفتاة كانت متكورة على نفسها وتضم قدميها إلى صدرها.
شمس بابتسامة: "بصي بقى يا ستي... انسي إن أنا الدكتورة بتاعتك... واعتبريني صاحبتك. هتقولي معنديش صحاب... يا ستي اعتبريني فرده شراب."
نظرت إليها الفتاة ثم عادت تنظر في اللاشيء من جديد.
تنهدت شمس بضيق. فهل هي قالت إن مهمتها صعبة بل هي مستحيلة.
نظرت شمس إلى الفتاة وقالت لها: "أنا عارفة إنك مريتي بظروف صعبة... بس أنا مش عارفاها. ولازم تعرفي إنك مش الوحيدة اللي مرت بظروف صعبة... في اللي مر بالأصعب منكم."
نظرت الفتاة لشمس بحزن كأنها تقول لها... لا لم يمر أحد بما مرت به.
لاحظت شمس نظرتها الحزينة. حاولت أن تخفف عنها فقالت لها بمرح: "أموت وأعرف أنتي إزاي أخت الحمار ده."
عقدت ليان حاجبيها ونظرت لها بتعجب.
أومأت شمس برأسها مؤكدة على كلامها: "أيوه حمار... دا مش حمار بس... دا جاموسة... وبغل وواحد ما بيفهمش. أنا بتكلم عن وحش الاقتصاد."
قالت جملتها الأخيرة بسخرية. قال... وحش الاقتصاد.
حاولت ليان منع الابتسامة. ولكنها لم تستطع. نظرت شمس إليها ولاحظت الابتسامة التي ارتسمت على وجهها.
شمس بمرح: "أيوه بقى... افتحي الشباك بقى وخلي الدنيا تنور."
قامت ليان بمحو الابتسامة بسرعة.
شمس بضيق مصطنع: "ليه بس كده... أنا كنت عايزة أشوف السنان اللولي."
خفضت ليان رأسها. وحاولت عدم النظر لشمس.
نظرت شمس إلى ليان. وأمسكت بيدها وقالت لها: "أنا هكون زي صاحبتك... هاجي لك هنا كل يوم وهتكلم معاكي... وهستنى لغاية لما تتكلمي معايا. بس في مرحلة الإنسان بيوصلها بيحاول يمنع نفسه عن العالم كله حتى عن أقرب الناس له. لازم تعرفي يا ليان إن مراد بيحبك... بيحبك جداً ومستعد يعمل أي حاجة عشان خاطرك. أنا ما أعرفش إيه اللي حصل لك زمان بس كل اللي أقدر أقوله لك إنك لازم تواجهيه. لأن اللي حصل... حصل. وعندك خيارين. يا إما تهربي منه... يا إما توجهيه. أنا مش بقولك اهربي منه... أنا بقولك واجهيه. بس ما تنسيش الناس اللي غلطت في حقك. عارفة يا ليان أنا وأنتي شبه بعض."
نظرت إليها ليان بتعجب.
"أيوه شبه بعض. أنتي ما تعرفيش اللي أنا مريت بيه زمان. يمكن أصعب منك."
أخفضت ليان رأسها وبدأت الدموع في الهبوط من عينيها.
قامت شمس برفع رأس ليان ومسحت الدموع من عينيها. وقامت باحتضانها. لم تعلم شمس لماذا قامت بذلك. لكنها شعرت أنها بحاجة إلى ذلك. فقامت ليان بمبادلتها الاحتضان وبدأت في البكاء.
ظلت شمس تربت على ظهرها وتهمس في أذنها بكلمات مهدئة لها حتى سكنت بين يديها. نظرت شمس إليها وجدت إنها غطت في نوم عميق.
ابتعدت شمس عنها وقامت بإنزال رأسها إلى الوسادة وقامت بتدثيرها جيداً وخرجت من الغرفة. ولكنها اصطدمت بحائط صلب.
نظرت أمامها ولكن لم يكن ذلك حائط عادي. بل كان ذلك مراد.
أمسك مراد شمس من ساعدها وقام بجذبها خلفه. كانت شمس تحاول الإفلات منه ولكنه كان محكم القبض على يدها.
قام مراد بإدخال شمس غرفة صغيرة ودخل خلفها. كانت تلك غرفة المنظفات. قام بإغلاق الباب عليهم. كانت المسافة بينهم منعدمة. كانت تلك الغرفة صغيرة الحجم. شعرت شمس بقلبها يكاد يخرج من مكانه. فهي تخاف كثيراً عند اقتراب أحد من الجنس الآخر منها.
قطع شرودها صوته الحاد وعينيه التي يتطاير منها الشرر: "أنتي عايزة تعرفي ليه اللي حصل لأختي زمان... ما تحاوليش تضغطي عليها وإلا هتكون نهايتك على إيدي."
نظرت شمس إليه بتحدي وقالت: "لازم تعرف يا أستاذ مراد إن من شروط العلاج إن لازم أعرف إيه اللي حصل لها وخلاها توصل للحالة دي. وإلا مش هعرف أعالجها. بس أنا هاكون صاحبة وأخت لها... مش عشان أنا عايزة فلوس منك ولا أنا عايزة أعرف الماضي بتاعه. لأن أختك شبهي. يمكن أنا ما أعرفش الظروف اللي مرت بيها. لكن هي في نفس الحالة اللي أنا مريت بيها زمان."
نظر لها مراد بتعجب وقال لها: "وإيه اللي حصل لك؟"
ضغطت شمس على شفتيها السفلية علامة على التوتر. لم ترد عليه شمس. فهي قد أخطأت عندما قالت له ذلك الكلام. وقالت له: "انسى اللي أنا قلته."
أمسكها من معصمها وقال لها: "إيه اللي حصل لك؟"
قامت بإبعاد يده عنها بقوة وقالت له بحدة: "مالكش دعوة بيه... وأنت مهتم ليه... زي ما أنت مش عايز تقول لي إيه اللي حصل لأختك. وبعدين أنت مين عشان أقول لك. لو سمحت وسع كده."
وقامت بالابتعاد عنه وخرجت من الغرفة وهي في قمة الغضب. وأخذت تتمتم بكلمات غير مفهومة.
نظر مراد إلى مكان خروجها وتعجب من نفسه ومما قام به. فهو لا يهتم لها. فلماذا أراد بشدة أن يعلم ما الذي حدث لها.
خرج مراد من الغرفة واتجه إلى غرفة أخته كي يطمئن عليها.
***
دخلت شمس غرفة المكتب وبدأت ذكريات الماضي تحاصرها من كل اتجاه.
فلاش باك.
كانت تجلس على الأرجوحة التي توجد في حديقة منزلهم. كانت تلك الفتاة المرحة ذات الخامسة عشر من عمرها. كانت مرحة وعنيدة وهي سر سعادة المكان. كان الكل يحبها. ابتسامتها ورقتها وتلقائيتها في الكلام. كانت تجلس وتقرأ إحدى الكتب الخاصة بدراستها. حتى شعرت بيد شخص ما تربت على كتفها. التفتت إليه. وكان ذلك ابن عمها منير.
شمس بابتسامة لطيفة: "إزيك يا منير... عامل إيه؟"
نظر منير لها نظرة مليئة بالمكر والخبث وقال لها: "تعالى عايز أوريكي حاجة."
شمس ببراءة: "حاضر."
وذهبت معه إلى ذلك المكان. أخذها منير إلى غرفة مظلمة توجد خلف القصر الخاص بهم. قام منير بإغلاق الأنوار. شعرت شمس بالخوف والتوتر. وخصوصاً أنها تخشى الظلام.
شمس بخوف: "منير... أنت فين."
لم تسمع شمس أي رد. ولكنها تفاجأت بيد شخص تعبث في ملابسها. بدأت شمس في الصراخ. ولكن لم يتوقف ذلك الشخص في العبث في ملابسها. قام بالقبض على يديها وكان يحاول تقبيلها. كانت تصرخ وتنادي على عمها ولكن لم يأتي أحد. شعرت بيديه تتحسس جسدها بقذارة. شعرت شمس بأنها سوف تفقد وعيها. ولكنها تماسكت وقامت بضرب ذلك الشخص على رأسه. وهربت من الغرفة وهي لا تعلم من قام بذلك.
عودة من الفلاش باك.
فاقت من شرودها على صوت سحر: "شمس الحقي... مالك عمال يكسر في كل حاجة أمامه وعمال يصرخ وماسك السكينة وبيحاول ي..."
لم تكمل سحر جملتها بسبب خروج شمس بسرعة إلى غرفة مالك.
***
عند إياد.
كان يجلس على مكتبه وملف أحد الأشخاص بين يديه. ابتسم ابتسامة جانبية وقال: "ميرا أحمد القاسم... حلو أوي... طلعنا قرايب يا دكتورة ميرا. أنتي اللي بدأتي اللعبة وأنا اللي هنهيها... بس بطريقتي."
وقام بإغلاق الملف. وأمسك هاتفه وقام بالضغط على عدة أرقام. ووضع الهاتف بجانب أذنه: "جهز لي عربيتي... وبدلة شيك..."
"لا... أنا بس رايح أتجوز."
"مين دا اللي وقع... تؤتؤ... أنا بس عايز أعلمها الأدب... وهي عمرها ما تفكر تتحداني تاني."
"خلاص بقى يا مازن... مش وقت فلسفتك دي خالص... أنا قررت وخلاص."
قام بإغلاق الهاتف في وجهه. فهو ليس مستعد أن يقوم بحوار مع أخاه. هو لقد اتخذ القرار ولن يتراجع عن هذا الأمر. "استعدي يا ميرا... هندمك على اليوم اللي قررتي تتحديني فيه."
***
في ذلك القصر الكبير. يجلس ذلك الرجل المسن الذي يظهر عليه الوقار والحكمه. يدخل فجأة هو والسعادة تفر من عينيه: "لقيتها يا جدي... لقيتها."
"هي مين دي يا ولدي... اللي لقيتها؟"
"شمس يا جدي."
أدمعت عين ذلك الرجل المسن. فهو قد اشتاق لحفيدته الصغيرة. فهي قد هربت من المنزل منذ خمس سنوات. ولا يعلم أحد عنها شيء.
"لقيتها فين يا ولدي؟"
"عايشة في القاهرة... هي وأخوها مين خمس سنين... وبقت دكتورة كبيرة هناك... بس هي غيرت اسم العائلة عشان محدش يلاقيها."
الجد بسرعة: "هش... أسكت قبل ما حد من عيلتك يسمعك."
أومأ هو برأسه بسرعة: "حاضر يا جدي... بس إحنا هنوصل ليها هناك إزاي... ولو سافرت القاهرة... هيسألوا ليه... ومش هخلص من أسئلتهم."
"هتدبر يا ولدي... هتدبر... بس أنت قول يا رب."
"يا رب يا جدي... يا رب."
***
تجلس تلك الفتاة ذات العينين الساحرتين التي تشبه لون القهوة وترتدي الحجاب على رأسها ويخرج منه بعض الخصلات البنية التي تبدو بلون البندق في حديقة منزلها تستنشق رائحة الزهور الجميلة. لعله ينسيها ألم قلبها. ماذا فعلت هي لكي تستحق كل ذلك. ماذا فعلت كي تحب شخص لا يكترث لأمرها. يراها فقط كأخته. تنهدت بعمق لعلها تستطيع أن تقوم بطرد تلك الغصة المؤلمة من قلبها. لو كان الاختيار بيدها لقامت بمحو حبه من قلبها. لكن ماذا تفعل. هي لا تستطيع أن تفعل شئ سوى أن تدعي ربها بأن يزيل حبه من قلبها. وأنه إذا كان فيه خير لها فليقربه منها. وإذا كان شر لها فليبعده عنها.
تنهدت بمرارة. فهذا هو حالها منذ أن علمت بحبه لشخص آخر غيرها. قامت بإخراج دفتر خاص بها تقوم بتدوين مشاعرها بداخله على هيئة شعر.
ما الذي قمت به أنا أحببتك من كل قلبي. كرست وقتي كله إليك. وكنت مستعدة لأن أضحي من أجلك بحياتي. وبماذا كوفئت. بهجرك لي. بحبك لغيري. باعترافك الصريح بأنني مستحيل بأن أكون لك.
قامت بإغلاق الدفتر وعادت تستنشق الأزهار بقلب مكسور وعقل متوقف عن العمل.
رواية دموع الشمس الفصل الرابع 4 - بقلم اية هدايا
كانت تشعر بدقات قلبها تكاد تخرج من مكانها عندما سمعت صوت صراخه العالي.
ابتلعت شمس ريقها وكانت تشعر بالتوتر، ولكنها تماسكت ورسمت ملامح الجدية على وجهها.
دخلت إلى غرفته وجدته يقوم بتحطيم كل شيء أمامه وصوته العالي يملأ المكان.
شمس بحنين: مالك؟
نظر إليها فتى في العاشرة من عمره، صاحب عينين سوداء كسواد الليل وشعر فحمي اللون. وبالرغم من صغر سنّه إلا أنه كان في غاية الوسامة.
نظر إليها وصرخ بها: عايزة إيه مني؟ ابعدي عني. انتي السبب، ماما راحت بسببك انتي. أنا بكرهك.
صدمت شمس من كلامه، فهي كانت تعتقد أن سبب حالته هو قسوة والده عليه وتعديبه لها.
اقتربت شمس منه وقامت باحتضانه. ظل يقاومها وحاول أن يبعدها عنه، ولكنها تمسكت به وهمست له: مالك، أنا ما عملتش حاجة.
قاطعها صوته العالي: لاااااا انتي السبب. انتي اللي كنتي المفروض تموتي مش ماما. انتي السبب. انتي دمرتي حياتي.
شمس: هشششش. لا أنا ما عملتش حاجة يا مالك. أبوك السبب. دول كانوا بيعذبوني.
وبدأت في البكاء.
تعجب مالك من ذلك ونظر لها بتساؤل: انتي بتعيطي ليه؟
شمس ببكاء وقامت باحتضانه بقوة: أنا آسفة يا مالك. أنا السبب في كل حاجة. أنا السبب في أن مرات عمي ماتت. أنا السبب في أن الكل عايز يموتني. أنا السبب في أن منير عايز جسمي. أنا السبب في أن عمي عايز الأراضي بتاعت بابا. أنا السبب في أن سيف اتعرض للخطر بسببي أكتر من مرة. أنا السبب. السبب في كل حاجة.
وبدأت في البكاء بحرقة وتشبت به أكثر وبدأت تهمس: أنا آسفة يا مالك. أنا آسفة. بس أنا ما عملتش حاجة. أنا مجرد بنت عادية بتحلم بحياة عادية. نفسها تعيش حياتها.
شعر مالك بالشفقة ناحيتها وقام بالتربيت على ظهرها وقال بهدوء: أنا آسف. ما كانش قصدي. أنا بس عايز أشوف ماما. وحشتني أوي.
شعرت شمس بالصدمة وقامت بالابتعاد عنه ونظرت إليه: انت قلت إيه؟
مالك بلا مبالاة: أنا آسف.
شهقت شمس بصدمة: انت بتتكلم بهدوء. ومش بتعلي صوتك. وبتتكلم معايا عادي.
مالك بابتسامة: عشان حسيت إنك زيي. يمكن انتي السبب في كل اللي مريت بيه. بس انتي مريتي بظروف صعبة بردوا. يمكن أصعب مني. أنا كنت بشوف اللي بيعملوه فيكي. وأخويا منير. أنا كنت عارف كل حاجة. وكنت هقول لجدي. بس أبويا هددني لو قلت له حاجة هيقتلني.
بدأت الدموع تترقرق في عينيها الخضراء وهمست بألم: حتى أنت يا مالك. أنا حاولت أمنعهم عنك. لكن والدك كان عايز يموتني. وبدل ما يقتلني قتل والدتك. كانت طيبة جداً. كانت بتحاول تحميني منهم. لكن الأذى جه عليها. وكل ده بسببي. أنا ما كانش قصدي أنها تموت. آخر حاجة قالتها لي. إني آخد بالي منك. وأنها بتحبك. وطلبت مني أن أبعدك عن أبوك.
صدم مالك من ذلك. فهو اعتقد أن شمس هي السبب في مقتل والدته. فهذا ما أخبره به منير ووالده. قبل أن يهرب مع شمس أو بالأحرى تم اختطافه. فهو لم يرد أن يذهب معها، ولكن سيف قام بتنويمه واختطافه.
ابتسم مالك لها بحنو. ومد يده لها وقام بمسح دموعها وقال: أنا آسف. ما كانش قصدي أفكرك باللي مريتي بيه. أنا كنت فاكر إن انتي اللي قتلتي أمي.
نظرت له بصدمة: أنا. مستحيل. دي كانت بتحبني وبتعاملني زي بنتها. هقولك إيه اللي حصل في اليوم ده.
فلاش باك.
بعدما تلقت شمس جرعة العذاب التي تلقاها كل يوم. كانت ملقاة في تلك الغرفة المظلمة. وجسدها الملئ بالجروح والحروق.
دخلت تلك المرأة التي يبدو على وجهها ملامح الطيبة.
ابتلعت ريقها عند رؤيتها لذلك المشهد.
صفية: شمس حبيبتي.
عند سماع شمس ذلك الصوت الطيب، هرعت إليها مسرعة تختبئ في أحضانها وهي تبكي بحرقة.
صفية بحنان: هششششش. خلاص اهدي يا شمس. أنا جيت ومش هسمح لحد إنه يأذيكي. مالك حكالي على كل حاجة.
شمس بخوف وبدأت في البكاء: لالالا. ونبي أنا خايفة. الله يخليكي ابعديهم عني.
صفية: تعالي أنا ههربك. ومش هقول لعمك. أنا اتصلت بسيف. وهو مستنيكي في حديقة القصر.
شمس بفرحة: بسرعة يا مرات عمي. بسرعة.
صفية بضحك: حاضر. اهدي شوية.
قامت صفية بإلباس شمس عباءة سوداء من ملابس الخدم. وأثناء خروجها قابلهم منير.
منير: إيه يا أمي مين اللي معاكي دي؟
صفية بتوتر: هاا. لا أبداً يا ولدي. دي هنية الخدامة. تعبانة شوية. وأنا بسندها. لغاية بواب القصر.
منير بشك: الف سلامة يا هنية.
شمس: لا رد.
صفية بتوتر: معلش يا ولدي هي تعبانة حبتين.
منير بشك: مممم. حاضر يا أمي.
وتركها وذهب من أمامها ويروده الشك.
قامت صفية بإخراج شمس إلى سيف الذي كان ينتظر في حديقة القصر. ومنذ اللحظة التي وقع نظره عليها. هرول مسرعاً ناحيتها وقام باحتضانها.
تمسكت شمس به جيداً. كأنها تريد أن تقتحم صدره.
سيف بحنان: اهدي يا شمس. أنا معاكي. ما صدقتش نفسي أول ما مرات عمي قالت لي إنك هنا. انتي كويسة يا روحي.
شمس ببكاء: أنا عايزة أمشي يا سيف. دول كانوا بيضربوني وبيعذبوني. روحني يا سيف.
صفية بجدية: سيف لازم تهرب. منير مش هيسيب شمس في حالها. هو عايزها. وعمك عايز الأراضي اللي باسم شمس. هو هيقتل شمس بعد ما تمضي على الأراضي.
سيف بصدمة: بس منير بيحبها.
هزت صفية رأسها بالنفي: هو مش بيحبها. انت فاكر إن منير بيحب. هو عمره ما حب. هو عايز يقضي معاها ليلة. وبعد كده هيرميها.
سيف: وانتي عرفتي كل ده ازاي يا مرات عمي.
صفية بتنهيدة: سمعت كل كلمة قالوها. أنا مش كنت مصدقة اللي مالك قاله. أنا قلت يمكن ده عيل صغير مش فاهم حاجة. وكنت راحة أسأل منير. وسمعته بيتكلم مع جوزي وعرفت كل حاجة.
تشبثت شمس أكثر في سيف بعد سماعها لذلك الكلام. فهي باتت تخشى منير كثيراً.
صفية بجدية: لازم تهرب يا سيف. وليا طلب عندك.
سيف: إيه هو يا مرات عمي.
صفية بتنهيدة: خدوا مالك معاكم. عشان هو ذاق الذل والعذاب على إيد عمك. وعاصم مسافر وجدك مش هيرجع إلا بعد سنتين. وما فيش حد هيساعدكم هنا.
سيف بطاعة: حاضر يا مرات عمي. مالك في عنينا.
وفجأة سمعوا صوت صراخ في كل مكان.
منير: شاااااااااامس.
صفية باستعجال: يلا يا ولدي عجل. من هنا قبل ما يكشفوك.
سيف وهو يحمل شمس التي لم تكن قادرة على السير: أنا هجيب مالك. بس لازم أودي شمس مكان آمن الأول.
صفية: عَجِل يا ولدي.
تحرك سيف من أمام صفية واتجه بها إلى الخارج من البوابة الخلفية.
عودة من الفلاش باك.
شمس بتنهيدة: وبعد كده سيف رجع عشان ياخدك. بس لقي مرات عمي مقتولة. وكان أبوك هو اللي قتلها. وبعد كده. راح جابك من أوضتك. طبعاً بعد ما عمي قال لك إن أنا اللي قتلتها. انت رفضت إنك تيجي. فسيف راح مخدرك. وجابك وهربنا بمساعدة أصحاب سيف.
مالك بأسف: أنا آسف يا شمس. أنا بقالي خمس شهور فاكر إن انتي اللي قتلتي أمي. وانتي ما كنتيش السبب. وإن أبويا هو اللي قتلها.
شمس بمرح: خلاص يا لوكة. المهم إنك بخير. وإنك بتتكلم عادي من غير صراخ.
مالك بغيظ: ما تقوليش لوكه. هو انتي شايفاني بنت قصادك ولا إيه.
شمس بمرح: العفو يا مالك بيه. دا أنت راجل وسيد الرجال.
مالك: أيوه كده.
وبعد ما قاله مالك انفجرت شمس في الضحك.
كان الاثنان عن زوج الأعين التي تراقبهم. استمع مراد لكل ما قالته شمس لمالك. فهم هو الآن كيف عانت أكثر من أخته. ولكن هي تعرضت للإهانة والتعذيب. لكن أخته تعرضت لما هو أقصى من ذلك.
سرح قليلاً في ضحكتها التي أسرت قلبه. لم يعلم مراد ما الذي يحدث معه. فهو كان يشعر بألم رهيب في قلبه. عند سماع ضحكتها. لم يستطع أن يقاوم نفسه.
قام مراد بإخراج هاتفه والتقط لشمس عدة صور بأوضاع مختلفة. مرة وهي تضحك. ومرة وهي تقبل مالك. ومرة وهي تقوم بدغدغته.
ابتعد مراد عن الغرفة وهو يفكر في الذي مرت به شمس. ومن السبب في الذي مرت به. ومن هو منير. لقد سمع ذلك الاسم من قبل. لكن أين.
لحظة لقد تذكر الآن. لقد سمع ذلك الاسم عندما اقترب من شمس وشعرت بالفزع من اقترابه منها. وظلت تردد اسم منير وهي تتأسف له.
خرج مراد من المستشفى واتجه إلى شركته. وهو يفكر في تلك الشمس التي شغلت باله.
وصل مراد إلى شركته. إلى الموقع الرئيسي لشركات العرابي للنفط.
دخل مراد مكتبه. وجد آخر شخص تمنى وجوده.
سهى وهي تنهض من مكانها وتحرك خصرها لكي تثيره: مراد حبيبي كنت فين؟ قلقتني موووت.
قالت جملتها الأخيرة وهي تعبث في أزرار قميصه.
قلب مراد عينيه بحركة دائرية علامة على الضجر. وقام بإزالة يد سهى التي تعبث بملابسه.
وقال لها وهو يغلق أزرار ملابسه: عايزة إيه يا سهى؟ اخلصي. أنا مش عندي وقت للكلام الفارغ ده. ومش عايز دلع.
شعرت سهى بالغضب وقالت له بصوت عالٍ: دلع. إيه يا أستاذ مراد. أنا كنت قلقانة عليك. وانت مش همك.
وفي لمح البصر كان وجه سهى كان في الناحية الأخرى. بسبب الصفعة التي تلقتها من يد مراد.
مراد بغضب وعينين تحمل كل معاني العذاب: انتي فاكرة نفسك مين عشان تعلي صوتك عليا. أنا وحش الاقتصاد اللي الكل بيخاف يرفع عينه في عيني. اتجننتي انتي عشان تعاتبيني. وبعدين هو أنا عيل صغير عشان تقلقي عليا. ومين اداكي الحق أنك تسألي أنا كنت فين أو مع مين. كنتي. أمي. أختي.
قاطعه صوت سهى الغاضب: مرتك يا أستاذ. ولا انت ناسي دي كمان.
أمسكها مراد من شعرها حتى كاد أن يقتلع من فروة رأسه.
مراد بصوت كفحيح الأفعى: لو على الورقتين العرفي فبليهم واشربي ميتهم. واظن إني لما اتجوزتك. إني ما وعدتكش بحاجة.
سهى بغضب متناسية ألمها: بس أنا افتكرت إنك بتحبني وإنك اتجوزتني عشان كده.
مراد بسخرية وقام بترك شعرها وقال: أنا لما هحب. هحب واحدة محترمة تصون شرفي وعرضي وتكون أم لعيالي. مش راقصة وكمان واحدة****.
سهى بغضب: وما لها الراقصة يا عنيه. مش دي الراقصة اللي حفيت عشانها.
ابتسم بسخرية وقال: أنا كنت واخدك شهوة. يعني أقضي معاكي ليلة وخلاص. بس أنا مش من أخلاقي كده. ومدام أنا غلط. فلازم أتحمل نتيجة غلطتي.
سهى بغضب متناسية أن ذلك الذي يقف أمامها هو وحش الاقتصاد: ما هو انت واحد حيوان. وزبالة. تفرق إيه انت عنهم. ما عندكش ضمير. وأحقر راجل أنا شوفته في حياتي.
نظر مراد لها تلك النظرة التي تظهر شخصية الوحش الحقيقية. تلونت عيناه باللون الأسود ونظر لها تلك النظرة التي لم تراها سوى مرة واحدة عندما أخطأت بحق أخته. وكان بعدها عقابها أليم بكل معنى الكلمة. ولم تشفى من ذلك العقاب إلا بعد ستة أشهر.
ابتعدت سهى عنه بسرعة: أنا آسفة يا مراد. ما كانش قصدي والله.
مراد بصوت مخيف: انتي قولتي إيه.
سهى بسرعة وخوف من القادم فهي تعلم أنها مهما ترجته فهو سوف يعاقبها أشد عقاب: ما قلتش حاجة. أنا آسفة.
نادى مراد بصوته العالي: صااااااااالح.
دخل المدعو صالح وكان شاب في الثلاثينات من عمره ذو جسد مليء بالعضلات وملامح وجهه تنم على الشر: نعم يا وحش.
مراد بصوت مخيف: ودي الزبالة دي للمخزن. وانت عارف الباقي. مش محتاج أوصيك.
صالح بابتسامة: أوامرك يا وحش. كل اللي تؤمر بيه مستجاب.
قام صالح بجذب سهى من شعرها حتى كاد أن يقتلع في يده.
عاد مراد للجلوس على أريكته تحت صوت صراخ سهى التي تستنجد به. وحاول أن يهدئ من نفسه حتى لا يقوم بارتكاب جريمة.
وبعد ساعة هدأ مراد من عاصفة الغضب التي كانت تسيطر عليه.
وبعد عدة دقائق دخل إياد إلى غرفة مراد. وعندما نظر إلى مراد وجده في حالة يرثى لها. فكانت ملابسه مجعدة وشعره مشعث وعينيه تدل أنه كان في حالة الوحش.
ابتلع إياد ريقه. فهو يعلم أن إذا تلك الحالة سيطرت على صديقه فهو يتحول إلى شخص آخر غير مراد العرابي.
إياد بهدوء: مراد.
رفع مراد عينيه إلى صديقه. نظر له بعدم اهتمام: عايز إيه يا زفت.
إياد بمرح: والله يا بني اسمي إياد مش زفت. لو كان زفت ما كنتش استخسرت فيك إنك تقولي زفت.
مراد بهدوء: عايز إيه يا زفت.
إياد بدراما: يلهوي. أعمل فيك إيه يا بني. إحنا بقالنا كام سنة صحاب.
مراد بنفاد صبر: ايااااد.
إياد بجدية: خلاص. أنا كنت جاي أقولك إني ناوي أتزوج.
اعتدل مراد في جلسته ونظر له باهتمام: انت قلت إيه.
إياد بلا مبالاة: هتجوز يا مراد.
مراد وهو يعود إلى جلسته: وده من امتى إن شاء الله. أنا عارفك مش بتاع جواز.
إياد ببراءة: طبطت يا عم في حبها امبارح.
رفع مراد حاجبه الأيسر: طبطت في الحب. الحكاية دي وراها. إن... هتقول في إيه. ولا أنا هعرف بطريقتي.
إياد بضحك: هو أنا أقدر أضحك على الوحش بردوا.
مراد بنفاد صبر: اخلص.
إياد بجدية: ميرا نادر محمد القاسم.
مراد بتركيز: أنا سمعت الاسم ده قبل كده.
إياد بلا مبالاة: دي أشطر دكتورة جراحة عندك في المستشفى اللي اشتريتها من يومين.
مراد بقوة: قول إيه اللي خلاك. تكون عايز تتجوزها. وخصوصاً إنها مش من استايلك.
قال جملته الأخيرة بسخرية.
إياد: انت بتتريق يا مراد. على العموم عايزك تكون موجود على الساعة 9 بليل عشان خطوبتي.
مراد وهو يعيد ظهره للوراء: ومش هتقولي عايز تتجوزها ليه.
إياد بابتسامة: لأني عارف إنك هتعرف كده كده. فالأحسن إنك تعرف مني. ولا تعرف من الغريب.
وحكى له كل ما حدث عندما ذهب لكي يراه في المستشفى.
مراد بضحك: تصدق تستاهل أكتر من كده. يعني كنت عايز تبوسها. وعايزها تقولك إيه. تعالي يا يودا نآخد أوضة في فندق.
إياد بإصرار: وأنا هدفعها تمن اللي هي عملته. مش إياد القاسم اللي حتة عيلة تعمل فيه كده.
مراد وهو يتجه إلى الحمام: طب سلام يا..... إياد القاسم. عايز أرتاح قبل خطوبتك.
هم إياد بالرحيل. ولكنه قبل أن يرحل قال: صحيح. عملت إيه مع ليان.
توقف مراد قبل أن يكمل دخوله للحمام وقال باقتضاب: حلوة.
ودخل إلى الحمام ليأخذ حمام بارد ويهدئ تلك الأفكار من عقله.
رحل إياد من الغرفة بل من الشركة بأكملها. لكي يرى ماذا سيفعل مع تلك العنيدة. فمهما كانت قوتها. فهي سوف تخسر أمام إياد القاسم.
عند ميرا.
كانت تجلس في المكتب الخاص بها. كانت شارده في ذكريات الماضي السعيد. تلك الأيام التي كانت تقضيها مع خطيبها السابق أحمد.
فتحت ميرا هاتفها ونظرت إلى صورة ذلك الشخص الذي كان يبدو أنه في العشرينات من عمره. صاحب عينان سوداء وسواد شعره الذي كان يبدو كظلمة الليل الحالكة. وتلك الابتسامة الرائعة التي تزين وجهه.
قطع شرودها صوت رنين هاتفها. وكان ذلك والدها. ودارت المكالمة كالتالي.
_نعم يا بابا.
_أنا فين يا حبيبتي.
_أنا في المستشفى.
_بصي يا حبيبتي ارجعي بدري النهاردة عشان في موضوع عايزك فيه.
_موضوع إيه يا بابا.
_لما ترجعي يا حبيبتي.
_حاضر يا بابا.
أغلقت ميرا الهاتف مع والدها وعادت تنظر إلى صورة خطيبها السابق بحب وعشق جارف.
هبطت دمعة من عينيها. ولكنها أزالتها سريعاً.
_أنا عارفة إني وعدتك. إني مش هضعف. وإن كل ما أضعف. افتكر لما كنت بتقف جنبي. وإنك ساعدتني أوصل للي أنا فيه.
تنهدت بضيق. فهي منذ أن رحل عنها وهي تشتاق له كثيراً. صحيح إنها تضحك وتمزح مع الكل. لكن بداخلها ألم إذا قامت بتوزيعه على سكان العالم. فسيكفي ويبقى منه الكثير.
وعادت تتأمل صورته من جديد وهي تسترجع ذكرياتها معه وتلك الأيام السعيدة التي كانوا يقضونها.
عند إياد.
اتجاه إياد إلى مطار القاهرة الدولي.
كان واقف عند المنطقة التي يهبط منها الركاب. وعندما لمح إياد ذلك الشاب صاحب عينين زرقاء كعينيه. وشعر باللون الأسود.
اقترب ذلك الشخص منه بسرعة عندما لمحه. ركض بسرعة نحوه وقام باحتضانه وقال وهو يربط على ظهره: عامل إيه يا إياد. وحشتني موت.
إياد بضحك: انشف يااض. إيه وحشتك دي. أوعى يكون علموك السيكو. السيكو. في أمريكا.
مازن بضحك: عيب عليك. أخوك راجل. وما يعملش الحاجات دي.
إياد: أيوه كده. نتلقى.
قاطعه مازن: بس في شوية صواريخ. إنما إيه. صاروخ ثلاثي مندفع.
إياد بصدمة: انت بتقول إيه يااض.
مازن بضحك وهو يسير خارج المطار: إيه يا عم. ليه مفكر إنك الخضرة الشريفة.
إياد بضحك: بصراحة لا. في دي عندك حق.
وبدأ الاثنان في الضحك وخرجوا من المطار متوجهين إلى منزلهم.
مازن هو الأخ الأصغر لإياد. صاحب عينان زرقاء وشعر أسود وجسد رياضي وبشرة بيضاء. ووسيم مثل أخاه. ولكن مرح وعنيد ويحب أخاه ومراد كثيراً.
في محافظة سوهاج. أجمل محافظات الصعيد من حيث الجمال وسحر الهواء والنباتات الرائعة. وخصوصاً في ذلك القصر الكبير التي تعيش به عائلة النجعاوي. تلك العائلة العريقة.
دخل الجد إلى غرفة حفيده.
الجد: بتعمل إيه يا ولدي.
الابن: رايح أجيبها يا جدي. أنا استنيت أكتر من عشر سنين. ومش هقدر أستنى أكتر من كده. وأول ما ألاقيها هتجوزها يا ولدي. هي دي الطريقة الوحيدة اللي هتحميها منهم.
الجد: وهتقول إيه أبوك وأخوك.
الابن: هقول إن أنا مسافر القاهرة عشان شغل.
الجد بابتسامة: للدرجادي بتحبها.
الابن: جوي جوي يا جدي. أنا بحبها من وهي لسه في ألفه. بحبها لما كانت تروح المدرسة. بحبها لما كانت تيجي تاخد مني الشيكولاتة.
الجد بابتسامة: يبقى على بركة الله.
الابن: الأول أجيبها يا جدي. وبعد كده أتجوزها على طول.
كان الاثنان غافلين عن تلك المسكينة التي استمعت إلى كل هذا الكلام. فهي جاءت لكي تراه وتملي عينيها به. ولكنها استمعت إلى ذلك الكلام الذي أكد لها أنه لا يحبها مهما فعلت. فشمس ستظل عائق بينهم أو هذا ما اعتقدته.
رحلت بسرعة من المكان قبل أن يلاحظها أحد. رحلت وقلبها مليء بالجروح. رحلت وقلبها مع كل دقة ينبض باسمه هو. لاكن لا. هي ليست ضعيفة أو بلا كرامة. فهي ذات كبرياء. وإذا لم يحبها أو يهتم لها فلا بأس. فل يكن. فمن المحتمل أن الله يخبأ لها شيئاً أعظم بكثير. ومن يعلم. فالله على كل شيء قدير.
رواية دموع الشمس الفصل الخامس 5 - بقلم اية هدايا
في شركه مراد العرابي، في مكتب وحش الاقتصاد، كان يجلس وينظر إلى لوحة في الحائط بشرود. وأخذ يحدث نفسه:
"غريبه.... عنيده.... هبله... طيبه.... جميله.... مضحيه..."
قاطعه صوت صالح الخشن:
"أمرك يا وحش."
رفع نظره له وتحولت ملامح وجهه إلى ملامح تنم على الشر:
"عملت إيه؟"
صالح بابتسامة جانبية:
"عملت كل خير... مرميه في المخزن... وحالتها عشرة على عشرة... بس..."
ضيق مراد عينيه ونظر له:
"بس إيه..."
ابتلع مراد ريقه وحاول استجماع نفسه لكي يخبره ذلك الخبر:
"بصراحة يا وحش... هي أغمي عليها... وجبنا ليها الدكتور... قال إنها..."
مراد بنفاذ صبر:
"قال إيه... انطق يا صااااالح."
صالح بخوف وتوتر من القادم:
"حامل."
صدم مراد من الذي قاله صالح، ولكن هو كان متوقع ذلك. فهو كان دائمًا يستسلم لها عندما كان يقترب منها، كما أنها زوجته. ولكنّه لا يريد هذا الطفل، أو أنه لا يريده منها.
تنهد بضيق وشعر بالغضب الشديد منها ومن نفسه ومن هذه الحياة.
أشار لصالح بالخروج، وبالفعل خرج صالح.
قام مراد بنزع سترته ثم قام بنزع قميصه، فكان عاري الصدر. ثم اتجه إلى تلك الغرفة التي يدخلها كلما شعر بالغضب.
دخل إلى غرفة كانت فارغة تماماً إلا من خزانة توجد بها ملابس لمراد للحالات الطارئة وكيس للملاكمة مليء بالرمل. ولكن مراد وحش الاقتصاد لا يتدرب بأكياس ملاكمة عادية.
كان ذلك الكيس مليئاً بالرمال والحصى (قطع حجارة كبيرة نسبياً).
اقترب مراد منه وبدأ في لكمه عدة مرات وظل هكذا حتى مرت ساعتان وهو يقوم باللكم والضرب.
ابتعد مراد عن كيس الملاكمة بعدما شعر بالتعب، وكانت يداه تنزف بشدة. لم يهتم لها وقام بأخذ المنشفة وبدأ في تجفيف العرق من على جسده وشعره.
وفي تلك الأثناء... كانت شمس تقف أمام شركة العرابي، وبسبب غضبها لم تلاحظ اسم الشركة. كانت تشعر بالغضب الشديد من تأخر سيف، فهو لم يأتِ لكي يقلها من المستشفى هي ومالك. فهي قد قامت بتوقيع الأوراق التي تثبت تقدم حالة مالك الصحية وأنه لا يعاني من شيء.
دخلت إلى الشركة بعدما أخبرت حراس الشركة أنها أخت المهندس سيف. كانت ملامح الغضب ظاهرة على وجهها. كان الكل ينظر لها بإعجاب شديد، فهي بعينيها الساحرتين التي لا يعلم المرء أهي خضراء أم بنية أم عسلية... ملئية بالقوة والثقة وأيضاً بعض الغضب. وشعرها الأسود الذي يوجد به بعض الخصلات البنية الذي ينساب على ظهرها برقة، وذلك الفستان البسيط الذي ينساب على جسدها برقة. وبالرغم من بساطته إلا أنه كان في منتهى الروعة على جسدها.
كانت تسير في ممرات الشركة وهي لا تعلم أين تتجه، فهذه هي المرة الأولى لها في تلك الشركة.
أوقفت إحدى الفتيات التي يظهر على وجهها التكبر والغرور.
شمس بهدوء:
"بعد إذنك... متعرفيش فين مكتب المهندس سيف محمود؟"
الفتاة باستحقار:
"لأ معرفش... وبعدين إزاي دخلتي الشركة... مش مسموح للحثالة إنهم يخشوا الشركة... وتعرفي منين سوفي؟ بقي... أكيد انتي واحدة من الزبالة اللي يعرفهم."
لم تستطع شمس تمالك نفسها بعد نطق تلك الفتاة تلك الإهانة في حقها. قامت شمس بتكوير يدها وقامت في لمح البصر بلكم تلك الفتاة على وجهها ثم قالت بحده:
"انتي واحدة حقيرة ولو فكرتي في يوم تهينيني أو تجيبي سيري أخويا بغير حق مش هيكفيني فيكي البوكس دا."
دخلت شمس إلى إحدى الغرف ولم تعلم لمن تلك الغرفة. وجدت الغرفة فارغة والمكان في غاية الأناقة والجدران باللون الأبيض ويبدو عليه القوة والفخامة والاكتئاب. شعرت شمس بالاختناق من تلك الغرفة والتي كان يبدو عليها أنها غرفة المدير.
همت شمس بالرحيل من تلك الغرفة ولكن أوقفها صوت الباب الذي فُتح. التفتت شمس لترى من ذلك الشخص. صدمت شمس من المشهد الذي أمامها. كان ذلك مراد وهو يحاوط خصره بمنشفة وصدره عارٍ وعضلاته السداسية البارزة جعلت منه في غاية الوسامة. وقطرات الماء التي تنساب من رأسه إلى جسده وكانت تسير بين منحنيات جسده.
شعرت شمس بالتوتر وقامت بوضع يديها على وجهها. وهمست لنفسها:
"غضي البصر يا ابله شمس... إيه اللي انتي بتعمليه دا."
وهمت شمس للرحيل من تلك الغرفة ولكن أوقفها جذب مراد لها. ارتطمت شمس بجسده الصلب المليء بالعضلات. شعرت شمس بالفزع ولكنها تماسكت ونظرت له بحدة:
"ابعد يا أستاذ مراد."
نظر لها مراد ببرود:
"ولو معملتش؟"
شمس بتحدي:
"الظاهر إن انت مش بتتعلم من غلطتك... والمرة اللي فاتت اتحدتني... وعرفت أنا أقدر أعمل إيه."
مراد بسخرية:
"لأ حلو يا قطة... بس أنا اللي سبتك المرة اللي فاتت... يعني انتي تخطيتي حدودك... فاضل ليكي غلطة يا قطة وهيكون ليكي عقابك."
شمس بسخرية:
"وإيه هي غلطي بقي يا وحش؟"
لن يهتم مراد لسخريتها واقترب منها وهمس بجانب أذنها:
"أول واحدة... الحركة دي... وتاني واحدة... لما قولتي عليا حمار."
شعرت شمس بالتوتر فهي اعتقدت أنه لم يسمعها وهي تقول تلك الكلمة. شعرت شمس بالغضب من نفسها فهي كيف سمحت له بالاقتراب منها بتلك الدرجة وكيف سمحت لنفسها أن تبقى معه في غرفة واحدة.
شمس وهي تدفعه بعيداً عنها:
"انت إنسان وقح وأنا مش مضطرة إني أقف وأسمع كلامك اللي ملوش ريحة اللزوم دا."
وخرجت من تلك الغرفة تحت أنظار مراد الغاضبة والشرر الذي يتطاير من عينيه.
دخل مراد تلك الغرفة الذي يضع فيها ملابسه وقام بتبديل ملابسه وارتدى بدلة سوداء تزيدُه وقاراً وعظمة وارتدى ساعته الذهبية وقام بوضع عطره النادر الذي لا يوجد منه إلا القليل في بلدان العالم وقام بتصفيف شعره بطريقة فاخرة. وخرج من الغرفة وهو يتوعد لتلك الشمس. فمن هي لكي توجه له تلك الإهانة وتخرج هكذا دون أن يسمح لها بالخروج.
(مسكين يا مراد هتعرف إن دي هي اللي هتوقعك وتخليك تنسى غرورك للأبد)
كانت شمس تبحث عن مكتب أخاها حتى وجدته منكبًا على مجموعة من الأوراق ويبدو أنه مرهق ومتعب. نظرت شمس له بشفقة واتجهت ناحيته تحت أنظار أصدقائه المتعجبين من تلك الفتاة الجميلة.
شمس بحدة خفيفة:
"سيف."
تفاجأ سيف من صوت أخته فرفع نظره إليها.
سيف باندهاش:
"شمس... بتعملي إيه هنا؟"
شمس وهي تلوي شفتيها:
"جاية يا أستاذ عشان في واحد نسي معاد خروجي أنا ومالك من المستشفى."
حاول سيف احتواء غضب أخته، فأقترب منه وقام باحتضانها. وتزامن ذلك الموقف مع دخول مراد للمكتب. صدم مراد من ذلك المشهد وشعر بالغضب الشديد من ذلك المنظر. اقترب مراد منهم وقام بجذب شمس من أحضان سيف وقام بلكم سيف لكمة جعلت وجهه ينزف.
شهقت شمس بصدمة ونظرت إلى مراد بحدة. كانت نظرات شمس الحادة أمام نظرات مراد الغاضبة.
شمس بحدة:
"انت حيوان... إيه اللي انت عملته دا."
واقتربت من سيف وحاولت مداواة جراحه، فقامت بنزع قميص الفستان وقامت بمداواة جراحه. جُن جنون مراد من تلك الفعلة، فكيف لها أن تقوم بذلك؟ من هو لكي تفعل له ذلك؟ شعر بالغضب الشديد وتلونت عيناه بالأسود وقبض على يديه حتى ابيضت سلاميات يده.
شعر الجميع بالخوف، فهذه هي الحالة التي يصل إليها من الغضب، تلك الحالة التي يتحول فيها مراد العرابي إلى وحش الاقتصاد، وحش كاسر لا يعرف مع من يتعامل.
شعر سيف بالخوف والرعب على أخته، ولكن هي لم تخطئ، هو الذي أخطأ. وحتى ولو لم يكن أخاها، فلما هو مهتم بذلك الأمر؟ وتلك هي المرة الأولى التي يهتم بها بأحد. فهناك الكثير من الموظفات في تلك الشركة يقمن لأكثر من تلك الحركات الرخيصة ولا يهتم بذلك أبدًا. فلما هو الآن يهتم؟ أيعقل أنه...
قطع شروده صوت مراد الغاضب:
"ما شوفش وشك في الشركة دي تاني... واختك لها عقاب كبير إنها رفعت إيدها على وحش الاقتصاد."
وترك مراد الجميع بعد ما ألقى قنبلة التي وقعت على سيف. شعر سيف بالإهانة ولكنه تماسك وذهب خلف مراد وقال له:
"استنى."
لم يستدر مراد له، بل وقف وكان ظهره مواجهًا له. قال له سيف:
"انت ليه عملت كده؟"
لم يلتفت إليه مراد وقال له ببرود:
"عملت إيه؟"
شعر سيف بالغضب وقال بصوت عالٍ:
"انت عارف أنا بتكلم عن إيه."
مراد ببرود:
"الأحسن إنك توطي صوتك وإلا هتلاقي نفسك خارج من الشركة دي على نقالة."
سيف بغضب شديد:
"انت واحد مغرور وأنانى... انت ليه عملت كده... وانت عارف إن في بنات كتير في الشركة دي بيعملوا أكتر من كده وهي أختي فهي لها الحق إنها تحضني. وانت عمرك ما اهتميت بدا... ليه دلوقتي اهتميت لما لقيت شمس في حضني."
لم يجب عليه مراد، فهو نفسه لم يعلم لما قام بذلك.
سيف بالصوت العالي:
"أنا أقول لك ليه... شوف نظرة عينيك لما كانت بتحاول تداوي جروحي... نظرة عينيك لما رفعت إيدها عليك... اللي يشوف اللي بيحبه بيهتم بواحد غيره... بيحس بنار في قلبه... وهو ده اللي حسيت به لما لقيت شمس في حضني وانت ما تعرفش إن هي أختي."
وتركه سيف بعد ما ألقى ذلك الكلام على مراد الذي كان بمثابة دلو مليء بالماء البارد.
وصلت شمس إلى المستشفى وأخذت مالك واتجهت إلى المستشفى بعدما قامت بتجفيف دموعها. وصلت شمس إلى منزلهم. دخلت شمس إلى المنزل وفي يدها مالك الذي كان يتأمل المنزل وينظر له بإعجاب. نزلت شمس إلى مستوى مالك وقامت بالتربيط على رأسه وهمست له بحنان:
"مالك حبيبي... انت هتعيش معايا أنا وسيف... واعتبر البيت بيتك."
أرشدت شمس مالك إلى غرفتها. أعجب مالك من شكل الغرفة فكانت مليئة بملصقات الأبطال الخارقين، ولاعبي الكرة المشهورين. وكان الفراش معد ومرتب بطريقة جيدة كأنه كان محضر من قبل من أجله. دخلا مالك إلى الغرفة وبدأ في القفز على الفراش. كانت شمس تنظر له بسعادة بالغة فهي أخيرًا استطاعت أن ترسم الفرحة على وجه مالك كما وعدت والدته.
وبعد مدة ذهب مالك إلى النوم بسبب الإرهاق والتعب، وأنه لم يكن يستطع النوم بشكل مريح في المستشفى. وعدت شمس مالك بأنهم في الغد سوف يذهبون إلى المول ليشتروا له بعض الملابس.
خرجت شمس من غرفة مالك واتجهت إلى غرفتها وقامت بتبديل ملابسها إلى برمودا إلى الركبة وبدي كت وربطت شعرها على هيئة ذيل الحصان.
وقفت شمس في الشرفة الخاصة بالمنزل ورفعت وجهها إلى السماء. وتنهدت بعمق، فهذه هي المرة الثانية الذي تهان من أحد ويطعنها في شرفها. هي لم تخطئ، فهو أخاها، فكيف له أن يقول عنها ذلك الكلام؟
شعرت شمس بالضيق والاستحقار من ناحية مراد. ولكنها لن تكون مثله وسوف تثبت له أنه عنيد ومغرور وسوف تحطم غروره. ومن الغد سوف تبدأ في معالجة أخته لكي تعود إلى حالتها الطبيعية.
أما عند مراد، فاتجه إلى المخزن القديم. نادى مراد على صالح وأخبره أن يرحل هو والحراس ولا يترك معه أي أحد. نفذ صالح أوامر مراد وخرج من المخزن هو والحراس.
دخل مراد إلى الغرفة التي توجد بها سهى. أحضر مراد إحدى الكراسي وجلس عليها ونظر إلى سهى نظرات حادة جعلتها ترتعب في مكانها. لم يشفق مراد عليها أبدًا، فهي بالرغم من حالتها كانت الدماء تسيل من وجهها ويبدو أن لديها العديد من الكسور في قدمها وذراعها. إلا أنه لم يشعر بالرحمة.
نظر مراد لها بسخرية وقال:
"أوعي تكوني تعبتي يا مراتى."
نظرت له بكره ممزوج بالخوف، فهي في النهاية تقف أمام وحش الاقتصاد.
سهى بكره:
"عايز إيه يا مراد؟ عايز تقتلني أنا واللي في بطني؟ أوعى تكون ناوي تستعر منه... أو تجوزني لواحد تاني يتكفل بيه... عشان تداري على غلطتك؟ بس لازم تعرف يا مراد إن اللي في بطني ده ابنك و مهما عملت هيكون وهيفضل ابنك."
ابتسم مراد بسخرية وقال:
"أنا مش هقتل اللي في بطنك ولا هقتلك... وكمان هكتب اللي في بطنك على اسمي... ومش هستعر منه ومش هجوزك لحد... وهتفضلي على ذمتي."
تلت أسارير سهى ونظرت إلى مراد بفرحة وقالت له:
"شكراً... شكراً يا مراد. أنا عارفة إن كنت عارفة إني مش ههون عليك."
نظر لها مراد وابتسم ابتسامة جانبية:
"بس فيه شروط."
نظرت له بتساؤل. أكمل مراد وقال:
"مش هتعيشي في القصر... وهشتري شقة ليكي وهبقى أجي أزورك مرة في الأسبوع."
نظرت له بدهشة وقالت له بحدة خفيفة:
"إيه اللي انت بتقوله ده؟ عايز تعيشني لوحدي؟ المفروض تكون حنين أكتر من كده. اللي في بطني ده ابنك... ابنك فاهم؟"
مراد ببرود:
"سمعتك مرة... وأنا قلت لك قبل كده إني مش بحبك وكمان أنا ما وعدتكش بحاجة والمفروض تعرفي إن أنا رحمتك لما أنا سمحت إن اللي في بطنك ده يفضل عايش... عشان أنا قلت قبل ما أتزوجك إنه ما فيش حمل بس انت خالفتي أوامري وانتي عارفة اللي يخالف أوامري آخرته إيه."
ابتلعت سهى ريقها، فهي لا تريد أن تدخل جحيمه مرة أخرى وقالت بقله حيلة:
"حاضر يا مراد."
هم مراد للخروج. وقبل أن يخرج التفت لها وقال:
"آه صح اللي هيوديك صالح مش أنا."
ثم غادر الغرفة متجهاً إلى القصر، وكل ما يشغل باله الذي قام به في الشركة. اتصل مراد بأياد واتفق معه على أنه سوف يحضر خطبة، بالرغم من أنه ليس مقتنعًا بالذي سوف يقوم به.
عادت ميرا إلى المنزل بعد اتصالات والدها المتكررة. دخلت ميرا إلى المنزل. ووجدت والدها يجلس على الأريكة ويمسك في يديه الجريدة.
ميرا بارهاق:
"إزيك يا بابا... عمال تتصل ليه من الصبح؟"
الأب بعتاب:
"يا بنتي أنا قلت لك ما تتأخريش عشان أنا عايزك في موضوع مهم."
ميرا بتعب:
"مفيش يا بابا بس كان عندي حالات كتير."
الأب بجدية:
"بصي يا حبيبتي أنا نفسي أفرح بيكي وأشوفك عروسة... وأشيل ولادي على أيدي قبل ما أموت."
ميرا بدهشة وصدمة من كلام والدها:
"ليه بتقول كده يا بابا؟ ما انت عارف إن أنا مش عايزة أتزوج وخصوصاً بعد ما......"
قاطعها والدها وقال:
"بعد ما أحمد مات."
نظرت إليه بحزن. تنهد الأب بضيق وقال لها:
"خلاص بقى يا ميرة... أحمد كان خطيبك بس لازم تشوفي حياتك."
ميرة ببكاء:
"أحمد كان حياتي... أحمد هو نفسي... أحمد كان كل حاجة في حياتي."
الأب بحزن وهو يقوم باحتضانها:
"خلاص يا حبيبتي أنا عارف قد إيه إنك متعلقة بأحمد بس أنا مش هجبرك تتجوزي بس أنا بطلب منك تشوفيه وبعد كده لو مش عاجبك ارفضيه."
ابتعدت ميرة عن والدها وابتسمت له:
"حاضر يا بابا عشان خاطرك انت بس."
وأكملت بمرح:
"يللا بقي يا سوسو... هحضر لك طبق ملوخية بالارانب هتاكل صوابعك وراها."
الأب بصدمة:
"سوسو... مين يا بت؟"
ميرا ببراءة:
"مش انت حسين يبقي سوسو."
حسين:
"ماشي يا جزمة حسابك معايا بعدين."
ميرا:
"دا أنا ملاك يا سوووووسووووو."
حمل حسين حذائه والقاه عليها.
ميرا:
"كده يا سحس مكنش العشم بردوا... اخص عليك... أنا مخصماك."
ضحك حسين على ابنته التي لن تكبر أبداً.
كان إياد يقف أمام المرآة ويقوم بتصفيف شعره وقام بارتداء بدلة سوداء جعلت منه أكثر وسامة وأكثر أناقة. دخل مازن إلى غرفة أخيه وقام بالتصفيق بيديه الاثنتين:
"الله... الله... الله إيه العريس القمر دا؟ هو ينفع أنا اللي أتجوزك؟ ما تجيب بوسة مشبك."
قام إياد بإعطاء مازن قفلة:
"إيه رأيك في البوسة دي؟ أنا قلت إن الجامعة علمتك السيكو... سيكو."
وانت قلت لـ مازن بضيق مصطنع:
"إيه يا عم لسه إيدك تقيلة زي ما هي."
إياد بسخرية:
"وانت لسه لسانك طويل زي ما هو."
مازن بضحك:
"ده العادي يا ابني بتاعى."
إياد:
"طب يلا اطلع البس هدومك عشان نروح نشوف العروسة."
مازن بجدية:
"انت لسه بتفكر في الموضوع ده يا إياد؟"
إياد بغضب خفيف:
"اخلص يا مازن إحنا مش هنتكلم في الموضوع ده كتير وانت عارفني كويس اللي يهين إياد القاسم... نهايته كتابها بأيديه."
مازن بابتسامة جانبية:
"أنا خايف لا تكون نهايتك انت على إيديها."
إياد بسخرية:
"طب يلا يا فيلسوف زماني."
مازن وهو يهم بالخروج من الغرفة:
"أنا غلطان إني بنصحك... بكرة تيجي تقول ليه خلتني أتجوزها؟ كنت منعتني."
إياد سخرية:
"على أساس إني بحبها يا أخويا."
خرج مازن من غرفة أخيه واتجه إلى غرفته لكي يرتدي ملابسه، فهو إلى الآن لا يصدق ما سوف يقوم به أخيه.
بعد انتهاء مازن وإياد من ارتداء ملابسهم توجهوا إلى قصر العرابي. اتصل إياد بمراد وقال له:
"انت فين يا وحش؟"
مراد بصوت خشن:
"خمس دقائق وهتلاقيني قدامك."
وبعد عدة دقائق هبط مراد وكان مراد يرتدي بدلة باللون الكحلي وصفف شعره بطريقة رائعة وقام بوضع عطره الجذاب، فكان مثيرًا لحد اللعنة. وعندما رأى مازن صدم مراد من رؤية مازن، فهو لم يره منذ أكثر من أربعة أعوام.
مراد بسعادة:
"أهلاً... أهلاً يا ميزو."
مازن بضيق مصطنع:
"ما بلاش الكلمة دي."
مراد بضحك:
"ليه ده انت كنت بتحبها جدًا."
مازن:
"كان... ودلوقتي لـ"
مراد بشر مصطنع:
"طب أنا قلت ميزو يبقى... ميزو ولا إيه؟"
مازن بخوف:
"لأ خلاص... خلاص ميزو... ميزو أحسن من سونيا."
ضحك مراد بصوت عالٍ:
"آه فكرتني سونيا هي عاملة إيه دلوقتي."
مازن بضيق مصطنع:
"الله يخرب بيت لساني اللي متبري مني. هو أنا ما أعرفش أقعد الكلمة في بؤي وأقفل عليها."
إياد بضحك:
"معلش يا أخويا أصل انت عامل زي الست الكاكة ما بتتبلش في بؤها فولة."
مازن وهو يمثل البكاء:
"ليه كل الناس جاية عليا؟ أنا حاسس إن الناس دي بتكرهني. دا أنا رقيقة ورهيفة."
مراد بسخرية:
"طب يلا يا رقيقة أحسن ما أرزعك قفا مزدوج يخليكي سونيا بجد."
مازن بضيق في نفسه:
"ليه يا رب ما خلقتنيش أخ كبير؟ كنت هلطش للاثنين دول."
مراد بصوت مخيف:
"انت بتقول حاجة يا ميزو؟"
مازن بسرعة:
"لأ... لأ ولا حاجة."
ضحك مراد عليه.
مراد بجدية:
"أنا هركب عربيتي وهاجي وراكم."
أومأ إياد بالإيجاب له. وقبل أن يذهب مراد توقف مراد وقال:
"إياد انت متأكد من اللي انت هتعمله؟"
تنهد إياد بضيق:
"أيوه يا مراد أنا متأكد. وبعد إذنكم بقى ما حدش له دعوة بيه."
ابتعد مراد عن إياد واتجه إلى ركوب سيارته السوداء عالية الطراز، سيارة بورش الرياضية ذات الثلاث أبواب، يصل سعرها لـ أربعة ملايين و835 ألف جنيه. ولما لا فهو وحش الاقتصاد... وتلك السيارة تعد أرخص سيارة يمتلكها بالنسبة لبحور السيارات النادرة التي يمتلكها من جميع أنحاء العالم.
اتجه كل من مراد ومازن وإياد إلى منزل ميرا. وفي قلب كل منهم شعور مختلف.
وصل مراد وإياد ومازن إلى منزل ميرا. كان إياد يحمل باقة من الورود وصعدوا إلى الطابق التي تسكن غرفته ميرا. قام إياد بالطرق على باب المنزل. فتح لهم حسين.
حسين بابتسامة:
"إزيك يا ابني عامل إيه؟"
إياد بابتسامة:
"الحمد لله يا عمي."
حسين:
"تعال اتفضل... مين دول؟"
إياد وهو يشير ناحية مراد:
"ده مراد صاحبي وصديق عمري... وده." وقام بالإشارة ناحية مازن وقال: "ده أخويا مازن."
أومأ حسين رأسه بالإيجاب وطلب منهم الدخول.
وفي الجهة المقابلة كانت شمس تجلس بالغرفة مع ميرا وتضع اللمسات الأخيرة من الميك آب على وجهها.
شمس:
"يا بنتي افريدي وشك ده شوية... هو ده منظر واحدة رايحة تقابل عريسها."
ميرا:
"اطلعي من دماغي يا شمس عشان مولع فيكي انتي والعريس وبابا."
شمس بضحك:
"يا بنتي هو إحنا قلنا الفرح بكرة؟ إحنا بنقول شوفيه... ولو مش عاجبك ترفضي."
نظرت ميرا لها بحزن:
"ليه ما فيش حد عايز يفهم إني لسه بحب أحمد... ومش عايزة أسيبه."
شمس بتفهم:
"أنا عارفة إن انت لسه بتحبي أحمد بس لازم تخرجي من دائرة الماضي وعيشي... حياتك. مش هتفضلي عايشة على طول على ذكرى أحمد."
قاطع حديثهم طرق على الباب.
شمس:
"اتفضل يا عمي."
دخل حسين بابتسامة وقال:
"يلا يا بنتي العريس مستني بره."
ميرا في نفسها:
"اللهي يا رب يتحرق وهو قاعد."
شمس بابتسامة:
"حاضر يا عمي... خمس دقائق وأنا هجيبها."
خرج حسين من الغرفة واتجه إلى المطبخ حيث يوجد سيف الذي كان يعد القهوة للزوار.
كان مازن يتأمل المنزل بإعجاب، فبالرغم من بساطة المنزل إلا أنه كان رائع وصاحب طابع هادئ ومريح. وعندما كان مراد ينظر إلى السقف شعر بشيء يجذبه من بنطاله. اخفض مراد نظره ليجد فتى أقل ما يقال عنه أنه في غاية الجمال. ابتسم مراد له وقال:
"نعم يا حبيبي."
مالك بابتسامة:
"هو انت عمو اللي جاي تتجوز طنط ميرا؟"
مراد بابتسامة:
"لأ يا حبيبي عمو اللي جاي يتجوز هناك." وقام بالإشارة ناحية إياد.
اتجه مالك إلى إياد وقال له:
"هو انت يا عمو اللي هتتجوز طنط ميرا؟"
إياد بابتسامة:
"أيوه يا حبيبي. اومال هي فين طنط ميرا؟"
مالك ببراءة:
"طنط ميرا عمالة تشتم على العريس."
إياد بصدمة:
"انت بتقول إيه؟"
مالك ببراءة أشد:
"أيوه يا عمي عمالة تقول الهي يا رب يولع العريس اللي بره... يارب يجيله التصاق في الفخذين... يارب يجيله تبول لا إرادي... يعني إيه تبول لا إرادي يا عم؟"
ضحك مازن ومراد على كلام الطفل. وقال إياد بغيظ:
"طب روح يا حبيبي نادي العروسة."
ركض مالك واتجه إلى غرفة ميرا ليستعجلها للخروج.
مازن بضحك:
"الظاهر إن العروسة عارفة إنك وصلت."
إياد بتعجب:
"إزاي وأنا منبه على والدها إنه ما يقولش ليها إني مين."
وبعد مدة خرجت ميرا وعينيها في الأرض، فهي بالرغم من أنها لا تريد تلك الزيجة إلا أنها تشعر بالخجل الشديد.
إياد بابتسامة:
"إزيك يا زيتونة."
عندما سمعت ميرا تلك الكلمة وذلك الصوت نظرت له بأعين متسعة:
"انت!!!"
كان يقف عند محطة القطار وفي يده حقيبة ملابسه. سمع صوت الإنذار الأخير بأن قطار القاهرة قارب على الوصول. وبينما هو ينتظر وصوله وفي قلبه الكثير من الموسيقى للقاء محبوبته، سمع صوت كان يبدو له مألوفًا:
"عااااااااااصم."
التفت عاصم إلى مصدر الصوت وكان ذلك صوت ابن خالته شروق.
شروق وهي تلهث من الركض:
"استنى يا عاصم."
عقد عاصم بين حاجبيه ونظر لها بأندهاش وقال لها:
"شروق!!! بتعملي إيه هنا؟ وعرفتي إني هنا إزاي؟"
شعرت شروق بالتوتر وقالت له:
"بصراحة جدي اللي قالي إنك هنا وأنا كنت عايزة أقول لك حاجة."
عاصم بجدية:
"عايزة إيه يا شروق؟ فيكي حاجة... قلقانة من حاجة... أوعي يكون حد أذاكي."
شعرت شروق بالفرحة والسعادة لأنه يهتم لها. ولكن تحطم قلبها عندما أكمل وقال:
"أنا زي أخوكي بالظبط."
شعرت بالنيران تندلع في قلبها المسكين الذي بالرغم من أنها تعلم أنه لا يحبها فهي ما زالت متعلقة به وتهتم به وتعشق أي شيء له علاقة به.
شروق:
"لأ ما فيش حاجة يا عاصم تسلم يا أخويا بس أنا كنت عايزة أقول لك أنا.... أنا ....أنا .... أنا أنا...."
عاصم بنفاذ صبر:
"بتنهنهي ليه يا شروق... انطقي عايزة إيه."
شروق:
"أنا بحبك يا عاصم."
رواية دموع الشمس الفصل السادس 6 - بقلم اية هدايا
شروق: أنا بحبك يا عاصم.
عاصم بصدمة: إنتي بتقولي إيه؟ أنا زي أخوكي. وبعدين أنا عمري ما فكرت فيكي بالطريقة دي. إنتي أحقر واحدة شفتها في حياتي. ومش معنى إني اهتميت بيكي يبقى أنا بحبك، لأ، أنا كنت بعمل كده لوجه الله. ثم عشان خالتي. ومش عايزة أعرفك تاني. أنا كنت الأول معتبراكي زي أختي الصغيرة، لكن دلوقتي أنا مش عايزة أعرفك.
فاق من شروده على صوت فرقعة أصابع أمام وجهه.
عاصم: هااا يا بنتي، رحتي فين؟ عايزة إيه مني؟
شروق بقلق: هو أنا مش قلت حاجة؟
عاصم: لأ، ما مش قلتي حاجة. إنتي قلتي استنى، وبعد كده كنتي سرحانة.
ابتسم لها تلك الابتسامة الحنونة التي كانت تعشقها منذ الصغر: هااا يا ستي، أؤمري. عايزة إيه؟
تاهت شروق في ابتسامته الجذابة ولم تتحدث.
عاصم بنفاذ صبر: شروق، انطقي.
شروق بعد ما فاقت من سحر ابتسامته: أنا بصراحة ب...
قاطع حديثها وصول القطار إلى المحطة.
عاصم باستعجال: سلام يا شروق. خلي بالك من نفسك. أنا هتصل بعمي محمد ييجي يوصلك.
ثم اتجه إلى عربة القطار. وقام بتوديع شروق التي كانت تحبس دموعها لكي لا تضعف أمامه.
شروق في نفسها: إنت طيب قوي يا عاصم. وشمس تستحق حبك. واللي بيحب حد يتمنى السعادة اللي بيحبه، حتى لو كانت السعادة دي مش معاه. أنا هفضل أحبك في قلبي وهعتبرك طول عمري زي أخويا. طول ما إنت فرحان يبقى أنا فرحانة.
تحركت شروق من أمام محطة القطار وهناك من يراقبها.
- هتبقي ليا يا شروق. وهنتقم من عيلة الشريف. كل واحد أذاني هيدفع تمن اللي عمله فيا. وخصوصاً إنت يا عبد الحميد الشريف.
كان الجد يجلس على فراشه وبين يديه صورة تجمعه بحفيده.
تنهمر الدموع من عينيه التي يبدو عليها الضعف بسبب بكائه المستميت من أجل حفيده، وخصوصاً شمس. وضع يده على الصورة وبدأ يتحسس وجهها: وحشتيني أوي يا حبيبي. أيهون عليكي السنين دي كلها؟ زمان مقدرتش أحميكي منهم، لكن دلوقتي... هكون ضهرك وحماكي. بس إنتي ارجعي لي. يا رب تكوني بخير وسعادة.
دخلت إحدى خادمات القصر وأخبرته أن والده طلب جميع من في المنزل.
تعجب الجد من ذلك، فهو لم يحادث ابنه منذ هروب شمس وسيف. وعندما علم بموت زوجته صفية، حزن حزناً شديداً عليها لأنها كانت تهتم بكل من كان في المنزل من الكبير إلى الصغير.
نزل الجد على السلالم بكل هيبة ووقار. فهو بالرغم من مرور الزمان ألا أنه ما زال عبد الحميد الشريف هو واحد من أكبر الأشخاص في محافظة سوهاج من حيث الثروة والجاه. إلا أنه كتب جميع أملاكه باسم محمود لأنه كان يعلم أن ابنه الآخر يحب المال، وهو مستعد لكي يبيع عائلته من أجل المال.
لذلك كتب كل شيء باسم محمود عبد الحميد الشريف. ولم يترك سوى القصر باسمه هو. وكتب في وصيته أنه إذا حدث له شيء أو مات، فإن ذلك القصر باسم سيف محمود الشريف.
غضب الجميع بسبب قرار الجد وكان محمود أولهم لأنه كان يعلم أن بقرار الجد فإنه أحدث فجوة بين الإخوة.
نظر إلى الجميع ببرود وقال بنبرة تملؤها القوة: عايز إيه يا ولدي؟
- لسه فاكر إن عندك ولد يا بوي.
الجد بسخرية: وإنت لسه فاكر إن عندك أب؟
- أنا جبتكم اليوم عشان أقول إن ولدي منير قدر يلاقي بنت ابنك شمس وأخوها سيف ووالدها مالك.
لم يهتز الجد ولم يظهر أي تعبير بعكس الذي كان يحدث بداخله.
- مالك يا بوي مش فرحان؟ إنك لقيت حفيتدك.
الجد ببرود: فرحان يا ولدي. ودلوقتي عن إذنكم ورايا مساغل كتير. لازم تخلص.
خرج الجد من القصر متجهاً إلى المزرعة لكي يكون في مكان بعيد لكي يستطيع أن يحدث حفيده عاصم.
الجد بلهفة واستعجال: فينك يا ولدي؟
عاصم بتعجب: أنا قريب هوصل القاهرة.
الجد بسرعة: عجل يا ولدي. أبوك عرف كل مكانهم.
عقد مابين حاجبيه: عرفوا إزاي يا جدي؟
الجد: مش مهم يا ولدي. المهم إنهم عرفوا. وعجل شوية.
عاصم بطاعة: حاضر يا جدي.
أغلق الجد مع والده واتجه إلى أعماله وفي داخله يدعو ربه أن يكون حفيديه بخير.
كان الجد غافلاً عن زوج أعين تراقب.
- كنت متأكد إن إنت مخبي حاجة إنت وعاصم. مش من عوايدك إنك تكون هادي أول ما تسمع حاجة عن حبيبة قلبك. يعني شمس مستخبية في القاهرة. حلو أوي. ولا وقعتي يا شمس.
واتجه لكي يخبر الباقين بما اكتشفه.
***
إياد بابتسامة: إزيك يا زيتونة؟
وعندما سمعت تلك الكلمة وذلك الصوت رفعت أنظارها. وتوسعت عيناها وقالت بصدمة: إنت!!
حسين بابتسامة: إيه يا حبيبتي، هو إنت تعرفيه؟
ميرا وهي تجز على أسنانها: أيوه يا بابا، أعرفه.
ونظرت له نظرات حادة. لو كانت النظرات تقتل لكان إياد غارقاً في دمائه.
قاطع تلك اللحظة دخول سيف وشمس التي كانت تحمل أكواب القهوة.
نظرت شمس إلى الأشخاص الموجودين. شعرت بصاعقة تضرب جسدها عندما رأته. نعم، هو مراد العرابي.
ابتسم مراد بسخرية وقال بنبرة مليئة بالاشمئزاز: إزيك يا شمس. ورفع يده لها لكي يصافحها.
شمس ببرود وتجاهلت يده المرفوعة: دكتورة شمس بعد إذنك. و"بسلمش" على فكرة، أصل أنا "الخضرة الشريفة".
قبض مراد على يديه بقوة ونظر لها بغضب شديد وفي داخله يتوعد لها.
ثم نظر إلى سيف باستحقار وغادر من أمامه متجهًا إلى خارج الغرفة.
إياد بابتسامة: بعد إذنك يا عمي، ينفع تسيبني أنا وميرا نتكلم شوية؟
ميرا ببرود: إحنا مفيش كلام ما بينا. وطريق الباب معروف منين. فاتكل على الله.
حسين بعتاب: مينفعش يا بنتي اللي إنتي بتقوليه ده. على الأقل اتكلمي معاه. وبعدين قولي رأيك.
ميرا بانفعال: بابا، إنت قلت إني هشوف العريس بس. وأنا شفته ومعجبنيش. ويا ريت تتفضل من هنا.
أمسك إياد ساعد ميرا دون أن يلاحظ حسين ذلك وضغط عليها بقوة.
شعرت ميرا بتكسر عظام يدها إلا أنها لم تظهر ذلك.
إياد بهمس: لو خايفة على والدك يا حلوة، اسمعي الكلام من غير لوكلوك كتير.
نظرت له ميرا وقالت: قصدك إيه؟
إياد: أكيد ماينفعش أتكلم كده قدام والدك. تعالي نتفاهم، وإلا مش هيحصل كويس.
قامت ميرا بنفض يده بقوة. وأشارت له بالدخول إلى غرفة الجلوس. وأخبرت والدها أنها سوف تتحدث معه قليلاً.
دخلت ميرا وجلست على أحد الكراسي وقامت بوضع قدم على الأخرى ثم عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت له بنبرة تملؤها السخرية: طلباتك إيه يا عريس؟
جلس إياد أمامها ووضع قدم على الأخرى هو الآخر ونظر لها بتحدي وقال: عايزك إنتي.
عقدت بين حاجبيها وقالت: أفندم؟
إياد بلا مبالاة: زي ما سمعتي يا زيتونة، عايزك إنتي.
انتصبت ميرا في وقفتها وقالت بحده: إيه اللي إنت بتقوله ده؟ إنت واحد حيوان، وأقذر واحد شفته في حياتي.
وقف إياد هو الآخر والغضب يتملكه: الأحسن ليكي إنك تلمي لسانك، وإلا مش هيحصلك كويس.
نظرت ميرا إليه بتحدي: هتعمل إيه يعني؟
إياد بحدة: هكسر دماغك الناشفة دي. ويا ريت تسمعيني أحسن ما بابا الأمور تكون نهايته على إيدك.
ميرا: قصدك إيه؟
إياد وهو يعود إلى جلسته وقال: اقعدي وخلينا نتفاهم على كل حاجة.
جلست ميرا بقله حيلة. ونظرت له بحدة وقالت له: انطق.
نظرة إياد لها ببرود وقال: أحب أعرفك عن نفسي، أنا إياد نبيل القاسم. صاحب أكبر سلسلة فنادق في مصر وبره مصر.
عقدت ميرا حاجبيها وقالت له: قصدك إنك تبقى قريبي؟ حلوة النكتة دي.
إياد ببرود: أنا مش بهزر. وبعدين إنتي مين عشان أهزر معاكي؟ إحنا فعلاً قرايب. وأبوك عارف كده كويس عشان كده وافق إني أتقدم لك يا زيتونة.
ميرا وهي تجز على أسنانها: ما تقولش الكلمة دي تاني.
إياد بتحدي: وإلا؟
ميرا بسخرية: وإلا هتلاقي نفسك خارج على نقالة من هنا.
إياد بسخرية هو الآخر: ليه فانديزل إنتي؟
ميرا: لأ، بخفة. عشان أنا دكتورة وأعرف أماكن في جسمك تخليك تفقد وعيك أو تموت.
إياد بجدية: خلينا نركز شوية. وبلاش الكلام الفاضي ده. دلوقتي إنتي هتوافقي على الجواز.
ميرا بسخرية: معلش. أصل أنا واقعة في دباديبك.
تجاهل إياد سخريتها وأكمل حديثه بمكر: وإلا هتلاقي بابي حبيبك جايلك على نقالة.
ميرا بسخرية: لا بصراحة أنا خوفت. استني كده أروح أستخبى في أي حتة. إنت كداب ومتتأدرش تعملها.
إياد وهو ينهض من مكانه: أنا قلت اللي عندي. وتصدقي، متصدقيش دي حاجة تخصك. بس خليكي فاكرة كلامك.
خرج إياد تحت أنظار ميرا الساخرة.
وجد إياد حسين جالساً على الأريكة ويسأل مازن عن والده. وكم اشتاق له. وكان مراد يجلس بجانب مالك الذي كان يلعب على هاتفه.
وقف إياد أمام حسين وقال له: اتفقت أنا وميرا على كل حاجة يا عمي. الأسبوع الجاي هاخطب وأكتب على طول.
حسين بصدمة: ليه يا ابني؟ ميرا هي بنتي الوحيدة. وعايز أفرح بيها زي أي بنت.
إياد بابتسامة: معلش يا عمي. خير البر عاجله.
حسين بابتسامة: خلاص يا ابني اللي تشوفوه. لو ميرا موافقة. خلاص على بركة الله.
غادر مازن وإياد ومراد من منزل ميرا. واتجه كل واحد منهم إلى منزله. ما عدا مازن.
***
كان مراد يجلس على كرسي مكتبه يعمل على أوراق صفقة جديدة حتى قطع عمله صوت رنين الهاتف.
- ها، عملت إيه في اللي طلبته منك؟
- جبت كل المعلومات عنها. بس في حاجة غريبة.
- إيه هي؟
- بصراحة، أنا لقيت واحدة اسمها شمس محمود وعندها أخ اسمه محمود، بس مش المنياوي.
- عقد حاجبيه بتساؤل: انطق. أم إيه؟
- هو فعلاً أنا لقيت واحدة بالاسم ده. بس اسمها شمس محمود الشريف من سوهاج.
وهربت هي وأخوها وابن عمها من عيلتها من خمس سنين.
عندها أملاك كتير في الصعيد. وعندها عم عايز ياخد الأراضي دي كلها.
- تمام، عايزك تجبلي كل المعلومات عن البنت دي وعن أخوها وعمها وكل حاجة عنها.
وأغلق الهاتف دون أن ينتظر رد الآخر.
مراد لنفسه: حلو أوي. شمس محمود الشريف. قريب هتكوني في جحيمي وهدفعك حق القلم ده كتير. صدقيني كتير أوي.
***
كان مازن يسير في الطرقات ويفكر في كل ما حدث معه في أمريكا. فهو ذهب إلى هناك لتكوين مستقبله كطبيب أطفال كبير. وبالفعل حقق كل ذلك. ولكنه لم يحسب حساب أنه من الممكن أن يقع في شباك الخداع. فهو قد وقع في حب فتاة، أو هذا ما اعتقده. وفجأته بالحقيقة الصادمة.
قطع شروده صوت فتاة تصرخ وتترجى أحداً أن يتوقف عن أذيتها.
- بعد إذنك، ابعد عني.
- في حد يشوف المهلبية دي ويبعد عنها؟
وأمسك بيدها ولكنها بدأت في الصراخ وابعاد يدها عنه وكانت تلوح في كل مكان كأنها لا ترى شيئاً.
اقترب منها ذلك الرجل وحاوط يدها خلف ظهرها وحاول تقبيلها. ولكنها كانت تقاوم وتدافع عن نفسها. لكن مقاومتها كانت ضعيفة.
قام بإزالة الحجاب الموجود على رأسها. بدأت في البكاء والصراخ ولكنه لم يهتم لصراخها.
شعرت الفتاة أنه لا فائدة من صراخها وأن تلك نهايته.
لاحظت الفتاة ابتعاد ذلك الرجل عنها. ابتعدت هي وتكورت على نفسها وبدأت في البكاء.
كان مازن يلكم ذلك الرجل دون أي رحمة. فهو أكثر ما يغضبه هو ذلك الأمر. ويكره كثيراً من يقوم بذلك.
بعدما انتهى مازن من لكم ذلك الرجل اقترب من الفتاة وقال لها بهدوء: يا آنسة.
رفعت الفتاة وجهها الذي كان يبدو كالقمر في ليلة البدر.
شعر مازن بدقات قلبه تدق بسرعة كبيرة كأنه كان يجري في سباق.
تلك العينان التي بلون العسل الصافي وبشرتها البيضاء الحليبية التي تبدو كبشرة الأطفال وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها وشفتيها المكتنزتين التي تبدو كحبه الكرز الناضجة.
ابتلع مازن ريقه فتلك الفتاة تبدو كاللعنة بجمالها وقال لها بصوت حاول إخراجه هادئاً: إنتي كويسة يا آنسة؟
نظرت إليه الفتاة وقالت له بفزع: إنت مين وعايز مني إيه؟
استشعر مازن خوف تلك الفتاة وقال لها بهدوء: ما تخافيش يا آنسة. أنا كنت ماشي في الطريق. وسمعت صوتك وإنتي بتصوتي. وجيت ولقيت الحيوان ده. وأنا أنقذتك منها.
استشعرت الفتاة نبرة الصدق في كلامه وقالت له: بعد إذنك، ينفع تجيب حجابي.
نظر لها بتعجب. فلما لا تحضره هي. فأومأ لها بطاعة وأحضر لها حجابها. فأخذته منه بسرعة.
وضعته بعشوائية على رأسه.
تعجب مازن من تصرفاتها. أبتعد مازن عنها قليلاً. استشعرت الفتاة ابتعاده عنها فقالت بسرعة:
"بعد إذنك ما تسبنيش."
تعجب مازن من ذلك ولكنه اعتقد أنها قالت ذلك لكي لا يحدث ما حدث معها من قبل. وقال لها:
"أنا مش هسيبك. أنا بس بشوف الحيوان ده."
ابتلعت الفتاة ريقها وقالت له بخجل شديد:
"ينفع توريني الطريق منين عشان أعرف أروح؟"
تعجب مازن من سؤالها وقال لها بسخرية:
"هو حضرتك عامية ولا إيه؟"
ابتلعت الفتاة تلك الغصة المؤلمة في حلقها وقالت له بألم:
"أيوه أنا عامية... بعد إذنك... أنا عارفة إنك مش يشرفك إنك تكلم واحدة عامية... وشكراً على مساعدتك."
وابتعدت عنه خطوتين. ولكن أمسكها مازن من ساعدها وقال:
"أنا آسف. ما كنتش أعرف."
أبعدت يدها عن يده وقالت له:
"ما فيش مشكلة. أنا اتعودت على كده. مش هتيجي عليك يعني."
شعر مازن بالشفقة تجاه تلك الفتاة وقال لها:
"أنا آسف. وعشان أثبت لكِ حسن نيتي هوصلك لبيتك... أنا عربيتي قريبة من هنا وهوصّلك."
قالت له بسرعة:
"لا لا لا مش مهم. شكراً لحضرتك. أنا عارفة إزاي أروح ومش محتاجة منك أي شفقة."
قال لها مازن:
"لا... أنا مُصِرّ. هوصلك بيتك."
قالت له بحده:
"أنا قلت لا يا أستاذ... ولو أهل الشارع شافوني وأنا خارجة من العربية بتاعتك هيقولوا عليا إيه."
فهم مازن إلى ماذا ترمي وقال لها:
"خلاص. هوصلك بعيد عن بيتكم... وبعد كده هسيبك."
وبعد إلحاح من مازن وافقت الفتاة في النهاية.
***
خرج صوت الميكرفون الذي يوجد بالمحطة يعلن عن وصول القطار القادم من سوهاج إلى محافظة القاهرة.
خرج عاصم من القطار. ونظر إلى الأشخاص الذين يمرون في المحطة. وقال لنفسه:
"أنا جايلِك يا بنت عمي جاي... ومش همشي إلا بيكي... مش همشي إلا بيكي يا حب الطفولة."
"أنتِ هي التي هواها القلب ولكن ما السبيل للوصول إليكِ. أحببتكِ من نعومة أظفاركِ وأشعر أن لقائي بكِ قريب."
رواية دموع الشمس الفصل السابع 7 - بقلم اية هدايا
كان إياد يجلس في مكتبه عندما رن هاتفه معلناً عن وصول مكالمة فائتة.
نظر إياد إلى الهاتف...
تحولت ملامح وجهه إلى النفور والغضب...
وقام بإلقاء هاتفه بعيداً.
تزامن ذلك مع دخول مازن إلى الغرفة.
مازن بضحك:
- مين الفقري اللي خلّاك تبوز كده؟
إياد بغضب:
- اخرس يا مازن!
تعجب مازن من نبرة أخيه الغاضبة:
- مالك يا إياد... باين عليك زعلان؟
ارتخت ملامح إياد ثم نظر إلى أخيه بابتسامة:
- مفيش حاجة يا مازن... بس شوية مشاكل في الشغل.
علم مازن أن أخاه يخفي عليه شيء ما ولا يريد أن يعرفه...
فصمت لكي لا يضغط على أخيه...
وفجأة دخلت فتاة أقل ما يقال عنها أنها فاتنة بتلك الملابس التي تدل أنها من بيئة راقية...
كانت ترتدي فستان أزرق يصل إلى ركبتيها... مترز من الصدر بدانتيل أبيض يتماشى مع لون عينيها الزرقاء وبشرتها البيضاء...
وشعرها الأشقر المنسدل على مظهرها بطريقة رائعة.
اقتربت الفتاة من مازن ووضعت يدها على كتفه وقالت له بصوت أنثوي رقيق:
- مازن حبيبي لقد افتقدتك كثيراً... أنا آسفة على ما بدر مني.
نظر إليها مازن بدهشة وصدمة في نفس الوقت.
مرت دقيقة على استيعابه لوجودها أمامه.
هي تلك الفتاة التي وقع في حبها أو هذا ما اعتقده.
نظر مازن إليها بحدة وغضب وصرخ بها وقال:
- اخرجي برااااا!
لم تهتم لصراخه...
واقتربت منه أكثر ووضعت يدها على صدره الذي كان يبرز من قميصه.
وقالت له برقه:
- ميزو حبيبي أرجو أن لا تكون مازلت غاضباً مني.
تحول مازن من ذلك الشخص المرح اللطيف إلى شخص آخر.
عيناه احتدتا من شدة الغضب وقبض على يديه حتى ظهرت سلاميات يديه.
مسكها مازن من يديها بقوة وقام بجذبها خلفه.
كانت الفتاة تصرخ به وترجوه أن يتوقف ولكنه لم يهتم لصراخها...
وكل ذلك تحت أنظار دهشة وتعجب إياد من أخيه...
ومن تلك الفتاة التي يراها إياد لأول مرة.
حتى وصل إلى باب الفندق...
وقام بإلقائها في الخارج وطلب من الحراس عدم إدخالها مجدداً.
ونظر لها باحتقار وقال لها:
- أنتي واحدة حقيرة وزبالة...
ولو مفكرة إني لسه بحبك فأنتِ غلطانة...
وبعد اللي عملتيه دا انسي أي حاجة كانت بينا.
ثم عاد إلى مكتب أخيه كأنه شيء لم يكن.
نظر إياد إلى أخيه بتساؤل وقال:
- مين دي يا مازن؟؟
تنهد مازن بعمق فهو بالنهاية أخاه وله الحق لأن يعرف كل شيء.
وبدأ مازن في القص لأخيه عما حدث في أمريكا.
فلاش باااااااك.
عودة لأمريكا وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية.
كان مازن يعمل في العيادة الخاصة به التي كانت ممتلئة بالأشخاص.
فهو من الشهر الأول الذي جاء فيه إلى الولايات المتحدة...
أصبح طبيباً ناجحاً ومعروفاً بكل مكان.
في البداية كان مازن يهتم بعمله فقط ولا شيء سوى العمل وكان سعيداً لممارسته لعمله فهو عاشق للأطفال...
فعندما ينظر إلى وجه طفل ويرى ابتسامته...
فتلك الابتسامة كفيلة بأن تنسيه كل الآلام وأحزانه.
وعندما يرى دمعة واحدة تسقط من عيني طفل...
يشعر بألم العالم يتجمع في قلبه.
ولكن بعد ذلك تغيرت أحوال مازن...
منذ رؤيته لتلك الفتاة.
غي يوم من الأيام كان مازن يعمل حتى قاطعه صوت صراخ بالخارج...
دخلت عليه السكرتيرة الخاصة به وأخبرته بأن هناك فتاة بالخارج تصرخ وتطالب بحضور الطبيب...
خرج مازن ورأى تلك الفتاة التي كانت جميلة لا ليست جميلة...
بل فاتنة بل... تلك الكلمة قليلة في وصفها.
نظر مازن لها وقال لها:
- What the matter with you؟
نظرت الفتاة له مطولاً ثم قالت له والدموع تخرج من عينيها الزرقاء:
- أنا آسفة يا سيدي ولكن ابنة أخي مريضة جداً ولا أستطيع أن أحضرها إلى هنا وأطلب منك أن تأتي معي سريعاً لأنها مريضة جداً ولا تستطيع الحركة.
دهش مازن من قدرتها على الكلام باللغة العربية وقال لها:
- حسناً يا سيدتي سوف أحضر حقيبتي وأتي معكِ في الحال.
وبعد دقائق من القيادة وصل مازن وتلك الفتاة إلى فيلا في غاية الرقي والجمال...
وبالفعل وجد مازن فتاة يبدو أنها في السابعة من عمرها...
ويبدو عليها التعب.
بدأ مازن في فحصها وطلب من الفتاة الانتظار في الخارج...
وعندما انتهى أخبر الفتاة أنها بصحة جيدة وليس عليها أي خطر.
نظر مازن إلى الفتاة وقال لها:
- ما هو اسمك يا سيدتي؟
ردت الفتاة بابتسامة:
- اسمي جيسيكا يا دكتور مازن.
ونطقت اسمه بصعوبة باللغة.
ابتسم مازن على محاولتها لنطق اسمه وقال لها:
- من أين تعلمتِ التحدث باللغة العربية؟
ابتسمت له وقالت:
- أنا مهتمة كثيراً باللغة العربية لذلك بدأت في دراستها...
كما أن جدي عاش فترة في مصر...
وكان كثيراً يتحدث اللغة العربية أمامي...
لذلك أعجبت بها.
نظر مازن لها وأعطاها ورقة وقال لها:
- هذه هي الأدوية التي يجب أن تأخذها الصغيرة...
لم يكن بها شيء...
بل كانت حرارتها مرتفعة...
وهذه الأدوية سوف تحسن من حالها...
واتجه ناحية الباب وقبل أن يرحل أعطاها الكارت الخاص به وقال لها:
- هذا الكارت الخاص بي...
إذا حدث أي شيء لطفلة مرة أخرى.
أومأت له جيسيكا بسعادة.
ومر أسبوع على تلك المقابلة...
كان مازن يفكر كثيراً بجيسيكا...
وتخيل ملامحها الفاتنة.
قطع شروده رنين الهاتف وجده رقم غير معروف.
أجاب مازن على الهاتف وقال:
- Hello doctor Mazen with you.
(مرحبا الدكتور مازن معك)
جيسيكا بابتسامة:
- مرحبا دكتور مازن هل مازالت تتذكرني... أنا جيسيكا.
ابتسم مازن حتى كادت أن تصل ابتسامته إلى أذنيه وقال بفرحة:
- مرحبا جيسيكا...
نعم مازلت أتذكرك ما الذي ذكّركِ بي؟
جيسيكا بتوتر:
- في الحقيقة أردت أن أتحدث معك قليلاً وأن أتنزه معك...
هل هناك مشكلة في ذلك؟
هز مازن رأسه بسرعة علامة على الرفض كأنها تراه وقال لها:
- لا طبعاً بل هذا شرف لي...
أين تودين أن نقابل؟
ابتسمت وقالت له:
- أريد أن نتقابل في الحديقة العامة.
وافق مازن على عرضها...
وبالفعل بعد انتهاء مازن من عمله...
اتجه إلى الحديقة العامة وجد جيسيكا ترتدي ملابس فاضحة فهي كانت ترتدي شورت يصل إلى فخذيها وبلوزة كات...
وترتدي عليه جاكيت قصير...
وتستدل شعرها الأشقر على كتفها...
اقترب مازن منها وقال لها:
- مرحبا جيسيكا.
ابتسمت جيسيكا وقالت له:
- مرحبا دكتور مازن.
مازن بمرح:
- لا يا إيها السيدة...
أنا في العيادة اسمي دكتور مازن...
لكن هنا وأمامك اسمي مازن حافي من غير جبنة وشطة وكاتشب.
ابتسمت جيسيكا على مزاحه.
مر اليوم بسعادة على مازن فهو اعتقد أنه أحب جيسيكا من النظرات الأولى...
كان مازن يقضي أغلب وقته مع جيسيكا.
لم يعد مازن يستطيع أن يقضي يومه إلا عندما يرى جيسيكا أو يتحدث معها.
تعلق مازن بها كثيراً حتى جاء يوم واعترفت جيسيكا بحبها له...
وانها معجبة به كثيراً وأنها تحبه.
فرح مازن بذلك كثيراً وقال لها أنه يبادلها حبها...
وأنه يحبها من النظرات الأولى.
طلبت جيسيكا من مازن أن يمارس معها ولكنه رفض بحجة أنه رجل شرقي وأنه يرفض لكي يكون حبهم نقياً وصافياً أمام الله...
طلبت جيسيكا ذلك الأمر من مازن أكثر من مرة حتى رفض مازن رفضاً قاطعاً.
كانت علاقة مازن وجيسيكا في تحسن...
كان مازن كل يوم يخرجها في مكان من الأماكن الفاخرة أو يحضر لها هدية غالية الثمن.
حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم...
كان مازن قد انتهى من عمله...
وقرر أن يتصل بجيسيكا لكي يخبرها أن تأتي لكي يخرجوا معاً.
ولكنه قرر أن يفاجئها بذلك...
وأحضر لها خاتماً مرصعاً بالألماس لكي يطلب يدها للزواج.
اتجه مازن إلى منزل جيسيكا وجد باب الفيلا مفتوحاً...
تعجب من ذلك واكمل...
كان يصعد على السلالم وسمع صوت تأوهات...
اعتقد مازن أنها في خطر ولكنه عندما صعد إليها وجد مشهداً حطّم قلبه إلى فتات صغيرة.
وجدها تقبل شخصاً ما وهو يتحسس جسدها بشهوة وهي لا تقاوم بل هي مستجيبة لكل ما يقوم به كأنها مستمتعة بذلك.
نظر مازن إليها بصدمة كأنه غير قادر على استيعاب ما تراه عيناه...
لاحظت جيسيكا أن هناك شخصاً ما يقف وينظر إليهما.
حاولت جيسيكا إبعاد ذلك الشخص الذي يقوم بتقبيلها عنها...
ونظرت إلى الشخص الواقف...
وكانت الصدمة بالنسبة لها فكان ذلك مازن...
نظر مازن إلى جيسيكا واقترب منهم ونظر إلى الشخص الواقف أمامه وقام بلكمه لكمة جعلت أنفه ينزف...
ثم اعتلاه ولكمه أكثر من مرة حتى أصبحت ملامح وجهه غير واضحة...
ثم نظر إلى جيسيكا نظرة حادة مليئة بالغضب والكره...
لو كانت النظرات تتحرك لكانت جيسيكا مدفونة في قبرها.
اقترب مازن منها وقام بصفعها على وجهها وليس مرة واحدة ولكن عدة مرات.
وقام بجذبها من شعرها وهمس أمام وجهها وقال:
- أنتِ أقزر إنسانة عرفتها في الدنيا واحدة حيوانة...
وعمرك ما تستاهلي الحب اللي أنا حبيته ليكِ...
ربنا كشفك قدامي عشان يفضحك...
ويعرفني إد إيه إنك واحدة حيوانة.
لازم تعرفي إن أنا مش هسكت على كده وبس.
غادر مازن من أمامها...
عاد مازن إلى منزله وقلبه محطم وأخذ يحطم في كل شيء أمامه.
وكلما تذكر ذلك المشهد كان قلبه يؤلمه أكثر على تلك الأيام التي قضاها معها، على حبه لها.
وعندما تذكر ملامسة ذلك الرجل لجسدها قام بتحطيم المراية التي أمامه.
نزفت يد مازن بسبب الزجاج الذي دخل في يديه.
حاول مازن الهدوء والانتقام منها.
اتصل مازن بالشخص المسؤول عن الفيلا التي تسكن بها جيسيكا وطلب منه أن يشتريها منه بأي سعر هو يطلبه.
وبالفعل تم تنفيذ الإجراءات وأصبحت جيسيكا بالشارع ولم يعد لها أي منزل.
وطردت من عملها وطردت من عائلتها التي أخبرهم مازن كل شيء عنها.
وبعد ذلك قرر مازن أن يعود إلى مصر فهو إذا ظل في أمريكا... سوف يتذكر تلك الأيام التي عاشها مع جيسيكا.
وبالرغم من افتراقه عنها إلا أنه شعر براحة كبيرة كأنها كانت حمل ثقيل وتخلص منه.
لم يعد مازن يحب جيسيكا... بل المشاعر الوحيدة التي يكنها إلى جيسيكا هي الكراهية والغضب.
عُودة من الفلاش باك.
نظر إياد له بهدوء وقال له:
_أنا مش هحسبك على إنك مش قولتلي وإنك كنت ناوي تتجوز من غير علمي... عارف ليه... لأنك راجل وعارف مصلحتك بس هسألك سؤال... أنت بتحبها؟
نظر مازن إلى إياد بجدية وقال:
_لا أنا مش بحبها... أنا بكرهها يمكن... كنت لكن دلوقتي لا... أنا كنت منبهر بجمالها.
ومأ إياد رأسه بتفهم.
نهض إياد من كرسيه وأخبر أخاه أنه ذاهب إلى العيادة الخاصة به فهو منذ قدومه إلى مصر وهو غير مهتم بعمله.
وكان كل ما يشغل باله هو تلك الفتاة التي جعلته يفقد بصره... بجمالها.
ترك مازن إياد في مكتبه وكان يعمل على مجموعة من الأوراق حتى قاطعه رنين هاتفه.
زفر إياد بضيق عند رؤيته للاسم وأجاب بسعادة مصطنعة:
_أهلا يا عمي.
_تنهد حسين بخيبة أمل وقال: بص يا ابني أنت عارف إن الجواز قسمة ونصيب.
_تصنع إياد عدم المعرفة وقال: يعني إيه يا عمي؟
_يعني يا بني ميرا رفضت العلاقة دي... رفضًا قاطعًا... وأنا مش هقدر أجبرها على حاجة.
_سبق وقلت ليك يا عمي إن هاجي أخطبها وأكتب الكتاب... وأنا هقنعها بس سيب الموضوع ده عليا.
_يا بني ميرا دي اللي ليا في الدنيا وهي ياما تعذبت في حياتها... وأنا وافقت عليك عشان تقدر تنسيها اللي عاشته مع أحمد وتفتح صفحة جديدة في حياتها.
_عقد إياد حاجبيه وقال: أحمد مين يا عمي؟
_حسين بتوتر: آسف يا ابني دي حاجة تخص ميرا وهي اللي المفروض تحكيلك.
_تمام يا عمي.
وأغلق الهاتف.
ثم نظر إلى الفراغ وقال:
_يا ترى حكايتك إيه يا ميرا.
ثم اتصل على رقم ما وقال له:
_نفذ اللي اتفقنا عليه.
_..............
_متخافش حلاوتك عندي.
وأغلق الهاتف معه ثم تنهد بعمق قبل أن يعود لإكمال العمل الذي أمامه.
************
في شركة العرابي وخصوصًا في مكتب وحش الاقتصاد... كان يراجع بعض الأوراق الخاصة بقطعة أرض في الصحراء يجب على شركته معاينتها للتأكد من وجود بترول أسفل تلك الأرض لكي تبدأ شركته في الحفر واستخراج النفط منها.
حتى قطع شروده صوت رنين الهاتف معلنًا عن وصول مكالمة.
_ألو يا صالح.
_معلش يا وحش بس المدام سهى مصرة إنها تقابلك... ومش عايزة تسكت... وعماله تزعق... أعمل معاها إيه؟؟
تنهد مراد بضيق وغيظ فهذه السهى لا تكف أبدًا عن إزعاجه وبالرغم من أنه لم يعدها بشيء إلا أنها تعتقد أنه واقع في حبها.
تنهد مراد بضيق فكل ما يمنعه عن تركها وإخراجها من حياته هي أنها تعلم معلومات عن قاتلي والديه وأنها تحمل طفلًا منه في أحشائها.
قطع شروده صوت صالح:
_أعمل معاها إيه يا وحش؟
_قلها إني جاي ليها... وخليها تبطل كلام كثير والا هتلاقي نفسها هي واللي في بطنها في الشارع... وقلي عملت إيه في المعلومات اللي طلبتها منك.
_أنا جبت كل المعلومات وفي واحد هيجيبها لمكتبك يا وحش عشان أنا مقدرش أسيب المدام سهى.
أغلق مراد الهاتف وعاد مرة أخرى لمراجعة الأوراق.
وجد أنه يوجد نقص في عدد المهندسين... فالشركة التي يديرها مراد تحتاج إلى العديد من مهندسي البترول الكفؤ والمتميزين.
وهو بطرده لسيف فهو قد خسر واحدًا من أمهر المهندسين الذين يعملون في شركته.
تنهد مراد بغيظ فهو لم يكن سيفعل ذلك ولكن بسبب أخته والذي قامت به قرر أن يعاقبه على ذلك.
وعقابها هي قادم ولكن ليس الآن إلا عندما يعلم حقيقتها وما هو السر الذي تخفيه... وكان هو منير التي كانت تتحدث عنه بخوف وهلع.
قطع شروده دخول السكرتيرة الخاصة به وأخبرته بوجود شخص ما يريده ويقول أنه أتى من طرف صالح.
أشار مراد لها بأن تقوم بإدخاله.
دخل ذلك الشخص وقام بإعطاء مراد ملف المعلومات الذي طلبه من صالح.
أشار مراد له بالخروج.
وبدأ مراد في تفحص الملف... وصُدم من المعلومات التي وجدها.
علم من هو منير وما الذي كان يقوم به وأيضًا يوجد له أخوه وعلم كل شيء عن عائلتها.
وعندما نظر إلى الورقة التي بها معلومات عن العمل الذي يقومون به ولمَ هم يحتاجون إلى تلك الأراضي وليس المنازل التي باسمها أو القصر الذي باسم سيف.
نهض مراد مسرعًا من مكانه والتقط سترته واتجه إلى الخروج من الشركة وهو عازم على تنفيذ ما في عقله ورد تلك إهانة شمس لها.
كيف لم يفكر في تلك الفكرة من قبل... فإذا قام بذلك فهو سوف يضرب عصفورين بحجر واحد.
****************
كان سيف يجلس في غرفته وملامح الحزن ظاهرة على وجهه.
فقدانَه لعمله هو أسوأ شيء كان يتخيله... وهو بطرده من شركة العرابي فهو قد خسر العمل في أي شركة أخرى.
فشركات العرابي هي من أكبر الشركات فإذا تم قبولك بها فأنت من المتميزين بل من المحظوظين.
وبطرده منها فهو لن يستطيع الاستفادة من شهادته أو خبرته.
وكل ذلك حدث بسبب أخته.
قام بتنفيض تلك الفكرة من عقله... فهي ليست السبب بل ذلك الحيوان المسمى مراد.
ولكنه قام بذلك بدافع الغيرة أو هذا ما يعتقده ولكن تلك النظرة في عينيه كانت تخبره الكثير من الأشياء.
قطع شروده صوت هاتفه الذي أعلن عن قدوم رسالة.
فتح سيف الرسالة وجد ما صدمه... فابن عمه عاصم قد وصل إلى القاهرة.
كان ذلك الخبر كالصاعقة على سيف الذي حاول كثيرًا إخفاء شمس عنهم وإبعادها فكفى الذي حانَتَه بسببهم.
نهض سيف من مكانه وركض مسرعًا إلى خارج المنزل وأخبر مالك أن يغلق الباب ولا يفتح لأحد.
واتجه مسرعًا إلى المستشفى لإخبار شمس بذلك الخبر وما يجب أن يفعلوه لتفادي تلك الكارثة.
***************
في قرية سوهاج... كان منير يحزم حقائبه... واتجه ناحية والده:
_كله تمام يا بوي.
الأب:
_عايزك تعرف كل حاجة عنها... كله من بعيد لبعيد... ومين بيساعدها... وبعد كده كلمني وبلغني بآخر المستجدات.
منير بطاعة:
_حاضر يا بوي.
خرج منير من القصر متوجهاً إلى محطة قطار محافظة سوهاج.
أما في ذلك القصر وخصوصًا في عقل ذلك الشخص الذي لا يعلم أحد فيما يفكر... وأخذ يحدث نفسه:
_يا أنا يا أنتِ يا بنت محمود... والأرض هتكون ليه أنا وبس... برضاكِ أو غصبًا عنك... ومهما إن كان مين اللي بيساعدك هههههههههه.
******************
كانت جالسة في مكتبها تتذكر ماضيها الجميل الذي عاشته مع حبيبها أحمد... تتفحص الصور التي بهاتفها التي كانت تجمع بينهم في أكثر من مكان.
وكان هناك صورة كانت تضحك فيها من أعماق قلبها... ابتسمت فهي تذكرت ذلك اليوم.
كانوا في أحد المطاعم حتى طلبت هي وعاء مليء بالآيس كريم... وعندما أحضره النادل قام بسكبه على رأس أحمد كان مشهد مثير للضحك.
قاطع شرودَها رنين هاتفها معلنًا وصول مكالمة من والدها.
أجابت على الهاتف وقال بابتسامة:
_وحشتني يا سوسو.
_آسف يا أنسه بس صاحب التلفون عمل حادثة ونقلوه المستشفى.
شهقت بصدمة وبدأت الدموع تنساب على وجهها.
_مستشفى إيه... وإزاي دا حصل؟
_بصراحة أنا مش عارف بس اسم المستشفى هو***.
أغلقت الهاتف دون أن تسمع باقي الكلام وأخذت حقيبتها واستأذنت من المدير وذهبت إلى تلك المستشفى التي يوجد بها والدها.
وفي غضون ربع ساعة وصلت إلى المستشفى وعينيها لا تتوقف عن البكاء.
وقفت أمام مكتب الاستقبال وقالت:
_بعد إذنك في واحد لسه جاي في حادثة عربية من ساعة.
_أيوه يا فندم الاستاذ حسين نادر محمد القاسم.
_أيوه هو... هو فين؟
_متقلقيش يا فندم دا كان عنده ألم في رجله بس... وهو موجود في الدور الرابع.
لم تصدق كلامه وهرولت مسرعة إلى الطابق الرابع.
دخلت إلى الغرفة دون أن تطرق على الباب ووجدت والدها ممددًا على الفراش ورجله ملفوفة في الجبيرة.
هرولت إليه مسرعة وهي ما زالت تبكي:
_بابا أنت كويس... عامل إيه... حاسس بأي ألم؟
حسين بابتسامة:
_يا حبيبتي اهدي أنا كويس دا مجرد كسر في الرجل.
ميرا بغضب:
_مين اللي عمل فيك كده دا أنا هخلي ليلته سوداء.
حسين:
_اهدي يا مرمر... دا أنا اللي كنت ماشي... واللي كان سايق مخدش بالو.
قاطع حديثَهم رنين هاتف ميرا وكان الرقم غير معروف:
_ألو مين معايا؟
_معقول يا زيتوته نسيتيني.
وعندما سمعت تلك الكلمة وذلك الصوت... تملكها الغضب ولكنها تماسكت وقالت بهدوء مصطنع:
_عايز إيه؟
_تتجوزيني.
_وأنا قلت لا.
_أنا قلت إنك هتغيري رأيك بعد اللي حصل مع بابا الأمور.
فتحت عيناها على وسعها فهي لا تصدق بأنه من قام بذلك.
شتمت ميرا إياد في سرها.
وسمعها إياد الذي كان على الطرف الآخر:
_إيه دا يا بنت عمي حسين... افتكرتك محترمة عن كده.
قامت ميرا بخفض صوتها لكي لا يسمعها والدها وقالت بغضب:
_أنت واحد حيوان وزبالة... ومش عندك أي احترام.
إياد باشمئزاز:
_عيب يا زيتونة... تقولي كده على جوزك المستقبلي.
ميرا بحدة:
_دا لما تشوف حالَمَه ودنك يا زفت.
إياد بغضب:
_اتلمي يا عروسة والا المرادي هتكون نهاية بابا حبيبك.
ميرا كأي امرأة مصرية تجاهلت كل تلك الكلمات وقالت:
_أنا عروسة طب شوف نفسك يا برص... دا أنت ونصف.
إياد:
_وأنتِ واحدة بسل ودمك سم... ومعندكيش ريحة الدم.
ميرا:
_أنت واحد حيوان.. ومش عندك احترام.
إياد باشفاز:
_أنتِ قلتِ كل دا قبل كده... في غيره ولا دا آخرك؟
ميرا:
_تصدق إنك واحد حمار وبديل وشراب في أعفن رجل وجذمه مخرومه.
_إيه؟
_العب باليه.
_إيه؟
_شبسي بجنيه.
_إيه؟
_أنت علقت ولا إيه ههههههه.
سرح إياد في ضحكتها وقال بدون وعي:
_صوت ضحكتك حلو أوي.
توقفت ميرا عن الكلام ونظرت أمامها توسعت عيناها من الصدمة وقالت بحدة:
_........
رواية دموع الشمس الفصل الثامن 8 - بقلم اية هدايا
نظرت أمامه بصدمة وتوسعت عيناها وقالت بحده:
إيه اللي بتعمله هنا... ولك عين تيجي بعد اللي عملته.... أنت إنسان مختل.
إياد بابتسامة جانبية:
عيب كده يا زيتونة.... ده أنا حتى جوزك المستقبلي.
ميرا بغضب:
يا أخي، يكش تولع أنت والجوازة دي.
كاد إياد أن يرد عليها ولكن قاطعه صوت حسين:
تعالى يا ابني، أنت واقف كده ليه.
إياد وهو ينظر إلى ميرا نظرة انتصار:
حاضر يا عمي، أنا جاي أهو.... بس كنت بسلم على ميرا.
جلس إياد على الكرسي المواجه لحسين وقال له بأسف مصطنع:
السلامة عليك يا عمي.
حسين بابتسامة:
الله يسلمك يا ابني.... عملت إيه في الموضوع اللي كلمتك فيه.
إياد بابتسامة:
أيوه يا عمي، وتقدر تسأل ميرا كمان.
ميرا بتعجب:
في إيه يا بابا.
حسين بابتسامة:
إياد طلبك من جديد.... وبيقول إنك وافقتي.
نظرت ميرا له بحدة وقالت له:
إيه اللي أنت بتقوله ده.
نظر إياد بحدة لميرا ثم أشار لها على والدها بمعني إذا لم توافقي فسوف أقضي عليه.
شعرت ميرا بالخوف من نظراته، فهي تعلم أنه سينفذ ما هدد به..... وهي تخشى كثيراً على والدها..... وليست مستعدة أن تخسره.
نظرت ميرا إلى والدها الذي يظهر في عينيها الفرح والسعادة وقالت له:
أيوه يا بابا، أنا موافقة إني أتجوز.
حسين بسعادة:
مبروك يا بنتي، أنا فرحان جدا..... وإياد إن شاء الله هيقدر ينسيك أحمد.
نظرت ميرا بحدة إلى والدها... فكيف له أن يتحدث أمام إياد بشأن أحمد.
تعجب إياد من نطق حسين نفس الاسم، ولكن من هو أحمد ذاك الذي لم تستطع ميرا أن تنساه.
نفض إياد عقله من تلك الأفكار، فماذا يهمه في ذلك، هو يقوم بذلك فقط من أجل أن ينتقم منها على إهانتها وبعد ذلك سيطلقها.
نظر إياد إلى حسين وقال له:
بعد إذنك يا عمي، هتكلم أنا وميرا شوية.
حسين بابتسامة:
اتفضل يا ابني.
جذب إياد يد ميرا وأخرجها من الغرفة الخاصة بحسين..... ثم أخرجها إلى حديقة القصر وقال لها بجدية:
بصي بقى، خلينا نتفق على كل حاجة من الأول.
واحد: الأسبوع الجاي أخطبك وأكتب الكتاب..... وبعدها بأسبوع هنعمل الفرح.
اتنين: مفيش كلام مع أي راجل غيري..... أيوه أنا مش بحبك..... بس أنا راجل مش كيس جوافة.
تلاتة: هتشتغلي عادي..... بس في سواق هيوديك ويجيبك.
أربعة:
وضعت ميرا يدها على فمه دون وعي وقالت:
إيه ده كله، هو أنت هتسجنيني ولا إيه.
أربعة..... بقى أنا اللي هكملها، كل واحد هيعيش في أوضة منفردة.
أوعي تكون فاكرني هبلة ولا بتقرطس، أنا عارفاك كويس، أنت عايز تتجوزني ليه، عشان تنتقم مني على اللي عملته فيك، مش يعني واقع في دباديبيا.
إياد بابتسامة جانبية:
شطورة يا زيتونة، بس الشرط ده أنا مش هوافق عليه، أنا وأنت هنتجوز ونعيش في أوضة واحدة وهنعيش شهر زي أي متجوزين.
ابتلعت ميرا ريقها ونظرت له بتوتر وقالت له:
يعني إيه.
نظر لها بمكر وقال لها:
إيه اللي ما فهمتوش في كلمة متجوزين يا زيتونة.
نظرت ميرا له بحدة وقالت له:
ده لما تشوف حلمت ودنك.
همت للانصراف من أمامه، ولكن أمسكها إياد من ساعدها وجذبها إليه، فأدى ذلك إلى ارتطام ميرا بجسد إياد.
نظرت إليه بحدة وقالت له:
إيه اللي بتعمله ده.
فقال لها:
بعمل إيه.... واحد وخطيبته واقفين.
ميرا بسخرية:
يا عم ما تسوقش فيها أوي كده.
إياد بحدة طفيفة:
لمي لسانك يا زيتونة، وإلا هتلاقي بابا حبيبك موجود في المشرحة.
نظرت ميرا إليه بغضب وقالت له:
أنت مش عندك أي رحمة.
نظر لها إياد بسخرية وقال لها:
لا مش عندي رحمة، يلا بقى يا زيتونة عشان نخلص من الموال ده.
وجذبها من يدها إلى المستشفى تحت مقاومة ميرا.
دخل إياد إلى غرفة حسين وقال له:
أنا وميرا اتفقنا على كل حاجة، وزي ما قلت لك قبل كده، أنا هاجي الأسبوع الجاي أنا وأخويا أخطب وأكتب الكتاب على ميرا.
حسين بعتاب:
يا ابني..... طب وأبوك وأمك.
تحولت ملامح إياد إلى الضيق والغضب وقال له:
أبويا مسافر يعني مش هيقدر ينزل، أما والدتي فـ أنا مش معترف بها أصلاً.
تعجبت ميرا من تحول إياد المفاجئ وعن طريقة حديثه عن والديه بتلك الطريقة.
فقال له حسين:
يا ابني بس.....
قاطعه إياد قائلاً:
يا عمي، أنا عايز أتزوج ميرا، مش أبويا وأمي اللي هيتجوزوها.
وبعدين أنا كبير وهقدر أتكفل بنفسي ومش لسه عيل صغير.
حسين بتفهم:
خلاص يا ابني، اللي تشوفه، مدام توعدني إنك تحط ميرا في عينيك..... هي دي اللي باقية لي في الدنيا.
نظر إياد إلى ميرا وابتسم ابتسامة جانبية وقال له:
دي في عيني يا عمي.
حسين بفرحة:
خلاص، نقول مبروك، زغرتي يا عروسة.
ميرا بحدة:
بابا.
إياد:
ملكيش دعوة بعمي.... زغرتي يا ولية.
نظرت ميرا بحدة إلى إياد وقالت له:
اسكت يا حمار.
وخرجت من الغرفة وهي في قمة الغضب.
حسين بضحك:
أنا عارف إنك الوحيدة اللي تقدري تنسيها كل اللي مرت بيه.
إياد باهتمام:
مش عايز تقول لي يا عمي إيه هو اللي مرت بيه.
حسين بنفي:
لا يا ابني، ما أقدرش..... هي اللي المفروض تقول لك كل حاجة، وساعتها بس هتكون ميرا حبتك ومن قلبها.
أومأ إياد له وخرج من الغرفة خلف تلك التي جعلت عقله لا يتوقف عن التفكير بها.
اتجه مراد إلى المستشفى التي تعمل بها شمس وكان يحمل في يده مجموعة من الأوراق.
اقتحم مراد أحد الغرف وكانت شمس تجلس وتتحدث مع أخته.... وعندما سمعت صوت الباب انتفضت شمس من مكانها ونظرت إلى مراد بحدة.
وقالت بغضب:
انت إزاي تخش كده.... مفيش أي احترام للي موجود.
مراد ببرود:
أولاً، أنا أعمل اللي أنا عايزه، دي المستشفى بتاعتي..... ثانياً، أنا محترم وغصب عنك كمان.... ولو مش كنت محترم كنت طردتك من المستشفى من زمان.
شمس بكبرياء:
وأنا مش تلزمني مستشفى بتاعتك في حاجة..... أنا مستقيلة يا أستاذ..... وهمت شمس إلى الرحيل من الغرفة ولكن منعها جذب مراد لها من يدها.
أمسكها مراد من ذراعيها وضغط عليها بقوة وقال لها بحدة:
مفيش حاجة اسمها استقالة ومش هتخرجي من المستشفى دي إلا لما تعالجي أختي..... والغرض دلوقتي مفيش حد اتجرأ ورفع صوته عليا..... أو إنه يمد إيده عليا..... لكن انتي الوحيدة اللي عملتي كل ده..... وأنا هنتقم منك على اللي عملتيه بس في الوقت المناسب..... فاهمه يا دكتورة شمس.
شمس بسخرية متناسة ألمها:
لا مش فاهمه..... يا وحش الاقتصاد.
ابتسم مراد ابتسامة جانبية وتركها وابتعد عنها وجلس على الأريكة...... و قام بإلقاء الأوراق التي كان يمسكها في يده أمامها.
ضيقت شمس عينيها وقالت له:
إيه ده.
مراد بلا مبالاة:
ده ورق.
شمس بسخرية:
تصدق، كنت فاكراه جردل.
مراد بحدة طفيفة:
ده ورق يخليكي تتحملي مسؤولية أي حاجة تحصل لأختي بسببك.
ابتسمت شمس بسخرية وأمسكت الأوراق ومضت عليها دون النظر لها.
ابتسم مراد بانتصار لأنه جعلها تنفذ ما في عقله دون أي مجهود منه.
قامت شمس بإلقاء الأوراق أمامه وقالت له:
أنا مستنية اللحظة دي في المستشفى..... عشان خاطر أختك وبس..... مش عشان خاطر حد تاني..... وأنا عن نفسي..... نفسي أسيب المستشفى دي...... وغور في أي حتة.
وضع مراد قدمه على الأخرى بتسلية وقال لها مغيراً الموضوع:
أنا حاسس إني جبت دكتورة فاشلة لأختي وإنك مش هتقدري أصلاً إنك تعالجيها.
نظرت شمس له والنيران تتطاير من عينيها، فهي أكثر شيء تبغضه وتكرهه هو أن يسخر أحد من عملها أو أن يعتقد أنها ضعيفة أو أنها لا ترى عملها بشكل جيد.
اقتربت من مراد وأمسكته من تلابيب قميصه وقالت له:
أنت قلت إيه.
مراد بلامبالاة:
قلت إنك دكتورة فاشلة.
ضغطت شمس على شفتها السفلية بقوة حتى كادت أن تنزف..... لكي لا تقوم بتشويه وجه مراد.
نظرت شمس له بتحدٍ وقالت له:
خلال الشهر ده يا مراد العرابي، أنا شمس محمود بقولك..... إني هقدر أعالج أختك..... وساعتها هتنفذ لي أي حاجة أنا عايزها.
نظر لها مراد بتحدٍ، فهو يعلم أنها لن تستطيع، فأشهر الأطباء لم يستطيعوا معالجة أخته، فكيف لها أن تقوم بذلك في تلك الفترة القصيرة.
وقال لها:
وأنا موافق.
ابتسمت شمس وقالت:
يبقى استعد إنك تنفذ طلبي يا مراد باشا، لأن أنا بقول لك من دلوقتي أنا اللي كسبانة.
نظر مراد لها ببرود وقال:
هنشوف يا قطة..... ولو مقدرتيش تعالجيها في الشهر ده ساعتها أنت اللي هتنفذي لي الطلب.
نظرت له شمس بتحدٍ وقالت:
موافقة.
ابتعدت شمس عن مراد وجلست أمام ليان، كانت تجلس تتحدث مع ليان وتحكي لها عن مواقفها المضحكة مع أخيها..... لكي تخرجها من حالتها.
وكان مراد يجلس وينظر لها بإعجاب، فهي بالرغم من الحزن والألم الذي مرت به، فهي تحاول أن تظهر عكس ذلك.... كان جالس ويستمع إلى كل كلمة تقولها.... إلى كل حركة من جسدها.... إلى حركة عينيها باهتمام شديد.
كانت ليان تنظر إلى شمس وهي تبتسم.... فهي قد أحبتها كثيراً، فهي لا تتصنع اللطف مثل باقي الأطباء.... الذين كانوا يقومون بذلك من أجل المال.... أو التقرب من أخيها.... أو خوفاً منه.
وفجأة التفتت ليان إلى الجهة التي يجلس بها مراد.... وجدته شارد وينظر إلى شمس باهتمام.... ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجه ليان.... فهي علمت لماذا هو الآن يجلس معهم بالرغم من أنه لم يكن يحضر أي جلسة علاج.... ولكن الآن يجلس ويستمع بانتباه وتركيز.
وفجأة دخل سيف ويبدو على وجهه ملامح الرعب:
شااااااامس.
نظر الجميع إلى سيف الذي كان يبدو على وجهه ملامح الرعب.
جلس سيف بعينيه في الغرفة، وجد مدير شركته يجلس وعلامات الهدوء والوقار هما اللذان يظهران على وجهه.
ابتلع سيف ريقه ونظر إلى أخته ثم إلى الفتاة التي تجلس بجانبها..... صدم سيف من ذلك الجمال.... فكان يبدو على وجهها ملامح الطيبة والرقة وتلك العينان التي يخجل الناظر أن ينظر لها.... فكانت واسعتان بلون العسل الصافي وتلك الأهداب التي تغطيها التي تبدو كالحصن المنيع لحماية عينيها.
شمس بقلق:
في إيه يا سيف.
سيف بتوهان وهو ينظر إلى عيني ليان:
سيف مين.... يلا يا بت من هنا.... سبيني في الجنة شوية.
ضحكت شمس على أخيها بصوت منخفض.
خجلت ليان من تلك النظرات وشعرت بالتوتر.
لاحظ مراد نظرات سيف التي جعلت أخته تشعر بالخجل.
مراد بحدة خفيفة:
سيف.... انطق عايز إيه.
سيف بخجل من نظرات مراد التي كانت كالسهام النارية بالنسبة له:
الحق يا شمس، عاصم وصل القاهرة.
شمس بتوتر:
انت بتقول إيه يا سيف... إزاي ده حصل... هما عرفوا مكاني إزاي.
لاحظ سيف حالة التوتر والخوف الظاهرة على وجه أخته وقال لها بحنان:
أوعي تخافي طول ما أنا معاكي.... محدش هيقدر يقرب منك.
شعرت شمس بالراحة من حديث سيف ولكنها ما زالت خائفة من القادم..... ولما جاء عاصم وخاصة في ذلك الوقت.
سيف بجدية:
أوعى تخافي من حاجة..... أنا كنت حاسس إن اليوم ده هييجي.. ... عشان كده أنا عملت احتياطاتي.
شمس بتساؤل:
عملت إيه يا سيف.
سيف وهو ينظر إلى مراد:
أنا أول ما عرفت إن عاصم وصل القاهرة.... بعثت لشركة الطيران إنهم يحجزوا تلات تذاكر للندن.
ابتسم مراد ابتسامة جانبية.... ونظر لسيف بلامبالاة ثم خرج من الغرفة واتجه إلى شركته الخاصة.
تعجب سيف من تصرفه، فهو اعتقد أن مراد معجب بشمس.... ولكن تصرفاته تثبت عكس ذلك.
نظر سيف لشمس وقال لها:
يلا يا شمس بسرعة قبل ما ييجي وساعتها مش هنقدر نعمل حاجة.
نظرت له شمس وقالت بتوتر:
بس عاصم مش زيهم يا سيف ....... هو طيب ومش هيؤذيني.
يضيق سيف عينيه وقال لها:
النهاردة عاصم جه..... بكرة منير يا شمس، ولا أنت عايزة تكرري الماضي تاني...... ومفيش حد هيتأذى غيرك يا شمس.
تذكرت شمس تلك الأيام التي كانت تعاني منها من العذاب النفسي والجسدي والروحي.
وقررت أن تنفذ كلام سيف ونظرت إلى ليان التي كانت تنظر لهم بصمت ولم تظهر أي تعبير على وجهها.
أمسكت شمس يد ليان وقالت لها بحب:
بصراحة يا ليان، أنا كنت عايزة أكون معاكي أكتر من كده وكنت نفسي أعالجك ونبقى أصحاب، بس زي ما قلت لك قبل كده، زي ما أنتِ مرة بظروف صعبة..... أنا مريت باللي أصعب منها.
وعايزاكي تواجهي الماضي بتاعك...... واوعي تهربي منه.
نظرت ليان إلى شمس بمعنى أنك تهربين من ماضيك وتقولين لي ذلك الكلام.
فهمت شمس نظرات ليان وقالت لها بحزن:
أنا قلت لك قبل كده إني زي ما أنتِ مرة بظروف صعبة..... أنا كمان مرة بظروف صعبة.
ويمكن الماضي بتاعي أصعب من الماضي بتاعك، وأنا بقى لي أكتر من خمس سنين هربانة من الماضي بتاعي...... وأنا مش هقدر أواجهه، لأني لو واجهته فيها موتي........ وما فيش حد يقدر يقف جنبي قصاد الماضي بتاعي ولا حتى أخويا.
تركت شمس يد ليان...... واتجهت إلى الباب، وكان كل ذلك تحت أنظار سيف الذي لم يبعد عينيه عن ليان لحظة واحدة..... لا يعلم لماذا شعر بدقات قلبه تكاد تخرج من مكانها عندما ينظر إلى عينيه.
تلك العينان التي اتجه ناحيتها دون أن يحسب حساب الغرق بها.
خرج سيف من الغرفة خلف شمس واتجهوا إلى المنزل ليحضروا ملابسهم ويتجهوا إلى مطار القاهرة.
كان مازن يجلس في عيادته يتذكر تلك الأيام التي مر بها في الماضي مع جيسيكا وأنه لو عاد به الوقت ما كان سيرتكب ذلك الخطأ.
قطع شروده دخول السكرتيرة نرمين.
نرمين:
دكتور مازن، أدخل الحالة اللي عليها الدور.
مازن بانتباه:
أيوه..... يا نرمين.
كان نظر مازن موجهاً فقط إلى الأوراق التي أمامه ولم يرفع نظره إلى الأشخاص الذين دخلوا من الباب.
مازن بمرح:
مين بقى الكتكوت اللي عايز ياخد شيكولاتة.
رفع مازن نظره إلى الأشخاص الذين يجلسون أمامه.
صدمة كبيرة عندما وجد تلك الفتاة التي شغلت عقله كثيراً في الآونة الأخيرة..... ومعها شخص ما يمسكها من يدها و باليد الأخرى يضعها على كتفها والطفلة الصغيرة بينهما كانت لوحة جميلة متكاملة.
شعر مازن بالألم في قلبه ولا يعلم ما مصدره.
نظر مازن إلى الفتاة الصغيرة وقال لها بابتسامة:
الأمورة عندها إيه.
الفتاة:
هو أنا أعرف حضرتك.
مازن:
ياااا أنا افتكرتك نسيتيني خالص.
عمرو مقاطعاً:
حضرتك تعرفها.
مازن بتوتر من نظرات عمرو:
أيوه طبعاً أعرفها، أنا كنت ماشي في الطريق وسمعت صوتها وهي بتصوت وكان في واحد بيحاول يعتدي عليها ولولا ستر ربنا كانت المدام في خبر كان.
قال له بهدوء:
آه..... هو أنت الأستاذ اللي ساعدتها، أنا بشكرك جداً وبشكرك من كل قلبي، هي قالت لي في اليوم ده على كل حاجة وساعتها نزلت وفضلت أدور عليك، بس أنا مش لقيتك.
مازن بابتسامة:
لا، العفو، أي حد كان مكاني كان عمل كده.
عمرو بحزن:
لا يا دكتور، مش كل الناس..... الناس اللي زيك بقوا قليلين قوي.
شعر مازن بحزن داخل عمر..... ولاحظ ملامح تغير الفتاة إلى الحزينة وقال لها محاولاً تغيير الموضوع:
هي الكتكوته عندها إيه.
عمرو بابتسامة:
دي بنتي مكة عندها ست سنين ومن امبارح وحرارتها مرتفعة جداً، حاولنا ننزلها..... ونزلت بس النهارده ارتفعت جداً وقلنا الأحسن نعرضها على دكتور.
مازن بعملية:
تمام، حطها هناك وأنا هشوف هاعمل إيه.
وبالفعل فحص مازن الفتاة الصغيرة بمهارة وبعد الانتهاء قام بإعطاء عمرو ورقة وبها بعض الأدوية التي يجب أن تأخذها..... وقال له:
دي مجرد حرارة بسيطة وإن شاء الله هتخف بالأدوية دي.
نهض عمرو من مكانه وقام بمصافحة مازن وشكره على صنعه وقال له:
جزاك الله خيراً يا دكتور.
وأشار إلى الفتاة التي كانت تجلس:
يلا يا نورهان عشان ماما مستنيانا في البيت.
نهضت نورهان من مكانها ولكنها سرعان ما تعثرت.
هرع مازن إليها قبل عمرو..... مد مازن يده إلى نورهان...... أمسكت نورهان به معتقدة أن ذلك الشخص هو عمرو.
عمرو بحدة طفيفة:
بعد إذنك يا دكتور، دي أختي وأنا المفروض أخاف عليها أكتر منك.
شعر مازن بالحزن وبالفرحة في نفس الوقت، بالحزن لأنه أبعدها عنه، والفرحة لأنه اكتشف أنه ليس زوجها وإنما أخاها.
غادر كل من نورهان وعمرو من العيادة تاركين قلب مازن يتراقص من الفرح.
جلس مازن مكانه وظل يفكر في تلك العينين اللتين غرق بهما دون أن يحسب لهما أي حساب.
شعر مازن بالحزن لأنه لن يراها مجدداً، ولكن لا يعلم أن القدر يخبئ الكثير من المفاجآت.
في منزل شمس.
قام سيف وشمس بإعداد الحقائب وكان مالك يساعد شمس في إعداد ملابسه..... وبعد الانتهاء خرج شمس وسيف ومالك من المنزل متجهين إلى المطار.
في المطار.
كان سيف يعطي التذاكر إلى المشرفة ولكن استوقفهم صوت:
بعد إذنك يا أستاذ..... المدام مطلوب القبض عليها.
نظرت شمس بصدمة وقالت له:
أنا.... مدام مين حضرتك.
أو ما الضابط لها وقال:
أيوه أنتِ يا مدام، مطلوب القبض عليكي.
وقف سيف أمام شمس وقال له:
بتهمة إيه يا حضرة الضابط.
الضابط بثبات:
بتهمة السفر بدون علم زوجها.
شمس بصدمة:
زوجها.
رواية دموع الشمس الفصل التاسع 9 - بقلم اية هدايا
شمس بصدمة: زوجة؟
نظر سيف بصدمة إلى الضابط وقال له بحدة: إيه اللي أنت بتقوله ده؟ وزوجها مين بالظبط؟
الضابط بحدة: الأول، خد بالك من نبرة صوتك، وإلا هتلاقي نفسك في السجن. وثانياً، زوجها هو...
قاطعه صوت أحد الأشخاص: مراد العرابي.
التفتت شمس وسيف والضابط إلى مصدر الصوت، وكان ذلك مراد وابتسامة نصر تزيّن وجهه.
شهقت شمس بصدمة ثم فقدت وعيها.
***
فتحت عينيها بألم، وجدت نفسها في غرفة غريبة تراها لأول مرة. نهضت من مكانها وتذكرت أنها كانت في المطار، واستوقفها الضابط وأنها تزوجت. ومن مَن؟
"لا لا لا." هزت رأسها أكثر من مرة وأقنعت نفسها أنها كانت تحلم، وأنه كان حلماً مزعجاً.
قامت بإنزال قدميها على الأرض، ليفاجئها فتح الباب. رفعت شمس نظرها للواقف أمامها. شهقت شمس بفزع عندما رأت مراد وهو في حالة يرثى لها. كانت ملابسه غير مهندمة، وشعره مشعث، وترك أول زرارين من قميصه مما أبرز جمال عضلاته.
اقترب مراد منها ونظر لها وقال بهدوء: انتي هنا قاعدة كتير.
حاولت شمس استجماع نفسها وقالت بتشتت: انت بتعمل إيه في بيتنا؟
ابتسم مراد ابتسامة جانبية وقال لها: انتي في بيتي يا قطة، وفي أوضتي، وكمان على سريري يا زوجتي العزيزة.
قال جملته الأخيرة بمكر.
انتفضت شمس من مكانها ونظرت له بحدة وقالت: يا أخي، جتك عقربة تتجوزك. وبعدين هي مين الهبلة اللي ترضى تتجوز واحد زيك؟ أنت واحد حيوان، وأكيد زورت الورق ده لأني مستحيل أتجوزك، وأنا مش مضطرة أمضي على أي ورق.
جزّ مراد على أسنانه ونظر لها بحدة وتحولت عيناه إلى الأسود، وقبض على يديه حتى ابيضت سلاميات يده.
مراد بصوت مخيف: انتي قولتي إيه؟
شعرت شمس بالخوف ولكنها تماسكت وقالت: قلت مين الهبل...
قاطع كلامها صفعة قوية على وجه شمس. شعرت شمس أن رأسها ابتعد عن جسدها من قوة الصفعة.
مراد بابتسامة مخيفة، وقام بجذب شمس من شعرها حتى صرخت ومقاومته له.
وصل مراد إلى إحدى الغرف الموجودة في القبو، وقام بإلقاء شمس بداخلها وأقفل عليها الباب ونادى بصوته الغاضب: حسنييييييه!
هرولت حسنية سريعاً: أيوه يا بيه.
حسنية هي امرأة في الخمسينات من عمرها ذات ملامح طيبة تنم على الخير.
مراد بغضب: محدش يفتح الأوضة دي أبداً، وإلا نهايته هتكون على إيدي. ومحدش يدخل أكل ولا ميه. ولو سمعتي صوت كأنك مسمعتيش. وبلغي الخدم بكده، وإلا... هما عارفين عقابي عامل إزاي.
حسنية: حاضر يا بيه.
هرولت حسنية من أمامه بسرعة واتجهت إلى المطبخ، فهي تعلم أن من يخالف أوامره فإنه يحظى بعقاب، وليس أي عقاب. فتلك الغرفة التي يتحدث عنها ليست أكثر من مكان مظلم بارد، ذو رائحة كريهة، وأصوات الفئران منتشرة به.
كانت شمس تشعر بالإهانة والذل. وبالرغم من أنها كانت تتألم، إلا أنها لم تسقط دمعة واحدة، وذلك بسبب الوعد الذي قطعته على والدتها.
نظرت شمس إلى الفراغ المظلم، وبالرغم من أن الخوف مستحوذ على قلبها، إلا أنها هتفت بصوت ملئ بالقوة والثبات: إن كنت أنت وحش الاقتصاد، فأنا هخليك من وحش يخافه الكل، لكلب بيسمع كلامي أنا وبس. أنا عارفة إني بقيت حرم مراد العرابي، وكمان عرفت طريقتك الذبالة اللي خلتني أمضي على الورق، بس كله بحسابه. وإن كنت أنت مراد العرابي، فأنا شمس محمود الشريف.
وابتسمت ابتسامة مليئة بالشر. فهي ليست مستعدة أن تقضي الباقي من حياتها في تعذيب وإهانة. هي لم تخلق لكي تكون ذليلة. فهي حرة ولن تسمح لأحد أن يهينها، حتى وإن كان منير وعمها. وهي مستعدة أن تطبق نصيحتها وسوف تواجه الماضي والحاضر.
***
اتجه مراد إلى الشركة وقام بأخذ مجموعة من الأوراق من خزانته، وطلب من سكرتيره أن تطلب من المهندسين أن يتجهزوا من أجل فحص الأرض التي توجد بالصحراء لمعرفة إن كان بها نفط أم لا.
أخرج مراد من الشركة متوجهاً إلى منزل شمس.
***
فقدت شمس الوعي.
نظر سيف إلى مراد بحدة وغضب. واقترب منه في خطوتين وأمسكه من تلابيب قميصه وقال له بصوت عالٍ: أنت إزاي عملت كده؟ هي أصلاً مش بتحبك، عمرها ما ترضى إن هي تتجوزك.
أبعد مراد يد سيف من على قميصه ثم قال له ببرود: أظن إني قلت اللي عندي، وشمس محمود الشريف بقت مراتي.
صدم سيف من نطق مراد لاسم عائلتهم الحقيقي، لأن لا أحد يعلم باسم الشريف. فكيف عرف؟
أغمض سيف عينيه بألم. فبالطبع قد بحث عنهم وعلم كل شيء عن هروبهم وعن عائلتهم. فهو وحش الاقتصاد ولا يخفى عليه أي شيء.
سيف بهدوء: ودلوقتي انت عايز إيه يا مراد؟
مراد متجاهلاً سيف، واتجه ناحية شمس وقام بحملها على ذراعه واتجه إلى خارج المطار.
سيف بصوت عالٍ: مراد، انت واخدها فين؟
مراد بلا مبالاة: دلوقتي هي بقت مراتي، يبقى هتعيش في بيتي.
سيف بحدة: مستحيل أسمح لك إنك تعمل كده.
مراد: ومين هيمنعني؟ أنت؟ القانون واقف في صفي يا أستاذ سيف.
قال جملته الأخيرة بسخرية.
سيف بغضب: أنا ما يهمنيش القانون. شمس تبقّى أختي وأنا المفروض أدافع عنها لو أنت عملت أي حاجة تأذيها.
مراد بهدوء: بس أنا مش عملت حاجة تأذيها.
تقدم سيف نحو مراد لكي يأخذ شمس منه، ولكن اعترضه الضابط وقال له: يا أستاذ، ما ينفعش. هي دلوقتي بقت مراته وله كل الحق إن ياخدها معاه. ولو حاولت تعترضه هقبض عليك بتهمة التعدي على رجل وزوجته.
أغمض سيف عينيه بألم. فهو لا يستطيع أن يحمي أخته، حتى في الماضي لم يستطع أن يحميها، بل هرب بها. والآن هو يقف مكبل اليدين لا يستطيع أن يحميها من ذلك الوحش.
خرج مراد بشمس من المطار ووضعها في السيارة ثم اتجه بها إلى القصر.
أما سيف، فأخذ مالك وخرج من المطار واتجه إلى منزلهم، فهو لا يستطيع السفر من دون أخته، وأيضاً يجب أن يبحث عن مكان جديد للعيش به، لكي لا يجدهم عاصم.
***
وصل مراد إلى المنزل الذي يسكن به سيف وشمس. أخذ الأوراق التي أخذها معه ثم طرق على الباب عدد طرقات. وما هي إلا لحظات وفتح الصغير مالك له الباب.
انخفض مراد إلى مستواه وربت على رأسه وقال: أُمال فين عم سيف يا حبيبي؟
قام مالك بإزاحة يد مراد من على رأسه وقال بحدة: وانت مالك؟ إيه اللي جابك هنا؟ مش كفاية خطفت شمس؟ اطلع بره.
شعر مراد بالدهشة من ذلك الطفل، فهو بالرغم من صغر سنه، إلا أنه يتكلم كشخص يمتلك 20 عاماً.
ابتسم مراد على تفكيره. انتصب مراد في وقفته ثم قال بحدة وبصوت مخيف: ادخل يا حلو، نادي سيف، وإلا هتلاقي نفسك مدفون تحت الأرض.
مالك بقوة غريبة: أنا ما بخافش من حد ولا منك، وريني هتقدر تعمل إيه.
مراد بهدوء: خش يا حبيبي، أنت ما تعرفش أنا مين.
مالك بلا مبالاة: لا عارف انت مين. مراد العربي، الملقب بوحش الاقتصاد. يمتلك أكبر شركات نفط في الشرق الأوسط، يتيم، عنده أخت واحدة. في حاجة تانية؟
شعر مراد للمرة الثانية بالدهشة من ذلك الطفل.
كاد مراد أن يرد عليه ولكن قاطعه صوت سيف الساخر: أهلاً بوحش الاقتصاد، شرفت بيتي المتواضع.
تجاهل مراد سخريته ودخل المنزل دون أن يهتم لسيف.
مراد وهو يجلس على الأريكة: دلوقتي أنا جيت عشان أفهمك كل حاجة.
رفع سيف حاجبه وقال بسخرية: لا والله، فيك الخير.
تجاهل مراد سخريته وقام بوضع الأوراق أمامه، ثم رفع أحد تلك الأوراق أمام سيف وقال له: اتفضل.
أمسك سيف الورقة التي كانت في يد مراد ونظر لها، ووجدها بالفعل أنه عقد زواج، وأن إمضاء شمس يوجد عليه، وأنه لم يزور الأوراق.
سيف ببرود: والمفروض أعمل إيه؟
مراد: بصراحة، ولا أي حاجة. أنا جيت أوريك إني مش زورت الورق، بدل ما تروح المحكمة وترفع قضية وأنت كده هتخسرها. وجاي أقول لك كمان، أنت رجعت الشغل تاني.
رفع سيف حاجبه وقال: لا والله، فيك الخير بصراحة. أنا مش عايز شغلك، واتفضل بره من غير ما أطردك.
مراد ببرود: أنا مش خارج. ولو مش عايز ترجع براحتك، ظ... أنا اللي هضر. أنت عارف كويس إن اللي بيطرد من شركتي ملوش مكان في أي شركة تانية.
ثم تحولت عيناه للأسود وتشنجت عضلات وجهه ونظر إليه بحدة: اقعد يا سيف.
قام نظر إلى مالك وقال له: ادخل أوضتك.
كاد مالك أن يرفض، ولكن تلك النظرة في عينيه جعلت منه يشعر بالخوف، ودخل إلى غرفته.
جلس سيف أمام مراد، فهو يعلم جيداً أن تلك الحالة هي وقت تحوله إلى وحش وقد يرتكب جريمة دون أن يرف له جفن.
ابتلع سيف ريقه وقال له بصوت حاول إخراجه هادئاً ولكنه فشل: عايز إيه يا مراد؟
ابتسم مراد ابتسامة جانبية وقال له: متخافش، أنا أخو مراتي. ثم ألقى مجموعة من الأوراق أمامه.
أمسك سيف تلك الأوراق ونظر لها وبدأ يقرأه، توسعت عينيه بصدمة. ثم بدأ يحول عينيه بينه وبين الأوراق والصدمة مستحوذة على عقله وجسده.
ابتسم مراد بسخرية على رد فعله ثم قال بهدوء يسبق العاصفة: دلوقتي لازم نتفق على كل حاجة وتفهم كل حاجة، عشان لو فشلنا هتكون نهايتنا.
أومأ سيف برأسه له بخوف من المستقبل وحزن على حال أخته، التي لن يتركها القدر تنعم بحياتها.
بعد مرور ثلاث ساعات.
مراد بهدوء: فهمت؟
ترقرقت الدموع في عينيه وهمس بضعف: بس ده في خطر على حياتها.
ثم صمت وأكمل بعدها: أنت ليه بتعمل كده؟ أنت عارف إن هي أهانتك و...
قاطعه صوت مراد: أنا مش هعمل كده عشان خاطرها، ده عشاني أنا، لأسبابي الخاصة.
ثم نهض من مكانه وأخذ الأوراق واتجه ناحية الباب، وعندما فتحه تسمر مكانه ونظر بصدمة للواقف أمامه، فهو لم يتوقع وجوده هنا والآن، ولكنه ابتسم له.
لاحظ سيف تسمر مراد في مكانه، فاتجه هو أيضاً إلى الباب ونظر إلى الذي يقف أمام الباب بصدمة: عاصم.
***
خرج حسين من المستشفى لعدم رغبته في البقاء بها. أحكم إياد الحصار على ميرا جيداً، فلم يترك لها أي خيار. وفي الأخير قبلت الزواج به.
كانت ميرا تجلس مع والدها بعدما أخذت إجازة من المستشفى، وكانت هالة الحزن مسيطرة على وجهها، وذلك بسبب الخبر الذي تلقته. فصديقتها وأختها ونصفها الآخر قد اضطرت إلى السفر خارج مصر دون أن تودعها.
قطع شرودها صوت طرقات على الباب.
اتجهت ميرا إلى الباب لكي ترى من الطارق.
فتحت ميرا عينيها على وسعها. كان إياد يقف أمام باب المنزل وملامح البرود ظاهرة على وجهه. دخل إياد إلى المنزل دون أن يعطي ميرا أي اهتمام.
نظر حسين إلى الشخص الذي دخل، وجد أنه إياد. ابتسم حسين ابتسامة مليئة بالفرح وقال بحب: تعال يا إياد هنا، تفضل.
إياد بابتسامة: شكراً لك يا عمي. وجلس إياد بجانب حسين ونظر إلى ميرا بلا مبالاة ثم قال إلى حسين: ينفع يا عمي آخد ميرا أخرجها تشم هواء شوية؟
حسين بابتسامة: ما فيش مشكلة يا ابني. بس لازم توعدني إنك تاخد بالك منها.
إياد بابتسامة: أنا قلت لك قبل كده يا عمي، إن هي في عيني، وطول ما هي معايا ما فيش حد يقدر يقرب منها.
حسين بابتسامة: أنا عارف يا ابني، وواثق من كده، وإلا ما كنتش قبلت إنك تتجوزها.
أشار حسين إلى ميرا أن تدخل وتغير ملابسها، ولكن ميرا نظرت إلى والدها بحدة ثم قالت بغضب إلى إياد: هو انت فاكر نفسك مين عشان تيجي وتقول آخد الجاموسة وأوديها وأجيبها؟ شايفني كيس جوافة مش عندي أي رأي؟
إياد ببرود: الأحسن ليكي يا زيتونة إنك تخشي وتنفذي كلام عمي، وإلا انتي عارفة إيه اللي هيحصل. وأظن مش كل مرة هفكرك، أنا هعمل إيه.
نظرت ميرا إليه بخوف واتجهت إلى غرفتها سريعاً.
حسين بشك: هتعمل إيه يا ابني؟
إياد بتوتر: لا يا عمي، ده أنا بس بقول كده عشان خاطر تنفذ الكلام. أصل أنا قلت لها في مرة إنها تعمل حاجة وهي رفضت وأنا هددتها لو مش عملت كده أنا هطردها من المستشفى، بس أنا ما كنتش هعمل لها حاجة.
حسين بابتسامة: ماشي يا ابني. ربنا يوفقكم.
خرجت ميرا ونظرت إلى إياد بحدة وقالت له: يلا يا زفت.
إياد بغضب: انتي قلتي إيه؟
ميرا بخوف من نبرة صوته: بقول يلا يا...
إياد: يا إيه؟
ميرا: يا إياد.
إياد: أيوه كده.
ثم نظر إلى ملابسها المكونة من قطعتين، بلوزة ذات أكمام طويلة باللون الأخضر الذي يتماشى مع جمال عينيها، وبنطلون جينز ضيق، وحقيبة بيضاء، وشعرها الأشقر الذي يجعلها فتاة في الثامنة عشر من عمرها، وكوتشي رياضي في قدمها.
إياد بتسلية: أنا مش عاجبني الكوتشي ده، البسي كعب أحسن.
رفعت ميرا حذائها وقالت بسخرية: وحضرتك عندنا في المنيو بلوزة حمراء وبنطلون مقطع؟ حضرتك تحب إيه؟
إياد بابتسامة جانبية: لا أنا عايز بدل كوتشي جزمة كعب.
ميرا بغيظ: بس أنا مش عندي جزمة كعب وكمان أنا مش برتاح فيها وتسبب لي الألم.
إياد بسخرية: والله دي حاجة مش تخصني، واخلصي يا حلوة، وإلا انتي عارفة.
أدخلت ميرا إلى غرفتها وهي تلعن في إياد.
ابتسم إياد إلى حسين وقال له بابتسامة: الف سلامة عليك يا عمي، وادعي لنا.
حسين بابتسامة: ربنا يوفقك يا ابني.
خرج إياد من المنزل واتجه إلى أسفل منتظراً تلك التي سيجعلها تدفع ثمن إهانتها له كثيراً.
نزلت من على السلالم بذلك الكعب العالي الذي طلبه منها تلك الغوريلا، وهي تنزل سقطت من على السلالم وكادت تقع على الأرض، ولكن هناك من حال دون ذلك. كانت هناك ذراعان تحيطان بها من خصرها بمنتهى الرقة.
نظرت شمس إلى من قام بذلك، وكان ذلك هو سيف بطالته الساحرة وتلك البدلة التي كانت تزيده وسامة. التقت أعينهما لفترة من الوقت.
زيتونتها أمام زرقاوية عينيه.
ابتسم لها تلك الابتسامة الساحرة وقال باستفزاز: مالك يا زيتونة؟ عقلك كان فين وإنتي نازلة؟ أكيد فيه أنا، ما أنا حلو وكل البنات هتموت على نظرة مني.
نظرت له نظرة مليئة بالحزن والألم، فهي لم تكن تريد الخطبة منه، وما زال حب أحمد موجود في قلبها.
تركته دون الرد عليه، فعلمت أن أفضل طريقة لتجنبه هي تجاهله.
رأى إياد تلك النظرة في عينيها ولكنه تعجب منها، كأنها تحمل حزن العالم في قلبها.
***
في محافظة سوهاج.
كان الجد يجلس في حديقة منزله وينظر إلى الأشجار بشرود، حتى قطع شروده صوت أنثوي رقيق: ازيك يا جدي؟
رفع عبد الحميد نظره ليواجه عينيها العسليتين المليئة بالحب والحزن، وابتسم لها وقال: ازيك يا شروق؟ عاملة إيه يا حبيبتي؟ بقالك كتير مبتسأليش علينا، متوحشتناش ولا إيه؟
هزت شروق رأسها بسرعة وقالت: طبعاً لا يا جدي، أنت اللي في القلب.
قالت جملتها الأخيرة بضحك.
عبد الحميد: يا بت يا بكاشة. طب قوليلي الحق، مفيش حد أكده ولا أكده؟
ظهرت ملامح الحزن على وجه شروق وقالت له: لا يا جدي أنا مفيش حد أكده ولا أكده. وبعدين كفاية إني بحبك انت وبس.
عبد الحميد بمرح: ده لو أمك شافتني هنا وإنتي بتقولي الكلام ده، هتقوم الدنيا علينا.
شروق بمرح: ههههه، أمي لو شافتني هنا أصلاً كانت قتلتني.
ضيق عبد الحميد عينيه وقال: ليه؟ هي أمك مش عايزاكي تكوني هنا؟ وليه ما قولتي لها واصل؟
توترت شروق فهي هتفت بذلك الكلام دون وعي منها: هااا... لا يا جدي أنا كنت بهزر وياك. ونهضت من مكانها ونظرت إلى جدها بابتسامة: سلام يا جدي. أنا جيت عشان أطمئن عليك، وأديك بخير وسلامة.
هربت شروق من أمام عبد الحميد بسرعة، فهي تخشى أن يكشف السر الذي تخبئه وهو حبها لحفيدها عاصم.
ظل عبد الحميد يراقب خروج شروق من البوابة وهتف بشك: يا ترى إنتي كمان مخبية إيه يا شروق؟
***
عاد مراد إلى منزله بعدما ترك تلك الملحمة في منزل شمس. ودخل إلى القصر ونادى بصوته العالي: حسنيييييه!
حسنية: نعم يا بيه.
مراد بهدوء: في حد قرب من الأوضة؟
حسنية: لا يا بيه.
أشار مراد لها بالمغادرة.
غادرت حسنية بسرعة من أمامه.
اتجه مراد إلى تلك الغرفة التي وضع بها شمس. هو يعلم أنها تخشى الظلام، ولكن هذا هو عقابها على رفع صوتها عليه.
فتح باب الغرفة وصدم من المشهد الذي رآه.
رواية دموع الشمس الفصل العاشر 10 - بقلم اية هدايا
صدم مراد من المشهد الذي أمامه، كانت شمس ملقاة على الأرض والدماء تسيل من أنفها.
أقترب مراد منها بسرعة ووضع يده على جبينها، كانت باردة كقطعة ثلج.
حملها مراد على ذراعيه واتجه بها إلى غرفته واتصل بالطبيب.
وبعد مدة جاء الطبيب، كان مراد يجلس في الخارج وينفث دخان السجائر ببرود، كما لو أن التي في الداخل لم تمرض بسببه.
خرج الطبيب بعد مدة.
رفع مراد نظره له ببرود وقال ببرود: عندها إيه.
تعجب الطبيب من نبرة مراد الباردة.
"أليست هي زوجتك؟"
أفاق الطبيب من شروده على صوت مراد الساخر: إيه دكتور؟ تنحت كده ليه؟ انطق واخلص. إنت هدنك مبرق ليه كده؟
حمحم الطبيب بحرج وقال: النزيف اللي كان من أنفها دا بسبب الهواء الجاف، هو السبب الأكثر شيوعًا لنزيف الأنف، حيث إن الحياة في مناخ جاف واستخدام نظام التدفئة المركزية يمكن أن يجفف الأغشية الأنفية، وهي الأنسجة الداخلية للأنف. ودا ممكن يشكل خطر كبير عليها. وهي درجة حرارتها كانت منخفضة بشكل عالي وكان ممكن يؤدي لموتها.
لم تهتز شعرة في وجه مراد، ونظر إلى الطبيب ببرود وقال له: خلصت؟ دلوقتي تقدر تتفضل.
تعجب الطبيب من ذلك البارد الذي يقبع أمامه، فهو لم يتخيل أن هناك شخص بذلك البرود وعدم الرحمة.
نظف الطبيب حلقه وقال بعملية: لو هي اتعرضت لنوع من النزيف دا هيؤدي لموتها، ودي شوية أدوية هتدي تهدي تهيج الأغشية في الأنف.
خرج الطبيب من المنزل بعدما قام بإعطاء الورقة لمراد وهو يتمتم: صبرك الله على كل بلاويكي يا بنتي.
دخل مراد إلى غرفة شمس ونظر لها وهي نائمة، كان وجهها شاحب والارهاق ظاهر على وجهها.
أقترب مراد من وجهها وأخذ يدقق في ملامح وجهها الرقيقة.
بدون وعي منه، فاق من شروده على صوت حسنيه: يا بيه في اتصال ليك من واحد اسمه صالح.
وضع مراد يده على جبينه، فقد نسي ذلك الموضوع تمامًا وقال لها: اقفلي معاه وأنا هتصل عليه.
وبالفعل نفذت حسنيه ما أمرها به.
تصل مراد بصالح الذي أخبره أن سهى تحاول الخروج من المنزل وتطالب بحضوره وإلا قامت بقتل نفسها.
أغلق مراد الهاتف دون أن يرد على صالح وأخذ سترته الجلدية وخرج من المنزل.
بعدما طلب من حسنيه أن تغير ملابس شمس وتعد لها الطعام.
ونبه على الحراس بعدم إخراجها من القصر ومراقبة القصر من عند النوافذ والشرف.
***
أخذ إياد ميرا إلى أحد المطاعم الفاخرة وجلسوا على أحد المقاعد.
كانت ميرا تشعر بالحكة بسبب ذلك الحذاء، فهي لم تعتد على السير به، وكما أنه يسبب لها تورم في قدمها.
جاء النادل لتسجيل طلباتهم.
إياد: أنا عايز باستا الدجاج الحار من فرايدز وسلطات تشيز.
النادل: حاضر يا فندم. ثم نظر إلى ميرا وقال: والآنسة؟
ميرا بابتسامة لطيفة: سمك من فضلك مع شوية أرز وسلطة.
النادل وهو يبادلها الابتسامة: تمام يا فندم.
ذهب النادل ليحضر الطعام.
أما إياد فهو كان يراقبهم بهدوء عكس البركان التي تغلي بداخله.
إياد بسخرية: ما تؤمي توبسيه أحسن.
ميرا: أفندم؟
إياد بسخرية: إيه مش شايفه نفسك ولا إيه؟ أنتي كمان شوية ناقص تقوليله تعالي اخطفك.
ميرا بصوت عالٍ جذب جميع من في المطعم: أنت إنسان وقح ومش عايزة أعرفك تاني. إنت إزاي تقول عني كده؟
ثم نهضت من مكانها ولم تستطع السير بسبب الحذاء الذي يجرح قدمها، فقامت بإزالة الحذاء من قدمها وألقت به عليه وقالت: أنا قبلت أتجوزك عشان أبويا وبس، لكن إنك تجرح فيه وتقلل من كرامتي، فدا أنا مش هسمح بيه. أنا إنسانة يا أستاذ، فلازم تعرف إن أنا مش لعبة في إيدك أو إيد أي حد.
ثم غادرت المطعم حافية القدمين.
كل ذلك تحت صدمة إياد الذي لم يتوقع أنها ستقوم بكل ذلك بسبب أنه قال لها ذلك الكلام.
ولكنه تعدى حدوده ولم يكن يجب عليه أن يقول لها ذلك الكلام، ولكن ماذا يفعل؟
فهو رآها تبتسم له.
"يقسم أنها لم يشاهدها تبتسم تلك الابتسامة له."
ولكن لماذا هو يهتم؟ فهو لا يحبها أو يكن لها أي نوع من المشاعر.
نفض إياد تلك الأفكار من عقله ونهض سريعًا وراءها بعدما أخذ حذائها التي ألقت بها عليه.
ثم رفعهما أمام وجهه وقال: والله مجنونة.
خرج إياد من المطعم.
ظل إياد يبحث عنها في كل مكان حتى وجدها تجلس أمام النيل وتضع قدميها في المياه، وكانت تنظر إلى الشمس.
وشعرها يتطاير مع نسمات الهواء وهي مغمضة عينيها.
ظل إياد واقف مكانه وهو ينظر لها.
شعرت ميرا بأن هناك أحد ينظر إليها.
استدارت ميرا لتلتقي زيتونتها بزرقاويته.
شعر إياد بالتوتر ولكنه اقترب منها وجلس بجانبها.
ونظر هو الآخر للشمس.
تجاهلته ميرا وظلت تنظر إلى المحيط.
تحدث إياد أخيرًا وقال ببعض الخجل: أنا آسف.
لم تصدق ميرا ما سمعته، فهو اعتذر لها.
هي لا تصدق هذا، فإياد لا يعرف معنى الاعتذار، كل ما يعرفه الإهانة والسخرية.
نظرت له ميرا بأعين متسعة وقالت: أنت بتتكلم جد؟
حمحم إياد وقال بسرعة: أنا آسف إن عملت كده. عارف إني زودتها بس أنتي كمان غلطي.
رمشت ميرا بعينيها أكثر من مرة لكي تستوعب كلامه وقالت: أنا عملت إيه؟
إياد بغيظ: مش كنتي شايفة نفسك؟ ليه ضحكتي له؟
تعجبت ميرا من ذلك، فهي ابتسمت له بلطف كمجامله ليس أكثر.
قالت له: يعني أي حد ابتسم له يبقى بحبه؟ طب ما أنا ببتسم لعم محمد بتاع الفول، يبقى أنا بحبه؟
زفر إياد بضيق، فهو لا يعلم بما يجيبها، فهو أيضًا لا يعلم لماذا غضب عليها.
إياد بمرح: بقولك إيه، أنا عصافير بطني بتهوهو. ولو مأكلتش بصراحة كده هاكلك إنتي.
قال كلمته الأخيرة بمكر.
لاحظت ميرا نبرة المكر في صوته.
تورّدت وجنتا ميرا وقالت بغضب ممزوج بالخجل: أنت واحد قليل الأدب ووقح.
ثم نهضت من مكانها واتجهت إلى سيارته وركبت بالخلف.
نهض إياد هو الآخر وركب سيارته ونظر لها وقال بسخرية: خدام الهانم أنا.
ميرا بسخرية: والله أنت إنسان قليل الأدب وأنا مش ضامناك.
إياد بابتسامة جانبية وهو يعتدل في جلسته: معلش من حق الجميل يدلع. بكرة تقع يا جميل.
ميرا بتعجب: مالك يا إياد؟ حرارتك عالية؟ أنت كنت شوية بتهيني، ودلوقتي بتهزر عادي؟
صمت إياد ولم يعلم بماذا يجيبها، وقام بقيادة السيارة وعاد بها إلى المطعم لكي يتناولوا الطعام.
وفي داخل كل منهم يفكر ما القادم.
وما يخبئه المستقبل.
***
كان مازن يتجول في الحديقة، وهو يفكر في تلك الحسناء التي سلبت عقله.
تنهد مازن بضيق، فهو يود أن يراها بشدة.
نظر مازن أمامه وكأن الله استجاب لدعائه.
وجد تلك التي سرقت النوم من عينيه وسجنت قلبه من النظرة الأولى.
يشعر بدقات قلبه تتسارع عندما ينظر لها.
يشعر بأحاسيس مختلفة عندما يقترب منها، ليست تلك التي كان يشعر بها مع جيسيكا.
أقترب مازن منها وعلى وجهه ابتسامة سعيدة.
جلس مازن بجانبها.
وعندما شعرت نورهان بأن هناك أحد بجانبها، اعتقدت أنه أخاها، ولكن عندما اشتمت تلك الرائحة الرجولية التي حفظتها من اللقاء الأول.
نظرت إلى جهته وقالت: دكتور مازن.
مازن بهيام: ياااااه وحشني صوتك أوي.
شعرت نورهان بالخجل وقالت بحدة: إيه يا دكتور مازن؟ هو عشان أنا عمياء تتمسخر عليا؟ وبعد إذنك.
ثم نهضت من مكانها وأمسكت عصا يستخدمها الأشخاص الذين لا يبصرون.
نهض مازن من مكانه واتجه خلفها وكاد أن يمسك يدها، ولكن أوقفه إمساك شخص آخر بيده.
رفع مازن نظره ووجد أخاها عمرو.
وقام مازن بتحرير يده منه وقال بحرج: احم... أنا آسف بس والله كنت عايز أعتذر منها مش أكتر.
عمرو بحدة: عارف لولا إنك دكتور محترم ومعروف بأخلاقك، كنت عرفتك مقامك.
مازن بحرج: أنا آسف جداً. أنا والله كنت عايز أعتذر منها مش أكتر.
أمسك عمرو يد أخته نورهان وجذبها من أمامه وهمس في أذنها بكلمات جعلتها تشعر بالخجل.
ابتسم مازن على خجلها، فبالتأكيد أخاها أخبرها أنه حاول أن يمسك يدها.
وضع مازن يده على رقبته وحكها بخجل وقال: حاسس إني وقعت في حبك يا نورهان. وقعت في حب عمياء. ربنا يستر.
***
اتجه مراد إلى منزل سهى.
كان صالح في انتظاره وعندما رآه يقترب، أخبره أن سهى في حالة هياج عصبي وتكسر في الأشياء وتطالب بحضوره.
دخل مراد إلى المنزل وعيناه تتطاير منها الشرر وقال بصوت عالٍ: سهههههي.
انتفضت سهى من مكانها واقتربت بسرعة منه وقامت بتقبيله قبلة سطحية وقالت: حبيبي وحشتيني.
قام مراد بدفعها بعيداً عنه وقال بشمأزاز: ابعدي عني. إيه شغل العيال اللي أنتِ بتعمليه دا؟ أنتي عارفاني كويس يا سهى، أنا مش بسيب اللي مش بيسمع كلامي، وأنتي عارفة عقابي كويس.
ابتعد عنها ثم قام بنزع سترته وفك أول زرارين من القميص ثم استلقى على الأريكة وأغمض عينيه بإرهاق.
لم تهتم سهى لتحذيراته واقتربت منه ثم قالت بصوت ناعم