تحميل رواية «دفء في قلب العاصفة» PDF
بقلم اشرقت بين السطور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شاب وسيم، ذو قلب طيب، رغم ملامحه الحادة وطباعه الصارمة، شامخ، وكل من يراه يظنه قاسيًا ومغرورًا، لكنه في الحقيقة عكس ذلك تمامًا. يعيش في منزل العائلة مع والدته "السيدة أيتن" وأخيه الصغير "مراد" البالغ من العمر 13 عامًا. توفي والده، السيد "قدرت" في حادث سير أثناء ذهابه إلى عمله صباحًا، وكان باران وقتها في المرحلة الجامعية الأولى، ولم يتمكن من استكمال دراسته. وفاة والده ترك أثرًا نفسيًا كبيرًا في نفسه، مما جعله يبدو حازم الملامح، صارم النظرات لمن يراه لأول مرة. كان السيد عدنان، زوج خالته ليلى، شريك...
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الأول 1 - بقلم اشرقت بين السطور
شاب وسيم، ذو قلب طيب، رغم ملامحه الحادة وطباعه الصارمة، شامخ، وكل من يراه يظنه قاسيًا ومغرورًا، لكنه في الحقيقة عكس ذلك تمامًا.
يعيش في منزل العائلة مع والدته "السيدة أيتن" وأخيه الصغير "مراد" البالغ من العمر 13 عامًا.
توفي والده، السيد "قدرت" في حادث سير أثناء ذهابه إلى عمله صباحًا، وكان باران وقتها في المرحلة الجامعية الأولى، ولم يتمكن من استكمال دراسته.
وفاة والده ترك أثرًا نفسيًا كبيرًا في نفسه، مما جعله يبدو حازم الملامح، صارم النظرات لمن يراه لأول مرة.
كان السيد عدنان، زوج خالته ليلى، شريكًا لوالده في تأسيس الشركة. بنياها معًا، وكبراها بجهدهما حتى أصبحت من أنجح الشركات.
وبعد وفاة والد باران، تولى عدنان مسؤولية الشركة بالكامل، ريثما يكمل باران دراسته، ثم ساعده لاحقًا ليتسلم مكان والده، الذي توفي في ظروف غامضة لم تكشف تفاصيلها حتى الآن.
أما خالته ليلى، زوجة عدنان، فكانت محبة جدًا لأختها أيتن، كما كانت تحب باران ومراد كأنهم أولادها تمامًا.
كانت العلاقة بين الأسرتين قوية جدًا، يتشاركون الفرح والحزن، ويتزاورون باستمرار كأنهم عائلة واحدة.
أما ديلان، ابنة عدنان وليلى، فكانت تكن مشاعر قوية تجاه باران، تراه فارس أحلامها، وتجد فيه كل الصفات التي تتمناها. وبالفعل، كان باران نموذجًا مثاليًا في نظر أي فتاة، لكنه لم يكن يفكر لا في حب ولا ارتباط.
ومع ذلك، كانت ديلان تحمل مكانة خاصة في قلبه، مكانة مختلفة، وإن لم تكن حب، فهي مميزة له عن الجميع.
كم كانت أيتن تحب ديلان حبًا خالصًا، وكانت تتمنى من قلبها أن يتوج هذا الحب بزواجها من ابنها باران.
علها تكون له تعويضًا صادقًا عما عاناه في السنوات القاسية التي أعقبت رحيل والده، سنوات أثقلت قلبه، وجعلته يبدو أكبر من عمره الحقيقي.
لم تكن ديلان مجرد ابنة أختها، بل كانت في عينيها الزوجة المثالية لابنها، رأت فيها كل ما يسعد رجلًا مثل باران! جمال هادئ، وبراءة عفوية، وصدق ونقاء نادر.
كانت تحمل روحًا طفولية محببة، وقلبًا يحب باران بإخلاص، وأيتن كانت تعرف ذلك جيدًا، بل كانت تأمل في أن يبصر قلب ابنها هذا الحب يومًا ما.
وفي إحدى الأمسيات، كان باران منشغلًا في مكتبه بين أوراقه، حين طرقت والدته أيتن باب الغرفة بهدوء.
قال بصوته الجاد:
تفضلي يا أمي.
دخلت وابتسامة خفيفة على وجهها، قالت بتردد:
ابني، هل لديك متسع من الوقت؟ أود التحدث معك.
أغلق الملفات أمامه وقال:
بالطبع، اجلسي، ما الأمر؟
ترددت للحظة ثم قالت:
فقط، لا تغضب! أعلم أنك ستنزعج، لكنني أم، ولا أستطيع كتمان ما أشعر به.
تنهد باران، ثم قال:
تحدثي يا أمي، أنا أسمعك.
قالت بنبرة مشوبة بالرجاء:
باران، ألا تفكر في الزواج؟ أريد أن أفرح بك، أراك عريسًا، وأحمل أولادك بين يدي.
ارتسم توتر على ملامحه، فعدل من جلسته، وشبك يديه بتوتر قائلًا:
أمي، عدتِ لنفس الموضوع مجددًا؟! أنتِ تعلمين أن هذا أبعد ما يكون عن تفكيري الآن، كل ما يشغلني هو أن أكون معكم، وأن أنجح في عملي.
ردت بحزن:
ولكن إلى متى يا بني؟! أنت تهتم بالجميع، إلا نفسك، ألا تستحق بعض الراحة؟ بعض السعادة؟!
خفض باران عينيه وقال بهدوء حاسم:
لا أعلم، لكنني حقًا لا أرغب في الزواج حاليًا، وأتمنى منكِ ألا تضغطي علي في هذا الأمر، أرجوكِ يا أمي.
أطرقت أيتن رأسها بأسى، وقالت بصوت خافت:
حسنًا يا بني، كما تريد. سأصمت، لكن قلبي لا يستطيع التوقف عن الدعاء لك بالسعادة.
ما إن خرجت أيتن من الغرفة، حتى ألقى باران جسده بثقل إلى الخلف، واستند على ظهر الكرسي، ثم أغلق عينيه ببطء، كأنما يحاول حجب وجع قديم يعاوده مع كل لحظة صمت.
في ظلمة الجفن، عاد به الزمن إلى ذلك اليوم، "يوم الحادث" يوم غابت فيه ملامح والده تحت أنقاض الألم، وبدأت رحلة الوجع التي لم تنتهِ.
همس لنفسه بصوت مشوب بالغضب:
كيف لي أن أمضي وكأن شيئًا لم يكن؟! كيف أمرر ما حدث وكأنه قدر عابر؟!
ثم فتح عينيه، وحدق إلى باب الغرفة الذي خرجت منه والدته، وتابع بصوت مثقل بالحقيقة التي يخفيها عنها:
كيف أخبركِ يا أمي، أن ما حدث لم يكن مجرد حادث؟! كان مدبرًا، نعم، هناك من أراد اختفاء أبي، وهناك من فعلها بدم بارد!
سامحيني، لكن لا زواجي ولا راحتي تعني شيئًا الآن، قبل أن أجد ذلك الحقير، وأنتزع الحقيقة من بين أنيابه.
وبعد دقائق، دق أحدهم باب الغرفة بهدوء، فرفع باران رأسه قائلًا:
تفضل.
انفتح الباب قليلًا، وظهرت من خلفه وجه مألوف بابتسامة طفولية مشرقة، كانت ديلان، ابنة خالته:
هل يمكنني الدخول سيدي الجاد؟!
قالتها بدلال وهي تحني رأسها قليلًا بخفة.
ابتسم باران رغمًا عنه، وهز رأسه قائلًا:
تفضلي يا ديلان.
دخلت بخطى مرحة واقتربت منه قائلة بمزاح:
كيف حالك يا سيد العابث؟!
تغيرت ملامحه بجدية مصطنعة ورد وهو يرفع حاجبه:
ألن تتوقفي عن هذا اللقب؟!
ضحكت برقة قائلة:
وهل كذبت؟! إنه يليق بك تمامًا.
باران:
حسنًا، حسنًا، لا رغبة لي في جدالكِ اليوم! هيا أخبريني، كيف حالك؟ وكيف تسير دراستك؟
تنهدت وقالت:
بخير الحمد لله، الدراسة تسير كما يجب، لكن الامتحانات تقترب، والضغط يزداد.
ابتسم باران وقال يطمئنها:
ستمر على خير، فقط اجتهدي واطمئني.
ديلان:
آمل إن شاء الله.
نظرت إليه قليلًا بصمت، ثم تنهدت، وكأن في قلبها ما لا يقال.
رن هاتفها، كانت صديقتها المتصلة، فاستأذنت باران لترد. أخذت هاتفها واقتربت من النافذة، تتحدث بهمس، بينما عاد باران لتصفح البريد بين يديه.
وبعد أن أنهت مكالمتها، التفتت لتجده ما زال منشغلًا، تبسمت بخفة، وبدأت تعبث ببعض الأشياء فوق مكتبه، تارة تقلب في الكتب على الأرفف، وتارة تحرك قلمًا هنا أو ورقة هناك، كطفلة تبحث عن لفت الانتباه.
أخذت كتابًا وجلست على الكرسي المقابل له، وأخذت تراقبه بعينين لامعتين.
"كم يبدو وسيمًا وهو غارق في تركيزه" هكذا همست في نفسها، ثم نطقت مبتسمة:
باران، أراك منشغلًا! إن كان وجودي يزعجك، سأخرج الآن!
رفع رأسه بدهشة وقال:
من أين جاءك هذا؟! أنا فقط أراجع البريد، لا أكثر.
وقبل أن ترد، فتح الباب ودخلت ليلى، خالته بابتسامتها الحنونة وقالت:
ابني باران، كيف حالك؟
رد هو قائلًا:
بخير يا خالتي، وأنتِ، كيف حالك؟
ليلى:
بخير الحمد لله، والآن هيا، العشاء جاهز!
ثم نظرت إلى ديلان ورفعت حاجبها مازحة:
ديلان، انهضي أمامي، واذهبي لتحضير الطاولة بدلًا من الهروب من المطبخ إلى هنا!
ردت ديلان بامتِعاض طفولي:
أمي! لم أهرب، فقط لم أجد ما أفعله هناك، فقلت أزور باران قليلًا.
ابتسم باران وهو يهز رأسه لطفولتها، بينما ضحكت ليلى وقالت:
تمام، هيا الآن، والدك في الطريق.
خرجت ديلان مع والدتها لتحضير الطاولة، وكم كانت بارعة في ترتيب الأطباق وتنسيق التفاصيل بدقة تشبه طبعها الهادئ المدقق، لم تمضِ دقائق حتى دخل والدها، وتجمعت العائلة بكاملها حول مائدة العشاء.
جلس باران إلى جانب عدنان (والد ديلان) يتبادلان الحديث حول بعض شؤون العمل، بينما انشغلت السيدتان أيتن وليلى بأحاديث جانبية يتخللها الضحك الخافت. أما ديلان، فقد جلست بين أخيها الصغير فجر، تطعمه بحنان، تتابع نظراته البريئة بحب غامر.
وفي تلك اللحظة، خاطبها مراد – شقيق باران الصغير – بنبرة حماس طفولي:
ديلان، ما رأيكِ أن نخرج للحديقة بعد العشاء ونلعب بالطابة؟ أنا وأنتِ وفجر!
اتسعت عيناها بحماس، وابتسمت قائلة:
تمام، أنا موافقة!
ضحك فجر وصفق بيديه الصغيرتين بفرح، فابتسم الجميع.
وبعد انتهاء العشاء، أخذت ديلان أخاها فجر ومراد وخرجوا إلى الحديقة، يلعبون معًا ويملؤون الأجواء بضحكات طفولية بريئة. أما الباقون، فجلسوا في الصالون يتناولون الشاي، يراقبون المشهد من خلف النافذة الكبيرة.
نظر عدنان إلى ديلان وهي تركض وراء الكرة، ابتسم وقال بنبرة دافئة:
آه يا ابنتي، كم تملكين من طاقة جميلة، كلما نظرت إليكِ، أراكِ طفلة لم تكبر أبدًا.
ثم التفت إلى زوجته ليلى، وباران وأيتن، وقال بنبرة أكثر جدية:
أريد أن أخبركم بأمر مهم!
نظر إليه باران متسائلًا:
تفضل يا عمي، هل يخص العمل؟
هز عدنان رأسه نافيًا:
لا يا بني، الموضوع يخص ديلان.
بدأت علامات الدهشة على وجه ليلى، فقالت بلهفة:
ما الذي يخص ابنتي؟!
تنهد عدنان وقال:
جاء السيد صفوت اليوم إلى مكتبي في الشركة، ثم التفت إلى باران، وأكمل: تعرفه، أليس كذلك يا باران؟
أجابه باران:
نعم، أعرفه جيدًا. لكن، لماذا جاء؟
قال عدنان:
جاء ليحدد موعدًا لزيارتنا، هو يريد أن يطلب يد ديلان لابنه.
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الثاني 2 - بقلم اشرقت بين السطور
عدنان: جاء السيد صفوت اليوم إلى مكتبي في الشركة...
ثم نظر إلى باران وتابع: تعرفه يا باران؟
باران: نعم يا عمي، أعرفه جيدًا... ولكن لماذا أتى؟
عدنان: جاء ليحدد موعد لزيارتنا... يريد طلب يد ديلان لابنه!
صُدمت أيتن مما سمعته، وتغيرت ملامح باران فجأة، فقبض على يده بقوة، وانتابه شعور غريب لم يستطع تفسيره.
أما ليلى، فقد غمرها الفرح، وانفرجت ملامحها بسعادة، فقالت بحماس: حقًا؛ ما تقوله صحيح يا عدنان؟
ثم نظرت من النافذة نحو ديلان، وأكملت بدموع الفرح: حبيبتي... متى كبرتِ هكذا؟! متى أصبحتِ عروس يتسابق الخطاب إليها؟!
عدنان (بابتسامة): ليلى، لماذا تبكين؟ أهذا وقت دموع؟
ليلى (وهي تمسح دموعها): هذه دموع فرح يا عدنان...
التفت عدنان نحو باران وسأله: ما رأيك يا بني؟
شعر باران بالاختناق، ورد بنبرة محايدة: لا أعلم يا عمي... لكن القرار يعود إلى ديلان، فهي صاحبة الحق في الاختيار.
عدنان: معك حق يا بني...
ثم نظر إلى أيتن وقال: سيدة أيتن، ديلان قريبة منكِ جدًا، بل أحيانًا أثق أنها تشعر بالارتياح لكِ أكثر من والدتها.
لذا أريدك أن تتحدثي معها بشأن هذا الأمر، لتعرفي رأيها دون أن تشعر بالحرج مني.
أيتن بتوتر: حسنًا يا أخي... سأتحدث معها.
نهضت أيتن وتوجهت نحو النافذة، أشارت لديلان أن تدخل، ثم أخذتها معها إلى غرفتها. كانت خطواتها متوترة وكلماتها عالقة في صدرها، لا تدري من أين تبدأ... خاصة وهي تدرك جيدًا ما تحمله ديلان من مشاعر تجاه باران.
نظرت إليها ديلان بدهشة وقالت: خالتي... ما بكِ؟! هل حدث شيء يزعجك؟
أيتن بتردد: ديلان... والدك طلب مني أن أخبرك بشيء.
ديلان: شيء! ولماذا لم يخبرني هو؟!
أيتن: لأنه أمر خاص، ولم يُرِد أن يخجلكِ!
ديلان (بدأ القلق يظهر على وجهها) قالت: لم أفهم... ما هو؟
تنهدت أيتن وأجابتها برفق: ابنتي، هناك شاب يريد أن يتقدم لخطبتك... والدك يريد معرفة رأيك!
توقف قلب ديلان للحظة... ظنت أنه باران.
لكن نظرة أيتن كانت كافية لتفهم أن الأمر ليس كذلك!
ردت ديلان بصدمة: خالتي! هل ما تقولينه حقيقي؟!
أيتن بهدوء: نعم، إنه ابن السيد صفوت، صديق والدك.
اغرورقت عينا ديلان بالدموع، وقالت بصوت مختنق: خالتي، كيف تسألينني هذا السؤال وأنتِ تعلمين الإجابة حتى قبل أن تطرحيه؟!
دمعت عينا أيتن أيضًا وقالت: ابنتي... والدك من طلب مني، ولم أكن أعلم كيف أُجيبه... لا أحد يعلم بمشاعرك تجاه باران، ولهذا تصرفت بعفوية.
ديلان بعيون دامعة ونبرة مختنقة: تمام يا خالتي... اخرجي وأخبريهم أنني لا أفكر في أي ارتباط الآن، ولن أفكر قبل أن أنهي دراستي.
ثم صمتت للحظة وأكملت: لا، انتظري! بل أنا من سأخبرهم بذلك بنفسي.
خرجت ديلان مسرعة نحو الصالون والدموع تتسابق من عينيها، ملامحها غاضبة ومنهكة، حتى وقفت أمام والدها وقالت بانفعال: أبي... تريد أن تعلم رأيي في هذا الأمر؟
رأيي أنني لا أفكر في الزواج الآن... ولا في أي شيء سوى دراستي!
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ينهض باران من مكانه، وقد علت ملامحه القلق... اقترب منها بسرعة وأردف: اهدئي يا ديلان... ما بكِ؟! لن يُجبركِ أحد على شيء، لا تقلقي.
رفعت ديلان عينيها إليه... كانت عيناها المُتعبة من البكاء تُحدثه بلغة لا يسمعها سواه؛
نظرة محملة بلوم خفي... وتوسل صامت بأن يشعر بها ولو للحظة واحدة فقط.. 💔
ثم التفتت إلى والدتها، وبنبرة كسرتها الدموع قالت: أمي... أريد العودة إلى منزلنا الآن.
عادت ديلان مع عائلتها إلى المنزل، وما إن دخلت حتى أسرعت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، تبكي بصمت موجِع، وكأن قلبها هو من ينزف لا عيناها.
لحقت بها والدتها ليلى، قلقها يسبق خطاها، فتحت الباب بهدوء وجلست إلى جانبها بالسرير، تمسح دموعها وتهمس: ديلان، ابنتي، ما بكِ؟! ماذا حدث لكل هذا البكاء؟
اطمئني يا حبيبتي... لن يُجبِرك أحد على شيء، أعدكِ بذلك.
دخل عدنان مسرعًا خلفها، وقال بلهفة وقلق: ديلان، صغيرتي... هل ما طلبته منكِ يستدعي كل هذا الانهيار؟!
رفعت ديلان رأسها، وعيناها تلمع من الدموع، وقالت: أبي، أنا أعتذر... لكنني تفاجأت فقط، لم أتوقع الأمر. ومنه... لا أريد الارتباط الآن، أريد أن أُكمل دراستي أولًا.
تنهد عدنان وقال: ابنتي، لا أحد سيجبركِ على شيء... لكن علينا أن نُفكر بحكمة! دعينا نستقبل الضيوف، تتحدثين معه، ترينه بعينك، وبعدها تقررين.
لكن لا يجوز أن نرفض من البداية دون لقاء، فهذا ليس من طبعنا.
هدأت ديلان قليلًا، ثم ردت قائلة: حسنًا يا أبي... افعل ما تراه مناسبًا.
ابتسمت ليلى وقبلتها قائلة: رضي الله عنكِ يا ابنتي.
واحتضنها عدنان وهو يقبل جبينها بحنان قائلًا: ها هي ابنتي التي أعرفها جيدًا، والتي لا تكسِر بخاطر والدها.
كان باران يجلس في غرفته، غارقًا في شروده، تفكيره مشتت بين حديث عدنان وما رآه من حال ديلان!
قبض على يده بقوة وهمس لنفسه: ما هذا الشعور؟! لماذا انزعجت لهذا الحد عندما سمعت أن هناك من يريد التقدم لها؟!
رفع عينيه وغمغم: لا... لا يُمكن، ديلان كأختي... هكذا اعتدنا... أليس كذلك؟!
قاطع شروده رنين هاتفه، نظر للشاشة، كان عمه عدنان.
باران: ألو، نعم يا عمي؟
عدنان: ابني باران، اتصلت لأخبرك أن العريس الذي تحدثنا عنه سيأتي غدًا مع عائلته لطلب يد ديلان،
فأريدك أن تكون متواجدًا معي لاستقبالهم...
تردد باران للحظة، ثم أجاب بخفوت: حاضر يا عمي، سأكون هناك في الموعد.
أنهى باران مكالمته مع السيد عدنان... لكن التوتر لم يغادر ملامحه! صوت ديلان، دموعها ونظراتها... كل شيء عاد يطرق رأسه بقوة.
لم يتحمل... أمسك هاتفه بيد مرتجفة، وضغط على زر الاتصال! كان بحاجة فقط لأن يسمع صوتها.
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الثالث 3 - بقلم اشرقت بين السطور
أنهى باران مكالمته مع السيد عدنان، لكن التوتر ما زال يسيطر عليه. أفكاره كلها كانت تدور حول ديلان، ودموعها، وصوتها المرتجف، وشعورها بالخذلان.
أراد الاطمئنان عليها، فتردد قليلًا، ثم أمسك هاتفه واتصل بها.
كانت ديلان مستلقية بسريرها، عيناها تحدقان بالسقف، وعقلها مثقل بالتفكير بما سيحدث غدًا.
رن هاتفها، نظرت إليه وابتسمت رغم الحزن. ردت بصوت مرتجف: ألو، باران؟
باران: كيف حالكِ يا ديلان؟ طمئنيني، هل أصبحتِ بخير الآن؟
ديلان: أنا بخير. (قالتها محاولة إخفاء ارتجاف صوتها)
باران بتساؤل: علمتُ من والدك أن السيد صفوت سيأتي غدًا. هل صحيح؟
نزلت دمعة خفيفة على وجنتها، فأجابت بصوت مكسور: نعم، قال والدي فليأتِ. فهي مجرد زيارة تعارف، وهو وعدني أنه لن يُقدم على شيء دون موافقتي.
شعر باران بضعفها وألمها، فشدد نبرته بحنو قائلًا: لا تبكي يا ديلان. وثقي تمامًا، لن أسمح لأحد أن يجبركِ على ما لا تريدينه. أنا معك.
كلماته لامست شيئًا في قلبها، جعلتها تبتسم رغم الدموع. للحظة فكرت أن تخبره بمشاعرها، فنادت باسمه برقة: باران!
أجابها فورًا بصوته الدافئ: نعم يا ديلان. أنا أسمعك.
صمتت لثوانٍ، ثم ابتلعت رغبتها وقالت: لا شيء. ليلة سعيدة لكَ.
باران: ولكِ أيضًا.
أغلق كل منهما الهاتف، لكن قلبهما ظل معلقًا بما لم يُقال.
لم تلبث ديلان أن فوجئت بوالدتها تفتح باب الغرفة وتقول: ظننتكِ نائمة يا صغيرتي!
ديلان: لا يا أمي، كنت أتحدث مع باران. أراد الاطمئنان علي.
ليلى: معه حق. لقد أقلقتنا جميعًا.
ديلان: لا تقلقي، أنا بخير.
جلست ليلى بجانبها وقالت بهدوء: أنا والدتكِ يا ديلان، يمكنكِ أن تخبريني بكل شيء. وما سيقال بيننا، سيبقى بيننا.
ترددت ديلان، ثم أجابت بتوتر: لا يوجد شيء يا أمي.
ليلى: وقلبي يقول العكس! ديلان، هل هناك أحد في حياتك؟
نظرت لها ديلان، وامتلأت عيناها بالدموع، ثم همست: نعم، يوجد!
رفعت ليلى حاجبيها بدهشة قائلة بتساؤل: من؟ هل هو أحد رفقائك بالجامعة؟
ديلان: لا يا أمي!
ليلى: إذًا من؟!
أطرقت ديلان برأسها، وفركت يديها بتوتر وقالت: إنه! إنه... باران يا أمي.
اتسعت عينا ليلى بصدمة وقالت: باران؟!
ديلان بخجل: نعم، هو. أحبه كثيرًا، ولا أتخيل حياتي بدونه يا أمي.
تنهدت ليلى وقالت بذهول: لم أتوقع هذا أبدًا!
ديلان: لماذا؟
ليلى: لعدة أسباب يا ابنتي. أولها أنه ابن خالتك، وكنتم دومًا كالأخوة، ثم إنه يكبركِ بأكثر من ثماني سنوات. أتذكرين؟ كان يحملكِ صغيرة، يدللكِ كأخته! كنتم لا تفترقون، لعبتم معًا وتربيتم معًا، ولهذا، لم أركما يومًا سوى أخوة.
انفجرت ديلان بالبكاء وقالت بحرقة: أعلم كل ذلك، ولكن هذه مشاعري يا أمي! هذا قلبي، لم أختر أن أحبه، هو فقط سكنني دون أن أشعر. وأنا لا أرى غيره حبيبًا لي.
احتضنتها ليلى بحنان، ومسحت دموعها قائلة: لا تبكي يا عمري. أنا معكِ دائمًا، ولكن هل أخبرته؟ هل يعلم بمشاعرك؟
ديلان: لا، لا يعلم شيئًا.
مررت ليلى يدها على ظهر ابنتها وقالت: حسنًا، اهدئي الآن. سنفكر سويًا بما يجب فعله.
كان باران يقف أمام النافذة، شاردًا، يراقب الليل الممتد خارج غرفته.
طرقت أيتن باب الغرفة، فأذن لها بالدخول.
دخلت قائلة بهدوء: ابني، ألا تنام حتى الآن؟
باران: لا يا أمي، لا أشعر بالنعاس.
اقتربت منه وجلست قائلة: وهذا جيد، لأنني أريد أن أخبرك بشيء مهم!
باران بفضول: تفضلي، أسمعك. ماذا هناك؟
تلعثمت قليلًا، ثم قالت: لطالما تحدثت معك عن الزواج، وفي كل مرة كنت تنهي الحديث قبل أن أبدأه.
أراد أن يقاطعها: أعتذر يا أمي، لكن حقًا—!
قاطعته بلطف: دعني أكمل ما جئت لأقوله أولًا يا بني.
باران: حسنًا، تفضلي.
تنهدت أيتن وقالت: كنت أود إخبارك، في كل مرة، أن عروسك لا تنتظرك بين الغرباء. بل هي قريبة، تنتظرك أن تطرق باب قلبها، تنتظر منك نظرة واحدة! لتبوح بما يفيض به قلبها.
تجعدت ملامحه بتعجب وقال: لم أفهم يا أمي. من تقصدين؟ من التي تنتظرني؟
نظرت إليه بعينين يملؤهما الحنان، وقالت: إنها ديلان، ابنة خالتك.
اتسعت عيناه بدهشة وقال: ديلان؟!!
أومأت برأسها وأكملت: نعم، ديلان التي عشقتك بكل قلبها وروحها. أردت أن أخبرك قبل أن تُفلت من بين يديك. قبل أن يطرق بابها غيرك. فهل ستصمت الآن وقد علمت الحقيقة؟ هل ستتركها تُكسر؟
صمت باران، لا يحرك ساكنًا. كأن الصدمة جمدت حواسه.
نظرت إليه أيتن بخيبة أمل، ثم وقفت وهمست: يبدو أنك لم تهتم، سامحني يا بني إن أحرجتك. وغادرت الغرفة.
أما هو، فظل واقفًا أمام النافذة، لم يرمش، لم يتحرك. فجأة، بدا له الليل أطول من المعتاد، ولم يزره النوم تلك الليلة أبدًا.
وفي مساء اليوم التالي، جلس السيد عدنان في الصالون، بينما كانت ليلى تنشغل في تحضير ما ستقدمه للضيوف.
أما ديلان، فجلست في غرفتها شاردة، تحدق من خلف النافذة، وكأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه.
وصل باران برفقة والدته أيتن وأخيه، وانضموا إلى عدنان في انتظار الضيوف.
اتجهت أيتن نحو المطبخ لتساعد أختها ليلى، بينما جلس باران إلى جوار عمه، يحاول كتم توتره.
وقبل أن يبدأ الحديث بينهما، رن جرس الباب.
ارتجفت ديلان في مكانها، وكأن الصوت اخترق قلبها مباشرة، نهضت بتثاقل، تحدق في المرآة أمامها، تماسكي يا ديلان. فقط ضيوف، مجرد زيارة، قالتها لنفسها، لكن قلبها لم يصدق.
وفي الصالون، نهض عدنان ليستقبل السيد صفوت وابنه.
دخلوا بثقة، عرف عدنان باران عليهم، صافح باران الشاب بهدوء، ونظر في عينيه سريعًا، وكأنه يبحث عن شيء.
جلس الجميع، وكانت الأحاديث رسمية؛ عن العمل والمشاريع، نجاحات الشاب، دراسته بالخارج، خططه القادمة...
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الرابع 4 - بقلم اشرقت بين السطور
في المطبخ، حكت ليلى لأختها أيتن ما قالته ديلان ليلة أمس، لتتفاجأ بأن أيتن كانت على علم بكل شيء.
شعرت ليلى بالخذلان وقالت بعتاب: وأنا آخر من يعلم يا أختي؟!
تنهدت أيتن بهدوء، وردت قائلة: لم يكن الأمر بيدي؛ ديلان طلبت مني ألا أخبر أحد... لأن حبها لباران من طرف واحد فقط، ولم ترد أن تجرح كرامتها أمامكم.
ساد الصمت بين الأختين، لحظة مشحونة بالقلق والحب والخوف على ديلان.
قطعتها ليلى قائلة: ولكن قلبها في خطر، وإن لم يكن يشعر بها، فسيكسرها إن بقيت تنتظره.
مسحت أيتن على يد أختها وقالت: لستُ متأكدة؛ لكنني أشعر أن قلب باران ليس بعيدًا عنها كما نظن.
حملت ليلى الشاي وتوجهت نحو الصالون لترحب بالضيوف، بينما لحقت بها أيتن ومعها الكيك والحلوى.
طلب عدنان من أيتن أن تنادي ديلان قائلًا: اطلبي من ديلان أن تأتي وتنضم لنا.
أومأت بابتسامة، وصعدت إلى غرفة ديلان. طرقت الباب ودخلت قائلة: والدكِ يريدك يا ديلان، هيا الجميع بانتظارك.
نظرت لها ديلان بتردد، ثم تنهدت، ووقفت أمام المرآة تعدل خصلات شعرها قائلة: حسنًا يا خالتي، سآتي.
خرجا معًا بعد أن تجهزت ديلان، وعلى وجهها ملامح حائرة بما سيحدث.
وعندما دخلت إلى الصالون وألقت التحية، انبهر العريس بجمالها وهدوئها، فابتسم ونهض ليتقدم منها ويصافحها قائلًا: أهلًا بكِ يا ديلان، أنا سليم... لقد حكى لي والدي عنكِ كثيرًا، لكن يبدو أنه لم يصفك جيدًا!
تبادلت ديلان والآخرون نظرات الدهشة، قبل أن يكمل بابتسامة مائلة: فأنتِ أجمل بكثير مما قاله والدي!
سادت لحظة صمت خفيفة... فقط صوت أنفاس باران كان مختلفًا. رفع رأسه إليه بدهشة، وحدق فيه بنظرة مكتومة، ثم قبض على يده بقوة وكأن الكلمات جرحته دون أن يدري.
جلس الجميع والحوار عاد يدور، لكن ديلان كانت غائبة بذهنها تمامًا.
تتبادل النظرات مع باران بصمت موجع، بينما باران يتردد داخله كلمات والدته (ديلان تعشقك بقلبها وروحها).
حتى قاطع هذا الشرود صوت السيد صفوت، قائلًا بابتسامة: في الحقيقة، نحن لم نأتِ فقط للتعارف... بل جئنا لنأخذ أول خطوة رسمية!!
صمت ثقيل أحاط المكان... قبل أن يرن هاتف باران فجأة بمكالمة من العمل. أخذه واستأذن ليتوجه للحديقة للرد.
لكن لم يكن حاضرًا بالكامل في تلك المكالمة.
فعيناه كانت لا تزال عالقة هناك معهم، تراقبهم من بعيد وقلبه يغلي.
بدأ سليم ابن السيد صفوت يتحدث مع عدنان قائلًا: سيد عدنان، أتشرف أن أطلب يد الآنسة ديلان، وأتمنى أن أكون على قدر المسؤولية.
ابتسم عدنان بهدوء ورد عليه: يا بني، ولما العجلة؟ هذه أول مرة تلتقيان فيها... من الأفضل أن تأخذا بعض الوقت للتعارف، فهذه خطوة مهمة.
في تلك اللحظة، كانت ديلان تشعر بأن أنفاسها متقطعة... نظراتها تتنقل بارتباك بين باران، وخالتها أيتن، ثم والدتها ليلى... همست بتوتر وارتباك: أعتقد أن هذه المسألة مؤجلة في الوقت الحالي بالنسبة لي... أفضل إنهاء دراستي أولًا.
ابتسم السيد صفوت وقال: بالطبع يا ابنتي، دراستك قبل كل شيء.
أما سليم، فنظر إليها بنظرة فيها الكثير من الثقة وقال: وأنا معكِ، وسأنتظرك مهما طال الوقت... لكن، ما رأيك أن نُعلن خطبتنا الآن؟ أما الزواج فليكن بعد التخرج!
خيم الصمت مجددًا على المكان.
نظرات الجميع تحولت نحو ديلان، في انتظار ردها.
أما باران، الذي كان واقفًا يراقب من بعيد، فقد ضاق صدره أكثر من أي وقت مضى... لكنه لم ينطق، لم يتحرك؛ فقط نظرته المشتعلة كانت كافية ليكشف عن صراعه الداخلي.
الكلمات سقطت على ديلان كجدار ثقيل... لم تستطع الرد مباشرة، وما زالت نظرتها معلقة نحو باران.
انكمشت ملامحها بتوتر، وضغطت على يديها، ثم همست بتردد: لا أعتقد أنني مستعدة حتى للإعلان الآن... أحتاج وقتًا أكثر للتفكير.
ليلى أمسكت بيدها برفق، بينما كانت نظرات أيتن حائرة بين باران وديلان!
بدأت ديلان تفرك بأصابعها بتوتر واضح... كانت محاصرة بين أعين تنتظر منها كلمة.
قطع والدها الصمت قائلًا: إذًا فلنمنحها بعض الوقت للتفكير... لا داعي للعجلة كما قلت.
وحينها كان باران قد أنهى مكالمته... اقترب بخطواته نحوهم، وعيناه لم تفارق وجه ديلان المنهك.
نظرت إليه ديلان بعيون ذابلة، وكأنها تستنجد به دون أن تنطق.
فجأة، وجه السيد صفوت حديثه نحو باران قائلًا: سيد باران... ما رأيك أنتَ فيما طُرح أمامك؟
صمت باران قليلًا وعيناه لا تزال معلقة على ديلان، ثم قال بهدوء حاد: برأيي؛ لا يتم طلب يد عروس من خطيبها.
سادت لحظة من الذهول... نظرات مصدومة تبادلت بين الجميع.
ليتدخل ابن السيد صفوت بدهشة: ماذا تعني من خطيبها؟!
تقدم باران خطوة للأمام وقال بثقة: مثل ما سمعت!! ديلان لي..
نظر السيد صفوت إلى عدنان متسائلًا: لكن والدها لم يخبرني بأنها مخطوبة!
وضع باران يديه في جيبيه، ثم التفت إليه قائلًا بثبات: لأننا لم نعلن خطبتنا بعد...
التفت سليم إلى ديلان وقال مذهولًا: ديلان... هل هذا صحيح؟! أنتِ وباران...؟!
نظرت ديلان إلى باران بحب، ثم أجابت بهدوء: نعم، هذا صحيح.
تبادلت ليلى وأيتن النظرات وابتسمتا، بينما كان عدنان لا يزال تحت وقع المفاجأة.
نهض السيد صفوت من مكانه قائلًا: حقًا، لم أكن أعلم!
وأكمل ابنه معتذرًا: ولا أنا... لو كنت أعلم، ما كنت لأتجرأ وأطلب هذا الطلب.
قالت ليلى بلطافة: لا عليك يا بني، ما حدث قد حدث... وسعدنا بزيارتكم وتشريفكم لنا.
صفوت بابتسامة: سلمتِ يا سيدة ليلى، والآن... استأذنكم.
توجه صفوت وابنه نحو الباب، مودعين الجميع بابتسامات باهتة، بينما عم الصمت المكان.
أما عدنان، فظل واقفًا مكانه لا يتفوه بكلمة، ينظر إلى ابنته وباران بنظرات مختلطة... دهشة، صدمة، وربما شيء من الخذلان.
لم يتحدث، لكن عيناه كانتا تقولان الكثير... كأنه يُعيد كل شيء في رأسه، يحاول استيعاب ما حدث، وما أخفاه الجميع عنه طيلة هذا الوقت.
نظرت ديلان لوالدتها بخوف، بينما وقف باران ثابتًا مكانه، لا يعلم هل نجح في قراره... أم أن ما هو قادم أصعب بكثير!
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الخامس 5 - بقلم اشرقت بين السطور
رافق باران السيد صفوت وسليم إلى السيارة، ثم عاد إلى المنزل ليجد عدنان واقفًا والغضب واضح على ملامحه.
قال بحدة: كيف لا تخبراني بهذا؟! أما شعرتم بلحظة الحرج التي وضعتموني فيها؟!
رد باران بهدوء: أنا من أردت الانتظار يا عمي. تعلم أن امتحانات ديلان قد اقتربت، ولم أرد أن أشتت انتباهها.
حدق به عدنان بعينين مليئتين بالعتاب، وقال: وهل هذا سبب كافٍ لتخفي عني؟! أنا لا أراك إلا كابن لي، فلماذا لم تصارحني من البداية يا باران؟! حتى بعدما علمت بزيارة السيد صفوت وابنه، بقيت صامتًا!
تنهد باران، واقترب قائلًا بثبات: معك كل الحق يا عمي. أعتذر لك، فمهما قلت فلن أبرر خطأي.
تدخلت أيتن وهي تضع يدها على كتف باران قائلة: سيد عدنان، رجاءً لا تدع الغضب يطفئ فرحتنا بهم. صدقني، أنا سعيدة من قلبي، فهذا هو ما كنت أتمناه دائمًا.
اقتربت ليلى من زوجها بهدوء، وشبكت يدها بذراعه، تنظر إليه بنظرات ترجوه أن يهدأ، أن يبارك هذه الفرحة.
نظر عدنان نحو ديلان وباران. صمت لحظة ثم فتح ذراعيه. هرولت ديلان نحوه وارتمت في حضنه كطفلة صغيرة، ليضمها بقوة ويقبل رأسها قائلًا: مبارك لكِ يا صغيرتي.
ثم التفت إلى باران، فتقدم الأخير إليه، ليعانقه عدنان قائلًا بنبرة مرحة: لم أنسها لك؛ وسأظل أذكرك بها!
ضحكت ليلى وأيتن وديلان على كلماته، لترد أيتن بحماس: والآن، يجب أن نعلن خطبتهم أمام الجميع!
فقال عدنان مؤيدًا: وهذا رأيي أيضًا.
حدد عدنان وباران موعد الخطبة بعد ثلاثة أيام.
وبعد أن أنهوا سهرتهم استأذنوا للعودة إلى منزلهم.
خرج عدنان وليلى وديلان معهم لتوديعهم، وكان باران يسير بجانب ديلان خلف الجميع. فجأة، أمسكت ديلان بيده وأوقفته!
التفت إليها فوجد عينيها تملؤهما الدموع.
قالت برقة: باران، أنا سعيدة للغاية، شكرًا لك.
رد هو قائلًا: وكوني هكذا دائمًا.
قالت وهي تبتسم بخجل: حقًا لا أصدق... لماذا لم تخبرني من قبل؟
أجابها باران: كنت أنوي أن أخبرك بعد التخرج.
تساءلت ديلان بدهشة: هل يعني ذلك أنه لو لم يأتِ السيد صفوت لما أخبرتني اليوم؟
تنهد واقترب منها قائلًا: في النهاية، كان سيأتي اليوم الذي تعلمين فيه.
صمتت لبرهة، ثم همست وهي تنظر في عينيه: من الجيد أنه أتى الآن، وأنتَ معي.
نظر إليها باران مطولًا... عينيه كأنهما تحملان آلاف الكلمات، لكن شفتيه لم تنطق بشيء! ظل واقفًا هادئًا كعادته، وكأن مشاعره محبوسة خلف جدار لا يُكسر.
في صباح اليوم التالي، كانت ديلان تستعد للذهاب إلى جامعتها، فأمسكت بهاتفها واتصلت بخالتها أيتن.
قالت بصوت مرح: ألو خالتي، صباح الخير.
ردت أيتن بابتسامة مسموعة في صوتها: صباحو يا حبيبتي، كيف حالك؟
أجابت ديلان: أنا بخير للغاية، حتى... أشعر وكأنني أسعد شخص في العالم.
قالت أيتن وهي تشاركها السعادة: وأنا سعيدة لأجلكم يا ابنتي.
ترددت ديلان بخجل قائلة: خالتي، هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟
ردت أيتن: بالطبع، اسألي ما تشائين.
همست ديلان: هل أخبرتِ باران بشيء؟ أعني، ما فعله وقاله... هل كان ذلك من قلبه؟
ابتسمت أيتن لتطمئنها وقالت: صدقيني يا ديلان، باران فاجأنا جميعًا، يبدو أنه يحمل لكِ نفس المشاعر... لهذا لم يستطع تحمل حضور ذلك الشاب لخطبتك.
تنهدت ديلان بارتياح وكأن قلبها قد اطمأن، ثم ابتسمت وقالت: هل أفاق، أم لا زال نائمًا؟
أيتن: لا أعلم، هو ما زال بغرفته.
ديلان: حسنًا، سأغلق الآن يا خالتي، وسآتي إليكِ بعد عودتي من الجامعة.
ردت أيتن: سأنتظرك يا حبيبتي.
أنهت ديلان مكالمتها مع خالتها، ثم أرادت أن تصبح على حبيبها، فراسلته:
💌: صباح الخير يا سيدي العابث.
كان باران يتجهز للخروج للشركة، فأمسك هاتفه وأرسل:
💌 صباح الخير... بدأنا من جديد يا سيدي العابث!!
ضحكت ديلان وأرسلت:
💌 ما الذي يزعجك من هذا اللقب؟ حقًا هو يليق بك كثيرًا... يليق بهيبتك وحزمك، وطباعك الحادة، وعبوثك الدائم.
💌 باران: أرى وكأن طباعي لا تعجبك يا سيدة ديلان!!
💌 ديلان: كيف لا تعجبني؟ وهذا ما أعشقه بكَ!
💌 باران: حقًا!!!
💌 ديلان: نعم حقًا... وحتى... أعشق كبريائك وذلك الغرور الذي يحيطك.
💌 باران: ما هذا الآن يا ديلان! هل أنا مغرور؟
💌 ديلان: قليلًا.
توقف باران عن الرد، لكن ديلان انتظرت... وعندما طال انتظارها، أرسلت له مجددًا:
💌 باران.
💌 باران: نعم.
💌 ديلان: كنا نتحدث كثيرًا معًا، لكن هذه المرة أشعر بسعادة لم أشعر بها من قبل. أشعر أنني لا أريد التوقف عن الحديث معك... ولا أريد الابتعاد عنك أيضًا.
💌 باران: أيام قليلة ويبدأ فحصك، وبعد تخرجك سنجتمع ولن يكون هناك فراق... والآن، ماذا تفعلين؟
💌 ديلان: كنت أتجهز للذهاب للجامعة؛ لدي محاضرة.
💌 باران: تمام؛ انتبهي على حالك جيدًا.
💌 ديلان: هل هذه المرة تقولها لابنة خالتك الصغيرة كما كل مرة، أم تقولها لحبيبتك؟
💌 باران: ...أقولها لديلان.
أنهت ديلان المحادثة وابتسامة دافئة على وجهها... ورغم جمود باران معها؛ لكن قلبها يخفق بسعادة غامرة.
نزلت من غرفتها لتلقي الصباح على والدتها ووالدها. قبلت أخاها الصغير "فجر" ولعبت معه قليلًا، ثم تناولوا الإفطار... بعد ذلك، نزلت مع والدها ليوصلها للجامعة.
بعد انتهاء محاضراتها، اتصلت ديلان بوالدتها، التي أرسلت لها السائق ليقلها إلى منزل خالتها.
وعندما وصلت، وجدت أيتن جالسة في الحديقة برفقة مراد، تساعده في حل وظائفه المدرسية.
ألقت التحية وجلست قليلًا بينهم، ثم توجهت إلى مكتب باران في القصر بعد أن أخبرتها أيتن بأنه يعمل هناك.
طرقت الباب فأذن لها بالدخول، تقدمت بخطوات هادئة تجاهه وعانقته قائلة: اشتقت لكَ كثيرًا.
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل السادس 6 - بقلم اشرقت بين السطور
طرقت ديلان باب المكتب، فجاءها صوته يأذن لها بالدخول. تقدمت نحو باران، وما إن اقتربت حتى ارتمت بذراعيه هامسة بشوق:
اشتقت لكَ.
أحاطها باران بهدوء ووضع يده على ظهرها برفق، ثم رد قائلًا:
مرحبًا، كيف كان يومكِ؟
نظرت إليه، وأجابت بابتسامة:
مر بشكل جيد.
فجأة، رن هاتفه، فقطع اللحظة القصيرة بينهما. أمسكه وأجاب بانشغال، فيما نظرت إليه ديلان بصمت. كانت تتمنى منه اهتمامًا أكثر، كلمة دافئة، أو نظرة تشعرها بلهفته كما تشعر هي، لكن جفاءه خذل قلبها، فاستدارت بهدوء متجهة نحو الباب.
وقبل أن تمسك المقبض، هتف باسمها:
ديلان.
التفتت إليه، فقال:
هل أعددتِ لي قهوتي؟
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهها، وأجابت بهدوء:
سأفعلها حالًا.
كانت ديلان بالمطبخ تعد فنجان القهوة لباران، حين دخلت أيتن لتجدها شاردة، تحدق في اللا شيء وعقلها بعيدًا. اقتربت منها وهمست:
ديلان، انتبهي! كادت القهوة أن تغلي.
أفاقت ديلان من شرودها بسرعة وأغلقت الموقد، وسكبت القهوة في الفنجان استعدادًا لأخذها إليه، لكن أيتن أوقفتها. نظرت إليها باستفهام وقالت:
ما بكِ يا ابنتي؟ هل قال لكِ باران شيئًا أزعجك؟
أجابت ديلان بنبرة حزينة:
لا، لم يقل شيئًا، لكن أريد أن أسألك للمرة الأخيرة. هل أخبرتِ باران عن مشاعري تجاهه؟ عن أنني أحبه؟
خفضت أيتن عينيها ولم تتكلم، وكان ذلك كافيًا ليؤكد لديلان ما كانت تخشاه. تنهدت بأسى، وعيناها تلمعان بالدموع، قالت بصوت مكسور:
لماذا يا خالتي؟ لقد رجوتك أن يبقى هذا السر بيننا.
ردت أيتن بحنو:
لم أقصد أن أؤذيكِ يا ديلان، فقط أردت أن يجمع الله بينكما، أردته أن يعلم بحبكِ، حتى لا يترككِ لغيره، حتى لا تخسريه أمام رجل لا تحبينه.
أطرقت ديلان رأسها، ودموعها تسيل بصمت موجع قائلة:
وأنا كنت أريد ذلك أيضًا، لكن كنت أريده أن يحبني لأنه يشعر بي، لأنه يفتقدني حين أغيب، وليس لأنه علم من أحد أنني أحبه. كنتُ أريده أن يأتي إلي من تلقاء نفسه، لا بدافع الشفقة، ولا لحمايتي من زواج لا أريده.
ثم تمتمت وهي تغالب بكاءها:
أردت فقط أن أشعر باشتياقه، بلهفته، وأن أكون له كما هو لي.
أخذت أيتن فنجان القهوة من يد ديلان برفق ووضعته جانبًا، ثم أمسكت يديها وقالت:
ديلان، هذه المرة لن أحدثك كخالتك أو صديقتك المقربة، بل كأم ترى فيكِ الأمل لابنها.
نظرت إليها ديلان بدهشة، فتابعت أيتن:
أنتِ تعلمين باران منذ نعومة أظفارك، كنتِ شاهدة على كل ما مر به، منذ وفاة والده، وكيف تبدل فجأة من طفل إلى رجل يحمل فوق كتفيه ما لا يُحتمل. تعلمين كم هو منغلق على ذاته، لا يفكر بنفسه أبدًا، لا يبوح ولا يتكئ على أحد.
صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أم موجوعة:
لذلك، لم أطلب منكِ شيئًا كثيرًا، فقط أن تتحمليه، أن تصبري عليه. وأنا واثقة أن تعافيه لن يكون إلا على يديكِ أنتِ. أما ما حدث مع ابن السيد صفوت، فقد رأيتِ بنفسك كيف لم يتحمل مجرد فكرة أن تكوني لغيره. قطع الأمر قبل أن يُفتح، وطلبك للزواج بنفسه.
ثم ابتسمت برقة وقالت:
أتذكرين عندما سألتِني إن كنتُ أخبرته؟ نعم، قلت له، لكنه لم يعلق بكلمة واحدة، حتى ظننت أنه غير مهتم، لكن ما فعله فاجأني كما فاجأكِ تمامًا.
ثم وضعت يدها على قلب ديلان وتابعت:
امنحيه الوقت، فكل شيء بينكما لا يزال في بدايته. وسيأتي اليوم الذي ترين فيه ثمرة صبرك، حبًا لا يشبه سواه.
هدأت ديلان، وأخفضت رأسها ثم تمتمت بحماس:
سأنتظر، وسأحارب من أجل هذا الحب؛ لأن باران يستحق ذلك.
عانقتها أيتن بحنان وامتنان، ثم طبعت قبلة على وجنتها وقالت:
هيا، خذي له القهوة قبل أن تبرد.
دخلت ديلان إلى المكتب بهدوء، وضعت فنجان القهوة أمامه دون أن تنطق بكلمة، ثم استدارت لتخرج. رفع باران عينيه نحوها مندهشًا، وناداها:
ديلان؛ إلى أين تذهبين؟
ديلان:
سأخرج للحديقة مع مراد وخالتي.
قالتها بنبرة خفيفة دون أن تلتفت كاملة. نهض باران واقترب منها بخطواته، نظر إليها قائلًا:
ما بكِ؟ هل حدث شيء؟
ديلان:
لا، فقط تبدو مشغولًا.
نظر لها بتمعن ثم قال:
كنتِ في السابق تلاحقينني حتى وأنا مشغول، تعبثين حولي كطفلة لا تمل، ما الذي تغير الآن؟
ابتسمت ديلان برقة وسألته بنبرة مرحة:
طفلة، أنا؟
رد بابتسامة ماكرة:
وهل لديكِ شك في ذلك؟
ابتسمت ديلان وتبادلت معه نظرة دافئة، قبل أن يقاطع لحظتهما دخول والدتها ليلى إلى المكتب.
ليلى:
مرحبًا.
باران:
أهلًا بكِ يا خالتي.
ديلان:
أتيتِ يا أمي؟
ليلى:
نعم، هناك العديد من المستلزمات التي تنقصنا لحفل الخطبة، سأذهب أنا وخالتك للسوق، هل ترغبين بمرافقتنا؟
ديلان:
حسنًا، سآتي معكما.
وقبل أن تهم بالخروج، أمسك باران بذراعها برفق وقال:
إن كنتِ بحاجة لأي شيء، أخبريهم ليجلبوه لكِ، لا داعي لأن تذهبي.
نظرت ديلان إليه بدهشة، لم تفهم كلماته! هل هذه رغبة صريحة في بقائها إلى جواره، لكنها شعرت بدفء لم يُعبر عنه بالكلمات.
أما ليلى، فلاحظت ذلك الصمت الصغير بينهما، فابتسمت وقالت بمزاح خفيف:
تمام، سأذهب أنا وخالتك وسأترك لك "فجر" هو مع مراد في غرفته، انتبهي عليه.
خرجت ليلى، فالتفتت ديلان نحو باران وقالت بنبرة ترجوه فيها:
باران، أريد الذهاب معهما، دعني أخرج.
نظر إليها مبتسمًا وقال وهو يمسك يدها:
وأنا أريد أن تبقي لنختار خاتم الخطبة معًا.
تغيرت ملامحها، وابتسمت بسعادة:
حقًا؟!
باران:
نعم، هيا تعالي.
جلسا معًا، وفتح باران الحاسوب قائلًا:
أعجبني أكثر من تصميم، هيا ألقي نظرة.
أخذت ديلان تتأمل الصور باندهاش قائلة:
جميعها رائعة!
باران:
صحيح، لكن عليكِ أن تختاري واحدًا فقط.
رمقته ديلان بنظرة مملوءة بالحب وقالت:
نعم، لأنه لا يوجد سوى "باران" واحد فقط.
شعر باران بقشعريرة في جسده من وقع كلماتها، نظر في عينيها لثوانٍ، ثم تمتم بصوت خافض:
هيا اختاري.
توجهت بعينيها إلى الشاشة مجددًا، وأشارت إلى أحد التصاميم قائلة:
هذا، لقد وقع اختياري عليه.
نظر إليه باران وابتسم:
اختيار موفق، إنه جميل جدًا. والآن، سأريكِ ما اخترته أنا لنفسي.
عرض لها التصميم، فابتسمت ديلان قائلة:
رائع أيضًا.
رد قائلًا:
إن رغبتِ، يمكننا تغييره.
لكن ديلان شعرت حينها بتناقض داخلي، لم تفهم باران تمامًا. تارة يقترب منها باهتمام، وتارة يبدو باردًا وصامتًا. ومع ذلك، ابتسمت له بحنان وقالت:
لا، إنه جميل ويشبهك، وسيليق بك كثيرًا.
اقترب منها أكثر، وكأن شيئًا يجول في خاطره، همس وهو ممسك بيدها:
ديلان، أنا...
لكن قبل أن يكمل، دخل فجر مهرولًا وهو يهتف:
ديلان، أنا جائع!
قبلت ديلان أخاها الصغير وقالت بابتسامة:
تمام، هيا لأطعمك.
نظرت لباران برقة وأضافت:
إن أردت شيئًا، فقط اطلبه.
هز رأسه لها مبتسمًا، وهو يداعب أنف "فجر". نهضت ديلان مع أخيها، وظلت كلمته المبتورة عالقة في صدرها! "ديلان، أنا..." كلمة ناقصة، لكنها أثقلت قلبها أكثر من اعتراف كامل. هل كان سيقول ما انتظرته طويلًا؟ أم أن صمته كعادته سيبقى سيد الموقف؟ تنهدت وأقنعت نفسها أن الانتظار صار جزءًا من حبها له.
أما باران فاتصل بمحل الصائغ وطلب الخواتم التي اختاراها معًا.
في المساء، جلست ديلان مع والدتها وخالتها تتفقد ما جلبنه من السوق. نظرت أيتن إلى ديلان وقالت بابتسامة:
ستكونين أجمل عروس يا ديلان.
وأضافت ليلى:
نعم، ستكون كالأميرات صغيرتي.
خجلت ديلان وقالت:
لا تبالغوا!
قالت أيتن مداعبة:
نحن لا نبالغ، هذه الحقيقة يا كنتي الجميلة.
ضحكت ديلان بدهشة:
كنتي؟!
قالت أيتن بحنان:
نعم، كنتي وابنتي وحبيبتي.
أمسكت أيتن بهاتفها ودوت الموسيقى منه أرجاء القصر، ثم طلبت من ديلان أن ترقص. خجلت ديلان قائلة:
خالتي، لا يمكن هنا، قد يأتي أحد.
طمأنتها قائلة:
لن يأتي أحد، فوالدك وباران في اجتماع، ولن يعودوا الآن. هيا، لنرقص معًا.
نهضت ديلان وخالتها يتراقصان قليلًا معًا، ثم جلست أيتن بجانب أختها، وصفقا لديلان وهي تتمايل وترقص على أنغام الموسيقى. كانت تضحك وتمرح بسعادة، وكأن قلبها يكاد ينبض خارج صدرها.
وحينها دخل باران إلى الغرفة، ولما رأى ديلان تسمر في مكانه. لم يرى ديلان يومًا هكذا! خفيفة، ضاحكة، تتحرك كنسمة دافئة. شعر بشيء غريب يضغط على صدره، إحساس لم يعرف له اسم، وكأنها تسللت إلى أعماقه دون استئذان.
اقترب منها بخطوات هادئة، وعندما لاحظت هي وجوده، شهقت وجلست بجانب والدتها. أطرقت رأسها خجلًا، وضحكت أيتن وليلى من حالتها.
نظر باران إلى خالته وقال:
عمي عدنان لديه عمل وسيبقى في المكتب حتى وقت متأخر.
ردت ليلى:
تمام يا بني، نحن سنذهب الآن.
ثم نظرت إلى ديلان وقالت:
ديلان، ساعدي فجر في ارتداء جاكيته.
ردت ديلان وهي لا تزال تميل برأسها:
تمام.
نهضت مسرعة دون أن تلتفت إلى وجه باران من شدة خجلها. ابتسم باران خلفها، ثم نظر إلى ليلى وقال:
وأنا سأوصلكم.
ردت ليلى:
سلمت يا بني، معنا السائق بالسيارة.
قال باران:
تمام، انتبهوا لحالكم.
بعد مرور ثلاثة أيام (يوم الخطبة).
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل السابع 7 - بقلم اشرقت بين السطور
بعد مرور ثلاثة أيام، يوم الخطوبة.
كانت ديلان تتجهز لاستقبال حبيبها والضيوف. فاليوم ستُروى قصة جديدة، وبداية مختلفة في حياتهما. اليوم سيتبادلان المحابس التي طُبع على كل منها اسم الآخر: باران وديلان. وضعت لمساتها الأخيرة، بعد أن ارتدت أجمل فستان لديها وما يليق بهذه المناسبة المميزة، وأكملت إطلالتها ببعض الإكسسوارات البسيطة التي زادتها بريقًا فوق بريقها، وميكب خفيف أضاف إلى جمالها نعومة وسحر، لتظهر بإطلالة حقًا كالأميرة المتوجة.
وصل الحضور من بعض الأهل والأصدقاء والجيران ليشاركوهم فرحتهم بهذه المناسبة السعيدة، لم يكن حفلًا كبيرًا، بل بسيطًا ودافئًا يضم عددًا محدودًا من الضيوف. كما أتى باران برفقة والدته وأخيه أيضًا، كان يبدو وسيمًا للغاية، تتجلى عليه الهيبة والوقار، مظهر أبهَر صديقات ديلان، فتغامزن وتلامزن قائلين: ما أحلاه!
(وأنا كنت من ضمن الفتيات المدعوات أيضًا.. يعني هيا جات عليا).
طلب عدنان من زوجته ليلى أن تُحضِر العروس، فقد حان وقت تبادل الخواتم.
دخلت ليلى إلى ديلان، وما إن وقعت عيناها عليها حتى اغرقت بالدموع لتقول متأثرة: ما شاء الله يا صغيرتي، أنتِ في منتهى الجمال.
ابتسمت ديلان وردت بخجل: سلمتِ يا أمي.
قالت ليلى: إن كنتِ جاهزة، فهيا… لقد أتى باران.
أجابت ديلان بابتسامة هادئة: أنا جاهزة، هيا بنا.
خرجت ديلان مع والدتها، وما إن رآها والدها حتى تقدم منها وقبل رأسها قائلًا: ابنتي الجميلة… ما شاء الله.
التفت باران نحوها ليجدها وكأنها زهرة قُطفت من بستان العاشقين. وهنا، ولأول مرة، يشعر السيد باران بخفقان قلبه لها… تسارعت نبضاته، وكأن قلبه يريد الوصول إليها قبل قدميه، إحساس غريب أعاد إليه مشاعر ظن أنه دفنها منذ زمن..!
لكن عاشقنا الوسيم لا يزال عاجزًا عن البوح بما يشعر به، وكأن قلبه قد كُتب عليه أن يبقى مغلقًا بانتظار معجزة تفك وثاقه!
ما هذا يا سيد باران؟ لماذا تشق على قلبك هكذا؟ أهو طبع؟ أم جفاء؟ قسوة؟ أم عناء مما مضى؟ لماذا تتصرف معي هكذا يا رجل؟ اجعل قلبك لينًا قليلًا… اتركه يتنفس عشقها ليحيا، وتحيا هي بك! ولِما تجعلني أنا، الكاتبة، أفكر أن أقسو عليك وأمنحك صدمة أخرى؟ لعل قلبك يتعافى بعدها… افعل ما يحلو لك قدر ما استطعت، لكنني على يقين… سيأتي يوم أقول فيه: لقد لاآان هذا القلب لها.
تقدم باران بخطوات ثابتة نحوها، تبادلت العيون حديثًا صامتًا. حاوط والدها كليهما بذراعيه، واصطحبهما للوقوف على المنصة. أتت أيتن تحمل خواتم الخطبة، ناولتهما لكليهما، فأخذ باران محبس ديلان وألبسها إياه، كما وضعت ديلان خاتم باران في يده، لتتعالى تصفيقات الحضور والتهاني.
وبعد مرور بضع دقائق، قال عدنان مبتسمًا: هيا يا أولاد، لقد حجزت لكما طاولة في مطعم يطل على الساحل، أتمنى أن تعجبكما هديتي لهذه الليلة.
عانقته ديلان قائلة: شكرًا لك يا أبي، لقد أسعدتني كثيرًا.
وشكره باران قائلًا: سلمت لنا يا عمي.
قالت أيتن ضاحكة: حقًا لا يفوتك شيء يا سيد عدنان.
وأضافت ليلى: اذهبا واستمتعا، ونحن سنتولى أمر الضيوف هنا.
خرج باران وديلان معًا، فتح لها باب السيارة لتجلس، ثم انطلق بها ليكملا ليلتهما. ظلت ديلان متكئة برأسها على كتف باران حتى وصلا. جلسا إلى الطاولة المحجوزة، وتبادلا النظرات بصمت دافئ، حتى همست ديلان: باران، ما رأيك بعد العشاء نتجول قليلًا؟ المكان يبدو جميلًا للغاية.
أجاب باران بنبرة هادئة: تمام، كما تريدين… لكن جمال المكان لا يضاهي جمالك الليلة.
ارتعشت ملامحها فرحًا، وادمعت عيناها قائلة: حقًا أعجبك؟
قال: حقًا، يليق بك كثيرًا أيها الصغيرة.
ابتسمت قائلة بنبرة حنونة: سلمتَ، وأنت أيضًا، تبدو وسيمًا للغاية.
وأثناء حديثهما، أُحضِر العشاء الذي أوصى به عدنان، تناولا الطعام وتبادلا الحديث بسلاسة.
وبعد لحظات، قالت ديلان: هيا بنا.
أجابها: هيا.
تجولا معًا على ضفاف البحر، يتأملان سحره ليلًا، حتى تصادفا شابًا تفاجأ قائلًا: ديلان! هل أنتِ؟ كيف حالك؟ ولماذا لم تأتي اليوم إلى الجامعة..!؟
أجابت بابتسامة: أنا بخير، وكان لدي اليوم مناسبة خاصة، لذلك لم أحضر.
هم الشاب بالرد… وتبادل الحديث قليلًا… لكن تصلبت ملامح باران، ومرت نظرة غريبة في عينيه، فقبض على يد ديلان بقوة وقال بنبرة غاضبة: هيا بنا، لقد تأخرنا!
أسرع بها، حتى سحبت يدها من يده قائلة بامتعاض: ما هذا يا باران؟! ما هذا التصرف؟ لقد أخجلتني كثيرًا.!
سألها بحدة: من هذا؟
ديلان: هو رفيقي من الجامعة.
باران بجمود: ولماذا يتحدث معك هكذا؟!
قالت بحزن: كيف هكذا؟ لقد سألني فقط عن غيابي.
رد بغضب مكتوم: ولماذا يسأل عنكِ من الأساس؟ ليس من شأنه!
انكسرت نبرتها، وقالت بحزن: أريد أن أعود إلى المنزل يا باران.
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الثامن 8 - بقلم اشرقت بين السطور
دخلت ديلان غرفتها بعد أن أوصلها باران، وما إن لاحظت والدتها مجيئها حتى لحقت بها، لتجدها تبكي بسريرها.
جلست بجوارها بلهفة وقالت: ديلان، ماذا حدث؟ لماذا عدتم باكرًا؟!
أجابت ديلان بصوت مبحوح: لا يوجد شيء يا أمي.
هزت ليلى رأسها قائلة: بل يوجد، هيا أخبريني ماذا هناك؟
أخبرت ديلان والدتها ما حدث بينهما بالخارج، فابتسمت ليلى بفهم وقالت: تصرف باران كان خطأ، نعم، لكن لا بد أن هناك دافع جعله يتصرف هكذا.
تعجبت ديلان وسألت: أي دافع يا أمي؟
أمسكت ليلى بكتفيها قائلة بهدوء: يبدو أنه يغار، وهذا ما جعله لا يتحمل حديثك مع رفيقك.
اتسعت عينا ديلان بدهشة قائلة: ماذا؟! أي غيرة يا أمي! هو مجرد رفيق لي!
ابتسمت ليلى وقالت: نعم، لكن في النهاية هو رجل، وغريب عنكِ.
نهضت ليلى قائلة: هيا بدلي ملابسك، وارتاحي قليلًا. قبلت رأسها وغادرت الغرفة، تاركة ديلان غارقة في حيرتها، شاردة تفكر فيما حدث.
كان باران بغرفته، يتذكر ما حدث أيضًا، لحظة حديث ديلان مع رفيقها، وكيف اشتعل شيء داخله دون أن يفهمه! فقبض على يده بقوة.
ثم تذكر خروجها مع والدتها أثناء حفل الخطبة، وكيف خفق قلبه حين رآها، وعندما تبادل الخواتم، وحديثهما في المطعم، ولهفتها كلما رأته، وهرولتها نحوه كلما رأته لتعانقه.
اجتاحه شعور لم يختبره من قبل!
أغمض عينيه وهمس: لقد قسوتُ عليها.
أخذ هاتفه واتصل بها، لكنها لم تُجب. حاول مرة، ثم أخرى، لكن بلا جدوى.
كانت ديلان ترى اتصاله، وتعمدت ألا ترد؛ لتجعله يدرك أن تصرفه كان خاطئًا وأزعجها كثيرًا.
وصلتها رسالة منه: "ديلان!"
نظرت إلى الهاتف، ولم تُجب.
ثم رسالة أخرى: "ديلان، لا تعاندي وأجيبي"
تجاهلتها أيضًا.
ثم أرسل للمرة الثالثة: "كنت أريد أن أتحدث معك، لكن يبدو أنكِ لا تريدينني، لذلك لن أضغط عليكِ أكثر. ليلة سعيدة لكِ"
وما إن قرأت ديلان الرسالة حتى ابتسمت وبكت في آنٍ واحد. عانقت هاتفها وهمست، وكأنها تخاطبه: ليلة سعيدة لكَ أيضًا يا حبيبي. (كان حديثها مع نفسها، لم ترد عليه).
في الصباح، كان باران يستعد للخروج، إذ لديه اجتماع مهم في الشركة.
وبعد أن تجهز، حاول الاتصال بديلان، لكن هاتفها كان مغلقًا.
اتصل بخالته وسألها عنها.
فأجابته ليلى: هي بخير يا بني، لكنها نائمة الآن، وربما نفد شحن هاتفها.
باران: حسنًا يا خالتي، سأتصل بها لاحقًا.
توجه باران إلى الشركة، ومن بعده عدنان.
بدأ الاجتماع الذي ضم بعض أعضاء الشركة، والمحامي، والممول أيضًا. كان الهدف توسيع العمل وفتح فرع جديد.
وبعد ساعات من الدراسة، تقرر أن يسافر أحدهما لتأسيس الفرع.
قال باران: يجب أن تبقى هنا يا عمي، وأنا سأسافر وأتولى الأمر.
أجابه عدنان: تمام يا بني، وأنا سأهتم بكل شيء هنا، لا تقلق. لكن، متى ستغادر؟
باران: طلبت من المساعد أن يرى، ما إن كان هناك رحلات لليوم.
طرق السكرتير الباب ودخل قائلًا: سيد باران، حجزت لك على رحلة تقلع بعد ساعة، وهي آخر رحلة اليوم.
باران: لا بأس، سأذهب، فالشريك الجديد بانتظارنا.
قال عدنان: ألا تذهب إلى القصر لتودع والدتك؟
باران: لا وقت لدي، سأهاتفها، وترسل لي حقيبتي مع السائق.
صمت عدنان قليلًا، ثم ابتسم وقال: ستحزن ديلان كثيرًا بخبر سفرك المفاجئ.
تذكر باران تصرفه معها، وحزنها منه، فقال: أرسل لها سلامي، وأخبرها أن تهتم بحالها، ثم إن فحوصاتها ستبدأ قريبًا وستنشغل بها.
عدنان: فليجمع الله بينكم على خير يا بني.
باران: آمين.
"آمين" تخرج من قلب مُتعب.
بعد انتهاء عدنان من عمله، عاد إلى المنزل، وطلب من زوجته الاستعداد للذهاب إلى بيت أختها، تنفيذًا لوصية باران بألا تبقى أيتن ومراد وحدهما أثناء غيابه.
دهشت ليلى قائلة: وأين باران؟
أجاب عدنان: باران سافر.
وحينها، دخلت ديلان وقد تجمدت ملامحها، قالت بلهفة: سافر؟! بابا، إلى أين؟ ومتى؟
عدنان: ألم يتصل بكِ؟
تذكرت ديلان اتصالاته ورسائله التي تجاهلتها، وقالت: لم يكن الهاتف بجانبي. لكن لماذا هكذا؟ ولماذا لم يخبرنا؟
عدنان: صدقيني يا ابنتي، كل شيء حدث فجأة، حتى إنه طلب من السائق إحضار حقيبته إلى المطار.
انهارت ديلان وبكت، واتصلت به فورًا، لكن الهاتف مغلق.
قال والدها بحزن: هو الآن على الطائرة، لا توجد تغطية.
تحدث عدنان مع ليلى وشرح لها أمر الشركة والفرع الجديد، فقالت: فليكن خيرًا، لكن متى سيعود باران؟
عدنان: لا أعلم، لكن لن يعود قبل أن تستقر الأمور هناك.
ثم قال لديلان: هيا يا ابنتي، أحضري أغراضك وأخاك، سنذهب.
ديلان بنبرة مختنقة: تمام يا أبي.
وصلوا إلى القصر، استقبلتهم أيتن، ودعتهم إلى العشاء.
اعتذرت ديلان قائلة إنها متعبة وتريد النوم.
قالت أيتن بحنان: إن أردتِ، اصعدي إلى غرفة باران، فهي هادئة وتستطيعين المذاكرة فيها. ومنه ستكون غرفتكِ مستقبلًا.
أومأت ديلان برأسها، وصعدت للأعلى.
دخلت الغرفة بخطوات مثقلة، تتأملها بملامح منهكة. رأت سترته معلقة، فأخذتها بين يديها وعانقتها. قبلتها وهي تبكي، ثم جلست بسريره، لمست وسادته ووضعت رأسها عليها تستنشق أثره، همست باكية: لماذا تفعل هذا بي يا باران؟ لماذا كل هذا الجفاء؟ أنا أشتاقك وأنت معي، فكيف أكون بدونك؟
بقيت هكذا، حتى غلبها النوم.
كان باران مستلقيًا على سريره، بعد أن وصل إلى الفندق الذي حجز به قبل سفره. حدق طويلًا في صورة ديلان على شاشة هاتفه، تأمل ملامحها، ومرر أنامله فوقها وكأنه يلامسها حقًا، ثم ابتلع غصة مؤلمة وهمس: أعتذر، لكن صدقيني، لم أقصد أن أقسو هكذا، دخلتُ في أمر ولا أريد أن ألتقيكِ، أو أجتمع بكِ قبل أن أنهيه! لا أريد أن أظلمكِ بجانبي يا ديلان.
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل التاسع 9 - بقلم اشرقت بين السطور
كان باران مستلقيًا على سريره، بعد أن وصل إلى الفندق الذي حجز به قبل سفره. حدّق طويلًا في صورة ديلان على شاشة هاتفه، تأمل ملامحها، ومرر أنامله فوق الصورة وكأنه يلامسها حقًا، ثم ابتلع غصة مؤلمة وهمس:
أعتذر، لكن صدقيني، لم أقصد أن أقسو هكذا. دخلتُ في أمر لا أريد أن أراكِ أو ألتقي بكِ قبل أن أنهيه، لا أريد أن أظلمكِ بجانبي يا ديلان!
بعد دقائق، رن هاتفه:
ألو، عاكف؟
عاكف:
نعم باران.
باران:
تشدّد الحراسة على القصر، أنت بنفسك لا تفارقه! والآن بعد أن ذهب عمي عدنان بعائلته، سأكون مطمئنًا عليهم أكثر. أما ديلان... ديلان يا عاكف، تأكد من أن أولكان يلازمها كظلها، لا يفارقها، وينتبه ألا تراه... لا أريد أن تشك في شيء.
عاكف:
تمام يا باران، لا تقلق... فقط انتبه على حالك.
أغلق باران الهاتف، وطرح رأسه للخلف، أغمض عينيه... وتذكر! تذكر ذلك الوجه... الشخص الذي رآه ليلة خطبته، حين كان يراقبه من بعيد. هو نفسه من لمح ملامحه أثناء وقوف ديلان مع رفيقها.
انعقد حاجباه وهمس لنفسه:
من أنت؟ ولماذا ظهرت حيث كانت هي معي؟
في الصباح، استيقظ باران وهاتفه ما زال بين يديه، فقد غفا وهو ممسك به. فتحه وأرسل لحبيبته:
صباح الخير، أعلم أنكِ غاضبة مني كثيرًا... لكن ما أرجوه منكِ هو أن تركزي على دراستك جيدًا، وبفحصك الذي اقترب. ديلان، اعتني بنفسكِ جيدًا لأجلي، رجاءً.
فتحت ديلان عينيها على صوت إشعار الهاتف، وما إن قرأت رسالته حتى انفجرت دموعها. كتبت وهي تبكي:
باران، ماذا فعلتُ لك لتتعامل معي هكذا؟ هل تعاقبني لأنني أحببتك؟!
جاء رده سريعًا:
ما الذي تقولينه يا ديلان؟
كتبت له، ويدها ترتجف:
كنا أقرب قبل أن تعلم بمشاعري تجاهك... والآن انظر إلى حالنا! حتى في أكثر يوم تمنيته، وأردته بداية جديدة لطريقنا معًا، كسرتني فيه، جعلت منه ذكرى سيئة... والآن رحلت دون أن أراك، ودون وداع حتى.
تتناثرت دموعها فوق شاشة هاتفها، لكنها تابعت رغم ألمها:
أعلم أنك لا تراني حبيبة... بل ابنة خالتك، وصديقة طفولتك فقط. لكنني ظننت أن رحمتك ستجعلك تشفق على قلبي ولو قليلًا، أن تعطيني فرصة... لكن غرورك جعل من قلبك قطعة صلبة، وكبريائك جمد مشاعرك وجعل منك صخرة... تظن أن لين قلبك ضعف، أو سينقص من هيبتك؟! صدقني يا باران، لن يفقدك شيئًا. فالقلوب لا تهتز بالحب.
قرأ باران رسالتها، فتمزق داخله. أغرقت عيناه بدموع لم يستطع حبسها. أرسل الرد:
أعتذر ألف مرة عن كل لحظة وجع جعلتكِ تعيشينها... وعن حالتكِ التي وصلتِ إليها بسببي. أعلم أنني ينقصني الكثير، وأعلم أيضًا أنني لا أجيد البوح بالكلمات. فهذا يبدو ثقيلًا علي، كل شيء بداخلي ثقيل يا ديلان!
جاء ردها بهدوء موجع:
وأنا لا أريد منك سوى أن تشعر بي، وبحبي لك... أريد أن أشعر باهتمامك وبوجودك. ما أريده هو حبك يا باران، لا أريد حواجز بيننا.
كتب لها:
صدقيني، سيأتي اليوم الذي لا يكون فيه أي حاجز بيننا... لم أطلب منكِ الكثير، فقط تحمليني قليلًا.
ردت ونبضات قلبها تتصارع:
سأتحمل؛ وسأنتظر، ولكن! سأشتاق لك كثيرًا.
هنا وضع باران يده على قلبه، وابتسم بحنو. اشتاق لصوتها، فلم يتردد واتصل. وما إن أجابت، حتى بادرها:
وأنا أيضًا كثيرًا.
سألته بسعادة خجولة:
حقًا ستشتاق لي؟
أجاب دون تردد:
حقًا وبدون شك.
عاتبته طويلًا، وكان يراضيها ويعتذر بصبر حتى هدأت.
قالت:
أتعلم؟
باران:
نعم؟
ديلان:
لقد سكنتُ هنا، في غرفتك.
ضحك قائلًا:
هكذا إذًا! انتظرتِ غيابي لتأخذيها!
ضحكت برقة وقالت:
نعم، أنت تعلم كم أحبها.
قال:
أعلم... منذ صغرنا، والآن أصبحت لكِ أيضًا.
قالت بخجل يختلط بالحزن:
لكن أكثر ما يعجبني فيها الآن، أنني أشعر بك فيها... وجودك يملأها، وكأنك لم ترحل. وعندما دخلتها، اجتاحتني غصة، بكيت حتى لم أشعر بنفسي.
قال بصوت دافئ مطمئن:
أعلم أن غيابي يؤلمك، لكن صدقيني، هذه الفترة ستكون دواء لنا معًا. ستجمع شتاتنا، وتصلح ندوب قلوبنا.
أجابت بهدوء:
معك حق، فرغم البعد، أشعر أنها ستغير الكثير فينا.
قال:
سأغلق الآن، وسأتصل بكِ لاحقًا. اعتني بحالك يا ديلان.
فردت بهمس:
وأنت أيضًا يا روحي، ولا تنسَ أنك تركت قلبًا لا يستطيع العيش بدونك.
أغلق باران الهاتف، ونظر إلى الخاتم. ذلك الذي يحمل اسمها. تردد صوتها داخله: "وأنت أيضًا يا روحي، ولا تنسَ أنك تركت قلبًا لا يستطيع العيش بدونك".
ابتسم بحنو، وقلبه بين أصابعه طويلًا، ثم ابتسم مجددًا ابتسامة باهتة وقال:
لو تعلمين كم أقاتل نفسي لينهي هذا الكابوس.
أغلق قبضته عليه بقوة، وكأن الألم الجسدي قد يخفف ما بداخله.
في الجهة الأخرى... كانت ديلان مستلقية على سريره تحتضن وسادته. نهضت فجأة، وتقدمت نحو المرآة ونظرت لانعكاسها بعينين متعبتين وهمست:
هل الحب دائمًا موجع هكذا؟ أم أن حبك أنت مختلف؟
جلست على الأرض، أسندت ظهرها للسرير، وضعت يدها فوق قلبها لتشعر برجفته وهي تبتسم.
استمر باران في عمله الذي جاء من أجله... كل شيء يمر كما خطط له. ومن وقت لآخر كان يتصل بديلان ليطمئن عليها، ويتابع مع عدنان سير الأمور. ظل أسبوعًا، أسبوعين، وثلاثة... ولم ينتهِ ما جاء لأجله بعد.
وفي إحدى الليالي اتصل به أولكان صديقه:
ألو باران.
باران:
نعم يا أولكان أسمعك.
أولكان:
هنا لا يوجد أي شيء، الأمور هادئة تمامًا، حتى الشخص الذي أمسكناه لم يتكلم بعد! أظن أنه لا يعلم شيئًا!
باران:
يجب علينا أن نجد الشخص الذي رأيته ليلة خطبتي؛ أنا واثق أنه سيخبرنا بكل شيء.
أولكان:
لم يظهر يا أخي، صدقني لم نرَ أحدًا، وهذا يقلقني كثيرًا! لأنه من الواضح أنك أنت المقصود؛ لذلك أريدك أن تنتبه جيدًا.
باران:
لا تقلق، لن يحدث شيء... لكن لن أرتاح قبل أن أعلم من هم الذين ورطوا أبي بهذه الصفقات المشبوهة!
أولكان:
والدك لم يتورط يا باران، بالعكس... عندما علم أراد أن يخبر الشرطة، لكن بعدها دبروا له الحادث كي لا يبلغ عنهم.
امتلأت عيون باران بالدموع وقال:
سأجدهم... سأجدهم وأجعلهم يتمنون الموت!
أولكان:
سنجدهم يا أخي، لا تقلق.
مر أسبوع آخر... ثم شهر على غياب باران، وقد أنهت ديلان فحصها وغدًا سيكون حفل التخرج الذي أعدته الجامعة... أخذت هاتفها واتصلت، وما إن أجاب؛ حتى قالت بشوق:
باران، كيف حالك؟
رد قائلًا:
أنا بخير... وأنتِ؟
ديلان:
أنا بخير... متى ستأتي؟ لقد اشتقت لك، ومللت كثيرًا من دونك... لم ينتهِ عملك!
باران:
بقي القليل، أيام فقط وسينتهي.
ديلان بحزن:
كنت أتمنى أن تكون معي غدًا في حفل تخرجي.
باران:
أعتذر، وسأعوضك إن شاء الله... أمامنا الكثير من المناسبات التي سنعيشها معًا، لا تحزني.
ديلان:
إن شاء الله.
في الصباح، استعدت العائلة للذهاب مع ديلان إلى حفل التخرج. تناولوا الفطور معًا، ثم خرجوا بسيارة عدنان متجهين إلى الجامعة. جلسوا في الصفوف الأمامية، أمام المنصة مباشرة. بدأ الحفل... وراح الطلاب يصعدون واحدًا تلو الآخر لتسلم الشهادات. وحين أتى اسم ديلان، صعدت بخطوات ثابتة وسط تصفيقٍ حار من عائلتها. ابتسمت وهي تستلمها، وفجأة، شعرت بيد تلامس كتفها برفق... نظرت بجانبها، فإذا بإحدى رفيقاتها تبتسم وتشير لها أن تلتفت! وحين التفتت، تجمدت بمكانها من الدهشة! فقد رأته يقف بين الحاضرين؛ كان باران هناك... نعم لقد أتى لأجلها.
رواية دفء في قلب العاصفة الفصل العاشر 10 - بقلم اشرقت بين السطور
بدأ الحفل، وراح الطلاب يصعدون واحدًا تلو الآخر لتسلم الشهادات.
وحين نُودي على اسم ديلان، صعدت بخطوات ثابتة وسط تصفيق حار من عائلتها.
ابتسمت بفخر وهي تستلم شهادتها، وفجأة شعرت بيد تلامس كتفها برفق.
التفتت بتعجب، فرأت إحدى رفيقاتها تبتسم وتشير لها أن تنظر خلفها. فما إن استدارت، حتى تجمدت في مكانها من الدهشة!
كان باران يقف هناك بين الحاضرين.
نعم، لقد أتى من أجلها.
حينها، تبعثرت مشاعرها.
ضحكت وبكت، وارتجفت من شدة الفرح.
لم تصدق عينيها! وجوده كان كالحلم الذي طال انتظاره.
وحين رأى دموعها، صعد إلى المنصة نحوها.
هرولت إليه ديلان دون تردد، وعانقته بقوة، فبادلها العناق طويلًا، وكأنهما يعوضان كل لحظة غياب.
همس باران قرب أذنها: ما كنت لأدع هذا اليوم يمر دون أن أكون معكِ يا ديلان.
ابتسمت وهي تهمس بصوت مختنق بالدموع: ظننتك لن تأتي، اشتقت لكَ كثيرًا.
رد وهو ينظر لعينيها: وأنا اشتقت لكِ، وكان يجب أن أشارككِ هذه اللحظة.
أمسك بيدها، ونزل معها عن المنصة وسط أنظار الجميع. وكانت عائلتهما تصفق بفرح وفخر، وعيون أيتن وليلى تلمعان بالدموع.
وفي نهاية الحفل، اقترب منها وأخرج من جيب سترته علبة صغيرة. فتحها أمامها وقال: هذه لكِ.
نظرت إليه بخجل، وعيناها تلمعان: هديتي هي حضورك يا باران، وأنكَ لن تبتعد عني مرة أخرى.
عانقها مجددًا، وهمس لها: لن أذهب عنكِ بعد اليوم، وعد.
قبل ساعة فقط، وأثناء خروج باران من المطار.
نهض متجهًا إلى سيارته؛ فإذا بأحدهم يقترب منه ويسلمه ورقة ثم يرحل سريعًا!
كان مضمون الورقة: نريدك أن تكمل معنا ما بدأه والدك. فكر قليلًا وانتظر اتصالنا قريبًا.
جلس باران في سيارته، وتظاهر بأنه لا يهتم، لكن عينيه كانت تحملان ألف سؤال وسؤال؟
خرجت العائلة معًا، نهضت ديلان وجلست في سيارة باران. بينما البقية مع عدنان في سيارته.
أخبرهم باران أنه قد حجز طاولة عشاء في أحد الأماكن، وأنهم سيذهبون للاحتفال بهذه الليلة الخاصة.
وصلوا إلى المكان، وجلس الجميع يتناولون الطعام ويتبادلون الحديث.
شرد باران وهو يتذكر الورقة التي استلمها قبل قليل.
نظرت له والدته بقلق وقالت: باران، ما بك يا بني؟
أجابها بابتسامة متعبة: لا شيء يا أمي، فقط آثار السفر.
أمسكت ديلان بيده برقة وقالت: هيا بنا.
تساءل باران: إلى أين؟
ردت بابتسامة وغمزة: سنتجول قليلًا، لكن هذه المرة لن أسمح لأحد أن ينزع صفونا.
نهض باران معها وذهبا. وأثناء تجوالهما، نظرت له ديلان قائلة بهمس: باران، للآن لا أصدق أنك أمامي. لقد سعدت كثيرًا يا حبيبي، وظننت للحظة أنك لن تأتي.
ابتسم باران وأجابها: وكيف لي أن لا آتي في هذا اليوم المميز، الذي انتظرناه جميعًا؟
وضعت ديلان يدها على وجنته، وقالت بحنو: اشتقتُ لك كثيرًا. الأماكن بدونك لا شيء، تعودت على وجودك، وتعلقت بك. تألمت في غيابك، لكنني تخطيت؛ تخطيت بحبك.
كنت أنتظر هذا اللقاء، لنكمل حياتنا التي بقيت ناقصة. اشتقت لكل لحظة معك، لحديثك، لهمسك. وحتى لصمتك. اشتقت لابتسامتك التي لم أرها منذ طفولتنا. كنت أطمئن نفسي دائمًا أنك ستعود، ونكتفي ببعضنا. لكنني كنت عطشى لك كثيرًا. لا يمكن لروحي أن تهدأ إلا معك يا باران، عشقي لك هو أجمل هدايا قدري.
كانت كلماتها ونظراتها ونبرتها كالسحر عليه، فجذبها نحوه بقوة يحتضنها. همس عند أذنها: وأنا اشتقت لكِ كثيرًا. مشتاق أن أفرغ ما في قلبي لكِ!
نظرت له ديلان بدهشة وقلق قائلة: وما الذي يمنعك؟ أخبرني ما بك؟ ماذا حدث؟
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بهدوء: أنا بخير، لم يحدث شيء، لا تقلقي.
انتهت سهرتهم وعادوا إلى القصر.
كان عدنان يرغب في العودة إلى منزله مع عائلته، لكن باران أصر على أن يبقوا، وأن يتحدث معه بالمكتب.
دخلوا معًا وبدأ باران يبوح بكل شيء.
انصدم عدنان وحزن لما سمعه من باران لأنه لم يخبره من قبل، فرد باران قائلًا: كل شيء يتم بشكل سري للغاية، ولا أريد أن يعلم أحد من أفراد العائلة.
ثم سأل باران عدنان إن كان يعلم شيئًا أو أخبره والده بشيء، فنفى عدنان قائلًا: هذه المرة الأولى التي أسمع بها بهذا الأمر! لم يخبرني والدك عن شيء كهذا من قبل.
أضاف عدنان: لكن كان لديه رفيق يُدعى "صادق" وقال إنه كان ينوي أن يدخل شريك معنا، لكن بعد ذلك دخل صادق السجن، وحتى الآن لا نعلم ما كانت تهمته. حتى والدك لم يكن يعلم شيئًا!
قال باران: نعم، وهذا هو صادق. أين هو الآن؟
أجاب عدنان: لا أعلم يا بني، مضى وقت طويل.
أمسك باران هاتفه، وأخرج الورقة التي كانت معه، وأرسل صورتها إلى أولكان وعاكف. كما أرسل اسم "صادق" ليعلم أولكان التفاصيل عنه، ويخبره إن كان خرج من السجن أم لا، وما كانت تهمته.
طلب باران من عدنان أن يبقى معهم هذه الفترة في القصر، لأن وجوده سيجعله مطمئنًا أكثر.
وبعد أن وافق عدنان.
صعد باران إلى غرفته ليجد ديلان هناك تأخذ أغراضها.
نظر إليها قائلًا: ماذا تفعلين في غرفتي يا سيدة ديلان؟
ابتسمت ديلان وقالت: أتيت لأخذ أغراضي!
قال باران: يمكنكِ البقاء هنا، وأنا سأذهب إلى غرفة مراد.
ردت ديلان: لا يمكن، هي في الأساس غرفتك.
دخلت أيتن، وأرادت أن تتحدث مع باران قليلًا.
استأذنت ديلان وخرجت.
ثم نظرت أيتن إلى باران وتقدمت منه قائلة: ابني، لقد حان الوقت لتكونا معًا في نفس الغرفة؟ أريد أن تكتمل فرحتي بكما.
أجابها باران: هذا ليس وقته يا أمي، لا تتحدثي في هذا الأمر مجددًا.
دخلت ديلان مرة أخرى بعدما نسيت فرشاة شعرها، وهناك سمعت ما قاله باران فحزنت، لكنها لم تقل شيئًا.
كانت على وشك الخروج، لكن باران تقدم منها وأمسك ذراعها قائلًا: ديلان، انتظري!
لكن ديلان لم تستمع له، نظرت في عينيه بحزن، ثم خرجت.