تحميل رواية «أتحداك أنا» PDF
بقلم أميرة مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ذلك بستة أشهر، كان يسير بسيارته على سرعة هادئة. تنفس بعمق وهو يضيق عينيه بتفكير في أمر ما. ارتسمت ابتسامة قاسية غريبة على وجهه وهو يصف سيارته بقرب من البناية التي يقطن فيها مؤقتاً. ترجل عن سيارته ثم سار بخطى هادئة، ولكن أوقفه صوت همهمة يأتي من خلف سيارته. وضع يديه داخل جيب بنطاله وهو يتراجع قليلاً، ثم التفت برأسه وقد اقترب من ذلك الصوت. عقد ما بين حاجبيه بتوجس عندما وجد شيئاً متكوماً على الرصيف، ليجد أنه ما هو إلا جسد بشري متكوم على نفسه. هتف بصوت حاد متسائلاً: "إنت مين؟" انتظر أن يرفع وجهه...
رواية أتحداك أنا الفصل الأول 1 - بقلم أميرة مدحت
قبل ذلك بستة أشهر، كان يسير بسيارته على سرعة هادئة.
تنفس بعمق وهو يضيق عينيه بتفكير في أمر ما. ارتسمت ابتسامة قاسية غريبة على وجهه وهو يصف سيارته بقرب من البناية التي يقطن فيها مؤقتاً.
ترجل عن سيارته ثم سار بخطى هادئة، ولكن أوقفه صوت همهمة يأتي من خلف سيارته. وضع يديه داخل جيب بنطاله وهو يتراجع قليلاً، ثم التفت برأسه وقد اقترب من ذلك الصوت.
عقد ما بين حاجبيه بتوجس عندما وجد شيئاً متكوماً على الرصيف، ليجد أنه ما هو إلا جسد بشري متكوم على نفسه. هتف بصوت حاد متسائلاً:
"إنت مين؟"
انتظر أن يرفع وجهه بعينين جادتين. سرعان ما أصابه الذهول عقب أن رأى أنها فتاة، فقد كانت تخفي شعرها وترتدي ملابس رجال. ومع ذلك لم يستطع إدراك ملامحها من شدة الظلام المحيط بالمكان.
وقف أمامها مباشرةً وهو يسألها في شيء من الحدة:
"إنتي سمعاني؟ إيه إللي مخليكي قاعدة بالشكل ده؟"
سمع صوتها المرتجف قائلة:
"ساعدني!"
ضيق عينيه أكثر عقب كلمتها المريبة تلك. اقترب منها أكثر وانحنى بـ جسده نحوها لتتسع عيناه بصدمة واضحة وهو يرى أنها مصابة بطلق ناري، وثيابها السوداء مليئة بالدماء.
أعتدل في وقفته وهو ينظر حوله محاولاً التفكير. مسح على شعره بقوة قبل أن يهمس بغضب مكتوم:
"ينهـــــار أسود."
انحنى مرة أخرى وهو يسألها:
"مين عمل فيكي كده؟"
لم ترد عليه، فـ أخرج هاتفه سريعاً وهو يقول:
"طب استعملي شوية، أنا هتصل بالإسعاف."
وقبل أن يعبث بـ هاتفه، وجدها تمسك معصمه قائلة بوهن لا يليق بها:
"لأ، إسعاف، لأ."
التفت برأسه للجانبين قائلاً:
"استنى أشوف في حد في الشارع ولا لأ."
وحينما تأكد من عدم وجود أي مارة في هذه الساعة المتأخرة، رمقها بنظراته القوية ثم انحنى بجزعه ليحملها عن الأرضية الصلبة وتوجه بها بخطى سريعة نحو مدخل البناية. همس لها بصوته العميق:
"لازم تروحي المستشفى، حالتك مطمئنش."
سمع صوتها المتقطع وهي ترد عليه:
"لأ، أ.. أوعى تـ.. تعمل كده، يـ.. يا إما تسبني."
صعد بها إلى الطابق الثاني. بدأت تلك الفتاة تعلو حرارتها ويرتخي جسدها المرتعش بين يديه؛ حيث ظهرت قطرات العرق الباردة على جبينها، فـ استسلمت لفقدان وعيها وخارت قواها تماماً حيث سقطت رأسها على كتفه.
انتبه لها فـ هز رأسه نفياً قائلاً بإمتعاض:
"هو أنا كنت ناقص."
أنزلها برفق حتى لامست قدميها الأرض، وذراعه لا يزال محاوط خصرها، بينما رأسها على كتفه. أخرج سلسلة مفاتيح المنزل وهو يهمس بكلمات غير مفهومة.
عاد يحملها بين ذراعيه قابضاً عليها بين يديه. دخل منزله ثم أغلق الباب بـ قدمه. ركض نحو غرفته ثم وضع جسدها المرتخي على الفراش برفق.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهو يعبث فيه. وضعه على أذنه ثم قال بلهجة حادة خطيرة:
"عايزك تيجي حالاً على العنوان اللي هبعتهولك."
التفت برأسه نحوها وهو يقول بجمود:
"في واحدة مصابة بطلق ناري، فمن غير كلام كتير، تيجي ومتقولش لأي حد إني كلمتك."
أنهى المكالمة دون أن ينتظر رده. زفر زفيراً حاراً وهو يجلس على طرف الفراش بجوارها. سحب منديلًا ورقيًا من حافظة المناديل ومسح عنها حبات العرق الملتصقة على جبينها فـ بدا وجهها أكثر وضوحاً له. تأمل تفاصيله بدقة، حرك رأسه بتفكير وهو يهمس بشرود:
"إنتي حكايتك إيه؟"
"آنسة، يا آنسة، إنتي سمعاني؟"
حاولت أن تفتح عينيها ولكنها شعرت وكأن أجفانها كتل رصاص. ألم شديد في كل مكان بجسدها. تأوهت بخفوت وهي تحرك رأسها بتعب، بينما هو يمسح جبينها بمنشفة ورقية.
ثم وضع يده على جبينها فزفر بارتياح حينما تأكد من انخفاض درجة حرارتها. فبعد أن أتى الطبيب، قام بنزع الرصاصة وطهر الجرح جيداً بالمواد المطهرة وضمد الجرح جيداً، حتى لا يكون تلوث الجرح قد وصل للدم. وعندما غادر من المكان، قام بعمل كمادات لها لتخفيض حرارتها المرتفعة.
كادت تصرخ من هول الألم ولكن كبحت انفعالاتها وحاولت فتح عينيها المشوشتين لتدقيق النظر فيما حولها. سمعت صوته من جديد وهو يقول:
"إنتي سمعاني طيب؟ حاولي تفتحي عينيكي."
وأخيراً فتحت عينيها وأتضحت الرؤية أمامها لتصطدم بـ وجهه. حاولت أن تعتدل في جلستها ولكن اشتدت عليها الوخزات الحادة. أغمضت عينيها وقد ارتجفت شفتاها مخرجة آهة خافتة.
سمعت صوته مرة أخرى وهو يحاول أن يجعلها تتحدث بأي كلمة، فقالت بوهن:
"عايزة أشرب مياه."
وكأنـه كان يعلم ذلك، فقد كان كوب الماء جاهزاً. جذب الكوب من على الكومود بينما فتحت عينيها واعتدلت في جلستها بحرص. قرب الكوب من شفتيها فبدأت تشرب المياه الباردة بهدوء حتى أنهت نصفها.
عاد يضع الكوب مكانه وهو يسألها بصوت جاد ممتزج بالاهتمام:
"أحسن دلوقتي؟"
حركت رأسها إيجابياً وهي تتسائل بحيرة:
"إنت مين؟ وإيه اللي حصل؟ آخر حاجة فاكرها إني.."
صمتت قليلاً حينما هاجمتها الذكريات والأحداث ليلة الأمس. بلعت ريقها بصعوبة وهي تضع يدها تلقائياً على مكان إصابتها. أغمضت عينيها بضيق وهي تهمس بداخلها:
"يا إلهي."
تأمل معالم وجهها بدقة وهو يسألها بدون أي مواربة:
"افتكرتي؟"
فتحت عينيها ببطء وهي ترد عليه بخفوت:
"أيوه افتكرت، شكراً إنك أنقذتني، عارفة إني تعبتك معايا أوي."
رد عليها بجدية:
"مفيش داعي، بس أحب أعرف إنتي مين؟"
صمتت قليلاً قبل أن تسأله باللامبالاة:
"هتفرق معاك يعني لو عرفت اسمي؟"
مط شفتيه وهو يومئ برأسه قليلاً متسلياً، ثم قال بثقة مراقباً ملامح وجهها الثابتة:
"أيوه هيفرق معايا."
نظرت أمامها بصمت وبملامح باهتة، قالت بلا تعبير:
"لينا."
نهض من مكانه وهو يسألها بلهجة خشنة:
"إزاي اتضربتي بالنار؟"
قالت بصوت غريب غير مقروء:
"آسفة، مش هقدر أقول."
ضيق عينيه قليلاً وهو يضع يديه على خصره. حينها التفتت برأسها نحوه وهي تتابع بجمود:
"إنت أنقذتني وكل حاجة، بس ميدلكش الحق بإنك تستجوبني."
ظل ينظر إليها طويلاً بتعبير غامض، ثم قال أخيراً بصوت أجش خافت:
"لأ لازم أعرف، إنتي مين بالظبط؟ وإيه اللي حصل؟"
قالت بلا تعبير وهي تشير بيدها:
"أُعذرني يا.."
هز كتفيه وهو يقول:
"مراد."
ابتسمت لينا وهي تومئ برأسها قائلة بخفوت:
"أُعذرني يا مراد، مش هقدر أتكلم."
أخفضت عينيها عدة لحظات ثم رفعتهما مجدداً إليه تقول بخبث:
"وبعدين بصراحة أنا جعانة جداً، مفيش أكل هنا؟"
انعقد حاجبيه قبل أن يرتفع احداهما وهو يحدق في عينيها مباشرةً. عيناها تلمعان بترفع هادئ عجيب وثقة تفوق طولها المتآكل. تمالك نفسه وهو يهز رأسه قليلاً كي يستوعب أنها تطلب منه الطعام.. وتجلس على فراشه بكل أريحية وكأنه منزلها.
قست عيناه للحظات وقد تقوس فمه بابتسامة ماكرة قائلاً:
"لأ مفيش، على العموم أنا هنزل أجيب أكل دلوقتي، وإكراماً مني هجبلك لبس بدل اللي إنتي لبساه ده؟"
انعقد ما بين حاجبيها بإستغراب، قبل أن تخفض رأسها لترى الكثير من الدماء على ملابسها، فـ عادت تنظر إليهِ وهي تقول ببراءة لا تليق عليها:
"يبقى كتر خيرك."
أقترب منها وهو يرمقها بنظرات غريبة هادئة، ثم قال بثقة:
"لينا كلام تاني مع بعض."
كانت عينيها واثقة للغاية وهي تحدق في عينيه مباشرةً، لم تهتز من كلماته بل ابتسمت له ابتسامة غامضة. انتظرت أن يغادر من المكان، وحينما سمعت صوت باب المنزل يُغلق، وجدت نفسها تقول بإختناق:
"إيه المصيبة اللي وقعت نفسي فيها دي؟"
منذ أن عاد وهو يرمقها بنظرات حائرة خفية، وهي تنظر للطعام بنظرات شاردة. ظل يراقبها طويلاً والحق يقال أنه قد بدأ يشعر بالتسلية قليلاً رغم خطورة الموقف الكارثي الذي وضع نفسه به. شعر بأن وجودها سيكون خطر عليه لذا قرر أن يخرجها من منزله في أسرع وقت ممكن، ولكن اجتاحه الضيق وأخفض عينيه وهو يفكر أنه سيجعلها تنصرف وقد أصيبت بطلق ناري منذ عدة ساعات فقط.
تنهد بضجر وقبل أن يهتف بأي شيء كانت تبتسم بثقة مرددة بلهجة هادئة:
"مفيش داعي تفكر في وجودي."
رفع عينيه مذهولاً نحوها، فرفعت عينيها الجميلتين إليه أيضاً وهي تكمل مضغ الطعام ببساطة، ثم أضافت بهدوء:
"بعد ما أخلص أكل، هتحرك من هنا، كفاية إنك تعبت معايا."
رفع مراد يده إلى جبهته وهو ينظر إليها مذهولاً هامساً بداخله:
"دي بتقرأ الأفكار كمان!"
رمقها بعيون قوية وهو يقول بحزم في نفسه:
"مش هينفع أسكت، أنا مش مرتاح."
رفع ذقنه ونفخ صدره بنفس صارم، ثم قال بلطف:
"لينا، طب لو اتحركتي من هنا هتروحي فين؟"
ردت عليه لينا وهي تكمل مضغ الطعام ببساطة:
"للأسف يا مراد مش هقدر أقول أي معلومة تتعلق بيا."
أخذ مراد نفساً آخر، ثم أغمض عينيه لعدة لحظات قبل أن يعد للعشرة محاولاً تهدئة نفسه، بينما لم تهتم بحنقه الواضح. تمتم بصلابة:
"لينا، أنا أنقذتك ومن حقي أعرف إيه سبب حادثتك، اتكلمي أحسنلك."
تركت الخبز وهي تقول بلهجة غريبة:
"مش هتكلم، ومش هقول أي معلومة عني، ولو عايز تمن إنقاذك ليا، قولي عايز كام وأنا هديلك اللي إنت عايزه، غير كده ملكش عندي حاجة."
انتفض مراد من مكانه ثم انقض على فكي وجهها وهو يكاد يعصره بين يده القاسية، صاح بها بصوت جهوري:
"لينااااا، أسلوبك يتعدل معايا، وإلا هتشوفي وش عمرك ما شفتيه، وبعدين فلوس إيه اللي أنا هعوزها، إنتي عبيطة؟"
أنهى كلماته الأخيرة وهو يدفع وجهها. عاود الجلوس وهو يخلل أصابعه بخصلات شعره البني الغزير محاولاً تهدئة نفسه. أما هي فنظرت إليه بتعابير غير مقروءة، ثم هبت واقفة وهي تهدر فيه بحدة شرسة:
"اسمع يا إسمك إيه أنت، مش عشان أنا في بيتك وأنك انقذتني يبقى هسكتلك لما تهني، المرة الجاية لو إيدك اترفعت عليا هقطعهالك."
رمقها بصدمة وهو يقول في شيء من غضب:
"نعم، أنتي بتقولي إيه؟"
ردت عليه بذات اللهجة:
"اللي أنت سمعته."
أدارت له ظهرها متوجهة نحو الداخل. راقبها بعينين حادتين كالصقر حتى اختفت عن أنظاره. زفر أنفاسه بحرارة وهو يهمس بغضب:
"البنت دي مش سهلة، وراها سر كبير، لازم أعرفه، على الأقل أعرف أأمن نفسي، لتكون تبع..."
بعد أن غادر من المنزل لسبب ما، انتهت من ارتداء ملابسها التي أحضرها لها، كانت تليق عليها كثيراً. دققّت النظر في صورتها المعكوسة هناك لترى وجهاً ارتسم عليه الحزن بدقة عالية، على الرغم من لمعة القوة التي ظهرت بداخل عينيها السوداويتين.
سحبت نفساً عميقاً مرتجفاً وهي تمسك هاتفه الصغير لتعبث فيه قبل أن تضعه على أذنهـا منتظرة رد الطرف الآخر. وحينما أتى همست بخفوت:
"أنا راجعة."
صمت الطرف الآخر قليلاً قبل أن يقول بلهجة تشف عن سخريته:
"وتفتكري إني موافق أنك ترجعي."
تلك المرة هتفت بثقة غير قابلة للتشكيك:
"طبعاً هتوافق، لأنك محتاجني."
تمتم بإزدراء:
"واضح أن الرصاصة اللي خدتيها هي اللي خلتك تعقلي."
تراقصت ابتسامة قاسية على شفتي لينا وهي تقول في ألم:
"طبعاً، رصاصة اللي أدهالي واحد من رجالتك هي اللي ساعدتني إني أرجع لعقلي وأجيلك."
سكتت للحظة قبل أن تضيف بخبث:
"بس عرفتني قد إيه إنت محتاج وجودي، وإنك لما يأست فإني أرجع قولت أما أخلص منها ولا أنا غلطانة؟"
قال في شيء من الضيق:
"لأ مش غلطانة، المهم هترجعي إمتى، لأني مش عايز قلق؟"
ردت عليه بجدية:
"ما أنا محتاجة الباسبور بتاعي و.."
قاطعها بصوته الأجش:
"فهمتك، هبعتلك رسالة دلوقتي فيها عنوان واحد اسمه 'نشأت'، تروحيله الليلة وهو هيديلك كل اللي إنتي عايزاه، وتفضلي عنده لغاية ما يجي وقت السفر وتجيلي، مفهوم؟"
همست بإقتضاب:
"تمام."
أغلقت هاتفها ثم رفعت وجهها نحو المرآة. رمقت نفسها بنظرات غير مفهومة ثم همست بقسوة:
"لازم تعملي ده، لازم يا لينا، لغاية ما تخلصي منهم كلهم."
رواية أتحداك أنا الفصل الثاني 2 - بقلم أميرة مدحت
ضحكاتٌ عاليةٌ امتلأت بالمكان؛ بعد نجاح خطتهما أخيرًا، فهي ستعود إلى مكانها الطبيعي بعد محاولاتٍ كثيرة كانت نتيجتها الفشل.
توقفت ضحكات «داود» وهو ينظر إلى الفراغ بابتسامة انتصار.
أتت فتاةٌ من خلفه، ترتدي ملابس فاضحة عارية، تتميز بجمالها المُفتن. وقفت خلفه قبل أن تسأله بهمسٍ ناعم خبيث:
- مبسوط؟
ألتفت إليها برأسه وهو يجيبها ببسمة واثقة:
- طبعًا، هترجع تاني وهنكمل الشغل، لأننا داخلين على التقيل.
أستقامت في وقفتها وهي تتسائل بصوتٍ رفيع يملؤه الريبة:
- إنت طبعًا قدرت توصل لمكانها من بدري، يعني إنت لسه مطمنلها؟؟، لتكون بتدبر مصيبة تكشفنا.
أشار بيده وهو يضع يده الأخرى في جيب بنطاله قائلًا بهدوءٍ جاد:
- ماتخفيش، أنا كنت عارف كل تحركاتها، ده غير لو فكرت تلعب عليا، هتلاقي الموت وقف فوق دماغها، ومش أنا بس، إللي زي «لينا»، ألف واحد وواحد هيخلصوا عليها لو فكرت تغدر.
مطت شفتيها للأمام وهي تراه يتوجه بخطوات متأنية بطيئة حتى وصل للمكان الخاص به وهو الذي كان أشبه بـ (بار) موضوع عليه زجاجات كثيرة متراصة من أنواع الخمر المختلفة، فجلس على المقعد المقابل، وأمسك بكأس وسكب به الخمر ليحتسيه على جرعة واحدة.
أتت «جوان» من خلفه، أحاطته بذراعيها حول كتفيه وقبلته من جانب صدغه، ثم جلست قبالته وهي تهتف:
- المهم عندي إنك مبسوط يا حبيبي.
أجابها «داود» وهو يضع ساقه فوق الأخرى:
- أكيد طبعًا، «لينا» بتعمل شغل محدش يقدر يعمله، ده غير كدا العملية الجديدة قربت، وهي اللي هتقوم بيها، بس مش لوحدها.
عقدت ما بين حاجبيها وهي تسأله باهتمام:
- أومال مين؟
***
- مشيت!!.. مشيت إزاي وإمتى؟؟
قالها «مراد» مندهشًا وهو يجلس على الأريكة. أمسك الورقة التي تركتها له على فراشه وفتحها بهدوء وحاجباه ينعقدان بشدة دون شعور منه، فوجد ثلاث كلمات.. ثلاث كلمات فقط كتبتها بلغة منقّمة:
«شكرًا لك مراد»
رسم على محياه ابتسامة ساخرة وهو يغمغم:
- مش كان أحسن إنك تشكريني بنفسك، بس أحسن خلصت من لسانها اللي عايز أقطعه.
هز رأسه بحيرة، ولكن خرج من تفكيره عندما تعالى رنين هاتفه الصاخب، فأمسكه ثم أجاب على الطرف الآخر باللغة الإنجليزية بنبرة ثابتة:
- مرحبًا سيد «رفعت».
صمت قليلاً قبل أن يقول بجمود:
- لا تقلق، ستجدني أمامك في خلال يومين فقط.
أغلق الهاتف، ثم عاد ينظر إلى الورقة بنظراتٍ غير مفهومة، همس بصوتٍ غريب ولكنه بعيد.. بعيد:
- اختفت فجأة، زي ما ظهرت برضو فجأة!!
***
بعد مرور يومان فقط، كانت عادت «لينا» إلى القصر. نظر إلى ذاتها في المرآة تتأمل نفسها بدقة عالية، ابتسامة جانبية واثقة مرسومة على شفتيها، وعقلها يعمل على تنفيذ ما قررته. عيناها تلمعان ببريق من القسوة، وهي تقول بحزم مشددة على كل كلمة تنطقها:
- كل القسوة اللي اتزرعت جوايا، هتطلع على اللي زرعها من البداية، واحد واحد، لأن خلاص أنا موريش حاجة غيركم، ومعنديش حاجة أخسرها.
استمعت إلى صوت طرقات على باب غرفتها، أذنت بالدخول لتجد رجل تابع لوالدها يلج إلى الداخل وهو ينطق بثبات:
- داود باشا بيستعجلك وبيقولك الضيف وصل.
أومأت رأسها إيجابيًا، ثم أشارت بطريقة آمرة بالخروج من الغرفة. اتسعت ابتسامتها وهي تقول بشر دفين:
- جه لقضاه المستعجل.
***
دقيقة.. دقيقتين، وكانت تتحرك بخطى ثابتة واثقة للغاية، تليق بها كثيرًا. هبطت إلى الأسفل بثوبها الأسود الذي يصل إلى ما قبل ركبتيها بقليل، كان ينسدل على جسدها ملتصقًا به ليظهر رشاقة قوامها، ذاته ويتجمع أطرافه حول عنقها بنعومة، عاري الظهر والأكتاف. أما خصلاتها السوداء فقد تركتها حرة تنساب على وجهها بجاذبية.
التفت «داود» برأسه نحوها ما إن استمع إلى صوت خطواتها الواثقة، اتسعت ابتسامته مرددًا بفخر:
- أهيه وصلت، لينا الصاوي، بنتي.
نظرت «لينا» للضيف غير المرحب به من جهتها، لتتلاشى ابتسامتها وعيناها تلمعان بدهشة قاسية. بينما تلك العينين التي ترمقانها ما هي إلا عينين ماكرتين حادتين. خرج صوتها غير واضح وهي تغمغم بذهول:
- «مراد»!!
عينيه، وآه من تلك الطريقة التي نظر بها نحوها ما إن تفاجأ بوجودها. وثب «مراد» واقفًا قبل أن يتقدم نحوها بروية. تابع «داود» حديثه قائلًا بجدية:
- وده مراد يا لينا، اللي اخترته يكون دراعي اليمين، بعد ما أثبت إخلاصه على مر السنين دي كلها.
وقف قبالتها قبل أن يلتقط يدها، ثم انحنى قليلاً يقبلها برقة. رفع رأسه نحوها متمتمًا بخبث دفين استشعرته:
- بنسوار، إحنا هيبقى بينا شغل كبير وجميل كدا، زي ما أنتي جميلة كدا يا.. لينا.
تمالكت ذاتها وهي ترفع ذقنها قليلاً قائلة ببسمة واسعة هاتفة بدلال ماكر:
- أكيد يا مراد، إحنا طريقنا واحد، وهدفنا واحد، وأنا سمعت عنك كتير، وأخيرًا قابلتك.
رمقها بنظرات هادئة.. ولكن نظرات بألف كلمة ومعنى. نظرت باتجاه والدها بعيونٍ قوية، لتجده يشير بعينيه نحو «مراد» ثم بالذهاب إلى الأعلى حيث غرفة النوم الخاص به أو.. بها. ضيقت عينيها بقهرٍ حارق، غضب يكاد أن يحرق الأخضر واليابس، ولكن ملامحه باردة تمامًا وهو يرفع ساقه فوق الأخرى قبل أن يغمز لها ثم أشعل أحد سجائره.
قال «داود» بلهجة جادة مبتسمًا من زاوية فمه:
- تحب تتغدى الأول ولا تستريح من الطريق وبعدين نتكلم.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر نحو «لينا» بنظرات ذات مغزى واضحة، التقطها كل منهما بسهولة. ابتسم «مراد» بجمود وهو يجيبه:
- لأ هطلع أستريح.
أطبقت «لينا» على ساعده وهي تجذبه نحوها هاتفة ببسمة ماكرة لوالدها:
- وأنا هوصله أوضته بنفسي، وأطمن أنه مش محتاج حاجة.
حرك «داود» رأسه وهو يقول بملامح باردة:
- تمام يا لينا.
استسلم «مراد» لجذبها له وتحرك ليصعد معها للأعلى حيث الغرفة التي تم تجهيزها لإقامته بها. ثم خطت به للداخل وهي تقول بلهجة ثابتة:
- دي أوضتك، مش ناقصها حاجة.
دنا منها عدة خطوات ونظرات عينيه غريبة، فاتسعت عيناها قليلاً قبل أن تسأله بصوتٍ يحمل الشك:
- إنت هتعمل إيه؟
وقف أمامها وبدأ يداعب شعرها وهو يهمس لها بصوتٍ خطير:
- مالك؟ مشوفتيش نظرات أبوكي إنك تخليني أستمتع شوية؟
لم تهتز أبدًا بل رفعت حاجبها للأعلى، في حين تابع بابتسامة جانبية ساخرة:
- تفتكري من الممكن أضيع فرصة زي دي؟
رفعت ذقنها قليلاً تحدجه بنظرات باردة، بينما تابع وهو يطوق خصرها بذراعه قائلًا:
- بس آخر حاجة أتوقعهـا إنك تكوني بنت أكبر تاجر مخدرات والسلاح، لأ بجد أتفاجآت؟
ردت عليه بصوتٍ قوي رغم هدوئه:
- طيب ما أنت دراعه اليمين، ورغم كدا متفاجئتش.
أبعدت ذراعه بمنتهى الهدوء عن خصرها وهي تتراجع إلى الخلف، حرك كتفيه قائلًا ببساطة:
- يمكن لأنك ماشية بمبدأ توقع الغير المتوقع.
وقبل أن يتحرك نحوها، وجدها تهدر فيه بقوة غريبة عليها:
- اسمعني كويس، اللي في دماغك مش هيحصل مهما كان التمن، مش «لينا الصاوي» اللي يتاخد منها أي حاجة بالغصب.
ضحك «مراد» بصوتٍ عال قبل أن يقول بسخرية:
- في إيه يا بيبي، هي دي أول مرة؟
تلاشت ابتسامته وهو يقترب منها مرة أخرى، ثم قال بصوتٍ غريب:
- رغم إن شكلك بيقول إنك مش بتاعت الكلام ده، بس في ناس كتير بتحب تلبس أقنعة وخصوصًا اليومين دول.
ثم قال بصلابة وهو يقف أمامها:
- يالا يا لينا.
هدرت «لينا» بحدة وهي تشير بإصبعيها:
- لو لمست شعرة مني هيبقى آخر يوم في عمرك.
قبض على ذراعيها بقسوة يجذبها نحوه، فاصطدمت يداها بصدره العريض، هدر بصوتٍ فحيح كالأفاعي:
- وأنا تشوقت أكتر بعد ما شوفت شراستك، بس ده مش هيمنعني عن أي حاجة أنا عاوزها.
اتسعت عيناها قلقًا، وحينما رأته يغمض عينيه وعلى وشك تقبيلها، كانت دفعته بقوة جبارة، ثم رفعت يدها عاليًا تصفعه وهي تصرخ بعنف:
- حيوااااان.
رمقها بعينين مصدومتين ولكن سرعان ما تبدلت إلى نظرات قاسية.. غاضبة بشدة، قبض على ذراعيها بعنف وهو يقول بصوتٍ مخيف:
- بتعملي فيها الخضرة الشريفة، أنتي فاكراني إني هسكتلك يا بنت الصاوي.
هدرت بصوتٍ قوي وهي تحدق في عينيه مباشرةً رغم نبضات قلبها المرتفعة من كثرة الخوف من تلك المواجهة:
- مش أنا اللي يتقالي الكلام ده، قوله لنفسك يا يا مراد.
سحبت «لينا» نفسًا عميقًا قبل أن تضيف:
- أنا أتحدّاك لو قدرت تأذيني.
رواية أتحداك أنا الفصل الثالث 3 - بقلم أميرة مدحت
ظل ينظر إليها عاقدًا حاجبيه بشدة، إلا أن الذهول كان ظاهرًا بعينيه. عيناها تتحداه بكل قوة لم يرها من قبل، رغم أنه على ثقة بأنها ترتجف بداخلهـا ولو قليلًا. بملامح مغلقة إنما بعينين يتطاير منهما الشرر ونبرة تهتز لها أعتى الرجال قال:
- مُتأكدة إنك أد الكلام ده؟
قال تلك الأخيرة بنبرة ساخرة سوداء وهو يكشر بقوة. ارتعدت أوصال «لينا» وهي تناظر ذاك الوحش البشري أمامه، والذي يبدو مستعدًا لالتهامها كل الاستعداد. ورغم ذلك هتفت بثقةٍ وقوة لا أحد يعلم مصدرها:
- أنا مش بنطق بأي كلمة إلا لما بكون أدهـا، ولو تحب أثبتلك، مفيش مشكلة.
تصلب فك «مراد» وارتجفت عضلة في خده إلا أنه لم يتحرك إنشًا. بينما «لينا» تكمل بكل هدوء:
- ودلوقتي من الأفضل تدخل تستريح، العملية قربت أوي، ولازم نستعد.
وقبل أن تلتفت وجدتـه ينطق بصوتٍ غاضب مكتوم:
- عاوزة تقوليلي إنك منمتيش مع حد قبل كدا؟!.. ولا هو بمزاجك؟
وقاحته تخطت الحدود. إبتسمت بمرارة قاسية قبل أن تُجيب دون أن تلتفت:
- رغم أنها حاجة متخصكش، بس حاجة زي كدا، كله بيمشي على حسب رغبتي أنا.
دون كلمة أخرى، سارت بخطى هادئة تمامًا نحو الباب كي تلج إلى خارج الغُرفة، تاركة خلفهــا شخص على وشك الجنون من كلماتهـا اللعينة. تقوس فمـه بإبتسامة قاسية.. بها شيءٍ من التسلية وهو يضع يديه داخل جيوب بنطالـه متمتمًا بهدوءٍ ماكر كالصياد الذي رأى أخيرًا فريستـه:
- إذا كان كدا بقى، أنتي لازم تتعاملي بأسلوب تاني خالص، كان لازم أعرف إنك مش سهلة أبدًا من أول يوم شوفتك فيه.
***
هبطت «جوان» باحثة عن «داود» بعينيهـا، فوجدته جالسًا بالشرفة الخاصة بمكتبه وأمامه العديد من الملفات لحسابات المطاعم الخاصة به يقوم لمراجعتها. غابت لعدة دقائق ثم عادت وهي تحمل كأسين من الخمـ..ر. دنت منه وهي تقول:
- حبيبي أنت لسه قاعد؟
أشار بيده وهو يقول:
- براجع بس على الحسابات.
جلست «جوان» على ذراع المقعد العريض الذي يجلس "داود" من فوقه وتمايلت عليه. بسط ذراعهـا نحوه بكأس الخمـ..ر الخاص به فتناوله منها دون أن ينظر نحوهـا. صمتت قليلًا قبل أن تقول فجأة بصوتٍ حانق:
- داود، أنا مش مرتاحة لـهدوء لينا.
أنتصب في جلسته وترك ما بيده وهو يسألها بإهتمام:
- ليه يا جوان؟!.. وبعدين أنا وضحتلك لو فكرت تلعب نهايتهـا هبقى إيـه؟ الشغل إللي إحنا بنعمله ده ملوش غير طريق واحد، وأظن إنتي عارفة ده كويس.
التفكير يُقاتلها، فقالت بلهجة جادة:
- ممكن نهايتك دي تبقى على إيد بنتك، هي معندهاش حاجة تخسرهـا خلاص.
سكتت للحظةٍ قبل أن تقول بنبرة ذات مغزى:
- ومتنساش إنهـا عمرهـا ما هتنسى إنك قاتل أمهـا.
إبتسم بسخرية وهو يقول بنبرة حادة:
- كانت هتبلغ عني، عوزاني أعمل إيه؟
هب واقفًا وهو يُضيف بعينين مظلمتين:
- وكان نفسي تخلف ولد يكمل مسيرتي، لكن هي أكتشفت ده، وأكتشفت شغلي الحقيقي، لو مكنتش قتلتهـا، كانوا هما إللي هيعملوا كدا، وساعتها كانت مكانتي إللي فضلت أبني فيها سنين هتتهز، وأنا لا يمكن أسمح بـ ده أبدًا.
وثبت واقفة وهي تقول بجدية تامة:
- وعشان كدا بحذرك، لأنها مش بس عارفة إنك قتلتهـا، دي عارفة إنك مش بتعتبرهـا بنتك، هي بالنسبالك مجرد سلعة، وده بيزود قساوة جوا قلبهـا، ويا ويل لو دوقت قسوة لينا.
أستدار نحوها وهو يدنو منهـا قائلًا بثقة:
- ماتقلقيش يا حياتي، أنا عارف أنا بعمل إيه، ده أنا داود الصاوي!
بادلتـه «جوان» إبتسامة وهي تطوق عنقه هامسة بنعومة:
- طب إيه بقى موحشتكش؟
تبدلت نظراتــه إلى مكر وهو يقول:
- طبعًا وحشاني، وتعالي أثبتلك.
ضحكت بخفة وهو يسحبهـا إلى الأعلى حيث غرفتهمـا، وقضيا ليلتهمـا وسط خيوط الليل المُنسدلة على القصر.
***
في صباح اليوم التالي، هبط «مراد» إلى الأسفل فوجد كل من «داود» و«لينا» يجلسان معًا يتحدثان عن تلك الشحنة الضخمة التي يجب أن تدخل مصر في أقرب وقت ممكن. تحرك نحوهمــا وهو يحييهمـا مبتسمًا بسخرية لـ«لينا»، التي بادلتـه إبتسامة صفراء دون أن ترد على تحيته. جلس قبالتهــا وهو يستمع إلى لهجة «داود» المُهتمة قائلًا:
- ها يا مراد، أتمنى تكون نمت كويس.
أومئ برأسه وهو يقول بجدية:
- جدًا، ها إيه الشغل إللي هنبدأ فيه؟
نظر «داود» لإبنتــه نظراتٍ غامضة ثم نظر نحوه مرة أخرى وهو يُجيب:
- المعلومات إنت عارفهــا، ولكذلك الميعاد، المهم أنا عاوز حراسة على اشحنة إللي نازلة مصر، خلي الناس يتابعوهـا أول بأول.
تعجب «مراد» من طلب رئيسـه ليهتف متسائلًا:
- أعتبره حصل، بس إشمعنا المرة دي؟
تنهد بحرارة وهو يجيبـه بعدم إرتياح:
- مش عارف، بس أنا مش مطمن الفترة دي، متنساش أن في قلق حوالينـا، ده غير البوليس مركز جامد.
أومئ «مراد» رأسه إيجابيًا وهو يقول بتفهم:
- معاك حق يا بوص، أنا هظبط مع الرجالة وهبلغهم، وبعد كدا لازم أرجع مصر عشان أتابع بنفسي.
هز «داود» رأسه برضا، ومازال بداخله بعض من القلق بشأن شحنة الأسلحة، والتي سيتم نقلها من مصر إنجلترا إلى مصر خلال أيام. أنتبـه إلى صوت إبنتـه الحاد وهي تسألــه:
- أومال أنا دوري إيه؟ أنا معرفش أي حاجة عن الشحنة دي ولا ميعادهـا.
نطر لهـا بحدة وهو يضرب بعصـاه قائلًا:
- هتعرفي كل حاجة في وقتهـا.
إبتسمت له بسخرية وهي تقول:
- إذا كان كدا يبقى إيه لازمتي يا داود باشا، على العموم إنت حُـر، إبقى شوف مين هيعرف يظبط الشغل إللي مفيش حد بيقدر يعمله غيري.
قالت كلماتهـا الأخيرة وهي ترفع ذقنهـا بثقة، ثم نظرت في إتجاه «مراد» الذي تابع ما يحدث بنظرات غامضة.. حائرة. غادرت من أمامهم متوجهه نحو الدرج كي تصعد إلى الأعلى. أنتظر «داود» إلى أن أختفت عن أنظاره، فهتف بصرامة:
- النهاردة يحصل التنفيذ في إللي يخص لينا، عاوزين نخلص.
هز «مراد» رأسه بالإيجاب، وعيناه تشردان بعيدًا، ومن نقطة ما، أشتدت لون عينيـه السوداء ظلامًا، من كثره ما يشعر به بداخلـه جهه تلك الفتاة.
***
في المساء، كانت «لينا» تسير بخطى شاردة، وهي تنظر أمامهـا بمشاعر متخبطة. ألم غريب عادت تشعر بـه، فهي أصبحت تكره الوقت الذي تتأمل فيهـا ذاتهـا، فما أن تأتي تلك اللحظة، حتى تهاجم الذكريات والآلآم قلبهـا. سحبت نفسًا عميقًا وهي تقول بقسوة:
- هانت، والكل هيدفع تمنـه.
أيًا كان سبب شرودهـا الآن فهو لا يشغل تفكير ذلك الرابض في الزاوية المظلمة القريبة منها، يستعد لتنفيذ الخطة. تحرك «مراد» نحوها بخطوات حذرة كالفهد، وحانت الفرصة، أنقضاضة واحدة من الخلف كانت كافية؛ ليشل حركتها بشماله، وباليمنى كمم فمها بقطعة قماش تحوي مخدرًا قويًا سريع المفعول. وقبل أن تفيق من صدمتها تخلى عقلها عن وعيه في لخظات، وبدت وكأنهـا تسمع صوت من بعيد يقول:
- أنا آسف.
فــ تراخت ذراعهـا المتشبثتان بقبضتـه بذهول حول فمهـا، وتنازلت قدماها عن حملهـا ملقية بنفسهـا نحو صدره كهديةٍ ثمينةٍ.
رواية أتحداك أنا الفصل الرابع 4 - بقلم أميرة مدحت
ضوضاء وتشوش يصاحبانها أحاطا بعقلها، غمامة سوداء باهتة تزحف بعيدًا عن وعيها، لتسمح بتأوهات خافتة متلاحقة تنطلق من صدرها، لتبدأ ذاكرتها باسترجاع اللحظات الأخيرة قبل أن تفقد وعيها، تشنج جسدها، وقاومت ثقل جفنيها بفزع، وهي تحاول فتح عينيها مرات ومرات، مقاومتها تزيد تدريجيًا مع زيادة نبض قلبها الذي يضخ الدم في عروقها بجنون، وقد تمكن منها الرعب قبل أن تفتح عينيها تمامًا.
وقبل أن تدرك وضعها الصعب، سمعت صوته الساخر الذي جذب انتباهها نحو الباب الخشبي العريض في زاوية تلك الغرفة الغريبة:
- لما تستوعبي، ابقي قوليلي.
تجمد بصرها ذاهلة فوق سطح وجهه البارد النظرات وهي تهمس باسمه:
- مراد؟!
كان واقفًا مستندًا بكتفه إلى حافة الباب المفتوح عاقدًا ذراعيه فوق صدره، ابتسامة ساخرة زينت شفتيه وهو يقول:
- مفاجأة، بس ما تقلقيش مش هتدوم.
لحظة، اثنتان، ثلاث.. لا تتكلم، صامتة مذهولة كما هي تناظره بعينين شاخصتين، نهضت من على الفراش ببطء، محاولة أن تتغلب على دوار رأسها الذي هاجمها بضراوة قبل أن تقول بصوت متجهم:
- عايز إيه يا مراد؟!
رفع كتفيه بلامبالاة كأن الأمر لا يعنيه، مجيبًا وهو يحدق بعينيها:
- الموضوع ما يخصنيش، دي أوامر والدك.
انفرجت شفتاها بتساؤل قائلة:
- يعني إيه؟!
دنا منها عدة خطوات قبل أن يسألها بصوته الحاد:
- كنتِ بتعملي إيه لما هربتي من هنا على مصر؟! عشتي هناك إزاي في الشهر اللي اختفيتي فيه بعيد عن داود باشا.
ألقت عليه نظرة محذرة نارية وهي تجيبه:
- أنت جاوبت بنفسك، كنت هربانة منه، ولما بعت حد عشان يقتلني وضربني بالنار، أنت اللي عالجتني بنفسك، فقررت بدل ما أموت في الشارع، أرجعله ثاني.
بحروف مهددة قال:
- يعني أنتِ ما فكرتيش تخونيه؟!
لحظة واحدة فقط، وصوت ضحكاتها تعالت بالمكان، بينما هو يحدق فيها بغضب جامح لا أحد يعلم سببه، صمتت فجأة وهي تسأله بتهكم:
- هروح مثلًا أبلغ عليه؟! طب إزاي وهو كل عملية كانت بتتعمل كنت ببقى أنا معاه فيها، هودي نفسي في داهية يعني؟!
صمت طويل دام، قبل أن يخرج سلاحه الخاص به الذي كان مندسًا خلف قميصه، ثم صوبّه نحوها وهو يقول:
- أنا عندي تعليمات بإني أبعتك لرحلة بدون رجعة، متأكدة إنك ما خُنتيناش؟!
رمقته بثقة وابتسامة صغيرة مرسومة على وجهها وهي تقول:
- اللي زيي مش بيخاف من الموت، وردي هو هو، ما حصلش أي خيانة، لأن ده معناه هلاك لنفسي.
ثم نظرت للسلاح وهي تضيف:
- تقدر تضرب.
اتسعت ابتسامته الساخرة، قبل أن يمد يده بالسلاح وهو يقول بثبات:
- اثبتي ده بنفسك.
أمسكت السلاح بعينين حادتين خلفهما الكثير من الألم، سرعان ما أغمضت عينيها وهي تضع فوهة سلاحه على جانب جبينها، تستعد لإطلاق النار، ضغطت على الزناد ولكن لم تنطلق أي رصاصة، فتحت عينيها بدهشة وهي تنظر للسلاح قبل أن تسمعه يهتف بجمود:
- كده أثبتي عدم خيانتك لينا، يلا بينا نرجع عشان نتفق على العملية، لأن السفر بكرة.
نظرت له بعينين حادتين لتقابلها عينيه القاسيتين، أمسكت يده بقوة لتضع السلاح على راحة يده قبل أن تقول بصوت هامس خافت:
- المرة دي هعديها لأنها أوامر داود باشا، غير كده مش هيحصل المرة الجاية إنك تقف قصادي وتهددني كده.
وبدون كلمة أخرى تركته مغادرة من ذلك المكان الذي أشبه بمخزن قديم، راقبها بعيون قوية وهو يمسح على شعره بقوة قبل أن يهمس بصوت شارد.
وبه شيء من خيبة الأمل:
-خسارة، خسارة يا لينا، أول مرة ظني يخيب.
*****
ما أن عادت إلى القصر حتى ركضت بسرعة خفية نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب بالمفتاح حتى تمنع دخول أي شخص مؤقتًا، نبضات قلبها تتزايد بعنف، اغرورقت عينيها بالدموع القهرة وهي تنظر حولها بغضب حارق، تكاد أن تنفجر، سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تتحرك بهدوء غريب، انحنت بجسدها لتبعد البساط المفترش عن الأرضية، جلست في وضع القرفصاء وهي تتأمل تلك البلاط المقصودة، فوجدتها بالفعل غير مثبتة بالأرضية كالبقية. أخرجت "لينا" حديدية للاعتناء بالأظافر، وبدأت في رفعها، لتجد مجموعة أوراق مع كيس بلاستيكي به هاتف صغير، فالتقطته بلهفة.
دقيقة واحدة، وكانت تضع الهاتف على أذنها وهي تقول بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا:
-العملية بكرة على الساعة ٤، أيوة الشحنة هتوصل على المينا هناك، وأنا هكون موجودة، دي أوامر داوود باشا.
بلعت ريقها بصعوبة وهي تسأله بتعب من أثر ما يحدث لها:
-مطلوب مني إيه؟
*****
بعد قليل، مددت جسدها على الفراش، وأغلقت الأنوار واكتفت بتلك الإضاءة الخافتة التي تظهر من النوافذ والشرفة، زفرت بحرارة قبل أن تغمض عينيها محاولة جلب النوم إليها، حتى تهرب قليلًا من الواقع المرير، ولكن شعرت بوجود شخص ما بغرفتها، فتحت عينيها سريعًا وقبل أن تستوعب الأمر وجدت رجلًا ملثمًا على وشك أن ينقض عليها، شهقت بخفوت وهي تدير ذاتها على الفراش حتى وقعت على الأرض، ثم هبت واقفة لتجده يحمل سلاحًا ناريًا يوجهه نحوها، وصوت خشن يقول بالإنجليزية:
-يجب التخلص منك، أنتِ العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا منذ البداية.
اتسعت عيناها قليلًا بقسوة وهي تقترب منه بهدوء، وقفت قبالته حتى أصبحت فوهة السلاح على صدرها مكان قلبها وهي تقول بهمس فحيح:
-اقتلني إن كنت تستطيع.
وقبل أن يضغط على الزناد التقطت منه السلاح بعد أن قبضت على معصم يده كي تلف ذراعه خلف ظهره، ورفعت قدمها تضربه بكل قوة، فاندفع جسده إلى الأمام حتى وقع على طاولة التي وقعت معه، وكُسر زجاجها، ولكن سرعان ما وقف وهو يصرخ فيها بغضب قبل أن يحاول الانقضاض عليها ولكن هاجمته بكل قوتها، واستمر العراك بينهما حتى وقع على الأرضية، انحنت بجسدها وقبل أن تقتله بكسر رقبته، انفتح الباب على مصراعيه ليدخل "مراد" وتعبيرات وجهه تعكس عما بداخله.
نظرت له بذهول وبأنفاس عالية دون شعور، لتشعر بألم مفاجئ في ظهرها وفكها بعد أن لكمها الرجل الملثم، فاندفع جسدها للوقوع على مكان الزجاج المتناثر، وركض هاربًا، ولكن رصاصة "مراد" كانت أسرع منه، فاستقرت بقدمه وانطلقت صرخاته الآلمة.
ركض "مراد" نحو "لينا" محاولًا إبعادها بحرص عن الزجاج الذي دخل بعضًا منه في ذراعيها، أمسك وجهها بين راحتيه وهو يسألها بقلق:
-لينا، لينا، أنتي كويسة؟
أومأت رأسها بتعب، لتجده يضم رأسها إلى صدره دون أن يمس بجسدها وهو يتمتم:
-ما تقلقيش، أنتي في أمان.
دخل حراس القصر ما أن وصلت إليهم إشارة من هاتف "مراد"، فركض جميعهم نحو الرجل الملثم، كي يأخذوه، ماعدا ثلاثة منهم الذين استمعوا إلى أمر "مراد" القائل:
-يلا بسرعة خدوه عندكم وتعرفوا هو تبع مين.
دقائق، نهضت "لينا" بمساعدته محاولة أن تظهر ثباتها، وضع ذراعه على كتفها وكأنه يحميها، ثم تحرك بها نحو الفراش، مددت جسدها عليه وهي تسأله بهمس خافت:
-مش هتمشي؟
هز رأسه نفيًا وهو يتحرك نحو الركن البعيد عنها بقليل، ثم جلس على المقعد العريض والناعم وهو يجيب بابتسامة هادئة:
-لأ، هقعد هنا شوية لغاية ما تنامي، عشان أبقى اطمنت عليكي، بس لازم نتكلم في اللي حصل ده.
ردت عليه "لينا" بصوت جامد:
-أوعدك بكرة، بس سيبيني أنام، أنا تعبانة.
لا يعلم لم شعر بأن تعبها ليس جسدها بل تعب روحها المشوهة، تأملها بعيون دقيقة وهو يشعر بجنون نبضات قلبه ما أن استمع إلى صوت عراك قوي وهو يمر بجوار غرفتها صدفة، ولكن حينما دخل ورأى سيطرتها تأكد أنها فتاة ليست قوية، بل شرسة.
ولكنه الآن يخشى كثيرًا، أن يقع في حب تلك الفتاة، ابنة تاجر المخدرات، والذي مصيرها بالتأكيد الموت.
*****
بعد عدة ساعات كثيرة، وصل كل من "مراد" و"لينا" إلى أرض مصر، ليتجها معًا فور وصولهما إلى الفندق بعد أن قام كل منهما بحجز غرفة ولكن بأسماء مختلفة تمامًا حتى لا يكشفهما أحد، وبعد مرور ساعتين تحركا معًا مرة أخرى إلى الميناء والمقرر وصول الشحنة له وفور وصولهما، وقف "مراد" يتأمل "لينا" وهي تنظر حولها بثقة وذقنها مرفوعة قليلًا وكأنها ولدت هكذا، دنى منها وهو يسألها باهتمام:
-أنتي كويسة؟
التفتت له وهي تجيبه باللامبالاة:
-آه كويسة، هيكون مالي يعني؟
حرك رأسه سلبًا وهو يقول:
-مش باين يا لينا.
جف حلقها فجأة، وهي تسأله في شيء من التوتر:
-إيه مالي يعني.
-عينيكي عكس شكلك، شكلك بيقول إنك باردة، لكن عينيكي بتقول إن جواكي غضب يقدر يحرقنا كلنا.
-هتعمل فيها بتقرا العيون؟
قالتها بلهجة ساخرة، ليضع يديه بداخل جيبه وهو يقول بثقة تليق به:
-أنا فعلًا بعرف أقرأ العيون كويس أوي، والكلام اللي قلته هو اللي موجود في عينيكي في اللحظة دي.
لم تعرف بماذا تجيب، فوجدت أنه من الواجب أن تصمت، ولكن سؤاله جعلها تتصلب في مكانها حينما قال بريبة:
-اللي هجم عليكي امبارح ده أنتي تعرفيه؟
-لأ، معرفوش.
قالتها باقتضاب محاولة أن تتحاشى النظر إلى عينيه الحادتين كالصقر، انتفضت من مكانها عندما سمعت أصوات سيارات الشرطة تداهم المكان لتنتشر حالة من الذعر والتوتر، وتجد الجميع يخرج سلاحه، يستعدون للهجوم، التفتت لـ"مراد" الذي هدر فيها بغضب وهو يخرج سلاحه:
-سلاحك يا لينا، يلاااااا.
أخرجت "لينا" سلاحها وهي تخلع نظارتها الثمينة تلقيها بأي مكان تستعد للهجوم مع "مراد" والجميع، وبالفعل دقائق قصيرة وكان المكان بأكمله يعج بأصوات الطلقات النارية، وانتشرت الفوضى والدماء.
رواية أتحداك أنا الفصل الخامس 5 - بقلم أميرة مدحت
وقفت «لينا» خلف أحد الحاويات بالميناء وقد اتخذتها ساترًا لها من الطلقات النارية التي يعج بها المكان بعد أن كانت تحيطها الرصاصات من كل جهات.
بدأت تطلق الرصاص بحاجبين منعقودين بشدة، فتسقط الجثث هامدة أمامها في مشهد مأساوي. حاولت التحرك أكثر من مرة متسللة إلى خارج المكان، كلما هدأ صوت الرصاص لتطالها طلقة مفاجئة إما خلفها أو أمامها أو بجانبها، لتتراجع عن فكرتها متسمرة في مكانها.
مضى بعض الوقت على وضعها، حتى وجدت أن الأجواء هدأت أخيرًا. سحبت «لينا» نفسًا عميقًا وتحركت عدة خطوات؛ كي تبحث عن «مراد»، ولكن سرعان ما عادت أصوات الرصاص تملئ المكان.
أنحنت بجسدها قليلًا محاولة أن تبتعد عن الرصاص، ولكن شعرت بمن يطوق خصرها، يجذبها بقوة نحوه بعيدًا عن مرمى النيران. حاولت التملص منه لكن قبضته القوية أبت تركها، حتى استقر كلاهما خلف تلك الحاوية.
استمعت إلى صوته الغاضب المكتوم:
- أهدي يخربيتك، فرهدتيني، أنا مراد.
التفتت له برأسها تطالعه بعيون حادة رغم لمعة الخوف الذي ظهرت بهما رغمًا عنها؛ وكأنها تتأكد من كونه «مراد». تأمل ملامح وجهها سريعًا قبل أن ينظر إلى الأجواء حولهم، هتف بلهجة قوية لها:
- ركزي معايا يا لينا، لازم نخرج من هنا في أسرع وقت ممكن.
أومأت رأسها بالإيجاب، ليراقب هو المكان بتركيز محاولًا إيجاد ثغرة ما يستطيعان من خلالها الخروج بأقل خسائر ممكنة؛ حتى وجد إحداها أخيرًا، فهو طريق مخفي مليء بالحاويات المتراصة جنبًا إلى جنب يغطي تحركهما ويمهد لهما الطريق إلى الخارج.
عاود النظر إليها ليقول بصوت عميق، به شيء من القلق:
- أسمعيني كويس، الطريق إللي هناك ده هنمشي فيه بسرعة لغاية المخرج إللي في آخره.
هزت رأسها وهي تقول بإيجاز:
- إطمن.
وقبل أن تتحرك وجدته يجذبها نحوه مجددًا، تطلعت إليه بتعجب لتجده يتابع بلهجة مشددة:
- إنتي هتكوني ورايا يا لينا، وأنا هعاين الطريق، بلاش تهور ولا اختراعات، خلينا نطلع من هنا بأقل خساير.
- ماتقلقش يا مراد، ثق فيا.
أومأ لها بالإيجاب، ثم أشار لها أن تتبعه، وبالفعل تحركا معًا، وكلما انتقلا من خلف أحد الحاويات إلى التالية لها يسمعان طلق ناري يوقفهما ثم يعاودان التحرك مرة أخرى. ومن كان يعترض طريقهما إما أن تطلق «لينا» رصاصتها في الخلف أو «مراد» يطلق دون أن ينتظر في الأمام، حتى وصلا لسيارته.
تنهدت «لينا» بارتياح وهي تدس سلاحها قبل أن تقول بجدية:
- كويس إننا خرجنا وآآ..
لم تكمل كلماتها وهي تلتفت له قبل أن تتسع عيناها بصدمة قلقة، دنت منه وهي تتمتم:
- مراد إنت اتصابت؟؟
حاول «مراد» كتم آلامه، وهو ينظر لها محاولًا التماسك قائلًا:
- ماتقلقيش يا لينا، أركبي يالا.
أقتربت منه وهي تقول بقلق:
- أركب العربية، وأنا اللي هسوق، يالا بينا.
استقل كل منهما في السيارة، بينما هو كان جرحه ينزف نزيفًا، ولكنه لم يبدي ذلك. اعتدلت «لينا» وهي تستقر في مقعدها من جديد، حاولت تفحص جرحه ولكنه صاح فيها قبل أن تلمسه:
- متلمسنيش.
لم تستمع له، بل أزاحت السترة لتجد كمية غير قليلة من الدماء قد لوثت قميصه، شهقت بفزع وهي تقول:
- أنت نزفت كتير أوي، هنعمل إيه؟؟ المشكلة مش هينفع نطلع على المستشفى.
بدأت طاقته تضمحل، والرؤية تشوشت قليلًا، أنفاسه تسارعت ولاحقت بعضها البعض، جسده توهج بسخونة حامية. حاول التحدث وهو يقول بتعب:
- إسمعيني كويس يا لينا، مفيش مكان نقدر نروحله غير الفندق، أنا هدخل هناك بسرعة ومش هيبان عليا حاجة بسبب الجاكت الأسود اللي لابسه، وأول ما نوصل تختفي كام دقيقة في أوضتك، وبعدها تجيلي، ومعاكي الأدوات اللي تعالجيني بيها.
حركت رأسها بالإيجاب وهي تبدأ تسيطر على عجلة القيادة لتقود إلى حيث الفندق، حاولت أن تبعد شعور التوتر الذي يعتريها، فيجب إنقاذه قبل فوات الأوان.
في إنجلترا، هب «داود» واقفًا وهو يدور حول مكتبه. انعكس الغضب على معالم وجهه، وقد ألتمعت عيناه بالشر الدفين وهو يصرخ بعصبية:
- يعني إيه؟؟ ده أنا كدا هروح فستين داهية.
صمت قليلًا قبل أن يصرخ بعصبيته:
- طب أقفل، أقفل، وحسابك معايا بعدين.
أنهى مكالمته وهو يهمس بعدة كلمات غير مفهومة. صدح صوت رنين هاتفه الصاخب، فتطلع إلى اسم المتصل باضطراب قبل أن يضع الهاتف على أذنه مجيبًا بتوتر كبير:
- أيوة يا باشا.
هدر بإنفعال بيّن:
- إزاي ده يحصل يا داود، يعني إيه الشحنة تتضبط، الشحنة ضاعت ووديتنا في داهية.
قال «داود» بارتباك وهو يتحرك في أنحاء غرفة مكتبه:
- يا باشا وأنا ذنبي إيه؟؟ آخر حاجة أتوقعها أن البوليس يطب علينا.
هدر بصوت غاضب وهو يشعر بنيران تشتعل في رأسه:
- في خاين وسطنا، لازم تعرفه، لازم يا داود وإلا هتدفع التمن، لينا كلام تاني مع بعض.
أغلق الهاتف دون أن ينتظر رده، ألقى «داود» هاتفه على سطح مكتبه وهو يقول بحنق:
- خاين إيه بس؟؟ مين يتجرأ ويخوني؟؟
أتى صوت «جوان» من خلفه وهي تقول بدون تفكير:
- يبقى أكيد «لينا».
بعد فترة وجيزة، دخلت «لينا» الغرفة الخاصة بـ«مراد»، ثم أغلقت الباب بالمفتاح. تنفست بعمق وهي تمسك الحقيبة الصغيرة متوجهة نحو غرفته، لتجده يمدد جسده على الفراش بوهن، وحرارة جسده ترتفع ونبضه ينخفض على أثر فقدان الكثير من الدماء.
جلست بجواره وهي تهمس بلهفة:
- مراد، مراد فوق أرجوك، إنت سامعني؟؟
فتح جفونه نصف فتحة وهو يهمس:
- سامعك، هتقدري تعالجيني؟؟
هزت رأسها سريعًا وهي تقول:
- ماتقلقش، أعتمد عليا.
فتحت حقيبتها لتجد أدوات طبية ومعقمة تفي استخدامهم بالكامل، ضيقت عيناها بتركيز وهي تحاول إخراج الرصاصة. حاول «مراد» كتم آلامه بصعوبة بالغة، وحبات العرق امتلأت بوجهه وهو يتأوه بألم:
- آه.
رفعت عيناها نحوه وهي تقول برجاء:
- استحمل يا مراد، استحمل وخليك معايا، إياك تستسلم.
بلعت ريقها بصعوبة وهي تضيف:
- أنا هكوي الجرح، أنا عارفة أنها خطوة صعبة لكن لازم تمسك نفسك.
تنفس «مراد» بعمق محاولًا التماسك، رغم بدء ارتفاع درجة حرارته بشكل ملحوظ. وبالفعل ما أن قامت بتلك الخطوة الصعبة، حتى أطلق «مراد» صرخته من شدة الألم:
- يا ليناااا، آه.
سحبت منديلًا ورقيًا وهي تمسح حبات العرق من على وجهه قائلة بألم:
- ألف سلامة عليك، استحمل، خلاص هانت.
أغمض عينيه بتعب، لتخرج هي من الحقيبة إبرة مسكنة وإبرة المضاد الحيوي. ترقرت الدموع في عينيها من اضطراب مشاعرها وهي تقول بارتباك:
- أنا هديك حقنة المسكن ومضاد حيوي، وهتبقى كويس.
تحرك عن جلسته وهو يتأوه بصوت مكتوم:
- ماشي.
دقيقة واحدة وكان فقد وعيه بعد ارتفاع حرارة جسده. قامت بتغليف كتفه بالشاش الطبي تغليفًا جيدًا، ثم بدأت بعمل الكمادات له حتى تنخفض حرارته. استمرت على ذلك الحال لفترة طويلة حتى انتهت من كل شيء. زفرت بارتياح وهي تطمئن عليه، فبدأت تتخلص من آثار الدماء ثم خرجت من غرفته؛ كي تعود إلى غرفتها لتأخذ حمامًا باردًا تزيل إرهاق ما حدث اليوم.
في منزل بعيد عن كل الصراعات، نالت «دينا» عصير برتقال لـ«سلوى» قبل أن تجلس بارتياح على الأريكة وهي تمسك مشروبها أيضًا. شردت قليلًا وهي تبتسم بحزن، اشتاقت إليه كثيرًا، لا تعلم لمَ تشعر بنغزة عنيفة في قلبها؛ وكأنه يتألم.
خرجت من شرودها على صوت «سلوى» المهتم:
- مالك يا دينا؟ بتفكري في أخوكي؟؟
حركت رأسها بالإيجاب وهي ترد بشوق:
- وحشني أوي يا سلوى، نفسي أطمن عليه، بس مش عارفة، أكتر من سنة وما شفتوش، عايشة قلقانة عليه طول الوقت، بس النهاردة قلبي واكلني عليه.
ابتسمت «سلوى» بمرارة وهي تهمس:
- معاكي حق، نفسي أنه يطمنا عليه.
ربتت «دينا» على كفها بحنو وهي تقول:
- أنا عارفة إنك بتحبيه، ادعيله يا سلوى، ولما يرجع بإذن الله، أنا واثقة أن كلنا هنبقى فرحانين، ونعمل الخطوبة اللي هو أجلها لغاية ما يخلص من اللي هو فيه.
شردت عينا «سلوى» بعيدًا وهي تغمغم:
- يارب.
بعدما أخذت حمامًا باردًا، ولجت إلى الخارج وهي تتوجه نحو حقيبتها حتى تضع عدة أشياء. استمعت إلى صوت طرقات على الباب، اتسعت عيناها قليلًا قبل أن تسحب سلاحها وتدسه خلف ظهرها. اتجهت نحو الباب تفتحه وهي تقف بثبات.
ليطالعها رجل طويل البنية، يمسك صينية الطعام. أشارت له بالدخول، فدخل بخطى هادئة يضع الطعام على الكومود. حدثته بجدية قاطعة:
- تمام، تقدر تتفضل؟؟
تحرك نحو الباب وقبل أن يلج إلى الخارج، قال بصوت هادئ.. مريب:
- وصل فرمان موتك، ولازم يتنفذ حالًا.
وقبل أن تستوعب وجدته يخرج سلاحه، غريب الشكل، فأدركت أنه كاتم للصوت. رفعه نحو جبينها بابتسامة جادة، ليتفاجئ بإبتسامتها المستفزة له وهي تقول:
- وأنا جاهزة.
رواية أتحداك أنا الفصل السادس 6 - بقلم أميرة مدحت
هي تعلم أن مصيرها للموت، إذًا حين يطرق بابهـا يجب أن تبتسم لا أن تخف، فهي خُلقت قوية وستموت هكذا.
ظلت ثابتة في مكانهـا، بعينيهـا السوداويان تطالعه بإبتسامتهـا الواثقة. تلاشت سريعًا حينما سمعت صوتٍ ما قادم نحوهما، فوجدته يخرج من الغرفة يبحث بأنظاره عن ذلك الصوت ليجد سيدة تحمل إبنتهــا الصغيرة.
شهقت سيدة بخوف وهي ترى شخص يحمل سلاح يقترب منها، فصرخت بفزع:
- ألحقونـا، ألحقونـــي.
وقبل أن يوجه السلاح نحوهمـا، كانت «لينـا» أنقضت عليه من الخلف وقد طوقت عنقه بذراعهــا، وبخفة يد أخرجت سلاحهــا المندس خلف قميصهـا الأسود، وقامت بضربـه على رأسهـا. ليصيبــه الدوار ويقع منه السلاح، فأخذتـه على الفور، وأخفت سلاحهــا.
وضعت فوهة السلاح على صدره وهي تهدر فيه بغلظة:
- مين إللي باعتك، أنطق، مين إللي باعتك؟؟
وقبل أن يحرك شفتيـه ضرلبته مرةٍ أُخرى بجانب جبينـه، فإزداد دواره وهي تصرخ بعصبية:
- مين إللي باعتك؟؟
نطق بصعوبة بالإنجليزية وهو على وشك فُقدان وعيـه:
- الكينـج.
قالهـا ثم وقع أرضًا. في حين تراجعت للخلف بذهولٍ. نظرت حولهـا لتجد الأمن وقد عمّ المكان من الفوضى والتحقيقات خاصةً بعد وصول الشرطة. فبدأت التحقيقات مع السيدة أولًا، ثم مع «لينـا» بعدما تم القبض عليـه.
فإنتهت التحقيقات بقولهـا:
- أنا سمعت صوت واحدة بتصرخ برا، لقيت الراجل ده، محستش بنفسي غير وأنا بهاجمه من ورا وقدرت أسحب منه السلاح وضربته بيه على دماغه لغاية ما تقبضوا عليه.
تسائل الضابط بسخرية:
- مش غريبة بنت زيك تقدر تعمل ده كله لوحدهـا في 3 دقايق بس؟؟
إبتسمت ببراءة وهي هي تجيبه:
- لأ مش غريبة، لأني من وأنا صغيرة بتدرب في رياضة الكارتية.
رغم عدم تصديقه لهـا، إلا أنه لا شيء قانوني عليهـا. أنتظرت أن يغادر الجميع، وأن يعود الطابق إلى هدوئه حتى تطمئن على «مراد». وبالفعل بعد ساعتين فقط دخلت إلى غرفتــه، بعدما أخذت مفتاح غرفتـه.
تفاجآت بجلوســـه على الأريكة، وهو عاري الصدر فـ أظهرت عضلاتــه المتكدسة. دنت منـه وهي تقول:
- حمدلله على السلامة.
نظر لهـا بتعبيرات غامضة وعينين حادتين قبل أن يسألهـا بكل هدوء:
- إيه إللي حصل برا؟؟
ظلت ثابتة في مكانهـا وهي تُجيبه بالامبالاة:
- معرفش، واحد قبضوا عليه شكله كان عاوز يدل يقتل حد.
عقد ما بين حاجبيـه وهو يقول بلهجة جادة:
- يقتل! أمم وأنتي بقى أتدخلتي في الحوار ده؟؟
أرتبكت من نظراتـه الدقيقة، وصوته الساخر لتجيبـه:
- أومال كنت عاوزني أشوف واحد داخل يقتل حد وأقف ساكتة.
هب واقفًا لتتراجع إلى الخلف قليلًا بتوتر ملحوظ. دنى منها عدة خطوات لتتراجع أيضًا حتى هدر فيهـا:
- ما تثبتي في مكانك.
أشتعلت عيناها بغضب وهي تقول:
- متعليش صوتك عليا.
تقوس فمه بإبتسامة ساخرة سوداء وهو ينطق بتهكم:
- كل إللي هامك الصوت، ومش هامك المصايب إللي إحنا فيها؟!
- مصايب إيــه؟؟ إذا كان على الشحنة فـآآ...
قاطعهـــا بغلظة مثيرًا بيده:
- بغض النظر عن أن أحنا هنشوف ألأيام سودة بسبب الشحنة دي، لكن كونك تتدخلي في حوار زي ده، مع وقت جاي يقتل، فمعتقدش أنه جاي يقتل غيرك أنتي يا أنـا، ولا إيــه؟؟
صعقت من تخمينــه بتلمك السرعة. بلعت ريقهـا بصعوبة لتجده يهدر فيهـا بإنفعال:
- حصل ولا لأ؟؟
عقدت ساعديهـا أمام صدرهـا لتقول ببرودٍ:
- حصل يا مراد، حصل وكان جاي يقتلني، ولحقت نفسي، ياريت كفاية كدا، أنا إللي فيا مكفيني.
وقبل أن تستدير وجدتـه يقبض على ذراعهـا يجذبهـا نحوه صارخًا فيهـا بحدة:
- كل دول عاوزين يقتلوكي؟؟ ليـه؟!.. إنتي مين بظيط؟؟.. إيه حكايتك؟؟.. ليه كل ده بيحصل معاكي، إنتـــي ميــن؟؟
حدقت في عينيه مباشرةً وهي تقول بقوةٍ جبارة:
- أنا لينـا الصاوي، عدوة الكل، وحبيبتهم في نفس الوقت، علاقتنـا هي المصلحة وبـس، علاقة معقدة، محدش هيقدر يفهمها ولا حتى إنت.
صمت طويل دام وعينيـه القاسيتين ترمقانهـا بتدقيق حاد، يحاول أن يعلم ما يدور في عقلهـا، ولكنهـا ثابتة بشكلٍ مريب، رغم ما يشعر به من أنهيارهـا القريب. زفر بحرارة قبل أن يرخي قبضة يده عنها وهو يقول بجمودٍ:
- إحنا هنرجع إنجلترا، ميعاد طيارتنــا كمان كام ساعة، يالا بينـا نجهز نفسنـا.
قال كلمتـه وهو يغادر من مكانه متوجهًا نحو المرحاض، تاركًا إياهـا في وهنٍ غريب أجتـاح جسدهـا. أغمضت عينيهــا محاولة الصمود وهي تهمس بخفوت:
- ليه الموت دايمًا جمبي ومش بياخدني معاه وأرتاح.
ترقرت الدموع في عينيهــا وهي تهمس بإبتسامة صغيرة:
- نفسي أموت عشان أشوف الإنسانة الوحيدة إللي حبتني في العالم ده.. أمــي.
سكتت لحظةٍ قبل أن تهمس بألم مرير:
- بس ماتقلقيش، هشوفك قريب، مش هسيبك لوحدك كتير.
*****
بعد مرور ثلاثة أيام، كانت «لينا» جالسـة على الفراش تضم ساقيهـا إلى صدرهـا، وعيناها شادرتان في نقطة فراغ. أغمضت عينيهـا وهي تزفر بحنق مكتوم حينما أستمعت إلى طرقات على باب غرفتهـا.
هبطت من على الفراش متوجهة بخطوات بطيئة نحو الباب. فتحتـه وهي تتوقع مجئ والدهـا، لكن وجدت «مراد» يقف أمامهـا بطولـه الفارع.
سحبت «لينا» نفسًا عميقًا وهي تسأله ببرود:
- نعم يا مراد، خير؟؟
تطلع إلى معالم وجهها الواهنـة رغم قوتهـا الظاهرة، قال بلهجة ىعميقة:
- لينا، إحنا لازم نتكلم، وكمان شكلك مش عاجبني، فيكي إيـه؟؟.. أنا حاسس إنك خسيتي شوية ولا أنا بيتهيألي؟
هزت رأسهـا بالسلب وهي تجيبــه:
- أنا عارفة إنك عاوز تتكلم في إيه، بس حقيقي يا مراد، مش قادرة أتكلم، أنا حاسة بتعب.
صمت قليلًا قبل أن يقول بجدية:
- لينا إنتي مبقتيش بتاكلي من ساعة ما رجعنـي، وأنا ساكت، عاوز أعرف فيكي إيه، قوليلي وأنا هساعدك؟
قبل أن تتحدث، وجدت شخص ما يقترب منهمـا وهو يقول بإحترام:
- لينا هانم، «آريان» باشا تحت وبيسأل عليكي.
شهقت «لينـا» وهي تتمتم بلهفة:
- آريــان.
تجاوزت «مراد» الواقف ينظر إليهــا بذهول، وهو يرى إندفاعهـا إلى الخارج من أجل ذلك الغريب. غضب حارق أشتعل بصدره، وهو يقول بغضب مكتوم:
- وبعدين بقى، هو إيه إللي بيحصل ده؟؟.. أنا مستني منهـا إيه يعنـي؟؟
عقد ما بين حاجبيه وهو يتسائل بريبة:
- بس مين آريان ده؟؟.. لأ أنا لازم أعرف.
أندفع بخطواتٍ شبه راكضة نحو الدرج ليجدهـا تهبط إلى الأسفل تركض نحو «آريان» الذي أستقبلهـا بين ذراعيـه. ألم غريب دخل قلبــه، وهو يراها بداخل أحضان الغريب. تابع هبوطه إلى الأسفل، ليجدهـا تتراجع عنه وهي تقول بتلهف:
- كويس إنك جيت يا آريان، أنا لازم أتكلم معاك.
أومئ «آريان» برأسه وهو يهتف بتأكيد:
- أول ما بعتيلي مسدج، خدت أول طيارة لإنجلترا وجيتلك على طولك من غير تفكير، في إيه؟؟.. مـالك؟
قبل أنن تتكلم شعرت بوجود «مراد» خلفهـا ما ـن وصلت إليها رائحة عطره المميزة بالنسبة لها. ألتفتت له بعينين قلقتين لتجده يضع يديه بجيوب جاكيته بإتزانٍ وهو يشير إليه بهدوءٍ:
- ممكن أعرف مين ده؟؟
أجابـه «آريان» ببسمة هادئة:
- أنا آريان، وأكيد إنت مراد دراع اليمين لداود باشا، مش كدا؟؟
تجمدت تعابير وجه «مراد» وهو يرد على حديثه ساخرًا:
- آه أنا مراد، وإنت بقى تعرف لينا من زمان؟؟
أومئ «آريان» رأسه بالإيجاب وهو يجيبه بخبث:
- آه طبعًا أعرفهـا من زمان.
أظلمت عيني «مراد» وتوحشت ملامحه بطريقة مخيفة وهو يقول:
- إزاي؟؟
تحدثت «لينا» تلك المرة بجدية قاطعة:
- مراد، معلش آريان جاي مخصوص عشاني، فلو سمحت سبنا خمس دقايق.
ملامح وجهه نطقت بالكثير، شعرت أنه سيقترب منها ليقتلهـا، لكنها تفاجآت أنه ينسحب إلى الخارج بكل هدوء. ولكنه الهدوء ما قبل العاصفة. ألتفتت إليهـا «آريان» ينظر لهــا قبل أن يقول بجدية:
- على فكرة، أنا شاكك في مراد؟؟
ضيقت حاجبيها وهي تسأله بشك:
- في إيه؟؟
صمت قليلًا قبل أن يجيب بهدوءٍ زائف:
- هقولك بعدين، لما أتأكد الأول، المهم كنتي عوزاني في إيه؟؟
تذكرت تلك المصيبة التي وقعت عليها بدون سابق إنذار. أرتجف جسدها فجـأة وهي تهمس بإرتعاش:
- من 3 أيام، في حد حاول يقتلني يا آريان، بس قدرت ألحق نفسي، ولما مسكته أعترف أنه جاي بناءً على أوامر الكينج.
أتسعت عيناه ذهولًا وهو يقول:
- نعـــم!!، لأ مستحيل طبعًا، لا يُمكن الكلام ده.
زادت إرتجافة جسدهـا وهي تهز رأسهـا نفيًا هاتفة بخوف:
- والله قالي كدا، الكينج عاوز يقتلني، إزاي موصلكش معلومة زي دي، إنت عارف ده معناه إيـه؟؟
مسح على وجهه بقوة وهو يقول بإنفعال بيّن:
- إزاي يا لينا، إزاي وهو أساسًا لما عرف إني نازل إنجلترا قالي إني أوصلك معلومة أنه عاوزك تسافريله إنتي ومراد عشان العملية الجديدة.
شهقت بصدمة وهي تحاول التراجع، إلا أنه قبض على كتفيهــا وهو يسألها بقلق:
- لينا، مالك؟؟.. فيكي إيه؟؟
شحب وجههـا بشدة، فوقعت رأسهـا على كتفه وهي تهمس بضعف:
- خلاص هيقتلني، كل إللي عملته ضاع يا آريان.
قال بحنوٍ رغم قلقه عليه:
- أهدي يا لينا، مفيش حاجة ضاعت، على فكرة أنتي فيكي حاجة غلط.
أبتعدت عنــه وقد إزاداد إرتعاشهـا وهي تهمس:
- أنا فعلًا كدا، أنا تعبانة أوي يا آريان.
دخل «مراد» فوهو يضع هاتفه في جيبه، رفع أنظاره الحانقة نحوهمـا، ليرى شحوب وجه «لينا» بوضوح، وإرتجافة جسدهـا. تحرك نحوها وهو يقول بقلق:
- لينا، مالك؟؟
ما أن رأته حتى أغرورقت الدموع في عينيهـا. نغزة عنيفة ضربت قلبـه وهو يسألهـا:
- مالك يا لينا، في إيه؟؟
دنى منها عدة خوات يحتضن وجههـا بين راحتي يديه وهو يسألها بحنوٍ مثير:
- مالك يا لينا؟؟.. فيكي إيه؟؟
في حين وقف «آريان» مكانــه متسمرًا في مكانــه وهو يرى قلق «مراد» عليهـا، فهمس بشرود:
- أنا لو طلع إللي في دماغي صح، يبقى كل حاجة أتحلت.
ألم عنيف ضرب رأسهـا قبل أن تغمض عينيهـا مستسلمة لظلامهـا. لاحظ «مراد» ترنحهـا فطوق خصرهــا بلهفة وهو يناديهـا قبل أن تسقط في أحضانـه فاقدة الوعي. حملهــا بين ذراعيه بقلق شديد وهو يُنادي عليهـا محاولًا إفاقتهـا، ليلاحظ برعب بشرتهــا الشديدة التي تحاكي برودة بشرة الموتى، وزرقة شفتيها.
رواية أتحداك أنا الفصل السابع 7 - بقلم أميرة مدحت
تمّ نقلها إلى أقرب مشفى بعد إزدياد سوء حالتها.
وقف الجميع يترقب خروج الطبيب من الداخل، بعد أن تم نقلها إلى غرفة الفحص. قد تضاربت مشاعر الجميع ما بين الخوف والقلق والتوتر والبرود. ما عدا كل من "داود" وعشيقتـه "جوان". فقد ظل "داود" واقفًا بجمودٍ يحسد عليه، وكأنها ليست ابنته. في حين بدأت تعبيرات "جوان" تعكس عن ما بداخلها من التوتر.
وضع "مراد" يديه بداخل جيوب بنطاله وهو يسير ذهابًا وإيابًا بخوف. و"آريان" يتابعه بعينين حادتين وكأنه يحاول فهم شخصية ذلك المارد.
انتبه الجميع على صوت خروج الطبيب من الداخل. تحرك "مراد" نحوه وهو يسأله بتلهف واضح بلكنة الإنجليزية:
"إيه أخبارها دلوقتي يا دكتور؟ طمني."
أجابه الطبيب الإنجليزي بهدوءٍ تام:
"بخير دلوقتي وفاقت، اطمنوا."
عقد "مراد" ما بين حاجبيه وهو يسأله بحدة:
"أومال سبب الإغماءة إيه؟"
تنهد الطبيب قبل أن يجيب بجدية:
"واضح أنها بذلت مجهود ضخم الفترة اللي فاتت، لكن مع قلة الغذا، ضغطها وطى، وده سبب الإغماءة، لكن..."
صمت الطبيب للحظةٍ حتى يضمن انتباه الجميع له. فسأله "آريان" بقلق:
"لكن إيه؟"
التفت "مراد" على حين غرة يرمقه بحدةٍ قاسية. ولكن سرعان ما عاود النظر إلى الطبيب حينما قال:
"إحنا شكينا في حاجة، فعملنا تحاليل، وفعلًا شكي طلع صحيح. الآنسة لينا كانت بتاخد حبوب، الحبوب دي بتخلي أعصابها تسترخي تمامًا، ويبدأ جسمها يسترخي، لدرجة أن الموضوع كان ممكن يتطور وأنها متقدرش تحرك صباعها حتى."
هدر "داود" في الطبيب بغلظة واضحة:
"لا يمكن لينا تاخد حبوب زي دي، أكيد في حاجة غلط."
أومأ الطبيب برأسه وهو يخبره بصوتٍ جدّي:
"مش لازم تكون هي إللي بتاخد، ممكن حد بيحطلها في الأكل، لكن التحاليل بتثبت أن الحبوب دي بتاخدها وآثارها بدأت تبان عليها."
ضيق "مراد" حاجبيه بغضب أسود وهو يتسائل بحيرة بداخلـه:
"هو في إيه؟ إيه البت دي، الكل عاوزها تموت وفي نفس الوقت محتاجنها، هو إيه إللي بيحصل؟"
لم يشعر بمغادرة الطبيب إلا حينما ربت "آريان" على كتفه. واستمع إلى صوته المتسائل بإهتمام:
"هتدخل تشوفها؟"
همَّ بالتحرك؛ لكنه توقف في منتصف المسافة ليسأله بفضولٍ وبوجهٍ جامد كالصخر:
"أنا عاوز أعرف إنت تقرب لـ«لينا» في إيه؟"
ابتسم "آريان" ببُطءٍ وهو يُجيب بهدوء:
"أنا صديق طفولتها، ارتحت كدا؟"
لم يجيبه "مراد" بل زفر بضجر وهو يتركه متوجهًا نحو الغُرفة التي تقطن فيها "لينا".
طرق على الباب بخفة قبل أن يدخل وهو يبحث بعينيه عنها. فوجدها تعتدل في جلستها مبتسمة له في هدوء مريب. جلس على طرف الفراش وهو يسألها ببسمة مهتمة:
"قلقتيني عليكي، أحسن دلوقتي؟"
هزت رأسها بالإيجاب، وهي تسأله بلؤم:
"وأنت بقى قلقت عليا؟"
اتسعت ابتسامته الجذابة وهو يخبرهـا بصوته العميق المميز:
"مش عارف، بس بحس إنك مسؤولة مني، بحس إني لازم أكون في ضهرك وأحميكي من الخطر إللي حوالينا دايمًا."
ضحكت بخفة وهي تقول:
"إيه يا مراد؟ من إمتى الكلام ده؟"
أعتدل في جلسته وهو يرد عليها بشرودٍ:
"مش عارف، يمكن من وقت ما سافرنا مصر وواجهنا الخطر سوا هناك. أنا عمري ما شوفت بنت زيك يا لينا، ولا هشوف."
تجهمت تعبيرات وجهها وهي تقول في شيء من الألم:
"أوعى يا مراد، أوعى مشاعرك تتحرك ناحيتي. إللي زيي وزيك كلمة السعادة مش موجودة في قاموسهم، إللي زيي وزيك طريقهم طريق واحد وهو الموت، أوعى يا مراد."
تجهم وجهه بشكلٍ ملحوظ غير راضيًا عن ما تقوله. وظل الوجوم مصاحبًا تعبيراته وهو يسألها مباشرةً:
"عاوزة تقولي إن مشاعرك متحركتش ناحيتي لغاية اللحظة دي؟"
ارتبكت على الفور وهي تشيح نظراتها بعيدًا عنه. دقات قلبها تتعالى بعنف. تود أن تقبض عليه وتعتصره بين يديها حتى يتوقف عن ذلك. ابتسم "مراد" بسخرية وهو يقول:
"إذا كنتِ إنتي مش قادرة، إزاي بتقوليلي أنا أعمل ده؟"
التفتت له وهي تقول بهدوءٍ زائف:
"اسمع يا مراد، أنا آآ..."
لم تتابع كلماتها حينما فتح الباب ودخل كل من "آريان" و"داود" و"جوان". ابتسمت لهم بإقتضاب وهي تشيح بنظراتها بعيدًا عنهم.
استمعت إلى لهجة والدها الحادة وهو يخبرهـا ببرود:
"أنا اتكلمت مع الدكتور، قالي إنك هتباتي هنا النهاردة وبكرا تقدري ترجعي البيت. عاوزك تستعدي لأن عندنا عملية كبيرة جدًا قريب."
رمقه "مراد" بحنق، ليتفاجئ برد "لينا" القائل بسخرية:
"ماتقلقش يا داود باشا، اطمن على مصالحك."
صمتت قليلًا قبل أن تقول فجأة بإبتسامة ثابتة غريبة:
"ممكن يا جماعة تسبوني شوية لوحدي مع.. «جــوان»."
رفعت "جوان" عينيها بخوف نحوهـا وهي تسألهـا بإرتباك:
"أنا، لـ.. ليه؟"
"هتعرفي دلوقتي، سبوني معاها خمس دقايق بس."
نظر "مراد" إليها بريبة، في حين هز "آريان" رأسه بيأس وكأنه يعلم ما تريده منها. أستقام "داود" واقفًا وهو يقول بكل هدوء وبرود في آنٍ واحد:
"على العموم أنا همشي، وأنتي يا جوان شوفي هي عاوزاكي في إيه وابقي حصليني، هستناكي تحت في العربية."
حركت رأسها بإيماءة خفيفة وهي ترى الجميع يغادر من الغرفة. لتتحرك هي نحوها بخطى بطيئة متوترة. ليزداد ارتباكهـا وهي تجدهـا تهبط من على الفراش، وتقف بصلابة تجعلهـا تخشى منها كثيرًا.
ابتسمت "لينا" بثقة وهي تهتف بسخرية:
"إيه يا جوان، تعالي اقفي قدامي يالا، زي ما بتقفي قدام داود باشا وتسخنيه عليا."
توجهت "جوان" نحوهـا وهي تقول بثقة زائفة:
"عايزة إيه يا لينا، عايزة توصلي لإيه."
وقفت قبالتها بثقتهـا الزائفة أمامـها ثباتهـا المخيف. غابة من السكون امتدت قبل أن يدوي صوت صفعة قوية في المكان. شهقت "جوان" بصدمة وهي تضع يدها على وجنتها مكان الصفعة. وقبل أن تستوعب وجدتهـا تجذبهـا من خصلات شعرها. لتنطلق منها صرخة ألم وهي تقول:
"في إيه؟ إنتي عايزة مني إيه؟"
همست "لينا" بصوت فحيح كالأفاعي:
"بقى إنتي يا حشرة تحطيلي حبوب في الأكل، عايزاني معرفش أحرك في الآخر صباعي حتى عشان داود باشا يخلص عليا، وتاخدي مكاني يا بنت الـ...، لااااا مش لينا الصاوي إللي يتعمل فيها كدا يا بنت الـ..."
قالت كلمتها الأخيرة وهي تترك خصلات شعرها لتقوم بصفعهـا مرةً أخرى. احتدت عيني "لينا" وهي تقبض على يدها ثم قامت بلفها خلف ظهرها. لتنهمر دموع "جوان" وهي تقول برعب:
"خلاص يا لينا، خلاص آسفة."
هدرت فيها "لينا" بغضب جامح وهي تسألهـا:
"أصرفها منين، راحة تلعبي من تحت لتحت، بدل ما تيجي توقفي قصادي."
شهقت "جوان" ببكاء وهي تردد:
"دراعي يا لينا، دراعي هيتكسر."
رفعت "لينا" ذقنها وهي تقول بقوة:
"عشان بس تعرفي إني ممكن أفسكك زي الحشرة، صبرك عليا لما أخرج من هنا، أوعدك هتشوفي أيام سودة."
شهقت بألم بعدما أرخت "لينا" قبضتها عنها. نظرت لها برعب وهي تتراجع للخلف. انتفضت من مكانها وهي تستمع إلى صوتها الهادر قائلة:
"يالا غوري من هنا."
أومأت برأسها سريعًا وهي تركض نحو الباب لتفتحه ثم فرت هاربة وكأنها كانت في مواجهة وحشٍ شرس. ابتسمت "لينا" بتهكم قبل أن تتحرك نحو المرحاض بخطى بطيئة.
أغلقت الباب خلفها وهي تتنهد بحرقة قبل أن تستمع إلى صوت مراد من الخارج. عقدت ما بين حاجبيها وهي تتحرك نحو النافذة الصغيرة والتي تطل على خارج غرفتها في الطابق تحديدًا. فتحت جزءًا بسيطًا منه لترى "مراد" يقف أمام النافذة يوليهـا ظهره، ويتحدث في هاتفه بصوتٍ عميق قائلاً:
"ماتقلقش يا فندم، كله تحت السيطرة، وفي عملية كبيرة قريب."
سكت للحظات قبل أن يؤكد له:
"لأ اطمن مفيش حد قدر يكشفني، وقريب أوي هيتقبض عليهم في العملية الكبيرة دي، لأننا هنقابل الراس الكبيرة."
أغلقت النافذة ببطء حتى لا يشعر بها. تراجعت للخلف بصدمة وكأنها أصيبت بالصاعقة. مسحت "لينا" على وجهها بقوة وهي تهمس بذهولٍ:
"ينهار أسود، مراد يبقى ضابط!!!"
رواية أتحداك أنا الفصل الثامن 8 - بقلم أميرة مدحت
اللامبالاة التي أنا عليها الآن لم تُهدي إليَّ بالمجان، بل بمواقف كلفتني عمرًا بأكمله.
ثلاثة أيام مرت بدون أيّ أخبار جديدة، تجنبت لقاءه، ولا تزال الصدمة تعتريهـا. معنى ذلك أن خلال أيام ستنتهي، حياتها هنا ستنتهي. أغمضت عينيها وهي تتنفس بعمقٍ، محاولة أن تهدئ تمامًا، ولكن لا تعلم لمَ تحترق روحها بتلك الطريقة.
هبّت «لينا» واقفة فجـأة وهي تتحرك نحو خارج غرفتها، لتصطدم بـ«مراد» واقفًا أمامها يعقد ساعديه أمام صدره الضخم. تنفست «لينا» بحدة وهي ترمقه بنظراتٍ غاضبة قبل أن تشيح وجهها بعيدًا عنه متوجه نحو غرفة الرياضة.
تصلبت ملامح «مراد» تمامًا وأشتعلت عيناه بلهيب أسود مخيف. قال بلهجة هادئة لكن امتلأت بنبرة الحزم الذي لا يقبل الجدل:
- فاكرة كده هتقدري تبعديني عنك؟!.. ماشي يا لينا، هنشوف.
سحب نفسًا عميقًا وهو يتجه بخطواته الثابتة نحو صالة الرياضة. أستمع إلى صوت أقدام، وتأتي الجلبة من الداخل، ففتح الباب وهو يجوب ببصره الحاد نحو المكان، ليراها مولية ظهرها، تركض بسرعة عالية أعلى اللعبة الشهيرة الماشية، وقد بدأ يتعرق جسدها بغزارة، فكان مكيف الهواء مغلقًا.
شعرت «لينا» بوجوده فقامت بخفض سرعة اللعبة تدريجيًا حتى توقفت. ألتقطت أنفاسها ثم نظرت إليه وهي تسأله بجفاء:
- نعم، عايز إيه؟!..
وكأنها أطلقت سراح الغضب الكامن بداخله فدبّت العاصفة بملامحه دون أن يهتم بإخفائها هذه المرة وهو يقول بصوتٍ خافت لكن يثير الرجفة:
- إنتي فاكرة بإللي بتعمليه ده، أنا هسيبك يا بنت الصاوي؟؟..
عيناها اليوم فاقدت لبريقهما.. فاقدتين للحياة.. شعر بشيء قابع في حنجرته من الشعور بها، هناك وتر كهربائي وصل بينهما يجعله يشعر باختلاجتها بوضوح، فتابع بصوته الخافت يملؤه الشراسة:
- فاكرة إني هسيبك؟؟..
ظلت «لينا» متصنمة في مكانها، حجرًا في حنجرتها يتثاقل، النيران في عينيها تشتعل غضبًا، حتى قالت أخيرًا بهدوء:
- زي ما قلت قبل كده، طريقي أنا تحديدًا هو الموت، وبذات بعد العملية الكبيرة، لو أنا عايشة النهاردة، بكرة هموت يا مراد، وأظن إنت عارف ومتأكد من ده.
ارتفعت نبضات قلبه فجأة بخوفٍ، فهي في نظر العالم، أكبر مجرمة ارتكبت الكثير من الجرائم في حق الوطن، ويعلم حق المعرفة أن حياتها ستنتهي بعد تلك العملية الكبرى. اتسعت عينا «مراد» للحظةٍ قبل أن تعودا لبرودهما وهو يقول بصوتٍ خطير:
- ولغاية ما يجي اليوم ده، تتعاملي معايا كويس، إحنا بنكمل بعض في شغلنا ده، وكلهـا عملية واحدة ونرتاح، وقتهـا ابقي اتعاملي بالطريقة إللي تحبيها.
عم الصمت داكن مشحون بينهما.. وعيناهما في حربٍ يائسة، إلى أن قالت "لينا" أخيرًا:
- مش هتلحق يا مراد تشوفني بعد العملية الجديدة، كله خلاص هيكون.. انتهى.
تصلب فك «مراد» وارتجفت عضلة في خده إلا أنه لم يتحرك إنشًا بينما «لينا» تكمل:
- أظن إنت عرفت السفر بكرة بليل، هنسافر اليونان، عشان نتفق على العملية، ياريت بقى تسبني أستعد ليها، وتسبني في حالي.
وكأن كلماتها أصابت قلبه بألم قوي، لم تتغير ملامح «مراد» وهو ينظر إليها، إلا أن عينيه ألماعت ببريقٍ أكثر قسوة. دنا منها عدة خطوات حتى وقف قبالتها، رفع يده يبعد خصلات شعرها المتمردة من على جبينها وهو يهمس بصرامة دون أن يرفع صوته:
- تأكدي يا لينا إني مش هسيبك، لو سبتك.. يبقى هسيبك وإنتي ميتة، تمام؟!..
ظلت تنظر إليه بصدمة وهو يبادلها النظر إليها بهدوء، ليخفض عيناه أمام نظراتها القاتلة في تعبيرها القوي، ودون أن ينتظر ردها، أولى لها ظهره ثم سار نحو باب الغرفة يلج إلى الخارج تاركًا إياها في صدمة من كلماته.
*****
يوم وآخر، حتى أتى وصل كل من «مراد» و«لينا» إلى أثينا في اليونان. هبط إلى الأسفل بخطوات ثابتة، شاب بمنتصف العقد الثالث من عمره، وسيم الملامح، قوي البنية. ابتسم لهم «روكان» بسمة جذابة وهو يتحدث باللغة العربية وكأنه يتقنها:
- حمدلله على السلامة.
انتبه كل من «مراد» و«لينا» على صوته الأجش، واللذان بمجرد وصولهما إلى أثينا أصطحبهما شخص ما من المطار حتى إلى قصر «روكان»، والذي كان على الطراز اليوناني الأصيل الفاخر، تحفة فنية بحق، فنان من أبدعها ورسم تفاصيلها. تقدم «روكان» نحوهما لتنتقل أنظاره من «مراد» إلى «لينا» وألتقط كف يدها الحر منحنيًا نحوه يقبله برسمية وودّ قائلًا بصوته الجذاب بلكنة الإنجليزية:
- مرحبًا آنستي الجميلة.
أشتعلت النيران بعيني «مراد» يجز على أسنانه بغيظ، ثم اعتلى أحد المقاعد الشاغرة وأسند ظهره عليها بارتياح. وكذلك «لينا» التي وضعت ساقها فوق الأخرى بثقة. جلس «روكان» قبالتهم، وهو ينظر لهم بثباتٍ قائلًا:
- بما أن آريان، لسه موصلش، فـ يشرفني أستضيفكم في بيتي المتواضع لحين وصوله.
ثم وجه أنظاره لـ«لينا» وهو يقول ببسمة خبيثة:
- لينا، أنا عاوزك كمان شوية في موضوع.
تجهمت تعبيرات وجه «مراد»، وأظلمت عيناه بطريقة مخيفة قاسية وهو يدرك جيدًا معنى بسمته وكلمته الأخيرة. وجه أنظاره المظلمة نحوها ليرى ردة فعلها، وجدها تبتسم له بهدوء وهي تومئ برأسها. أغمض عينيه يكاد يعتصرهما وبركان من الغضب بداخله يشتعل يود كثيرًا أن يحرق العالم بأكمله، مع حرقة قلبه التي ازدادت بعد موافقتها.
*****
بعد قليل، دخل «روكان» وهو يطوق خصر «لينا» التي ابتسمت له بكل هدوء خبيث، وعيناها تلتمعان بشكلٍ مغري. ظلت تنظر إليه طويلاً بملامح مرتخية واهنة، قبل أن تهمس برقة معذبة:
- قبل أي حاجة، لازم أتكلم معاك شوية.
ابتسم وهو يقربها منه أكثر ليقول بصوت خافت أجش:
- قولي يا لينا، أنا سامعك.
تنهدت بحرارة قبل أن تسأله بشك:
- هو إنت فعلًا إنت إللي بعت الراجل عشان يقتلني في مصر؟؟..
اتسعت ابتسامته وهو يجيبها:
- كنت عارف إنك هتسألي السؤال ده، تفتكري إني ممكن أضحي بعميلة زيك، وبجمال زي ده؟!.. أبقى مغفل يا بيبي.
ضحكت بخفة وهي تضع يده على صدره ثم قالت بصوتٍ ناعم:
- مش يمكن تعمدت تعمل ده، لما هربت ونزلت مصر؟؟..
صمت قليلًا قبل أن يقول بجدية:
- لينا، إللي عاوز يأذيكي هما عايشين معاكي في نفس المكان، ده غير متنسيش إنتي أهم عميلة عندنا، فأكيد العصابات التانية خايفين على مصالحهم من قوتك، فنفسهم يخلصوا منك، ولما إنتي بتلحقي نفسك بيحاولوا يوقعوا بينا، أظن إنتي جربتي ده قبل كده، مش كده؟!..
برقت عينا «لينا» وهي تستقيم قليلاً لتقول بشك:
- هو قالي الكينج عاوز ده، ومفيش كينج غيرك يا روكان.
قربها إليه بشدة وهو يقول مؤكدًا:
- أنتي عارفة كلمتي يا لينا، لو عاوز أقتلك، مش هتبقى بالطريقة دي، هتبقى أشرس وأظن إنتي متأكدة من ده، كفاية كلام.
قال كلمته الأخيرة وهو ينحني كي يقبلها، ولكن وضعت أصابعها على شفتيه مبتسمة له بنعومة قائلة:
- مش لازم نشرب الأول، ولا إيه يا روكان؟!..
هتفت باسمه بطريقة مغرية وهي تسبل جفنيها، فأومأ برأسه وهو يرخي قبضة يده على خصرها. تنفست «لينا» بعمق، وهي تتحرك نحو الطاولة الصغيرة، التي بها زجاجة من الخمر، وكأسين. نظرت من طرف عينيها نحوه لتجده يقوم بفك أزرار قميصه، فبخفة يد أخرجت زجاجة صغيرة جدًا.. سريعة المفعول، وسكبتها بداخل الكأس، ثم أخفتها جيدًا، ثم فتحت زجاجة الخمر وسكبتها بداخل الكأسين. شهقت بصدمة حينما شعرت يطوق خصرها من جديد، فحاولت الإبتسام وهي تمد بيده بالكأس الخاص به هاتفة بدلال:
- تؤتؤ، نشرب الأول.
زاد حماسه وهو يبتسم لها بجاذبية، لتشعر بنفور من اقترابه منها بتلك الطريقة، وما أن تجرع المشروب، حتى قربها إليه وهي تحاول عدم التجاوب معه، بدأ يحرك يديه بجرأة على جسدها، ويقبل عنقها، تجعلها تقشعر ويصيبها النفور أكثر والإشمئزاز. وقبل أن يقبل شفتيها، تراجعت للخلف وهي تهمس له بهمسٍ مغري:
- استنى الأول أغير هدومي.
بلع ريقه بصعوبة لتتحرك بخطى ثابتة نحو المرحاض، ما أن أغلقت الباب حتى أصابها الغثيان، اندفعت بجسدها تتقيء بعنف، دوار عنيف هاجم رأسها وهي تحاول التغلب على حالتها. أخرجت كل ما في جوفها، ثم أسندت جسدها على الحائط بإجهاد، لم تشعر بدموعها الحارقة التي انهمرت بغزارة، ولا بالوقت الذي مر.
*****
في مصر، ركضت «دينا» نحو هاتفها الذي يصاحبه رنينٍ صاخب، تناولته من على الأريكة تنظر لاسم المتصل بضيق لتتبدل نظراتها على الفور إلى سعيدة وهي تبتسم ببهجة. ضغطت على زر الرد وهي تضعه على أذنها هاتفة بعشق:
- «أدهم».
سمعت رده من على الجهة الأخرى قائلًا بلهجة يملؤها السعادة:
- عيون أدهم، وقلب أدهم كله، إيه أخبارك؟!..
جلست على الأريكة وهي تجيبه:
- تمام الحمدلله، وأنت طمني عليك وعلى الشغل؟؟..
ترك القلم وهو يتنهد مجيبًا بهدوء:
- الشغل تمام يا حبيبتي، خلاص هانت، قريب هفتح الفرع الجديد، وإللي طبعًا أخوكي شريك فيه معايا، وبالنسبة إيه أخباري، فأنا تمام.
صمت لحظةٍ قبل أن يقول بابتسامة جادة.. شغوفة:
- عندي ليكي خبر حلو.
هتفت «دينا» بلهفة:
- إيه، إيه قولي يا أدهم بسرعة؟..
- وصلتي ليا أخبار بأن أخوكي هيرجع قريب خلاص، هيكون انتهى من العملية دي نبدأ حياتنا بقى.
انتفضت «دينا» من مكانها وهي تصرخ بسعادة:
- الله إنت بتتكلم بجد؟؟.. يا فرحة عمري أخيرًا، ده كدا فرحتين، مراد هيرجع، وإحنا هنتجوز.
قال «أدهم» بغيظ مكتوم:
- الله يسامحه، بسبب العملية جوزانا اتأجل أكتر من مرة، والله لو حصل إيه المرة الجاية لأخطفك وأتجوزك يا دينا.
اتسعت ابتسامتها وهي تقول بخجل:
- لأ إن شاء الله مش هيحل حاجة، المهم أن خلاص يا أدهم، هانت يا حبيبي.
- معاكي حق، هانت.
*****
في صباح يوم التالي، اغتسلت «لينا» أكثر من مرة وهي لا تزال تشعر بقبلاته على عنقها. خرجت من المرحاض لتجده مازال غائصًا في النوم، زفرت بارتياح قبل أن تبثق عليه بكل غل. أبعدت خصلات شعرها عن وجهها وهي تتحرك بخطى سريعة نحو الباب لتخرج من غرفته.
حاولت أن تتماسك وأن لا تبكي مرة أخرى، ركضت نحو غرفتها حتى وصلت إليها وما أن دخلت وأغلقت باب غرفتها، وجدت فجأة من يلثم فمها ويشل حركتها كليًا لتصرخ بصوتٍ مكتوم، تلوت بانفعال لتتصلب في مكانها بخوفٍ وهي تستمع إلى صوت «مراد» القائل بلهجة قاسية مخيفة.. مخيفة جدًا:
- نمتي معاه يا لينا، نمتي معـاه؟!.. طلع بمزاجك يعني، أنا النهاردة مش هسيبك، يا هاخد إللي أنا عايزهُ منك يا هقتلك.
رواية أتحداك أنا الفصل التاسع 9 - بقلم أميرة مدحت
عندما يدفعوك الناس إلى أن تكون شخص آخر، هنـا تكون أصعب معركة في حيـاة الإنسان.
تلوت بإنفعالٍ أشد وهي تشعر بالخطر حولهـا، تشكل أمام عينهـا مصيرًا مؤسفًا سيلحق بهـا، بعنف شديد ضربت بمرفقهـا لتصيب جوف معدتـه، فـ صاح متألمًا وهو يدفعهـا بعيدًا عنه:
-آآه، بقى كدا؟!.. إنتي إللي جبتيـه لنفسك.
تصلبت ساقيهـا بمحلهـا وهي تنظر له بعيون واسعة هاتفـة بصدمة:
-أعقل يا مراد، أنت مش فاهم حاجـة.
ضغط على زر الإضاءة، ليراهـا تناظره بعينين جامدتين.. مصدومتين، في حين نظراته الحانقة ملأت حدقتيه وتشعب غضبه في عروقه فأستقام في وقفته مشدودًا متأهبًا للتشابك معها إن تفوهت بكلمة قد تنزع فتيل غضبه، تقدم منها وهو يقول بصوتٍ خطير:
-لوهلة صدقتك، وقولت إنك مانعة حد يلمسك، لكن تبقي بالرخص ده، فأنا لا يمكن أقبل بده أبدًا.
طالعته «لينا» بنظرات صارمة قبل أن تسأله بتشنج:
-وإنت مالك أنت؟!.. مين أنت عشان تحاسبني، إنت ملكش حكم عليا، أعرف حدودك كويس، إنت عارف إن محدش يقدر يقرب مني ولا يأذيني.
صاح بها صارخًا بانفعال وقد استشاطت نظراته وبرزت عروقه الملتهبة:
-وإنتي فاكرة إني هسيبك كدا؟؟.. إنتي طلعتيلي منين؟؟.. من ساعة ما عرفتك وحاجات كتير أتغيرت، أنا مش هسيبك إلا لما أخد إللي أنا عايزه.
ردت بهدوءٍ مستفز يشعل الأجساد حنقًا:
-وإيه إللي إنت عايزهُ؟!.. إنت عارف إني مش بخـاف.
صاح «مراد» بها بتهكم:
-لا يا روحي أطمني، المرة دي هتخافي.
تقدم نحوها بخطوات سريعة كالفهد، فـ بلعت ريقها بصعوبة لتبدأ تستعد بوضعية الهجوم وهي تقول:
-مراد، أعقل يا مراد.
لم يجيبهـا، بل وقبل أن يقبض على ذراعهـا، أمسكت يده بقبضتهـا القوية، لتبدأ معركة بينهمـا، في البداية بدأت تنتصر عليه حينما سددت له الكثير من اللكمات وهي تقول بصوت غاضب مكتوم:
-خلينا نوقف المهزلة دي، ونتكلم يا مراد.
دفع جسدهـا بقوة لينقلب الوضع، ويبدأ هو يكيل لهـا اللكمات وهو يصرخ بغضبـــه الجامح:
-المرة دي مسبتليش إختيار يا لينا.
وكأنهم كانا في معركة من الملاكمـة، حاولت الإنتصار عليه، لكن قوة بنيتـه وعضلاتــه البارزة بوضوح جعلتهـا في النهاية تشعر أنها ستهزم أمامه، شعرت أنها ستصيب بالجنون، لذلك صرخت فيــــه بعصبية وهي تبتعد عنــه بخطواتٍ سريعة:
-حتى لو هزمتني يا مراد، مش هتلمس مني شعرة، حتى لو هموت فيهـا، أنا محدش يلوي دراعي أبدًا مهما كان مين.
تجمدت نظراته على وجههـا، وقف «مراد» قبالتها ليطالعها بنظرات قوية حادة مليئة بالهيبة المخيفة، زفر معقبًا ببطءٍ ومتعمدًا الضغط على كل كلمة يتلفظ بها:
-تمام، إسمعي يا بنت الصاوي، أنا مكنش هقربلك من البداية، لكن حبيت أثبتلك أن جبروتك ده حتى أنا أقدر أقفله، وبعدين واحدة زيك لا يمكن حتى أبص في وشهـا من النهاردة.
ضغط على جرحهـا الغائر بقوةٍ، فـ أستقامت واقفة محاولة أن تظل ثابتة وتخبئ الآلآمهـا لذاتهـا، إبتسمت بهدوء قبل أن تتمتم:
-تمام يا مراد، حقك، بس ياريت من النهاردة ملكش دعوة بيا، ياريت يعني.
برزت أسنان «مراد» من خلف ابتسامته المتغطرسة وهو يؤكد لها بثقة تامة:
-أطمني يا.. يا لينــا.
ظلت واقفة في مكانهـا كالصنم حتى أولى لها ظهره ثم خرج من الغرفـة صافعًا بابهــا بقوة، أنتفض قلبهــا ألمًا، فوضعت يدها على صدرها مكانه وهي تحاول أن لا تبكي، أغمضت عينيهـــا بقوةٍ تكاد أن تعتصرهمـا، شعرت أنها ستموت إن لم تصرخ، لذلك قبضت على وسادتهــا ثم خبأت وجههـا بهــــا تصرخ بقوة جبـارة، صرخت وصرخت حتى وجدت نفسهـا تنفجر في بكاءً حارًا.
لم تشعر بدخول «آريان» الغرفة بعدما طرق على الباب أكثر من مرة، وهو يقف في الخارج يستمع إلى صوت بكائهــا، دنى منهــا يقبض على وسادتها ليلقيهــا بعيدًا وهو يقول بصدمة:
-إيه يا لينا، إيه إللي إنتي عملاه في نفسك ده؟!.. مالك؟!..
رفعت عينيهـا الحمراوتين دون أن تنطق، جلس على ركبتيه أمامهـا وهو يسألها بإهتمام:
-مراد عملك حاجة؟!.. أنا لسه شايفه خارج من أوضتك؟؟..
صمت طويل دام وهي تمسح دموعهـا بظهر يدهـا قبل أن تقول أخيرًا بصوتٍ ميت:
-أنا شكلي حبيت مراد يا آريان.
أتسعت عينـاه وهو يهب واقفًا هادرًا فيهـا بصدمة:
-إيـــه؟!.. إنتي أتجننتي؟!..
نظرت له «لينا» وهي تبلع ريقهـا بتعب ثم قالت:
-أنا مش متأكدة من مشاعري يا آريان، بس أنا حاسة إني هضيع على إيديه هو، يمكن حسيت بمشاعري دي لما عرفت أنه ظابط.
مسح على شعره بقوة قبل أن يهدر بحنق:
-ولو بردو، إنتي ليه بتعملي في نفسك كدا؟!.. إنتي بتضيعي نفسك؟!.. بتقربي دايمًا الخطر ليكي ليـــه؟!..
أخفضت «لينا» رأسها وهي تقول بصوت بارد:
-كدا كدا أنا ميتة يا آريان، إنت لسه فاكر؟!..
*****
نصف ساعة، وكان الجميع اجتمع في الأسفل، دخلت الخادمـة وهي تحمل صينية كبيرة بها المشروبات، ناولت كل فرد مشروبه الخاص، ثم غادرت من المكان بكل هدوء، أعتدل «روكان» في جلستــه وهو يضع ساقه فوق الأخرى، ثم رفع رأسه ليخاطبهم بهدوءٍ رزين:
-أنا دلوقتي قدامي أكفئ تلاتة هيقوموا بالمهمة دي، والمهمة دي لازم تنجح، لأنها هتعوض الخسارة إللي خسرناها في الشحنة إللي فاتت، ده غير هيحصل نقلة كبيرة لو تم الموضوع زي ما أنا ما خطط.
أومئ كل منهم رأسـه، ليتابــع بصوتٍ جاد:
-الشحنة كبيرة، شحنة فيهـا مخدرات وأدوية منتهية الصلاحية، كلهـا هتدخل مصر، بس مش عن طريق شركة مراد بس، لأ في شركة تانية «لينـا» تعرف صاحبهـا كويس، هي اللي هتتعامل معاه.
تسائلت «لينا» وهي ترفع حاجبهـا للأعلى:
-وليه مش من عند شركة مراد بس.
تنهد «روكان» ليجيبهـا بتركيز:
-لأن أنا عايز للشحنة دي بذات مساحة كبيرة من الحماية، فـ هتتقسم عليكم أنتوا الأتنين، وإنتي يا لينا هتابعي مع آريان.
سكت لحظةٍ قبل أن يقول بصوتٍ قوي:
-إحنا في مركب واحدة، الخيانة من فرد واحد هتغرق المركب بكل إللي فيهـا، عاوزكم تستعدوا العملية بعد أسبوع من دلوقتـي.
*****
دخلت «لينا» غرفتهــا ثم أغلقت الباب بالمفتاح مؤقتًا ريثما تنتهي من مهمتهـا، تحركت نحو الفراش لتخرج هاتفهـا من تحت وسادتهـا، عبثت فيه قليلًا ثم وضعته على أذنها تنتظر الرد، ما أن فتح الخط حتى قالت بجدية:
-أيوة يا فندم، العملية هتم بعد أسبوع، هتدخل عن طريق شركة «مراد الحسيني»، وشركة تانية صاحبهـا أسمه «عماد الجازوي».
أغمضت عينيهـا للحظاتٍ وهي تقول:
-أنا حياتي في خطر هنا، لازم يوم العملية يحصل التنفيذ بإني أخرج من هنا.
أتاها صوت الطرف الثاني قائلًا:
-أطمني يا لينا، أنتي في أمان هناك، في عيون كتير حواليكي، وخلاص المهمة قربت تنتهي.
صمتت قليلًا قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف:
-تمام.
*****
بعد مرور عدة أيام، وقبل العملية بيومٍ واحد فقط، قررت «لينا» أن تتحدث مع «مراد»، يجب أن تتحدث معه حتى لو أعلمتـه الحقائق، صعدت على الدرج ولكن توقفت في المنتصف، حينما وجدته يهبط وهو يضع يديه بداخل جيوب بنطاله، محاولاً أن لا يلقي النظرة عليهـا، أوقفتـه «لينا» قبل أن يمر من جانبهـا هاتفة بصوتٍ قوي رغم الإرتجافة البسيطة التي تشعر بها:
-مراد، إستنى، لازم نتكلم.
رمقهـا بنظرة مظلمة وهو يقول بصوته العميق:
-معدش في كلام تاني، أنا قرفان أبص في وشك، وشوش إللي بتمثل دي بكرها، وإنتي تستاهلي جايزة أوسكار فتمثيلك.
وقبل أن يتحرك قبضت على ذراعه وهي تقول بحنق:
-مش هتمشي يا مراد إلا لما نتكلم.
هدر بها بغضب وهو ينفض يده بعيدًا عنها قائلًا:
-وأنا مش عاوز أكلمك، هو بالعافية.
وقبل أن يتركهـا هتفت بإسمه وهي تحاول أن تسبق خطواته السريعة من على الدرج ولكن ألتوت قدمهـا لتشهق حينما وقعت فوق درجات الدرج، ولكن حاولت التمسك بسور الدرج كي لا تقع وقعة عنيفة، أرتمت على أقرب درجة عريضة تسمع صوت صراخ «مراد» الفزع بإسمهـا.
أصابهــا الدوار وهي تتأوه بألم، شعرت به يمرر ذراعيه على جسدها يحملهــا بخوف، تحرك بهــا نحو الأريكة يمدد جسدهـا عليهـا، جلس على ركبتيـه أمامهـا وهو يسألها بقلق:
-لينا، أنتي سمعاني، لينا مركزة مع صوتي؟!..
فتحت جفنيهـا بوهن دون أن تتكلم، ليتابع وهو يصيح بقلق:
-حاسة بوجع فين؟؟.. لينا أنطقي متفضليش ساكتة كدا.
-إنت إللي واجعني يا مراد.
صمت «مراد» دون أن يتحدث، حاولت أن تعتدل في جلستهـا وهي تضيف بتعب:
-إنت متعرفش حاجة عني، بتعاملني كأنك تعرف عني كل حاجة، لكن الحقيقة لأ.
تنهد «مراد» بحرارة وهو يقول بسخرية ألم:
-لو كنا أتقابلنا في ظروف تانية، كنت خدتك وأتجوزتك، كنت قدرت أعترفلك بحبي ليكي، بس بعد إللي حصل فهمت إني لا يمكن أفضل أحبك مهما حصل.
رفعت حاجبيهـا للأعلى وهي تسأله بتهكم:
-إيه يا مراد، مش المفروض إن طريقنـا واحد؟!..
لم يهتز بل أتسعت إبتسامتــه وهو يقول بغموض:
-بكرا هتعرفي كل حاجة.
-وإنت كمان بكرا يا مراد هتعرف عني كل حاجة، قبل العملية هنتكلم، هقولك أنا مين، ومش هندم أبدًا إني هقولك أنا مين.
هب واقفًا وهو يقول بجمودٍ:
-إللي بينا أنتهى يا لينا.
ثم غادر من المكان بأكملــه تاركًا إياها في حالة من الألم، مسحت على وجهها بتعب وهي تتأوه بوهنٍ، من المؤكد سقوطها سبب لهـا بعض من الكدمات، دخل «آريان» القصر ليجدهـا جالسة، فتحرك نحوها وهو يسألها بإهتمام:
-جاهزة لعملية بكرا يا لينا؟!..
أومأت برأسهـا إيجابيًا وهي تقول:
-أيوة يا آريان، وهقول لمراد على كل حاجة.
عقد ما بين حاجبيه وهو يسألهـا بريبة:
-قصدك إيه؟!.. هقوليله إنك آآ..
قاطعتـــه بإشارة من يدهـا وبصوتها القوي العميق:
-أيوة يا آريان، هقوله إني مش وحشة، هقوله إني صحيح بنت أكبر تاجر مخدرات، لكن أشتغلت مع البوليس لما هربت من هنا ونزلت على مصر.
رواية أتحداك أنا الفصل العاشر 10 - بقلم أميرة مدحت
كان عليك أن تُزيل أحزاني، لا أن تصنعها.
ظنت أن ذلك اليوم، هو بداية حياة هادئة مستقرة سعيدة، لا تعلم بأن الحياة تتبع مبدأ توقع الغير المتوقع، لا تعلم أن الحزن والألم ينتظرانها، وما سيحدث لها ما أن تنتهي تلك العملية. جلست «لينا» مع «آريان» في غرفتها بعدما أغلقت الباب بالمفتاح مؤقتًا، تنهدت بحرارة وهي تقول بجدية:
- آريان، طبعًا أنا هنزل مصر كمان شوية مع مراد، وإنت إللي هتكون هنا، أول ما العملية التسليم هتبدأ، هيتم القبض على داود وروكان.
عقد ما بين حاجبيه وهو يسألها بإهتمام:
- يعني خلاص هما أتواصلوا مع الأنتربول؟!
أومأت برأسها إيجابيًا وهي تقول بصوتٍ جاد:
- أيوه، لما لاقوا إننا حاولنا ننزلهم مصر لأي سبب ومفيش فايدة، قرروا ده، لأن أي تصرف مننا مش مقنع هيخليهم يشكوا، عشان كدا حصل تواصل مع الأنتربول وهيساعدونا في عملية تحويلهم لمصر.
هز رأسه بصمت ينتابه القلق من القادم. تساءلت «لينا» فجأة بصوتٍ شارد:
- تفتكر هنعرف نبدأ حياة جديدة؟!
زفر «آريان» زفيرًا حارًا وهو يتمتم:
- مش عارف، إحنا غلطنا كتير يا لينا، غلطات ورثناها من أهالينا، إنتي شجعتيني إننا نبدأ حياة نضيفة، بعد ما كنتي أتعودتي على شغلنا وحياتنا.
ابتسمت بألم وهي تهمس:
- لما أبويا قتل أمي، وقتها فوقت، فوقت من إللي كنت أنا فيه، موت أمي كسرني بس فوقتني يا آريان.
سألها بوجهٍ جامد الملامح:
- ومراد، ناوية بردو تقوليله؟!
ردت عليه بحذرٍ وقد ظهر الارتباك في نبرتها:
- آه طبعًا، على الأقل يعرف إني كويسة، مش وحشة زي ما هو شايفني، هو شايفني دلوقتي شيطانة، وأنا مش كدا.
بدا صوته عميقًا وهو يسألها بنفس الجدية:
- تفتكري لما تقوليله كل حاجة هترجع زي ما هي؟! أحب أقولك يا لينا قصتك إنتي ومراد مش هتبقى بالسهولة إللي إنتي متخيلاها، في عواقب كتير هتقف قدامكم.
ابتلعت ريقها قائلة بنظرات متوترة ووجه قد شحبت حمرته قليلاً:
- زي إيه؟!
التوى ثغره للجانب معلقًا:
- مش هقدر أقولك، هتعرفي لوحدك.
اشتدت نبرته قوة وهو يخاطبها بهدوء:
- لينا، عاوزك تفضلي متأكدة إنك لو في يوم من الأيام أحتجتيني هتلاقيني، آه إحنا لازم نختفي بعد العملية ومنتقابلش مؤقتًا، عشان الأمان، لكن يوم ما أعرف إنك عاوزاني هتلاقيني جنبك على طول.
لتهتف هي بصوت مخنوق:
- تقريبًا إنت الحاجة الوحيدة إللي طلعت بيها من حياتي في المكان ده.
سكت ولم يرد، فأكملت هي مغلقة الموضوع:
- أنا هقوم أستعد يا آريان، لازم أكون في المطار بعد ساعة.
نهض من مكانه بكل هدوء، ثم توجه نحو باب الغرفة يفتحه. ألتفت لها برأسه وهو يهتف لها بإبتسامة صغيرة:
- خدي بالك من نفسك.
حركت رأسها بالإيجاب وهي تبادله إبتسامة صغيرة حزينة، فهذا آخر لقاء بينهما. لمعت عيناها بالدموع وهي تراه يخرج، لتسحب نفسًا عميقًا تزفره بحرقة واضحة، همست بخفوت حازم محاولة أن تبث الطمأنينة بداخلها:
- هـانت.
***
كان جالسًا بداخل غرفتهُ ومازال يفكر بها. تمطى بعنقهُ للجانبين في نظرات تحمل الضيق، وهبّ واقفًا ونزع قميصهُ عنهُ وأرتدى قفازات اليدين الخاصّة بمُلاكمة، وتوجه نحو غُرفته الرياضية قاصدًا نحو وسادة مُلاكمة ضخمة تنسدل بحبل من السقف، وبدأ يسدد ضربات قوية وهو يهتف بغضب مكبوت:
- ليـه؟! .. ليـه يا لينا؟!.. ليـــــــــه؟!..
بعد دقائق ليست بقليلة.. توقف «مراد» عن سد اللكمات، وأصبح وجهه يتصبب عرقًا غزيرًا من فرط المجهود. تحرك نحو خارج الغُرفة الرياضية متوجهًا نحو غُرفة نومه ليجلس على الأريكة وهو يمسح على شعرهُ الغزير. أظلمت عيناهُ بوميض قاسٍ وهو يتمتم:
- أنا آسف يا لينا، إنتي إللي أضطرتيني أعمل كدا.
***
هبطت «لينا» إلى الأسفل بخطوات ثابتة واثقة، ضيقت عينيها وهي ترفع حاجبها للأعلى بتهكم. وصلت إلى الأسفل وهي ترى والدها يتقدم نحوها بغروره العالي الذي يكاد أن يحطم السقف. وقف قبالتها وهو يتمتم بإبتسامة ماكرة:
- تعرفي طول عمري كنت بتمنى أجيب ولد، عشان يقول بكل الشغل إللي بتقومي بيه، لكن محصلش نصيب وجيتي إنتي، بس بصراحة مفيش زيك، بقيتي أهم عميلة عندنا، حقيقي بحيكي.
أتسعت ابتسامتها وهي تجيبه بثقة:
- تربيتك، وكل إللي إنت زرعته جوايا يا داود باشا هيطلع عليك ماتقلقش، بس لسه مجاش الوقت، لكن بأكدلك أنه خلاص، قرب.
ارتفع حاجبه للأعلى متسائلًا بوجه مشتعل:
- قصدك يا بنت ناريمان؟!
تنفست «لينا» بعمق لتحافظ على ذلك الهدوء الحذر الذي يعتري ملامحها قبل أن تتابع بنبرة غير مبالية:
- ولا حاجة، متشغلش دماغك غير بشحنة النهاردة.
أطلت شرارات الحنق من عيني «داود» ثم عقب باستنكارٍ وقد بدا غير مقتنع بأي حرف مما تمليه على مسامعه وقد قبض على يدها بقوة:
- يعني إيه مشغلش دماغي، إنتي بتكلمي أبوكي لو مش واخدة بالك.
ارتفعت نبرتها نسبيًا معلقة وهي تجذب يدها بقوة لتتحرر من قبضته:
- إنت مش أبويا، وأنا معرفكش غير داود باشا، أكبر تاجر مخدرات، وقاتل أمي.
أومأ مضيفًا باقتضابٍ واثق:
- إذا كنتي شيفاني بالصورة دي، فـ مفيش مشكلة، بس خافي مني يا لينا، خافي.
تحولت نظراتها للقسوة وهي تقول:
- للأسف مش بعرف أخاف، وأظن إنت عارف ده كويس، على العموم أستنى روكان هنا، لأنه هيستقبلك بنفسه عشان تتناقشوا في كام حاجة.
- لينا، يالا عشان نتحرك.
قالهــا «مراد» وقد تحولت ملامحه للجمود والتحجر. ألتفتت له «لينا» قبل أن تتوجه نحوه. هزت رأسها بإيماءية خفيفة، ليتحركا معًا نحو خارج القصر، تاركين خلفهم عينين قاسيتين تتابع خروجهما بغضب جامح.
***
وهناك أن وصل كل من «مراد» و«لينا» إلى مصر، كانت الساعة الثانية بعد مُنتصف الليل. وقفا معًا ينتظران الشحنة أن تمر وأن تلتقي «لينا» بـ«عماد»، حتى تعطيه حقيبة بها المال الخاص به، ويطمئن كل منهما على وصول الشحنة. تحرك أمام ناظريها ثلاث سيارات تقترب منها ومن «مراد» الذي أستقام في وقفته أكثر وهو يستعد لتلك المقابلة.
رحب «عماد» بـ«مراد» وهو يمد يده يصافحه بجدية:
- كان نفسي أقابلك يا مراد، سمعت عنك كتير، وحقيقي مبهور بشغلك.
ابتسم له «مراد» بتهكم وهو يؤكد له:
- لا ولسه هتنبهر أكتر.
لم يفهم «عماد» مغزى كلماته، ولكن لم يبالي وأتجهت أنظاره إلى «لينا» التي صافحته بكل جدية وهي تعرفه على نفسها، ليقول سريعًا:
- أعرفك طبعًا، هو في حد ميعرفش لينا الصاوي؟!
تعالى رنين هاتف «عماد» فجأة، فـ جلبه أحد رجاله ثم عاد إلى مكانه. رد «عماد» على المتصل وهو يقول بلهفة:
- أيوه، ها الشحنة وصلت؟!
أتسعت عيناهُ بصدمة، وهو يهدر بذهول:
- إزاي؟! إزاي البوليس جه؟! ما تنطق؟!
صمت قليلًا قبل أن يلقي هاتفهُ على الأرضية الرملية، وهو يهدر بجنون:
- روحت في داهية، روحت في داهية، ده الكينج هيقتلني فيها.
نظر لـ«مراد» وقبل أن يتحدث وجده يخرج سلاحهُ المندس في قميصهُ. ابتسم له ببرودٍ قاتل وهو يقول:
- قبل ما الكينج يقتلك، إنت مقبوض عليك يا عماد، ومش لوحدك...
نظر في إتجاه «لينا» وهو يتابع بقسوة:
- إنت ولينا الصاوي.
بلعت «لينا» ريقها بصعوبة وهي تتنفس بعمق. ألتفتت لرجال «عماد» لتجدهم يخرجون أسلحتهم ويصوبونها نحو «مراد». بنفس اللحظة وصلت سيارات الشرطة التي تلقت إشارة من «مراد» ومن «لينا».
بدأت تنتشر الطلقات النارية في المكان. تنحت «لينا» جانبًا قبل أن تشهر سلاحها في أحد الأماكن، ثم أطلقت طلقة نارية أُصيبت رأس أحد رجال «عماد». أنتشرت الطلقات النارية في المكان وتحول الوضع إلى شيء مأساوي، فقد قُتل الكثير من رجال «عماد» ورجال الشرطة. كادت أن تُصيبها إحدى الطلقات ولكن تفادتهـا بمعجزة. حركت «لينا» رأسها لترى أحد رجال «عماد» قريبًا من أحد رجال الشرطة، وقبل أن يقتله، صوبت سلاحها نحوه وقتلته كي تحمي الرجل الشرطي.
ولكن في نفس الحظة التي أطلقت النار على أحد رجال «عماد»، هي نفس الحظة التي أطلق ذات الشخص على الرجل الشرطي، فوقع كل منهما على الأرض قتيلًا. زفرت «لينا» بإختناق وهي تهمس:
- ملحقتكش.
شعرت بمن يقف خلفها، فألتفتت على حين غرة، لتجده يسحب منها السلاح بقوة، وهو يحدق في عينيها مباشرةً بطريقة غريبة.. قاسية. تصنمت في مكانها وهي تنظر له بصدمة، فوجدته يتراجع للخلف وقد رفع سلاحه نحوها بثبات. ضيقت حاجبيها وهي تسأله:
- يعني تطلع ظابط، وجاي تقتلني دلوقتي؟!
أجابها «مراد» بلهجة قوية تليق به:
- أيوه، وعندي أوامر بقتلك، ولازم أنفذها.
أرتعشت شفتيها وهي تقول:
- هتقتلني بجد يا مراد؟!
هدر بها بغضب شرس:
- أخرسي، مش عاوز أسمع صوتك، إنتي تستحقي الموت وأكتر، لسه قاتلة الظابط قدام عيني وعايزاني أسيبك.
هزت رأسها نفيًا وهي تقول بعصبية:
- لأ، أنت مش فاهم حاجة.
هتف بقسوة:
- اللي أعرفه إني لازم أخلص البشرية من شيطانة على هيئة إنسانة.
نظرت له بثبات غريب وهي تواجه بسؤال ألجمه:
- وبنسبة كلمة بحبك اللي قولتها إمبارح؟؟
أجابها بسخرية قبل أن يقول بإبتسامة تهكم:
- أحب مين، أحب واحدة أبوها راجل مخدرات، ولا واحدة كل شوية ألاقي راجل داخل أوضتها وينام معاها؟!
أرتسمت تعبيرات الوجع لأول مرة على وجهها وهي تقول:
- أنت عارف أنت بتقول إيه؟ أنت بتهد كل حاجة.
عادت ملامحه إلى الجمود محاولًا وقف نبضات قلبه المتزايدة ألمًا، رفع ذقنه قليلًا قبل أن يقول بهدوءٍ قاس:
- معدش في حاجة تتقال، اللي بينا انتهى وبموتك.
أغمض عيناه للحظة قبل أن يهمس لها بألم خفي:
- أنا آسف.
لحظةٍ واحدة وكانت أنطلقت رصاصة نحوها، شهقت بخفوت وهي تتراجع للخلف خطوة واحدة. هبطت دموعها لأول مرة أمامه وهي تنظر له ثم إلى قميصها الذي بدأ ببقعة من الدماء وتزداد بغزارة. وضعت يدها على الجرح وهي ترتجف قبل أن تقع على ركبتيها وهي تنظر له بعينين حمراوين قبل أن تهمس له:
- هتندم.
أغمض «مراد» عينيه بقوة يكاد أن يعتصرهما، وذلك الألم الحارق يضرب قلبه، روحه تشتعل ألمًا وغضبًا على ما وصلا إليه، في حين بدأت تشعر أن العالم يدور من حولها، وأنها تقع بداخل بئر عميق مُظلم، ولأول مرة تستسلم له بسلام، فاقدة الوعي والشعور بالحياة.