تحميل رواية «أتحداك أنا» PDF
بقلم أميرة مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ذلك بستة أشهر، كان يسير بسيارته على سرعة هادئة. تنفس بعمق وهو يضيق عينيه بتفكير في أمر ما. ارتسمت ابتسامة قاسية غريبة على وجهه وهو يصف سيارته بقرب من البناية التي يقطن فيها مؤقتاً. ترجل عن سيارته ثم سار بخطى هادئة، ولكن أوقفه صوت همهمة يأتي من خلف سيارته. وضع يديه داخل جيب بنطاله وهو يتراجع قليلاً، ثم التفت برأسه وقد اقترب من ذلك الصوت. عقد ما بين حاجبيه بتوجس عندما وجد شيئاً متكوماً على الرصيف، ليجد أنه ما هو إلا جسد بشري متكوم على نفسه. هتف بصوت حاد متسائلاً: "إنت مين؟" انتظر أن يرفع وجهه...
رواية أتحداك أنا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أميرة مدحت
تابعه بعينين مظلمتين حتى وجد جسدها يتراخى وتفقد وعيها ببطء، هنا لمعت عيناه بضعف مفاجئ، وهو يشعر وكأن أحدهم يعتصر قلبه بعنف، نكس رأسه وهو يسحب نفسًا عميقًا قبل أن يستدير حتى يبتعد عنها تمامًا، حتى لا يزداد ألمه.
لكن سرعان ما التفت في شيء من الريبة وهو يرى صراخ بعض من الضباط يقولون:
- الإسعاف بسرعة، لينا أصابت.
بلع ريقه بذعر وهو يشعر بنبضات قلبه تتزايد، وجد زميل له يدنو منه قبل أن يدفعه بعنف هادرًا فيه:
- إنت اتجننت، إزاي تضربها بالنار؟
أظلمت عيني "مراد" وتوحشت ملامحه بطريقة مخيفة وهو يهدر:
- دي لسه قاتلة ظابط قدامي، وآآ...
أجابه هادرًا:
- هو إنت اتعميت ولا الغضب مالي قلبك من ناحيتها، دي ضربت المجرم اللي وراه، ولو إنت ركزت من البداية هتلاقيها كانت بتحارب رجالة عماد.
علق عليه محذرًا بجمود ليحثه على الاعتراف بما يخفيه:
- يعني إيه الكلام ده؟
رفع صوته المتعصب:
- يعني لينا الصاوي معانا في العملية دي من البداية، وزي ما إنت كنت بتجيبلنا المعلومات، هي كمان كانت بتجيب معلومات عن كل شخص هنا، عرفت بقى إنت هببت إيه؟
هدر "يامن" متسائلاً وهو لا يزال غارقًا في صدمته:
- إنت بتقول إيه؟
- زي ما سمعت كدا يا مراد، لينا كانت معانا في العملية دي.
عقله لا يستجيب لأي مؤثر خارجي، لا يسمع صوته الصارخ، هو فقط يعيش صدمته وآلمه المبرحة بتروٍ، ثم فجأة اشتعلت عيناه وتأججت النيران فيهما وهو يصرخ مجددًا وكأنه استوعب الأمر للتو، متجهًا إليه بسرعة هادرًا فيه بغضب جامح:
- وإزاي معرفش أنا الكلام ده؟ إزاي متبلغونيش، إزااااااي؟
أفتر عن وجهه بسمة ساخرة، فرد عليه بوجه متجهم:
- إنت عارف كويس إن الشغل يبقى كدا، وأن المعلومات اللي بتوصلك بتبقى جزء من اللي وصلهم، الأوامر كانت كدا يا مراد باشا.
اتسعت عيناه وقد تجمد محدقًا في الفراغ، ليهمس مبهوتًا بعد برهة بذهول عظيم:
- يعني أنا نهيت كل حاجة بإيدي!
وجه أنظاره المصدومة نحو "لينا"، ليركض في اتجاهها غير مستوعبًا الكابوس الذي يحياه، وجد اثنين من المسعفين يحملان جسدها على ناقلة طبية، فغر شفتيه قليلاً ينظر إليها بعدم تصديق لكنه أرغم نفسه قبل أن يصاب بالدوار ثم قال أخيرًا بصوت مبهوت:
- آآ... لينا، إزاي؟
منعه أحد الضباط الاقتراب من جسد "لينا" أكثر من ذلك وهو يقول بتحذير:
- مراد باشا، معانا أوامر بحراسة لينا.
صمت "مراد" وقد أظلمت عيناه على الأخير ليضيف بتمهل مرعب:
- وأنا هركب معاها عربية الإسعاف، وأظن إنت عارف مركزي كويس وأبقى مين.
أخفض الضابط رأسه قليلاً قبل أن يعود برفعها قائلًا بجدية:
- تمام يا مراد باشا، اتفضل وأنا كمان هركب العربية، لأن دي الأوامر ولازم تتنفذ.
***
وكأنها تصارع الظلام الذي يغلفها، تحاول أن تخرج من تلك الحفرة العميقة التي وقعت بداخلها دون سابق إنذار، تحارب بما بقى لديها من قوة لتخرج إلى بر الأمان، أتاه صوتُه فأخترق آذانها وهي تنساق نحو ظلماتها الحالكة، ندائه المتكرر باسمها، أعطاها بريقًا من الأمل للتمسك بالحياة رغم أنه من قام بدفعها، فتحت "لينا" عينيها للحظة ليمتزج طيفه بصوته الذي يملؤه الألم وهو يقول:
- لينا، ماتسبنيش.
عادت إلى عالمها المظلم بإستسلام تام، لمعت عيني "مراد" بالدموع الندم، وغضبه تجاه نفسه يشتعل أكثر وأكثر، توقفت سيارة الإسعاف عند مدخل استقبال المشفى، فُتح الباب الخلفي لتُسحب نقالتها الطبية بحذر، تحرك كبير الأطباء الذي أخذ على عاتقه مسئولية رعايتها حتى تتماثل كليًا للشفاء، أعطى تعليماته للطاقم الطبي التابع له بالتعامل مع حالتها بحذر تام، لحق بها "مراد" بخطوات متعجلة، ليراها يضعونها بغرفة العمليات لمباشرة حالتها الصحية، تسمرت قدماه في مكانه مستصعبًا مواجهة ما يحدث بسببه.
ساعة وأخرى وأخرى، الوقت يمر ببطء شديد وعليه أن يتحمل خوفه، من تطلع إلى وجهه لأدرك أنه منفصل ذهنيًا عما حوله، شرد "مراد" في لحظات بعينه مجسدًا طيفها في عقله، قاوم قدر استطاعته البكاء ألمًا وندمًا على من أحبها، ولكن كان للقدر رأي آخر.
انتبه إلى صوت الضابط -الذي تولى أمر حراستها- وهو يحدث الطبيب المعالج لـ"لينا"، فأدار رأسه في اتجاه الاثنين، كان الأخير قد خرج لتوه من الداخل وبدأ في نزع قفازه الطبي من كلتا يديه، تحرك نحوه بخوف وهو يحبس أنفاسه متوقعًا خبرًا سيئًا، أصغى إليه بأعصاب تحترق وهو يجيب بهدوء معتاد:
- أطمن يا باشا، إحنا خرجنا الرصاصة، والحالة بقت مستقرة.
تسلل إلى "مراد" شعور مريح أزاح الكثير من قلقه عليها، تساءل بتلهف:
- طيب هي هتفوق إمتى؟
- أول ما مفعول المخدر يروح إن شاء الله، عن إذنكم.
غادر من أمامهم، ليأتي في نفس اللحظة "أدهم"، رفيقُه الوحيد والذي ما إن تلقى اتصالًا منه بوصوله إلى مصر، وأنه في إحدى المشفيات، ترك ما لديه من الأعمال؛ كي يذهب إليه، ركض نحوه بقلق شديد وهو يقول:
- مراد، إيه اللي حصل؟ إنت كويس؟
وقف "مراد" قبالته، وعينيه المظلمتين يظهر بداخلهما بريق من الألم، ابتلع غصة مسننة في حلقه وهو يجيبه بصعوبة وبطء وقد تضاعفت أشجانه:
- النهاردة قتلت روحي بإيدي يا أدهم.
عقد "أدهم" ما بين حاجبيه وهو يسأله بقلق:
- يعني إيه؟ إنت عملت إيه؟
قهقه ثانية وهو يقرع على صدره بقوة مؤلمة:
- ضربتها بالنار، ضربتها بالنار من غير ما أسمعها، ظلمتها زي ما الكل عمل، آآ... أنا نهيت كل اللي بينا.
حاول "أدهم" أن يستوعب كلماته، ولكن دون جدوى، ازداد انعقاد حاجبيه بشدة وهو يسأله:
- إنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
اختنق صوته ليخترقه ألم مضنٍ هاتفًا بحرقة:
- مش هتفهم، محدش هيفهم، أنا غبي، غبـــــي.
***
ثلاث ساعات ونصف، تحرك "مراد" بقلب متلهف نحو باب غرفتها، ما إن وصل إليه خبر إفاقتهــا، وجد ثلاث من الحراسة يقفون أمام باب غرفتها، تنحى أحدهم؛ كي يدخل الغرفة، فوجدها قد اعتدلت في جلستها، تنظر أمامها بعينين قاسيتين.. شاردتين، أغمضت عينيها للحظة وهي تشعر باقتراب خطواته من فراشها، رفعت عيناها تناظره بحدة وهي تسأله:
- إيه اللي جابك هنا؟
- تغضن جبينه بوجع أحمق ضرب قلبه كقبضة حديدية، قال بهدوء زائف:
- لينا، أنا ظلمتك، ظلمتك زي ما الكل عمل، أنا.. أنا آسف.
ردت عليه بوجه جامد الملامح ونبرة باردة:
- كلمة آسف دي تروح تقولها لما تكون زقتني، اتكلمت معايا بطريقة صعبة، إنما تضربني بالنار وتظلمني في وقت واحد، يبقى لا وألف لا، مش أنا يا مراد اللي تسامح على حد ظلمني، ما بالك حد حاول يقتلني.
جن جنونه لما آل إليه الأمر، هل أفسد الموقف من جديد؟ ليهب واقفًا يصيح بجنون:
- وإنتي فاكرة بقى إن أنا هسيبك، لا يمكن يحصل أبدًا، لا يمكن أسيبك تروحي مني، ولازم تقدري إنك كنتي في نظري مجرمة.
قالت بنبرة متحسرة ونظراتها الخائبة بها تقتله.. تنغزه كالسكين البارد بلا رحمة:
- قولتلك قبل العملية بيوم إني هحكيلك على كل حاجة، قولتلك تديني فرصة، لكن إنت سبتني ومشيت، يبقى تتحمل نتيجة تسرعك.
يبتلعه نشب في داخله جراء كلماتها اللعينة!.. فصاح بحرقة أوجعت قلبها العصي وهو يدور في الغرفة بشيء من الجنون:
- كنت هسمعك، حاولت كذا مرة أعرف إذا كنتي معاهم ولا ضدهم، حاولت أبينلك من غير ما أكشف نفسي، لكن النهاردة وأنا شايف الظابط بيقع، ومسدسك رايح ناحيته، ورغم أن المجرم وراه، لكن أنا عارف إنك زيه، لما الاتنين وقعوا قولت أكيد إنتي اللي ضربتي على الظابط، أنا غلط بس معذور يا لينا.
تجمدت نظراتها، بل تجمدت كل ملامحها ليحفر الألم بقوة في عمق عينيها هامسة بتعجب ونبرة مبهوتة لم تسيطر عليها:
- إيه يا مراد، عايز تطلعني غلطانة في الآخر؟
فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم:
- عشان خاطري اديني فرصة، اديني فرصة وعذر بإللي عملته، أنا غلط ومش بنكر لكن كنت شايفك بصورة المجرمة المطلوبة من العدالة.
ثم منحها نظرة عميقة لعينيها عن قرب قائلاً ببسمة ألم:
- اديني فرصة يا لينا.
اتسعت بسمتها المخادعة التي تخفي ألم كبير وهي تقول:
- اطلع برا.
دموع الرجال تعني القهر، هبطت دموعه وهو يدنو منها مستشعرًا خسارتها مناديًا باسمها:
- لينا.
تطلعت "لينا" فيه بغموض مريب، فتساءل وهو يمسح عبراته بقوة:
- بتبصيلي كدا ليه؟
أجابته "لينا" بصدق:
- بحتقرك.
أرغم "مراد" نفسه على الابتسام ببرود قبل أن يرد بلهجة تمكن من جعلها عادية:
- هسيبك تهدي شوية، وبعد كدا هنتكلم.
تحرك بخطى سريعة كي يلج إلى الخارج، تاركًا إياها تناظره بألم خفي، لكن ما فعله سيدفع ثمنه غاليًا، فـ"لينا الصاوي" لا يوجد لديها قانون الغفران.
***
هو كان يحترق، كان يتلظى بنيران الوجع بعد تلك المواجهة التي كانت كل كلمة فيها كخنجر يغرز في صميم روحه، العرق البارد يتصبب من جبينه وهو يشعر ببوادر دوار، فتح الباب ودخل ملتاث الخطى كالمخمور.
وجد فجأة "سلوى" تركض نحوه بعدما قام "أدهم" بمهاتفة "دينا" وهي كانت معها بنفس التوقيت، وقفت قبالته وهي تقول بلهفة:
- مراد، حمدلله على السلامة.
نظر أمامه بتشوش مجعد الجبين، فدنت منه أكثر لتقف هامسة اسمه بارتباك:
- مراد!!
رواية أتحداك أنا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أميرة مدحت
وكأنه يحيا داخل كابوس سينتهي ما أن يأتي النهار، إلا أن النهار لم يأتي ولن يأتي. ما يحيا به واقع يتمثل أمامه، فـ انهار من الداخل كل ثوابته. يرفض ذلك الواقع.
أخذ نفسًا عميقًا يعبئ صدره بالهواء، لكن عبثًا، فالاختناق الذي يشعر به مصدره قلبه. جذوات محترقة تكويه بنيران الندم والوجع. وليكن ملعونًا إن اعترض!، لم يستطع الإجابة وظل واقفًا دون حراك.
ليسمع صوت شقيقته "دينا" يقترب:
- مراد، أخيرًا وصلت بالسلامة يا حبيبي.
تقوست شفتاه عن ابتسامة متعبة وهو يستوعب وجودهما. فتح ذراعيه كي يحتضنها بشوق كبير. تنفست "دينا" بارتياح. ترقرقت عيناها بالدموع وهي تقول بصوت مبحوح:
- أخيرًا وصلت بالسلامة. أنا كنت دائمًا أعد مرعوبة عليك، خايفة في يوم الباب يخبط وأسمع خبر وحش عنك.
لاح شبح ابتسامة باهتة على ثغره وهو يقول بلطف:
- إزاي بس، ده أنا عايش عشانك.
ثم التفت باتجاه "سلوى" مبتسمًا لها بهدوء:
- إيه أخبارك يا سلوى؟
أتسعت ابتسامتها وهي تجيبه ببهجة:
- بقيت كويسة لما شوفتك بخير.
بخير! كلمة لم يشعر بها منذ أن التقى بـ "لينا". والعجيب أن الجميع يعتقدون لمجرد عودته، أنه أصبح بخير. اتسعت بسمته المخادعة التي تخفي ألم كبير:
- أنا فعلًا بخير.
أبتعدت "دينا" عن أحضانه تتمعن في تعبيرات وجهه بدقة. وقبل أن تتحدث، وجدته يتراجع للخلف وعينيه مصوبة على ضابط ما. وهو يقول بجمود:
- عن إذنكم.
تحرك "مراد" بخطى هادئة نحو الضابط الذي استقبله بسؤاله:
- أخبار لينا إيه دلوقتي؟
لم يتحرك وجهه الجامد، وظل الوجوم مصاحبًا تعبيراته وهو يقول:
- بقت كويسة الحمدلله.
صمت قليلًا قبل أن يسأله فجأة بريبة:
- إنت عرفت منين إللي بيني وبين لينا؟
ابتسم الضابط ابتسامة جانبية وهو ينظر أمامه بشرود قبل أن يرفع عينيه نحوه يجيبه بكل جدية:
- إنت ناسي إننا اتدربنا على قراءة الوش والعيون. أنا شوفتك وإنت بتضربها. شوفت الوجع والغضب إللي فيك، بس ملحقتش أمنعك بسبب اشتباكي مع رجالة عماد. ده غير لما اتواصلت معانا قبل كده وقولت إن لينا شخصية متناقضة. في حاجات بتعملها وفي حاجات مطلوبة منها من المافيا وبتوهم الجميع إنها نفذت. ده غير طلبك بإنك تحاول تعرف هي معاهم ولا ضدهم. كل الاهتمام ده ونظراتك ليها وإنت رايح تضرب عليها نار خلاني أشك، واتأكدت فعلًا لما نطقت بالجملة دي ليك.
شعر "مراد" أن قدميه لم تعودا قادرتين على حمل وزنه الضخم. فجلس على أقرب مقعد وهو يقول بجمود خافت:
- أنا إيه إللي عملته في نفسي ده؟ بس لو رجع الزمن بيا كنت عملت نفس الحركة. كانت في نظري مجرمة، شيطانة في جلد إنسان. غضبي منها عماني، وفوقت لنفسي على إن القانون مع إللي زيها هو الموت. كنت عاوز أموت حبي ليها بنفسي. كنت عاوز أفكر نفسي إنها مجرد مجرمة، وأنا الظابط إللي مطلوب منه يقبض على إللي زيها ويقتل كمان لو لزم الأمر.
تنهد الضابط بحرارة وهو يقول:
- الخوف دلوقتي من إن الخبر ده يوصل للقيادة، ساعتها هتحصل مشكلة كبيرة بينك وآ...
قاطعه "مراد" بلهجة غاضبة:
- إللي يحصل يحصل، مبقاش يفرق معايا حاجة خلاص.
اتجه "أدهم" نحوه ثم جثى على ركبته أمامه متسائلًا بقلق:
- مراد، إنت كويس؟
هدأ "مراد" قليلًا، ثم رمقه بهدوء مريب وهو يجيبه:
- أنا كويس، بس ياريت يا أدهم تاخد دينا وسلوى يروحوا. أنا مش عاوز حد معايا، وكمان شوية هرجع البيت.
أشار له بتفهم، ثم باغت بقول:
- تمام، بس خد بالك من نفسك. وياريت قبل ما تروح بيتك، تعدي عليا نتكلم شوية.
- هبقى أكلمك.
*****
في المساء، ظلت "لينا" نائمة لعدة ساعات متتالية دون قلق. بنفس الوقت دخل شخص غامض يرتدي زي طبي. ما أن رآها مستكينة هكذا، حتى أخرج تلك الإبرة المليئة بالمواد السامة. رفع يده قليلًا وقبل أن يدس الإبرة في المحلول، وجدها تفتح عينيها. نظرت له بعدم استيعاب وقبل أن تصرخ فيه، كان ألقى بالحقنة وسحب الوسادة يضعها على وجهها، يكتم به صراخاتها. تلوت بانفعال وهي تحاول أن تتشبث بالحياة.
ظنت أنها ستلتقي اليوم بخالقها. وقبل أن تستسلم لحالة الضعف، شعرت بدخول أحدهم إلى الغرفة. سمعت صوت "مراد" وهو يهدر فيه بغضب. وقد بدأ يسدد له اللكمات قبل أن يدخل الحراس يخرجونه من الغرفة. تحرك "مراد" نحوها يبعد عنها الوسادة، وهو يحدق في معالم وجهها الواهنة الشاحبة. شهقت "لينا" بعنف محاولة أن تتنفس بطبيعية. احتضن وجهها براحتيه وهو يتمتم بخوف:
- لينا، لينا فوقي معايا. إنتي كويسة؟
رمقته بعيون واسعة وهي تلهث بشدة محاولة أن تبعد يديه عنها. اشتعل الرعب بداخله وهو يتحرك نحو الخارج يصرخ بصوته الجهوري:
- دكتور، دكتور بسرعة.
أتى كبير الأطباء وخلفه الممرضة. دخل كل منهما ليبدأ الطبيب محاولة تهدئتها حتى يتم فحص حالتها بدقة. مسح "مراد" على وجهه بقوة، وقلبه ينهش بخوف. تراجع للخلف عدة خطوات قبل أن يخرج وهو يصرخ بالحراس بلهجة جهورية:
- أنا عاوز أعرف إيه الاستهتار ده؟ إنتوا أكيد بتستعبطوا؟
هتف أحد الحراس قائلًا بجدية خائفة:
- يا فندم إحنا مش عارفين كل الدكاترة إللي هنا، والراجل ده مكنش باين عليه أي حاجة مريبة.
قبض على تلابيبه وهو يهدر فيه بعنف:
- لولا دخولي عليهـا كانت ماتت. كانت ماتت وكنت دفنتك بالحيا إنت وهو على الاستهتار إللي إنتوا فيه.
دفعه بعنف فـ اصطدم جسده بالحائط وهو يردد:
- أنا آسف يا فندم.
خرج كبير الأطباء من الداخل، متوجهًا مباشرة نحو "مراد" الذي التفت إليه متسائلًا بقلق:
- ها، إيه أخبار لينا؟
أجابه بمنتهى الهدوء والعملية:
- ماتقلقش، هي بخير، ولقينا في الأوضة الحقنة دي.
رفع يده بالإبرة ليضيق "مراد" حاجبيه بجدية. استقام في وقفته وهو يشير بيده قائلًا بصيغة آمرة:
- أنا عاوز تحللوا الحقنة دي، ونعرف فيها إيه؟
- تمام يا مراد باشا، نص ساعة وهقولك الحقنة كان فيها إيه بالظبط.
أومأ برأسه بالإيجاب وهو يراه يغادر من أمامه وخلفه الممرضة. استدار نحو الحراس قائلًا بلهجة مخيفة:
- حسابكم معايا بعدين.
سحب نفسًا حادًا قبل أن يتحرك نحو غرفتها، ليجدها تعتدل في جلستها وهي تبعد خصلات شعرها للخلف. دنا منها بخطوات بطيئة وهو ينظر لها بقلب متلهف. وقف قبالتها ليتفاجأ بصوتها قائلًا:
- اقعد يا مراد.
دون أن يتحدث جلس على طرف الفراش، لترفع رأسها نحوه وهي تنظر له بعينين جامدتين. التوى ثغرها بابتسامة جانبية وهي تهتف بجدية:
- الكلام إللي هقوله، هيتقال مرة واحدة، عشان بعد الكلام ده، علاقتي هتقطع بيك للأبد.
أجابها بلهجة شبه حادة:
- وإنتي تفتكري إني هسيبك؟
أجابته بثقة:
- أنا إللي هسيبك يا مراد.
سألها بحدة وقد أوشك على فقدان قدرته على التحكم في أعصابه:
- هتقدري تعملي كدا؟
- حتى لو مقدرتش، بس لو كان في قصة حب بينا فهي انتهت بموقفك يا... يا مراد!
زفرت باختناق قبل أن تبدأ بالحديث الجاد قائلة بصوتها الهادئ:
- أنا كنت بشتغل مع أبويا من البداية في تجارة المخدرات. أتولدت وأنا شايفة قدامي البودرة والهيروين وكل حاجة تقدر تتخيلها. اشتغلت معاه بعد ما خلصت دراستي. الحاجة الوحيدة إللي رفضتها من أول يوم هي إن حد يلمسني. حاولت قبل كده أنفذ لكن مقدرتش، وعشان أهرب مثلت إني أغم عليا. وبعدها لو اضطريت أدخل بحد معايا أوضة النوم، أحطله منوم، ولما يصحى من النوم يا يلاقيني خارجة من الحمام، يا برا الأوضة. يعني يوم ما "روكان" استدعاني، كنت حطيتله حباية منوم، ولو كنت خرجت بعد ما عملت كدا، كان حد من رجاله هيبلغه، وأتشنق أنا ساعتها.
قطم عبارته مصدومًا وقد تجمدت عيناه على وجهها. شعر بدقات قلبه تتلاحق بقوة. ابتلع ريقه متسائلاً بذهول:
- إزاي؟ إنتي بتقولي إيه؟
ظل ينظر إليها بصدمة وهي تبادله النظر إليه بهدوء. لتخفض عيناها أمام نظراته القاتلة في تعبيرها القوي، تابعت كلامها بألم رغم تلك الابتسامة الصغيرة التي على وجهها:
- أمي اكتشفت إن أبويا تاجر مخدرات بعد ما خلفتني بسنتين. حاولت تهرب لكن قدر يوصلها. كان قدامها اختيارين، يا تموت يا تفضل ساكتة وتربيني. اختارت الاختيار التاني بشرط واحد، إنها لما أكبر مشتغلش مع أبويا، وميكونش في علاقة بيني وبينه في الشغل. وافق لكن خلف وعده معاها لما كبرت وكنت أشتغلت معاه. لما جت تمنعني وتهرب عشان تفضحه وتلحقني من الحفرة إللي وقعت فيها، وصلتله أوامر بأنها تموت قدام عيني، عشان يكون درس ليا لو فكرت أعمل زيها. حاولت أنقذها لكن رجالة داود منعوني. فضلت أصرخ فيه وهو بيرفع سلاحه ناحيتها، وفي لحظة كانت بتقع قدامي وبتنزف لغاية ما... ما ماتت.
هدر "مراد" وهو لا يزال غارقًا في صدمته:
- ومن هنا فوقت لنفسك فعلًا؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي تضيف بشرود:
- فضلت سنة كاملة عايشة في صدمة وبرفض أي شغل، لغاية ما كان ناوي يدخلني مستشفى الأمراض العقلية. وقتها فوقت وبقيت بحاول أعرف عنه كل حاجة وعن شغله، لغاية ما بقيت أفضل عميلة عندهم. وبعدها لجأت لآريان. هو صديق طفولتي وكان بيحب والدتي جدًا. كان نفسه يبدأ حياة نضيفة، اتفقت وعمل خطة هروب ليا من إنجلترا لمصر عشان أبدأ أعرف أشتغل مع مكافحة المخدرات. وبالفعل ده حصل وقابلتك.
نكس رأسه قليلًا قبل أن تبتسم بسخرية وهي تتابع:
- ولما مشيت من عندك كنت لازم أرجعله، لأن هو إللي ضرب عليا نار. وبعدها قابلتك تاني.
وبضيق ظهر في تعبيراته وهو يسألها:
- ومحاولة قتلك دلوقتي وقبل كده؟
وجهت نظراتها له مقطبة بعبوس:
- أنا حياتي في خطر مش من عصابة أبويا بس، تؤ عصابات تانية، واحدة منهم في اليونان وواحدة منهم في فرنسا ده غير إنجلترا. في منهم المنافسين لينا، وفي إللي كانوا بيتعاملوا معانا. إللي أذوني قبل كده هما إللي كنا بننافسهم، لكن دلوقتي إللي كنا متحدين معاهم هما إللي هيأذوني.
نظر لها بجمود مستفهم فقال بصوته الرخيم:
- يعني حياتك في خطر دلوقتي؟
- أومأت برأسها تؤكد ظنه هامسة بفتور:
- أيوة، أنا قولتلك كل حاجة، دلوقتي تقطع علاقتك بينا نهائي يا مراد.
قبل أن يهدر فيها بغضبه، هتفت بتلك الجملة التي سمرته في مكانه:
- أنا عارفة إنك كنت ظابط من البداية.
اتسعت عيناه وقد تجمد محدقًا في الفراغ، ليهمس مبهوتًا بعد برهة بذهول عظيم:
- عارفة!!
رددت ساخرة وهي تبادله ابتسامة متهكمة:
- أيوة، وحاولت أقولك، لكن السرية كانت أهم حاجة في مهمتنا، فمعرفتش أقولك.
ظل ينظر إليها عاقدًا حاجبيه بشدة، إلا أن الذهول كان ظاهرًا بعينيه ثم قال حانقًا بحدة:
- كان لازم تقوليلي يا لينا، كان لازم.
- مراد، خلاص إللي بينا انتهى، أوعى تفتكر إنك لما رفعت عليا السلاح مكنتش هقدر أدافع عن نفسي، لأ كنت أقدر كويس أوي، لكن سبتك بمزاجي.
صمتت قليلًا قبل أن تقول بصوت بارد للغاية:
- أنا سبتك تعمل ده، عشان أكرهك بضمير.
رفع عينيه المصعوقة ليتطلع إليها بصدمة. اشتدت عيني "لينا" بلهيبها المحرق فأستطردت كلماتها الثابتة كالخنجر الذي يعلم مكان الإصابة بالتحديد:
- وعشان أنا عذراك يا مراد، مش هنتقم منك. لو مكنتش ظابط وشايفني بنظرة المجرمة، كنت عرفت أخد حقي منك كويس، لأن إللي يجي عليا أنا بمحيه من على وش الأرض.
همس بخفوت عادي غير مستوعب للصدمة:
- لينا.
- اطلع برا يا مراد، خلاص قصتنا انتهت، وأنت إللي كتبت النهاية، لكن أنا كتبت الخاتمة.
رواية أتحداك أنا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أميرة مدحت
ليتنا نستطيع إيقاف الزمن على لحظات كُنا بها سُعداء.
لكل فعل رد فعل، جملة شهيرة انطبقت عليهما تمامًا، فهي "لينا الصاوي" التي لا تقبل بأي شيء يؤذيها، بل تنتقم حتى من الممكن أن يصل الأمر إلى أن تسحق من على وجه الأرض؛ تربيتها، معاناتها، ما عاشته جعلت القسوة تملأ قلبها، في حين هو "مراد الحسيني"، الذي لا يقبل بالرفض، يحارب حتى يصل إلى ما يريده، حتى لو ظل يحارب لمدة مائة عام.
في ذلك اليوم، خرجت "لينا" من المشفى بعد أن ظلت لثلاثة أيام تقبع بداخلها، و"مراد" لم يتركها للحظة واحدة، ولكن اليوم وصلت إليه مكالمة هامة من ضابط زميله، فأضطر أسفًا تركها برفقة الحراسة المشددة عليها، خرجت "لينا" من بوابة المشفى وخلفها ثلاثة من الحراس، فتح أحدهم باب السيارة لتقول له بصيغة آمرة:
- زي ما وصلتلكم الأوامر، مش عايزة مراد الحسيني ياخد خبر عن مكاني.
- أمرك يا لينا هانم.
أستقلت بداخل السيارة قبل أن تبتسم بسخرية وهي تغمغم:
- أما نشوف آخرتها معاك إيه يا مراد؟!..
كادت أن تسقط نائمة ولكن انتظار أخيها جعلهـا تحاربه بقوةٍ ضئيلة، وقبل أن تستسلم لنعاسها وجدت باب المنزل ينفتح، رفعت رأسها تنظر بعين مفتوحة لتجده يدخل يلقي سلسلة مفاتيحه على الطاولة، وألقى بجسده على أقرب أريكة متنهدًا بألم، وثبت "دينا" واقفة وهي تنظر له بقلق، جلست بجواره لتحتضن رأسه إلى صدرها وهتفت بصوتٍ مسموع:
- مراد، مالك؟!.. من يوم ما رجعت وحالك أسوأ من الأول.
لف ذراعيه حولها يتمسك بها بكل قوته وهو يطبق عينيه بقوة دافنًا رأسه بين أحضانها مخرجًا أنفاسه بارتجاف، ليبتسم بألم بعد عدة دقائق هامسًا بتحشرج:
- أمي كانت بتحضني كدا يا دينا.
كانت تمسد فروة رأسه حينما تراءى لمسامعها صوته الهامس لتبتسم بحنان:
- ارتاح يا مراد، اتكلم، طمني عليك.
سمعته يقول وهو يتحاشى النظر إليها:
- أنا وقعت في الحب يا دينا، ومش غير ما أحس ضيعته، لأ.. أنا قتلتـه.
قطبت حاجبيها بإستغراب قبل أن تسأله بحذر:
- لينا؟!..
لم يجبها، فتابعت وهي تنظر أمامها بشرود:
- حسيت إنك بتحبها، بس كذبت نفسي، كنت فاكرة إنك طالما واعد سلوى بإن بعد ما ترجع من العملية دي تتجوزوا وآآ..
فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم:
- دينا، أنا موعدتش سلوى، إنتي اللي وعدتيها، وأنا لو كنت بفكر أتجوز كان هيكون عشان الاستقرار، لكن دلوقتي في ألف سبب وحاجز يمنعني عنها أو عن غيرها.
زفرت بحرارة وهي تقول بقلق:
- حتى لو، إنت عملت إيه في نفسك كدا؟!.. هي مش بتحبك؟!..
ابتسم بسخرية وهو يجيبها:
- بتحبني؟!.. كانت بتحبني قبل ما أعمل اللي عملته؟!..
هزت رأسها بعدم فهم وهي تسأله:
- وضح أكتر، وبعدين إنت اتعرفت عليها إزاي.
- لينا تبقى بنت تاجر المخدرات يا دينا، وكانت أفضل عميلة هناك.
اتسعت عينيها بذهول صادم قبل أن ترتخي يديهـا عنها وهي تصيح:
- نعـــم؟!.. وزعلان؟!.. لأ طبعًا إنت تبوس إيدك وش وضهر إن علاقتكم انتهت ده لو كان في؟!.. لا يمكن مراد الحسيني اللي عاش أغلب عمره يحافظ على سمعته ويبنيها يجي يهدها لمجرد واحدة أبوها تاجر مخدرات.
أبتعد عنها وعينيه قد تجمدت على وجهها الغاضب قبل أن يهمس همسًا خفيض شرس:
- لينا حاربت عشاني، لينا نزلت مصر من كام شهر وقدرت تتواصل مع مكافحة المخدرات عشان نعرف نقبض عليهم، يعني لينا هي اللي قبضت عليهم قبلي أنا يا دينا.
هبت واقفة وهي تقول بحدة:
- اسمع يا مراد، أنا اتولدت لقيت أبويا كان النائب عام، وبعدها بقيت أنت ظابط في مكافحة المخدرات، وإنت لو فكرت تتجوزها، يبقى إنت بتجيب لأولادك واحدة لا تصلح أن تكون أم.
هدر بها بغضب شرس وهو يهب واقفًا:
- ديــــــنا.
تابعت دون أن تعبأ بتحذيره وهي تقول بصوت قوي:
- أبويا قالي زمان، تاريخ البني آدم بيفضل يلازمه زي ظله، مش بيفارقه إلا ساعة الموت، افتكر الجملة دي كويس يا مراد.
قالتهـا وهي تتركه في غضبه وذهوله من حديثها، ظن أنها ستقف بجانبه كما كانت تفعل من قبل لكن تلك المرة خذلته، عاود الجلوس على الأريكة، ازداد عبوسه المتألم وهو يسحب يده جواره قابضًا على كفه بقوة، هتف بحرارة ألم:
- إنتي حتى متعرفيش أنا عملت فيها إيه؟!..
دخلت "لينا" غرفتها في القصر الخاص بها في مصر، أخرجت هاتفها ما أن تعالى رنينه الصاخب لتجيب على طرف الآخر بصوتها الحاد وهي تضعه على أذنها:
- أيوه يا فندم، ها إيه الجديد؟!..
هتف اللواء "سامي" قائلًا بكل هدوء:
- هنعمل زي ما اتفقنا يا لينا، حريقة في قصرك الضخم، وإحنا هنخرجك بطريقة سرية، هنوهم العالم كله وهنذيع خبر موت بنت أكبر تاجر المخدرات بعد ما ضحت بحياتها عشان خاطر تنقذ البلد، وهتتولدي بشخصية جديدة.
أومأت رأسها بالإيجاب بالبطء قبل أن يسألها:
- تحبي بعد الموضوع تعيشي فين؟!.. إيه البلد اللي تقدري تكوني مطمنة على نفسك فيها بعيد عن أي شبكة لغاية ما يعدي على الأقل سنة.
صمتت قليلًا قبل أن تجيبه بشرود:
- ألمانيا.
تنهد اللواء "سامي" وهو يسألها مرة أخرى بصوت أكثر جدية:
- تمام، ماتقلقيش هظبط أمورك زي ما وعدتك.
تسائلت "لينا" بتردد:
- ومراد؟!..
أجابهـا بتنهيدة حارة:
- لو عرف بإللي ناوية تعمليه للأسف، إنتي وهو هتتعرضوا للخطر مع بعض، ويمكن يوصل أنه هو كمان يتقتل، عشان كدا لازم ميعرفش.
نكست رأسها وهي تقول بضعف مفاجئ:
- طيب.
طرح سؤال آخر وهو يمسك بقلمه قائلًا:
- تمام يا لينا، نويتي تغيري اسمك لإيه؟!..
هنا.. رفعت عينيها تنظر أمامها بقوة جبـارة، ابتسامة ألم زينت شفتيها وهي تجيبه بثقة:
- "لانا".
سبعة أيام مرت دون حديث بينهم، حتى أتى ذلك اليوم الذي يكاد أنه سيدمر ما تبقى من روحهم، ولكن للقدر دائمًا رأي آخر، هل نملك شيء آخر؟!
- أخيرًا لقيتك، المرة دي مش هسيبك ولو فيها موتي.
رفعت «لينا» رأسها نحوه ببطء ودقات قلبها ترتفع بخوف، تبدلت نظراتها من هدوء إلى غضب وهي تنتفض من مكانها، صاحت بحدة وعينيها السوداء ترمقانه بغضب حارق:
- أنت إيه اللي جابك هنا؟؟، اتفضل اطلع برا.
سحب نفسًا عميقًا وهو يقول بهدوء:
- لينا، أسلوبك يتعدل معايا أحسنلك، أنتي عارفة أنا أبقى مين، وأنتي هتبقي مراتي قريب أوي.
صمتت قليلًا ثم ابتسمت ابتسامة جانبية وهي تقول بتهكم مرير:
- وياريتني ما عرفت أنت مين، كان عندي استعداد أفديك بعمري كله، لكن بادلت الشعور ده بالإهانة ليا ومش بس كدا، ده أنت كمان حاولت تقتلني، مش كدا ولا أنا غلطانة؟!..
ارتجفت عضلة في فكه محاولًا أن يتناسى تلك اللحظات، تابعت «لينا» بقوة:
- أما بالنسبة إني هبقى مراتك، فنجوم السما اقربلك، واظن أنت عارف أنا أقدر أعمل إيه يا «مراد».
شعرت بيده تقبض بقسوة على ذراعها يجذبها نحوه هاتفًا بشراسة من بين أسنانه الذي كان يجز عليها:
- أنتي جبتي القسوة دي كلها منين؟؟.. أنا مش هسيبك يا لينا، قولتلك أنه خلاص قدري وقدرك بقوا واحد ولازم ترضي بكدا.
صرخت في وجهه بعنف ونظراتها تشتعل غضبًا وقهرًا:
- ولو قولت لأ، هتعمل إيه؟؟.. هتقتلني؟؟.. اقتلني يا مراد، هو أصلًا مفيش حد بيقتل نفس الشخص مرتين.
لمعت عيناه بألم وهو يقول بصوتٍ هامس:
- لينا، اديني فرصة تانية، أنا بحبك، خليني أصلح كله اللي فات.
هبطت دموعها وهي تقول بجمود:
- أنت شوهت روحي، طلعت زيهم، زي أبويا وأخويا وكلهم، مختلفتش عنهم، وأنا اللي يوجعني امحيه من حياتي كلها.
تجمدت «لينا» في مكانها وهي تشعر ببرودة تتسلل إلى جسدها من نظراته المرعبة، وأيضًا حين اشتدت قبضته بقسوة حول معصمها، هتف «مراد» بلهجة صارمة قوية:
- مش هسيبك يا لينا، مهما عملتي انتي هتفضلي ليا، وأنتي عارفة كلمتي بنفذها زي السيف، والنهاردة هنتجوز سواء رضيتي أو لأ.
وقبل أن تصرخ فيه بغضب يكاد أن يحرق الأرض واليابس، أصدر هاتف «مراد» رنين صاخب، أضطر أن يحرر معصمها من قبضة يده، وأخرج هاتفه حتى يجيب عليه، وضعه على أذنه وهو يقول:
- أيوه؟
صمت دام للحظات قبل أن يقول بجدية:
- إيه؟؟.. طيب أنا جاي حالًا، مش هتأخر.
أنهى مكالمته وقد عقد حاجبيه بضيق، تنهد بحرارة قبل أن ينظر إليها وهو يقول بنظراتٍ نادمة عاشقة رغم عمق صوته:
- أنا هسيبك لمدة ساعة، في مشكلة حصلت في الشركة وأنا لازم أكون موجود، ساعة بس وهرجعلك تاني.
نظرت له نظرات طويلة دون أن تتحدث، شعر بنغزة في قلبه وهو يضيف:
- أنا خسرتك مرة، مش هقدر اخسرك تاني.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، فتحرك بخطى هادئة نحو خارج القصر، ما أن خرج حتى شعرت بإهتزاز هاتفها في جيبها، فأخرجته سريعًا وهي تنظر على اسم المتصل ثم أجابت بلهفة:
- أيوه، آه هو مشي، إمتى التنفيذ؟؟..
صمتت للحظات قبل أن تقول:
- نص ساعة؟؟.. خلاص هجهز نفسي، بس لازم التنفيذ يكون بسرعة، أنا حياتي في خطر.
أنهت المكالمة ودموعها تهبط بألم قبل أن تقول بحرقة:
- أنت هتخسرني للمرة التانية يا مراد، بس المرة دي، هتبقى الأخيرة، أنت كتبت النهاية، دوق من الوجع اللي أنا حاساه.
بعد مرور أكثر من ساعة، اتسعت عيني «مراد» وهو يرى من على بُعد حريق هائل يشتعل في القصر الخاص بها، صف سيارته وهو يترجل منها دون أن يغلق بابها، ركض نحو القصر وهو ينطق بخوف شديد:
- لينا.
ركض رفيقه «أدهم» خلفه الذي كان أتى معه منذ البداية، تصلب جسد «مراد» وهو يرى القصر بأكمله يحترق، والجميع يحاول القضاء على هذا الحريق الهائل، تقدم نحوه مي يدخل ولكن ذراع رفيقه منعته من ذلك، نظر إليه بغضب وهو يهدر فبه:
- سبني، سبني يا أدهم.
منعه «أدهم» وهو يدفعه إلى الخلف هادرًا:
- أنت مجنون، مستحيل أسيبك تدخل.
دفعه بقوة كي يركض إلى الداخل ولكن ثلاثة من رجال المطافي وقفوا أمامه يقيدوا حركته، صرخ «مراد» بعصبية وهو يتملص منهم بعنف:
- سبوني ألحقها، لازم تعيش، مش هسمح للظروف تاني إني اخسرها.
قال أحدهم بجدية:
- مش هينفع تدخل، المكان كله نار، ولو إحنا متأكدين أنها عايشة وأنه ينفع ندخل كـ..
لم يتحمل كلماتهم السامة، فقاطعهم بغضب حاد وهو يتشنج بينهم:
- أبعدوا عني، محدش له دعوة، أنا لازم أدخلها، لازم الحقها.
أتى رفيقه من خلفه وهو يحاول جذبه نحوه هاتفًا بقوة:
- مراد أهدى، أهدى يا مراد، دلوقتي هنعرف كل حاجة.
بعد قليل، ظل «مراد» واقفًا كالصنم منتظرًا ما سيتلقاه، أحاديث جانبية كثيرة حدثت أمامه بعدما استطاعوا إخماد الحريق، ظل رفيقه بجانبه وهو يشعر أن الأسوأ قادم.
أتى أحد من الضباط ووقف أمام كل من «مراد» و«أدهم»، نظر لهما بعملية قبل أن يسحب نفسًا عميقًا قائلًا:
- للأسف، الآنسة لينا الصاوي كانت موجودة جوا في المطبخ، والحريقة حصلت من هناك، لسه هنشوف إذا كانت بفعل فاعل ولا قضاء وقدر.
بلع «مراد» غصة مريرة وهو يسأله بصوتٍ مرتجف:
- يعني إيه؟؟.. لينا آ..
لم يتابع جملته، ووجد رجال الإسعاف من بعيد يحملون فراش نقال وعليه جسد بلا روح، يغطونها بالكامل حتى لا يرى ما فعلته النيران بها.
جحظت عيناه وهو يحرك رأسه سلبًا، هتف بصوتٍ مرتجف:
- مش ممكن، ماتت، لينا ماتت.
اقترب منه «أدهم» وهو يقول بألم:
- أهدى، أهدى يا مراد.
هدر بصوت حاد مرتعش:
- ماتت إزاي؟؟.. إزاي قبل ما تديني الفرصة؟.. ماتت زعلانة مني، ماتت وهي كرهاني.
ظهرت دموع «أدهم» وهو يرى رفيقه منهارًا لأول مرة، هتف برجاء:
- أهدى علشان خاطري، ده أمر الله.
نظر له «مراد» بذهول وكأنه غير قادرًا على استيعاب:
- يعني أنا خسرتها خلاص، خسرت لينا؟؟.. مش ممكن، ماتت!!!.. ماتت زعلانة مني، ملحقتش، والله ملحقتش، آآه.
قال كلمته الأخيرة وهو يرفع يده يضعها على موضع قلبه، ألم حاد بدأ يضرب قلبه وهو يهمس بضعف:
- لينا، لينا ماتت.
نظر «أدهم» حوله وهو يصرخ في الجميع بغضب وخوف في آنٍ واحد:
- الإسعاف، الإسعاف بسرعة.
ثم نظر له وهو يقول بلهفة:
- مراد، أهدى وحاول تاخد نفسك، أهدى علشان خاطري.
صرخ «مراد» بألم عنيف وهو يضغط على قلبه قبل أن يهمس بثقل:
- قلبي بيوجعني أوي، أنا حاسس بوجع رهيب في صدري.
ثقل جفناه مع جسده، قبض «أدهم» على ذراعه ثم وضعها حول حول عنقه ليقول بخوف:
- قوم معايا يا مراد، أجمد أرجوك.
صرخ لمن حوله بحدة عنيفة:
- عربية يا بهايم وحد يساعدني بسرعة.
«عودة للوقت الحالي»
ثلاثة أيام، ثلاثـــة أيــــام مرت وهو بداخل حفرة عميقة من الظلام الدامس، بعد أن رأى الحريقة تشتعل في قصرها، يحاول أن يأتي لها، يحاول أن يموت ألمًا حتى يراها، ولكن يبدو للموت رأي آخر، فـ"فتح" مراد عينيه فجـأة لتصطدم بسقف الغرفة البيضاء، ورائحة المشفى تجعله يزداد اختناقًا، أعتدل في جلسته وهو ينظر حوله بعدم استيعاب، وجد نفسه موصول ببضعة أسلاك فنزعهم ونهض، دلف لخارج الغرفة فـ أوقفه "أدهم" بفزع:
- مراد، إنت رايح فين؟!.. إنت لسه قايم من جلطة فالقلب؟!!!..
دفعه "مراد" بضعف وتحرك بطء، إلا أن "أدهم" منعه وهو يقول بحدة:
- طب قولي بس رايح فين؟!..
أجابه بضعف:
- لينا.
عقد حاجبيه بقوة وهو يقول:
- مراد، لينا ماتت، واتدفنت كمان، خلاص فوق لنفسك.
تحركت شقيقتـه "دينا" والدموع تنهمر من عيونها هاتفة بإسمه برجاء:
- مراد!!..
أشار بيده لها وهو يقول بخشونة ضعيفة:
- أبعدي عني، أبعدوا عني كلكم، أنا رايحلهــا.
تألم قلب "أدهم" لحاله وهو يتوجه ناحيته يساندة قائلًا:
- مراد، فـــوق، لينا ماتت، ماتت وده أمر الله.
رمقه بنظرات مبهوتة وكأنه غير قادر على استيعاب، ترنح في وقفته ودوار جامح يصيبه بضراوة، رفع ذراعه يستند على الحائط، قبل أن يحرك جسده بضعف يستند به كليًا، نظر أمامه في نقطة فراغ قبل أن تمتلئ عيونه بالدموع دون شعور، أرتجف قلب "أدهم" على رفيقه، وهو يقول بقوة:
- أجمد يا صاحبي، مش كدا.
- أنا إللي قتلتهـا، مش كدا؟!.. ماتت وهي مدتنيش فرصة أصلح إللي عملته.
كافح أن يحارب الدوار الذي يزداد إليه، لكنه شل في ذلك مع إزدياد إنهمار دموعه الحارقة، وضع يده على صدره وهو يحاول سحب نفسًا عميقًا، قبل أن يشعر فجـأة في ارتخاء جسده، وثقل كبير في جفنيه، كاد أن يقع فـ أسنده رفيقه وهو يصرخ في الموجودين في الطابق:
- فين دكتور نادر؟!.. دكتــور بسرعــــة.
أبتعدت "دينا" عنه وهي تشهق ببكاء عنيف، أغمضت عينيها بقوة تكاد أن تعصرهمـا وهي تقول بضعف:
- لأ، لأ مش هسمحلك تضعف كدا.
أخرجت هاتفها سريعًا وهي تعبث فيه بيدًا مرتجفة، وضعته على أذنها منتظرة الرد وجسدها يرتعش بخوف، ما أن فتح الخط حتى بكت مرة أخرى بألم وهي تقول:
- "جاسـر"، تعالى سيب كل إللي وراك وأنزل مصر ضروري.
هب "جــاسر" واقفًا وهو يقول بحدة قلقة:
- في إيـه يا دينا؟!.. إنتي كويسة؟!.. مراد كويس؟!..
أجابته بشهقات متقطعة وهي تنظر لـ"مراد" الي يتم نقله إلى غرفة العناية المركزة:
- مراد بيموت.
نالت "لينا" من الطائرة وهي تشعر بالغثيان وأختلال في الضغط، أنهت إجراءات بصعوبة، تحركت وهي تنظر حولها بجمودٍ مخيف، هي الآن بـ"ألمانيا" وبمفردها تمامًا، لا تصدق الأمر، سارت عدة خطوات وهي تجرّ حقيبتها، قبل أن تشعر بثقل عنيف عليها، تنفست بصعوبة وهي تضع يدها على صدرها، شعرت أن الجميع ينظر إليها بقلق، دنا منها شخص ما يود الاطمئنان على حالها، وهو يسألها باللكنة الألمانية:
- هل أنتِ بخير؟!..
وجد نفسه ينحني فجـأة يلتقطها قبل أن تسقط أرضًا، وخلال لحظات نظر حوله بصدمة وهو يحمل شابة مصابة بالإغماء بين ذراعيه والجميع ينظر إليه، همس بضجر:
- يا إلهي!!.
رواية أتحداك أنا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أميرة مدحت
يوم آخر لقول أُحبك فقط لا أكثر.
أستنشقت رائحة عطر قوي، وشعرت بيدٍ قوية تربت على وجنتها الناعمة، وصوتٍ من بعيد يُناديها باللكنة الألمانية، وصوت أنثوي أيضًا اخترق عقلها.
فتحت "لينا" عينيها ببطءٍ ترمش بهما عدة مرات وهي تحاول جاهدة الخروج من تلك الشرنقة التي تبتلعها.
وما إن وعَت إلى نفسها، حتى وجدت وجهًا منحنيًا إليها بقلق، وخلفه العشرات من الوجوه متعددة الجنسيات والألوان.
تسائلت بريبة ولكن باللكنة الإنجليزية:
- ماذا حدث؟ أين أنا؟
عبس صاحب الوجه الأقرب وهو يقول:
- لقد أصبتِ بالإغماء بعد وصولك.
لتتابع فتاة بلهجة مهمتمة:
- إنكِ تجلسين على مقعد من أحد مقاعد صالة المطار.
أستقامت في جلستها وهي تحك شعرها محاولة الاستيعاب.
همست بتوتر ولكن بلكنتها:
- من أولها كدا؟ إيه ياربي ده.
رفع أحد حاجبيه وهو يفكر، ألتفت برأسه لتلك الفتاة تحديدًا ليجدهـا تبتسم ببهجة.
عاود النظر إليها متسائلًا بتوجس:
- هل أنتِ من مصر؟
أومأت برأسها بتوجس واضح وهي تنظر إليه كمفترس، بينما هو يرمقها بطرف عينيه قبل أن يخبرهـا:
- طب ما كنتِ قولتي من الأول.
أتسعت عيناها بذهولٍ، رفعت أنظارها إلى الفتاة التي أخبرتهـا ببسمة لطيفة مع كلماتها:
- أنا و"حاتم" مصريين، آه شكلنا مش بيقول كدا بس دي الحقيقة.
ضيقت حاجبيها بقوة وهي تنظر لهما بريبة.
مد "حاتم" يده وهو يخبرهـا بإبتسامة هادئة معرفًا عن ذاته بثقة عالية:
- حاتم الدغيدي، رجل أعمال مقيم هنا من كذا سنة، وأختي "ريما".
إبتسمت لهـا "ريما" وهي تسألهـا بإهتمام:
- إنتي كويسة، حاسة بحاجة؟
شعرت "لينا" أنها بداخل كوكب آخر.
بلعت ريقها بتعب عاجزة عن استيعاب أي شيء يحدث حولها.
أخفضت رأسها تفكر على ما يجب فعله، لكن صوت "حاتم" الساخر أخرجها من عنق أفكارها حينما قال:
- هي القطة أكلت لسانك؟
تجهم وجهها وهي تسأله بحنق:
- أفندم؟
- أهو بتتكلمي، في إيه؟ إنتي كويسة.
زفرت "لينا" بضجر وهي تجيبه:
- أيوة كويسة.
نهضت من مكانها بحذر حتى لا يُصيبها الدوار مرة أخرى.
نظر "حاتم" حوله قبل أن يضع يديه بداخل جيوب بنطاله لاويًا ثغره بتعجب.
وجه أنظاره نحو شقيقته التي تدنو منها قليلًا متسائلة بجدية:
- هو إنتي جاية لحد معين هنا.
سؤال ألجمها، وجعل جسدها يتخشب.
هي هنا هاربة.. ضائعة.. تائهة، تحتاج إلى يد تدعمها، إلى كلمات تبث لها الطمأنينة، تحتاج إلى "مراد" كثيرًا!
سحبت نفسًا عميقًا وردت دون شعور بصوتها البارد:
- أنا جاية ببدأ حياتي من جديد هنا، فمعرفش حاجة هنا لسة.
تمتمت بتلك الكلمات المقتضبة وهي تنظر حولها باحثة عن حقيبتها.
ما إن وجدت ضالتها حتى قبضت عليها وهي تنظر لهما ببسمة متكلفة، ثم قالت بشكر مع إيماءة خفيفة من رأسها:
- أنا بشكركم على إللي عملتوه حقيقي.
تابعت كلامها وهي تتسائل في شئ من التردد:
- لو تعرفوا الأماكن هنا في ألمانيا كويس قولولي؛ لأني زي ما قولت أنا أول مرة أجي ألمانيا، وأنا في عنوان عاوزة أعرف مكانه فين بالظبط، عشان لو طلع بعيد ممكن أقعد في أوتيل.
قبل أن يجيبها "حاتم"، قالت "ريما" بإبتسامة جادة رغم تلهفها الذي ظهر بلهجتها:
- أوتيل إيه؟ طب ما تيجي تقعدي معانا كام يوم دول، إنتي في الغربة ومحتاجة القرشين دول.
رفع "حاتم" حاجبيـه للأعلى وهو ينظر لشقيقته، يود كثيرًا أن يسألها بسخرية:
- شوف مين بيتكلم.
شعرت "ريما" بنظرات شقيقها، فإبتسمت له بتوتر وهي تنظر له بعيون راجية.
رفضت "لينا" بقوة وهي تتراجع للخلف قائلة بجدية:
- لأ شكرًا يا آنسة ريما، أنا مدبرة أموري.
قطبت "ريما" جبينها وهي تتسائل بخفوت متعجب: "آنسة؟!"
تنهدت في شئ من الضيق بعدما شعرت بالحرج من معاملتها الرسمية وليس الودودة.
في حين دنا "حاتم" منها بهدوء وهو يقول لها مصححًا:
- هي مش قصدها، على العموم وريني العنوان كدا.
أخرجت من جيب بنطالها الصغير ورقة مطوية ثم ناولته.
قرأ العنوان بصوتٍ خافت مهتم، قبل أن يتقوس فمه بإبتسامة جانبية.
نظر لها بتعبيرات وجهه الساخرة متمتمًا:
- معقولة؟ شقتك في مكان فخم زي ده، إنتي طلعتي جنبنا.
نظرت له "لينا" بغيظ مكتوم من تلك الكتلة المثيرة للاستفزاز فقط.
أومأ برأسه بخفة قبل أن يسألها بتعجب:
- صحيح، هو إنتي اسمك إيه؟
رفعت ذقنها قليلًا وهي تجيبه:
- لانا.
نظر لها "حاتم" قليلًا ثم قبض على يد شقيقته برفق يسحبها خلفهـا، وبيده الأخرى أشار للواقفة تناظره بضجر قائلًا بصوتٍ جدي:
- طب تعالي يالا أركبي معانا، هنوصلك في طريقنا.
- لأ شكرًا أنا هشوف عربية أجرة.
ألتفت لها على حين غرة وهو يقول بحدة:
- بقولك إيه أنا لسة راجع من السفر تعبان ومش ناقص كتر كلام، وبعدين عيب أوي أسيب بنت بلدي وهي أساسًا جارتي، أتفضلي يالا.
- ماشي، بس أتكلم عدل أحسن لك.
قالت كلماتها الأخيرة ببرودٍ قاتل وهي تجر حقيبتها خلفها وتتحرك من أمامه بكل ثقة.
مسح على وجهه بنفاذ صبر وهو يسير مع شقيقته مغمغمًا بتذمر:
- صبرني يارب.
***
إزداد وضعه سوءًا بعد استيعاب صدمته، وقع مرة أخرى في حفرة عميقة لا نهاية لها من الظلام الدامس.
كادت أن تتوقف نبضات قلبه لولا إلحاق الأطباء والذين استشعر بعضهم بخطورة الموقف.
في حين ظلت "دينا" واقفة تنظر لباب الغرفة المحتجز فيها شقيقها بفزع.
جسدها بالكامل يرتجف، وجهها شاحب، شفتيها زرقاء، تشعر ببرودة قارصة تعصف بجسدها.
ضمت ذراعيها تحتضن جسدها، و"أدهم" يقف عاجزًا، القلق ينهش قلبه من كل جانب.
محبوبته ورفيقه! عليه أن يبدو صلبًا رغم أنه يود كثيرًا أن يقع جالسًا على الأرض بضعف ويبكي ألمًا.
دنا في اتجاه "دينا" وهو يقول:
- أهدي يا دينا، مراد هيعدي منها إن شاء الله.
- مـ.. مش قاا.. قادرة، تـ.. تعبانة أوي.
انهمرت دموعها بقهر بنفس لحظة خروج الطبيب من الداخل وهو يزفر بتعب.
انتفض جسدهما مع خروج صوت "دينا" المتحشرج بالبكاء وهي تهرع عليه متسائلة:
- مراد كويس صح؟ طمني عليه أرجوك.
كسى الحزن على وجه الطبيب الشاب وهو ينظر لهما مشفقًا على حالهما:
- للأسف حالته بتتدهور، قلبه كان هيقف لولا ستر ربنا.
هدر "أدهم" بعصبية وهو يشير بيده:
- يعني إيه؟ أعمل أي حاجة، أجبله أحسن دكاترة أجانب هنا، أو أسفره برا، المهم يكون كويس.
قال الطبيب بوجوم:
- للأسف هو مش بيعاني في الجسم أكتر من حالته النفسية، الصدمة اللي واخدها هو مش قادر يتقبلها. إحساسه بالندم مخليه مستسلم في الحالة دي، فهو حاليًا بإيده يخرج نفسه بنفسه أو يستسلم.
كلماته ترددت بسرعة وعنف بداخلهما، فزع سيطر عليهما، جعل كل منهما يتصنم في مكانه.
شعرت "دينا" أنها ستقع في إغماءة طويلة، فأستندت بيدها على ذراع "أدهم" رغماً عنها.
انتبه لها فأسرع بإمساكها وهو ينطق بخوف:
- دينا.
فغرت شفتيها وهي تنظر أمامها بعينين متسعتين ذاهلتين.. دامعتين.
أرتجف جسدها بصورة مقلقة وهي تبكي بصمت.
بدأت تدور بها الدنيا، وضعت كف يدها على جبهتها.
أقترب منها الطبيب وهو يصيح على إحداهن لتلحق بها:
- يا nurse تعالي بسرعة.
أقتربت منه ممرضة شابة سريعًا وهي تجيبه باهتمام.
أشار بيده نحو "دينا" وهو يقول:
- خديها، خليهم يقيسولها الضغط لتقع مننا.
وبالفعل استندت عليها "دينا" بتعب.
راقبهـا "أدهم" بعينين حزينتين وألم عنيف يضرب قلبه.
هو بين نارين لا يعلم أي طريق يتخذه.
انتشله الطبيب من تفكيره وهو يربت على كتفه قائلًا بوجوم حزين مقدرًا ما يمر به:
- أنا عارف إحساسك، ماتقلقش كله هيعدي بأمر الله.
أومأ رأسه بالإيجاب وهو يبلع ريقه بمرارة.
غادر الطبيب من أمامه، وقف "أدهم" جوار باب الغرفة الشبه مغلق.
رأى "مراد" المسطح على الفراش يتصل به الكثير من الأجهزة الطبية، مغلق العينين، جسده ساكن بطريقة مخيفة.
هنا لمعت عيونه بالدموع وهو يقول بصوتٍ خائف مرتعش:
- إنت مش صاحبي وبس، إنت أخويا يا مراد، عملنا كل حاجة مع بعض، عشنا كل حاجة سوا، مش هقدر أشوفك كدا، هقع معاك، مش هستحمل.
ولكن عقل "مراد" يذهب إلى تلك الذكرى مجددًا، وقوفه بجبروته.. قوته المخيفة بعض الشيء، يرفع يده مصوبًا سلاحه نحوها، كلمات سامة ينطقها تطعن قلبها المسكين، ونقطة النهاية حينما أطلق عليها رصاصته مع وداعه البارد، وكلمتها قبل أن تفقد وعيها تتردد في عقله حتى أنه نطقها على أرض الواقع دون شعور:
- هتندم!
***
بعد هروبه إلى إحدى البلاد الأوروبية، تحرك "آريان" بخطى واثقة، وإبتسامة جادة تزين وجهه.
انتقل إلى غرفة الاستقبال الخاصة بالفندق الذي يود المكوث فيه مؤقتًا.
توقف أمام الطاولة الرخامية العالية، استند بكلتا يديه عليها وهو ينظر لموظفة الاستقبال قبل أن يقول باللكنة الإنجليزية:
- في حجز نازل باسم "آريان واكد"، مظبوط؟
أومأت موظفة الاستقبال برأسها وهي تنظر لشاشة الحاسوب.
لم ينتبه إلى تلك العيون المتسعة بإنبهار نحوه.
ألتوى ثغرها بإبتسامة صغيرة وهي تقول بلكنتها العربية المصرية:
- ياربي هو في كدا، ده كأنه بطل من أبطال الروايات اللي دايمًا بقرأها، يا خرابي على الحلاوة.
أتسعت عيونه للحظة ولكن تمالك ذاته بصعوبة مكافحًا أن لا تخرج ضحكته.
في حين تابعت وهي تقول في شئ من الخوف مع مرحها:
- لأ لأ نقول ماشاء الله لا يجراله حاجة، بس ده جنسيته إيه طيب، يا خرابي على الفضول، شكلي هرجع متجوزة.
بنفس اللحظة أعطت موظفة الاستقبال لكل منهما مفتاح غرفته.
وقع من تلك الفتاة ورقتين على الأرضية، وقبل أن تنحني بجسدها، وجدته ينحني بجذعه يجلبها ثم أعطاها بكل هدوء.
شكرته باللكنة الإنجليزية، ليجيبها بإبتسامة جذابة باللكنة المصرية:
- مفيش داعي للشكر، عن إذنك.
تركها متسعة العيون ودقات قلبها تتعالى، خبأت وجهها بالأوراق وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الحرج.
تمتمت بإرتباك وهي تنظر حولها:
- اتفضحت، يارب تكوني اتبسطتي.
***
وصلت "لينا" أخيرًا إلى شقتها.
أبدلت ملابسها ثم مدت جسدها على الفراش، وقبل أن تغمض عينيها وجدت رنين هاتفها يرتفع معلنًا عن اتصال.
سحبته من على الكومود وهي تعتدل بجلستها ثم أجابت باهتمام:
- أيوة يا سيادة اللواء... آه وصلت بالسلامة الحمدلله... الله يسلمك.
صمتت قليلاً قبل أن تسأله بجدية وقلبها ينبض بخوف دون إيجاد لسبب ذلك:
- طيب هو أنا عايزة أعرف أخبار مراد؟
- للأسف مراد فاكر إنك ميتة، وأول ما عرف جتله جلطة في القلب قعد معاه 3 أيام، وأول ما فاق واستوعب الحقيقة بردو رجع تعب تاني، ومستسلم لحالة فيها خطورة على حياته.
كلمات وكلمات ولكن بمثابة صفعات تلقتهـا على وجنتيها.
توسعت عيونها السوداء بصدمة، مع هلع قلبها عليه، فمع ذكر اسمه تشعر أن عاطفتها بحرًا لا يهدأ أبدًا.
فهو عالق في ذكرياتها؛ كالذنب لا يغتفر، كلما بحثت عن طريق لنسيانه، وجدته وإليه المفر.
ظن اللواء "سامي" أنها أغلقت الاتصال، ولكن تفاجئ بصوتها الشرس وهي تقول بقوة وكأنها صيغة آمرة:
- مراد لازم يعرف إني عايشة، مش هسمح أنه يجراله حاجة، حتى لو حياتي أنا في خطر لازم يعرف، لأنه لو عاش حتى هيعيش قلبه ميت.
- مينفعش يا لينا، إنتي كدا بترميـه هو نفسه في النار.
قاطعته بحدة عنيفة جعلت الذهول يتمكن منه:
- مفيش خطر عليه، لو هو متسرع، فهو دلوقتي هيقدر خطورة الموقف، ولو حضرتك مخلتوش يعرف، أنا هوصله المعلومة بطريقتي، وأظن حضرتك عارف "لينا الصاوي" لما بتقول كلمة بتنفذها.
وهناك من يموت شنقًا بالفراق، ستقاتل حتى لا يحدث ذلك، فهي ستختاره في كل مرة ومرة.
رواية أتحداك أنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أميرة مدحت
ظلت تسير في غرفتها ذهابًا وإيابًا، وهاتفها بين يديها تنتظر مكالمة اللواء "سامي"، بشأن حادثة "مراد". ظلت لفترة طويلة تتحرك بتوتر وعيناها تتقلب فيما حولها بإرتباك.
ما أن تعالى رنين هاتفها حتى أجابت بلهفة دون عمد:
- أيوة، ها إيه الأخبار؟
تنهد اللواء "سامي" بضيق قبل أن يجيبها بهدوء:
- لانا، اسمعي كويس اللي هقوله. الناس اللي كنتي معاهم واللي بينفسوكي، مش هيقدروا يعملوا حاجة لمراد، لأنه يدوب ميعرفش غير الناس اللي اتقبض عليهم. لكن لو حسوا منه إنك عايشة حياته هتبقى في خطر. هما بيتابعوا حالته، استوعبي الكلام ده واركني عواطفك على جنب.
قطبت جبينها بقوة وهي تتساءل بحدة:
- يعني إيه؟
من جديد أجابها بهدوئه:
- يعني مش أقل أسبوعين، أقل حاجة.
صرخت فيه "لينا" بقهر:
- كدا مراد حياته في خطر بسببي، لو جراله حاجة أنا آآ...
قاطعهـا اللواء "سامي" بجدية وهو ينهض من مكانه:
- يا لانا، الموضوع دلوقتي مش بإيديا. أنا اتواصلت مع المستشفى، ولما بلغت الدكتور اللي ماسك حالته، قالي لو عرف أساسًا دي هتبقى صدمة تانية في حالته مش هستحملها، لأنه مش مستوعب. هيستوعب لو ظهرتي قدامه، وده شيء مستحيل يحصل، لأنك مش هتنزلـي مصر إلا بعد سنة.
عقدت ما بين حاجبيها بقوة وهي تقول بغضب:
- سنة!! ده مستحيل يحصل.
حتى ينهي ذلك النقاش قال بنفاذ صبر:
- سيبها لوقتها، المهم الفترة دي تعدي وبعدين هنتفق.
أنهى مكالمته معها، فصرخت بغضب وهي تلقي هاتفها على الفراش. وضعت يديها على رأسها تحاول السيطرة على ذلك الصداع الذي بدأ يغلبها. تنفست بغضب جامح وهي تحرك رأسها بالسلب متمتمة بحزم:
- مش هيحصل، مش هفضل سنة هنا، كلهـا أسبوعين وهقوله.
*****
خمسة أيامٍ أخرى مرت بأحداث حزينة.. جامدة.. مؤلمة. خرج "مراد" أخيرًا من المشفى وهو ينظر حوله بجمود. وبجواره كل من "أدهم" وشقيقته. تحركوا به نحو السيارة. فبدون حديث طويل هتف برفيقه بصيغة آمرة التوجه إلى شركته ثم أن يذهب بشقيقته إلى المنزل، فما كان من الأخير إلا أن يستجيب لرغبته.
قبل أن يدخل الشركة وجد يد تقبض على كفه. التفت بعينين حادتين سرعان ما ترخت عندما وجد ابن خالته أمامه ينظر له ببسمة واسعة وعينين قلقين تتأمله بدقة. دون شعور احتضن رفيقه متنفسًا بعمق ما أن رآه يقف على قدميه. أغمض "مراد" عينيه للحظة قبل أن يفتحهما وهو يتراجع للخلف. ابتسم له بشحوب متسائلًا:
- آخر حاجة أتوقعها هو نزولك يا جاسر.
ابتسم له "جاسر" وهو يربت على كتفه قائلًا بجدية:
- إزاي أسيبك لوحدك في أزمتك. إحنا طول عمرنا على الحلوة والمُرة، هسيبك دلوقتي؟
أومأ "مراد" برأسه إيماءة خفيفة. فتابع "جاسر" بقلق وهو ينظر له بعدم تصديق:
- إنت إيه اللي جرالك؟ شكلك اتغير، وشك كله تعب وجسمك كمان، إيه اللي يستدعي لكل ده.
مسح "مراد" على وجهه وهو ينظر أمامه بشرود قبل أن يتمتم بحرقة وعيناه تلمعان:
- أي حاجة بنعملها يا جاسر بيكون ليها ضريبة. أنا دلوقتي بدفع ضريبة الندم، وذنب في رقبتي هفضل شايله، ووجع في قلبي لو حكيت عنه من هنا لبكرة مش هعرف أوصفلك.
تألم "جاسر" لحاله وقبل أن يسأله، وجده يضيف:
- عارف إنك عاوز تعرف قصدي والحكاية كلها. أنا معنديش طاقة أحكي، لما أدهم يوصل أبقى أقعد اسمع منه. أنا محتاج أهرب شوية.
دون أن ينتظر رده تحرك صوب داخل الشركة. زفر "جاسر" بحنق وهو يضع يديه في جيوب بنطاله. صمت قليلًا وهو يقول بإمتعاض:
- يعني ملقيتش غير أدهم، ده أنا مش بطيق أقعد معاه مع بعض ولا هو، أقعد أسمع منه الحكاية!!
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يقول بابتسامة ساخرة:
- وهو ما هيصدق، ويتفشخر بقى بنفسه ويحط رجل على رجل ويطلع طاقة الخامة اللي مش بيطلعها على أي حد غيري، ماشي يا أدهم الزفت.
*****
بعد قليل.
دخل "أدهم" غرفة مكتب "جاسر" وابتسامة بلهاء مرتسمة على شفتيه. ما أن رآه "جاسر" حتى أغمض عينيه بقوة وهو يمسح وجهه بقوة، متمتمًا من بين أسنانه:
- يالهوي بقى.
تحرك "أدهم" نحوه وهو يجلس المقعد ثم قال بابتسامة واسعة تثير غيظه:
- جـاسو حبيبي، حمدلله على السلامة وصلت إمتى؟
رمقه "جاسر" من طرف عينيه مجيبًا بحنق:
- نص ساعة.
- لما قالولي إنك وصلت جاسو مصدقتش، بصراحة طول السنين دي ملقتش حد أرخم عليه غيرك، كنت أرخم على مراد لكن إيده بتسبقه، فضلت أقول فين أيامك يا جاسو فيــن أيامك يا جاسو وفضلت أصرخ وآآ...
قاطعه "جاسر" بغضب وهو يضرب بقبضة يده على سطح المكتب. انتفض "أدهم" من مكانه ينظر له بدهشة. رفع سبابته نحوه وهو يقول بصرامة:
- إيه جـاسو دي؟ قلتلك 100 مرة متقولش أي اسم دلع ليا، بتنرفز.
اتسعت ابتسامة "أدهم" وهو يحرك كتفيه قائلًا:
- ده أحلى دلع يابني، هو حد طايل ولا إيه جوجو؟
توسعت عيناه وهو ينطق بصدمة:
- جوجو!!
- ده في كمان ساسو وسورو، وفين 3 تانيين بس يليقوا على البنات، هيبقى شكلك وحش لو قلتلهملك.
هب "جاسر" واقفًا وهو يدور حول مكتبه هادرًا بغيظ:
- بس بقـــى قولتلك بتعصب.
وقف "أدهم" قبالته وهو ينظر له بذهول:
- بيعصبك الدلع ده؟
- أيوة، فياريت تتنيل على عينك تقعد وتحكيلي عن موضوع مراد.
أومأ رأسه سريعًا وهو يقول ببسمة باردة مستفزة:
- هحكي يا جاسو ولا جسوري، جسوري ساسو، سورو جاسر، جـ... آآآه...
سدد له لكمة عنيفة في فكه وقبل أن يستوعب وجده يسدد له لكمة أخرى أشد أسقطته أرضًا. جثى فوقه وهو يرفع يده كبضة يستعد لتسديد لكماته. رفع "أدهم" يديه يحمي وجهه وهو يقول:
- خلاص خلاااص حرمت، بلاش إيديك وحياة عيالك يا شيخ، المرة اللي فاتت فضلت بايت في المستشفى.
تنفس "جاسر" بغضب وهو يخفض يده، وثب واقفًا وهو يقول:
- أيوة كدا اتعدل.
حرك "أدهم" رأسه ببراءة وهو يجلس على المقعد وقبالته "جاسر". عدل من هيئته قبل أن يقول وهو يشير بيده:
- يلا اطلع بـ200 جنية.
رفع "جاسر" وجهه نحوه وهو يسأله بحنق:
- نعم!! بتوع إيه؟
استخدم "أدهم" يده في الإشارة قائلًا بثقة:
- لأ ما أنا لازم استغلك، 200 جنية قصاد إني أحكيلك الحكاية بالتفصيل الممل، هتجيب ولا أقوم وساعتها أبقى قابلني إن عرفت.
دس "جاسر" يده في جيب بنطاله وهو يخرج محفظته الجلدية الثمينة. أخرج منها ورقة بمئتي نقدي وأعطاها له بوجه ممتعض. أخذهـا منه "أدهم" بابتسامة شامتة، قبل أن يضع ساقه فوق الأخرى ويرخي ظهره على مسند المقعد بفخر، ثم بدأ بسرد ما حدث منذ البداية، والأخير يستمع إليه بانتباه.
*****
خمسة أيامٍ مرت دون أي جديد. لقد حفر السواد تحت عينيه ونحل وجهه بشدة، بل نحل جسده كله. وفوق كل هذا يتحتم عليه.. العيش بشكل.. طبيعي!! يتوجب عليه التعامل مع هذا وذاك، تحية هذا، الابتسام لرجل الأمن، القيام باجتماعات مهمة يكاد لا يفقه منها شيئًا لذا لا يتركه كل من "جاسر" و"أدهم" في أي منهم.
في حين كانت "لينا" جالسة تتابع أخباره باهتمام، تقص ملامحه من فوق الأوراق وتحتفظ بها في ألبوم مميز كبير خاص به وحده. ووقت الحنين، حين الاشتياق لا تملك إلا أن تضمه بين أحضانها. القلب يئن بألم، العين تدمع بتوسل لقاء، والروح تستجدي قربًا لم تنله وربما لن تفعل.
*****
أيام وأيام أخرى، ليس بها سوى الألم، ولكن منذ متى والألم يدوم؟!.. كابوس جديد ككل ليلة. سلاح.. تصوبيه نحوها.. إصابتها بطلق ناري.. ثم الندم.
حرك رأسه بعنف وكأنه يحارب، يحاول التنفس ولكن ثقل عنيف على جسده. صورتها وهي غارقة في دمائها ومن ثم الاشتعال بحريق هائل في قصرها جعل جسده يرتجف أكثر. ومن ثم أخيرًا فتح عينيه فجأة ينظر حوله بخوف وعدم استيعاب.
ظل على ذلك الحال لدقائق معدودة، قبل أن يعتدل في جلسته ويغادر فراشه. نومه أصبح متقطع، ظل يئن بقوة وحبات العرق الباردة قد تصفدت من جبينه. وفجأة بدأ بالصراخ؛ وكأنه يريد إخراج ما بداخله منذ أول يوم.
كان يصرخ بصوت مبحوح وهو يضرب كل ما تطاله يده. لا يرى إلا حمرة الغضب تُغشي عينيه، أو ربما هو دمه الذي يغلي! انهار على الأرض متهالكًا ثانية هاتفًا برجاء، بصوت مذبوح ينحره سكين الألم:
- مش قادر، الندم معاكي صعب، ليه ذبحتيني يا لينا بموتك، ليـــــه؟
أخذ يضرب رأسه برتابة في الحائط خلفه، عدة ضربات هادئة ليعقبها بصرخة ألم محملة بكل حرقة العالم.. شقت دياجير الليل، من حنجرته المذبوحة، ولكن هل للألم ذاك علاج؟!..
فتحت شقيقته الباب بقلق تزامنًا مع انتهاء صرخته لتجده متهالكًا أرضًا في حالة يرثى لها، يلهث بقوة واضعًا يده على صدره موضع قلبه الهادر. عيناه حمراوان كما بركتان من الدماء والأسوأ كانت تلك النظرة فيهما.. نظرة خواء شديد، ضياع وتيه، نظرة رجل مقهور!
دنت منه بصدمة وهي تضع يدها على فمها تمنع ذاتها من البكاء. أقتربت منه ثم جلست على الأرضية الصلبة تجذبه بداخل أحضانها. حاول أن يغمض عينيه ولكنه فشل، يرى صورتها حينما يغمض عينيه وهذا يؤلمه. مسحت على خصلات شعره ودمعاتها تهبط على وجنتيها قبل أن تهمس باختناق:
- عمري ما شفتك بالضعف ده.
كان جسده يرتعش رغم أحضانها الدافئة. قال بصوب شارد بعيد... بعيد جدًا:
- ذبحتني يا دينا، ذبحتني بموتها. كنت عاوز أعتذر لها، أعوضها، أقضي اللي باقي من عمري معاها، مش عارف أعيش من بعدها.
أخفضت وجهها تنظر لمعالم وجهه الشاحبة وهي تقول بشهقة بكاء:
- هتكمل حياتك، لازم تكمل، مش هستحمل أفضل شيفاك كدا.
فقال هامسًا بذات الصوت المختنق المعبأ بالألم:
- أول ما النهار يطلع هزور قبرها، وحشتني أوي، يمكن أرتاح بإحساسي أنها في نفس المكان اللي أنا فيه.
*****
في اليوم التالي، جلس "مراد" أمام قبرها بعيون حمراء.. متألمة. كادت أن تهبط دموعه لكن تمالك ذاته، ورفيقه "جاسر" يقف خلفه ينظر له بألم مثله، يربت على كتفيه كنوع من الدعم. وضع "مراد" الورد الأحمر والأبيض على قبرها قبل أن يبتسم بشحوب:
- وحشتيني أوي، أنا عارف إنك حاسة بيا، شفتي وصلت لفين؟!.. موتك غير حاجات كتير أوي جوايا، كنت فاكر أني أقدر أخضع الكل بقوتي وهيبتي، لكن انتي هدّيتي كل اللي بنيته في أيام في لحظة واحدة. كان نفسي أعرف انتي مين من الأول، كنت هاخدك في حضني وأهربك من الدنيا كلها، بس نكون سوا.
صمت قليلًا قبل أن يضيف بصوت متحشرج:
- قلبي مدقش غير ليكي، مش هقدر أعيش كدا، كل لحظة بعيش في تعب وندم. قلبي محروق ومش عارف أهدى، انتي سمعاني صح؟!.. أرجوكي تسامحيني، قلبك اللي ادتهولي أنا دوست عليه بشغلي، لكن موتك قتلني يا لينا، سامحيني.. أنا بحبك.
أخفض رأسه تنهمر دموعه الحارقة على وجنتيه. تنفس بعمق وهو يمسحهم بعنف، وثب واقفًا بهدوء وهو ينظر لقبرها نظرات مؤلمة. شعر بألم حاد في قلبه، فوضع يده يسحب نفسًا عميقًا ويزفره بحرقة. ربت رفيقه على كتفه وهو يتمتم بشفقة:
- يلا يا مراد.
أومأ برأسه ولكن تصلب جسده فجأة في مكانه. رائحة عطرهـا المميزة. فغر شفتيه قليلًا وهو يرمش بعدم استيعاب. استمع إلى صوت رفيقه وهو يتسائل بخشونة لفتاة ما ترتدي النقاب:
- مين حضرتك؟
استدار "مراد" بعنف وعيناه متسعتان بذهول صادم. لم يرى سوى عيناها، ولكن كفى بهما. في عينيها أغلال وأصفاد معلقة. ارتجف جسده لوهلة حتى شعر أنه سيقع لولا رفيقه الذي أسنده وهو ينظر إليه بخوف وحيرة نحو تلك الفتاة صاحبة العينين الدامعتين رغم صلابتهما.
دنت "لينا" منه خطوة واحدة وهي تناديه بألم وعيناها تلتمعان بشدة:
- مراد.
أبعد "مراد" رفيقه عنه وهو يتحرك نحوها بعينيه الذاهلتين. وقف أمامهـا يحدق فيها بعيون بداخلهـا ألم وغضب يكاد أن يفجر العالم بأكمله. رفعت "لينا" النقاب حتى يراهـا ويتأكد. قطب جبينه بوجع وهو يشعر بأن قدماه لم تعد تتحمل الوقوف، فجثى على ركبتيه بضعف وهو ينظر حوله وكأنه تائه. جثت على ركبتيها أمامه قبل أن تنهمر دموعها وهي تلمس وجنته هاتفة:
- مراد، أنا عايشة، مموتش، عايشة وجيتلك.
نظر لها بذهول وعيناه تلمعان. رفع يده نحوها يلمس وجهها، يريد التأكد من وجودها. خفق قلبه بشدة وهو يتمتم باسمها وكأنه يتذوق حروفها:
- لينا؟!.. إنتي عايشة بجد، عايشة.
رواية أتحداك أنا الفصل السادس عشر 16 - بقلم أميرة مدحت
عيناها السوداويان ترمقانه بخوفٍ، أبعد يده عنها يضعها على صدره موضع قلبه؛ يسحب نفسًا عميقًا بعدما شعر بنغزات عنيفة تضربه، هز رأسه بالسلب والدموع تصل إلى عيونه لأول مرة أمامه، قائلًا بضعف:
- أنا مش قد الوجع ده، أنا مش قدّه.
أحتضنت يداه ليرتعد وهو يحدق فيها بذهول. أغرورقت عيناها بالدموع وهي تنظر له بوجع على حاله، بدون ندم أو أن تفكر مرتين، ألقت نفسها بين ذراعيه ودموعها تنهمر بسعادة وهي تقول:
- أنا مامتتش يا مراد، أنا عايشة، الظروف فرضت عليا كل ده، أنا عايشة.
قاطعه عناقه القوي الممزوج بالسعادة والشجن واللهفة.. والإشتياق. أغمض عينيه قليلًا يتنفس بعمق، وقلبه الأليم قد بدأ يجتاحه الشعور بالإرتياح. تراجع للخلف يبعدها عنه برفق، ووضع يده على وجهها يتأكد.. بأنامله المرتعشة وعيون تتساقط منها الدموع قال:
- يعني إنتي مش خيال، ده مش حلم!!.. وهصحى بعدين على الوجع اللي عشته من بعدك، ردي عليا.
كان "جاسر" واقفًا خلفه يناظره بعينين قلقتين.. خائفتين عليه، والصدمة تعتريه من ضعف ابن خالته، وشعوره بأن الحياة عادت إليه من جديد بظهور تلك الفتاة الغامضة. تابع ما يحدث بصمت رغم حزنه وخوفه على ما هو قادم!
أحتضنت "لينا" وجهه بحنوٍ وهي تمسح دموعه برفق قبل أن تقول:
- أنا عايشة، ده مش حلم، ده حقيقي.
حرك رأسه بالسلب وهو يهمس بآخر سؤال توقعته:
- إزاي هونت عليكي تعملي فيا كدا؟!..
تبدلت تعبيرات وجهها إلى جمودٍ مخيف. نهض "مراد" ببطء. كاد أن يساعده "جاسر" ولكنه منعه بإشارة من يده، فتراجع للخلف. أختفت آثار الألم من وجهه ليحل مكانها الذهول وشيء من السخرية، فقد ظهر ذلك بوضوح في لهجته حينما تساءل:
- سبتيني بين الحياة والموت ومشيتي عشان تنتقمي؟!.. معقولة تفكري تنتقمي بالطريقة دي؟!..
بلعت ريقه بصعوبة وهي تنهض من مكانه، قبل أن تقول:
- أنا فعلًا فكرت أنتقم منك، فكرت أني أسيبك العمر كله تعيش بذنبي، تتعذب ببطء، لكن مقدرتش. أول ما عرفت إنك في المستشفى بلغت القيادة إنك لازم تعرف، لكن منعوني، لأن حياتي وحياتك في خطر.
نظرت خلفه للحظة قبل أن تعاود النظر إليه وهي تضيف بجدية:
- إنت متراقب، ومش هيسبوك إلا لما يتأكدوا من موتي، ورغم خطورتي إني أنزل، بس نزلت عشان تتأكد بوجودي. لو هنتقم منك مش هيبقى بالطريقة دي، مش هنكر إني كنت عايزة أشوفك ضعيف، لكن دلوقتي لأ.
لاح شبح ابتسامة باهتة على ثغره وهو يقول بألم:
- بس إنتي فعلًا أنتقمتي، أنتقمتي مني يا لينا وشوفتيني ضعيف.
التوى ثغره للجانب معلقًا:
- لو كنتي متغيرتيش الفترة دي، كنتي ممكن تلاقي رد فعل مني صعب، مفيش واحدة في العالم ده كله قدرت تحرك مني شعرة أو تشوفني على حقيقتي، إلا إنتي.
تنهد بحرقة وهو يتمتم بسخرية:
- بس يوم ما شوفتيني على حقيقتي كسرتيني.
ابتسمت "لينا" بعذاب وهي تقول:
- وإنت قبل ما تديني فرصة يا مراد أظهرلك على حقيقتي كسرتني برضو.
وضعت يدها على صدرها وهي تقول بعينين حمراوين:
- أثر رصاصتك موجود ومش هيتشال أبدًا.
سحبت نفسًا عميقًا وهي تتابع كلماتها المعذبة له ولهـا:
- مراد، أنساني، أنساني يا مراد، أنا وإنت مننفعش لبعض خالص، لا المجتمع هيرضى بينا، ولا الظروف، ولا كسرة اللي جوانا كل واحد فينا اللي كانت على إيد التاني، أنساني وعيش حياتك.
دنى منها عدة خطوات يقبض على ذراعهـا بقوة وهو يهدر بها بغضب:
- إنتي جاية عشان تقوليلي الكلمتين دول، أنساكي؟!.. كنت نسيتك وإنتي ميتة.
نظرت له بثباتٍ قبل أن تقول بجمودٍ رغم نبضات قلبها المرتفعة:
- حتى لو عدينا من كل ده، الموت مستنينا لو أتجمعنا، أنا مش فارق معايا نفسي، لكن إنت آآ..
بترت باقي عبارتها قبل أن تشرع فيه لتتحول تعابيره للوجوم المضطرب، تبدلت نبرته متسائلاً بعبوس مخيف:
- وأنا إيه؟!.. مش فارق معايا نفسي عشانك؟!.. إنتي متخيلة إني هسيبك؟!.. تبقي مجنونة.
- هتسبني، لأن لو إتجمعنا هتلاقي أحلى رصاصتين مستنينا، لكن لازم نبعد حتى لو مؤقتًا، سبني يا مراد، خلينا أبدأ حياتي على نضافة، أنا أطمن عليك دلوقتي.
كان وجهه صلبًا.. مرهقًا.. وغير حليق الذقن، وعيناه غائرتين مظلمتين من الأسرار. سألها بحدة:
- إنتي أطمنتي عليا، طب وأنا إيه؟!.. إنتي ليه بتعملي فيا كدا؟!..
أخذت نفسًا عميقًا لتقول بقسوة متحسرة:
- مش أنا، قولتلك أنا وإنت مننفعش نكمل يا مراد، طريقنا كله شوك، وهتلاقي نهايته هو الموت، فـ ليه نمشي فيه؟!..
أتسعت عينا "مراد" للحظةٍ قبل أن تعودا لبرودهما وهو يقول بصوتٍ خطير:
- وإنتي هتقدري تعيشي من غيري؟!..
عم الصمت داكن مشحون بينهما.. وعيناهما في حربٍ يائسة، إلى أن قالت "لينا" أخيرًا:
- محدش بيموت من الفراق.
لم تتغير ملامح "مراد" وهو ينظر إليها، إلا أن عينيه ألمعتا ببريقٍ أكثر قسوة، وهو يقول مصححًا:
- صح، لكن بنتعلق ما بين السما والأرض، مش قادرين نطول أي حاجة، والوجع بيفضل عايش معانا طول العمر.
أخفضت وجهها لتقول بجهد بعيدًا عن عينيه القاتمتين:
- خلاص يا مراد، على العموم أنا هفضل برا مصر مش أقل 8 شهور، لازم عشان الكل وقتها يكون أتأكد من موتي.
ألقت نظرة سريعة على ساعة اليد الخاصة بها قبل أن تغمغم:
- أنا لازم أمشي، طيارتي بعد ساعة، يدوب ألحق.
وقبل أن تستدير وجدتـه يناديهـا بصوته العميق، ألتفتت له بعينيهـا الحزينة، لتجده يدنو نحوهـا، يجذبهـا برفق من معصمهـا نحوه، أحتضن وجههــا وهو يتأمل تعبيراتـهـا الحزينة، قبل أن يهمس لهـا بصوتٍ عميق:
- لينا، أنا مش هقدر أنساكي، هستناكي من دلوقتي، بس لازم تعرفي إنتي في الآخر ليا.
فغرت شفتيها قليلاً تنظر إليه بعدم تصديق لكنها أرغمت نفسها قبل أن تصاب بالدوار ثم قالت أخيرًا:
- أتمنى، لكن معتقدش، لأني زي ما قولت، لا المجتمع ولا الظروف، ولا الكسرة اللي جوانا هتخلينا نتجمع.
نظرت لـه نظراتٍ أخيرة قبل أن تغطي وجههـا بالنقاب، عادت لمعة القوة بعينيهـا وهي تشير بيدهـا قائلة بهدوء مخيف:
- من الأفضل إنك تنساني، زي ما أنا هعمل.
- كدابة.
قالهـا ببساطة وهو يحرك كتفيه، لتشتد الحدة بعينيهـا وهي توليه له ظهرهــا، وبخطواتها الثابتة تحركت نحو الخارج، تاركة قلبهـا العاشق المحطم، مع قلب من حطمهــا، تحت نظراتــه القاتمـة.
أقترب "جاسر" منه يربت على كتفه بدعم، ليجده يقول بلهجة قاسية غريبة عليه وهو يرتدي نظارته السوداء:
- مش عاوز حد يعرف اللي حصل ده مهما كان مين.
***
جلست "دينا" بغرفة الجلوس مع "أدهم" الذي لازال يرمقها بمكر، يفكر بحماس أنها بعد عدة أشهر ستكون زوجته. تعالت نبضات قلبه تلقائيًا وهو يتنهد. نهضت من مكانها بتوتر وهي تقول:
- هاروح أجيبلك حاجة تشربيها.
نهض وسبقها عند باب الغرفة قبل أن تخرج لتصطدم بصدره. أبتعدت عنه بنظرة حادة وقالت بتحذير:
- أدهم، خد بالك.
رفع حاجبيه وهو يقول بجدية:
- كلها شهرين وتبقي كلك ملكي.
قطبت جبينها بقوة وهي تسأله بدهشة:
- إنت بتتكلم بجد؟!.. هنتجوز ومراد في حالته دي؟!..
زفر زفيرًا حارًا وهو يقول بجدية تلك المرة:
- أخوكي حالته صعبة فعلًا، بس في الشهرين دول هنكون جنبه برضو، وهيكون حاله أتحسن، لكن تأجيل والله ما هيحصل، بسببه أجلنا فرحنا سنة بحالها، المفتري.
قال كلمته الأخيرة بغيظٍ، ليتفاجئ بنفس اللحظة دخول "مراد" من باب المنزل، فقد كانت "دينا" تركته بسبب جلوسها بمفردها معه. رمقهم "مراد" ببسمة باهتة وهو يقول بهدوء:
- أطمن يا صاحبي، الفرح في ميعاده، أنا بقيت كويس.
نظرت له شقيقته وهي تقول بإرتباك:
- مراد، إنت آآ..
أتسعت ابتسامته لكن لم تصل إلى عينيه وهو يؤكد لها:
- صدقيني أنا بقيت كويس، هدخل أغير هدومي وبعد كده هطلع على الشركة.
ضيق "أدهم" عينيه بريبة وهو يراه يتركهمـا متوجهًا نحو غرفته. غابة سكون أمتدت بينهم قبل أن تتسائل "دينا" بتعجب:
- هو حاله أتغير كدا إزاي؟!..
نظر لها في حيرة قبل أن يقول بشك:
- أنا عارف مراد كويس، في حاجة حصلت غيرته، وخلت حاله يتحسن شوية، بس في نفس الوقت في نار جواه مش قادر يخرجها، حالة مراد مطمنش، بس بكل ثقة أقدر أقولك في مصيبة جاية.
شهقت "دينا" بقلق وهي تسأله بذعر:
- مصيبة!!.. هو إحنا ناقصين.
مسح على وجهه بقوة وهو يقول بجدية:
- هبقى أسأل جاسر، وربنا يستر، المهم دلوقتي أن الفرح في ميعاده وإلا مكنتش هقدر أسكت أكتر من كده.
- لا والله؟!.. كنت هتعمل إيه؟!..
نظر لها بتحدٍ وقال وقد أظهرت نبرته قوة تحديه:
- لو حصل، هخطفك.
***
ابتسمت "مريم" وهي تقف على الشاطئ بالقرب من مجموعة تقدم رقصة فلكلورية فوق الرمال. كان الجميع تعلو الضحكات شفاههم لهذه الفرقة التي تتراقص على لحن لاتيني. كانت تراقبهم بحماس، لم تشعر أن جسدها بدأ في التمايل بخفة، أغمضت عينيها لرائحة البحر بتلك النغمات، كانت تعيش سحرها الخاص، إلا أنها انتفضت فجأة حين شعرت بملمس غريب على خصرها.
لتجده رجلاً أربعينيًا.. من الواضح أنه أجنبي عن البلد، يضحك إليها مشاركًا في المرح والرقص، إلا أنه لم يقف باتزان تمامًا، وعيناه زائغتان ضاحكتان.
حاولت "مريم" الابتعاد عنه، ولكنه قبض على خصرها بقوة، صرخت فيه بلغته وهي تدفعه في صدره:
- أبتعد عني، لا أريد الرقص.
إلا أن صرختها ذهبت هباءً وسط باقي صرخات الغناء الصاخبة، ولم يلتفت إليها أحد سوى ذلك الثور، حيثُ جذبه بعنف من ظهره قبل أن يبدأ حواره معه بلهجة غاضبة، وكذلك الأخير أصدر تهديداته إلا أن جملة ختامية منه جعلته يتراجع ويبتسم بسماجة ثم يغادر من المكان. تحرك نحوها وهو يسألها باهتمام بلغتها:
- إنتي كويسة؟..
أتسعت عيناهـا وهي تسأله بذهول:
- هو إنت؟!..
ابتسم بخفة وهو يرى عبوسها، قبل أن يعقد ساعديه أمام صدره الضخم وهو يقول:
- آريان، اسمي آريان.
***
في المساء، وصلت "لينا" إلى ألمانيا، كانت تسير بخطى شاردة وهي تتجه نحو منزلها قبل أن تقابلها في الطريق "ريما". تحدثت معها قليلًا لتهتف الأخيرة بقلق:
- إنتي مالك وشك أصفر كدا ليه؟!.. تعالي عندي الفيلا، اشربي حاجة ونقعد بالمرة مع بعض شوية نتكلم، وعلى فكرة أخويا مش موجود دلوقتي.
تلك المرة وافقت "لينا" بدون مجادلة، هي في أشد حاجة إلى الجلوس مع أحد حتى لو كان غريب. وصلت معها وولجت إلى الداخل، أصدرت "ريما" أوامر للخادمة بجلب كوب من عصير، ثم جلست معها تتحدث بحماس لوجود فتاة مصرية معها بنفس المكان. وفجأة هبت "ريما" واقفة وهي تقول:
- ياربي، أنا هاروح أصلي صلاة العشاء، تيجي تصلي معايا؟!..
تصلب جسد "لينا" في مكانها، تقلبت عيناها فيما حولها بإرتباك جلي، وهي تتمنى أن تهرب من هنا. همست بتوتر وكأنها تسألها:
- أصلي؟!.
رواية أتحداك أنا الفصل السابع عشر 17 - بقلم أميرة مدحت
تحدث عن حزنك بسخرية، كي لا يشفق عليك أحد.
منذ وفاة والدتها لم تستمع إلى تلك الكلمة العظيمة رغم بساطتها، "الصلاة". لم تفكر مرتين وهي تنهض من على الأريكة، متوجهة بخطى ثابتة نحو المرحاض كي تتوضأ. وقد عزمت إلى الذهاب إلى باب الله، فحينما شردت قليلًا وجدت جميع الأبواب مغلقة إلا هو، فلتلجأ إليه، فهي على ثقة بأن الله ألطف من أن يحزن قلبها ثم ينساه، وأكرم من أن يعطيها الحزن الطويل لا يعقبه الفرح، الله أعظم من أن يزرع فيها أمل ثم يميته.
دقيقة وأخرى وأخرى، وكانت قد ارتدت زي الصلاة الخاص بـ"ريما". أغمضت عينيها للحظةٍ مستشعرة تلك الراحة الغريبة التي اجتاحت قلبها. قررت أن تبدأ من جديد، تبدأ حياة خالية من الذنوب، ولكن هل سيحدث كما تتمنى؟!.. أم أن هناك لعبة قدر جديدة؟!..
***
في الجهة الأخرى حيثُ يوجد مكان للسعادة، خرجت "مريم" من ذلك المكان بخطواتٍ راكضة وهي ترتدي سترتها. شهقت بخوف حينما وجدت "آريان" يربت على كتفها، يعقبه سؤاله المدهوش:
- إنتي جريتي ليه؟!.. الحق عليا إني لحقتك وبعرفك على نفسي؟!..
أشاحت عينيها بعيدًا عنه بتوتر، وهي تعض على شفتها السفلى بحرجٍ. تفهم "آريان" موقفها.. فبدون شعور ابتسم بمكر وهو يقول بشقاوة:
- آه مكسوفة، عشان معاكستك ليا آآ..
هدرت فيه بخجل:
- بس متكملش.
ضحك بخفة وهو يقول:
- من زمان مشوفتش بنت مكسوفة.
تابع كلماته وهو يمد يده لها للمصافحة:
- آريان.
صافحته "مريم" في شيء من الارتباك:
- مريم.
أومأ له برأسه وهو يتمتم ابتسامته الجذابة:
- إسم جميل زيك كدا.
- آه ده إنت بتردلي المعاكسة بقى؟!
- تؤ، أنا مبعرفش أجامل.
هزت رأسها وهي تلقي نظرة سريعة على ساعة يدها، قبل أن تقول بجدية:
- طيب شكرًا على إنقاذك ليا، أنا لازم أمشي.
قالت كلماتها سريعًا ثم غادرت من أمامه دون أن تنتظر الرد. اتسعت ابتسامته وهو يتمتم بخفوت:
- هبلة.
وضع يديه بداخل جيوب بنطاله مقررًا أن يمشي سيرًا، وأن يتوجه إلى البحر، فهو صديقه الثاني بعد "لينا". فكر قليلًا في حياته الغامضة، وكيفية البدء بحياة نظيفة. شعر بأن هموم الدنيا تتثاقل فوق كتفيه ولكن تلاشى كل ذلك ما أن رآها مجددًا تقف وحدها أمام البحر، مغمضة عينيها وكأنها تحاول أن تداوي شيئًا ما في روحها. وقف خلفها وهو يقول بصوت أجش:
- هو إنتي؟!..
استدارت نحوه وهي تقول بدهشة:
- آريان؟!.. بتعمل إيه هنا؟!..
- جاي لصديقي التاني.
قال كلمته وهو يشير نحو البحر. لم تجيبه بل عاودت النظر إلى البحر وأمواجه. خرجت من شرودها على سؤاله:
- معلش بس الفضول هياكلني، إنتي سرحانة في إيه؟!..
- حلو البحر أوي.
- بتحبيه؟!..
صمتت قليلًا قبل أن تقول بشرود:
- مختلف، يقدر يفرحك بموجة ويبكيك بإعصار، يقدر يحتوي دموعك بمياهه الدافية، ويمسحها ببرودته، فاتحلك دراعته في أي وقت ودايمًا.
ظهرت ابتسامة متعجبة على جانبي ثغره قبل أن يؤديه:
- حلوة الفلسفة دي.
- كلنا فلاسفة، لكن وقت الفعل بنختلف.
قال مبتسمًا بعد صمت دام للحظات:
- معاكي حق.
ثم السلام على الزمان بما معناه.
***
ظلت "دينا" جالسة مع "أدهم" لفترة طويلة يتحدثان معًا عن حفل زفافهما. موضوع وآخر يتحدثان معًا فيه بضحك ومرح إلا أن أتى موضوع خاص بـ"مراد" وحبيبته التي في عالم آخر. هنا.. اعتدلت "دينا" في جلستها وهي تتنهد بحرارة قبل أن تقول بجمود:
- نهاية لينا كانت هتبقى كدا فعلًا، سواء إمبارح أو النهاردة .. بكرا، كانت نهايتها هي الموت يا أدهم، إللي زيها مينفعش يعيش، أنا مش عارفة.. مراد إزاي فكر يحب واحدة زيها.
رفع رأسه ليخاطبها بهدوء:
- دينا، خدي بالك إنتي بتتكلمي عن واحدة ميتة، وبعدين لينا اتفرضت عليها الظروف دي، آه كانت شيطانة، لكن رجعت للحق، ولو هي ماتت، فهي ماتت شريفة قدام العالم كله بعد ما سلمت أبوها وأكبر مافيا للإنتربول.
أشارت "دينا" له بنظراتها، وأخبرته بهدوء زائف:
- إنت بتقول إيه يا أدهم؟!.. حية أو ميتة هي زي ما هي، البني آدم مننا ملوش غير سمعته واسمه، وهي لو كانت عايشة كانت سمعتها وبلاويها هتفضل تطاردنا، وهتبوظ سمعة أبويا النائب العام، لمجرد أنها بنت أكبر تاجر مخدرات.
حاول "أدهم" أن يضبط إيقاع تنفسه ليخرج صوته هادئًا وهو يتابع بتمهلٍ علها تتخلى عن عنادها الأهوج:
- دينا، إنتي متعرفيش حاجة عن حياتها فمن الأفضل تقفي لحد هنا، إنتي أصلًا بتتكلمي عن واحدة ميتة، لكن لسه عايشة في قلب أخوكي، لازم تراعي مشاعره.
نظرت إليه بجدية وهي تقول بتهكم:
- مع الوقت هيكتشف أن حبه ده وهم، وأن ده مجرد ذنب حسه لما ضربها بالنار.
صمتت للحظةٍ وهي تضيف بشرود:
- إللي تستاهل واحدة زي مراد هي "سلوى"، بتحبه وعندهـا كرامة، وعيلتهـا محترمة جدًا، هي دي إللي تناسبنا، وإللي تستاهله يا أدهم، غير كدا لأ.
رد "أدهم" بهدوء وهو يشبك كفيه على الطاولة ناظرًا لعيينهـا بنظرة العارف:
- مع الوقت هتكتشفي إنك غلط، وأن كلامك عن العيلة وإللي يناسب وميناسبش كلام فاضي، وأن إللي زي لينا يستاهلوا فرصة تانية.
هو فقط ألقى تلك الكلمات بهدوء بارد خالٍ من أي انفعالات.
***
عاد "حاتم" أخيرًا بعد يوم طويل من العمل. ألقى سلسلة المفاتيح وهاتفه على أقرب طاولة، قبل أن يعقد ما بين حاجبيه باستغراب حينما وقعت نظراته على "لينا" برفقة شقيقته. توجه نحوهمهـا ثم صافحهـا ببسمة مجاملة، وجلس قبالتهما. انتبه إلى سؤال شقيقته وهي تقول باهتمام:
- إيه يا حاتم، عرفت تتصرف في موضوع السكرتيرة ده؟!..
مسح على وجهه بإرهاق وهو يجيبها:
- للأسف لأ، السكرتيرة من يومين مشيت خلاص عشان فترة الولادة قربت، وأنا مش عارف أجيب مين مؤقت مكانها.
تعلقة عيني "لينا" عليه قليلًا تفكر بعمق، قبل أن تقول فجأة:
- أنا ممكن أبقى مكانها.
ابتسم "حاتم" بسخرية وهو يسألها ببرود:
- يا سلام وده إزاي بقى؟!..
ابتسمت له بثقة وهي تضع ساقها فوق الأخرى قبل أن تجيبه:
- أنا بعرف أتكلم أربع لغات، إنجليزي وفرنسساوي وألماني وصيني، وشوية إيطالي، وبالنسبالي الشغل ده سهل لأنه تخصصي.
رأت بوضوح ذلك البريق اللامع بعينيه، وما كان إلا بريق إعجاب. نظرت له بثقة لتجده ينهض من مكانه، ثم يقول بلهجة هادئة لكن امتلأت بنبرة الحزم الذي لا يقبل الجدل:
- بكرا تكوني في مكتبي الساعة 7 الصبح، ومعاكي أوراقك وشهادة تخرجك، هستناكي.
قالها وهو يشير بإصبعه قبل أن يولي لها ظهره متوجهًا نحو الدرج يصعد عليه نحو غرفته. نظرت لهـا "ريما" بانبهار وهي تقول:
- معاكي 4 لغات!!.. لأ إنتي كدا تعلميني بقى.
ابتسمت لها "لينا" بخفة، قبل أن تقول ببسمة صغيرة:
- إنتي متعرفيش أنا ارتحت قد إيه معاكي، أنا عمري ما اتكلمت كتير قد ما اتكلمت النهاردة.
اتسعت ابتسامتها السعيدة وهي تقول:
- بجد؟!.. طب طالما كدا، ليه عنيكي فيها حزن؟!..
سحبت نفسًا عميقًا وهي تجيبهـا بابتسامة تخفي ألمها:
- النصيب، لسه في جوايا حتة مدفونة، صعب أنها ترجع تحيا تاني.
تبًا كم هي بارعة في إخفاء ألمها. مسحت "ريما" على خصلات شعرها بحنوٍ وهي تقول:
- إنتي جميلة أوي يا لانا، وصدقيني مهما كان إللي حصلك ربنا هيعوضك.
أومأت برأسها وهي تقول بثقة غريبة:
- أنا واثقة من ده، وهعيش أستنى العوض ده، لأني محتاجة حاجة ترجع قوتي من جديد، عشان أعرف أبدأ من جديد.
بلعت ريقها بصعوبة قبل أن تهب واقفة وهي تقول:
- أنا لازم أمشي.
- تمام يا حبيبتي، المهم متنسيش ميعادك في شركة أخويا، هبعتلك اللوكيشن على الواتساب.
ستشفي جراحك، وتضحك من أعماقك، ستمضي ناسيًا وليس متناسيًا.
***
كان جالسًا على مقعده الجلدي، يضع رأسه بين يديه، والشرود والألم يبقيان معًا بجواره. قست عينا "مراد" وهو ينظر أمامه، لا يعرف كم ظل جالسًا هنا، تجرفه ذكرياتٍ وترميه أخرى، لكن كل موجةٍ منها كانت تعود به إلى نفس الشاطئ، "لينا".. بره الآمن.
يريدها أن تعود إليه حتى تصبح ملكه، كي يقيدها به للأبد، فهي أرضه.. وطنه.. أمانه من ذلك العالم الأسود الذي يحيط به. قال بعد فترة طويلة وهو يبتسم بعمق متوحش:
- تبقي أكبر غبية ومغفلة لو فكرتي إني ممكن أسيبك، أنا بحبك يا غبية، لازم تفهمي ده، مش بالسهولة دي تمشي وتسبني، أنا مع كل القسوة إللي فيا والتحدي بحاول أحاربهم عشانك، لأن بإختصار مقدرش أخرجك من حياتي.
مرر يده على شعره وهو يقول بألم:
- لازم ألاقيها.
***
وصلت "لينا" إلى منزلها بعد يوم طويل من الألم وقليل من المرح. تنهدت بحرقة، وما التنهيدة إلا هي صراخٍ مكبوت. قاطع الصمت في منزلها صوت رنة هاتفها معلنًا عن وصول رسالة. أمسكت الهاتف ظنًا أنها من "ريما" ولكن تعجبت حينما رأت أن الرقم غريب وغير مدون لديها. فتحت الرسالة لتتسمر في أرضها وهي تقرأ ما كتب فيها بالإنجليزية:
"المرة القادمة لا تعودي إلى المنزل متأخرة هكذا، فنبضات قلبي ارتفعت قلقًا عليكي يا حوريتي الجميلة"
رواية أتحداك أنا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أميرة مدحت
أشياء عظيمة صارت تنتهي بشكلٍ تافه، فعلًا البقاء لله.
استيقظت «لينا» من نومها بعد أن وجدت صعوبة في ذلك؛ بسبب الرسالة التي وصلت لها من شخصٍ مجهول الهوية!
نهضت بتعب من سريرها الدافئ واضعة كلتا قدميها العاريتين على الأرض الباردة، نظرت بجانب فراشها لتجد الساعة تشير إلى 5:15 صباحًا.
تمتمت بخفوت وهي تتحرك نحو خزانة الملابس:
- لازم ألبس تقيل النهاردة، الجو برد أوي.
بعد مرور فترة، غادرت من منزلها، ثم بدأت تسير في الشارع والرياح الباردة تضرب وجنتيها، ظلت تفرك كلتا يديها وهي تنفخ عليهم بالهواء الحار الذي يخرج من فمها لمحاولة فاشلة في تدفئتهم.
***
- في مصر -
أوقف «مراد» سيارته جانبًا على الطريق لملئها بالوقود، ويضع هاتفه على أذنه متحدثًا بجدية:
- خلاص نتقابل النهاردة، حدد الميعاد أنت بس وربنا يسهلها.
أومئ برأسه وهو يغمغم:
- طب سلا.. سلام.
تمتم منهي الأتصال وهو يضع الأموال في الخانة الخاصة بالنقود، ليقاطع عمله صوت أنثوي، ألتفت بوجهه مضيقًا عينيه بتعجب ليرى «سلوى» تصف سيارتها على الجانب وتترجل منها وهي تقول في شئ من الخوف:
- أنا آسفة أوي يا مراد، آسفة والله مكنتش أعرف إنك دخلت المستشفى ولا كنت أعرف عنك حاجة، أول ما سافرت إنجلترا لماما عشان تعبها أتقطعت عني أخبار مصر كلها.
أشار بيده وهو يقول ببسمة بسيطة:
- أهدي يا بنتي، أنا كويس دلوقتي الحمدلله، المهم أخبار مامتك إيه دلوقتي؟ أحسن؟
أجابته بدون تردد وهي تنظر له بتلهف:
- كويسة الحمدلله، المهم أنت طمني عليك؟
إبتسم لها إبتسامة ممتنة وهو يجيبها بلهجة هادئة:
- كويس ماتقلقيش، يالا بينا على الشركة، من ساعة ما مشيتي ومش لاقي اللي يفهمني في الشغل كويس.
زفرت «سلوى» بإرتاااح وهي تقول بشقاوة:
- لأ ما أنا من هنا ورايح مش هسيبك، رجلي على رجلك، هفضل أعدة على قلبك.
أتسعت إبتسامته وهو يقول:
- هنشوف، يالا روحي اركبي، عشان نتحرك.
حركت رأسها بالإيجاب، وهي تعود إلى سيارتها، تلاشت إبتسامته وهو يتخيل أن كان حديثه ذلك مع «لينا»، عفويًا زادت نبضات قلبه لتعود إبتسامته من جديد، مع أمل جديد أن يجدها.
***
حاول كثيرًا أن يصل إلى صديقة طفولته، والتي رأت الجانب المظلم له، ولم تفر هاربة كالبقية، بل بقت بجواره، حاول أن يصل إليها كثيرًا، حتى وجد عندما استيقظ من النوم رسالة على هاتفه من رقم غير مسجل لديه ليس فيه غير كلمتين فقط!
«آري، راسلني».
أتسعت إبتسامته وهو يهب واقفًا من على فراشه، امسك هاتفه وبدون تفكير ضغط على زر الأتصال منتظرًا الرد منها على أحر من الجمر حتى يطمئن عليها، وما أن إستمع «آريان» إلى صوتها وهو يقول ببهجة:
- أيوة يا لينا، إيه أخبارك؟!.. أخيرًا أفتكرتي تطمنيني عليكي.
زفرت «لينا» بتعب وهي ترد عليه ببسمة صغيرة:
- وحشتني والله يا آري، أنا الفترة اللي فاتت دي عملت حاجات كتير فوق ما إنت تتخيل، امبارح بس بدأت أستقر.
تنهد «آريان» وهو يقول بضيق:
- ولو بردو، كان لازم تطمنيني عليكي، مش سيباني كدا عمال افكر إذا كانوا قدروا يوصلوا ليكي ولا لأ، وأنا هنا متكتف، لأني في بلد وأنتي في بلد.
أتسعت ابتسامتها وهي تنظر حولها قائلة بإنبهار:
- بس جيت البلد اللي كنت بتمناها، ودي نقطة إيجابية.
تلاشت إبتسامتها فجأة وهي تقول بصوتٍ جاد:
- بالمناسبة، أوعى فرحتك بإننا خلصنا من اللي إحنا فيه ينسيك إنك تبدأ حياة نضيفة، أول باب تروحه هو باب ربنا، وبعدها أبدأ إنك تعافر في الحياة دي وإنت أدها، المهم إنك تبدأ من عند ربنا عشان يباركلك في الجاي.
سكتت للحظةٍ وهي تقول ببسمة ألم:
- أنا بحاول، وانت كمان حاول.
في تلك اللحظة، تذكر «آريان» حديث والدته عندما كان صغير، ابتسم تلقائيًا وهو يشعر بتلك الهزة الداخلية في روحه، حيث قالت له:
- حسن البصري قال عن الصداقة «استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة».
تنهد بعمق وهو يقول بثقة:
- لينا أنتي كنتي بتصلي وبتصومي، وكنتي أحسن واحدة لغاية ما أبوكي ده ورماكي في المستنقع الـ (...) ده، فـ ثقي إنك قادرة، وأنا كمان هبدأ من النهاردة.
- وعد؟
- أوعدك.
- طيب قبل ما تنزل صلي، وأدعيلي أتقبل في الشغلانة دي.
عقد ما بين حاجبيه وهو يسألها بتعجب:
- شغل؟ شغل إيه؟!
كانت أوشكت على الوصول إلى الشركة، ورغم ذلك اخفت توترها من مقابلة العمل، وهي تقول:
- قدام البيت عندي واحد اسمه حاتم فاتح شركة كبيرة بتتعامل مع دول كتير، لأن الشركة مكنش بيدرها لوحده، لأ جده، وبعدها والده لغاية ما جه هو، وأنا بقدم على إني أكون سكرتيرة.
- هيوافقوا، هما يلاقوا زيك؟!
- آريان، أنا في ألمانيا، الشغل هناك مش بيتقبل بالسهولة دي، المهم بس متنساش اللي قولتلك عليه، وأنا هقفل معاك عشان ألحق المقابلة.
تحرك «آريان» نحو المرآة وهو يقول بلهجة قوية:
- ماشي، بس لينا كلام تاني مع بعض، مفهوم؟
- طيب يا سيدي، يالا سلام.
أنهى معها المكالمة وهو ينظر إلى نفسه في المرآة، سحب نفسًا حادًا قبل أن يقول بذهول:
- الـبت دي عملت إيه مع مراد؟ ينهار أسود لو خليته فاكر أنها ميتة، ده أنا هطين عيشتها، ماشي يا لينا.
تحرك نحو المرحاض وهو يقول بعدم اهتمام:
- بلاش اضايق نفسي، أما أخد أحلى شاور، وأنزل بعدها يمكن أقابل مريم.. صدفة!
في الجانب الآخر.
كانت «لينا» تهم أن تدخل بوابة الشركة لتجد هاتفها يعلن عن وصول رسالة جديدة، أمسكت الهاتف من لترى الرسالة بإهتمام لتجد المكتوب هو:
«صباحي أنتي حوريتي، اللون الأسود يليق بكِ، أعتني بنفسك اليوم»
زادت نبضات قلبها، وهي تنظر حولها بصدمة، أبعدت خصلات شعرها عن وجهها، وهي تهمس:
- هو في إيه؟!
***
عند «سلوى» التي تركت معطفها وهاتفها في مكتب «مراد» لنذهب إلى آلة القهوة لتعد كوبان لهما، فعلى ما يبدو أن اليوم سيكون مزدحمًا بسبب الأعمال، ظلت تدندن بأغنية تجول في رأسها وهي مغمضة العينين ليقاطعها صوت الآلة معلنة عن إنتهاء صنع القهوة، فأخذتهم سريعًا وهي تسير بإستعجال نحو المكتب.
دلفت داخل المكتب وهي تغلق الباب بقدمها، تحركت نحو مكتبه ثم وضعت الكوب الخاص به أمامه، وكوبها أمامها، كادت أن تهم بأخذ الملفات ولكن أنتبهت إلى تلك الصورة الغريبة، تساءلت بإستغراب:
- إيه الصورة دي؟!
أنتبه إليها «مراد»، لينظر إلى ذلك البرواز، ابتسم دون شعور وهو يقول:
- لينا.
- لينا؟!
أمسك الصورة من بين يديه وهو يومئ برأسه، قبل أن يجيبها:
- حبيبتي.
رفعت «سلوى» عينيها نحوه بصدمة تناظره بذهولٍ، تابع «مراد» دون أن ينظر إليها مستمرًا في النظر على الصورة:
- دخلت حياتي عشان تقلبها، تقلب كل القوانين والقواعد اللي أنا حطيتها، تقلب المبادئ اللي أتربيت عليها، تقلب كل اللي بنيته في ليالي من هيبة ورهبة، تقلب.. قـ.. قلبي وتكسره زي ما أنا كسرتها وظلمتها.
انهمرت دموع «سلوى» وهي تستمع إلى كلماته، فكان بغباءها تعتقد أنها من الممكن أن تكسب حبه لها، لتجده يتابع قائلًا:
- أنا حبيتها جدًا، بس هي غبية وملحقتش تسمعها مني في الوقت الصح، ملحقتش، وأنا ملحقتش أعوضها واخدها في حضني، والله لو هي هنا، هخطفها وهاخدها لمكان محدش يعرفه، بس اعرف أخد فرصتي منها، لأنها عنيدة.. عنيدة لدرجة أنها ممكن تكسر قلبها عشان خاطر العند ده!!
رفع وجهه ينظر إليها ليجدها تكفكف دموعها بظهر يدها، عقد ما بين حاجبيه بقلق وهو يثب واقفًا متسائلًا:
- إيه ده ليه العياط بس؟!
نظرت لتعبيرات وجهه القلقة وهي تقول بإختناق:
- أتأثرت، الله يرحمها، كانت هتبقى محظوظة لو كانت لسه عايشة، على الأقل تشوف حبك، بس ملحقتش.
أشاح «مراد» وجهه بعيدًا عنها وهو يشعر بألم عنيف يضرب قلبه، نظرت له «سلوى» بقلب يصرخ بحرقة ورغم ذلك قالت ببسمة وجع:
- أنا هاخد الملف وأراجع عليه، عن إذنك.
وبالفعل سحبته وهي تحاول أن تتحرك بخطى سريعة نحو الباب، حتى تهرب من المكان بأكمله، جلست أمام مكتبها لتخبئ وجهها بين راحتي يديها تبكي بضعف وإنهازم على ذاك القلب الذي عشق شخص يعشق فتاة ميتة!!
- في الجانب الآخر -
أصدر هاتف «مراد» رنينه، فوضع الصورة في مكانها وهو يسحب الهاتف، وضعه على أذنه وهو يقول بجدية:
- ألو، أيوة.. لأ خلاص وصلت ليا على الإيميل، على العموم فرح أختي قرب، لازم تنزل مصر وقتها على الأقل نتقابل وبعدها نوقع على العقود ولا إيه يا حاتم باشا؟
إبتسم «حاتم» بهدوء وهو يقول بصوتٍ جدًّ:
- آه طبعًا، أنا كدا كدا ناوي انزل مصر، لأن في مقابلات شغل تانية، بس لازم أنسق مع السكرتيرة بتاعتي الأول ونتفق سوا، وهنتقابل أكيد قريبي.
رواية أتحداك أنا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أميرة مدحت
بعد مرور أكثر من شهرين ونصف، أيامٍ هادئةٍ تمامًا، ولكن هناك إشتعال خفي يحدث دون أن يدري أحدهم.
في ذلك اليوم كان هناك بداية عاصفة. أنتهى "حاتم" من عمله، فوثب واقفًا يجذب حقيبته السوداء الجلدية.
تحرك نحو الخارج ليجد سكرتيرته المتميزة "لانا"، جالسة أمام حاسوبها تعمل بعملية. حرك رأسه بعدم فهم، فبرغم تلك الفترة التي قضاها معها إلا أنه لم يستطع فهمها ولو لمرة.
وقف قبالتها وهو يسألها بدون مقدمات:
- لسه وراكي شغل يا لانا؟
هبت واقفة وهي تجيبه باحترام:
- أيوه يا مستر حاتم، نص ساعة وهكون خلصت الملف ده، لأننا هناخده معانا في سفرية مصر بكرا.
أومئ برأسه بجدية وهو يخبرها:
- تمام هستناكي قدام بيتك على الساعة 8 الصبح، عشان نطلع على المطار.
- تمام، هكون جهزت وقتها.
صافحها بهدوء يودعها، ثم غادر من أمامها.
لتجلس على مقعدها وهي تشعر بثقل فوق كتفيها، هموم كبيرة اجتمعت من جديد، كونها ستعود إلى مصر. ولكن كيف تخبره، أنها كانت مجرمة ومتخفية في اسم جديد.
بعد نصف ساعة، كانت تخرج من أبواب الشركة. وصلت إليها رسالة من جديد من ذلك الشخص المجهول. أغمضت عينيها بعنف وهي تقول بغضب مكبوت:
- يارب صبرني.
فتحت هاتفها لتجد رسائل عديدة منه، أهمها:
- "حوريتي، ألم تعودي إلى البيت؟!"
- "أنا قلق عليك، ردي على رسائلي."
- "حوريتي، اليوم وأخيرًا رأيت غرفتك، إنها حقًا رائعة."
وضعت "لينا" يدها على جبينها ترتجف بصدمة وهي تغمغم:
- ينهار أسود، لأ كدا كتير، ده مجنون.
مسحت على وجهها في شئ من الخوف، فهو يبدو مهووس لعين، يراقبها بدقة عالية.
أستقلت سيارة أجرة، وهي تعطيه عنوان منزلها. ظلت طوال الطريق تفكر عن ذلك الشخص المجنون، حتى وصلت إلى منزلها. ترجلت من السيارة بعدما أعطته نقودًا، لينطلق مبتعدًا عن المكان.
دقائق، وكانت تدخل منزلها تنير الأضواء. ظلت تبحث بعينيها عنه، لتجد ظرف كبير على الطاولة. توجهت نحوه تسحبه، ثم فتحته لتتفاجئ بثلاثة من السكاكين – حجم متوسط –، وورقة صغيرة مكتوب فيها:
- إياكِ أن تتأخري مرة أخرى هكذا، لقد كنت قلق عليك، بمناسبة أعلمي أنكِ لي، وأن أقترب منك أحدهم سأقتله.
ألقت الورقة والسكاكين على الأرض تصرخ بغضب. أبعدت خصلات شعرها عن وجهها وهي تهدر بعصبية:
- هو في إيه؟ أنا مش هخلص بقى، بهرب من عصابات ومن مراد عشان ألاقي واحد مجنون في الآخر! أنا تعبت.
جلست على أقرب أريكة وهي تقول بضعف:
- يارب أنا تعبت، أنا مش آلة، مش آلة خالص عشان أشوف كل ده، محتاجة أعيش، إنما كدا أنا مدفونة بالحياة، يارب ساعدني، أرجوك ساعدني.
أغمضت عيونها بعدما هبطت دموعها بألم وهي تتمتم باختناق:
- اللهم أخرجني من حولي إلى حولك، ومن عزمي إلى عزمك، ومن ضعفي إلى قوتك، ومن انكساري إلى عزتك، ومن ضيق اختياري إلى براح إرادتك، ولا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
في تمام الساعة الثامنة، خرجت "لينا" من منزلها لتجد كل من "حاتم" و"ريما" ينتظرونها. ركضت "ريما" نحوها تحتضنها لتبادلها الأخيرة عناق وهي تشعر بأنها إن استمرت في ذلك العناق ستنهار وستبكي.
حاولت أن تبتسم وهي تسألها بدهشة:
- إيه ده، هو إنتي هتنزلي معانا مصر؟
منحتها أروع ابتسامة وهي تقول:
- من زمان وأنا نفسي أنزل مصر، وبصراحة لما لقيتك نازلة مسكت في أخويا إني لازم أنزل، وبصراحة أنا متحمسة جدًا وأنتي؟
- آه طبعًا متحمسة، متحمسة جدًا.
سحب "حاتم" منها حقيبة السفر ثم وقف قبالتها وهو يسألها بهدوئه:
- جاهزة يا لانا؟
اتسعت ابتسامتها التي أخفت خوفها، ثم ردت عليه موافقة بتنهيدة خافتة:
- جاهزة.
وقف "مراد" أمام المرآة يرتدي تلك البذلة السوداء. أسفلها قميص رمادي اللون يتناسب مع لون عينيه الحادتين. وقف أمام المرآة وبدأ يقوم بمهمة تمشيط شعره. عقب انتهائه من تلك المهمة كان يرتدي حذاءه الأسود، ووضع ساعة يده الثمينة، وقام بإشباع ملابسه من عطره الفاخر والمفضل.
توجه بخطوات هادئة نحو الكومود كي يلتقط هاتفه الثمين ووضعه بداخل جيب سترته. ثم استدار وتوجه بعدها نحو الباب. أمسك بمقبض الباب وأداره ليدلف للخارج بخطى واثقة ثابتة.
بدأ يهبط من على درج القصر بهدوء مريب حتى وصل للأسفل وقابل في طريقه امرأة يبدو عليها التقدم في العمر. وقفت أمامه بثبات وهي تنظر له باحترام. ثم حيته ليسألها باهتمام:
- كل حاجة جاهزة؟
أجابته كبيرة الخدم بابتسامة سعيدة:
- أيوه يا باشا، ودينا هانم راحت الكوافير، ربنا يتمملها بخير.
أومئ برأسه بالإيجاب وهو يبتسم بمجاملة، قبل أن يغادر. توجه نحو سيارته قبل أن يستقلها. كاد أن يتحرك بها لولا ذلك السؤال الذي سأله بضيق وإحساسه بالعجز يغضبه:
- ألاقيكي فين؟ قوليلي ألاقيكي فين بقى؟
حل المساء وكان الجميع قد تجهز للذهاب إلى حفل زفاف "أدهم" و"دينا". تحرك "مراد" بعد أن انتهى من هندمة نفسه وكان يبدو وسيمًا بحق. فكان شعره الكثيف مرفوعًا إلى الأعلى بطريقة أنيقة إضافة إلى ملابسه ذات الصنع الفرنسي. وبرفقته "جاسر" يستقلان سيارتهما.
وصلوا أخيرًا إلى هناك، وجميع الأنظار توجهت نحوهما من نساء ورجال. توجهوا نحو غرفة صغيرة تسبق القاعة، لا يوجد سوى أريكة جلس عليها كل من "مراد" و"أدهم" والمأذون.
ابتسم "أدهم" لرفيقه وهو يردد خلف المأذون، حتى صدحت الجملة المعتادة:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخير.
تعالت الزغاريد في كل مكان. وقع كل من "أدهم" و"دينا"، وكذلك الشهود. انتفض "أدهم" من مكانه يهرول نحو "دينا" يعانقها بقوة، يحملها بين ذراعيه يدير بها في المكان بسعادة وهو يهدر:
- أخيرًا اتجوزتك يا بنت قلبي.
تعالت ضحكاتهم، فبدأ يدق الطبول وأشتعلت الموسيقى في المكان. دخل "أدهم" القاعة مع عروسه وهو يرقص فرحًا، والجميع يضحك على طريقته. الكاميرات لا تتوقف عن التصوير، حتى جلس العريس مع عروسه.
في تلك اللحظات، دخل "حاتم" وخلفه كل من "لينا" و"ريما". كان "مراد" يضحك بصخب حينما وجد جسد "جاسر" متصنمًا في مكانه وهو يسأله بذهول:
- مش دي لينا؟
اتسعت عيناه وقد تجمد محدقًا في الفراغ. التفت ببطءٍ ليراها من بعيد ليهمس مبهوتًا بعد برهة بذهول عظيم:
- لينا!!
تأملها بعينين مشتاقة، ولكن اشتياق مؤلم يحرقه بشدة. وجدها ترتدي فستانًا طويلاً باللون الأسود، ومصنوعًا من قماشي الستان الممزوج بالشيفون، ومطرز من الصدر حتى الخصر باللأليء والفصوص اللامعة. أما فتحة الصدر فكانت ليست واسعة ولا ضيقة. أما أكتافه فهي قصيرة تغطي مقدمة ذراعيها.
فبدون شعور تحرك نحوها، فقد وجد أخيرًا مملكته.
كانت "لينا" تتحرك بخطى بسيطة حتى اتسعت عيونها فجأة وهي تراه، يتحرك نحوها بخطى سريعة وكأنه يخشى أن تهرب منه. التفتت حولها بخوف محاولة الهروب، ولكن قبل أن تفعل ذلك وجدته يقبض على ذراعيها وهو يهمس لها بصوت خفيض شرس:
- رايحة فين؟ رايحة تهربي تاني؟ مش هسيبك المرة دي يا لينا ولو فيها موتي.
اشتعلت موسيقى لدى المكان ليسحبها بالإجبار نحو قاعة الرقص. واجهته بأعين مذهولة، في حين أحاط خصرها ببطءٍ، ليتميلان على الموسيقى. حاولت أن تتملص منه، ولكن حينما رأت عينيه تحولتان إلى جمرتين مشتعلتين غضبًا قاتم، تراجعت عن موقفها وهي تهمس:
- مراد، سبني.
ابتسم ببرود مجيبًا:
- تبقي عبيطة، استحالة أسيبك، أنا ما صدقت.
حاولت دفعه وهي تقول بغضب:
- سبني يا مراد، إنت مش فاهم حاجة.
ظلا يتميلان على الألحان ولكن ملامحها جامدة. أخفضت عينيها حينما شعرت بنغزة في قلبها خاصةً حينما قال:
- وحشتيني.
رفعت عيونها اللامعة نحوه ليضيف بهدوءٍ مع عينيه الحادة ألمًا:
- اليوم عندي بسنة، كنتي فحلمي دايمًا، حاولت أنساكي، بس معرفتش، عرفت مؤخرًا إنك عايشة في دمي يا لينا.
وضعت جبينها على جبينه قبل أن تهمس باختناق:
- أنا بحبك يا مراد، بس مش هقدر، انتهى.
قالت كلمتها الأخيرة وهي تدفعه بألم، تركته متوجهة نحو المصعد تهرب إلى أي مكان مؤقتًا. دلفت إلى المصعد، ولكن عقدت ما بين حاجبيها بريبة حينما رأت رجل يرتدي ملابس مهندمة ولكن يرتدي قبعة سوداء وهذا ما لم يتناسب مع ملابسه.
لم تهتم للأمر، ضغطت على زر الطابق، في حين ابتسم هذا الرجل الغامض بخبثٍ، وهو يستدير إليها بحركة سريعة قابضًا على عنقها الأبيض خانقًا إياها بقوة وهو يهمس لها بشر:
- إياكِ تفكري تلعبي مع أسيادك مرة تانية.
ظلت "لينا" تتلوى محاولة تخليص نفسها من ذراعيه القوية التي تخنقها بقوة. وجدت الصعوبة في إنقاذ نفسها من قبضته، تباطأت مقاومتها تدريجيًا دليلًا على فقدانها لأنفاسها الأخيرة. فتح باب مصعدها عند الطابق الأخير، فعاد يبتسم بخبث بعد أن حررها، فسقطت أرضًا وأخذت تتنفس بقوة وهي تسعل واضعة يدها المرتجفة على عنقها وهي تهمس:
- سبني عايشة ليه؟ هو في إيه، مين دول.
حاولت الوقوف ولكن عادت تسقط من جديد وهي تسعل بعنف. ضغطت على زر الطابق الأرضي بعنف وهي تشعر أنها على وشك الغياب عن الوعي، حتى هبط بها المصعد، وما أن فتح حتى خرجت منه بصعوبة، ولكن بدأ الخدر يسري بجسدها وعيناها تغمضان. شعرت فجأة أنها سقطت فوق سحابة.
وبعد ثوانٍ قليلة، سمعت كما لو من تحت الماء، صوته المألوف يناديها بذعر:
- لينا، لينا، لينا مالك؟
كان هو آخر شيء رأته قبل أن يغيب الظلام وجهه، وساد الصمت بعدها.
رواية أتحداك أنا الفصل العشرون 20 - بقلم أميرة مدحت
في كل مرة تسقط، تستقيظ وهي في أحضان الجحيم، لكن تلك المرة اختلف الأمر، فهي استيقظت والأمان يجتاحها، طمأنينة غريبة تشعر بها، وكأنها وجدت أخيرًا حصنها المفقود.
كان ما حدث بعد فقدانها الوعي هو عبارة عن أصوات متشابكة، رحلة طويلة في سيارة، هتاف أشخاص، أحدًا يمسك ذراعها ويدس شيئًا حادًا بها، يدٍ تمسك بيدها، همس وصل إلى أذنيها: "أحفظها لي وسلمها من كل شر يا رب العالمين."
بعدها غابت عن الوعي عدة مرات، لتعود كل مرة بسماع أصوات مختلفة، وهمس يصل إلى أذنيها من جديد يحمل الاختناق والألم في آن واحد:
"أصمدي يا لينا، أصمدي علشاني."
لمعت عيناه برجاء خفي وهو يهمس بتضرع:
"أحفظها ليا يارب من كل شر."
حاولت أن تطمئنه، إلا أنها تشعر بأنها تحارب أمواج البحر، وكل موجة تلقيها على أحد الصخور، فيصيبها جرح عميق، حتى في النهاية وبعد فترة طويلة سقطت على الشاطئ. وما كان الشاطئ إلا صدره النابض بعشقها.
فتحت عينيها السوداويين بتثاقل، محاولة أن تعتاد على الإضاءة، وما أن استوعبت وجودها في المشفى حتى التفتت برأسها لتراه يجلس على المقعد بجوارها عاقدًا ساعديه أمام صدره الضخم، ورأسه قد سقطت على كتفه نائمًا بتعب. تأملته بقلب مفطور وهي تناديه برفق:
"مراد، مراد إنت صاحي؟!"
يبدو أن نومه كان قلقًا، فتح عينيه بتعب، ولكن سرعان ما فتحهما على أخرهما وهو يثب واقفًا بلهفة. قبض على يدها برفق وهو يمسح على خصلات شعرها متسائلًا بقلب خائف:
"لينا، إنتي كويسة؟ حاسة بإيه؟"
ابتسمت له وهي تجيبه بهدوء متوتر:
"أنا كويسة، هو إيه اللي حصل؟"
تنهد بحدة قبل أن يجيب بصوته الأجش القاسي:
"المفروض أنا أسألك السؤال ده؟ عاوز أعرف إيه اللي حصل؟"
هاجمتها ذكرى هجوم الشخص المجهول عليها وإنذارها باللعب مع الكبار، لتهز رأسها نفيًا ببطء وهي تهمس:
"محصلش حاجة."
قبض على ذقنها بقوة لتشهق بألم عنيف، بعد أن اجتاحتها آلام عنقها. حدقت في عينيه التي لمعت بقساوة مخيفة وهو يسألها بلهجة متشددة:
"إنتي بتستعبطي؟ في أثر على رقبتك، مين اتهجم عليكي وكان هيقتلك؟ مين يا لينا انطقي."
بلعت ريقها بصعوبة تحت كفه المهددة، ثم ردت عليه بوهن غريب:
"اللي انت مش عايز تقول أسماءهم يا مراد."
اتسعت عيناه بذهول مؤلم، فقد عادوا إلى نقطة الصفر من جديد، وما حاولت دفنه قد عاد من جديد وسيترصد ما يخصها. أرخى قبضة يده عنها وهو يلقي بجسده الضخم على المقعد مطلقًا سبة نابية يتبعها قوله الغاضب:
"الموت بقى أقرب ليكي مني، مش هينفع نسكت."
مسحت جبينها بتعب وهي تخبره:
"اتصل باللواء سامي، خليه يجي ونشوف هنتصرف إزاي."
أومأ رأسه ببطء، ورغمًا عنه عيناه الحادتان عادت تنظران إلى نقطة شاردة، فهو من بعيد يرى مستقبلهما معًا بهذه الحياة المخاطر وفقط، لا راحة.. لا سعادة، ولكن يكفي أنها معه الآن.
***
خلال الأشهر الماضية، تقرب منها كثيرًا حتى أصبح يعلم عنها كل شيء، فتاة تعيش في تلك البلاد الأجنبية، بينما والديها يعيشان في بلد أخرى حيث مقر أعمالهما، يتصلان بها مرة واحدة في الشهر والشهر الذي يليه يتناسون بوجود ابنتهما، فأصبحت الوحدة رفيقتها، والبكاء صديقها في الليل حينما تنام على الوسادة، لكن في الصباح تكون فتاة جميلة.. جميلة جدًا، حيث ابتسامتها الواسعة في كل صباح هي من تشعره بوجوده في الحياة.
كالعادة، كانا يسيران معًا إلى حيث مقرهما الأفضل والأقرب إلى قلبيهما، البحر وأمواجه ونسائمه التي تريح الروح الجريحة. هتفت "مريم" فجأة وهي تنظر إلى الغروب بشغف:
"تعرف إني بحب الغروب؟"
عقد ما بين حاجبيه وهو يسألها:
"ليه؟"
صمتت قليلًا قبل أن تجيبه بصوتها الناعم وبسمتها الصغيرة تتسع قليلًا:
"دافي، ممتع، عامل زي البحر بيطبطب عليك، وكأنه بيقولك ابدأ من جديد، ده يوم وعدى، تعالى نبدأ من جديد."
نظر أمامها عاقدًا حاجبيه بتعجب، ومع ذلك قال بجدية وهو يضع يديه في جيوب بنطاله:
"أنا بقى شايف العكس."
"إزاي؟"
صمت لفترة قبل أن يقول بلهجة شاردة:
"اللي زيي وقت ما يشوف الغروب، بيقول لنفسه خلاص، فرصتك ضاعت، جه أوان الدفع، أول ما البحر يحضن الشمس وتختفي، بتبقى بالنسبالنا هي دي النهاية."
أختنق صدره وهو يتابع:
"كأنه بيقولي أغرق في سوادك."
استدارت إليه بكامل جسدها وهي تسأله بحاجب مرفوع:
"آريان، برغم أنك تعرف عني حاجات كتير، لكن أنا لأ، معرفش غير اسمك، إيه حكايتك؟"
تنهد بعمق وهو يبتسم من زاوية فمه مرددًا:
"بلاش يا مريم، لو عرفتي حاجات عني ممكن تغرقي في سواد ملوش آخر، أنا مش شخص سيء، بس الظروف أرغمتني أني أبقى بالشكل ده."
دنت منه قليلًا وهي تضع يدها على كتفه، تهمس ببسمة رقيقة:
"آريان، إحنا نعرف بعض بقالنا فترة، وأنا عمري ما قرأت شخص قدامي غلط، أنت نضيف من جوا."
أطرقت رأسها تزفر بحرارة قبل أن تعاود رفعها وهي تضيف برقتهـا:
"وبعدين إحنا هنا في الغربة منعرفش إلا بعض، معقولة بعد كل الفترة دي لسه موثقتش فيا؟"
ضيق عينيه قليلًا وهو يحدق في بريق عينيها اللامع برقة اللامنتهية. يثق بها؟ إنه لا يعرف أحد الآن في العالم سوى صديقته وسواها، لا يثق سوى بهما، لكن ماذا عن مصير حياته؟
زفر بحرارة وهو ينظر لها قائلًا بجدية:
"أنا بثق فيكي زي ما بثق في نفسي، ودي مش حاجة سهلة أني أثق في واحدة ست أيًا كان."
سألته مرة أخرى بتردد:
"هو إنت ممكن تحب؟"
ضيق "آريان" حاجبيه وهو يجيبها بتهكم:
"حب إيه بس يا مريم؟ هو أنا فاضي أحب؟ أنا مش حمل الحب، وبعدين هو أنا هحب ليه أصلًا؟"
حاولت "مريم" تمالك نفسها من الصدمة، أطرقت رأسها محاولة أن تخفي دموعها وهي تبتسم بخفة، وقد حسمت قرارها بالابتعاد عنه وهي تهمس:
"معاك حق يا آريان. إنت صح."
***
في اليوم التالي، جلست "ريما" على الأريكة بضيق وهي تحادث أخيها الذي يقف أمامها بجمود يضع يديه في جيوب بنطاله. صمتت قليلًا تأخذ أنفاسها قبل أن تعاود قائلة:
"حاتم، لازم نعرف فين لانا؟ دي مختفية من امبارح وملهاش حد، والمفروض أنها جاية معاك يعني في حمايتك."
قال "حاتم" بصوته الجاد:
"أنا مشوفتهاش امبارح خالص يا ريما، عملت اتصالاتي، وبحاول اكلمها على الموبايل، وكلمت كتير من المستشفيات والفنادق ولسه كلمت واحد معرفة بعتله صورتها، هشوف هيقدر يلاقيها فين ولا لأ؟"
زفرت بغضب خفي قبل أن تستمع إلى لهجته الغامضة:
"البنت دي وراها حاجة يا ريما، خدي بالك."
وقبل أن تسأله وجدت رنين هاتفه يرتفع، فأجاب على الفور باهتمام:
"ها؟"
"صورة البنت اللي انت بعتها واسمها أنا قدرت أوصلها، لكن لقيت حاجة غريبة هي اسمها مش لانا، اسمها لانا."
عقد حاجبيه بشدة وهو يتسائل بحدة:
"إزاي يعني؟ إذا كنت أنا شوفت أوراقها وبطاقتها واسمها لانا."
"يا باشا أنا طلع عيني من ساعة ما كلمتني، عمومًا هي في مستشفى (...)، بس مش هتكمل هناك كتير، وده بسبب أن في حد حاول يقتلها في فرح أخت مراد الحسيني."
هنا، تعبيرات وجهه زادت قتامة وعنف. مسح على وجهه بقوة وهو يدرك أنه كان مجرد لعبة تحت يديها، وفي خلال الأشهر الماضية استطاعت أن تعرف عنه كل شيء إلا أنه لم يأخذ عنها إلا معلومات كاذبة.
تسائل بحدة خافتة ولكن تحمل الغضب:
"في حد معاها هناك؟"
"لما سألت قالولي مراد الحسيني ذات نفسه هو اللي لحقها."
نطق اسمه بذهول وهو يشعر أنه في دوامة كبيرة:
"مراد؟"
***
كان "مراد" واقفًا بالخارج ينتظر خروجها من الغرفة بعد أن تقوم بتغيير ملابسها، فبعد قليل أصرت أن خروجها من هنا حتى تلتقي باللواء سامي، كي تعرف ما يدور من حولها، ومستقبلها المجهول يتجه إلى أين. التفت برأسه حينما سمع صوت انفتاح الباب لينظر إلى "لينا" التي وقفت عن بعد ببنطال الجينز وهي تدس يديها في جيبيه، بينما كان شعرها متناثرًا حول رأسها ذات اليمين واليسار.
هل يخبرها أن النظر إليها هو بهجته الوحيدة في الحياة؟ هل فات الوقت ليخبرها بأنها ما كانت إلا جمال الوحيد الذي رآه من هذه الحياة؟ تلم الفتاة القوية المكتنزة من مكونات الأنوثة المبهجة، تفوق جمال نساء العالم بأسره، لكن عوضًا عن هذا كله سألها بصوت جاد:
"جاهزة؟"
ابتسمت بهدوء وهي تتحرك أمامه حتى يصلا إلى أقرب وقت إلى المخبئ السري الذي أخبرها اللواء سامي عنه، فذلك سيكون مخبأهما الجديد في التحدث.
بعد فترة طويلة، كان "مراد" يجلس على حمم بركانية من الغضب وهو يرمق الجالس أمامه بعينين كجمرتين من النار، في حين وقفت "لينا" مذهولة تنظر للواء سامي بعينين مصدومتين وهي تقول بخفوت:
"حضرتك بتقول إيه؟"
نظر لها اللواء سامي بجدية وهو يقول:
"هما مستنين رد فعل منك، ورد فعلك هيخليهم يقولوا يا إما ترجعي ليهم، يا الحل التاني."
سحب نفسًا عميقًا وهو يتابع:
"الحل يا لينا، أنك تندسي تاني في وسطهم لغاية ما يقعوا، وتأكدي أن دول لو وقعوا يبقى انتي خرجتي برا اللعبة دي خالص."
ثم نظر لـ"مراد" وهو يقول بهدوء:
"ومراد هيكون أمانك هناك، وهيساعدك."
هتفت بتوهان:
"مراد ظابط في مكافحة المخدرات؟!"
ابتسم اللواء سامي ابتسامة جانبية وهو يخبرها:
"ده في العلن بس، أما الحقيقة، ظابط في المخابرات يا لينا."
صمت للحظة وهو يضيف:
"يعني دي تاني عملية تكوني فيها مع مراد ضد مافيا جديدة!"
اتسعت عيناها بذهول وهي تلتفت إلى "مراد" الذي أشاح بوجهه بعيدًا عنها. همست بتعب غير مسبوق منه:
"ياربي، ياربي، أنا مبقتش حمل اللي بتعملوه فيا ده، إنتوا فاكرني إيه، حجر؟"