تحميل رواية «أتحداك أنا» PDF
بقلم أميرة مدحت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل ذلك بستة أشهر، كان يسير بسيارته على سرعة هادئة. تنفس بعمق وهو يضيق عينيه بتفكير في أمر ما. ارتسمت ابتسامة قاسية غريبة على وجهه وهو يصف سيارته بقرب من البناية التي يقطن فيها مؤقتاً. ترجل عن سيارته ثم سار بخطى هادئة، ولكن أوقفه صوت همهمة يأتي من خلف سيارته. وضع يديه داخل جيب بنطاله وهو يتراجع قليلاً، ثم التفت برأسه وقد اقترب من ذلك الصوت. عقد ما بين حاجبيه بتوجس عندما وجد شيئاً متكوماً على الرصيف، ليجد أنه ما هو إلا جسد بشري متكوم على نفسه. هتف بصوت حاد متسائلاً: "إنت مين؟" انتظر أن يرفع وجهه...
رواية أتحداك أنا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم أميرة مدحت
كان يعلم بما تشعر به، وما يحمله قلبها من الآلام العنيفة. قبض على يدها برفق، يبتعد بها إلى مكانٍ لا يسمع فيه أحدهم نقاشهم. وقف أمامها يناظرها بعيونٍ شغوفة، وهو يستشعر بكل ذرة ألم تنبعث من جسدها، فيهتز هو ألمًا عن عجزه في توفير الحماية الكافية لها. سحب نفسًا عميقًا وهو يخبرها بصوته الأجش:
- لينا، مقدمناش حل غير ده.
رفعت عينيها المذهولتين تناظره بغرابة وهي تسأله بخفوت:
- حتى أنت يا مراد؟ هي روحي عندكم رخيصة للدرجـ...
لم يسمح لها بمتابعة كلمتها وهو يقاطعها بشراسة:
- اخرسي، أنتي اتهبلتي. لو شاكك أنك هتبقي في خطر، كنت خطفتك وهربت بيكي بعيد عن هنا.
ألتمعت عيناها بدموع وهي تشيح وجهها بعيدًا عنه. رفع كف يده يضعها على وجنتها بحنوٍ مثير وهو يقول بثقةٍ مؤكدة:
- تأكدي أني لما بقولك أدخلي في المهمة دي، لأن قبل ما أنتي بتخدمي بلدك، أنتي بتنقذي حياتك. ده غير قدراتك الجسدية وذكائك، هما إللي مخلين ثقتي فيكي ملهاش حدود.
تقوس فمه بإبتسامة ساخرة وهو يقول بخفوتٍ شارد:
- إللي تعرف تضحك على ظابط زيي وتوهمه أنها تبع أبوها وهي أصلًا مع البوليس، تفتكري هتبقى عاملة إزاي مع ناس أنتي عارفة عنهم كل حاجة، نُقط ضعفهم قبل قوتهم!
لماذا يؤلمها إلى تلك الدرجة؟ لكن ذكرها بتلك المهمة التي هي سبب في فراقهما قبل حبهما. تعلمت على يديه أبجدية الألم، وهو تعلم على يديها أبجدية الشوق. ولكن يبقى بداخل كل منهما شرخٍ عميق ليس من السهل أن نتجاوزه، وإلا سينكسر ويضيع حبهما هباءً.
هتفت بصوتٍ هادئٍ تمامًا وكأنها تعبت علو صوتها الدائم:
- رغم كل إللي مرينا بيه سوا، وكل وجع قدمناه لبعض، إلا أنك بردو خبيت عليا أنك ظابط في المخابرات المصرية.
إبتسم بخفة وهو يخبرها بجدية:
- أختي نفسها متعرفش ده يا لينا، أنا ظابط سري، مش أي حد يعرف إلا للضرورة القصوى.
إبتسمت له بشحوبٍ غريب عليها. أين قوتها؟ أين عنفوانها الذي يحسدها عليها الجميع؟ هي في أشد حاجة إلى طاقة جبارة تعيدها إلى جبروتها مع هؤلاء الأوغاد. جذبها "مراد" نحوه برفق، وقبل أن تتكلم وجدتـه يُقبل جبهتها قُبلة عميقة.
أهتزت مشاعرها بعنف في تلك اللحظة. مُجرد قبلة تفعل بها ذلك؟ أغمضت عيونها وهي تشعر بضربات قلبها الغبية تتعالى. ذلك الحنان الذي تستشعره منه يكاد يجعلها أن تنهار على صدره وتبكي. ولكن عليها التماسك، من أجل نفسها و.. من أجله.
تراجع برأسه يحيط وجهها براحتي يديه وهو يبتسم لها بحنوٍ، يخبرها بصوته العميق كعمق البحر:
- إياكِ تخافي للحظة، عيني مش هتفارقك أبدًا، أنا بعارف أحافظ على ممتلكاتي كويس أوي.
سكتٍ للحظةٍ قبل أن يتابع بقساوة:
- وإللي بيقرب من حاجة تخصني، يبقى كأنه طلب الموت، أنا ممكن أسامح في أي حاجة إلا أن حد يقربلك.
هل تخبره أنها تثق بذلك؟ لا تعلم لمَ في تلك اللحظة رأته بنظرةٍ مختلفة. كانت تراه من بعيد غامض بطريقة مخيفة، وحينما أقتربت وجدته بسيط، ولكن حينما تعمقت وجدته ما هو إلا شخص خطير يجب أن يحترس منه الجميع. وحينما تعمقت أكثر حتى كادت أن تغرق، وجدت له هيبة وقوة لا يُمكن إغفالها.
تنهدت بحرارة وهي تومئ برأسها قبل أن تهمس بتردد:
- اللواء سامي معاه حق، بس إللي محدش يعرفه أن هما هيطلبوا مني مهمة مش أي حد يقوم بيها عشان يتأكدوا من صدقي، وأني فعلًا معاهم.
عقد ما بين حاجبيه بغموضٍ وهو يرخى يديه بعيدًا عنها ويضعهما في جيوب بنطاله قبل أن يسألها بصوته العميق:
- زي إيه؟
*****
خمسة أيام مرت بصعوبة عليه. شعر برغبةٍ عنيفة في القتل. كان يدور في غرفته كالأسد الجريح وهو يحاول أن يفكر في كيفية إيجادها. منذ حديثهما آخر مرة وقد أختفت فجأة كما ظهرت.
تركت الفندق ولم تذهب إلى مكانهما المفضل إلى حيث البحر بلونه المريح للعينين والقلب. أخرج هاتفه من جيب بنطاله يعبث فيه قليلًا قبل أن يضعه على أذنه منتظرًا الرد. وما أن أتاه حتى هدر بجنون:
- سابت الأوتيل يا لينا، وأنا قاعد هنا أتجنن معرفش مكانها ولا هي مالها!!!
هتفت "لينا" بهدوءٍ بارد:
- طب وأنت زعلان ليه؟ هي تبقالك إيه؟
سؤالها البارد ذلك لم يثلجه بل زاد الطين إبتلالاً وهو يثور عليها بغضبه العنيف:
- إيه السؤال البايخ ده؟ أنا عاوز أعرف هي فين؟ دي أختفت من ليلتها، أنا قلبت الدنيا عليها ومش لاقيها.
صمت فجأة ينظر إلى نقطة ما بشرودٍ قبل أن يهمس بفزع:
- ولا تكون أتخطفت عشان ينتقموا مني أنا!! من المنافسين لينا أيام ما كنا في الشغلانة المهببة دي.
تمتمت "لينا" بصوتها الجاد:
- وهما هيعملوا بيها إيه، بلاش تفكيرك يروح لبعيد يا آريان، وبعدين أنت أكيد عملتلها حاجة.
أتسعت عيناه وهو يقول بحدة:
- والله معملتلها حاجة، أصلًا دي عاملة زي البسكوتة بخاف أأذيها من أي حركة.
- ممكن من كتر خوفك أنك تأذيها تكون أذيتها من خوفك ده، زي الدابة إللي قتلت صاحبها.
صمت فجأة ينظر أمامه بشرودٍ وهو يمسح على خصلات شعره. تابعت "لينا" بوجهٍ مبتسم:
- قوم يا آريان، روح صلي ركعتين، وتعالى كلمني تاني، نشوف حل لمشكلتك.
أومئ برأسه وكأنه يراها، ثم أنهى المكالمة بوجهٍ حزين كالطفل التائه. أغمض عيونه بقوة وهو يتمتم:
- أستحالة أكون بحبها، أنا مش عايز أحب، حب لأ.
****
- إنت كنت عارف أن لينا عايشة ومع مراد الفترة دي؟
هتفت "دينا" تلك الكلمات بصوتٍ يملؤه الحنق، وهي تدنو نحوه بخطى غاضبة. وثب "أدهم" من على الأريكة وهو ينظر لها بعيونٍ قوية قبل أن يخبرها بهدوئه:
- لأ، معرفتش غير إمبارح زيي زيك من جاسر.
حركت رأسها بصمتٍ وهي تنظر أمامها بعينين حادتين. دنى منها بخطواتٍ هادئة كي يقف قبالتها وهو يسألها ببسمةٍ صغيرة:
- مالك يا دينا؟
أجابته بصوتٍ مختنق:
- البنت دي لعنة، من أول ما شوفت صورتها، من أول ما ذلت أخويا بالطريقة دي وأنا مش قادرة أسمع أسمها حتى!!
زفر بقنوطٍ وهو يقول بصراحةٍ:
- أنتي إللي عاملة كدا في نفسك.
نظرت له بغرابة وهي تقول بحدةٍ عنيفة:
- أنا مش هسمح أن اللعنة دي تقربلنا، مش هسمح لواحدة زيها تكون حبيبة أخويا ومراته في الآخر، أخويا لازم يتجوز واحدة من مستواه مش واحدة عـ...اهرة.
أحتدت لهجتها في أخر كلمة نقها، لتجده يندفع يقبض على ذراعيها بقوة وهو ينطق بلهجةٍ غاضبة مشددًا على كل كلمة ينطقها:
- إياكي، إياكي تنطقي الكلمة دي تاني، أنتي مش عارفة حاجة، البنت إللي بتتكلمي عنها دي أنقذت أخوكي قبل كدا رغم أنها كانت مع البوليس وكانت فكراه تبع أبوها، وذي ما ذلته، هو عمل كدا، هو إللي بدأ.
ضربته بعنف بقبضتيها الصغيرة على صدره وهي تحاول جذفه هادرة بتشنج:
- إنت إزاي تقول كدا؟ ده صاحبك وإنت بتعبره أخوك، يعني أنت شايف أنه يستحق كدا، أنت إزاي كدا؟
هزها بقوةٍ أكبر وهو يهدر فيها بغضب:
- إنتي إللي إزاي كدا؟ إيه الأفكار الرجعـ...ية دي؟ الكلام ده يطلع من واحدة مثقفة متحضرة؟ آه هو أخويا وصاحب عمري، لكن إللي عمله مش قليل، سبيهم في حالهم، متدخليش في حياة أخوكي الخاصة.
دفعته بقوة ليرخي قبضتيه عنها، فصرخت فيه بعيونٍ حمراء كالدم:
- لأ يا أدهم، أنت غلطان، هتدخل لما ألاقيه بيودي نفسه وأسم عيلتنا في داهية، البنت دي أستحالة تكون مننا، ولو هو صمم، يبقى يختار، يا أنا يا هي.
ألقت قنبلتها تلك لتنفجر في وجهه المصدوم، يشعر أنه يرى إنسانة غريبة عنه، ليس رفيقته الصغيرة، بل هي إنسانة مختلفة تمامًا. تركته في ذهوله متوجهه نحو غرفتها لتصفق بابها بقوة. حرك رأسه بعدم استيعاب وهو يهمس:
- أنتي أكيد اتجننتي.
*****
بعد مرور يومان، في ألمانيا.
كانت "لينا" تخرج من المطار بخطى ثابتة واثقة كإبتسامتها البراقة. حنانٌ دافئ أجتاحها حينما تذكرت لقاء "مراد" لها قبل أن تصعد على الطائرة، فقد جاء خصيصًا لها متنكرًا بشكل لم تتعرف عليه، دون أن يتمالك نفسه سحب رأسها إلى صدره يحتضنها بعاطفةٍ قوية دون أن يمس جسدها. وكلمته العميقة لا يزال صداها في أذنيها:
- إياكِ تخافي، هتكوني دايمًا تحت عينيا.
إبتسامة عاشقة أرتسمت على وجهها وهي تتذكر كلماته قبل الصعود إلى متن الطائرة. سرعان ما أختفت حينما وجدت سيارة سوداء تنتظرها وشخص غريب يتحرك في اتجاهها يخبرها باللغة الألمانية:
- سيدتي، تفضلي معنا إلى السيارة حيثُ ينتظرك السيد هوزن كي يعرف قرارك.
كما توقعت تمامًا، مهاجمتها في المصعد كان ما هو إلا إبلاغها بمعرفة مكانها وتحديد مصيرها، وهي أختارت! أومأت برأسها قبل أن تستقل معه السيارة إلى حيثُ القصر السيد "هوزن".
*****
بعد فترة طويلة، ظلت جالسة على الأريكة بجمود، تنظر حولها بدقة تحاول أن تستكشف معالم القصر، ونقط ضعفه وقوته. إبتسامة شرسة زينت وجهها حينما رأته يهبط من على الدرج بثقة لتهمس بقوة:
- جئت لقدرك أيها الأحمق.
وصل إليها "هوزن" وهو يبتسم بثقة. وثبت واقفة تصافحه بإبتسامتها العملية، قبل أن تعاود الجلوس وهي تضع ساقها فور الأخرى. وما أن جلس حتى قال بالإنجليزية:
- أنتِ بالفعل ذكية، لم تتفاجئي من مقابلتنا.
لم تختفي إبتسامتها بل أتسعت وهي تقول بسخرية:
- بالطبع، ما فاجئي هو أن أعمالكم في ألمانيا أيضًا!!
زفر "هوزن" بإرتياحٍ وهو يخبرها:
- لا، أعمالنا في بريطانيا واليونان فقط، أما ألمانيا فهي للزيارات الترفيهية فقط لا غير.
سكت لحظةٍ قبل أن يضيف بجدية:
- دعينا ندخل في صلب الموضوع.
- ما فعلته في والدي كان يستحق، ومعنى ذلك أنني لن أعتزل ذلك العمل، فهو يسري في دمي سيد هوزن، لا تقلق.
قهقه بخفة وهو يقول بنظراتٍ ذات مغزى:
- حسنًا يا عزيزتي وكي أصدقك، يجب أن تكوني لي.
رفعت ذقنها بكبرياء وهي تقول بقوةٍ جبارة:
- أنا لستُ للبيع، وأنت تعلم ذلك، ولن أكون.
صمت طويل خيم المكان قبل أن يقطعه بصوته الجاد ونظراته المظلمة:
- إذًا يجب أن تقومي بإحضار لي رأس من خان والدك.
قطبت جبينها وهي تسأله بفظاظة:
- أتريد رأسي؟
أتسعت إبتسامته وعيناه تلتمعان بقسوة وهو يلقي عليها تلك القنبلة:
- بلى، أريد رأس "مراد"، تحت أقدامي يا عزيزتي.
رواية أتحداك أنا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أميرة مدحت
ظل الهدوء حليفها رغم كلماته التي أشعلت رأسها، إلا أن ابتسامتها الساخرة مع بريق عينيها القوي كانا عاملاً بأن يشعر الأخير أنه يجلس مع فتاة خطيرة جدًا، ليس من السهل التلاعب معها.
رفعت ذقنها قليلاً وهي تخبره بمنتهى الهدوء:
- إنك بالتأكيد تمزح؟ مراد الحسيني شخص صارم، ليس من السهل الاقتراب منه، بل قتله بمنتهى البساطة التي تتحدث عنها.
أجابها ببرود قاتل:
- ولكنك ستفعلين ذلك يا لينا، ستجلبين لي رأسه، أتعلمين السبب؟
نظرت له بحاجبين معقودين منتظرة حديثه في شيء من التوتر، ليخبرها بثقة:
- يوجد لدي معلومات مؤكدة مئة بالمئة أنه يحبك بل يعشقك يا عزيزتي، وأنتِ أيضاً تحبينه، لذلك ستقتلينه بنفسك مع قطع رأسه ووضعها تحت أقدامي، أفهمتِ؟
صمت طويل دام قبل أن تخبره "لينا" بهدوء بارد:
- فهمت، على أي حال أنه سيأتي إلى بريطانيا، كي يلحق بي، فإنه يعتقد أنني عدت إلى مكان نشأتي، لا يعلم بسفري إلى ألمانيا.
أومأ برأسه وهو يتمتم بجدية:
- وأنا سأسافر اليوم، ستلحقين بي، وستنفذين تلك المهمة هناك.
وثبت واقفة وهي تبتسم له بعملية، ابتسامة جانبية تنبئ له بالشر الدفين، أولت له ظهرها كي تخرج من ذلك المكان وعيناها السوداوان تبتسمان بقساوة مميتة، تليق بها.. كثيراً.
***
قبل أن تخرج من ذلك المنزل التي قامت بإيجاره منذ فترة لا بأس بها، شهقت بفزع وهي تراه يقف أمامها بطوله الفارع، وذراعيه المفتولين بالعضلات كانا يعقدهما أمام صدره الضخم ينظر لها بعينين حادتين صامتين.
ألتمعت عيناها بخوف وهي تنظر حولها بقلق قبل أن تسأله:
- آريان!! أنت عرفت مكاني إزاي؟
- كنتِ بتهربي مني ليه؟
ألقى عليها السؤال بهدوء زائف محاولاً تمالك أعصابه، بلعت ريقها بخوف وهي تتراجع للخلف قبل أن يدنو منها بخطى ثابتة ولكن عيناه لمعت بهما بريق من الغضب وهو يقول:
- 4 أيام مش بتردي عليا واليوم الخامس سبتي الأوتيل!!! ليه عملتي كدا؟
أجابته بصوت متحشرج:
- كنت محتاجة أبعد.
- تبعدي ليه؟ في إيه حصل بالضبط يا مريم؟
أجابته بصوت شارد وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه:
- طول عمري بخاف من القرب، بخاف أتعود على الناس لدرجة إني أحب وجودهم بشكل يومي، أنا لو اتعودت على حد هتعلق بيه بشكل مرضي، هيكون كلامي عنه، رغم جمال التخيل، لكنه في نفس الوقت مرعب، لو الشخص ده مقدرش يكمل، ومشي.. هعمل إيه؟
نظرت له تلك المرة وهي تقول بخفوت:
- أنا غير صالحة للعلاقات، عايزة أعيش سعيدة حتى وإن كنت لوحدي.
قطب جبينه بقوة وهو يتحرك نحوها قائلاً بصوته القوي:
- إنتي عيشتيني في رعب يا مريم، أنا اتعودت على وجودك، متعمليش كدا تاني يا مريم.
- مش هقدر.
صمت قليلاً وهو يسألها بهدوء مرح:
- طب ياستي، إيه يزعلك وأنا أعمله؟
رفعت حاجبها وهي تقول:
- لا أنا، لحظة الجملة دي معكوسة.
- لا هي صح كدا، أنا مش عارف أزعلك إزاي بجد.
- وتزعلني ليه يا رينو؟ ربنا ما يجيب زعل.
هنا اتسعت ابتسامته الجذابة بعد أن رأى بسمتها الصغيرة، تنهد بحرارة قبل أن يخبئها:
- وحشتيني.
صمت قليلاً، في حين لمعت عيناها بالدموع قبل أن يضيف:
- روتين ممل، ليالي كنت فيها لوحدي من غير ما أسمع صوتك، كنت فاكر أن الحاجات دي عادية ومش فارقة، لكن صوت ضحكتك وهزارك وعينيكي اللي بتلمع لما بجيب لك حاجة حلوة، كل ده افتقدته، أوقات كنت بعاملك مش كصاحبتي، لأ.. كبنتي! مفهمتش الكلام ده إلا لما بعدتي.
أتخبره أنها كانت تموت ألماً من كثرة اشتياقها، لا تعلم كيف مرت سبعة أيام بأكملها دون سماع صوته، ولكن كيف تبتعد، وذلك الحب اللعين قد زرع في قلبها اتجاهه.
أولت له ظهرها وهي تسأله بارتباك:
- أنت عرفت مكاني إزاي؟
- من سواق الفندق اللي وصلك، كنت قدرت أوصله، وأول ما عرفت هو وصلك فين مقدرتش أستنى لحظة.
قبض على كف يدها، فألتفتت برأسها تحدق في عمق عينيهِ، اتسعت بسمته الحنونة وهو يخبرها:
- أوعدك يا مريم، الاعتراف اللي انتي مستنياه مني، هقوله أول ما أضمن الأمان ليا وليكي، مش هقدر أخليكي جنبي وأنا عارف الخطر ورايا دايماً وحواليا، متيأسيش وأستنيني.
قال كلماته بلهجة يقطرها ألماً قبل أن يرفع يدها نحو فمه يقبله برقة، ثم أرخى يده عنها يوليها ظهره، توجه بخطى سريعة نحو باب المنزل، يغادر من المكان بأكمله تاركاً إياها في حالة من الدهشة.
***
ترجلت "لينا" من سيارة الأجرة بعدما أعطت النقود إلى السائق، لينطلق بعدها مبتعداً عن المكان. دخلت "لينا" منزلها وقد اشتاقت إليه دفئه كثيراً ولكن ما أن أشعلت الأضواء وألتفتت بجسدها حتى شهقت بصدمة وهي ترى رجلاً ذا الجسد العضلي يجلس بكل أريحية على الأريكة، يبتسم لها وهو يقول بلكنته:
- مرحباً، حوريتي الصغيرة.
- إنت مين؟
قالتها بصدمة وهي تشعر بشيء من القلق من ذلك الغريب الذي اقتحم منزلها في الليل، كان شاباً وسيماً ذا شعر كستنائي وبشرة بيضاء وعينين خضراوين، يجلس بمنتهى البرود رغم نظراته التي بها الكثير والكثير من الهيام والغضب!
هب واقفاً وهو يتحرك نحوها قائلاً بلهجة غريبة.. مريبة:
- إلى أين ذهبتي طوال تلك الفترة؟ أتعلمين كم من الأيام والليالي انتظرتك.
اتسعت عيونها بصدمة وهي تهدر فيه بغضب:
- من أنت أيها الأحمق، كيف اقتحمت منزلي بتلك البساطة؟
أشار بيده وهو يقول بهدوء رغم نظراته الحادة والمخيفة:
- أنا ديف، جارك في الجهة المقابلة.
تنهد بجنون قبل أن يصرخ فجأة:
- لم تجيبيني بعد؟ بالله عليكي كيف تتركي المنزل بتلك البساطة؟ أتعلمين ماذا سأفعل بكِ؟
ظلت عيونها متسعة وهي ترى ذلك المختل عقلياً يقول بجنون غاضب:
- تسافرين معه؟ هل لأنه وسيم وغني تسافرين معه وتعودين بعد تلك الأيام الطويلة دون أن يحاسبك أحد؟
همست "لينا" بصوت غير مسموع:
- ينهار أسود على حظي النحس.
لم تتحمل الصمت طويلاً وهي تصرخ بغضب جامح:
- من أنت أيها المجنون المعتوه؟ أخرج من هنا وإلا ستندم على ردة فعلي، آآ..
لم تكمل كلماتها بعد أن رفع يده عالياً يصفعها بعنف على وجنتها، حتى جرحت شفتها من قوة الصفعة، نظرت له بذهول وهي تتحسس تلك النقطة من الدم التي هبطت من على شفتها بألم، هدر بها بوحشية:
- هل وصل بكِ الأمر إلى التبجح، لالا يا حوريتي الصغيرة، أنتي ملكي كما أخبرتك من قبل، يجب أن تكون خطواتك خلف خطواتي لا العكس.
عقد حاجبيه بقوة وهو يرى شفتها يهبط منها نقطة دم أخرى، ليقترب منها سريعاً وهو يقول بذعر:
- آسف، آسف يا حوريتي لم أقصد جرحك بتلك الطريقة القاسية، ولكنك جرحتيني.
صرخت فيه بعصبية قبل أن يقرب يديه نحوها:
- أبعد يديك القذرتين عني أيها المجنون.
قبل أن يهدر فيها بغضب، صمت مفاجئ خيم المكان ما أن استمعوا إلى صوت رنين جرس المنزل، قبض على ذراعها بعنف يسألها بحدة:
- هل تنتظرين أحد؟
أرتعشت شفتيها لوهلة وهي تقول:
- لا، دعني أعلم من الطارق.
أرخى قبضة يده عنها قبل أن يتحرك نحو إحدى الغرف الموجودة بالمنزل يختبئ، في حين تحركت بخطى مرتجفة قليلاً من كم الصدمات التي تعاني منها، فتحت باب منزلها بقوة وقد نست أمر شفتها تماماً فغرت شفتيها قليلاً وهي ترى "مراد" يقف أمامها بشموخه.
رغم ذلك التنكر الذي أخفى به معالم وجهه، إلا عينيه القاسيتين ازدادت ظلاماً وهو يرى شفتها والنقطة الدماء الجافة، همس "مراد" بوحشية خافتة مرعبة:
- مين معاكي؟
رواية أتحداك أنا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم أميرة مدحت
نظراته الحادة بثت بداخلها نوعًا من الخوف، بجانب ارتجافة جسدها من كم المفاجآت التي تلقتها، مع الهواء البارد الذي ساعد على ارتجافتها.
بلعت ريقها بصعوبة قبل أن تنظر مكان دخول "ديف" لتجد أنه مازال يختبئ بالداخل.
تنفست بعمق قبل أن تقبض على يده تدخله المنزل، وهي تهمس بصوت راجي:
- أرجوك تهدا، في واحد مجنون هنا، جاي يعاقبني لما سافرت من هنا وغبت الفترة دي كلها.
سألها بصوت شرس وهو يحدق في عينيها مباشرة:
- ليه؟!.. بيعاقبك بأي حق؟!..
نظرت له بتوتر قبل أن تغمض عينيها وهي تجيبه بهمس:
- شايفني ملكــه.
اتسعت عيونه بغضب يكاد أن يحرق الأخضر واليابس، وقبل أن يتحرك بخطى متجهمة للداخل كي يبحث عنه، وجدها تقف من أمامه من جديد وهي تقول بحدة مفاجئة:
- مراد، أهدا، إحنا في عملية متنساش، كدا هتبوظ كل حاجة.
رمقها بنظرات نارية وهو يوبخها:
- أومال عاوزاني أسكت؟!.. ده جه للموت برجله.
نظرت حولها بخوف قبل أن تحيط وجنتيه براحتي يديها تهمس له برجاء ناعم:
- حياتنا هتتعرض للخطر يا مراد، أرجوك أمسك نفسك، وأستخبى في أي أوضة غير إللي هناك دي.
قالت كلماتها الأخيرة وهي تشير بعينيها نحو الغرفة التي يقبع فيها "ديف" محاولًا أن يستمع إلى ما يحدث في الخارج ولكن عاجزًا عن ذلك بسبب صوتهم الخفيض.
حاول "مراد" تهدئة نفسه، يشعر أنه أقل من ثانية وسيدخل يقتله.
تابعت ببسمة صغيرة:
- أدخل جوا، وأنا هحاول أخرجه، ولو فشلت، تبقى تطلع وتحاول تلم الموضوع، يالا.
قبضت على يده تجذبه للداخل بقوة وهي تنظر نحو غرفة "ديف" بقلق.
استجاب لها "مراد" رغم تلك النيران التي تشتعل في قلبه.
تحرك بصمت تام حتى دخل تلك الغرفة الصغيرة وأغلق الباب متنهدًا بغضب حارق مكبوت وبشدة.
تحركت "لينا" بخطى راكضة نحو باب منزلها ثم فتحته قبل أن تغلقه بقوة، كي يستمع "ديف" ويخرج معتقدًا أن الزائر قد خرج ولم يدخل.
وبالفعل خرج "ديف" يصيح بحدة:
- من كان الطارق؟!..
دنت منه "لينا" قبل أن تهدر فيه بصوت عال:
- ليس من شأنك، وبدون حديث طويل أخرج من هنا، قبل أن أطلب لك الشرطة، وقتها هي من ستتعامل معك.
أقترب منها قبل أن يقبض على فكها بعنف يهمس لها بحروف مشددة:
- يبدو يا حوريتي الصغيرة أنكِ قليلة الأدب، ولكن لا تقلقي فأنا هنا بدءًا من الآن.
كانت عيناها باردة وتنظر له، في حين أرخى "ديف" قبضة يده قبل أن يهمس بخفوت منبهر:
- أتعلمين أنكِ جميلة، بل فاتنة، سأحرص أن تكوني تحت عيناي دائمًا.
همست بصوت خفض شرس:
- أخرج من هنا، وإلا وقتها تتحمل نتيجة أفعالك.
سألها بصوت بارد:
- أهذا تهديد؟!..
أومأت برأسها وهي تخبره بصراحة:
- أجل، فلتخشى من العواقب وتلك المصائب التي ستهبط عليك كالأمطار الغزيرة، فتلك التصرفات لا تصدر إلا من المجانين.
صمت طويل دام وقبل أن تستوعب كان يصفعها مرة أخرى بعنف، وهو يهدر بلهجة مخيفة:
- ألم أقل أنكِ قليلة الأدب، التهديد لا يستخدم لي، ومن اليوم سترين وجهًا غير ذلك الوجه العاشق.
حدقت فيه بعينين واسعتين وهي تتحسس تلك الصفعة، لم يسبق أن يصفعها أحدهم سوى والدها.
ولكن قبل أن تنتقم منه وجدت "مراد" يخرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه بقوة.
ألتفت أثرها "ديف" وعيناه واسعتان بذهول وهو يتسائل:
- من أين جئت يا هذا؟!..
تقدم "مراد" نحوه بسرعة وهو يرسل له نظرات نارية، قبل أن يلكمه في فكه ليسقط الآخر بقوة على الأرض.
دنى "مراد" إلى مستواه يمسكه من ياقة قميصه جارًا إياه إلى الأعلى قليلًا ليقوم بلكمه مرة أخرى، وهو يهدر:
- أولًا، تقتحم منزلها، ولكن أحذر ماذا، تقتحم منزل أخطر فتاة يمكن أن تراها.
أنهى كلامه تزامنًا مع نزول قبضة يده القوية على فك الآخر الذي يعاني من ألم قبضتهِ.
تابع "مراد" كلماته بلهجة عنيفة متشددة:
- ثانيًا، تصفعها بكل وقاحة، طالبًا إياها أن تتأدب؟!..
ظل يلكمه بقوة مفرغًا غضبه به لأنه تجرأ على صفع "لينا".
ولكن الأخير استجمع قوته ليدفعه إلى الوراء ليسقط "مراد" على المزهريات الزجاجية مصدرة صوت تحطم زجاج قوي.
في حين ظلت "لينا" واقفة تشاهد ما يحدث بعينين مذهولتين.
تقدم منه "ديف" ليقوم بتسديد لكمة على فك "مراد"، لتنشق شفته السفلى على أثرها.
استقام "مراد" بطوله المهيب وعيناه تقدحان شرًا.
ولكن قبل أن يقترب منه وجد عصا البيسبول تهبط على رأس "ديف" ضاربة إياه بقوة ليسقط فاقدًا الوعي.
ليجد "لينا" تلقي العصى وهي تنظر له بملامح جامدة قبل أن تنظر له بعينين لامعتين.
تقدم "مراد" إليها يسحبها جسدها إلى حضنه الواسع، ليطوق ذراعيه على خصرها النحيف ويمسد شعرها الطويل بكف يده الأخرى هامسًا في أذنها بحنان:
- أحنا بخير.
صمت قليلًا يستنشق عبيرها الهادئ، لترتخي عضلات جسده المتصلبة بسبب الموقف.
تراجع للخلف يتأمل تلك الأصابع المحفورة على وجهها، ليشتد لهيب عينيه.
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يلتفت برأسه حينما استمع إلى صوت سيارة الشرطة تقترب من المنزل.
ليعود النظر إلى "لينا" التي أرسلت له نظرات استفهامية، ليجيبها بهدوء:
- اتصلت بالبوليس وقت ما دخلت الأوضة، كنت عارف أن الموضوع مش هيعدي.
أومأت برأسها دون أن تتكلم قبل أن يتركها متوجهًا نحو باب المنزل يفتحه للشرطة، سامحًا لهم بالدخول.
تبادل الشرطيان نظرات الاستفهام حينما رأوا "ديف" ملقي على الأرض فاقدًا وعيه.
لتقول "لينا" بصوت بارد عكس عيناها تمامًا:
- لقد اقتحم منزلي.
نظر لها "مراد" بوجه متجهم، فهو يعلم ذلك جيدًا، وذلك السبب جعله يأتي إليها.
تقدم أحد الشرطيان لينزل إلى مستوى "ديف" يقيد يديه.
في حين الآخر أخرج دفتر صغير وقلم وهو يقول بصيغة آمرة:
- أحتاج إلى معلومات أكثر.
انتبه "مراد" إلى تلك النقطة جيدًا وانتظر ما ستقوله بفضول قوي.
ليجدها تدنو منهم ونظراتها على "ديف" وهي تجيبه بصوت متعب:
- منذ فترة، صارت تأتيني رسائل غريبة، من مجهول يعبر عن إعجابه، لكني لم أهتم، وحينما كنت أتأخر بسبب العمل في الشركة، بات يرسل لي رسائل متوعدة، حتى تفاجأت اليوم بوجوده إلى المنزل حينما عدت من السفر.
أنحنى الشرطي ليسحب هاتف "ديف" من جيبه، وبالفعل حينما فتحه وجد الكثير من تلك الرسائل الغريبة، وغير ذلك الكثير من الصور لها وهي تخرج من المنزل أو في العمل!
تمتم الضابط بلهجة جادة:
- لا تخافي يا آنسة، سيعاقب بالتأكيد، عن أذنكم.
قال كلمته الأخيرة وهو يغلق الدفتر في حين كان يحمل الشرطي الآخر جسد "ديف" قبل أن يخرجا من المنزل.
أقترب "مراد" منها وهو يقول بلهجة صارمة:
- موبايلك؟!..
مد يده لها وهو يوجه لها نظراته الثابتة، فلم تجد حلًا سوى أن تعطيه الهاتف.
أخذ هاتفها بسرعة من بين يديها، ليفتحه متجهًا إلى خانة الرسائل، ضاغطًا على الرقم غير المدون باسم.
ليقرأ كل رسائله بتمعن، شعر أنه يسير على جمرات من النار، ومكان قلبه يحترق بشدة من ذلك الغضب الحارق.
رفع رأسه نحوها يهدر فيها بغضب:
- أنتي غبية؟!.. غبية لدرجة أنك لما تشوفي رسايل زي دي متروحيش متقدميش أي بلاغ؟!..
نظرت له بعيون حزينة.
شعر بنغزة عنيفة في قلبه من نظراتها، فهمس بصوت خفيض مؤلم:
- لغاية إمتى هتفضلي تخبي عليا وكأني غريب؟!..
هزت رأسها بالسلب وهي تقول ببسمة ساخرة:
- أنا عمري ما اعتبرتك غريب، بالعكس أنت الأقرب ليا من روحي حتى، روحي اللي أنت أذيتها في يوم من الأيام، بس هاتلي مرة قعدنا فيها زي العشاق الطبيعيين وقعدنا نتكلم في مواضيع عادية.
أشاح وجهه بعيدًا عنها، لتتابع وهي تشعر بنبضات قلبها تتعالى بصراخ مؤلم مكتوم:
- أنا حياتي كلها صراعات، وأنت برضو كدا، مش بنعرف نحكي عن اللي جوانا بسبب اللي بنواجهه، حتى لما حبيتك، حبيتك في المواجهة دي، وقت ما اعترفت بحبك ليا، اعترفت بعد ما دخلت صراع ومواجهة تانية.
نظرت له بعينين دامعتين وهي تهدر فجأة بغضب وكأنها تفرغ جزء بسيط، بسيط جدًا من الموجود بداخلها:
- فـ إياك تفكر تلومني، إياك، إياك تيجي تقولي ليه مقولتيش، لأن أصلًا في حياتنا مفيش وقت نتكلم، في وقت نقتل ونعمل حاجات غير مشروعة وبس.
رمقها "مراد" بعيون ثابتة رغم ذلك الجنون الموجود في ملامحه.
تحرك نحوها يقف قبالتها ثم رفع يده يهمس لها بخفوت:
- أنا مش بلومك يا لينا، بس أنا بقولك دلوقتي إياكِ تنهاري، هانت.
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يضيف بصوت عميق:
- متنهاريش دلوقتي، استني نعدي من اللي إحنا فيه ده وبعدها أبقي انهاري في حضني.
أومأت برأسها وهي تحاول أن تظل ثابتة، في حين ظل واقفًا ينظر لها بملامح جامدة محاولًا أن لا يحتضنها ويدخلها قلبه كي تسكن فيه إلى الأبد، بعيد عن الألم الذي أصبح صديقها.
بعد مرور ثلاثة أيام، وتحديدًا في بريطانيا، وقفت "لينا" أمام فندق كبير، واضعة هاتف على أذنها وهي تتحدث بصوت غاضب:
- حسنًا، أنه الآن أوشك على الوصول، وستراه بعينيك وأنا أقتله، ولكن تابع دون أن تتدخل فضلًا.
أنهت مكالمتها وهي تضع الهاتف بجيب بنطالها، فهي هنا اليوم كي تنفذ مهمتها وهي قتله!
تحركت نحو داخل الفندق، واستقلت المصعد، حتى وصلت بعد فترة إلى سطح المبنى، بدون أن يراها أحد.
وبثبات غريب جلست على السور.
وجدته يصف سيارته ويترجل منها.
بعد فترة استمعت إلى صوته الهادر وهو يوبخها:
- أنتي قاعدة على السور، انزلي يا لينا من عندك وإلا هتندمي على ردة فعلي.
نظرت له بشقاوة وهي تقول:
- أنت عارف إني مش بخاف، لو بتخاف أنت، يبقى تمشي.
كانت تعلم أن ذلك سيجعله غاضبًا.
ولكن الغريب، أنه اقترب منها بهدوء وجلس بجوارها على السور.
ظل الصمت صديقهما لفترة طويلة قبل أن تقول "لينا" بصوت مهزوز:
- أنت عارف إني بحبك؟!..
نظر لها وهو يجيبها مؤكدًا:
- عارف، وأنتي عارفة إني بعشقك، مش بحبك وبس.
ابتسمت له بحب وهي تخبره:
- مهما كان اللي حصل بينا فأوعى للحظة تتخيل أني مش بحبك بجد.
التمعت عيونها بالدموع، وبالفعل انهمرت أول دمعة حارة على وجنتها.
قطب "مراد" جبينه بقلق وهو يسألها:
- مالك يا لينا، فيكي إيه؟!..
- مفيش حاجة.
قالتها وهي تلف جسدها كي تهبط من على السور.
وقبل أن يهبط "مراد" هتفت فجأة:
- لأ، خليك مكانك.
ظل جالسًا ينظر لها بعدم فهم.
فأقتربت منه كي تقف قبالته، كان ملتفت برأسه فقط.
فـ حاولت أن تستقيم أكثر قبل أن تقبل جبينه برقة، مع دموع أخرى هبطت على وجنتيه.
استمعوا فجأة إلى صوت الكثير من الرجال يتحركون.
فـ أبتعدت عنه تنظر لتلك الرجال والذي كان برفقتهم اليد "هوزن" مبتسمًا بتشفي.
نظر لها "مراد" بإستغراب وهو يسألها بحدة:
- هو في إيه يا لينا؟!..
أقتربت منه "لينا" وهي تقول بصوت حار مع دموعها الحارة التي كانت تهبط:
- أنا آسفة، بس مش هقدر أضحي بحياتي، مهما كان حبي ليك مش هيبقى أد حبي لحياتي.
رفع رأسه قليلًا وقبل أن يستوعب وجدها تدفعه بيديها نحو صدره.
فـ ارتد جسده إلى الوراء، سقط جسده بأكمله إلا أنه أمسك طرف السور بيديه وبقوة جبارة.
نظر لها بصدمة وذلك الخذلان أعترى تعبيرات وجهه.
تقدم "هوزن" نحوهما وهو يراه على وشك الموت قبل أن يقول بلهجة متشفية:
- إنها نهايتك، أما بالنسبة لمحبوبتك، فهي أصبحت ملكي الآن.
نظرت له "لينا" بدموع وهي ترتجف وكأنها لم تستمع إلى كلمات "هوزن" قبل أن تقول له بهمس:
- أنا آسفة.
حاول "مراد" أن يستمد قوته كي يصعد على السور ولكن فشلت محاولاته.
بل العكس، بدأت يداه تنزلق حتى كاد أن يقع أكثر من مرة.
فقال "هوزن" ببسمة قاسية:
- هنا، نستطيع أن نقول وداعًا.
قال كلمته من هنا ليجد يداي "مراد" تنزلق، وبالفعل انزلقت يداه تاركًا جسده إلى الهواء الحر.
سقط جسده من سطح الفندق حتى سقط على الزجاج المغلف من فوق والذي عليه اسم الفندق الفاخر، لتسقط جثته على الأرض فارقًا الحياة، وتتعالى صيحات من حوله.
رواية أتحداك أنا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أميرة مدحت
قبل أن تأتي الشرطة، استطاعت "لينا" الهروب من على سطح الفندق، واتجهت نحو غرفتها، بعد أن تأكدت من مغادرة "هوزن" ورجالته.
وقفت "لينا" أمام المرآة تنظر لإنعكاسها، تعبيرات وجهها جامدة، عيناها باردتان بشدة، رغم ظلامهما الدامس.
سحبت نفسًا عميقًا وهي تهمس بضعف:
- الموضوع انتهى.
***
تلك الأيام مرت عليها بشكلٍ ثقيل جدًا، منذ أن اختفت صديقتها الجديدة "لينا"، والملل يقتلها.
وأخاها منذ أن علم الحقائق الجديدة قرر أن ينتظر نزول "مراد" إلى شركته، حتى يفهم ما يحدث، ولكن حتى الآن لا جديد.
كالعادة، تحركت "ريما" بخطى هادئة، تبتسم بدفء وهي تقترب من كورنيش النيل، ذلك المكان المفضل لديها، حيثُ تجد راحة عارمة تغمر روحها.
أرتدت السماعة بعد أن قامت بإيصالها للهاتف الخاص بها، تستمع إلى موسيقى هادئة.. ناعمة مثلها.
ولكن شعرت بمن يقف بجانبها، ألتفتت برأسها لتجده شاب.
عاودت النظر أمامها ولكنه تحدث إليها قائلًا وهو يمد يده بكوبٍ من القهوة:
- تشربي قهوة؟
نظرت إليه بتعجب، ليتابع وهو ينظر أمامه ببسمة صغيرة:
- بقالك فترة بتيجي هنا، وشكلك دايمًا زعلان، رغم أن ضحكتك جميلة زيك.
أرتفعت حواجبها بصدمة، فـ تراجعت للخلف كي تغادر، ولكن وجدته يقول بثبات:
- الهروب مش حل.
ألتفتت تنظر له بحنق وهي تسأله:
- وأنت مالك أصلًا.
وجدته يبتسم وهو يضع يده في جيبه، بينما يده الأخرى الممسكة بالقهوة أرتفعت نحو فمه يرتشف بتلذذ، ثم قال بهدوءٍ جاد:
- أنا قلبي عليكي.
قطبت جبينها بقوة وهي تدنو منه خطوة واحدة قبل أن تسأله بحدة:
- أنت عايز إيه؟
صمت قليلًا قبل أن يقول وقد أتسعت بسمته الهادئة وبدت جاذبة:
- أنا بحبك.
- أنت مش محترم على فكرة.
هز كتفيه ببساطة وهو يتمتم:
- تمام، بس ده مش هيغير حاجة.
أرتجف قلبها المسكين، وتعالى خفقانه وهي تسأله بخفوت:
- أنت مين بالظبط؟
تنهد بحرارة وهو يقول بجدية:
- أنا بشتغل مع أخوكي حاتم، وأكتر من مرة كنت عندكم في البيت، وكنتي بتيجي تقدميلي القهوة، بس يا شيخة مفيش ولا مرة فكرتي حتى تقوليلي السلام عليكم.
أرتسمت الصدمة على تعبيرات وجهها وهي تسأله بذهول:
- نعم!!!
- البعيدة مش بتحس.
وقبل أن تهدر فيه بغضبها، كان تقدم منها وهو يقول بصوتٍ واثق:
- من غير كُتر كلام، تعرفي أخوكي أني جاي بكرة بليل، عشان هخطبك.
أرتدى نظارته السوداء وهو يلقي نظرة أخيرة ممتعة على تعبيرات وجهها المصدومة، قبل أن يهمس بصوته العميق:
- يالا سلام.
وبالفعل كاد أن يتحرك، ولكن قبل ذلك وجدها تقول بدهشة:
- استنى يا...
ألتفت برأسه بإبتسامته الجانبية وهو يخبرها:
- جاسر، جـاسر يا.. ريما.
وبدون كلمة أخرى تركها مع نسمات الهواء الطيبة، وجدت نفسها تبتسم بذهول وهي تنظر حولها بعدم استيعاب.
حاولت أن تظل هادئة ولكن كلماته جعلتها تكاد أن تجن.
همست من بين ضحكاتها المصدومة:
- هو في إيه؟ إللي بيحصل بالظبط؟
***
منذ شجارهما، وهو لا يتحدث معها إلا قليلًا، ينام على الأريكة تاركًا إياها في الغرفة.
زفرت "دينا" بغضب وهي تهبط من على الفراش، تحركت نحو الشرفة محاولة أن تحدد مكانه.
لتجده يخرج من حمام السباحة، وبعض الأنظار تتجه نحوه بإعجاب.
وجدت فتاة تقترب منه وتبتسم له بمنتهى الرقة.
أتسعت عيناها وهي تراه يبادلها الضحك، ضحكاته تلك التي لم تعد تراها منذ حديثها الغاضب عن تلك الفتاة اللعينة "لينا".
ظلت هكذا لدقائق، تتابعهما، حتى انصرفت الفتاة، فتوجهت نحو غرفتها تجلس على فراش وهي تنظر أمامها في نقطة فراغ، مستشعرة أنها تبتعد عن زوجها، على الرغم أنهما في شهر العسل.
بعد فترة، دخل "أدهم" الغرفة غير عابئًا بوجود "دينا" التي هبت واقفة وهي تقول بمنتهى الهدوء:
- مين دي اللي كنت واقف معاها؟
أجابها وهو يتجه نحو الخزانة مجيبًا:
- زميلتي من أيام الجامعة.
زفرت بضيق وهي تقول بتهكم:
- آه عشان كده وشك منور ومورد.
نظر لها تلك المرة وهو يقول ببرود:
- الجو الحلو بيعمل كده، إنما العكننة بتجيب أمراض الدنيا، واخدة بالك يا.. يا دودو.
هدرت بغضب وهي تتحرك نحوه:
- مبحبش الدلع ده قلتلك.
لم يجيبها بل ظل ينظر إليها نظراتٍ غريبة، قبل أن تقترب هي هاتفة بصوتٍ حزين:
- أدهم، أنت بعدت عني أوي، وأحنا ملحقناش، ملحقناش نفرح سوا مع بعض في شهر العسل.
أستدار إليها وهو يقول بهدوء:
- أنتي اللي وصلتينا لكده يا دينا.
بدون أن تتكلم، تحركت في اتجاهه، قبل أن تضع رأسها على صدره، وكأنها وسادة.
دمعة هبطت على وجنتها وهي تقول بصوتٍ مرتجف:
- تعالى نتعاتب، تعالى نتخانق حتى، لكن بلاش سكوت، إنت كده بتدمرني.
شعرت به وهو يرفع ذراعيه كي يضمها إلى صدره، فهمست بصوتٍ مهزوز:
- أنا أسفة، بس مشاعري ناحية لينا، مش هتقدر تتغير يا أدهم.
سمعت صوته الأجش وهو يسألها:
- اهتمي بحياتك أنتي وبس يا دينا، مشاعرك دي حاجة ترجعلك، بس إياكي تفكري تأذيها، وتوعديني أنك متتدخليش في حياة أخوكي تاني.
صمت طويل دام قبل أن تقول بإستسلام:
- أوعدك.
***
في بريطانيا، أخيرًا استطاعت الدخول إلى قصره المهيب برفقته، بعد أن أعطى إشارة لجميع رجاله وحراسته وأتباعه، أنها باتت منهم الآن.
كانت تسير خلفه بثباتٍ وهي تنظر حولها بتمعن دقيق، صعدت على الدرج خلف "هوزن" الذي أتجه بها إلى غرفته.
وما أن أغلق الباب عليهما حتى أقترب منها وهو يقول ببسمة قاسية:
- أتعلمين أنني محظوظ بكِ كثيرًا.
ظلت تنظر له بهدوءٍ بارد، تخفي هي خلفه بركانٍ يكاد أن يدمر القصر ومنطقة القصر.
دنى منها قليلًا قبل أن يضيف بصوتٍ هامس قوي:
- لم أكن أصدقك حتى رأيت جثته في المشرحة، وحقًا وقتها استطاعتي أن تكوني أقوى امرأة في العالم، قتلت حبها حتى تعيش.
همست "لينا" بصوتٍ بارد حاد كالسيف:
- نعم قتلت حبها، وتقتل أي شخص سيقترب منها بالأذى.
رفعت ذقنها قليلًا وهي تقول بفخر:
- فأنا لينا الصاوي، لا يمكنك أن تتخيل ما يمكن أن أفعله إذا حاولت أذيتي.
أقترب منها قليلًا وهو يخبرها بثقة:
- أعرف، ولهذا أقدرك.
ظهر بريق قاسي في عينيها وهي تقول بهمس:
- لا، أنت لا تعرف.
دنت منه حتى لم يعد بينهما سوى خطوة واحدة، ألتمعت عيناها بقوة وهي تقول بإبتسامة بارقة:
- حينما طلبت مني قتل مراد، أنت آذيتني وبشدة، لهذا ستنال عقابك يا هوزن.
وبسرعة البرق أخرجت المدية، وبضربة واحدة حاسمة شقت عنقه لتتناثر دماؤه الدافئة عليها، وعلى أرض الغرفة.
وما أن سقط جسده هامدًا على الأرضية، حتى جثت على ركبتيها كي تخرج تلك الفلاشة الصغيرة من جيبه.
وما أن وضعتها في جيبها هي، حتى وجدت أحد رجاله يدخل الغرفة يصرخ بصدمة:
- السيد هوزن.
حدقت فيه "لينا" بنظراتٍ قوية قبل أن تمسك المدية وتصوبها نحو رقبته وتطلقها عليه، فيقع جسده على الأرض.
خرجت "لينا" من الغرفة راكضة لتدخل في عراك مع ثلاثة رجال مستخدمة حركات قدميها ويديها فقط.
وبعد أن وقع أحدهم من على سور الدرج، استطاعت أخذ سلاحه لتبدأ حرب طاحنة بينها وبين رجال هوزن.
قبل أن تشعر فجأة بمن يجذبها إلى إحدى الغرف، وقبل أن تقوم بأي حركة، استمعت إلى صوته العميق والأحب إلى قلبها:
- أهدي يا لينا، أنا مراد.
رواية أتحداك أنا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم أميرة مدحت
لم يكن هذا وقتًا للنظرات المُحبة بينهما، ولا وقت لمشاعر الاشتياق التي تشتعل بينهما، بينما هناك حرب في الخارج، والكثير ينتظر أن يقتلهما معًا.
تنفست "لينا" بعمق وهي تهمس له بخفوت:
- إيه اللي جابك؟!
ظل مطوقًا خصرها وهو يهمس بخشونة:
- الخطة اتغيرت، والقصر لازم يتحرق فورًا، لكن جثة هوزن مش هتبقى هنا وهتروح حتة تانية، وفي رجالة فوق بيقوموا بده، ولازم نخرج قبل ما الحريقة تحصل.
أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بكمٍّ هائل من الضغوط قبل أن يسألها بجدية:
- جاهزة؟!
أومأت برأسها وهي تفتح عينيها ليظهر بريق القوة والعزم بهما.
أرخى ذراعه عنها ليجدها تتوجه نحو جثة رجل ما تأخذ من جواره سلاحًا كبيرًا ما يسمى بالبندقية.
ابتسمت ابتسامة جانبية وهي تنظر له نظرات ذات مغزى ليبادلها ابتسامة جادة، قاسية نوعًا ما وهو يمسك السلاح من نفس نوع ما تمسكه.
ربت على كتفها هامسًا بصوت أجش:
- خدي بالك من نفسك.
أومأت برأسها قبل أن يخرج كل منهما من الغرفة، متوجهين نحو الأسفل وكل منهما يصيب من يقترب، حتى استطاعت أخيرًا دخول مكتب "هوزن"؛ كي تبدأ بأخذ جميع ملفاته.
اتجهت نحو الخزانة، وهي تخرج من جيبها عدة أشياء صغيرة وبدأت بالعمل على كيفية فتحها، رغم ذلك التوتر الذي تشعر به على "مراد" بسبب اشتباكه بمفرده وسط خمسة وعشرين رجلًا.
ظل هذا الحال لمدة دقائق معدودة، قبل أن تتوقف أصوات الطلقات فجأة، لترفع رأسها بقوة نحو الباب.
بلعت ريقها بصعوبة وهي تستشعر أن هذا الهدوء ما هو إلا فخ، نظرت إلى البندقية لتجد أن الرصاص انتهى فباتت الآن في لحظة ضعف، ولكن يجب ألا تستسلم.
انتهت من جمع الفلاشات واستطاعت تخبئتهم بداخل جيبها الصغير وهي تهمس:
- كدا كويس أوي.
وقبل أن تخرج لمحت تلك النيران التي تشعل في المكان، شهقت بقوة قبل أن تفتح الباب كي تستعد للهروب ولكن وجدت أربعة رجال يتقدمون نحوها.
بدأت تتشابك معهم بحركات قوية، ولكن بدون سابق إنذار قام أحدهم بضربها بسلاحه على جانب من رأسها، لتقع على الأرض فاقدة الوعي.
*****
مرت خمس عشرة دقيقة دون جديد، ظل "مراد" يسير ذهابًا وإيابًا وعيناه لا تفارق حريق القصر الهائل، ليصرخ فجأة بزميل له قائلًا بعنف:
- غزالي مخرجتش لغاية دلوقتي، أكيد حصل حاجة.
- اهدى يا مراد باشا وإحنا آآ..
التفت له "مراد" يهدر فيه بعصبية:
- أهدى إيه؟! أنا مش هسكت أكتر من كدا.
- هتعمل إيه يا باشا، يا مراد باشا رايح فين بس.
ركض نحو البوابة الخلفية، دفعه بقوة لتخرج سخونة بشعة من الداخل، لم يهتم ودخل وهو يصرخ باسمها، منعته النيران من الرؤية، وهذه الأبخرة السوداء السامة أصابت عينيه بالاحمرار والدموع، لم يظهر لها أثر وهو يبحث، بل كم جثث اصطدم بهم، لمح جسدها مُلقى بجوار جثة أخرى من رجال "هوزن".
توقف قلبه للحظات معدودة وتصلبت قدماه وهو يستشعر كم من الرعب الذي اجتاحه في تلك اللحظة، ركض إليها بخوف وهو يصيح باسمها قائلًا:
- لينا، لينا فوقي، لينــاااااا.
تفحص ذراعيها بيديه، وجسدها بعينيه ليرى إن كان هناك دماء أم لا خشية أن تكون أصيبت بطلق ناري، تنفس بعمق وهو يرى وجهها شاحبًا ملوثًا ببعض الشحوم السوداء، فأخذ يهز رأسها وهو يقول بحرقة:
- لينا، فوقي يا لينا، فوقي عشاني.
اقترب بأذنه من أنفها، فأحس بسخونة أنفاسها الضعيفة، أمسك رأسها ومسح على بشرتها وهو يهمس:
- لينا، سمعاني؟! اعملي أي حاجة وحياتي عندك.
احتضن رأسها الثقيلة بين ذراعيه واستند برأسه على رأسها وهو يتمتم بصوت أشبه بالأنين:
- جاية دلوقتي وتقعي، ليه كدا طيب، ليه؟!
وأخيرًا قرر النهوض، الذهاب بها إلى سيارة الإسعاف التي تقبع بداخل المدخل السري لهذا القصر، ركض بها بقلب مرتجف من الخوف حتى وصل بها إلى سيارة الإسعاف، كاد أن يقترب أحد زملائه كي يساعده في حملها ليصيح فيه بحدة:
- محدش هيلمسها.
تراجع للخلف بحرج، ليدخل "مراد" بها إلى سيارة الإسعاف، وسحب جهاز التنفس كي يضعه على فمها، مسح على رأسها وهو يخبرها بتأكيد:
- ما تقلقيش، الحرب خلصت خلاص.
نظر لزملائه الذين ينتظرون الأوامر منه كقائدهم، ليشير بيده وهو يقول بصرامة:
- مهمتنا انتهت، يلا نتحرك من هنا من غير ما حد يشوفنا زي ما جينا من غير ما حد يحس ولا يشوفنا.
- تمام يا فندم، يلا يا رجالة.
أغلق أحدهم باب السيارة، ليعاود النظر إلى ملامحها الشاحبة، همس لها بصوت خفيض وهو يتأملها بعيون مُعذبة:
- خلاص يا لينا، الصعب عدى، أوعدك أن الجاي هو الخير اللي كنتي مستنياه من زمان.
*****
في مساء اليوم التالي، تحرك "حاتم" نحو باب المنزل بعد أن استمع إلى رنينه، سرعان ما ابتسم وهو يرى "جاسر" وفي يده باقة من الورد وعلبة – ذات حجم متوسط – شوكولاتة، احتضنه بذراع واحدة، قبل أن يقول له بترحيب:
- ادخل يا جاسر، نورت والله.
توجه نحو غرفة الصالون ليجلسا هناك، في حين كانت "ريما" واقفة تحاول أن تستمع ما يقولون، وهي في حالة مزيج ما بين الصدمة والذهول بعدما نفذ حديثه وأتى كي يتقدم لها.
استمعت إلى صوت شقيقها وهو يقول بجدية:
- أنا أصلًا كنت ناوي أكلمك عشان نتقابل.
عقد "جاسر" ما بين حاجبيه وهو يسأله:
- اشمعنا، خير؟!
أطلق زفيرًا طويلًا قبل أن يسأله بوجه جامد:
- لينا الثاوي كانت بتشتغل عندي، ولما نزلنا مصر عشان نحضر فرح أدهم ودينا، من يومها اختفت، وبعدين اكتشفت أن ليها علاقة مع مراد، عاوز أعرف إيه سر إخفائها على الأقل.
أومئ "جاسر" برأسه وهو يجيبه بابتسامة هادئة:
- مراد ولينا، قصتهم غريبة شوية، هو قابلها بشخصية بنت أكبر تاجر مخدرات، وهو دراع أبوها، يعني ظابط متخفي، مع الوقت حصلت شرارة الحب، الاتنين نسخة من بعض، في الشخصية، والمكر، وطريقة الحب، والأهم.. هو تحدي كل واحد فيهم للتاني.
صمت قليلًا، قبل أن يتابع بهدوء رصين:
- وبعدها كل واحد اكتشف حقيقة التاني بس متأخر، بعد ما كسروا بعض، اضطرت تهرب بره لأن المافيا مكنتش هتسيبها، ودي كانت أوامر عليها، ومراد افتكر أنها ماتت ودخل في حالة كآبة، بس في النهاية أول ما شافها في الفرح وبعدها اختفى هو وهي، لدرجة أن لا أنا ولا أخته ولا أدهم نعرف عنه حاجة.
ابتسم "حاتم" بارتياح وهو يقول:
- في معاناة كبيرة، عشان كدا مش ناوي لا أتجوز ولا حتى أحب.
ضحك "جاسر" قبل أن يقول بنظرات متلهفة رغم عمق صوته:
- حيث كدا بقى، أنا طالب إيد أختك، الآنسة "ريما".
اتسعت ابتسامة "حاتم" وهو يقول له بصراحة:
- أنا عن نفسي معنديش مانع، بس الرأي رأيها.
بعد عدة دقائق، جلست "ريما" أمامه وهي تنظر لأسفل بتوتر، مستشعرة نظراته التي تخترقها بسهولة، حاولت أن تهدأ ولكن فشلت خاصة مع سؤاله الهادئ:
- إيه يا ريما، عاوزة تعرفي عني إيه؟!
رفعت وجهها إليه وهي تقول بهدوء مرتبك:
- أنت عرفت من أخويا أني مكنتش عاوزة أدخل في تجربة الجواز دلوقتي خالص.
- بس أنا عايزك يا ريما، وبوعدك أن طول ما أنا فيا نفس هحققلك اللي نفسك فيه.
صمت قليلًا قبل أن يقول بشغف:
- صلي استخارة، وإحنا هناخد وقت نتعرف فيه على بعض أكتر، عشان ما تندميش على قرارك.
هي بالفعل قامت بصلاة الاستخارة، ومن العجيب أن هناك راحة غريبة تجتاحها، نكست رأسها وهي تقول بتوتر:
- بس بيقولوا أنك شخص صعب ومش سهل التعامل معاك.
هز كتفيه وهو يقول ببساطة:
- عادي، الوش الخشب بيبان للكل، بس اللين لحبايبي.
شعرت بالخجل من كلماته الصريحة الموجهة لها، سمعته يقول بتساؤل بصوته العميق:
- هنحدد إمتى ميعاد الخطوبة؟!
- آيـ.. إيه؟!
- أخـ.. طـ.. بـ.. ك؟!
*****
فتحت "لينا" عينيها بتثاقل وهي تشعر بذلك الصداع القوي أثر تلك الضربة القاسية، اعتدلت في جلستها وهي تضع يدها على رأسها متأوهة، قبل أن تدرك أنها بمنزل غريب ولكن جميل.
جميل جدًا.
فتح "مراد" باب الغرفة وبيده كوب من الماء، ابتسامة حنونة زينت شفتيه وهو يسألها باهتمام:
-صباح الخير يا لينا، أحسن دلوقتي؟!
وضع الكوب على الكومود وهو يضيف بجدية:
-أنا جبتلك مسكن والماية، شوفي محتاجة إيه تاني، محتاجة تاكلي؟!
-محتجالك إنت.
رفع عينيه المدهوشتين نحوها قبل أن يعاود الابتسام ثم جلس بجوارها على طرف الفراش، قبض على كف يدها وهو يخبرها مؤكدًا:
-أنا دايمًا جنبك.
ابتسمت "لينا" بحنو قبل أن تقول بخفوت:
-كان قلبي مرعوب لحظة ما زقيتك من على السطح.
-دي كانت خطة، وأنا وأنتي واللواء سامي، اتفقنا على الخطة دي لما قولتيلي توقعك بأنهم هيطلبوا موتي في حالة لو رجعتلهم.
-بس بردو، هو الموضوع كان صعب عليا، أنا زقيتك وإيدي بتترعش.
-يا لينا، الموضوع كان مترتب، أول ما تزقيني، همسك أطراف السور بإيديا، الأوضة اللي قدام رجليا هيفتحوا البلكونة، ويوصلوا الحزام بتاعي بحبل سميك، وأول ما أفلت إيدي، هقع آه، بس الحبل مكمل ولونه أسود، ومتنسيش إن إحنا كنا بليل، فمش هيشوفوا الحبل الأسود ده، وكدا كدا كنا حاطين جثة تحت على الإزاز الغامق اللي عليه اسم الفندق، أول ما جسمي اندفع تحت، الإزاز اتكسر والجثة المزيفة وقعت على إنه أنا، وأنا لحقت أقف في جنب وأشيل الحبل، فين الخطورة؟!
-طب وموضوع المشرحة؟!
أجابها بابتسامة جادة وهو ينظر في نقطة فراغ:
-كنت عارف إنهم مش هيطمنوا إلا لما يشوفوا جثتي، فقدرت أتفق أنا ورجالتي على الموضوع ده، وفعلًا نمت في المشرحة على إني ميت بعد ما عملنا في آثار في جسمي عنيفة بسبب الوقعة، ده غير الهالات السوداء وكدا.
تنهدت بعمق وهي تسأله بتوتر:
-يعني الحرب انتهت؟!
هز رأسه وهو يرفع يدها يقبلها بنعومة قائلًا بثقة:
-تيجي نهرب؟!
-ياريت، أنا تعبت أوي خلاص.
نظر لها بألم خفي قبل أن يقول:
-ما تخافيش، الجاي خير ليكي، كفاية حزن وتعب يا لينا.
لمعت عينيها بالدموع وهي تهمس بتعب:
-فعلًا كفاية أوي.
-بالمناسبة، قومي يلا غيري هدومك، عشان في واحد مستنيكي برا.
قطبت جبينها بقلق:
-ده مين ده؟!
خمسة عشر دقيقة، خرجت "لينا" الغرفة وهي تنظر إلى ذلك النزل الذي أكثر من رائع، شردت قليلًا وهي تتساءل عن ماذا سيكون منزلها الجديد هي و"مراد" معًا، حركت رأسها بالسلب وهي تحاول أن تنتبه على ما هو قادم، تحركت نحو غرفة الصالون لتجد "مراد" يجلس برفقة ذلك الضيف، اتسعت عيونها بصدمة وهي تنظر له بابتسامة واسعة:
-آريان؟!
هب "آريان" واقفًا وهو يقول ببسمة صغيرة:
-جيتلك بعد ما خلصت الحرب، وبقيتي في أمان مع مراد.
رواية أتحداك أنا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم أميرة مدحت
جلست بجوار "مراد" وهي توزع نظراتها المدهوشة عليه وعلى "آريان" الذي جلس على الأريكة بإريحية.
مسح على شعره وهو يغمغم بثقة:
- يعني الواحد كدا يقدر يعيش في أمان خلاص زي البني آدمين؟
تلألأت عيناها وهي تهمس بشرود:
- إحنا انتصرنا يا آريان، زي ما خططنا، الحرب كانت طويلة وصعبة، المهم النهاية كانت لينا إحنا.
إبتسم "مراد" لأجلها قبل أن يتسائل بهدوء:
- طب سؤال مهم، ليه طلبوكي أنتي بالأسم وأهتموا بيكي أنتي لما هربتي، عكس آريان تمامًا، مكنش في نفس اخطر.
أعتدل "آريان" في جلسته وهو يجيبه:
- لينا كانت بتتعامل معاهم وجهًا لوجه، كانت في الأسبوع بتسافر 3 مرات لدول مختلفة، إنما أنا كنت بتعامل مع راس المافيا، والباقي بمكالمات، عكس لينا، إللي كانت تعرف عنهم كل حاجة، نقطة قوتهم وضعفهم، تفتكر بقى يهتموا بمين؟
هز "مراد" رأسه بخفة وهو ينظر أمامه بشرود.
إنتبه إلى سؤال "لينا" الخبيث الموجه لـ"آريان":
- إيه أخبارك مع مريم؟
إبتسم تلقائيًا وهو يقول بحماس بائن:
- أول ما هخرج من عندكم، هروحلها جري وأعترفلها قبل ما تضيع مني.
أتسعت إبتسامتها وهي تقول بصدق:
- بجد أتمنى متضيعهاش من إيديك، مش سهل تلاقي حد تحبه ويفهمك.
تنهد "آريان" وهو يتسائل بمشاعر كتضاربة:
- هو إحنا ليه بنبقى ضعاف أوي كدا قدام حد بنحبه؟
تلك المرة رد عليه "مراد" بثقة وهو يشير بيده:
- أنت قولتها بنفسك، علشان "بنحبه"، دينا صادق كانت بتقول: الحب مش ضعف بس لو مضعفتش قدام حبك تبقى محبتش.
سحب نفسًا عميقًا قبل أن ينظر لـ"لينا" للحظاتٍ وهو يتابع مبتسمًا:
- الفكرة هتفضل دايمًا في إنك تختار الشخص إللي يقدر الضعف ده، ويحترمه ومايستغلوش.
تتمت "لينا" بهمسٍ وهي تنظر له:
- الحب مخيف.
رمقها "مراد" بحنق وهو يجيب:
- الحب مخيف فعلًا، وخصوًا لما أكون بحب واحدة معتوهة زيك.
رفعت حواجبها إلى الأعلى وهي تقول بحدة:
- أنا مش معتوهة.
رفع حاجبه الأيمن وهو يلتفت بكامل جسده إليها قائلًا بغيظ:
- أنا لسه قايل بحبك، وكل إللي سمعتيه هو معتوهة؟
ظلعت رافعة حاجبيها إلى الأعلى قبل أن تقول له بتهديد:
- أنت أصلًا أد الكلمة دي؟
كان "آريان" مستمتعًا كثيرًا بحديثهما معًا، ولكن لهجة "لينا" جعلته يرتاب، فقال بتوتر:
- لينا حبيبتي فوقي ده مراد، مش واحد من البلطجية إللي بنتعامل معاهم!!
ألتفت "مراد" إليه برأسه وهو يهدر فيه بغضب:
- حبيبتك مين ياض؟ فــوق وشوف إنت بتقول إيه.
أتسعت عيناه وهو ينظر له بصدمة، همس لنفسه وهو يعتدل في جلسته:
- لأ أنا من رأيي أقطع علاقي بـ لينا، لأن حواراتها كترت.
رفعت "لينا" ذقنها قليلًا وهي تسأله بتهكم:
- إيه ده إيه ده؟ أنت طلعت بتغير بقى وكدا؟
إبتسم لها إبتسامة جانبية وهو يقول:
- الغيرة، آه.. الغيرة بتوجع البطن وبتقفل اليوم وبتغمق كل حاجة في حياتنا، بس حقيقي الموضوع مش بإيدي ولا بإيد أي راجل، محدش حابب يتعب نفسه، بس هي قلوبنا كدا مبتقبلش الهوا على الشخص إللي بنحبه، مش بيمشي معانا أنتي بتتعاملي مع مين بظبط، غصب عننا لما بنسمع لسانكم بينطق اسم حد تاني مهما كان مين بنغير.
تعالت دقات قلبها الصغير وهي تنظر بوجنتين حمراوتين من الخجل لـ"آريان" الذي كان يضحك عليهما وهو يمني نفسه بلقاء كهذا مع حبيبة قلبـه.
أومئ برأسه وهو يقول بتعجب:
- بقيت فيلسوف يا مراد، من إمتى وبقيت كدا؟
أرجع "مراد" ظهره للخلف وهو يجيبه بجدية:
- لو حد كان جالي من 6 شهور وقالي أنت هتحب بالطريقة دي، مكنتش هصدق، كنت هقول أنه مجنون، أنا أعدت أبني حاجات كتير في ليالي طويلة، وجت هي بمنتهى البساطة هدتهم، وأعدت جوا قلبي، وغضب عني قلبي دقلها بعيوبها قبل مميزاتها.
نظر "آريان" لـ"لينا" للحظة قبل أن يسأله بفضول:
- و إيه هي عيوبها؟
- أنا لما عرفت لينا، عرفتها أنها بنت أبوها، ماشية في ظله وفي سكته، مش نفس سكتي، برغم إللي بنيته جوايا بإني محبش وغير كدا واجبي يمنعني بده، إلا أني مقدرتش، وفعلًا قلبي دقلها، وغير كدا من عيوبها الكبيرة وإللي ساعات بحس أنها هتنهي علاقتنا هي أنها مش صريحة في كل حاجة، ممكن عشان خايفة عليك، فتسكت عن حقايق ومتقولش، بس حظها الزفت أن يجي يوم ويتعرف كل حاجة، فبالتالي بيحصل عدم ثقة في العلاقة.
هتفت "لينا" بنزقٍ وهي تنظر له بتجهم:
- يا سلام، وأنت بقى ملاك صح!؟
أجابها بإبتسامة واثقة وهو يعقد ساعديه أمام صدره الضخم:
- لأ عيبي أني متسرع، بس أن شاء الله بعد ما شخصية زيك دخلت حياتي هبقى أتعلمت صبر أيوب.
أشار "آريان" بيده وهو يقول بتأكيد:
- في دي معاك حق.
نظرت له "لينا" بصدمة وهي تعاتبه:
- كدا يا رينو؟
شهقت "لينا" بخوف وهي تجد "مراد" يقبض على يدها بقوة يجذبها نحوه وهو يهمس له همسٍ خطير:
- إحنا قولنا إيه؟ واضح أنك مش ناوية تيجي عدل، تحبي آآ...
قاطعتــــه "لينا" بلهفة وهي تبتسم له بخوف:
- خلاص يا مراد، حرمت، هاخد بالي من كلامي.
وجدت في عينيه بريق ما بين الغضب والخطر معًا، بلعت ريقها بصعوبة وهي تراه يترك يدها، لتعتدل في جلستها بتوتر.
في حين جلس "آريان" مبهورًا بما يراه وهو يهمس بداخله:
- عشت وشفتك يا لينا بتخافي، ياااااه على الحب، أهو جه إللي هيربيكي من أول وجديد يا لينا يا بنت الصاوي.
بعد مرور يومان، عاد "مراد" إلى مصر ولكن تلك المرة وبرفقته "لينا"، وقد قرر في ذلك اليوم أصطحابها إلى منزله ويدعو شقيقته وزوجها إلى عشاءً لطيف، حتى تتعرف كل واحدة منهما على الأخرى، ربما يكونا أصدقاء!
ولكن ظهر عكس ذلك، حينما جلست "لينا" بجوار "مراد" على الأريكة، وقبالتها شقيقته "دينا" وصديقه "أدهم".
ظلت "لينا" جالسة بثقة ولكن تعبيرات وجهها جامدة وهي ترى كرهًا غريبًا في عيني "دينا".
بلعت ريقها بمرار خفي وقد علمت جيدًا كيف ستكون معاملتها هنا، وتأكدت من ذلك حينما وجدتها تقول لـ"مراد" بصوتٍ يملؤه الحنق:
- مراد إنت واثق من قرارك، بأنك تتجوز واحدة كان أبوها أكبر تاجر مخدرات؟
إبتسم "مراد" لشقيقته وهو يقول بثقة:
- أنا مش هلاقي زيها، وبعدين لينا مش ماشية في سكة أبوها وإلا زمانها كانت معاه.
تابع وهو ينظر إلى تعبيرات وجه "لينا" الجامدة:
- أنا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي واحدة زيها.
إبتسمت "دينا" بغيظ وهي تقول:
- ربنا يتمم بخير.
ثم نظرت لـ"لينا" بإحتقارٍ خفي، قبل أن تبتسم ببرود وهي تقول:
- ممكن يا لينا تقومي معايا، تساعديني في تحضير الأكل.
حركت "لينا" رأسها بهدوء قبل أن تنهض من على الأريكة، متوجهه خلف "دينا" إل حيث الغرفة الطعام، في حين ظل "مراد" ينظر إلى طيفها بقلق لا يعلم مصدره، ولكن حينما قرأ تعبيرات وجه "أدهم" المتوترة، علم من أين جاء مصدر القلق.
كانت تقوم بتقطيع الطماطم بمهارة، بعد أن قامت بمساعدتها في الكثير من الطعام، وهي تحاول أن تظل باردة، قبل أن تنفجر بها بسب أسلوبها المثير للأستفزاز.
أستمعت إلى سؤالها الساخر وه تقف خلفها قائلة:
- غريبة واحدة زيك ليها في شغل المطبخ.
ألتفتت إليها وهي تسألها بقوة:
- ومالها بقى الواحدة إللي زيي؟
إبتسمت لها "دينا" بإحتقار وهي تقول:
- أنتي عارفة أنا أبويا كان مين؟ أنا أبويا كان النائب العام، ومراد ظابط في مكافحة المخدرات، وأنتي بقى أبوكي مين وأنتي مين؟
كانت "لينا" تنظر لها بعينين حمراوتين، تحاول التغلب على ذلك الغضب الذي على وشك حرق روحها حية.
تابع الأخيرة بصوتٍ ساخر:
- عارفة أنتي مين؟ أنتي أبوكي يبقى أكبر تاجر مخدرات، وأمك الله أعلم، بس إللي تفضل مع شخص زي ده تفتكري هتبقى عاملة إزاي، وأنتي كان بيوصل بيكي الوقاحة أنك تدخلي للرجالة في أوضة النوم، ولا داعي أني أقول أن أكيد حتى لو كنتي بتمنعي حد يقربلك، بس أكيد حصل تجاوزات، أنتي عارفة إحنا بنقول إيه على الناس إللي زي كدا هنا بما إنك كنتِ عايشة برا؟
كانت عينيها قد أتسعت قليلًا بعدما جائت بسيرة والدتها، والدتها التي ظلت تحارب والدها حتى تظل نظيفة وفي النهاية قتلت على يديه وهي واقفة عاجزة عن فعل أي شيء.
رمقتها بعيون قاسية وهي تتنظر كلمتها، لتتفاجئ بكلمتها التي كانت كالصاعقة وهي:
- بنسميها عاهـ..رة، بنمسيها عاهـ..رة وبتفضل كدا لغاية ما تموت، ده غير إنك قتـ..الة قتلـ..ة أحسنلك تبعدي عن مراد، وإلا هخليكي تتمني الموت يا عـ..
شهقت "دينا" بصدمة وهي ترى "لينا" تندفع نحوها تقبض على ذراعها ثم قامت بلويه خلف ظهرها، كانت عيناها قاسيتين وهي ترى تعبيرات وجهها المذهولة وهي تقول بحدة:
- سيبي أيدي، أنتي أتجننتي ولا إيه؟
همست "لينا" في أذنها بصوتٍ مخيف:
- وعشان أنا قتالـ..ة قتـ..لة، فإحذري شري، وأن كان على الموت، فإللي زيي الموت بيبقى عايش معاهم، وأنا هفضل فخورة بنفسي، لأني عديت من إللي شوفته، خليكي أنتي في نفسك يا بنت سيادة النائب العام.
قالت آخر كلمة وهي تدفعها إلى الأمام، ألتفتت إليها "دينا" تنظر لها بحقدٍ قبل أن تخرج من بخطى غاضبة.
في حين ظلت "لينا" واقفة في مكانها تنظر أثر وقوفها بعينين لامعتين، الغضب والحزن، الألم، يحرقون روحها ببطء مرة أخرى.
ألتفتت تسند يديها الأثنين على الطاولة وهي تهمس لنفسها بذهول:
- راحة تجيب سيرة أمي، تعرفي أنتي إيه؟ محدش عارف حاجة، محدش عارف أنا شوفت إيه في حياتي.
توقفت عن الكلام وهي تهمس لذاتها بصدمة مؤلمة:
- أنا عـ..اهرة؟ بقى أنا كدا!!.. عـ..اهرة!
- لينا؟
ألتفتت "لينا" إليه وهي تنظر بعينين مذهولتين دامعتين، تصلب في مكانه وهو يراها بذلك الضعف.
أقترب منها وهو يقول بخوف:
- لينا، مالك؟ في إيه؟
أختنق صوتها وهي تسأله بصدمة:
- أنا عـ..اهرة يا مراد؟ أنا عـ..اهرة؟
جحظت عيناه بذهولٍ صادم، قبل أن يتخذ أي موقف، وجدهها تغمض عيونها، وما أن دنى منها، حتى وقعت فاقدة الوعي بين أحضانه، غير واعية لصوته الصارخ بإسمها بفزع، ونبضات قلبه المرتعبة عليها.
رواية أتحداك أنا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أميرة مدحت
فترةٍ طويلة جدًا، ستة أشهر.. وقد عادت إلى تلك الفتاة القوية، المتمردة، تلك الصلابة التي تحسد عليها دائمًا من الجميع.
الحياة إبتسمت لها أخيرًا بإهدائها شخصٍ كـ"مراد"، زواجهم تم منذ أربعة أشهر بعد زفاف صغير تم بوجود عائلته، ورفيقها "آريان" وزوجته "مريم"، ثم ذهب بها إلى فرنسا لقضاء وقتٍ فريد من نوعه بدون صراعات أو حروب أو مهمات.
أتسعت إبتسامة "لينا" وهي تتوجه نحو الشرفة بخطى هادئة بعد أن ألقت نظرة سريعة على "مراد" وهو نائم بعمق عقب أن عاد من شركته كي يتحمل تلك الأعمال الكثيرة عليه.
وقفت" لينا" تتأمل تلك الخضرة والزهور الحمراء، البيضاء، الزرقاء، تنفست بعمق وهي تتذكر ما حدث ما حدث بعد مواجهتها بينها وبين "دينا"، أغمضت عينيها وذاكرتها تعود إلى ما حدث بعدها.
«عودة إلى وقتٍ سابق»
رمشت بعينيها عدة مرات وهي تستنشق عطرًا قويًا، وصوت مرتعب يهتف:
-لينا، لينا فوقـي، لينـا.
ورغم أن ألمًا خاصًا يأمرها بألا تستفيق، يأمرها أن تظل محتمية بخيوط الإغماء الواهية التي تحيط بوعيها المهتز، لكنها للأسف أستفاقت؛ حيث تمكنت من فتح عينيها أخيرًا، وكانت عيناه القلقتان هما أول ما طالعتهما.
ظلت ترمقه بعينين جامدتين، إلا أن الضعف ظهر بوضح بهما، والألم حُفر ببراعة على تعبيرات وجهها، ظل ينظر إليها طويلًا قبل أن يهمس بصوتٍ عميق:
-إيه إللي حصل يا لينا؟!..
ظلت تنظر أمامها في نقطة فراغ قبل أن تغمض عينيها.. تسحب نفسًا عميقًا، عسى أن تهدأ، عقد ما بين حاجبيه بشدة قبل أن يسألها بخشونة:
-ردي يا لينا، أختي قالتلك إيه خلاكي تتعبي كدا؟!..
أرتجف للحظةٍ قبل أن يسألها بصوتٍ مدهوش:
-قالتلك يا عاهـ..رة؟!!..
أعتصرت جفنيها وكأن تلك الكلمة تضربها في مقتل، قبل أن تهبط فجأة من على الفراش، سحبت حقيبتها وهي تلج إلى خارج الغرفة، وقبل أن تهبط من على الدرج، وقف "مراد" أمامها يمنعها وهو يهدر بغضب:
-أتكلمي يا لينا؟!.. وبعدين من إمتى بتهربي؟!.. هي قالتلك إيه بظبط؟!..
رفعت وجهها إليه تنظر له بغضبٍ ساحق قبل أن تهدر فيه:
-روح أسألها يا مراد، روح أسألها عن كلامها، إللي بدل ما ترحب بوجودي، أعدة بتبصلي من تحت لتحت، وبعدين أخرتها تدخل تديني كلمتين زي السم.
صمتت للحظةٍ قبل أن تهدر بصوتٍ أعلى بغضب أكبر:
-مش من حقها ولا من حق أي حد يحاسبني، أنا مختارتش أبويا، مختارتش أني أشتغل كدا، عمري ما وافقت أدخل أنام مع حد، كنت بمثل وإلا هيقتلوني، وأنا مكنتش عايزة أموت إلا لما أخلص عليهم كلهم، زي ما قتلوني بالحيا، وقتلوا أمي.
هزت رأسها بالسلب قبل أن تسقط دمعتين حارتين على وجنتيها وهي تضيف بألم:
-بتحاسبوني على إيه، بأي حق تعملوا فيا كدا، بأي حق تيجي أختك وتتهمني في شرفي، إللي حاربت عشانه، لأن دي كانت آخر حاجة بقت عندي، بعد ما أخدوا كل حاجة.
جحظت عينا "مراد" بصدمةٍ وهو يقف عاجزًا عن التفكير، ظل ينظر لها بوجهٍ جامد، ثم دنى منها قليلًا قبل أن يخبرها بصوتٍ حازم:
-أمسحي دموعك يا لينا، مش من حق حد يتدخل في حياتك، حتى أنا مش من حقي أحاسبك، لأن أبوكي هو إللي عمل فيكي، مش أنتي إللي أخترتي بإرادتك.
رفع يده يسمح دموعها بلمسات حازمة.. حانية وهو يضيف بإبتسامة دافئة:
-إياكِ تعيطي، وحقك هجبهولك، إطمني.
همست له بعينين لامعتين وهي تقول بخفوت:
-أنا موجوعة يا مراد!.
لن تنسى تلك النظرة العميقة التي رأتها بعيناه، مع ملامحه الواجمة الممتزجة بقسوتها.
«عودة إلى الوقت الحالي»
شهقت "لينا" بقلق وهي تشعر بذراعين تحاوطان خصرها ومن ثم بذقنه يستند بها على كتفها وهو يهمس في أذنها بخشونة محببة في قلبها:
-صباح الخير على قلبي.
-صباح النور.
تراجع قليلًا وهو يسألها بإهتمام:
-صحيتي إمتى؟
تنهدت وهي تجيبه:
-من شوية كدا.
صمت قليلًا قبل أن يضع يديه في جيبي بنطاله ثم قال عاقدًا حاجبيه:
-مالك؟ كنتي سرحانة في إيه؟
إبتسمت "لينا" مجيبة برقة:
-سرحانة في الماضي.
بادلها إبتسامة لطيفة قبل أن يقول:
-سيبك منه، الماضي كان صعب وإحنا عديناه، دلوقتي ركزي في اللي جاي، بالمناسبة أخبارك إيه مع دينا؟
ضحكت بعدم تصديق قبل أن تقول بتعجب:
-اللي يشوف أول مقابلتنا ميشوفهاش دلوقتي، أتبدلت تمامًا، طريقتها بقت أحسن، واسلوبها أختلف معايا.
تابعت بسخرية طفيفة:
-بقت بتعاملني كبني آدمة مش زي أول مرة.
سحب نفسًا حادًا قبل أن يقول بغموض:
-الدرس كان صعب يا لينا، أتعلمت درس بطريقة صعبة، وكانت هتروح في داهية لولا ستر ربنا.
«عودة إلى وقتٍ سابق»
كان "مراد" قد تقدم إلى الطاولة التي تجلس عليها "لينا" بإحدى المطاعم، سحب مقعدًا وجلس عليه وهو يقول:
-معلش أتأخرت عليكي.
-لا عادي ولا يهمك.
وقبل أن يتحدث إستمع إلى رنين هاتفه، فزفر بضيق قبل أن يخرجه من جيبه ليرى أن المتصل صديقه "أدهم"، أجاب عليه وهو يقول بحنق:
-أيوة يا أدهم، خير؟
صمت قليلًا قبل أن يهب واقفًا وهو يهدر:
-إزاي الكلام ده؟ أنا جاي حالاً.
وقفت "لينا" عن جلستها قبل أن تسأله بقلق:
-في إيه يا مراد.
-دينا في المستشفى وادهم صوته غريب، مش عارف إيه إللي حصل.
-طب يالا أنا جاية معاك.
في خلال فترة وجيزة كانا وصلا إلى المشفى، ركض كل منهما إلى الدور الثالث حيث إلى تلك الغرفة التي ترقد فيها شقيقته، وهناك قبل أن يدخل "مراد" الغرفة إستمع إلى صوت "أدهم" الغاضب وهو يقول:
-شوفتي كان هيجرالك إيه؟!.. إزاي لما عربيتك تعطل في مكان زي ده متكلمنيش إزاااااااي؟!!..
إستمع إلى صوت بكاء شقيقته دون أن تجيب، ليدخل وهو يركض نحوها، لتفتح له "دينا" ذراعيها وهي تنظر له بإستجداء، ضمها إلى صدره بعنف وهو يسأل بخوف:
-إيه اللي حصل؟
أجاب "أدهم" بلهجة غاضبة:
-محاولة أغتصاب يا مراد، لولا ستر ربنا والبوليس كان معدي بالصدفة في المكان ده، مكنش زمانها موجودة معانا.
ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنهم ليستمع إلى صوت "دينا" وهي تقول له بصوت مبحوح:
-قولتلك مكنش في شبكة يا أدهم، مش هكدب عليك أنا.
هتف "مراد" بحنوٍ:
-المهم إنك بخير.
نظرت لهم "لينا" بألم خفي قبل أن تجد "أدهم" ينظر لها بنظرات غريبة وهو يقول:
-ده تمن اللي عملتيه في لينا.
اتسعت عينا "دينا" وهي تنظر لـ"لينا" المدهوشة من كلمته، ليتابع فجأة بصياحٍ غاضب:
-فاكرة لما قولتي عليها يا عاهـ.رة؟!! فاكرة رد فعلي لما حاسبتك وبعدها قولتلك استني عقاب ربنا، لأنه هيجيب حقها؟! واهو جاب، مفرقتيش عنها في حاجة، لينا أتحطت في الظروف دي بالغصب زيك بالظبط، ملحقتش حد تستنجد بيه غير مراد قبل ما تضيع، زي ما انتي ملحقتيش تستنجدي بحد غير لما البوليس كان معدي بالصدفة ولحقك قبل ما تضيعي!.. حقها جه يا دينا، ده تمن أذيتك ليها.
شهقت "دينا" بحرقة وهي تصرخ فجأة:
-أرحمني، أرحمني بقى، أرحمني.
غطت وجهها الباكي براحتي يديها لتشعر فجأة بذراعين حنونتين تحاوطها، لترفع وجهها قليلًا لتجدها "لينا" تحتضنها بحنان خالص وهي تقول:
-متعيطيش يا دينا، أنا سامحتك من بدري عشان مراد، أنا سامحتك وجنبك، مش هسيبك إلا لما تعدي من ازمتك دي، وقولي الحمدلله أنها عدت.
أستجابت لها "دينا" وهي تضغط بنفسها بين احضانها وهي تقول ببكاء يقطع نياط القلوب:
-أنا آسفة، أنا آسفة يا لينا حقك عليا، والله عرفت اللي جرالك، صورتك جت قدامي وأنا بتنقل على هنا، أنا آسفة على الوجع اللي سببتهولك.
هتف "مراد" بقوةٍ:
-اهدي يا دينا، مش كدا؟!
مسحت "لينا" على شعرها وهي تقول برفق:
-متعمليش في نفسك كدا، أنا سامحتك من زمان يا حبيبتي، وأول ما تقومي بالسلامة هنصفي كل حاجة ما بينا ومش بعيد نبقى صحاب؟!
رفعت رأسها تنظر لها بدموع حارة وهي تسألها بأمل:
-بجد؟!
-بجد يا دينا.
تقدم منها "أدهم" قبل أن يبتسم لها وهو يقول بهدوء:
-انا عارف إني شادد عليكي، بس كان لازم تتعلمي الدرس يا دينا.
«عودة إلى الوقت الحالي»
خرجت من شرودها على سؤاله القوي القائل بذات مغزى:
-يالا عشان نستعد، النهاردة يوم مهم، وأظن انتي عارفة ده، ولا إيه؟
رفعت حاجبها وهي تقول بإبتسامة خبيثة:
-عارفة، مش قصدك كتب كتاب جاسر وديما.
صمت قليلًا وهو يقول بخفوت جاد:
-وآخر يوم للأجازة يا روحي.
*****
في المساء، عقب أناتم عقد القران، حتى أمتلأ المكان بصيحات عالية من السعادة، و التهنئة انتشرت بين الموجودين، خاصةً مع نهوض "جاسر" من مكانه وهو يسحب "ديما" من يدها ليحتضنها بقوة حتى رفعها قليلًا عن الأرض لتتعلق بعنقه أكثر، همس "آريان" في أذن "مريم" بلهجة رخيمة:
-فاكرة يوم كتب كتابنا؟
نظرت له "مريم" وهي تقول بحب:
-طبعًا، شكرًا لوجودك في حياتي يا آريان، أنت عوضتني عن كل حاجة وحشة حصلتلي ووجودك فرق وبقيت حاسة بأمان اللي افتقدته بغياب أبويا وامي.
امسك يدها يقبله بعمق وهو يقول مؤكدًا:
-أنا معاكي دايمًا، ماتقلقيش، هفضل في ضهرك.
-بردو هتسافر بعد يومين؟
ابتسم بغموض وهو يهتف:
-الشغل يا مريم، بصفتي مدير أعمال في شركة مراد، وبعدين مراد معتمد عليا وهيسافر بردو معايا.
في تلك الأثناء، كانت "لينا" تنظر لـ"جاسر" الذي أخذ "مريم" بعيدًا إلى حيث الشرفة، لتقول فجأة بصوتٍ شارد:
-خلاص كدا الاجازة خلصت؟
ابتسم "مراد" بتهكم وهو يقول:
-للأسف.
تنهدت بعمق قبل أن تقول بهمس:
-فعلًا، الحياة عاملة زي اللعبة، عايزة شخص فاهم، ذكي، لماح، يخضع لها أحيانًا، يرفع بيها يمكن، يستقوى عليها لأ.
قطب جبينه بقوة وهو يسألها:
-اشمعنى؟
-علشان هياخد على دماغه، لأن الدنيا مش ساهلة، لازم تاخد منها حاجات صغيرة، يا إما تاخد حاجات كبيرة آه بس هتدفع تمنها غالي أوي من حياتك.
قبض على كف يدها وهو يقول بلهجة عميقة:
-سيبك من لعبة الحياة، إحنا هنواجها سوا في كل حاجة، مش كدا؟
تعالت نبضات قلبها قبل أن تهمس:
-أكيد، من غير مراد مفيش لينا، ومن غير لينا مفيش مراد.
****
-بعد مرور يومين-
تحرك "آريان" خلف "مراد" حتى دخل غرفة مكتبه ليجد "لينا" جالسة على الأريكة تنتظرهما، هبت واقفة ما أن رأتهما ليقول "مراد" بخشونة:
-الأوامر جت، هنتحرك بعد 3 ساعات على المطار، وهنسافر على اليونان، في مهمة هتتنفذ هناك لمدة أسبوعين.
حركت "لينا" رأسها بإيماءة خفيفة قبل أن تنظر لـ"آريان" وهي تسأله:
-قولت لمريم؟
صمت قليلًا قبل أن يقول بإبتسامة خفيفة:
-مريم عارفة اني مسافر مع مراد كمدير اعماله، مريم متعرفش عن الماضي بتاعي ولا هتعرف أبدًا، مش هتعرف اني بقيت شخص تبع المخابرات المصرية وبشتغل معاهم، بس القائد بتاعي في المهمات هو مراد، وإن إحنا فريق مع بعض.
ثم نظر لـ"مراد" وهو يضيف بثبات:
-عمومًا أنا جاهز.
أخرج "مراد" سلاحه من خلف قميصه وهو يمد به نحو "لينا" يسألها:
-جاهزة يا لينا؟!..
اخذت منه السلاح وهي تنظر له بعيون لامعة، فقد أشتاقت إلى تلك المغامرات، قبل أن تقول بثقة:
-جاهزة يا مراد.
تقوس فمه بإبتسامة قوية قبل أن تلتمع عيناه بقسوة وهو يقول:
-يبقى يالا نبدأ المهمة، لسه في ناس ومنظمات محتاجين نقضي عليهم.