تحميل رواية «اطفت شعلة تمردها» PDF
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية. في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة. دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة. فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفي...
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الأول 1 - بقلم دعاء احمد
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية.
في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة.
دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة.
فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفيفة. تنهدت براحة وهي بتفكر في سنين عمرها من أول ما رجليها جابتها إسكندرية. رحلتها مع جلال من أول يوم عيونهم اتقابلت، من أول لحظة. الاتنين قرروا يبدوا حياتهم سوا.
فاقت من شرودها على صوته وهو واقف جانبها بيحاوط خصرها.
جلال: كل سنة واحنا سوا.
حياء: كل سنة وانت طيب.
جلال: بتفكري في إيه؟
حياء بابتسامة: ولا حاجة. فين عيديتي؟
جلال وهو بيطلع المحفظة وبيطلع اللي فيها كله: كل سنة وانت طيبة.
حياء بصت لباب المطبخ بتوتر. وقفت على صوابعها وطبعت بوسة طويلة على خده وهي مبتسمة. رغم السنين، لسه جواها بنت صغيرة خجولة رقيقة.
جلال حضنها بقوة، بيرفعها عن الأرض وكأنه حقيقي لسه الشاب اللي قابلها أول مرة.
صالح بحرج: احم احم. نحن هنا.
إيمان بابتسامة: احم. بابا فين عديتي؟
حياء حاولت تبعد عنه لكن كان محاوط خصرها: كل سنة وأنتم طيبين يا ولاد. عديتك جوا.
صالح وهو بيطلع محفظته وبيبوّس راس إيمان: كل سنة وانتي طيبة يا جميلة الشهاوي.
إيمان بحب أخوي: وانت طيب يا حبيبي.
حياء بابتسامة: طب يالا اطلعوا برا. اتفضل يا جلال خد ابنك واطلعوا. وانتِ يا إيمان تعالي نجهز الفطار.
جلال سند دراعه على كتف صالح.
جلال: كل سنة وانت طيب يا كبير.
جلال بابتسامة: وانت طيب. مش ناوي تفرحنا بقى وتتجوز؟
صالح بجدية: نفرح بـ إيمان الأول، وبعدين ألقى فين حياء تانية.
جلال وهو بيضحك: هتلاقيها، بس مافيش حياء تانية، هي واحدة بس.
صالح: ربنا يحفظهالنا.
بعد مدة.
كلهم فطروا، وجلال وصالح نزلوا الوكالة. صالح نسخة طبق الأصل من جلال في كل تصرفاته. حقيقي ابن الشهاوي. لكن اتعلم من جلال إنه يكون راجل ينصر الحق وينصر المظلوم. متخرج من تجارة، بيشتغل مع جلال من وهو صغير من حبه للتجارة، بس قرر إنه يتمسك أكتر بشغل الشادر زي جده شريف الهلالي، إلى جانب شغله في الوكالة.
إيمان لسه متخرجة من كلية الطب.
في أوضة إيمان.
قعدت في بلكونة أوضتها، فتحت ألبوم الصور. كانت حاطة حجاب بسيط على شعرها. بدأت تتفرج على صورها وهي صغيرة مع جلال وهو شايلها على كتفه. وصور تانية مع حياء في المطبخ. اختفت ابتسامتها وهي بتبص لصورها مع يوسف.
آه، إيه ده! قد إيه وسيم بالرغم إن الصور دي قديمة. يمكن الصور دي من وهي طفلة. يوسف أكبر منها بـ 10 سنين، لكن غصب عنها هي حبته. كان بيعلمها إزاي تحفظ القرآن. لكن هو فين يوسف؟ معقول طول السنين كان حب من طرفها هي بس؟ معقول كان بيعمل كل ده معاها لأن حياء هي اللي ربّته؟ طب ليه قلبها اتعلق بيه وهو فين دلوقتي؟ سافر وسابها. سافر ست سنين. ساب قلبها متعلق بيه كل السنين دي. معقول كان حب مراهقة؟ لا، لا يمكن يكون حب مراهقة. لو حب مراهقة، كانت هتقدر تتخطاه وتنساه. هو كان عنده 29 سنة لما سافر وهي 19 سنة.
إيمان بحزن: والله أنا قلبي جنيت عليه بإيديه. علّقته بمجهول. مجهول ممكن ما يرجعش مصر تاني. سابني ليه يا يوسف؟ عارف لولا إني بحترم أبويا، كانت خليتك فضلت في مصر. لكن أنا كرامتي عندي فوق الكل. بس دلوقتي أنا ناضجة كفاية. ومع ذلك مش قادرة أنساك. أعمل إيه يا رب.
حياء وهي بتقعد جانبها وبهدوء: تفتكري إيه اللي ممكن يتعمل؟
إيمان بتوتر واضح: ماما. أنا... إنتي هنا من بدري؟
حياء بابتسامة: مش إحنا أصحاب يا إيمان.
إيمان بابتسامة جميلة لتلمع عينيها: طبعاً يا ماما.
حياء: عارفة يا إيمان، أنا لو أمي كانت عايشة وقت ما قابلت جلال، كنت هجري عليها وأقولها إن قلبي دق له هو لوحده. قلبي. لسه بتفكري في يوسف؟
إيمان بخجل وغصب عنها دموعها نزلت: مش عارفة يا ماما. بس حاسة إني بهين كرامتي طول ما أنا متعلقة بيه. هو سافر يشوف حياته بعد ما عمي أيوب توفى ونيران اتجوزت. هو نسي إيمان، هو نسيني يا ماما.
حياء حضنتها وهي بتطبطب عليها بحنان: بس أنا وإنتي عارفين هو سافر ليه. الموضوع كان فوق طاقته. اللي يوسف مر بيه كان مخزي له. عارفة إيه؟ الهام، أمه، تتجوز بعد وفاته بكم يوم. هو آه، إلهام وأيوب اتطلقوا من زمان، لكن هو أبوه وهي أمه، وإنها تعمل كدا أهانت كرامته قدام الناس. وهو مهندس شاطر وفرصة شغله بره كانت مهمة بالنسبة له.
إيمان بغضب: بس هو كده أناني. أنا بكره.
حياء بابتسامة: عيونك بتقول إنه وحشك أوي كمان. على فكرة، أنا أم، وقبل ما أكون أم كنت بنت. نفسها تعيش مع إنسان يحبها ويحترمها. بس اللي جاي لك عشان دلوقتي مختلف.
إيمان: إيه؟
حياء بارتباك: في عريس متقدملك. متتردديش. باباكِ شايف إنه إنسان كويس، وقالي أقعد معاكي وأقنعك. بس أنا مش هجبرك طول ما قلبك مع حد تاني. بس فكري فيها يا إيمان. يوسف نسي مصر كلها وسافر. هتضيعي عمرك على وهم. أنتي دلوقتي عندك 25 سنة. وده وقت مناسب إنك تفكري بجدية في حياتك. أنا هسيبك ومش عايزة موافقة إلا لو قدرتي تتخطي الماضي.
طبعت بوسة على جبينها وسابتها وخرجت، وهي بتتمنى إن فعلاً تنسى يوسف.
يوسف ساب مصر وهو ضايع، فاقد نفسه. بس يا ترى هو كان بيحبها؟ ويا ترى هيكون نصيبها من الحياة؟
عند جلال.
كان قاعد مع صديق عمره وأخوه جمال على القهوة. صداقة دامت سنين طويلة. عاشوا الحلو والمر، وكأنهم فعلاً أخوات. جمال كان سرحان في حاجة، وده لاحظه جلال.
جلال: بتفكر في إيه؟
جمال: بنت جديدة شغالة في المصنع بتاعنا. بفكر أرفدها.
جلال بجدية: ليه كده؟ عملت حاجة؟
جمال: بصراحة لأ. البنت شاطرة وفي حالها. لكن.
جلال بحدة: في إيه يا جمال؟ ما تتكلم دغري.
جمال بارتباك: بص. البت غلبانة وفي حالها. لكن كل البنات بيتكلموا عليها. وإحنا مش عايزين شوشرة في الشغل.
جلال بحدة: بيتكلموا عليها إزاي يعني؟ مدام هي في حالها؟
جمال: البنت دي محدش يعرف أهلها ولا هي نفسها. وفي ناس بيقولوا إنها بنت حرام.
جلال بغضب وصوت عالي: جمال! من امتى بنجيب في سيرة بنات الناس؟ إنت عندك بنت إزاي تتكلم كده؟
جمال: والله يا جلال، هو ده اللي بيتقال. البنت اسمها زينب منصور. وفي واحد ومراته هما اللي اتبنوها. الحاج منصور، إنت عارفه، اتبناها وهي صغيرة ورباها. لكن مسلمتش من كلام الناس.
جلال بجدية: وعايز ترفدها يا أخي؟ حرام عليك. عايز تزود همومها هم كمان. هي أهلها دول عايشين؟
جمال: آه عايشين، بس كبروا في السن. وهي بتشتغل عشان تصرف على البيت.
جلال: تزود مرتبها. واللي تتكلم عليها بنص كلمة ترفدها. البنت دي في حمايتي. كفاية إنها بتصرف على عيلة رباها. دي بنت حلال. يمكن يتيمه، لكن مش هنكون أنا وانت والزمن عليها.
جمال: تعيش يا صاحبي. قولي مش ناوي تجوز صالح بقى؟ ابنك شاب زي الفل وكل عائلات إسكندرية يتمنوه.
جلال: دي حاجة مش بإيدي. ادعيله يلقى بنت الحلال اللي تميل قلبه. صالح بيفكرني بنفسي أول ما قابلت حياء.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثاني 2 - بقلم دعاء احمد
في وكالة القماش، صالح كان قاعد في مكتبه وبيشتغل على اللاب توب. وهو مشغول، عدى وقت طويل جداً وهو بيشتغل.
ساب اللاب توب وهو بيرجع راسه لورا بتعب، بيحرك رقبته بوجع. خرج من المكتب يبص على العمال اللي في الوكالة.
صالح بحدة وجدية:
ياله يا ابني انت وهو، مش هنفضل طول النهار ننقل في البضاعة.
مليجي بخبث:
في إيه يا سي صالح؟ الوقت اتأخر والحج جلال قال ممكن ناجل الشغل لبكره. هتكسر كلام الحج؟
صالح بص له بحدة وبدأ يقرب منه ببرود لحد ما وقف قدامه مباشرة. وبدون تفكير وتلقائي، مسكه من تلابيب قميصه بحدة وعيونه الزيتونية احمرت.
صالح بغضب:
انت تنفذ اللي بيتقال وانت ساكت. وبعدين يا جدع انت، أنا وأبويا. أوعى، أوعى يا مليجي تتدخل بينا. لا ابن الشهاوي بيكسر كلمة أبوه، ولا ابن الشهاوي مضطر يبرر لواحد خمورجي زيك. وكمل شغلك بالذوق أحسن لك، انت فاهم؟ أحسن قسماً بالله انت جيبت آخرك معايا. وأنا لو سايبك تلعب بديلك، فانا مش نايم على وداني. لا فوق عشان فضلك. غلطة كمان، أقسم برب العزة وقتها هطردك من إسكندرية كلها. كمل شغل وانت ساكت.
مليجي بلع ريقه بخوف. هو لا يمكن يستهون أبداً بصالح الشهاوي، لأن نسخه من جلال الشهاوي، والكل عارف إنه ذكي جداً.
صالح بص له باستحقار وزقه بعيد عنه. وبص للعمال وبصوت عالي حاد:
كل واحد على شغله، مش فيلم هو بنصوره. وانت يا مليجي، إيه ناوي تكمل شغل ولا توريني عرض أكتافك؟
مليجي بغضب دفين وحقد:
هكمل يا سي صالح، وحقك عليا المرة دي.
صالح بحدة:
اتفضل على شغلك.
مليجي مشي وهو بيلعن في صالح وفي اليوم اللي حط رجليه في الوكالة، لأن جلال كان أحياناً بيتهنى معاهم بحكم إنه عارف معظمهم من زمان وشغالين معاه. لكن صالح من وقت ما دخل الوكالة وهو فعلاً مش بيسيب فرصة لمليجي إنه يتنفس.
في مصنع الشهاوي للأقمشة، بنت جميلة قاعدة قدام ماكينة الخياطة وبتشتغل بهدوء. عيونها رمادية غامقة، بشرتها بيضاء، هادية وجنتيها وردية. لابسة حجاب أزرق (زينب).
نورهان صاحبتها وهي بتشتغل على ماكينة جنبها:
مالك يا زينب؟ بتفكري في إيه؟
زينب بتنهيدة وابتسامة جانبية:
في الحج جلال، ربنا يعمر بيته ويحفظ له ولاده يا رب.
نورهان:
اشمعنى؟
زينب بتوتر:
كنت خايفة يطردوني من المصنع بعد الكلام اللي بيتقال، لكن سبحان الله زود لي مرتبى. بجد أنا عمري ما شفت في أخلاقه. الصراحة أنا لو مكانه كان يمكن أطرد واحدة زيي، مالهاش أصلاً.
قالتها وهي بتحاول ما تعيطش. هي مالهاش ذنب إنها تيجي للدنيا وتكون لقيطة.
نورهان بحب وطيبة:
زينب يا حبيبتي، متزعليش. وبعدين إنتي، أقسم لك بالله بنت حلال. إزاي أنا معرفش، بس اللي تصون العيلة اللي ربيتها وتشتغل عشان تصرف عليهم وتحافظ على نفسها من الكلاب اللي زي مليجي، تبقى بنت حلال.
زينب بابتسامة طيبة:
تسلمي يا نور. تعرفي إنتي مش زي باقي البنات. كلهم بعدوا عني وقالوا في حقي كلام وحش أوي، إلا إنتي وقفتي معايا ضدهم. منه لله اللي كان السبب.
نورهان بتهور:
منك لله يا مليجي يا ابن الكلب. والله العظيم متأكدة إنه هو اللي خلى البنات يقولوا عليكي كده عشان الكلام يوصل للحج جلال ويطردك. وقتها يستفرد بيكي ويخليكي توافقي تتجوزيه. أبو كرش النطع ده. قال إيه؟ مليجي اللي متجوز تلاتة يتجوز زينب بنت الحج منصور؟ ليه من قلت العرسان؟ ربنا يكرمه هو ابن الحج جلال سي صالح شاب ابن حلال. هو اللي بيقف للزفت اللي اسمه مليجي. مشفتيش وش مليجي من كم يوم؟ يوم ما صالح جه المصنع، والله هزقه وجاب بكرامته الأرض. يستاهل والله. ربنا يحفظه لشبابه، ابن الشهاوي صحيح.
زينب ابتسمت وهي بتبص للقماش اللي قدامها:
ربنا يحفظه. بس أنا مشفتهوش إلا مرتين تقريباً من وقت ما اشتغلت هنا. اشمعنى؟
نورهان بتنهيدة:
اللي أعرفه إنه شغله الأساسي في شادر السمك زي جده الحج الهلالي، وبيقف مع الحج جلال في الوكالة بعد ما يخلص شغله. أصل دول عيلة كبيرة، عيلة شريف الهلالي ده والد ست حياء، وعيلة الشهاوي.
زينب بحماس:
تعرفي مفيش مرة انذكر اسم جلال بدون ما يتذكر اسم حياء. هو إيه حكايته؟
نورهان:
يااااه، حكايتهم ابتدت من زمان طبعاً. محدش يعرفها في المكان إلا قليل. حياء دي جت زمان من فرنسا. هي بنت الحج شريف الهلالي. الحج شريف كان متجوز الست نواره، والدة جلال، اللي سمعته إنه بيعشقها وهي كمان. عملوا فرح زمان، فضل الناس يحكوا عنه سنين. وما خلفوش إلا بعد ست سنين جواز. وجابوا سي صالح والآنسة إيمان، ربنا يحفظهم.
زينب بابتسامة جميلة وهي بتظبط حجابها:
يارب يحفظهم ويبارك فيهم يا رب.
***
في مطار القاهرة الدولي، يوسف نازل من الطيارة وهو بيبص للبلد وبيفتكر أيامه في مصر من ست سنين. ابتسم وهو بيفكر في حياء وإزاي كانت بتهتم بيه أكتر من إلهام نفسها، كأنه مش ابنها. افتكر أبوه وإزاي كان قريب منه، وخصوصاً بعد خروج أيوب من السجن. لكن حس بقبضة قوية بتعصر قلبه وهي بيفكر في إيمان.
اتنهد بضيق ونزل من الطيارة في طريقه لوكالة الشهاوي. حابب يقابل عمه جلال أول شخص يشوفه بعد كل السنين اللي غابها عن مصر. يمكن لأن جلال هو أكتر شخص دعمه، وخصوصاً لما دخل كلية هندسة، ولما أيوب دخل السجن هو كان معاه دايمًا.
بعد حوالي تلات ساعات في إسكندرية، التاكسي وقف قدام الوكالة. نزل يوسف، حاسب السواق. مكنش معاه شنط كتير، هما شنطتين لأنه ناوي يرجع لندن تاني. وقف في الشارع وهو بيتفرج على الأماكن. اتغيرت شوية صغيرة، لكن معظم الحاجات دي ما هي.
شاب بسرعة وهو بيجري على يوسف:
جو... رجعت إمتى؟
يوسف ابتسم وهو بيبص لصاحبه القديم منير. حضنه بقوة وهو بيربت على ضهره:
وحشتني يا منير... عامل إيه؟
منير بسعادة:
كويس يا جو. ما إنت لو بتسأل كنت عرفت. أيوة يا جدع، إسكندرية كلها نورت بـ ابن الصاوي. قول لي عامل إيه؟ واشتغلت فين؟ قاعد في مصر قد إيه؟ أوعى تكون راجع تاني؟
يوسف بابتسامة:
لينا قعدة طويلة بعدين. المهم دلوقتي تعالي نطلع على الوكالة. عمي وحشني أوي.
منير بغمزة:
عمك برضه اللي وحشك. على فكرة هي متجوزتش ولا اتخطبت لسه. وبقيت زي القمر. تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك.
يوسف بحدة:
منير احترم نفسك. عشان اللي بتقوله دلوقتي هتتحاسب عليه جامد أوي. دي بنت الشهاوي، واللي يجيب سيرة بنت عمي على لسانه، أقطع له حتى لو إنت. وأوعى تكون فاكر عشان سافرت برا إني نسيت أصلي وأخلاقي.
منير باستغراب:
في إيه يا يوسف؟ هو أنا أقدر أجيب سيرتها بحاجة وحشة؟ على العموم أنا آسف يا سيدي.
يوسف بتنهيدة:
منير متزعلش مني، بس أنا فعلاً مش عايز أفتح أي صفحة جديدة في مصر وناوي أسافر كمان أسبوع بالكتير، لأن أصلاً جاي عشان شغل.
منير بحزن:
إنت لحقت يا ابني؟ على العموم شوف إنت رايح فين، ولينا قعدة طويلة.
يوسف بابتسامة:
إن شاء الله.
منير مشي، ويوسف وصل للوكالة. دخل وهو بيفتكر أيام ما كان بيشتغل مع جلال. ابتسم بود لما شاف صالح.
صالح بترحيب:
معقول يوسف الصاوي اتكرم ونزل مصر؟ عامل إيه يا جدع؟ وحشتنا.
يوسف وهو بيحضنه بحب أخوي:
والله وانتم كمان. أخبارك إيه يا صالح؟ وأخبار عمي وأمي (حياء) أخبارها إيه؟ وحشتني أوي.
صالح بابتسامة:
كلنا بخير الحمد لله. هيفرحوا أوي لما يشوفوك. بس ليه مكلمتناش عشان نقابلك في المطار؟ عمتك شهد ونيران أختك لو عرفوا إنك هنا في إسكندرية من غير ما تقولهم هيزعلوا أوي.
يوسف بتوتر:
أنا كلمت نيران وقولتلها إني وصلت، وكلمت عمتي شهد و... إيمان أخبارها إيه؟ اتخرجت من كلية الطب؟ أكيد جراحة شاطرة.
صالح بجدية وغيره على أخته:
للأسف لا. إيمان اتخرجت من كلية الطب، لكن قررت تشتغل في الكلية و بعدت عن الجراحة.
يوسف بحدة:
إنت بتقول إيه؟ ده مش ممكن.
صالح بجدية وغيره على أخته:
يوسف، إيمان عارفة مصلحتها. أظن فاهمني. أختي بعيد عن حساباتك. أظن أختي هي أختك، ولا إيه؟
يوسف حس بارتباك. هو فعلاً تخلى عنها. يمكن لو كان فضل في مصر كان في حاجات كتير اختلفت.
يوسف بجدية:
طبعاً يا صالح، إيمان أختي الصغيرة. أومال فين عمي؟
صالح:
يمكن رجع البيت. تعالي نطلع على البيت. زمان أمي هناك، هتفرح أوي لما تشوفك.
يوسف:
وهي كمان وحشتني أوي.
صالح:
يبقى ياله بينا. أنا كدا كدا خلصت شغل.
في مصنع الشهاوي للأقمشة، مليجي رجع من الوكالة بعد ما وصلوا الطلبية. بص للبنات اللي بيشتغلوا. ابتسم بخبث وهو شايف زينب بتشتغل بتركيز، وكل البنات بيجهزوا نفسهم عشان يمشوا. راح ناحية زينب وهو بيعدل قميصه. كان لونه برتقاني فاقع.
مليجي بسماجة:
ما تيجي نوصلك يا زينب.
زينب بضيق:
يا أخي ما تحل عني بقى. هو إنت فاضي ومورّكش غيري؟
مليجي بصوت واطي:
يا بت عايزك في الحلال، واللي هو اللي زيك مالوش غير في الحرام.
زينب بصوت عالي:
إنت قليل الأدب وزبالة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث 3 - بقلم دعاء احمد
مر بعض الوقت ويوسف قاعد مع صالح في عربيته في طريقه للبيت.
في طريقه للبنت اللي اتسمت على إيديه.
البنت اللي عمرها ما غابت عن باله لحظة.
من يوم ولادتها أول ما عيونه وقعت على عينيها البنية كأنها سحرتله من أول يوم.
افتقر أول مرة تنطق اسمه وهي عندها أربع سنين.
غمض عينيه وهو بيفتكر لحظاتهم القليلة زمان وهي بنوتة صغيرة وآخر لقاء بينهم قبل ما يسافر.
عودة للماضي قبل ست سنوات.
بعد وفاة أيوب وبعد مراسم الدفن والعزاء.
يوسف كان بيلم هدومه وبيجهز نفسه للسفر وهو ضايع، حاسس بالانكسار بسبب إهانة والدته وأنها اتجوزت بعد وفاة أبوه بيوم واحد، حتى لو كانوا مطلقين، لكن ده كان شيء بيوجعه أوي.
سمع صوت خبط بسيط على باب الأوضة، لكن واضح إن اللي بيخبط متوتر.
فجأة الصوت سكت.
يوسف قام بيفتح الباب.
كانت إيمان، لكن كانت ماشية.
يوسف بصوت مهزوز: مش هتسلمي عليا لآخر مرة؟
إيمان اتنهدت وهي مدياله ضهرها: لسه مصمم على السفر يا يوسف؟
يوسف: خالص يا إيمان، معدش في حاجة أستنى عشانها.
إيمان: يبقى مالوش لازمة إني أسلم عليك ولا حتى نتكلم. تروحي وتيجي بالسلامة. ولو مش ناوي ترجع برضه أتمنى لك السعادة يا ابن عمي. بس لو رجعت أوعي يا يوسف، أوعي تفكر تيجي تسلم عليا، لأن وقتها مش هستقبلك أصلاً. ووعدك هترجع تلقى حاجات كتير أوي اتغيرت. بس عايزة أقولك إنك كداب. فضلت طول السنين اللي فاتت تقولي أوعي يا إيمان تسيبي اليأس يهزمك، وأنت مع أول وجع استسلمت. لكن أنا مش زيك، هترجع تلقيني سعيدة في حياتي وهكون جراحة شاطرة. ربنا يوفقك. هفضل أدعيلك تكون بخير، كفاية إني ختمت القرآن على إيديك.
سابته ومشيت وهما الاتنين قلوبهم مقيدة بذكريات الماضي، حتى لو كانت قليلة، لأن جلال كان بيحط حدود بينهم من عمر العشر سنين. كان خايف، واللي خاف منه حصل، والاتنين قيدوا بعض بقيود الحب العفيف.
عودة للحاضر.
يوسف لنفسه: ياترى ليه اتخليتي عن حلمك؟ كنت جاي مخصوص عشان أشوف دكتورة إيمان الجراحة، مش الدكتورة في كلية الطب. ليه يا إيمان؟
في بيت الشهاوي.
حياء كانت قاعدة في أوضة النوم بتقرأ في كتاب الله.
وجلال خارج من الحمام كان بيتوضى، لكن سمع صوت كسر قوي.
بسرعة خرج من الأوضة وهو بيروح ناحية الصوت.
دخل المطبخ، لكن وقف مصدوم وهو شايف إيمان قاعدة على كرسي سفرة المطبخ وبتعيط، وفي كوبايات مكسورة على الأرض.
وهي دافنة وشها بين كفوفها وبتعيط.
بسرعة راح ناحيتها وهو بيتجنب الإزاز المكسور.
قعد قدامها على ركبته.
ابتسم وهو بيمسك إيديها اليمين، كانت بتترعش.
إيمان بانهيار: ليه يا بابا؟ ليه بعد كل السنين دي، بعد تعب الثانوية ومجهود الكلية أبقى كدا؟ ليه يا رب؟ أنا عمري ما آذيت حد، ليه حلمي يروح مني في ثانية؟
حياء بخوف: في إيه؟ إيه اللي حصل؟
إيمان وهي بتعيط: أنا آسفة، بس إيدي اترعشت وأنا شايلة الصنية ووقعت من إيدي.
جلال ابتسم وهو بيمد كف إيديه بيحطه على كف إيديها، وبثقة: لو إيديك اترعشت في يوم، إيدي موجودة. بصي يا إيمان، هقولك سر محدش يعرفه غير أنا وأمك. سر كان هيدفن معانا، بس ده هيبقى سرنا احنا التلاتة. أنتي عارفة إننا مخلفناش إلا بعد ست سنين من جوازنا، صح؟
إيمان ببكاء: صح، وماما كان عندها مشكلة تمنع الحمل.
جلال ابتسم وهو بيمد كف إيديه التاني وبيمسح دموعها: مش أمك اللي مكنتش بتخلف، أنا. المشكلة كانت مني أنا.
إيمان بصدمة: حقيقة؟ حضرتك؟
جلال بابتسامة: تفتكري لو كنت فضلت أقول ليه يا رب حرمتني من أغلى ما أتمنى؟ تفتكري وقتها ربنا كان هيعوضني بيكي إنتي وأخوكي؟ بصي يا إيمان، إنتي تعبتي في الثانوي وربنا فرحك بكلية الطب اللي كان نفسك فيها، ودخلتي القسم اللي تتمنيه، واتخرجتي بامتياز كمان. لكن إرادة ربنا دايماً فوق الكل. الحادثة اللي حصلت دي يمكن حاشت عنك مشكلة كانت هتحصل. وعلى فكرة هتكوني كويسة وإيديك دي هتبقى زي الفل. دكتورة العلاج الطبيعي قالت إن في أمل كبير إنك تقدري تتحكمي فيها. فاضل آخر حاجة، الرعشة اللي بتجيلك دي، وأنا متأكد إنك هتقدري تشتغلي بإيديكي في أحسن مستشفيات مصر. وبعدين إنتي دلوقتي منتظمة مع الدكتورة، وإنتي قطعتي شوط كبير جداً في العلاج، وصدقيني قريب هتقدري ترجعي لشغلك. أنا واثق في ربنا. اصبري يا بنتي، الصبر آخره عوض. أنا عندي ثقة في ربنا مالهاش آخر، وثقتي في ربك مش من فراغ، لأ يا حبيبتي، اللي عشته واتعلمته علمني إني لازم أفضل متمسك بيه.
إيمان مسكت إيديه بقوة وانحنت، طبعت بوسة على جبينه: أنا بحبك أوي يا بابا، أوي.
حياء اتنهدت بألم وهي شايفة بنتها بتتعذب في حلمها. افتكرت الخمس سنين اللي عاشتهم مع جلال بدون خلفة، كانت بتبان قدام الناس عادي، وبتحاول تكون عادي قدام جلال عشان ميحسش بحاجة تبوظ فرحتهم وحياتهم. لكن هي زي أي واحدة كان نفسها تكون أم، وربنا كرمها.
حياء بابتسامة: ممكن بقى تخرجوا عشان أنضف الإزاز ده؟
إيمان بسرعة وثقة: لأ، أنا هنضفه. أنا اللي كسرته. وللأسف أنا اتعلمت أحاسب على مشاكلي.
جلال ابتسم واتنهد براحة وهو واثق في ربنا: يلا اخرجوا إنتوا الاتنين من هنا. يلا قوموا.
حياء بابتسامة ومشاكسة طفولية: لأ لأ، النهارده يوم حظي ولا إيه؟ جلال الشهاوي بنفسه هينضف الإزاز.
جلال بغمزة: لأجل عيونك.
إيمان بسعادة: أوعدنا يا رب.
بعد مدة، دخل جلال أوضة النوم بعد ما لم الإزاز المكسور.
حياء كانت بتكتب حاجة في مذكراتها، زي ما اتعودت طول السنين اللي فاتت، تسجل كل لحظاتهم. مش مهم ليه، بس دي حاجة مهمة بالنسبة ليها.
جلال ابتسم وهو بيقعد على السرير، سند راسه على فخذها، مسك إيديها وحطها على عيونه.
حياء ابتسمت بسعادة وهي بتنحني تقبل راسه: ربنا ما يحرمنا منك وتفضل طول العمر معانا.
ظهرت ابتسامة وسيمة بجانب شفتيه وهو لسه على وضعه: حياء... يوسف في طريقه للبيت. قالها بهدوء وهو منتظر رد فعلها.
حياء ضحكت بخفة وسعادة وقامت من على السرير بسرعة: إنت بتهزر؟ يوسف في إسكندرية. طب ليه مقولتليش؟ كنت جهزت له الأكل اللي بيحبه والكراميل. لأ لأ، لازم أجهز له الشقة اللي تحت. معقول رجع؟ ده وحشني أوي. أخير هشوفه بعد كل الوقت ده.
في الوقت ده، جرس الباب رن، وبعد كده الباب اتفتح. كان صالح ويوسف.
حياء ضحكت وطلعت بسرعة من الأوضة كأنه ابنها بعيد عنها.
يوسف أول ما شافها حضنها باشتياق: وحشتيني أوي أوي يا أمي.
حياء بحزن وهي على وشك إنها تعيط: كداب... كداب يا يوسف. معقول تنسى حياء؟ كل الوقت ده متفكرش ترجع مصر عشانا؟ إيه قلبك جاحد للدرجة دي؟
يوسف بحزن ووجع: مقدرتش والله العظيم مقدرت. إنتي أكتر إنسانة عارفة أنا عديت بإيه هنا. مكنتش قادر أرجع. وحشتيني أوي أوي.
جلال وهو بيسحب حياء بعيد عنه: ما خلاص عرفنا.
يوسف وهو بيضحك بصوته الرنان: وحشتني يا كبير.
جلال أخده في حضنه بقوة وهو بيربت على ضهره: وانت كمان يا ابن الغالي. كبرت يا يوسف.
يوسف: امم، مش أوي يعني.
في أوضة إيمان.
إيمان كانت خارجة من الحمام بتتوضى وهتصلي، لابسة آيسدال واسع، لكن سمعت دوشة في الصالة و... صوته. معقول وهم ولا حقيقة؟ ده صوت ضحكته فعلاً.
بدون تفكير، حطت حجاب الآيسدال على شعرها وخرجت.
كانت واقفة قدام أوضتها وهي شايفة جلال وصالح ويوسف بيتكلموا وبيضحكوا.
فضلت مركزة عيونها عليه وهي بتحاول تمنع دموعها تنزل ونبضاتها بتتسارع كأنها في سباق. سباق بين قلبها وعقلها وكبريائها.
لكنها فتاة بقلب متمرد، وإن دخلت سباق من هذا النوع، فسيغلب العقل والكبرياء دوماً.
يوسف بص لها، ابتسم وهو شايف البنت الصغيرة كبرت وبقت جميلة جداً، وده ضايق صالح لأنه بيغير جداً على أخته، حتى لو هو واثق في يوسف.
يوسف حاول يبعد نظره عنها.
إيمان بثقة: إزيك يا يوسف؟ أتمنى تكون بخير.
يوسف بنفس الثقة: دعواتك كانت دايماً بتحميني من مشاكل كتير.
إيمان: الحمد لله إنها وصلتلك. ماما مش يلا نجهز العشا ولا إيه؟ أنا هدخل أصلي العشاء.
حياء: ماشي يا حبيبتي.
إيمان دخلت قفلت الباب، فردت المصلية وصّلت العشاء. خلصت وقعدت على الأرض وهي بتسبح، يمكن لأن دي الحاجة الوحيدة اللي بتخليها تكون هادية.
قامت فتحت المصحف على سورة الكهف وبدأت تقرأ.
وهي متعودة تقرأ بصوت عالي نسبياً زي ما كانت بتعمل وهي صغيرة.
صوتها زي صوت جلال في قراءة القرآن، خاشع جميل.
في مصنع الأقمشة.
زينب: يا أخي هو إنت فاضي وموروكش غيري. حل عني بقى.
مليجي بغضب: وطّي صوتك يا بت. وبعدين إيه؟ أنا بقولك اتجوزك، هو أنا بقولك هاخدك شقة مفروشة؟
زينب بتعب: والله العظيم لو ما بعدت عني لأصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله، سامع ولا لأ؟ عشان أنا خالص جبت آخري. وجواز أنا مش عبصة لواحد زيك. وأوعى تكون فاكر إنك ذكي. أنا متأكدة إنك إنت اللي سلطت البنات عليا عشان يقولوا الكلام السخيف ده. بس ربنا يكرمه الحاج جلال ويبعد عني يا مليجي، عشان أقسم بالله المرة الجاية هاروح لصالح ابن الحاج جلال، وهو اللي هيوقفك عند حدك. أظن فاهم.
مليجي بغضب وهو بيمسكها من دراعها بقوة: بتهدديني يا روح أمك؟ طب أقسم لك بالله لخليكي تيجي راكعة عشان أبصلك يا زبالة، مش واحدة لقيطة بنت حرام زيك تقولي أنا كدا؟ وصالح الشهاوي بهيبته وكل اللي عنده هيبص لواحدة زيك على إيه؟ ولا هيشغل باله بيكي وبمشاكلك ليه؟
زينب بوجع وقلة حيلة: سيب إيدي يا مليجي.
مليجي بابتسامة سمجة: ماشي يا مزة. هسيبها، بس بكرة تيجي تحت إيدي.
سابها ومشي، وهي قعدت على الكرسي قدام مكينة الخياطة. غصب عنها عيطت. هي فعلاً معندهاش حد يهتم بمشاكلها، حتى اسم صالح بالنسبة ليها صعب. عليها، معقول يجي يوم حتى ويهتم بمشاكلها.
نورهان: منك لله يا ظالم. روح اللهي يفرمك قطر يا بعيد. يالا يا زينب عشان نمشي.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع 4 - بقلم دعاء احمد
في صباح جديد باكر.. على شاطئ البحر
زينب واقفة وهي ساكتة بتبص للبحر بعيونها الرمادي الداكنة بتلمع بالدموع.
نسمات الهواء بتحرك خصلات شعرها، كانت حاطة حجاب خفيف على شعرها أسود طويل لحد خصرها، أسود مائل للبني.
نورهان بحزن: ممكن متعيطيش عشان خاطري؟
زينب وهي بتعيط وبتضرب موضع قلبها بقوة: أنا ذنبي إيه؟ ليه أعيش في الوجع ده؟
ياما كان عنده حق، أنا حتى لو مت أو اختفيت محدش هيسأل هي فين؟
هو أنا وحشة أوي كده يا نور؟ أنا عارفة إني عادية جداً، حتى شخصيتي مش البنت الجامدة، أنا عارفة إني عادية جداً وأقل من العادية.
أنا بس نفسي أغمض عيني في يوم وأنام وأنا مطمنة.
كان نفسي أكون زي أي بنت عندها أم وأبو.
على الأقل بس أكون عارفة هما مين؟
لكن حتى دي معرفهاش.
عارفة يعني إيه تكوني عيلة مكملتش شهور مع"مية في الز"بالة؟
أيوة يا نور، كنت في الز"بالة.
ضحكت بسخرية وهي بتمسح دموعها.
لو أنا بنت حلال ليه يعملوا فيا كده؟ ليه يا نور؟
أنا بكره"هم لأنهم جابوني للدنيا وسابوني أتعذب فيها لوحدي.
نورهان حضنتها بقوة وهي بتربت على ضهرها بحنان: والله العظيم ربنا هيعوضك عن كل السنين اللي فاتت.
والله حتى لو زي ما بتقولي كنتي في سلة الز"بالة هيجيلك اللي يخليكي أميرة.
هتكون أميرة وملكة في قلبه.
هيختارك انتي لأن مفيش زيك، انتي استثنائية مش مجرد بنت عادية.
زينب غمضت عينيها وهي بتفكر في كلامها بسخرية.
مين اللي ممكن يختارها ويسيب باقي البنات عشانها هي؟
وبس؟
نورهان بسعادة عشان تخرجها من مود الحزن: بقولك إيه، تاكلي بطاطا مشوية؟
زينب بتمسح دموعها وبتسم: أنا اللي عزماكي.
نورهان: أشطة يا برنسيسة.
نورهان بصت بعيد، كان فيه امرأتان كبار في السن بيبصوا على نور وزينب وهما بيضحكوا وبيشاوروا عليهم.
نورهان بابتسامة: بت يا زينب بصي اللي هناك دول.
زينب وهي بتمسك في إيد نورهان بسعادة: يمكن في يوم من الأيام نكون زيهم.
نورهان: هنفضل طول العمر سوا، هنكبر ونعجز ونتجوز وكل واحدة فينا هيبقى عندها بيتها وعمرنا ما هننسي بعض.
زينب بابتسامة: عمري ما أقدر أنساكي، عارفة يا نور انتي أختي بجد.
هجيب البطاطا.
***
في بيت الشهاوي
إيمان فتحت باب الشقة وهي خارجة راحة عند ياسمين بنت عمتها شهد، هما صحاب جداً.
ياسمين اتولدت قبل إيمان في فرق سنة تقريباً.
نازلة السلم وهي بتسبح كعادتها.
بصت في آخر السلم، كان يوسف واقف وباين إنه متوتر بسبب طريقتها، مكنش متوقع يرجع يلقيها نسيته أو حتى مش فارق معاها.
يمكن لأنها عندها قدرة غريبة في إخفاء مشاعرها.
اتنهدت بضيق وهي بتنزل.
إيمان بهدوء: صباح الخير.
يوسف: صباح النور. انتي خارجة؟ تحبي أوصلك في طريقي؟
إيمان: شكراً.
يوسف بابتسامة: عمرك ما هتتغيري يا إيمان.
ممكن تستني دقيقة واحدة؟
إيمان بضيق: اشمعنى؟
يوسف: هتعرفي. خليكي ثانية واحدة.
دخل شقته، لكن طريقته حسست إيمان إنه فعلاً مالهاش مكان في حياته والمشاعر دي من طرف واحد وهي اللي عايشة في وهم.
خافت؟ أيوه خافت. خافت من مشاعرها.
خافت تكون بتظلم نفسها.
وهي دي الحقيقة، لو هو حبها ربع حبها له لا يمكن كان يسافر ويبعد.
بعد دقايق، خرج يوسف وهو ماسك علبة صغيرة.
إيمان: إيه دي؟
يوسف: دي ليكي، أتمنى تعجبك.
إيمان: بس أنا مش...
يوسف بتنهيدة وابتسامة حزينة: لو سمحتي.
إيمان هزت راسها بمعنى تمام، كانت ماشية لكن وقفت وهي بتبص على إيديه.
يوسف لاحظ نظراتها، بسرعة حط إيديه في جيبه.
رفعت عينيها تبصله بحيرة وارتباك.
يوسف: تحبي أوصلك؟
إيمان بهدوء: يوسف ليه لابس الخاتم ده لحد دلوقتي؟ انت زمان قلعته قبل ما تسافر وقلت إننا أخوات.
يوسف، أنا هديتك الخاتم ده في آخر عيد ميلاد ليك هنا في مصر، قبل وفاة عمي أيوب.
فاكر قلت إيه في اليوم ده؟
يوسف رجع بذكرياته ليوم عيد ميلاده وافتكر كلامه واندفاعه وراء مشاعره.
افتكر نفس الجملة: "إيمان يوسف الصاوي... ده هيكون اسمك، هتكوني على اسمي".
إيمان: يوسف ابقى ارمي الخاتم ده، انت قلتها قبل ما تسافر، إحنا ولاد عم وإخوات.
سابته ومشيت.
يوسف وهو بيبص لطيفها: بس أنا عمري ما كدبت عليكي يا إيمان.
ياترى الدنيا هتاخدنا على فين؟
عند إلهام
إلهام بغضب: بقى رجع ومفكرش في أمه، لا و جري على حياء، نسي إن أنا أمه.
مش هو؟
سعاد اختها بغضب منها: إلهام استهدي بالله وبعدين يا أختي هو إنتِ من إمتى كنتي مهتمة بيه أو ب نيران؟ يا شيخة دي نيران يوم فرحها اللي يشوفها يقول إن حياء أمها مش إنتِ.
فوقي يا إلهام، إنتِ اللي ضيعتي ولادك الاتنين.
يوسف بسببك هجر وساب البلد كلها، وبسببك برضه مفكرش ينزل مصر ولا مرة واحدة طول السنين اللي فاتت.
إنتِ عملتي إيه من بعد طلاقك من أيوب؟
سبتي ولادك لجلال وحياء وكأنك مش أمهم.
تعرفي والله مش أنا أختك بس بستجدعن حياء عنك.
إلهام: حياء وجلال هيفضلوا منكدين عليا حياتي.
الاتنين دول تعبوني أوي في حياتي، بس مهما حاولت مش هيبعدوا عن بعض.
كانت نواره وشمس وأيوب عرفوا يبعدوهم زمان.
سعاد: عندك حق، استهدي بالله بقى وشوفي ابنك هتعملي معاه إيه.
إلهام: أعمل معاه إيه؟
في بيت شهد الشهاوي
إيمان وياسمينة كانوا قاعدين في أوضة ياسمين.
ياسمينة: أقولك الصراحة يا إيمان. ساعات بحس إن يوسف بيحبك أضعاف مضاعفة من حبك له.
يعني كل تصرفاته، اهتمامه بتفاصيلك، بعده عنك السنين دي... كل حاجة بتقول إنه بيحبك.
إيمان بضيق: طب وبعده دي بتحلليها على أي منطق؟
ياسمينة بابتسامة: بذمتك يا إيمان، إنتِ أكتر واحدة عارفة يوسف.
يوسف كان دايماً بيحط حدود بينكم، ولما بيشوفك كان بيبعد.
أقولك الصراحة، شوفي يوسف ابن خالي وبمعرفتي بيه إنه ملتزم ومالوش في المحن.
ومش بيعرف يعبر عن مشاعره، وخصوصاً إنه عاش فترة طفولة مختلفة.
عمي أيوب كان في السجن وأمه بعيدة عنه.
يمكن لأن باباكي كان بيعتبره ابنه، ولأن يوسف مش خاين للعشرة ولا لتربية أمك له، كان لازم يحط حدود بينكم.
ولما حصل موضوع إلهام ده... قرر يبعد، وأنا عاذراه الصراحة، الموضوع كان صادم للكل، وهو جاله فرصة كويسة إنه يشتغل بره.
إيمان بتفكير: سيبك من يوسف وأنا، وقوليلي إنتِ عاملة إيه.
***
في مكان على المينا
ثلاث شبان موردين في الشادر قاعدين، وفي شمسية كبيرة بتحجب عنهم أشعة الشمس.
كل واحد منهم شايل جواه غضب يكفي يد"مر به نفسه وكل اللي حواليه.
شاكر بغضب (اكبرهم ويبلغ من العمر أربعين سنة): يعني إيه؟ ابن الشهاوي ناوي يلهف سوق السمك لوحده؟ هو فاكر نفسه مين؟
بقى إحنا اللي بتتهز لينا شنابات يجي صالح الشهاوي يقعدنا في بيوتنا ويخلي الأسعار النص ويكسب كل التجار في صفه؟ وإحنا نقعد كدار؟
رحيم: كل التجار بيقولوا إن أسعارنا غالية أوي عليهم، ده حتى الصيادين مش راضيين بالأجرة بتاعتهم ومعظمهم راحوا يشتغلوا في حلقة السمك الكبيرة بتاعة شريف الهلالي، أو بمعنى أصح حفيده صالح الشهاوي.
فريد بغضب: عايزنا نعمل إيه يعني؟ نزودهم ونقلل السعر للتجار؟ ده كده نفلس أحسن.
شاكر بغل وحقد: لا، الموضوع ده زاد عن حده ولازم ابن الشهاوي يبعد عن طريقنا.
فريد بخبث: نحر"قله الحلقة باللي فيها.
رحيم بسرعة: أكيد ما أمن عليها، عيلة الشهاوي أذكى من كده بكتير، ده ابن جلال الشهاوي.
والاسم ده أحذر منه ألف مرة.
لأنه ممكن يحرق العالم لو حس إن عيلته في حد عايز يأذيها.
غير كده، متنساش إن أمه فرنسية وتقريباً معاها الجنسية، يعني لو عملنا حاجة تاذي ولادها ممكن تتواصل مع السفارة الفرنسية، وساعتها هنروح في داهية.
شاكر بزعيق: اومال نسيبه ياخد مننا كل حاجة؟ صالح الشهاوي لازم يختفي من طريقنا، أقسم بالله يوم كمان على وش الأرض لا يكون فيها د"م.
إنت خايف يا رحيم؟ قوم امشي، لكن أنا على جثتي إني أسيبه.
إنت عارف أنا مديون بكام بسببه وبسبب خسارتي اللي هو السبب فيها، لا و صالح ذكي، عارف يلم الكل حواليه.
فريد بشيطا"نية: عارف مين ممكن يجيب أجله؟ مليجي الولد ده مبيكر"هش في حياته قد صالح، بس خايف منه وخايف من الحج جلال.
لكن الفلوس بتقوي القلب، لو شممته ريحة الفلوس يبيع أهله، وخصوصاً إن طليقته الأولى رافعة عليه قضية نفقة.
شاكر بابتسامة خبيثة: يبقى هاتلي مليجي. دلوقتي حالا، شوفه فين.
أخلقهولي.
====
أطفت شعلة تمردها 2======
في حلقة السمك
دخلت إيمان وهي مبتسمة وهي بتبص للعمال وهي بتفكر في ذكرياتها في المكان ده مع حياء وجلال وصالح وهما صغيرين وإزاي كانوا أشقياء وبيغلبوا حياء.
سليم: إزيك يا دكتورة؟ نورتي المكان.
إيمان بابتسامة: الحمد لله. إزيك يا عم سليم؟
سليم: أنا بخير. أوامر؟
إيمان: الأمر لله. هو بابا فين؟
سليم بود: الحج على المرسى. تحب أبلغه إنك هنا؟
إيمان: مفيش داعي، أنا هروحله.
سابته ومشيت لآخر حلقة السمك، خرجت منها وبصت بعيد.
جلال كان قاعد على المرسى وهو بيبص للبحر وبيشرب قهوته.
ابتسمت وهي بتروح ناحيته بسرعة.
إيمان بحماس: قفشتك بتشرب قهوة. ماما لو عرفت إنك شربت قهوة يا ويلي يا ناري من اللي هيحصل.
جلال بابتسامة جميلة: وطبعاً إنتِ مش هتقوليلها، أمك عنيدة وهتعمل مشكلة والسلام.
إيمان: اممم، أفكر.
راحت تقعد جنبه، لكن قاطعها جلال بحدة: ده مكان حياء. تعالي الناحية دي.
إيمان وهي بتقعد الناحية التانية: بدوب من حبك لها. بجد أمي محظوظة وشكلي هغير منها.
جلال مسك إيديها وبص للبحر وهو مبتسم: عارفة يا إيمان، أمك رغم حاجات كتير هي أجمل ست في الكون.
حياء رقيقة أوي وممكن كلمة واحدة تخليها أسعد إنسانة في الكون.
حياء بنت بلد، رغم إنه اتولدت بره، لكن لما اتحط في اختيار بين الفلوس وبيني، اختارتني أنا.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخامس 5 - بقلم دعاء احمد
عدي يومين وجيه أول ليلة قبل رمضان.
حياء مكنتش حابة تخرج ولا تشوف جلال ولا طايقة تبص في وشه، ولكن قررت تعانده وتنزل من البيت.
حياء بغيظ: هو فاكر نفسه هيحبسني ولا إيه؟ ولا فاكر إني هسمع كلامه؟ والله لأنزل ويحصل اللي يحصل... بس أنا فعلاً خايفة منه.
بس لا والله ما هسكت، ماشي يا جلال، مبقاش حياء الهلالي إني ما جننتك أنت والحرباية أمك.
الله يرحمك يا ماما.
قامت بسرعة وراحت ناحية الدولاب، أخدت دريس لبعد الركبة لونه أبيض منقوش أخضر، ضيق من الخصر ونازل واسع، أخدت بنطلون جينز تلجي. فردت شعرها وقررت تحط روج بينك خفيف، لأن بقالها مدة طويلة محطتش أي مكياج. كانت فعلاً زي القمر.
خرجت لقيت الحج شريف خارج من أوضته ونازل الشادر.
حياء: مساء الجمال على عيونك يا أحلى أب.
الحج شريف: مساء الورد والياسمين على عيونك... كل سنة وأنتي طيبة يا قمري.
حياء: وأنت طيب. أنا زهقت من القعدة في البيت يا بابا، عايزة أخرج.
الحج شريف: نفسي أفهم بس ليه أنتِ وجلال ناقر ونقير؟ وعملتي إيه عشان يحبسك في البيت؟
حياء هزت كتفها ببراءة مصطنعة: مش عارفة يا بابا، هو كدا، كل ما يشوفني يتعصب... عايزة أخرج بقى وحياتي عندك. إيه رأيك تاخدني معاك الشغل؟ أنا نفسي أشوف الشادر وحلقات السمك بجد.
الحج شريف بابتسامة: ماشي يا قلبي، يالا بينا.
شوقية وهي بتبص لحياء بتمعن: واد إيه رشيقة، مش رفيعة جداً ومش تخينة، لكن جميلة.
شوقية: القهوة بتاعتك يا سي شريف.
شريف: خالص يا شوقية، أنا هشربها في الشادر. يالا يا حياء.
حياء بسعادة: أوكي.
نواره: رايح على فين يا حج وواخد السنيورة معاك؟
حياء من بين سنانها: يارب صبرني ومتخلنيش أجيبها من شعرها قدام بابا، لأن أنا عجبني دور البراءة ده وأنا فعلاً الشيطان بيرقص جوا دماغي من اللي نفسي أعمله فيها.
الحج شريف: حياء هتيجي معايا الشادر. يالا ابقى جهزي العشاء، ابنك أيوب هيرجع النهارده وكمان جلال هيتعشى معانا.
حياء بتساؤل: أيوب مين؟
الحج شريف: تعالي، إحنا نروح الشغل وهبقى أقولك في العربية.
حياء ابتسمت ونزلوا سوا.
نواره بشر: البت دي شكلها ناوية تسيطر عليه... عايزة تنزل معاه الشغل؟ لا، الموضوع شكله كبير. وشكل شغف مراسياها على اللي فيها، ماشي يا حياء، اصبري بس لما يرجع أيوب، هو الوحيد اللي ممكن يساعدني، بس جلال مش لازم يعرف حاجة عن اللي بفكر فيه.
في العربية.
الحج شريف: أيوب يا ستي هو ابن نواره.
حياء: يعني أخو جلال؟
الحج شريف: أيوه، بس من الأم بس.
نواره قبل ما أتجاوزها كانت متجوزة مرتين.
أول واحد سعد الصاوي الله يرحمه، خلفت منه أيوب، وده بقى زي ما تقولي كده زرع شيطاني.
كانت حامل في أيوب، لكن سعد توفي بعد ما خلفت أيوب.
اتجوزت سليمان الشهاوي وخلفت جلال، راجل من ضهر راجل، تربيتي صح.
لكن سليمان ونواره اتطلقوا، وأنا اتجوزتها واتكفلت بتربية جلال، لكن أيوب أهل أبوه أخدوه.
حياء: يعني أيوب أخو جلال الكبير؟ والاتنين ولاد نواره من حد غيرك... يعني الاتنين مش أخواتي؟
الحج شريف: بالظبط. اللي تبقى أختك هي شهد بنتي أنا ونواره.
حياء: ممكن أسألك سؤال يا بابا؟ هو أنت ليه اتجوزت نواره وهي متجوزة مرتين قبلك ومعاها طفلين؟ وأنت مكنتش اتجوزت؟
الحج شريف: ظروف يا أميرتي، بس عارفة يا حياء، قلبي عمره ما دق إلا لأمك. كانت بنت جميلة قوي، كنت كل يوم أتأخر على الشغل لحد ما شفتها وهي بتسقي الزرع في أوضة والدتها. كنت بحس إن يومي له طعم.
حياء افتكرت لما والدتها قالتلها إنها بتطلع تسقي الزرع مخصوص عشان تشوفه. عارف يعني إيه الحب؟ يعني القدر يجمع قلبين في الحلال.
حياء عيونها دمعت، وهي بتتمنى تلقى حد يحبها زي أبوها ما حب أمها.
حياء: ماما كانت محظوظة، يا ريتها ما سبتك ولا بعدت. على فكرة هي كمان بتحبك أوي... أوي يا بابا.
شريف ابتسم وهو بيفكر في شغف وأيام ما كانوا سوا، واد إيه كانت بتحبه.
بعد مدة.
حياء بتنزل من العربية وبتبص للشادر السمك. كانت فرحانة أوي لما أبوها مسك إيديها ومشت معاه. كانت شايفة نظرات الاحترام في عيون الناس ليه.
بعد دقايق.
الحج شريف: حياء اتفرجي على المكان، بس خلي بالك.
حياء هزت رأسها بحماس وهي بتقف عند صناديق السمك وبصت لسمكة موسى وشكلها المميز.
وبعدين جريت وقفت قدام بتاع الجمبري، مسكت واحدة وهي بتضحك بخفة كأنها طفلة.
شخص: أؤمري يا جميلة.
حياء بسعادة ولأول مرة تحس بأنها عندها أب وضهر: أنا بنت الحج شريف الهلالي.
صاحب الفرشة: يا ألف مرحب، الحج شريف جمايله مغرقاني، أؤمري.
حياء: اممم، كل سنة وأنت طيب. أولاً، بص أنا هقعد هنا جنب المركب الكبيرة دي، لو بابا سأل قول له إني هناك.
: حاضر، اتفضلي، بس ده مكان جلال.
حياء بغيظ: هو إيه جلال ده؟ طالعلي ولا عفريت العلبة؟ أنا هقعد هناك، هو أكيد مش كاتب المكان باسمه، وبعدين المكان ده كله بتاع أبويا.
قالتها بغضب وبتخرج من الشادر وتروح تقعد على المرسى.
كانت بتتفرج على مراكب الصيادين والبحر قدامها.
حياء بحزن: ياريتك كنتي معايا يا أمي.
قالتها وقامت. كانت حابة تطلع على المركب اللي جنب المرسى. لسه بتحط رجليها عليها ورجليها التانية على المرسى، لقيت اللي ماسك إيديها بقوة.
بتبص للشخص ده اتفزعت، لأنه هو جلال وشكله غضبان. حسيت إنها بتفقد توازنها، كانت هتقع على المركب، لكن جلال كان ماسك إيديها بقوة.
وبسرعة بيشدها وبيجذبها له.
حياء اصطدمت بصدره. كانت خايفة، لكن حاولت تستجمع شجاعتها.
جلال ساب إيديها وربع إيديه قدام صدره.
وهو بيقرب منها، انحنى لمستواها وبهَمْس: هو أنا مش قلت مفيش خروج؟ ولا أنتِ حابة تعصبيني وخلاص؟
حياء بدلال كعادتها: أنا معملتش حاجة، وبعدين أنت مالك؟ أخويا... أبويا... حبيبي... جوزي... خطيبي.
جلال بعصبية: امشي من قدامي أحسنلك.
حياء: أنا عايزة أقعد هنا.
جلال: ده مكاني، اختفي في خلال ثانية ونص، مش عايز أشوفك، عشان قسماً بالله هتشوفي وش هيزعلك.
حياء بغضب: أنت واحد مفتر... و شايف نفسك و و...
جلال بقى يقرب.
حياء بلعت ريقها بتوتر وجرت من ادامه.
جلال ابتسم وقعد على المرسى وهو ساكت. ميعرفش ليه بيحب ينكشها، ومع ذلك بيكره دلعها وعنادها.
لكن مع ذلك دي أكتر واحدة بيحب مشاغبتها وكلامها العفوي. ابتسم وهو بيقعد ويبص للبحر.
بليل على الساعة عشرة.
حياء كانت نايمة لحد ما سمعت صوت عالي.
قامت غيرت وخرجت، لكن استغربت وجود شخص غريب، وهو أيوب.
كان شاب في منتصف الثلاثينات، لكن ملامحه قاسية مخيفة، حقيقي على عكس ملامح جلال.
جلال ملامحه رجولية، لكن مريحة محببة للقلب.
شهد: بقى كدا يا أيوب؟ محدش يشوفك خالص كدا؟
أيوب: معلش بقى يا شوشو، وبعدين منستكيش، جبت لك اللاب اللي أنتِ كنتي عايزاه.
شهد بسعادة: حبيبي يا أيوب.
جلال كان قاعد وحاطط رجل على رجل، وهو بيبص لأيوب بنظرات مش مفهومة، لكن جلال أكتر شخص فاهم أخوه أيوب، حتى لو هو أخوه من الأم بس، هو فاهمه وفاهم خبثه.
كان بيتمنى إن حياء متخرجش، لكن بان عليه الغضب لما شافها خرجت.
حياء: مساء الخير.
أيوب بابتسامة جانبية: ما شاء الله تبارك الله، هي دي حياء اللي حكتلي عنها يا شهد؟
شهد: آه، هي دي.
أيوب بتمعن: شكلك جميلة قوي.
جلال حس بالغيرة، كان بيضغط على إيديه بقوة وهو بيحاول يهدي نفسه، لأنه عارف أخوه الكبير كويس.
لأول مرة يختبر شعور الغيرة لدرجة إنه حس بقلبه يكاد يشق صدره وحس بنيران بتغلي جواه.
نواره بسعادة: يلا يا حبيبي، أنا اللي مجهزالك العشاء بنفسي.
أيوب وهو بيبوس إيديها: تسلم إيدك يا أمي.
شهد: إبيه جلال ساكت ليه؟
جلال كان بيبص لحياء اللي واقفة في آخر الصالة ولسه واقفة عند باب أوضتها.
: ولا حاجة يا شهد، بفكر في الشغل. هو فين الحج؟ أمي، وجودنا هنا في عدم وجوده مش كويس.
نواره بغيظ: ليه بقى؟ ده بيتكم ودي أختكم وأنا أمكم.
جلال بصرامة: أنتِ فاهمة أنا بتكلم عن إيه يا أمي. الحج فين؟ وبعدين ده بيت الهلالي وإحنا هنا ضيوف.
الحج شريف وهو خارج من أوضته: أنا هنا يا ابني. العشاء جاهز يا نواره؟
نواره: أيوه يا حج، اتفضل... يالا يا ولاد.
أيوب كان بيبص لجلال اللي لسه بيبص لحياء وهي بتبصلهم بتوتر. ابتسم بخبث وهو حاسس إن أخوه الصغير بيقع في فخ... فخ الغيرة، لكن مش الغيرة بس، جمر بيحرق قلبه.
الحج شريف: تعالي يا حياء نتعشى سوا.
حياء بارتباك: ماليش نفس يا بابا، أنت عارف مش بتعشى.
أيوب بخبث ووقاحة: لا يا قمراية، لازم تتغذي كويس، أنتِ ضعيفة قوي.
جلال كان نفسه يقوم يضرب أخوه، لكن احترم وجود الحج شريف اللي بص لأيوب بتحذير.
نواره لاحظت توتر الجو، نكزت أيوب في جانبه.
الحج شريف بجدية: خلاص يا حياء، ادخلي أوضتك يا حبيبتي، ووقت السحور هصحيكي.
حياء حسّت إن أبوها نجدها من إنها تروح تضرب أيوب: حاضر يا بابا.
قالتها ودخلت أوضتها بسرعة. جلال كان بيبص لأيوب وهو بيبدله النظرات بخبث.
عدى يوم اتنين تلاتة.
حياء مش بتخرج من البيت، لكن بتحب تقف في البلكونة تتفرج على الشارع والزينة اللي بيعلقوها، ومائدة الرحمن اللي واصلة لآخر الشارع.
كانت بتتفرج على جلال وهو بيرتب المائدة بتواضع مع صاحب القهوة.
كانت بتبصله بشغف وهي مبتسمة غصب عنها بدون ما تفكر. هي بتخاف منه، لكن منكرش إنها بتحترمه وبتحترم تواضعه، ودي أكتر حاجة بتعجبها في شخصيته، وإنه بيغير على أهله، ولأنه بيحط حدود في نظراته عكس أيوب.
أول ما شافت أيوب بيبصلها دخلت جوا بسرعة وهي خايفة. خوف من نوع غريب. أيوب باختصار، وقح.
المغرب كان قرب يأذن.
شوقيه كانت جهزت الأكل، وشهد كانت بتلعب على اللاب.
حياء بصتله بغيظ، لأن هي المفروض ثانوية عامة وامتحاناتها بعد العيد بشهر ونص.
دخلت أوضتها، اتوضت، ولابست الإسدال. كانت بتصلي وهي بتعيط، لأن دا أول رمضان ليها بدون والدتها. كانت بتدعيلها.
خلصت على أذان المغرب.
طلعت وهي لسه لابسة الإسدال. كانت جميلة جدا.
نواره: فين أخواتك يا شهد؟
شهد بتوتر: أيوب قال إنه هيفطر مع سيف.
وجلال ممكن يكون هيفطر على المائدة.
نواره: كل دا بسبب البومة اللي جت على غفلة. بس تصبر عليا. انزلي نادي لأخوكي ياله.
شهد: حاضر يا ماما.
بعد شوية، دخل جلال. كانوا قاعدين على السفرة.
ابتسم أول ما شافها لابسة الإسدال والحجاب على شعرها. جايز شافها أجمل.
قعد يفطر. وهي بتحاول تتجنبه ومتبصّلوش، لكنه غصب عنها كانت بتبص له وهي حاسة بنبض قلبها بيزيد.
بعد دقايق.
كانوا بيبصوا المغرب، وجلال هو الإمام، وجانبه الحج شريف، ووراهم نواره وحياء وشهد.
حياء أول ما سمعت صوته في تلاوة القرآن، حسّت بأنها عايزة تعيط. كان صوت خاشع جميل.
خلصوا صلاة، وجلال نزل الوكالة.
عند أيوب.
سيف: ألف حمد لله على السلامة يا كبير. اتفضل. أنا اللي لفاف لك الجونت دا.
أيوب وهو بياخد سيجارة الحشيش: مقبولة منك.
سيف بخبث: بس أي البت اللي اسمها حياء دي طلعت صاروخ أرض جو. يلهوي مزة مش مصرية. شعرها وعيونها.
أيوب وهو بيدخن: عندك حق. البت مزة مهلبيه بالعسل.
سيف: تصدق لما جيت أتكلم مع جلال، لقيته بيقولي احترم نفسك وطردني من الوكالة. قال إيه مش بيحب حد يجيب في سيرة بنت الراجل اللي ربّاه.
أيوب بسخرية: هو جلال كدا دايماً. ما عشان كدا الحج جلال بيحبه. ومكانه على كل حاجة. والكل في إسكندرية بيحبه وبيحترمه. سيبك منه وقولي أي الليلة ناشفة؟
سيف: يا باشا، إحنا في رمضان. بعد العيد هظبطك.
أيوب بخبث وهو بيفكر في حياء وجلال: ماشي يا مؤمن.
.....*....*....*....*....
بعد أسبوع.
حياء كانت قاعدة على الأرض في البلكونة وبتبص للقمر. افتكرت من سنة في القاهرة.
....فلاش باك.....
شغف بسعادة وهي بتسرح لحياء شعرها:
حياء قلبي.
حياء بسعادة: أيوه يا مامي.
شغف: تعرفي إن شعرك جميل. بتفكريني بأيام شبابي.
حياء بسعادة: ما انتي لسه شباب يا ست الكل. تعرفي يا ماما نفسي في إيه؟
شغف بحنان وهي بتبص لشعر حياء: إيه يا عمري؟
حياء سرحان: نفسي أقابل حد يخطفني من نفسي. تفتكري ممكن أتحب في يوم من الأيام؟ ولا دا شغل روايات؟
شغف بابتسامة: الحب قدر يا بنتي. ووقت ما يجيلك قدرك مش هتحسي بنفسك وانتي بتتخطفى من نفسك.
بس لازم تكوني عارفة إن الحب ليه ضريبة.
زي ما هو جميل، لكن قاسي. لازم في اختيار شريك حياتك إنه يكون عايزك في حلال ربنا، ويكون رجل بمعنى الكلمة. يصونك ويصون قلبك، ويرضى بيكي وبكل عيوبك قبل مميزاتك.
حياء وهي بتلف وبتقعد قصادها:
ماما، هو انتي ليه مش زي باقي الأمهات؟ يعني لو أي أم سمعت بنتها بتقول نفسها تتحب، هتقولها بطلي يا قليلة الرباية. ليه انتي مش كدا؟
شغف وهي بتحاوط وش حياء بحنان:
عشان أنا معنديش أغلى منك. ولازم أسمعك وأعرف كل اللي جواكي. أنا أمك. وعلى فكرة مش كل الأمهات كدا.
وأنا بحبك يا قلبي.
حياء ابتسمت وحضنتها بقوة.
..... نهاية الفلاش باك .......
حياء بدموع: الله يرحمك يا ماما. ياريتك موجودة دلوقتي وبتسرحيلي شعري وبنتكلم. الله يرحمك.
....... *......... *.........
عدى شهر رمضان بسرعة جدا. أجمل شهر ممكن يعدي علينا. شهر الخير فعلاً.
أول يوم العيد.
حياء كانت واقفة قدام فستان اشترته من كم شهر مع والدتها. كان جميل جدا.
قررت تلبسه، وكانت زي القمر.
حطت مكياج خفيف، وفردت شعرها بطريقة جذابة.
خرجت. جلال كان قاعد مع الحج شريف. أول ما شافها استغرب في البداية، لكن ابتسم بهدوء وحاول يداري ابتسامته وبيحاول يداري إعجابه بيها بنظرات الاشمئزاز دايماً. لكن المرة دي مش عارف.
الحج شريف بص لها وقام حضنها وإدلها العيدية.
جلال بجديته المعهودة: كل سنة وانتي طيبة.
قالها وهو بيديها العيدية، كأنها أخته الصغيرة.
حياء كانت متغاظة منه، لكن حاولت متبينش: وانت طيب.
أخدتها وهي بصتله بطرف عنيها، زي ما بيعمل معاها.
بليل.
نواره: ياله يا حج هنتاخر.
الحج شريف: حاضر جاي اهو.
حياء: بابا، انت هتتاخر؟
الحج شريف: يمكن نبات النهاردة عند أهل نواره. هي عايزة تشوفهم، وهما أكيد مش هيسبونا نمشي لأن الطريق طويل. ممكن نرجع على بكرة بليل.
حياء: هتسيبنا أنا وشهد لوحدنا؟
الحج شريف: جلال موجود. متخافيش. أيوب هيجي معانا، وجلال هيعدي يطمن عليكم. متخافيش.
حياء: حاضر يا بابا. ربنا معاكم.
الحج شريف خرج وقفل الباب وراه. وحياء بصت لشهد وراحت قعدت قدام التلفزيون.
شهد دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها.
في الموبيل.
سيف: يا شهد، عايز أشوفك يا بت. متخافيش، أيوب راح مع أمك وجلال في الجمارك، وانتي عارفة شغل الجمارك هيقعد للصبح.
شهد: يا سيف، حياء موجودة. وأنا وعدتها إني مش هشوفك تاني. وبعدين أنت المرة اللي فاتت زودتها أوي. ولو هي شافتني خارجة دلوقتي، احتمال تقول لجلال. وغير كدا، لو جلال نفسه رجع.
سيف بتمثيل الزعل: ماشي يا شهد. انتي حرة. سلام.
شهد: خلاص متزعلش. هحاول أخرج. يارب بس تنام. مش عارفة هي النهاردة سهرانة ليه، مع إنها بتنام بدري. بس هما عشر دقايق اللي هشوفك فيهم، وبعد كدا هرجع، لأن ممكن أموت لو جلال بس شم خبر إني خرجت.
سيف: متخافيش يا قلب سيف. وأنا أقدر برضه.
شهد بخوف: حاضر.
قفلت معاه وخرجت. لقيت حياء ماسكة موبايلها وبتقلب فيه.
حياء: مالك يا شهد؟ في حاجة؟
شهد بارتباك: لا أبداً. انتي مش هتنامي؟
حياء: الصراحة عايزة أنام، بس خايفة. الصراحة أنا كنت بنام لوحدي في شقتي في القاهرة، بس كنت ببقى مرعوبة.
شهد: خلاص يا ستي متخافيش. ادخلي نامي، وأنا هفضل قاعدة لحد ما جلال يجي ويطلع شقته كمان.
حياء: مش وراكي مذاكرة يا بنتي؟
شهد: ما أنا هدخل أذاكر. عشان كدا بقولك متخافيش.
حياء: أوكي. هدخل أنا، لأن خلاص صدعت. تصبحي على خير.
شهد: وانتي من أهل الخير.
بعد مدة.
شهد اتأكدت إن حياء نامت. لابست هدومها وخرجت. فتحت الباب وخرجت.
حياء أول ما سمعت صوت الباب اتفزعت وقامت. لكن استغربت خروج شهد في الوقت دا.
دخلت بسرعة. لابست هدومها ونزلت وراها. لكن اتعصبت لما شافتها واقفة مع سيف تاني.
كانت هتروح تجيبها. لكنه أخدها في عربيته ومشي. وقفت تاكسي وطلعت وراهم.
بعد دقايق.
بيوقف سيف بعربيته قدام كباريه. وبينزل هو وشهد.
شهد بخوف: يلهوي يا سيف، انت جايبنا فين؟ انت فاكرني إيه؟
سيف: في إيه يا بت؟ متخافيش. هو أنا أخدت شقة مفروشة؟ وبعدين انتي محدش يعرفك. هننبسط شوية. وأوريك الدنيا. وتشوفي البنات عاملين إزاي.
شهد: لا، أخاف. خلينا نمشي. لو حد عرفني هتبقى مصيبة.
سيف: متخافيش كدا يا بت. وجمدي قلبك. تعالي بس تعالي.
شهد دخلت معاه وهي خايفة. في الوقت دا بيوصل التاكسي. بتشوفها حياء وهي داخلة. بتحاسب صاحب التاكسي وبتنزل بسرعة وبتدخل وهي مرعوبة من شكل المكان.
عند جلال.
بيكون ساب شغله في الجمارك بعد ما الحج شريف كلمه وقاله إن البنات لوحدهم في البيت.
بيوصل أدام البيت. كان طالع لولا شاف صبي من صبيانه بيجري وهو بينادي عليه.
خليل: يا سي جلال، سي جلال.
جلال: في إيه يا خليل؟
خليل وهو بينهج: ست حياء شفت ست حياء وهي خارجة.
جلال: في الوقت دا؟ وراحت فين؟
خليل: كباريه سونا.
جلال مسكه من ياقة قميصه بغضب: انت بتقول إيه ياض؟ اتجننت؟
خليل: والله يا سي جلال، مش أنا اللي قلت. الواد سيد سواق التاكسي هو اللي قال إنه وصلها الكباريه. ومتاكد إنها بنت الحج شريف، لأنه شافها قبل كدا معاه.
جلال بص للبيت وقال إن أخته أكيد نايمة.
جلال: تخليك واقف هنا لحد ما أرجع. ومحدش يعرف حاجة باللي انت قلته. انت فاهم؟
خليل: تؤمرني يا سي جلال.
بعد مدة.
بيوصل الحج شريف بعد ما كلم أهل نواره وعرف إنهم مش موجودين، وإنهم سافروا عند قرايب ليهم.
الحج شريف: قلتلك نكلمهم الأول بدل المشوار على الفاضي.
نواره: خلاص بقى يا حج. هو أنا كنت أعرف يعني إنهم مش هيبقوا موجودين؟
الحج شريف بص لخليل اللي واقف عند المدخل.
الحج شريف: في إيه يا واد يا خليل؟ واقف هنا كدا ليه؟
خليل بارتباك: ......
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس 6 - بقلم دعاء احمد
زينب دخلت المخزن لكن كانت حاسة بخوف، وخصوصاً إن البوابة الكبيرة مفتوحة ومفيش حد من الغفر.
ضغطت على إيديها بتوتر ودخلت بتدور على موبايلها، لكن فجأة وقفت مصدومة وهي بتبص قدامها.
من الصدمة حسّت إن أنفاسها مكتومة وكأن في حد بيضغط بقوة على صدرها يكاد يشقه.
شايفة صالح الشهاوي واقع على الأرض وبينزف.
بسرعة جداً كانت قاعدة جنبه، شالت حجابها من على شعرها، مسكت إيديه اللي على بطنه وحطت الحجاب على الجرح بتضغط عليه.
غصب عنها دموعها نزلت من الخوف والورطة اللي هي فيها.
سمعت رنة موبايل، وكان موبايل صالح. قامت بسرعة وردت بدون حتى ما تشوف اسم المتصل.
"صالح انت؟" قالت حياء بتوتر وخوف.
"صالح بينزف... إسعاف على المخزن بسرعة أرجوكي..." قالت زينب بانهيار.
سابت الموبايل من إيديها وقعدت على الأرض براحة جداً، بتحط راسه على رجليها وإيديها على الجرح.
صالح كان حاسس بوجود حد معاه، حاسس بوجع فظيع.
"صالح افتح عينيك... عشان خاطر أغلى ما عندك، أنا مش ناقصة مصايب، أبوس إيدك..." قالت زينب وهي بتبكي.
صالح فتح عينيه ببطء، مكنش قادر يشوفها، ملامحها بالنسبة له كانت مخفية. دموعها بتسيل على خده بتلامس ملامح وشه، وكأن العهد بالعشق ابتدا بدموعها.
غمض عينيه وهو بيفقد الوعي.
"قوم أنا حياتي بايظة بما فيه الكفاية، مش ناقصة..." قالت زينب برعب.
===
قبل قليل.
في بيت الشهاوي.
حياء كانت واقفة مصدومة، لكن مفيش وقت.
"في إيه يا ماما؟" قالت إيمان بخوف.
حياء فتحت الموبايل كلمت الإسعاف وهي منهارة، بتعيط بهستيرية ووشها أحمر. إحساس بالوجع رهيب إن الأم تحس إن ابنها في خطر.
"العنوان في... ارجوك بسرعة..." قالت حياء بتأكيد في الموبايل.
إيمان عيطت وبسرعة دخلت غيرت هدومها. حياء مهتمتش تغير، كانت لابسة إسدال.
راحت على باب الشقة بتفتحه وهي بتعيط، نزلت، لكن قبل ما تخرج، قبلت جلال في وشها.
جلال حس بوجع وهو شايف شكلها. "في إيه؟ إزاي نازلة دلوقتي؟ حد من الولاد..."
"صالح... صالح يا جلال..." قالت حياء بمقاطعة وهي بتمسك في التيشيرت بقوة وبتميل براسها على صدره وبتعيط. "انت وعدتني إنهم هيكونوا كويسين طول العمر... ابننا."
جلال كل ملامحه اتجمدت، حس بانقباض صدره بقوة. "إنتي بتقولي إيه... صالح كويس؟"
خرجوا الاتنين، ركبوا عربيته وهي جنبه. إيمان نزلت وهي بتعيط، ركبت معاهم هي ويوسف.
حياء كانت دافنة وشها بين كفوفها بتعيط وهي خايفة ومرعوبة.
في المخزن.
الإسعاف وصلت وأخدوا صالح. زينب ركبت معاه، كان في ممرضة في عربية الإسعاف كانت بتعمل له إسعافات أولية.
بعد مدة صغيرة وصلوا المستشفى. الدكاترة أخدوا صالح على العمليات، وإدارة المستشفى كلمت البوليس.
زينب كانت قاعدة قدام العمليات وهي بتترعش من الخوف وبتعيط، لأنها راحت في داهية.
عيطت أكتر وهي بتبص لإيديها اللي عليها دم صالح. شعرها كان على وشها.
سمعت دوشة، رفعت وشها شافت جلال الشهاوي وحياء وإيمان بنتهم ويوسف. كلهم جايين ناحية العمليات.
قامت بخوف وقفت في زاوية جانب أوضة العمليات.
"هو الدكتور فين؟ أنا عايزة حد يفهمني إيه اللي حصل ومين اللي كلمتني..." قالت حياء. "صالح يا جلال وحياتي عندك عايزة أشوفه أرجوك."
جلال حضنها بقوة، وهي مخبية وشها في صدره بتعيط، يمكن لأن صالح وإيمان هما عمرها. يمكن لأنها أم زي كل أم بتترعب على ولادها.
إيمان عيطت أكتر وهي شايفة حالة أمها وأبوها.
"مينفعش كدا، اهدي عشان حياء على الأقل..." قال يوسف بهدوء.
إيمان سابتهم ومشيت بعيد عنهم، قعدت على الأرض في الممر وهي ضامة نفسها بتبكي.
يوسف اتنهد بحزن وهو بيقعد جنبها. "صالح هيكون كويس..."
إيمان فضلت تبكي وهو ساكت وقاعد جنبها، مكنش يتمنى يشوفها في الحالة دي. أكتر لحظة تمنى يحضنها فيها بقوة، لكن ده هيبقى غلط.
الشرطة وصلت المستشفى، دخل الظابط.
حياء كانت قاعدة على كرسي قدام العمليات هي وجلال. وزينب لسه واقفة بعيد وخايفة، لكن حاسة بحاجة غريبة. يمكن لأول مرة تشوف يعني إيه عيلة، عيلة تخاف عليك وتحبك بدون مقابل. شافت ده في عيون حياء وصبر جلال اللي بيحاول يتماسك.
الظابط كان بيتكلم مع جلال، لكن هو أصلاً مش فاهم إيه اللي حصل.
"مدام حياء، مقدرتيش تتعرفي على البنت اللي كلمتك؟" سأل الظابط.
حياء هزت راسها بلا.
زينب بقت تفرك في إيديها بتوتر، اتقدمت منهم كم خطوة وهي بتحاول تقوي قلبها.
"أنا... أنا اللي كلمتك. أنا زينب... زينب منصور، شغالة في المصنع." قالت زينب بخوف.
"وإيه اللي وداكي المخزن وإيه اللي حصل؟" سأل الظابط.
"والله العظيم مش أنا اللي عملت كدا، أقسم بالله..." قالت زينب بدموع.
"انطقي حصل إيه وابني ليه هنا، لأن قسماً بالله لو ليك يد في اللي حصل لأكون دفنك؟" قال جلال.
صوت شهقاتها زاد وهي بتحاول تتكلم.
"أنا... كنت في المخزن أنا والبنات الصبح، وهناك نسيت... نسيت موبايلي. ولما رجعت البيت دورت عليه، افتكرت إني نسيته هناك. وأنا عارفة إن العربيات هتنقل البضاعة من المخزن الصبح، قلت لو سبته للصبح مش هلاقيه. فخرجت من البيت، كنت ناوية أقول للغفير يشوفه ليا. لكن لما روحت لقيت ص... بشمهندس صالح واقع على الأرض وبينزف. والله العظيم هو ده اللي حصل. مكنتش عارفة أعمل إيه. موبايل رن، معرفش كان مين حتى، رديت وطلبت الإسعاف..."
"أنا والله العظيم ماليش يد في اللي حصل."
"ده هنعرفه بطريقتنا... خدها يا ابني." قال الظابط.
زينب هزت راسها بنفي وهي مرعوبة وبتعيط، راحت لحياء ومسكت فيها بقوة. "أنا ماليش ذنب... وحياة ابنك متخليهم ياخدوني، أنا معملتش حاجة. أنا لا يمكن أذي صالح. أنا كنت بحاول أساعده... أقسم لك بالله."
"والله العظيم إن ماليش ذنب، أنا كنت بحاول أساعده أقسم بالله." قالت زينب بخوف ودموع.
حياء كانت حاسة فعلاً من نظراتها إنها مالهاش ذنب، يمكن لأنها مرت بموقف مشابه في حياتها، وقت ما الكل اتهموها إنها راحت الكباريه، كانت بتحاول تستنجد بأي شخص، لكن محدش صدقها.
جلال بص لحياء، وقف جنبها وهو بيسندها لأن فعلاً كانت على وشك السقوط من الانهيار.
"لو انتي بريئة فعلاً البوليس هيعرف، وساعتها هتخرجي. لكن لو لك يد اقري الفاتحة من دلوقتي." قال جلال بجدية.
زينب كان نفسها تصرخ وهي فاقدة حتى القدرة على الكلام. شايفة خصلات شعرها، افتكرت حجابها اللي استخدمته عشان توقف النزيف. وهنا انهارت، حست إنها دايخة والرؤية مشوشة. كان تتمنى شخص واحد بس يقف جنبها، لكن للأسف مفيش حد.
وقعت من طولها، أغمى عليها، مستسلمة للدوامة اللي بتسحبها لعالم تاني بعيد، انفصال عن الواقع.
حياء اتخضت عليها وهي عندها إحساس قوي إن البنت دي لا يمكن تؤذي حد.
انحنت لمستواها وهي خايفة عليها.
"زينب قومي يا بنتي... ممرضة يا جلال..." قالت حياء.
الممرضين أخدوها لأوضة عادية وأسعفوها، لكن كانت منفصلة تمام عن الواقع. كل اللي في خيالها صالح وهو واقع على الأرض وبينزف، كوابيس بتهاجم عقلها بتفقدها إحساس الراحة.
الدكتور خرج من العمليات بعد ساعتين ونص. جلال أول ما شافه وقف قدامه وعيونه فيها ألف سؤال.
"صالح كويس؟" قالت حياء وهي بتضغط على إيديها بخوف وعيونها بتلمع بالدموع.
"الط"عنة كانت قوية، وكمان طريقة سحب السك"ينة من جسمه كانت عنيفة، وهو نزف كتير... يمكن لو كان نزف أكتر من كده كان كل أعضاءه توقفت. الحمد لله إن البنت دي حاولت توقف النزيف، كان ممكن نخسره. هو جه في الوقت المناسب... الحمد لله عمليته نجحت، بس هيتنقل العناية المركزة، ممنوع الزيارة. أنا بقول أهو يا جلال بيه، ممنوع الزيارة... أعملوا له إنه يعدي الفترة الجاية على خير." قال الدكتور بتنهيدة.
"هو ممكن يفوق إمتى يا دكتور..." سأل الظابط.
"للأسف مقدرش أحدد لك وقت معين، بس خلال اليومين الجايين." قال الدكتور.
"متشكر جداً..." قال جلال.
"هو إيه اللي شكراً؟ أنا عايزة أشوفه... أنا عايزة أشوف ابني..." قالت حياء بغضب.
"حياء اهدي، صالح كويس بس..." قال جلال بهدوء.
"كل اللي بتقوله ده ميفرقش معايا، أنا مش هرتاح إلا لما أشوفه... أرجوك يا جلال."
"هترتاحي لما تشوفيه، وبعد كده لا قدر الله تخسريه..."
حياء قعدت على الكرسي وهي بتدفن وشها بين كفوفها وبوجع. "أنا عايزة أطمن عليه، حرام عليك يا جلال."
جلال نزل لمستواها، كان قاعد على ركبته وهو ماسك إيديها. "اطمني يا حياء واهدي. ابنك طالع لابوه، متخافيش عليه... صالح هيكون كويس."
حياء سكتت وغمضت عينيها بالألم.
دخل جمال المستشفى بسرعة. سأل الاستقبال على صالح، طلع للعمليات. كانوا بينقلوا صالح للعناية.
جلال كان واقف بعيد في الممر وهو حاطط إيديه على موضع قلبه وحاسس بوجع. حاول مهما حاول يداري، لكن ده ابنه، كبر قدامه يوم بيوم. أول مرة يمشي كان ماسك في إيد جلال، أول مرة يقول بابا، أول يوم بالمدرسة. إزاي اشتغل معاه في الوكالة، إزاي جلال بيشوف شبابه في صالح. كل حاجة بتخليه يحس إن صالح نسخة تانية منه. طيبة حياء وجدعنة جلال.
جمال قرب من جلال ورّبت على ضهره. "إن شاء الله هيكون بخير. المهم لازم تتماسك عشان حياء وإيمان، هما معندهمش حد غيرك بعد ربنا."
"اللي عامل كدا لازم يتحاسب ويكون عبرة لأي حد يحاول. عايز أعرف من عنده الجر"اءة إنه يحاول بس يأذي ابن جلال الشهاوي..." قال جلال بجدية وحدة مخيفة.
"الغفر بتوع المخزن كلهم في المستشفى. قبل ما أجي هنا شفت تسجيل الكاميرات بتاع المخزن، وللأسف الاتنين اللي عملوا كدا كانوا ملثمين. والبنت دي فعلاً مكنتش معاهم، وهي فعلاً كانت بتحاول تساعد صالح. أنا سلمت التسجيل للظابط اللي تحت، وهم يمكن يجبوهم." قال جمال.
"مفيش يمكن... العيال دول عايزهم يجوا تحت رجلي..." قال جلال بغضب.
ثم تابع بتفكير وهو يضع يديه في جيب بنطاله: "عايزك تعرفلي مين أكتر حد اتأذى في الشادر بسبب الأسعار اللي صالح قللها، وأكتر موردين اتعرضوا للديون. وإذا كان فيه خلاف بينهم وبينه، وصالح واللي تشك فيهم يتحطوا تحت المراقبة. وأي حد يسأل على حالة صالح في الاستقبال تخليهم يبلغونا هو مين، وتفضل وراه. اللي عمل كدا يا إما كان ناوي يسرق المخزن، لكن صالح كان عائق بالنسبة لهم فقرروا يخلصوا عليه. يا إما حد من الموردين بتوع الشادر اللي خسروا واتأذوا منه. وفي كلتا الحالتين، هو اللي فتح على نفسه أبواب جهنم."
"هحاول أعرف، إن شاء الله هيكون في إيدينا في أقرب وقت، بس المهم دلوقتي صالح يقوم بالسلامة." قال جمال.
"إن شاء الله هيقوم. أنا واثق في ربنا إنه مش هيحر"ق قلبي إنه وأمه. البنت اللي اسمها زينب دي تروح بيتها وتطمن أهلها، أكيد أمها وأبوها قلقانين عليها." قال جلال.
"جلال، هي دي البنت اللي كنت حكيتلك عنها يوم العيد؟ هي البنت اللقيطة اللي البنات قالوا إنها بنت حرام وأنا كنت ناوي أرفدها، وانت قلت إني أزود مرتبها. لولا ستر ربنا ولولا وجودها في المخزن في الوقت ده كان ممكن... الحمد لله إنها لحقت صالح وطلبت الإسعاف." قال جمال بارتباك.
جلال حط إيديه على كتف جمال بثقة. "قلت لك إنها بنت حلال. الحمد لله إنها كانت موجودة، ربنا يبارك فيها."
مرت ساعات كانت زي السنين على أبطالنا. خوف، قلق، رهبة، دعوات خارجة من القلب. خوف مليجي وشاكر إن صالح يقوم منها.
تاني يوم الضهر.
زينب قامت وهي بتفك المحلول من إيديها بخوف، بتفتكر اللي حصل، لكن كانت مرعوبة. هي مش حمل بهدلة أكتر من كده، كفاية اللي عاشته ونظرات وكلام الناس كفيلة تهلك روحها.
حياء كانت قاعدة جنبها، باين عليها الإرهاق والقلق، الامتنان للبنت دي.
"أنا ماليش ذنب... أنا... أنا عايزة أمشي." قالت زينب بهلع.
"اهدي اهدي... محدش هياخدك في حتة... كلنا عرفنا إنك كنتي بتحاولي تنقذي صالح." قالت حياء بهدوء وهي بتمسك إيديها وبتقعد جنبها. "تعرفي يا زينب لو عشتي عمر فوق عمري أشكرك على اللي عملتيه لصالح، عمري ما هوفيكي حقك. صالح مش بس ابني، صالح عمري كله... اطلبي مني أي حاجة وأنا هعملها لك."
زينب عيونها لمعت بالدموع وهي شايفة حب الأم وحنيتها. حضنت حياء بقوة، كان نفسها تحس بالشعور ده من زمان.
بعد دقايق.
"إن شاء الله بشمهندس صالح هيكون كويس، هو ابن حلال وإن شاء الله هيقوم منها." قالت زينب بابتسامة. "أنا لازم أمشي دلوقتي عشان أبويا لوحده وهو تعبان."
"السواق هيوصلك، وأنتي كده معاكي رقمي. احتاجتي أي حاجة كلميني، أنا زي أمك." قالت حياء.
"ربنا يحفظه لك..."
قامت مشيت بعد ما ظبطت هدومها، وحياء جابت لها حجاب تاني.
اختفت مرة تانية كأنها أريل أميرة ديزني دخلت حياة أمير عريق أنقذته واختفت تاني.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع 7 - بقلم دعاء احمد
صالح بدأ يفتح عينيه. الرؤية بالنسبة له مشوشة. آخر شيء عينيه شافته عيون دخانية داكنة مليئة بالدموع والخوف قبل ما يفقد الوعي.
"زينب؟"
كان يرفع يديه ليشيل جهاز التنفس الصناعي عن منافذ التنفس. أخذ نفساً بطيئاً بألم. لا يزال أثر المخدر موجوداً.
حياء كانت جالسة بجانبه وهي ماسكة في إيديه بخوف وبتعيط بصمت مؤلم.
"حياء بخوف: صالح؟ رد عليا... انت كويس؟ حاسس بوجع؟ أكلم الدكتور..."
"صالح بابتسامة مرهقة: وحشتيني يا أمي... تعرفي كنت خايف أموت بدون ما أبوس إيدك وأقولك إنك أهم حد في حياتي وعمري ما اتمنيت حاجة من الدنيا قد رضاكِ عني."
"حياء غصب عنها عيطت: أنت مش ممكن تسيبنا... فاهم؟ مش من حقك تسيبني أنا وإيمان وجلال... يا ريتني كنت أنا مكانك... يا ريتني أقدر آخد كل الوجع بدالك يا صالح... أنت عارف أنت إيه بالنسبة ليا أنا وجلال؟ مش ابننا وبس... أنت وإيمان الهوا اللي بنتنفسه. وعي تكون فاكر إن حبي لأبوك أو حبه ليا من فراغ... حبنا كبر لما أنتم جيتوا لحياتنا خليتوا ليها أجمل معنى... مش مجرد حب اتنين لبعض لأ... علاقتنا كان فيها نضج كفاية ودا بسببكم أنتم... عمرنا ما كنا هنكون سعداء كدا بدونكم."
"صالح ابتسم بتعب وهو بيمسك إيديها ويبوسها: أمي أنتِ بجد جميلة ربنا يباركلي فيكي... ويحفظك لينا في حياتنا و بيتنا يا رب."
"حياء: بس أنا بقى نفسي تلقي العروسة اللي تنور بيتك وحياتك يا صالح."
"صالح بتعب وزهق من موضوع الجواز: ماما بالله عليك أنا تعبان مش وقته خالص."
"لكن صحيح... هي؟"
"في..."
"يعني..."
في نفس الوقت الباب اتفتح وجلال دخل هو وإيمان.
"إيمان بسعادة: صالح... حمدلله على السلامة. قولي حاسس بإيه... وحشتني يا روحي."
"صالح حط إيديه على الجرح وهو بيضحك بخفة: وأنتي كمان يا قلبي."
"إيمان: خلي في علمك أول ما تخرج من هنا هتاخدني السينما. أنا بقولك أهو في فيلم إنجليزي هيتعرض قريب في السينما لازم نشوفه سوا."
"صالح بحدة وغيره وتعب ووجع مؤلم: أه عشان يحصل زي المرة اللي فاتت... وشوية شباب يفتكروكي حبيبتي ويعاكسوكي... مفيش روحة سينما."
"إيمان بابتسامة: يعني أنت سكتت ليهم؟ ما أنت كسرتهم وأخدوك القسم أنت وهم ولولا إنك أثبت إنك أخويا وكنت بتدافع عني كان زمانا بيتين في القسم."
"صالح بإرهاق: يستاهلوا... اللي يحاول يقرب منك يبقى... جني على نفسه."
"جلال ابتسم وهو بيبص لأولاده: حمد الله على السلامة يا صالح."
"صالح باحترام: الله يسلمك يا حج."
"جلال بجدية: حياء خدي إيمان واخرجوا عايز أتكلم معاه شوية في موضوع."
"حياء: جلال أرجوك مش وقته."
"جلال بحدة: حياء... يلا."
حياء بصتله بغضب وخرجت ووراها إيمان. ابتسم وهو شايف غضبها.
صالح ضيق عينيه وهو بيحط إيديه على الجرح.
جلال قعد على الكرسي جانبه وهو بيربت على صدره بحب.
"ليه كدا يا بابا؟ زعلتها."
"جلال بابتسامة: أمك مبتعرفش تزعل مني وبعدين أنا عارف أصالحها إزاي... المهم دلوقتي مين دول؟ وإزاي حصل... تفتكر مين اللي عمل كدا؟"
صالح حاول يعتدل في جلسته لكن أطلق أنة متألمة.
جلال قام بسرعة عدل المخدة وراه وبحدة وخوف: "بتعمل إيه؟ أنت لسه خارج من عمليات الجرح ملمش... أنا هطلب الدكتور."
"صالح مسك إيديه قبل ما يخرج وبهدوء: مفيش داعي أنا كويس. لو خرجت والدكتور جه ماما هتقلق."
"جلال: هتقدر تتكلم؟"
"صالح: أنا شفت واحد منهم وكان هيتكلم... لكن... ماخدتش بالي منه وهو بيطلع السكينة وطعني. مش فاكر أي حاجة بس... في حد... مش عارف بس شفت كأن في بنت بتعيط. مش فاكر مش قادر أجمع بس حاسس إنه من عقلي الباطن. إيه اللي هيجيب بنت المخزن في الوقت دا؟"
جلال فهم إنه قاصده على زينب لكن لم يعلق.
"الظابط هيدخل دلوقتي واكيد هيسألوك على الواد اللي شوفته وأنت هتديهم مواصفاته. لكن مين من مصلحته إنك تتأذى؟ مين عايز يبعدك عن الشادر؟"
صالح بص لجلال بتفكير وسكت.
"متقلقش عليا يا حج أنا هعرف أجيب حقي من حبايب عينيهم وهيدفعوا التمن غالي."
"جلال بجدية: صالح لو عارفهم قولي هم مين."
"بص يا ابني... كلمة حطها حلقة في ودنك واحفظها زي اسمك في حياتك... الفلوس يعني شيطان... الفلوس ممكن تخلي الدنيا غابة... وعشان الفلوس ممكن الناس يبقوا حيوانات في الغابة دي وناس معندهمش إيمان ولا دين وممكن ينسوا آدميتهم. صدقني يا صالح بسبب الفلوس والكراهية أمي الله يرحمها كانت سبب في قتل جدك الحج شريف الهلالي... وزي ما ديننا بيقول: احفظ الله يحفظك... احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فسأل الله... وإذا استعنت فاستعن بالله... أو عي يا ابن آدم تغرك الدنيا ومتعها... فهميني يا صالح... أو ع تخلي الفلوس كل اهتمامك... افتكر إن الحياة لحظة واحدة وفي أي لحظة ممكن تقف وتنتهي."
"صالح ابتسم وهو بيهز راسه بمعنى فاهم: إن شاء الله خير يا حج. متخافش عليا أنا ابنك وعمري الدنيا ما هتاخدني من نفسي ولو حصل صدقني تربيتك ليا هترجعني للطريق الصح وكفاية دعواتكم لينا."
"جلال: برضو مش هتقولي هم مين؟"
"صالح بجدية تليق به: معلش يا حج أنا اتعلمت إني أتحمل المسئولية للنهاية وكل واحد هيحاسب على مشاريبه وهي عرفوا حجمهم بس أخرج من هنا."
في ممر المستشفى.
إيمان كانت ماسكة علبتين عصير. بصت في آخر الممر. يوسف كان واقف في آخر الممر بيتكلم في الموبايل. راحت ناحيته. كانت واقفة وراه وهي سامعة بيتكلم.
"يوسف: حنين اهدى... أنا راجع كمان كام يوم. أكيد مش هفضل هنا وأسيب المشروع في نصه... أسبوعين واكون عندك. حصل شوية ظروف."
إيمان ضغطت على إيديها بقوة وهي بتبعد.
يوسف بص وراه شافها وهي ماشية. اتأكد إنها سمعت المكالمة.
"يوسف: إيمان... إيمان."
كانت بتمشي بسرعة وهي بتلعن اليوم اللي اتولدت فيه.
يوسف بسرعة جري وراها مسك إيديها بقوة.
"مش بنادي عليكِ..."
إيمان بصتله وبدون تفكير زقته بكل قوتها بعيد عنها وبغضب: "اوعى تفكر إنك تقرب مني بعد كدا يا يوسف. أنت إيه يا أخي... جبان... أيوه يا يوسف جبان. من مشكلة بسيطة سافرت وسيبت مصر. أقولك أنت إيه... عديم المسئولية. حقيقي أنا ندمانة إني عرفت واحد زيك. لا يمكن تكون تربية الشهاوي. إيه يعني أمك تتجوز؟ إيه يعني هي طلقت من أبوك من زمان من قبل دخوله السجن؟ أمك في الواقع عمرها ما حبت أبوك ودا حقها والتوقيت حتى لو كان غلط فهو حرية اختيار ودي حاجة تخصها حتى لو هي كبرت دا حقها. أنت مين عشان تمنعها؟ أنت جيت من لندن وبتلومني أنا عشان اتخليت عن حلمي بس عايزة أقولك أمك كمان غبية. لو تعرفني كويس عمرك ما تتخيل إني ممكن أتخلى عن حلمي. أنا يا أستاذ عملت حادثة من كام شهر بعد التخرج وإرادة ربنا إن يبقى عندي مشكلة في استخدام إيدي ولأن حلم إني أكون جراحة حلم سامي أنا هفضل وراه لحد ما أتعالج وأقدر أكون البنت اللي أهلها فخورين بيها. اوعى تفتكر يا يوسف إن عمي أيوب لو عايش كان هيفتخر بيك... بالعكس أنت هربت. إيه يعني مهندس ناجح في مصر؟ شباب كتير جدا يمكن من في مراكز مهمة لكن رجالة بجد وأنت متعرفش يعني إيه رجولة."
"يوسف بغضب وصوت عالي: إيمان مسمحلكيش."
"إيمان بسخرية: وجعتك الكلمة؟ لا بجد برافو... أنت قررت تعيش حياتك بعيد عن بلدك وتنجح برا بجد برافو. أنت مهندس شاطر وأنا باتمنالك التوفيق بس اطلع برا حياتنا يا يوسف برا حياتنا ومترجعش تاني لأنك بجد أناني. واحد غيرك بعد كل السنين دي كان مفروض أول واحدة يروح يخطبها هي أمه. لكنك أناني حرمت عليها حاجة ربنا حللها ليها... أنت مين أنت عشان تحرم وتحلل... روح يا يوسف بوس إيد أمك واطلب رضاها واوعي تعاتبها على اختيارها دا. اختك نيران... البنت معملتش اللي أنت عملته. ربنا يهديك... بس لما تسافر برا وترجع تاني متنتظرش مننا إننا نرحب بيك. ارمي نفسك في حضن الشغل. ارمي نفسك بين أحضان الحياة هناك. تجاهل أمك وانسى إيمان... انسى يوسف اللي أنت بتحاول تقتله. يوسف اللي أنا أعرفه. دوس عليه أكتر واكتم صوته."
كانت بتتكلم بثقة وهي بتبكي. تعبت خافت عليه. مسحت دموعها ومشيت. وهو واقف كل كلمة قالتها بترن في ودانه.
حياء شافت الموقف كله لكن كانت عارفة إن كل واحد فيهم محتاج يكون لوحده يراجع نفسه.
بتدبر لقيت جلال في وشها. بصتله بضيق بتديله ضهرها وبتمشي. لكن بيحاوطها وهو بيجذبها لحضنه.
"حياء: جلال أنا متضايقة وخايفة على الولاد."
أخد نفس عميق وهو بيجذبها أكتر لحضنه بيربت على ضهرها بهدوء كأنه بيطمنها.
"طبيعي يا حبيبي طبيعي تخافي عليهم بس هما برضو مش صغيرين وكل واحد فيهم قادر إنه يدير حياته... سيبها على الله. إيه رأيك نخرج نتمشى شوية على البحر؟"
"حياء بسرعة: طب وصالح؟"
"جلال بابتسامة: متخافيش عليه هو دلوقتي بيرتاح. لأن شوية وهياخدوا أقواله."
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن 8 - بقلم دعاء احمد
زينب وصلت البيت بتعب وإرهاق، كانت حاسه بثقل غريب على قلبها وكأنها مش قادرة تتنفس. فتحت الباب ودخلت وهي متوترة.
رمت المفتاح على الكنبة، فكت حجابها، فكت شعرها. غمضت عينيها وهي بتسند دماغها على المسند وراها وهي بتضم نفسها.
لكن شكل صالح وهو بينزف مش بيفارق خيالها، كانت خايفة. كانت تتمنى لو تطمن عليه، هي متعرفوش، لكن اللي بتسمعه عنه وعن أخلاقه يخلي أي حد يدعيله إنه يكون بخير.
أخدت نفس عميق وهي بتقوم، راحت أوضة والدها الحج منصور. دخلت الأوضة، راحت ناحية الشباك فتحته.
منصور كان قاعد على السرير، بصلها وهي بتبص للسماء وساكتة.
"كنتي فين يا زينب؟ بتخرجي من ورايا؟"
"أنا آسفة، بس حصل شوية لغبطة في الشغل. حقك عليا يا بابا، مش هتتكرر تاني. بس حقيقي أنا تعبانة أوي ومحتاجة آخد دش وأنام شوية."
"ماشي يا زينب، بس كلامنا مخلصش."
"بعد إذنك."
قامت راحت أوضتها، أخدت شاور ونامت وكأنها منمتش من سنين طويلة.
***
صالح كان بيفكر في العيون اللي شافها وإزاي سحرتله. يمكن ملامح البنت مش واضحة، مشوشة، لكن الدخان في عيونها مميز يخليه يفكر فيها.
أتنهد بارهاق من التفكير وهو بيمرر إيديه في شعره الأسود: "مش عارف إيه الهبل اللي بفكر فيه ده. دلوقتي... لازم أفكر في ابن الـ*** اللي عمل كدا. و**ب والله العظيم يا شاكر الـ*** لادفعك التمن."
بص حواليه يشوف الموبيل بتاعه، لكن مكنش موجود.
في الوقت ده الباب اتفتح ودخلت شهد ونيران وياسمينة بنت شهد.
"صالح، إنت كويس؟ أخبارك إيه؟"
"أنا بخير الحمد لله. وحشتيني يا عمتي، إزيك يا نيران؟ ياسمينة أخبارك إيه؟"
"كلنا بخير، حمدلله على سلامتك يا شبح. قلقتنا كلنا عليك يا صالح. حمد الله على السلامة."
"الله يسلمك. بقولك يا عمتي، هو موبايلي فين؟"
"مش عارفة. وبعدين جلال وحياء فين؟ مش شايفهم."
"أكيد خرجوا يتمشوا على البحر. زي عادتهم."
"صالح، إنت بجد كويس؟"
صالح ابتسم وهو بيبصلها، هي بالرغم إنها أكبر منه بعشر سنين، لكن بيعتبرها أخته الصغيرة: "متخافيش يا نور، أنا الحمد لله جر**ح بسيط."
"خالص، خلونا نسيبه يرتاح. شكلك عايز تعمل مكالمة مهمة، خد موبايلي."
صالح أخد الموبيل وهم خرجوا.
كلم علي صاحبه وقاله يجيله دلوقتي حالا.
بعد ربع ساعة كان قاعد معاه والاتنين بيتكلموا.
"بس أكيد مش شاكر بس اللي عمل كدا، وأكيد في حد كلفه بالموضوع. والحد ده أكيد شخص تاني بيكر**هك. لكن إنت بتقول إن الشخص اللي شفته أول مرة أشوفه، فـ أكيد اللي شاكر كلفه بالموضوع هو اللي جاب العيال دي عشان ينفذوا."
صالح كان حاسس بالألم فظيع، وخصوصاً إنه لسه خارج من عمليات ومش را**حم نفسه: "اللي... اللي يهمني... دلوقتي هو شاكر... شاكر وفريد ورحيم، التلاتة دول أكيد... أكيد هما اللي ورا اللي حصل."
صالح بارهاق: "شاكر بعد ما زود الأسعار على التجار وقلل أجر الصيادين، كان لازم حد يوقفه عند حده، لأن اللي بيعمله ده اسمه افتراء. وهو واللي زودا الأسعار خسروا كتير بعد ما إحنا ثبتنا أسعارنا أرخص منه، والكل بقى في صفنا، حتى الصيادين سبوه. هو الوحيد المستفيد من إني أمو**ت وأختفي من طريقه، وخصوصاً إننا كسبنا كل اللي في الشادر لصفنا. وهو دلوقتي عليه ديون كتير."
"طب ناوي على إيه؟"
"عايزك تعرف لي الديون اللي عليه تتقدر بكم ولمين؟ ولو في الفترة الأخيرة كان بيقعد مع حد تبعي. ولو في حد سأل على حالتي في الاستقبال تعرفي هو مين. كل التفاصيل تكون عندي يا علي في أقرب وقت."
"تمام..... بس ممكن البنت دي بالذات تكون شافت اللي عمل كدا؟ وممكن وهي داخلة المخزن شافت أي حد منهم؟"
"بنت مين؟"
"البنت اللي جت المخزن وإنت فاقد الوعي، وهي اللي كانت بتحاول توقف النز**يف وطلبت الإسعاف."
صالح انتفض وهو بيحاول يعتدل في قعدته، لكن صر**خ بألم من الوجع ودم على ملابسه.
"اهدا يا صالح، في إيه. الجر**ح فك، هطلب الدكتور."
بعد ثواني دخل الدكتور وبص لصالح بغضب، لكن ميقدرش يتكلم.
"هي مين؟"
"في إيه يا صالح. أهي بنت والسلام. واحدة من اللي شغالين في المصنع. لو الحج جلال جه وعرف اللي بيحصل مش هيحصل كويس. ارتاح يا ابني ولما تخف ابقى أعمل اللي انت عايزه."
صالح استغرب نفسه، لأن دي أول مرة يتصرف بالشكل ده. غمض عينيه وهو بيمرر إيديه على وشه.
مر أسبوع بكل اللي فيه من قسوة وعتاب وحزن وحب وجع قلوب اتعلقت في الهوى.
إيمان كانت متجاهلة يوسف تماماً لدرجة إنها بتعدي من جانبه وكأنها مش شايفة.
يوسف بيفكر في كلامها كل يوم، كل دقيقة، لكن مع ذلك بيجهز لسفره تاني بعد أسبوع.
صالح هيخرج من المستشفى.
زينب رجعت تشتغل في المصنع وتكمل عادي، لكن المرة دي مفيش بنت تقدر تجيب في سيرتها بكلمة واحدة، وخصوصاً إن دلوقتي جلال الشهاوي بنفسه موصي عليها إن محدش يضايقها بعد ما ساعدت ابنه.
حياء وجلال حياتهم مستمرة مع أولادهم، وهو بيتابع علي واللي بيعمله وبيعرف منه اللي صالح بيخطط له، لأنه زي أي أب لا يمكن يسيب ابنه في دوامة الخطر بدون ما يكون في ضهره.
"ليجي مرعوب إن جلال الشهاوي يعرف إنه هو اللي وز على ابنه البلط**جية، بعد عن زينب مؤقتاً لأنه مش حمل إنه يقع في مشاكل هو مش قدها."
في مصنع الشهاوي للأقمشة.
العمال كانوا بينقلوا القماش من المصنع للعربيات برا عشان يوصلوها للوكالة.
زينب ونورهان كانوا خلصوا شغل وخلصوا ماشيين.
"زينب، الحج جمال عايزك في مكتبه."
"أنا؟"
"أيوه، انجزي."
زينب مشيت وراها وراحت مكتب جمال.
"ادخلي يا زينب."
"هو في حاجة؟"
"لا، أبداً. بس جلال طلب مني أسلمك الظرف ده أوصلهولك."
"ظرف إيه؟"
قالتها وهي بتاخد الظرف وبتفتحه، لكن فتحت بوقها بصدمة وهي بتبص للشيك: "ميتين ألف جنيه؟ ليه؟"
"دي أقل مكافأة ليك بعد اللي حصل. إنت متعرفش صالح غالي عندنا إزاي."
زينب وهي بتحط الشيك على المكتب: "أنا آسفة يا حج جمال، مش هقدر آخد المبلغ ده. اللي عملته كان بحسن نية وأنا مكنتش منتظرة مقابل. بشمهندس صالح مهم عندنا كلنا، والحج جلال خيره سابق، كفاية إنه زود مرتبى ومطردنيش من هنا. لكن أنا مش هقدر آخد الشيك ده. أنا متشكره جداً، أنا مش محتاجة."
"بس..."
"معلش يا حج جمال، أنا مش هقدر أقبل المبلغ ده. أنا معملتش حاجة عشان أستاهل المبلغ ده."
ثم تابعت بتوتر: "هو بشمهندس صالح أخباره إيه؟"
"بخير يا زينب، بخير. هيخرج النهارده من المستشفى."
زينب ابتسمت بسعادة: "مش مهم ليه، المهم إنها اطمنت. إن شاء الله خير، بعد إذنك."
مشيت ورجعت البيت وهي مرتاحة، كان نفسها تطمن واطمنت.
***
في بيت الشهاوي.
دخل صالح وهو ماسك في إيد جلال بيسنده.
إيمان دخلت أوضته، عدل السرير له. قعد وبص لأمه باستغراب، حاسس إن في حاجة مخبينها عليه.
"في إيه؟ شكلكم بيقول إنكم عايزين تقولوا حاجة."
"أصل شروق بنت الحج عثمان اتصلت تطمن عليك."
"آه، وإيه تاني؟"
"نخطبهالك. البنت جميلة، مثقفة، ذكية. ومن صوتها في الموبيل بيقول إنها قلقانة عليك. من عيلة كويسة، وكفاية إن أبوها وأبوك اشتغلوا سوا وعارفين بعض. والصراحة الجماعة جايين النهارده يطمنوا عليك."
"ماما، من امتى وإنتوا بتتصرفوا بالنيابة عني في حاجة؟ لا وكمان جواز. صلاة النبي أحسن."
"عليه أفضل الصلاة والسلام يا عم، براحة. إحنا بس عايزين نفرح بيك وشايفين إن البنت دي مناسبة ليك. وبعدين زيارة النهارده مالهاش علاقة بيك، ناس جايين يطمنوا عليك، نقولهم لأ؟ دي حتى متبقاش أصول."
"ماشي، أما نشوف آخرتها."
إيمان انسحبت من بينهم ونزلت. يوسف كان طالع، عدت من جانبه وكأنها مش شايفة. فضل واقف وهي بتبعد وبتختفي.
قعد على السلم وحط إيديه موضع قلبه وهو حاسس بوجع، يمكن لأن البنت دي صح في كلمة وكل تصرف عملته وبتعمله. هو اللي حبس نفسه جوه صندوق ضلمة اسمه الهروب والبعد، وهي بمجرد ما قربت شعاع نور من حياته دفعها بقوة بعيد عنه، أجبرها تخرج من حياته.
***
بعد ساعة، حوالي الساعة تمانية.
كانوا قاعدين على السفرة كلهم والضيوف.
"وإنتي بتدرسي إيه يا شروق؟"
"في كلية علوم."
جلال بص لصالح اللي بياكل بلامبالاة وكأنه مش شايفها.
"بس يا حج عثمان، ليه سبت المناقصة الأخيرة؟ أنا سمعت إنك كنت هتاخدها بسعر مناسب جداً وغير كدا مش هتكون خسران."
شروق غر**زت السك**ينة في قطعة الاستيك بغضب وهي شايفه بيتكلموا في الشغل، ومامتها قاعدة جانبها بتبص لعثمان بغضب لأنه اندمج مع صالح وجلال ونسي الموضوع الأهم وهو جواز شروق وصالح.
حياء كانت بتفتح مواضيع، بس حسيت إن شروق وأمها مش شبههم. يمكن متصنعين، بيحاولوا يكونوا مثاليين بكل التفاصيل، لكن لما حد يحاول يظهر مثالي اعرف إنه مش كدا أبداً. يمكن بيخفي حقيقة وراء طريقته دي.
حتى جلال وحياء بالرغم حبهم الكبير، إلا إن في مشاكل عادية زي أي بيتبعدوا فترة في الصالون.
"بجد تسلم إيدك يا مدام حياء، أنا ما أكلتش كدا من زمان."
"ده من ذوقك."
"تعرفي شروق بنتي بسم الله ماشاء الله عليها بتعرف تعمل كل الوصفات، واتعلمت وصفات المأكولات البحرية اللي كنتي بتعمليها في المطعم بتاعك. والله ده من حظه اللي هيتجوزها. مش زي بنات اليومين دول اللي مبيعرفوش يسلقوا بيضة."
"ما شاء الله، ربنا يبارك فيها. بس مش كل البنات بتكون بتعرف تطبخ قبل الجواز. أنا نفسي كنت من البنات اللي مبيعرفوش يسلقوا بيضة. المهم يكون عندها نية إنها تحافظ على بيتها وجوزها، ولو فعلاً عندها هتقدر."
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع 9 - بقلم دعاء احمد
في المستشفى
زينب بتفتح الستارة في أوضة والدها وهو نايم. ابتسمت وهي بتدور وبتبصله. كانت قالعة الحجاب لأنهم في الأوضة لوحدهم. كانت جميلة، جمالها هادي. بنت قمحاوية، بشرتها هادية، عيونها كأنها غايمة من الدخان. رفيعه، ابتسامتها بسيطة زي أحلامها.
زينب برقة وهي بتقعد جنبه وبتمسك إيديه:
حمدلله على السلامة يا حبيبي. كدا تخضني عليك يا حج منصور. قلبي كان هيقف. هونت عليك تخوفني كدا.
منصور بارهاق وابتسامة بسيطة:
عمرك ما تهوني عليا يا زينب. بس نعمل إيه، إرادة ربنا. قولتيلي يا زينب دفعتي مصاريف العملية منين؟ انتي كان لسه فاضل مبلغ مش معاكي.
زينب بهدوء:
الصراحة مش أنا اللي دفعتهم. صالح ابن الحج جلال الشهاوي. هو حصل حاجة كدا. بس هو انت تعرفه منين؟ أنا استغربت لأنه كمان اتبرعلك بالدم وهو يعني كان لسه تعبان.
منصور بتعب:
الحج جلال كان معرفة قديمة وصالح ميتخيرش عنه. ربنا يبارك لهم فيه. هما ناس طيبين يستاهلوا كل خير.
زينب:
بس أنا خالص، جمعت الفلوس وهرجعاله. إحنا مش مستنين منهم صدقة. أنا الحمد لله قدرت أجمع الفلوس.
منصور بشك:
منين يا زينب؟
زينب بارتباك واضح:
مش مهم يا حج. الحمد لله الفلوس معايا دلوقتي وهرجعله حقه ويبقى كتر خيره أوي كدا.
منصور:
انتي بعتي الدهب بتاعك؟
زينب بلعت ريقها بصعوبة:
أنا آسفة. أنا كنت مضطرة. بس إن شاء الله هعرف أشتري غيره بعدين. وانت عارف إني كنت اشتريته بس عشان سعر الدهب بيزيد كل يوم. وأهو جه وقته إنه يتباع.
منصور:
بس انتي... انتي كنتي فرحانة أوي لما اشتريتيهم. وبعدين دا من تعبك وشغلك.
زينب بابتسامة وهي بتبوس إيديه:
مش مهم عادي يعني. بكرة أقدر أشتغل وأشتري أحسن منهم. وبعدين مفيش حاجة تغلى على حضرتك. الدكتور قال إن لازم تفضل هنا كم يوم. أنا حجّزت الأوضة لحد ما تخرج إن شاء الله بالسلامة. أنا هروح دلوقتي الشغل وكم ساعة وأرجع وهتابع مع الممرضة. يالا عايز مني حاجة.
منصور بحب أبوي:
ربنا يحفظك ويبارك فيكي يا زينب. روحي يا بنتي ربنا يرزقك ب ابن الحلال اللي يريحك من الشغل وهمه. ياما نفسي أفرح بيكي وأشوفك عروسة زي القمر.
زينب ابتسمت بسخرية من فكرة إنها ممكن تتجوز أي حد كويس لأن مفيش حد سأل عليها إلا وعرف إنها مش بنت منصور وإنه هو اللي رباها هو ومراته المتوفية.
خدت حجابها وظبطت شعرها لأنه طويل جداً. لمته ولفّت الحجاب وخرجت.
سلام يا حجوج.
خرجت من المستشفى. طلعت على البريد سحبت الفلوس. خمسة وعشرين ألف جنيه. وكان معاها في الشنطة عشر آلاف جنيه. وصلت الشادر وهي بتبص لكل مكان بهدوء. بلعت ريقها بصعوبة وهي شايفة مليجي واقف مع شخص عند حلقة السمك بتاع الشهاوي. دخلت الحلقة. على أول ما شافها ابتسم وراح ناحيتها.
على:
أنِسة زينب إزيك؟ أومري، شرفتينا.
زينب بابتسامة ثقة:
إزيك يا بشمهندس علي. أنا بخير الحمد لله. لو سمحت كنت عايزة أقابل بشمهندس صالح.
على:
صالح؟! انتي عايزاه في حاجة؟
زينب بجدية:
موضوع كدا. هو هنا.
على:
أيوه. اتفضل.
خبط على الباب. صالح كان فاتح ملف. لابس نضارة قراءة.
على بجدية:
صالح. زينب منصور عايزة تقابلك.
صالح:
زينب؟! دخّلها.
دخلت بهدوء وتوتر. خوف لكن ثقة.
صالح بصّلها باستغراب وجدية:
اتفضلي اقعدي.
قعدت وهي مشابكة صوابع إيديها في بعض.
أفندم؟ عايزة فلوس.
زينب رفعت وشها له بإحراج. كلامه جرحها. كأنها بتشحت منه. عيونها لمعت بالدموع. نفس النظرة اللي كانت في عيونها أول مرة شافتها وهو بينزف.
صالح حس فعلاً في اللحظة دي إن شكه كان في محله وإنها نفس البنت.
زينب بقوة وكبرياء عكس الأنقاض بداخل روحها:
متشكرة يا بشمهندس. أنا مش جايه أشحت من حضرتك. كتر خيرك على اللي عملته معايا أنا وأبويا. بس أنا جيت أردلك حقك وأقولك ألف شكر على اللي عملته معايا. ودي الفلوس اللي حضرتك دفعتها بمصاريف الأوضة والعملية.
حطت الفلوس على المكتب. كانت ماشية لكن قاطعها بحزم.
قلتلك مبقبلش العوض.
زينب بدموع غصب عنها نزلت:
بس دا حقك. أنا مش جايه أشحت منك حاجة. شكراً مرة تانية بعد إذنك.
خرجت من المكان وهي بترمي ورا ضهرها كعادتها. هي سمعت كلام أسوأ من كدا ألف مرة. لكن تحاملت على نفسها واستمرت في حياتها.
على:
ليه كدا يا صالح؟ حرام عليك. هو دا جزاتها إنها ساعدتك. على فكرة البنت دي هي اللي ساعدتك يوم المخزن. ولأنها عندها كرامة جت عشان تردلك الفلوس دي. اللي أنا معرفش هي بتاع إيه. بس هي كان ممكن تقبل الشيك اللي الحج جمال عرضه عليها بعد ما أنقذتك. لكن هي رفضت وقالت إنها مكنتش مستنية مقابل. وانت دلوقتي جرحتها عشان مبلغ تافه زي دا.
صالح بجدية وحيرة:
اخرج دلوقتي يا علي.
***
في بيت إلهام
الباب خبط بهدوء وكأن الشخص اللي وراه مرتبك وخايف.
إلهام:
حاضر. ثواني جايه أهو.
فتحت الباب لكن انصدمت فعلاً وهي شايفة يوسف واقف. قربت منه عشان تحضنه لكن رجعت خطوة لورا بخوف إنه يرفض حضنها.
إلهام بارتباك وحزن:
اتفضل يا يوسف.
دخلت وهي بتفرك في إيديها بتوتر وهو وراها. كانت كل كلمة إيمان قالتها بترن في ودانه وهي عندها حق. قعد على الأنتريه والهام جانبه بتبصله باشتياق ورغبة قوية في إنها تحضنه.
يوسف بهدوء وتوتر:
إزيك يا ماما؟
إلهام بابتسامة وعتاب:
ماما. يااااه يا يوسف. أخيراً نطقتها. عارف بقالي قد إيه مسمعتش الكلمة دي منك من ست سنين يوم ما قررت تسافر. بس عندك حق. أنا غلطت لما روحت اتجوزت. أنا...
يوسف بندم:
أنا آسف. أنا اللي غلطت. أنا... أنا خفت من كلام الناس وفجأة قررت أهرب وأسيب البلد. قلت فرصة كويسة للشغل و تبعد عن وجع القلب اللي هنا. أنا كنت ضايع وضعيف. انتي مغلطيش. ربنا حللّك الجواز وأنا أنا اللي غلطت في حقك. بس أنا تعبت يا أمي. تعبت من البعد. أنا وحشني حضنك. يمكن حياء ربتني وكبرتني، لكن مفيش قوة تمنع اشتياقي ليكي. أنا حاسس بالضياع. أنا حرفياً حاسس إن في جبل بيقع عليا ومعادش قادر أقاويم ولا أجري وأبعد. انتي وحشتيني أوي. وحشتيني أوي.
إلهام كانت بتعيط. يمكن عشان هي سبب في ضياعه دا. هي غلطتها الحقيقية إنها بعدت عن أولادها وسابتهم. يمكن نيران تخطت الموضوع وخصوصاً لما اتجوزت وانشغلت بحياتها. لكن يوسف كان عنده سنتين لما هي سابته.
إلهام بدموع:
حقك عليا. أنا غلطانة وأستاهل ضرب الجزمة. بس خليني أحضنك. وأديني فرصة تانية أقدر أعوضك عن السنين اللي فاتت يا يوسف.
يوسف دموعه نزلت وهو بيحضنها بقوة باشتياق ووجع. كانوا بيبكوا سوا بانهيار. أم وابنها عاشوا سنين كل واحد في كهف أفكاره وخاف من شعاع النور. لكن إيمان دخلت حياته وحببته في النور من تاني.
يوسف بدموع قاهرة:
كنت محتاجك أوي يا أمي. أوي. كنت خايف ودايماً أتمنى أحضنك. بس خلاص مش هسيبك تاني. هنسافر سوا لندن.
إلهام بصدمة:
هتسافر تاني؟
***
إيمان خبطت على باب أوضة جلال بارتباك.
إيمان:
بابا ممكن أدخل؟
جلال بابتسامة:
ادخلي يا إيمان.
فتحت الباب ببطء. دخلت. جلال ابتسم أول ما شافها.
إيمان بسعادة:
عندي خبر حلو.
جلال:
أيوه كدا، فرحي قلبي.
إيمان بترفع إيديها وبتحركها بثقة.
جلال قام وقف وابتسم:
الدكتورة قالت إن كم جلسة كمان وأقدر أتحكم في إيدي زي أي حد طبيعي. والرعشة بقالها مدة طويلة مش بتجيلي. اااااااه.
جريت حضنته وهي بتضحك كأنها كسبت الميدالية الذهبية.
جلال بسعادة وثقة:
كنت متأكد إن ربنا مش هيضيع تعبك. إن شاء الله هتمي علاجك في أقرب وقت. وأول جراحة ليكي هكون معاكي.
حياء كانت داخلة الأوضة سمعت الخبر ضحكت بخفة وهي بتروح عندها بتحاوط وشها بين إيديها بحنان.
حياء:
الف مليون مبروك يا حتة من روحي.
إيمان بحماس:
الجراحة. إيمان جلال الشهاوي وبنت حياء شريف الهلالي. أخيراً. أخيراً يا رب.
الاثنين حضنوها بسعادة لأنهم أكتر حد عارفين هي تعبت قد إيه عشان تدخل الكلية وتنجح فيها.
إيمان بهمس وهي في حضنهم:
انتوا أعظم هدية ربنا قدملي. أنا حقيقي محظوظة بيكم.
جلال بص لحياء وغمزلها بابتسامة جميلة.
***
في الشادر
على:
مش عارف ليه يا صالح بس حاسس إن العيال اللي سلموا نفسهم للبوليس مش هما اللي عملوا كدا. وإن اللي حاول يقتلك كان قاصد مش مجرد سرقة. وأكيد في حد دفع لهم عشان يعملوا كدا. على العموم دي كل الشيكات اللي على شاكر. لو استسلمت للبوليس بكرة الصبح هيعلن إفلاسه. صالح... صالح... انت فين يا جدع؟
صالح بصّله باستغراب لأنه تقريباً مسمعش اللي قاله. يمكن مش شايف غير دموعها اللي نزلت من عيونها بسببه.
صالح:
أنا همشي. سلام.
على:
مالك يا صالح؟ متغير من الصبح.
صالح بضيق:
مفيش. سلام. ابقى اقفل انت.
خرج من المكان وهو شارد ومش مركز.
في بيت زينب
حوالي الساعة اتناشر. كانت رجعت من المستشفى بعد ما اطمنت على أبوها وإنه خلال كم يوم يقدر يرجع البيت. حاولت تنام لكن مكنتش عارفة بسبب كلامه وطريقته معاها. قامت بضيق قعدت على السرير وربعت.
زينب:
روح يا صالح اللهي تنشك في قلبك يا بعيد. روح اللهي تتعذب ومتعرفش طعم النوم بقى بعد هدت الحيل دي كلها في الشغل. كمان بتنطلي في أفكاري. طب سبني أنام والصبح أبقى أفكر فيك. آه يا دماغي. مفيش غير إني آخد منوم ما أنا كدا مش هعرف أتخمد.
قامت بتدور على حبوب منوم لكن اتفزعت وهي سامعة صوت شباك أوضة والدها كأنه اترزع بقوة. كان في حد هزّه بقوة. مشيت ببطء وهي رايحة ناحية الأوضة. أول ما دخلت كوباية المية اللي في إيديها وقعت وهي شايفة الشباك مفتوح وحد بيكتم صوتها بسرعة جداً. وسعت عيونها بصدمة ورعب لكن مش عارفة تصرخ أو تفلت.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل العاشر 10 - بقلم دعاء احمد
دخلت زينب أوضة والدها لكن خافت، لأن الشباك كان مفتوح. ولأنهم في الدور التاني، ممكن أي حد يطلع على المواسير. لكن قبل ما تاخد أي ردة فعل، حد بيكتم نفسها وبيقيّد حركتها. وسعت عينيها بخوف، والرعب اتزرع جوا قلبها وهي بتحاول تفلت.
حست بأنفاس قريبة جداً منها، على شعرها، قريب من رقبتها. ريحة العطر تسللت لأنفها، وهي عارفة الريحة دي كويس. نفس عطر مليجي.
مليجي بخبث وشيطانية:
والله ووقعت الدبيحة تحت إيد الجزار. قلتلك مش هسيبك يا زينب.
تابع وهو يستنشق رائحة شعرها الأسود:
مكنتش أعرف إنك جميلة كدا يا زوبا. شعرك طويل أوي، بس أنا مش بحب الشعر الطويل. بس أوعدك لما نتجوز هقصهولك.
زينب كانت بتحاول تفلت بكل قوتها. وبدون لحظة تفكير، ضربته برجليها وبمؤخرة راسها في أنفه، وهي بتعيط من الخوف. جريت وهو وراها، بيمسكها من شعرها بعنف.
صرخت من الوجع.
مليجي بغضب:
توتو، متفكريش إنك هتهربي النهارده.
زينب بخوف ووجع:
مليجي، انت اتجننت. حرام عليك مش عا... اااهه.
صرخت وهو بيشدها من شعرها وبيشدها لأحد الغرف. لكن بتمسك إيديه اللي قابضة على شعرها وبتزقه. لكن من قوة قبضته على شعرها، خصلات منه وقعت في إيديه.
مليجي صرخ بصوت عالي يستنجد بأي حد. لكن العمارة دي قديمة، ومافيش غير الجيران اللي في الخامس. وصبح سافروا بنها عند قريبهم. وطبعاً مليجي استغل الفرصة.
جرت على أوضتها. ومليجي وراها. بتحاول تقفل الباب، لكن بيحط رجليه عشان متعرفش تقفله. وهي بتزق الباب بقوة.
داست على رجليه بسرعة. سحب رجليه لأنه بتدافع عن نفسها بكل قوتها. قفلت الباب بالمفتاح. عيونها كانت حمرا، وشها عرقان، وشعرها مشعث بفوضوية. نبضات قلبها سريعة جداً لدرجة إن قلبها على وشك إنه يقف من تسارع النبضات. بتبص للباب برعب، وهو بيزقه عشان يكسره.
جريت على شنطتها، أخدت الموبيل. وإيديها بتترعش من الخوف. بدون إدراك، رنت على الرقم اللي إيديها جت عليه، وكان باسم حياء الهلالي. (حياء ادت رقمها لزينب يوم حادثة صالح).
في بيت الشهاوي.
حياء بصت في الساعة بتوتر، لأن صالح لسه برا والوقت اتأخر. وهي بتخاف لما يتأخر بسبب الحادثة. بصت لجلال، كان نايم. اتنهدت بضيق، وهي بتاخد موبايلها بترن على صالح، لكن مفيش رد.
لكن قبل ما تسيب الموبيل، رقم رن عليها باسم زينب. استغربت إن ممكن ترن عليها في وقت زي دا. لكن ردت.
حياء:
ال...
لكن قبل ما تكمل، سمعت صرخة قوية وصوت حاجة بتنكسر. اتنفضت من مكانها برعب وقامت من على السرير.
حياء:
زينب... في إيه؟
في بيت منصور.
مجرد ما حياء ردت، مليجي كان ماسك كرسي وخبطه في إزاز الباب. الإزاز وقع على الأرض. زينب صرخت وهي بتدور على أي حاجة تنقذ بيها نفسها. الموبيل وقع من إيديها.
كانت شايفة مليجي بيحط إيديه من فتحات الإزاز بيفتح الباب. رغم إنها اتجرحت من الإزاز، لكن مكمل في اللي بيعمله.
حياء كانت سامعة الصوت، لكن مش عارفة تعمل إيه. علقت المكالمة وترن على صالح.
حياء بخوف:
جلال اصحى... اصحى.
جلال بنوم:
في إيه؟
صحي وبصلها. كانت بتاخد الإسدال وبتخرج من الأوضة بدون ما تنتظر رده. بطريقة خليته يخاف. قام وراها بسرعة.
صالح:
أيوه يا ماما، أنا في الطر...
حياء:
عارفة بيت الحج منصور الشافعي، اطلع عليه فوراً.
صالح استغرب، لأنه كان متضايق من الطريقة اللي كلم بيها زينب. ولولا تأخر الوقت، وهو عارف إنها لوحدها، كان ممكن يروح يعتذر. لكن ميصحش.
صالح وهو بيغير طريقه وبيزود السرعة:
في إيه؟ أنا قريب من الشارع، خمس دقايق وأكون عنده.
حياء:
معرفش، بس بسرعة.
قفلت وفتحت مكالمة زينب، لكن مفيش أي صوت والمكالمة انقطعت.
جلال بحدة:
في إيه؟
حياء وهما نازلين على السلم وهو بالبجامة:
معرفش، بس في حد بيصرخ... وزينب.
حياء:
أرجوك خدني على هناك، وحياتي يا جلال.
جلال بص لشكلها واتنهد بقله حيلة:
ثواني هجيب مفاتيح العربية.
***
في بيت منصور.
مليجي فتح الباب رزعة بقوة. زينب ضربته على دماغه بالفازة. وقع على الأرض. عدى دقايق صمت وسكون. حطت إيديها على بوقها بصدمة وخوف إنه يكون مات وتلبس في مصيبة.
لكن بدأ يقوم من على الأرض وهو بيصرخ فيها وبيسب بأبشع الألفاظ. خرجت من الأوضة بتروح ناحية باب الشقة. لكن مجرد ما بتفتح الباب، بيكون صالح قدامها.
لكن حس بصعقة من شكلها. بص للأرض، كان في أثر دم. ونهاية الأثر مكان ما زينب واقفة واضح إنها بتنزف. لكن هي نفسها محسّتش لما الإزاز غرز في رجليها وهي بتخرج من الأوضة.
شاف مليجي خارج من الطرقة وهو حاطط إيديه على مؤخرة راسه وبينزف. بص لزينب وفهم اللي بيحصل. بدون لحظة تفكير، زقها ودخل. خطواته كانت سريعة. عيونه فيها شر، كأنه اكتفى من أفعال مليجي.
مليجي بخوف وهو بيرجع لورا:
صالح باشا، دي... دي كنت معها بمزاجها. هي... هي هتقولك. زينب، قوليله.
لكن قبل ما يحصل أي ردة فعل، صالح كان قدامه وبيضربه بغضب وحدة:
وحياة أمي لأكون حبسك. أنا كنت صابر عليك، بس لحد هنا واكتفيت.
بقى بيضربه وهو بيحاول يتفادى، لكن أثر ضربة زينب له على دماغه كان دايخ.
مليجي بخوف:
دي، هي كان بمزاجها. هي أصلاً بنت حرام.
زينب كانت حاسة إنها عايزة تصرخ. يمكن لو صالح مجاش، كان برضه هتقدر تهرب من مليجي. لكن تعبت من نعتهم ليها باللقب ده، مع إن مالهاش أي ذنب. هي حتى مش عارفة تقول إنهم كذابين، لأنها مش عارفة حقيقتها. زي أطفال كتير أوي في الشوارع للأسف بيعانوا من الظلم، الجوع، والمرض. وكمان يكبروا والناس متسيبهمش في حالهم. رغم إن كلنا عيوب.
صالح لسه مكمل في اللي بيعمله، لدرجة إن مليجي بقى معندوش قدرة إنه يقاوم. لحد ما جه صوت عالي من وراهم.
كبير المنطقة (الحج عمران):
إيه اللي بيحصل هنا؟
زينب مشيت ببطء ناحية الكنبة، أخدت الحجاب وبتتحاول تلفه. قعدت على الكنبة وهي بتدفن وشها بين كفوفها. وهي عارفة إيه نهايتها. وطالما دخل الحج عمران، فاكيد هيمشي بالعادات.
في ناس وراه. صالح قام من على الأرض وهو بيبص لمليجي. في الوقت ده بيدخل جلال وحياء وهما مش فاهمين حاجة.
حياء راحت ناحية زينب. وهي أول ما حضنتها، انفجرت. كان في ثوران بركان جواها.
حياء بهدوء وهي بتربت على ضهرها بحنان:
شششش، أهدي. حصل إيه؟
الحج عمران بغضب:
ما تفهمونا حصل إيه، ولا إحنا أكياس جوافة هنا. وانت يا ابن الشهاوي بتعمل إيه هنا في الوقت ده؟ وانت يا عايق إيه جايبكم هنا؟
مليجي بارتباك وتعب:
هي... هي اللي كلمتني وقالتلي إن أبوها في المستشفى، وإنها لوحدها، و...
صالح بغليان وصراخ وهو بيضربه بعنف:
آه يا ابن الكلب يا نجس. بقيت بتتشطر على حرمة، ودلوقتي بتلزقها فيها. ورب وما أعبد ما أنا سيبك إلا لما أسلمك للبوليس.
الحج عمران بحدة:
حوش ابنك يا حج جلال، وانت يا بت ما تنطقي إيه اللي حصل.
زينب بصت لحياء وهي بتعيط، وبتلف عيونه لصالح وشكله المخيف وهو بيقوم وبيبعد عن مليجي:
مل... مليجي حاول يعتدي عليا. كان عايز يدنس سمعتي وشرفي. و دلوقتي بيقول إن أنا اللي قلتله يجي لحد هنا ليه. هو طلب يتجوزني وأنا رفضت. أنا رفضته في الحلال، لا يمكن أقبله في الحرام.
الحج عمران:
وانت يا ابن الشهاوي بتعمل إيه هنا؟
صالح بيحط إيديه في جيبه:
أنا هكلم البوليس.
الحج عمران بغضب:
من امتى البوليس بيدخل بينا، ما تقول حاجة يا جلال.
جلال بحدة:
بس اللي غلط لازم يتحاسب، وبدون رحمة، حتى لو ابني أنا.
الحج عمران:
واللي غلط يصلح غلطته، وده اللي تربينا عليه. ودي العادات، مفيش بوليس يدخل بينا. وانت يا مليجي ناوي تتجوز زينب، ودلوقتي حالا.
صالح بجنون:
انت بتقول إيه؟ مين ده اللي يتجوزها؟ لا، أنتم بتهزروا صح؟ ده كان بيحاول يغتصبها، فاهمين يعني إيه؟ لا، وهو متجوز تلاتة ولسه مطلق. أنتم بتقولوا إيه؟
زينب كانت عارفة إن ده اللي هيحصل، لأن حصل نفس الموقف قبل كده. وبعد ما الشاب اعتدى على البنت، أجبروا تتجوزه وطلقها بعدها بمدة قصيرة. خبت وشها بين كفوفها وهي بتلعن حظها اللي ممكن يخليها تتجوز واحد زي مليجي.
الحج عمران بحدة:
هي دي عاداتنا يا صالح، وأبوك نفسه شاهد على ده. ومليجي عايزها في الحلال. وبعدين افرض بلغت البوليس، سمعتها هتبقى في الأرض. مين اللي هيتجوزها؟
صالح بزعر وجنون من قوانينهم، وبدون ذرة تفكير:
لا يمكن تكونوا بتفكروا. أنتم خايفين عليها؟ طب تمام، أنا هتجوزها. وخطوبتنا أول ما يخرج الحج منصور.
صالح:
الوا، بوليس النجدة.
كلهم بصوا لصالح وهو بيطلع الموبيل وبيكلم البوليس.
جلال بجدية:
صالح، الأمور متتاخدش كدا.
صالح بص لمليجي بشر:
وقوانينكم دي مترضيش ربنا، وأنا مش هسيبه إلا لما يتسجن. وعلى جثتي إنه يفضل حر.
حياء بصت لزينب واستغربت اللي حصل. بصت لجلال بمعنى: هو إيه اللي بيحصل؟
مليجي بترجي:
أبوس على يا حج عمران، أنا هصلح غلطتي، بس بلاش البوليس.
الحج عمران:
انت رايك إيه يا جلال؟
جلال بجدية وهو بيبص لصالح:
ابني ناضج بما فيه الكفاية إنه يقدر يحدد هو عايز إيه، وأنا في ضهره دايماً.
صالح ابتسم وهو عارف إن أبوه دايماً هيكبره، ولا يصغره قدام حد أبداً.
بعد نص ساعة، جه البوليس. فهموا اللي حصل، قبضوا على مليجي. وطلبوا من زينب تروح الصبح القسم عشان تقول أقوالها. والعساكر عينوا البيت والبصمات. قبل أذان الفجر، كان كل الناس مشيوا. وصالح مشي، وهو حقيقي مش عارف إزاي قال إنه عايز يتجوزها. يعني هو ميعرفش أي حاجة عنها، ولا أي حاجة.
حياء طلبت من جلال إنه يرجعوا البيت عشان إيمان لوحدها، وهي هتفضل مع زينب.
في أوضة زينب.
حياء كانت بتسندها وهي خارجة من الحمام. قدروا يوقفوا نزيف رجليها. خدت دش سخن عشان تهدأ، وهي لسه بتفكر في اللي حصل في الليلة الغريبة دي.
حياء ساعدتها تقعد في سريرها، غطتها كويس، وقعدت جانبها.
حياء:
زينب، ساكتة ليه؟
زينب بخوف:
بحاول أستوعب اللي حصل. أنا... أنا خايفة أوي. طب أنا المفروض أعمل إيه؟
حياء بابتسامة:
أنا نفسي مش عارفة، بس اللي أعرفه كويس إن صالح مدام قال كلمة، فهينفذها. لأنه طالع لأبوه.
زينب بدموع وزعر:
بس أنا... أنا لا يمكن أتجوز صالح. هو أصلاً ميعرفش إنها لقيطة. ده لو عرف هيكره اليوم اللي حاول ينقذني فيه. أنا مش عايزة أتوجع. أبوس إيدك، قوليله إني مش عايزة أتجوزه.