تحميل رواية «اطفت شعلة تمردها» PDF
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية. في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة. دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة. فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفي...
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم دعاء احمد
تهانينا لكل قلب تحمل للنهاية لكي يكتمل عشقه، لكل قلب ابتسم رغم الحزن، لتلك القلوب المتمردة التي روضها العشق.
حاولت نور وضع ألف حد وسور بينهما بعد ما فعله، لكن قلبها خائن وعقلها متمرد.
خضعت لخيانة قلبها ورضخت لمشاعرها.
تلك الأنثى العاشقة بداخلها قادتها إلى أحضانه مجددًا.
وكيف لا؟ وهو عاد معتذرًا نادمًا.
احتضنت نور جسدها بيدها مستمعة لدقات قلبها المتسارعة، مستسلمة لعاصفة الأفكار الهوجاء وذلك الحنين القوي إليه.
هزت رأسها برفض وضيق، مغمغمة لنفسها بحدة:
"لا، ما أنا مش شغالة عندك يا باسل علشان تقول بكرا كتب الكتاب. لا، وكمان تبقى خاطفني. لا، والمصيبة أنا بابا وافق. بس إيه ده يا ولايلةوي عليك، عليك واحدة يا شبح بتجيب أجلي."
ضحكت بخفة وهي تمرر أناملها على شفتيها برقة، الشعور بالتخبط القوي، الحب، العناد، لكن قلبها رضخ لها.
احتضنت وسادتها بقوة وهي تدفن وجهها بالوسادة، أخذت نفسًا عميقًا بهيام قبل أن تغمض بنيتيها تغوص بنوم عميق، هامسة بحب:
"يارب أنا مش عايزة وجع تاني، أنا بحبه."
في صباح اليوم التالي، انبعثت أشعة الشمس إلى غرفتها من تلك الشرفة الصغيرة عبر الستائر الناعم التي ترفرف أثر حركة الهواء.
استيقظت نور على صوت الضوضاء الصادرة من زحام الشارع بالأسفل، وهي تفرك في شعرها ويدها على فمها بنعاس ونوم.
تبدو في حالة مزرية لا تبدو كعروس أبدًا، وشعرها يتناثر حول وجهها بشكل فوضوي، ووجهها عابس نائم.
دلفت إلى الحمام لتأخذ حمامًا دافئًا تريح أعصابها المشدودة من مقابلته، فهي أخبرته أنها لا ترغب بحفل زفاف، بل الأمر سيكون كتب الكتاب بمنزلها ثم خروجهما معًا لأي مكان، وذهابها معه إلى منزله.
مر بعض الوقت وهي تشعر بالهدوء حولها، لتذهب لغرفة أشقائها، لكن وجدتها فارغة، وكذلك غرفة والدها.
رددت بداخلها بارتياب و شك:
"راحوا فين بدري كده؟ هو أنا المفروض هعمل إيه دلوقتي؟ أعتقد لازم أنضف البيت وأسيقه. مع إني والله مكسلة، لازم يحلف يعني إن كتب الكتاب النهاردة. جاتك الارف."
لوت شفتيها في آخر جملتها باشمئزاز واضح، وكأنها مجبرة على الزواج منه.
وكأن بداخلها لا تشعر بالسعادة رغم تلك الغمرة التي شعرت بها، وكأنه أعاد لها روحها من مجرد لمسته ليديها واحتضانه لروحها.
لكن ذلك الخوف الذي ترعرع بداخلها جعلها تشعر أن وجود الشيء مثل عدمه، لذلك لا تستطيع إظهار مشاعرها.
وضعت دلو الماء الساخن بجانب الأريكة، ثم وضعت بعض مساحيق التنظيف المعطرة.
كادت أن تحمل ذلك المفرش القديم، إلا أن رنين جرس الباب جعلها تستقيم، واضعة الحجاب فوق رأسها بإحكام، قائلة بصوت عالٍ نسبيًا:
"مين؟"
ردت زينب بمرح من الناحية الأخرى:
"أنا زوبا يا عروسة."
فتحت نور الباب بوجه مستنفر:
"عروسة إيه، جاتك نيلة. وحشتيني أوي على فكرة."
ابتسمت زينب وهي تدلف لداخل المنزل، قائلة بخبث واضح:
"ده بجد؟ وأنا اللي فكرت العريس خدك مننا ومش هنشوفك تاني."
فغرت شفتيها في آخر جملتها بصدمة، لتتوجه ببصرها نحو نور الواقفة خلفها تضع يديها على خصرها تنظر لها بسخط من جملتها تلك.
تحدثت زينب بذهول قائلة:
"هو انتي هبلة يا نور؟ المفروض إن النهاردة كتب كتابك وبتسيقي البيت لسه. ده أنا قلت يمكن يكون عندها دم وبتظبط شكلها. يا عيني عليك يا باسل، هتتصدم."
ردت نور بهدوء وكبرياء:
"هو المفروض يعني أعمل إيه؟ أتحزم وأرقص؟ ثانيًا أنا زي القمر في كل حالاتي."
ابتسمت زينب بسعادة وهي تقترب منها محتضنة إياها:
"نور، ممكن أقولك كلمتين بصراحة من غير زعل؟"
"طب وعهد الله أنا ما بعرف أزعل منك يا زينب، لأن انتي الوحيدة اللي متأكدة إن قلبها أبيض وبتخافي عليا، رغم إن أنا أكبر منك. أحم أحم بتلات سنين."
ردت زينب ساخرة باشمئزاز:
"بس عقلك صغير. تعالي بقى نقعد لأن في كلمتين محشورين في زوري لازم نتكلم فيهم."
جلست على أقرب أريكة لها لتقول نور بتوتر:
"كلمتين إيه بقى؟"
"شوفي يا نور، انتي دلوقتي خالص وصلتي مع باسل لآخر الحكاية. شوفتي فيه الغرور والبرود والطيبة، وعرفتي الأسباب اللي خلتك كده. سافرتوا ورجعتوا، طلقتوا، ودلوقتي هتتجوزوا تاني. بس المرة دي مختلفة، المرة دي بتاعتك انتي وهو. المرة دي يا نور لازم تفكري فيها بجد. باسل راجع ليك وعايزك بجد، واضح من طريقته إن المرة دي متمسك بيك. بس برضه متنسيش إن واحد زي ده كان متجوز قبل تلات مرات، يعني شاف الدلع كله."
شحب وجه نور وكأن الدماء سحبت منه، متحدثة بتوتر:
"انتي بتوتريني كده على فكرة يا زينب. يعني أعمل إيه؟"
ردت زينب ببساطة وهي تربت على كتفها باهتمام:
"حبيه يا نور. باسل لو لقى الحب الحقيقي عمره ما هيفرط فيه. أنا متأكدة من ده، لأنه عاش طول عمره محروم من الحب والعيلة. وانتي مش زي أي واحدة قابلها. لو كنتي زيهم كان هيطلقك بدون لحظة تردد ومش هيفكر يرجع لك. بس أهم من الحب يا نور، لازم تحترميه. وبلاش الوش الخشب ده يفضل كتير. يعني لازم يحس إنك مهتمة بوجوده، ولازم انتي كمان تفرحي. بلاش تخافي يا نور، علشان خاطري، وافرحي وفرحي قلبك. أنتي تستاهلي كل خير والله العظيم، تستاهلي تفرحي قلبك. أظهري مشاعرك، وخليكي دايما عارفة إن ربنا كبير وحنين أوي يا نور. ألف مبروك يا حبيبي."
ابتسمت نور بسعادة وكأنها كانت تنتظر أحدًا ليشعل بداخلها وهيج السعادة، لتقول من بين تلك الضحكة الخافتة:
"زينب، أنا بحبك أوي بجد أوي، ربنا يخلينا لبعض. بس إيه يا عم العقل والحب ده كله؟ ده صالح بيه شكله علم على قلبك بالجامد أوي."
ابتسمت زينب بخجل قائلة بحماس:
"الحب في الحلال بينور القلوب والعقول يا نور. وبعدين أيوه، علم على قلبي وروحي لأنه حبيبي أنا وأبو أولادي."
ردت نور بغمزة شقية:
"يسهلوا."
ردت زينب بسرعة:
"صحيح، داليد زمانها على وصول."
عقدت نور ما بين حاجبيها قائلة:
"مين داليد؟"
ردت زينب بحماس وهي تزيل حجابها وتفك ربطة شعرها لينسدل على ظهرها برقة:
"داليد دي تبقى بنت خالي محمود. تعرفي هي كمان طيبة أوي، أصغر مني بسنة بس مرحة وطيبة. بجد امبارح كنا بنتكلم وحكيتها عنك وإن النهاردة كتب كتابك، فهي قالت إنها لازم تحضر. وكمان اللي عرفته إنها شاطرة جدًا في المكياج وهتخليك زي القمر. تعالي نشغل أغاني."
قامت بتشغيل الأغاني لتقول بحماس:
"ادخلي انتي بقى ظبطي نفسك. أبوكي كده كده مش هيجي دلوقتي. هاتيلي بجامة من عندك، يالا ورايا شغل كتير."
رفعت نور حاجبها الأيسر بشك:
"وانتي إيه عرفك إن بابا هيتأخر؟"
ابتسمت زينب وهي تمسك الدلو لتبدأ بالتنظيف، وهي تردد كلمات الأغنية الشعبية لتقول بدلال أنثوي يعشقه شخص ما:
"لما يجي هتعرفي، متشغليش بالك. يالا يا نور."
ابتسمت بسعادة طفولية غريبة، شاعرة باهتمام كل من حولها، لتقول:
"حاضر، ثواني هجيبلك بجامة. هو فين الولاد يا زينب؟"
ردت زينب وهي تقف على الكرسي تُلمع زجاج الشباك:
"مع ماما حياء وعمتي صفا امبارح. هي امبارح جيت وباتت معانا. الصراحة عمتي دي كمان قمر أوي، وماما حياء لما عرفت إنه كتب كتابك النهاردة قالتلي لازم أكون معاك. والأولاد معاهم. وأنا نزلتهم ليها ورضعتهم قبل ما أجي، واطمئنت إنهم ناموا، لأن طول الليل صاحيين وأنا وصالح كنا قاعدين جنبهم، ما ناموش غير الفجر. عارفة يا نور، الولاد بجد نعمة من ربنا، رغم أي تعب وأي سهر. وصالح ربنا يحفظه لينا دايماً معانا. أنا كنت خايفة أوي معرفش أربي التلاتة، لكن والله وجود العيلة فرق معايا أوي. عمي جلال الصراحة هو كمان أبويا بجد، وهو كمان بيساعدني. يعني مثالاً بيقولي المفروض أعمل إيه ومعملش إيه، وإزاي المفروض أتعامل معاهم لما يكبروا. وماما حياء دايما معايا وكلهم بيحبوا الولاد. حتى يوسف وإيمان وحبيبة مرات علي دايما بتكلمني في الموبيل تطمني عليهم. الناس لما يكونوا ونس لبعض الدنيا بتكون حلوة يا نور. وجبر الخواطر حلو أوي. وأنا عشت عمري في ناس كتير بتجرح فيا."
اللمعت عينيها بالدموع، لكن تلك المرة بالفرحة، وهي تنزل عن الكرسي وتقف أمام نور قائلة بانتصار وعشق بادٍ في عينيها:
"الناس اللي جرحوا في قلبي علموني إن العوض والصبر نهايته حلوة أوي. أنا دلوقتي لقيت أبويا وأمي، ولقيت ليا خالي محمود وخالتي مريم وعمي جلال وماما حياء. وعندي أبويا منصور، وانتي معايا، ومعايا داليد. والأهم معايا صالح وأولادي. الجبر بعد الصبر هو السعادة اللي بجد. وانتي كمان صبرتي كتير يا نور علشان أخواتك وأبوكي، وربنا هيجبر بخاطرك انتي وباسل وهتفرحوا أوي كمان صدقيني."
احتضنتها نور بعيون باكية وسعادة داخلية. ابتعدت زينب تمسح دموع نور بيديها قائلة:
"خلينا نفرح بقى، وصلنا لنهاية الوجع وخلاص هنفرح."
أومأت لها نور في نفس الوقت صدح رنين جرس الباب، لتتجه نور تفتحه لتجد أمامها فتاة تبدو في بداية العشرينيات، جميلة المظهر، ذات ابتسامة رائعة وعيون سوداء حالكة.
سألت داليد بهدوء قائلة:
"نور؟"
أومأت لها الأخرى لتقول بحماس:
"داليد الدمنهوري. أنا بنت خال ملك."
ابتسمت نور قائلة:
"آه، هي جوا. اتفضلي."
دلت إلى الصالون وهي تحمل حقيبة يد متوسطة تبدو على شكل مكعب، وكأنها ليست حقيبة يد.
ابتسمت زينب قائلة بحماس:
"كويس إنك وصلتي. الأستاذة فاكرة النهاردة واقفة العيد وبتنضف البيت. قوليلها حاجة لأن هتشل."
خلعت داليد حجابها لتضعه جانبًا قائلة باهتمام شديد:
"لا طبعًا مينفعش. وأنا أصلًا جايبة كل حاجة معايا، هظبطك. على فكرة أنا شاطرة جدًا في الميكب وصدقيني انتي بشرتك جميلة، بس لازم نعمل ماسك. وانتي كمان يا ملك."
"ولا أقولك يا زوبا."
ردت زينب بحب أخوي:
"قولي يا ملك، الاسم ده بحبه. بس أنا هخلص الليلة دي وأحصلكوا على جوا."
ابتسمت داليد وهي تقترب من نور لتضع يدها على خصر نور:
"يالا بينا."
وافقتها نور وهي تتجه معها نحو غرفتها.
بعد مرور عدة ساعات.
في غرفة نور.
نهضت من مكانها بعد أن أنهت داليد مهمة تزيين وجهها وإنهاء كي شعرها البني، زاد جمال وجهها مع ألوان الزينة الرقيقة.
أخرجتها داليد أجمل مما توقعت.
نظرت نور لهيئتها في المرآة مع جمال وجهها وأناقة تسريحتها لتقول بسعادة:
"مكنتش متخيلة إن هكون جميلة كده. حاسة إني أحلى من يوم الفرح. انتي بجد شاطرة أوي."
رفعت داليد رأسها بفخر وهي تهندم ثيابها بطفولية:
"شكرًا شكرًا يا جماعة، ده حاجة بسيطة من موهبتي. ها، قوليلي فين فستان كتب الكتاب خليني بقى ألف لك الطرحة."
ردت نور بجدية:
"في الدولاب. هو فستان عادي لأن أنا الصراحة مكنتش حابة أنزل أشتري والموضوع كله ساعتين وهينتهي."
نظرت داليد لزينب بسخط قائلة:
"صاحبتك دي محسسني إنه يوم عادي. لا فكي كده يا قمر، النهاردة فرحك، فاهمة يعني العروسة للعريس."
ردت زينب قائلة بجدية:
"والله العظيم كنت عاملة حسابي، علشان كده الفستان جاهز. ثواني بس، البسي حجابك يا داليد."
ضيقت نور المسافة بين حاجبيها بشك.
خرجت من الغرفة لتمر بضع لحظات قبل أن تدلف مرة أخرى برفقة سالم والد نور، وهو يحمل بين يديه ذلك الثوب الأبيض مغلف بطريقة منظمة وصحيحة.
ابتسم سالم قائلاً بحب:
"تفتكري هخليك تحضري كتب كتابك بأي فستان كده؟ لا طبعًا، انتي أميرتي يا نور."
كادت أن تبكي من فرط السعادة وهي تقترب منه محتضنة إياه بقوة قائلة:
"وانت حبيبي يا بابا واللي العظيم."
غمزت زينب لداليد قائلة بهمس:
"كنت متفقة مع عمي سالم نشتري الفستان ده سوا، وهو اللي اختاره ليها. ذوقه حلو أوي."
ردت داليد بإعجاب واضح قائلة بحب:
"فعلاً رقيق جدًا."
بعد ساعتين.
كان يجلس على الأريكة في الصالون بحلة أنيقة سوداء، منهدم الشكل، وقد حلق لحيته فبات أكثر جاذبية مع بشرته الخمريّة الرجولية ومصفف شعره الأشقر بجمال يلفت الأنظار.
توجهت عسليتان عيناه المشتعلة بالفطرة حينما أبصرها تخرج من الغرفة بحرص، متأبطة ذراع والدها. كانت جميلة اليوم بشكل عجز عن وصفه.
يبدو وكأنها قد أتقنت في انتقاء ثوب عقد قرانهما، فكان ثوبًا أبيض سادة حريري رقيق طويل يتدلى ذيله من الخلف برقة، بأكمام شفافة رقيقة وعند المعصم مطرزة بورود بيضاء من الدانتيل.
حجابها الأبيض الناعم يبدو في غاية النعومة.
ذلك اللؤلؤ البراق الذي يزين الحجاب يبدو لامعًا لأجلها.
وقد وضعت كذلك زينة العروس الناعمة التي زادتها جمالًا.
لا يعرف كيف، لكن هذه الألوان كانت مختلفة وجميلة عليها، لكن مختلفة، ككل شيءٍ بها. فاليوم مختلف.
وحتى ما سيحدث الآن سيأخذ منحنى مختلف في علاقتهما.
فكم حلم بهذا اليوم منذ أن طلقها، تمنى العودة لها قلبًا وقالبا، تمنى أن تعود له بقلبها.
ولم يتوقع قط أن يكون أجمل من المتوقع بمراحل.
رفعت نور عينيها البنيتان عليه، وكانا بريق الحب يشع منهما. جعل باسل يبتسم لها، وعيناه تناديها أن تقترب أكثر. فقد تعب من الانتظار والصبر، وكأنه ابتعد لسنوات، والآن يريد أن يروي عطش قلبه.
وصلت إليه لتقف بالقرب منه. أعطاه والدها يدها حتى يذهبا على الطاولة الممتدة ليتم عقد القرآن.
فالماذون ينتظر هناك.
مسك باسل يديها الاثنتين ونظر لعينيها يتأملها عن قرب، وهي فعلت المثل، ولكنها عقبت بتسرع غريب وحب قد بدأ بالظهور:
"هو إحنا بجد هنكتب الكتاب يا باسل؟ أنا حاسة إن هيغمى عليا من الفرحة."
ضحك باسل دون صوت وأومأ برأسه قائلاً:
"لا، أبوس إيدك، امسكي نفسك لحد ما نكتب الكتاب. أنا ما صدقت أبوكي رضي عني ووافق من تاني. ده كان هيقيم عليا الحد ويطردني من بيتكم لما قولتله إني عايز أردك ونعمل كتب كتاب من جديد."
توهجت فرحتها في عينيها وقالت بعدم تصديق من شدة الفرحة:
"بنات الناس مش لعبة يا أستاذ، بس حقيقي النهاردة أجمل يوم في عمري، وكفاية وجود البنات معايا."
تنهد باسل هامسًا بحب وهو يتكئ على يديه بحنان:
"مش لوحدك، أنا حاسس إني بتولد من جديد على إيدك يا شبح."
سحبت نور يدها ووضعتها على جبهتها وهي تشعر بعدما اتزان قدميها على الأرض:
"لا، مش مصدقة. أنا دايخة، أنا دايخة أوي يا باسل، اسندني."
مسك معصمها بقوة هاتفًا باللهفة:
"نور، انتي كويسة؟ نور..."
نظرت إليه بدهشة قائلة بعدم تصديق:
"هو إحنا بجد هنكتب الكتاب؟"
رد باسل بتردد وقلق عليها:
"على حسب، ممكن يتأجل لو أغمى عليكي فعلاً."
"لا، هيغمى عليا إيه، أنا تمام، أنا كويسة أوي."
اعتدلت في وقفتها سريعًا وهي تحاول التماسك قدر المستطاع أمامه وأمام الجميع، وكأن قلبها لم يعد يتحمل أكثر، معترفة بحرارة:
"أخرج باسل زفرة حارة وهو ينظر إليها بشوق:
"أنا اللي مش كويس والله."
نظرت إليه بلهفة سائلة ببراءة:
"سلامتك، عندك إيه؟"
هز رأسه بنفي وهو ينظر للطاولة خلفهما:
"ولا حاجة، يلا بينا لحسان الناس قاعدة مستنيانا."
قد حضر بعض أقارب العروس المقربين جدًا والأصدقاء، وكذلك حضر والدي باسل وأخته زينة، وأصدقاؤه المقربين، وأيضًا صالح وعلي برفقة زوجته حبيبة التي تجلس بجواره متأنقة بثوب سهرة رائع مع حجابها الرقيق.
كانت بجواره ملتزمة.
أقترب صالح من زينب، والذي كان ملفتًا للأنظار اليوم كعادته بحلته الرصاصية الداكنة، أسفلها قميص أبيض، مصفف شعره بأناقة، وعلى ثغره ابتسامة تجعلها أسيرة لنظرته تلك:
"وانت كمان أوي. هما الولاد كويسين؟ أكيد جاعوا. بص هنمشي دلوقتي. أنا والله معرفتش أمشي خالص بالنهار وكان في حاجات كتير."
"متقلقيش عليهم، ماما جهزتلهم الرضعة وأكلوا، وبعدين عمتك مسبتهمش لحظة، متقلقيش."
اكتفت بابتسامة رغم خوفها، هي أم، والأم لا يهدأ قلبها إلا عندم تطمئن بنفسها على أطفالها.
وضع باسل يديه بيدي والدها، وبدأ المأذون بعقد القرآن، بينما تجلس نور بجوار نيرة التي ابتسمت بسعادة لرؤية تلك اللهفة في عين ابنها الوحيد. مؤخر تحول تمام، لم يكن كذلك، كان باردًا جدًا، وتلك الفاتنة هي من أذابت جليد قلبه، ليقع أسيرًا، وأي أسير هو؟
هو أسير كبريائها، أسير عيناه، وأسير رونقها الخاص التي تميزت به عن أي فتاة أخرى. والأهم من كل هذا، أنه أسير عشقها.
هبطت عليهما المباركات من الجميع.
بعد كتب الكتاب في غرفة نور.
رفعت نور عينيها المشعة بسعادة إليه، فوجدته ينظر إليها نظرة غريبة، قاتمة تجتاحه مشاعر عديدة لا تفقها منها شيء، لكن الوصف الدقيق بالنسبة لها، أنه جائع ويراها وجبة جيدة ودسمة ستوفي بالغرض.
"ليه البصة دي يا باسل؟"
سألته بتردد، فنظر حولهما، فقد سمح والدها لهم بالجلوس في غرفتها قليلًا قبل مغادرتها معه.
نهض باسل من مكانه واقترب منها.
بلعت نور ريقها بتوجس وسألته بارتباك:
"انت كويس؟"
"لا يا نور مش كويس. من يوم ما سبتك وأنا مش كويس."
سألته بتوتر وبراءة، فنبرته كانت متحشرجة أثر اختلاط مشاعره، والتي حان الوقت للاعتراف بها، إلى متى سيرتدي قناعًا ليس له، عليه خلعه إلى الأبد، فقط لأجلهما.
"مالك؟ انت دايخ انت كمان؟ الفرحة بتدوخ. أنا كمان حاسة نفسي دماغي بتلف من الفرحة. أنا مبسوطة أوي يا باسل، مبسوطة إني معاك."
"مسك يدها الموضوعة على وجنته وقربها من شفتيه وطبع قبلة طويلة بطيئة عليها قائلاً باشتياق:
"وانا كمان يا نوري يا أغلى نور في الدنيا. مش مصدق إنك بقيتي مراتي، واسف والله العظيم أسف على كل اللي فات. فرحان أوي يا حبيبتي."
"خفق قلبها بجنون وسألته باللهفة:
"انت بتحبني يا باسل؟"
"مد يده ولامس وجنتها الناعمة مؤكداً بقلب مدله بحبها:
"بعشقك يا قلب باسل."
أغمضت عينيها بضعف وهي تشعر بأنفاسه الساخنة الممزوجة برائحته المميزة تقترب منها، تلفح صفحة وجهها بقوة. بلعت ريقها بتوتر حينما وجدته يحجز وجهها بيده، ثم شعرت بشفتيه تلامس بشرتها الناعمة. قد طبع قبلة رقيقة على وجنتها، طابعًا عدة قبلات على وجهها، وهو يضمها بين ذراعيه أكثر، شاعرًا بها تستجيب أخيرًا لقربه، وكم يريد مستجيبًا مرحبًا بها أكثر مما ظن.
سمع صوتًا يأتي من خارج غرفة الصالون، فضرب جرس الإنذار بداخله، وابتعد عنها بصعوبة، ناظرًا عند الباب فلم يجد أحدًا. تنهد بارتياح وهو ينظر إليها. ليجدها عينيها متوسعة بعدم تصديق، وجهها أحمر من شدة الخجل والصدمة مما حدث، أما شفتيها فكانت منتفخة وحمراء أثر هجومه عليها. وقد أفسد حمرة شفتيها.
أخرج المنديل من جيبه ونهض من مكانه، وتلك المرة جثى على ركبتيه أرضًا أمامها.
ثم بدأ في المسح حول شفتيها قائلاً باعتذار حانٍ:
"أنا آسف يا نور، أنا مكانش قصدي أخوفك يعني، بس مقدرتش. أنا..."
توقف عن الحديث عندما وجدها تلقي نفسها في أحضانه بصمت مبهم، أشعره بالقلق وشعر بقلبه يقع أرضًا، لذا ضمها أكثر وهو يسألها بتوتر:
"انتي كويسة؟ خوفتي مني صح؟ أنا مكنتش أقصد. أنا أسف مش هيتكرر تاني، بس متخافيش."
همست نور بضياع في أحضانه وكأنها تجربة لأول مرة معه:
"باسل، لو بتحبني بجد أوعي تيجي عليا في يوم. أنا بحبك وخايفة أندم على حبي لك. صدقني مش هقدر أستحمل، حتى لو أنا دايما متمسكة قدامك، فأنا دايما هبقى محتاجة لحضنك، فبلاش انت كمان تيجي عليا."
رفع رأسها بحنية وحب هامسا بضياع هو الآخر:
"انتي وطني يا نور، فاهمة؟ يعني حضنك هو بيتي، وحضني دايما هيكون ليك لوحدك، لأنك الوحيدة اللي هزت فيا كل حاجة. والله العظيم أنا بحبك أوي، ونفسي أكون معاكي بيتي مليان حب ودفء. بس سبيني واديني فرصة لو سمحتي، ممكن؟"
مسحت دموعها قائلة بسعادة:
"بحبك."
همس بابتسامة ضارية:
"وانا بعشقك."
انتهت حفل كتب الكتاب وذهبت معه نحو منزلهما بعد أن وعدت أبيها وأشقائها. منزلهما!! تلك الكلمة وذلك الجمع يجعلها تشعر بأنها ملكة متفردة بقلبه.
في منزل آل الشهاوي.
صعدت زينب الدرج بلهفة، والقلق ينهش بقلبها، إنها الفطرة وغريزة الأمومة المتحكمة بها، فلا لوم عليها.
دلت إلى شقة جلال بعد أن فتحت حياء لها الباب، قائلة بابتسامة:
"إزيك يا زوبا؟"
ردت عليها باحترام وود:
"الحمد لله، أنا بخير يا ماما. اومال هما الولاد فين؟ أوعي تقولي ناموا."
ابتسمت حياء برفق قائلة بحب:
"جوا مع جلال. تعالي، اومال فين صالح؟"
ردت زينب بهدوء حانٍ:
"بيركن العربية."
دلت إلى الصالون، لكن هدأت من روعها وهي ترى ذلك المشهد الجميل، حيث كان جلال يحمل بيلا وحياء بين ذراعيه، وهو يغمغم ببعض الكلمات غير المسموعة، ولم تكن إلا بعض الآيات القرآنية الذي يرددها دائمًا على مسامع أحفاده بصوت خافض يكاد يصل لمسامعهم، حتى أن كانوا لا يفقهون شيئًا، إلا أنها تبعث السكينة بصوته الخاشع. بينما كان يونس ذلك الصغير نائمًا برفق ونعومة على الأريكة.
ابتسمت زينب بارتياح قائلة بحب:
"تعبوك يا بابا."
ابتسم جلال بسعادة وهو ينظر نحو حياء المبتسمة برقة:
"بالعكس يا زوبا، دول فكروني بأيام زمان، لما صالح وإيمان كانوا عيال. بس سبحان الله، أعز من الولد ولد الولد. عمتك لسه ماشية من شوية. وأبوكي اتصل يطمن عليكم وأنا طمنتهم."
ردت زينب بهدوء في وقت دخول صالح من باب الشقة:
"طب كويس إن حضرتك كلمتهم لأن موبايلي فصل شحن. ممكن آخدهم؟"
رد جلال بجدية قائلاً:
"أكيد. وبعدين بيلا شكلها جعانة. بس الصبح عايز أشوفهم قبل ما أنزل الوكالة، هطلع أصبح عليكم."
رد صالح بهدوء وحب:
"هبقى أجيبهم لحضرتك يا بابا، بلاش تتعب نفسك. واحنا كده كده هننزل الوكالة سوا لأن احتمال أسافر السويس في حاجات في حلقة السمك ولازم أنزل أتفق عليها."
سألته بلهفة بالغة وبراءة:
"هتتأخر؟ بس أنا هخاف أقعد من غيرك."
أدركت ما تفوهت به لتخفض بصرها بحرج وخجل، بينما ابتسم جلال مغمغمًا برفق:
"يلا يا صالح خد مراتك وأولادك واطلع شقتك."
أومأ له وهو يأخذ الصغيرتين، بينما أعطت حياء يونس لزينب قائلة بخبث مرح:
"خلي الدلع لجوزك لما تكونوا لوحدكم يا هبلة."
عضت على شفتيها بخجل واضح، ولم تستطع الرد عليها بكلمة واحدة وهي تغادر معه.
ابتسم جلال وهو يحاوط خصرها قائلاً بحب:
"تعرفي الولاد حلوين أوي مع بعض، ربنا يحفظهم يا حياء."
وضعت رأسها على كتفه قائلة باهتمام:
"يارب يا جلال، يارب."
في شقة صالح.
وضعت الأطفال على الفراش باهتمام قائلة باعتذار:
"والله حقكم عليا، عارفة إنكم جعانين. هغير بس وأجيلكم."
خلع صالح سترة حلته ملقيًا إياها على الكرسي ليجلس على الفراش يخلع حذاءه، ثم نظر للأطفال محدثًا إياهم برفق:
"عارفين، رغم إني مبقتش عارف ألم على أمكم من ساعة ما جيتوا للدنيا، بس كله يهون لأجل عيونكم. عارف يا يونس، أنا حاطط فيك أملي لما تكبر تكون ضهري وتخاف على أخواتك، ولما أموت تحضن أمك وتشوفني فيك. عارف أنا ساعات كتير بقول يارب طول في عمري لحد ما أشوفك راجل يعتمد عليه، بس أمانة عليك أخواتك البنات وأمك في رقبتك ليوم الدين."
كانت تراقب حديثه ذلك بعد أن بدلت ثيابها بحزن بالغ، لا إراديًا انسابت دموعها بشدة. ما سر ذكر الموت الآن؟ هل يفرح بانفطار قلبها وبكائه؟
رفع رأسه، لكن فجأته، احتضنته إياه بقوة حتى كادت أن تختفي بين ذراعيه، وكأنها ضلع ثاني له. أخذ يربت يربت على ظهرها بحنان متمتمًا بلهفة:
"مالك يا زينب؟"
لم تستطع التحدث وشهقاتها تتعالى، مجرد تخيل أنها تفقده يجعلها تتشبث به أكثر. ذلك الشعور مؤلم.
مرت دقائق وتعالى صوت بكاء طفلتهما، وكأنها فهمت ما حدث.
غمغم صالح بجدية حانية قائلاً:
"زينب، كفاية عياط. الولاد هيعيطوا هما كمان. علشان خاطري اهدي."
زمجرت بحدة وقسوة قائلة:
"لو سبتني في يوم، صدقني يا صالح مش هسامحك. انت فاهم؟ حتى لو اللي هيبعدنا هو الموت، برضو مش هسامحك."
رد الآخر بمرح ماكر:
"و أهون عليك أموت وأنا شايل ذنبك."
ابتعدت عنه قائلة بصوت عالٍ نسبيًا أفزع الصغار:
"و أهون عليك تسيبني أموت بالبطيء؟ صالح، انت قلت إنك بنت قلبك صح؟ بس اللي متعرفهوش إنك أغلى عندي من روحي. أنا عشت عمري تايهة بين البشر. والله العظيم ملقتش الاحتواء إلا في حضنك، ملقتش الأمان إلا معاك. بلا تشخوفني عليك انت فاهم؟ أنا عندي استعداد أسامحك حتى لو قتلتني، بس أنك تسيبني مش هقدر أسامحك."
ابتسم وكأن كلمتها بلسم لروحه المتعطشة لعشقها:
"زوبا، أنا بحبك. الكلمة دي عهد ووعد مني ليك. ولو ربنا أذن يوم وأخد روحي، اعرفي إن لسه على عهدي. فاهمة؟ وبعدين أنا عارف إنك هتسامحيني، ماشي. وبعدين أنا بكلم ابني عادي، كنت بس بوصيه على أخواته زي ما أبويا وصاني على أمي وأختي. والأعمار بيد الله وحده."
ردت بحدة معنفة إياه:
"بس برضو متقولش كدا، انت فاهم؟"
"خالص خالص يا ستي، متزعليش، حقك عليا، بطلي عياط بقى."
مسحت دموعها قائلة بهدوء:
"حرام عليك بجد توجع قلبي يا صالح، خليت حياء تعيط. انت هتسافر بكرا؟"
أومأ لها بجدية قائلة:
"متقلقيش، مشوار لسويس، هتفق على شوية حاجات ناقصة عندنا. ولو عليا هرجع على بليل، متقلقيش."
"لا، لو عليا هقولك لو اتأخرت خليك هنا وابقى اركب الصبح. علشان خاطري يا صالح، أنا بخاف لما تسوق العربية بليل. علشان خاطري."
ابتسم طابعًا قبلة أعلى رأسها قائلة بحنان:
"هدخل أغير هدومي، وانتي متشغليش بالك. أنا بعرف أسوق بليل عادي. وياستي أوعدك لو اتأخرت هفضل هناك وأجي الصبح. المهم تخلي بالك من الولاد."
أومأت لها وهي تحمل حياء برفق لتطعمها.
في صباح اليوم التالي.
في منزل باسل.
استيقظ باسل بتثاقل ونوم ليجدها تتوسد صدره محتضنة إياها.
في عينيها البنية كان يرى لمعة مجنونة من الخجل من كل ما يحدث بينهما وما كانوا يتوقعوا حدوثه.
وارتفعت الحواجز بينهما، فأصبح لها زوجًا أمام الله.
كيف بدأت القصة وأين انتهت؟
لا تصدق صدقاً، لم تستوعب بعد أنها تزوجت ممن تحب. إنها حظت بالحب الأول، أجل، هو حبها الأول، فقد حفظت قلبها لسنوات لأجله هو فقط.
تنهدت بنعومة وهي تشعر به يداعب خصلات شعرها الناعمة، طابع قبلات حانية على وجنتيها.
همست بخجل وهي تحاول الابتعاد قليلاً:
"صباح الخير."
"قربها لاحتضانه أكثر وأجابه مرددًا تحية الصباح بشهية مفتوحة وبال رايق:
"صباح الفل والورد والياسمين على أجمل شبح في الدنيا."
مع كل كلمة يعانق شفتيها بقبلة مشاكسة.
زفرت بخجل وارتباك وهي تشعر أنها تحت حصار، فكان يميل عليها نائمًا على جانبه، ساندًا ذراعه فوق رأسها.
فحاولت تشتيت عقلها من هذا القرب. فهي حتى الآن لم تعتد على كل هذا معه، ولم تستوعب بعد أنها تزوجت منه بالأمس.
تنحنحت وهي تسأله بتوتر:
"هو... هو انت صاحي من بدري؟"
"رد وعيناه لا تحيد عنها:
"من عشر دقايق كده. بس إيه الجمال ده."
"ازدردت ريقها، سألته بارتباك:
"وكنت بتعمل إيه؟"
"رد بعيون وقحة متسلية وهو يلوي شفتيه في ابتسامة الثعالب:
"بتفرج."
"بتتفرج على إيه بالظبط؟"
شدة غطاء الفراش لآخر عنقها بحركة مفاجئة أضحكته بقوة.
اغتاظت من ضحكاته واحمرت وجنتيها قائلة بتذمر طفولي:
"بطل ضحك، انت أصلًا قليل الأدب."
"أشار على نفسه ببراءة:
"أنا؟ يا نور، ولا انتي اللي بتلفتي نظري لحاجات مش في دماغي أصلًا."
"اهتزت حدقتاها وقالت بتردد:
"يسلام، أنا اللي بلفت نظرك ولا انت اللي متربتش أصلًا يا قليل الأدب. وبعدين مانت اللي قولت بتتفرج، عايزني أفهم إيه؟"
"رد بصوتٍ عابث يدفع للشك به أكثر:
"تفهمي إني رومانسي وقاعد أتأملك يروحي."
"سألته نور بحاجب مرفوع ببراءة:
"ليه يعني؟"
"تنهد بحرارة قائلاً:
"مش مصدق إننا اتجوزنا الصراحة، ومش مصدق إنك بقيت معايا من تاني."
"ردت بحدة تغلفها الخجل:
"لا صدق، لأن أنا قاعدة على قلبك ماشي، وبطل حركاتك دي لو سمحت."
"رد باسل بحماس قائلاً:
"طب إيه، هنفضل نايمين كتير؟ أنا هقوم أجهز الشنط وهنطلع على الغردقة. هنعيش أحلى أسبوع سوا يا نوري، أصل الصراحة لسه في كلام كتير عايز أقولهولك."
أنهى جملته الخبيثة بغمزة شقية لتضربه بخفة قائلة:
"وقح."
في منزل يوسف.
في منتصف الليل.
كان يوسف يجلس بجوار ابنه آدم الذي يبلغ من العمر تسعة أشهر. بينما تنام إيمان بارهاق، فهي منذ ولادته وهي تقضي وقتها بالكامل معه، وأصبح تواجده معها وحدهما أمرًا مستحيلًا في وجود ابنه، فمجرد أن يقترب منه أو يحاول مشاكساتها يصدح بكاء الطفل.
وضع يوسف يديه أسفل ذقنه قائلاً بنبرة حزينة أشبه للبكاء:
"يا ابني، هو حد مسلطك عليا؟ مبقتش عارف ألم عليها وانت بقيت الكل في الكل. والله شكلنا اتسرعنا في موضوع الخلفه دا. طب انت يعني بالع راديو مشغلها طول الوقت على العياط. طب أنا عايز أنام. إيه، هتفضل تعيط كتير؟ أمك تعبانة وأنا عندي شغل الصبح."
نظر للصغير بغيظ قائلاً وكأنه يفهم ما يقوله:
"شكلك مش هترتاح إلا لما أترفد والله، وساعتها نبقى نشحت بيك."
ضحك بقلة حيلة وهو ينهض يحمل آدم بين يديه برفق وحنان بالغ قائلاً:
"خالص يا حبيبي بقى، حقك عليا. بس بطل عياط. طب انت جعان مثلاً؟ شكلك جعان يالا. أمري لله يالا هاكلك. بس وربي لما تكبر. بقا أنا يوسف الصاوي، عيل زيك يعمل فيا كدا."
اتجه نحو المطبخ وهو يحمل الصغير بين ذراعيه، فتح الثلاجة ليخرج عبوة من الحليب، أشعل الموقد ليقوم بتدفئة القليل لأجله، لكن أصدر عدة أصوات أثناء ذلك لتستيقظ إيمان بانزعاج.
دلت إلى المطبخ ليجده يجلس على كرسي السفرة يطعم ابنهما، ابتسمت بحنان وهي تراه يتحدث معه وكأنه شخص بالغ:
"بتعمل إيه يا يوسف وإيه الصوت ده؟"
رد بابتسامة خافتة قائلاً:
"الاستاذ كان بيعيط وعايز ياكل. قلت أدفي له لبن. بس هو بسم الله ما شاء الله، الشهية عنده مفتوحة."
ردت إيمان بضيق قائلة:
"بالهنا والشفا يا يوسف، انت بتعد عليه اللي بياكله."
ضحك يوسف بسخرية قائلاً:
"بعد عليه إيه يا هبلة، ده ابني. وبعدين يا ماما أنا وهو في بينا أسرار كتير انتي متعرفيش عنها حاجة. علشان كده متتدخليش بينا. وبعدين إيه اللي صحاكي؟"
"المهم إني صحيت. هاته وأدخل نام، انت عندك شغل بدري."
رد يوسف بابتسامة حانية قائلاً:
"يا ستي هو أنا اشتكيت لك. ادخلي نامي، انتي بقالك كتير بتسهري معاه. وبعدين طالما أكل هينام. متقلقيش. باله، ادخلي نامي انتي لسه تعبانة."
أخذت نفس عميق قائلة بابتسامة:
"بس أنا كويسة دلوقتي الحمد لله."
"يبقى لازم ترتاحي. يالا خلينا ننام وهو خالص سكت. يالا يا حبيبي."
في اليوم التالي.
في قاعة المحكمة.
جلس علي يتابع حبيبة وهي تترافع عن أول قضية لها بعد أن تخرجت من كلية الحقوق. دعمها إلى أن وصلت إلى تلك المرحلة في حياتها، وتخطت كل ما مضى.
تخطت الكثير من الألم لتكمل معه حياتها.
كانت كلما توترت تنظر له لتجده يبتسم وكأنه يشجعها على الاسترسال في مرافعته.
بعد أن انتهت الجلسة.
ركضت نحوه لتقول بتسرع:
"نسيت حاجة؟"
ابتسم علي قائلاً بجدية:
"لا يا حبيبتي، كنتي كويسة جدًا. وبعدين انتي قلقانة ليه؟ طول ما بتترفعي عن الحق يبقى أوعي تخافي، فاهمة."
أومأت له بجدية ليقول:
"بقولك إيه، رأيك أعزمك على طبق كشري ونقعد ناكل على البحر ويا ستي بوش كاش بيضحي، هعزمك على أحلى طبق حلويات لحلويات حياتي."
ردت حبيبة بسعادة قائلة:
"شكرا يا علي، لأنك معايا لحد النهارده، ولأنك سامحتني على كل اللي فات، ولأنك رَعيت ربنا فيا وعمرك ما عيرتني إني أذيتك وبعدت."
أخذ نفس قائلاً بجدية:
"انسى اللي فات، لأن اللي فات كان مؤذي أوي يا حبيبة، والحمد لله وصلنا للنهاية وإحنا سوا. وكفاية إنك دلوقتي بتحققي حلمك، وربنا كرمني وفتحت المصنع وكبر. الحمد لله يا حبيبة."
سألت حبيبة بخبث قائلة:
"طب مش متضايق إن فات أكتر من سنتين من غير أطفال؟"
رد علي ببساطة متمتمًا بهدوء:
"دي حاجة بأيد ربنا، وقت ما يأذن هيحصل يا حبيبة، وإن شاء الله اللي جاي هيكون خير."
ردت نور بابتسامة وهي تمسك يده:
"طب لو قلتلك إن أنا حامل، وإن ربنا أذن يا علي."
لم يستطع التحدث، وتلمعت عيناه بالدموع وهو يحتضنها دون الالتفات لمن حوله، قالت من بين دموعها بسعادة:
"أنا عايزة يكون زيك في طيبة قلبك يا علي."
غمغم علي بهمس قائلاً بلهفة:
"وأنا عايز بنت، لا مش بنت واحدة عايز اتنين يكونوا زيك. عايز أعلمهم حاجات كتير ونكون معاهم سوا ونلعب كتير ونعوضهم سوا عن الحاجات اللي إحنا اتحرمنا منها. وهنشتري لعب كتير وهيدخلوا مدارس كويسة وهنكون معاهم في كل حاجة."
أومأت له بالإيجاب، وهي تمسح دموعها قائلة برفق:
"أنا بحبك أوي يا علي."
"وأنا بموت فيكي يا قلبي وروح علي."
اكتفت بتلك الابتسامة التي زينت وجهها، وهي تحمد الله كثيرًا على تلك البداية في قصتهم.
بعد شهرين (في شهر رمضان المبارك).
في ساحة منزل آل الشهاوي.
كانت هناك مائدة كبيرة جدًا في تلك الساحة الواسعة.
الجميع يعملون على قدم وساق بجدية مع اقتراب موعد الأذان.
وضعت (عائشة) ابنة جمال الصنية على المائدة قائلة بصوت عالٍ نسبيًا:
"زينب لو سمحتي هاتي العصير معاكي لأن المغرب هيأذن."
خرجت حبيبة برفقة بيلا ونور، وكل واحدة تحمل صنفًا معينًا من الطعام لتكتمل تلك السفرة بأشهى الواجبات.
سألت نور بجوع قائلة:
"هو فاضل كتير على المغرب؟ أنا جوعت."
ردت حياء بصرامة قائلة:
"الصراحة أنا كنت فاكرة إنك هتفطري يا نور، انتي حامل على فكرة."
ردت نور بجدية قائلة:
"والله باسل اتخانق معايا علشان بصوم وبيخلي الدوا بعد الفطار بيقول إن ده غلط، بس والله أنا كويسة يا جماعة، ولما بتعب بفطر."
لوت شهد (أخت حياء) شفتيها قائلة بغيظ:
"على فكرة وشك أصفر وكده هتتعبي."
دلت إلى المنزل.
جلال برفقة عمر ومنصور حيث كانا يتحدثان بمرح، وقد نشأت بينهم صداقة منذ فترة طويلة، وخلفهم صالح، باسل، علي ويوسف.
بعد أن قام جلال بدعوة الجميع للإفطار في منزل الشهاوي.
رد جلال ملقيًا السلام على الجميع، لترد عليه الفتيات.
جلس على السفرة وعلى جواره الشباب من ناحية، في مقابلتهم زوجاتهم.
ابتسم جلال قائلاً برفق:
"عائشة منورة يا بنت الغالي."
ابتسمت عائشة بحب قائلة:
"بنورك يا عمي."
احتلت على محياه ابتسامة حزينة وهو يقرأ الفاتحة على روح صديقه.
في نفس توقيت أذان المغرب.
لتقول بيلا بود:
"يالا يا جماعة، بسم الله."
خرجت زينب من الداخل برفقة صالح وهم يتحدثون بسعادة مع أطفالهم.
غمغمت حياء قائلة:
"يالا يا أولاد، المغرب بيأذن."
نظر صالح لزوجته وأطفاله، ثم همس بداخله بالحمد لله.
كانت سفرة مليئة بالحب والونس والصداقة.
الحب الذي جمع بين أبطالنا.
شهر رمضان وتلك الروح المبهجة التي تنشر السلام في القلوب.
تمت بحمد الله.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دعاء احمد
ارتدى صالح ملابسه ووقف أمام المرآة وهو يزرر قميصه الأسود. دخلت حياء بابتسامة جميلة وهي تقول بحنان:
"صباحك نور يا صالح. يلا عشان نفطر، أبوك وإيمان قاعدين مستنينك."
هز رأسه بالإيجاب، وهو يبص في ساعته.
"ماشي يا أمي، جاي. بقولك أنا احتمال أتأخر النهارده، محدش يستناني وأنا هحصلكم على بيت الحاج منصور."
شهقت حياء بصدمة من كلام ابنها:
"انت بتقول إيه يا صالح؟ انت لازم تكون هنا من بدري. ولا في خطوبة بتحصل من غير العريس؟ أوعى تقولي إنك هتسافر."
وقف أمام المرآة يسرح شعره، ليقول بعملية:
"معلش بقى يا أم صالح، لازم أطلع على بورسعيد. في بضاعة جاية للجمارك ولازم أستلمها بنفسي وأشيك عليها. إنتِ عارفة الحاج كبر ومينفعش هو يروح وأنا موجود، وإن شاء الله هاجي بعد المغرب. هنحمل البضاعة على التريلا (عربية النقل) على العصر وهجيبها وأجي بإذن الله. وأي حد يبقى يجي من بورسعيد بالعربية بتاعتي."
حياء بخوف عليه:
"انت اللي هتطلع على التريلا؟ خلي بالك على نفسك يا صالح، الطريق مالوش أمان."
ابتسم وهو ينحني ليقبل رأسها ويديها:
"سلميها لله يا أم صالح."
بص في المرآة يعدل حزام البنطلون، لتكتمل هيئته الرجولية الوسيمة، فهو صاحب قوام رجولي ممشوق.
وصل صالح مينا بورسعيد حوالي الساعة الثامنة صباحًا هو وصديقه علي. وصلا الجمارك منتظرين وصول شحنة كبيرة من القماش ستُنقل للمخازن الخاصة بعائلة الشهاوي.
وقف مع عامل من عمال النقل في المينا.
صالح بجدية: "يعني شاكر ضرغام كان ناوي ياخد الشحنة دي؟"
العامل: "ده اللي سمعته وعرفت إنه كان هيموت عليها، وإن شاء الله حتى ياخدها من تحت الترابيزة ولو هيدفع لكل اللي في المينا ر"شوه. لكن الحكومة الأيام دي مشددة على كل البضاعة اللي داخلة المينا."
حك صالح ذقنه النابتة بشك واستغراب وهو يبص لعلي.
ظابط الجمارك: "تعالى افطر يا صالح، لسه الشحنة موصلتش وغير الإجراءات على الساعة حداشر."
صالح حط إيديه في جيب البنطلون وهو يبص للبحر وبجدية: "تسلم يا محمد، فطرت مع الحاج في البيت."
ابتسم محمد بحسرة: "تصدق يا جدع، أقسم بالله أنا نسيت معنى الفطار في البيت من يوم ما اتجوزت وسيبت بيت أمي. ولو قلت كلمة واحدة تقولي العيال والبيت مش فاضية، كلام النسوان اللي ما ياكلش عيش ده."
مال صالح لعلي يسأله بحيرة: "هو الجواز وحش للدرجة دي ولا إيه؟"
"زي الزفت... حاجة كدا زي تكفير عن الذنوب اللي عملتها طول حياتك. أوعى تتجوز يا صالح، إنت كده ملك أقسم بالله."
علي بمرح: "يا جدع اسكت، الراجل خطوبته النهاردة، مش عايزين نطفشه من أولها كدا، خليه يعيش له يومين."
صالح بمرح: "أنا بعد اللي سمعته بفكر أغير رأيي."
ضحكوا التلاتة، ليقول محمد بسعادة: "ألف مبروك يا جدع، مش تقول كدا من الأول، كنت أديك طاقة تفاءول."
لؤي شفتيه بسخرية: "تفاءول إيه يا جدع، روح منك لله."
بعد عدت ساعات من العمل الجاد المرهق بتحميل البضائع على عربيات النقل (التريلا) وإنهاء الأوراق الخاصة بالجمارك.
صعد صالح الشاحنة الضخمة.
بيسوق التريلا في طريقه لإسكندرية مع أذان العصر، ووراه عربيتين تانيين كبار. كان قاعد جنبه علي ليقول بشك:
"تفتكر شاكر ليه كان عايز الشحنة دي، مع إنه أصلاً بيشتغل في السمك ومالوش علاقة بالقماش؟ تفتكر بيعمل كدا عشان يرازي فيك؟"
صالح بجدية: "معتقدش. شاكر دلوقتي عايز يعوض الخسارة اللي عنده، وشحنة القماش دي جايه بسعر مناسب، لو قدر يسوقها صح كان هيعرف يغطي الخساير اللي عليه."
"عندك حق."
اكتفى علي بالكلمة دي، وهو بيفكر في شاكر وإد إيه هو إنسان حقير.
بعد حوالي نص ساعة، كان علي شارد الذهن وهو يبص للموبايل بتاعه. صالح بص له باستغراب، لأنه قاعد ومركز في الموبايل بطريقة ملفتة. كان فاتح صفحة على الفيسبوك باسم "Habiba Kassem".
بيبص للموبايل بسخرية وهو شايف صاحبة الأكونت حاطة بوست على الفيسبوك: "الحب!!! إن باعك الحب عليك إلا تشتريه ولو بأرخص ثمن."
علي محسش بنفسه غير وهو بيدخل ويكتب: "البشر مخادعون... كانت دائمًا تمثل البراءة في أوفى صورها، وفي لحظة أظهرت عن الشيطان بداخلها، ذلك الشيطان المهووس بالمال."
كان هيضغط على إرسال، لكن صالح شد منه الموبايل بسرعة وهو بيوقف التريلا، بيدوس فرامل بقوة لدرجة إنهم اندفعوا لقدام، لكن استعادوا توازنهم بالتدريج.
صالح بحدة وغضب من صاحبه: "انسى حبيبة يا علي. دي اتجوزت خلاص وأنت عارف اتجوزت مين... شاكر ضرغام. ابعد عن الشر وغني له، بلاش تدخل في حياتها، إنت متعرفش إيه اللي جبرَها تتجوزه. وأكيد هو بيراقب موبايلها، بلاش تأذيها يا أخي."
صرخ علي بجنون: "فما السبب الذي يجعلها تتخلى عنه؟ فهو أحبها منذ أن كان بالثانوية وهي تعرف ذلك، تعرف ذاك جيدًا. كان بينهم محادثات كثيرة، فهي ابنة حارته من نفس عمره تقريبًا، أو لأكون دقيقة، أصغر منه بشهور."
"الفلوس... هي اتخلت عن حبي ليها علشان الفلوس. لا وايه، طول الوقت طالعة كأنها البنت البريئة الملاك من السما، وهي كدابة وغشاشة."
ربت صالح على كتفه ليخفف عنه شعوره بالألم، هو يعلم جيد كم يحب حبيبة. ولكن الشيء الصادم للجميع أنها تركته فجأة وتزوجت من شاكر (اللي حاول يقتل صالح).
علي شاب على عكس صالح، من طبقة اجتماعية بسيطة. مكافح بسيط ذكي، قدر يكمل تعليمه ويجوز أخته، وبدأ يعدل من مستواه، اشترى شقة جديدة أكبر من شقتهم، لكن بالتقسيط، ورفض أي مساعدة من صالح غير أجرة على الشغل، ومع ذلك هما صحاب جدًا.
صالح بجدية: "طب هات الموبايل دا... وبلاش شغل العيال دا، دي ست متجوزة دلوقتي، وإنت مش صغير."
أخذه وحذف التعليق وخرج من صفحتها.
"على الله يا علي تعمل كدا تاني، فوق لنفسك. حبيبة اتجوزت، حطها حلقة في ودنك."
علي دار وشه وبص من إزاز التريلا بضيق وغضب، لكنه يقسم بداخله يعشق تلك الفتاة، لطالما كانت صديقته أو كما يسميها ملاك الرحمة. تميزت عن جميع الفتيات وخَطفت قلبه، لتصدمه بالنهاية بزواجه من عدوهم شاكر ضرغام، لكن دا كله قبل سنتين، لكن هل ننسى من...
صالح بص له وهو بيدور الشاحنة تاني ولنفسه:
"حبيبة مش وحشة أوي زي ما إنت فاكر يا علي، ربنا يكون في عونها على اللي عايشة فيه."
في مكان آخر.
بيت كبير واسع جدًا ملكًا لشاكر ضرغام.
جرس الباب يرن، خرجت بنت من المطبخ. جميلة، نحيفة، على وجهها قسمات الحنان والطيبة، رقيقة، وقسمات القوة اكتسبتها من سباق الركض بين عقلها وقلبها، والقدر المؤلم الذي جعلها زوجة شاكر ضرغام، رغم أنه أكبر منها بـ 15 سنة، لكن قدرها أن تقع تحت يدي ذلك الأربعيني. شعرها البني منسدل على ظهرها بنعومة.
"حبيبة قاسم."
فتحت الباب وعلى وجهها ابتسامة رقيقة اعتادت أنها ترسمها، تخفي بها مرارة زواجها الفاشل.
"خالتي أم محمد وهي بتمسح وشها من العرق: حبيبة، الحقيني بكوباية مياه، الجو حر أوي."
حبيبة بابتسامة سعيدة: "وحشتيني أوي يا خالتي، تعالي ادخلي. حاضر ثواني."
دخلت المطبخ بسرعة، طفت عن الأكل وأخذت كوباية مياه وطلعت بسعادة.
بعد دقائق في الصالون.
حبيبة كانت قاعدة على الكنبة وهي ساندة دماغها على إيديها وساندة على مسند الكنبة وراها، وبتسمع خالتها وهي بتشتكي منها.
حبيبة: "يعني عايزة إيه يا خالتي؟ بتلفي وتدوري عليا وحاسة إن الزيارة دي وراها حاجة."
أم محمد: "بصي يا حبيبة، من الآخر كدا، جوزك هو اللي بعتني وعايزني ألين دماغك اللي زي الحجر دي، إنتِ كدا بتخربي على نفسك."
حبيبة بغضب ومع ذلك خوف منه: "هو بيشتكي لك مني؟"
أم محمد: "أيوه يا عنيا. بيقول إنك بتتلعبي عليه ومش عارف ياخد منك حق ولا باطل، حتى لما بتكونوا سوا مش عارف يطول منك حاجة. وكمان موضوع الخلف.ة."
حبيبة بحزن وطيبة: "أعمل إيه بس؟ مش عايزاه أخلف منه، إنتِ عارفة إني مش بحبه، أنا بكره نفسي لما بيقرب مني. لولا إني تعبت منه وخايفة، كنت طلبت الطلاق."
ضربت أم محمد على صدرها بقوة من كلام حبيبة الطايش: "إيه ده يا حبيبة؟ إنتِ بتقولي إيه؟ اكتمي خالص. عارفة لو سمعك هيعمل إيه فينا؟ هيقطع خبرك من على وش الدنيا. وبعدين إيه يعني؟ دا جوزك يا بت، ومن حقه عليك إنك تجيب له حتة عيل يشيل اسمه ويكوش كل دا. إنتِ عارفة إنه مخلف من مراته الأولى بنت، ومراته التانية مخَلفتش، الدور عليكِ تجيبي له الواد وتِقَوّشي."
حبيبة بقلة حيلة وسخرية: "اديكي قولتيها يا خالتي، أنا التالتة. ههه. قال جوزي قال. أنا لما اتجوزت شاكر كان عندي اتنين وعشرين سنة، ودلوقتي عندي أربعة وعشرين. عارفة يا خالتي؟ السنتين دول ضرب وإهانة وحبسني في البيت. فين وفين على ما بخرج. أنا بكره اليوم اللي بيجي فيه، وتقوليلي جوزك؟ منه لله اللي كان السبب. منه لله على البهدلة اللي أنا فيها. ولما أزعق وأقول كفاية وأدور على حد يقف قُصاده ملقيش حد منكم. سبيني في الغلب اللي أنا فيه يا خالتي."
أم محمد بجدية وخوف: "أوعي يا حبيبة تكوني بتشوفي اللي اسمه 'علي' دا."
حبيبة بصت له وسكتت، لكن للحظة ابتسامتها ظهرت. فاقت من شرودها على صراخ مرات خالها: "إيه ده يا حبيبة؟ لا تكوني لسه بتفكري فيه. فُوقي يا بت، ينهار مالوش ملامح. لو جوزك شك في حاجة هيطيّن عيشتك."
حبيبة بسخرية: "متخافيش أوي كدا، أنا نسيته أصلاً. وبعدين شاكر مانعني من الخروج. خليه يعمل اللي هو عايزه، مدام كله بالضرب والإهانة، يبقى ينسى موضوع الخلف.ة ده. لا يمكن أخلف من واحد زيه."
وإن شاء الله هرفع عليه قضية خلع وأخلص منه.
أم محمد بشك:
أوعي تكوني بتاخدي حاجة لمنع الحمل يا حبيبة؟
حبيبة بارتباك بتحاول تداريه:
هاخد إيه يعني؟ بقولك أنا عاملة الأكل اللي بتحبيه، هغرفلك.
قامت بسرعة ودخلت المطبخ. قعدت على كرسي السفره وشرّدت للماضي، واد إيه نفسها ترجع له. بقالها سنتين في الغلب ده مع شخص عمرها ما حبّته ولا هتحبه في يوم.
افتكرت "علي"، أكتر شخص كانت بتحبه وأكتر شخص حنين في الدنيا.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم دعاء احمد
وصل صالح الإسكندرية وبالتحديد يقف في أحد مخازن القماش لعائلة الشهاوي.
مرر يديه على رقبته بتعب من الطريق.
مط على شفتيه بغضب من صديقه ليقول بخفوت:
"صالح يا جدع روح ياله العشاء هتاذن الحق روح غير واللحق الناس اللي مستنينك.
ولا انت عايز تصغر الحاج جلال ولا إيه حكايتك."
ابتسم صالح ابتسامة بعيدة تمام عن المرح ليقول بجدية:
"أفضل مع العمال يا علي بعد ما يخلصوا تتأكد من كل حاجة وتقفل كويس.
وتنبه على الغفر ياخدوا بالهم..... ياله يدوب ألحق أنا الناس اللي في انتظار هات مفاتيح الموتسكل بتاعك."
ابتسم علي بمروغة وهو يمرر يديه في شعره قال بمرح وأسلوب مضحك:
"مش عارف من غيري كنت هتعمل إيه خد يا وحش ألف مبروك مقدماً."
ضحك صالح وهو يربت على كتف صديقه قال بحماس:
"نردهالك في الأفراح إن شاء الله."
خرج من المخزن تحت نظرات علي الحزينة عند تذكره لتلك الفتنة التي يعشقها.
النصيب قيود من نيران أحياناً تهلك أرواحنا تجعلها معذبة في الهوى.
مؤلم جداً أن تتظاهر أنك بخير مع أنك في الواقع تحترق ببطء.
علي عبد المنعم.
_______________________________
خرج صالح من المخزن كان واقف قدام دراجة بخارية دورها بالمفتاح لتطلق صوت مزعج أثر تشغيل المحرك.
ركب الموتور في طريقه للبيت زود السرعة لينطلق بسرعة عالية.
هو كم يعشق تلك الدرجات على الرغم أن سيارته مريحة جداً.
لكنه واقع في عشق الموتور إحساس بالحرية السرعة الجنون أحياناً.
كأنها تمثل البشر في تهورهم واندفاعهم.
وأحياناً في رغبتهم في الحرية المطلقة للجنون.
رغم ذلك كان حريص دائماً حتى لا يؤذي أحد.
يبدو للبعض شي تافه لكن لكل امرئ نصيب من الجنون في الحياة ربما شغف.
فلا تناقش رجل إن أحب شي.
بعد مدة بسيطة.
وقف يزرار قميصه الكحلي ابتسامة وسيمة ظهرت على شفتيه حك دقنه النابتة وهو ينظر في المرآة.
بص في الساعة لكن وسع عينيه بدهشة لأنه اتأخر وحالاً لازم يكون في بيت الحاج منصور.
وصل بعد ربع ساعة جلال بص له بارتياح كان خايف يتأخر أكتر من كدا.
حياء أول ما شافته راحت ناحيته بخوف:
"صالح اتأخرت ليه حصل حاجة طمني انت كويس."
ابتسم وهو يقبل قمة رأسها بحب:
"متخافيش يا أم صالح الحمد لله عدت على خير."
انطلقت الزعاريد في كل أرجاء البيت والأغاني.
حضر الخطوبة الحاج عمران (كبير الحارة) ابتسم وهو بيسلم على صالح بص له بنظرة غريبة شايف راجل قدامه قدر يوفي بكلمته.
شخص واحد وقف قدام قوانينهم ويقولهم دا ميرضيش ربنا.
بص لجلال وابتسم ليقول بفخر:
"انت محظوظ يا جلال عرفت تربي راجل من ضهر راجل. ابن جلال بصح."
ابتسم صالح بحدة دليل على عدم الارتياح له.
هو يعلم جيداً أن ذلك الرجل.
لطالما سقى قلوب المظلومين العلقم.
ليقول بحدة وقسوة وعينيه الزيتونيه الداكنة تبرز وحش غاضب بداخله:
"وانت كنت فاكر إيه يا حاج عمران. أنا أديت كلمة.
وعمري ما أكسر كلمتي مدام رافع وناصر. الحق."
اتكى على تلك الكلمة بقسوة ليحمحم عمران بحرج بعد فهم ما يريده صالح وقد نجح في إحراجه.
انطلقت الزغاريد من ناحية أوضة زينب.
الكل بص ناحية نورهان اللي بتزغرط وهي طالعة من الأوضة مع زينب.
واقفة قدام بهيئتها المميزة ترتدي فستان فضي رقيق جداً.
صاحبة ملامح رقيقة بشرة صافية.
عينيها الدخانية الداكنة.
وآه من تلك الغيمة في عينيها.
وكأن جمالها يكتمل مع عينيها البريئة.
ربما عادية بسيطة لكن هناك شي مميز.
يبدو عليها.
لأن الرمادي الأقرب للأسود في عينيها.
هو سيد الألوان يجمالها يحليها.
انحدرت عيني صالح على فستانها المحتشم ومع ذلك يظهر أنثى بجسد ممشوق.
فهي تتميز بحلاوة شرقية تخطف العقول.
زينب اتوترت من نظراته الواضحة والصريحة لتجبرها قدماها على الاستمرار في طريقها ناحيته تتمنى لو أن تنشق الأرض وتبلعها.
رغم أنها محجبة وملابسها تداري تفاصيلها لكن لأول مرة ترى منه نظرة.
وقحة. صريحة. واضحة. والاغرب أنه لا يخجل من النظر إليها هكذا وسط هذا التجمع كأنها حق من حقوقه لكن في صميم نفسه أنه تربى على غض البصر فلما تلك النظرات الآن.
ربما أول مرة يركز معها بالطريقة دي لكن رغبة قوية بداخله تدفعه لمعرفة كل شي عنها لحد دلوقتي.
شايف.
بنت جميلة جداً. بسيطة. ملامح حزينة. لكن في جزء كبير من حياتها لسه مجهول.
مد يديه وهو بيبصلها بتركيز كانت بتبصله بقوة غريبة وكأنها بتحاول تستكشف اللي عيونه مخبية ويا ترى حكايتهم الغريبة دي مصيرها إيه.
وضعت يديها بين يديه مسكها بقوة يتجه ناحية الكرسي المخصص لهما.
وسط نظرات الحب الفرح السعادة والكره السخط والغضب تمت خطبتهم وتحديد الفرح بعد أسبوعين.
السرعة دي كانت موترة زينب.
لكن ما يريده الله هو ما سيحدث.
فهي على ثقة تامة بأن إرادة الله فوق كل شيء.
لم تتخيل بحياتها أنها ستكون زوجته.
فأهلاً بما يريده الله.
ولكن يأتي القدر برياح الهوى. القسوة. الدموع.
الساعة اتناشر بليل.
جلال كان ساند دراعه على كتف حياء وهما طالعين السلم وباين فرحتهم لأولادهم.
صالح كان لسه قاعد في عربيته يشعر بإنشاء غريب يجتاحه.
___________
صعد يوسف السلم بسرعة وهو بيمسك إيد إيمان كأنه عايز يخط*فها بسرعة قبل ما صالح يدخل أو جلال يشوفه.
إيمان بفزع ودهشة:
"يوسف."
وضع يديه على شفتيه بمعنى اسكتي.
إيمان بحدة وهي بتشد إيديها من بين إيديه بغضب:
"في إيه يا حيلتها ما تحترم نفسك ولا عشان بقيت خطيبي لا فوق قسماً بالله أصوت وأخلي صالح يتصرف هو معاك."
هز رأسه بتعب من عنادها:
"ممكن أفهم في إيه؟ يعني من كم يوم كانت خطوبتنا وانتي كنتي فرحانة وجميلة وكيوت كدا ليه قلبتي فجأة ممكن أعرف."
مسمست شفتيها بطريقة شعبية أصيلة:
"ولا حاجة ابقى أسأل روحك وانت تعرف."
يوسف بغمزة وابتسامة مرحة:
"ما أنا بسألك أهو يا روحي."
لوت شفتيها بغيظ وغيره لتنفجر من الغضب:
"يوسف مين حنين دي. اللي كل دقيقة والتانية بتكلمك واحنا في الخطوبة."
مال عليها وهو يشعر بسعادة لرؤية غيرتها الواضحة رد بمراوغة ونفس أسلوبها:
"وانتي مالك مش انتي لسة بتقولي حي الله مخطوبين مالك بيا بقى."
وسعت عينيها بصدمة ورغبة قوية في الانقضاض عليه لكن أخلاقها منعتها وبحدة وقوة:
"ماشي يا جو كلها أسبوعين و ابقي مراتك وساعتها ورب الكعبة لأيكون باسورد موبايلك معايا. هو إيه صحيح الباسور."
ابتسم يوسف بمراوغة وقحة وهو يغمز لها:
"لا طبعاً مينفعش يا قلبي دا عليه حاجات للكبار."
احمر وجهها بغضب وغيظ من هذا السليط لتقول بحدة:
"بج*ح. صا*يع. من*حت أنا هفركش الخطوبة سلام."
ضحك بسعادة لرؤية مشاعرها المضطربة مابين الخجل تخفيه بقناع الغضب. الغيرة. الحدة.
يوسف: إيمان.
أدارت قبل ما تطلع شقتهم وهي بتبصله بوجه كاتم لكن تحول لذهول وهي تراه يرسل على قب*لته على الهواء.
"بتعمل إيه يا صايع انت بتسغفلنا يا روح أمك."
لم يكن سوى صالح الذي صعد الدرج للتو وهو يرى ابن عمه وأخته.
إيمان وهي بتضحك:
"حلال عليك العل*قة يا جو سلام يا روحي."
تحول وجه يوسف للشحوب وهو يرى صالح ينقض عليه بعنف.
اقترب منه صالح بغضب وهو يمسك عنق قميصه وبدون مقدمات وقصف بعنف أمام عينيه وبغضب وحدة:
"بتعمل إيه يا روح أمك انت بتستهبل يالا ولا فاكر نفسك بقيت جوزها فوق يا حيلتها علشان قسماً بالله دلوقتي حالا أخليها ترمي الدبلة في وشك.
معندناش بنات تقف تتكلم على السلم وإذ كنت نسيت الأصول وانت برا مصر كنت تجيلي وأنا أعلمهالك.
لما تحب تكلمها تيجي بالأصول وتستأذن تقعد قدامنا."
يوسف بفظاظة واستفزاز:
"وماله بكرا تبقى مراتي وفي حضني وساعتها ميبقاش ليك كلمة عليها."
صالح بهدوء ما قبل العاصفة:
"إيه البجا*حة اللي انت فيها دي يالا. ما تحترم إنها أختي.
لما تبقى مراتك دا لو بقت بس معتقدش."
ابتسم يوسف باستفزاز وهو بيبعد إيد صالح عن ياقة قميصه بيحط دراعه على كتف صالح بعفوية ليردف بهيام:
"الحب يا جدع."
سابه وكان نازل لشقته لولا أن صالح بحركة سريعة حط رجليه كعائق أمام يوسف بمجرد ما جيه ينزل اتعكبل لولا أنه مسك في تربزين السلم.
بص لصالح بغيظ:
"طب روح يا صالح يا ابن عمي اللهي تنكوي بنار الحب ويبعد حبيبك عنك وتدوق عذابه."
صالح ضحك بسخرية على شكل يوسف وطلع شقته.
==================
في صباح يوم جديد.
في بيت شاكر ضرغام.
حبيبة صحيت من النوم بملل كعادته هيكون يوم ممل تفضل قاعدة طول النهار في البيت لوحدها ممنوع أنها تخرج أو تكلم أي حد.
ودا تقريباً من بعد جوازها من شاكر بتلات شهور.
يسيبها أيام طويلة بيفضل مع مراته الأولى.
يمكن هي مش زعلانة بالعكس دي أكتر حاجة بتفرحها لأنه مبيجيش لها إلا لما يكون عايز مزاجه منها.
ابتاعت مرارة العلقم الذي تعيش فيه منذ سنتين في سباق مع الحياة.
لكن ابتسمت بسخرية من تحكمات شاكر فيها وتمردها عليها وخروجها.
قامت دخلت أخدت دش بعد دقايق خرجت وقفت قدام المراية ولاهى لابسة بلوزة مكتنزة بأكمام طويلة.
بنطلون جينز أزرق واسع رفعت شعرها في كحكة فوضوية تبرز جمالها وأناقتها.
فهي صاحبة الشعر البني المتموج يوحي لك عن امرأة متمردة رغم ذلك ضعيفة.
المتمردة المكسورة الشرسه.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم دعاء احمد
لما يأتي العوض على هيئه رجل طيب حنون القلب يعشق بصدق يختلف عن جميع البشر. يأتي القدر عنوة عنا لكن ما الطف ذلك القدر.
مع خصلات شعرها الأبيض يحكي الزمان حكاية قلبنا عشقا بضراوة. قلبنا لن يفرقهما الا الموت. فهل أتي معاده؟
حوالي الساعه السادسه مساء.
تقف حياء أمام المراءه تشعر بالارهاق وخصوصا في الفتره الاخيره لكن لم تبوح لاحد بذلك الأمر فقط لا تريد أن تقلقه.
ابتسم ذلك الستيني و الذي مازال بقلب شاب في الثلاثين يعشق زوجته يعرفها أكثر من نفسه و كأنها كتاب مفتوح امامه.
كيف تكون بتلك الشفافيه والصدق و الله أن كان كل البشر مثلها.
لمضي زمن الكذب والنفاق و بقى الصدق.
شعرت بذراعه تلتف حول خصرها بقوه وهو يسند راسه على كتفها ليهمس بحنان.
"ايه اللي بيوجعك؟"
ابتسمت بهدوء لم يعد هناك شي يصدمها منه مع مرور السنوات أصبحت تعتاد على تصرفاته. يعرفها من نظره واحدة.
"مفيش شويه إرهاق عادي يعني بقولك هنروح لايمان الاول و لا نطلع لصالح."
هز راسه برفض و مازال ينظر للمراه أمامهم ليقول بجديه.
"لا دا و لا دا. اولا لو روحنا لايمان يوسف اصلا مش هيفتح الباب دا ابن أيوب يا ماما.
نسيتي أيوب و لا أيه. سبيهم.
و صالح لا سبيه ياخد وقته مع زينب و بعدين أهل زينب هيكونوا موجودين بلاش نطلع النهارده تعالي نخرج سوا."
"هنروح فين؟"
"اي مكان. نقعد على الكورنيش هجيبلك حلبسه انتي بتحبيها ياله غيري و انا هغير بسرعه."
"حلبسه يا جلال اخرتها معاك حلبسه عايزه غزل البنات و هريسه."
ابتسم بخبث ذكوري و غمزه شقيه.
"من عيوني لاجل عيونك."
بعد مده قصيره.
تجلس بجواره امام البحر على الصخور العاليه تستند براسها على كتفه وهي ممسكه بكوب حمص الشام الساخن بين يديها.
يتاملها أحيانا و ينظر احيانا للأمواج أمامه.
يستشعر السعاده بجوارها.
شي ك الكمال في حياته.
منذ ذلك اليوم الذي رآها في سوق السمك و حياته تغيرت بالكامل.
أبتسمت بسعاده و هي تراه يمسك بيديها يشبك أصابعه بأصابع يديها.
أنعكاس السماء السوداء المتالالاه بالنجوم للامعه على سطح البحر وقد أعطت للمكان سحرا خاص به.
مع المباني الشاهقه والمنيره من الجهه الأخرى بجمال.
والمراكب على سطح البحر مضيئه ومزينه بمصابيح تسحر الأعين بانعكاسها على الماء أيضا. بدا الجو مرهف الاحساس و كأن الأمواج تصدر نغمات يتراقص لها القلوب المتحابه.
تنهدت براحه استشعرها قلبها بجواره.
"جلال عارفه انه سؤال غبي بس افرض مكنتش قابلتك زمان و لا كنا شوفنا بعض كنت هتعمل ايه. ولا انا كنت رجعت مصر اصلا."
وضع يديه على خصرها يحيطها بابتسامه نقيه.
"يمكن تزعلي من اللي هقوله لكن هي الحقيقه اللي مقدرش انكرها.
كنت هتجوز أي بنت أمي تختارها.
مش مهم بحبها ولا لاء مش مهم ارتاح معها و لاء.
المهم افرحهم بيا و بأولادي.
زي أي بيت عادي زوج و زوجه.
لكن عمري ما كنت هحس بقلبي وهو بيتسرق مني مع كل ضحكه وابتسامه.
عمري ما كنت هحب الحياه جانبك.
عمري ما هتغمرني السعاده زي معاكي من اول لحظه. من اول لمسه. تعرفي حتى اسمي حبيته من بين شفايفك فاكر اول مره نطقتي اسمي.
كنت بحسه عادي من كل البشر لكن من شفايفك بيبقى ليه طعم حلو اوي. بيخليني كدا عايز اعمل حاجه هموت واعملها."
"جلال احنا في الشارع احترم نفسك وسنك."
قهقه بصخب ربما يقصد ما يفعله لرؤيه خجلها ذلك لن تتغير وردة برية نقية لن يقطفها أحد.
ستظل مزهره جميلة كلما اشتاق لها مال عليها يرتوي من عشقها و هي تبتسم له و تمر السنوات بينهم.
نهض جلال من مكانه وهي تتبعه وقفت بجواره وهو يحاسب على المشروبات و الجلسه البسيطه.
"تعالي يا حياء."
مسك يديها بين يديه. نظرت له بشك.
"هنروح فين؟"
ابتسم وهو يقبض بقوه على يديها يمر بها للجانب الاخر من الطريق.
"هجيبلك آيس كريم."
توقفت بارتياب في منتصف الطريق و عينين مذهولتين.
"جلال انا كنت بهزر. انت فاكرني طف."
بترت جملتها حينما مالي عليها جلال على اذنيها يدللها بمراوغته الرجوليه.
"عنوة عن الجميع. حبيبتي و سادللها."
أبتسمت تلك البسمه الجميله التي وعدته بها منذ زمان طويل.
ليكمل جملته بجديه تليق بجلال الشهاوي.
"متخافيش آيس كريم سكره مظبوط قليل شويه و بعدين دا مطعمك."
أراحت كف يديها بين يديه على يقين تام أن والدها اختار لها الرجل الحقيقي تلك العمله النادره التي نبحث عنها في مجتماعنا.
حيث أصبح حب الزوج لزوجته شي نادر قلما نراه.
أو نشعر بالدهشه لمجرد ذكر ان الحب موجود بينا فعلا.
لكنه موجود على يقين تام بذلك.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم دعاء احمد
آآهات من قلب شاب على الحب وقد ظن أنه ولي زمن الشعور به... لكن هيهات وصلت البهية وعبثت بمشاعره... تاركه خلفها فوضى غير قابله للتعديل.
صعد صالح نحو شقته بعد توديعه لاقارب زوجته... رغم شعوره بنيران تحرق صدره.
(كأتون) مشتعل بضراوة يكاد يفقده صوابه و هو يتذكر نظرات رشاد لزينب... يشعره برغبه قويه في الانقضاض عليه والفـتك به.
وقف للحظات أمام باب شقته وعقله يدور في مئه اتجاه... هو أيضا رجل ويعرف ماذا تعني تلك النظرات.
الوصف صادقا فهو بين غضب قوي نحوها وخوف بل رعب في أن يوذيها بأي كلمه باطله ظالمه لها.
وضع المفتاح في المكان المخصص له يفتح الباب ليصدر صوت يعلن عن وصوله.
بينما تقف زينب في حمام غرفتها تغسل وجهها تمحي أثر الدموع... فتهديد رشاد لها واضح وصريح أنه لن يتركها.
"زينب... زينب"
سمعت صوت الاجش بنبرته الغاضبه ينادي عليها زادت نبضات قلبها وكأنها تتصارع مع احدهم والخوف ينهش قلبها وعقلها.
أخذت المنشفه تضعها على وجهها تحاول جاهدة أن تبدو طبيعيه.
خرجت بعد ثواني وعلى محياها ابتسامه مطصنعه لكن لاباس بها.
"نعم..."
أجابته بهدوء وهي تحاول ألا تنظر إليه... عينيها مؤكد ستفضح خوفها.
للحظات وقف يتأمل تلك النظرات الخافته ليتاكد لديه شعوره بشيء مريب.
ليحدثها بجديه غير قابله للمزاح.
"اعمليلي فنجان قهوة ساده وهاتيه على المكتب."
لا يعرف لماذا لا يسألها عن شكه... ربما ينتظر أن تبدأ هي وتحكي له عن ما بداخلها.
خوفها... ذاك الارتباك الواضح عليها.
نظرت لظهره وهو يتوجه ناحية غرفة المكتب بخطوات ثابته وتشنج ملحوظ كأنه يعاني غضب هائل مكبوت بداخله.
فهو صارحها منذ البداية أنه لا يحب الأسرار... لا يحب الصمت.
تنهدت وهي توليه ظهرها تتجه نحو المطبخ.
وقفت للحظات تبحث عن عدة القهوة.
ابتسمت بدهشه وهي تنظر بداخل أحد أدراج المطبخ حيث وجدت موقد الكيروسين والركوه التي تغلي بها القهوه... والأقداح البيضاء لتقديم القهوه.
بدأت بعمل القهوة كما تعلمتها من والدتها في السابق.
بعد لحظات سمع صوت طرقات على باب مكتبه.
أجابها بهدوء وهو ينفث ما بداخله من غضب وغيره تنهش به.
"ادخلي يا زينب."
فتحت الباب وتقدمت منه ببطء.
"اتفضل قهوتك."
أجابها بجديه وهدوء.
"اقعدي يا زينب."
بللت شفتيها بخوف وهي تضغط على يديها تجلس أمامه وهي تراه يمسك القلم يدق به على سطح المكتب بثبات ولحظات الصمت بينهم آه من لحظات الصمت.
مهلكه لروحها مذبذبه لكل ذره بكيانها.
رفع فنجان القهوة وتذوقه بتلذذ.
القهوة من تحت يديها بها شيء حلو... شيء يصفي المزاج وكأنها أحد المكيفات المذهبه للعقل.
قهوتها مثلهم بها شيء يجعله متسلطن للحظات... حتى تنتهي.
كرواية مشوقة جميله أسوأ ما بها... آخر صفحة.
ابتسم وهو يضع الفنجان على المكتب.
"قهوتك غريبه لها طعم مختلف."
زينب بابتسامه جميله.
"الغريب في البيت دا إن في وابور جاز و كنكه ويعني فكرني بأيام زمان."
ابتسم وهو يهز رأسه.
"ماما أكيد هي اللي جايبه الحاجة دي... زينب قلتلك مبحبش حد يخبي عليا حاجة... وأنا مش هجبرك على حاجة بس صدقيني لو خبيتي عليا حاجة تخص علاقتنا هتزعلي أوي لأنك متعرفنيش لسه."
طريقته وتقلبه بين المرح والجديه يجعلها مرتبكه تشعر بأنها تقع في منحدر أفكارها أعمق نقطة في منحدر أفكارها... كأنه أخادود مظلم لا ترى به أي شعاع للنور.
"عارفه... هو ممكن أروح أوضتي... عايزة أنام."
"اتفضلي."
تركها تفتح الباب تخرج وعينيه لا تفارق طيفها.
آتي صوته من خلفها بدون مقدمات قائلا بتملك وغيره.
"خليكي عارفه إنك بقيتي تخصيني يا زينب."
توقفت وهي تستدير رفعت عينيها عليه بتردد وقلبها ينبض بقوه تكاد تشعر بنغزات الألم بسبب سرعة خفقاته حتى جسدها تيبس بمكانه وهي تتطلع له وتستند بيديها على الحائط كأنها تستمد منه تلك الصلابه التي غادرتها و تركتها في تلك اللحظة تحديد.
يكمل بنفس القوة والثقة وعينيه مثبتة عليها.
"بقيتي تخص صالح الشهاوي."
يجزم أنه سمع نبضات قلبها المتضاربه.
شعور غريب بداخلها بين الرغبة والرهبة.
أبعدت نظرها عنه وهي تتوجه ناحية غرفتها.
يبدو وكأن احدهم ألقى عليها لعنه منذ لقائهما الأول بالأ تعرف طعم النوم بينما هو ابتسم فمنذ فترة قصيره كان يرفض تمام الارتباط والآن بدأ هناك عبث بداخله غريبه.
رغبه ورهبه من ماذا... من الحب!!!
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم دعاء احمد
هل أخبرك بأحد أسراري؟
أنا أحبك… بين طيات قلبي محفور اسمك…
تقف إيمان أمام حاجز النافذة تضم جسدها بيديها… تخاف… هي من تدفعه ليستمر في تحقيق حلمه… لكن هل حقًا مستعدة للبعد؟… يتركها شهور يسعى وراء هدفه وهي أيضًا تسعى من أجل حلمها…
مر يومان وهي في صراع… بين رغبتها ورهبتها.
أفاقت من شرودها على صدح رنين جرس الباب… استدارت تأخذ حجابها من على ذراع الكرسي في غرفة نومها.
خرجت بعد ثوانٍ وهي تضبط هيئتها.
إيمان: مين؟
= أنا يا إيمان…
ابتسمت بلهفة ما إن سمعت صوت والدها.
احتضنته بسعادة واشتياق.
"بابا… أنا محتاجة أتكلم معاك…"
انتاب جلال الشعور بالخوف… ليقول بضراوة وهو يبعدها عن أحضانه:
"في إيه؟ انتي كويسة؟ يوسف عملك حاجة؟"
ابتسمت بسعادة ولمعت عيناها بحب.
= تعالي بس ادخل كدا يا باشا… أول مرة تيجي البيت بعد جوازي بعد أربع أيام… أربع أيام يا بابا… والله لو كان عدى النهاردة من غير ما أشوفك كنت هعيط… أهل العروسة بيجوا من يوم الصباحية…
تشرب إيه؟… هنتغدى سوا الغداء جاهز ومافيش أعذار.
ابتسم بود وهو يستقر على الأريكة.. يغمض عينيه..
"انتي عارفة مبعرفش آكل من غير حياء وهي أكيد مستنياني… احكيلي بقى في إيه.. مالك؟"
جلست أرضًا تضع رأسها على قدمه تضم جسدها.
= يوسف عنده شغل ضروري في لندن ويمكن يسافر كمان شهر بالكتير أوي… وشغله هناك هياخد وقت طويل يمكن سنتين… وأنا مش عارفة أعمل إيه يا بابا خايفة.
مرر أصابعها بشعرها الأسود.
"إنت شايفه إيه يا إيمان… يفضل ولا يسافر؟"
إيمان:
"أنا عارفة إن ده حلمه ومينفعش يتخلى عنه لكن… لكن برضه مش عايزاه يسيبني يا بابا… إنت فاهم قصدي؟ أنا خايفة من البعد."
"طب ما تسافري معاه؟"
سألها بارتياب وتوجس.
إيمان بذهول:
"أنا أسافر برا مصر؟ لالا… مش هعرف…
أنا عاملة زي السمكة أخاف أخرج من الماية… إسكندرية بالنسبة ليا حياتي أخاف أخرج منها… أي مكان في مصر أقدر أتأقلم عليه لكن براها…
ومع ذلك مش عايزة أسيبه يسافر… إحساس متناقض أوي يا بابا إني أبقى عايزاه معايا ومش عايزاه يسيب حلمه… أعمل إيه؟"
جلال بجدية:
"بصي يا إيمان هقولك المفيد.. أي واحدة عايزة تحافظ على بيتها وجوزها بتفضل معاه في أي مكان… يعني مثالًا انتي هتسبيه يسافر دلوقتي.
المفروض إنك هتشتغلي في المستشفى هنا كمان أسبوعين بالكتير.
وطبعًا دخولك العمليات مش هتكوني الطبيبة الرئيسية لحد ما تثبتي إنك قادرة فعلًا على تحريك إيدك بمهارة وأنا واثق إنك قادرة على ده… هتاخدي مثلًا تلات شهور… أنا من رأيي تفضلي هنا المدة دي وبعدها يكون معاك شهادة رسمية إنك تقدري تشتغلي في أي مكان وتسافري ليوسف هتفضلوا مع بعض لحد ما يخلص مشروعه وترجعوا… ترجعوا يا إيمان…"
أخذت نفسًا عميقًا بحيرة ليبتسم أبوها بحب وهو يتلمس وجهها بحنان.
جلال بهدوء:
"بصي يا إيمان يوسف هو اللي بعتني ليكي النهاردة، أنا كنت جايلك بس لقيته جاي الوكالة قالي إنك عايزة تتكلمي مع حد ومفيش غيري هيفهمك… وموصلك معايا رسالة.
اللي إنتِ عايزاه هو هيعمله لو قلتي لا مش هيسافر وهيفضل معاكي.
ولو وافقتي هيسافر…"
"بابا أنا بحب يوسف، وبحب أشوفه بيحقق أحلامه وبيسعى ليها.. وللأسف اتربيت على الشغف وإني أتابع أحلامي وأثق إني هحققها في يوم من الأيام.
وأنا واثقة أوي في يوسف وأفديه بعمري وأروح معاه مكان ما يكون وحضرتك عندك حق هفضل معاه بس هستنى هنا شوية لحد ما آخد ما يثبت إني أقدر أمارس مهنة الجراحة وهسافر لها بس وعد هنرجع… هنرجع سوا عشان البلد دي تستاهل إننا نديها."
حاوط وجهها بيديه وهو يطبع قبلة على قمة رأسها بحب.
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي."
في تلك اللحظة صدح رنين جرس الباب.
جلال بغمزة:
"ده يوسف… أنا هدخل أشوفك عاملة غدا إيه؟"
نظرت له بارتياب ثم قامت لتفتح الباب تتفاجأ فعلاً به.
يوسف بسعادة:
"متأكدة من قرارك؟"
ربعت يديها بغضب أمام صدرها.
"ده انتوا متفقين بقى؟"
دلف لداخل منزلهما وهو يغلق الباب خلفه ممسكًا بيديها متوجهًا ناحية غرفتهما.
إيمان: يوسف استنى… بابا هنا.
يوسف: ما أنا عارف.. تعالي بس.
بداخل غرفتهما..
يمسك حقيبة سفره يضعها على الفراش أخرج منها علبة قطيفة سوداء تبدو في غاية الأناقة… أوقفها أمام المرآة يقف خلفها لتشعر بشيء بارد على عنقها.
نظرت للمرآة أمامها، فتحت فمها بدهشة وهي تراه يغلف مفتاح عقد أنيق من الألماظ!!!
إيمان: يوسف؟ أي ده…
حاوط خصرها وهي ينظر للمرآة أمامه لي انعكاسها المندهش.
= هديتك…
"بس انت اشتريت شبكة غالية ليا… وده شكله شكله غالي أوي."
ابتسم بود وهو يطبع قبلة سطحية على خدها الناعم كملمس الورد.
= دي هديتك مني مالهاش علاقة بالشبكة.. وبعدين مفيش حاجة تغلى عليكي حتى يوسف نفسه… أنا سمعت كلامك مع عمي أصل نسيت أقولك هو أنا طلبت منه يفتح السبيكر وأنتم بتتكلموا كنت عايز أطمن إنك موافقة بجد…
إيمان بعتاب:
"ليه انت مش واثق فيا وفي كلمتي ليك؟"
= واثق أكتر إنك مش عايزاني أتخلى عن شغلي عشان كده كنت حابب أسمعها منك بس بعيد عني مع حد تكوني بتعرفي تحكي ليه اللي في قلبك زي باباكِ.
إيمان بحب:
"اطمنت خالص خلينا بقى نقفل الموضوع ده عشان أنا وأنت وصالح وزينب وبابا وماما مسافرين بكرة المنصورة هنقضي أسبوع هناك وأهو نغير جو وكمان نكون كلنا سوا قبل ما تسافر."
"ماشي يا ستي يالا نخرج نقعد مع الحاج."
======================================
في وقت لاحق.. في شقة جلال.
تقف زينب بجوار حياء يثرثران فيما يخص أمور النساء.
كل واحدة منهما مشغولة بصنع وجبة معينة للغداء.
حياء بود:
"قوليلي بقى إنتِ وصالح علاقتكم ماشية إزاي… أنا عارفة ابني صعب شوية بس طيب والله."
كانت زينب تعطيها ظهرها تقلب الحساء أخذت علبة الشطة دون وعي لتضع منها مرة أخرى وهي تبتسم وتشعر بشيء كالسحر وهي تتذكر معاملته معها طوال الأربع أيام الماضية.
كم أنه غريب متقلب حنون لكن ما زال هناك جزء غامض من شخصيته لم تعرفه بعد.. جزء إن ظهر سيجعلها تود الموت حقًا.
"الحمد لله.. الصراحة من يوم جوازنا وهو بيعاملني بما يرضي الله."
حياء:
"يارب دايما يا زينب أنتِ تستاهلي كل خير."
سمعا صوت الباب يفتح ويغلق ليعلما برجوع جلال وصالح من الوكالة.
بينما طفت زينب عن الأكل وبدأ في تجهيز السفرة.
جلال بصخب كعادته:
"يا أهل البيت… حد قايل راسه."
حياء:
"تعالي يا جلال…"
دلف للمطبخ وهو يتمتم ببعض الأذكار.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ابتسم وهو يقبل قمة رأسها ليتحدث بخوف بعد رؤية شحوب وجهها في الفترة الأخيرة مع هزلان جسدها.
"كويسة دلوقتي؟"
"جلال أنا كويسة متقلقش والله العظيم كويسة."
جلال بحدة: والله ما مصدقك يا حياء وخلي في علمك إني حجزت عند دكتورة هنروح سوا بعد المغرب.
حياء: طب اهدي كدا مفيش حاجة تستاهل كل ده.. أنا كويسة أومال فين صالح؟
صدح صوته من خارج المطبخ بمرح.
"أنا هنا يا جميل… واقع من الجوع."
حياء بحب: ثواني والأكل يكون جاهز يالا يا زينب.
___________________________________
في وقت لاحق.
كانت زينب جالسة على طاولة الطعام بجوار صالح الذي كان منشغل بالحديث مع والده فيما يخص العمل في الوكالة.
أخذ جلال يسعل بقوة وقد احتقن وجهه من النيران المشتعلة بداخله من أول ملعقة وضعها بفمه.
وضع يديه على قلبه وهو يسعل بحدة.
انتفضت حياء من مكانها تتناول كوبًا من الماء تعطيه له.
أخذ يرتشف بتعثر من كوب الماء محاولًا إخماد الحريق الذي لحق بحلقه.
وقف صالح بجواره وقلبه منقبض من الرعب على والده.
صالح بخوف: في إيه يا حج… أكلم الدكتور؟
أخذ نفسًا بطيئًا وهو ينظر لها وعيناها المترقرقان بالدموع ابتسم بعيدًا عن المرح فقط ليهدأ من روعها.
"أنا كويس متقلقوش… بس أنتم ليه حاطين شطة كتير كدا على الأكل… ده نار."
حياء بخوف ودموع:
"بس أنا مش بحط شطة على الأكل وعاملة زي ما بتحب…"
كانت نظرات صالح قاتلة للحظات وهو يمسك ملعقته يتذوق الحساء ليرفع وجهه المحتقن.
زبلت ملامح زينب ما إن تقابلت عيناها بعين صالح المشتعلة بنيران الغضب فقد كان يحدق بها بوجه متصلب وعلامات الشر مرتسمة عليه.
مما جعل وجهها يشحب وقد جفت الدموع بعروقها فورًا إدراكها أنها من فعلت ذلك دون إدراك فقط كانت شاردة الذهن لتضع كمية كبيرة من الشطة بالطعام لتخرب الطعام دون قصد.
أطلقت تأوهًا متألمًا منخفضًا عندما قبض على يديها من أسفل الطاولة يعتصرها بقوة مؤلمة من بين يديه وهو يزمجر بصوت قاسٍ لاذع بجانب أذنها.
"وحياة أمي لأدفعك الثمن غالي أوي اصبري عليا."
همست بصوت مرتعش تحاول التبرير.
"أنا…"
أنا ما كنتش أقصد والله.
رمقها بقسوة وهو يزيد من ضغطه على يديها، يتحدث بنبرة يتخللها الغضب العارم:
"نطلع شقتنا بس..."
حياء: جلال، تعالي استريح وأنا هجهز لك أي حاجة تانية، يالا لو سمحت.
وضع يديه بيديها، ساعده على الخروج من المكان.
صالح: خالي عنك.
مسك بيد أبيه، ساعده حتى أجلسه في فراشه.
صالح بجدية: متأكد إنك كويس ولا أكلم الدكتور؟
جلال بصرامة: أنا كويس يا جماعة، في إيه؟ والله كويس، يالا اطلعوا كملوا أكلكم وأنا...
حياء بمقاطعة وغضب بين دموعها:
"صالح، سيبنا لوحدنا دلوقتي..."
أومأ برأسه بقلة حيلة وهو يخرج من غرفة والده، يغلق الباب خلفه بغضب.
حياء بدموع: أنا آسفة، معرفش إزاي ده حصل، والله العظيم أنا آسفة... بص، هكلم دكتور مصطفى يجي علشان نتطمن، مش هيحصل حاجة لو اطمنا... ياريتني أنا.
مرر يديه على وجنتيها، يمسح دموعها الحارقة لروحه:
"طب ينفع كدا؟ بتعيطي لي؟"
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم دعاء احمد
هل أخبرك بأحد أسراري؟
أنا أحبك… بين طيات قلبي محفور أسمك…
تقف إيمان أمام حاجز النافذة تضم جسدها بيديها… تخاف… هي من تدفعه ليستمر في تحقيق حلمه… لكن هل حقا مستعدة للبعد؟… يتركها شهور يسعى وراء هدفه وهي أيضا تسعى من أجل حلمها…
مر يومان وهي في صراع… بين رغبتها ورهبتها.
أفاقت من شرودها على صدح رنين جرس الباب… استدارت تأخذ حجابها من على ذراع الكرسي في غرفة نومها.
خرجت بعد ثوانٍ وهي تضبط هيئتها.
إيمان: مين؟
أنا يا إيمان…
ابتسمت بلهفة ما إن سمعت صوت والدها.
احتضنته بسعادة واشتياق.
"بابا… أنا محتاجة أتكلم معاك…"
انتاب جلال الشعور بالخوف… ليقول بضراوة وهو يبعدها عن أحضانه:
"في إيه؟ انتي كويسة؟ يوسف عملك حاجة؟"
ابتسمت بسعادة ولمعت عينيها بحب.
"تعالى بس ادخل كدا يا باشا… أول مرة تيجي البيت بعد جوازي بعد أربع أيام… أربع أيام يا بابا… والله لو كان عدى النهارده من غير ما أشوفك كنت هعيط… أهل العروسة بيجوا من يوم الصباحية…"
"تشرب إيه؟… هنتغدى سوا الغداء جاهز ومفيش أعذار."
ابتسم بود وهو يستقر على الأريكة… يغمض عينيه…
"انتي عارفة مبعرفش آكل من غير حياء وهي أكيد مستنياني… احكيلي بقى في إيه… مالك؟"
جلست أرضًا تضع رأسها على قدمه تضم جسدها.
"يوسف عنده شغل ضروري في لندن ويمكن يسافر كمان شهر بالكتير أوي… وشغله هناك هياخد وقت طويل يمكن سنتين… وأنا مش عارفة أعمل إيه يا بابا خايفة."
مرر أصابعها بشعرها الأسود.
"انت شايفه إيه يا إيمان… يفضل ولا يسافر؟"
إيمان:
"أنا عارفة إن دا حلمه ومينفعش يتخلى عنه لكن… لكن برضو مش عايزاه يسيبني يا بابا… انت فاهم قصدي؟ أنا خايفة من البعد."
"طب ما تسافري معاه."
سألها بارتياب وتوجس.
إيمان بذهول:
"أنا أسافر برا مصر؟ لالا… مش هعرف… أنا عاملة زي السمكة يا بابا أخاف أخرج من الميه… إسكندرية بالنسبة لي حياتي أخاف أخرج منها… أي مكان في مصر أقدر أتأقلم عليه لكن براها…"
"ومع ذلك مش عايزاه يسافر… إحساس متناقض أوي يا بابا إني أبقى عايزاه معايا ومش عايزاه يسيب حلمه… أعمل إيه؟"
جلال بجدية:
"بصي يا إيمان هقولك المفيد.. أي واحدة عايزة تحافظ على بيتها وجوزها بتفضل معاه في أي مكان… يعني مثالاً انتي هتسيبيه يسافر دلوقتي."
"المفروض إنك هتشتغلي في المستشفى هنا كمان أسبوعين بالكتير."
"ودخولك العمليات مش هتكوني الطبيبة الرئيسية لحد ما تثبتي إنك قادرة فعلاً على تحريك إيدك بمهارة وأنا واثق إنك قادرة على ده… هتاخدي مثلاً تلات شهور… أنا من رأيي تفضلي هنا المدة دي وبعدها يكون معاك شهادة رسمية إنك تقدري تشتغلي في أي مكان وتسافري ليوسف هتفضلوا مع بعض لحد ما يخلص مشروعه وترجعوا… ترجعوا يا إيمان…"
أخذت نفسًا عميقًا بحيرة ليبتسم أبوها بحب وهو يتلمس وجهها بحنان.
جلال بهدوء:
"بصي يا إيمان يوسف هو اللي بعتني ليكي النهارده… أنا كنت جايلك بس لقيته جاي الوكالة قالي إنك عايزة تتكلمي مع حد ومفيش غيري هيفهمك… وموصلك معايا رسالة."
"اللي انتي عايزاه هو هيعمله لو قلتي لا مش هيسافر وهيفضل معاكي."
"ولو وافقتي هيسافر…"
"بابا أنا بحب يوسف… وبحب أشوفه بيحقق أحلامه وبيسعى ليها… وللأسف اتربيت على الشغف وإني أتابع أحلامي وأثق إني هحققها في يوم من الأيام."
"وأنا واثقة أوي في يوسف وأفديه بعمري وأروح معاه مكان ما يكون وأنت عندك حق هفضل معاه بس هستنى هنا شوية لحد ما آخد ما يثبت إني أقدر أمارس مهنة الجراحة وهسافر لها بس وعد هنرجع… هنرجع سوا عشان البلد دي تستحق إننا نديها."
حاوط وجهها بيديه وهو يطبع قبلة على قمة رأسها بحب.
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي."
في تلك اللحظة صدح رنين جرس الباب.
جلال بغمزة:
"دا يوسف… أنا هدخل أشوفك عاملة غدا إيه؟"
نظرت له بارتياب ثم قامت لتفتح الباب تتفاجأ فعلاً به.
يوسف بسعادة:
"متأكدة من قرارك."
ربعت يديها بغضب أمام صدرها.
"دا أنتم متفقين بقى؟"
دلف لداخل منزلهما وهو يغلق الباب خلفه ممسكًا بيديها متوجهًا ناحية غرفتهما.
إيمان: يوسف استنى… بابا هنا.
يوسف: ما أنا عارف… تعالي بس.
بداخل غرفتهما…
يمسك حقيبة سفره يضعها على الفراش أخرج منها علبة قطيفة سوداء تبدو في غاية الأناقة… أوقفها أمام المرآة يقف خلفها لتشعر بشيء بارد على عنقها.
نظرت للمرآة أمامها، فتحت فمها بدهشة وهي تراه يغلف مفتاح عقد أنيق من الألماس!!!
إيمان: يوسف؟ إيه دا…
حاوط خصرها وهي ينظر للمرآة أمامه لي انعكاسها المندهش.
"هديتك…"
"بس أنت اشتريت شبكة غالية ليا… ودا شكله شكله غالي أوي."
ابتسم بود وهو يطبع قبلة سطحية على خدها الناعم كملمس الورد.
"دي هديتك مني مالهاش علاقة بالشبكة… وبعدين مفيش حاجة تغلى عليكي حتى يوسف نفسه… أنا سمعت كلامك مع عمي أصل نسيت أقولك هو أنا طلبت منه يفتح السبيكر وأنتم بتتكلموا كنت عايز أطمن إنك موافقة بجد…"
إيمان بعتاب:
"ليه انت مش واثق فيا وفي كلمتي ليك؟"
"واثق أكتر إنك مش عايزاني أتخلى عن شغلي عشان كده كنت حابب أسمعها منك بس بعيد عني مع حد تكوني بتعرفي تحكي ليه اللي في قلبك زي باباكِ."
إيمان بحب:
"اطمنت خالص خلينا بقى نقفل الموضوع ده عشان أنا وأنت وصالح وزينب وبابا وماما مسافرين بكرة المنصورة هنقضي أسبوع هناك وأهو نغير جو وكمان نكون كلنا سوا قبل ما تسافر."
"ماشي يا ستي ياله نخرج نقعد مع الحج."
======================================
في وقت لاحق… في شقة جلال
تقف زينب بجوار حياء يثرثران فيما يخص أمور النساء.
كل واحدة منهما مشغولة بصنع وجبة معينة للغداء.
حياء بود:
"قوليلي بقى انتِ وصالح علاقتكم ماشية إزاي… أنا عارفة ابني صعب شوية بس طيب والله."
كانت زينب تعطيها ظهرها تقلب الحساء أخذت علبة الشطة دون وعي لتضع منها مرة أخرى وهي تبتسم وتشعر بشيء كسحر وهي تتذكر معاملته معها طوال الأربع أيام الماضية.
كم أنه غريب متقلب حنون لكن مازال هناك جزء غامض من شخصيته لم تعرفه بعد… جزء إن ظهر سيجعلها تود الموت حقًا.
"الحمد لله… الصراحة من يوم جوازنا وهو بيعاملني بما يرضي الله."
حياء:
"يارب دايماً يا زينب أنتِ تستاهلي كل خير."
سمعا صوت الباب يُفتح ويُغلق ليعلما برجوع جلال وصالح من الوكالة.
بينما طفت زينب عن الأكل وبدأت في تجهيز السفرة.
جلال بصخب كعادته:
"يا أهل البيت… حد قايل راسه."
حياء:
"تعالي يا جلال…"
دلف للمطبخ وهو يتمتم ببعض الأذكار.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ابتسم وهو يقبل قمة رأسها ليتحدث بخوف بعد رؤية شحوب وجهها في الفترة الأخيرة مع هزلان جسدها.
"كويسة دلوقتي؟"
"جلال أنا كويسة متقلقش والله العظيم كويسة."
جلال بحدة: والله ما مصدقك يا حياء وخلي في علمك إني حجزت عند دكتورة هنروح سوا بعد المغرب.
حياء: طب أهدي كدا مفيش حاجة تستاهل كل ده… أنا كويسة أومال فين صالح؟
صدح صوته من خارج المطبخ بمرح.
"أنا هنا يا جميل… واقع من الجوع."
حياء بحب: ثواني والأكل يكون جاهز ياله يا زينب.
___________________________________
في وقت لاحق
كانت زينب جالسة على طاولة الطعام بجوار صالح الذي كان منشغل بالحديث مع والده فيما يخص العمل في الوكالة.
أخذ جلال يسعل بقوة وقد احتقن وجهه من النيران المشتعلة بداخله من أول ملعقة وضعها بفمه.
وضع يديه على قلبه وهو يسعل بحدة.
انتفضت حياء من مكانها تتناول كوب من الماء تعطيه له.
أخذ يرتشف بتعثر من كوب الماء محاولًا إخماد الحريق الذي لحق بحلقه.
وقف صالح بجواره وقلبه منقبض من الرعب على والده.
صالح بخوف: في إيه يا حج… أكلم الدكتور؟
أخذ نفسًا بطيئًا وهو ينظر لها وعينيها المترقرقة بالدموع ابتسم بعيدًا عن المرح فقط ليهدأ من روعها.
"أنا كويس متقلقوش… بس أنتم ليه حاطين شطة كتير كدا على الأكل… دا نار."
حياء بخوف ودموع:
"بس أنا مش بحط شطة على الأكل وعاملة زي ما بتحب…"
كانت نظرات صالح قاتلة للحظات وهو يمسك ملعقته يتذوق الحساء ليرفع وجهه المحتقن.
ذبلت ملامح زينب ما إن تقابلت عينيها بعين صالح المشتعلة بنيران الغضب فقد كان يحدق بها بوجه متصلب وعلامات الشر مرتسمة عليه.
مما جعل وجهها يشحب وقد جفت الدموع بعروقها فورًا إدراكها أنها من فعلت ذلك دون إدراك فقط كانت شاردة الذهن لتضع كمية كبيرة من الشطة بالطعام لتخرب الطعام دون قصد.
أطلقت تأوه متألمًا منخفضًا عندما قبض على يديها من أسفل الطاولة يعتصرها بقوة مؤلمة من بين يديه وهو يزمجر بصوت قاسٍ لاذع بجانب أذنها.
"وحياة أمي لأدفعك التمن غالي أوي اصبري عليا."
همست بصوت مرتجف تحاول التبرير.
"أنا…"
أنا ماكنتش أقصد والله.
رمقها بقسوة وهو يزيد من ضغطه على يديها، يتحدث بنبرة يتخللها الغضب العارم:
"نطلع شقتنا بس..."
حياء: جلال، تعالي استريح وأنا هجهزلك أي حاجة تانية. ياله لو سمحت.
وضع يديه بيديها، تساعده على الخروج من المكان.
صالح: خالي عنك.
مسك بيد أبيه، ساعده حتى أجلسه في فراشه.
صالح بجدية: متأكد إنك كويس ولا أكلم الدكتور؟
جلال بصرامة: أنا كويس يا جماعة. في إيه... والله كويس. ياله اطلعوا كملوا أكلكم وأنا...
حياء بمقاطعة وغضب بين دموعها:
"صالح، سيبنا لوحدنا دلوقتي..."
أومأ برأسه بقلة حيلة وهو يخرج من غرفة والده، يغلق الباب خلفه بغضب.
بالداخل.
حياء بدموع: أنا آسفة. معرفش إزاي دا حصل. والله العظيم أنا آسفة... بص، هكلم دكتور مصطفى يجي عشان نتطمن. مش هيحصل حاجة لو اطمنا... ياريتني أنا.
مرر يديه على وجنتيها، يمسح دموعها الحارقة لروحه.
"طب ينفع كدا؟ بتعيطي ليه؟"
مرر جلال يديه على وجنتيها، يمسح دموعها الحارقة لروحه.
"طب ينفع كدا بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا كويس. بس الظاهر إني فعلاً كبرت وأي أكل فيه شطة بيتعبني... وبعدين إيه؟ ياريت انتي دي... حياء، مبحبش الطريقة دي. ويا ستي أنا آسف لو قلقتك، بس والله العظيم أنا كويس. ممكن بقى تبطلي حركاتك العيال دي وتبطلي عياط؟"
حياء بغضب ووجه أحمر:
"حركات عيال؟ أنا يا جلال... ماشي يا سيدي. ممكن بقى ترتاح وأنا هطلع أجهز أي حاجة خفيفة."
كانت ستغادر المكان لولا جذبه لها، دافناً وجهه بعنقها قائلاً بصوت مريح هادئ:
"ششش، أنا كويس. اهدي... خدي نفس. بطلي جلال كويس طول ما حياء كويسة... متخافيش."
حاوطته بذراعيها، تستمد منه الأمان وهي تغلق عينيها، تتنفس ببطء.
"وأنا مش عايزاه حاجة من الدنيا غير إن جلال يكون دايماً كويس لأنه وطني."
جلال بخبث ومراوغة ذكورية:
"طب ما تجيبي بو... سه كدا ولا أتركنا على الرف؟"
حياء بغيظ: "والله العظيم قليل الأدب ومش هتتغير."
مال عليها يقبل وجنتها بعبث رجولي.
"وعمري ما هتغيري."
ابتسمت بهدوء وشغف لرؤية مشاكسته تلك، يود لو يحتضنها، يسكنها بداخل صدره ليصبحا شخصاً واحداً.
أو ليس كذلك؟ بلي، إنهما جسدان بروح واحدة.
***
بعد مرور نصف ساعة.
صعدت زينب لشقتها، والقلق يتسلل لقلبها بعنف. تقف بتوجس خلف باب الشقة، تستمع لصوت قدمه يصعد الشقة.
ما إن فتح الباب حتى أرخت دفاعاتها وهي تنظر لما بين يديه، وهي طنجرة الحساء التي صنعتها.
نظر لها بوجه خالٍ من التعبيرات، حاد غريب.
ليضع الطنجرة على الطاولة أمامها.
أشار برأسه نحوها بصرامة وعيناه تشتعلان بنيران محرقة قائلاً بصرامة:
=شايفة الحلة دي... تشربيها كلها.
تراجعت للخلف بذهول وعيناها تترقرق بالدموع قائلة بتوتر:
=بس دي... دي فيها شطة كتير... أنا كدا هتعب.
صاح بغضب وحدة وهو يندفع نحوها قابضاً على ذراعها يهزها بقوة وقسوة:
=ولما انتي خايفة على نفسك أوي كدا مخوفتيش على الناس الكبيرة اللي عندهم ضغط واللي هياكلوا من القرف دا.
... افرضي لا قدر الله أبويا جراله حاجة.
ليكمل وهو يدفعها بقوة نحو المقعد لتسقط جالسة عليه بوجه شاحب كشحوب الأموات:
:اشربي...
ظلت جالسة تتطلع إليه بعينين متسعتين ممتلئتين بالدموع فور إدراكها فضاحة فعلتها، فهي لم تفكر أبداً بإيذاء أي شخص.
ابتلعت بصعوبة لعابها، وما إن فتحت فمها بالاعتراض ولكنها أسرعت وأغلقت فمها وهي ترى تحفز عضلات صدره، والتي كانت تشير بأنه على حافة غضبه.
أمسكت الملعقة بيد مرتجفة، تشجع نفسها على تناولها حتى ينتهي هذا الأمر، فهو لن يتركها إلا بعد تنفيذ ما قاله.
أمسكت الملعقة ثم بدأت ترتشف الحساء، الذي ما إن وضعته بفمها حتى أطلقت صرخة متألمة،
شاعرة بنيران مشتعل بعنقها.
تركت الملعقة من يديها وهي تنظر لذلك الواقف بجوارها بعينين ممتلئتين بالدموع، لعلها ترق قلبه عليها، لكنه قاطعها بصوت صارم:
=أشربي...
ظلت صامتة تنظر لطنجرة الحساء الممتلئة وعيناها تترقرق بالدموع واليأس دب في قلبها.
ظل صالح ينظر لها وهي تأخذ ملعقة أخرى، حتى يوقفها ويعلمها أن تلك الأشياء لا يستهان بها.
لكن اتسعت عينيه بصدمة وهو يراها تقوم بحمل الطنجرة بين يديها، تقوم بالشرب منها مباشرة حتى تنتهي منها سريعاً.
شعر صالح بالصدمة تشل حركته فوراً، إن رأى ما فعلته، فهو كان سيجعلها ترتشف ملعقة أخرى ولم يكن ينوي تنفيذ تهديده.
اندفع نحوها يجذب الطنجرة بعيداً عن فمها، والتي قد ارتشفت منها أكثر من نصف محتواها.
=بتعملي إيه يا مجنونة؟
تركتها من يديها وهي تشعر بالنيران في كامل جسدها، لتنفجر باكية بانتحاب، تشعر بمعدتها تنعقد من شدة الألم.
ركضت نحو الحمام بتعثر وهي تضع يديها على بطنها، والتي كانت تؤلمها بشدة.
أسرعت بدخول الحمام مغلقة الباب خلفها بقوة.
بينما اندفع صالح وراءها، ينتابه القلق والخوف ينهش قلبه، أخذ يضرب على باب الحمام بقبضته.
=زينب... افتحي... انتِ كويسة...
لكنها لم تجبه، وكان الصمت سيد المكان، حتى سمع صوتها المتألم وهي تفرغ ما في معدتها، شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه، يكاد يحطم روحه عندما وصل لمسامعه صوت بكائها المرير.
لم يشعر بنفسه وهو يضرب على الباب بقوة يصرخ بها من شدة الألم الشاعر به.
=زينب افتحي، بدل ما أقسم بالله هكسر الباب.
لكن لم يجد منها أي رد فعل سوى البكاء الحاد، مع صوت تقيوها وشهقاتها المريرة. حاول فتح الباب لكن وجده مغلقاً من الداخل.
مرت بضع دقائق على هذا الوضع، يتمزق قلبه لما سببه لها من الألم، رغم تيقنه أنها لم تقصد ما فعلته.
فقط كان يريد تعليمها درساً، لكن هي فاقت كل التوقعات بفعلتها!
خرجت زينب من الحمام وهي تمسك بطنها من الألم، ووجهها وعيناها محتقناً باللون الأحمر الدامي. ألقت عليه نظرة لوم وعتاب قبل أن تمر بجواره تتجه ناحية غرفتها، تغلق الباب خلفها.
ألقت بجسده على الفراش وتبكي بعنف وغصة، لتقسم أن تجعله يذوق من نفس الكأس.
بينما وقف صالح يتابعها بندم، معتصر قلبه، ليتركها ويغادر المنزل.
***
بعد حوالي نصف ساعة.
دخل صالح المنزل، أغلق الباب ببطء، يمسك بين يديه كيساً عليه اسم الصيدلية، بعد أن اشترى لها بعض الأدوية.
حيث أخبر الطبيب عما تعانيه من الألم، أعطاه دواء مناسباً لها سيخفف ألم معدتها، ونصحه بجعلها تشرب كمية كبيرة من اللبن الرائب، لذا توجه إلى أقرب سوبر ماركت ليجلب الكثير من عبوات اللبن الرائب كما نصحه الطبيب.
وضع يديه على مقبض الباب، فتح باب غرفتها، لكن ما إن رآها حتى شعر بألم يعصف بروحه.
مستلقية على الفراش، تضم جسدها، متكومة بشكل محزن.
تبدو نائمة مع شعورها بالألم، ليبدو ذلك على تشنج ملامحها.
وعرقها، شعرها مشعث على وجهها الأحمر.
جعله يدرك عظمة خطئه.
تحرك نحوها وهو يجلس بجوارها، يحاول إيقاظها.
:زينب.. قومي، متناميش كدا..
تكلم بينما يضع يديه أسفل ذراعها، مساعداً إياها في الجلوس على الفراش، واضعاً بيديها إحدى عبوات الحليب قائلاً بحنان:
=اشربي دا.. هتكوني كويسة.
أطاعته بهدوء، عكس الغضب بداخلها، تقسم أن تجعله يئن من الألم مثلما فعل بها.
حقاً، إن كيدهن عظيم.
ظل يراقبها وهي ترتشف الحليب الرائب حتى أنهت العبوة، قام بتدبليها بأخرى، يحثها بلطف على ارتشافها، وما إن انتهت حتى بدلها بأخرى ممتلئة، لتهمس بصوت ضعيف:
=كفاية كدا، مش هقدر أكمل.
مرر يديه برفق على وجنتيها، مبعداً شعرها المتناثر عن وجهها، يضع وراء أذنيها.
ساعدها في تناول الدواء الذي جلبه لها، ثم جعلها تستلقي على الفراش مرة أخرى، هامساً بلطف:
=كويسة دلوقتي؟
بهدوء مصطنع: أحسن، بس عايزة أنام.
أنهت جملتها وهي تتمسك بالوسادة، تحاول كبت دموعها، ثوانٍ وغرقت في نوم عميق.
اتجه صالح نحو الحمام يبدل ثيابه، وما إن انتهى حتى استلقى بجانبها، كاسراً أي قواعد وضعها. شعر بالتردد للحظات قبل أن يقترب منها محتضناً إياها، مرر يديه برفق على ظهرها، دافناً وجهه بعنقه، يشعر بالراحة، حيث نام بعمق.
***
في الصباح.
استيقظت زينب وشعور غريب من الراحة يسيطر عليها، فلم تعد بطنها تؤلمها، ولم تعد تشعر بالنيران.
فتحت عينيها بصدمة عندما شعرت بجلد حار يلامس خدها، لتصطدم بوجهها مدفوناً بعنق صالح الذي يحضنها بقوة.
شعرت بكامل جسدها يهتز بعنف عندما وجدت أنه كان يحيطها بجسده الضخم، كما لو كان يخشى أن تهرب من بين يديه.
نزعت ذراعه برفق قبل أن تنهض بهدوء من جواره.
ظلت تنظر له بشر وغضب، رغم تذكرها لما فعله معها ليلة أمس واعتناءه بها.
لكن فور تذكرها للألم الناشب بمعدتها والذي جعلها تتلوى وتبكي لوقت طويل، ينتابها رغبة قوية في الانقضاض عليه، تذيقه من نفس الكأس.
ابتسمت بشيطانية وهي تنحني ببطء، تطبع قبلة هادئة على خده، لتمثل دور البراءة وهي تتجه نحو الحمام.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم دعاء احمد
ساعات طويلة من الانتظار لم يكل أو يمل من الجلوس بجوارها. تأملها بات الأجمل والأصعب مع تلك الكدمات الزرقاء التي تغطي ملامحها المحببة لقلبه.
ليست طفولية، ربما جمالها عادي، لكن تلك الملامح تحمل من البراءة. تحمل بين طياتها عناء ما تحملته.
رغم ذلك تبدو أجمل امرأة رآها.
مرر يديه ببطء يتحسس بشرتها بحنان وهو ينادي عليها بهمس:
"زينب"
لم تستجب له، تركت نفسها لرياح تقذفها لعالم موازٍ لا يوجد به سواد البشر، بل إنه صافٍ نقي مثل قلوبنا.
استقام وهو يجلب حقيبة اليد الخاصة بها. أخرج هاتفها، مرر أصابعه على عينيه.
فتح الخط يتصل بشخص ما من هاتفها ليرد بدون مقدمات:
"نورهان.. معاك صالح الشهاوي."
على الجانب الآخر.
جالسة في شرفة منزلها ترتشف من كوب الشاي حائرة، تنظر بشرود للباعة في الشارع على جانب الطريق، وأخوها الأصغر يلعب بمرح مع الأطفال.
صدح رنين هاتفها، ما إن رأت اسم المتصل ردت دون تفكير.
كانت تنتظر مكالمة زينب كما أخبرتها.
لكن ما فتحت الخط سمعت صوت رجولي خشن أثر إرهاقه.
انتبهت لشعور بالارتباك وهي تتعرف على هوية المتصل.
نورهان:
"أهلاً يا بشمهندس صالح.. هو في حاجة؟ زينب كويسة؟"
سألتها بارتياب.
صالح بجدية:
"نورهان معلش هطلب منك طلب.. زينب في المستشفى وأنا معها، وللأسف والدتي وأختي مسافرين ومحدش موجود منهم.
لو مفيش مشكلة ممكن توصلي البيت في مفتاح احتياطي محطوط في زهرية الصبار اللي جنب الباب، تفتحي وتجيبي غيار لزينب وأنتِ عارفة الحاجات اللي هتحتاجها.
إحنا في مستشفى (....). أنا لو أقدر أسيبها كنت روحت، بس للأسف هي كل شوية تصحى وتتفزع وترجع تنام، ومفيش حد جنبها، والحج منصور تقريباً محدش قاله، وأنا مش عايز أقلقه، دا راجل كبير مش هيستحمل."
نورهان بفزع ودموع:
"زينب مالها؟ حصل إيه؟"
شعر بألم يمزق قلبه وهو ينظر لها ليرد بقليل من الثبات:
"هي كويسة يا نورهان، بس مهم جداً إنك تبقي معاها، يعني أنتِ أقرب واحدة ليها، وأكيد لما تفوق هتحتاجك معاها."
جلست الأخرى على الأريكة القديمة وهي تضع وجهها بين كفي يديها تنتحب بصمت، ولكن لا وقت لكل هذا.
صالح بجدية:
"نورهان لو الموضوع فيه حرج ليكي إنك تروحي الشقة..."
قاطعته بصرامة وجدية:
"انت بتقول إيه؟ نص ساعة بالكتير وأكون عندكم.. بس ارجوك خد بالك عليها، وأنا هروح الشقة دلوقتي وهجيب لها كل اللي تحتاجه."
تنفس بصعوبة وكأن شيئاً ما يطبق على صدره يأبى تركه.
"متقلقيش عليها، أنا معاها."
أغلق الخط معها وهو يضع الهاتف جانباً. نظر لها بعينين غائرتين وعقله مشتت في جميع الاتجاهات.
ابتسم بود وهو يداعب وجهها بحنو، يمرر يديه على ملامحها.
استجابت وبدأت ملامحها بالانكماش، ثم حركت يديها بانزعاج وتعب وهي تبعد يديه عن وجهها.
فتحت زينب عينيها بزعر بعد أن تسرب ذلك المشهد قبل عدة ساعات.
صرخت باسمه وهي تنهض بقوة من مكانها:
"صالح"
جذبها بسرعة لاحتضانه وهو يهدئها ببعض الكلمات:
"اهدي يا زينب لو سمحت، إحنا في المستشفى.. خالص، دا كله كابوس مزعج وانتهى خالص.
أنا معاك."
بدأت فعلاً بتلك الكلمات تهدأ. مرة أخرى.
تتحسن وتنتظم أنفاسها المتسارعة.
مر وقت من الصمت، الهدوء المخيف حتى وصلت نورهان إلى المشفى.
كانت تجلس بجوارها تحضتنها وهي تمسد على شعرها بحنان، بينما الأخرى تئن بألم من كامل جسدها.
صعب عليه رؤيتها بتلك الحالة المزرية، مهما قاوم وحاول الصمود، الآن هو أضعف بكثير مما كان يعتقد.
كان يظن بأنه الأقوى، وأن العشق لن يمس قلبه مهما حدث، لكن تغير كل هذا حين رآها.
هو الآن أضعف من أن يراها هكذا.. ضعيفة.. مكسورة.. خائفة.
تمنى لو أن تتظاهر أمامه بالقوة.
تمنى لو رأى تلك المشاغبة.
لا يفضل رؤية الانكسار بعينيها. يموت بالبطيء عند تلك النظرة، يشعر بعجزه وتشكيك برجولته نحوها، فرجل ليس إلا حامي لعائلته، وهو عجز عن حمايتها بتلك اللحظة.
خرج من الغرفة وهو يتجه لأي مكان خارج المشفى ينفث سيجار.
الابن يرث عادة أبيه حين يغضب.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم دعاء احمد
ما إن ولجت نور الي مكتب وكيل النيابه حتى تشدقت بصدمه و هي ترى ذلك الوسيم الذي يدعي (باسل زيدان).
كيف تنسى اسمه وهي تفكر به كل أمسية.
فهو يتمتع بهالة رجوليه ذات تأثير قوي.
استدارت سريعا نحو الباب تحاول فتحه و الخروج لكن تسمرت مكانها بمجرد سماع صوت:
"اقف عندك.. ايه فاكرة دخول الحمام زي خروجه."
تضع يديها على مقبض الباب وهي تغمض عينيها بغضب قوي منه.
اخذت نفس عميق قبل أن تستدير له.
كان جالس على مقعده بغطرسه يضع ساق على الاخري بكبرياء يليق به.
ما ان رآها ابتسامة شقيه شقت شفتيه هي نفس الفتاة في المشفى قبل عدة ايام.
نور بغيظ:
"افندم؟"
اخفى تلك البسمه بمهارة وهو يترجل من مكتبه يضع يديه بجيب بنطاله يقترب منها بهدوء سام.
مع كل خطوه تزداد نبضات قلبها و يزداد غضبها و غيظها منه.
باسل باعجاب:
"انت بقى الشبح بتاع الاتوبيس؟"
اخذ يقترب منها و هي تبعد و وجهها محمر ليس خجل ابدا.. بل غضب غيظ اشمئزاز.
يبدو ذلك واضحا على قسمات وجهها.
نور:
"شبح لما يلهفك يا جدع انت بتقرب كدا والله العظيم أصوت و ألم."
مال على اذنيها بمراوغه ذكوريه:
"هو و أنت داخله مشوفتيش اللافته عليها وكيل النيابه.. يعني لو صوتي من هنا لبكرا محدش هيعبرك."
وجدت نفسها محاصره بين عينيه و الحائط خلفها.
و كم توترت و عينيها تقع على صدره العريض المشدود و ذراعه الصلابه الساند اياها على الحائط خلفها محاصر اياها.
وهو يتفقدها بتلك العيون العسليه.
كنمر يتربص فريسته.
بلعت ما بحلقها بارتباك تتمنى لو ترتدي قناع الشراسه ذلك مجدد لكن أين اختفى أمام اقترابه الضاري.
رائحه عطره تداهم انفها بقوه.
رفعت عينيها وهي تنظر لوجهه القريب منها.
انه وسيم.. انه اوسم رجل رأته طوال حياتها.
بشرته بيضاء متشربه قليلا من اشعه الشمس.
فاعطت له بشرة خمريه فاتحه.. ليس لديه لحيه يبدو و كأنه يحلقها يوميا فهي تبدو ناعمه خاليه من الشعر.
خصلات شعر شقراء ادت بريقا مع عينيه العسلي القاتمه و الضاريه اشبه باعين النمور المفترسه.
حاجباه حادين لكن جميلان.
كعينيه العسليه الحاده في تعبيرها.
ملامحه وسيمة لكنها قاسيه قليلا كهيئته المهيبه للجميع ولها أيضا.
لكن بالرغم من قسوة ملامحه و هيئته الضخمه.
كانت عيناه العسلي نهر من الدفء و واحتين من الامان.
لا تعرف لماذ خمنت هذا لكنه مجرد احساس.
اطالت تأمل ملامحه و هو لا يمنعها بل ظل يحدق بها بنفس التامل و سكون.
كما كانت هي تحفظ ملامحه بذاكرتها كان يقرأ ملامحها و كأنه أمام شاشه سينمائيه تذيع فيلم لا ينتهي و مع ذلك لا تمل العين من مشاهدته بل ظل هناك فضول لمشاهدته للنهايه.
اسلبت عينيها عنه قائله بحرج.
وكأنه قراء توترها ليبتسم بخبث و هو يبتعد يضع يديه بجيبه مجددا.
هيئته مهلكه حقا.
نور:
"هو انا هفضل في القرف دا كتير؟"
باسل بمكر:
"عارف عقوبه التعدي والضرب على حد ياخد اكتر من واحد وعشرين يوم علاج بتكون اد ايه؟"
انفعلت بقوه و هي تقترب منه:
"اه يعني هو يبقى عايز يتحرش بيا وانا ياعبني ابقى البنت الكيوت اللطيفه واسيب ايديه القذرة دي تلمسني.. دا لو فيها موتي كنت هعمل كدا برضو."
عينيها الشرسه تلك تجذبه بطريقه تجعله يرغب في الاقتراب منها.
وجد نفسه أمامها مره اخرى مالي على اذنيها قائلا بمراوغه وخبث:
"لا شرس يا شبح.. بس برضو مش هتفلتي من العقوبه القانون مالوش علاقه باللي بتقوليه دا.. و غير كدا كل اللي في الاتوبيس قالوا ان معملش حاجه.. وانك انتي اللي اتعديتي عليه بالضرب.. فكري بقى في اهلك لما تتسجني كم شهر."
انهي جملته وهو يوليها ظهره يبتسم بمكر.
ردت بتعثر و هي تفكر باخواتها الاثنان و ابيها:
"سجن.. بس.. انا معملتش حاجه علشان استاهل اتسجن و لا اللي بيدافع عن نفسه في زمان دا يشيل الطين."
ردت بعفويه مطلقه و هي تجلس على احد المقاعد تشعر بقدميها لم تعد تسعفاها على الوقوف اكثر من ذلك.
استدار لينظر لها لكن رأي لمحه من الدموع تترقرق بعينيها و لكنها تأبى السقوط أمامه كبريائها سينجرح لطالما عاشت حياتها بمظهر القوة.
اخرج محرامه و قدمه لها بينما أخذته هي بصمت تمسح وجهها ليجعلها ذلك تسمح لدموعها بالهطول.
كم تبدو جميله و شفافه ان رايتها تعتقد بأنك ترى الداخل و الخارج منها.
تنحنح باسل بجديه ليقول:
"تحبي تكلمي حد من أهلك؟"
نور:
"لو ممكن اخويا الصغير.. اكيد بيدوروا عليا بس اكيد موبيلي فصل والساعه دلوقتي واحدة ونص الوقت اتأخر اوي."
اتجه نحو مكتبه ياخذ هاتفه يمد يديه لها بالهاتف:
"ممكن تكلميه من معايا."
رفعت راسها و اهدته بسمة امتنان جميله و هي ترفع يديها لتأخذ الهاتف.
تتصل بهاتف منزلها ليرد الطرف الآخر مسرعا.
نور بلهفه:
"سيف.."
سيف بخوف:
"ابلة نورهان انت فين انا و عبد المنعم خوفنا عليك وانا روحت المصنع لقيته اتقفل من بدري."
نور بهدوء لتطمئنه:
"متخفش يا حبيبي انا كويسه هو بابا فين؟"
سيف:
"انا اديته الدوا من بدري حضرتك عارفه انه بينام بعديه سأل عليك قبل ما ينام و انا قولتله انك في الشغل."
نور بانتحاب:
"سيف خالي بالك على عبده و متخافش عليا.. انا.. انا عند ابله زينب و موبيلي كان فاصل رنيت من موبايلها."
سيف:
"يعني انتي كويسه.. صوتك متغير."
"والله كويسه.. المهم عبدو فين؟ اقفل باب الشقه عليكم يا سيف."
"حاضر يا ابله نور بس متتاخريش الصبح و طمنيني عليك انا هدخل انام مع عبد المنعم علشان خايف بيقول عايز حد يحكيله حدوته زي ما بتعملي."
نور:
"ماشي يا حبيبي خالي بالك على نفسك و على اخوك سلام."
اغلقت الخط و هي تضع الهاتف جانبا.
باسل بجديه:
"ياله بينا."
نور:
"فين؟"
استدار ياخذ جاكيت بذلته يرتديه اخذ هاتفه و مفاتيح سيارته قائلا بحدة:
"دلوقتي تعرفي ياله."
سارت خلفه ببطء تشعر بارتخاء اعصابها بشكل سي جدا ليلاحظ ذلك لكنه لم يعلق.
استقلت السياره بجواره بحرج.. انطلق باسل بعدها دون كلمه اخري.
اسنتدت راسها على زجاج النافذه بتعب وهي تنظر للطريق من خلالها كان داكن كئيب.
لم يهون عليها بل زاد الهم بقلبها الهش المعلق باخيها.
نظر لها باسل ثم نظر للطريق وهو يقود السيارة بصمت ثم عقب على هذا الإجهاد الظاهر على ملامحها.
"شكلك تعبانه."
هزت راسها بنفي و عينيها مازالت معلقه على الطريق.
"انا كويسه.. انا بس عايزه اطمن على اخواتي."
صمت لينظر للطريق أمامه احيانا يختلس النظر إليها من المرآه.
وقف أمام المشفى.
بعد حوالي ربع ساعه نظر لها ليجدها تنام بعمق مغمضه العينين.
اخذ ينظر لها طويلا.
كيف لملامحها أن تجمع بين شقين متباعدين.
القوة و الضعف.
كيف يبدو الضعف عليها بهذا الوضوح كأنها مرآه شفافه.
و أيضا قوة.
"نور.. نور.. اصحى."
فتحت عينيها ببطء و إرهاق.
"انا فين؟ هو ايه اللي حصل؟"
باسل:
"المستشفى ياله انزل."
نور:
"المستشفى؟ ليه؟"
اجابها بحده و غضب:
"انجزي."
دخلا سويا للمشفى و هي تسير ببط ليجد اثنان من طقم التمريض يسيران نحوهما.
مشرفة التمريض:
" ازايك يا باسل بيه.. نورت المستشفى."
باسل بجديه:
"بخير الحمد لله."
الممرضه:
"اتفضلي معايا يا انسه."
نور بارتباك واشاحت بنظرها له:
"في ايه؟"
باسل:
"روحي معاها متخافيش."
سارت مع الممرضه في ذلك الممر الطويل ببط وهي تشعر بقدمها تخونها و عينيها اصبحت أثقل ترتجف و هي تفقد قدراتها على التحرك و كان كل قواها قد خرت بتسقط مغشيا عليها يبدو التعب ظاهر على ملامحها و عينيها الحمراء بعد ما مرت به لأول مره سبع ساعات بالحجز و الخوف ينهش بأواصلها و النهايه تكون السجن.
كان وجهها شاحب وتحت عينيه ازرق.
المشرفه بخوف:
"نادي لاي حد من الممرضين يجي يساعدنا."
لكن ما رفعت عينيها تتجه لغرفه الممرضين وجدته يتقدم منها بخطوات مسرعه و عينيه مصوبه عليها انحني مسرعا يحملها بين ذراعيه و يدلف لاحد الغرف لابدا الممرضه بعمل اللازم لها.
في ممر المشفي.
يقف وهو يضع يديه في جيب بنطاله بينما يتحدث في الهاتف قائلا بجمود:
"ها يا رائف عملت ايه؟"
رائف:
"الراجل اياه في الحبس بس يا باسل دا مضروب و..."
قاطعه بصرامه و حده:
"الزباله دا كان بيحاول يتحرش بالبنت يستاهل اللي يحصله ميستحقش الرحمة ابقى أعرضه عليا بكرا."
رائف:
"طب و البنت دي؟ هتحقق معها وانت فين دلوقتي زيدان باشا كلمني و قال ان موبيلك مشغول و مش عارف يتواصل معاك."
باسل:
"موضوع البنت اتقفل."
أغلق الخط وهو يمرر أصابعه في خصلات شعره بحدة وغضب. فقط كان يستفزها بحديثه عن السجن أو ما شابه، لكن في واقع الأمر أنه أراد مشاكستها.
(بحلم بيك أنا بحلم بيك
و في أشواقي مستنيك
وان مسألتش فيا يبقى كفاية عليا
عشت ليالي هنية أحلم بيك أنا بحلم بيك)
أخذت زينب تستمتع بتلك الكلمات الساحرة لعبد الحليم حافظ. لا تدري متى أحبتها هكذا، متى أصبحت شغوفة بما يحب سارق قلبها. تشعر وكأنها ولدت على أنغام قلبه. راقٍ في جماله حقاً.
تنهدت زينب وهي تنظر للبحر وهي جالسة بجوار صالح، تستند برأسها على صدره العريض بينما يحاوطها بيديه. في أحد المراكب الصغيرة، ومعهم رجل يقدف بهما على الناحية الأخرى. وجواره المذياع يصدر أجمل أغاني عبد الحليم حافظ.
لا تدري ماذا فعل بقلبها. عبث بها باهتمامه، خوفه، لهفة عينيه تجعلها تغرق وتنغمس في عاصفة المشاعر تلك. منذ عودتهما من المشفى منذ يومان وهو لم يتركها لحظة. واليوم في حوالي الساعة الواحدة صباحاً يطلب منها أن ترتدي ثيابها مسرعة لرؤية شيء ما معه.
ليكون الأمر في النهاية تجلس بجواره في أحد المراكب الصغيرة المزينة بأنوار جميلة. رفعت زينب رأسها لعينيه فكان يضمها، ناظرين الاثنان لعذوبة الماء وحركتها. الهادي بهدير الماء المنعش وهواء الليل الذي يضرب وجوههما برفق. كان الجو الليلي في قلب البحر على أحد مراكب الصيادين متعة لا يعلم الكثيرون. وهي لم تجربها إلا بين أحضانه الآن. معه أحبت عذوبة وهدوء الليل، معه تذوقت طعم الحب، وقعت في الغرام.
خلقت من جديد والفضل يعود لصاحب الملامح الحادة الذي وقعت بحبه. شغل عقلها فجعل قلبها يخفق في رؤيته. عقلها مشتت في بعده، وعيناه تشتاق للنظر له. طالت النظر له وهي رافعة رأسها له. اخفض نظره لها وهو يبتسم بمراوغة.
"بتبصيلي كدا ليه؟"
زينب بتلقائية محببة لقلبه: "مش عارفة بس بحب أبصلك."
صالح: "إيه رأيك في المفاجأة؟"
أشاحت بنظرها عنه قائلة بهدوء: "أول مرة أجرب، حلو أوي يا صالح، تعرف إنك غريب."
صوب نظره عليها يتساءل بفضول وخبث: "إزاي مش فاهم؟"
ابتسمت بخجل: "مش عارفة بس مش زي شباب الأيام دي."
آه. تنهدت بخفة أثر ضغطه على خصرها بقسوة يحترق: "وانت عجبك شباب الأيام دي؟"
زينب بخجل: "صالح بتوجعني."
زفر بضيق، حاول سحب يديه ليبتعد عنه لكن تمسكت هي بيديه المحيطة بها قائلة بجدية: "متبعدش، حتى لو طلبت منك ده متبعدش."
ثم تابعت بتعثر أثر نظراته المصوبة عليها يستكشف ما تخبئه تلك العيون الرمادية: "أنا أقصد إنك فيك حاجة مختلفة، هدوءك، غيرتك، اهتمامك، نظرتك."
مالي عليها قليلاً لتشعر بأنفاسه الساخنة تداعب وجنتيها حارقاً إياها من ذلك القرب بينهما: "طب ما دي حاجة حلوة."
ابتسمت خافضة عينيها حتى وسعتها بخجل وهو يطبع قبلة طويلة على وجنتها. ليصدر صوته الأجش أثر مشاعره تلك بجوار أذنها قائلاً باندفاع من تلك المشاعر وقد تحشرجت أنفاسه ليقول بهمس: "مش ناويه تحني بقى دا العبد لله غلبان متعذبنيش معاكي يا زينب."
حاولت التحدث متهاربة من نظراته قائلة: "ممكن نرجع الجو برد، خلينا نرجع."
أخذ نفساً عميقاً قائلاً بقلة حيلة: "أرجع بينا."
حاولت التحدث لتغيير الأجواء: "انت إيه أكتر لون بتحب؟"
"الأسود."
"أكتر أكلة؟" سألته بفضول.
"لا معنديش، يعني الأكل بالنسبة ليا مش حاجة مهمة، أي حاجة."
"رخيم." قالتها بغيظ وهي تنظر للجهة الأخرى.
ابتسم وهو يضمها مرة أخرى له وساد الصمت بينهما. إلى متى!
زينب بود وتغنج: "كل سنة وانت طيب."
صالح: "وانت طيبة، أول عيد أضحى في بيتنا."
في صباح يوم جديد وبالتحديد يوم وقفة عيد الأضحى المبارك. أصبحت على يقين تام أن مسار البلاء له عدة طرقات، ولكن أكثرهم تداول مسار تفقد به معظم الأشياء ذاتها قيمة لديك، ومسار آخر تكتسب به أكثر الأشياء التي تفتقدها بداخلك. كم أن الرحلة في بدايتها قاسية تنهك عزيمتك وإصرارك. هل يصعب علينا تغيير رحلة القدر أم أنك مجبر أن تلتزم بخوض تلك الرحلة سواء شئت أم أبيت، مهما كانت المشقة صعبة حتماً ستواجه مخاوفك وتلتزم الصمود قبل الصمت.
أخيراً شعرت بأنفاسها، أخيراً مات الصمت وسمعت صوت الحياة مجدداً. رمشت بعينيها عدة مرات وهي تحاول مقاومة الضوء القوي، تشعر بوجع قوي في كل إنش بجسدها. تشعر ببرد بكامل جسدها إلا كفها كان دافئاً بين يدي قوية تقبض عليها بامتلاك. أنفاسه، تشم أنفاسه وعطره، تشعر بوجوده. هل هو هنا؟ هل ماتت والتقطت بـ "علي" في أحلامها؟ أما أن كل ما مرت به خلال السنتين كابوس مزعج وهي لم تتزوج شاكر؟ كيف لرائحة عطره أن تداهم أنفها بتلك القوة؟
سمعت صوته يهمس بالقرب من أذنها برفق خشن: "حبيبة افتحي عيونك، طمنيني عليك، أنا معاكي فوقي علشان خاطري عندك، ارحمي قلبي وقومي يا بيبة كفاية عذاب سنتين كل لحظة كان قلبي بيتحرق بالبطيء."
قبضت حبيبة على يديه وشريط الذكريات السوداء يمر أمام عينيها بمنتهى البشاعة حتى وصلت لآخر ما عانته وهي تلك الحادثة المفجعة. حاولت النهوض بفزع وذعر وهي تلتقط أنفاسها بقوة، دموعها انسابت ما أن فتحت عينيها.
"شاكر."
علي: "ششش اهدي انتي كويسة في المستشفى اهدي."
حاولت دفعه ببطء وضعف وهي تضع يديها على عينيها تنتحب بشهقات مريرة، عقله لم يصل لمرحلة الاستيعاب بعد، فقط تصرخ وتبكي من الألم الجسدي وليس فقط ألم جسدها وألم الذكريات المريرة.
صرخت بصوت عالٍ نسبياً وهي تشعر بالألم يفتك بروحها. حاول التماسك أمام رؤيتها بذلك المنظر المفجع له، جذبها بالقوة لصدره الصلب، يضمها يهمس بحنان ينصهر ألماً: "اهدي اهدي خالص شاكر مات، مفيش حد هيقربلك تاني اهدي."
تماسكت به بقوة وهي تبكي بعنف ويدها الأخرى مكسورة، غير مدركة بحضن من تبكي، فقط انهيار.
مرت بضع دقائق. حيث دلف الطبيب لغرفتها أعطاها مهدئاً لترخي أعصابها المشدودة وتترك عنان دموعها وهي تتمسك بيديه بقوة. سقطت دموعه وهو يجلس مرة أخرى بجانبها يشعر بوخزة قوية في قلبه. ألهذا الحد قد دمر روحها؟ وهو ظن أنه الوحيد الذي يتألم. لا الماضي يُنسى، ولا الندوب تُمحى. وما الحب إلا للحبيب الأول.
بعد مرور ساعتين. جالسة في فراشها تنظر للفراغ وبجوارها والدتها وأخوها.
فاطمة بحب وخوف أمومي: "حبيبة مالك يا حبيبتي، ردي عليا يا قلبي انتي سمعاني."
ترقرق الدموع بعينيها وهي تنظر لوالدتها بابتسامة مجبرة على رسمها: "هو الجنين نزل؟"
اخفضت فاطمة بشحوب لا تعرف على تحزن على موت حفيدها قبل أن يأتي للحياة، أم تفرح لأن ابنتها تخلصت من أي رابط يذكرها بهذا الشخص الذي أذاقها مرارة الحياة.
هبطت الدموع من عيون حبيبة قائلة بأس: "على فكرة ربنا رحمة، أصل لو كان جيه الدنيا دي، أصلها طلعت قاسية قوي، قوي يا ماما أوي. ربنا يرحمنا بقى أو ياخدنا. هو أنا هفضل هنا كتير عايزة أروح."
زياد بحزن: "الدكتور بيقول ممكن تروحي بس لازم تاخدي فترة راحة. تحبي نروح بيتنا ولا شقتك؟ آه صحيح صالح الشهاوي اتنازل عن المحضر بعد موت شاكر والشيكات قطعها."
حبيبة: "عايزة أرجع شقتنا القديمة يا زياد، نفسي أرجع حبيبة مش هقدر أرجع السجن ده تاني وأنا مش عايزة حاجة من فلوسه. عمري ما هسامحه ومش عايزة منه حاجة، كفاية أوي اللي أخدته كفاية أوي."
زياد بارتباك: "على برا يا حبيبة وعايز يشوفك، هو كان معاكي الصبح بدري بس خرج لما نمتي."
ابتسمت ساخرة من القدر، لتقول بجدية وهي تمسح دموعها ووجهها الأحمر المرهق: "دخله."
فاطمة: "ربنا يهديك يا بنتي."
خرجت تلك السيدة مع ابنها سامحين لعلي بالدخول. دلف إلى غرفتها بخطوات مبعثرة لا يدري ما عليه فعله لكن لن يتركها! عجباً لذلك الرابط. رفعت عينيها لتنظر له، أصبح وسيم جداً. نظرات الحزن تبدد عيناه البنية. جلس على مقعد بجوارها.
"حمد لله على السلامة."
"الله يسلمك يا علي."
طأطأ رأسه وهو يضغط على يديه بقوة: "أنا آسف."
"على إيه؟ انت مالكش ذنب؟ دا نصيبي."
"أنا آسف لأن مكنتش قد كلمة بحبك اللي قلتها من سنتين. آسف لأن مكنتش معاكي لما احتاجتي ليا، آسف لأني مقدرتش أديك إحساس الأمان اللي يخليك تحكيلي عن مرض أمك وإدمان زياد وقت سفري. بس ليه يا بيبة؟ ليه؟ أنا كان ممكن أتكل على التكاليف دي. ليه تعذبي نفسك وتعذبيني؟ قلتلك إني عايزك في الحلال وهكون مسؤول عنك وكفاية شغل ليه خبيتي عليا؟ عارفة أنا كنت عامل إزاي طول السنتين دول. عارفة يعني إيه أعيش وأنا شايف الوحيدة اللي قلبي اتعافى بيها مع واحد تاني. فكرة إنها اتخلت عن حبي ليها علشان الفلوس. عارفة يعني إيه جسد بلا روح أو قلب."
شهقت بانتحاب، هو محق، محق جداً. غبية غبية.
"مكنتش عايزة أتعرى قدامك بضعفي. كنت شايفه ضعفي، كنت أضعف من إني أتكلم مع أي حد لقيت قدامي وعرضه كأنه طوق نجاة بينقذني من زوبعة الرعب اللي جوايا. كنت فاكرة إن بكدا هبقى صح لكن لقيت في النهاية إني خسرت. خسرت كل حاجة وأولهم نفسي."
علي باندفاع: "عارف إن مش وقته بس أنا لسه بحبك ولسه عايزك يا حبيبة وعايز أتوزك."
أغمضت عينيها بألم وصمت ساد المكان.
"علي، أنا لما زياد قالي إنك عايز تشوفني قلتله دخله علشان في حاجة جوايا لازم أقولهالك عشان نقفل الصفحة دي."
غضت على شفتيها السفليتين بحسرة: "حبيبة اللي انت عرفتها زمان ماتت. لا هي بقيت مستعدة لخوض أي تجربة ولا عندها الطاقة لكدا. أنا مبقتش أنفع لأي علاقة مع أي حد. لأن روح بلا شغف للحياة ولا للناس. علشان كدا يا ابن الحلال لازم تسمع الكلمتين دول. انسى بيبة لأنها مبقتش موجودة. اللي موجودة دلوقتي بنت خططت للمستقبل إنها تتعافى من اللي عاشته. بنت قلبها مهشم. لا تصلح تكون زوجة ولا حبيبة. علشان كدا انسى."
كمل حياتك ودور على البنت اللي تستحق بجد تكون معاك، إنما أنا لا.
أنا محتاجة وقت طويل أوي... محتاجة أرجع للحياة من تاني... أرجع أكمل دراستي وأشتغل أي شغل... تعب الشغل ده هيكون ملاذي... جربت أرتاح فاخترت غلط وللأسف ما أخدتش غير وجع قلب.
هجرب أبني نفسي من تاني... أنت عارفني مبحبش أنكسر قدام حد. التجربة دي علمتني إن شقى الحياة ده أحيانًا بيكون نعمة مع الحرية... وأنت كمان أتمنالك تلقى بنت الحلال اللي قلبك يرتاح لها.
"كدابة يا بيبة... كدابة! بس أنا معاكي سنة اتنين إن شاء الله عشرة... علشان أنتِ اللي قلبي ارتاح لها... أول وآخر واحدة قلبي ارتاح لها."
هسيبك ترتاحي وكل الهبل اللي قولته ده مدخلش دماغي بنكلة. أنا بحبك. هسيبك يا بيبة... تقاومي ضعفك والوجع اللي جواكي... بس هنرجع تاني... علشان زي ما كانوا بيقولوا على حبيبة وحبيبة لعلي.
كل سنة وأنتِ طيبة وإن شاء الله السنة دي تنغسل كل همومك ووجعك. هسيبك ترتاحي وقريب هنرجع يا حبيبة بس بإرادتك. بكرة العيد وزي ما ربنا جبر بخاطر سيدنا إبراهيم وفدى إسماعيل في اليوم ده... قادر يزيح الهموم عن قلبك. سلام مؤقت."
تركها بالفعل، زاح الهموم عن قلبها.
شعورها بأنه يرغب بها بعد كل ذلك يجعلها تتعافى ولو قليلاً.
انسابت دموعها على خدها... حاولت النهوض فوجدت والدتها تساندها.
فاطمة: راح فين يا ضي عيني؟
حبيبة: عايزة أتوضى، عايزة أطهر قلبي من الحزن ده... تعبت أوي يا ماما... مش عايزة أعيط تاني ولا أحس إني زعلانة على موت شاكر... هو أخد جزاءه وعند اللي أحسن مني ومنك.
فاطمة: حاضر يا حبيبتي تعالي، أنا هساعدك.
***
وصلت سيارة جلال أمام منزل الشهاوي في ذلك الحي بالإسكندرية بعد عودتهم من المنصورة.
توقف يوسف أمام المنزل ليوقف السيارة.
يوسف: كل سنة وأنتم طيبين يا غالين.
جلال: وأنت طيب يا ابن الغالي... يلا انزلوا.
يوسف: ننزل فين يا عمي؟ هنرجع شقتنا علشان أجهز حاجتي. أنت نسيت ولا إيه؟ أنا مسافر تاني يوم العيد.
حياء بمكر: خالص يا حبيبي روح أنت شقتك، وأنتِ يا إيمان يلا يا حبيبتي نطلع، ورانا حاجات كتير علشان نحضر الفطار سوا والحلويات، وبعدين إحنا سيبنا زينب وصالح طول الفترة دي، تعالي يلا نطلع لهم.
إيمان: فعلاً عندك حق...
يوسف بضيق: كسر حوقك، أنتِ هتسبيني؟
إيمان بدلال: أسيبك وأروح فين بس يا يوسف؟ النهاردة الوقفة يا بابا وطبيعي الفطار هيكون عندنا فوق، وفيه شغل كتير وماما تعبانة وأنا وزينب اللي هنعمل ده كله، إلا بقى لو حبيبي جه يساعدنا.
غمغم يوسف بغضب وصوت عالٍ:
"استغفر الله العظيم... اللهم إني صائم... اللهم إني صائم..."
حياء بمرح: علشان كده بقولك سيب إيمان معانا، لأن متأكدة إن ممكن تكسر صيامك لو قعدتوا سوا يا أبو الصحاب.
غض على شفتيه بغيظ: عندك حق يا مرات عمي، خديها أهيه، بس بعد الفطار محدش يسأل عننا ها، أنا بقولك أهوه.
لكزته بخجل في كتفه قائلة بارتباك:
ممكن تبطل طريقتك دي...
يوسف بشغب: لو بطلتي أنتِ وشك يحمر كده وتبقى زي القمر، هبطل أنا كمان.
إيمان: استغفر الله العظيم...
جلال بحدة: هنفضل واقفين كده؟ انزلوا يلا...
ترجل من السيارة، ثم توجها الناحية الأخرى، أمسك بيديها حتى تنزل من السيارة وهي ممسكة بيديه.
حياء بهمس: تفتكر إيه اللي حصل مع زينب وصالح؟ يارب يكون لوح التلج اتفك بقى.
جلال بهمس ومرح: هنشوف دلوقتي، يارب بس ابنك يكون اتلحلح. سيبناهم أسبوعين وسافرنا.
حياء بشغب وحركات طفولية بيديها: أنا نفسي يخلفوا بنوتة صغيرة أقعد ألعب معاها.
جلال بضحك: يسمع من بوقك ربنا.
صاحب القهوة: حمد لله على السلامة يا حج جلال، إسكندرية نورت... كل سنة وأنتِ طيبة يا مدام حياء.
حياء بطيبة: وأنت طيب وتنعاد عليكم بالخير.
وبهمس: المكان وحشني أوي...
جلال بدفء: وأنتِ كمان وحشيه... كل سنة وأنتِ طيبة.
حياء بحب: وأنت طيب يا حبيبي...
ولجوا جميعاً للمنزل.
فتح جلال باب شقته، دخلوا جميعاً ما عدا إيمان التي صعدت لشقة صالح.
صدح رنين جرس الباب، لتجهز زينب تفتح الباب، ابتسمت بود ما إن رأت إيمان.
تقدمت إيمان احتضنها بود: كل سنة وأنتِ طيبة يا زوز.
زينب بطيبة: وأنتِ طيبة يا رب، رجعتوا إمتى؟
إيمان: لسه جاين تحت، أومال فين صالح؟
زينب: أنتِ عارفة أخوكي من الساعة ستة لازم يكون في الشغل... ادخلي... هجيب طرحة وأنزل معاكي أسلم على الجماعة.
إيمان: لا اقعدي اقعدي، عايزة أتكلم معاكي، من يوم الفرح واحنا معرفناش نقعد نحكي مع بعض والصراحة عندي فضول... بس عارفة الكلام هيحلى مع ماما، يلا ننزل نقعد معاها وكده كده بابا هيرتاح شوية وينزل الشغل مع عمي جمال، ويوسف أكيد هيخلع يروح أي مكان، يلا.
زينب: حاضر، ثواني هغير وأنزل.
بعد وقت قصير في شقة جلال.
تقف إيمان وهي تربط وشاحاً قصيراً على رأسها، ممسكة بالمكنسة تكنس الأرضية، ترتدي عباءة بيتية قصيرة بنصف كم.
بينما خرجت زينب من الحمام بيديها دلو ماء دافئ مضاف له بعض العطور.
خرجت حياء من غرفتها بعدما بدلت ثيابها لأخرى مريحة، لتجد الاثنتين يعملان على قدم وساق لتنظيف البيت، وخصوصاً أنه مغلق منذ ذهابهم للمنصورة.
أدمعت عينيها وهي تتذكر تلك الجميلة "شغف الحسيني" والدتها.
إيمان: ماما بقولك أنا بفكر نشيل السجادة دي نغسلها بس حاسة إن مفيش وقت... ماما...
زينب: حضرتك بتبكي؟
مسحت دموعها وهي تحتضن الاثنتين بود وحب أمومي.
شعرت زينب بالارتباك، ثم أغمضت عينيها تدفن نفسها بحضن حياء، وكم هو دافئ نقي يذكرك دائماً بحضن والدتك حين تقسو عليك الأيام، فتلقي بنفسك بين أحضانها تستقبلك هي بمنتهى الود.
إيمان بخوف: مالك يا ماما؟ أنتِ كويسة؟ حاسة بوجع أكلم الدكتور.
حياء بحب: فكرتوني بأمي وأنا زمان واحنا بنضف شقتنا وبنحتفل بالعيد... بس إيه الشاطرة دي؟ ده أنا قلت هخرج يتهد حيلي في الشقة ألاقيكم بتنضفوها.
يارب دايماً كده رافعين سقف توقعاتي.
زينب بحب وحماس:
لا لا دا أنتِ ترتاحي يا ماما... هو ممكن أقولك يا ماما؟
قبلت حياء رأسها لتقول بحنان:
أنتِ واخدة ابني أغلى ما عندي، ومن يوم كتب الكتاب بقيتي بنتي فعلاً، يعني عندك كل صلاحيات بنتي.
ابتسمت زينب بسعادة وهي تأخذ نفساً عميقاً:
يبقى حضرتك ترتاحي يا ماما، وأنا وإيمان هنعمل كل حاجة... يلا اتفضلي.
حياء: ربنا يسعدكم يا بناتي... هدخل أكلم عمتك شهد وأعزمها على الفطار النهارده... وكمان الحاج منصور... يلا.
نظرت إيمان لزينب قائلة بمرح:
استعنا على الشقاء بالله يا بنتي، تعالي بقى إحنا نشوف هنعمل إيه بمنظرنا اللي شبه عم بوشكاش ده.
زينب بمرح: شكلك عامل زي اللمبي أوي.
ضحك الاثنان في جو من المرح لاستقبال العيد، وبالمرح لن تشعر بعناء العمل، وإن كان معك جليس يؤنس روحك.
***
جلس باسل على أقرب مقعد في تلك الغرفة الكئيبة البيضاء المتواجدة في أفخم مشفى له، أو بمعنى أدق (مشفى والده الاستثماري)، لذلك الكل يعمل على قدم وساق لخدمته، فهو يعتبر مالك المشفى (باسل زيدان).
غني عن التعريف.
حاولت نور فتح عينيها، لكن النور داهم وجهها بقوة مما جعلها تأخذ بعض الوقت حتى تفتح عينيها.
فتحت بنيتها، أشاحت بوجهها بعيداً عن الضوء، انتفض جسدها وهي تنظر له.
وجدته يجلس بجوارها... مقترباً جداً حتى وقعت عينه عليه، وهو يضع ساقاً على أخرى، يربع يديه أمام صدره، وهو ينظر لها بحدة لم يفهم سببها.
حاولت الجلوس قائلة بارتباك:
هو إيه اللي حصل؟
باسل: ولا حاجة، وقعتي من طولك، وطبعاً كنتي بتكابري وتقولي إنك كويسة، بس ده تقوليه لواحد أعمى مش واحد شايف منظر وشك.
نور بغباء: ماله وشي؟ ما تنقي ألفاظك يا بني آدم أنت... آآآه سيب إيدي...
نظرت له وجدت عينيه مظلمة يتخللها القسوة، قائلاً بحدة:
صوتك، واحترمي نفسك... مش عشان سيبتك تقولي اللي عايزه تهبي منك.
نور بوجع: سيب إيدي...
تركها بغضب، لا يعرف ما يشعر به... لما يهتم بها؟ لما جلس طوال الليل بجوارها؟ نفور قوي من زوبعة المشاعر تلك.
نور: هو أنا هتحبس فعلاً؟
"لا، ويلا عشان أوصلك."
انتفضت بقوة لتقف أمام بذهول: بجد؟
مدت يديها بعفوية تمسك يديه بامتنان:
أنا متشكرة... بجد مش عارفة أقولك إيه...
سحب يديه من بين نعومة يديها ليشعر بخط من الصعق والرغبة بها!
ما قصتك أنت أيها الباسل؟
باسل بحدة: يلا، هوصلك.
نور بحرج: لا، مالوش داعي، أنا هعرف أروح لوحدي الحمد لله، الحمد لله... ربنا محبش يكسر بخاطر إخواتي في العيد، الحمد لله. سلام.
باسل: سلام يا شبح.
نظرت له بضيق، زمّت شفتيها لتبدو كنقّاق الخشب، مضحكة جميلة.
خرجت من الغرفة وغادرت، تركته واقفاً وذهبت. ذهبت وظلت عيناه متعلقة بها حتى رحلت.
أخذ نفساً عميقاً وهو يضع يده في جيب بنطاله ليخرج أيضاً من الغرفة ومن المشفى بأكملها، يقود سيارته في اتجاه منزله... عفواً قصره الفخم... لبداية الرحلة ملاذ خاص يا صديقي.
***
ترجل باسل من سيارته الفارهة أمام فيلته الفخمة والشاسعة، صرح شاهق ضخم راقٍ.
بل إنه الأجمل كجمال صاحبه.
تقدم باسل بطوله الفارع وجسده الضخم الرياضي إلى بهو الفيلا.
ابتسم وهو ينظر لوالدته، سيدة في بداية العقد السادس، بشوشة الوجه، جميلة... أنيقة جداً، خصلات شعرها بيضاء مرفوعة بتسريحة أنيقة.
"صباح الخير يا مدام نيرة."
"اااامم... صباح الخير... هو ده الصبح؟ كنت فين يا باسل وتليفونك كل شوية مقفول؟ باباك حاول يوصلك، سأل في المكتب مش موجود، سأل في الشركة برضو مش موجود.
مختفي فين يا حضرة وكيل النيابة؟"
جلس بجواره وهو ينظر الحديقة الشاسعة بذلك القصر الفاقد للجو الأسري، كئيب، فاقد للكثير والكثير...
"كان في موضوع مهم شاغل بالي... متقلقيش، أنا مش صغير... فين زينة؟"
أجابت السيدة بكبرياء:
"اختك راحت الساحل، أنت عارف إن والدك مشغول الأيام دي في الكومبوند اللي بيأسسه هنا، وهي طبعاً معه.
وبالنسبة لأنك مش صغير، فكويس إنك فتحت الموضوع ده..."
وضع ساقاً على أخرى وهو ينظر لوالدته بثقة، قد فهم ما تريده.
"عايزة إيه يا نيرة هانم؟"
"ترد طليقتك..."
أجابته بحدة لا تخلو من الحب الأمومي.
برم شفتيه بضيق ليرد ببرود:
"اامم، أرد طليقتي..."
ليه؟
"ليه؟...انت بتسأل ليه؟ علشان دا الطبيعي يا باسل بيه... علشان مش كل كم يوم نسمع إنك اتجوزت واحدة و طلقتها بعد كم يوم..."
باسل بجدية تليق بهيمنة شخصيته القوية:
"أظن مسألة الجواز والطلاق دي تخصني... قدام الناس مروة كانت مراتي وخلصنا، طلقتها. إنما أي علاقة تانية ميخصش أي حد يتدخل فيها... بعد إذنك يا نيرة هانم."
زفر باسل بحنق وهو يصعد على السلالم، دخل غرفته بوجوم.
أغلق الباب وخلع قميصه يفكر في تلك الشابة - نور.
"نور."
نطقها وهو يلقي قميصه على الفراش.
يطوف في عقله أول لقاء بينهم في المشفى وطريقتها الجريئة في الرد.
ابتسم عفوياً بخبث وهو يدلف للحمام يغتسل.
خرج بعد مدة لا يرتدي سوى بنطال قطني وظل عارياً الصدر. استلقى على الفراش حاول النوم، ليلة أمس قضاها بالمشفى ولم يكن الأمر مريحاً أبداً.
"هو فاضل قد إيه على المغرب يا إيمان؟"
نظرت إيمان لساعة الحائط وهي تخرج صينية البطاطس من الفرن لترد على زينب.
"فاضل ساعة ونص... وأخيراً خلصنا، أنا اتهد حيلي."
أخذت زينب تضع صينية المكرونة بالفرن لتقول:
"طب كدا الحمد لله كله حاجة جاهزة، أنا هطلع آخد دش وأصلي العصر، ومعلش شوية أبقى بصي على صينية المكرونة."
إيمان: "تمام، وأنا كمان هاخد دش لأن ريحتي بصل وتوم. أنا صليت العصر، يلا أنتِ اطلعي متقلقيش."
صعدت لشقتها بسعادة، رغم أن اليوم مرهق إلا أنها شعرت بجو أسري لطيف واندماج بينها وبين إيمان. كانت تخشى التعامل معها، لكن وجدتها في النهاية جميلة طيبة القلب.
ولجت لأخذ حمام بارد من حر الجو الحار.
وخرجت بعدها ترتدي ثياباً مريحة تبرز قوامها الرشيق والممشوق. بعد أن انتهت من تجفيف شعرها وتمشيطه، أنهت فرض صلاة العصر. وضعت بعض الكريمات لترطيب جسدها ذات الرائحة الناعمة على الأنف.
دلفت للفراش بإرهاق، توسدت بظهرها للفراش، تمايلت للناحية الأخرى بارتياح لتجد وسادته بجوارها. جذبها بفتور وحاولت دفن رأسها بها.
لكنها لم تفعل، فرائحة صالح وعطره الممزوج بها غمرت أنفها بالكامل. تنهدت براحة وهي تعانق الوسادة بشوق. نهضت وجلست على الفراش لتعيد الكرة، لكن باشتاق واستمتاع أكثر. متى نما ذلك الشوق بداخلها؟
الإحساس بكل تلك السرعة بداخلها، فقد اشتاقت إليه وبشدة، فهو لم يتركها بالأيام الماضية، والآن لم تره منذ الصباح. يغمرها دوماً رغبة بالاقتراب، لكن أيضاً بداخلها شعور بالخوف. لا تعرف ماذا تريد.
بعد كل تلك الزوابع والمسافات بينهم من يوم أن تزوجت به...
أغمضت عينيها وهي تستنشق رائحته العطرة متذكرة لحظاتهم الجميلة معاً.
كم أنت جميل يا من أحب.. راقٍ حتى في جمالك.
تمنت أن تظل الرائحة في أنفها حتى الدهر لكي يموت الشوق إليه.
دلف صالح الغرفة في هذا الوقت ليجدها تعانق وسادته بطريقة غريبة.
ألقت الوسادة من يديها بتوتر وهي تنظر له، تخاف من فضح مشاعرها، قائلة بارتباك:
"صالح..."
رفع حاجبه وأنزل سريعا بشك:
"بتعملي إيه يا زينب؟"
"احم.. ولا حاجة. كنت ناوية أغير فرش السرير وبشوف لو نضيفة ولا لأ..."
"تمام... بسرعة إن كنتي هتغيريهم، عايز أنام شوية قبل المغرب عشان عندي شغل تاني بليل."
اتجه نحو الخزانة يأخذ ثياباً أخيرة مريحة ليدلف إلى الحمام.
بينما كانت توبخ نفسها من تلك الحركات العفوية التي فعلتها لتغيير شراشف الفراش.
خرج بعد ربع ساعة تقريباً، كان يقف أمام المرآة يرتدي بنطالاً رمادياً يعتليه تي شيرت أحمر نصف كم مكتوب عليه بعض الكلمات الإنجليزية باللون الرمادي.
يمشط شعره. نظر عبر المرآة لانعكاس صورتها وعينيه تمر على قوامها الرشيق. لا ينكر أنها تمتلك جسداً ممشوقاً يغيب العقل.
نظر للمرآة بغضب قائلاً بضيق:
"استغفر الله العظيم. اللهم إني صائم."
زينب برقة تذيب الجليد:
"في حاجة يا صالح؟"
أغمض عينيه بقوة وهو أمام المرآة يتمتم بداخله:
"دي لو متفقة مع الشيطان عليا مش هتعمل كدا... استغفر الله العظيم."
اقتربت منه بعد أن رأته مغمض العينين بقوة يتنفس بخشونة كأنه يصارع نفسه. وضعت يديها على ظهره، لا تعلم بتلك اللمسة ماذا تفعل.
"صالح مالك؟ انت كويس؟"
فتح عينيه واستدار لها قائلاً بحدة:
"بلاش تلمسيني كدا، ولا انت ناسيه إننا صايمين؟!"
زينب ببراءة: "بس أنا مش قصدي حاجة."
رفع عينيه بصدمة رداً بغلاظة:
"مش قاصدك وإنتي لابسة كدا قدامي..."
شهقت بخجل وحرج، لم تدرك حتى أنها تقف أمامه بتلك المنامة الحريرية، قائلة بارتباك:
"أنا مكنتش أعرف إنك جاي دلوقتي و..."
بلع ما بحلقه بضيق وهو يرى توترها والذي زاد حمرة خدها لتبدو فاتنة.
"زينب الله يرضى عليك روحي شوفي بتعملي إيه وسبيني أكمل صيامي على خير ياله."
"حاضر..."
اتجه نحو الفراش دافناً نفسه به وهو يستغفر. زفر بضيق وهو يحاول النوم، يراها تغادر الغرفة.
"اطفي النور وإنتي خارجة."
امتثلت لأوامره مغادرة الغرفة، تاركاً إياه بينما تنهد بحزن وهي تغمض عينيها.
بعد وقت طويل.
في شقة جلال.
الكل يجتمع بوليمة كبيرة.
نزلت زينب ببطء وهي ترتدي جلباباً رمادياً طويلاً فضفاضاً، تضع حجاباً أزرق على شعرها بدقة لتبدو جميلة محتشمة، ومع رماديتي عينيها تسرق أنفاسه.
ما إن رأت والدها ابتسمت بسعادة وهي تتقدم منه تصافحه بحرارة، كم تشتاق إليه.
منصور بسعادة: "عاملة إيه يا زوز؟ وحشتيني والله، البيت فاضي من غيرك..."
زينب بود: "أنا بخير الحمد لله، بس طمني عليك، بتاخد الدوا في ميعاده... والأكل بتاعك."
منصور بطيبة: "لا متقلقيش عليا، صالح ربنا بيحميه، بيبعت الواد بتاع القهوة بييجي كل يوم يجهز الأكل وبيعمل كل حاجة، متقلقيش يا روح قلبي."
آه من معذبها ذلك... قالت إنه راقٍ في جماله، لكن أيضاً رقيق في تفكيره، رجل بمعنى الكلمة.
دلف جلال في ذلك الوقت معه صديقه المقرب جمال بعد دعوته له على الإفطار.
حياء بطيبة: "متقلقش عليها يا حج منصور، زينب دلوقتي بنتي، ولا يمكن حد يزعلها في وجودي."
منصور: "ربنا يحفظك يا ست الكل..."
شهد: "وحشتوني."
ما إن رأتها حياء حتى ابتسمت بسعادة وهي تتجه نحوها لتحتضنها باشتياق.
"كل سنة وإنتي طيبة يا بنت الهلالي..."
تنهدت شهد بهدوء وهي تدعو لأبيهم الحج الهلالي بالرحمة.
شهد بسعادة: "قوليلي انبسطتوا في المنصورة؟"
حياء بخبث: "جداً جداً..."
شهد: "إنتي بتغيظيني يا بت انتي."
حياء بدلال: "اتحيلت عليكي تيجي معانا وإنتي قلتي لأ عشان حليم والولاد."
شهد: "والله مشغولة معاهم جداً يا حياء، هبقى أحكيلك بعدين، بس إيه الجمال دا... عروسة صالح زي القمر."
ابتسمت زينب بحب لتجد شهد تضمها بقوة وحنان لصدرها.
"ألف مبروك يا حبيبتي... كل سنة وإنتي طيبة."
زينب بود: "وإنتي طيبة، يارب تنعاد عليكي بخير يارب."
شهد: "يارب... فين إيمان بقى؟"
خرجت إيمان من غرفتها وهي تضبط حجابها.
"مين بيسأل عليا..."
شهد: "إيه الجمال دا... هو الجواز بيحلي كدا."
إيمان بحب وهي تحتضنها: "عمتو..."
جلال: "كل سنة وإنتي طيبة يا شهد."
شهد بحب أخوي: "وإنت طيب يا كبير، وحشتني يا جلال."
احتضن أخاه بسعادة...
(الله أكبر الله أكبر)
كان ذلك صوت المذياع والتلفاز يعلن عن أذان المغرب وكسر الصيام، الابتهاج بالعيد على كل الأمة الإسلامية.
جلال بود: "ياله بسم الله... ياله يا ولاد."
زينب: "هو صالح فين يا ماما؟"
حياء بضيق: "مش عارفة، باين بيعمل مكالمة شغل في أوضة القديمة، نفسي يبطل يركز في الشغل بقى..." ثم تابعت بخبث أنثوي: "بقولك إيه يا زينب، خدي عليه التمر دي وخليه يفطر، لو فضل يتكلم في الشغل مش هيخلص ولا هيفطر النهارده."
ارتبكت قليلاً وخصوصاً بعد ذلك الموقف قبل مدة قصيرة، لكن تشجعت قليلاً وأخذت علبة التمر منها تتجه نحو غرفته في شقة جلال.
وقفت أمامه وجدته يوليها ظهره ومازال يتحدث في الهاتف مع شخص يدعى علي في بعض أمور العمل.
وجدته ينهي المكالمة ويقلب في الهاتف. اقتربت منه مسرعة لتضع يديها على ظهره قائلة بهدوء:
"صالح..."
أغمض عينيه من مجرد نطق اسمها من شفتيها المغريتين. رد عليها مغمض عينيه:
"نعم يا زينب."
عضت على شفتيها بخجل كلما تذكر ذلك المشهد بينهما، قائلة بتوتر:
"المغرب أذن وأنت مكسرتش صيامك... ماما قالت إنك بتفطر بالتمر و... فجبتلك منه."
"وإنتي فطرتي؟"
سألها باهتمام.
"هفطر على طول، بس خد أنت طول النهار في الشغل."
أخذ علبة التمر منه لياخذ منها واحدة يقسمها نصفين، وضع قطعة بفمها قبل أن تعترض.
"افطري إنتي الأول وبعد كدا اهتمي بالباقيين..."
ابتسمت بود وهي تفطر وتراه يبتسم يتناول القطعة الأخرى ببساطة وهو يردد دعاء الإفطار.
مرت لحظات وجدته يحدق برماديتي عينيه. ليخفض عينيه ينظر لتلك الشفاه المكتنزة.
توترت أكثر لتحاول الهرب.
"أنا هروح أشوف باين إيمان بتنادي..."
قبل أن أتفوه بكلمة أخرى، وسعت عينيها بارتباك، جاذباً إياها يضع يديه على ظهرها يقبلها بنهم، شاعرة بأنفاس على بشرتها، يتخدر جهاز الحث العصبي من هذا الاقتراب، ترخي دفاعاتها، تنسجم معه لأول مرة.
تاركاً له عنان قلبها يعبث بها ويعزف على أوتاره كما يشاء...
في تلك اللحظة فتحت حياء الباب وهي تنادي على صالح، ما إن رأتهما... ابتسمت ببلاهة وهي تحرك يديها بمعنى (استمروا).
خرجت من الغرفة وهي تبتسم، تشعر بالسعادة لأجل ابنها، يبدو الابن كجنون أبيه.
حياء: "ربنا يسعدكم يارب..."
كان لازم تدخلي مغفلة بصحيح
ما إن خرجت حياء حتى ابتعدت زينب بخجل صارخ وارتباك من جرأتها تلك، وكيف ستخرج له بعد ذلك الموقف المحرج البشع.
نظرت له بغضب، ضربته بغيظ في صدره ليتاوه بابتسامة لعوبة وهو يغمز لها بشقاوة.
"اطلع أكمل فطاري، ما تتأخريش يا زبدة."
خرج من الغرفة بينما هي تسبه وتسب غباءها ذلك، لا يمنع ذلك ابتسامتها البلهاء التي شقت شفتيها بعذوبة خاصة.
***
بعد وقت طويل، بعد أذان العشاء.
جلست حياء برفقة شهد تتحدثان.
شهد بعتاب: "معقول يا حياء تتعبي وما حدش يقول لي للدرجة دي؟"
حياء: "شش، اسكتي. صالح أصلًا ما يعرفش، أنا محذرة إيمان ويوسف إن ما حدش يقول له، انتي عارفة صالح متعلق بيّ قد إيه، ولو عرف هيزعل، وأنا والله كويسة، يمكن مشكلة في المعدة. وبعدين بطلي بقى علشان جلال من يومها وهو خايف وباين في عينيه وبيحاول يداري، بس إن شاء الله خير."
شهد بخوف: "هي نتيجة التحليل هتطلع إمتى؟"
حياء: "المفروض كمان يومين، واقفلي بقى على الموضوع. قولي لي ياسمينة عاملة إيه مع جوزها."
شهد...
ليبقيا يثرثران بود، هي ليست أختها فقط، بل هي صديقتها الوحيدة.
***
في شقة صالح.
دست جسدها في الفراش بارتباك، وما زالت لا تستطيع التفكير في شيء سوا تلك القبلة بينهما، كيف يكون لعوب بتلك الاحترافية يذيب خجلها برفق.
"وحشتني يا جزمة، حبيت أقول لك كل سنة وانتي طيبة."
زينب بطيبة: "وانتي طيبة يا نور، مختفية فين يا بنتي؟ رنيت عليكِ كذا مرة امبارح، فينك؟"
على الجهة الأخرى، تجلس نور في شرفة منزلها ترتشف من كوب المياه، وهي تتحدث مع صديقتها وتقص عليها كل ما حدث بليلة أمس ولقاءها بذلك الشاب، ووتيرة النبضات الخائنة تلك التي شعرت بها. أين ستأخذكما الحياة يا رفاقي.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخمسون 50 - بقلم دعاء احمد
أنا العاشق لعينيك.. عاشق لتلك الابتسامة
وما العشق إلا ذنب يطالب بالغفران!!!
بعد أذان العشاء (في الاسكندريه)
جالسه هي تضم ساقيها إلى جسدها تتحدث في هاتفها مع صديقتها.
وقد بدأت الأخرى بسرد ما حدث ولقاءها بوكيل النيابة ذاك.. تتحدث بشغف وحماس، ووتيرة نبضاتها تخونها، تتضارب بقوة كلما تذكرت ذلك الاقتراب الضاري بينهما.
تشعر بغمرة قوية.
غمرة من المشاعر تجتاح كل أواصالها.
هيمنة شخصيته المتغطرسه، وسامته الطاغية.. يمتلك شخصية فريدة.
الوحيد الذي أخرج بداخلها الأنثى، تناست تلك الشراسة.. سمحت لدموعها بالهطول أمامه.
لم تكن من عاداتها أن تبكي أمام أي شخص، لكن استفزها بقوة.
عند حديثه عن السجن والعقوبات وما شابه.
تشعر بتناقض غريب بداخلها، رغبة في تحطيم رأس ذلك المغرور.. وابتسامة تهاجم شفتيها كلما تذكرته.
برمت زينب شفتيها بعدم اقتناع وضيق.
"ااامم.. يعني مش فاهمه.. انتي مقتنعه باللي بتقوليه دا.. أنا قلقت الصراحة يا نور، وبعدين مش عارفه ليه حاسه إنه لعبي."
زمت نور شفتيها باستياء ولامبالاة.
"يا أختي هو أنا مالي بيه.. أنا بس حكيتلك اللي حصل، وبعدين أنا مش بفكر في الموضوع بالشكل دا.. أنا فيا اللي مكفيني يا زينب، والله العظيم قلبي كان هيتخلع من مكانه عشان إخواتي وأبويا."
"زينب: الحمد لله.." ثم تابعت بخبث أنثوي.
"بس والله عنده حق يا أحلى شبح."
نور بغيظ.
"وربنا هقفل يا زينب.. شبح لما ياخده يارب."
زينب بمكر.
"عليا يا بنت بدريه، المهم الكلام مينفعش في الموبيل، بكرا كل سنة وأنتي طيبة تجيلي، وأهو بكرا العيد، ومافيش وراكي شغل ولا حاجة."
ضغطت على شفتيها السفلية بحرج لترد معتذرة.
"والله كان نفسي يا زينب.. بس أنا نازلة شغل بكرة في مصنع الحلويات اللي في (..). انتي عارفه الضغط بيبقى عليه إزاي في العيد، وخصوصاً إنه في مكان راقي، والمصنع دا مورد لمجموعة كبيرة من محلات الحلويات.
وأنا يعني كلمت البت نريمان اللي شغالة هنا، وهي قالتلي إني ممكن أروح يومين العيد دول، وهما مرتباتهم كويسة بعدد الساعات.
بدل ما أقعدهم، وأهو أنا كدا كدا واخدة إجازة من مصنع الحج جلال."
زينب بحزن.
"حتى يومين العيد يا نور.. طب مش هتفضلي مع إخواتك حتى.. ارتاحي شوية وريحي نفسك شوية."
ابتسمت نور بلامبالاة وخوف.. ينهش بقلبها.
"زينب، انتي عارفه إن حمل البيت كله عليا.. حتى إيجار البيت وصاحب الشقة لو اتأخرت يوم واحد بيعمل فضيحة، وبيبقى هاين عليه يطردنا.. عارف لو البيت دا ملك مش إيجار ياااه.. بس الحمد لله على كل حال.
وبعدين أنا اتعودت على الشغل.
والكم يوم اللي أنا سيبت المصنع فيهم دول هياثروا معايا في المرتب.. وكدا كدا بابا هيروح يزور ناس قرايبنا في القاهرة، وإخواتي طبعاً شبطين، فهو قالي تعالي معانا بدل ما تفضلي لوحدك، بس طبعاً مينفعش..
علشان كدا هنزل اليومين دول، وأوعدك أفضى وقت قريب أوي ونقابل و نرغي.. "
زينب بتفهم.
"إن شاء الله يا نور إن شاء الله.. ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يشيل عنك."
نور بسخرية.
"ابن الحلال دا تقريباً مش موجود.. تعرفي أنا بحمد ربنا إني فسخت خطوبتي من أحمد.
عرفت إنه خطب وخطوبته النهارده، بس والله ما زعلانه، حاسة كدا إنه كلب جربان بيدور على واحدة تصرف عليه هو وأمه.. ياله أخد الشر وراح.. "
ثم تابعت بمكر وابتسامة خبيثه.
"ها يا زوزو الجو عامل إيه؟"
زينب بحده.
"حر، الجو حر يا بنت بدريه."
نور بسعادة.
"هو حر بس.. دا شوب.. ما تقوليلي إيه الأخبار يا زبده، حاسة كدا والله أعلم إن في حد قلبه بيرفرف من الحب.
إيه أخبارك الجو بتاعك؟"
"مش ناوية تطمنيني بقى وتقوليلي هبقى خالتو قريب؟"
اخفضت زينب بصرها بخجل وابتسامة خافتة تزين محياها، وهي تمرر أصابعها بنعومة على شفتيها بخجل صارخ، تتذكر لحظة الجنون تلك، تشعر لأول مرة بأنوثتها بين يديه.
حتى هجومه الضاري.. غريب!! يعصف بكيانها جاعلاً منها أخرى مستسلمة مبتسمة بخفوت.. تشعر بانتعاش قلبها وروحها.
بعدما كانت امرأة وحيدة مكسورة.
يهزمها الضعف.. عجزها كاد أن يفتك بها.
جاء هو ليحيي بداخلها تلك البسمة المفقودة.
وجودهما بجوار بعض أشبه بأمير وسيم ظل يبحث لسنوات عن الأميرة المفقودة بين النساء.. يعلم أنها تستحق عناء البحث.
لأن تلك الأميرة بمنتهى البساطة هي من تناسبه.. بل إنها أنسب امرأة له..
قاطع ذلك الصمت صوت نور بهمس وخبث، وهي تدلف للشقة تغلق خلفها باب النافذة قائلة بهيام.
"سكوتك دا حاجة حلوة صح؟ انتي حبيته ولا إيه يا زوزو.."
"مش عارفه يا نور.. أنا بحس بالأمان وأنا معاه.. بحس بقلبي بيرقص من الفرحة.
وإن كل هموم الدنيا اللي شيلتها طول حياتي كانت مجرد وهم في عالم خيالي.
ودخوله لحياتي نفض كل غبار الوهم.
عارفه أنا كنت متخوفة أوي من فكرة جوازنا بالسرعة دي.. بس بعد جوازنا
شفت منه حاجات ماكنتش أتخيل إنها لسه موجودة في الدنيا دي.
شفت اهتمام.. ثقة.. ود.. يمكن حب."
ابتسمت الأخرى وهي تجيبها متسائلة بحماس.
"يبقى وقعتي ولا حد سم عليكي..
بس بجد مفيش حاجة كدا ولا كدا يا بت، عايزة أبقى خالتو."
زينب بحده.
"نور تصبحي على خير ياله روحي نامي، كل سنة وأنتي طيبة."
***
مر حوالي نصف ساعة.
كانت تشاهد التلفاز مندمجة بمشاهدة أحد أفلام عبد الحليم حافظ.
تشعر مع تلك الأفلام قديمة الطراز بأنها تجد نفسها.. تنغمس مع كلمات العندليب، عذوبة صوته.. فاقت من شرودها على رنين جرس الباب.
أخذت ريموت التحكم وأغلقت التلفاز قبل أن تدلف لباب الشقة تفتحه.
ابتسمت وهي ترى أخت زوجها.
زينب: "إيمان، ادخلي.."
إيمان: "صالح في الشغل صح؟"
زينب: "صح، تعالي.."
دلفت معها لغرفة الصالون.
زينب: "تشربي إيه؟"
أومات لها برأسها بحيرة لتجيبها بابتسامة.
"ممكن ناجل الشرب دا لبعدين.. اقعدي خلينا نتكلم شوية."
"حاضر."
إيمان: "ها بقى ياستي قوليلي أخبارك إيه انتي وصالح؟ وإيه اللي حصل في اليومين اللي سافرنا فيهم.."
زينب: "يعني عادي مفيش حاجة.."
زمت إيمان شفتيها باستنكار قائلة بمرح.
"يعني مفيش أي حاجة أي حاجة يا واد فك كدا."
ضحكت زينب بارتياب من تلك الطريقة لتقول بخبث.
"هو ماما حياء هي اللي بعتاكي عشان تعرفي علاقتي أنا وصالح واصلة لفين؟"
إيمان: "مبعرفش أمثل صح؟ أيوه هي طبعاً.
بس والله عايزين نطمن عليكم."
ربتت على كتفها بحب "متقلقيش علينا والله إحنا كويسين جداً الحمد لله."
إيمان بجراءة تعلمتها من زوجها ذاك.
"يعني مفيش قلة أدب؟"
نظرت له زينب بصدمة وخجل، احمرت وجنتيها بنيران متوهجة لترى الصدمة الأكبر على وجه إيمان.
وهي تضع يديها على فمها بخجل مماثل لما تفوهت به.
تكاد تبكي من شدة الخجل قائلة.
"وحياة ربنا ماما هي اللي قالتلي أسألك بس بشياكة، وأنا معرفش الحاجات دي تيجي بشياكة إزاي يعني.."
ضحكت زينب: "دا أنتي زيرو تمثيل."
إيمان: "باين عليا للدرجة دي.."
زينب: "الصراحة آه."
في ذلك التوقيت، استمعا الاثنان إلى أغنية.
"بنت السلطان" من المسجل في القهوة تحت المنزل.
أيمان بخبث: "بتعرفي ترقصي؟"
زينب بدلال: "طبعاً."
أيمان: "طب ياله نرقص."
تركت حقيبتها جانباً وهي تنزع حجابها لينسدل شعرها الأسود بنعومة، يعرف مجراه في الانسدال على ظهرها طويل، لكن ليس كطول شعر زينب، يبدو أقصر بقليل.
زينب بتعنج: "إيه الانحراف دا.."
أيمان: "أصل الصراحة يوسف كل شوية يقول ارقصي وكدا، وأنا طبعاً بتكسف أرقص قدامه، بس إحنا بنات عادي، ومافيش حد، ياله قومي."
تعالت صوت الموسيقى، ابتسمت زينب بحماس وهي تقف بجوارها، لتجد إيمان تخرج وشاح ذهبي من حقيبتها.
(يبدو كحجاب بديل) تربطه على خصر زينب.
الأخذ الاثنان يتمايلان بنعومة ومرح واحترافية.
توقفا فجأة مع رنين جرس الباب.
نظرا الاثنان لبعضهما بارتباك.
قبل أن يخرج صوت إيمان أخيراً لتقول بحذر.
"مين؟"
"أنا يا إيمان افتحوا."
تنهدت براحة وهي تسمع صوت والدتها، على عكس زينب التي مازالت تشعر بالارتباك.
فتح إيمان الباب.. لتدلف حياء لداخل الشقة.
ابتسمت وهي تنظر لابنتها ولزوجة ابنها.
حياء: "أنتم كنتم بترقصوا؟" ثم تابعت بصدمة.
"من غيري؟!"
شعرت زينب بالصدمة لثواني وهي ترى حياء تأخذ وشاح آخر من إيمان تضعه على خصرها، وتبدأ بالرقص ليبدو العرض مضحكاً.
وهي تمسك بيد زينب تشجعها.
مرت ثواني لتندمج زينب بينهم بشكل ملحوظ، ترقص باحترافية.
بينما على الجهه الأخرى.
صعد جلال وصالح ويوسف إلى شقة صالح بعد أن دعاهم صالح وأصر على ذلك.
أخرج مفتاح شقته من جيب بنطاله يضعه في مكانه المخصص له ويفتح الباب.
شعرت زينب بانسحاب الدم من جسدها وهي تراهم الثلاثة أمامها.. زوجها..
وقف صالح ينظر لثلاثة بذهول، بينما أخذ يوسف يصفق بحماس.
في حين ركضت زينب لغرفتها.
يوسف بسعادة عارمة:
إيه الجمال ده يا حماتي يا قمر انتي...
جلال بغضب وغيره:
اتلم يا روح أمك وخليك مع مراتك.
يوسف بخبث:
عندك حق.
اتجه نحو "إيمان" والتي مازالت تقف وكأن أحدهم سكب عليها دلواً من ماء بارد، وما زال الوشاح على خصرها تبدو في غاية الجمال، وخصوصاً مع حمرة خدها وخجلها الواضح، ليهمس لها بنبرة ذكورية مهلكة:
إيه الجمال ده... لا وكل ما أقولك تقوليلي لأ ما بعرفش، طب أما نرجع بيتنا بس وربنا مزة.
نظرت لأمها قبل أن تبكي من شدة الخجل، ليضحك الآخر وكأنه يرى مشهداً كوميدياً.
إيمان بصوت باكي وهي تفك الوشاح لتحتضن والدتها:
ماااما...
احتضنتها حياء لتقول بصوت حاد:
ولا اتلم وبعدين مالك انت... أصل أنا أمها و... و...
جلال بغضب وهمس:
ورحمة أمي لما ننزل شقتنا يا حياء الكلب...
حياء بغضب:
جلال...
جلال بخبث همس بطريقة أنثوية مقلداً لها فيما قبل:
معلش يا جلال أصل ماليش نفس أرقص... لأ عيب، إحنا كبرنا على الحاجات دي... يا جلال اتلم...
ثم تابع بحدة:
ماشي يا بنت الهلال لما ننزل شقتنا.
ليتابع بغمزة وقحة كابن أخيه.
أخذ يوسف يصفق ليقول بحماس:
الله عليك يا عمي يا جامد انت.
حياء بضيق:
أما عيلة مسخرة بصحيح...
أم صالح فما زال يقف وهو ينظر لباب غرفتهما المغلق، شعر بالصدمة وهو يراها ترقص بتلك الاحترافية رغم أنها ثواني.
يوسف:
احم، طب يلا بينا بقى ننزل ولا إيه يا عمي.
حياء بحرج وخجل من ذلك الموقف:
لأ أنا هبات مع مرات ابني، ياله خد مراتك وانزل.
إيمان بخجل:
انتي هتسبيني معاه؟
حياء بهمس:
اسكتي يا بنت الموكوسة...
جلال بتصميم:
يلا يا حياء قدامي، مفيش بيات برا البيت... قدامي.
حياء:
يلا يا حبيبي يلا.
يوسف:
اتفضلي يا هانم، البسي طرحتك لأن أقسم بالله هعمل حاجة هموت وأعملها وتبقى فضيحة قدام العيلة.
تشدقت بصدمة وهي تنظر له، لتجده يحدق به بخبث ذكوري، احتراما لما تبقى من كرامتها أخذت حجابها ترتديه وخرجت معه بهدوء.
بينما نزل وراءه جلال وهو يبتسم بخبث ممسكاً بيد حياء.
حياء بتلعثم:
جلال أنت فاهم غلط... دا إحنا... إحنا بس... كنا... يعني...
جلال بهمس:
ششش... ادخلي يا شعلتي.
حياء بقلق:
لما تقول ليا كده ربنا يستر منك... صحيح أنت عندك ستين سنة فاحترم سنك.
جلال بمراوغة:
ده الاحترام بينا قلة أدب أقسم بالله...
تلك الجملة كانت تحمل الكثير لتجعلها تصرخ وهي تدلف لشقتهم ومنها للغرفة، تغلق الباب خلفها بسرعة.
حياء:
شوفي قسما بالله قلة أدب مش عايزة، ويا حبيبي نام بقى في أوضة ابنك، بكرة العيد، كل سنة وانت طيب.
جلال بضيق:
افتحي يا بت...
حياء:
على جثتي... تصبح على خير يا حبيبي...
جلال بخبث:
هتروحي مني فين يا بطل!
***
تجلس زينب على حافة الفراش تكاد تبكي، اليوم حقاً لم يحالفها الحظ أبداً.
في البداية رأتها حياء وصالح يقبلها.
وبعد ذلك رآها وهي ترقص بتلك الطريقة والتي أقل ما يقال عنها بعيدة كل البعد عن الحياء.
تتمنى الآن أن تنشق الأرض وتبتلعها.
ابتسم بخبث وهو يضع يديه على مقبض الباب، ثوانٍ ودلف إلى الغرفة.
ليجدها جالسة على الفراش، تنظر لهاتفها بتركيز، لكن في الحقيقة هي تحاول ألا تنظر إليه هو.
تشعر نبضات قلبها تخون ثقتها في كل مرة يقترب منها، تفضح مشاعرها بضراوة.
أخذ يقترب منها بتسلية وتركيزه مصوب على حركة جفنيها، ترمش عدة مرات.
كل إنش بوجهها يبدو عليه الارتباك.
وقف أمامها مباشرة، ينحني ببطء بينما يرتكز بيديه الصلبة بجوارها من الجانبين، لترفع عينيها.
تشدقت بخجل وهي تتراجع للخلف قليلاً، يحاصرها بين عينيه الزيتونيتين تلك.
هامساً بصوت أجش أثر مشاعره ومراوغة ذكورية بأقرب من أذنها، وأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها البيضاء، تتضارب وتيرة النبضات بقوة:
مكنتش أعرف إنك بتعرفي ترقصي حلو أوي كده، بس بصراحة ملحقتش يا زبدة...
عضت على شفتيها بارتباك أمام عينيه المصوبة على شفتيها المكتنزتين.
أغمض عينيه بتوبيخ لتفكيره المراهق دوماً أمام تلك الفاتنة.
تحشرج صوتها قائلة بضعف:
على فكرة... أنا... أنا مبعرفش أرقص... أنا بس كنت... أنت مالك... أه كنت برقص.
ابتسم بمشاكسة لينحني أكثر حيث لا يصبح بينهم مسافة تقريباً، يضع أصابعه أسفل ذقنها ليرفع رأسها:
ااممم طب ما تيجي أقيم رقصك؟
بلعت ما بحلقها بارتباك قبل أن تدفعه بقوة لتخرج من الغرفة مسرعة، ليقهقه الآخر بصخب قبل أن يدلف للحمام.
***
بعد مرور عشر دقائق.
خرج من الحمام وهو يضع منشفة على رقبته يجفف شعره، بينما يقف كعادته عاري الصدر.
لتهمس الأخرى بغيظ:
قليل الأدب، وقح، صايع...
ابتسم وهو يقف أمام المرآة يمشط شعره للخلف، بينما تختلس النظر إليه بخجل.
صالح بوقاحة:
على فكرة ملوش لازمة الكسوف ده... أنا يعني في مقام جوزك...
زينب بضيق:
مالكش دعوة بيا...
ااامم شكلك متضايقة وأنا ميرضنيش أسيبك زعلانة، لازم تفرفشي ومن الناحية دي جيتي للخبير.
أخذ يقترب وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة تلمع عيناه بشراسة.
زينب بتحذير وارتباك من قربه المبعث لمشاعر الأنثى بداخلها:
قسما بالله العظيم... أنت بتقرب كده ليه... صالح عيب كده، بص...
استلقى بجوارها بينما كانت تجلس القرفصاء وتوسد رأسه فخذها قائلاً بخشونة:
كفاية هبل يا زينب ويا ريت كفاية كسوف، لأن قريب هتتم جوازنا... وانجزي بقى ودلكيلي راسي لحسن حاسس بصداع.
نظرت لفعله بحرج ممزوج بخجل، ثم بدأت تضع أصابعها على رأسه لتدلكها ببطء، بينما ابتسم من نعومة يديها، ليمر الوقت يشعر بتلاشي الألم.
نظرت له لتجد يغمض عينيه، يبدو قد انغمس في نوم عميق.
ابتسمت بحنو وهي تمرر يديها على ملامح وجهه، مدت يديها تجلب الوسادة تضع رأسه عليها، بينما عدلت وضعيتها لتبقى في مواجهته.
انحنت بتردد ببط تمرر شفتيها على خده.
جذبها بقوة بين ذراعيه يحتضنها بقوة، يكتم شهقتها بينما يقبلها بنهم، بينما وسعت عينيها... تنساب معه بحب.
ابتسم بخبث وهو ينظر لها مستسلمة، احتضانها لتشعر بالذعر من أفكارها والارتباك.
لحظات وكانت ستخبره بما تشعر به نحوه، لكن فاقت بعد ابتعاد ذلك.
رغم رغبته القوية في الاقتراب، تلك الرغبة تكاد تفتك به، يتمنى أن ينهال من شهد شفتيها أكثر.
لكن يخاف أن تشعر بأنها مجبرة في تلك العلاقة.
أخذ يمرر يديه على سلسلة العمود الفقري يهدأ من روعها، يضمها بقوة تنام على ذراعه بين أحضانه.
***
اليوم هو أول يوم عيد الأضحى المبارك، بدأت التكبيرات، أيام الأعياد هي المميزة لجميع المسلمين، وبذات هذه الأضحية التي تكون سعادة الفقراء والمحتاجين أكثر من فرحة المقتدر بهذا الثواب وسنة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، أيضاً تكون فرحة لجميع الفئات مهما كانت مقدرتهم.
تعالت التكبيرات مداوية كل أنحاء البلدان الإسلامية.
نزل صالح من شقته وهو يرتدي جلباب أبيض جميل، التقى بوالده على السلم، ابتسم بود وهو ينحني يقبل يديه:
كل سنة وانت طيب يا حج...
جلال بود وأيضاً يرتدي جلباب أسود مميز:
وانت طيب يا حبيبي يارب، بقى تفرحنا قريباً، يلا ننزل نصلي العيد سوا.
صالح:
يلا...
انتهت صلاة العيد، يقف الأطفال أمام المساجد الضخمة، ثوانٍ وانهالت عليهم البلالين المنتفخة عديدة الألوان مبهجة.
يوسف:
كل سنة وانت طيب يا عمي...
جلال:
وانت طيب... هنضحي عندنا في مدخل البيت زي كل سنة، يلا يا يوسف، أنت اللي هتضحي بالأضحية الصغيرة.
فغر يوسف شفتيه قائلاً بذهول:
أنا اللي هدبح معاك...
رد صالح بتهكم وغيظ:
"وهتشفيها معايا كمان وتقطعها يا جوز اختي يا غالي..."
يوسف:
"بس أنا بقالي سنين من وقت ما سافرت وأنا مدبحتش..."
صالح:
"مفيش رجالة غريبة بتدخل البيت وأنا وأنت اللي هندبح وبعدين ياسيدي ما أنت كنت بتعمل كدا زمان وأنا معاك."
ابتسم بود وهو يدلف معه لمنزل الشهاوي.
وجد إيمان وزينب الاثنان يقفا في ساحة المنزل.
بينما إيمان ممسكا بدلو ماء تسقي الأضحية وزينب تفعل المثل للأخرى.
ابتسم جلال وهو ينظر لابنتيه.
جلال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
زينب بابتسامة: هتضحوا دلوقتي؟
جلال: أيوه خلينا ندبح بدري علشان يلحقوا يفرقوا الحاجة على الغلابة. هو على مش هييجي ولا إيه يا صالح؟
صالح: مش عارف بس هو قال إنه جاي زي كل سنة.
علي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
علي بحرج: اتأخرت عليكم...
جلال بود: كل سنة وأنت طيب يا علي. أخبارك إيه؟
علي بسعادة حقيقية:
بخير الحمد لله ادعيلي يا حج...
جلال بجدية: ربنا يسعدك... صحيح أنا كلمت الحج نعمان... تقدر تروح تخلص معه البيعة بتاعة المصنع.
شعر بصدمة ليرد بشك:
"بس هو كان رافض السعر وقال إنه..."
جلال بمقاطعة:
بس خالص هو موافق على السعر. وعلى فكرة أنا مدفعتلوش حاجة علشان أنا عارفك بتتحمق في موضوع الفلوس دا. أنا بس كلمته وهو وافق. ومبارك البيعة كمان.
ابتسم وهو يحتضنه ليستقبله جلال بسعادة:
ربنا يباركلك يا ابني وإن شاء الله المكن يوصل وتشغل المصنع.
علي: ربنا يبارك فيك ويخليك لينا يا حج.
جلال: ماشي يا فالح بس على الله تفرحنا. وكدا مفضلش إلا العروسة وأنت وشطارتك بقى.
تنهد الآخر بقلة حيلة قائلاً:
"ادعيلي يا حج وادعي لبنت الحلال."
جلال: ربنا يسعدكم. يالا بقى جهزت الحاجة يا صالح.
"أيوه يا حج."
بدأ الثلاث شباب في ذبح الأضحية مقيمين شعائر عيد الأضحى المبارك.
***
بينما الكل مبتهجون بالعيد، توجد تلك البائسة التي تدعي نورهان.
تعمل على ماكينة التعبئة على قدم وساق بحركات مدروسة وكأنها الآلة من حديد.
تعمل بأحد المصانع على أحد ماكينات التعبئة بنظام وسرعة.
بينما يقف وراءهم شخصًا ما يولي عليهم الأوامر.
تنهدت وهي تشعر بالتعب بينما تقوم بتعبئة الشوكولاتة في العلب المخصص لها. وكان السير المتحرك يحمل قطع الشوكولاتة ينقلها لها ولباقي الماكينات.
شعرت بأن قدمها لم تعد تسعفها على الوقوف أكثر من ذلك، لكن هناك شخصًا ما يراقب عملهم.
زادت المهمات مع دخول صاحبه، يبدو رجل ذو هيبة.
رفعت نور عينيها لترى رجل يبدو في العقد السادس من عمره.
خصلات شعره سوداء مصبوغة بأحد الصبغات، لكن مع ذلك تبدو تجاعيد وجهه واضحة.
جسد طويل ممتلئ قليلاً يبدو وكأنه يمارس التمارين ليحافظ على لياقته البدنية رغم سنه.
وقفته وشموخه أمام الجميع يحكي عن سلطة يتمتع بها، يرتدي حلة سوداء أنيقة. لكن شعرت بالنفور ما أن رأته. نفور غريب.
همست الفتاة بجوارها بهدوء:
"عارفة مين دا يا نور؟"
لم تبالي وهي تلتقط قطعة الشوكولاتة تضعها في العلبة بنظام:
"يعني هيكون مين؟ وزير الداخلية."
ردت ساخرة...
نريمان صديقتها:
"لا يا أختي، أهم من وزير الداخلية دا."
"زيدان العلايلي."
صاحب المصنع. إنما إيه راجل واصل أوي... أوي يا نور.
ردت نور بارتياب ونفور:
"طب والباشا لو واصل أوي كدا ليه جاي بنفسه يبص على العمال؟ ههه، ولا مكتبه من كتر النظافة مش قادر يقعد فيه، قال ينزل يشوف البني آدمين بيعيشوا إزاي."
لوت نريمان شفتيها بسخرية:
"لا يا أختي، جاي يختار عروسة جديدة."
شهقت نور بذهول:
"معقول لحد دلوقتي متجوز؟ دا من دور أبويا تقريبًا."
ضحكت نريمان بصخب جذب الأنظار لها هامسة لتلك الساذجة:
"لا يا أختي، دا يمكن في حياته اتجوز بعدد شعر راسه، بس في السر... في السر بس... واللي أعرفه إن مراته العلنية اسمها نيرة العلايلي تبقى بنت عمه."
نور:
"أما راجل ناقص صحيح... متجوز على مراته... وهو بيختار دايما من هنا."
نريمان:
"مش دايما بس بيجي كل مدة كدا... تبقى أصدمك... عارفة البت اللي اسمها صفية أخت الواد أحمد خطيبك السابق؟"
نور:
"مالها يا أختي دي سيرة تعر."
نريمان:
"أهي بقى البت دي كانت متجوزة من شهر تقريبًا وبعد كدا قطعت الورقة العرفي، بس اللي عرفته إن الناقص اللي اسمه أحمد وأمه كانوا عارفين والباشا دا عرفها من هنا."
"و طبعًا اتجوزها فترة وفي نهاية الخدمة كتبلها الشقة باسمها ودلعها آخر دلع. ربنا يوعدنا."
نظرت لها نور باشمئزاز واستياء:
"يوعدك أنتِ يا أختي... أنا عايزة واحد من سني ومش عايزاه غني... عايزاه جدع كدا أرمي كل حمول الدنيا وأنا في حضنه. إن شاء الله ناكلها دقة بس يراعي ربنا فيا."
مصمصت نريمان شفتيها قائلة:
"بذمتك عجبك العيشة اللي أنتِ عايشاها دي يا نورهان... يا بت دا أنتِ ناقص تشحتي و عمالة تشتغلي. دا حتى اليومين الإجازة بتوع العيد جاية علشان تشتغلي فيهم. جاتك وكسة."
ابتسمت نور ساخرة:
"طب ما أنتِ كمان جاية؟"
نريمان بخبث:
"أنا عارفة إن الباشا دا أكيد جاي النهاردة فقلت لازم أجي... جايز يتفك النحس."
نظرت لها نور بصدمة ورمقتها بحدة. منذ البداية كانت تشعر بشيء غير مريح ما أن رأت مكياجها المبالغ فيه وثيابها الضيقة.
هزت رأسها باستياء وهي تنظر لعملها لا تبالي بأي شيء آخر.
رفعت عينيها العسلي تلك لتنظر أمامها، لكن وجدت ذلك العجوز يحدج بها. أحست بشعور بالنفور والرغبة في التقيؤ، لكن لم تبدي أي ردة فعل سوا الاهتمام بعملها.
بينما الطرف الآخر يتفحصها بضراوة!!!
***
وصل باسل العلايلي لشركة العلايلي للاستيراد والتصدير، أكبر صرح في الشركات.
صرح فخم راقٍ منمق ينم عن الغنى العميم لأصحاب المكان.
سار باسل على الأدراج اللامعة كالزجاج المرآة لكي يصل إلى مكتبه.
(مكتب رئيس مجلس الإدارة) مالك هذا الصرح الفخم مع والده وأخته.
هو من أهم أعضاء الشركة رغم أن معظم وقته يقضيه في عمله الأساسي (وكيل نيابة).
لكن بمنتهى الذكاء والمهارة يستطيع أن يعطي شركاته الوقت الكافي ليديرها.
دخل باسل إلى مكتبه وجلس على مقعده خلف المكتب وعيناه على باب المكتب.
يمسك بيديه قلم يطرق به على سطح المكتب بوتيرة حادة.
دخل (نيروز الألفي) صديقه ومساعده الشخصي، أغلق الباب الكبير خلفه وتقدم منه ليجلس أمامه.
أردف باسل بهدوء حاد:
"ها يا نيروز... آخر الأخبار؟"
صمت قليلاً ليسمع حارسه الشخصي يدوي له بأهم المعلومات التي حدثت مؤخرًا. لم تتأثر ملامح باسل بل عقب بجملة واحدة وعيناه الحادة كنمر يتربص فريسته:
"مصنع الشوكولاتة."
ليتابع بغضب وهو يضغط على القلم بغضب أعمى حتى انكسر:
"تعرفي مين البنت اللي اختارها المرة دي؟ زيدان باشا أكيد مش هيخرج من هناك إلا لما يختار واحدة رخيصة يتسلى معاها..."
نيروز: باسل باشا في حاجة حصلت بس الحمد لله لحقناها، بس أعتقد إنك لازم تاخد خبر بيها.
رد بجدية وعيناه متربصة له يحاول استكشاف ما يخفيه:
"حاجة إيه؟"
"في واحد من الصحافة وصل لعقد جواز عرفي كان كتبه زيدان باشا مع بنت اسمها صفية خليل، بعد ما مسكنا الصحفي دا قال إن البنت هي اللي سلمتله الورقة العرفي بعد ما والد حضرتك طلقها وكانت ناوية تفضحه."
جز على أسنانه بقوة وهو يضغط على يديه بعنف قائلاً بحدة:
"واضح إن زيدان باشا مش هيستريح إلا لما يهد المجموعة بأفعال المراهقين بتاعته دي... بس وحياة أمي لقف له في الجوازة دي إن حتى اتجوز البنت دي زي التلات المرات اللي فاتوا."
نيروز: أنا خايف إن الصحافة تاخد خبر بجوازاتك التلاتة وخصوصًا بعد ما طلقتك مدام مروة بنت الوزير... الإشاعات هتكتر والكلام هيبقى كتير أوي على المجموعة.
وضع ساقًا على الأخرى بغطرسة قائلاً:
"أنا اتجوزت تلات مرات ومحدش قدر يعرف عنهم حاجة وأقدر أعملها المرة دي كمان لأن محدش يقدر يكشفني... إنما زيدان باشا بسم الله ما شاء الله كل جوازه والتانية بيحصل مصيبة... وبسبب انشغالي الفترة اللي فاتت في النيابة اتجوز الزبالة اللي كانت هتسلمه الصحافة... على العموم روح أنت دلوقتي يا نيروز وتعرفلي كل الأخبار عن جوازته الجديدة... على الله بقى يبطل شغل مراهقين لأن الواحد قرف من ذوقه الزبالة."
نيروز: تمام يا باشا تؤمرني بحاجة تانية؟
حك دقنه قائلاً بحدة:
"عايز كل المعلومات عن المشروع اللي الشركة هتقوم بيه في مرسى علم وابعتلي مدير الحسابات."
"تمام يا باسل باشا بعد إذنك."
انصرف نيروز بينما بقى باسل يفكر في خطواته القادمة.
وكيفية إنقاذ سمعة شركاته دومًا من أفعال أبيه.
رغم أنه ذكي جدًا في إدارة العمل إلا أنه ينشغل دومًا بالجنس الأخرى.
حيث يمكنه أن يتزوج كل ثلاث أشهر بامرأة جديدة.
لكن بعد محاولات باسل توقف عن الأمر.
حيث أنه في كل مرة يوقف الزيجة ويقف أمام والده.
وإن لم يستطع إبعاد الفتاة بالتهديد تزوجها بدلاً عن أبيه لمدة قصيرة جدًا.
لا يعني ذلك أنه المضحي أبدًا، هو أيضًا يستمتع قليلاً معهن. ليصبح الآن متزوجًا من ثلاث نساء "عرفي" ومرة واحدة رسمي وهي ابنة وزير الداخلية "مروة" ولم يدم زواجهم طويلاً.
ترى إلى متى سيبقى في تلك الدوامة؟
متى سيجد الحب؟ أو يؤمن به على الأقل!
لن نكتب فلسفة بل سنكتب واقع.
سلاحك في الحياة عبارة عن نقود تشتري بها الضمائر.
بعدها معك تربح لا تخسر. ولا تأمل بتغيير.
***
بعد أذان الظهر في منزل الشهاوي.
دلف صالح إلى شقته بدل ثيابه بعد أن انتهى من توزيع الأضحية وهو وصديقه وابن عمه.
زينب: أنا جهزت الغدا.
ابتسم وهو يمسك يديها، يتجه نحو الخزانة، يفتحها ثم أخرج علبة سوداء من القطيفة تبدو في غاية الأناقة.
وضعها على الطاولة ليخرج منها عقد لامع من الذهب يتدلى بشكل انسيابي رقيق.
زينب: أي دا؟
رد عليها مشاغباً وهو ينحني يقبلها:
كل سنة وأنتِ طيبة يا زبدة... يالا جهزي حاجتك هنسافر.
ابتسم بمراوغة وهو يضعه على عنقها لتبدو في غاية الجمال:
هنروح فين؟
صالح بخبث:
الساحل كم يوم، يالا جهزي نفسك.
زينب: اشمعنى؟
مالي على أذنها يهمس ببعض الكلمات لتشعر بوجنتيها يكاد يحترقا من شدة الخجل، قائلة بارتباك:
لا أنا مش عايزة أسافر، شكرًا...
حاوط خصرها بذراعه قائلاً بمكر:
بصي يا قمر، انتي متحاوليش معايا لإن كدا كدا هنسافر، وإلا بقى اللي ناوي أعمله في الساحل هعمله هنا عادي، أنا مبتفرقش معايا الأماكن... وياسلام بقى لو دلوقتي، أنا فعلاً معنديش مشكلة ناجل السفر.
امتعض وجهها بضيق وحنق قائلة:
هجهز حاجتي.
ما قولنا كدا من الأول يا مزة...
بعد وقت قصير، خرجت معه من المنزل بعد أن ودع والدته وأبيه، وألقى التحية الأخيرة على ابن عمه قبل أن يسافر غداً إلى لندن.
بعد مدة طويلة، وصلت سيارة صالح إلى حي سكني راقٍ، حيث كان مجمع سكني غاية في الرقي والجمال، معظم المنازل الفخمة على البحر مباشرة فتعطي سحراً خاصاً للمكان.
بإستثناء أشكال المنازل الأنيقة من الخارج وتأسيسها على أعلى مستوى.
ترجلت زينب من السيارة وهي تنظر حولها بانبهار يضج لعينيها الدخانية الداكنة.
اقترب صالح منها وحاوط خصرها بذراعه وهما يسيران معاً حتى يصلا للمنزل الخاص بهما.
سألها وهو يراقب انبهارها:
إيه رأيك في المكان؟ عجبك؟
اه حلو أوي، وأحلى حاجة البحر... بس أنا بخاف من الزحمة وشكل فيه ناس كتير.
متقلقيش، أنا هكون دايماً معاكي ومفيش حاجة تخوف، ومتخافيش مفيش حد في المكان وقليل جداً اللي بييجوا هنا.
ابتسمت وهي تدلف معه إلى داخل المنزل الشامخ الأنيق.
بداخل أبصرت قطعة من الجنة، كل شيء أنيق منمق.
الفرش فخم والألوان مذهلة مريحة للعين تليق بمنزل قابع أمام البحر بعيداً عن التجمع والزحام... كل قطعة عصرية وكل قطعة كانت تخشي عليه من أن تفسدها بعينها التي تكاد تخرج من حجرها من شدة الانبهار والذهول.
رغم ذلك لم تعلق على شيء، ثابتة مكانها بأناقة بعد أن بدلت ثيابها لأخرى تبرز أنوثتها الطاغية وجمالها الخلاب.
إلا أن مشاعرها تفصح عما بداخلها... بينما هو يتأملها بصمت يود الانقضاض عليها.
ابتسم ليسألها بخبث:
إيه رأيك في الفيلا اللي هنقضي فيها شهر العسل؟
ابتسمت بخفوت بعيون متلألئة بالفرح:
جميلة... جميلة أوي يا صالح... أنا عمري ما حلمت أجي مكان زي دا... معقول هقعد فيه؟
تقدم منها بهدوء، وقد أثرت به نبرتها العفوية والحزينة تلك، كما جعله يمسك يديها ويقربها منه وهو يسير بها لغرفة النوم:
وليه مش مصدقة؟ هما اللي بييجوا هنا أحسن منك؟
لم تعلق، بل شفت ابتسامة حزينة شفتيها.
دلف إلى غرفتهما ثم خرج مجدداً ليجلب الحقائب من الأسفل.
بعد أن جلبها السائق بداخل الفيلا.
وضع الحقائب على الفراش وبدأ يخلع قميصه وهو يخبرها بتعجل بحماس غريب.
أو هي من شعرت بذلك، مازالت تكتشف كل شيء به وتقترب منه أكثر مع كل يوم يمر.
يالا علشان هننزل الماية.
نظر لوجهها الذي احمر سريعاً، سمعها تعترض بخجل:
دلوقتي... العشاء هيأذن... أنا... أنا الصراحة مبحبش الماية ومبعرفش أعوم، أخاف أغرق والجو ليل...
عقب صالح بخبث ومراوغة:
أنا كدا بتشتمني... أومال أنا بعمل إيه... أنا هعلمك العوم، يالا البسي غيري، على فكرة في هنا في الدولاب كل حاجة تحتاجيها ودي ذوقي الخاص.
أنهى تلك الجملة بغمزة وقحة، بينما خلع قميصه وظهر جسده الرياضي.
ملك: فاقت من شرودها على صوته الحاد.
في عندك مايوه، يالا علشان ننزل.
انتبهت لما قاله لتشعر بنيران تتوهج بوجهها الأبيض المحمر أثر خجلها الواضح:
مايوه؟ مايوه إيه؟ أنا مش هلبس حاجة... وبعدين انت... انت بتغير هنا ليه من قلة الأوض؟ وبعدين عندك الحمام هناك أهو...
ابتسم بمراوغة وخبث وقح:
لا يا حبيبتي، عادي يعني انتي مراتي، وبعدين ما انتي كمان هتغيري هنا، إيه يعني، وعشان متكسفيش هغمض عيني.
تغمض... لا متغمضش.
قالتها بحدة وغضب ممزوج بخجل، بينما ابتسم الآخر بسعادة وهو يقترب منها قائلاً:
أنا برضه بقول كدا... إحنا برضه مفيش بينا حاجة زي دي.
صاحت زينب بتشنج وغضب:
لالا شكراً، أنا هغير في الحمام.
مسك يديها بقوة وأدارها، فتحت عينيها على صدره العريض الذي يضخ عضلات ممشوقة بصلابة مهلكة، تأثرت عليه بجنون ليهمي بالقرب من أذنها:
في حد برضه يتكسف من نصه التاني؟ دا حتى تبقى عيبة في حقي يا زوبا... عادي يعني، دا أنا حتى جوزك.
فغرت شفتيها وهي تنظر لعينيه الجذابتين، فأدركت ضعف مشاعرها لتحاول الهرب:
أنا... أنا هغير في الحمام لو سمحت، بدل كفاية كدا، أنا مبحبش حد يتفرج عليا وأنا بغير، وبطل قلة أدب.
طبع قبلة سطحية على شفتيها وهو يترك ذراعها:
ماشي يا زبدة، ادخلي غيري، بس متاخديش على كدا، ولو احتجتيني أنا موجود، يالا، ولا أقولك لازم أدخل أساعدك، حاسة إنك متوترة.
ركضت بقوة نحو الحمام وأغلقت الباب بقوة خلفها، سمعته يقهقه بصخب، تشعر بتزعزع كأنها بالكامل.
وكأنها على وشك الانهيار من ضراوة قربه.
تقف أمام المرآة ترتدي مايوه مكون من قطعتين.
يبرز أنوثتها وجمالها، يلهب القلب، تشعر بوجنتيها تكاد تنفجر من الخجل من ثوب السباحة الأزرق الذي ترتديه.
زينب بخجل: لالالالا أنا لا يمكن أطلع كدا أبداً، معقول أخليه يشوفني كدا، لا لا.
أخذت المئزر بسرعة ارتدته وهي تربط عقدته بقوة وتضغط على شفتيها بحرج.
زينب بارتباك: لالالا أنا لازم أغير البتاع دا... ما هو قليل الأدب يعني، من السهل أوي يخليني أقلع الروب، لا أنا هطلع أجيب حاجة تانية وأغير.
استرقت السمع على الباب المغلق وهي تبلع ريقها بتوجس... ثم فتحت الباب فتحة صغيرة لتجد الغرفة فارغة.
تنهدت براحة وهي تضع يديها بقوة على المئزر، تخاف أن ينفك عقدته.
حينما فتحت الباب على مصراعيه وجدتـه يستلقي على الفراش عاري الصدر كما تركته، ممدد الساقين.
حاولت تفادي النظر له وهي تتجه نحو الخزانة تجلب أي شيء آخر.
ما إن استدارت حتى وجدته يقف وراءها، انتفضت بذعر وخجل وعلى تمسك بعقدة المئزر بقوة:
صالح... أنا... أنا مش عايزة أنزل المياه... هدخل أغير البتاع دا وبعدين بعدين بقى نبقى نشوف موضوع المياة دا، أنا أصلاً بخاف منها... و...
كبح صراخها ذلك وهو يقبلها بشغف، حاولت دفعه كالعادة ولكن لم تنجو من عاصفة مشاعرها تلك لتشعر بيديه تتسلل لعقدة المئزر يحلها، أغمضت عينيها تاركة له زمام الأمور، منسجمة معه ومع عشقه الضاري.
أسند جبهته على خاصتها ولفحت أنفاسه بشرتها، فهمست بخجل وارتياع:
صالح... أنا... خايفة.
شش... متخافيش يا زينب، أنا عمري ما هاذيكي.
عاد يقبلها من جديد بمنتهى الراحة، لا يصدق أنه على أعتاب امتلاكها، لعل تنطفي تلك الرغبة بداخله في الاقتراب منها.
والحقيقة أنه حينما اقترب شعر أنه شرب السحر وقد بدأ المفعول الحقيقي؟
في صباح يوم جديد في الإسكندرية.
يقف جلال أمام المرآة، يبدو عليه الارتباك، اليوم هو موعد معرفة نتيجة التحليل الخاص بها، يشعر بارتباك يكاد يقتله ويفتك به.
ابتسمت وهي تنظر له، ومن ثم اقتربت منه تضع كفها الصغير على ظهره.
أغمض عينيه بحرقة ولوعة اشتياق... لكن هل وصل به العشق إلى أن يشتاق لها وهي أمامه وبجواره وبين أحضانه؟
أي جنون عشق ذاك...
حياء بهمس: جلال... أنا بحبك أوي.
استدار له، وعلى وجهه ابتسامة جميلة، نظر لها بقوة كأنه يحتفظ بملامحها في الذاكرة، ابتسمت هي أيضاً وهي تقف على أصابعها تطبع قبلة سطحية على شفتيه.
اخفضت نظرها قائلة بخجل:
ممكن تبطل تبصلي كدا بعد كل مرة أبو... سك فيها عشان بتحسسني بالندم إني عملت كدا.
لم يجيبها، بل ظل ينظر لها بشغف وهو ينحني يقبلها بنهم، يدعو الله بداخله أن يخيب ظنونه.
وصلت نور إلى مصنع الشوكولاتة ذاك وهي تتصل بزينب، لكن حاولت عدة مرات دون أي رد، لتزم شفتيها بغضب وهي تدلف من بوابة العمال.
لكن وقفت وهي تنظر للحارس الضخم الذي وقف أمامها مباشرة:
الحارس: زيدان بيه العلايلي صاحب المصنع عايزك في مكتبه.
نور بغضب: عايزني في إيه؟ وبعدين أنا مبروحش لحد، اللي عايزني يجيلي، وابعد عن طريقي كدا يا لوح... وفي حاجة اسمها احترام، متجيش فجأة كدا تقف في وشي، مش هخاف أنا منك بطولك وعرضك اللي ملوش أي تلاتين لازمة دول، جاتكم ستين نيلة...
تركته ودلفت إلى مكان عملها، بينما شعر الحارس بالذهول وهو يصعد لرب عمله (زيدان العلايلي) والذي شعر بالرغبة الجامحة في تلك الشرسة بعيونها التي تشبه عيناه العسلي.
كما يسميها شخصاً ما (الشبح).
زيدان: شكلي هجرب صنف جديد، لأ بس مزة وتستاهل، روح أنت يا ابني.