تحميل رواية «اشواك الورد» PDF
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعلقت الزينات بكل مكان، حاوطت الأزهار السلم الزجاجي لقاعة الأفراح الضخمة في بهاء. تعالت الأضواء الكريستالية تتراقص لفرحتها. ها هم المدعوون يجلسون بانتظار قدوم العروس. كان مشهداً مبهجاً من الطراز الأول. تعالت أصوات الموسيقى الصادحة مع دقات الدفوف التي دقت القلوب معها. فها هما العروسان يطلان ببهائهما. تعالت أصوات التبريكات للعروسين ليبدأ حفل الزفاف وسط دموع هذا الكهل الضعيف الذي تعلق ببصره بتلك العروس الحسناء. جلس العروسان تتعالى ابتساماتهم، فاليوم أول يوم في بناء هذه الأسرة الجديدة وتكوين عش هادئ...
رواية اشواك الورد الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
تعلقت الزينات بكل مكان، حاوطت الأزهار السلم الزجاجي لقاعة الأفراح الضخمة في بهاء. تعالت الأضواء الكريستالية تتراقص لفرحتها. ها هم المدعوون يجلسون بانتظار قدوم العروس. كان مشهداً مبهجاً من الطراز الأول. تعالت أصوات الموسيقى الصادحة مع دقات الدفوف التي دقت القلوب معها.
فها هما العروسان يطلان ببهائهما. تعالت أصوات التبريكات للعروسين ليبدأ حفل الزفاف وسط دموع هذا الكهل الضعيف الذي تعلق ببصره بتلك العروس الحسناء. جلس العروسان تتعالى ابتساماتهم، فاليوم أول يوم في بناء هذه الأسرة الجديدة وتكوين عش هادئ لحياتهم سوياً.
كان الخجل سمة لها في هذه الليلة، كذلك رهبة هذه الحياة الجديدة التي تدق أبوابها. جعلتها تطلب من خبيرة التجميل إسدال طرحة من الشيفون على وجهها، ربما تمنع خجلها المتزايد في هذه الليلة.
نظر العريس إلى عروسه بابتسامة ثم أردف بفضول شديد:
"حلو موضوع الطرحة اللي على وشك دي... بس خليني أشوف وشك الحلو."
مدت أطراف أصابعها البيضاء بخجل شديد لتقوم برفع الطرحة من فوق وجهها ثم أعادتها إلى الخلف. نظر العريس نحوها بأعين متسعة بإنبهار واضح. فقد أتمم هذه الزيجة دون رؤيتها مسبقاً، لكنه تذكر حديث والدته معه: "متقلقش عروستك دي قمر ملكة جمال، إوعى تضيعها من إيدك."
تهدج صدره إعجاباً بتلك الفاتنة مردفاً بأعين متفحصة:
"ومخبية عننا الجمال ده كله ليه؟"
ابتسمت "ورد" بخجل شديد لتتابع بعيونها والدها الباكي من بعيد.
"ورد" فتاة رقيقة حساسة جداً، بيضاء البشرة ذات وجه ممتلئ وعيون زرقاء بلون السماء الصافية. تشبه والدتها الراحلة إلى حد كبير. متوسطة الطول، دوماً تجذب الأنظار لشدة بهائها وحسنها. بنت وحيدة ليس لها إخوة أو أخوات أشقاء. دللها والدها الطيب دون أن يضغط عليها يوماً، فهذه طبيعته. غمرها بحبه وحنانه، دللها منذ نعومة أظافرها بعاطفته وطيبة قلبه. لكن مع دلاله لها إلا أنها لم تكن متطلبة، بل أثنى الجميع على حسن خلقها وتربيتها. لم تعصي يوماً والدها فقد كانت تستمع لطلبه منفذة إياه بمحبة وعطاء كما علمها. اعتادت على هذا الحنان المغدق والرعاية من والدها المحب.
نظر العريس "حسام" إلى عروسه محاولاً فتح مجالاً للحديث معها.
حسام:
"مش بتقولي حاجة ليه يا ورد؟"
ورد:
"هقول إيه؟"
ضحك حسام بجرأة وهو يغمز بإحدى عينيه مردفاً:
"لااااا... النهارده مش يوم كسوف خالص."
تورّدت وجنتاها بقوة وشعرت بتخوف واضطراب واضح لتعيد بصرها تجاه والدها الذي مازالت دموعه لفراقها تبلل وجهه النحيف.
"عبد المقصود العالي" والد ورد، رجل قصير القامة هزيل الجسم، يقف من بعيد بعيون باكية لفراق صغيرته "ورد" بزواجها اليوم من "حسام".
نظر "عبد المقصود" تجاه تلك المرأة التي تقف إلى جواره وقد اتسعت ابتسامتها لتملأ الكون كله وهي تنظر تجاه العروسين السعيدين بفرحة غامرة. بصوت حزين مهتز وجه إليها "عبد المقصود" حديثه قائلاً:
"هتوحشني أوي يا أم محمد."
زمّت "ناهد" شفتيها بغضب وهي تكظم غيظها منه متحدثة بحدة من بين أسنانها:
"والله يا عبد المقصود أنت غاوي تعصبني وتعكنني في يوم زي ده. إيه حكاية أم محمد اللي طالع لي فيها دي كل شوية؟ يا تناديني باسمي يا تقولي أم حسام. هو مش حسام ابني الكبير برضه ولا إيه؟"
بحنو بالغ حاول "عبد المقصود" استرضاء "ناهد".
"خلاص يا ستي متزعليش... أم حسام أم حسام... بس أنا بحب اسم ابني منك، عشان كده بقولك يا أم محمد."
بنفور شديد رمقته بجانب عينيها وهي تملي تعليماتها بحدة تجاهه.
"وأنا قلت لك يا تناديني باسم ابني الكبير يا تقولي ناهد وخلاص."
"عبد المقصود":
"ماشي يا أم حسام... بس أنا بحب اسم أبو محمد."
بقلة صبر أردفت "ناهد" بغير تحمل لحزنه المبالغ فيه:
"خلاص يا أبو محمد... متضايقناش في يوم حلو زي ده. إحنا ما صدقنا فرحنا."
"عبد المقصود":
"حاسس إن ورد لسه صغيرة واستعجلنا أوي بجوازها من حسام ابنك."
زفرت "ناهد" بعصبية وهي تنهره "عبد المقصود":
"اللهم طولك يا روح... صغيرة إيه بس ما هي عروسة قد الدنيا أهي ولسه مخلصة جامعتها. وبعدين يعني هو حسام ابني عيبه إيه؟"
"عبد المقصود":
"حسام ربنا يبارك لك فيه، مفيش منه. أنا بس ورد هي اللي حاسس إنها لسه صغيرة على الجواز. ومتعرفش حسام كويس. دي وافقت عليه عشان أنا طلبت منها كده، وهي مش بتحب تزعلني."
"ناهد":
"ميبقاش بس قلبك ضعيف أمال. كل بنت مسيرها للجواز وحسام ابني لو لفت الدنيا كلها مش هتلاقي ظفره. ده طول حياته عايش في أستراليا... مش أي كلام يعني."
"عبد المقصود":
"ربنا يهنيهم."
لوحت "ناهد" بكفها بارتياح.
"أيوه كده... ادعيلهم إنت بس."
انتهى حفل الزفاف واستقل العروسان سيارتهما المزينة متوجهين نحو شقتهما الجديدة التي قد حضرتها لهم "ناهد".
بينما استقل والد العروس وزوجته "ناهد" وابنهما الصغير "محمد" سيارته ليوصل العروسين ويطمئن على "ورد" ويعودوا إلى منزلهم بعد ذلك.
***
بيت عبد المقصود
بعد الاطمئنان على "ورد" و"حسام" وإيصالهما إلى شقتهما الجديدة، عاد "عبد المقصود" وزوجته وابنه الصغير "محمد" الذي لم يتجاوز العامين إلى بيتهم بأحد أحياء القاهرة القديمة.
ربما كان يملك "عبد المقصود" مالاً وفيراً إلا أنه لم يترك ذلك الحي الذي نشأ وترعرع به ليقيم بيته الكبير بتلك البقعة قريباً من القلوب الطيبة التي نشأ وسطها.
وصل "عبد المقصود" إلى بيته وهو يدعو زوجته "ناهد" للترجل من السيارة بعد أن قام بصفها بالمرآب الخاص به.
"عبد المقصود":
"الحمد لله... تعالي يا أم محمد."
زفرت ناهد بعصبية من ذلك الرجل غليظ الفهم الذي على ما يبدو يتعمد مضايقتها بإطلاق هذا الاسم دوماً عليها.
"يا راجل إنت غاوي تعصبني!!!!! قلت لك أم حسااام... أم حسااااام..."
زمّ "عبد المقصود" فمه بخفة كاظماً ضيقته من عصبيتها متذكراً إصرارها بندائها باسم ولدها الأكبر "حسام" قائلاً بنبرة تميل للاعتذار:
"خلاص يا أم حسام... نسيت. ادخلي نيمي محمد جوه... شكله تعب من السهر."
تحركت "ناهد" بانصياع لطلب زوجها مردفة:
"حاضر."
***
في إحدى البنايات السكنية الحديثة
شقة ورد وحسام
دلف "حسام" إلى داخل الشقة وهو يأشر بابتسامة عريضة نحو "ورد" قائلاً بحبور:
"ادخلي يا عروسة... نورتي بيتك."
دلفت "ورد" بمشاعر مختلطة بين التوتر والاضطراب والرهبة بذات الوقت، فزوجها مازال غريباً عنها ولم تألفه بعد.
نكست رأسها خجلاً وهي تخطو أولى خطواتها إلى داخل الشقة لتدلف نحو غرفة المعيشة ممسكة بطرف فستان زفافها الأبيض ثقيل الوزن حتى جلست بطرف الأريكة بخجل شديد حينما أغلق "حسام" باب الشقة ليزيد ذلك من توترها ورهبتها.
تقدم "حسام" ليقف قبالة "ورد" متسائلاً بابتسامة ليقطع هذا الصمت الخجل:
"إنتي مكسوفة ولا إيه؟"
أجابته "ورد" بخجل تام متحلية ببسمة خفيفة فوق ثغرها:
"يعني...!!!"
تمعن "حسام" بملامحها رائعة الجمال التي لم يكن يتخيلها بالمرة، فيبدو أن حظه السعيد قد ابتسم له بزواجه من تلك الفاتنة التي بالتأكيد ستسعده بفتنتها فائقة الحد.
تحدث "حسام" بنبرة جريئة وهو يحث "ورد" على رفع رأسها المنكسة للأسفل:
"ما ترفعي وشك الحلو ده خليني أشوفك براحتي. إنتي عارفة إننا ملحقناش نتعرف على بعض كويس وجوازنا جه بسرعة."
ابتلعت "ورد" ريقها الجاف وهي ترفع من رأسها تجاهه ليكتسب حمرة خجل غير طبيعية زمن نظرات "حسام" المتفحصة الجريئة نحوها.
لم يكن "حسام" الوحيد الذي يتمعن بملامح "ورد"، فهي بدورها أخذت تنظر لتقاسيم وجهه غير المألوفة إليها جيداً تتملى به، فهي لم تستطع التحقق من ملامحه من قبل.
فقد كان "حسام" شاب طويل قمحى البشرة ذو أنف حاد وعينان عسليتان له شعر أسود طويل يصل إلى رقبته.
"ورد" (لنفسها):
"مش شبه مامته خالص... مختلف أوي... يمكن بس العينين... صحيح وأنا هعرفه إزاي!!! ما هو من ساعة ما عرف إن مامته هتتجوز بابا وسافر أستراليا مع أبوه لأنه كان رافض جواز مامته بعد انفصالها من أبوه... ويا دوب جه على معاد الفرح....."
زاغت عينا "حسام" هامساً بصوت خفيض:
"دي طلعت أحلى من اللي ماما قالتلي عليه بكتير... بكتير أوي...."
تذكر "حسام" حديثه مع والدته قبل الزواج من "ورد".
ناهد: "يا حسام دي قمر... ملكة جمال والله طاوعني ومش حتندم."
حسام: "بس أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي خالص يا ماما."
ناهد: "ومفكرش ليه بس... طاوعني واسمع كلامي وانت مش حتندم. وأول ما تشوفها حتنسى كل اللي انت بتقوله ده... وحتشوف..."
ليميل "حسام" فمه بإنبهار تام قائلاً ببريق لامع بعينيه المتفحصتين:
"فعلاً يا ماما... عندك حق."
وقف "حسام" لفترة ينظر إلى ورد متمعناً بكل تفاصيلها محدثاً نفسه غائباً في الواقع الخيالي بالنسبة له.
"مكنتش فاكر إنها جميلة كده بعيونها الزرقاء وشعرها الناعم الذهبي وجسمها الملفوف ده... دي مش بني آدمة زينا لأ... أعمل معاها إيه دي بس....!!!"
كانت نظرات "حسام" إلى "ورد" تتغير شيئاً فشيئاً لتصبح شهوانية للغاية، مما جعل "ورد" تخجل أكثر وأكثر، زاغت عيناها كثيراً بعيداً عن نظراته التي تدارك فيها نفسه بعد قليل قائلاً:
"أا... مش حتدخلي تغيري هدومك يا عروسة ولا إيه؟"
ورد:
"أيوة... داخلة أهو..."
دلفت ورد إلى غرفة النوم حاملة فستانها الثقيل وهي تلهث من شدة التوتر. جلست على طرف السرير تحاول استجماع أعصابها، فهي الآن زوجته ولا داعي لهذا الخوف.
بينما تابعها "حسام" برغبة حتى غابت عن ناظريه، زفر "حسام" ببطء مسيطراً على أعصابه وتوجه نحو المطبخ أولاً.
***
بيت عبد المقصود العالي
كان الوقت اقترب من أذان الفجر ليتهيأ "عبد المقصود" مرتدياً جلباباً مريحاً قبل أن يتجه صوب باب البيت حين لحقته زوجته "ناهد" باستنكار شديد.
ناهد:
"إنت بتعمل إيه يا أبو محمد؟"
"عبد المقصود":
"حنزل أشم شوية هوا وأصلي في المسجد وأرجع."
رفعت ناهد حاجبيها باندهاش من تصرفات زوجها غير الموزونة إطلاقاً لتهتف باستنكار وهي تشير على الساعة بتعجب:
"تنزل تتمشى... دلوقتي؟!"
"عبد المقصود":
"أيوه... حاسس البيت وحش من غير ورد فقلت أنزل أشم شوية هوا وأصلي يمكن أرتاح."
ناهد:
"ما تصلي هنا... إحنا من الصبح بره وتعبنا أوي في الفرح!"
"عبد المقصود":
"لأ... دي عادة ومش عايز أقطعها أبداً... حصليني وأرجع."
زمت "ناهد" شفتيها بلا اهتمام لتردف بلا مبالاة:
"على راحتك."
***
شقة ورد وحسام
احتارت "ورد" فيما ترتدي. أخذت تبحث عن شيء مناسب لكن كل هذه الملابس تخجلها تماماً، مجرد فكرة رؤيتها ما بال ارتدائها.
بعد حيرة اختارت قميص نوم أبيض طويل ومعه روب بنفس اللون ارتدتهم وأغلقت الروب بإحكام.
وضعت فستانها الكبير بداخل الخزانة وانتظرت قدوم "حسام" لكنه تأخر كثيراً.
حضرت "ورد" إسدال الصلاة حتى يتسنى لهم الصلاة أولاً، فهي دوماً كانت تحلم بأن تبدأ حياتها بهذه الصلاة مع زوجها.
ومع تأخر "حسام" لوقت طويل ولم يأت بعد، خرجت من الغرفة لتبحث عنه وترى إلى أين ذهب ولماذا تأخر كل هذا الوقت.
***
المسجد
توضأ "عبد المقصود" وجلس بإبتهال في انتظار إقامة الصلاة، فهذا ما تعوده كل يوم.
أثناء انتظاره لصلاة الفجر أخذ يسبح لله ويستغفر له حتى إقامة الصلاة.
في هذه الأثناء دخل شاب إلى المسجد وما أن دلف إلى الداخل ووقعت عيناه على "عبد المقصود" أسرع تجاهه لإلقاء التحية عليه بحفاوة.
"السلام عليكم."
رفع "عبد المقصود" وجهه تجاه صاحب الصوت لتعلو وجهه ابتسامة صادقة مرحباً بهذا الشاب متمعناً بملامحه الهادئة الواثقة لتتجلى لمعة بريق بعينيه تنم عن الذكاء والفراسة والقوة.
"عبد المقصود": "وعليكم السلام... إزيك يا يوسف يا ابني؟"
يوسف:
"الحمد لله... إزاي حضرتك يا عبد المقصود بيه؟"
باستنكار شديد أجابه "عبد المقصود" مازحاً إياه عن تلك الألقاب والتفاخر الذي لا يحبذه مطلقاً:
"يا ابني لا بيه ولا باشا... بلاش الألقاب اللي ودتنا في داهية دي... قولي يا أبو محمد."
يوسف:
"وهو مقام حضرتك بالكلام... حضرتك بس اللي متواضع زيادة عن اللزوم... ده حضرتك من عيلة العالي المعروفة طبعاً."
"عبد المقصود":
"وهو الواحد بياخد إيه من الدنيا غير رضى ربنا."
يوسف:
"الحمد لله."
"عبد المقصود":
"أمال بقالي فترة مش بشوفك في المسجد... خير يا ابني لعله خير؟"
يوسف:
"أبداً... كنت بس تعبان شوية ومش بنزل من البيت."
"عبد المقصود":
"وأنت دلوقتي أحسن الحمد لله."
يوسف:
"الحمد لله... أحسن كتير."
"عبد المقصود":
"وأخبار شغلك إيه؟"
هنا تذكر "يوسف" جميل "عبد المقصود" بمساعدته للعمل بتلك الشركة ليردف بامتنان شديد:
"أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي على جميلك معايا... لولا حضرتك مكنتش عرفت ولا أعيش ولا أشتغل الشغلانة دي وأعرف أصرف على أهلي."
"عبد المقصود":
"يا ابني أنا بس قدمت لك الشغل والباقي كان بتعبك واجتهادك... وربنا يعلم أنا بحبك قد إيه زي ابني محمد بالظبط."
يوسف:
"ربنا يخليهولك يا أبو محمد... هو حضرتك معندكش غير محمد؟"
"عبد المقصود":
"محمد ده ابني الصغير عنده سنتين بس... لكن عندي بنتي الكبيرة ورد... كان فرحها النهارده عقبالك يا ابني."
يوسف:
"متشكر... ألف مبروك... بس مش فرق كبير أوي بين الاثنين؟"
"عبد المقصود": "ورد بنتي الكبيرة من مراتي الأولانية الله يرحمها... لكن محمد ابني من زوجتي التانية بقى... عشان كده فيه فرق ما بين الاثنين."
يوسف:
"ربنا يبارك لك فيهم."
وأقيمت الصلاة ليستعد الجميع بالوقوف معتدلين لبداية الصلاة.
***
شقة ورد وحسام
فتحت "ورد" باب الغرفة باحثة عن "حسام". نظرت في غرفة المعيشة فلم تجده. ثم سمعت صوتاً قادماً من المطبخ فأتجهت نحوه لترى ماذا يفعل كل هذا الوقت هناك.
المطبخ
دلفت "ورد" لتجد "حسام" واقفاً بمنتصف المطبخ يحمل زجاجة غريبة الشكل قاتمة اللون، وأخذ يشرب منها بشراهة.
فور أن رآها "حسام" وضع الزجاجة سريعاً فوق المنضدة الخشبية المستطيلة بداخل المطبخ.
اقتربت منه "ورد" متسائلة:
"إيه ده... إنت بتشرب إيه؟"
رواية اشواك الورد الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
•• الفصل الثاني ••
* حلبه مصارعه *
ورد ...
بحثت "ورد" عن "حسام" الذى تأخر كثيراً عنها لتجده بالمطبخ يقف حاملاً زجاجة غريبه الشكل قاتمه اللون يشرب منها بشراهه وقد شعر بالإرتباك فور رؤيتها ليضعها مسرعاً فوق المنضده المنصفه للمطبخ ...
إقتربت منه "ورد" متسائله بشك ....
ورد: إيه ده ... إنت بتشرب إيه ...؟؟؟
حسام : ولا حاجه .. دى حاجه كده بتنشطنى شويه ... النهارده يوم مش عادى ... وأنا من ساعه ما شفتك وأنا مش على بعضى ....
تسائلت "ورد" مستفهمه فهى لم تدرك بعد ما يقصده وما نوع هذا المشروب الذى يحمله بين يديه ...
ورد : أيوه .. يعنى بتشرب إيه ... ؟؟؟
تبدلت طريقه حديثه اللطيفه بأخرى تميزت بالبجاحه وعدم الإكتراث بتساؤلها ...
حسام : مالك !!!! ... بقولك حاجه كده تنشطنى ... ما هو إللى يشوفك مينفعش يبقى إنسان طبيعى بصراحه ...
ورد: حسام ... بالله عليك مش عايزين نبدأ حياتنا بنغضب ربنا ... إوعى تكون بتشرب حاجه حرام ..؟!!!!
دار "حسام" بعيناه بتملل قبل أن يجيبها مستهزءاً من طريقتها بالحديث ...
حسام: إنتى حتعملى لى فيها ست الشيخه ولا إيه ..؟؟ أنا عشت عمرى كله بره وده عندهم عادى يعنى .. بلاش تحبكيها بقى ..
صدمت "ورد" حقاً من تأكدها من إحتسائه للخمر لتردف بغير تصديق ..
ورد : ده فعلا خمره ... إنت إزاى بتعمل كده !!!!...حرااام ...!!!
حسام: بقولك إيه .. أنا مش بحب الطريقه دى ... مش كل حاجه حتحبكيها كده من أولها ... وتقوليلى حرام ومش حرام ...
لم يكن هذا ما تمنته بزوجها ، فقد تمنت بزوج يخاف الله بأفعاله لكن "حسام" متهاون للغايه يستحل هذا الحرام ولا يشعر بهذا الذنب العظيم ...
رفعت "ورد" إصبعها محذره "حسام" ...
ورد: إنت عارف إنت كده بتعمل إيه !!! ... إنت بتغضب ربنا ... أوعى تفتكر أنى ممكن أعيش معاك وأنت فى الحرام ده ...!!!!!
سقط من وجه "حسام" قناع اللطف والحنو ليظهر وجه مقيت متجبر وهو يهتف بسخط تام من تصدى "ورد" لأفعاله ونهرها لما تشتهيه نفسه بتحكمها بالحلال والحرام ....
حسام: لا بقولك إيه ....؟ إنتى مراتى .. فاهمه .. يعنى ليا حقوق عليكى ... براضاكى بقى غصب عنك ميهمنيش ...
بتفاجئ تام وإندهاش شديد عقبت "ورد" برفض تام وقد أخذ تنفسها يضطرب لأنفعالها الشديد ...
ورد: إنت بتقول إيه يا بنى آدم إنت ؟؟؟ .. إستحاله تقرب لى طول ما أنت بتشرب القرف ده ...!!!
بوقاحه شديده وجرأه غريبه لم تعتاد عليها "ورد" مطلقاً أردف "حسام" بتهكم ...
حسام: نعم ..!! ....... إنتى مراتى وحقى حاخده منك ...!!!
ورد: إستحاله فاهم .. إستحاله تلمسنى ولا تقرب منى حتى .. فاهم ...
أنهت عبارتها محذره "حسام" لتستدير متجهه لغرفه نومهم مبتعده عن "حسام" الذى شعرت به تهديداً لإستقرارها النفسى بوجودها بقربه ...
لكن تحذير "ورد" لم يلاقى نفعاً لدى "حسام" بل تملكته رغبته الذكوريه فى فرض قوته وسيطرته وتملكه لها ، فأسرع بخطواته تجاهها ممسكاً من ذراعها من الخلف بقوة وعنف ، حملها عنوة فوق كتفه فلن يتنازل عن حقه بها لتلك الليله ...
تفاجئت "ورد" برد فعل "حسام" ليثير الفزع بنفسها وحمله لها بغته جعلها تثور وهى تضرب بقدميها بقوة تحاول الفرار منه بأى صورة ...
أفلتها حسام من شده حركتها الملتويه وفور أن وصلت أقدامها الأرض وشعرت بصلابتها أسفلها حاولت الركض بخفه تبحث عن أى شئ بطريقها يمكنها الإحتماء به ..
لكن سرعتها كانت أبطء من حركته حين عاد وحملها مرة أخرى لتبدأ ورد بتسديد اللكمات الضعيفه له محاوله الهرب من بين قبضتيه القويتين ...
وكانت الغلبه لهذا الثور الذى عميت عيناه تماماً عن الهواده لتسيطر رغبته وقوته على تلك الضعيفه ليدفع بها إلى إلى داخل غرفه النوم بقوة ...
أفلتها من يده ومن ثم أغلق الباب بالمفتاح ووضع المفتاح بجيبه حتى لا تستطيع "ورد" الفرار منه ...
أخذت تتراجع إلى الخلف تحاول أن تلتمس بأى شئ يعصمها من ثوره هذا المجنون فعيناه تتوهجان ببريق غادر مخيف ...
أردفت "ورد" بنبره مهتزه للغايه ...
ورد: "حسام" ... مينفعش إللى إنت بتعمله ده .... حرام عليك كده ...!!!
حسام: لا حرام عليكى إللى أنتى عاملاه فيا ده .. إنتى مراتى ولا نسيتى؟!!!! ... وليا كل حقوقى كزوج ...
إبتلعت "ورد" ريقها الجاف وهى ترتجف بقوة محذرة "حسام" من أن يقترب منها رغماً عنها ...
ورد: لا مش كده يا "حسام" ... مش كده ... اااه ..
لم تكد "ورد" تنهى عباراتها إلا وكان "حسام" قد إنقض عليها كالثور ممسكاً شعرها بقوة يجبرها على الحركه معه ...
أخذت "ورد" تصرخ بقوة وهى تركل "حسام" بكل قوتها بساقه محاوله إبعاده عنها ...
صرخ "حسام" متألماً من ركلاتها القويه وإضطر لترك شعرها للحظه ..
لكنه عاد يمسكها من ذراعها مره أخرى بقوة ، ظلت تتحرك بعشوائيه تحاول الهرب من قبضه يده القويه ....
لم تجد بُد من أن تصرخ عالياً تلك المرة فربما ينجدها أحدهم من براثن يده التى تبطش بها ...
بدأت بالإنهيار وإزداد بكائها حده فهى تيقنت هزيمتها بتلك اللحظه وهى تعلم تماماً ماذا تعنى هزيمتها فى هذه المعركه ...
ورد: ااااه ... إلحقونى .... حد يلحقنى ...
اسرع "حسام" بوضع يده فوق ثغرها بسرعه يمنع صرخاتها من التحرر ..
إشتعلت عيناها الزرقاوتين ليصبح لونهما أحمر نارى أثر بكائها الحاد ، ظلت تنظر برعب نحو "حسام" الذى أصبح كالثور الهائج نحوها ...
ألقاها بقوه فوق السرير فقد تملكته فكرة واحده فقط إنها لن تسمح له بقربها برضاها وهو لن يتوانى عن أخذ مراده رغماً عنها ولو بالقوة ...
ورد : سيبنى بقولك ... إبعد عنى ...!!!
نظراته إليها تلك النظرات الممزوجه بين القسوة والرغبه والوقاحه كانت كفيله بأن تدب بنفسها الضعيفه الهلع على الفور ليتقدم نحوها بخطوات حيوان شرس لاقى فريسته المنشودة ليردف بنبره يملؤها الفحيح كلأفعى السامه ....
حسام : أسيبك !!! ....أسيبك إزاى ؟؟؟ .... ده أنا مصدقت بقيتى تحت إيدى ...
لم يتبقى لها سوى سلاح واحد فقط ... التوسل ... لتهتز نبرتها المتوسله وسط دموعها التى بدأت تتساقط بغزارة
ورد : بالله عليك يا "حسام" مينفعش كده !!! ... مش بالعافيه ... لأ ....
حسام : أنتى إللى أجبرتيني على كده ... وأنا خلاص طلعت فى دماغى ومش حسيبك النهارده ...
كانت نهايه عبارته بدايه لملحمه قاسيه بدأها بالإقتراب منها دفعه واحده وهو يلقى بجسده الثقيل فوقها ...
حاولت التملص منه بإستماته لكنها كان أقوى وأشد منها ، أنفاثه الكريهه أخذت تحاوطها بإختناق وهى تحاول جاهده الهروب منها لكن قوة "حسام" أجبرتها على البقاء ...
أخذت تركل بشده ولم ينقطع صوتها عن الصراخ المتواصل فربما ينجدها أحدهم ، وبقوة غاشمه أخذ "حسام" يثبت "ورد" بقوة لكنها ظلت تتحرك وتتلوى وتركل كثيراً فلم يجد بُد سوى أن يضربها حتى تنصاع له ...
رفع يده بقوة ليهوى فوق وجنتها الحمراء ليزيدها إلتهاباً وإحمراراً ، سالت بعض قطرات الدماء من جانب فمها إثر تلك الصفعه التى تركت بصمات واضحه لأصابعه فوق وجنتها البيضاء الممتلئه ...
إزداد بكائها من شده الألم الذى تشعر به فلم يعد ألماً نفسياً فحسب بل تعدى بالألم الجسمانى أيضاً لكن ذلك لم يمنعها من محاوله الهرب مراراً من ذلك الوحش الذى يحاول إفتراسها ومنعها من الحركه ...
صفعها عده مرات حتى تستكين له ، قاومت كثيرا لكن "حسام" أقوى منها فكانت له الغابه دائماً ....
فهذه الليله كانت أشبه بمصارعه عنها كليله زفاف .....
____________________________________
المسجد ....
بعد انتهاء المصلين من أداء فريضه صلاة الفجر وقف "عبد المقصود" برفقه "يوسف" قبل مغادرة المسجد ...
أبو محمد: أبقى خلينى أشوفك يا أبنى ...
يوسف: أكيد يا أبو محمد ... أنا كل يوم هنا بصلى الفجر ...
للحظه شعر "عبد المقصود" بدوار خفيف وصداع مفاجئ جعله يترنح قليلاً ليهرع "يوسف" لإسناده بحرص متسائلاً بتخوف وإهتمام ...
يوسف: مالك يا أبو محمد أنت كويس ....؟!!!!
ابو محمد: اه .. دوخه خفيفه وعدت الحمد لله ... الواحد تعب النهارده أوى ...
يوسف: ألف سلامه على حضرتك ... أنا حوصل حضرتك للبيت ...
ابو محمد: لا يا أبنى مفيش داعى ...
يوسف : إزاى بس ... وعموماً طريقنا قريب من بعض .. أهو نتمشى شويه ....
ابو محمد: كتر خيرك يا أبنى ....
شعور "يوسف" بالإمتنان لهذا الرجل لما قام به معه منذ سنوات طويله وحتى الآن أرسخ بداخله حباً وتقديراً له ، فلم يكن إهتمامه مفتعلاً إطلاقاً ...
رافق "يوسف" "عبد المقصود" حتى وصلا لبيته ليصافحه "عبد المقصود" بود بالغ قائلاً ...
ابو محمد: معلش يا أبنى تعبتك معايا ...
يوسف : لا تعب ولا حاجه .. ده ربنا إللى يعلم معزه حضرتك عندى قد إيه .. وإن حضرتك فى مقام والدى الله يرحمه ... ده جميلك فى رقبتى دين مقدرش أوفيه ...
أبو محمد: جِميل إيه يا إبنى بس ... إنت تستاهل كل خير ...
إبتسم "يوسف" مجامله قبل أن يترك "عبد المقصود" عائداً إلى بيته ليستعد للذهاب لعمله بالشركه ....
___________________________________
شقه حسام ....
كانت أغراض الغرفه مبعثره بصوره عشوائيه حزينه ،جلس "حسام" على طرف الفراش منكساً رأسه بين كفيه بصمت ..
بينما جلست "ورد" أرضاً بأحد أركان الغرفه متكوره على نفسها ممزقه الملابس ....
كان وجهها مختلطاً بألوان عدة من آثار مستحضرات التجميل التى تلطخت ببكائها الحار ، وآثار صفعات "حسام" لها التى جعلت وجهها بين الحمرة واللون الازرق مع جروح عميقه بفمها أثر هذه الصفعات ....
رفع "حسام" رأسه وأخذ يهز ساقيه بصوره عصبيه حين قام متوجهها نحو "ورد" بغضب ، والتى ما أن رأته مقبل نحوها نظرت إليه بإرتعاب شديد وإرتجفت أوصالها من قربه ثم تكورت أكثر وأكثر على نفسها ...
نهج صدره "حسام" بقوة وهو يرفع إصبعه تجاه "ورد" محذراً إياها بتهديد غليظ ...
حسام : عارفه لو نطقتى بكلمه واحده من إللى حصل ده ... حقتلك بإيدى فاهمه ...
إبتلعت "ورد" ريقها وهى تحاول أن تشرأب بعنقها إعتزازاً فلن تقبل بهزيمتها أمام هذا المتوحش لتهتف بنبرات ثائره متقطعه محاوله التحلى ببعض القوة ..
ورد : إقتلنى .. أنا عندى أموت أرحم من أنى أعيش مع واحد زيك ... إنت فاكر إنى حسكت ومش حتكلم .. لا يا "حسام" .. أنا حتكلم وأقول على كل حاجه حصلت ...
حسام : على الله فاهمه .. على الله تفتحى بوقك بكلمه واحده .. حتشوفى منى إللى عمرك ما شفتيه ...
بإستهزاء شديد أكملت "ورد" بنبره يغلبها التحدى من وضع "حسام" المخزى ...
ورد: حتعمل إيه تانى .. بعد ما ربنا غضب عليك من كتر الحرام إللى إنت عايش فيه وبقيت عاجز ... فاهم .. عاااااجز ....
ترددت صدى كلمه (عاجز) بأذنيه فأعماه غضبه من أن تفضحه وتتكلم عن عجزه المخزى وأنه لم يستطيع أن يقوم بواجباته كزوج ... ستفضح عجزة ... هذا ما سيطر على تفكيره ....
إقترب منها بغضب عارم خوفاً من الفضيحه وأن تطعن فى رجولته ....
أخذ يضربها بقوة وعصبيه ، أعمى تماماً وتملكه الغضب والغيظ منها خشى من الفضيحه والعار الذى سيلاحقه طوال عمره ، ضربها بقوة غاشمه حتى أنها لم تستطع الحركه والهرب ...
حملها وألقاها بعيداً لتسقط أرضاً فوق ساقها اليمنى لتشعر بألم بالغ بها ، حاولت أن تزحف إلى الخلف لتحتمى بالفراش بعيداً عنه بطشه قائله ...
ورد: كفايه يا "حسام" ... كفايه ...
لكن "حسام" أصم أذنيه وجل ما يفكر فيه هو خوفه من فضيحته أمام الناس ....
أخذ يضرب فيها بقوة حتى إرتمت على أرضاً مسجيه دون حراك أو مقاومه ...
لكنه لم ينتهى ظل يضرب ويضرب حتى خارت قواه من الضرب ...
أفاق ليجدها كالجثه الهامده لا تصدر أى صوت مطلقاً .... فقط غارقه فى دمائها ... ملقاه على الأرض بسكون تام ...
حينها أفاق فنظر إليها فى ذُعر مما فعله بها ... خشى أن يكون قد قتلها دون وعى منه ...
نظر حوله برعب وأسرع نحو باب الغرفه فى فزع ...
أخرج المفتاح من جيبه بتوتر فسقط على الأرض فإنحنى يلتقطه بإرتجاف ثم أمسكه محاولاً فتح الباب وهو ينظر نحو ورد مفزوعاً ...
توجه إلى المطبخ حيث ترك جاكيت سترته منذ قليل مخرجاً منها هاتفه باحثاً عن رقم والدته للحاق به ...
بعد عدة دقات وصله صوتها الناعس ...
ام حسام: ألو ...
حسام : إلحقينى .. إلحقينى يا ماما ..... !!!!!
إنتفضت "ناهد" من نومتها بفزع وهى تتسائل بتخوف ...
ام حسام: حسام ...!!! إيه إللى حصل ..؟؟
حسام : أنا فى مصيبه ... مصيبه يا ماما ...
بقلق بالغ أجابته بعصبيه من عدم إيضاحه ما حدث ...
ام حسام : حصل إيه ... أتكلم على طول ..؟؟
حسام : ضربتها .. ماتت ... ماتت .. أنا قتلت ورد يا ماما ....!!!
إتسعت عيناها بصدمه وهى تشهق ضاربه صدرها بقوة ...
ام حسام: يا نهار إسود .... أنت بتقول إيه ...؟؟
حسام : بقولك موتها ... محستش بنفسى وموتها ... قتلتها ... أنا رحت فى داهيه خلاص ..
____________________________________
شقه يوسف ...
دلف "يوسف" إلى شقته بعد عودته من صلاته ليجد والدته جالسه بإنتظاره ...
نظر لها بعيون معاتبه فهى متعبه للغايه ولا يريدد أن يثقل عليها بقلقها عليه لتلك الدرجه كل يوم ...
يوسف : إيه إللى مصحيكى بدرى كده يا ماما ...؟؟
ام يوسف: كنت مستنيه أطمن عليك يا أبنى .. مش عارفه حسيت قلبى مش مطمن قلت أستناك لحد ما ترجع ..
دنا منها "يوسف" يقبل رأسها بحنو مردفاً ...
يوسف: متقلقيش عليا يا ست الكل .. أنا الحمد لله كويس ... أنا بس كنت بوصل الأستاذ "عبد المقصود" بيته كان تعبان شويه بعد الصلاه ..
ام يوسف: الراجل ده الله يكرمه ... شوف وقف معانا إزاى بعد وفاه أبوك وهو لا يعرفنا ولا نعرفه .... ربنا يكتر من أمثاله ويبعد عنه ولاد الحرام ...
يوسف : أه والله يا ماما .. ده لولا رعايته لينا ولا كنا عرفنا نعيش ولا نتعلم خصوصاً إن بابا الله يرحمه مكنش ليه معاش ولا أى حاجه نصرف منها ...
ام يوسف: خد بالك منه وأسال عليه .. راجل زى ده ميتعوضش ... وإنت كمان يا أبنى تعبت عشانا أوى ...
يوسف : الحمد لله كله جه بفايده ... أمال فين "دعاء" هانم مقضياها نوم ولا كإن عندها جامعه بدرى ...!!!
ام يوسف: حصحيها أهو تصلى وتفطر معاك وتروح كليتها ...
أشفق "يوسف" على حال والدته ممتلئه القوام فهى تعانى من خشونه بالغ بقدميها ولا تستطيع الحركه جيداً ليمنع والدته بلطف ...
يوسف : لا يا أمى خليكى أنتى عشان رجليكى ... أنا حروح أصحيها وأنتى إدخلى إرتاحى شويه ...
ام يوسف: يريح بالك دايما يا أبنى ويرزقك بنت الحلال يا رب ...
ويبقى للأحداث بقيه ،،،
انتهى الفصل الثاني ،،،
قراءه ممتعه ،،،
قوت القلوب (رشا روميه)
رواية اشواك الورد الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
"حسام ...أخذ "حسام" ينفعل بقوة وهو مازال يحادث والدته عبر الهاتف قائلاً ...
حسام : بقولك موتها ... محستش بنفسى وموتها ... قتلتها ... أنا رحت فى داهيه خلاص ...
نهضت "ناهد" من فراشها وهى تحذر ولدها من التصرف بأى تصرف مجنون قائله ...
ناهد : أنت عملت إيه يا مجنون إنت !!! ... إستنى متعملش أى حاجه أنا جايه لك ...
أنهت "ناهد" مكالمتها مع إبنها لترتدى ملابسها بسرعه لتلحق له وترى ماذا سيفعلان بتلك المصيبه التى وقعت برؤسهم ...
أخذت تمام بسخط تلعن ولدها وتصرفاته الهوجاء قائله ..
ناهد : إنت هببت إيه بس دلوقتى ... يوووه يا "حسام" ...
عاد "عبد المقصود" من المسجد ليفاجئ بـ"ناهد" ترتدى ملابسها على عجاله ليسترب بالأمر ، تقدم نحوها بضع خطوات بقلق وهو يتسائل بتعجب ...
عبد المقصود : إيه ده .. إنتى بتلبسى ليه دلوقتى من بدرى كده ...؟!!
إرتبكت "ناهد" فور سماعها لصوت "عبد المقصود" فهى لا تدرى بم تخبره حقيقه لتحاول إصطناع إبتسامه واهيه وهى تردف ...
ناهد : مفيش أصل حسام إتصل ... وعايزنى اروح .. ااا ...
لم يكن "عبد المقصود" منتظراً لسماع أكثر من إسم "حسام" ليتوجس خوفاً على إبنته ويدب القلق بقلبه ...
تحرك مسرعاً دون إنتظار سماع توضيحها تجاه الخارج لتهتف "ناهد" به ...
ناهد : إستنى يا أبو محمد .. خدنى معاك ...
أسرعت "ناهد" بخطواتها لتلحق بزوجها قبل أن ينطلق بسيارته لتجلس إلى جواره لاهثه إثر ركضها خلفه للحاق به ...
أسرع "عبد المقصود" محرماً سيارته متجهاً صوب شقه إبنته العروس التى لم يمر عليها سوى ساعات قليله بتلك الشقه ...
إضطرابه بسبب تلك المكالمه التى كان توقيتها مسبباً للقلق والذعر بنفسه متيقناً بأن هناك خطأ ما لطلب "حسام" حضور أمه بعجاله بهذا الوقت ليتسائل "عبد المقصود" دون الإلتفات إليها بقلق شديد ...
عبد المقصود : إيه إللى حصل يا "ناهد"...؟؟
بكذب واضح تجلى على ملامحها الباهته ..
ناهد : متخفش .. كل حاجه تمام ...
عبد المقصود : تمام إزاى إنتى مش شايفه وشك عامل إزاى ...!!!!
ناهد : عادى يعنى يا أبو محمد .. دلع عرايس بس .... حنعمل إيه ....
ضيق " عبد المقصود" حاجبيه بشك غير مصدق لما تتفوه به زوجته ...
عبد المقصود : بيتدلعوا علينا ليله فرحهم ...!!!
ناهد : يوه .. أنا عارفه بقى ....
عبد المقصود : ماشى ... ربنا يستر ...
صف "عبد المقصود" سيارته أمام البنايه التى تقع لها شقه "ورد" و "حسام" ، تلك البنايه الجديده كلياً خاليه من السكان فهى لم يسكن بها سواهما حتى الآن ...
أسرع "عبد المقصود" صاعداً نحو شقتهم بصدر ناهج من سرعته التى يجتاز بها درجات السلم ولحقت به "ناهد" مباشرة ....
طرق الباب الذى سرعان ما فتح ووجد أمامه "حسام" وقد شحب وجهه متلوناً باللون الأصفر ، لكن ما أفزع "عبد المقصود" حقاً هو رؤيته لبعض قطرات الدماء تلوث قميصه الأبيض ....
جن جنون "عبد المقصود" لرؤيته لتلك القطرات الحمراء المخيفه ليدفع بـ"حسام" نحو الداخل صارخاً بصوت عالٍ ....
عبد المقصود : بنتى فين !!!!!! ... عملت إيه فى بنتى ...؟!!!!!
ظن "حسام" أن أمه قد أبلغته بما حدثها به بمكالمته معها ليترجى "عبد المقصود" مرتعباً من رده فعله ....
حسام : والله ما كنت أقصد أقتلها ...!!
ذُهل "عبد المقصود" ووقف مصدوماً للحظات مما سمعه للتو ليتشتت بصمت يحاول إستيعاب ما حدث لينقبض قلبه بقوة غير مصدقاً لما يتفوه به هذا الأحمق ...
عبد المقصود : إيه ....؟؟ إنت بتقول إيه ...؟؟ قتلتها ...؟؟!!!!!!!!!!!!
حسام : والله يا أبو محمد .. أنا بس ...
أزاح "عبد المقصود" "حسام" من طريقه بقوة لا تتناسب مطلقاً مع ضعف بنيته صارخاً بلوعه ...
عبد المقصود : بنتى ...!!!! بنتـــــــى ...!!!!
دلف "عبد المقصود" إلى غرفه النوم ليجد "ورد" مسجيه أرضاً ، جسدها مغطى بالدماء السائله على الأرض من تحت رأسها بمشهد مروع ...
تملكه الفزع لرؤيه إبنته بهذا المنظر البشع فقد تخيل أنه الآن يطمئن على إبنته بزواجها قبل أن يتوفاه الله ...
لكن ما حدث أنه ألقاها لحتفها ... ألقاها فى النار بيديه ....
دنا "عبد المقصود" من "ورد" محاولاً السيطره على نفسه بألا ينهار إلى جوارها وهى جثه هامده ...
نادى بإسمها فى ضعف يترجى أن تنهض وتجيبه فهو لن يتحمل خسارتها أبداً ...
عبد المقصود : "ورد" ..."ورد" .. ردى عليا يا بنتى ... ردى عليا يا حبيبتى ...
إنحنى "عبد المقصود" ليمسك برأسها ويسندها إلى صدره بيداه المرتعشتان ، ضمها بقهر وقد إنهمرت دموعه الموجعه لفراق إبنته الوحيده ...
عبد المقصود : ااااه يا بنتى ... اه ... النهارده كنت بزفك لفرحك ولا لقبرك ...ردى عليا يا "ورد" ... ردى عليا يا بنتى ... لا مش حتروحى منى لا ... لا مش حتروحى زى ما أمك راحت منى ... قومى يا غاليه ... أنا مقدرش أستحمل الدنيا من غيرك .. أنا مقدرش على فراقك زى ما فارقت أمك ....
وقفت "ناهد" من خلفه تحدثه بنبره مستهزئه غاضبه ...
ناهد : هو ده إللى مأثر فيك !!!! ... أمها الغاليه ... أما صحيح ناس تخاف متختشيش ... ولما هى الغاليه ... أنا أبقى إيه بقى إن شاء الله ... هه ..!!!!! .. ما ترد عليا ؟!!!! ... ما كفايه بقى إللى بتعملوه إنت وبنتك ...!!!!
اقتربت "ناهد' من "ورد" لتهزها بيدها بعنف وقد إعتلت قسماتها تعبيرات مشمئزه وهى تنهر "ورد" بقساوة ..
ناهد : قومى .. قومى وبطلى تمثيل بقى ..... قومى يا هاه .... غاليه ...!!!
أنهت جملتها الأخيره بسخريه و إستهزاء وهى تنظر إلى "عبد المقصود" ....
ناهد : ما كفاياك دلع فيها بقى .. ما خلاص كبرت وبقت شحطه أهى .. الدور والباقى على أبنى "محمد" خليله شويه من دلعك وحنيتك دول ولا هو مالهوش نصيب يعنى .... !!! وإنتى يا "ورد" .. قومى يلا .. أنا متأكده إنك مفيكيش حاجه وبتستعبطى علينا ....
أوقفها "عبد المقصود" بضيق شديد يبعد يدها القاسيه عن ابنته ...
عبد المقصود : كفايه .. كفايه ... مش شايفه نتيجه عمايل إبنك .... مش شايفه عمل فيها إيه ... هى كانت عملت له إيه ..؟؟ ما تردي .. عملت له إيه..؟؟ أنا حوديها دلوقتى المستشفى .. وحساب ابنك ده معايا بعدين إما سجنته .........المهم أطمن على بنتى الأول ....
ناهد : أنت بتقول إيه .. إنت...أأ.....
وقبل أن تكمل حديثها أمسك "عبد المقصود" إسدال الصلاه الخاص بـ "ورد" ليغطيها به ثم حملها بصعوبه متجهاً بها إلى المستشفى .......
إقترب "حسام" من والدته بتخوف وعيناه تتابع "عبد المقصود" الذى حمل "ورد" وخرج مسرعاً بها ثم قال بفزع شديد ...
حسام : إلحقى يا ماما ده حيبلغ عنى .. أنا كده رحت فى داهيه رسمى ..
ناهد : إستنى بس أنا رايحه وراه المستشفى .. متقلقش محدش يقدر يأذيك وأمك عايشه على وش الدنيا ...
حسام : انا خايف .. خايف أوى ...
ناهد : الله ..ما قلت لك متخفش ... بس قولى .. إنت ضربتها أوى ليه كده .. هى عملت لك إيه ....؟؟؟؟
حسام : مكنتش فى وعيى .. شربت شويه ومدرتش بنفسى بعمل إيه ...
ناهد : يوووه ...ما أنا قايلالك متشربش قدامها ...أهى عملتلك فيه الشيخه "ورد" ..كنت شويه شويه وهاتلها الموضوع بالتدريج ....
حسام : إللى حصل بقى ...
أرادت "ناهد" أن تتيقن من أن "عبد المقصود" وإبنته مازلا بقبضتها لتسأل ولدها أولاً ليطمئن قلبها ...
ناهد : ده كان قبل الدخله ولا بعدها ...؟؟
إرتبك "حسام" من سؤال والدته وخشى أن يلحق بوصمه عار على رجولته ليجيبها بكذب ...
حسام : هه ... لا .. بعدها .. بعدها ...
لتتسائل "ناهد" بسؤال متوارى له مغزى ....
ناهد : طب إيه ... ؟؟ طمنى ...!!!!
حسام : كله تمام يا ماما .. إبنك راجل .. ده سؤال برضه .. إطمنى ..
رفعت "ناهد" كتفيها براحه وقد إرتسمت إبتسامه منتصره فوق شفتيها وهى تردف بثقه ....
ناهد : طيب كويس ... أهى كده راجعه لك راجعه لك ... أمال إيه ... يلا أنا رايحه المستشفى وألحق الراجل المجنون ده ليعمل حاجه ...
حسام : ماشى .. أنا قاعد جنب التليفون .. طمنينى ...
شقه يوسف ...
خرجت "دعاء" أخت "يوسف" الوحيده ومازال النعاس يغلب جفونها تلقى تحيه الصباح على والدتها بصوت ناعس للغايه وهى تحك شعرها بفوضاويه تتمنى لو تنال بعضاً من النوم بعد ....
دعاء : صباح الخير يا ماما ...
ام يوسف : صباح الخير يا بنتى ... يلا حضرى الفطار عشان أخوكى ميتأخرش على الشغل ..
دعاء : حاضر ثوانى أهو ...
يوسف بضحك: بلاش ثوانى من بتاعتك الله يكرمك .. عندى شغل مهم وكده مش حلحق ....
دعاء : والله أنا غلبت معاكم فى البيت ده ... ممرمطنى كلكم ولا كأنى الخدامه إللى إشتريتوها .. وكل واحد فيكم هاتى يا "دعاء" ... شيلى يا "دعاء"... حطى يا "دعاء"...
لم تصمت "دعاء" إلا بعد أن أسرع "يوسف" تجاهها مهدداً لها بالضرب ...
يوسف : هو الواحد مش حيسلم من لسانك ده .. يا ساتر أنتى إيه ..
بمزاح لطيف أجابته "دعاء" تحاول إستفزازه ...
دعاء : أنا "دعاء"..
يوسف: أنتى تانى .. يلا حضرى الفطار ...
دعاء : والله من غيرى البيت ده دمه تقيل ولا ليه أى لازمه ...
يوسف بضحك: اللهم طولك يا روح .. يا بت روحى حتأخر كده ..
دعاء: أهو .. أهو ... حنبتدى .. روحى يا "دعاء" هاتى يا "دعاء" ..ودى يا "دعاء"...
ركض "يوسف" خلف "دعاء" التى أسرعت بخوف مصطنع فور رؤيته يتجه نحوها ... ثم عاد مرة أخرى لوالدته ومازالت الإبتسامه تشق وجهه بسعاده ...
يوسف: كِبرت أوى يا ماما ...
ام يوسف: ربنا ما يحرمكم من بعض ولا من حنيتك عليها ... ويفرحنى بيك يا رب
يوسف: آمين يا رب ...
طلت دعاء برأسها من المطبخ ...
دعاء : سامعاكم على فكرة ... مش بقولكم .. متقدروش تستغنوا عنى أبداً ...
ثم حركت حاجبيها لهم ضاحكه ...
ضحك "يوسف" ووالدته على أخته "دعاء" فهى فرحه هذا البيت بالفعل ....
تناول يوسف إفطاره وتوجه نحو الشركه حتى لا يتأخر ....
ام يوسف: ربنا ينور لك طريقك يا إبنى يا رب ...
عقبت "دعاء" مصطنعه الحزن قائله ...
دعاء : طب وأنا طيب ... أى حاجه طيب على الصبح .. ده أنا حبيبتك ..
ام يوسف بإبتسامه: إنتى ... ربنا يهديكى ... وينجحك و نخلص منك بقى ....
دعاء: مش عارفه الدعوة دى قالبه على تريقه ليه ... بس ولا يهمك .. كل إللى منك حلو يا ست الكل ...
ام يوسف: اااه ... قومينى يا بنتى أدخل جوة رجليا خلاص مش مستحمله وجعها ...
دعاء: تعالى .. إتسندى عليا ...
ام يوسف: أيوه كده .. شايفه الأدب حلو إزاى ...
دعاء : هو أنا نطقت .. اللهم طولك يا روح .. بقولك يا عسل أنتى .. ما تجيبى قرشين أحسن أنا مقشفره على الآخر ...
ام يوسف: يا بنت .. حسنى ألفاظك مش كده ..
دعاء: حاضر .. بس هاتى بقى أى حاجه .. أنا مفلسه على الآخر ..
ام يوسف: خدى .. ربنا يكرمك يا "يوسف" يا أبنى زى ما أنت مش مخلينا محتاجين حاجه ....
بإمتنان شديد عقبت "دعاء" وقد إنتبهت لشئ ما ...
دعاء : آمين يا رب ... إلا بقولك يا ماما .. ما إحنا ظروفنا بقت كويسه أوى الحمد لله ما تيجى نخطب لـ"يوسف" بقى ..
ام يوسف: أه والله يا بنتى ... بس مش عارفه هو رأيه إيه فى الموضوع ده ..
دعاء: سيبيه عليا بس وأنا أول ما حيرجع حكلمه ... يلا حبيبتى أنا رايحه الكليه مش عايزة حاجه أجيبهالك ...
ام يوسف: لا يا بنتى ..أعوزك طيبه ... خدى بالك من نفسك ...
تركتها دعاء متوجهه لجامعتها فهى مازالت بعامها الأول وعليها الإهتمام بالدراسه والمذاكرة ..
ام يوسف: ربنا يفرحنى بيكم ويبارك لى فيكم .. ويعوضك خير يا "يوسف" على حرمانك وتعبك السنين إللى فاتت دى يا رب ...
رواية اشواك الورد الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
رواية اشواك الورد الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
•• الفصل الرابع ••
* الكاذبان *
المستشفى ....
وقف "عبد المقصود" أمام غرفه الطوارئ فى إنتظار الإطمئنان على "ورد" ، فمنذ أن دلفت إلى الداخل لم يطمئنه أحد عنها ولا يعلم بعد ماذا حدث لها ليقف بتوتر وخوف شديد ....
لم تسقط "ناهد" نظرها عنه بل ظلت تحملق به بتوجس شديد تتمنى لو أن أحدهم يخرج لهم ليقطع هذا التوتر بالإنتظار فهى تخشى أن مكروه يصيب "حسام" بسبب تلك المعتوهه "ورد" ....
قطع إنتظارهم الطويل خروج الطبيب من غرفه الطوارئ ليسرع "عبد المقصود" متعلقاً بذراعه برجاء شديد كالطفل الصغير حين تحدث بنبره مهتزه خائفه للغايه ....
ابو محمد: دكتور طمنى بالله عليك .. أخبار "ورد" بنتى إيه ...؟!!!
تطلع به الطبيب لوهله ثم تسائل بمهنيه ..
الطبيب : أنت والدها ....؟؟
ابو محمد: أيوه أنا ...؟؟ طمنى الله لا يسيئك ...
لم تتوانى "ناهد" أن تقفز إلى جوار زوجها تسترق السمع بتلهف خوفاً من أن تكون ماتت بالفعل ووقتها سينساق "حسام" للشرطه لا محاله ...
أجابهما الطبيب وهو يتطلع بوجوههم بتأثر شديد ...
الطبيب : للأسف حالتها مش كويسه أبداً ... بس إن شاء الله حتتحسن وتبقى كويسه إطمن ...
تهللت أسارير "عبد المقصود" بفرحه لتيقنه أن "ورد" مازالت على قيد الحياة ليهتف بسعاده ...
ابو ورد: بنتى عايشه الحمد لله .. الحمد لله ..
الطبيب : للأسف هى إتعرضت لإعتداء شديد جداً .. وده سبب لها شرخ فى أيدها اليمين و كسر فى رجلها اليمين وجرح فى رأسها .. دة غير االرضوض والكدمات .. وبعض الجروح سطحيه الحمد لله بس حتاخد وقتها وتلتئم وتبقى كويسه ..
ابو محمد: الحمد لله .. قدر الله وما شاء فعل ...
الطبيب : بس للأسف ...
تجهمت ملامح "عبد المقصود" لسماعه تلك الكلمه من الطبيب ليردف بتخوف ...
ابو محمد : خير .. فى إيه يا دكتور ... ؟!!
الطبيب : هى لحد دلوقتى مفاقتش .. أظن ده نوع من الإغماء و إللى حيحدد ده الدكتوره النفسيه لأن واضح إنها إتعرضت لإنهيار نفسى شديد .. يعنى هى إللى رافضه تفوق .... زى ما تكون نايمه كدة ....
ابو محمد: أى حاجه مطلوب مننا نعملها حنعملها .. المهم "ورد" تقوم بالسلامه ...
الطبيب : إن شاء الله .... الدكتوره النفسيه حتمر عليها عشان تقيم حالتها بالضبط وتكتب تقريرها عشان نبدأ العلاج ... لكن من الواضح إنها إتعرضت لضرب شديد جداً .... والعنف إللى من الدرجه دى أنا آسف إنى أبلغ حضرتك إننا بلغنا النيابه وهى حتيجى تحقق فى الموضوع ده ...
ابو محمد: طبعاً طبعاً .. فاهم يا دكتور ... لازم إللى عمل كده ياخد عقابه ..
أنهى "عبد المقصود" عبارته وهو يرمق "ناهد" بعينيه قاصداً ولدها المدلل "حسام" بنظرة ذات مغزى جعلها تتوتر للغايه ...
لم تتمالك "ناهد" غضبها من تهديد "عبد المقصود" الواضح بالإبلاغ عن ولدها لتسرع بالإتصال بـ"حسام" لتبلغه بالأمر ...
ام حسام: أيوه يا حسام .. تعالى المستشفى ..
حسام: طمنينى إيه ... ؟؟ ماتت ...؟؟
نظرت "ناهد" تجاه "عبد المقصود" الذى مازال يتحدث مع الطبيب حتى لاينتبه لحديثها مع "حسام" فأخفضت صوتها للغايه مستكمله حديثها ...
ام حسام: لا متخافش لسه عايشه .. تعالى بس عشان نخلص الموضوع مع أبوها أحسن حيعملوا بلاغ ...
إرتعب "حسام" مما قد يحدث له لو أن "عبد المقصود" أبلغ عنه بالفعل ليهتف بإنهيار ...
حسام : يا نهار إسود ... حيبلغ ...!!!
نهرته "ناهد" بحده حتى يتمالك أعصابه قائله ...
ام حسام : أمسك نفسك كده أمال .. يلا مستنياك ... سلام ...
إستدارت "ناهد" مره أخرى نحو "عبد المقصود" فهى تود أن تلهيه عن هذا المحضر فهى لن تخسر ولدها مطلقاً ....
ام حسام: جرى إيه يا أبو "محمد" .. إنت ناوى على إيه ...؟؟
ابو محمد: حكون ناوى على إيه يعنى ... ؟.. مصلحه بنتى طبعاً .. بس المهم أطمن عليها الأول ...
حدجها "عبد المقصود" بنظرة جامده قبل أن يدلف إلى داخل الغرفه التى تقبع بها "ورد" التى لا تدرى عن كل ما يحدث حولها ...
زمت "ناهد" شفتيها بغيظ وهى تغمغم بسخط تسُب "عبد المقصود" على نواياه التى يبيتها لولدها "حسام" لكن ليس بيدها شئ الآن سوى إنتظار مجئ "حسام" أولاً للتفكر بحل بتلك المشكله التى لم تحسب لها حساب وعليهم تدبر أمر هذا الرجل ...
____________________________________
شركة الأقصى ....
بعد فترة من الغياب عن العمل عاد "يوسف" لعمله بالشركه ليقابل فور دخوله لزميله وصديقه "شريف" ليلقى عليه التحيه أولاً ....
يوسف: السلام عليكم ...
شريف: وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته ... حمد الله على السلامه ...
" شريف شاب ثلاثينى نحيف أبيض البشرة ذو شعر بنى مميز يتمتع بخفه ظل وروح محبه .. إجتماعى جداً تعرف على (يوسف) بالشركه وتصادقا بسرعه ليرتبط كل منهم بالآخر فى العديد من المواقف التى قربتهم ووطدت من صداقتهم... "
يوسف: الله يسلمك يا "شريف" .. أخبارك إيه ...؟؟
شريف : أنا كويس الحمد لله .. إنت إللى عامل إيه بعد دور الأنفلونزا الجامد ده ...؟!!!
يوسف: الحمد لله ..
بلوم لطيف أخذ "شريف" يطلب من "يوسف" الإهتمام أكثر بصحته وتغذيته ...
شريف: الصراحه يا "يوسف" لازم تاخد أى حاجه تقوى مناعتك شويه .. إنت الدور بيجيلك من هنا ويرقدك على طول ...
يوسف: أنا كده من صغرى .. الحمد لله على كل حال...
حاول "شريف" إخبار "يوسف" بصورة ملتويه عن سفرهم المقرر إلى أوروبا ...
شريف: لا .. إتجدعن كده ... أمال لما تسافر حتعمل إيه ... ؟؟ ... دى أوروبا يا أبنى ..
تعجب "يوسف" لسماعه خبر سفره دون علمه ليردف بتساؤل ...
يوسف: أسافر .. أسافر فين ...؟؟
شريف: نسيت اقولك مش إحنا إختارونا نسافر تبع لجنه المشتريات مع الوفد الإيطالي ندرس العقود قبل التوقيع ...
صدم "يوسف" لهذا القرار المفاجئ فهو حقيقه لا يستطيع السفر مطلقاً ...
يوسف: بس أنا مقدرش أسافر و أسيب أمى وأختى ... دول ملهمش حد غيرى ...
شريف : دول أسبوع ولا إتنين بالكتير مش فتره طويله يعنى ...!!!
يوسف : طب ما تروح أنت كفايه ...
بطريقته المازحه خفيفه الظل أجاب "شريف" صديقه المتجهم قائلاً ...
شريف : كان على عينى ... أنا خيبه فى الإنجليزي زى ما أنت عارف والعقود كلها مكتوبه بالإنجليزى ولو سافرت لوحدى حبوظ الدنيا ...
يوسف: أنا مش مصدقك والله ... يا جدع أنت ما تاخد كورس ولا حاجه ..!!!
شريف: طب ما تعلمنى أنت ينوبك فيا ثواب .. ده إنت الإنجليزي بتاعك إيه ...
يوسف : ححاول معاك .. بس برضه لازم تاخد كورس .. بيرفع معانا فى الشغل أوى ...
لمعت عينا "شريف" ببريق مميز وخفه ظل معهوده وهو يرحب بحفاوة زائده عن الحد بعودة صديقه بعد غياب لعده أيام ...
شريف: ماشى ماشى ... المهم إن إنت جيت دلوقتى المكتب كان مضلم من غيرك ..
رفع "يوسف" حاجبه الأيمن وقد فهم مقصد "شريف" المتوارى خلف ذلك الترحيب المبالغ فيه ليردف مازحاً ...
يوسف: المكتب برضه ... ولا وحشك الغداء كل يوم ...!!!
شريف: ما أنت عارف مبحبش أكل لوحدى ... والمطعم إللى تحت ده أكله حلو أوى .. يرضيك صاحبك يروح جعان ...
يوسف: لا يا سيدى ..فى البريك ننزل نتغدى زى كل يوم ...
شريف : أيوه كده طمنت قلبى ...
ضحك "يوسف" من محبه "شريف" العجيبه لتناول الطعام على الرغم من نحافته الظاهره ليبدأ عمله الذى تراكم عليه لأسبوع كامل ....
____________________________________
فرنسا ....
تقدمت نحو منضده الطعام حيث جلس والديها يتناولون كوب من الشاى الصباحى لتلقى عليهم تحيه الصباح بإسلوبها المميز الذى يدل على رقيها البالغ ...
لامار: صباح الخير يا بابا .. صباح الخير يا ماما ....
" لامار فتاة سمراء جذابه ذو عينان عسليتان وأهداب طويله وشعر أسود فحمى أعطاها سحر وجاذبيه ... مرحه للغايه تحب الضحك ولها العديد من العلاقات الإجتماعيه نتيجه تعرفها الدائم وبسرعه على أصدقاء جدد .. مما سهل لها التفكير فى إنشاء شركه جديده خاصه بها ..."
ام لامار: صباح الخير يا "لامار" ..رايحه فين من بدرى كده ...؟؟
لامار: رايحه أشوف توضيب الشركه وصل لحد فين ... نفسى أبدأ الشغل بقى ..
والد لامار: مستعجله على طول كده يا بنتى ...
لامار : طبعاً مستعجله .. ده أنا بدأت أحدد أول الإجتماعات كمان بس مستنيه آخر فرش فى الشركه عشان أبدأ ...
ام لامار: يااه .. يا بنتى أنتى بتلحقى تعملى ده كله إمتى ...؟!!
رفعت "لامار" هامتها بثقه وهى تتغنج بوقفتها بإعتزاز بقدراتها الإجتماعيه المييزة بكسب الأصدقاء ...
لامار : أنا واحده بيزنس وومن دبلوماسيه وبنت راجل دبلوماسى على أعلى طراز عايزانى أعمل إيه يعنى ...!!
نظرت والدة "لامار" نحو زوجها المعجب بإبنته وتفكيرها العملى لتلومه بشده قائله ...
ام لامار: إنت يا "نشأت" إللى عملت فى البنت دى كده ...
بإعجاب واضح أجاب "نشأت" زوجته متفاخراً بإبنته الوحيده ...
والد لامار: "لامار" مش زى أى حد .. لازم تكون واثقه من نفسها كده .... دى عندها معارف أكتر منى فى السلك الدبلوماسى ....
عقبت والدة "لامار" ضاحكه ...
ام لامار: فعلا والله .. إنت بتقول فيها ...
تطلعت "لامار" بساعه يدها لتهتف بعجاله ...
لامار: أنا كده إتأخرت .. يلا سلام بقى ..
قبّلت "لامار" والديها بسرعه ثم إتجهت نحو مقر شركتها الجديده لتطمئن على آخر التطورات فى تجهيز المكتب لتبدأ عملها ...
____________________________________
المستشفى ....
دلف "عبد المقصود" لغرفه إبنته ليتمزق قلبه حزناً على هيئتها النائمه بإستكانه فوق هذا السرير المعدنى البارد وقد إختفت ملامحها تماماً وسط تلك الفافات من الشاش الأبيض حول رأسها وتلك الجبائر التى إحتلت ذراعها وقدمها ...
لمعت عيناه بدمعه حزينه ترقرقت على جفنيه من هيئه إبنته الغاليه ...
دنا منها قليلاً متمعناً بالنظر فى وجهها الجميل ، وجهها الذى تبدلت ملامحه تماماً فقد تورم كلياً أحاط اللون الأزرق والأحمر قسمات وجهها الجميل لتختفى كل ملامحها بصورة محزنه للغايه ...
امسك يده إبنته بحنان أبوى بالغ هامساً بقربها ....
ابو محمد: سامحينى يا بنتى ... أنا إللى طلبت منك تتجوزيه .. معرفش إنه حيوان وحيعمل فيكى كده !!! ... أنا كنت بفكر فى مصلحتك .. وإنك تتجوزى وتفرحى زى البنات إللى فى سنك ... معرفش إنى ظلمتك أوى للدرجه دى ...!!! بس أنا أعرف منين ؟!! ده كان فى منتهى الأدب والرجوله .. مش عارف إيه إللى قلبه كده ؟؟!!!!!!! .. سا محينى يا بنتى .. فوقى عشان خاطرى ... أنا مقدرش أستحمل إللى إنتى فيه ده ...
أسند "عبد المقصود" رأسه بحافه الفراش شاعراً بالأسى والأسف على حاله وحيدته الغاليه ....
خارج الغرفه ....
وقفت "ناهد" برفقه "حسام" الذى وصل للتو وقد توجس من رد فعل "عبد المقصود" تجاهه بعدما فعله بـ"ورد" ...
ام حسام : كويس إن أنت جيت ..
حسام : أنتى جبتينى ليه ؟!!! .. أنا خايف ليقبضوا عليا ...!!!
ام حسام: متخفش ..."عبد المقصود" ده مش من النوع القوى يعنى .. نقدر نضحك عليه ونخليه يتنازل عن المحضر ...
تسائل "حسام" بغير إقتناع لما تقوله والدته ...
حسام : إزاى يعنى .. مش شايفه منظر "ورد" ..؟؟
ام حسام: ما أهو أنا جبتك عشان كده تتمسكن عليه وتفهمه إنها عصبتك وكان غصب عنك ... وهو مش حيهون عليه جوز بنته يترمى فى السجن ...
أكمل "حسام" بغير إقتناع مرة أخرى ..
حسام : إنتى شايفه كده !!! .. وده حيدخل عليه برضه ..؟؟؟
ام حسام: أمال أنا بقولك إيه ... ده طيب وينضحك عليه بسرعه ..
لمعت نظرة خبيثه بعينا "حسام" مردفاً بموافقته لوالدته ...
حسام : ماشى .. إللى تشوفيه ...
ام حسام : يلا إدخل معايا الأوضه وإعمل نفسك متأثر من حاله "ورد" ...
حسام : بس كده ... متقلقيش ....
داخل الغرفه ....
أخذ "عبد المقصود" يربت على كف صغيرته محاولاً بث الطمأنينه بها و إشعارها أنه إلى جوارها ولن يتركها لأى شئ يظلمها بعد الآن ....
دلف "حسام" ووالدته إلى داخل الغرفه محاولين تمثيل تأثرهم بما حدث لـ"ورد"....
ضيقت "ناهد" عيناها وعقصت ملامحها كمن يبكى تأثراً برؤيتها لـ"ورد" وما أصابها ...
ام حسام: حبيبتى يا بنتى ... حتبقى كويسه خالص إن شاء الله ...
تلا حركات "ناهد" المصطنعه إقتراب "حسام" من "ورد" راسماً قناع المحبه والعشق المتيم شاعراً بالذنب لما إقترفته يداه بحبيبته دون قصد ووعى منه ...
حسام: "ورد" حبيبتى .. فوقى بالله عليكى ...
فور أن سمعت "ورد" لصوت "حسام" وهى مازالت تغيب بإغمائتها عن الواقع حتى إرتعشت يدها بيد والدها الذى شعر برجفتها على الفور كما لو أنها فزعت لسماع صوته مما جعل "عبد المقصود" يزجره بغضب ...
ابو محمد : إنت جاى تعمل إيه هنا ؟!! .. مش كفايه إللى عملته فيها !!!!! ... إبعد عنها ملكش دعوه بيها ...
ام حسام : جرى إيه يا أبو "محمد" .. يعنى هم أول ناس ولا آخر ناس يحصل بينهم سوء تفاهم ... وحد الله كده ..
ابو محمد: لا إله إلا الله ... خلى إبنك يبعد عن "ورد" وملهوش دعوه بيها .. كفايه إللى عمله .. ومش حسيبه على فكرة ....
نظر "حسام" بتخوف نحو والدته التى لكزته بمرفقه وهى تشير له بعينيها على التقدم بالإعتذار لـ"عبد المقصود" ليفهم "حسام" مقصدها على الفور فيدنو من زوج والدته يدعى التأثر والحزن ...
حسام : يا عمى .. أنا غلطت وإتهورت غصب عنى ... بس أنا زى إبنك برضه ودى غلطه ومش حتتكرر تانى ...
ام حسام: أيوة يا أبو "محمد" ..و"حسام" إبنى زى إبنك برضه ميرضكش يتبهدل عشان غلطه صغيره ...
نهض "عبد المقصود" من جلسته بإنفعال شديد هاتفاً بغضب ...
ابو محمد: صغيره .. بقى كان حيموت بنتى وتقوليلى غلطه صغيره ...!!!!!!
ام حسام: وأهى كويسه أهى وحتقوم بالسلامه ... ده بدل ما تهدى ما بينهم ...
ابو محمد: أنا مش حسيب حق بنتى أبداً ....
قاطعت حديثهم إمرأه أربعينية ترتدى معطف الأطباء الأبيض فى حده ...
"مينفعش كده يا جماعه .. ده مش كويس عشان المريضه .. متنسوش إن إحنا فى مستشفى برضه ..!!!"
صمت الجميع بعد تدخل هذه الطبيبه التى بدأت بالتعريف عن نفسها فوراً ...
الطبيبه : أنا الدكتورة "سماح" ..الدكتورة النفسيه فى المستشفى وجيت عشان أشوف الحاله بتاعه المريضه وأعمل التقرير ... بس من الواضح إن الحاله باينه من الحوار الغريب إللى أنا سمعته ...
ابو محمد: يا ريت تطمنينا الأول على حاله "ورد" وتقوليلنا هى حتفوق إمتى ...؟
سماح: طيب لو سمحتم سيبونى لوحدى معاها وحبقى عايزة أشوفكم كلكم وأسالكم على إللى حصل ....
خرج الجميع من الغرفه وبقيت "سماح" فقط ومعها إحدى الممرضات التى لحقتها مباشرة بعد دخولها ...
سماح: لو سمحتى عايزه حد يعمل لها كشف عذريه لأن واضح إن فيه إعتداء عنيف هنا ولازم نحدد كل حاجه قبل الشرطه ما تيجى وتقفل المحضر ..
الممرضه : حاضر يا دكتوره ...
____________________________________
خارج الغرفه ...
وقف "عبد المقصود" بنفس إنفعاله يهدد "حسام" بحده ...
ابو محمد: أنا مش حسيب حقها فاهم ...!!!
ام حسام: يا أبو "محمد" زى ما أنت خايف على "ورد" ومصلحتها انا كمان خايفه على "حسام" وعلى مصلحته ... ومينفعش نبقى أهل ونعمل كده فى بعض ..!!!!!
ابو محمد: يعنى أنتى عايزة إيه دلوقتى ....؟؟
ام حسام: تتنازل عن المحضر ...
صمت "عبد المقصود" للحظات متفكراً ثم هتف بالموافقه قائلاً ...
ابو محمد : موافق ..حتنازل عن المحضر بس بشرط ...
ام حسام بإستنكار: شرط ...؟؟ شرط إيه ....؟؟!!!!!!!
ويبقى للأحداث بقيه ،،،
انتهى الفصل الرابع،،،
قراءة ممتعه،،،
قوت القلوب ،،،
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية اشواك الورد الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
...
المستشفى ...
وقف "عبد المقصود" قبالة كل من حسام وأمه، متحدثاً معهما بحدة وقوة. تفاجأت بها "ناهد" بشدة، حتى "عبد المقصود" نفسه تعجب لقوته التى طرأت عليه. لكنه لن يترك غاليته تضيع منه بتلك الطريقة، ويجب أن يأخذ حقها من هذا المتوحش الغير آدمي. ليقف مهدداً إياهم ولا ينتوي نية التراجع مهما حدث.
أبو محمد: أنا مش هسيب حقها فاهم.
أم حسام: يا أبو محمد، زي ما أنت خايف على "ورد" ومصلحتها، أنا كمان خايفة على "حسام" وعلى مصلحته. ومينفعش نبقى أهل ونعمل كده في بعض.
أبو محمد: يعني إنتي عايزة إيه دلوقتي؟
أم حسام: تتنازل عن المحضر.
صمت "عبد المقصود" لبعض اللحظات متفكراً بتأني، قبل أن يهتف بالموافقة.
أبو محمد: موافق. هتنازل عن المحضر بس بشرط.
أم حسام بإستنكار: شرط؟ شرط إيه؟
أعلى "عبد المقصود" من عنقه بصرامة لم تعتدها "ناهد" منه مطلقاً خلال سنوات زواجهم.
أبو محمد: "حسام" يطلق "ورد".
شعر "عبد المقصود" أن تلك هي رغبة "ورد" خاصة، وقد شعر بخوفها المكنون لحظة دخول "حسام" الغرفة منذ قليل. لكن "ناهد" شعرت بأن كل ما خططت له يضيع سدى، لتهتف بصدمة.
أم حسام: يطلقها؟ إنت بتقول إيه؟ إنت واعي للي بتقوله ده؟ فرحهم كان امبارح!
ليؤكد لها "عبد المقصود" أن هذا ما يريده بالفعل، وأنه يعي تماماً لعواقب هذا الشرط المفاجئ.
أبو محمد: أنا معنديش استعداد أخسر بنتي لأي سبب.
تهدجت أنفاس "ناهد" بقوة، فخسارتها الآن فادحة للغاية، لتحاول إثناء "عبد المقصود" عن هذا الشرط المجحف لها ولولدها.
أم حسام: اهدى كده وإفهم الأمور كويس، لأن أكتر حد هيتضرر في موضوع الطلاق ده هو بنتك "ورد". الناس هتقول عليها إيه؟
أبو محمد: مصلحة بنتي وحياتها أهم عندي من أي حاجة في الدنيا.
ضمت "ناهد" شفاهها بغيظ، وهي تعقب بتحدٍ وقد جحظت عيناها بإنفعال.
أم حسام: طب لو مطلقهاش؟
أبو محمد: يبقى خلاص، هو الجاني على نفسه. أنا كده كده مش هسحب البلاغ اللي قدمته المستشفى، وهقول لهم إن "حسام" كان عايز يموتها.
هتف بتلك اللحظة "حسام" بإرتعاب شديد مترجياً "عبد المقصود" ألا يفعلها.
حسام: لأ... أبوس إيدك يا أبو محمد.
ثم نظر "حسام" نحو والدته مستنجداً.
حسام: ماما.. إلحقي.
أخذت "ناهد" تقلب نظراتها بين "حسام" المرتعد خوفاً، وبين "عبد المقصود" المتشبث برأيه بقوة عجيبة، لتهتف بغيظ مرغمة على ذلك.
أم حسام: ماشي... هيطلقها. بس لما تتنازل الأول.
ليجيبها "عبد المقصود" بإصرار شديد.
أبو محمد: لأ... يطلقها الأول. اتنازل فوراً عن المحضر.
أمسكت "ناهد" نفسها من ألا تنفلت منها ما يظهر ما بداخلها من غضب مشتعل، فهذا غير الذي تخيلته ورسمته في مخيلاتها مطلقاً. ثم ردت من بين أسنانها.
أم حسام: ماشي يا أبو محمد. "حسام" هيطلقها. ماشي.
***
في غرفة ورد بالمستشفى.
أوقعت الطبيبة النفسية "سماح" بالكشف عن "ورد" وحالتها النفسية، لتتحقق من السبب النفسي المسبب لهذه الإغماءة حتى تستطيع مساعدتها. لكنها أيقنت في داخل نفسها أن السبب لابد أن يكون من هذا المدعو زوجها، كما سمعت قبل قليل قبل دخولها غرفة "ورد".
خرجت "سماح" من غرفة "ورد" لتجد ثلاثتهم ينتظرون أمام باب الغرفة، وقد بدا على ملامحهم الإنفعال والضيق، لتردف بمهنية شديدة.
سماح: لو سمحتم، عايزة حضراتكم في المكتب عندي.
أبو محمد: حاضر. يلا بينا.
أنهى "عبد المقصود" عبارته ناظراً نحو "حسام" ووالدته، وكأنه يهددهم بضرورة الذهاب معها، لينصاعا له مرغمين على تلك الجلسة لإنهاء تلك الأزمة.
***
مكتب الدكتورة سماح.
أشارت لهم "سماح" بالجلوس، بينما جلست هي خلف مكتبها ممسكة بقلمها لتدون أهم المعلومات التي ستستخلصها منهم للوقوف على حالة "ورد" بدقة.
سماح: اتفضلوا اقعدوا. ممكن أفهم إيه اللي حصل لـ "ورد" بالضبط؟
أسرعت "ناهد" بالإجابة على سؤال الطبيبة، وقد رسمت ابتسامة كاذبة على ثغرها قبل أن يتفوه "عبد المقصود" بشيء يدين ولدها.
أم حسام: ولا حاجة. النهارده كان فرحهم. وهم بس اتدلّعوا على بعض شوية. بتحصل عادي.
حدجها "عبد المقصود" بنظرات غاضبة، فكيف قلبت كل الحقيقة بكذبها الواهي حتى لا تورط ولدها، ليهتف بها بإنفعال شديد.
أبو محمد: هو إيه اللي عادي؟ النهارده يا دكتورة كان فرح بنتي "ورد" و"حسام". وبعدين لقينا "حسام" بيكلم والدته بيقولها إنه ضرب "ورد" وبقت زي ما إنت شايفه. رحت البيت عنده لقيتها غرقانة في دمها من ضرب "حسام" ليها وجبتها على هنا.
تابعت "ناهد" حديث "عبد المقصود" بغيظ شديد وترقب لرد فعل تلك الطبيبة، حين وجهت "سماح" سؤالها التالي لـ"حسام".
سماح: وإيه سبب إنك تضربها بالصورة دي؟
فرك "حسام" كفيه بإضطراب، وهو ينظر لوالدته أولاً، قبل أن يجيب بإرتباك واضح.
حسام: إحنا... ااا... يعني كنا لسه ما أخدناش على بعض. هي بس استفزتني وأنا اتعصبت. غصب عني مدرتش بنفسي والله.
سماح: طيب ممكن لو سمحتم أقعد مع الأستاذ "حسام" لوحدنا.
أومأ "عبد المقصود" تفهماً، ليدعو "ناهد" للخروج من مكتب "سماح"، بينما ظل "حسام" بالداخل منتظراً أن ينتهي من تلك الجلسة التي تسبب ضيق نفسه بشدة.
حاولت "سماح" الإبتسام برسمية لتحث "حسام" على التحدث، بينما تشعر بالغضب من داخلها لتصرفه المتوحش مع تلك الضعيفة.
سماح: أظن كده تقدر تتكلم براحتك.
بإنكار شديد حاول "حسام" الثبات على ما تفوه به منذ قليل، كما أوصته والدته.
حسام: مفيش حاجة أقولها غير اللي أنا قلتها.
سماح: طيب وطبيعة العلاقة بينكم إيه؟
إستمر "حسام" بإنكار ما حدث، فهو لن يثبت شيئاً يمس رجولته، وبالتأكيد "ورد" لن تتفوه بشيء، فعليه الكذب، فلن يكشف كذبه أحداً.
حسام: لا. "ورد" مراتي. أيوه طبعاً. إحنا بس شدينا في الكلام. بس...
سماح: فهمت. عموماً متقلقش يا أستاذ حسام. بإذن الله زوجة حضرتك هتفوق وتبقى كويسة.
هز "حسام" رأسه بتوتر عدة مرات، ليستأذن خارجاً من المكتب، ليدلف بعدها "عبد المقصود" ليتحدث بدوره مع "سماح"، ليصف لها حالة "ورد" الحقيقية لتساعدها على الشفاء مما وصلت إليه.
أبو محمد: بصي يا دكتورة. "حسام" و"ورد" ما يعرفوش بعض كويس، وهي وافقت على الجواز منه عشان أنا قلت لها أنه كويس وأني نفسي أفرح بيها. ده حتى جه من السفر قبل الفرح بيوم بس. عشان كده أنا حاسس إني ظلمتها. أرجوكي اعملي أي حاجة عشان "ورد" تفوق.
شعر "عبد المقصود" بدوار شديد مرة أخرى، ليجلس بإنهاك فوق المقعد ممسكاً برأسه التي بدأت تؤلمه إثر هذا الصداع الذي تملكه مرة أخرى.
حين استطردت "سماح" حديثها قائلة.
سماح: عموماً حضرتك، أنا بدأت أفهم ليه "ورد" رافضة الواقع بالصورة دي. لأنها حساسة جداً، واللي حصل النهارده في ليلة فرحها سبب لها صدمة كبيرة. بس أحب أوضح لحضرتك إنها لما تفوق محتاجة رعاية من نوع خاص عشان نقدر نعيد التوازن تاني لنفسيتها بعد الصدمة الكبيرة دي.
أبو محمد بألم: طبعاً اللي تشوفيه هنعمله. لو سمحتي، معندكيش أي حاجة مسكنة للصداع لأني تعبان جداً.
أخرجت "سماح" حبة مسكنة من درج مكتبها، ومدت بها إلى "عبد المقصود".
سماح: أيوه حضرتك. اتفضل. أكيد النهارده كان يوم مرهق ليك جداً.
أبو محمد: جداً جداً.
تناول "عبد المقصود" ذلك القرص المسكن محاولاً التخفيف من أثر هذا الألم قبل أن يعود لـ"ورد" مرة أخرى.
***
المطعم.
جلس "يوسف" متعجباً من "شريف" الذي كان يتناول طعامه بشراهة لا تتناسب وحجمه الضئيل مطلقاً.
يوسف: سبحان الله يا أخى. مع إن اللي يشوفك ميفتكرش إنك بتحب الأكل أوي كده.
شريف: يا راجل، محدش واخد منها غير اللقمة الحلوة.
ضحك "يوسف" ساخراً من صديقه الذي يستحوذ الطعام على كل تفكيره.
يوسف: اللقمة الحلوة؟ ده بس اللي إنت عايزه من الدنيا؟
توقف "شريف" عن مضغ الطعام ليجيب "يوسف" بوله مازحاً.
شريف: لأ طبعاً. يا سلام بقى لو ربنا يكرمني كده بواحدة حلوة ونحب بعض من أول نظرة زي ما بيقولوا ونتجوز وتطبخ لي هيا بقى.
يوسف: يبقى إنت مش عايز عروسة، إنت عايز طباخ. أنا عموماً مش بقتنع بموضوع أول نظرة ده. لازم الواحد يكون عارف اللي قدامه كويس عشان يحبه.
لوح "شريف" مستنكراً حديث صديقه معقباً.
شريف: يا عم إنت عايش فين؟ موضوع الحب من أول نظرة ده مؤكد. ياما ناس وقعت ولا حد سمى عليها. إنت قلبك اللي بيختار مش عقلك.
بإقتناع تام بأنه ليس هناك ما يسمى بالحب من النظرة الأولى، فالعشق لابد وأن يتوغل بالقلب، ولن يتوغل بالقلب إلا بعد أن يعرف الشخص الذي يقابله جيداً حتى يعشقه. فكيف سيعشقه وهو لا يعرفه بعد؟
يوسف: لأ طبعاً غلطان. لازم الجواز والاختيار يبقى بعقلك. بلاش كلام الناس الضعيفة اللي إنت بتقول عليه ده. الواحد يقدر يتحكم في اختياراته كويس ويدرسها زي العقود اللي بندرسها في الشركة كده.
شريف بسخرية: عقود؟ هو إنت هتعمل مناقصة على عروسة؟
يوسف: خليك إنت في أوهامك دي. وحنشوف في الآخر.
شريف: بس ألاقيها بس. الواحد داخل في الثلاثين أهو ومش لاقي بنت الحلال اللي تلمني من أكل الشارع مع أمثالك.
يوسف بصدمة: بقى كده! طيب أبقى شوف مين هيودك ويتغدى معاك تاني.
نهض "يوسف" من مقعده مستعداً للذهاب، حين أمسكه شريف من ساعده متوسلاً.
شريف: خلاص يا يوسف بالله عليك. أقعد. مبحبش أكل لوحدي. كفاية عيشتي لوحدي. إنت ما صدقت يا أخي ولا إيه؟ إلا الأكل. بهزر في أي حاجة إلا الأكل. أقولك. أنا سحبت فكرة العروسة أهو. بس خلينا نتغدى.
ضحك "يوسف" من خفة دم صديقه المعهودة وبساطة تفكيره، وجلس مرة أخرى يستكمل تناول طعامه معه، فقد أصبحت عادة يومية بالنسبة لهما.
***
حسام وأمه.
إنصرفا من المستشفى بضيق بعد طلب "عبد المقصود" وإصراره على أن يطلق "حسام" ابنته "ورد".
أم حسام: اتفضل قدامي خلينا نخلص.
حسام: مش عارف حظ إيه ده.
أم حسام: حظ؟ لا مش حظ. دي غباوة. أنا مش بفهمك كل حاجة؟ دلوقتي هنتصرف إزاي؟ وأهو حط لنا العقدة في المنشار ولازم تطلقها!
بتملل شديد من لوم والدته المستمر أردف "حسام".
حسام: خلاص بقى. مكنتش في وعيي. مع إنها خسارة والله.
أم حسام: المهم دلوقتي تطلقها ونجيب ورقة الطلاق عشان يتنازل، وبعد كده كل حاجة هتبقى ليها ترتيب تاني.
حسام: ماشي يا ماما. يلا خلينا نخلص.
***
المستشفى.
مكتب سماح.
دق باب مكتبها لتسمح للطارق بالدخول.
سماح: إدخل.
الممرضة: اتفضلي يا دكتورة التقرير اللي حضرتك طلبتيه.
سماح: شكراً.
نظرت "سماح" بتمعن بذلك التقرير الذي طلبته والذي يخص حالة "ورد". ذاك التقرير الذي طلبت به إثبات ما إذا كانت عذراء أم لا، لتتسع عيناها بصدمة غير مصدقة لما قرأته.
سماح بدهشة: إيه؟ أمال جوزها بيقول ليه كده؟ معنى كده أنها لسه عذراء؟ أكيد فيه حاجة مش مفهومة خلته يعتدي عليها بالشكل القاسي ده.
***
غرفة ورد.
جلس "عبد المقصود" إلى جوار ابنته بإنهاك شديد وحزن دامس على حالتها التي وصلت إليها بسببه. أمسك يدها الصغيرة بيديه محاولاً التحدث معها لحثها على الاستيقاظ من هذه الإغماءة الطويلة.
أبو محمد: بنتي... قومي بقى متتعبيش قلبي. إنتي عارفة إني ماليش حد في الدنيا غيرك. قومي... قومي قوللي إنك سامحتيني حبيبتي. وأوعدك مش هظلمك كده تاني. أنا خلاص هبعدك خالص عن اللي اسمه "حسام" ده وهيطلقك وتبقى حرة. مش هضغط عليكي تاني بس فوقي وارجعي لي. كل اللي إنتي فيه ده مش هيحصل تاني.
بكى بوهن على حال ابنته وما وصلت إليه بسببه.
شعر برعشة يدها في يده، وكأنها تطمئنه عنها. رفع بصره تجاه وجهها المتورم وأحس بأنها تتألم، فضغط على زر التمريض على الفور لتلبيه أحد الممرضات طلبه مهرولة.
أبو محمد: هي مالها إيديها بترتعش وكأنها بتتوجع.
الممرضة: ثواني هنده الدكتور يشوفها حالاً.
دلف الطبيب بعد قليل ليفحص "ورد" قائلاً.
الدكتور: اطمن حضرتك. هي بدأت تستجيب وبتفوق إن شاء الله. هخلي الدكتورة "سماح" تكون موجودة عشان تتعامل معاها أول ما تفوق.
أرسل الطبيب في طلب "سماح" للتعامل النفسي مع حالة "ورد" حين تفيق.
ورد...
أحست بثقل كبير في جسدها وألم غير محتمل. حاولت أن تفتح عينيها المثقلتان لكنها لا تستطيع. لكنها ما زالت تسمع صوت والدها الحاني يتحدث إليها ويطمئنها. نعم، هي في أمس الحاجة إليه وإلى طمأنته. حاولت كثيراً وها هي تفتح عينيها المتورمتين بألم يعاكسها ضوء ناصع يؤلم عينيها فتغلقهما مرة أخرى بشدة. ثم تحاول هذه المرة، فربما ترى والدها، فهي تريده الآن. تريد أن تتأكد من وجوده وأنه ليس حلماً عابراً.
فتحت عينيها محاولة إدراك أين هي؟!! فبالتأكيد عرفت لأول وهلة من هذا المكان وألوان الحوائط ورائحة المطهرات القوية أنها بالمستشفى. نظرت إلى حالها بضيق لترى جبيرة يدها وقدمها مسببين ثقلاً لا تستطيع تحريكهم. لكن هناك ألم لا يُجبر. ألم بداخلها كبير للغاية.
بحثت عن مصدر الصوت الذي تنتظره. ها هو يقف أمامها ممسكاً بيدها بحنان، عيناه ممتلئتان بالدموع ينظر إليها بحب تنتظره بشغف.
أبو محمد: "ورد"... حبيبتي... حمد الله على السلامة.
لم تستطع "ورد" الرد، كأنها فقدت شهيتها للكلام، حتى دموعها تحجرت لا تستجيب لها لتعبر عن حزنها وآلامها، فصمتت.
أبو محمد: ردي عليا يا بنتي. طمنيني.
فقط نظرت إليه بحزن وانكسار ونكست رأسها للأسفل.
سماح: "ورد"... عاملة إيه دلوقتي؟ أنا الدكتورة "سماح".
مدت "سماح" يدها لتربت على كتف "ورد"، والتي ما إن رأت حركة يدها تمتد ناحيتها حتى حاولت الابتعاد بذعر وخوف.
أرجعت "سماح" يدها، فهي لا تريد توتر "ورد" الآن.
سماح: خلاص... خلاص... متخافيش. أنا بس بطمنك إن إنتي كويسة ومتخفيش. والدك أهو جنبك ومعاكي وأنا كمان لو احتجتي مساعدتي.
أبو محمد: كلنا جنبك يا بنتي ومحدش هيقدر يقربلك ولا يأذيكي تاني. و"حسام" ده انسيه نهائي. ولا حتى هخليكي تشوفيه.
وكأن "ورد" كانت تنتظر هذا النوع من الاطمئنان حتى تستجيب دموعها في صمت لتسيل على خديها للتنفيس عن هذا الحزن المكتوم بداخل صدرها.
ابتسمت "سماح" لهذا التعبير وسقوط دموع "ورد"، فهذا مؤشر جيد وخطوة إيجابية ولو مؤقتة لإظهار حزنها بالتدريج. فهذا سوف يساعدها في جلسات العلاج النفسي لهذه المحطمة الصغيرة.
رواية اشواك الورد الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
بيت يوسف ....
أخذت "دعاء" تحضر طعام الغذاء بينما جلست والدتها على المقعد الموضوع بالمطبخ تتحادث مع إبنتها بإنصات بالغ حين تسائلت "دعاء" وهى تتلمس ذقنها بتفكير ....
دعاء: طب إيه رأيك يا ماما فى "علا" ....؟؟
ضغطت والدتها عيناها بتمعن تحاول تذكر من هى تلك الـ"علا" التى تتحدث عنها ثم أردفت بعدم معرفه ...
أم يوسف: مين "علا" ...؟؟
إتسعت عينا "دعاء" بإندهاش وهى تذكر والدتها بتلك الفتاه ...
دعاء: "علا" يا ماما بنت طنط "سهير" ... جارتنا إللى تحت ....ناظره المدرسه ...!!
ام يوسف: ااه .. إفتكرتها ... بس دى صغيره أوى على أخوكى "يوسف" ...!!!
فغرت "دعاء" فاها بصدمه ولمعت عيناها الواسعتان ببريق مندهش وهى تشهق بغير تصديق ...
دعاء: يا واقعه بيضاء ... أنتى بقالك قد إيه يا حاجه مطلعتيش بره البيت ده ....؟؟!!! دى أصغر منه يجى كده بثلاث أو أربع سنين بالكتير ...
تعجبت أم "يوسف" من عدم إدراكها لذلك لتعقب مبرره ذلك ...
ام يوسف: والله !!!!! ... الواحد يا بنتى من يوم ما رجليا تعبتنى ومبقتش أخرج ولا أعرف حاجه عن حد ... بس هم ناس كويسين وفى حالهم خالص ...
بصوتها المرتفع ونبرتها الشقيه إستكملت "دعاء" حديثها ...
دعاء : أه .. أينعم "يوسف" أخويا قمر كده وقوى ورياضى وعسل والبت "علا" دى أأقل منه بصراحه بس هى كويسه والله ... رغايه شويه بس كويسه ...
عقبت أم "يوسف" ممازحه إبنتها وهى تتهكم على وصف "علا" بالثرثاره قائله ..
ام يوسف: هى برضه إللى رغايه ... ميصحش يا بنتى تتكلمى عن الناس كده ...
دعاء: بهزر والله ... بس إيه رأيك فيها ...؟؟
ام يوسف: والله هى أمها وأبوها أحسن ناس وعلى قد حالهم زينا والبنت على ما أفتكرها كانت كويسه والله ...
دعاء: خلاص ..نبقى نكلم "يوسف" لما يرجع من الشغل ولو عجبته نروح أنا وأنتى نزورهم وكده يعنى .. شغل حموات بقى ...
ضحكت أم "يوسف" مؤكدة حديث إبنتها ..
ام يوسف: أنتى بتقولى فيها .. ده إللى يشوفك كده يقول أنتى أمه .. مش أنا ..
دعاء: الله ...مش أخويا حبيبى ... أمال إيه يعنى نرميه كده وخلاص ...
ام يوسف: ترمى مين ؟!!!! ... يا بنت صونى لسانك إللى متبرى منك ده لو أخوكى سمعك حيبهدلك ..
إلتفتت "دعاء" حولها متصنعه الخوف من مجئ "يوسف" فجأه ثم أردفت بمزاح شقى ...
دعاء: أه صح ...
المستشفى ...
تقابل "عبد المقصود" بمكتب "سماح" وقد تغلب عليه القلق من حاله "ورد" التى لا تتحسن مطلقاً ليتسائل بتوجس ...
أبو محمد: هى حتفضل كده يا دكتوره مبتتكلمش معانا ...؟!!!!
سماح: لا ده بس وضع مؤقت وأنا حبدأ معاها الجلسات عشان منتأخرش عليها فى العلاج وأحاول أخليها تتكلم وتحكى عن إللى حصل لها عشان ترتاح ...
ولمرة أخرى شعر "عبد المقصود" بدوار عنيف تلك المرة وتزايد بألم رأسه بصورة ملحوظة ظهرت جلياً على ملامحه المتألمه ، إسترعى ذلك إنتباه "سماح" على الفور ...
سماح: خير يا أبو محمد .. إنت كويس ...؟!!
لم يستطع "عبد المقصود" إخفاء تألمه الواضح كعادته ليجيبها بتألم ..
ابو محمد: شويه صداع ودوخه تانى ...؟؟
سماح: لا إنت لازم تكشف .. مش معقول تبقى فى المستشفى ومتكشفش ... أقله قيس الضغط يمكن ضغطك عالى ولا حاجه ...!!!
بتفهم لوجه نظر الطبيبه فهى مصحه للغايه بهذه النقطه فهو يشعر بالإنهاك والإعياء منذ قبيل زفاف "ورد" وعليه أن يطمئن على حاله ...
ابو محمد: ممكن صح ... أروح أنا أقيس الضغط وأرجع أطمن على "ورد" ... شكراً يا دكتوره ...
سماح: لا شكر على واجب ... أنا كمان حروح أطمن على "ورد" وأحاول أتكلم معاها ....
بعد أن تبعثرت آمالهم أدراج الرياح وهوت مطامعهم أرضاً إنتهى "حسام" من توقيع وثيقه طلاقه من "ورد" بعدما أجبرهم "عبد المقصود" على ذلك بوضع تحرير "ورد" من قبضه "حسام" بمقابل حريته وعدم الإبلاغ عنه ....
وقف "حسام" برفقه والدته التى لم تنكف عن التوبيخ واللوم منذ لقائهما بالمستشفى ليزفر بتملل وهو يزم شفتاه بضيق قائلاً بلا إكتراث ...
حسام: أنا حروح على شقتى ...
لمعت عيناها ببريق غاضب وهى توبخه بصوتها الحاد ...
ام حسام: تروح شقتك !!!!!!! ... يعنى إنت تورطنى وتسيبنى ..؟؟
إلتف "حسام" نحو والدته يصرخ بها فلم يعد يتحمل كل هذا التوبيخ أمام مرأى ومسمع من الماره حولهم ...
حسام : أنا إللى ورطتك .....؟؟!!!!!!! أنا إللى أجبرتك على الجوازه دى من واحده لا أعرفها ولا تعرفنى ... أنا إللى جبتينى على ملا وشى من أستراليا عشان أتجوز بنت جوزك بسرعه !!!! ... جرى إيه يا ماما مإنتى فاهمه ...!!!!!
أخفضت "ناهد" من صوتها قليلاً لكنها إستمرت تعنفه بنفس الحدة فخسارتها الآن كبيرة للغايه ...
ام حسام: يعنى أنا دلوقتى بقيت أنا الغلطانه .... ؟!! ... أنا كنت بضمن لك مستقبلك ... لكن إنت ضيعتنا بقله عقلك دى ... كنت أصبر شويه وأمسك نفسك ...
صمت "حسام" فعلى الرغم من ضيقته منها إلا أنها محقه تماماً ، هو بالفعل كان يسعى للثراء بأى صورة وكان زواجه من "ورد" سيحقق له ذلك وبسهوله تامه ليتغاضى عن توبيخها اللاذع قائلاً ...
حسام: أنا ماشى ... وحروح أقعد فى شقتى ...
لم تجد "ناهد" بُد من الهدوء نوعاً فعليها التفكير وحُسن التصرف لتملى عليه تعليماتها قبل أن يعود لشقته ...
ام حسام: طب حود على البيت إطمن على "محمد" والمربيه الأول وبعدين روّح ... وأنا حروح المستشفى أدى "عبد المقصود" الورقه بتاعه الطلاق عشان يتنازل عن المحضر ونخلص ...
حسام: ماشى .. سلام ...
المستشفى ... غرفه ورد ....
حان موعد مرورها بمريضتها "ورد" فربما تستطيع كسر ذلك الحاجز النفسى الذى يعيق اخراج مكنونات نفسها المهشمه و التعبير عما يجول بداخلها ...
دلت "سماح" وقد إرتسمت إبتسامه خفيفه فوق ثغرها وهى تدنو من "ورد" المستلقيه بصمت شديد تحملقان بالسقف بنظرات بارده لا حياة فيها ....
حاولت "سماح" كسر حاجز هذا الصمت قائله ...
سماح: "ورد" ... أنا جيتلك تانى ... إرتحتى شويه ...؟!!!
لكن كان الصمت إجابتها لتعيد "سماح" توجيه حديثها إليها حتى لو لم تتجاوب معها ، فبالتأكيد ستنفعل بلحظه ما وتبدأ بالتحدث وإخراج كل ما في جعبتها ...
سماح: أنا عارفه إنك متعرفنيش كويس بس ا؟عتبرينى واحده صاحبتك وفضفضى معايا شويه عن إللى مضايقك ... عارفه ... إحكى لى عن أى حاجه عن الفرح .. عن باباكى ... عن جوزك ....
أنهت "سماح" كلمتها وترددت صدى كلمه ( جوزك) فى أسماع "ورد" ، تلك الكلمه كانت موجعه قاسيه للغايه ، كلمه أثاره حنقها وترقرقت الدموع بمقلتيها فور سماعها ، أهذا هو من يسمى زوجها ...؟! أهذا من المفترض أن تقترن حياتها به بقيه عمرها ..؟!! ستظل تحيا مع هذا الحقير المتوحش شارب الخمر ....
رؤيه "سماح" لتلك العبرات بعينا "ورد" كانت إشاره إستجابه لحديثها معها لتستكمل حديثها ...
سماح: أنا عارفه إنك متضايقه وزعلانه .. إتكلمى معايا شويه .. جربى يمكن ترتاحى ... قوليلى .. إنتى عرفتى حسام إزاى ...؟!!
نظرت لها "ورد" بإنكسار محاوله التحدث مع "سماح" فقد شعرت بالراحه لوجود هذه السيده إلى جوارها الآن لتخرج الكلمات بنبرة خفيضه منكسرة للغايه ....
ورد: أنا معرفوش ... هو إبن مرات بابا ...
سماح: ومشفتيهوش أبداً قبل كده ...؟!!!
ورد: لأ .. كان مسافر أستراليا ...
سماح: ها وبعدين ...
حاولت "ورد" رفع جزعها للأعلى بإنهاك لتساعدها "سماح" على ذلك ثم بدأت تقص لها ببطء متذكرة ما حدث ...
تذكرت كيف أن "حسام" تقدم لطلب يدها من والدها عن طريق والدته فرحب به والدها لدوم شكر زوجته به وبأخلاقه ، تذكرت يوم طلب منها والدها أن تتفكر ملياً بزواجها من "حسام" وهذا ما لم تفعله مطلقاً فقد كانت "ورد" تثق تماماً بصورة مطلقه وعمياء برأى والدها وأن إختياره سيكون أفضل من إختيارها فهو لا يريد سوى سعادتها ، كانت واثقه أنه يدرك الكثير عنها ... لكن ما لا يعمله والدها هو بالفعل هذا الشخص الغريب الذى ظن به خيراً لم يستحقه ...
شعرت "سماح" أن "ورد" فتاه بسيطه بريئه للغايه ، بريئه في زمن لا يناسبها مطلقاً لتنتظر منصته بإصغاء تام لـ "ورد" تحثها على إستكمال حديثها ...
سماح : كويس ... يعنى إنتى شفتى إن والدك راجل مدرك وكنتى واثقه فى إختياره لما وافق على "حسام" ... إيه بقى إللى حصل إمبارح وخلى "حسام" يخرج كدة عن شعوره ...
زفرت "ورد" بإرتعاش وهى تتذكر تفاصيل تلك الليله المؤلمه الطويله التى لن تنساها مطلقاً مهما حيت ...
بدأت تسرد لها بواقع ما حدث وسط إندهاش شديد وربما صدمه مما تسمعه مؤكدة عليها بأن ما تسرده لها من تفاصيل سيظل سراً بينهما ولن يعرفه غيرهما فقط فإستطردت "ورد" بحريه بكل التفاصيل لتلك الليله المشؤمه حتى إنتهت تماماً ...
سماح: يمكن كانت تجربه قاسيه جداً ...بس أكيد فيه درس كبير إتعلمتيه .. مفيش حاجه بتحصل لنا من غير سبب .. أنا عايزاكى تكونى قويه وتحاولى معايا نتغلب على إللى حصل ده وترجعى أحسن من الأول ...
بتحسر على حالها أجابتها "ورد" بيأس تام ...
ورد: أحسن من الأول !!!! .... أنا حاسه إن كل حاجه فى عنيا وحشه أوى ... دى كانت ليله فرحى ... عارفه يعنى إيه ليله فرحى .. اليوم إللى بتستناه كل بنت عشان تفرح .. بقى أسوأ وأبشع يوم فى حياتى ....
سماح: واحده واحده حنعدى الأزمه دى مع بعض ....
إكتفت "ورد" بدموعها رداً على ما تشعر به بينما سعدت "سماح" بقدرة "ورد" على التعبير عن كل ما حدث و إعتبرت ذلك بدايه إستجابتها للخطه العلاجيه الموضوعه لها لتتخطى هذه المحنه ... وإكتفت بهذه الجلسه مؤقتاً ....
خرجت "سماح" من الغرفه وظلت "ورد" بمفردها ... إنهارت باكيه بنشيج تتقطع له القلوب ... شهقاتها العاليه والمسموعه إستطاعت "سماح" سماعها من خارج الغرفه بعدما أغلقت الباب ...
أومأت "سماح" بخفه فتعبير "ورد" عن حزنها أفضل من كتمان ذلك ... طلبت "سماح" من الممرضه ألا تسمح لأحد بدخول الغرفه حتى تهدأ أولاً ...كما طلبت أن ترسل لها والدها حين عودته ...
عبد المقصود ...
ظن أن وجوده بالمستشفى فرصه سانحه للذهاب لأحد الأطباء المتخصصين لمعرفه سبب هذا الدوار الذى يلازمه منذ فترة ...
إستغل "عبد المقصود" وقت جلسه "سماح" و "ورد" ليتجه لأحد الأطباء بالمستشفى ليطمئن عن حاله ...
دلف "عبد المقصود" لغرفه الطبيب الذى جلس خلف مكتبه بعمليه شديد منتظراً المريض التالى ...
ابو محمد: السلام عليكم ....
الطبيب : وعليكم السلام ... إتفضل ... خير ... بتشتكى من إيه ...؟!!
ابو محمد: أنا حاسس بصداع بقالى كام يوم ودوخه فبقول يمكن الضغط عالى شويه فممكن بس حضرتك تقيس لى الضغط وتطمنى ...
الطبيب : تمام إتفضل يا فندم ......
نهض الطبيب من مقعده حاملاً الجهاز الخاص بقياس ضغط الدم بينما إستلقى "عبد المقصود" على السرير الخاص بالكشف ليفحصه الطبيب جيداً ...
بعد أن إنتهى الطبيب من فحص "عبد المقصود" عقب ببعض التساؤلات ...
الطبيب : هو ضغطك مش عالى بالصوره إللى تتعبك كده !!! .. ممكن تقولى إنت حاسس بالأعراض دى بقالك قد إيه ...؟؟
ابو محمد: مش فاكر بصراحه .. لأنى أساساً مريض ضغط عالى ومن وقت للتانى ضغطى بيعلى وبيجيب لى شويه صداع ... بس بقالى كام يوم الصداع زايد معايا شويه ...
الطبيب : طيب عشان نطمن أكتر .. ممكن حضرتك تعملى التحاليل دى والأشعة إللى حطلبها منك وترجع لى تانى ..
ابو محمد: قلقتنى يا دكتور .. هو فيه حاجه ولا إيه ...؟؟
الطبيب : لا متقلقش .. ده بس عشان نطمن أكتر وبما إننا فى المستشفى الموضوع ده حيبقى سهل جداً ..
ابو محمد: إللى تشوفه يا دكتور حعمل التحاليل والأشعة وأجيبها لحضرتك ...
ناهد ...
وصلت للمستشفى بعد أن تركت "حسام" منذ قليل لتهاتف زوجها أولاً ، وبعد عدة محاولات أجابها "عبد المقصود" أخيراً..
ام حسام: ألو .. أيوة يا أبو محمد ... برن عليك من بدرى كنت فين ....؟؟
ابو محمد: ولا حاجه ... كنت مع "ورد" ...
ام حسام: طيب أنا تحت فى الإستقبال ... تعالى عاوزاك ضرورى ...
ابو محمد: نازل أهو على طول ....
إنتظرت "ناهد" قليلاً حتى أقبل نحوها بخطواته المتباطئه منتظراً منها إخباره بما توصلت له ...
ابو محمد: عملتى إيه يا أم "حسام" ..؟؟
دارت بعينيها بضيق وهى تلوح بأحد الأوراق بوجهه قائله ...
ام حسام : ورقه الطلاق أهى ..
شعر "عبد المقصود" بالراحه فور إمساكه لورقه خلاص "ورد" ...
ابو محمد: كويس أوى ... حطلع أطمن على "ورد" وأرجعلك نروح سوا عشان نطمن على "محمد" ....
ام حسام : ماشى ... مستنياك متتأخرش ...
إطمئن "عبد المقصود" سريعاً على حال "ورد" التى وجدها نائمه ، ثم مر بمكتب "سماح" فور أن علم بأنها تنتظره هناك ...
طلبت منه "سماح" إبقاء "ورد" بالمستشفى لفتره حتى تستطيع إكمال جلسات العلاج النفسى ....
توجه بعد ذلك نحو المنزل للإطمئنان على الصغير "محمد" و إنهاء هذا اليوم الطويل ....
شقه يوسف ....
تأخر "يوسف" كثيراً عن موعده لتهتف به والدته حين عودته بقلق ...
ام يوسف: إتأخرت ليه كده النهارده يا "يوسف" ...؟؟
ألقى "يوسف" بجسده بإنهاك مردفاً ...
يوسف : الشغل النهارده كان كتير بصوره متعبه ... بقالى أسبوع مرحتش بقى ...
ام يوسف: ربنا يقويك يا حبيبى ....
إعتدلت "دعاء" بجلستها وهى تدعى التأثر قائله ..
دعاء: مبقناش نشوفك خالص .. بتوحشنا ... بتوحشنا أوى والله ..
إرسمت إبتسامه عريضه على محيا "يوسف" وهو ينظر تجاه "دعاء" بنظرة تفحصيه غير مصدقه لهذا التأثر المزيف ...
يوسف: أيوه ... أنا عارف الدخله دى وراها حاجه ... أؤمرى ..
توسطت "دعاء" خصرها بكفيها بإستنكار ...
دعاء: يا سلام ... ليه يعنى .. مينفعش أقولك كده من نفسى يعنى ... مش أخويا وبتوحشنى ....
يوسف: والله ...!!
أدركت "دعاء" أنه قد كشفها تماماً لترتبك بحديثها ...
دعاء : يعنى ....!! أصل ....!!!!
يوسف بإبتسامه : قولى قولى .. هاااا ...
دعاء: عايزة أطلع رحله ...؟؟ بالله عليك متقولش لأ ... إله ربنا ينولك إللى فى بالك ...
يوسف: أنتى حتشحتى ... أنتى عارفه مش بحب موضوع الرحلات ده ...
دعاء بطفوليه وهى تتصنع البكاء تحاول ترجى "يوسف" أن يوافق ولو لمرة واحدة ...
دعاء : بلييييز .... إله يا رب تحج ....
يوسف بضحكه اظهرت بياض أسنانه الناصع ....
يوسف: بحب أشوفك وأنتى بتعملى كده .....
دعاء: ليه ....؟؟؟
يوسف: عشان بتبقى شبه المجانين ....
وقفت "دعاء" بتذمر من تهكم "يوسف" قائله بسخط ...
دعاء : بقى كده ... طب وربنا منا قايلالك على العروسه ...
ضيق "يوسف" بين حاجبيه بإستراب متسائلاً...
يوسف : عروسه ...!!! عروسه إيه ... ؟؟
ام يوسف: لا أبداً يا إبنى ... هى كده مسحوبه من لسانها على طول ...
دعاء: بقى كده ... طب أنا داخله أنام ... ويكون فى علمكم .... أنا حموتكم كلكم ... وححطلكم المسدس فى الشوربه ... هاه ...
دلت "دعاء" إلى غرفتها متصنعه الغضب فهى بالفعل تود الذهاب لهذه الرحله فلقد تعبت كثيراً من تصنع هذه البهجه وهى تشعر بوحدتها دائماً ومسؤليتها التى حملتها مع أخيها منذ صغرهم بالإهتمام بوالدتهم المريضه ...
ضحك كلا من "يوسف" ووالدته ....
يوسف : مجنونه ...
ام يوسف: ربنا يهديها ...
يوسف: إيه حكايه العروسه دى .. هى "دعاء" جاى لها عريس ولا إيه ...؟؟؟
ام يوسف: لا أبداً ... دى عروسه عشانك إنت ... نفسنا نفرح بيك بقى ...
يوسف: تفرحوا بيا ولا تخلصوا منى ...؟؟ بصى يا ماما أنا مش حتجوز إلا لما أطمن على "دعاء" الأول ...
ام يوسف: ومالها "دعاء" ؟!!!!! ... ماهى برضه حتبقى تحت رعايتك وعينك ...
يوسف: مينفعش يا ماما .. دى أمانه فى رقبتى ....
ام يوسف: بس آن الأوان أفرح بيك وبعيالك بقى ... وبعدين العروسه دى كويسه أوى ...
يوسف: إنتوا كمان إخترتوا العروسه ...
ام يوسف: دى بنت جارتنا .. "علا" بنت "سهير" ناظره المدرسه ...
يوسف: خلى موضوع الجواز ده شويه كده يا ماما .. مش بفكر خالص فى الموضوع ده دلوقتى ...
ام يوسف: طب فكر طيب ... دى بنت كويسه و محترمه ...
يوسف بملل: حاضر يا ماما ...
ترك "يوسف" والدته بعد تناول الطعام ليرتاح فى غرفته وينال قسطاً من النوم ليستطيع الإستيقاظ لصلاه الفجر فى المسجد كما إعتاد منذ صغره مع والده رحمه الله ...
رواية اشواك الورد الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
المستشفى ....
أخذت "ورد" تنتفض بإرتجاف شديد فى نومها وكأنها ترى كابوساً يطبق أنفاسها.
إستفاقت فجأه مفزوعه لتتأكد أنها مازالت بالمستشفى بعيداً عن "حسام".
وأن كل ما رأته ما كان إلا حُلماً لا أكثر.
تمتلكتها نوبه بكاء أخرى حتى أنهكت قواها وبدأت تلك النوبه تضمحل حتى هدأت نفسها قليلاً لكنها لم تكن قادره على إيقاف سيل الدموع الذى مازال ينهمر من زرقاوتيها المتورمتين.
تذكرت ذاك اليوم الذى جلست به برفقه والدها وهو يسألها بحماس عن رأيها بزواجها من "حسام" فصغيرته عروس الآن.
"أبو محمد": ها يا "ورد" إيه رأيك ...؟؟
"ورد": بس أنا مشفتش "حسام" ده خالص يا بابا ....
"أبو محمد": والله يا بنتى شكله راجل محترم .. هو عايش فى أستراليا بقاله كتير وعامل شغل كويس ليه مركزة زى ما أم "حسام" بتقول ...
"ورد": إللى تشوفه يا بابا ... أنا بثق فى رأيك دايماً ....
"أبو محمد": على خيرة الله .. هو كمان جهز هنا شقه وحينزل أجازة نعمل الفرح وتسافروا سوا ...
"ورد": إن شاء الله ...
عادت "ورد" إلى الواقع لترى نتيجه تسرعها بقرار الزواج دون أن تعرفه أو تعرف عنه شيئاً فقط لأنها تريد البُعد عن زوجه أبيها وظنت أن ولدها الذى كان رافضاً لزواج والدته من والدها أفضل من والدته ومن العيش معها تحت سقف واحد.
***
بيت عبد المقصود العالى .....
لم تمرر "ناهد" طلاق "حسام" و "ورد" بتلك السهولة بل ظلت تؤنب زوجها على تسرعه بحكمه على ولدها و الإشتراط عليه بطلاقهما فقد حاولت "ناهد" لشهور طويله التمهيد وإقناع زوجها بقبول هذا الزواج الذى لا مثيل له.
"ام حسام": مبسوط إنت دلوقتى يا أبو "محمد" ... يعنى كده تفرق ما بينهم عشان غلطه صغيره ...؟؟
لم يكترث "عبد المقصود" لثرثرتها التى ظلت لساعات وأجابها بهدوئه الشديد ولا مبالاه أثارت حنقها للغايه.
"أبو محمد": من جهه مبسوط أنا مبسوط جداً .. وأنتى عارفه ومتأكده إنها مش غلطه صغيره .. ونقفل بقى كلام فى الموضوع ده عشان ميحصلش بينا مشاكل أكتر من كده ...
إبتلعت "ناهد" لسانها بغيظ فلن تسمح لنفسها بخسارة كل شئ ولن تتسبب بأزمه تقع بينها وبين "عبد المقصود" الآن لتلتزم الصمت بغيظ شديد وهى تردف مجبرة.
"ام حسام": حاضر يا أبو محمد ... حاضر ... حتعمل إيه فى المحضر ...؟؟
"أبو محمد": بكره الصبح وأنا رايح المستشفى لـ"ورد" حعدى على القسم و أتنازل عنه .. وأبقى أنا كده وفيت بوعدى ..
إتجه نحو غرفته تاركاً إياها تحترق من بركان غضبها المستعر بداخلها فقد أتت الدنيا بعكس ما كانت تريده وتدبر له على الإطلاق.
دارت حول نفسها عدة مرات تريد التنفيس عن هذا الغضب لتتصل بولدها تخبره بما حدث بينها وبين "عبد المقصود" منذ قليل.
"حسام": أيوة يا ماما ... إيه الأخبار ...؟!!
ألقت "ناهد" نظرة بإتجاه غرفتهما أولاً لتطمئن أن "عبد المقصود" لا يستمع إليها ثم أجابت بخفوت شديد.
"ام حسام": أيوه يا "حسام" ... خلاص إطمن .. بكره حيروح ويتنازل ...
"حسام": متأكده يا ماما ...؟؟
"ام حسام": لا متقلقش .. الراجل ده مبيكدبش ... حيروح متخافش ... بس بقولك إيه إنت لازم تصلح إللى إنت عملته ده ...
بحيرة شديده وضيق تملك نفسه أجابها.
"حسام": إزاى بس ...؟؟
"ام حسام": مش عارفه ... عموماً كام يوم بس تطلع "ورد" من المستشفى وأكون لقيت حل .. مش لازم نخسر كل حاجه دى لوحدها معاها فلوس على قلبها قد كدة ... ده غير نصيبها فى ورثها من أبوها ده ... يعنى حاجه متتسابش ...
لمعت عيناه ببريق طامع وقد عادت وتيره الهدوء لنفسه مستمتعاً بما سيصل إليه إذا إستطاع إصلاح ما أفسده مع "ورد" ليجيبها بإيجاب شديد.
"حسام": و أنا معاكى ..
"ام حسام": خلاص يبقى إتفقا .. يومين تلاته كده ونشوف حنعمل إيه ... يلا سلام بقى دلوقتى أحسن حد يسمعنا ...
أنهت مكالمتها لتدلف إلى داخل غرفتها بعد أن إرتسمت إبتسامه مزيفه على محياها تشعره بها أن هذه المشكله لم تغير بينهم شئ ، فهى لا تريد خسارة كل شئ ....
***
اليوم التالى ....
أقبل "يوسف" من صلاه الفجر كعادته ليقابل "دعاء" التى تنتظره منذ خروجه من المسجد محضره له طعام الإفطار على الطاوله.
نظر نحوها "يوسف" بإستراب شديد فليس من عادتها أن تستيقظ مبكراً إلى هذا الحد ، وما زاد تعجبه هو نشاطها الزائد وتحضير الفطور وإنتظاره بتلك الإبتسامه العريضه ليدرك بفطنته أن هناك شئ ما خلف كل هذا الإهتمام.
"يوسف": هو إيه الرضا ده على الصبح ...؟؟
"دعاء": والله لو عملتلكم إيه مش عاجب برضه ...!!!
"يوسف": لا يا ستى .. أنتى كلك بركه ... بس هو الأكل ده كله لله فى لله كده ...؟؟
لم تجد بُد سوى أن تخبره بما تريده صراحة فلا داعى للإلتفاف حول الأمر كثيراً.
"دعاء": أصل .... اااا ... بص بقى ... من غير لف ولا دوران .. نفسى أروح رحله إسكندريه دى .. ميرضكش يبقى كل علاقتى بيها صور من النت والتليفزيون وعمرى ما شفتها ...!!!
"يوسف" بجديه: طب وماما يا "دعاء" ... حتسيبيها كده طول اليوم لوحدها ... ما إنتى عارفه هى مش بتقدر تقف على رجليها من التعب ....
رغم شقاوتها ومعارضتها الدائمه له بمزاح إلا أنها لا ترفض له أمر ولابد أن تنصاع لرأيه حتى لو كان ذلك ضد رغبتها.
نكست عيناها بتعاسه وتملل وهى تردف بإنصياع وهدوء.
"دعاء": حاضر يا "يوسف" .. إللى تشوفه ....
لم يتعامل معها يوماً كأخ أكبر بل كان يشعر أنها إبنته ليمسك بمرفقها بحنو ليطيب خاطرها بوعد حقيقى.
"يوسف": معلش .. و أوعدك حعوضك بخروجه حلوة قريب ...
إبتسمت "دعاء" بحزن فقد كانت بالفعل تود الذهاب لهذه الرحله مع أصدقائها بالجامعه لكنها لن ترد له أمر وحاولت تغيير مجرى حديثهم قائله بهدوء.
"دعاء": طب أفطر بقى قبل ما الأكل يبرد وأنا حـ....
قاطع حديثهم حين أتت والدتهم تتكئ إلى عصاها ببطء.
"ام يوسف": خليها تروح يا "يوسف" ... وأنا متخفش عليا حنرتب أنا وهى كل حاجه قبل ما تروح وهو يوم واحد وحترجع فى نفس اليوم ... متحرمهاش عشانى ...
تهللت أسارير "دعاء" من الفرحه وهى تقفز بطفوليه نحو والدتها لتعانق والدتها بإنفعال وفرحه شديده قائله.
"دعاء": حبيبتى حبيبتى يا ست الكل ... ربنا يخليكى لينا يا رب .. إلهى تحجى وتفرحى بيا ...
ضحكت أم "يوسف" لرد فعل "دعاء" خفيف الظل ، بينما شعر "يوسف" بالقلق تجاه والدته فكيف يتركاها إثنيهما طوال اليوم بدون رعايتهما لها وهى لا تستطيع التحرك بهذا الشكل.
"يوسف" بقلق: بس يا ماما ... أنتى متقدريش ... تـ...
"ام يوسف": متقلقش ...حنرتبها إحنا مع بعض .. متخفش بقى ...
"يوسف": خلاص إللى تشوفوه ... حفطر أنا بقى وألحق أروح الشغل عشان متأخرش ...
***
المستشفى ...
"سأزيل الشوك من طريق الورد ، سأحمى غاليتى الناعمه من تلك الأيادي الخشنه وذلك هو أول طريقى ، أن تنتهى تلك الزيجه وتتحرر "ورد" من ذلك الخطأ ."
مر "عبد المقصود" أولاً بقسم الشرطه للتنازل عن المحضر الذى قدمه بالمستشفى ضد "حسام" بعد أن أمسك وثيقه طلاق "ورد" الرسميه بيديه.
ثم إتجه بعد ذلك إلى المستشفى ليلقى نظره على غاليته المسكينه.
فتح باب غرفتها ليجدها نائمه بسكينه ، كم يتألم قلبه لما أصابها ، تلك الفتاه التى لم تعنف يوماً أصبحت هشه محطمه بسبب هذا المتجبر الوحشى.
ضم "عبد المقصود" شفاهه بتحسر ثم توجه لمكتب "سماح" ليطمئن عن علاجها النفسى.
"أبو محمد": صباح الخير يا دكتوره ..
"سماح": صباح الخير يا أبو محمد ...
"أبو محمد": أخبار "ورد" إيه النهارده أنا عديت عليها لقيتها نايمه ....
"سماح": إحنا بدأنا معاها العلاج النفسى بجلسه بسيطه كده والحمد لله كانت كويسه جداً ... بس إمبارح بالليل تعبت بكوابيس فإضطرينا نديها حبايه منومه كعلاج مؤقت عشان تستغرق فى النوم شويه بس برضه زى ما قلت لحضرتك خليها فى المستشفى على الأقل إسبوعين تاخد جلسات مكثفه للعلاج النفسى .. وبعدين تخرج ونبقى نكمل باقى الجلسات بجدول محدد ..
"أبو محمد": أه طبعاً .. إللى فيه مصلحه "ورد" حعمله على طول .. أنا حتى خليت "حسام" يطلقها عشان متحسش إنها فى ضغط ...
"سماح": إللى عرفته إن جوازها من "حسام" كان فجأه وملحقتش تتعرف بيه صح ...؟؟
"أبو محمد": أيوه مظبوط ...
أومأت "سماح" رأسها بتفهم فيبدو أن والد "ورد" إتخذ خطوة سليمه تماماً فى علاجها النفسى لتشيد بهذا التصرف المصيب.
"سماح": كويس أوى ... أظن إن موضوع الطلاق ده حيريحها كتير جداً ... وحيساعد فى علاجها النفسى بصورة كبيرة ...
"أبو محمد": أنا قلت كده برضه .. وجاى مخصوص أبلغها بالخبر ده ...
"سماح": تمام .. ممكن حضرتك تبلغها أول ما تفوق وأنا إن شاء الله معادى معاها بعد الضهر عشان جلسه النهارده ...
بحفاوة شديد شكر "عبد المقصود" مجهود "سماح" مع ابنته فيبدو أن جروح "ورد" النفسيه عميقه للغايه وستسبب لها ضرراً بالغاً ووجود "سماح" معها ربما يجعلها تتخطى تلك الأزمة وتعود كسابق عهدها.
"أبو محمد": شكرا لحضرتك يا دكتوره على إللى بتعمليه مع "ورد" ...
"سماح": بعيداً عن الطب أنا فعلاً حبيتها و إرتحت لها زى ما تكون أختى الصغيره ..
"أبو محمد": ربنا يجعله فى ميزان حسناتك يا رب ... حروح انا اطمن عليها يمكن تكون صحيت ...
***
غرفه ورد ...
بدأت تستفق من نومتها المتعبه طوال الليل لتجد والدها يجلس إلى جوارها فى حنان منتظر إستيقاظها ليبتسم لها بمحبه.
كم شعرت بالهدوء والراحه عند رؤيته ، وجوده فقط سنداً لها ولروحها ، عيناه المرهقتان مصابيح تضئ طريقها الممتلئ بالأشواك لكن يكفيها وجوده لتشعر بالطمأنينه والأمان.
دنا "عبد المقصود" من جبهتها ليطبع قبله حانيه إهتز لها قلبها المتألم أغمضت عينيها تلتمس من حنانه قوة لتكمل دربها فعلاجه بقربها يسكن ألامها و يتغلغل بها بصورة أقوى من أى علاج بالأدوية والمسكنات التى تتناولها.
"أبو محمد": عامله إيه النهارده حبيبتى ..؟؟
أجابته "ورد" رغم إعيائها الشديد.
"ورد": الحمد لله يا بابا ...
إبتسم "عبد المقصود" إبتسامه حزينه على حال إبنته ثم أردف يزف لها خبر طلاقها فربما يسعدها ما فعل.
"أبو محمد": عندى ليكى خبر حيفرحك أوى ....
"ورد": خير إن شاء الله ...
"أبو محمد": "حسام" طلقك .. وورقه الطلاق أهى ...
تعمقت نحوه بنظرة ثابته وتهدجت أنفاسها بغير تصديق لتضئ عينيها ببريق حياة مرة أخرى.
لم تصدق "ورد" نفسها ، لم تظن أنها حين تستمع إلى خبر طلاقها ستكون بمثل تلك السعاده.
ترقرقت دمعه بزرقاوتيها لكنها دموع مختلفة تماماً فقد كانت دموع من شدة فرحتها بخلاصها من هذا الشخص المنفر المتوحش.
نعم لم تعرفه جيداً لكنها فى ليله واحده رأت فيه كل الصفات التى تكرهها على الإطلاق.
شعر "عبد المقصود" بالسعادة لرؤيه إبتسامتها تعلو شفتيها المجروحه ، شعر بأنه أعاد إلي صغيرته الحياة مرة أخرى.
أخذ يتحدث معها بموضوعات عده محاولاً إخراجها من حاله الحزن والإنكسار التى أصابتها فى تلك الليله اللعينه.
إإنتهى الوقت سريعاً وإنتهت زيارته لها وأخبرها أنها ستبقى بالمستشفى أسبوعين آخرين حتى تسترد عافيتها ثم يعودان بعد ذلك إلى بيتهما مره أخرى.
إرتاحت "ورد" لخبر بقاءها بالمستشفى فهى لا تود مقابله زوجه والدها فى هذا الوقت أبداً.
فهى تفضل الإبتعاد عنها قدر الإمكان فالطالما لم ترتاح لها لكنها كانت رغبه والدها للزواج من هذه السيده ولم تعارضه "ورد" فربما تسعده هذه المرأه.
***
فرنسا ....
مكتب لامار .....
دلفت "لامار" إلى مكتبها الجديد ترتدى تنورة سوداء أنيقه وكنزه حريريه بيضاء برباط من العنق مميز للغايه أكسبها رقى وعمليه شديدين.
ألقت تحيه الصباح على مساعدتها الجديده "ليزا" بفرنسيه طليقه.
"لامار": صباح الخير "ليزا" ...
"ليزا": صباح الخير مادموازيل(آنسه) "لامار" ....
"لامار": هل هناك أى ميعاد اليوم ...؟؟
"ليزا": نعم .. هناك موعد واحد فقط ...
"لامار": حسناً .... فعندى اليوم موعد على الغذاء ولا أريد أن أتأخر ...
"ليزا": حسناً ....
دلفت "لامار" إلى داخل غرفه مكتبها الخاصه لتنهى بعض الأوراق قبل إنصرافها لموعد الغذاء الذى ترتبط به.
بعد قليل دلفت "ليزا" لمكتب "لامار" لتخبرها بوصول صاحب الموعد الذى أخبرتها بخصوصه.
"ليزا": مادموازيل (آنسه) "لامار" ...مسيو (أستاذ) "آدم" وصل هل أدخله إليكِ ....؟؟
"لامار": حسناً ....
دلف إلى داخل مكتبها شاب متوسط الطول أبيض البشرة ذو أنف مدبب وعينان بنيتان وشعر يماثلهما تماماً.
تقدم بعمليه نحو مكتب "لامار" يمد يده مصافحاً إياها قائلاً بفرنسيه تتمتع بلكنه غريبه نوعاً أرجعت "لامار" ذلك ربما لنشأته بضيعه ما بعيداً عن باريس.
"آدم": صباح الخير مادموازيل(آنسه) ... أنا "آدم" من شركه (النجوم الزرقاء) للعطور ...
إستكملت "لامار" حديثها معه بالفرنسيه مشيرة له بالجلوس أولاً.
"لامار": أهلاً .. تفضل بالجلوس ...
"آدم": يسعدنا أننا نتعامل سوياً مع شركتكم للتسويق والتصدير .. فلقد سمعنا عن علاقاتكم الرائعه التى سوف تساعد شركتنا فى تسويق العطور ...
"لامار": تأكد أنكم لن تندموا بالتعامل معنا مسيو (أستاذ) "آدم" ....
"آدم": معى بعض الكتالوجات لعرضها عليك ..
فتح "آدم" حقيبته ليخرج الكتالوجات التى تبرز منتجاتهم من العطور حين وجد أوراقاً فقط ولم يجد الكتالوجات فعلى ما يبدو أنه قد نسي وضعهم بالحقيبه معه قبل خروجه من الشركه.
تمتم "آدم" بلهجه مصريه دون وعى منه ظناً أن "لامار" فرنسيه لا تدرك اللغه العربيه.
"آدم": يا نهار إسود على دماغى ... أقولها إيه دى دلوقتى ...؟؟
قهقهت "لامار" بضحك هستيرى بصوت عالٍ للغايه ثم أردفت بلهجتها المصريه الخالصه.
"لامار": بالراحه كده على نفسك ... إنت مصرى ...؟؟؟ مش تقول يا راجل ...!!!
إندهش "آدم" للغايه بل صدم من نطقها بالعاميه المصريه ليهتف بأعين متسعه.
"آدم": إنتى مصريه ....؟؟!!!
أجابته "لامار" بفخر وإعتزاز شديدين.
"لامار": مصريه بنت مصريه ... بنت مصرى ...
"آدم": غريبه ... كنت فاكر إنك فرنسيه .... و إيه إللى جابك فرنسا ....؟؟
"لامار": أنا عايشه هنا بقالى أكتر من 20 سنه ... والدى الدبلوماسى المعروف "نشأت يحيي" سفير فى السفاره المصريه هنا ...
"آدم": أنا إتشرفت بيكى جداً والله ..
هدأت "لامار" من ضحكتها لتكتفى بإبتسامه خفيفه وهى تردف بلطافه.
"لامار": نكمل بالمصرى أسهل بقى ..
أجابها "آدم" ممازحاً إياها.
"آدم": يبقى كتر خيرك والله ...
"لامار": أنا من حبى لمصر عندى إستعداد أنى أعمل شغل مع كل المصريين هنا .. وإن شاء الله حتنبسط أوى من الشغل معانا ..
"آدم": ده شئ أنا متأكد منه .. أينعم إنتوا لسه شركه جديده بس سمعت عن شبكه العلاقات إللى عند حضرتك .. ودى حاجه تخلينى متفائل جداً بالتعاون معاكى ...
"لامار": أكيد إن شاء الله ... أنا كمان حنزل مصر قريب أعمل شغل هناك مع شركه جديده ...
"آدم": أكيد حيبقى شغل ممتاز ... وعموماً أنا سعيد جداً بمعرفتك وسعيد جداً بالشغل معاكى وإن شاء الله بكره حجيب لك الكتالوجات عشان نتفق على طريقه الشغل والتسويق إللى حضرتك تشوفيها مناسبه ....
"لامار": تمام ...
***
المستشفى ....
لجلسه أخرى جمعت بين "سماح" و"ورد" وإستماع بإهتمام لكل ما تتفوه به "ورد" عقبت عنه "سماح" بسؤال متحير.
"سماح": وأنتى إنبسطتى من خبر الطلاق ده ...؟؟
هنا وبدون أدنى تفكير أجابتها "ورد" إجابه قاطعه لم تتردد بها للحظه واحده.
"ورد": أكيد ... ده يمكن أكتر خبر فرحنى فعلاً .. أنى حبعد عن الشخص ده ومش حشوفه تانى .. أنا مش عايزة أشوفه تانى ابدااااااااا ...
كانت كل كلمه تخرج من فم "ورد" يحمل آسى وحزن شديد ، دون إدراك ما مرت به تستطيع رؤيه تحطمها وألمها فحاولت "سماح" وضع بعض التفاؤل بالمستقبل أمام أعين تلك المحبطه المنكسره.
"سماح": بكره إن شاء الله تتجوزى وتفرحى مع الأحسن منه ....
مجرد ذكر فكرة الزواج أمامها وجدت نفسها تلقائياً تتذكر ليله زفافها ، تلك الليله التى كانت بالعمر كله ، ليله لن تنسى مطلقاً لتهتف بفزع رافضه برفض مطلق لإعادة ليله مثل تلك بحياتها مرة أخرى.
"ورد": لأ ... لأ طبعاً ... إستحاله .... إنتى بتقولى إيه ..!!!!! ولا عمرى حكرر التجربه البشعه دى تانى ...
ثم أضافت بنبره متألمه موجعه.
"ورد": أنا !!! ... أنا أتجوز تانى .. وأعيش المأساه دى تانى ... لا .... لا طبعاً ...
"سماح": بس مش كل الناس زى "حسام" ... مش كل الناس وحشه كده ... مش معنى إنك مريتى بتجربه سيئه مع شخصيه زى دة .. إن إنتى تحكمى على كل الناس بنفس المنطق ...
علت عينا "ورد" نظرات يائسه للغايه وهى تردف بصوت مرتجف.
"ورد": أنا خلاص معنديش القدرة أنى أتعامل مع إللى زيه ...ولا مع غيره ... أنا جوايا وجع وشرخ فى قلبى كبير ... مقدرش حتى أحاول ... مقدرش أعيد التجربه دى تانى ...
شعرت "سماح" بأنها تضغط على "ورد" الآن بفكره تجربه جديده فتوقفت تماماً عن الحديث معها بتلك النقطه. و بدأت تتحدث معها عن مواضيع أخرى حتى تستعيد "ورد" هدوئها قليلاً.
بعد وقت قليل مستكملات حديثهن.
"سماح": تفتكرى عشان والدك ترمى نفسك مع واحد متعرفيهوش بالشكل ده ...؟؟
"ورد": أنا مقتنعه إن بابا مكنش عايز غير مصلحتى بس "حسام" هو إللى طلع .... وحش ميتعاشرش ... عايش فى الحرام ...
بكت "ورد" مره أخرى لتذكرها هذه الليله المشؤمه فمازال لا يسيطر على تفكيرها سوى تلك الليله وما حدث بها ، تلك الليله التى تظن انها لن تنساها أبداً.
فكلما تحدثن بأى موضوع تعود أدراجها وتفكيرها لتتحدث عما حدث فى هذه الليله وكأنها لن تنتهى ولن تخرج منها مرة أخرى ستبقى بقيه حياتها حبيسه تلك الليله فقط.
"ورد": مكنتش عايزاه يقرب منى غصب عنى .. كنت خايفه منه .. بس هو كان أقوى منى ... ضربنى ووجعنى ... حاول إنه ... يعنى ...
"سماح": حاول إيه ... إللى أعرفه إنه يعتبر مقربش منك ... وإنك لسه عذراء زى ما إنتى ...!!
بحياء شديد إكتسى وجه "ورد" بحمرة غير طبيعيه وهى تحاول إيصال فكرة ما حدث لـ"سماح" دون التلفظ بالمعنى الحرفي لما حدث بينهما.
"ورد": هو ... يعنى ... من الخمره إللى بيشربها بقى عاجز ... لكن الإحساس نفسه أنه يقرب منى كده غصب عنى ... كنت حاسه أنى بموت ... إتمنيت فعلاً وقتها أنى أموت ... بس الحمد لله ربنا أنقذنى منه ...
رفعت "سماح" رأسها بتفاؤل لتتمسك بالعبارة الأخيرة التى تلفظت بها "ورد".
"سماح": أيوه كده هى تجربه صعبه لكن لازم نبص للحاجات الكويسه إللى فيها .. إن أنتى لحد دلوقتى زى ما إنتى ... وربنا أنقذك من بين إيديه ... وكمان إتطلقتى منه ... إعتبريه تجربه سيئه وخلصت خلاص ...
"ورد": خلصت ...؟؟!! خلصت بعد ما خلصت على كل حاجه حلوة جوايا ... إحساس بتتمناه أى بنت فى ليله فرحها ... عمرى ما حفكر أنى أعيد الإحساس ده تانى .. مش عايزة .... مش عايزة أتجوز تانى ابدااا ...
"سماح": "حسام" ملقاش أى حاجه تانيه يدافع بيها عن عجزة ده إلا إنه يضربك وده دليل قوى على ضعفه لكن إنتى قويه ... مش لازم تستسلمى للضعف إللى جواكى ده وتحاولى تكونى أقوى وأقوى متبقيش صيد سهل للحزن واليأس ... عموماً كده كويس أوى النهارده وبكرة إن شاء الله حجيلك تانى نتكلم سوا ....
رواية اشواك الورد الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
كاد اليوم أن ينقضي ولم يتحرك "عبد المقصود" بعيداً عن غاليته، وكيف ذلك وهي سبب حياته وفرحته، تلك الفرحة التي أُهدرت غدراً.
بعد أن اطمأن على حال "ورد" لهذا اليوم، متجاهلاً ألم رأسه الذي اشتد به منذ الصباح، وقف أمام إحدى الصيدليات بطريق عودته ليبتاع بعض الأقراص المسكنة للآلام. فيبدو أن ضغط الدم لديه غير مستقر، وبالتأكيد سبب ذلك لا يتعدى قلقه على غاليته، فإحساسه بالذنب يكاد يقتله، فهو متيقن أن ما حل بـ"ورد" نتيجة اختياره هو الخاطئ.
تناول أحد الأقراص المسكنة على الفور أثناء اتخاذه طريقه نحو المنزل.
ظل يفكر في حال ابنته وما وصلت إليه، خاصة بعد طلاقها بيوم واحد من "حسام"، ليحدث نفسه بحيرة.
"أكيد أنا ما اتسرعتش في طلاقها... ما كانش ينفع أخليها تكمل مع إنسان همجي بالشكل ده... بس هي برضه اتظلمت معايا في موضوع طلاقها ده غير كلام الناس عليها... أستغفر الله العظيم... دبرني يا رحيم."
مر الوقت سريعا دون أن يشعر "عبد المقصود" بذلك لثقل همومه وكثرة تفكيره في مستقبل ابنته الذي أصبح ضبابياً بالنسبة له، فكيف ستتعامل مع الناس، فهم ألسنتهم لا ترحم.
اقترب موعد صلاة الفجر، فبدلاً من أن يتوجه إلى البيت، قرر الذهاب للمسجد لتستكين روحه قليلاً ويصلي ويصفّي ذهنه بذكر الله كما اعتاد دوماً.
***
في المسجد.
بصفاء نفس شديد جلس "عبد المقصود" بهذا المكان الوحيد الذي يطهر قلبه من كل شوائبه وهمومه، ليتلك الراحة تعم حياته بأكملها.
زفر بقوة وذهن شارد بتلك المسكينة التي أصبحت ملقاة بالمستشفى بين ليلة وضحاها، لم يجد سوى الاستغفار سبيلاً ليتمتم به بسكون، منتظراً حلول وقت صلاة الفجر.
لم ينتبه "عبد المقصود" لصوت "يوسف" من خلفه وهو يلقي عليه التحية بصوت شجي.
جلس "يوسف" إلى جوار "عبد المقصود" وهو يعيد على مسامعه بصوت أعلى لينتبه له "عبد المقصود".
"السلام عليكم... إزيك يا أبو محمد؟"
"يوسف!!!... وعليكم السلام ورحمة الله... معلش يا ابني ما أخدتش بالي."
ابتسم "يوسف" ابتسامة خفيفة تجاه "عبد المقصود" وهو يردف بود بالغ، فهذا الرجل يقف مقام والده محبة واحتراماً.
"ولا يهمك... مالك يا أبو محمد؟ شكلك متضايق!!! أنا قلقت عليك بقالك يومين مجتش المسجد ودي مش عادتك بصراحة... خير إن شاء الله؟"
نكس "عبد المقصود" عيناه بأسى وهو يردف بنبرة منكسرة للغاية.
"الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه."
كلماته لم تكن مطمئنة بالمرة، ليعتدل "يوسف" بمقابلة "عبد المقصود" متسائلاً بقلق واهتمام شديد.
"مكروه...!! خير يا أبو محمد... طمني أنت بخير؟!"
أجابه "عبد المقصود" بغموض أكبر لم يستطع به "يوسف" فهم أي شيء.
"أنا كويس الحمد لله بس بنتي...!!!!!!! الحمد لله على كل حال."
ضغط "يوسف" على عيناه قليلاً محاولاً فهم عما يتحدث "عبد المقصود"، ليردف مستفهماً.
"بنتك مين...؟ العروسة...؟!"
بابتسامة ساخرة جانبية أجاب "عبد المقصود" بحزن عميق.
"أيوه العروسة...!! قال عروسة قال!!!!... اطلقت خلاص...!!!"
اتسعت عينا "يوسف" بصدمة شديدة، فهي لم يمر على زواجها يومان فقط، كيف تطلقت؟ كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟
"اطلقت.....!!!!! معقول ده.... ؟!! دي فرحها كان من يومين...؟!"
لم يشأ "عبد المقصود" أن يزيدها ألماً على نفسه باسترجاع تفاصيل ما حدث، ليجيب بغموض أكبر.
"مش عارف يا ابني... هو قدرها كده.... الأمر لله من قبل ومن بعد."
دارت أسئلة عديدة برأس "يوسف" حول سبب طلاقها بعد زفافها مباشرة، وقبل أن يتفوه بكلمة سمع المنادي ينادى بإقامة الصلاة.
فنحى أفكاره جانباً واعتدل بالصف إلى جوار "عبد المقصود" ليصلي الفجر.
التزم بعدها "عبد المقصود" بالصمت التام، فقد شعر بالإنهاك الشديد، ليتجه بعد الصلاة مباشرة إلى المنزل، فلا طاقة له بالحديث الآن، خاصة وقد اشتد به ألم رأسه وتملك الصداع منه بشدة، وشعر برغبة قوية بالراحة والنوم، فاستأذن من "يوسف" تاركاً إياه بعد خروجه من المسجد مباشرة.
***
يوسف.
اتخذ طريق عودته بشرود تام، متفكراً بحال هذا الرجل الطيب، متألماً لرؤيته بهذا الحزن والانكسار تأثراً بطلاق ابنته، ليتساءل بغرابة عن سبب ذلك.
"بنت زي دي يا ترى تتطلق ليه بعد فرحها على طول كده؟!! ... معقول!!! ... يا ترى المشكلة فيها ولا في جوزها؟!! ... دول حتى مكملوش أسبوع!!! ... بس أبو محمد ونعم الناس والأخلاق معقول تبقى بنته...؟؟؟!!"
نهر "يوسف" نفسه بشدة على تفكيره بسوء بابنة هذا الرجل الطيب، ليحرك رأسه رافضاً، موبخاً نفسه على ظنه السيء.
"أستغفر الله العظيم... إيه اللي أنا بقوله ده!!!!!!!!!! ... أنا برضه أظن في الناس كده؟؟!!!! ... أنا بس الراجل الطيب ده صعبان عليا أوي إنه يتكسر بالشكل ده..."
وصل "يوسف" بتلك اللحظة إلى البيت الذي يقطن به، ليصعد درجات السلم وما زال ذهنه شارداً بـ"عبد المقصود" وطلاق ابنته، حين فوجئ بصوت أحد الأبواب يفتح فجأة إلى جواره وهو يعبر تلك الردهة المتوسطة لدرجات السلم.
صوت صرير الباب المفاجئ إلى جواره جعله ينتفض فزعاً قليلاً، فسكون البيت بهذا الوقت يضخم من الأصوات من حوله.
"بسم الله....!!!!"
توقف "يوسف" عن حركته للحظة وهو يرفع ببصره تجاه باب الشقة الذي فتح للتو، ناظراً لتلك الفتاة المطلة بملامحها الهادئة، تردف بصوتها الرخيم المميز.
"يوسف....!!! أنا آسفة والله خضيتك مكنش قصدي."
(علا) فتاة خمرية جذابة متوسطة الطول هادئة الملامح، لها أسلوب لبق للغاية بالحديث. يعمل والدها محاسباً بإحدى الدول العربية منذ فترة طويلة ووالدتها ناظرة المدرسة الإعدادية بالمنطقة. تعشق "يوسف" منذ زمن طويل لكنها لم تصرح له بذلك، فخجلها يمنعها دوماً، لكنها تنتظر فرصة حتى ينتبه لوجودها ليشعر بها وبعشقها المتيم له.
أجابها "يوسف" بعدما نكس عيناه أرضاً بتأدب بالغ.
"لا أبداً... أنا اللي كنت سرحان."
تمنت لو أن يرفع وجهه نحوها وتلاقيه بتلك النظرات العاشقة المتلهفة نحوه، لكنه دوماً بعيد عنها، يعاملها بتحفظ شديد وتأدب مبالغ فيه.
تساءلت "علا" باهتمام شديد.
"خير فيه حاجة؟"
"لا أبداً."
لن تترك تلك المقابلة تمر كغيرها، يجب أن تستطرد بالحديث معه، كم تعشق وجوده الذي لا يشعر بوجودها، لتهتف بنبرة ودودة للغاية لو أنه فقط يرفع بصره نحوها ليدرك وله عشقها المتيم بعيونها المسلطة نحوه.
"معلش فتحت الباب مرة واحدة أصلنا رايحين نجيب بابا من المطار."
"بجد... حمد الله على سلامته... بعد إذنك..."
أنهى بسرعة كعادته هذا اللقاء القصير، لتزم "علا" فمها بقوة وتحسر على ضياع فرصة جديدة لها معه، بينما صعد "يوسف" درجات السلم إلى شقتهم بالأعلى وسط متابعة "علا" له بعينيها حتى غاب عن نظرها تماماً.
سمعت صوت والدتها من خلفها قائلة باستراب.
"بتتكلمي مع مين يا علا...؟"
انتبهت "علا" لوالدتها من خلفها لتستدير على الفور وهي تغلق باب الشقة من خلفها.
"ده... ااا... ده "يوسف" جارنا يا ماما... تقريباً كان راجع من الصلاة."
"الشاب ده ما شاء الله عليه أدب وأخلاق والله هو وأخته."
بتذمر شديد وقفت "علا" تتعجب بضيق بالغ.
"أنا مش فاهمة..... يعني إحنا جيران بقالنا سنين أهو.... ليه مش بنزورهم ويزورونا ونود بعض كده...؟?"
"يا بنتي هما مقتصرين أوي خصوصاً بعد وفاة أبو يوسف ووالدته تعبانة طول الوقت برجليها... وأنا زي ما انتي شايفة الحمل عليا كبير من ساعة سفر أبوكي ده غير الشغل في المدرسة ومفيش وقت لا للروحة ولا الجاية... بس هما ونعم الناس بصراحة..."
ضيقت "علا" حاجبيها بترجّي.
"طيب ما نبقى نودهم ونزورهم كده...!!"
"إن شاء الله... يلا نادى أخوكي عشان نلحق نروح نجيب باباكي من المطار معاد الطيارة قرب...."
***
المستشفى.
استقبلت "سماح" يومها بالمستشفى بالمرور بـ"ورد" مريضتها وصديقتها الجديدة أولاً، والتي ما أن وجدتها مستيقظة أقبلت نحوها ببسمة خفيفة فوق ثغرها.
"صباح الخير يا ورد..."
"صباح الخير..."
تمعنت "سماح" أكثر بملامح "ورد" الهادئة نوعاً ما قائلة.
"لا أنتي النهارده أحسن كتير..."
أمالت "ورد" رقبتها بصعوبة بالغة وهي تردف ساخرة من رؤية "سماح" لها بالتحسن.
"تفتكري...؟!!!"
سحبت "سماح" المقعد إلى جانب "ورد" وهي تلومها بلطف لتحثها على تقبل الأمر بصورة أكثر تفاؤلاً.
"وبعدين يا ورد... مش لازم تبقي متشائمة كده!!! ... بقى فيه واحدة زي القمر كده تبقي زعلانة أوي للدرجة دي.....؟?"
بإيمان شديد وثقة بأرزاق الله المقسمة على عباده.
"كل واحد في الدنيا له نصيب زي التاني بالظبط ويمكن كان نصيبي في شكل بيعجب الناس... بس حظي......!!!"
"يا ورد مفيش حاجة بتيجي بالساهل كده، حتى الورد الجميل إللي زيك كده بيبقى حواليه شوك، لازم متخليش الشوك ده هو كل حياتك، بالعكس حوليه لحاجة إيجابية تدفعك للأحسن...."
لم تكن مطلقاً من تلك الشخصيات السلبية التي تلقي باللوم على كل ما يحيط بها، لم تكن متشائمة أو كئيبة قط، لكن ما أصابها بالفعل أثر عليها بصورة مخيفة.
"أنا بحاول والله بس مش عارفة أنسى... ده أنا كل ما أغمض عيني بشوف حسام قدامي.... مش عارفة أنام..."
"دي فترة مؤقتة بس ومع الوقت حتنسي وتحبي وتتحبي وحياتك حتتغير...."
عقبت "ورد" بلا اهتمام برأي "سماح" العجيب، وربما تحثها على ذلك دون دراية بالفعل بما تشعر به، فالمصاب مصابها هي فقط، هي من تألمت وتحطمت وليس غيرها.
"اللي انتي بتقوليه ده صعب أوي... يمكن كمان مستحيل..."
بفطنتها أدركت "سماح" مقصد "ورد" لتستكمل دفعها للأمام وتجاوز تلك المحنة.
"ليه مستحيل....؟؟ هما يعني اللي مروا بتجربة وحشة كانت هي بس اللي في حياتهم... ياما ناس عدوا بتجارب سيئة وقوتهم للأحسن..."
"ده كلام... مش على أرض الواقع..."
بذكاء شديد ألقت "سماح" تساؤل مفاجئ تاركة "ورد" تتمعن به.
"طيب لو أنتي شايفة إن كل الناس زي حسام... أمال باباكِ ده إيه...؟?"
"بابا ده مفيش منه في الدنيا أبداً... ولا فيه حنيته ولا طيبته وخوفه عليا...."
"هو كده بالظبط زي ما الدنيا فيها حسام فيها باباكِ... مش كل الناس زي بعض..."
تركت "سماح" "ورد" تتمعن بحديثها لبعض الوقت، فربما رغم عدم اقتناعها إلا أنها تعطيها الفرصة لرؤية نظرة بعيدة عن وضعها الحالي.
لكن "ورد" ظنت أنها ستظل حبيسة تلك التجربة الفاشلة طوال حياتها، لكن عليها أن تدرك أن الدنيا بها "حسام" وبها أيضاً والدها، هي لا تنكر ذلك.
***
فلتسقط الراحة أرضاً وينحى الجميع جانباً، فليس هناك أهم من وردتي اليانعة التي تحتاج اهتمامي ورعايتي.
فور استيقاظه بعد أن غفى بإنهاك شديد، اتجه "عبد المقصود" إلى المستشفى مباشرة، غير مبالٍ بغير غاليته.
طرق الباب بخفة وهو يطل بوجهه المتعب وابتسامته المحبة العطوفة.
"صباح الخير على أحلى ورده...."
ببسمة رقيقة فوق ثغرها المجروح أردفت "ورد" بنبرتها الحنونة الناعمة.
"بابا... صباح الخير..."
بتفاؤل شديد دنا "عبد المقصود" من ابنته معقباً.
"لا... ده إحنا بقينا بنبتسم كمان أهو..."
"ربنا يخليك ليا يا بابا...."
"أنا شايف إن أنتي بقيتي بتتحسني أهو الحمد لله..."
بامتنان بالغ أومأت "ورد" وهي تثني على مجهود "سماح" معها.
"والله يا بابا سماح دي إنسانة كويسة أوي... وبجد برتاح أوي لما بتكلم معاها... بس أنا زهقت أوي من النوم على السرير كده...."
"معلش هما بس كمان عشر أيام ونخرج من المستشفى على بيتك..."
تهدجت أنفاسها للحظات وهي تتساءل بتخوف واضح.
"بيتي...!!! اللي هو إيه يعني...؟?"
ملامحه المطمئنة أكسبتها راحة فورية حين تلفظ بعبارته موضحاً.
"بيتك... بيتنا يا ورد..."
"أيوه... أنا افتكرت إن لسه حسام.... يعني... ااا...!!"
"لا متخافيش أنا كمان هقول لـ أم حسام متخليهوش ييجي البيت نهائي وأنتي هناك..."
"حبيبي يا بابا... مش عارفة من غيرك كنت هعيش إزاي...."
"ربنا يفرح قلبك يا بنتي..."
شعر "عبد المقصود" بدوار مفاجئ واستند إلى طرف السرير المعدني، لتفجع "ورد" برؤية والدها بهذا الحال هاتفه بتخوف وفزع.
"بابا!!! .... مالك يا بابا...؟؟؟"
"مفيش يا بنتي... هأرتاح أهو..."
تلمس "عبد المقصود" المقعد بيده ليرتمي فوقه بتألم ظاهر على ملامحه الممتعضة، محاولاً إخفاء تألمه عن صغيرته، لكن رغماً عنه كان بادياً بوضوح إعيائه الشديد على تقاسيم وجهه الشاحب.
أمسك بكوب الماء الموضوع فوق المنضدة ليرتشف منه قبل أن يسند رأسه للجنب قليلاً متلمساً بعض الراحة.
رؤية هذا السند القوي يتراخى أمام عينيها جعلها تشعر بالخوف الشديد لتهتف بقلق عميق.
"بابا أنت تعبان؟؟!! ... فيه إيه؟؟!! ... إيه اللي حصل....؟؟"
"أبداً يا بنتي متقلقيش ده بس من تعب اليومين اللي فاتوا الضغط عالي شوية..."
قلبت "ورد" شفتيها بحزن طفولي وهي تعده بأنها ستتحسن فقط حتى لا يشعر بالتعب.
"طب خلاص متزعلش نفسك أنا هبقى كويسة ومتشيلش همي خالص بس أنت متتعبش...."
"ربنا يراضيكي يا بنتي أنا ميهمنيش في الدنيا غير سعادتك أنتي وأخوكي...."
مر وقت الزيارة كاملاً، ثم خرج "عبد المقصود" من المستشفى وهو ينظر لتلك الورقة المطوية التي كان يحملها بجيبه، تلك الورقة التي قد أعطاها له الطبيب والمسجل بها أسماء التحاليل المطلوبة والتي لم يتسن له أن يقوم بها لإنشغاله بـ"ورد".
"مبدهاش بقى أروح أعمل التحاليل والأشعة دي وأبقى أوريهم للدكتور لما تطلع النتيجة وأشوف سبب الصداع والدوخة دول إيه...."
اتجه "عبد المقصود" لقسم التحاليل للقيام بهذا الفحص وإجراء التحاليل والأشعة التي طلبت منه لينتظر نتيجتها بعد يومين.
***
شركة الأقصى.
أمسك "شريف" بورقة يتمعن بها قليلاً ثم تساءل مستفهماً من صديقه المنكب فوق مكتبه يدقق بأحد العقود الموكلة إليه.
"شفت الفاكس ده يا يوسف...؟؟"
"فاكس..!! لا مشفتهوش خير..؟؟"
"الشركة الإيطالية باعته لنا عايزة المواصفات بالتفصيل..."
"كويس أوي... يعني هانت أهو ونمضي العقود...."
نهض "شريف" بخفة من فوق مقعده متقدماً نحو مكتب "يوسف" قائلاً بعملية.
"أيوه يا يوسف بس الموضوع ده بالطريقة القديمة هياخد وقت كبير... معنى كده إننا لازم نحضر المواصفات ونراجعها عشان نمضي العقد..."
ضم "يوسف" ذقنه بإصبعيه متفكراً ثم أردف.
"مضبوط... والموضوع ده قدامه على الأقل أسبوعين..."
"يعني إحنا كده قدامنا حوالي أسبوعين نحضر العقود ونحدد معاد السفر على طول..."
"مش عارف!!!! ... موضوع السفر ده صعب أوي... هاسيب أمي وأختي لمين بس...؟؟"
بوجهه المازح أجابه "شريف" ببساطة فعليه ألا يعقد الأمور.
"متكبرهاش بقى... ده إحنا مش هنكمل أسبوع... متعملهاش مشكلة..."
"طيب سيبها على الله دلوقتي خلينا نخلص بس اللي المفروض نعمله هنا..."
اعتدل "شريف" بوقفته وهو يغمز بإحدى عينيه قائلاً بغموض.
"طب إيه...؟؟"
تطلع به "يوسف" بعدم فهم لمقصده.
"إيه....؟؟ عايز إيه....؟؟"
"مش هناكل ولا إيه...؟؟"
فور إدراكه لمقصد صديقه هتف "يوسف" باندهاش.
"يا ساتر يا رب... أنت جوعت..."
"أوي..."
أغلق "يوسف" الملف الموضوع أمامه قائلاً بمزاح.
"يلا يا أخويا... أنا أخاف على نفسي لتاكلني..."
عقب "شريف" بمزاح مماثل وهو يتطلع نحو "يوسف" بتقزز.
"مش للدرجة دي!!! ... أنت مش النوع اللي بحبه..."
ضحك الصديقين من ثم توجها إلى المطعم المجاور لتناول الطعام في منتصف اليوم كعادتهم، ليعودا بعد ذلك إلى مقر الشركة ليكملوا عملهم حتى المساء.
***
في المساء.
شقة يوسف.
ألقى "يوسف" التحية على والدته وأخته وهو يتمعن بهما حين وجدهم يتهامسون كمن يخططون لشيء ما.
"مال شكلكم النهارده بتخططوا لحاجة..."
"ولا بنخطط ولا غيره... الرحلة بس يوم الخميس وكنت برتب مع ماما حنعمل إيه..."
تذكر "يوسف" الرحلة التي ستذهب بها "دعاء" برفقة أصدقائها قائلاً.
"ااااه... الرحلة... ماشي ماشي... المهم فيه غدا النهارده ولا إيه...؟?"
"يا سلام... أنت تؤمر... ادخل بس غير هدومك كده عقبال ما أحضر لك الغدا..."
"ده إيه الرضى ده كله.. ماشي يا ستي..."
نظرت "دعاء" إلى والدتها كمن تطلب منها التدخل وإخبار "يوسف" عن مرادها الحقيقي.
"لا هي بس مش عايزة تقولك إنها عايزة فلوس تجيب حاجات قبل الرحلة..."
"ااه... صح كده... خدي يا مستغلة... لما نشوف آخرتها..."
أخرج "يوسف" محفظته وأعطى "دعاء" بعض المال لتشتري ما يلزمها قبل الرحلة، فهو لن يتركها تحتاج لشيء مطلقاً دون أن يلبي لها.
رواية اشواك الورد الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
ظننا أن الوقت لن يمر من الألم، لكن ما أسرع مرور الأيام.
وظننا أن النسيان مستحيل، لكن الوقت للنسيان كفيل.
بعد مرور أسبوع كامل على تلك الليلة البشعة التي فرقت بين "ورد" و"حسام"، وصولاً لنهاية الأسبوع بعد أن مر الوقت بكل ما فيه من لحظاته المؤلمة، وبداية جديدة.
يوم الخميس.
تقابل "يوسف" مع "عبد المقصود" لصلاة الفجر كل ليلة، لكنه لم يجرؤ على سؤاله الذي شغل تفكيره كثيراً عن ابنته، خوفاً من تدخله فيما لا يعنيه، خاصة في مسألة شديدة الخصوصية مثل هذه. لكن لا ينكر أنها سببت عنده نوعاً من الفضول لمعرفة ما حدث، فقط للاطمئنان على هذا الرجل ذي الأفضال والطيبة.
وبتلك الليلة، خاصة بعدما انتهى من أداء فريضته واتخذ طريقه عائداً إلى منزله، ترتسم ابتسامة مداعبة على ثغره وهو يتابع أخته الصغرى "دعاء" وهي ترتب حقيبتها بعشوائية تماثل حياتها الفوضوية التي تعيش بها.
يوسف: ده إيه النشاط ده كله! يا ريت كل يوم رحلة عشان نشوف النشاط ده.
رفعت "دعاء" كفيها ملوحة براحتهما أمام مرأى "يوسف" وهي تردف بإسلوب مازح مرح للغاية.
دعاء: إيدي على كتفك. لو على الرحلات معاك من الفجر.
ألقى نظرة خاطفة على حقيبتها وهو يردف بنوع من الجدية.
يوسف: خلاص حضرتي كل حاجة؟
دعاء: كله تمام، متقلقش.
ليبدأ "يوسف" تعليماته وتنبيهاته المشددة على مسامع "دعاء" التي تلقتها بود ومحبة. فهي تدرك أن "يوسف" يتشدد بتلك التعليمات خوفاً عليها وليس تحكماً وفرض سيطرته بالقوة.
يوسف: تليفونك معاكي ومشحون كويس؟ أنا هكلمك كل شوية أطمن عليكي.
دعاء: والله ما تخاف، إنت وراك رجالة.
تُطلع بها "يوسف" بنظرة مازحة يسخر من إجابتها.
يوسف: ما أنا عارف.
اتسعت عينا "دعاء" الواسعة بشقاوة وهي تردف بنوع من التهديد اللطيف.
دعاء: قصدك إيه بقى؟ أنت اللي بتجر شكلي على الصبح أهو!
يوسف: خلاص خلاص، يلا عشان أوصلك للباص.
هزت "دعاء" رأسها بطفولية وهي تغمز بعينها بمرح.
دعاء: ماشي كلام الحلوين.
ضربها "يوسف" بخفة على رأسها ثم أردف مصطنعاً الجدية.
يوسف: يا بنت اتأدبي. يلا قدامي.
أصطحب "يوسف" أخته إلى الحافلة التي تنتظرهم، ليطمئن أولاً على تحرك الحافلة بأمان. لتنظر صديقة "دعاء" نحو "يوسف" بإعجاب قائلة بهيام لصديقتها وهي تجلس إلى جوارها.
مريم: يا دعاء، جوزيهوني أبوس إيدك.
رفعت "دعاء" رأسها بتعالٍ قائلة.
دعاء: بعينك.
مريم: بقى كده؟ وأنا اللي حاجزالك الكرسي جمبي من الصبح وجايبالك شيكولاتة. خسارة فيكي.
دعاء: إيه شيكولاتة؟ سحبناها سحبناها. تعالي أول الشهر وأنا أجوزهولك.
استمرت "دعاء" تمازح صديقتها الحميمة "مريم" حتى اكتملت أعداد الطلاب بالرحلة وبدأت الحافلة في التحرك نحو الإسكندرية.
***
في شركة الأقصى.
تهللت أسارير "شريف" وهو يهتف فرحاً بصديقه.
شريف: أبسط يا عم، السفر اتحدد بقى كمان أسبوعين بالضبط.
بهدوء شديد أجابه "يوسف" وهو يميل رأسه قليلاً حتى يستطيع النظر لـ "شريف" الذي يقف بمقابلته أمام مكتبه الذي يجلس خلفه.
يوسف: كويس، وحنقعد قد إيه؟
رفع "شريف" مقلتيه للأعلى متفكراً قبل أن يردف بتخمين.
شريف: أسبوع تقريباً. أو منين ما نخلص نرجع على طول.
يوسف: تمام، هظبط أنا أموري هنا عشان والدتي وأختي. إنت عارف.
شريف: ماشي.
عاد "شريف" باتجاه مكتبه لينشغل هو الآخر بعمله قبل حلول موعد الراحة لتناول الطعام كالعادة.
***
المستشفى.
بعد مرور أسبوع كامل، بدأت بعض التورمات في الاختفاء وأخرى اضمحلت بشكل ملحوظ لتظهر عيناها الزرقاوتين كبحر من الموج الأزرق. حتى جرح شفتيها المتوغل أصبح أقل حجماً وتأثيراً.
استندت "ورد" جالسة تتابع أحد المشاهد الهزلية المضحكة بالتلفاز الموضوع بغرفتها بالمستشفى كنوع من التسلية، حين دلفت "سماح" تطل بوجهها الضحوك تجاه "ورد" ثم أردفت بإعجاب حقيقي.
سماح: لا ده إحنا كل يوم أحلى من الأول. ده أنا كده أغير بقى.
كان بـ "سماح" جمال من نوع آخر، جمال لا يقل ولا ينضب، جمال يقبع بروحها العذبة ونفسها الشفافة. ولكن لم يمنع ذلك من ملامحها الرقيقة المحببة التي تدلف للقلب بدون حاجز أو استئذان.
لتجيبها "ورد" بإعجاب مماثل.
ورد: هو فيه زيك إنتِ؟ ده أنتي قمر.
لم تجلس "سماح" بالمقعد المعتاد، بل اتخذت موضعاً إلى جوار "ورد" بالفراش مردفة بأريحية شديدة.
سماح: مش عارفة ليه مش بعتبرك مريضة عندي وحاسة إننا بقينا أصحاب. ده ماسك في قلبي كده.
ورد: وأنا كمان. أنا طول عمري مليش أصحاب.
سماح: إزاي ده؟
لم تكذب "ورد" بهذا الشأن، فهي كانت دوماً محط أنظار الجميع، لكنها لم تكن صديقة لهم مطلقاً. كانت دوماً تشعر بأنها تعيش بعالم آخر منزوٍ عن الجميع، وربما يتخوف الجميع من مصادقتها حتى لا تقارن إحداهن بها. لكنها كانت حقيقة تسعى لصداقة حقيقية بملء قلبها، لكنها لم تجد سوى النفور منها.
ورد: طول عمري لوحدي كده، ليا زملاء كتير بس مليش أصحاب قريبين أوي.
سماح: وأنا يشرفني إننا نكون أصحاب.
ورد: أنا مش عارفة من غيرك كنت ارتحت كده إزاي.
تماثلت "ورد" للشفاء وارتفاع روحها المعنوية بهذا الشكل جعل "سماح" تستثمر ذلك في تحفيزها على الاستمرار بالعلاج.
سماح: أنا عايزة ترجعي أحسن من الأول كمان. متخافيش من حاجة. تتعرفي على أصحاب جدد وتعيشي حياتك ومتفكريش في اللي فات خالص.
ورد: يا ريت أقدر.
سماح: أكيد. وعموماً إنتي باقي لك أسبوع كمان في المستشفى وتفكي إيدك دي، ويتبقى بس رجلك والشرخ البسيط اللي في إيدك التانية. أهو حتى تعرفي تتحركي شوية في البيت لما تروحي. وقتها هيكون العلاج مختلف وتبدأي حياتك ويومك من جديد وسط الناس.
شعرت "ورد" لوهلة بالتخوف مما هو قادم، وكيف ستستمر حياتها بعد ما حدث.
ورد: أنا خايفة أسيب المستشفى.
سماح: لا دي خطوة ضرورية جداً إنك تواجهي الدنيا دي من تاني. وأنا طبعاً هبقى معاكي خطوة بخطوة على التليفون. ولينا جلسة كل أسبوع هنا في المستشفى.
أومأت "ورد" بتفهم لتتسائل بإستراب عن والدها الذي تأخر اليوم على غير عادته بالأيام الماضية.
ورد: هو بابا اتأخر النهارده كده ليه؟
سماح: الغايب حجته معاه. يمكن جاي في الطريق. أنا هروح مكتبي بقى ورايا شغل كتير النهارده.
***
بيت عبد المقصود العالي.
شعوره ببعض التحسن بالأيام الماضية جعله يتراخى نوعاً ما من عرض نتائج تلك التحاليل والأشعة على الطبيب كما طلب منه. لكن مع استيقاظه هذا الصباح شعر بدوار أقوى من سابقيه وعاد ذلك الألم مرة أخرى ليتخذ قراراً بعرض تلك التحاليل على الطبيب اليوم أثناء زيارته لـ "ورد" بالمستشفى.
ارتدى ملابسه متحضراً للذهاب حين سألته "ناهد" بفضول.
أم حسام: إنت خارج يا أبو محمد؟
أبو محمد: أيوه هروح لـ "ورد" المستشفى ويمكن أتأخر شوية.
بابتسامتها غير المريحة للنفس عقبت "ناهد".
أم حسام: طيب أنا نازلة وسط البلد عايزة أجيب شوية حاجات ضروري.
أبو محمد: ماشي. هروح أنا بقى عشان متأخرش على "ورد".
استقل "عبد المقصود" سيارته متجهاً إلى المستشفى ليقف بمنتصف الطريق بعد إحساسه بوخز مفاجئ جعله يشعر بخلل غريب بالرؤية وكأن كل شيء أصبح ضبابياً للغاية.
صف سيارته جانباً حتى بدأت تلك الضبابية أن تنقشع عن عينيه، ليدير محرك السيارة مرة أخرى عائداً إلى البيت، فهو غير قادر تماماً على الذهاب إلى المستشفى.
لم يكن مر وقت بعيد، لكن حين عودته وجد "ناهد" قد خرجت بالفعل، ليدلف إلى غرفته مباشرة باحثاً عن تلك الأقراص المسكنة التي اعتاد عليها كثيراً في الآونة الأخيرة.
تناول بضعف وإعياء شديد إحدى تلك الأقراص، ومن ثم أراح جسده الضئيل فوق فراشه قليلاً لاستعادة نشاطه، فربما وقتها يستطيع الذهاب مرة أخرى إلى المستشفى.
***
فرنسا.
نظرت "لامار" لأحد تلك الملفات قبل أن تردف بالفرنسية تجاه مساعدتها "ليزا".
لامار: جيد يا "ليزا". سأحضر أنا ذلك، وأنتِ رتبي هذه المواعيد جيداً.
ليزا: حسناً مادموزيل (آنسة) "لامار". حقاً، مسيو (الأستاذ) "آدم" ينتظرك بالخارج. هل أدخله؟
لامار: حسناً، دعيه يدخل.
فتحت "ليزا" باب المكتب تدعو "آدم" للدخول إلى "لامار".
ليزا: تفضل مسيو (أستاذ) "آدم".
آدم: شكراً.
بلحظة تحول حديث "لامار" الفرنسي الشيق إلى اللهجة المصرية ترحب بـ "آدم" بعملية وجدية بنفس الوقت.
لامار: أهلاً مسيو (أستاذ) "آدم". إيه الأخبار؟ عجبك الجدول اللي عرضته على حضرتك؟
آدم: الصراحة ممتاز. الطريقة والعرض بتاعه الشركة عندكم بجد مبهر.
لامار: إن شاء الله دايماً نكون عند حسن ظنكم.
تنحنح "آدم" بارتباك قبل أن يردف بابتسامة قد لاحظت "لامار" بها نظرات إعجاب خفية.
آدم: أنا بس... كنت حابب أدعوكِ إننا نتعشى سوا. حاجة كده بره الشغل يعني.
باندهاش بسيط واعتذار دبلوماسي أجابت "لامار" برفض للدعوة بلباقة قائلة.
لامار: مسيو آدم، أنا آسفة جداً إني أرفض عرض حضرتك الجميل ده، لأني مسافرة بكرة الصبح. أوعدك أكيد لما أرجع من السفر أعوضها لحضرتك وعلى حسابي كمان.
آدم: في انتظارك طبعاً. وإحنا مصريين مينفعش إنتي اللي تدفعي. عندنا الراجل راجل.
لامار بابتسامة: وهو كذلك.
آدم: شكراً ليكي.
لامار: العفو.
خرج آدم من مكتب "لامار" وتنفست الصعداء بخروجه، فهو على الرغم من كونه مصرياً مثلها وخبيراً في الأعمال بالفعل، إلا أنه ثقيل الظل تماماً. ولهذا فهي تحاول وضعه دوماً في مكانه الملائم، فهي تحب العلاقات والصداقات بالفعل، لكن هذا الشخص لا تدري لم شعرت أنه من النوع المستغل للمكانة والمنصب.
***
الإسكندرية.
وصلت الحافلة بطلاب الجامعة إلى الإسكندرية بعد عدة ساعات مرحة مبهجة.
تحركت بهم الحافلة نحو عدد من المعالم الرائعة بهذه المدينة الساحرة حتى وصلوا إلى قلعة قايتباي.
ترجل الطلاب من الحافلة، منهم من توجه إلى متحف الأحياء المائية وآخرون للتصوير أمام هذه القلعة البهية العريقة.
بينما اتجه البعض نحو تلك الصخور الكبيرة المطلة على مياه البحر للنظر عن قرب لتلاطم الأمواج بها.
شعرت "دعاء" برهبتها من أمواج البحر المتلاطمة في الصخور، فهي غير معتادة عليه وازداد خوفها من أن تسقط في الماء أو تنزلق قدماها فوق تلك الصخور.
تراجعت إلى الخلف قليلاً لتجلس فوق هذا السور المحيط بتلك الصخور، بينما اقتربت صديقاتها من الصخور الكبيرة للاستمتاع بتلك الأمواج الرائعة.
لم تشعر بجلوس أحدهم قربها إلا عندما استمعت لصوته يتحدث معها بدون سابق معرفة ببعضهم البعض.
"خايفة من المياه ولا إيه؟ إنتي اسمك إيه؟"
نظرت له دعاء بإستراب وتقزز، فمن هذا المتطاول الذي يعطي لنفسه الحق في الجلوس والحديث معها بهذا الشكل.
دارت بوجهها مرة أخرى باتجاه صديقاتها متجاهلة وجوده تماماً، حين استكمل غير عابئ برد فعلها المحرج له.
"مش بتردي عليا ليه بس؟ اسمك إيه طيب؟"
التزمت "دعاء" الصمت وهي تتابع صديقاتها بلا مبالاة لهذا الذي يثرثر إلى جوارها، حين هتفت "مريم" صديقة "دعاء" بصوت عالٍ.
مريم: "دعاء"! ما تيجي، ده المنظر تحفة.
اقتنص هذا الشاب تلك الفرصة التي واتته على طبق من ذهب ليعقب بعد معرفته اسمها.
"دعاء... اسمك حلوة قوي. ما تردي عليا يا بنتي فيه إيه، هو أنا حاكلك؟"
التفتت نحوه "دعاء" بغضب شديد من تطاول وتدخل هذا السمج بدون استئذان مقتحماً جلستها وخصوصيتها قائلة بحنق.
دعاء: بنتك؟ لااااا. أنا مش بنتك. أنا ستك وتاج راسك. يا خفيف.
تركته "دعاء" مجبرة على الذهاب نحو أصدقائها متحاملة على نفسها ارتعابها من السقوط في الماء.
أقترب الشاب منها حيث وقفت برفقة صديقاتها، لكنه قرر التعرف عليها فقد جذبت انتباهه بشدة هذه الفتاة المميزة.
"مرزوق أحمد مرزوق."
ضحكت جميع الفتيات بصوت عالٍ على اسم هذا الشاب غير المتداول.
بينما أخفت "دعاء" ضحكتها المكتومة بعيداً عن وجه هذا الشاب حتى تثبت على مظهرها القوي غير المبالي، حين استكمل الشاب ضاحكاً مدعياً المغلوب على أمره.
مرزوق: أعمل إيه طيب، لعنة وحلت عليا وسموني باسم جدي. ده أنا غلبان وأستاهل الصدقة والله. متبقوش إنتوا واسمي عليا.
مريم: يا حرام! والله صعبت عليا. إنت عملت إيه في دنيتك عشان يسموك "مرزوق".
بإدعاء الطيبة استكمل "مرزوق" مزاحه.
مرزوق: شفتي بقى. قولي لصاحبتك اللي قلبتني دي. ده أنا أستاهل الشفقة والله.
مريم: إنت معانا في الكلية؟
مرزوق: أيوه. أنا في سنة رابعة وإنتوا؟
مريم: لا إحنا لسه أولى.
أومأ "مرزوق" بتفهم مستكملاً حديثه مع تلك الفتاة التي لم تعترض أسلوبه للتعرف عليهن.
مرزوق: ااااه. وأنا بقول برضو الناس الحلوة دي أنا مشفتهاش معانا قبل كده.
مريم: إنت قسم إيه؟
مرزوق: آداب تاريخ.
مريم: لا إحنا لغة عربية.
مرزوق: لا كده بقى إنتوا اللي صعبتوا عليا.
كانت "دعاء" تستمع إلى الحوار بين مريم ومرزوق دون أن تشترك معهم بالحديث، فقط تستمع في صمت.
بابتسامة جذابة باغت بها "مرزوق" متسائلاً.
مرزوق: مالك مش بتتكلمي معانا ليه؟ هو أنا دمي تقيل أوي كده؟
دعاء: لا أبداً.
مرزوق: إحنا زمايل عادي يعني. ولاااااا... أنا مضايقكم في حاجة؟
أسرعت "مريم" تنفي ذلك مطلقاً وهي تلكز "دعاء" بقوة بمرفقها حتى تعدل من وجهها المقلوب منذ أن رأت هذا الشاب.
مريم: لا أبداً. هي بس "دعاء" مش بتحب الاختلاط قد كده.
مرزوق: بجد. آسف طيب لو كنت ضايقتك.
دعاء: لا عادي محصلش حاجة.
بعد انتهاء جولتهم والمرور بعدد كبير من المعالم والمتاحف ومكتبة الإسكندرية وقرب الموعد المقرر للعودة، استعد الجميع بالصعود إلى الحافلة للعودة مرة أخرى إلى القاهرة.
جلست "دعاء" إلى جوار "مريم" استعداداً لتحرك الحافلة بهم، حين اقترب منهم "مرزوق" طالباً من "مريم" تبديل الأماكن معه ليستطيع التحدث مع "دعاء"، حين رفضت ذلك بصورة قاطعة.
دعاء: لأ طبعاً. هو فيه إيه؟
مرزوق: عادي يعني كنت عايز أتكلم معاكي بس.
لوحت "دعاء" بإصبعها السبابة بغضب شديد لتضع حداً لتدخله وتطفله عليها بتلك الصورة.
دعاء: لو سمحت كفاية كده أنا مش بحب الكلام ده.
مرزوق بضيق: خلاص تمام. متضايقيش نفسك.
عاد "مرزوق" مرة أخرى إلى مقعده، بينما شعرت "مريم" بأن "دعاء" قد زادتها قليلاً في رد فعلها مع "مرزوق".
مريم: كسفتيه يا "دعاء" والله.
دعاء: أنا مش بحب كده وإنتي عارفة يا "مريم". بتضايق.
مريم: ماشي بس كنتي يعني قوليهاله بالراحة.
تطلعت بها "دعاء" بتهكم وهتفت بضيق.
دعاء: لا يا شيخة. طب ما أروح أطبطب عليه وأعتذر له أحسن؟
مريم: خلاص خلاص. براحتك. بس الواد شكله كيوت كده مش شكل "مرزوق" خالص.
دعاء: خلصنا بقى اقفلي على السيرة دي.
***
بيت عبد المقصود العالي.
بصوتها الحاد نادت "ناهد" تلك المربية التي تعمل بالبيت.
أم حسام: "نجاح". داده "نجاح".
نجاح: أيوه يا ست أم "حسام".
أم حسام: خدي "محمد" وانزلي هاتيله شوية حلويات من آخر الشارع.
نجاح: حاضر.
أمسكت المربية بكف الصغير "محمد" وخرجت من البيت كما أمرتها "ناهد"، لتلتفت "ناهد" نحو "حسام" الذي جلس للتو فوق الأريكة حين استطردت "ناهد" قائلة.
أم حسام: وأدي الدادة كمان مشيت ومفيش حد غيرنا هنا.
حسام: إيه أمال جوزك راح فين؟
أم حسام: نزل من بدري راح المستشفى عند "ورد".
تنفس "حسام" براحة وهو يعقب مؤكداً.
حسام: يعني إحنا كده في الأمان.
أم حسام: اطمن. ركز معايا إنت بس.
أخرج "حسام" من جيبه أحد الأقراص ثم ابتلعها سريعاً قبل أن يكمل حديثه مع والدته، لترمقه "ناهد" بتقزز قائلة بعصبية.
أم حسام: ما تبطل بقى القرف اللي بتبلعه ده وتفوق لي كده.
حسام: يوووه يا ماما. ما أنا معاك أهو. هو أنا اتكلمت ولا فتحت بوقي.
أم حسام: ما أنت مش راضي تفوق لنفسك.
عبد المقصود.
شعر ببعض الراحة وقد زال الألم بصورة ملحوظة، لينتبه لصوت "ناهد" الرنان تحدث ولدها بالخارج، ليتقدم بضع خطوات حتى يستوضح حديثهم جيداً، فعلى ما يبدو أن "ناهد" غاضبة للغاية.
أم حسام: إحنا دلوقتي عملنا اللي "عبد المقصود" عايزة وطلقت "ورد" صح؟
حسام: أيوه صح.
أم حسام: يبقى إنت دلوقتي لازم ترجع "ورد" لعصمتك تاني برضاها أو غصب عنها.
بانتباه شديد وتلهف لما تخطط له والدته أردف.
حسام: حلو. إزاي بقى؟
أم حسام: أنا أقولك. بس فتح ودانك معايا وتعمل اللي هقولك عليه بالحرف الواحد.
حسام: وأنا من إيدك دي... لإيدك دي.
رواية اشواك الورد الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
أصبح الجو خالياً للتفكير بمخططهم الذي أفسده "حسام" من قبل، وعليهم العودة للسباق مرة أخرى، فـ"ناهد" لن تترك فرصتها السانحة دون أن تحقق مرادها ولو بشق الأنفس.
أم حسام: إحنا دلوقتى عملنا إللى "عبد المقصود" عايزة وطلقت "ورد" صح؟
حسام: أيوه صح.
أم حسام: يبقى أنت دلوقتى لازم ترجع "ورد" لعصمتك تانى برضاها أو غصب عنها.
بانتباه شديد وتلهف لما تخطط له والدته، أردف:
حسام: حلو... إزاى بقى؟
أم حسام: أنا أقولك... بس فتح ودانك معايا وتعمل إللى حقولك عليه بالحرف الواحد.
حسام: وأنا من إيدك دى... لإيدك دى.
أم حسام: إحنا لازم نشوف صرفه ونجيب بيها "ورد" عندك فى الشقه ولازم تردها تانى. وبعد كده تمضيها على توكيل.
حسام: توكيل!!! توكيل ليه؟
استكملت "ناهد" حديثها بتذمر من سطحية ولدها التي لن تفيدها إطلاقاً.
أم حسام: إسمعنى كويس... أم "ورد" كانت شريكة "عبد المقصود" في المصنع وكتبت نص المصنع بإسم "ورد". ده غير إللى حتورثه من أبوها. والبت دى خايبة ويتضحك عليها بسرعة. يبقى إحنا أولى بالفلوس دي. تمضي هي على التوكيل ونبيع نص المصنع باسمنا، ما هو مينفعش نطلع من المولد بلا حمص زي ما بيقولوا.
رفع "حسام" حاجبيه انبهاراً بتفكير والدته الدقيق وقدرتها على وضع مخططات كهذه.
حسام: ماشى... نشوف طريقة ونجيبها الشقة بس لما تطلع من المستشفى الأول. ده حتى فرصة كويسة عشان تتأكد أني تمام وإن إللى حصل ده ظروف وعدت.
ضغطت "ناهد" عينيها دون فهم مقصد "حسام" بهذا الحديث الغامض، لتردف مستفسرة عما يقول.
أم حسام: إنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمه حاجة.
لوّح بكفه بلا مبالاة وهو يردف بتمتمة بحديثه غير المفهوم مرة أخرى.
حسام: متشغليش بالك. المرة دي مش حاسيبها. دي خلاص دخلت دماغي ومش حتطلع. بفلوس بقى ولا من غير فلوس. هي عاجباني.
حركت "ناهد" رأسها يمنة ويسرة بانزعاج من هذا الضعيف، ثم زفرت بعدم تحمل قائلة:
أم حسام: ربنا يشفيك. أنا مش عارفة أنت بتتكلم على إيه. بس المهم "ورد" متروحش من إيدك المرة دي.
حسام: متخافيش. مبقاش "حسام" لو سبتها تروح من إيدي.
انتبهت "ناهد" أن فرصتهما ما هي إلا شهور العدة فقط، وإلا عليه أن يعقد عليها مرة أخرى كما تظن، لتنبه "حسام" بجدية وتحذير شديد.
أم حسام: "حسام" خد بالك عشان تردها قدامك فترة العدة بس. بعد كده لازم تكتب عليها من أول وجديد. فاهم؟
حسام: فاهم فاهم.
***
لم يصدق "عبد المقصود" ما سمعته أذناه للتو، كيف تخطط زوجته وابنها لاستغلال "ورد" بهذه الصورة، كيف سمحت لضميرها الغافل بهذا التفكير المجرم، أكل ما تفكر به هو مال "ورد"؟
كم شعر بأنه خُدع بتلك المرأة التي اختارها لتعوض "ورد" حرمانها من والدتها بعد وفاتها، كيف خدعته بحنانها الزائف واهتمامها المصطنع بهذه السهولة.
شعر بحقارة ما تفعله أمام المال، ولا يهمها سوى مصلحتها، ملقية غاليتها ضحية أفكارهم الشيطانية.
لا، لن يترك صغيرته تشقى بطمع هؤلاء المستغلين لها. قرر "عبد المقصود" التصدي لهذه السيدة الطامعة وابنها المستغل. لن يترك ابنته "ورد" لتكون فريستهم بهذه السهولة، لكنه لن يبين الآن ما قد عرف منهم حتى يتسنى له تحديد ما الذي سيفعله معهم بالضبط.
انتظر "عبد المقصود" قليلاً متمهلاً أن ينصرفا دون الانتباه له أولاً، من ثم تسلل دون أن يشعرا به أو يعلما بوجوده من الأساس.
فور خروجه اتجه مباشرة نحو المستشفى ليطمئن على "ورد" أولاً.
***
المستشفى...
نظر "عبد المقصود" تجاه ابنته المبتسمة بنظرة إشفاق وتخوف من براءتها التي غرسها بها، نادماً على ذلك بشدة، ليلوم نفسه بقوة على تربيتها بهذه الصورة الهادئة لتتفتح نقية بريئة للغاية. كيف ستواجه شرور الدنيا وشياطينها؟ ليته رباها بأسلوب آخر فتستطيع وقتها التصدي لهؤلاء عديمي الشرف والأخلاق.
بعد أن اطمأن على حالها، مر بالطبيب لاستشارته في أمر تلك التحاليل التي قام بها.
قلّب الطبيب بتلك الفحوصات وأوراق التحاليل بين يديه، ثم تنفس بعمق قبل أن يردف.
الدكتور: والله يا أبو "محمد"، أنا عندي مبدأ أني أصارح المريض بحالته.
تفكيره المشتت تجاه "ورد" وقلقه عليها جعله يظن أن الطبيب يتحدث عنها، فأردف بتخوف اهتز له قلبه.
أبو محمد: خير يا دكتور... "ورد" فيها حاجة؟
الدكتور: "ورد" كويسة جداً وبدأت تتحسن وتستجيب للعلاج. والأسبوع الجاي إن شاء الله تخرج من هنا بعد فك الجبس اللي في إيديها. لكن...
وللمرة الثانية ظن أنه يتحدث عن غاليته ليهتف بقلق.
أبو محمد: لكن إيه يا دكتور قلقتني؟
كعمله كطبيب توجب عليه قولها مباشرة صريحة حتى يتوجب على المريض إدراك ما يمر به.
الدكتور: التحاليل والأشعة اللي قدامي دي مش كويسة خالص. وللأسف الصداع اللي عندك ده مش من الضغط العالي.
أبو محمد: أمال إيه؟
الدكتور: للأسف، زي ما توقعت... ده كانسر. المشكلة إننا اكتشفناه متأخر قوي، يعني مرحلته متأخرة، ولازم نبتدي ناخد العلاج الكيماوي فوراً عشان نحاول نقلل من حدة الورم في المخ.
لم يكن يتحمل صدمة أخرى الآن، فيكفيه تلك الصدمة من قليل. كيف سيتعامل مع الأمر بعدما علم بإصابته بهذا المرض الخبيث، خاصة في هذا الوقت الذي تحتاجه فيه ابنته لحمايتها ورعايتها؟ صدمة أخرى لم تكن في الحسبان.
كيف سيتركها ورده في مهب الريح تحيط بها الأشواك ولا تستطيع مقاومتها؟ تهدج صدره بقوة مردفاً محتسباً.
أبو محمد: لا حول ولا قوة إلا بالله... اللهم إني لا أسألك رد القضاء لكن أسألك اللطف فيه.
الدكتور: أنا آسف جداً يا أبو "محمد"، بس مكنش عندي اختيار تاني غير إني أفهمك الوضع بالضبط.
أبو محمد: كتر خيرك يا دكتور... أنا راضي بقضاء الله. ربنا هو اللطيف الخبير. الحمد لله... على كل حال... الحمد لله. بس لو سمحت يا دكتور أنا مش عايز أي حد من أهلي يعرف بالموضوع ده.
الدكتور: زي ما تحب... المهم نبدأ الجلسات على طول. العلاج لازم ميتأخرش عن كده.
توقف تفكيره تماماً إلا من شيء واحد فقط هو ما يستحق منه الاهتمام والتفكير... "ورد"، ليردف مجيباً الطبيب.
أبو محمد: أنا لازم أظبط أموري عندي الأول... بعد كده آجي آخد العلاج. بس فيه أمور الأول لازم تتعدل.
لم يحبذ الطبيب مطلقاً هذا التراخي الذي يلمح له "عبد المقصود"، ليردف ناصحاً بقوة.
الدكتور: منصحكش بالتأخير لأن الحالة متأخرة جداً يا أبو "محمد".
أبو محمد: إن شاء الله.
***
في المساء...
شقة يوسف.
انتظرت والدتهم عودتهم، فهم قنديلها المضيء الذي ينير حياتها.
أقبلت "دعاء" فرحة بعودتها، ومازال الحماس يغلبها لقضاء هذا الوقت المميز والممتع. دنت من والدتها تقبلها، أولاً حين همست والدتها بحنان.
أم يوسف: حمد الله على السلامة يا "دعاء".
دعاء: الله يسلمك يا ماما. أما كانت حتة رحلة.
أم يوسف: يا رب دايماً مبسوطة كده.
تربعت فوق المقعد إلى جوار والدتها بفوضويتها المحببة، لتردف بابتسامة عريضة.
دعاء: أه والله ادعيلي. إلا بقولك... وأنا طالعة قابلت "علا" وقلت أعزمها بكرة عندنا، أهو برضه يمكن يحصل في الأمور أمور والأخ "يوسف" يبدأ يحن.
استحسنت أم "يوسف" هذه الفكرة، فربما يتقبل "يوسف" هذه الفكرة ويوافق على زواجه ويفرح قلبها به.
أم يوسف: فكرة برضه... أهو أشوفها أنا كمان. ده أنا من زمان قوي مشفتهاش. و"يوسف" يقعد معاها يمكن ساعتها يوافق.
دعاء: أيوه كده ونفرح بقى.
أم يوسف: على خيرة الله.
دلف "يوسف" قادماً لتوه من الخارج، ملقياً التحية عليهم، ضارباً رأس "دعاء" بخفة.
يوسف: السلام عليكم... حمد الله على السلامة يا "دعاء".
دعاء: الله يسلمك. قال يعني سبتني، ده إنت كل دقيقتين بترن عليا.
يوسف: الحق عليا بطمن عليكي.
أم يوسف: اتأخرت أوي كده ليه يا ابني؟
يوسف: بنجهز عقود جديدة وكنت براجعها كويس قبل عرضها على مدير الشركة قبل السفر.
بقلق شديد استطردت أم "يوسف" متسائلة.
أم يوسف: انتوا حددتوا السفر امتى؟
يوسف: أيوه كمان أسبوعين.
دعاء: حتغيب كتير يا "يوسف"؟
يوسف: أسبوع بالكتير. عايزك تاخدي بالك من ماما كويس.
دعاء: متقلقش... ماما حبيبتي في عيني.
يوسف: طب أنا هدخل أرتاح بقى. أنا أكلت في الشغل لما اتأخرنا. يلا تصبحوا على خير.
"وانت من أهله..."
***
يشعر بالراحة خال البال فقط، لكن مثقل الهموم لن يقربها قط. وكيف يهنأ بعد كل تلك المصائب متوالية؟ لا... لن يهنأ البال ولن يشعر بالراحة حتى يخلص غاليته من هؤلاء المتربصين بها.
لقد حانت نهايته ولن يتركها ضعيفة بهذا الشكل، لكن ما باليد حيلة. ربما ظهر كل شيء على حقيقته الآن حتى يستطيع إنقاذها قبل الرحيل.
سار بالطرقات متفكراً مهموماً يحدث نفسه.
أبو محمد: مش عايز أضيعك تاني يا بنتي مع اللي اسمه "حسام" ده. وخايف عليكي، إنتي ضعيفة مش قد شرهم. لازم أتصرف بس إزاي بس! والمرض اللي جه فجأة ده. أنا مش مهم عندي أعيش ولا أموت، بس إنتي يا "ورد" وأخوكي اللي لسه صغير ده أعمل فيكم إيه؟
هداه تفكيره بأن عليه بيع المصنع دون أن يعلم أحد، ثم يضع المال كوديعة بالبنك باسم "ورد" و"محمد" الصغير حتى يسهل على أولاده إيجاد ما يستطيعون التصرف به.
اتصل على الفور بالمحامي الخاص به ليبدأ في إجراءات بيع المصنع أولاً حتى يرتب ما يتوجب عليه فعله بعد ذلك لضمان حياة مستقرة لأبنائه من بعده.
***
مساء اليوم التالي.
شقة يوسف.
بطرقات خفيفة على باب الشقة، وقفت "علا" بقلب مضطرب تنتظر أن يفتح لها الباب بعد دعوة "دعاء" لها بالأمس لزيارتهم.
كانت سعيدة للغاية، فكم توقت لهذه الزيارة منذ أمد بعيد. فيا لحسن حظها لو قابلته اليوم.
بأحلام اليقظة التي سرقتها، تخيلت "علا" بأن "يوسف" هو من يفتح لها الباب ويقابلها بعيون تلتهب عشقاً كعيونها.
أفاقت من حلمها الجميل بصوت "دعاء" المرح يرحب بها.
دعاء: "علا"... تعالي حبيبتي اتفضلي.
علا: شكراً.
مع تقدمها لخطوات بسيطة، هتفت "دعاء" بصوت واضح يحمل نبرة فرحة بقدومها.
دعاء: ماما دي "علا" جت.
أقبلت أم "يوسف" تتكئ على عكازها بخطوات ثقيلة للغاية حتى توقفت قريبة من أريكتها المفضلة تنتظر "علا" التي أقبلت عليها بابتسامة، لتقابلها أم "يوسف" بمثيلتها مرحبة بها بحفاوة.
أم يوسف: أهلاً أهلاً... تعالي يا بنتي نورينا.
علا: ده نورك يا طنط. اتفضلي.
أنهت عبارتها وهي تقدم علبة ما تجاه أم "يوسف".
أم يوسف: إيه ده يا بنتي؟
علا: ده كيك بالشيكولاتة أنا اللي عاملاه، حتعجب حضرتك قوي.
حملتها "دعاء" بانبهار شديد قائلة.
دعاء: واو... شيكولاتة؟ أنا بحبها أووووي.
شعرت "علا" بالتفاخر وهي تردف بتساؤل لطيف.
علا: طب دووقيها كده وقوليلي رأيك في عمايلي.
من فرط حماس "دعاء" لتناول هذه الحلوى الشهية، أسرعوا نحو المطبخ لتحضر بعض الأطباق، وبدأت بتقطيع الكيك الشهي لتتذوقه كلٌّ من أم "يوسف" و"دعاء" بتلذذ شديد.
دعاء: تسلم إيدك بجد حلو جداً. عمري ما أكلت كيك شيكولاتة حلو كده. مش كده يا ماما؟
أم يوسف: جميل جداً بصراحة تسلم إيدك يا بنتي تعبتي نفسك ليه كده بس؟
بخجل شديد من إطراء أم "يوسف" و"دعاء" بما صنعته خصيصاً لهما، أردفت "علا".
علا: تعبك راحة يا طنط.
هل تساق السعادة لمشتهيها؟ هل يكون المرء طيب الحظ بهذه الصورة؟
دق قلبها بقوة فرحاً بسماع تلك الخطوات التي اقتربت من باب الشقة، لترفع بصرها نحو الدالف حين فتح الباب. إنه هو... معشوقها الوحيد... "يوسف".
عندما أقبل "يوسف" ليدلف للشقة، استمع لصوت غريب لكنه مألوف على مسامعه للغاية، ليطرق الباب مستأذناً للدخول أولاً، فيبدو أن لديهم صحبة غريبة اليوم.
دعوته والدته بالدخول وهي تخبره بأن ضيفتهم ما هي إلا جارتهم الرقيقة.
أم يوسف: تعالي يا "يوسف"... مفيش حد غريب دي "علا".
يوسف: السلام عليكم.
بمجرد أن تحرك لبضع خطوات للداخل، نهضت "علا" وقد علا ثغرها ابتسامة خافقة مع قلبها المضطرب، لتلاحظ والدة "يوسف" و"دعاء" تلك الفرحة التي رسمت في عينيها فور حضور "يوسف".
مالت "دعاء" على أذن والدتها تهمس بصوت خفيض للغاية.
دعاء: شكل الصنارة غمزت يا أم "يوووسف". يا رب ابنك يتلحلح بقى.
ابتسمت أم "يوسف" لحديث ابنتها، مستكملة حديثها مع ولدها.
أم يوسف: اقعد يا "يوسف". "علا" مش غريبة... مش كده ولا إيه؟
تلون وجه "علا" بحمرة خجل على الفور، وهي تنحي عينيها قائلة بابتسامة خفيفة.
علا: طبعاً يا طنط.
مدت "دعاء" يدها بأحد الأطباق بوجه "يوسف" وهي تدعوه لتناول الحلوى معهم، قائلة بمزاح شقي.
دعاء: يلا بقى دووق كيك الشوكولاتة اللي عملته علا بأيديها.
رفع "يوسف" كفه رافضاً بلباقة قائلاً.
يوسف: شكراً يا "دعاء". ما إنتي عارفة مش بحب الشيكولاتة.
عقصت "دعاء" ملامحها بشكل غريب، وهي تردف بتعجب.
دعاء: والله أنا مش فاهمة الناس اللي مش بتحب الشيكولاتة دول عايشين إزاي! دي أحلى حاجة في الدنيا.
ظنت "علا" أن "يوسف" من هؤلاء الذين يرفضون الأطعمة المصنعة خارج المنزل، لتعقب مطمئنة إياه.
علا: متقلقش يا "يوسف". دي أنا اللي عملاها مش جاهزة، يعني كل حاجة فيها مضمونه.
بابتسامة متكلفة للغاية حاول "يوسف" رسمها على محياه، أجابها بدبلوماسية حتى لا يكون فظاً معها، فعليه التحلي باللباقة ليردف مجاملاً.
يوسف: طبعاً أكيد جميلة تسلم إيدك. بس بجد أنا ماليش في الشيكولاتة نهائي مش بحبها خالص.
علا: معقول... غريبة.
أمسكت أم "يوسف" طبقها وتناولت منه قضمة بسيطة.
أم يوسف: فاياك حاجات حلوة كتير يا "يوسف". لو تحاول بس.
قالتها أم "يوسف" وقد تعلقت عيناها بتلك الفتاة كما لو ترسل له رسالة لا يفهمها إلا سواهما.
مع عدم انتباهها لموضع المنضدة، حاولت أم "يوسف" وضع الطبق من يدها، لكن القدر لم يكن يحالفها، فإنزلق الطبق من يدها واختل توازنها.
انتبهت "دعاء" لتهرع تجاه والدتها تلحق بالطبق قبل أن يسقط أرضاً، لتلقفه بيدها، حينما أسرع "يوسف" تجاه والدته يسندها قبل أن يصيبها مكروه بسبب عدم توازنها.
يوسف: على مهلك يا ماما.
دعاء: إنتي كويسة يا ماما؟
أم يوسف: الحمد لله مفيش حاجة ربنا يخليكم ليا يا رب.
لم تتحرك "علا" من موضعها لتقف مكتوفة الأيدي تنظر تجاههم جميعاً دون إدراك ما يجب عليها فعله.
قام "يوسف" و"دعاء" بإسناد والدتهم بعد فقد توازنها قبل أن تسقط أرضاً، حين سألت "علا" بهدوء.
علا: حضرتك كويسة يا طنط؟
أم يوسف: الحمد لله يا بنتي.
يوسف: طب بعد إذنكم حدخل أرتاح أنا بقى.
"اتفضل."
انصرفت بعد ذلك "علا" مودعة أم "يوسف" و"دعاء" وهي تدعو "دعاء" لزيارتهم يوماً ما لقضاء بعض الوقت معها.
أغلقت "دعاء" باب الشقة من خلفها وهي تستدير بقوة تجاه والدتها تسألها عن رأيها وهي تصفق بكلتا يديها بمرح.
دعاء: ها إيه رأيك؟
أم يوسف: والله شكلها طيبة وكويسة.
دعاء: مش قلتلك. لما نشوف بقى رأي الأستاذ يوسف إيه.
أسرعت "دعاء" حاملة بقية الكيك ثم دلفت غرفة "يوسف" ممازحة إياه.
دعاء: ما تاكل شيكولاتة يا عم. البونيه تعبت نفسها عشان توريك إنها شاطرة كده تكسفها.
يوسف: وبعدين بقى. مش هنخلص من الموال ده. بلاش وجع دماغ. أنا مش عايز أتجوز دلوقتي خااااالص.
رفعت "دعاء" أنفها باستياء وهي تميل فمها جانبياً قائلة.
دعاء: يعني ولا عايز تتجوز... ولا عايز تاكل شيكولاتة. إنت عايش ليه بس؟
تركته "دعاء" مبتسماً فقد أزاحت عنه بمزاحها تعب اليوم الطويل.