تحميل رواية «اشواك الورد» PDF
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعلقت الزينات بكل مكان، حاوطت الأزهار السلم الزجاجي لقاعة الأفراح الضخمة في بهاء. تعالت الأضواء الكريستالية تتراقص لفرحتها. ها هم المدعوون يجلسون بانتظار قدوم العروس. كان مشهداً مبهجاً من الطراز الأول. تعالت أصوات الموسيقى الصادحة مع دقات الدفوف التي دقت القلوب معها. فها هما العروسان يطلان ببهائهما. تعالت أصوات التبريكات للعروسين ليبدأ حفل الزفاف وسط دموع هذا الكهل الضعيف الذي تعلق ببصره بتلك العروس الحسناء. جلس العروسان تتعالى ابتساماتهم، فاليوم أول يوم في بناء هذه الأسرة الجديدة وتكوين عش هادئ...
رواية اشواك الورد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم قوت القلوب
في صباح اليوم التالي، حين يشرق فجر جديد، يلوح في الأفق بتسلل هذا الإحساس بالأمان والطمأنينة التي غابت لشهور طويلة. برغم بقائها في غرفة واحدة مع شخص غريب عنها، إلا أن إحساسها بالأمان تجاهه تخلل بإحساسها بعد تصرفه معها وتداركه لخوفها ليلة الأمس.
استيقظت "ورد" تشعر بانقباض عضلاتها، تتألم لنومتها غير المريحة بهذا الفستان الضخم. دارت بعينيها لتدرك أنها ليست بالغرفة، بل انتبهت أنها مازالت بالفندق. اعتدلت بجلستها تبحث بعينيها عن "يوسف" الذي غاب تماماً عن المشهد، فالغرفة خاوية تماماً. أسدلت قدميها لتتجه نحو حقيبتها الصغيرة الموضوعة بالخزانة، لتخرج منها فستان وردي مموج باللون الأصفر الهادئ لتبدل ملابسها بعجالة قبل عودة "يوسف".
نظرت من نافذة الفندق تتابع المارة هنا وهناك، حتى استمعت لطرقات خفيفة على باب الغرفة، ثم دلف بعدها "يوسف" وهو ينحي عينيه جانباً للحظة قبل أن تسقط نظراته على تلك الياقوتة المتوهجة أمام عينيه. تطلع نحوها بتحسر، فبعض الأحيان يكون الجمال نقمه وليس نعمة. فيا ليتها كانت فتاة عادية لا تتمتع بكل هذا الحسن والبهاء.
تقدم لبضع خطوات وهو يردف بتجهم واضح بنبرته المقتضبة:
"يوسف: صباح الخير."
"ورد: صباح الخير."
"يوسف: أنا طلبت الفطار وممكن نفطر ونروح لوالدك المستشفى نطمن إنه راح يبدأ العلاج، وبعدها أظن مفيش داعي نرجع على هنا، ممكن نروح على البيت على طول."
ضمت "ورد" شفتيها بضيق من نفسها لشعورها بالذنب لطريقتها المنفرة وخوفها المفرط بلا داعي بالأمس، فيبدو أنه يشعر بالاستياء من تصرفها الغريب. أرادت أن تعتذر منه على فهمه الخاطئ لرد فعلها، فهو لا ذنب له بتلك المعاملة الفظة منها وخوفها بلا سبب لذلك. طرفت بعينيها بحرج وهي تعتذر منه تحاول توضيح سبب ما حدث.
"ورد: يوسف، أنا آسفة. أنا..."
قاطعها "يوسف" فلا داعي لهذا الأسف، فحتى لو كانت لم تظن به ذلك، فلم يكن ليقدر على معاملتها بصورة أخرى بعد ما علم به من طليقها.
"يوسف: مفيش داعي للأسف، ملهوش لزوم. حضري نفسك نفطر وننزل على طول."
حزنه وتجهمه زاد بداخلها هذا الشعور بالذنب وأنها اقترفت خطأ جسيم للغاية، لكن ذلك كان حقاً رغماً عنها. تهدلت ملامحها بانكسار، فهي لم تكن تود أن تكون سبباً لتلك النظرة الحزينة التي تسيطر على عينيه.
تبعت "يوسف" لتناول إفطارهم أولاً قبل ذهابهم للمستشفى لزيارة والدها والتأكد من أنه سينتظم بعلاجه، فلا داعي للتأخير أكثر من ذلك.
***
المستشفى...
استرقت النظر من وقت لآخر تجاه "يوسف" خلال طريقهم إلى المستشفى تحاول معرفة سبب صمته الشديد. أهي أذنبت إلى هذا الحد؟ هل كان خطأها جسيم للغاية؟
دلفا إلى إحدى غرف المستشفى بعد السؤال عن والدها ليجدوه ممدداً فوق أحد الأسرة ينتظر مرور الطبيب به. تفاجأ "عبد المقصود" بـ"ورد" و"يوسف" بهذا الصباح يقفان أمامه ليرفع رقبته بدهشة متسائلاً باستغراب.
"أبو ورد: إيه اللي جابكم كده من بدري؟"
تفوه بالبداية "يوسف" وقد اتخذت ملامحه ارتياحية بخلاف ما كانت عليه من اقتضاب منذ قليل.
"يوسف: إزاي بس يا عمي؟ لازم نطمن على حضرتك وإنك تبدأ العلاج اللي اتأخرت فيه أوي ده."
"أبو ورد: كل شيء نصيب يا ابني."
كانت "ورد" تطالع "يوسف" بشرود، تؤنب نفسها بشدة على ما فعلته ليلة الأمس، حرمها من تلك النظرة الحانية التي ينظر بها لوالدها الآن. لتنتبه لسؤال والدها القلق.
"أبو ورد: مالك يا ورد؟"
حركت رأسها بخفة وهي تنتبه له، محاولة رسم شبح ابتسامة ضعيفة فوق ثغرها تطمئنه به قائلة:
"ورد: أبدًا يا بابا. سرحت بس شوية."
"أبو ورد: خدي بالك من يوسف. ده راجل ولا عمرك حتعوضيه. إوعي تزعليه يا ورد."
أيوصيها به؟! هكذا تساءلت بداخلها وهي تنظر تجاه "يوسف" بتحسر على ما سببته له بالأمس، فلو بيدها ما أغضبته ولا سببت له ضيق مطلقاً. لتعيد بصرها تجاه والدها مردفة:
"ورد: حاضر يا بابا. خد بالك إنت من نفسك. مش عايزك تتعب تاني."
بابتسامة أبوية حنونة أشار إليهم "عبد المقصود" للذهاب قائلاً:
"أبو ورد: طيب خلاص اطمنتوا؟ يلا اتفضلوا بالسلامة على بيتكم يلا."
أومأ "يوسف" بابتسامة مجاملة لـ"عبد المقصود" وهو يودعه قبل عودتهم لبيتهم لأول مرة. اتخذا طريقهما بعد خروجهم من المستشفى تجاه بيت "يوسف"، هذا البيت الدافئ الذي أحبته "ورد" من أول زيارة لها. اختلست من وقت لآخر نظراتها تجاهه تتمنى بداخلها لو تجد طريقه للاعتذار بها عن ليلة الأمس، لكن خجلها وحرجها الشديد جعلها تصمت تماماً طوال الطريق.
***
شقة يوسف.
فتح "يوسف" باب الشقة داعياً "ورد" للدخول، لتخطو "ورد" خطواتها الأولى ببيتها الجديد، ومازالت الرهبة بداخلها ممزوجة بإحساس سعيد. نعم، تشعر بذلك، هي ليست قلقة إلى هذا الحد، فتصرفه معها بالأمس جعلها تطمئن لوجودها معه.
"يوسف: اتفضلي يا ورد."
دلفت إلى الداخل لتجد أم "يوسف" جالسة فوق تلك الأريكة التي تتوسط الصالة الواسعة، وتجلس "دعاء" بالمقعد المجاور إلى يسارها. انتبهتا تجاه "يوسف" و"ورد"، لكن مازال تساؤل ليلة الأمس يسبب لهما الضيق، ليظهر ذلك جلياً على ملامحهما المقتضبة دون التفوه بكلمة واحدة مرحبة بهم.
ابتسمت "ورد" برقة وهي تلقي التحية بمحبة بالغة تجاههم وقت أن وقعت عيناها عليهم.
"ورد: السلام عليكم."
ضيق ملامحهم كان ظاهرًا للغاية ليطغى على ردهم الجاف برد التحية، كما لو مجبرين على ردها بلا ترحيب بقدومهم.
"وعليكم السلام..."
ردهم الجاف أثار ارتباك "ورد" لتشعر بغصة لهذا التجاهل وعدم الاهتمام بمجيئهم، لتحث نفسها على أنها لابد وقد فهمت رد فعلهم بصورة خاطئة، لتحاول التحدث بود لتتأكد أن كل شيء على ما يرام.
"ورد: إزاي حضرتك يا طنط؟"
زمت أم "يوسف" شفتيها بضيق واضح وهي تجيب تساؤل "ورد" بنفس الجفاء الذي شعرت به "ورد" منهم.
"أم يوسف: الحمد لله. نورتوا."
لتحلقها "دعاء" بمباركتها بنبرة جافة أيضاً.
"دعاء: مبروك."
قلبت "ورد" نظراتها بين أم "يوسف" و"دعاء" بغصة علقت بحلقها، فشعورها بتعاملهم الجاف معها سبب ضيق بالغ بنفسها، فليست تلك المعاملة التي تعاملوا بها معها بزيارتها السابقة. لتنكس رأسها بضيق متسائلة بداخلها: "ترى ما سبب ذلك الجفاء الذي يعاملونها به؟"
لاحظ "يوسف" أيضاً هذا السلوك المغاير عن طبعهم وأن هناك شيئًا ما جعلهم يتعاملون معها بتلك الصورة القاسية وغير المفهومة بالنسبة له، ليقطع صمتهم بابتسامة تجاه "ورد" قائلاً:
"يوسف: تعالي يا ورد شوفي الأوضة... وارتاحي شوية لو حبيتي."
بإيماءة خفيفة تبعته إلى الداخل، لتدلف لغرفتها الجديدة حين استأذن منها "يوسف" قائلاً:
"يوسف: خدي راحتك. أنا هقول حاجة لماما دقايق وراجع على طول."
تركها "يوسف" بغرفتها لتضع حقيبتها الصغيرة أمامها تفرغ محتوياتها بتجهم، بينما اتجه "يوسف" لوالدته وأخته ليتفهم منهم عن سبب تلك المقابلة الجافة لـ"ورد" منذ قليل.
دنا "يوسف" بالقرب منهما وهو يخفض من صوته بضيق خوفاً من أن تشعر "ورد" باستيائهم وسماع مناقشتهم.
"يوسف: مالكم فيه إيه؟ متغيرين ليه كده؟"
تطلعت أم "يوسف" أولاً تجاه غرفته قبل أن تعود هامسة بعتاب:
"أم يوسف: إنت مقلتلناش ليه إنها مطلقة يوم فرحها؟!"
هنا استطاع فهم سبب تغير معاملتهم معها وضيقهم من الأمر، ليجيب بانفعال ومازال يتحدث بتلك النبرة الهامسة حتى لا تشعر بهم "ورد".
"يوسف: عشان متحكموش عليها نفس حكمكم ده دلوقتي! دي تجربة وفشلت مش حتفضل عايشة فيها العمر كله!"
أردفت والدته بحرج شديد، فهو بالتأكيد معه الحق.
"أم يوسف: أيوة بس..."
استطرد "يوسف" موضحاً بانفعال وقد بدت علامات الاستياء جلية فوق محياه بقوة.
"يوسف: دي حياتي يا ماما... وأنا اللي اخترت ورد... ولا انتي مش واثقة في حكمي واختياري؟ ده كفاية إنها بنت أبو محمد!"
شعرت أم "يوسف" بتسرعها بإلقاء أحكام على "ورد" دون فهم، لتردف بتفاهم وانصياع لرغبة ولدها الذي تثق به وبإختياره.
"أم يوسف: اللي تشوفه يا ابني طالما انت مرتاح خلاص."
لينهي "يوسف" هذا النقاش بحزم شديد، فلا داعي لتلك الأحكام المسبقة دون وجه حق.
"يوسف: يا ريت منفتحش الموضوع تاني."
"أم يوسف: خلاص يا ابني المهم راحتك."
بعد أن أوضح كل شيء لوالدته عاد إلى "ورد" مرة أخرى وهو مازال يحدث نفسه بلوم شديد.
(إيه بس يا رب الورطة اللي أنا ورطت نفسي فيها دي! أعتبرها إيه بس؟ دخلت قلبي وحبيتها. بس في نفس الوقت مقدرش أستحمل إنها تكون مراتي بعد اللي عرفته ده! ومقدرش أخون أمانة الراجل اللي جميلة مغرقني! أعمل إيه في الحيرة اللي أنا فيها دي؟!)
رفعت "ورد" خصلة شعرها التي سقطت فوق عينيها وهي ترتب ملابسها، ناظرة تجاه "يوسف" الذي دلف للتو. تهدج صدرها بقوة واكتسى وجهها حمرة خجل، وقد أقفل باب الغرفة عليهما معاً. قررت الاعتذار منه عن تصرفها الغير مناسب معه ليلة الأمس، لتحث نفسها على الحديث قائلة:
"ورد: يوسف... أنا... ااا..."
أخرجته من تفكيره بها بصوتها الحنون وهي تهمس باسمه بتلك الرقة، لتنساب من بين عينيه تلك النظرة العاشقة. ليتدارك نفسه على الفور مغمضاً عينيه لوهلة ليستفيق من مشاعره تجاهها، حتى لا ينجرف نحوها، فهو يرفض تمامًا وجود امرأة بمثل هذه الأخلاق في حياته وتكون هذه هي زوجته وأم أولاده، ليهتف بداخله ينهرها بحدة:
(فوق يا يوسف... فوق. مهما كانت ومهما حسيت نحيتها فهي في الآخر متنفعكش.)
ليرتسم عدم الاكتراث والصلابة بحديثه قائلاً:
"يوسف: أيوه. عايزة حاجة؟"
طريقته المختلفة وجموده الشديد أحزنها للغاية، لهذا يجب عليها الاعتذار وتوضيح سبب نفورها وخوفها بالأمس.
"ورد: إنت متضايق من حاجة؟ لو عشان..."
قاطعها يوسف:
"يوسف: لأ أبدًا مفيش حاجة. وعشان ترتاحي ومتشغليش بالك، الأوضة كبيرة. حتنامي إنتي هنا على السرير وأنا حنام على الكنبة دي."
بالتأكيد مازال مستاءً مما حدث، هكذا حدثت نفسها بضيق لتبتلع كلماتها وتومئ له بالإيجاب، تفهماً لرغبته، ليته يدرك أنها بالفعل لم تقدر أن تكون مثل أي فتاة بليلة زفافها وأن كل ما حدث كان رغماً عنها. ليته يدرك ذلك. ومع ذلك، رأت "ورد" أن تركه لها بدون ضغط سيشعرها ببعض الراحة وأن مع الوقت سيصبح الأمر أبسط بكثير لقربهم وعشرتهم سوياً.
***
بعد بضعة أيام...
ظل الحال بينهما كما هو، وتجنب "يوسف" "ورد" تماماً، فمازال بقايا حديثه مع "حسام" يقبع بنفسه ويقف حائلاً بينه وبينها. تخوفت "ورد" كذلك من التعامل مع أم "يوسف" و"دعاء" بشكل كبير، فهي لم تعتد عليهم بعد وظنت أن وجودها معهم يشعرهم بالضيق بعد مقابلتهم الجافة لها، فكانت تلتزم ببقائها بغرفتها أغلب الوقت أو أن تذهب للمستشفى لزيارة والدها.
***
حسام...
بعد زواج "ورد"، شعر "حسام" بالخيبة، فقد ظن أن مخطط والدته سيجعل "يوسف" يثور على "ورد" ولن يقبل إتمام زواجه منها، لكن استمراره بزواجهم أحبطه للغاية ولم يجد ما يستطيع فعله. فلابد أن كل شيء قد كُشف وظهر عجزه وفُضح أمره وأمر كذبه على "يوسف" بعد اكتشاف أنه لم يمس "ورد" بتلك الليلة، فقضى وقته يغيب بعقله باحتسائه للخمر لينسى أمر فضيحته وكشف ستره.
***
شركة الأقصى.
ضرب "شريف" مكتب "يوسف" بكفه وقد اتسعت ابتسامته بغبطة هاتفًا بحماس بالغ.
"شريف: بارك لي يا يوسف."
"يوسف بتجهم: مبروك."
عقص "شريف" أنفه باشمئزاز مازحًا من تجهم صديقه بهذا الشكل المبالغ فيه.
"شريف: هو إيه اللي مبروك؟ مش تسأل على إيه طيب؟"
"يوسف: ما أنا عارف، باين على وشك أهو."
"شريف: هو إيه اللي باين على وشي؟"
أمال "يوسف" وجهه التعيس لتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة مردفاً بذكاء.
"يوسف: السنيوريتا بتاعتك، شكلها وافقت إنها تتجوزك."
رفع "شريف" حاجبيه واتسعت عيناه باندهاش لإدراك "يوسف" ذلك بذكائه الفطري.
"شريف: يا ابن الإيه؟ عرفت إزاي؟ أنا فعلًا كنت جاي أقولك إني مسافر الأسبوع الجاي عشان أخطبها رسمي."
"يوسف: مش بقولك باين على وشك."
بحديثه الملتف أردف "شريف" متهكمًا من حال صديقه قائلاً:
"شريف: والله كل واحد فينا باين على وشه، مش أنا بس."
"يوسف: قصدك إيه؟"
"شريف: إنت فاكرني مش واخد بالي. إنت متغير ومهموم طول الوقت من بعد الفرح. وأنا مش راضي أسألك عشان مبقاش بتدخل. بس إنت مش طبيعي خالص. إيه... ندمت؟"
أسند "يوسف" جبهته بكفه وهو يضع مرفقه فوق سطح المكتب بتعاسة حقيقية قبل أن يزفر بضيق.
"يوسف: فيه حاجات مش قادر أتقبلها خالص ومش هقدر أقولك عليها."
"شريف: ولو، أنا فاهم دماغك دي. بس ممكن تفكر من ناحية تانية."
رفع "يوسف" وجهه باستفهام.
"يوسف: إزاي يعني؟"
"شريف: يعني... إنت شايف ورد عن قرب دلوقتي؟ هل هي فعلًا زي ما أنت بتظن في دماغك ولا لقيت إن الواقع مختلف؟"
يفكر لبعض الوقت أردف "يوسف".
"يوسف: الصراحة اللي أنا شايفه... إنها إنسانة كويسة ومحترمة ورقيقة وجميلة. بس!"
"شريف: أيوة... هي بس دي؟ يا أخي إنت إيه دماغك الحجر دي؟ طالما مشفتش منها وحش بتحكم عليها ليه إنها وحشة؟ إنت ليك اللي إنت شايفه بعينيك وحاسه بقلبك. متضيعهاش من إيدك يا يوسف."
"يوسف: بحاول والله."
لكن للحظة مضيئة أنارت طريقًا مظلمًا بداخله، ترائى له بحديث "شريف" حين قال (فكر من ناحية تانية) وكأنه أبصر شيئًا لم ينتبه له من قبل. كيف استطاع تصديق طليقها بأنه صادق بحديثه ولا يفترى كذبًا عليها؟ أمن المعقول أن يقول بها كلمة حق بعدما انفصلوا عن بعضهم البعض؟ ألا يمكن أن يكون هو من يفترى عليها وأنها مظلومة بادعائه وطعنها بشرفها وسلوكها؟ أما آن الأوان أن يعرف ما حدث معها وسبب طلاقها حقيقة؟ فهو الآن له الحق في ذلك فقط ليطمئن قلبه. لكن كيف يعرف؟ هل يسأل والدها في ظل حالته الصحية هذه؟ أم يسألها هي عن ذلك؟ ولكن كيف؟ أم يتناسى ذلك ويبدأ معها من جديد ببداية جديدة؟
***
شقة يوسف.
وجودها بمفردها أغلب الوقت بغرفتها أشعرها بملل شديد، فقررت الخروج من قوقعتها والانغماس وسط هذه العائلة، فربما تسعد بصحبتهم ويسعدوا بصحبتها. اتجهت نحو المطبخ حين استمعت لصوت أم "يوسف" و"دعاء" بالداخل، لتقف بباب المطبخ قائلة بخجل.
"ورد: ممكن أساعدكم؟"
توقعت ترحيبًا طفيفًا أو ربما تجهمًا كما كان بمقابلتها معهم بذلك اليوم، لكنها فوجئت بجذب "دعاء" لها من مرفقها وهي تخلع عنها مريول المطبخ وتلبسها إياه بطريقة مازحة شقية.
"دعاء: وهو ده سؤال؟ تعالي يا أختي تعالي. المطبخ كله أهو. ابدعي."
ضحكت "ورد" على مفاجأتها برد فعلها الطريف مردفة بمزاح.
"ورد: على طول كده! طب امسكي فيا شوية؟"
"دعاء: وأحرمك من شرف دخول المطبخ؟ لاااا."
ضحكت "ورد" حقًا من قلبها، فهذه الفتاة ظريفة للغاية. لكن أم "يوسف" نهرت "دعاء" عن ذلك قائلة.
"أم يوسف: بس يا دعاء. ورد لسه عروسة."
"ورد: لا يا طنط أنا بحب كده أوي. لو مش هضايقكم يعني."
"أم يوسف: لا يا بنتي تضايقينا إيه. إحنا بس مش عايزين نتعبك."
شعرت "ورد" براحة لعودة أسلوبهم المحبب المرحب بوجودها، لتعالى ضحكتها عندما صاحت "دعاء".
"دعاء: يا ستي سيبيها. وحلوا عني شوية بقى. خلوني أعيش طفولتي اللي معشتهاش. أخرج بقى وأتمرجح براحتي."
أخرجت "ورد" ضحكتها بصوت عالٍ مسموع لأول مرة، لدرجة هي نفسها تعجبت لها، فهي لم تضحك هكذا منذ زمن طويل. اندهشت "دعاء" من ضحكات "ورد" العالية لتردف بخفة ظل.
"دعاء: الله... ده إنتي بتضحكي زينا أهو. أيوة اطلعي بقى من دور الرقة والحركات المايعة دي وطلعي "جعفر" اللي جواكي."
ضحكت "ورد" مرة ثانية بقوة حتى تساقطت الدموع من عينيها من كثرة الضحك.
***
يوسف...
تفكيره الشديد وذهنه الشارد جعله منهكًا تمامًا حتى أصبح غير قادر على إكمال عمله اليوم. استأذن للخروج مبكرًا والعودة للمنزل للراحة، فلا داعي لبقائه بالشركة فهو غير منتبه لعمله اليوم مطلقًا. صعد باتجاه شقتهم ليدلف إلى الداخل مغلقًا الباب من خلفه، لكن لم ينتبه لعودته أحد منهم، فقد استمع لصوت ضحكات آتية من المطبخ جعلتهم لا ينتبهون لعودته مبكرًا. اتجه نحوهم فربما تصيبه عدوى الضحك ويسعد معهم لبعض الوقت، فهو بالفعل يحتاج لتلك الضحكة.
***
المطبخ...
نظرت "دعاء" بنظرة اشمئزازية مازحة عاقصة أنفها بقوة وهي تتمعن بالطبخ الذي أعدته "ورد" لطعام الغذاء، متعجبة من شكله النهائي فيبدو أن "ورد" لا خبرة لها بصنع الطعام مطلقًا.
"دعاء: وأنا اللي قلت أخيرًا هرتاح وجت لنا اللي بتحب قعدة البيت! إيه ده ياما؟"
لم تعد "ورد" قادرة على السيطرة على ضحكاتها مع "دعاء" التي لا تكف مطلقًا عن المزاح. نظرت نحو الطعام متعجبة من رد فعل "دعاء" حين وقعت عيناها عليه.
"ورد: ماله بس يا دودو؟ ما هو حلو أهو."
"دعاء: استغفر الله العظيم. وأما ييجي الجدع من الشغل نأكله إيه بس؟"
تمايلت "ورد" بدلال وهي ترقق صوتها بنعومة لا تحتاجها مطلقًا، فأصبحت شعلة للفتنة تطيح بقلوب من يسمعها تتغنج بهذا الدلال والنعومة.
"ورد: مالكيش فيه يوسف حبيبي هياكله كله عشان عملته بإيدي."
كانت "دعاء" تتابع حديثها مع "ورد" وهي ترى "يوسف" يقف من خلفها بباب المطبخ يتابعهم بابتسامة عريضة وعينين عاشقتين لتلك المتدللة. أشارت دعاء بكفها تجاه باب المطبخ وهي تردف:
"دعاء: طيب... أدي الجمل وأدي الجمال. اتفضل دوق أنت عمايل إيد مراتك."
بهتت "ورد" لسماعها "دعاء" تحدث "يوسف" الذي يقف خلفها، ليدق قلبها بقوة ضاربة تهدج لها صدرها وهي تشهق بصدمة. استدارت ببطء تدعو بداخلها أن تكون "دعاء" مازالت تمزح معها وأنه لم يستمع إليها تتحدث بتلك الصورة الخليعة المتغنجة للغاية. لكنها وجدته بالفعل يقف أمامها مسلطًا عينيه البراقتان نحوها بقوة، تيبست لها جسدها تمامًا وتوهجت وجنتاها بحمرة قاتمة لخجلها الشديد. تمنت بلحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها.
كان "يوسف" يتابع حديثهم المضحك عن الطعام حتى سمع اسمه مقترنًا بكلمة "حبيبي يوسف"، خاصة وهي تتمايل بتلك النعومة والدلال، لتسقط حصونه التي ظن أنها قوية راسخة، لتتلاعب تلك الناعمة بقلبه كعازف سمفونية على أوتار قلبه. قلبه هذا الذي لم يتحمل سيطرته عليه، لينتفض بقوة معلنًا عشقه المتيم بوردته الرقيقة.
نظرت "دعاء" نحو "ورد" التي احمر وجهها بقوة لتهتف ساخرة منها.
"دعاء: إيه الستات اللي بتتكسف من جوازها دي! عوض علينا يا رب. أهو جه أهو أكله بقى يا أختي."
لكزت "ورد" "دعاء" بمرفقها لتصمت قليلاً، فيكفيها حرجًا ما هي فيه.
"ورد: بس يا دعاء."
اقترب منهم "يوسف" يطالع "ورد" بنظراته الهائمة قائلاً دون أن يثني عينيه عنها محدثًا "دعاء".
"يوسف: طب إيه رأيك حاكله؟ ومن غير ما أدوق عارف إنه حيبقى تحفة."
"دعاء: ربنا يهني سعيد بسعيدة. أنا رايحة أشوف ماما."
تركتهم دعاء بمفردهم، لتحاول "ورد" إيجاد مبرر لما تفوهت به منذ قليل وهي تبتلع ريقها بصعوبة واضطراب شديد.
"ورد: أصل... ااا..."
"دعاء يعني... هي اللي بتهزر وكده."
دنا منها "يوسف" أكثر حتى تلاشت المسافة الفاصلة بينهما، ومازالت عيناه مسلطتان على زرقاوتيها مستسلمًا لعشقه وقلبه الصارخ بحبها، قائلاً بهمس ذاب له قلبها وكيانها لتشعر بارتجاف جسدها بقوة.
"يوسف: ومالك مكسوفة ليه كده؟ إنتي قلتي حاجة غلط؟"
تحدثت بصعوبة بالغة فقد تلاشت قواها وعلا صوت ضربات قلبها المسموعة، لتجيبه بصوت هامس متقطع.
"ورد: لا... بس... يعني..."
نظر يوسف مطولاً لعيناها الجميلتان ليحدث نفسه بعد أن انهارت قلاعه التي صنعها بداخله كحاجز بينهما.
(بحبك... بجد. مش عارف عملتي فيا إيه. حتى الزعل مش قادر أزعل منك.)
لكن ما تفوه به كان شيئًا آخر تمامًا حين أردف.
"يوسف: متفكريش في الكلام قبل ما تقوليه. قولى اللي إنتي عايزاه على طول. ده بيتك ودي حياتك متخليش أي حاجة تضغط عليكي. اطبخي اللي إنتي عايزاه واعملي اللي إنتي عايزاه."
"ورد: مش حتضايق؟"
"يوسف: لأ طبعًا."
تراجعت "ورد" خطوة للخلف تخفي خجلها الشديد من قربه، لتضع بعض الطعام بأحد الأطباق قائلة.
"ورد: طب دوق بقى من غير تريقة."
لكنهم فجأة سمعوا صوت "دعاء" تنادي مستغيثة بهم.
"دعاء: يوسف... ألحق يا يوسف."
رواية اشواك الورد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم قوت القلوب
عيناكِ بحر أغرقني وشوقي إليكِ ينهيني
إلى متى سأبحر ضد التيار وغور بحورك يجذبني
سأموت غرقاً لو لم يلحقني طوق النجاة ويحميني
لحظات غاب بها العقل والتفكير ليسيطر القلب
الذي ترك عنانه لتلك الناعمة تعبث بكيانه
بنظرة رقيقة وخجل مكتسح
غابا عن واقعهما بلقاء تراقصت له دقات قلوبهم فرحاً
حتى علا صوت أخته بفزع يناديه بإستغاثة
ليفيقا من هيامهما بخطوات متسارعة يلبون النداء
خرج "يوسف" أولاً ليقابل "دعاء"
التي قد أقدمت نحوهم لطلب مساعدتهم
ليهتف بها بقلق
يوسف: إيه إللي حصل؟
بإضطراب وتخوف أشارت "دعاء" تجاه المرحاض
وهي تعود بخطواتها إليه قائلة
دعاء: إلحق يا "يوسف" ماما إتزحلقت ووقعت في الحمام
لم تنتظر "ورد" دعوة لأي منهما طلباً لمساعدة والدتهم
لتهم على الفور بتخطيهم متجهة نحو المرحاض
وهي تنحني بقوة وتمد ذراعها إليها قائلة
ورد: إسندى عليا يا طنط
بتألم شديد أردفت أم "يوسف"
وهي تطالع تلك الضعيفة أمامها
فهي لن تتحمل ثقل وزنها
ام يوسف: لا يا بنتي أنا تقيلة عليكِ
بإصرار شديد وهي تحاول إسنادها
بوضع ذراعها فوق كتفيها قائلة
ورد: لا يا طنط .. مش تقيلة ولا حاجة .. إسندى عليا بس
بإحراج بالغ وضعت أم "يوسف" ذراعها تحاوط كتفي "ورد"
تتكئ عليه لتسندها "ورد"
وهي تحيط خصرها بذراعها حتى تستطيع رفعها من الأرض
وقفت أم "يوسف" بتألم شديد لإلتواء كاحلها
حين هم "يوسف" بإسناد والدته من الجانب الآخر
ليخف حملاً عن "ورد"
تحركت أم "يوسف" ببطء تجاه غرفتها
مستندة على كتفيهما
حتى جلست فوق فراشها تاركة وزنها الثقيل
يرتمي حمله عليه فقد أثقلت كثيراً عليهما
رفعت أم "يوسف" ساقها المتألمة
لتمددها أمامها
حين أسرعت "ورد" بالاتصال بطبيبهم الخاص
للمجيء في الحال لفحص أم "يوسف"
نظرت أم "يوسف" نحو "ورد" بإمتنان بالغ
مردفة بنبرة متألمة
ام يوسف: تسلميلي يا بنتي
ورد: أنتي زي ماما الله يرحمها يا طنط متقوليش كده
ربتت أم "يوسف" على كتفها بحنان
كانت "ورد" بأمس الحاجة لتلك اللمسة الحانية
لترتمي بأحضانها بحب حقيقي
فهي تحتاج لضمتها كثيراً
فقد افتقدت حنان الأم الذي رأته في هذه السيدة الطيبة
لم يُطلب منها المساعدة ولا إظهار تلك المشاعر والقلق على والدته
ليتابع "يوسف" اهتمام "ورد" الشديد بوالدته
شاعراً بسعادة تزيد من قيمتها بقلبه لحبها لأمه معشوقته الأولى
تأثر "يوسف" كثيراً بذكرها لوفاة والدتها وافتقارها لحنان الأم
فهو يدرك إحساس الفقد جيداً
بعد وقت قليل
حضر الطبيب وعالج كاحل أم "يوسف" الملتوي
ليطلب منهم الاهتمام براحتها التامة
وعدم الضغط على قدمها مطلقاً لمدة أسبوع كامل
بدون حركة مجهدة
تفصل بيننا أسوار وهمية لكننا غافلون عنها
فلو استطعنا لهدمناها وأمددنا جسوراً تصل بين قلوبنا
برغم تلك المشاعر التي فاضت بين قلوبهم
إلا أن كلاً منهما التزم موضعه بتخوف
تمسك "يوسف" بأسواره الوهمية وبعده عن "ورد"
ليقى قريباً بعيداً لم يتجرأ ويهدم تلك الأسوار
التي بناها بينهما
بينما كانت "ورد" تنتظر بادرته هو
ظناً منها أن تخوفها بليلة زفافهم هي السبب ببعده عنها وتركها
حتى تتقبل وجوده بحياتها تدريجياً
لتمر الأيام ومازال كل منهما يتخذ جانباً بعيداً عن الآخر
ورد... تعلقت بهذه الأسرة الطيبة بالفعل
وشعرت معهم بالألفة والحب
ساعدت أم "يوسف" كثيراً خلال هذه الفترة
التي عجزت فيها هذه السيدة الطيبة عن التحرك من تلقاء نفسها
حتى أنها تعلقت بـ"ورد" للغاية
وكمنت محبتها بقلبها كابنتها "دعاء" تماماً
كلما مر الوقت شعرت "ورد" بتعلقها بـ"يوسف" وعشقها له
ولوجوده وكلماته
عشقها لسماع صوته إلى جانبها
تستمتع بحديثه دائماً معها أو مع والدته ومزاحه اللطيف مع "دعاء"
حتى لو كان مازال يتخذ منها جانباً
إلا أنها تشعر بأنه يبادلها نفس شعورها نحوه
حتى لو لم ينطق بها لسانه
تمنت لو أن الحاجز بينهم يختفي تماماً
لكنها لن تستطيع المبادرة وستظل في انتظاره
فخجلها يمنعها من أن تقدم هي على الخطوة الأولى
عبد المقصود ... لم تمر الأيام على الجميع مرور الكرام
بل هناك من تمر عليه بألم وإعياء
فقد بقى "عبد المقصود" بالمستشفى يتلقى علاجه
لكن مع الأسف كانت حالته تزداد سوءاً
تناوب "يوسف" و"ورد" زيارتهم اليومية له
فـ"ورد" تمر به صباحاً
بينما يمر به "يوسف" بعد انتهاء عمله بالشركة
شريف ... اقترب موعد سفره لطلب محبوبته للزواج
بعد أن وافقت على ذلك
وكان عليه التقدم بإجازة للسفر عدة أيام
لكنه مازال بانتظار الموافقة عليها
تحمس "شريف" كثيراً لتلك الخطوة الجديدة بحياته
للاستقرار وبناء أسرة صغيرة مع من دق لها قلبه
شقة يوسف
بعد تجهيزها لطعام الإفطار لوالدة "يوسف"
وحملته إليها بغرفتها فهي مازالت لا تستطيع الحركة بعد
وضعته "ورد" أمامها ببسمة لطيفة
اعتدت أم "يوسف" على رؤيتها بوجهها البشوش
شعرت أم "يوسف" بأنها قد أثقلت كثيراً على "ورد"
خاصة وقد تأخرت اليوم كثيراً على موعد زيارة والدها بالمستشفى
ام يوسف: إتأخرتي يا بنتي على باباكي النهارده
ورد: معلش يا طنط .. نفطر سوا الأول وبعدين أروح
ام يوسف: ربنا يراضيكى يا بنتي
ترددت أم "يوسف" كثيراً بسؤالها
فقد لاح هذا التساؤل بنفسها كثيراً
ولم تعد تستطيع منع نفسها عنه
فقد رأت من تلك الفتاة طيب المعشر وحسن الخلق
ام يوسف: معلش يا بنتي في السؤال .. أنا عندي سؤال ونفسي أعرف إجابته
ورد: إتفضلي يا طنط
ام يوسف: يعني ااا .. أنتي ما شاء الله عليكي جميلة ورقيقة وبنت ناس وعشرتك طيبة .. إتطلقتي ليه يا بنتي؟
جلست "ورد" بطرف الفراش
وقد اختفت تماماً تلك الابتسامة الرقيقة
ليحل الحزن والتجهم على ملامحها
حين لاحت تلك الذكرى أمام أعينها
سحبت شهيقاً مؤلماً للغاية
وهي تردف بإنكسار
ورد: أنا حقول لحضرتك
استرجعت ذكريات تلك الليلة المشؤومة
وهي تقص لها سبب زواجها من هذا المتوحش
إلى أن أخبرتها بما فعله بها بليلة زفافهم
تأثرت أم "يوسف" للغاية
وهي تلمس وجعها وتهشم روحها بإندهاش تام
لما حدث معها
ام يوسف: حبيبتي يا بنتي .. ده انتي ربنا بيحبك إنك خلصتي منه
ورد: الحمد لله
ام يوسف: والله يا بنتي ما حتلاقي أحن من "يوسف" ابني .. مش عشان هو ابني والله .. بس هو طيب قوي
هي لا تنتظر أن تخبرها بذلك فقد علمت ذلك يقيناً
فـ"يوسف" رجل لا يعوض مطلقاً
لتردف "ورد" بتحسر
ورد: عارفه يا طنط .. عشان كده أنا عارفه إني معذباه معايا .. بس أنا برضو لسه بخاف
ام يوسف: واحدة واحدة يا بنتي .. انتي خلاص أخدتي علينا وبقيتي واحدة منا
ورد: طبعاً يا طنط
ام يوسف: خلاص بقى .. بلاش طنط دي وقوليلي يا ماما
ورد بإبتسامة: حاضر يا ماما
أروح أنا أنادي "دعاء" بقى نفطر سوا
ام يوسف: ماشي يا بنتي
تركتها "ورد" لتمر بغرفة "دعاء"
لتدعوها لتناول الفطور معهم
لكنها قبل أن تطرق بابها
استمعت لصوت "دعاء" تتحدث بالهاتف
لتنتبه بإستراب أنها تتحدث مع شاب ما
إسترعى ذلك انتباهها كاملاً
لتنصت لحديثها معه باهتمام بالغ
دعاء: وبعدين يا "مرزوق"؟
مرزوق: أعملك إيه بقى .. ما انتي مش واثقة فيا بعد كل ده؟
دعاء: أبداً يا "مرزوق" والله .. بس ..!!
مرزوق: خلاص يا "دعاء" .. خلاص
طريقته المقتضبة جعلتها تترجى أن يسامحها
على تشبثها برأيها ورفضها لمقابلته
دعاء: انت زعلت .. استنى بس !!!! .. ما أنا كمان مينفعش أقابلك
مرزوق: وهو أنا بقولك حنبقى لوحدنا .. أختي "ملك" حتبقى موجودة وماما كمان نفسها تشوفك ..... لو مش مصدقاني .. خدي "ملك" أهي تقولك ....
بدون موافقة منها أو رفض
وجدت أخته "ملك" تحدثها بمزاح
ملك: ألو ... أيوة يا ست "دعاء" .. إيه مش عايزة تشوفينا ولا إيه؟!!!! ... ده أنا وماما نفسنا نشوفك من كتر ما "مرزوق" حكى لنا عليكي
شعرت "دعاء" بغبطة وراحة بنفس الوقت
لسماع أخته تخبرها بذلك
لتبتسم بفرحة
فهو يتحدث عنها دائماً ويريد أن يتقرب منها أكثر
وتتقرب أكثر من عائلته
أستكملت "دعاء" حديثها مع "ملك"
وقد لانت أفكارها قليلاً
فلا داعي لذلك فأخته تحدثها بنفسها
دعاء: إن شاء الله حاضر
عاد "مرزوق" ليحدثها مرة أخرى
مرزوق: ها يا ستي صدقتي؟!!!!
دعاء: خلاص يا "مرزوق" .. إدينى العنوان حاجي لك أهو .. بس خد بالك .. أنا مينفعش أتأخر ...!!!
مرزوق: حاضر
أنهت "دعاء" مكالمتها مع "مرزوق"
وقد لاحت بوجهها تلك الابتسامة البلهاء
لتندهش "ورد" تماماً مما سمعته للتو
مرزوق
تبدلت ملامحه المحبة لأخرى ماكرة للغاية
فقد انتصر أخيراً بإستمالة تلك الفتاة
نظر نحو "ملك" التي مازالت تقف إلى جواره
يثني على ما فعلته للتو
مرزوق: يا بت الإيه !!! .. ده أنا صدقتك ..!!!
علت ضحكتها الرقيقة وهي تستطرد
ملك: عيب عليك يا "زوقه" ... إيدك
أخرج بعض الأوراق المالية ليدفع بها بيدها الممدودة قائلاً
مرزوق: مبتنسيش حقك أبداً .. بس تستاهلي .. خدي .. حلال عليكي
مرزوق: المهم إنها أخيراً جايه خلاص .. تعبتني أوي بت اللذينة دي
شركة الأقصى
جلس "يوسف" بمفرده بالمكتب
بعد سفر "شريف" هذا الصباح
متذكراً الأيام الماضية بينه وبين "ورد"
بالعديد من المواقف التي أرهقت قلبه المتحير
يوسف: أنا تعبت وأرهقت أوي من التفكير
مش قادر أبعد عنها ولا قادر أقرب لها
بس حبيتها وقلبي فعلاً اتعلق بيها
خلال تلك الأيام وما رآه منها
شعر بأن هناك شيء خاطئ
كيف تكون مستهترة خاطئة ضحت بشرفها وبرائتها
كما قال طليقها وهي خجولة لهذا الحد
فمن مثلها تكون فتاة لعوب جريئة ليس بها ذرة حياء واحدة
وهذا ليس بـ"ورد" إطلاقاً
يوسف: إزاي ... أنا مش فاهم ولا داخل دماغي ... "ورد" من النوع الخجول أوي إزاي تكون غلطت مع واحد بالشكل ده
لأ ... أنا حاسس إن فيه حاجة غلط
دعاء
استعدت لمقابلة "مرزوق" لأول مرة
مع إلحاحه الشديد خلال الفترة الماضية
خاصة وأنه أوهمها أن والدته وأخواته يريدون التعرف عليها
وأنه قد طلب من والدته التقدم رسمياً لخطبة "دعاء" من أخيها "يوسف"
ومع هذا الإلحاح الشديد
اضطرت أن تذهب اليوم لإرضائه فقط
وبذلك تثبت له أنها حقاً تثق به
استقلت إحدى سيارات الأجرة متجهة نحو العنوان
الذي وصفه لها "مرزوق"
حتى وصلت إلى البناية التي وصفها إليها
لتجده بالفعل يقف بانتظارها برفقة إحدى الفتيات
والتي أرجحت أن هذه الفتاة بالتأكيد هي أخته "ملك"
دعاء: دي أكيد "ملك" أخته جت معاه عشان أطمن إنه مش لوحده
طلبت من السائق أن يتوقف
لتترجل من السيارة وهي تعدل من وضع حقيبة كتفها
ناظرة بابتسامة ساذجة تجاه "مرزوق" وأخته
أقبل "مرزوق" نحوها مرحباً بها قائلاً
مرزوق: أهلاً "دعاء" .. تعالي أعرفك على "ملك" أختي
دعاء: آه طبعاً .. إزيك يا "ملك" ....؟؟
ملك: تمام .. انتي إزيك ...؟؟
دعاء: الحمد لله
لتنظر "ملك" تجاه "مرزوق" قائلة بمجامله لطيفة
ملك: لا يا "مرزوق" .. دي زي القمر .. أحلى من وصفك ليها بكتير .... ده يا ستي مش مبطل كلام عنك .. لما خلانا مشتاقين أوي نشوفك
اتسعت ابتسامة "دعاء" لتردف بسعادة بالغة
دعاء: بجد ...!!
ملك: أه طبعاً .. وماما مستنياكي فوق ... يلا بينا
دعاء: آه تمام
بعتاب لطيف أردف "مرزوق" مازحاً
مرزوق: خلاص اتصاحبتم ونسيتوني ولا إيه ....؟؟
ضحكت كلتاهما على أسلوب "مرزوق" اللطيف
لتأشر لها "ملك" بالتقدم إلى داخل البناية
خطت "دعاء" بضع خطوات
قبل أن تتلفت "ملك" يميناً ويساراً
وهي تأشر لـ"مرزوق" بعينيها غامزة
ليومئ لها بالتفهم
أخرجت "ملك" قطعة من القماش من داخل حقيبتها
ووضعتها بسرعة فوق أنف "دعاء"
التي شعرت بتثاقل شديد برأسها في الحال
ودارت الدنيا بها وأصبحت رؤيتها ضبابية للغاية
تراخى جسدها على الفور
ليلقفها "مرزوق" فوق ذراعه ليسندها من جانب
و"ملك" من الجانب الآخر
شعرت "ملك" بثقل جسد "دعاء" فوق كتفها
لتهتف بعدم تحمل وهي تبتعد عن جسد "دعاء" المتراخي
قائلة بتهرب
ملك: أنا كده عملت إللي عليا .. أنا حمشي عشان اتأخرت وأنت براحتك بقى يا "زوقه"
لم تمهله حتى فرصة للحديث
واختفت تماماً من أمامه
ليتبقى بمفرده يحاول الوصول إلى المصعد
لوضع "دعاء" به ليصعد نحو شقته
حين باغه فجأة رجل ما من الخلف
ورد
بموعدها اليومي تجهزت "ورد" للذهاب للمستشفى
لكنها لم تذهب إلى هناك اليوم
واستقلت إحدى سيارات الأجرة لمراقبة "دعاء"
بعد أن تأكدت إنها ستقابل شاب ما
مما سمعته منها عبر مكالمتها الأخيرة
وتوجس قلبها بعدم اطمئنان لما سيحدث
كانت تتابع "دعاء" حين التقت بأحد الشباب ومعه فتاة أخرى
وبعد قليل شاهدتهم وهم يحاولون تخديرها
والزج بها لداخل البناية
اتسعت عينا "ورد" بفزع
فقد أيقنت أن هذا الشاب سيؤذي "دعاء" حتماً
لم تجد من تستنجد به سوى سائق هذه السيارة
لتترجاه بنبرة متخوفة
ورد: لو سمحت ... البنت دي أختي وشكلهم خدروها
ممكن تساعدني نجيبها نروحها البيت؟!!
ثارت الدماء بعروق هذا الرجل الشهم
واعتبرها بمثابة ابنته
ليفزع لها بقوة
السائق: طبعاً يا بنتي .. ربنا يستر على بناتنا وينتقم من الأشكال دي
أسرع السائق ومن خلفه "ورد" نحو "مرزوق"
الذي كان قد استطاع الوصول إلى المصعد بالفعل
أمسكه من ذراعه وضربه ضربة واحدة بقوة
كانت كفيلة بإيقاع "مرزوق" أرضاً
فتلك الضربة لم يكن يتوقعها من الأساس
هوت دعاء أرضاً حين تركها "مرزوق"
فأسرع السائق بحملها عائداً إلى السيارة
واضعاً إياها إلى جوار "ورد"
ليعودا من حيث أتيا
مر كل ذلك أمام نظر "مرزوق" المندهش
دون أن يتحرك حركة واحدة من مكانه
ربما دهشة وربما خوف
شقة يوسف
توقفت السيارة أمام البيت الذي يقطن به
ليخرج السائق مرة أخرى حاملاً "دعاء" للأعلى
لمساعدة "ورد" التي لن تقدر على حملها
دلفت "ورد" إلى الداخل
وهي تفسح مجالاً له لوضع "دعاء" فوق الأريكة بالصالة
تشكره بامتنان
ورد: شكراً لحضرتك على وقفتك معايا
السائق: أنا عندي قدها ربنا يسلمهم كلهم يا رب
ورد: آمين يا رب
ام يوسف
تلك الأصوات الغريبة التي سمعتها بالخارج
جعلتها تقلق للغاية
لتنادي بصوت مسموع
ام يوسف: يا "دعاء".... يا "ورد" ....
انتبهت "ورد" لندائها
فدَلفت إلى غرفتها على الفور
ورد: خير يا ماما محتاجة حاجة ...؟؟
ام يوسف: لا يا بنتي .. سمعت صوت غريب بس ... مين إللي بره ...؟؟
تفكرت "ورد" لوهلة ولم تشأ أن تقلقها
فأردفت مبررة
ورد: أبداً يا ماما دي "دعاء" ... داخت وهي رايحة الكلية فأتصلت بيا رحت جبتها وسايباها ترتاح بره
ام يوسف: بجد ... وهي كويسة
ورد: الحمد لله ... متقلقيش أنا معاها
ام يوسف: تاعبينك معانا يا بنتي والله
ورد: متقوليش كده يا ماما .. أنا بعتبر "دعاء" أختي الصغيرة بجد
ام يوسف: ربنا يفرح قلبك يا بنتي
ورد: حروح بقى أطمن على "دعاء"
دعاء
بدأت تستفيق من أثر ذلك المخدر
لتشعر بدوار رهيب يجتاح رأسها
وضعت كفها بألم فوق جبهتها
لتنتبه بفزع لما حدث
دعاء: أه يا راسي ... إيه ده ...؟؟ أنا فين ...؟؟
انتفضت جالسة وهي تتذكر ما حدث مع "مرزوق" و"ملك"
لكنها وجدت نفسها بمنزلهم
و "ورد" تجلس إلى جوارها تطمئنها بابتسامتها العذبة
ورد: متخفيش يا "دعاء" ربنا ستر حبيبتي ... اطمني انتي في بيتك
اتسعت عيناها بذعر وهي تهتف بانفعال متخوف
دعاء: حصل إيه ....؟؟؟
ورد: متخافيش ... أنا كنت ماشية وراكي بالتاكسي
ولما شفتهم بيخدروكي نزلت وجبناكي على هنا على طول
تجربة قاسية لم تستطع تحملها
لتنهار باكية
فلم تفكر للحظة بأن "مرزوق" قد يخفي تلك النوايا الخبيثة بداخله
يتظاهر بالمحبة وهو ثعبان يحيك شرائكه للفتك بها
دعاء: مكنتش فاكرة إن حيحصل كده أبداً .... أبداً ... بس اااا ... أنتي عرفتي منين ....؟؟
ورد: غصب عني سمعتك وأنتي بتتكلمي في التليفون ... ومشيت وراكي عشان أطمن عليكي
وسط دموعها المنهمرة
صمتت للحظة وهي تتطلع نحو "ورد" بنظرة توجس ورجاء
دعاء: حتقولي لـ"يوسف" ....؟؟
ورد: لأ طبعاً .... المهم أنتي متعمليش كده تاني ... و إللي عايزك ييجي هنا لحد بابك
غير كده انتي بتهيني نفسك وتقللي منها
شعرت بالخجل من تصرفها الأحمق
وانسياقها خلف هذا التيار
الذي كاد أن يسقطها بمجهول لم تكن لتهرب منه
لولا إنقاذ "ورد" لها
دعاء: عندك حق ... أنا غلطانة ... أنا دايماً كنت حاسة إني بعمل حاجة غلط ... بس كنت بحب أوي إني أحس إنه مهتم بيا وبيحبني .. كنت عايزة أحس إني محبوبة كده
ورد: وأنا معاكي أهو أصحاب وأخوات .. لكن متضيعيش نفسك مع حد مش مقدر قيمتك .. انتي غالية أوي
لأول مرة تشعر "ورد" بأنها حكيمة ومؤثرة بمن حولها
شعرت بقدرتها على التصرف وإنقاذ "دعاء" من بين يدي هذا الغادر
شعرت بأنها ليست سلبية لتلك الدرجة
بل أن لها القدرة على التصرف بحكمة
وأنها مسؤولة عن أخت صغرى وعليها حمايتها
ألقت "دعاء" بنفسها فوق صدر "ورد"
ترتمي بأحضانها باكية بقوة
دعاء: أنا بحبك أوي يا "ورد" ... يا بخت "يوسف" بيكي .....
ابتسمت "ورد" بخفة
حين لاح خيال "يوسف" أمامها
حين ذكرته "دعاء"
بعد تيقنها أن موعد زيارة والدها الصباحية قد انتهت
ولم تجد فرصة لزيارته قررت البقاء
فـ"يوسف" سيمر به بالمساء وسيطمئنها على حاله
وفى الغد عليها زيارته مبكراً عوضاً عن اليوم
غرفة ورد
اقترب موعد عودة "يوسف"
وهي مازالت تفكر بما فعلته اليوم
ذلك الأمر البسيط بالنسبة لغيرها
لكن ما قامت به أمر لا يمر بتلك السهولة على نفسها
بعض الثقة بنفسها جعلتها تظن
أن هناك أمور أخرى تستطيع القيام بها
ولا تنتظر بديلاً عنها
"يوسف" ... هذا الرجل الذي يستحق منها فرصة
ليكون له دور بحياتها
فلا يجب عليها البقاء ساكنة طوال الوقت
فربما هو أيضاً ينتظر إشارة منها
ليخرج عن صمته وانتظاره
لهذا يجب عليها أن تعطيه
وتعطي نفسها الفرصة ليعيشوا حياتهم الطبيعية كزوج وزوجة
وقفت أمام خزانه ملابسها
لتخرج فستان قصير باللون الأسود
بتردد شديد نظرت إليه
فهو بمثابة دعوة صريحة لأن يتقدم "يوسف" بخطوته تجاهها
حسمت أمرها وارتدته
أطلقت شعرها الذهبي
بعد أن وضعت القليل من مساحيق التجميل
لتطالع مظهرها الجديد بالمرآة
لتبتسم برضا عن مظهرها
كأنثى جذابة ملفته تنتظر عودة زوجها الحبيب
شعور رائع تشعر به لأول مرة بحياتها
يوسف
بعد مروره بالمستشفى وزيارة "عبد المقصود"
زيارته اليومية عاد إلى البيت
ليجد والدته وأخته فقط يطالعان التلفاز
فدلف تجاههم ملقياً التحية بهدوئه المميز
يوسف: السلام عليكم
وعليكم السلام ....
يوسف: أمال فين "ورد" النهارده مش قاعدة معاكم ليه ...؟!!
دعاء: في أوضتكم جوة
نظر تجاه قدم والدته مطمئناً أولاً
يوسف: أخبار رجلك إيه النهارده يا ماما ...؟؟
ام يوسف: الحمد لله اتحسنت كتير .. والله كتر خيرها "ورد" مش مخليني أقوم أعمل حاجة ... ربنا يبارك فيها
يوسف: طيب حروح أطمن عليها وأرجع لكم
خطا بضعة خطوات تجاه غرفتهم
وهو يريد بالفعل الاطمئنان عليها
دون معرفة سبب ذلك
لكنه أراد رؤيتها أولاً قبل أي شيء
ليتساءل بداخله
أليس كل ما يربطهم إلزام طلب والدها؟
أم أن قلبه الضعيف هو الذي لا يستطيع السيطرة عليه بعقله وتفكيره القوي؟
مجرد سماع صوته بالخارج
جعل قلبه تزداد نبضاته بقوة
لتلقي نظرة أخيرة على مظهرها بالمرآة
لتتأكد من أن كل شيء كما أرادت تماماً
طرق "يوسف" باب الغرفة
ليسمع صوتها تسمح له بالدخول
بلحظة رفع بها عيناه تجاهها
لتسقط كل أفكاره المتخبطة ببئر عميق
ولا يرى أمام عينيه سوى هذه الحورية الجميلة
ابتلع ريقه في توتر
فـ"ورد" جميلة بطبعها
لكنها اليوم ازدادت جمالاً وأنوثة
أطاحت بقلبه وعقله معاً بموجة عالية من الحسن والرقة
لا يتحملها قلبه الضعيف
تعالت دقات قلبه لحظة رؤيتها تبتسم له بعذوبتها الراقية
تسمر بمكانه محاولاً إيجاد كلماته
التي تبخرت تماماً وضاعت منه
متأملاً حسنها الفتاك
ليردف بتلعثم
يوسف: أأااا .. إزيك ....!!
ورد بخجل: الحمد لله .. إزيك أنت ...؟!!
مسح "يوسف" وجهه بكفه بتوتر قائلاً بداخله
"يا نهار أسود ومنيل .. امسك نفسك يا "يوسف" .... مينفعش ... مينفعش ..."
رققت "ورد" من صوتها العذب
لتطيح بآخر ما استطاع من تحمل وقوة
وهي تردف بدلال ونعومة
ورد: أحضر لك الأكل
فغر فاه قائلاً بتشتت
دون الانتباه لما تفوهت به حقاً
فقد أصبح كالمسحور
لا يقوى على الفهم ولا الحركة
يوسف: نعم ...!!
دنت "ورد" باقترابها بخطوات قليلة
ليستمع إليها "يوسف" جيداً
تحاول إيصال صوتها المرتجف إلى مسامع "يوسف" مرة أخرى
ورد: أحضر لك الأكل ...؟!!!
يوسف بتوتر: أكل .. أكل إيه بس ...
تلعثمه وتوتره جعلها تشعر بسعادة كبرى
لا تدرك سببها لكنها كانت مستمتعة بذلك للغاية
ابتسمت له برقة
ليخطو بإتجاهها خطوتين مقترباً منها
مغيباً تماماً
لكن ليس كل ما يشتهيه المرء يدركه
فعقله مسلط عليه ليستمع بتلك اللحظة
التي كادت لا تفصله عنها سوى خطوة واحدة
وتصبح ملك يديه لصوت هذا المنفر "حسام"
بحديثه الشنيع عنها ليلة زفافهم يتردد بأذنيه
قبض قبضته بضيق وغيظ
وأخذ يتراجع بخطواته نحو الخلف
مغمضاً عيناه ليسيطر على قلبه الهائم بحبها
وينأى بكرامته في عزلة بعيدة عنها
محدثاً نفسه يؤنبها بحدة
"متنساش نفسك ... مهما كان مينفعش ... دي هنا مجرد أمانة ... أمانة وبس ... "
رواية اشواك الورد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم قوت القلوب
ليس كل ما يشتهيه المرء يدركه …
ليتني لم أحبك إلى هذا الحد، فقد أوشك عقلي على الجنون، بل يا ليتني لم أسمع له بتلك الليلة …
لا لن أقوى على العيش بدون حبك، فيوم عرفتك أدركت أنني على قيد الحياة …
توقف "يوسف" ساهماً وهو ينحني بعينيه عنها قبل أن يبتعد هارباً من سيطرة قلبه قائلاً بنبرة متجهمة …
يوسف: ماشي يا "ورد" … حضري الأكل …
تلاشت ابتسامتها تدريجياً وهي تراه يبتعد عنها بتلك الصورة، شعرت بغصة في حلقها فهي لم تتوقع أن تكون تلك خطوته، أن ينفر منها لهذا الحد …
شعرت بفرض نفسها عليه بصورة جعلتها تشمئز من نفسها، قبض قلبها وتهدجت أنفاسها بضيق بالغ لتمنع تلك العبرة من السقوط، لقد حاربت نفسها لأجله، رفضت كل شيء وتقبلته هو فقط …
يجب أن تهرب قبل أن يرى ضعفها، ستظهر عدم تأثرها … يجب أن تكون لا تهتم …
أومأت رأسها بخفة قبل أن تسحب روبها المعلق لترتديه تخفي آثار إذلالها أمام نفسها وخرجت مسرعة من الغرفة فقد أمسكت دموعها ألا تخونها بقوة حتى خرجت من الغرفة …
وضعت كفها فوق فمها تمنع تلك الشهقة الحزينة من الخروج محاولة ضبط تنفسها ضاغطة بقوة بعينيها حتى لا تذرف الدموع ويلاحظوا ما أحل بها …
تمالكت نفسها قليلاً واتجهت نحو المطبخ تحضر له الطعام وهي تلوم نفسها بشدة فياليتها لم تفكر بمبادرته من تلقاء نفسها …
هوى "يوسف" بجسده فوق الفراش محاولاً السيطرة على قلبه المتمرد المعلن حبها …
يوسف: مش قادر … مش عارف أعمل إيه .. بحبك ومش قادر أقرب .. ولا قادر أبعد ….
انتهت تلك الليلة الحزينة بتناول "يوسف" الطعام بدون شهية مطلقاً ليهرب مدعياً النوم كالعادة على الأريكة حتى يتجنب عينيها المتسائلتين عما بدر منه منذ قليل ….
تطلعت نحوه لفترة تظن أنه قد خلد للنوم ليجول بخاطرها تساؤل وحيرة …
"هو للدرجة دي لسه زعلان من يومها معقول !!!! … لدرجة إنه يبعد عني بالصورة دي ؟!!! … أنا مش فاهمه ..؟؟؟!"
***
اليوم التالي …
استيقظ "يوسف" مبكراً للغاية ناظراً نحو تلك النائمة بهدوء بنظرات معتذرة لهم بالخروج بتعجل قبل أن تستيقظ ويرى عينيها المعاتبتان مرة أخرى …
توجه إلى الشركة التي لم يأت موظفوها بعد ليبقى بمكتبه حبيس أفكاره التعيسة …
يوسف: ما أنا لو أقدر أشيل كلام طليقها ده من دماغي …!!!
أووف كان لازم كلامه يرن في وداني ويفكرني … ياااه … تعبت ….
انتبه لرنين هاتفه برقم "عبد المقصود" ليضيق عينيه بإستراب من هذا الاتصال المبكر للغاية …
يوسف: السلام عليكم …
أبو ورد بإعياء: وعليكم السلام …
يوسف بقلق: حضرتك كويس يا عمي محتاج حاجة …؟!!
أبو ورد: عايز أشوفك ضروري يا "يوسف" …
يوسف: طبعاً .. أنا قدامي ساعة بالكتير أستأذن بس من الشركة وأبقى عند حضرتك ..
أبو ورد: منتظرك .. إن شاء الله ….
أقلقته تلك المكالمة للغاية فـ "عبد المقصود" لا يحدثه بالهاتف إلا للضرورة، وطلبه له بهذا الشكل يوحي بأمر عظيم قد حدث ليردف بقلق عارم …
يوسف: ربنا يستر .. شكله تعبان أوي … حتى امبارح كان نايم من المخدر اللي بياخده من كتر الألم …
***
شقة يوسف …
بطبعها المتسامح ونظرتها المتفائلة للأمور شردت "ورد" قليلاً بما حدث بالأمس قائلة لنفسها مبررة رد فعله بتجنبها بتلك الصورة …
ورد: يمكن لسه خايف ليضايقني … مش عارفة ؟!! .. أنا بجد حبيته ونفسي أشوفه مبسوط .. والدنيا تبقى طبيعية بينا .. على كل حال نستنى شوية أكيد كل حاجة حتتصلح ….
أقوم بقى أروح لبابا كفاية مشفتهوش امبارح ولا عرفت أطمن عليه ….
شعرت بالرضا لهذا السبب الذي بررت به موقف "يوسف" معها لتنهض من جلستها لتبدل ملابسها وتتجه للمستشفى للاطمئنان على والدها …
***
المستشفى ….
فور أن حصل "يوسف" على وقت أسرع باتجاه المستشفى القريبة من الشركة كما طلب منه "عبد المقصود" …
دلف للغرفة متناسياً أفكاره وتخبطه وقد رسم ابتسامة على ثغره لمقابلة هذا الرجل الطيب …
يوسف: السلام عليكم .. أخبارك إيه يا عمي …؟؟
أبو ورد: الحمد لله يا ابني … اقعد يا "يوسف" …
كانت ملامح "عبد المقصود" تتسم بالجدية التامة وبعض الاقتضاب ليسحب "يوسف" المقعد بالقرب من "عبد المقصود" متسائلاً بقلق وهو يتخذ مجلسه فوق المقعد …
يوسف: خير يا عمي … فيه إيه … شكلك فيه حاجة … قلقتني …!!!!
اعتدل "عبد المقصود" بإعياء مستكملاً حديثه بجدية تامة …
أبو ورد: أنا جايبك النهارده عشان أكلمك في موضوع ضروري … أنا خلاص حاسس إن أجلي قرب وكان لازم أتكلم معاك …
يوسف: بعد الشر عليك حضرتك يا عمي … ربنا يديك الصحة وطول العمر …
أبو ورد: اسمعني بس …
***
بهذا التوقيت كانت "ورد" قد وصلت بالفعل إلى المستشفى صاعدة درجات السلم لزيارة والدها بغرفته دون علمها مطلقاً بأن والدها طلب مقابلة "يوسف" وهو معه الآن يتحدثان سوياً …
اتخذت خطواتها بخفة بهذا الرواق الطويل حتى وصلت للغرفة والتي سرعان ما انتبهت لصوت "يوسف" بالداخل …
وضعت كفها فوق المقبض لتدلف للداخل حين استمعت مصادفة لحديث والدها الذي لا يعلم بوجودها بعد …
أبو ورد: أنا عارف يا ابني أني أنا اللي طلبت منك تتجوز "ورد" عشان تاخد بالك منها وتحميها … وإن انت بترد لي الجميل اللي عملته معاك ….
يوسف بامتنان: حضرتك اللي عملته معايا مكنش حاجة بسيطة …
توقف بها الزمن وهي تستمع لما تفوه به والدها للتو …
تراجعت لخطوات بصدمة غير مصدقة مطلقاً أن والدها قد فعل بها هذا، لم حط من قدرها بهذا الشكل …؟!! لم فرضها بالقوة على "يوسف" …؟!!
فهذا هو سبب نفوره منها وتجنبها … فزواجه منها ما كان إلا رداً للجميل، لم يكن حباً على الإطلاق …
الآن قد فهمت … أنني لا أساوي حباً … بل واجب مفروض …
عادت بطريقها الذي لا تبصره بتلك الغشاوة التي طغت فوق عينيها فإنهمرت دموعها بألم، صدمة قاسية لقلبها الذي عشقه لتمزق روحها مرة أخرى …
***
المستشفى …
بقناعه حقيقية أوضح "يوسف" أن قبوله زواجه من "ورد" ليس فقط رداً للجميل بل لعشق دب بقلبه تجاهها …
يوسف: لكن يا عمي أنا متجوزتش "ورد" عشان رد الجميل بس … أنا فعلاً حبيتها …. وعايز أكمل معاها .. منكرش على حضرتك إن موضوع جوازها الأولاني ده كان عامل لي مشكلة نفسية في الأول ….
قاطعه أبو ورد: موضوع جوازها الأولاني ده كان فرض مني عليها .. عايزك تنساه وتخليها هي كمان تنساه …. أنا جايبك مخصوص هنا عشان الموضوع ده …
بإستراب شديد تساءل "يوسف" …
يوسف: جايبني عشان موضوع جوازها …؟؟؟!!!
أبو ورد: لأ … عشان "حسام" وأمه … أينعم أم "حسام" كانت مراتي … بس هي خدعتني وفهمتني إن "محمد" ابني … لكن خدعتني وكذبت عليا وطلع مش ابني وأنها أخدته من أمه الحقيقية وفهمتني أنه ابني … كمان يوم ما فهمتني إن ابنها راجل كويس وطلع زيها كذاب ومخادع … كل همهم إنهم ياخدوا فلوس "ورد" …
اندهش "يوسف" من سيل الحقائق التي يقذف بها "عبد المقصود" بوجهه …
ألهذه الدرجة شر النفوس … أن تأتي بطفل ليس بولدها وتدعي ذلك طامعة بحصولها على مالهم …
يوسف: يا ساتر يا رب .. يعني "محمد" مش ابنك ….؟؟!!!!! معقولة دي …
أبو ورد: للأسف … "محمد" مش ابني .. لكنه طفل برئ "نجاح" المربية حتاخد بالها منه … إللي أنا جايبك عشانه دلوقتي … "حسام" وامه … كانوا عايزين يعملوا أي حاجة ويوقعوا "ورد" ويضحكوا عليها عشان يرجعوها تاني لـ "حسام" وياخدوا فلوسها عشان كده طلبت منك تتجوزها بعد العدة على طول …. وسافرت أنا وهي من غير ما حد يعرف عشان أعدي أيام العدة وميعرفوش يوصلوا لها …
يوسف: عشان كده سافرت إسكندرية انت و"ورد" …
أبو ورد: أيوه … خد بالك قوي يا "يوسف" "حسام" وأمه دول خبثاء … فيهم شر وحقد … عايزك كمان تخلي "ورد" تحرص منهم دول عندهم استعداد يعملوا أي حاجة تأذي "ورد" …
بوعد حقيقي نابع من قلبه أردف "يوسف" بقوة وجسارة …
يوسف: متخفش يا عمي "ورد" في قلبي وفي حمايتي وعمر ما حد حيقدر يأذيها أبداً وأنا موجود …
تنفس "عبد المقصود" براحة بعد أن أوضح كل شيء لـ "يوسف" واطمأن بوعده له بالحفاظ على ابنته فهو رجل صلب وقادر على الالتزام بوعده …
أبو ورد: الحمد لله .. أنا كده ارتحت …
أنهى "عبد المقصود" وصيته ليخلد لراحته فيما عاد "يوسف" لعمله مرة أخرى …
***
شقة يوسف …
بصمت ملفت للنظر وملامح صامتة متجهمة دلفت "ورد" إلى داخل الشقة متجهة نحو غرفتها مباشرة وسط تعجب أم "يوسف" و"دعاء" لتدير "دعاء" وجهها تجاه والدتها متسائلة بإستراب عن ضيق "ورد" الشديد …
دعاء: هي "ورد" مالها يا ماما …؟؟
أم يوسف: يمكن تعبانة ولا حاجة يا بنتي …!!!
دعاء: يمكن .. أدخلها أطمن عليها …؟!!!
أم يوسف: سيبيها ترتاح شوية وبعدين ادخلي لها .. هي أكيد زعلانة على باباها ما هي كانت عنده في المستشفى …
دعاء: ربنا يشفيه … "ورد" تستاهل كل خير والله …
أم يوسف: أه والله يا بنتي … ده لو "يوسف" كان لف الدنيا بحالها مكنش حيلاقي زيها أبداً …
أغلقت "ورد" باب غرفتها من خلفها لتستند عليه باستسلام لكل تلك الأشواك التي لا تنتهي من حياتها، متى ستشعر بالفرح مثل بقية الفتيات … هل كتب عليها الشقاء بحياتها وان كل حظها بالدنيا تمثل بملامحها الجميلة فقط ..
ليتهم يعلمون أنه ليس كل ما هو جميل بالخارج هو بالطبع جميل من الداخل … ليتها لم تكن بهذا الجمال وتكون سعيدة راضية …
صدق من قال أن للكل نصيب متساوٍ في الدنيا لا ينقص من أحد شيء عن الآخر لكن تختلف قسمته ….
تهدلت ملامحها بحزن وهي تحدث نفسها التعيسة …
"يعني كان رد للجميل … محبنيش أساساً !!!! … تاني يا بابا .. تاني تظلمني … وتظلمه هو كمان معايا … هو أكيد مجبر عليا … بس كفاية كده .. مينفعش يتحملني وأكون حمل زيادة عليه هو ميستحقش كدة … لازم يشوف حياته ويحب ويتجوز بجد مش يتربط نصيبه بواحدة ولا عايزها ولا بيحبها لمجرد رد الجميل وبس …"
يكفيها أن تشعر بسعادته فهو إنسان رائع يستحق ذلك، لقد أحبته بالفعل لدرجة أن تضحي بسعادتها بقربه لأجل سعادته ولو كان ذلك على حساب فراقه للأبد …
إنهمرت دموعها لمجرد تفكيرها بالبعد عنه وأن أخرى سيكون محلها بقربه زوجة له، لكنها لن تكون بتلك الأنانية فعليه أن يحب ويتزوج ويسعد بحياته وعليها التضحية لأجله …
"هو كان كويس أوي معايا … مينفعش أنا كمان أكون أنانية بالشكل ده …. لازم لما ييجي أحط النقط على الحروف …."
***
شركة الأقصى …
ظل لساعات يفكر بحديث "عبد المقصود" له ليفاجئ بمن يقطع أفكاره مهللاً بصخب …
شريف: أنا جيت … وحشتني يا أخي الشوية دول …
بتفاجؤ بعودة "شريف" بتلك السرعة من سفره أردف "يوسف" متحمداً على سلامته …
يوسف: شريف …!! حمد الله على السلامة .. جيت إمتى …؟؟
شريف: امبارح بالليل …
يوسف: ها … وعملت إيه …؟؟
مد "شريف" كفه الأيمن أمام مرأى "يوسف" مردفاً بابتسامة واسعة وحماس مفرط …
شريف: مش شايف الدبلة منورة في ايدي إزاي …
يوسف: أه صحيح .. مبروك … وحددتم معاد الفرح …؟؟
شريف: إن شاء الله كمان شهرين تقريباً ….
يوسف: وحتعملوه فين بقى …؟؟
شريف: لا هنا طبعاً .. عشان أهلنا كلهم هنا …
يوسف: كويس عشان أقدر أحضر الفرح …
توقع "شريف" أن خبر خطبته سيسعد "يوسف" كثيراً، لكن ردوده المقتضبة وملامحه المتجهمة أثارت فضول "شريف" كثيراً ليتساءل بإنزعاج …
شريف: مالك …. حاسس إنك مش مبسوط كدة ….؟!!!
يوسف: أبو "ورد" تعبان أوي … كنت لسه عنده في المستشفى … طلبني مخصوص عشان يوصيني على "ورد" و …..
شريف: و … إيه … !!! مالك وقفت كلامك كدة …؟!!
انتبه "يوسف" حين بدأت كلمات "عبد المقصود" تتردد مرة أخرى بعقله محاولاً ربط بين بعض الأحداث بعضها البعض …
أخذ يتحدث بكلمات مشتتة لم يستطع "شريف" فهم مقصده منها …
يوسف: "حسام" عايز يأذي "ورد" ..!!! … وممكن يحاول يعمل أي حاجة عشان يرجعها …. !!!!!!
اتسعت عينا "يوسف" بذهول مكرراً كلماته بشرود …
يوسف : يرجعها …….؟!!! يعني ممكن يكذب عادي … يعني يضحك عليا بكلام محصلش …..!!!!
يبدو أنه أخيراً فهم مقصد هذا الدنيء بتلك الليلة، فما كان ناصحاً بل مفسداً زيجتهم لنزع "ورد" منه، نعم … هو فعل ذلك ليعيدها إليه …
نهض "يوسف" بقوة وقد علت عينيه نظرات غاضبة وهو يكور قبضه يده بانفعال قبل أن يخطو بضع خطوات لخارج المكتب وسط هتاف "شريف" به …
شريف: ايه اللي حصل …. يا "يوسف" … انت رايح فين ….؟؟
أجابه "يوسف" دون النظر إليه وهو يخرج بعجالة بخطوات تميل للركض …
يوسف: رايح أتأكد من حاجة .. وياويله مني لو كان كذب عليا ..
بثوان كان "يوسف" قد غاب عن ناظره ليتمتم بعدم فهم …
شريف: هو مين ده ؟!! .. هي إيه الحكاية بالضبط …؟!!!
***
لم يكن من الصعب على "يوسف" التوصل لعنوان إقامة "حسام" ليتجه نحو شقته مباشرة فلن يتركه اليوم دون أن يتأكد من كل شيء تخبط به بأيامه السابقة …
شقة حسام …
بعقل غير واعٍ جلس "حسام" يسند رأسه للخلف بعد تناوله لتلك الجرعة المخدرة مستمتعاً بنشوة لحظية إثرها …
انتبه بتثاقل لطرقات عنيفة فوق باب شقته ليستند بترنح عدة خطوات حتى يتحرك نحو باب الشقة فربما تكون والدته قد عادت …
جحظت عيناه بتخوف وهو يرى "يوسف" يقف بbابه تعلو عينيه تلك النظرات الغاضبة يكاد الشرر يخرج منهما ليفزع "حسام" برؤيته متراجعاً لعدة خطوات للخلف هارباً من "يوسف" ….
لم يكن الإمساك به من الصعوبة على "يوسف" ليقبض مقدمة ملابسه بين قبضته القوية ثم يدفع به تجاه الحائط بقوة ليصطدم ظهره النحيل به متأوهاً بألم …
رؤيته يتهرب منه بتلك الصورة أيقن بداخله أن هذا الفأر ما هو إلا كاذب مفترى على "ورد"، كيف سمح له ولنفسه بتصديق هذا الادعاء المجحف عليها وعلى شرفها …
دنا "يوسف" بقوة من "حسام" حتى شعر الثاني بضآلته أمامه متيقناً أن حتى هواء تنفسه الحار يشعر به "حسام" بقوة …
تحجر ريقه بتخوف وعلت عينيه نظرات هلعة مما سوف يفعله به هذا القوي حين احتدمت عينيه بقوة ولاحت ببريق غاضب أطاح بتماسك "حسام" حين بدأ "يوسف" بالصراخ به بغضب …
تحول "يوسف" بلحظة لشخص مخيف للغاية تفاجئ بنفسه يخرج هذا الكم الغاضب بصوت هادر لخداع هذا الدنيء له ليردف بحدة …
يوسف : أنت يا كذاب يا **** … إزاي تقول لي كده على "ورد" …. إزاي جت لك الجرأة حتى … انطق …؟؟
شعر "حسام" بالاختناق من إحكام قبضة "يوسف" حول ملابسه المحيطة بعنقه وأيقن بهلع أن "يوسف" سيقتله الآن بعد تأكد كذبه لينهار معترفاً بكل شيء ليحفظ حياته التي ستضيع بين قبضة هذا القوي الشرس …
حسام بتلعثم: كان ااا …. كان … لازم أقولك كده أنا .. أنا كنت عاوزها … كنت … عاوز أرجعها تاني .. هي عجبتني … وخصوصاً إن محصلش بينا حاجة … و زي ما انت عارف هي لسه بنت .. أنا معرفتش المسها يوم دخلتنا … أنا … أنا …. حصلت ظروف ومقدرتش … بس أنا كنت عايز أرجعها تاني … لقيتك حتتجوزها .. مكنش فيه حل تاني قدامي إلا أني أتبلى عليها كده ….. عشان تطلقها و أرجعها أنا ليا .. بس أنت مطلقتهاش !!!! … مع كل اللي قلتهولك ده .. إنت مطلقتهاش !!!!! … وسكت بعدها لأني اتأكدت إنك أكيد عرفت إنها بنت ومحدش لمسها ….
صدم "يوسف" من كم هذه الحقائق التي تظهر أمامه بصورة مفاجئة صادمة ومفرحة في نفس الوقت … كما صدم من كذب هذا المحتال عليه وجعله يبتعد عن محبوبته كل هذا الوقت …
تركه "يوسف" بغضب دافعاً له بقوة ليسقط "حسام" على الأرض مرتعباً يتابع "يوسف" الذي خرج مسرعاً من شقته ليهرع باتجاه الباب يغلقه بقوة خوفاً من عودته …
***
إحساس مضطرب غريب اجتاحه بين نشوة وفرحة ملأت صدره فلا شيء سيعوقه الآن أمام حبيبته فكل ما عرفه عنها ما هو إلا مجرد افتراء وكذب …
بالطبع كان لابد وأن يتوقع ذلك فكل ما فيها يوحي بالصدق والعفة ….
كيف صدق هذا المحتال !!!! … لكنه الآن .. يجب أن يعترف لها بحبه المتيم … فهو لا يعشق سوى "ورد" ….
آن الأوان لنفض هذه الأشواك التي جرحتهم وعليهم البحث عن السعادة …
***
حسام …
أسرع "حسام" ومازال الخوف يعلق بروحه يتصل بوالدته يخبرها بما حدث مع "يوسف" …
حسام: أيوه يا ماما .. يوسف كان هنا …
أم حسام: هنا … هنا بيعمل إيه … وعملت معاه إيه …؟؟؟
حسام: أنا خفت منه أوي … وقلتله أني …. كذبت عليه …
أم حسام: لاااااااا … ده كده صعبها علينا أوي … أنا جايه لك …
حسام: ماشي مستنيكي ..
أغلق "حسام" الهاتف مع والدته وتوجه مسرعاً نحو زجاجاته الملقاة يبحث عن ملذاته هرباً من ارتعابه مما حدث مع "يوسف" وأخذ يشرب من إحدى الزجاجات بشراهة حتى أصبح سكيراً في اللاوعي غير مدركاً لما يحدث حوله …
***
يوسف …
سار بطريقه عازماً على إصلاح ما أفسده بسبب هذا الحقير المدعو "حسام"، فاليوم سيسترد حياته وزوجته بعدما أدخل عديم الأخلاق هذا الشك بقلبه تجاه "ورد"، سيطلق العنان لقلبه وكفى …..
***
شقة يوسف …
انتظرت "ورد" مرور الوقت البطيء حتى يعود "يوسف" إلى البيت في المساء لتضع حد لما فعله والدها مع "يوسف" …
هذا الشخص ذو المروءة والأخلاق حافظ الجميل يجب ألا يظلم لأكثر من ذلك بسببها وبسبب طلب والدها، فحياؤه منعه من الرفض وما أخذ بسيف الحياء فهو باطل وهي لن ترضى بذلك …
وصل "يوسف" إلى البيت محملاً بشوق أخفاه بقلبه لفترة طويلة، هرول مسرعاً نحو شقتهم غير قادر على الانتظار أكثر من ذلك …
دلف ناهجاً لخطواته المتسارعة ليجد والدته وأخته "دعاء" بغرفة المعيشة لتندهشا لعودته بمثل هذا الوقت ….
أم يوسف: إيه ده …. إيه اللي جايبك بدري يا "يوسف" …. ؟؟ انت تعبان ولا حاجة ….؟؟
يوسف: أبداً يا ماما .. أنا بخير .. أمال فين "ورد" ….؟؟
أم يوسف: في الأوضة جوة يا بني .. باين عليها تعبانة ولا حاجة …
يوسف بقلق: تعبانة .. ليه مالها …؟؟
دعاء: مش عارفين والله يا "يوسف" … ادخل شوفها واطمن عليها …
أومأ بخفة إيجاباً فهو بالفعل لا يحتمل الابتعاد عنها لأكثر من ذلك …
توقف للحظة يستجمع رباط جأشه أمام باب غرفتهما ثم أمسك بمقبض الباب بتوتر لهذه المقابلة الحاسمة أخيراً بعد عناء طويل …
رواية اشواك الورد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم قوت القلوب
بدقات قلب مندفعه وقف ببابها فما يفصله عنها سوى قطعه خشبيه فقط. خطوات بينه وبين راحه قلبه.
بدقات خفيفه طرق الباب يستمع لصوتها الهادئ تسمح بالدخول. فتح "يوسف" الباب برفق يبحث بعيناه المشتاقتان عن معشوقته الرقيقه.
نظرت "ورد" تجاه الطارق ولم تتوقع أن "يوسف" قد عاد مبكراً لتهمس بإسمه الذى دق حروفه بقلبها أولاً.
ورد بهمس: يوسف ...!!!
رؤيتها فقط زلزلت كيانه وهى تهمس نطقاً بإسمه من بين شفاهها لتتلاشى كل الكلمات التى حضرها طوال الطريق. فمن هذا القوى الذى يتحمل عذوبه كهذه ليبقى صامداً.
وجهها الشاحب وملامحها التى تجهمت فجأه أقلقه للغايه ليتسائل بتخوف.
يوسف: مالك يا "ورد" .... ؟؟ أنتى تعبانه ... ؟؟
تشتت نظراتها بعيداً عن خاصته التى تربكها وتسحبها بطريقها إليه. هذا الطريق الذى يجب أن تنأى عنه. أردفت بنبرة حزينه منكسرة.
ورد : لأ .. مش تعبانه ...
إقترب عدة خطوات وهى يكمل بإهتمام.
يوسف: أصل ماما و"دعاء" قالولى إنك شكلك تعبانه ..
ورد: لا متقلقش .. أنا كويسه ....
طريقتها مختلفه للغايه. حديثها جاف لحد بعيد. كانت ردودها مختلفة عن طبيعتها التى إعتاد عليها كما لو أن هناك ما يؤرقها أو يضايقها.
يوسف: مالك يا "ورد" ؟؟ فيكى إيه ...؟؟؟
إتجهت بزرقاوتيها تجاهه بصمت لتدور برأسها التساؤلات. هل عليها أن تخبره الآن أم لا. فإخباره يعنى ضياعه منها للأبد. هل هى بالقوة الآن لهذا الحسم. لكن لا... لابد من هذه المواجهه وألا تتحلى بالأنانيه. فقد فعل معها الكثير ولا يستحق أن يظلم بعد الآن.
تطلعها الصامت بوجهه جعله يشعر بأنها تخفى عنه أمر ما ليردف بقلق من غموضها.
يوسف : مالك !!!! .. قلقتينى .. مش بتردى عليا ليه .....؟؟
نهضت من جلستها لتكتسب بعض القوة أمامه لتخرج ما بداخلها. لكنها إن بدأت فلا سبيل للتراجع. ليت القلوب تكشف فحواها. فإخفاء ما بها أسلكهم متاهات لا نهايه لها. ليتهم تصارحا منذ زمن لما كان كل منهم بجانب ينأى عن الآخر.
سحبت نفساً طويلاً قبل أن تندفع بحديثها دفعه واحده حتى لا تتراجع عن قرارها لتبدأ حديثها بتساؤل أولاً.
ورد: "يوسف" ... ممكن أسألك سؤال وتجاوبنى بصراحه ...؟؟
قلق "يوسف" من حديث "ورد" الغريب. لكن بداخله إصرار على إصلاح كل شئ الآن. وربما حانت هذه الفرصه.
يوسف: طبعاً .. إسألى ...
ورد: إنت إتجوزتنى ليه ....؟؟
تفاجئ بسؤالها المباغت وإحساسه أن هناك ما تخفيه خلف هذا السؤال ليردف رداً على سؤالها بسؤال آخر.
يوسف : ليه ......؟؟ .. مش فاهم السؤال ....؟؟ حكون إتجوزتك ليه يعنى .....؟؟
وجدت نفسها تسلك هذا المسار لترفع هامتها متحليه بالقوة مستكمله حديثها.
ورد : من أول جوازنا وأنا بسأل نفسى السؤال ده .. وكنت بجاوب على نفسى وبقول إن أنت أكيد أعجبت بيا مثلاً ... وعشان كده طلبت إيدى من بابا ... لكن !!
يوسف: صح يا "ورد" ... مظبوط .. ده إللى حصل ... لكن إيه ...عايزة تقولى ايه ...؟؟
ضمت شفتيها بقوة متحليه بالتماسك فكل ما تتفوه به يؤلمها كثيراً ويدفعها للبكاء ثم أردفت بإنفعال فلم تعد تتحمل بعد.
ورد: إنت محبتنيش يا "يوسف" !!!!! .... أنا عرفت كل حاجه ... عرفت إن بابا هو اللى طلب منك إنك تتجوزنى عشان كان خايف عليا ... عرفت إن أنت بشهامتك ورجولتك وافقت عشان بترد الجميل لبابا ... مش عشان أى حاجه تانيه ...!!!!!!
لحظه مواجهه لم يكن يريدها "يوسف" مطلقاً. لم يرد أبداً أن تعلم بطلب والدها حتى لا تظن ذلك. إنه يحبها. يتنفس وجودها. يحارب نفسه لأجلها. فلو كانت غيرها لما كان تقبل كل ذلك. لكن قلبه أحبها وبقوة. أحبها بصورة جعلته يلين لها بالرغم من تلك الأقاويل الباطله. فقط كان ينتظر أن تهدأ نفسه وينسى.
لك تعطه الفرصه وحكمت هى أيضاً عليه بدون دليل ليهتف بإنفعال فهو لا يريد خسارتها أبدااااا.
يوسف بإنفعال : مين إللى قالك كده ... إللى فهمك كده غلطان ... أنا ....
قاطعته "ورد" بيقين تام لما إستمعت إليه.
ورد : أنا محدش قالى حاجه .. أنا متأكده من إللى بقولهولك ده ... أنا سمعت بابا وهو بيكلمك ....
تقدم نحوها بخطوات قليله ليخفض من نبرته المنفعله لتحل محلها تلك العاشقه الحانيه وقد علت عيناه المسلطتان عليها بقوة نظرة عاشقه ولهه معترفاً لها بعشقه المتيم.
يوسف : أنتى فاهمه غلط يا "ورد" .... أنا بحبك ... أنا إللى كنت عايز أتجوزك ...
كم هو خلوق للغايه. لايريد أن يقلل منها حتى لآخر وقت يتعامل معها بنبل أخلاقه.
نكست عينيها لوهله وإرتسمت بسمه حزينه ساخرة على محياها ثم أكملت.
ورد بسخريه : بلاش يا "يوسف" تحلى الكلام ... أنا عارفه ومتأكدة إنك مجبر عليا و إن أنت مكنتش عايز تتجوزنى من الأساس ... متكدبش عليا عشان متكسرنيش قدامك ... أنا فهمت كل حاجه خلاص ...
لم تعند معه ولا تصدقه. لم تتشبث بتلك الأفكار الخاطئة.
أكمل بإصرار لا حدود له فيجب أن تدرك أن حبه لها صادق نابع من قلبه وليس كما تظن.
يوسف : أنا مش بقول أى حاجه ولا بحلى شكلك .. أنا بكلمك بجد .. أنا بقولك على إللى جوايا ناحيتك ... أنا بقولك على إللى فى قلبى ... يا "ورد" إفهمينى ... أنا بحبك ... بحبك أوى ....
علت شهقاتها غير مصدقه لما يفعله من أجلها لتنهار ببكاء. فبعد مواجهتهم عليها الفراق. وفراقه مؤلم للغايه.
ورد : إنت إنسان أوى يا "يوسف" ... حقيقى بجد ... وفعلاً تستاهل كل خير ... هو عشان ترد الجميل لبابا تعمل معايا كل ده !!!!!!! .. حتى لو حتضحى بمستقبلك و راحتك وسعادتك !!!!! .. وتقبل تتجوز واحده زيي ... "يوسف" أنا ليا طلب عندك .... طلقنى يا "يوسف" ..
تهدلت ملامحه بصدمه وهو ينفعل بتعنتها لما فهمته بصورة خاطئة. نعم هو أيضاً أخطأ. أخطأ بعدم مصارحتها من البدايه. أخطأ بعدم توضيح مشاعره تجاهها. أخطأ بتصديق شخص خبيث النوايا كـ"حسام" وعدم تصديق برائتها التى كانت واضحه جليه أمام عيناه طوال الوقت.
لقد زالت الغشاوة عن عيناه ويجب أن تزال من عينيها أيضاً. يجب أن تصدقه أنه لا يدعى حبها. بل أنه عاشق حتى النخاع. عاشق يتمنى لحظه تجمعهما معاً.
هتف "يوسف" بإنفعال محب تكاد حبيبته أن تضيع من بين يديه.
يوسف : أطلقك .....!!!!!!!!!! لا .... لا طبعاً .... أنتى بتقولى إيه ؟!!!!!! ...إفهمينى يا "ورد" .. أنا كنت جاى النهارده وعايز اااا....
قطع حديثهما رنين هاتف "ورد" برقم المستشفى لتسرع بإلتقاطه والرد على الفور فقد توجست بتخوف لحظه رؤيتها إسم المستشفى بشاشه هاتفها.
ورد بقلق: ألو ... إيه ....؟؟؟؟
رفعت وجهها المفزوع تجاه "يوسف" وهى تهتف به بذهول.
ورد: "يوسف" ... بابا ...!!!!!
إرتجفت يداها وسقط الهاتف من قبضتها ليلتقطه "يوسف" بسرعه واضعاً إياه فوق أذنه مجيباً الإتصال وعيناه مسلطتان على "ورد" التى تهدج تنفسها بذهول شديد.
يوسف: أيوة خير يا فندم ... إيه ... لا حول ولا قوة إلا بالله ....
زاغت عينا "ورد" للحظات قبل أن تركض بسرعه للخارج بدون تفكير ليلحق بها "يوسف" راكضاً خلفها للحاق بها.
أوقفت سيارة وسط رؤيتها الضبابيه ليجلس "يوسف" إلى جوارها بصدر ناهج وهو يطلب من السائق الإتجاه صوب المستشفى على الفور.
***
شقه حسام ....
وصلت "ناهد" لشقه إبنها بعد أن قطعت طريقاً طويلاً للغايه للعودة بعد أن أخبرها بمرور زوج "ورد" به. كانت تستشيط غضباً مما فعله "يوسف" وإفساده لمخططاتهم.
أخذت تضرب الباب بعنف فـ"حسام" لم ينتبه لطرقها لعدة مرات. لكنه لم ينتبه لها بعد. بحثت بحقيبتها الممتلئه عن النسخه الإحتياطية من المفتاح لفتح الباب حتى وجدته.
فتحت الباب دالفه لداخل الشقه بتقزز رهيب وهى تعقص ملامحها بإشمئزاز "حسام" وسط ذلك الكم من المهملات من حوله من زجاجات ملقاه هنا وهناك وبعض علب الطعام الجاهز ملقاه بعشوائيه بأماكن متفرقه مازال بعضها يحوي بقايا متعفنه.
نظرت حولها بغثاء نفس وهى تهتف به بضجر.
ام حسام: أوووف يا "حسام" ..العيشه المشرفه إللى انت عايشها دى مترضيش حد خالص ... أوووف ...
نظرت حولها باحثه عن ولدها حتى وجدت ملقى فوق الأريكة أمام التلفاز مخموراً سكيراً لا يعي بالدنيا من حوله.
إقتربت منه وهى تمسك بجسدة الثقيل تعداه جالساً بصعوبه ليدفعها عدة مرات وهى يُسبها بلسان ثقيل غير مدرك ولا واعى لما يتفوه به على الإطلاق.
ام حسام: فوق يا "حسام" .. مش كده ... فوق كده وكلمنى ....
حسام: كفايه بقى .... أنتى ... السبب .. فى كل .. إللى أنا ... فيه !!!!! ... أنتى .. إللى جبتينى ... هنا ... أنا كنت .. عايش ... ملك ....
ام حسام بغضب: لا ده إنت بتخرف على الآخر ....فوق كده وإتعدلى ... حروح أعملك فنجان قهوة يفوقك كده عشان نعرف نتكلم ....
حسام: يووووه ..... غورى من ... وشى ...
زفرت بقوة وهى تتجه للمطبخ وسط تلك الزجاجات والعلب بضيق بالغ من إبنها السكير الفاشل الذى لا ينفعها بشئ مطلقاً. بل يفسد دوماً ما تفكر به بتصرفاته الحمقاء ورعونته التى إعتاد عليها.
أمسكت بذلك الوعاء المخصص لصنع القهوة (كنكه) وأشعلت الموقد واضعه إياها فوق لهبها. إنتبهت لسقوط شئ جثيم بالخارج أصدر صوتاً قويا للغايه لتخرج مسرعه تجاه "حسام" بالخارج.
وجدت "حسام" قد وقع أرضاً بالفعل إثر ترنحه وعدم قدرته على التماسك واقفاً.
ام حسام: مش عارفه إيه إللى إنت بتهببه فى نفسك ده !!!!! ...قوم وفوق ... أنا خلاص لقيت حل نهائى لكل إللى إحنا فيه ده ... قوم عشان أفهمك حتعمل إيه ...
وقت الأقدار تغيب العقول. حرصها دوماً على تفاصيل حياتها لم يمنع تدخل القدر ومشيئه الله فى خلقه. لم تدرك "ناهد" أنها حين تركت شعله الموقد أثناء صنعها لهذه القهوة كانت بدايه الشرر حين وقعت إحدى زجاجات الخمر المفتوحه فوق الموقد لتنكسر محدثه نار هائله بدأت تنتشر سريعاً بفعل زجاجات الخمر الملقاه بكل مكان فكانت كالوقود فى الهشيم لتصبح بلحظات تحيط بهم من كل إتجاه تمنع حركتهم لأى إتجاه.
فكلما حاولا الهرب وجدا النار تحاوطهم منها بقوة هائله فالخمر المتبقى بتلك الزجاجات كان يزيد من إشتعال النيران وتوهجها أكثر وأكثر. وما كان يعتبره "حسام" ملذة حياته أصبحت هى السبب بهلاكه و نهايته هو و أمه.
أخذت "ناهد" تصرخ بكل قوتها مستنجده بأى شخص يلحق بهم فالنيران أخذت تزداد وتزداد بقوة رهيبه. لكن لم يستطيع أحد مساعدتهم على الإطلاق. بل لم يسمعهم أى شخص لنجدتهم. فالبنايه فى الأساس كانت جديدة كلياً خاليه من السكان. وهذا ما ساعد "حسام" فى بدايه زواجه بالتعدى على "ورد" فلقد كان متأكداً أنه لن يسمع بها أحد وينتبه لصرخاتها وإستنجاداتها المستمرة فتمادي بتجبره عليها مستعرضاً قوته على تلك الضعيفه.
***
المستشفى ...
وصلا إلى المستشفى مهرولين نحو غرفه "عبد المقصود" بعد إتصال إحدى الممرضات بهم تبلغهم بإحتضار والدها. لكن حين وصلت "ورد" إلى غرفه والدها كان قد فارق الحياه بالفعل.
لم تصدق ورد كلمات الطبيب المواسيه لها وأسرعت نحو والدها لتجثو فوق ركبيتها ممسكه بيده الضئيله تتشبث بها وقد أصابتها حاله من الإنهيار التام.
ورد: لااااااااا ... بابااااااا .... متسبنيش يا باباااااا ... أنا ماليش غيرك دلوقتى ... متروحش وتسيبنى ... أنت مستنتش حتى لما أجيلك وتقولى عملت فيا كده ليه تانى ... متروحش منى ... أنا عايزاك جمبى .... أنا ماليش غيرك ...... قولهم إن إنت ممتش ... قوم ... قوم يا بابا وريهم إنك مش حتسيب وردتك لوحدها فى وسط الشوك اللى هى عايشه فيه ...... لااااااااا ... لا
لا يا بابا ....
أسرعت إحدى الممرضات بإبعاد "ورد" عن والدها ومحاوله تهدئتها لكن إنفعالها كان قوياً للغايه.
ورد: إبعدوا عنى ..حتى أنتوا عايزين تبعدونى عنه ... كفايه بقى ...
أبعد "يوسف" الممرضه عن "ورد" ليقف إلى جوارها محاولاً تهدئتها قليلاً وعليها الصبر والإحتساب.
يوسف: بالراحه يا "ورد" ... إهدى ... إنا لله و إنا إليه راجعون .. إنتى كده مش بتريحيه .. إنتى بتتعبيه زياده ... إدعي له ... ده أمر الله ...
نظرت له ورد نظرة معاتبه منكسرة للغايه فقد غاب سندها. غاب من يحميها من أشواكها.
أردف "يوسف" هامساً نحوها.
يوسف : إهدى ... إهدى حبيبتى ...إهدى ...
ورد معاتبه: حتى إنت مصدق إنه مات !!!! ... حتى إنت يا "يوسف" ...
يوسف: مينفعش كده .. هو كمان كان تعبان جداً ...ربنا إختاره قبلنا ... وكلنا حنرجع لله دى أمانه وبترجع للى خالقها ... لازم نصبر ونحتسب ...
ورد ببكاء حار: ااااه يا بابا .... اااه يا حبيبى ....
***
سماح ...
فور علمها بوفاه والد "ورد" أسرعت بالمرور بـ"ورد" فهى على شفا الإنهيار وهذه المره ربما تصبح العواقب وخيمه.
سماح: "ورد" ... تعالى معايا ...
إنتبهت "ورد" لوجود "سماح" لتستغيث بها ربما تصدقها.
ورد : "سماح" ... شفتى يا "سماح" ... كلهم بيقولوا بابا مات .. شفتى ...!!!!
أدركت "سماح" حاله الإنكار التى حلت بـ"ورد" فأمرت بإعطائها حقنه مهدئه لتستريح قليلاً ثم تساعدها فى إدراك وتقبل ما حدث.
حملها "يوسف" بين ذراعيه بعد إعطائها تلك الحقنه ثم توجه بها برفقه إحدى الممرضات والطبيبه "سماح" إلى غرفه أخرى تستريح بها.
جلس "يوسف" مرافقاً "ورد" منتظراً أن تفيق فى أى لحظه فهى تحتاج إلى وجوده إلى جوارها الآن ولن يتركها أبداً بعد ذلك. وعندما تتاح له الفرصه سيشرح لها ما كان يود شرحه وتوضيحه لها حين قطعه إتصال المستشفى.
فيجب عليه أن يبين حقيقه مشاعره وحبه لها وأنها تتوهم عندما تظن أنه لا يحبها وقد فعل ذلك فقط لمجرد رد الجميل.
إنتبه "يوسف" لصوت رخيم يسأله بفضول.
سماح: إنت "يوسف" صح ...؟؟
نظر لها "يوسف" محاولاً تذكر إن كان قد قابل هذه الطبيبه من قبل وهو يجيبها.
يوسف: أيوة يا فندم .. حضرتك تعرفينى ...؟؟
سماح: أنا طبعاً عارفاك بس إنت ممكن تكون متعرفنيش !!!! ... أنا الدكتوره "سماح" إللى كنت بعالج "ورد" هنا فى المستشفى ...
يوسف: أه .. أهلاً وسهلاً ..و .... حضرتك تخصص إيه معلش لأنى معرفش حضرتك ...؟!!!
سماح: انا الدكتوره النفسيه .....
إندهش "يوسف" لمعرفته بأن تلك الطبيبه كانت تعالج "ورد". فلم تحتاج لطبيبه نفسيه.
يوسف بإستفهام: دكتوره نفسيه ... ؟؟ ... وهى "ورد" كانت بتتعالج نفسياً ليه ؟!!!!!!! ... إللى أعرفه إنها تقريبا عملت حادثه وكانت بتتابع هنا فى المستشفى ...
كان تفاجؤ "سماح" بجهل "يوسف" بما أصاب "ورد" عظيماً للغايه لتهتف بعدم إستيعاب.
سماح: معقول محدش قالك ...؟؟
يوسف: قال إيه ....؟؟ هى إيه الحكايه ... أنا معرفش حاجه ....؟؟
هو زوجها الآن وكان يتوجب على "عبد المقصود" شرح حاله "ورد" النفسيه لزوجها حتى لا يتسبب ذلك بإنتكاسه شديدة لها. لهذا قررت إيضاح الأمر له حتى يتمكن من العبور بـ"ورد" لبر الأمان برفقته.
سماح: "ورد" كانت هنا بعد ما "حسام" جوزها الأولانى كان إعتدى عليها ... وضربها ليله فرحهم وده سبب لها أزمه نفسيه حاده .. ده غير الإصابات الكتير والكسور إللى كانت عندها ...
جحظت عيناه بصدمه غير مصدقاً لما فعله هذا الحقير بحبيبته. بل وكيف عانت من كل ذلك دون أن تخبره بما حدث.
يوسف: يعنى كل إللى هى كانت فيه .. كان سببه الحيوان ده ...!!!!!!!!!
سماح: للأسف أه .. طبعاً لظروف عجزه خلته يضربها بالشكل الصعب ده وكانت تعبانه جداً بعدها ... بس هى إتحسنت كتير أوى .. أنا قلقانه دلوقتى إنها ممكن تحصل لها إنتكاسه نفسيه بعد فقدانها لوالدها .. فأرجوك خليك جنبها ..
يوسف: أنا طبعاً جنبها ومش حسيبها مهما حصل ... حتى لو المستشفى منعتنى أنى أكون موجود معاها لازم حتصرف وأفضل جنبها ...
إبتسمت "سماح" لإحساسها بمدى إهتمام "يوسف" بها.
سماح: شكلك بتحبها أوى ...
تطلع "يوسف" نحو "ورد" النائمه فى سلام.
يوسف : جداً .. دى هى قلبى وحياتى كلها وإن شاء الله أعوضها عن كل حاجه مرت بيها ...
سماح: إن شاء الله .. أنا كمان حعمل توصيه إنك تقدر تكون معاها النهارده ....
يوسف: يا ريت ...
خرجت "سماح" من الغرفه ليعود لمقعده إلى جوارها وهو يمد بكفه يمسد رأسها بحنان وهو يطالعها بأسى بعدما تفهم لم كانت مذعوره ليله زفافهم.
يوسف: عشان كده كنتى خايفه منى أوى كده ليله فرحنا !!!! .... ربنا يقدرنى وأنسيكى كل إللى إنتى عيشتيه ده ....
مرت ساعات الليل الطويله ولم يتحرك "يوسف" من موضعه بل ظل إلى جوار "ورد" حتى الصباح فلن يتركها وحيدة بعد اليوم.
غفا "يوسف" رغماً عنه وهو مازال جالساً بالمقعد المجاور لـ"ورد" بإنتظار إستيقاظها.
ورد ...
فتحت عينيها بتثاقل لتتأكد أن ما مرت به كان واقعاً وليس حلماً أو كابوس مفزع. فهى بالفعل فى المستشفى. نظرت نحو "يوسف" النائم على المقعد لتتأمله بعينان ممتلئتان بالدموع الصامته فاليوم فقدت أحب إثنان إلى قلبها. فقدت والدها المحب العطوف. وفقدت حب حياتها الوحيد. "يوسف".
تحرك قلقاً من غفلته الغير مريحه لتصنع النوم مرة أخرى هاربه من عيناه. نظر نحو "ورد" التى ظنها مازالت نائمه ثم ربت على كفها بحب وحنان حين طرقت إحدى الممرضات باب الغرفه دالفه إلى الداخل لتهمس بصوت خفيض.
الممرضه: أستاذ "يوسف" .. أنا أسفه بس لازم أبلغ حضرتك إن كل حاجه جاهزة عشان الأستاذ "عبد المقصود" الله يرحمه ... تصريح الدفن وشهاده الدكتور وكل حاجه ...
يوسف: تمام ... وأنا إتصلت وحضرت كل حاجه عشان الدفن والجنازة .. ممكن بس تاخدى بالك من "ورد" لحد ما أروح الجنازة وأرجع لها ...
الممرضه : متقلقش يا أستاذ "يوسف"...
خرج يوسف من غرفه "ورد" ليتمم إجراءات دفن والدها حتى يعود إليها بسرعه.
حاولت "ورد" التماسك قدر الإمكان فعليها أن تكون قويه. عليها أن تتحمل مسؤولية نفسها. يجب ألا تكون عبئاً على كتفى "يوسف" بعد الآن.
فما الذى يدفعها الآن للبقاء. لا شئ يجعلها تبقى هنا بعد الآن. ها قد ذهب غاليها إلى ربها. وعليها أن تبتعد عن "يوسف" لتجبره على إكمال حياته المتوقفه. فلن يقضى حياته كلها رداً للجميل. فهى متيقنه من أنه لن يتركها بعد وفاة والدها إلتزاماً وليس حباً. لهذا هى لن تبقى لمجرد واجب أو فرض عليه.
كم كانت تتمنى لو كان أحبها مثلما أحبته.
نظرت للطاوله على يمينها لتجد هاتفها الذى كان بحوزة "يوسف" موضوعاً فوقها لتلتقطه باحثه عن رقم "لامار" للإتصال بها.
تحشرج صوتها للغايه لتهتف بها "لامار" بتخوف.
لامار: "ورد" !!!! ... مال صوتك ؟!! .. أنتى بتعيطى ...؟؟
ورد: بابا يا "لامار" .. بابا مات ...
لامار بأسى : حبيبتى ... البقاء لله ... أجيلك ..؟!!
ورد: لا يا "لامار" ... أنا إللى عايزة أجيلك ...
إندهشت "لامار" لطلب "ورد" التى لم تحبذ مطلقاً السفر بمفردها خاصه وقد تزوجت الآن.
لامار: تجيلى .... ؟؟ طب وجوزك ....؟؟
ورد: لما أجيلك ححكى لك كل حاجه .. المهم عايزاكى تعمليلى فيزا عشان آجى أستقر عندك و أشتغل معاكى ...
لامار: ماشى تمام .. بس الموضوع ده حياخد وقت ...
ورد: حستناكى فى إسكندريه لحد ما تخلصى وتبعتيلى عشان أسافر لك ...
لامار: خلاص حبيبتى ... مفيش مشكله حعملك الأوراق و أبعتلك ...
إنتت "ورد" من مكالمتها مع "لامار" وخرجت من المستشفى مباشره دون أن يشعر بها أحد.
رواية اشواك الورد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم قوت القلوب
صرخات متتاليه ونيران متوهجه وأمل مفقود .. لا حياة لمن تنادي.
فلم ينتبه أحد لإستغاثاتهم المستمرة وصرخاتهم العاليه حتى توقفت تلك الصرخات تماماً وإستسلم كلاهما لمصيرهما المحتوم.
بعد مرور بعض الوقت وتصاعد ألسنه النيران وبدأت تخرج لهيبها خارج النوافذ، بتلك اللحظه بدأ ينتبه الماره للحريق الذي اشتعل بالشقه ليسرع أحدهم بالاتصال على الفور بالمطافئ لإخماد هذا الحريق الهائل.
حاول بعض المتطوعين إنقاذ ناهد وحسام، لكن النيران كانت قويه للغايه فلم يستطيع أحدهم التمكن من الدخول إلى الشقه.
وصلت سياره المطافئ وأخمدت الحريق بالفعل، لكنهم لم يستطيعوا إنقاذ أي منهما إطلاقاً فقد قضى أمرهما.
التهمت النيران كل شئ وأخذت أرواحهم معها.
***
ورد
غادرت ورد المستشفى سريعاً دون أن ينتبه لها أحد.
لم تعد تعي أي شئ يدور حولها، سوف تترك كل شئ وتبتعد عن كل ذكرياتها المؤلمه في هذا المكان.
إتجهت نحو بيت يوسف حتى تلملم باقى حاجياتها وملابسها إستعداداً لهروبها الذي خططت له، هروباً من أشواكها التي تحيط بها.
ربما بُعدها عن المكان ينسيها ألم وإنكسار روحها.
دَلفت إلى الشقه بخطوات متسلله وهي تتنفس الصعداء، فما زالت أم يوسف ودعاء يغطان في نوم عميق ولم يشعرا بعودتها.
توجهت نحو الغرفه بخفه وأخرجت حقيبتها لتضع ملابسها وهاتفها بالحقيبه، ثم أخذت نفسًا عميقًا ناظرة حولها وكأنها تودع هذه الكتل الأسمنتية من حولها.
فهي بالفعل ستفتقدها.
لقد شعرت بالطمأنينه والأمان في هذا المكان، لكن يوسف لا يستحق منها أن تظلمه أكثر من ذلك.
لكن قبل أن تغادر أخرجت ورقه وكتبت بها بعض الكلمات ليوسف ووضعتها فوق الفراش، ثم خرجت من هذا البيت كما دخلته بخطوات متسلله خفيه، خرجت كما لو كان روحها هي التي تخرج من البيت.
فكيف سكنت هذا البيت بروحها في هذه المده القصيره؟
لكن البيت لم يكن هو الأمان، بل كانوا جميعًا هم سبب ذلك.
أم وأخت وحبيب.
إستقلت إحدى سيارات الأجرة التي طلبت من سائقها إيصالها إلى الإسكندرية.
قضت طريقها تنظر من نافذة السيارة نحو السماء، فهي راحلة لعالم جديد خالٍ من الأحبة.
لكنها مجبرة على ذلك.
***
يوسف
أنهى مراسم الدفن والعزاء بجنازة والد ورد بحزن لفقد هذا الرجل الطيب، وعاد مسرعاً نحو المستشفى للإطمئنان على ورد بقلب شغوف.
فتح يوسف باب الغرفه ليفاجئ بأنها ليست متواجده بالغرفه.
فزع للغايه لغيابها وخرج من الغرفه باحثاً عن تلك الممرضة التي أوصاها بالانتباه إليها.
بنبرة قلقة للغاية وقد توجس قلبه بغير اطمئنان لا يدري سببه.
يوسف: "ورد" فين؟
الممرضة: مش عارفه يا أستاذ يوسف. بعد ما حضرتك مشيت بشويه رحت أطمن عليها وأقعد جنبها ملقتهاش موجوده.
تأكدت شكوكه بأنها تركت المستشفى ليهتف بانفعال.
يوسف: يعني إيه؟ راحت فين؟ دي لسه تعبانه من اللي حصل لوالدها!
الممرضة: مش عارفه والله يا أستاذ يوسف. يمكن راحت!
دار يوسف يبحث بأروقة المستشفى، فربما تكون قد أفاقت باحثة عن والدها وما زالت بالمستشفى، لكنه لم يجد أثراً لها.
لم يتبق له سوى العودة للمنزل، فربما تكون عادت بالفعل عندما لم تجد أحدًا إلى جوارها بالمستشفى.
حاول عدة مرات الاتصال بها لكن دائمًا هاتفها مغلق، ليصاب قلبه بقلق شديد حاول التغاضي عنه.
***
شقة يوسف
كاد يركض قافزًا درجات السلم إلى الأعلى يريد الوصول بأقصى سرعة.
تفاجئ بدعاء تقف بباب المنزل متحضرة للذهاب.
نظرت نحوه بإستراب شديد لملامحه المذعورة.
دعاء: أنت جيت يا يوسف ده أنا كنت جيالكم المستشفى. أمال فين ورد مجتش معاك ولا إيه؟
علت الصدمة ملامحه بجمود للحظة وقد فغر فاه بإندهاش وهو يتسائل.
يوسف: إيه؟ هي مجتش؟ ده أنا كنت فاكر حلاقيها هنا!
دعاء: لا مش هنا. وإلا كنت قعدت معاها عشان أعزيها. مش أنزل لكم المستشفى!
يوسف بانفعال: أمال راحت فين بس؟
سمعت أم يوسف صوت ابنها المنفعل لتهتف به بقلق.
أم يوسف: فيه إيه يا يوسف؟ إيه اللي حصل؟
دلف يوسف للداخل بتخوف يتمنى أن يعود كطفل صغير ويجد حلاً لكل مشاكله عند والدته.
يوسف: ورد يا ماما. سابت المستشفى ومش عارف راحت فين!
أخذت تتفكر للحظات ثم هتفت به بتخمين.
أم يوسف: يمكن جت يا ابني واحنا نايمين ولا حاجة! شوفها كده يمكن دخلت أوضتكم.
بآخر أمل أسرع يوسف نحو الغرفه بحثًا عن ورد، لكنه فوجئ بعدم وجودها.
نظر نحو خزانة الملابس لم يجد أي شيء من متعلقاتها نهائيًا، فالخزانة خالية تمامًا.
نظر حوله بفزع وكأنه يتلمسها في أي شيء حوله محاولًا فهم ما حدث.
ترى إلى أين ذهبت؟
وقعت عيناه على ورقة مطوية بعناية فوق الفراش، ليمد يده ممسكًا بها برفق قبل أن يجلس بطرف الفراش يقرأ ما دون بها.
(يوسف... أنا عارفه كويس أنت عملت إيه علشانى وقد إيه انت كنت قد المسؤولية اللي بابا حملهالك. لكن أنا مقدرش أظلمك معايا أكتر من كده. أنا بحلك من وعدك لبابا. عيش حياتك وحب وإتجوز. ربنا يسعدك. أنا حمشي ومتدورش عليا لأنك مش حتلاقيني. أنا مش ممكن أكون أنانية وأفرض نفسي عليك أكتر من كده. طلقنى يا يوسف. ورد....)
أنهى يوسف قراءته لخطاب ورد وتملكه إحساس بالقهر وجرح نافذ بقلبه الذي يعتصر حزنًا وغضبًا بذات الوقت.
أراد أن يصرخ ألمًا.
فقد شعر بألم رهيب يجتاح صدره واختناق لقلبه، أدمعت عيناه بحزن لفقدها وهو يصرخ صراخًا مكتومًا.
يوسف: اااه... ليه سبتينى يا ورد من غير ما تفهمى؟ يا ترى رحتى فين؟ ألاقيكى فين؟
أمسك بالورقة التي عقصها بكفه ثم خرج راكضًا بقوة وسط اندهاش أم يوسف ودعاء من مظهره المتألم الباكي.
أم يوسف: مالك يا يوسف؟
يوسف بقهر: ورد مشيت يا ماما. سابت البيت ومشيت.
شهقت أم يوسف بصدمة ثم هتفت بحرقة كما لو أن ابنتها هي التي ضاعت وليست زوجة ابنه.
أم يوسف: مشيت. راحت فين؟ بنتي فين؟ هاتلى بنتي تاني يا يوسف.
لم يتوقع حالة الانفعال التي أصابت والدته وتفاجئ بلفظها ابنتي ليردف بتعجب.
يوسف: بنتك؟
أم يوسف: أيوه. ورد زي دعاء. بنتي. كفايه اللي هي عاشته. كفايه أوي. لازم تلاقيها وتجيبها لي تاني.
اتسعت حدقتاه بصدمة، فمنذ متى والدته تعلم بما حدث وهو لا علم له بذلك.
يوسف بصدمة: إنتي عارفه؟
أم يوسف: أنا عارفه كل حاجة. هي حكت لي كل حاجة. هاتيهالي يا يوسف.
أومأ عدة مرات بقلة حيلة ثم مسح وجهه بكفه بانفعال قبل أن يخرج متجهًا للمستشفى مرة أخرى.
فربما لم يتوصل إلى مكانها لكنه يدرك أن طبيبتها النفسية على تواصل معها وربما تعلم إلى أين ذهبت.
دلف لمكتب سماح وعلامات الانزعاج مرتسمة على وجهه المقتضب ليسألها مباشرة.
يوسف: ورد فين؟
سماح بدهشة: معرفش. من ساعة ما خرجت من هنا من غير ما نحس معرفش هي راحت فين.
يوسف: ورد سابت البيت وعايزاني أطلقها.
باندهاش شديد من طلب ورد للاانفصال عن يوسف خاصة وهى تعلم تماماً أنها قد أحبته بالفعل.
سماح: معقول. بعد ما حبتك الحب ده كله تسيبك كده بالسهولة دي من غير سبب؟
تهدلت ملامح يوسف حين أخبرته أن ورد تبادله نفس الشعور.
هذا التصريح الذي لم يسمعه منها مطلقاً.
ابتلع ريقه وهو يهتف باندهاش وإحساس ممزوج بين السعادة والتعاسة معاً، فوقت إدراكه لمحبتها له هو نفسه وقت فراقها له.
يوسف: حبيتني! هي قالتلك كده؟
سماح: أيوه.
غطى وجهه بكفيه يتمالك هذا الغضب من نفسه لإدراك كل تلك الحقائق دومًا متأخرًا، فكيف سيصل إليها الآن ليصحح لها كل ما ظنته بالخطأ.
أين هي ليخبرها بحبه؟
أين هي ليحميها ويشعرها بالأمان؟
سار يوسف كالمجنون وسط الشوارع مارًا ببيت ورد ووالدها ليسأل عنها لكنه لم يجدها أيضًا.
حاول السؤال عنها بكل من مر من حوله.
لقد ضاعت منه وردته وحب حياته.
ليته لم يتأخر في تصريحه لها بحبه.
ليته لم يتركها بالمرة.
***
الإسكندرية
وصلت ورد إلى الإسكندرية بعد عدة ساعات.
فضلت ألا تقيم بنفس الفندق الذي أقامت به مع والدها من قبل وأقامت بفندق آخر بعيد عنه حتى لا يستطيع أن يجدها أحد مطلقًا.
بعد أن استقرت في إقامتها أخرجت شريحة هاتفها وألقتها بعيدًا وقامت بشراء أخرى جديدة للتواصل مع لامار لحين انتهاءها من الأوراق اللازمة لسفرها إلى فرنسا.
وكأنها بقسوة الأيام وصفعاتها وامتلاء طريقها بالأشواك جعلها تولد من جديد.
لم تكن بتلك الضعيفة المستسلمة التي تنتظر من يضبط أمورها ويتصرف بدلاً منها.
شعرت بالقوة تنبع من داخلها.
نعم اكتسبت القوة لكن بقلب حزين.
***
هل تلك سنوات التي مرت أم عقود؟
لا إنها مجرد أيام، لكنها مرت بهم كالسنوات المقفرة الموحشة بقلوبهم المفطورة.
فلو يدركا ما بقلب كل منهما لما كان للفراق وجود.
ورد
جلست داخل حجرة الفندق كعادتها في الأيام السابقة، فلم يعد لديها أي شغف بأي شيء على الإطلاق.
فهي حتى وإن خرجت هي حبيسة داخل نفسها وقلبها، فهي من اختارت هذه الحياة بإرادتها.
كانت دائمًا تفكر بيوسف وكيف تقبل فكرة رحيلها.
"يا ترى زعل؟ ولا ارتاح إني خففت الحمل من عليه؟ المهم ينسانى ويرتاح بعيد عني. أكيد أنا اخترت الاختيار الصح. لازم يعيش حياته."
دق هاتفها باسم لامار، رفيقتها الوحيدة بتلك الأيام الماضية.
لامار: بنجور (صباح الخير) ورد.
ورد: صباح الخير يا لامار. مفيش أخبار؟
لامار: أبشرك يا شريكتي العزيزة. خلاص عملت لك فيزا للبيزنس حتيجي هنا إقامة عمل معايا في الشركة. تقدري تروحي السفارة وتخلصي الإجراءات عندك وتحجزي للسفر.
ورد: شكراً بجد يا لامار على كل اللي بتعمليه معايا.
لامار: ولو. أنا مبسوطة جداً إن انتي جايه تعيشي معايا هنا. وحتنبسطي جداً هنا في موناكو.
ورد: إن شاء الله. بكرة حروح السفارة أخلص الفيزا وأحجز وأبلغك بالموعد.
لامار: أكيد. منتظراكي.
***
شركة الأقصى
لم يلبث وقت طويل منذ بداية عملهم اليوم حتى نهض يوسف بتملل قائلًا.
يوسف: أنا ماشي.
أسرع شريف يمنع صديقه المتهور من تلك التصرفات التي ستخسره عمله أيضًا ليعترضه بقوة ناصحًا إياه بود.
شريف: رايح فين بس؟ كده غلط. إنت بقيت بتغيب كتير وتستأذن كتير. أصحاب الشركة ممكن يتضايقوا كده.
يوسف بضيق: مش قادر أقعد ولا قادر أشتغل. ولا عارف أعمل أي حاجة في حياتي! عشر أيام. عشر أيام مش عارف عنها أي حاجة ولا عارف راحت فين!
شريف: الصراحة رد فعلها طلع صعب أوي. ومش قادر أنا كمان أفكر معاك في مكان تكون راحت له.
إرتمى يوسف مرة أخرى بيأس فوق مقعده وقد تملك منه الإحباط الشديد.
يوسف: أنا حتجنن خلاص. مخلتش ولا مكان ولا حد تكون تعرفه إلا ورحت وسألت عليها. ولا حد شافها ولا حد يعرف عنها حاجة!
شريف: ربنا يكون في عونك. ويدلك على طريقها. أنا مكنتش فاكر إنك بتحبها أوي كده.
بإدراك لحقيقة مشاعره لكن متأخرًا للغاية.
يوسف: ولا أنا والله يا شريف. ولا أنا.
نكس رأسه بين كفيه بصمت، فما عاد بيده حيلة ولا حل لم يبحث به.
دق هاتف شريف الذي أمسك هاتفه بإرتباك ليخرج من المكتب أولاً قبل أن يجيب هذا الاتصال حرصًا ألا يجرح شعور يوسف بحديثه.
شريف: حبيبتي. وحشتيني. أبداً والله مشغول مع صاحبي يوسف. نفسيته تعبانه أوي. أدي آخرة اللي يحب ولا يطولش. أبداً. موضوع كبير لما أشوفك حقولهولك بالتفصيل. جهزي نفسك مش باقي على الفرح إلا شهر واحد. ماشي حبيبتي. سلام.
***
أنهت ورد إجراءات سفرها بسهولة للغاية، واليوم قد استعدت للسفر هاربة من جميع أحزانها وحب يوسف الذي تعمق أكثر في قلبها.
فيجب أن تبتعد أكثر وأكثر حتى لا تضعف وتعود.
نظرت حولها، فهي بالمحطة الأخيرة تودع حياتها السابقة.
ها هي تجلس بانتظار صعودها للطائرة، لكنها قررت عمل مكالمة أخيرة قبل إغلاق هذا الهاتف نهائيًا.
أمسكت الهاتف بتردد وأخرجت اسمه. "يوسف".
هل تتصل أم لا؟
ظل السؤال يتردد فترة طويلة في ذهنها حتى ضغطت زر الاتصال بدون وعي منها.
سمعت رنين الهاتف ثم أجابها صوته الحنون الذي اشتاقت لسماع صوته.
يوسف: السلام عليكم.
يوسف: ألو. مين معايا؟
دقات قلبه المنفعلة أكدت له أن ورد هي صاحبة هذا الاتصال ليهتف بنبرته العاشقة المشتاقة.
يوسف: ورد؟
يوسف: ورد. إنتى فين؟ أنا...
أسرعت بإغلاق الهاتف تمامًا بعدما انهارت الدموع من عينيها، فقد كانت سوف تهد كل ما فعلته وينهار قلبها معلنًا حبها واشتياقها له.
لكنها فقط اكتفت بسماع صوته لآخر مرة وأغلقت الهاتف نهائيًا بعدها.
***
يوسف
ظل يوسف ممسكًا بالهاتف يتطلع به بشوق وكأنه يراها أمامه.
حاول كثيرًا الاتصال بنفس الرقم الذي ظن أنها تتحدث منه، لكن كانت دائمًا نفس النتيجة، مغلق.
انتبه شريف لانشغال يوسف بالهاتف ليتسائل بفضول.
شريف: مين يا يوسف؟
يوسف: مش عارف. بس قلبي بيقولي إنها ورد.
شريف: طب حاول تاني.
يوسف: بحاول. بس التليفون اتقفل. مش عارف أوصل لها.
شريف: واحدة واحدة. طالما اتصلت مرة. ممكن تتصل تاني.
يوسف بأمل: تفتكر؟
ربت شريف على كتف يوسف محاولًا بث الطمأنينة به، فربما بالفعل يجمعهما القدر مرة أخرى.
***
بعد عدة ساعات
وصلت ورد إلى فرنسا، حين قامت لامار باستقبالها بالمطار بود ملحوظ.
أوصلتها بعد ذلك لأحد الشقق البسيطة التي ستقيم بها ورد.
حاولت لامار معرفة ما حدث مع ورد حتى تترك مصر نهائيًا بهذه الصورة.
فكانت دائمًا إجابة ورد أنها لم تتفق مع زوجها وطلبت الانفصال وقررت السفر.
***
مر شهر بالكامل انغمست فيه ورد بالعمل مع لامار فقط هربًا من التفكير بيوسف وأيضًا محاولة نسيان فقدها لوالدها الحنون.
لكن خلال هذا الشهر لم تتغير مشاعر ورد ولا يوسف مطلقًا.
ظلت ورد حبيسة حبها المكتوم والتي ظنت إنها ستنساه بمجرد سفرها وانغماسها في العمل.
كذلك لم ييأس يوسف من البحث عن ورد، لكنه بالفعل استنفذ كل الطرق التي يمكن أن تساعده في إيجادها.
ومع مرور الأيام اقترب موعد زفاف شريف واستعد لتحضير حفل الزفاف الذي طالما حلم به.
***
يوم الزفاف
جهز شريف حديقة رائعة لإقامة حفل زفافه اليوم، فهو لم يشأ إقامته في إحدى القاعات المغلقة وفضل أن يكون حفل الزفاف في الهواء الطلق.
ارتدى حلته الرسمية الأنيقة ثم توجه لإحضار عروسه لإتمام مراسم الزواج.
بعد قليل أقبل العروسان بطلتهما المبهجة الرائعة على المدعوين لتقام الأجواء الاحتفالية بهم وبليلتهم الفريدة.
أصرت العروس بطبعها الأوروبي أن يكون زفافهم غير تقليدي وأن هم من عليهم المرور بالمدعوين ولقاء بهم لتمتزج فرحتهما بفرحة أهلهم.
***
يوسف
أقبل يوسف نحو شريف وعروسه الجذابة، فهذه أول مرة يتقابلا معًا ليهنئهما بزواجهم السعيد.
يوسف: مبروك.
وجدها شريف فرصة سانحة لتعرف عروسته بصديقه ورفيق عمله.
شريف: أهو يا ستي الأستاذ يوسف اللي دوشتك عنه.
العروس: أهلاً وسهلاً.
يوسف: ربنا يسعدكم ويوفقكم في حياتكم يا رب.
شريف: آمين يا رب. ويفرح قلبك ويطمنك يا يوسف.
أومأ يوسف رأسه بحزن.
يوسف: يا رب.
تركهم يوسف وقد ابتعد قليلاً ليقف مع زملائه بالشركة مع تطلع العروس بهيئته الحزينة حين تسائلت بفضول.
العروس: هو ماله حزين أوي كده ليه؟ إنت قولتلي أنه حب ولا طالشى. يعني إيه؟
شريف: يوسف ده صاحب بجد. ونفسي يفرح بجد من قلبه لأنه فعلًا يستاهل كدة. بس مش عارف أعمل له إيه. موضوعه صعب أوي. حظه وحش!!
العروس: إزاي؟ فهمني؟
شريف: حب بنت واتجوزها لكن هي افتكرت إنه اتجوزها عشان يرد جميل والدها بس. فسيبته ومشيت وهو من ساعتها بيتحننن ويلاقيها. دور عليها كتير جدًا بس ملهاش أثر إطلاقًا.
العروس: للدرجة دي بيحبها؟ بس طالما سابته خلاص. يمكن هي محبتهوش!
شريف: بالعكس. هي كمان بتحبه. وهو مش قادر يعيش من غيرها. أنا بحسه كل يوم بيموت.
العروس: ربنا يجمعهم تاني مع بعض.
شريف: يا رب. ده بكرة يعملوا قصة حبهم فيلم زي (قيس وليلى) كده ويسموها (يوسف وورد).
العروس: مين؟ هي اسمها ورد؟
شريف: أيوه. هو أنا مقولتلكيش قبل كده.
انتبهت فجأة وفهمت الأحداث جميعها وظلت تردد الاسم على لسانها لبعض الوقت. "يوسف وورد... يوسف وورد".
وما كانت العروس إلا لامار.
مالت لامار تطلب بدلال من شريف أن ينادي يوسف لتتحدث معه ليبلي طلبها دون فهم.
لامار: أستاذ يوسف. ممكن سؤال؟
يوسف: اتفضلي.
لامار: هي مراتك اللي إنت بتدور عليها. اسمها ورد إيه؟
يوسف: ورد العالي. ورد عبد المقصود العالي. بتسألي ليه؟
لحظة إدراكها بأن يوسف هو زوج صديقتها وشريكتها جعلها تشهق بخفة وقد اتسعت عيناها باندهاش قائلة.
لامار: أنا عارفه فين ورد.
لم يكن يظن يوسف أنه سيسمع تلك العبارة أبدًا ليندهش بتلهف شديد.
يوسف: بجد؟ إنتى عارفه هي فين واختفت فين الفترة اللي فاتت؟
لامار: أيوه. ورد شريكتي في الشركة بتاعتي في فرنسا. وكانت عايشة معايا هناك.
يوسف متعجبًا: فرنسا؟ مش إنتى من إيطاليا؟
لامار: لأ. أنا قابلت شريف صدفة في الحفلة كنت جايه إيطاليا عشان شغل. بس أنا أصلاً عايشة في موناكو في فرنسا.
لم يكترث يوسف بكل تلك التفاصيل فما يهمه شئ واحد فقط.
يوسف: مش مهم. مش مهم. فين ورد؟
لامار: هي راحت تزور قبر والدها وحتيجي هنا كمان شوية.
لم يطق يوسف الانتظار حتى عودتها ليخرج مسرعًا من تلك الحديقة ليلحق بورد بقلب متلهف مشتاق.
لكن بمجرد خروجه من الحديقة وجدها قادمة من بعيد.
متألقة مبهرة كعادتها بفستان ملائكي ذهبي اللون.
كانت كأميرة أحلام خيالية تقترب نحوه دون أن تنتبه له.
دقات قلبه المنتفضة أعلنت أفراحها برؤيتها فقط، شعر بسكينة حلت بقلبه وهدأ فؤاده بالاطمئنان عليها.
اقترب منها أكثر. ومازالت شارده غير منتبهة له، فقط تنظر لموضع قدميها خوفًا من أن تسقط لخطواتها بهذا الفستان الطويل.
لم يبق بينهم سوى خطوات قليلة لتشع بهائها كشمس أزاحت الغيوم وأهلت بنورها المشرق بحياته المظلمة.
همس بحالمية بنبرته الحنونة التي تدركها جيدًا لتطرب آذانها بصوته ناطقًا باسمها.
يوسف: ورد.
تجمدت في مكانها، فمجرد سماع همسته باسمها عرفته على الفور من صوته دون حتى النظر إليه.
ظنت أنها تحلم لتجيبه بهمس مشتاقة كما لو تتحدث مع نفسها.
ورد: يوسف.
رفعت رأسها لتتأكد مما سمعته لتجده أمامها مرتديا بذلته السوداء التي أظهرت وسامته الطاغية التي أذابت قلبها.
دقات قلبها المتسارعة وتنفسها غير المنتظم كانتا أول من رد على نداءه.
ورد باضطراب: يوسف.
كم اشتاقت له. ولصوته الهادئ مناديًا باسمها.
كم تمنى قلبها رؤيته.
لكن كيف؟
بمجرد سماع اسمها من شفتيه وقد ذابت حباً وتناست ما هربت من أجله.
نعم إنها فعلاً تحبه.
أكمل يوسف معاتبًا بحنان.
يوسف: سبتينى ليه؟
ورد بحزن: مكنش ينفع نكمل يا يوسف. إنت...
قاطعها يوسف: اششش. كفايه. كل مرة بتتكلمى. إسمعينى أنا المرة دي. عشان مش حأسيبك تضيعى من إيدي تاني.
ورد: إسمعنى إنت يا يوسف.
يوسف: لأ. المرة اللي فاتت قطعتيني واللي حصل خلاني مقدرتش أكلمك وأقولك على كل حاجة جوايا. ومعنديش استعداد أستحمل إنك تسيبيني وتهربي مني تاني.
ورد بحزن: كان لازم أمشي.
يوسف: أنتي فاهمه غلط. يمكن باباكِ طلب مني الطلب ده. لكن مش ده السبب إني اتجوزتك.
ورد: أمال إيه؟
دنا منها يوسف أكثر ليتطلع بعشق في بحور عينيها الزرقاء وأمسك بيديها بلهفة يضمهما إلى قلبه باشتياق متيم.
يوسف: أنا بحبك. بحبك من أول يوم شفتك فيه. من أول نظرة بينا. من أول ما جت عيني في عينك. من ساعتها وأنتي جوه قلبي.
ورد: بس أنت...
يوسف مقاطعًا: فيه حاجات كتير أوي حصلت. وناس كانت عايزة تبعدنا عن بعض. وأنا فعلًا اتغيرت. ومش عايز من الدنيا غيرك. ورد صدقيني أنا فعلًا بحبك. ومش قادر أعيش من غيرك. ولا عايز أعيش من غيرك. إنتي مراتي وحبيبتي وحتفضلي طول عمرك مراتي وحبيبتي.
ورد بدهشة: إنت مطلقتنيش زي ما طلبت منك؟
يوسف: لا طبعًا. حد يموت روحه بإيده.
ابتسمت ورد بسعادة. فأخيرًا تفتحت الورود. أخيرًا انتهت الأشواك.
أعاد يوسف برفق إحدى خصلات شعرها الذهبي للخلف ناظرًا في بحور عينيها قائلًا بهمس.
يوسف: أخيرًا رجعتي بيتك جوه قلبي. ومش حأسيبك أبدًا تبعدي عني تاني. كفايه تعيشي جوة الأشواك.
ورد بحب: وأنا عمري ما حبعد عن بيتي ده تاني. عمري ما حبعد عن حبك تاني. بحبك بجد يا يوسف.
أمسك يوسف بكفها الرقيق وسارا بعيدًا عن كل ما يحيط بهما، فقط سارا في طريق سعادتهما التي طالما انتظرها طويلاً.
فلتبدأ حياة الحب والأمان وتنتهي حياة الألم والأشواك.