تحميل رواية «اشواك الورد» PDF
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعلقت الزينات بكل مكان، حاوطت الأزهار السلم الزجاجي لقاعة الأفراح الضخمة في بهاء. تعالت الأضواء الكريستالية تتراقص لفرحتها. ها هم المدعوون يجلسون بانتظار قدوم العروس. كان مشهداً مبهجاً من الطراز الأول. تعالت أصوات الموسيقى الصادحة مع دقات الدفوف التي دقت القلوب معها. فها هما العروسان يطلان ببهائهما. تعالت أصوات التبريكات للعروسين ليبدأ حفل الزفاف وسط دموع هذا الكهل الضعيف الذي تعلق ببصره بتلك العروس الحسناء. جلس العروسان تتعالى ابتساماتهم، فاليوم أول يوم في بناء هذه الأسرة الجديدة وتكوين عش هادئ...
رواية اشواك الورد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
تعاقبت الأيام حتى مر أسبوع آخر، سبعة أيام تحامل بها "عبد المقصود" إخفاء ما اتضح له من حقيقة زوجته وابنها حتى يستطيع التصرف دون المساس بـ"ورد"، خاصة بعد معرفته بمرضه الذي زاده همًا وتوترًا.
بعد أن اطمأن "عبد المقصود" لخروج زوجته من المنزل وأصبح الوضع هادئًا إلى حد بعيد، أجرى تلك المكالمة التي ينتظر إجرائها منذ الصباح لمحادثة المحامي الخاص به.
"أيوه يا أستاذ حنفي، عملت إيه؟"
"كله تمام والمشتري جاهز. إن شاء الله بكرة نروح نمضي العقود ونستلم الفلوس في البنك على طول."
وأخيرًا أشرقت الراحة ليضمن حق ابنته الغالية وأخيه الصغير بعيدًا عن تلك المستغلة وولدها. أغمض "عبد المقصود" عينيه براحة لوهلة قبل أن يستكمل مكالمته قائلًا:
"كويس أوي.. يا ريت برضو زي ما فهمتك محدش ياخد خبر إننا حنبيع المصنع."
"تمام يا عبد المقصود بيه."
بعد انتهاء تلك المحادثة، نكس رأسه قليلاً لتملك هذا الدوار من رأسه مرة أخرى، لينتبه على صوت مزعج آتٍ من خارج البيت. كان صوتًا أشبه بمجادلة، وربما حدة في الحديث، تحول لإنفعال إحدى العاملات بالمنزل بصوت عالٍ ينهر أحدهم بشدة.
قضب حاجبيه بقوة وهو ينهض من جلسته متطلعًا نحو مصدر الصوت الذي كاد يتحول لمشاجرة بباب بيته. تفحص الأمر قليلاً ليجد "نجاح" المربية الخاصة بولده "محمد" تقف بانفعال مع إحدى السيدات قرب باب البيت. كانت سيدة أربعينية هزيلة الجسم ترتدي جلبابًا أسود رثًا للغاية وتلف رأسها النحيل بشال أسود أيضًا كاد يلتهم معظم وجهها خلفه. كانت تلك السيدة منفعلة للغاية، محتدة إلى حد كبير، لا تتوانى ولا تتراجع عن الذهاب مع محاولات "نجاح" المستمرة.
تقدم نحوهم ببضع خطوات ليستمع بوضوح أكثر حين هتفت تلك السيدة بحدة:
"أنا لازم أشوفها دلوقتي!"
"الست مش هنا، خرجت والله.. يا ست افهميني بقى."
جلست تلك السيدة بانفعال غير مبرر وإصرار واضح أمام البوابة قائلة:
"أنا مش حأمشي من هنا.. أنا قاعدة أهو لحد ما تيجي."
اتسعت عينا "نجاح" بغير تصديق لإصرارها لهذا الحد وهي تضرب كفيها بعضهما ببعض بقلة صبر، حين دنا منهما "عبد المقصود" متسائلًا:
"خير يا نجاح..؟"
"الست دي مصممة عايزة الست أم حسام.. وعمالة أفهمها إنها خرجت، عمالة تزعق ومصممة برضه تستناها."
"طيب روحي انتي."
تفحص بروية تلك المرأة الغريبة التي يراها لأول مرة ليتساءل باستغراب وفضول انتابه لإصرارها وتشبثها بالبقاء بتلك الصورة.
"خير.. انتي مين وعايزة إيه..؟"
نهضت السيدة لتحدثه وقد لانت ملامحها بشكل غريب وتهدج صوتها حتى البكاء بلحظة واحدة.
"عايزة الست في حاجة ضروري."
"قولي طيب أنا جوزها."
زاغت عينا السيدة قليلاً ثم هتفت بانكسار مصطنع ونبرة مهتزة مختلفة تمامًا عن تلك الحادة المنفعلة منذ قليل.
"معلش الست منبهة عليا إني مجيش لحد غيرها."
انتابه الشك بتلك المرأة ذات اللكنة الغريبة، فيبدو أنها ليست من قاطني القاهرة فلها لكنة مميزة لم يسمعها من قبل. ليصمت قليلاً قبل أن يرسم ابتسامة خفيفة فوق ثغره قائلًا بذكاء محاولًا إظهار ما تخبئه هذه السيدة.
"متقلقيش، هي قايلالي على كل حاجة.. قولي بس انتي عايزة إيه."
فكرت تلك السيدة للحظة فيما داخلها، ولم لا؟ فهي تحتاج ذلك وهذا الرجل الثري لن يبخل عليها، خاصة وقد أخبرته زوجته بما بينهما. لتردف بطمع:
"إذا كان كده يا بيه.. ماشي.. أنا جيت مزنوقة في قرشين، الفلوس اللي هي بعتهملي معملوش حاجة، وأنا عايزة فلوس مديونة ولازم أدفع."
شعر بالغرابة لإرسال "ناهد" مالًا لتلك السيدة دون معرفته. ليستكمل "عبد المقصود" وكأنه يدرك تمامًا عما تتحدث، لتستمر بالحديث بأريحية معه.
"ليه هي قالتلي إنها بعتت لك اللي يكفيكي وزيادة."
بانفعال بسيط واستكانة تميل للنحيب، أردفت:
"زيادة إيه يا بيه..!! هو انتوا واخدين مني هدوم ولا جزمه؟ ده عيل.. لحم ودم..!!!"
اتسعت عيناه بصدمة ليدب الشك بقلبه، لكنه استكمل لمعرفة الحقيقة كاملة مقرراً مجاراتها بالحديث.
"أيوه بس إحنا اديناكي كتير."
"لا يا بيه لا كتير ولا حاجة.. يا تراضيني كويس يا حأروح أبلغ إنكم خطفتوا 'محمد' ابني ومش راضيين ترجعوهولي أه.. ده أنا جاية من الشرقية مخصوص، مينفعش تمشوني كده إيد ورا وإيد قدام."
حاول استيعاب الأمر وربط بين الأمور وبعضها، ليخرج بشرود محفظته ويمد يده لها ببعض المال، ليدلف بعد ذلك للبيت مباشرة وهو يتذكر ما حدث منذ ثلاث سنوات. تذكر سعادته حينما أبلغته زوجته "ناهد" أنها حامل، فقد كان متعجبًا من سنها وأنها تجاوزت الخمس والأربعين عامًا إلا أنها حامل، وبعد عدة أشهر تفاقمت بينهم مشكلة أصرت فيها "ناهد" على ترك المنزل والذهاب إلى الشرقية لدى عائلتها حتى أبلغته بخبر ولادتها لابنهما "محمد" مبكرًا. لكن الآن فهم الحيلة وأنها قد أخذت ابن هذه السيدة لتحتال عليه وتوهمه إنه ابنه حتى يتسنى لها أن ترثه. مجددًا المال.. هو كل ما كانت تسعى إليه!!! كيف عُميت عيناه عنها طوال هذه السنوات.. كيف لم يرى طمعها وجشعها وإصرارها على زواج ولدها من "ورد".. كيف لم ينتبه..؟!!
وفي ظل حيرته، عادت "ناهد" من الخارج للتو ليقابلها بنظرات غير مفهومة، فأخذ يحدقها لفترة طويلة يحدث بها نفسه، فقد علم الآن لم كانت تكره اسم (أم محمد).. فهو ليس ولدها من الأساس حتى يسمى به.
"واقف بره ليه كده يا أبو محمد..؟"
أطلقت شرارة بذكرها للاسم بتلك الصورة، ليصرخ بها بانفعال غاضب:
"اوعى أسمعك تنطقيها تاني على لسانك فاهمة.. أنا أبو ورد وبس.. يا كدابة يا طماعة..!!!!"
ابتلعت ريقها بصعوبة لهذا الانفعال الشديد لتقابله بحدة حتى لا يتمادى بصراخه أكثر من ذلك.
"فيه إيه..؟ إيه اللي حصل..؟ إنت عمرك ما كلمتني كده."
"وفقت.. أخيرًا فقت.. انتي إنسانة طماعة وانتهازية.. أنا عرفت كل حاجة.. وعرفت إن محمد مش ابني.. من النهارده مالكيش مكان ولا عيش في البيت ده.. غورى من هنا يلا.. انتي طالق.. طالق.. طالق.."
لم تصدق "ناهد" ما تسمعه أذنها لتهتف بصدمة وعدم استيعاب.
"عرفت..!!!"
لتستطرد باستجداء وترجّي شديد.
"اسمعني بس.. أنا..."
لحقها "عبد المقصود" غاضبًا يدفعها للخروج من البيت كاملاً.
"انتي إيه..؟ حتألفي كذبة تانية..!! خلاص مبقتش طايق أبص في وشك.. غورى من هنا وعلى الله أشوف وشك هنا تاني.. برررره."
جرجرت ساقيها إلى خارج البيت تشعر بالقهر الشديد لطردها بتلك الصورة، ساخطة على تلك الزيجة التي لم تستفد منها بأي صورة. أخذت توعده بالانتقام، فلم يعد أمامها حل آخر سوى "ورد" تلك التافهة التي ستحضر لها المال على طبق من ذهب. يجب أن تنتقم منه في هذه الفتاة.. لكن بعد أن تأخذ كل ما تملك هذه الضعيفة أولًا.
***
شقة حسام.
تفاجأ "حسام" بعودة والدته، فقد تركته منذ ساعة أو أقل، ليضيق عينيه باستغراب.
"ماما..!! إيه اللي رجعك تاني..؟"
"عبد المقصود.. طلقني..!!!"
فغر فاه بقوة وقد صدمت ملامحه هاتفًا بعدم تصديق.
"إيه..!! اتجنن ده ولا إيه..؟"
جلست "ناهد" بدون تركيز وهي تتحدث بصدمة لم تفارقها منذ طردها "عبد المقصود" من منزله.
"مش عارفة عرف منين موضوع محمد وطلقني.. إحنا لازم نتصرف يا حسام.. لازم.. لازم أقهره زي ما قهرني."
"واحدة واحدة.. هو حيروح مننا فين..؟"
ضمت شفاهها بغيظ وهي تضغط بكفيها بعضهما البعض.
"أنا متغاظة أوي يا حسام.. حاسة أنه غلبني.. بس لأ.. هي.. هي مفيش غيرها ورد اللي حتكسره.. لازم ننتقم."
"متخافيش.. تطلع بس من المستشفى ونحاول نوقعها."
"أيوه كده.. هو ده ابني حبيبي."
انتبهت "ناهد" للتو بالغرفة من حولها لتعلو نظرات مشمئزة من تلك الفوضى التي تعم شقته، فهي لم تأتِ إلى الشقة منذ ما يقرب من عشرة أيام واكتفت بلقائه بأماكن عامة قريبة منها. ثم أردفت بتقزز.
"إيه البهدلة اللي انت عاملها في الشقة دي..؟"
"يا ماما بقى.. سيبيني براحتي.. هو أنا كمان حقعد أنظف وأظبط فيها.. عمومًا انتي جيتي أهو.. اعملي انتي اللي انتي عايزاه."
انتفضت "ناهد" كالملسوعة، أبعد هذا الثراء تبقى بتلك الشقة الكريهة تنظف وترتب خلف هذا الفوضوي.. أبعد أن كانت تأمر وتطاع يذلها الزمن ويحط من قدرها. لتردف بانزعاج.
"إيه..!! هو أنا كنت بعمل هناك حاجة لما أعمل هنا..؟ لا.. انت شوفلك حد ينظف ويظبط الدنيا كده.. أنا حروح أقعد في شقة مفروشة أحسن لي.. متنساش إن انت حتجيب ورد هنا وأنا مش حينفع أقعد معاك."
"ماشي.. ماشي."
***
شركة الأقصى.
نظر "شريف" بتملل تجاه ساعة يده ثم أعاد بصره نحو "يوسف" المتعمق للغاية بهذا العقد الموضوع أمامهما، ليزفر "شريف" باختناق ناظرًا نحو العقد بيد "يوسف" قائلًا.
"أبوس إيدك يا أخي أنا تعبت.. من الصبح قاعدين على العقد ده وأنا ولا فاهم حاجة."
ترك "يوسف" العقد من يده وهو يرسم ابتسامة وهو يدرك تمامًا مقصد "شريف" قائلًا بفراسة.
"مالك يا شريف.. انت جعان ولا إيه..؟"
اعتدل "شريف" وعلت ابتسامته تشق وجهه لفراسة صديقه وفهمه مقصده.
"حبيبي يا فهمني."
"بس ده لسه بدري على معاد البريك."
"ما هو ده اللي مجنني.. إيه اللي مجوعني بدري..؟"
ضحك "يوسف" وهو يتراجع بجسده للخلف قليلاً قائلًا.
"طيب اصبر على نفسك شوية.. أنا مش فاهم مع كمية الأكل الرهيبة اللي بتاكلها دي مبتتخنش ليه."
"ده كرم ربنا بقى.. بس بقولك إيه.. بطني وجعتني من أكل الكشري.. نغير بقى."
"أنا لو أكلته كل يوم ما أزهقش."
"يا أخي معدتي حجرت.. ما المطعم عندهم أكل كتير.. إشمعنى الكشري ده..؟"
"كل واحد واللي يحبه بقى."
رفع "شريف" أنفه ممتعضًا ليسخر من "يوسف" وما يحبذه.
"يحبه..!! أما انت صحيح فقر.. يوم ما تحب تحب كشري.. ما تحب لحمة ولا فراخ ولا بطة حلوة كده."
"يا جدع انت حد مسلطك عليا.. أنا حر."
"ماشي يا أخويا على راحتك.. بس ناكل."
نظر "يوسف" نحو الساعة المعلقة بالمكتب ثم أردف متمهلًا.
"باقي ساعة على البريك.. استنى شوية.. حتى نخلص العقد المعقد ده."
تكتف "شريف" وهو يزم شفتيه بضيق قائلًا.
"صابرين أهو."
***
عبد المقصود.
استقل سيارته ليتجه إلى المستشفى شارداً بما حدث مع "ناهد" منذ قليل. كم صدمة معرفته بتزييفها لحقيقة ابنهما وكذبها وخداعها له. كم كان ساذجًا بتصديقها، لكنه حمد الله أن ظهرت الحقيقة قبل أن يضع الوديعة باسم "محمد" بالبنك غدًا وأنه قد اتضحت له كل تلك الحقائق قبل وفاته وتورط "ورد" مع "ناهد" وولدها مرة أخرى.
***
المستشفى.
نظرت "سماح" لتلك الحقيبة الصغيرة الموضوعة بمقدمة السرير المعدني قائلة بضيق بسيط، فهي لا تنكر سعادتها بتلك الخطوة الجديدة لـ "ورد".
"خلاص حتمشي..؟"
أومأت "ورد" بخفة وهي تردف بإيضاح.
"بابا زمانه جاي في السكة.. حفك الجبس بتاع ذراعي ده وأمشي."
"معاكي رقم تليفوني العادي والخاص.. لو فيه أي مشكلة كلميني في أي وقت.. ومعادنا هنا زي النهارده تمام."
"تمام.. بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا سماح على اللي عملتيه معايا في الأسبوعين اللي فاتوا."
"أنا بجد حبيتك زي أختي الصغيرة يا ورد.. وده كان أقل حاجة أعملها معاكي.. وأنتي دلوقتي بقيتي أحسن كتير من الأول.. ويا ريت متخليش أي حاجة تأثر فيكي وتزعلك بسرعة.. خليكي قوية."
"إن شاء الله."
وصل "عبد المقصود" لطبيبه المعالج أولاً قبل أن يمر بـ"ورد" ليلقي التحية فور دخوله.
"السلام عليكم."
"أهلاً يا أبو محمد."
أثار الاسم غصة وألمًا في نفسه بعد اكتشافه أن "محمد" ليس ولده، فطلب من الطبيب مناداته باسم غاليته "ورد".
"قولي أبو ورد."
"زي ما تحب يا أبو ورد.. أخبارك إيه النهارده..؟"
"الصداع بقى يزيد قوي وألمه صعب.. كنت عايزك تكتبلي نوع مسكن قوي يساعدني."
"يا أبو ورد المسكن ده مش علاج.. انت كده اتأخرت جداً في جلسات العلاج اللي قلت لك عليها."
"ورايا حاجات مهمة قوي أخلصها وأجي المستشفى هنا أقعد فيها وأخد العلاج وكل اللي انت عايزه."
"بس أنا بحذرك إن الفترة اللي جاية الموضوع ممكن يزيد عن مجرد دوخة أو صداع.. الموضوع ممكن ييجي بنوبات إغماء أو لا قدر الله غيبوبة.. وكده مش كويس أبدًا."
"ربنا هو الشافي المعافي.. اكتبلي بس نوع المسكن وإن شاء الله قريب قوي حتلاقيني هنا."
لم يحبذ الطبيب إهمال "عبد المقصود" لنفسه وعلاجه، لكنه كان مرغمًا على أن يلبي طلبه مؤقتًا.
"أنا مش موافقك بصراحة.. بس أدي اسم المسكن ويا ريت تسمع نصيحتي.. العلاج أهم حاجة.. وأي حاجة تانية تيجي بعدين."
"إن شاء الله."
قالها "عبد المقصود" بلا اكتراث لحالته، فما يشغله الآن هو "ورد" فقط. اتجه لغرفتها الخاوية، فيبدو أنها ذهبت منذ قليل لإزالة تلك الجبيرة الموضوعة بذراعها، فجلس قليلاً في انتظارها.
دلت "ورد" بعد قليل تمسك بعكاز تستند عليه، وما زالت جبيرة قدمها كما هي، بينما استبدلت الجبيرة الموضوعة بذراعها بلفافة من الشاش الخفيف تعلقها برقبتها.
اتجه "عبد المقصود" تجاهها يساعدها على الحركة قائلًا بمحبة عطوفة.
"حمد الله على السلامة يا ورد."
"الله يسلمك يا بابا."
"هي إيدك لسه مربوطة ليه كده مش خلاص فكيتي الجبس..؟"
"أيوه بس الدكتور ربطلي الرباط الضاغط ده وقالي يومين بس وأفكه."
أومأ بإيجاب وهو يشير لحقيبة صغيرة أحضرها معه قائلًا.
"الحمد لله على كل حال.. المهم أنتي بخير.. خدي الشنطة دي نجاح حضرتهالك فيها هدوم تانية.. غيري بقى هدومك عشان نروح وتنوري بيتك تاني."
"حاضر يا بابا."
أبدلت "ورد" ملابس المستشفى بملابسها التي أحضرها والدها، وارتدت فستانها الطويل ذو اللون الأسود يعلوه جاكيت باللون الوردي، فكم اشتاقت للألوان بعدما تحلت أيامها السابقة بألوان المستشفى الباهتة. أسدلت شعرها الذهبي لأول مرة بعد إزالة عصابة رأسها من الشاش الذي أحاط برأسها منذ مجيئها للمستشفى. لكن وجهها ما زال متعبًا. نعم، قد زالت آثار التورمات كلها ما عدا هذه الرقعة من اللاصق الطبي فوق حاجبها الأيمن. لكنها ما زالت جميلة كما هي من الظاهر.
تطلعت بانعكاس صورتها بالمرآة وهي ترى ما لم يره غيرها، هي الوحيدة التي ترى تلك الجروح الأخرى، لم تزال جبيرتها بداخلها، ما زالت محطمة مهشمة. لكنها لن تستسلم، كما اتفقت مع "سماح".
خرجت من المرحاض يعلو وجهها بسمتها الرقيقة، حين هتف بها والدها باشتياق لعودتها.
"بسم الله ما شاء الله.. إنك واقفة على رجلك تاني دي أكتر حاجة تسعدني في الدنيا."
"وأني أشوفك مبسوط.. دي أكتر حاجة بتمنها في الدنيا.. أنا حاسة إن فيه حاجة انت مخبيها عليا.. مش عارفة ليه حاسة إنك تعبان ومش مبسوط يا بابا."
"مين اللي قال كده..!!!! ده أنا مش قادر أوصف لك فرحتي النهارده قد إيه وأنتي خارجة من المستشفى.. عشان كده إحنا مش حنروح على طول."
"أمال إيه..؟"
"إيه رأيك أعزمك على الغدا زي زمان أنا وأنتي بس..؟"
اتسعت ابتسامتها العذبة بإشراقة وهي تجيب بالإيجاب على الفور.
"بجد..!! بس.. أأأ....؟"
"بس إيه..؟"
"ورجلي دي حأمشي كده قدام الناس..؟"
"ولا يهمك.. وده باقي أسبوع واحد بس ونفك الجبس ده كمان وتبقى زي القمر."
تحركت "ورد" مستندة على عكازها قائلة بمزاح.
"ماشي.. بس امشِ معايا واحدة واحدة زي العواجيز بقى."
"على أساس مين اللي عجوز.. أنا ولا انتي..؟"
بفخر شديد به أجابته غاليته بمحبة وامتنان لوجوده بحياتها.
"انت....؟!!! هو فيه في الدنيا زيك انت يا بابا.. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدااااااااا."
نظر لابنته بحزن بالغ، كيف سيتركها ببساطتها وبرائتها ونقيها الشديد تصارع الدنيا بمفردها خاصة بعد ما حدث. شرد للحظات حين تساءلت "ورد" باهتمام.
"فيه حاجة يا بابا..؟"
"لا يا بنتي.. يلا بينا."
تحركا معًا وهو يسند ابنته إلى خارج المستشفى لتستقل "ورد" السيارة بمساعدة والدها، من ثم ذهبا إلى المطعم القريب من المستشفى لتناول الطعام. جلسا بإحدى الطاولات بعدما ساعدها للجلوس أولاً، ثم التفت نحو المقعد المقابل لها لينظر لوجهها العذب الذي يملأ دنياه بالسكينة.
مدت ورد قدمها المجبرة أمامها، فهي ما زالت غير معتادة على الجلوس بهذا الشكل على المقعد، فقد كانت طوال الوقت ممدة بفراشها بالمستشفى.
"المطعم ده مع إنه صغير إلا إنه بيعمل أكل جميل جداً.. حيعجبك أوي.. اختاري بقى اللي نفسك فيه وأنا حجيبهولك."
مد أبو محمد يده بقائمة الطعام لهذا المطعم لتنظر بها "ورد" تحاول أن تختار الطعام الذي تشتهيه.
***
شركة الأقصى.
بتحايل شديد وقف "شريف" بمقابل مكتب "يوسف" يحثه على الانتهاء من عمله فقد تأخرا على موعد طعامهما.
"يلا بقى.. الساعة خلصت من بدري.. عايز أكل."
"تمام.. ححفظ بس الملف ده وننزل على طول."
"أيوه كده.. عصافير بطني بتصوصو يا أخي."
أغلق يوسف الحاسوب الخاص به بعد حفظ الملف ثم تحرك برفقة "شريف" باتجاه المطعم لتناول غذائهما. دلفا لداخل المطعم يبحثان عن إحدى الطاولات الشاغرة لتناول وجبتهما، حينما طرق إلى أذن "يوسف" صوت مألوف للغاية ينادي باسمه.
تلفت يوسف نحو مصدر الصوت ليجد "عبد المقصود" يلوح له بيده وهو يناديه بوجه مبتسم. تمعن "يوسف" قليلاً للتأكد أن هذا هو "عبد المقصود" بالفعل، فقد لاحظ جلوس إحداهن معه لا يستطيع رؤيتها بوضوح، فقد أولته ظهرها.
"إيه ده.. ده باين يوسف.... يوسف.... يوسف."
انتبه "شريف" لنداء أحدهم على صديقه ليلكزه بخفة.
"فيه حد بينادي عليك يا يوسف..؟"
"آه.. ده أبو محمد.. تعالى يا شريف.. تعالى أعرفك عليه."
"مين ده..؟"
"حأقولك يا أخي امشِ بس الراجل بينادي."
رواية اشواك الورد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
دفع "يوسف" رفيقه بخفة ليتقدما نحو الطاولة التي يجلس عليها "عبد المقصود" بعدما أشار إليه بالاقتراب داعياً إياه بوجه مبتسم.
ألقى "يوسف" التحية عليهم وهو يرحب بـ"عبد المقصود" الذي تفاجأ بوجوده بهذا المطعم.
يوسف: السلام عليكم. أخبارك إيه يا أبو "محمد"؟
تغاضى "عبد المقصود" عن نعته بهذا الاسم، فلا داعي الآن لإثقال الأمر على "ورد" أكثر من ذلك، ليرحب بهذا الشاب الخلوق بحفاوة.
أبو ورد: الحمد لله. إنت عامل إيه يا "يوسف" يا ابني؟ تعالوا اتفضلوا نتغدى سوا، أنا عازمكم.
لم يشأ "يوسف" الإثقال على هذا الرجل الطيب ليرفض بشدة عرضه السخي.
يوسف: لا والله مش عايزين نزعج حضرتك.
لكن "عبد المقصود" أصر وبشدة على مرافقتهم لهم ليردف بإصرار.
أبو ورد: وده كلام برضه؟ اقعد يا ابني اقعد. اتفضل انت كمان.
أشار "عبد المقصود" لـ"شريف" لمشاركتهم أيضاً، ليومئ له "شريف" بامتنان.
شريف: شكراً يا فندم.
أردف "عبد المقصود" معرفاً إياهم بـ"ورد".
أبو ورد: دي "ورد" بنتي. أعرفك يا "ورد" ده "يوسف" ساكن في آخر الشارع عندنا بس انتوا عمركم ما شفتوا بعض قبل كده.
للحظة كان يتركز انتباه "يوسف" بـ"عبد المقصود" فقط، لكنه حين استمع إليه يقدم ابنته إليه اتجه بنظره نحوها، راسماً ابتسامة رسمية للغاية.
رفعت "ورد" رأسها بعدما تركت قائمة الطعام الخاصة بالمطعم من يدها، واضعة إياها فوق الطاولة لترحب بـ"يوسف".
تلاقت عيناهما بنفس الوقت لتتلاشى تدريجياً تلك الابتسامة الرسمية التي رسمها "يوسف" على ثغره، ليشعر باضطراب غريب تجاه تلك الفتاة، جعله يطيل النظر بها على غير عادته مع جميع الفتيات.
نظرت "ورد" لهذا الشاب مطولاً رغماً عنها، وكأنها تعرفه ويعرفها منذ زمن بعيد.
ألفة غريبة اجتاحتها تجاه هذا الشخص الغريب عنها، جعلتها تشعر باضطراب لا داعي له، اضطراب غير معتاد لكنه ممتع، مبهج لقلبها الذي دق بقوة حتى أنها ظنت أنه يدق بصوت مسموع للجميع.
وجدت نفسها تنجذب لمظهره الجذاب والقوة والفراسة التي تنبع من عينيه اللامعتين.
بينما شعر "يوسف" بتوقف الوقت وخلو المكان إلا منهما بلحظة تلاقي لعيونهما فقط.
سحرته بملائكيتها وبحور عينيها الزرقاء الصافية.
شعر بأن روحه سحبت فجأة وكأنه يعرفها من قبل حق المعرفة.
لم يستطع فهم ما هذا الشعور الغريب برؤيته لها، حاول قطع تلك الحالة العجيبة التي اجتاحته بالتحدث لكنه أخفق تماماً وشعر بالتلعثم للحظة.
أغمض عينيه لوهلة ليخرج من هذا الإحساس الجارف المسيطر عليه فجأة، ثم أردف بترحاب.
يوسف: أهلاً وسهلاً.
ضاعت كل كلماتها لحظة سماعه لكلماته البسيطة، لتكتفي بابتسامة هادئة وإيماءة لطيفة كرد لتحيته.
جلس "يوسف" بهدوء إلى جوار "شريف" دون أن ينحي عينيه عن "ورد".
لكنه تدارك نفسه ليعدل نظرته تجاه "عبد المقصود" وهو يكبح جماح قلبه المنفعل بالحديث معه.
يوسف: أول مرة أشوف حضرتك هنا يعني؟
أبو ورد: لا قلنا بس نتغدى هنا. وأهي صدفة جميلة جمعتنا كلنا. مش تعرفني بالاستاذ؟
أشار "عبد المقصود" نحو "شريف" الذي نسيه "يوسف" تماماً، ليتنحنح بحرج شديد معتذراً بشدة.
يوسف: آه صح! آسف. ده "شريف" زميلي في المكتب. إحنا أصلنا بنتغدى هنا كل يوم. ما هو زي ما حضرتك عارف الشركة قريبة أوي من هنا.
أبو ورد: أنا كمان بحب المطعم ده جداً. يلا اختاروا بقى تاكلوا إيه وميهمكمش. اللي نفسكم فيه حجيبه كله عشان وردتي الحلوة النهارده.
أنهى عبارته ناظراً نحو ابنته بحنان بالغ، لتنكس "ورد" رأسها بخجل من طريقة حديث والدها عنها أمام هذان الشابان.
أبو ورد: ها يا "ورد". تأكلي إيه؟
بدون أي تفكير طرأ بتفكيرها ما تشتهيه حقاً لتردف بتلقائية.
ورد: كشري.
فغر "شريف" فاه ليردف مازحاً بأسلوبه الساخر المرح للغاية، معقباً على اختيار "ورد" لذلك الطبق خصيصاً.
شريف: لا إله إلا الله. أنتي منهم؟
نظرت له "ورد" متعجبة، فهي لا تفهم مقصده إطلاقاً، خاصة وأنها لا تعرفه جيداً بعد حتى يمزح معها.
ضيقت بين حاجبيها بقوة مستفهمة ماذا يقصد بالضبط، حين لحقها شريف بتوضيح على الفور.
شريف: آسف معلش. بس أصل معانا الأستاذ فقري، مبيطلبش إلا الكشري لما معدتي باظت.
أنهى عبارته مشيراً تجاه "يوسف" وهو يضع كفه خلف ظهره، مما جعل أنظارهم جميعاً تتجه إليه، ليردف "عبد المقصود" مندهشاً.
أبو ورد: هو أنت كمان يا "يوسف" بتحب الكشري؟ دي "ورد" بتحبه جداً لدرجة إن كل ما نيجي نطلب أكل تقول عايزة كشري.
ابتسم "يوسف" لهذه المصادفة التي أسعدته للغاية دون أن يعلم، ولم يسعد لتلك الصدفة الغريبة.
يوسف: الصراحة يا أبو "محمد" أنا بحبه جداً وعندي استعداد أكله كل يوم. مش بزهق منه.
ابتسمت "ورد" لتخفي ابتسامتها وهي تنظر للأسفل قليلاً بهدوء.
أبو ورد: وأنت يا "شريف" عايز كشري برضه؟
انتفض "شريف" رافضاً بقوة، وقد لاحت بوجهه علامات الامتعاض المازح، فهو لم يرتاح بعد من إصرار "يوسف" على تناوله يومياً، ليهتف متصنعاً قلة الحيلة.
شريف: لأ يا أبو "محمد" لأ! أنا تعبت. عايز حاجة كده ترم البدن.
ضحكوا جميعاً لخفة ظل "شريف" صاحب الجو المبهج، ليطلب "عبد المقصود" الطعام للجميع.
بعد تناول وجبتهم بهدوء تام، استأذن كل من "يوسف" و"شريف" فمازال لديهم عمل يقومان به.
اتجه "عبد المقصود" بأنظاره تجاه غاليته متسائلاً.
أبو ورد: مبسوطة حبيبتي؟
ورد: جداً يا بابا.
أبو ورد: طب يلا بينا نروح.
أسند "عبد المقصود" ابنته وصولاً إلى السيارة أولاً للعودة بعد ذلك إلى البيت.
***
تحرك "يوسف" بآلية وذهن شارد وهو يتجه لمكتبه في صمت، ليثير صمته هذا فضول "شريف"، فهو لم ينطق حرفاً منذ ترك "عبد المقصود" وابنته بالمطعم، ليهتف بصديقه مخرجاً إياه من تلك الحالة الهائمة التي سيطرت عليه.
شريف: إيييييه. انت رحت فين؟
انتبه إليه "يوسف" ليفيق من شروده قائلاً.
يوسف: هاه. بتقول حاجة؟
ابتسم "شريف" ابتسامة جانبية ذات مغزى بداخل نفسه قائلاً.
شريف: بقول حاجات. سرحان في إيه؟ ولااااااا. أقولك أنا؟
يوسف: قصدك إيه؟
شريف: القمر المدغدغ اللي شفناه تحت. اللي من ساعة ما شفتها وانت مش على بعضك!
هتف به "يوسف" بحدة، فقد شعر بالارتباك الشديد، ربما لكشف ما يفكر به حقاً، وربما لظنه بشيء لم يحدث من الأساس.
يوسف: "شريف". اتلم!
رفع "شريف" حاجبيه كاشفاً ما يعتمل من اضطراب بداخل نفس صديقه، ربما هو بنفسه لا يدري سببه حتى الآن.
شريف: متزعلش أوي كده. انت بس مش شايف انت كنت بتبص لها إزاي. ولا عامل إزاي دلوقتي. عشان أقولك إن الحب بيجي خبط لازق كده من أول نظرة مش بتصدقني.
تهدجت أنفاس "يوسف" رافضاً بالمرة ما يتفوه به صديقه، فلا شيء يسمى بالحب من النظرة الأولى، إنه وهم يظنه البعض، العشق لابد وأن يتوغل بالعقل أولاً حتى يتملك القلب وليس العكس.
يوسف: حب إيه وهبل إيه! هو أنا أعرفها أصلاً. متتخيلش حاجات لا يمكن تحصل.
شريف: يا سلام! لا يمكن ليه بقى؟ وحشة؟ أبداً. دي بدر منور. دي ولا الـ...
ثارت نفسه وهو يعدّد مزاياها أمامه، ليهتف به بغضب حاد مقاطعاً إياه.
يوسف: وبعدين معاك يا "شريف"!
شريف: الله. وانت زعلت ليه كده بس؟ أنا بهزر معاك. خلاص خلاص متزعلش حسكت خالص أهو.
زاغت عينا "يوسف" قليلاً بعد حديث "شريف" غير الصحيح بالمرة، فهو متأكد أنه ليس هناك شيء من هذا القبيل، ليستطرد موضحاً ما يظنه بالفعل ولا شيء آخر مما يعتمل بعقل صديقه هذا.
يوسف: الراجل ده بعزه زي أبويا بالضبط وليه أفضال عليا وعلى عيلتي وجميل في رقبتي مش حقدر أوفيه. ده بعد وفاة أبويا كان هو اللي متكفل بينا من غير ما يعرفنا ولا نعرفه. عرف بحالنا من الجيران وإن أبويا كان على باب الله ولا ليه مرتب ولا معاش.
زاد إعجاب "شريف" بهذا الرجل الوقور بالفعل.
شريف: يااه. ربنا يجازيه خير.
يوسف: مش بس كده. ده هو اللي اتوسط لي هنا في الشركة عشان يعينوني بعد ما اتخرجت من الجامعة. لأن المدير يعرفه كويس.
شريف: ليه هو الراجل ده يبقى مين؟
يوسف: اسمه "عبد المقصود العالي".
باندهاش شديد أبدى "شريف" إعجابه بتلك العائلة العريقة.
شريف: العالي. العالي! دي عيلة كبيرة أوي وغنية أوي.
يوسف: أيوة هم.
استطرد "شريف" غامزاً ما بين الجد والمزاح، يعدّد مزايا تلك الجميلة أمام "يوسف" مرة أخرى.
شريف: طيب إيه المشكلة. لما يبقى الراجل كويس أوي كده. وعيلة محترمة. وبنته ما شاء الله عليها مشفتش في جمالها وشكلها هادي وخجول. زيك كده. زعلان ليه لما بقولك تحبها؟
زفر "يوسف" مستكملاً الإيضاح لصديقه، ربما يفهمه هذه المرة.
يوسف: أولاً. أنا مش بعترف بالحب والنظرة الأولى والكلام الفارغ بتاعك ده. ثانياً الأسباب كتيــييييـر جداً. تقف بيني وبين واحدة زي دي.
شعر "شريف" بأن هناك أسباب حقيقية تدفعه لرفضه هذا، ليتساءل بجدية.
شريف: ليه؟ ممكن تفهمني؟
يوسف: البنت دي اتجوزت من أسبوعين. و..... اتطلقت تاني يوم.
شريف مندهشاً: إيه؟ ليه؟
يوسف: معرفش. أبوها مقالش. وده سبب كبير يخليني مفكرش حتى فيها.
شريف: عشان اتجوزت؟ ولا عشان اتطلقت بسرعة؟
يوسف: الاتنين. أنا عايز البنت اللي اختارها تكون أول واحدة في حياتي. وأنا أول واحد في حياتها.
بتهكم واضح من تفكير "يوسف" المحدود أردف "شريف".
شريف: وهي لو اتطلقت عيبها إيه؟ ميبقاش تفكيرك رجعي؟
يوسف: الموضوع ده جوايا مسألة تقبل. مش حقدر أتقبل فكرة إنها كانت مع غيري قبلي.
شريف: ده انت معقد يا أخي. وفيه أسباب تانية ولا خلاص كده؟
يوسف: إنها غنية. وأنا على قد حالي. مينفعش اتجوز واحدة في مستوى أعلى مني.
شريف: مش بقولك معقد. بس بس. اسكت بقى متعصبنيش بأفكارك دي! حكمت على البنت إنها لو عدت تجربة فاشلة تفضل عايشة فيها طول عمرها لأنها بقت معيوبة! وحكمت على ظروفها المادية إنها لا ينفع تحب وتتحب من واحد من طبقة أقل شوية!
يوسف: انت مش فاهمني! أنا عايز واحدة تفهمني. تفهم عيشتي وتكون هادية. واحدة زي دي أنا مقدرش أعيشها في نفس المستوى اللي هي عايشة فيه!
ضرب "شريف" بكل أعذار "يوسف" عرض الحائط رافضاً تفكيره بالمجمل.
شريف: الحب مبيعترفش باللي انت بتقول عليه ده.
يوسف: قلتلك كل حاجة بتيجي بالاختيار الصح والعقل والتفكير. الجواز ملهوش دعوة بالحب.
بنظرة ساخرة تطلع "شريف" نحو صديقه قبل أن يردف بتحدي لما سوف يحدث.
شريف: تفتكر؟ بكرة نشوف!
وأكمل في نفسه: "ده انت وقعت وأنا شفتك. مكنتش قادر تبعد عنيك عنها. بكرة نشوف مين اللي حيغير مين؟"
***
وتعود الورد لمنبته وتعود الحياة إليه.
دلفت "ورد" لداخل بيتها تشعر بالأمان والراحة الذي افتقدتهما بشدة.
جلست قليلاً برفقة والدها ملتزمة الصمت لبعض الوقت لتتخذ القرار بسؤالها لوالدها هذا السؤال الذي شغل تفكيرها منذ لقائها به لتردف بنبرة مرتبكة خفق لها قلبها الصغير بقوة.
ورد: بابا. هو مين "يوسف" ده؟
أبو ورد: جارنا هنا أعرفه من زمان من سنين وهو صغير. بشوفه كل يوم في صلاة الفجر.
مجرد ذكره بحرصه على الصلاة وخاصة صلاة الفجر التي لا يداومها منافق مطلقاً أطلقت دهشتها وإعجابها معاً، فلم يعد هناك من يلتزم بذلك إلا نادراً.
ورد: كل يوم! بيصلي الفجر في المسجد كل يوم؟
أبو ورد: أيوة يا بنتي. راجل بجد. شال مسؤولية أمه وأخته بعد وفاة أبوه. واشتغل. عزيز النفس بصراحة.
زادت إعجاباً به وفخراً بما فعله منذ صغره، لكنها تعجبت من عدم ذكر والدها عنه من قبل.
ورد: بس أنت عمرك ما اتكلمت عنه؟
أبو ورد: مجتش فرصة بس. يلا ادخلي انتي ارتاحي. أنا خليت "نجاح" تنقل حاجتك في الأوضة اللي تحت عشان رجلك. عارف إن السلم حيبقى صعب عليكي.
ورد: تسلملي يا أحن أب في الدنيا. أنا داخلة أرتاح شوية.
أبو ورد: وأنا كمان حاسس إني تعبت من السواقة حطلع أنام شوية.
مع شعوره بالإعياء الشديد وازدياد الألم الملّم به جعله منهك غير قادر على الوقوف، لكنه أخفى ذلك عن غاليته ولم يشأ أن يسبب لها القلق.
حاول أن يستريح قليلاً على فراشه بعدما تناول من تلك تلك الأقراص المسكنة التي وصفها له الطبيب، معلقاً عينيه بتعب لينال قسطاً من النوم فربما يرتاح قليلاً.
***
دخلت لغرفتها الجديدة بالدور السفلي ومازالت متعجبة باستغراب من حالها بتفكيرها الزائد بهذا الشاب الغريب عنها وكأن بينهما ألفة غريبة دون أن تعرفه من قبل.
والأكثر غرابة هو كيف تميل بهذا الشكل له بعدما تصورت أنه بعد ما حدث مع "حسام" إنها لن تستطيع مجرد التفكير بأحدهم مطلقاً.
كانت تشعر بالسعادة فقط لمجرد رؤيته لمرة واحدة.
ابتسمت بمفردها تتذكر نظراته لها وابتسامته الساحرة.
لتحرك رأسها نفياً رافضة ما شعرت به لأول مرة.
ورد: هو إيه ده؟ لا لا طبعاً مينفعش. أنا لسه طالعة من المستشفى بعد اللي عمله "حسام" معايا. أكيد مينفعش أفكر في حد بالصورة دي. ما يمكن يطلع زيه وأنا أعرف منين هو أنا كنت أعرف "حسام"؟ زي برضه ما أنا مش عارفة "يوسف" ده! بلاش هبل. كلهم زي بعض.
تذكرت حديثها مع "سماح" تكراراً وتكراراً، بأن ليس كل البشر مثل بعضهم البعض وربما تقابل شخص يحبها ويصونها وينسيها الماضي كله.
ورد: معقول! ممكن ده؟ لالا. مش وقته الكلام ده خالص. أنا أنام وأرتاح أحسن.
استلقت "ورد" محاولة النوم. فيكفيها تفكير حتى الآن ويكفي أنها ببيتها وبعيداً عن "حسام" إلى الأبد.
***
بصوتها العالي وقبل أن تصل لغرفتها أردفت "دعاء" على عجالة.
دعاء: ماما أنا خلاص عملت الأكل. حدخل أنام شوية لحد ما ييجي "يوسف".
أم يوسف: طيب يا "دعاء".
أغلقت "دعاء" باب غرفتها وأطفأت الأنوار تحاول النوم لبعض الوقت لتستعد للسهر الليلة للمذاكرة قليلاً قبل الاختبارات.
دق هاتفها برقم غريب لتنظر لشاشته باستغراب وهي تقلب شفتيها ثم أجابت هذا الاتصال بحرص شديد كما علمها "يوسف".
دعاء: السلام عليكم.
مرزوق: وعليكم السلام. "دعاء"!
دعاء بتعجب: مين معايا؟
مرزوق: أنا "مرزوق".
اعتلتها مشاعر مزيج بين الدهشة والغضب لتهتف به بحدة.
دعاء: مين؟ انت جبت رقمي منين وإزاي تتصل بيا كده؟
مرزوق: اهدى بس يا "دعاء". أنا جبت رقمك من "مريم" بالعافية بس أنا كنت عايز أتكلم معاكي ضروري.
دعاء: لو سمحت أنا مبحبش كده ويا ريت متتصلش بيا تاني فاهم.
أنهت "دعاء" المكالمة بغضب، واضعة الهاتف إلى جانبها مرة أخرى.
حين عاد "مرزوق" بالاتصال مرة تلو المرة فقررت "دعاء" الرد لتوبخه بشدة هذه المرة حتى لا يتجرأ ويتصل بها مرة أخرى.
دعاء: لو سمحت قلت لك متتصلش بيا تاني أنا مش من النوع ده من البنات و"مريم" أنا حعرف أحاسبها كويس إنها ادتك رقمي.
مرزوق: اسمعيني بس حقولك إيه وبعدها اللي انتي عايزاه حعمله. أنا بجد معجب بيكي وبأخلاقك جداً وخصوصاً رفضك للكلام معايا ومع أي حد وعجبتيني أوي لما رفضتي أني أقعد جنبك في الباص ونفسي أتعرف عليكي أكتر وتعرفيني أكتر عشان أول ما أخلص السنة دي أتقدم لك رسمي. لأني مينفعش أتقدم لك وأنا لسه بدرس. أنا لا بتسلى ولا بلعب ولا عايز أضايقك بمكالمتي بس قلت دي طريقة كويسة نتكلم مع بعض ونتعرف على بعض من غير أي مشاكل. يا ريت تفهمي قصدي صح.
صمتت "دعاء" مستمعة لتبرير مرزوق لها وسبب محاولته الاتصال بها.
نعم جذبها هذا الشاب بطريقته وخفة دمه وصراحته معها.
إحساسها بأن هناك من يحبها ويهتم بها وبالتحدث معها أمر أحبته ولطالما احتاجته جداً.
لكنها كانت دوماً خائفة من كذب الشباب وخداعهم للفتيات مثلما تسمع عنهم وعن لعبهم بعقول الفتيات.
لكنه لا يطلب شيئاً سوى التحدث عبر الهاتف فقط ليعرفوا بعضهم البعض.
ماذا سيحدث لو أعطته هذه الفرصة. وأعطت نفسها فرصة لخوض هذه التجربة.
دعاء: والمطلوب مني؟
مرزوق: ولا حاجة بس نتكلم سوا وتردي عليا لما أتصل بيكي. لحد ما انتي تحبي تتصلي بيا.
دعاء: بس!
مرزوق: لا بس ولا حاجة لو في يوم ضايقتك لأي سبب أنا مش حتصل تاني أو أفرض نفسي عليكي. تمام.
دعاء: تمام.
سعد "مرزوق" باستجابة "دعاء" له وبدأ بالحديث معها عن نفسه وعائلته وهي أيضاً تحدثت عن "يوسف" أخيها ووالدتها ووالدها الراحل كبداية تعارف ثم أنهت المكالمة محاولة النوم الذي جافاها.
فقد انشغل ذهنها بـ"مرزوق" وحديثه اللبق عن عائلته الثرية ووضعهم المالي الجيد الذي سيتيح له خطبتها بعد انتهاء دراسته هذا العام دون أي مشاكل تعترضه سواء في الإمكانيات المادية أو موافقة والديه.
كما أن فرصته للعمل بعد دراسته مضمونة جداً.
***
عاد "يوسف" في المساء إلى المنزل. وبعد تناوله للطعام مع أمه وأخته في صمت من جميع الأطراف استأذن "يوسف" للذهاب إلى غرفته.
تطرق لذهنه حديث "شريف" اليوم ليهمس متهكماً.
يوسف: قال حب من أول نظرة قال. هو فيه كده غير في الحواديت والأفلام.
لاحت "ورد" الناعمة بعينيها الصافيتان كأنه محلق في سمائهما.
ابتسامتها الخجولة ورقتها الحالمة وكأنها من الأميرات بالقصص الخيالية.
تساءل بداخله ترى ما سبب تلك الجبيرة التي وضعت بقدمها وهذا الجرح الغائر بوجهها.
يوسف: شكلها عملت حادثة ولا حاجة. بس ليه اتطلقت تاني يوم فرحها. ليه؟
نهر نفسه عن تفكيره به قائلاً: (... أنا بفكر في إيه بس. مينفعش أفكر فيها. مش حتناسبني أبداً. لا. مش حارتاح وأنا عارف إني مش أول واحد في حياتها...)
يعود موبخاً نفسه مرة أخرى: (... هو أنا مالي شاغل نفسي بيها ليه. ده أنا يا دوب شفتها النهارده. أنا معرفش عنها أي حاجة...)
نفض "يوسف" "ورد" عن أفكاره، فإنشغاله بها غير صحيح من كل الجوانب. وعليه التركيز في سفره الأسبوع القادم إلى إيطاليا فعمله ومستقبله أهم.
رواية اشواك الورد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
شغل التفكير ذهن الجميع حتى تلك اللبقه "علا"، فظلت ساهره تحدث صديقتها "لمياء" تستكمل محادثتها التي طالت لوقت طويل، جعلها تغلق بابها لتشعر بأريحية أثناء حديثها.
زمت "علا" شفتيها جانبياً وهي تتفكر بإحباط وخجل.
علا: مش عارفه أعمل إيه؟!!! أنا محرجه جداً.
بضيق أردفت "لمياء" لسلبية "علا" وخوفها الشديد على غير عادتها.
لمياء: محرجه إيه؟!!! إتلحلحي شوية لا يطير من إيدك.
علا: أنا رحت قعدت معاهم شوية وعملتلهم شوكليت كيك، بس أول ما شفته معرفتش أتكلم معاه خالص.
لمياء: لازم إنتي تخليه ياخد باله منك، ده شكله بتاع شغل وبس. إتحركي، هو أنا برضه اللي أقولك تعملي إيه؟ ده إنتي مخك يوزن بلد!
تمعنت "علا" قليلاً بحديث صديقتها، فهي دوماً قادرة على الحديث وسلب عقل مستمعيها بإسلوبها المتمكن والمتعقل، لكن ذلك يذهب سدى عند رؤيته فقط.
أردفت "علا" مقترحة سبيلاً للوصول لـ"يوسف".
علا: بفكر أجيب له هدية، أو أخليه يساعدني في أي حاجة.
لمياء: لا استني شوية على موضوع الهدية ده لما تعرفي هو بيحب إيه. لو هيساعدك يساعدك في إيه يعني؟
علا: مش عارفة!!!! ممكن أخليه يقدم لي في الشركة عندهم عشان أشتغل مثلاً.
استحسنت "لمياء" تلك الفكرة الرائعة لتهتف بإيجاب.
لمياء: فكرة حلوة برضه، وأهو لو اتقبلتي بقيتي معاه على طول.
علا: صح كده، وأنا برضه خريجة تجارة يعني ينفع أقدم عندهم في الشركة.
لمياء: خلاص حضري ورقك واطلبي منه يساعدك، وأهو مرة تطلبي ومرة تسألي وهكذا، وده يكون فاتحة كلام كل شوية يمكن ياخد باله.
علا: خلاص بكرة أستناه وأسأله وهو راجع من الصلاة.
لمياء: كويس أوي. سيبيني أنام بقى تعبت.
ضحكت "علا" لما تفعله بصديقتها التي منعتها من النوم لمساعدتها بالتقرب لـ"يوسف".
علا: بقى كده، ماشي ماشي. روحي نامي تصبحي على خير يا أختي.
لمياء: وأنتي من أهله، مع السلامة.
علا: مع السلامة.
رفعت "علا" كتفيها بغبطة وهي تتخيل تقربها من "يوسف" الذي بالتأكيد سيشعر بما يعتمل بقلبها من عشق ولوع تجاهه. نعم لابد من ذلك.
***
فرنسا.
بعد عودة "لامار" من مكتبها وترتيبها لتلك السفرة الجديدة بجولتها الرائجة لإكسابها خبرات متجددة بمجال عملها، دلفت بهدوء راقٍ لمنزلهم بالمساء لتلقي التحية على والدتها التي كانت تجلس تتصفح إحدى المجلات الإلكترونية التي تحبذها للغاية.
لامار: مساء الخير.
والدة لامار: مساء الخير حبيبتي. شغلك ده خدك مننا خالص.
وضعت "لامار" حقيبتها الجلدية الفاخرة فوق المنضدة ثم جلست تزيح شعرها الأسود للخلف مستطرده.
لامار: ولسه يا ماما. أنا هسافر بكرة تاني، عندي مؤتمر مهم هيفيدني أوي في الشركة.
رفعت والدة "لامار" حاجبيها بإندهاش مردفة.
والدة لامار: ده أنا وباباكي مسافرين بعد بكرة، معقول هنبقى كلنا كده بعيد عن بعض؟
لامار: ده شغل بابا وأنتي فاهمة، سفريات كتير وشغل دبلوماسي. وأنا كمان لازم أخلي الشركة بتاعتي أكبر وأكبر.
والدة لامار: ربنا ينولك اللي في بالك وتلاقي نصك التاني بقى.
تعالت ضحكة "لامار" الرنانة وهي تسخر من هذا المجهول الذي ستقترن به يوماً ما.
لامار: نصي التاني؟ ده اللي أتجوزه ده لازم دماغه تبقى في حتة تانية. ولسه ملقيتوش. بس أوعدك أول ما ألاقيه همسك فيه بإيدي وسناني وميهمنيش على فكرة.
والدة لامار: بنتي ومجنونة وأنا عارفاكي.
***
اليوم التالي.
بيت عبد المقصود العالي.
استيقظ متعباً للغاية، فالألم أصبح شيئاً ملازماً له بصورة مقيتة. تناول أحد الأقراص المسكنة فوراً، فليس اليوم مناسباً لأي نوع من التراخي إطلاقاً.
فاليوم يجب أن يتمم بيع المصنع ووضع النقود باسم "ورد" بالبنك كما خطط. لكنه قبل ذلك يجب أن يوضح سبب ذلك لـ"ورد".
أخذ يفكر كثيراً كيف سينقل لها خبر أن "محمد" ليس أخيها وأنه قد طلق "ناهد". خاصة وهي بهذه الحالة الصحية. أيسهقها بهذه المشكلات الآن؟ أم يكفيها ما تشعر به ولا يزيدها ألماً؟
أصبح قلقاً من مستقبل ابنته، فهي على كل ذلك قد وصمت في هذا المجتمع المتحجر بلقب (مطلقة).
ارتدى ملابسه سريعاً وتحرك نحو غرفة "ورد" بالدور السفلي متفكراً بإسلوب يبسط لها الأمر به.
***
ورد.
استيقظت "ورد" بعد ليلة طويلة تخللها استيقاظ متكرر كعادتها هذه الأيام، فقد كانت أحلامها كلها مفزعة خاصة عندما يظهر فيها وجه "حسام" الذي أصبح يصيبها بالرعب.
أبدلت ملابسها بصعوبة خاصة، فمازال ذراعها مضمداً بتلك اللفافة وجبيرة قدمها ثقيلة للغاية.
طُرق الباب بخفة بثلاث طرقات، اتسعت لهم ابتسامتها فتلك طرقة والدها المميزة، لتردف بنبرة فرحة.
ورد: اتفضل يابابا.
أبو ورد: صباح الخير يا وردتي. عاملة إيه النهارده؟
ورد: الحمد لله.
تمعنت "ورد" قليلاً بملامح والدها المتعبة لتهتف بقلق.
ورد: مال وشك أصفر ليه كده يا بابا؟
أبو ورد: مفيش حاجة يا بنتي. اقعدي كنت عايزك في موضوع مهم.
ورد: خير يا بابا فيه حاجة؟
أبو ورد: حصلت بس شوية مشاكل كده وأنتي في المستشفى، و... أنا طلقت أم "حسام".
لقد لاحظت بالفعل غيابها عن المنزل، لكنها لم تتوقع ذلك مطلقاً لتهتف مندهشة بغير تصديق.
ورد: إيه؟!!! بسببى مش كده؟
إحساسها بالذنب جعلها تظن أن ما حدث لها سبب تلك الفجوة بين والدها وزوجته، لتسقط عيناها أرضاً بتحسر على ما فعلته بحياة والدها. حين نفى "عبد المقصود" ذلك على الإطلاق، فلا سبب لها بغدر وكذب تلك المرأة.
أبو ورد: لا يا حبيبتي، مش أنتي السبب خالص. المهم فيه مشوار مهم لازم أنا وإنتي نعمله النهارده.
ورد: بجد؟ مشوار؟ مشوار إيه؟
أبو ورد: أنا خلاص هبيع المصنع وهحط الفلوس وديعة في البنك باسمك أنتي بس.
لم يكن موضحاً بالقدر الكافي ليترك تساؤلات كثيرة بعقلها. لم طلق زوجته بتلك السرعة؟ ولم سيبيع مصنعهم ووضع المال باسمها بالبنك؟ لم سيقدم على تلك الخطوة المفاجئة والتي لا سبب ولا مبرر لها؟
ورد: ليه عملت كده يا بابا؟
أبو ورد: هبقى أفهمك كل حاجة بعدين، بس دلوقتي تيجي معايا البنك عشان نخلص إجراءات الوديعة دي. إنتي دلوقتي مش قاصر ولازم تيجي معايا.
ورد: بس يا بابا؟
أبو ورد: مش عايزك تجادليني، اسمعي الكلام على طول. مش عايز نقاش.
لم تكن يوماً تناقشه أو تعارضه، بل دوماً ما كانت تنصاع لرغبته دون إبداء أي رفض أو امتعاض، لأنه بالتأكيد يعلم ما لا تعلمه هي. لتردف بإنصياع تام.
ورد: اللي تشوفه يا بابا.
اكتفى "عبد المقصود" بهذا التوضيح البسيط لـ"ورد" وقرر الشرح لها فيما بعد، لكن خطوة اليوم مهمة للغاية ولا يجب تأخيرها.
***
تحامل "عبد المقصود" على نفسه متحملاً آلامه ليتقابل مع "حنفى" المحامي ومعه ابنته "ورد". ودون أن يظهر لها سبب هذا القرار المفاجئ وغير المنطقي إطلاقاً لـ"ورد"، قد أتمّا بيع المصنع وتحويل المبلغ المطلوب في حساب باسم "ورد" كوديعة هي فقط المتصرف الوحيد بها.
شعرت "ورد" بالقلق تجاه تصرف والدها هذا، لكنها لم تشأ معارضته لأنه بالتأكيد له أسبابه التي جعلته يقوم بهذا الأمر. خاصة وهي ترى صحته ليست مثل سابقها وأنه يخفي عنها شيئاً ما.
***
يوسف.
بعد عودته من صلاة الفجر، حضر للذهاب للشركة بموعده الروتيني ككل صباح.
هبط درجات السلم بهذا الوقت الساكن للغاية، حين استمع لباب شقة جيرانهم يفتح قبل أن يصل إليها.
طلت "علا" بطولها الفارع واقفة بابتسامة عريضة تنتظره بهدوء.
نكس "يوسف" عيناه احتراماً وتأدباً وهو يلقي السلام قبل عبوره من جوارها.
يوسف: السلام عليكم.
صوته سمفونية شجية طربت آذانها وخفق لها قلبها وهي ترد التحية بود بالغ.
علا: وعليكم السلام.
مر "يوسف" من أمامها متخذاً طريقه للعمل، حين استوقفته "علا" منادية إياه.
علا: "يوسف".
توقف "يوسف" ليلتفت نحوها قائلاً ببسمة دبلوماسية.
يوسف: خير يا "علا" فيه حاجة؟
تنحنحت قليلاً قبل أن تستجمع نفسها المبعثرة بحضوره، وهي تردف بإرتباك لا يليق بها.
علا: كنت عايزة أطلب منك طلب، بس خايفة أكون بتقل عليك.
يوسف مجاملة: لا طبعاً إزاي. اتفضلي.
علا: أنا بقالي فترة بدور على شغل وكنت عايزة أك، لو ممكن يعني، تقدم لي أوراقي عندكم في الشركة يمكن ألاقي شغل.
مثلما ساعده "عبد المقصود" لن يبخل عن غيره بمساعدته، ليهتف بترحاب شديد، فالكل منا مسخر لخدمة بعضنا بعضاً.
يوسف: آه طبعاً تحت أمرك. جهزي أنتي بس الورق وأنا هاخده منك وإن شاء الله لو فيه نصيب تلاقي شغل كويس.
علا: يا ريت. أنا مستنية فعلاً النصيب ده.
يوسف: ربنا يوفقك. بعد إذنك عشان متأخرش.
أومأت "علا" بخفة متفهمة، ليغيب عنها "يوسف" ذاهباً لعمله، تاركاً إياها تعبث بأحلامها مع هذا الشاب الذي امتلك قلبها وعقلها، ظناً منها أنها تتقرب له خطوة بخطوة.
***
البنك.
بعد إتمام تلك البيعة ووضع الوديعة بالبنك، اصطحب "عبد المقصود" ابنته بسيارته متجهاً صوب البيت.
لم تتحمل "ورد" البقاء صامتة بتلك الصورة، فعليها فهم سبب كل ذلك الأمر، فلا داعي لهذا الغموض.
ورد: ممكن تفهمني أي حاجة يا بابا؟
هو متفهم لذلك تماماً، لكن يبدو أنه من الأفضل ألا تعلم شيئاً الآن حتى يستكمل بقية مخططه الذي سيطمئن عقله وقلبه عليها أولاً، فبالتأكيد ستعارض ما يفكر به، لكن ذلك هو الحل الأمثل لأمانها وحمايتها.
أبو ورد: بصي يا بنتي، كل اللي أقدر أقولهولك دلوقتي إن فيه حاجات عايز أعملها وعايزك تثقي في اللي بعمله من غير ما تفكري، وهبقى أشرح لك كل حاجة في وقتها.
ورد: خلاص اللي تشوفه يا بابا.
اعتقدت "ورد" أن أباها قد فعل كل ذلك بسبب ما حدث بينه وبين "ناهد" وطلاقهما. ولهذا أراد أن يحفظ لـ"ورد" حقها، لكن لماذا وضع كل أمواله باسمها هي فقط؟ أين حق أخيها؟ ربما لصغر سنة وأن "ورد" ستتكفل به وتعطيه حقه عندما يكبر، خوفاً من "ناهد" وما يمكنها فعله. ربما. هكذا ظنت وأرجعت سبب تصرف والدها بهذه الطريقة.
***
الشركة الأقصى.
انتصف النهار وتعامدت تلك الشمس الحارقة بوسط السماء الصافية.
نظر "يوسف" لساعة الحائط المعلقة بالمكتب للمرة العاشرة ربما، ثم هتف بحماس بالغ.
يوسف: إيه يا "شريف"، مش جعان النهارده ولا إيه؟
تعجب "شريف" من سؤال "يوسف" لأول مرة عن الطعام، فهو دوماً من يحثه على ذلك ولم يهتم مطلقاً بالطعام وموعده من قبل.
شريف: جعان؟!!! غريبة، إنت اللي بتسأل النهارده؟
بإنكار غريب وتعجب مزيف من اندهاش "شريف" عن سؤاله، أردف "يوسف" معللاً ذلك.
يوسف: ولا غريبة ولا حاجة. بس مفطرتش كويس، ومعاد البريك جه.
شريف: طبعاً جعان ودي فيها كلام دي.
ابتسم "يوسف" قائلاً بحماس.
يوسف: طب يلا.
ألقى "شريف" الملف الذي كان يحمله بيده بسرعة فوق المكتب.
شريف: يلا.
***
المطعم.
لم يدرِ لم كان متلهفاً للمجيء للمطعم بتلك الصورة، بل ولم شعر بهذا الضيق الذي اكتسح نفسه فور أن نظر حوله بزائري تلك الطاولات من حوله.
بضيق بالغ أردف "يوسف" بصوت محبط للغاية.
يوسف: "شريف"، اتغدى إنت أنا مش جعان.
ذهل "شريف" تماماً من حال صديقه، فمنذ دقائق قليلة كان جائعاً ومتحمساً للغاية لتناول الطعام، ليهتف به متعجباً من تغير حاله للنقيض تماماً.
شريف: الله!!! ما أنت كنت لسه هتموت من الجوع دلوقتي، إيه اللي حصل؟
يوسف: محصلش حاجة، بس حاسس زي ما تكون نفسي اتقفلت كده.
شريف: غريبة. طب استنى حتى أجيب ساندوتش ولا حاجة ونطلع سوا.
لوح إليه "يوسف" بيده رافضاً وهو يتحرك بذات اللحظة إلى خارج المطعم دون التمهل أو الانتظار.
يوسف: لا، كل إنت براحتك، أنا هسبقك.
تركه "يوسف" عائداً إلى الشركة وقد تملكه شعور عظيم بالخيبة. لاح بعقله تساؤل غير منطقي بالمرة، فلم يشعر بالخيبة والإحباط لعدم رؤيتها الآن؟ ولم كان ينتظر رؤيتها أو مقابلتها مرة أخرى؟
يوسف: هو أنا كنت مستني إيه؟ وكنت بدور عليها ليه أصلاً؟ وليه زعلت لما ملقتهاش؟
تعجبه كان من حاله وليس من عدم وجودها، ليظل شارد الذهن حتى عودة "شريف" الذي لحقه مباشرة فور إحضار بعض الطعام لتناوله بالمكتب.
شريف: بجد مستغربك يا "يوسف".
يوسف بضيق: لا تستغرب ولا حاجة. نفسي اتسدت وخلاص.
بضيق بالغ جلس "يوسف" فوق مقعده عابثاً بأزرار حاسوبه، فهو نفسه لا يجد سبباً مقنعاً لما فعله منذ قليل.
شريف: عموماً جهز نفسك السفر الخميس الجاي.
يوسف باقتضاب: تمام.
ردوده المقتضبة جعلت "شريف" يلتزم الصمت تماماً، فلا داعي لإثارة حنقه أكثر من ذلك.
***
شقة يوسف.
بتكاسل شديد ظلت "دعاء" متمللة بفراشها لوقت متأخر حتى دلفت والدتها إلى غرفتها تطمئن عليها، ففي الغالب تستفيق بوقت مبكر عن هذا الوقت.
أم يوسف: مالك يا "دعاء" مرحتيش الكلية النهارده ليه؟
دعاء: أبداً يا ماما مصدعة شوية.
أم يوسف: طب قومي اتحركي كده وأنتي تبقي كويسة، بلاش النوم ده.
بمزاح لطيف عقبت "دعاء" على نصيحة والدتها.
دعاء: حاضر، شوية كده وهقوم أرقص.
صرخت بها والدتها بضيق من طريقتها المزحة طوال الوقت.
أم يوسف: دعااااء!!!
دعاء: بهزر معاكي يا ماما. مال الصداع ومال الحركة؟
أم يوسف: هو كده. اتعودنا كده طول عمرنا. اتحركي واعملي أي حاجة هتلاقي الصداع راح.
بتعجب من علاج والدتها الغريب أردفت بتهكم وقد عقدت وجهه المازح بصورة تدعو للاشمئزاز.
دعاء: ده طب الفراعنة ده ولا إيه؟ فيه حاجة اليومين دول يا حاجة اسمها مسكن. بتخلي الصداع يروح.
أم يوسف: بلاش غلبة وقومي بلاش كسل.
تحركت أم "يوسف" مستندة إلى عصاها نحو المطبخ لتبدأ في تقطيع الخضروات لحين لحاق "دعاء" بها.
لم تجد "دعاء" بد من أن تلحق بوالدتها لمساعدتها، حين دق هاتفها برقم "مرزوق".
دعاء: السلام عليكم.
مرزوق: وعليكم السلام. ده إيه الصباح الجميل ده.
دعاء: يا سلام. للدرجة دي؟ أنا مباكلش من الكلام ده.
مرزوق: ده مش كلام، ده طالع من قلبي. أخبارك إيه النهارده؟
دعاء: تعبانة والله مصدعة من سهر امبارح وأنا بذاكر.
مرزوق: ألف سلامة عليكي أجيب لك دواء؟
دعاء: لا طبعاً تجيب إيه؟ ولا تهوب ناحية بيتنا من أساسه.
مرزوق: كنت بس عايز أطمن عليكي.
دعاء: لا متقلقش اطمن.
مرزوق: أنا كنت بطمن عليكي مقدرش أبدأ يومي من غير ما أقولك صباح الخير وأسمع صوتك.
اهتمامه بها أشعرها بوجودها. إحساس غريب أحبته للغاية واحتاجته بالفعل، لترتسم ابتسامة خفيفة على ثغرها، سرعان ما أفاقت لنفسها لتستكمل حديثها معه مصطنعة الجدية.
دعاء: وخلاص صبحت؟ يلا سلام ورايا حاجات كتير في البيت.
مرزوق: سلام.
***
لامار.
بعد انتهاء لقائهما بالمكتب تفاجئت "لامار" بطلب "آدم".
آدم: أظن إنك هنا النهارده ومش وراكي سفر، ممكن بقى نتغدى النهارده مع بعض.
لم تجد لامار بد من موافقتها، خاصة وأنها لم تر منه أي سوء. فقررت خوض التجربة، فربما تظن به ظناً خاطئاً.
لامار: موافقة. هنتظرك الساعة تلاتة هنا الشركة عندي ونروح سوا.
آدم: تمام. هعدي عليكي في المعاد.
في الوقت المحدد.
مر "آدم" بـ"لامار" ليصطحبها لتناول الغذاء سوياً، حين أردف بخيلاء.
آدم: شفتي مواعيدي مظبوطة إزاي؟
لامار: أينعم إحنا في فرنسا بس زي ما بيقولوا مواعيد انجليزي.
آدم: اتفضلي. أنا أعرف مطعم جميل جداً.
لامار: وهو كذلك.
توجه "آدم" و"لامار" إلى أحد المطاعم الفاخرة لتناول الطعام، مع تعامل "آدم" الراقي للغاية مع "لامار" بصورة أبهرتها حقاً.
مما جعلها تبدأ تغير تلك الصورة السيئة التي أخذتها عنه وأنه ليس ثقيل الظل إلى هذه الدرجة.
بعد الانتهاء من تناول الطعام، أوصل "آدم" "لامار" مرة أخرى إلى شركتها لتستقل سيارتها نحو المنزل.
لامار: مساء الخير.
والدة لامار: مساء الخير.
نظرت "لامار" لتلك الحقائب الموضوعة بالزاوية قبل أن تسأل والدها بلطافة.
لامار: خلاص حضرتوا نفسكم للسفر؟
والدة لامار: ما تيجي معانا تغيري جو؟
لامار: عندي شغل كتير جداً الفترة دي ومقدرش أغيب أسبوعين بحالهم. روحوا إنتوا.
والدة لامار: ماشي. إحنا طالعين المطار كمان نص ساعة.
لامار: هاجي أوصلكم طبعاً.
والدة لامار: أكيد. أخبار الشركة إيه؟
لامار: مكنتش متخيلة كم الطلبات للتعاقد مع شركتنا بالصورة دي. بجد مبسوطة جداً. ده حتى فيه مؤتمر كويس أوي هيعرضوا فيه طرق جديدة لجذب انتباه العملاء الأسبوع الجاي مش لازم أفوتها أبداً.
بفخر شديد أردف "نشأت" متباهياً بذكاء ابنته وقدرتها على خوض تلك التجربة بنجاح.
والدة لامار: أنا عارف إنك قد المسؤلية وهترفعي راسي، خصوصاً لما نسافر مصر.
رفعت "لامار" كفيها بحالمية وهي تستطرد بإنفعال وحماس شديدين.
لامار: أهي السفرية دي لا يمكن أفوتها أبداً. وقتها هكون مجهزة نفسي من قبلها لأن مصر وحشتني جداً وخصوصاً إسكندرية. أنا ممكن أعمل شغل كويس أوي هناك.
والدة لامار: طيب يلا استعجلي والدتك عشان منتأخرش.
لامار: تمام ثواني هروح أناديها.
رواية اشواك الورد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
في المساء...
ربما عيبه الوحيد الذي يعترف به حقيقة هو عدم التجاوز. لا يستطيع تجاوز ضيق حل به أو فكرة سيطرت على عقله وتصبح هي شاغله الشاغل طوال الوقت.
عاد "يوسف" بعد انتهاء عمله بالشركة إلى بيته، لكن أثر ضيقه الذي حل به ظهيرة اليوم ما زال مؤثراً به. صعد درجات السلم بتجهم تام حين سمع صوت "علا" تهتف باسمه أمام باب شقتها مرة أخرى.
إضطر "يوسف" على رسم ابتسامة مجبرة على ثغره لتحيتها.
يوسف: السلام عليكم.
علا: أنا حضرت الورق أهو، معلش حتعبك معايا.
يوسف: تعبك راحة.
تاهت كلماتها برد "يوسف" المجامل، حتى أنها أخذت تبحث عن أي سؤال يخطر ببالها، فقد تناست ما قد حضرت نفسها لقوله تماماً.
علا: ااااا... أنا... أنا خريجة تجارة، يعني ممكن يكون فيه وظيفة عندكم صح؟
يوسف: إن شاء الله خير.
إستأذن "يوسف" منها صاعداً نحو شقتهم ليقابل والدته و"دعاء" ويطمئن عليهما. لتقابله "دعاء" بالباب وهي تقف تتوسط خصرها بكفيها وهي تحرك حاجبيها استفزازاً لـ"يوسف" مازحة.
دعاء: أيوة يا عم ماشية معاك. شايفاك واقف مع "علا".
أنهت عبارتها وهي تغمز بعينها مازحة معه، لكنه لم يتقبل دعابتها ككل مرة وأردف بنبرة مختنقة.
يوسف: بقولك إيه يا "دعاء"، أنا مش فاضي لك. دي كانت عايزاني أقدم لها على شغل في الشركة.
رد "يوسف" المقتضب وعدم تحمله لمزاحها الثقيل جعلها تعقب بجدية لشعورها بأن هناك أمر ما يضيق نفسه.
دعاء: هو أنا قلت حاجة؟ أنا كنت بهزر معاك، مقصدش أزعلك.
أحس "يوسف" أنه زادها بحدته غير المبررة، وأن "دعاء" لا ذنب لها بضيقه الذي لا يستطيع تجاوزها منذ الصباح، ليردف معتذراً.
يوسف: معلش يا "دعاء"، كنت مضغوط في الشغل أوي النهارده عشان سفر يوم الخميس.
لم تكن تنتظر منه سوى تلك الكلمات البسيطة لتنفرج شفتيها عن ابتسامة رضا وهي تستطرد.
دعاء: معلش، أنا برضه زودتها شوية. بس أصل "علا" حتموت عليك بجد.
لم يستسغ مزاح "دعاء" الثقيل بموضوع مثل هذا ليردف بنبرة تساؤل تحمل معنى لا يمكن ذلك.
يوسف: إيه الكلام اللي انتي بتقوليه ده؟ لأ طبعاً.
دعاء: طب بكرة تشوف، ده باين وباين وباين كمان.
يوسف: بطلي هبل وحضريلي الغدا أحسن ما أكلتش حاجة من الصبح.
دعاء: ثواني.
تبع "يوسف" أخته نحو الداخل وهو يحدث نفسه باستغراب مما قالته منذ قليل.
يوسف: مجنونة دي ولا إيه؟ "علا"... بتحبني أنا؟
بعد تناول طعامه وخلوه بنفسه بغرفته، تناسى تماماً "علا" وما قالته "دعاء" عنها وتذكر شيئاً واحداً فقط.
تلك الفاتنة ذات العيون الزرقاء. أخذ يؤنب نفسه على إحساسه اليوم وانتظاره لرؤيتها مرة أخرى.
وماذا لو رآها؟
ما الذي سيتغير؟
فما زال عقله يرفض تقبل ما مرت به.
لما ذهب من الأساس للبحث عنها؟
وكيف سيطرت على تفكيره على الرغم من رؤيتها لمرة واحدة فقط.
لما يريد رؤيتها ثانية إذا كان يرفضها؟
شعر بأنه يسير في متاهة ويجب أن يخرج منها بعقله مثلما اعتاد دائماً، وعليه ألا ينساق وراء طريق لا يرضاه ولا يتقبله.
***
أسبوع آخر يمر تلتئم به الجروح ويتناسى به الألم.
إستطاعت "ورد" بتلك الأيام التعود على حركتها بمفردها مستخدمة عكازها تتكئ عليه، لكنها بداخلها تتوق لموعدها بالمستشفى لإزالة تلك الجبيرة المتبقية وتتحرر تماماً من تلك القيود التي سجنت بها لوقت طويل.
ولم يكن موعدها فقط هو ما تنتظره، بل اليوم أيضاً ستتقابل مع "سماح" بجلسة جديدة، فما زال بداخلها حديث تود لو أن تخرجه من داخلها وتتحدث به عن أشياء تشعر بها تتمنى لو تشاركها مع أحدهم، ولن تجد أفضل من "سماح" لذلك.
***
عانى "عبد المقصود" من بعض النوبات المؤلمة وما زال يخفي مرضه عن الجميع. فلا يشغل فكره سوى "ورد" وحياتها من بعده، فقد أدرك أن الموت قادم قريباً لا محالة. لم يستطع ذلك إقصاء الصغير "محمد" عن البيت حتى بعد تأكده أنه ليس ولده، فهذا الصغير لا ذنب له.
***
تهربت "ناهد" من بقائها مع "حسام" بمكان واحد، فقامت بإستئجار إحدى الشقق المفروشة بالقرب من سكن "حسام" حتى تستطيع المرور به من وقت لآخر، يخططان ويدبران للتمكن من "ورد"، لكنهم بإنتظار تماثلها للشفاء أولاً لينفذوا مخططهم الشيطاني.
قضى "حسام" معظم وقته مغيباً بإدمانه للخمور والمخدرات التي إكتسحت حياته منذ زمن طويل.
***
حاول "يوسف" التركيز بعمله فقط، مقصياً تلك الأفكار التي تعصف به من وقت لآخر بتمنيه للقاء آخر، ثم يعود معنفاً نفسه على ذلك. فعليه تحديد طريقه بعيداً عن تلك الأفكار الغريبة.
حاول كذلك مساعدة "علا" بتقديم أوراقها بالشركة، لكن لم تتاح فرصة بعد لها، فجميع الوظائف مشغولة.
إستعدا "يوسف" و"شريف" للسفر إلى إيطاليا للانتهاء من مراجعة تلك العقود الخاصة بالشركة بسفرتهم القصيرة.
***
شقة يوسف.
وقف "يوسف" بباب الشقة مودعاً والدته وأخته قبل التوجه للمطار صباح اليوم. لم يستطع إيقاف انهمار دموع والدته الحارة وهي تبكي مودعة إياه.
أم يوسف: خلي بالك من نفسك يا ابني.
يوسف: كفاية بقى يا ماما، دول يا دوب كام يوم.
أم يوسف: أصل دي أول مرة تبعد عني كده.
رفعت "دعاء" حاجبيها باندهاش من تلك المشاعر الجياشة والتأثر المبالغ فيه من قبل والدتها، فـ"يوسف" لن يغيب أكثر من أسبوع واحد.
دعاء: أمال حتعملي إيه لما يتجوز؟
أم يوسف: يتجوز معانا هنا. دي شقتنا كبيرة أوي الحمد لله، دي خمس أوض. دي هي دي اللي طلعنا بيها من الدنيا.
دعاء: الشقة هنا قديمة أوي يا ماما، دي بتاعة جدي الله يرحمه.
أم يوسف: ولو. وشقة "يوسف" بعد كده، حيتجوز معانا هنا.
ضحك "يوسف" على مشادتهما الظريفة وهو يضرب كفيه بعضهما البعض.
يوسف: إحنا في إيه ولا في إيه بس! خلينا في السفر. أنا نازل، خدوا بالكم من نفسكم، وأنتي يا "دعاء" خدي بالك من ماما كويس.
دعاء: متخافش يا "يوسف"، خد بالك إنت من نفسك.
يوسف: لا إله إلا الله... محمد رسول الله.
تركهم "يوسف" متجهاً نحو المطار لمقابلة "شريف" واستقلال طائرتهم المتجهة اليوم إلى إيطاليا. ورغم حزنه لفراق أهله لأول مرة، إلا أنه سعيد لخوض تجربة السفر، فطالما أراد ذلك، لكن التزامه مع أهله جعله دوماً يتراجع. وربما تكون فرصة جيدة للابتعاد بتفكيره بتلك الحسناء رغماً عنه، تلك الناعمة التي سيطرت عليه منذ لحظة وقوع عينيه عليها. فمنذ ذلك اليوم يبحث عنها دون قصد منه يومياً حين يحين موعد تناول الطعام وذهابهم إلى المطعم. وكلما ذهب يبحث عنها لكنه يشعر بخيبة حين لا يجدها. لكن ما أقلقه حقاً هو غياب والدها كثيراً بصلاة الفجر كما اعتاد، لهذا قرر حين عودته السؤال عنه، فهو لا ينقطع أبداً عن المسجد ولابد أن شيئاً عظيماً سبب ذلك.
قابل "شريف" صديقه "يوسف" مرحباً به.
شريف: حبيبي، تعالى تعالى.
يوسف: إنت هنا من بدري ولا إيه؟
شريف: لا لسه واصل، يلا بينا.
بدأ "يوسف" و"شريف" إجراءات سفرهم استعداداً للإقلاع، مع انبهار يوسف بالطائرة وحجمها عن قرب. جلس إلى شريف مستمتعاً بتلك الأجواء الجديدة عليه.
***
بيت عبد المقصود العالي.
بحماس مفرط خرجت "ورد" ترتدي فستان طويل أسود اللون به زهور وردية كبيرة لاقت لها كثيراً. إستندت على عصاها لآخر يوم، فبعد قليل ستتحرر من تلك الجبيرة التي تقيدها، ستعود كما كانت كالعصفورة الطليقة محلقة بخفة.
إحساس العافية مبهج للنفس، لا يشعر به سوى العليل، فكم من نعمة نفيض بها لكننا غافلون عنها.
أعادت خصلة شعرها الذهبي للخلف وهي تردف بنعومة.
ورد: أنا جاهزة يا بابا.
أبو ورد: يلا يا بنتي، نادى السواق الجديد يحضر العربية لأني مش قادر أسوق خالص.
قلبت شفتيها استياءً بحالة والدها الذي يرفض أن يخضع لفحص الطبيب لمعرفة مما يعاني.
ورد: أنا مش عارفة يا بابا مالك بجد اليومين دول! ما تيجي نكشف طالما حنبقى في المستشفى.
أبو ورد: ده حاجة متستاهلش، الضغط عالي بس اليومين دول، متشغليش إنتِ بالك.
ورد: طيب يا بابا اللي تشوفه.
إستقلا السيارة متجهين نحو المستشفى برفقة السائق الجديد. دلفت إلى المستشفى للمرور بالطبيب المعالج لها ليزيل تلك الجبيرة أولاً.
الطبيب: حمد الله على سلامتك.
ورد: أنا مش مصدقة إني حقدر أمشي على رجلي من تاني، الحمد لله.
الطبيب: بس يا ريت مترهقيش نفسك.
ورد: إن شاء الله.
رسم "عبد المقصود" ابتسامة مرهقة للغاية سعيداً بعودة "ورد" لطبيعتها حين أخبرته بحماس طفلة.
ورد: شفت يا بابا، الحمد لله.
أبو ورد: الحمد لله يا بنتي. روحي إنتِ معادك مع الدكتورة "سماح" وأنا حستناكي في الاستقبال.
ورد: حاضر يا بابا.
سارت بخطوات ثقيلة تجاه مكتب "سماح"، فما زالت تشعر ببعض الثقل الخفيف بساقها، لكنها سعيدة للغاية لأنها تخطو خطواتها دون مساعدة.
طرقت الباب بخفة لتستمع لصوت "سماح" الشجي من خلف الباب تسمح للطارق بالدخول.
سماح: ادخل.
طلت "ورد" بوجهها المبتسم وطلتها المريحة للنفس قائلة ببهجة.
ورد: أنا جيت.
سماح: "ورد"! إيه ده ما شاء الله، إنتِ فكيتي الجبس أخيراً.
ورد: أيوه، الدكتور قالي أني خلاص مش محتاجة الجبس ده، بقى ما أنا بقالي شهر أهو.
بملامة خفيفة استطردت "سماح" حديثها وهي تدعو "ورد" للجلوس مشيرة لها بكفها.
سماح: وحشتيني على فكرة. إيه مش بتتصلي بيا ليه؟
أجابتها "ورد" ساخرة من نفسها.
ورد: أصل انتي متعرفينيش، أنا مش النوع بتاع الموبايلات ده خالص ودايماً بنساه. عارفة، ده أنا حتى كالعادة افتكرته لما دخلنا المستشفى ونسيته برضو في البيت.
سماح: ماشي يا ستي. احكيلي بقى على كل حاجة بالتفصيل.
جلست "ورد" جلسة أقرب لجلسات الأصدقاء مع "سماح" لتتحدث معها عن طلاق والدها من "ناهد" الذي لم تعلم سببه حتى الآن، كذلك عن مقابلتها لـ"يوسف" في المطعم هذا اليوم.
سماح: إنتِ قلتي لي اسمه إيه؟
ورد: "يوسف". مش عارفة ليه حاسة زي ما أكون عارفاه من زمان.
سماح: ما تسمعي عن حاجة اسمها الأرواح بتتلاقى.
باندهاش تساءلت "ورد" عن ذلك المصطلح الغريب تستفسر عن مقصدها به.
ورد: الأرواح بتتلاقى؟
سماح: أيوه ليه لأ.
هي لم تدرِ بعد إن كانت تخطت ما حدث مع "حسام" أم لا، لكنها تدرك تماماً أنها وصمت بلقب لم تختاره (مطلقة). لتردف بنبرة تعسة للغاية.
ورد: متنسيش أني دلوقتي مطلقة. إيه اللي حيخلي واحد زي ده ممكن يفكر في واحد زيي؟
سماح: اسمحي لي يا "ورد"، اللي يفكر بالتفكير ده يبقى راجعي. يعني إيه يحكم على واحدة من مجرد تجربة فاشلة مرت بيها؟ وبعدين إنتي جميلة ومتعلمة ورقيقة أوي. أي حد يتمنى فعلاً إنسانة جميلة زيك. خليكي واثقة من نفسك.
ورد: أنا بحاول فعلاً.
نظرت "ورد" لساعة يدها قبل أن تعتذر من "سماح" للعودة لوالدها منتظراً بالأسفل.
ورد: معلش بقى أستأذن أنا عشان بابا مستنيني تحت.
سماح: ماشي، بس ابقي افتكري الموبايل وكلميني.
ورد ضاحكة: حاضر، إن شاء الله.
***
إيطاليا.
هبطت الطائرة مطار روما الإيطالي وسط إعجاب الرفيقين بتلك المدينة الرائعة، وربما زاد إعجابهم بها أنها سفرتهم الأولى وكل ما بها مبهج للغاية.
إستقلا إحدى سيارات الأجرة نحو الفندق الذي تم حجزه لهما ليستريحا قليلاً من السفر قبل بدء عملهم.
دارت عينا "شريف" بالغرفة من حوله، ثم جلس بالمقعد الوثير بقرب النافذة وهو يتحدث بإعجاب واضح بتلك البلدة.
شريف: حلوة إيطاليا. نخلص بقى بكرة شغلنا ونلف أنا وإنت نتفرج عليها.
قلق "يوسف" من تركه لوالدته المريضة وأخته الصغرى بمفردهما وشعوره بالمسؤولية تجاههم جعله يشعر بأنه لا يجب عليه سوى العمل فقط للعودة بأسرع ما يمكن لهم.
يوسف: إنت جاي سياحة؟ خلينا نخلص شغلنا ونرجع.
شريف: يا عم إنت متبقاش فقرى بقى. حد يبقى في إيطاليا... وما يتفسحش.
يوسف: اصبر بس نخلص العقود بكرة ونشوف.
بتلميح غير مفهوم أردف "شريف" غامزاً بعينه تجاه "يوسف".
شريف: ماشي. تاكل معايا ولا حتدور على حد تاني في المطاعم هنا برضه؟
ضيق "يوسف" عيناه بعدم فهم مقصده حقيقة تلك المرة.
يوسف: قصدك إيه؟
إستدار "شريف" بكامل جسده لينحني تجاه صديقه وقد دنا منه بصورة كبيرة مسنداً كفيه بذراعي مقعد "يوسف" ليخبره أنه يفهم تماماً ما يعتمل بداخله.
شريف: إنت فاكرني إني مش واخد بالي إنك كنت بتدور على القمر كل يوم.
يوسف: قمر؟ قمر إيه؟
بابتسامة شقية وغمزة كاشفة لشعور "يوسف" المستتر.
شريف: بنت الحاج أبو "محمد"! ده إنت من ساعة ما شفتها في المطعم وأنت كل يوم بتستنى تيجي تاني مع أبوها.
دفع "يوسف" بـ"شريف" مبعداً إياه عنه وهو ينهض من مقعده باضطراب غريب هاتفاً بحدة غير مبررة لهذا الانفعال وكأنما ألصقت به تهمة ما وعليه تبرئة نفسه منها.
يوسف: هو إيه الكلام ده! أنت دماغك باظت ولا إيه؟
زم "شريف" شفتيه بابتسامة جانبية وهو يلتف بمقابلة "يوسف" مواجهاً إياه يكشف له عما يواريه من مشاعر إعجاب بتلك الجميلة.
شريف: لا يا سيدي. إنت عجبتك، متنكرش. من أول نظرة زي ما قلت لك. بس دماغك دي هي اللي عاملة فيك كده.
لوح "يوسف" بإصبعه محذراً بوجه "شريف" وقد تهدجت أنفاسه المتلاحقة بتوتر.
يوسف: "شريف"! احترم نفسك، وأنا لا بفكر فيها ولا حاجة. متخترعش حاجة محصلتش.
شريف: حنشوف.
يوسف: نقطنا بقى بسكاتك وروح كل في أي حتة.
حمل "شريف" جاكيته الملقى فوق ظهر المقعد وهو ينصح رفيقه قبل مغادرة الغرفة.
شريف: فك من الأفكار اللي في دماغك دي، وامشي ورا قلبك حتكسب. سلام.
مع نهاية عبارته رفع "شريف" إصبعيه السبابة والوسطى ملقياً التحية تاركاً إياه يسبح في بحور حيرته. فهل فعلاً دق قلبه لها؟ وأعجب بها من أول نظرة كما يقول؟ أم أن العقل ما زال هو المسيطر عليه وعلى اختياراته.
***
ورد.
بعد خروجها من المستشفى برفقة والدها وقبل أن يستقلا سيارتهما تساءل والدها بحنو.
أبو ورد: ها عايزة نروح ولا تحبي حاجة من هنا؟
دق قلبها بقوة لتكتسي وجنتيها بحمرة طبيعية وهي تنكس رأسها خجلاً تحاول طلب ذلك من والدها لتخرج كلماتها على استحياء شديد.
ورد: هو يعني لو ممكن، ومش حتعبك. نروح نتغدى في المطعم اللي إنت ودتني فيه المرة اللي فاتت.
ربت "عبد المقصود" بخفة على ظهرها وهو يردف بحنو بالغ.
أبو ورد: بس كده، يلا بينا.
تراقص قلبها فرحاً وقد رسم بخيالها لقاء ثانٍ من نوع آخر. ترى هل يمكن ذلك؟ ولم لا. فهم تقريباً بنفس الموعد الذي رأته به في المرة الأولى.
جلسوا بإحدى الطاولات وطلب لهما "عبد المقصود" الطعام وسط تعلق عيناها بمدخل المطعم.
مر الوقت ببطء وملل. ولم يظهر هو أو صديقه "شريف". شعرت باختناق بقلبها لتلتزم الصمت طوال فترة تناولهما الطعام. شعرت أنها تحبس دموعها المختنقة بمقلتيها دون أن تعلم سببها، فلقد كانت منذ قليل في منتهى السعادة. ماذا حدث؟ أكل ذلك فقط لأنه لم يأت؟
طلبت "ورد" من والدها المغادرة والعودة لبيتهم ليلبي "عبد المقصود" رغبة ابنته، وكان هو أيضاً بحاجة لتلك الراحة.
***
دعاء.
إستمرت "دعاء" بالإستمتاع بمكالمات "مرزوق" اليومية في الخفاء. فلقد أحبت بالفعل اهتمامه بها. وبدأت هي أيضاً بالاتصال به والسؤال عنه. لكنها اكتفت بتلك المكالمات ولم يتطرق الأمر لمقابلة مطلقاً كما اتفقا.
***
شقة حسام.
بسخط شديد أخذت "ناهد" توبخ "حسام" حتى ينتبه لها، فعينيه زائغتان بقوة إثر تلك المغيبات للعقل التي يتناولها.
أم حسام: "حساااااام"! فوق معايا كده. أوووف.
حسام: والله فايق. قولي بس عايزاني أعمل إيه وأنا أعمله.
زفرت "ناهد" بحنق وهي تردف بخبث شديد.
أم حسام: أنا عرفت من "نجاح" إن "ورد" فكت الجبس النهارده. حنستنى كام يوم كده يكون أبوها مش في البيت ونكلمها تيجي هنا.
بتملل من تلك الخطط والانتظار أردف "حسام" بلسان ثقيل للغاية.
حسام: طيب ما نكلمها على طول.
أم حسام: لأ. لما أتأكد الأول "عبد المقصود" قالها إيه بالظبط. أحسن يكون حكى لها كل حاجة وساعتها حتخاف تيجي.
حسام: أه صح. طيب حتعرفي منين؟
بابتسامة تهكمية أردفت "ناهد" بثقة.
أم حسام: من "نجاح" طبعاً. ما هي بتقول لي كل أخبارهم أول بأول.
حسام: هو لسه مخلي "محمد" هناك بعد اللي عرفه ليه؟
أم حسام: مش بقولك طيب ويتضحك عليه. وبنته زيه بالضبط. تلاقي الواد صعب عليه يرميه في الشارع.
حسام بضحك وهو يتناول زجاجة المسكر مرة أخرى ساخراً من سذاجة هذا الرجل.
حسام: لا فيه الخير.
أم حسام: "حسام". الشقة بقت زي الزفت، خلى حد ينضفها. أنا مش مستحملة الحاجات اللي مرمية والأزاز دي كلها.
صرخ بها "حسام" بعصبية، فـ يكفيها تحكم به وبتصرفاته بهذا الشكل.
حسام: الله يا ماما! مش أنتي قاعدة في شقتك! مالكيش دعوة بشقتي بقى، أنا حر عجبتني كده.
أم حسام: إنت حر.
وتبقى للأحداث بقية.
رواية اشواك الورد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
اليوم التالي...
بإحدى الشركات الإيطالية جلس كلاً من "شريف" و"يوسف" ملتفين حول الطاولة الزجاجيه المستطيله مع عدد من نظرائهم الإيطاليين بالشركه يدرسون العقود بدقه.
مال "يوسف" على صديقه مشيراً لأحد بنود العقد منبهاً إياه.
يوسف: البند ده عايز يتغير يا "شريف" شوف.
تمعن "شريف" بما كتب بالإنجليزية بهذا العقد محاولاً فهم المقصد من تلك الكلمات المتراصه ليردف بعدم إدراك.
شريف: هو يقصد إيه بالكميه النوعيه؟
يوسف: نوعيه إيه؟ ده إنت ضايع فى الإنجليزي.
تلفت "شريف" حوله فهو حقاً لا يفهم شيئاً ثم إستكمل بصوت خفيض للغايه.
شريف: شفت بقى عشان كده أصرت إن إنت تيجى معايا. أمال قصدهم إيه؟
يوسف: دى مواصفات الجوده.
أكمل "يوسف" موضحاً بالإنجليزيه أنه يطالب بتغيير صيغه هذا البند وبعض البنود الأخرى.
تفهم بقيه نظرائه طلبه ليحددوا موعد بالغد لمناقشه ذلك بعد التعديل وأن يستكملوا إجتماعهم بالغد حتى يتم الموافقة على كل بنود العقد قبل إرساله للفرع الرئيسي بالقاهرة لتوقيعه.
فور إنتهائهم من إجتماعهم إتجه نحوهم أحد مدراء الشركه لمصافحتهم داعياً إياهم بحضور حفل فى المساء يضم العديد من المهتمين بهذا المجال من العمل بإيطاليا.
"عليكم بالحضور مساءً بهذا الحفل المميز. سننتظركم بالتأكيد."
إبتسم "يوسف" بدبلوماسيه ثم أومئ بخفه متحدثاً بإنجليزيه طليقه.
يوسف: يسعدنى قبول دعوتك حقاً. وسنرى لو كان بإمكاننا الحضور بالمساء لأننا متعبين للغايه.
تقلبت نظرات "شريف" بين إثنيهما حتى تركهما مدير تلك الشركه ليتسائل بإستفهام وتعجل.
شريف: انتوا بتقولوا إيه؟ أنا مكنتش فاهم حاجه غير كلمه حفله. هى حفله بجد ولا دى حاجه فى العقد؟
يوسف: أيوة حفله. بيعزمنا على حفله بالليل.
دفع بكفه بصورة موازيه وهو يهتف بحماس مفرط.
شريف: أنا رايح وش.
يوسف: لا أنا ماليش فى وجع الدماغ ده. روح إنت.
شريف: إنت الخسران. خليك إنت فى قمر الليالى بتاعك. وأنا أروح أعيش فى إيطاليا بقى.
تغاضى "يوسف" عن تلك الهراءات التى يتفوه بها صديقه ليردف متهكماً من ضعفه باللغه الإنجليزيه قائلاً.
يوسف: يعنى إللى ملقتهاش فى مصر حتلاقيها فى إيطاليا وانت متعرفش كلمتين إنجليزى على بعض.
أعدل "شريف" من وضع ياقته بخيلاء وهو يستكمل بنبرة مازحه.
شريف: ودى حاجه محتاجه إنجليزى؟ حروح أفرح وأنبسط وأكل أكله نظيفه.
لم يتمالك "يوسف" نفسه من الضحك على صديقه فهو مازال لا يفكر إلا بالطعام حتى فى إيطاليا.
***
بالمساء.
تهندم "شريف" مرتدياً حُلة رماديه وقميص أبيض ليتباهى بمظهره بالمرآه محدثاً "يوسف" يحثه على التفكير بالذهاب معه مرة أخرى.
شريف: يا إبنى تعالى معايا حتندم.
يوسف: لا يا سيدى مش حندم. يلا إتكل أنت على الله وسيبنى فى حالى.
شريف: أنت حر. غاوى فقر.
لم يكن مقر الحفل بعيداً عن هذا الفندق ليتجه نحوه "شريف" مباشرة تاركاً "يوسف" بالفندق.
إتسعت عينا "شريف" بإنبهار بتلك الأجواء الصاخبه والموسيقى الحماسيه. كذلك أعجب للغايه بمظهر هؤلاء المدعوين الذين يبدو عليهم الثراء والبذخ.
وقف بأحد الزوايا يتناول أحد المشروبات بعد أن تاكد خلوها من الكحول وظل يتابع بأعين مشدوهه هؤلاء البشر من جميع الجنسيات يتحدثون ويتضاحكون. غير إنه لم يفهم أى منهم لضعف لغته الإنجليزيه. فهو على الرغم من المستوى التعليمى العالى الذى قد وصل إليه إلا أنه كان يكره دوماً دراسه اللغات لكنه الآن يندم على ذلك.
وبعد فتره طويله شعر بألفه تجاه بعض الدعوين لما يبدو عليهم سمات العرب. إقترب منهم ليستمع إليهم فإذا بهم مجموعه من المستثمرين وأصحاب شركات من الشباب المصريين ليهتف بروح مرحه وكإنما وجد طوق الخلاص وفهم أحدهم بهذا الحفل الغير مترجم.
شريف: لا إله إلا الله. الحمد لله تحيا مصر.
ضحكوا جميعا على أسلوب "شريف" المرح فقد فهموا إنه أحس بالغربه خاصه مع كل هذه الجنسيات.
تعرفوا جميعاً على بعضهم البعض يتحدثون و يتسامرون حتى وقت متأخر من الليل.
***
الفندق.
إحتسى يوسف فنجان قهوته الثانى فعشقه لهذه السمراء لا ينتهى. كما أنه أراد إنتظار "شريف" حتى عودته فمهما كان غريب فى هذه البلده الكبيره.
دلف "شريف" إلى الغرفه متعجباً من بقاء "يوسف" متيقظاً حتى هذا الوقت المتأخر.
شريف: أنت لسه صاحى؟
إلتفت له "يوسف" بقلق من تأخره الزائد عن الحد قائلاً.
يوسف: إيه يا أخى!!! إتأخرت كده ليه؟ أنا قلت حتروح مش حتفهم حاجه حتيجى على طول.
ألقى "شريف" جسده بصورة مسرحيه فوق الفراش قائلاً بهيام شديد.
شريف: أسكت يا "يوسف" على إللى حصلى و إللى جرالى النهارده.
يوسف: خير. قول يا سيدى.
شريف: قابلتها. شفتها وإتكلمت معاها. ياااه. أخيراً النظره الأولى ظبطت.
يوسف: أنت بتتكلم على إيه يا جدع أنت؟
إعتدل "شريف" يقص على صديقه ما فعله بالحفل.
شريف: قابلت واحده فى الحفله النهارده إنما إيه. يالهوى. بجد خطفت قلبى.
إتسعت عينا "يوسف" بغير تصديق لتهور صديقه.
يوسف: أنت لحقت؟
شريف: الحب مفيهوش لحقت. وبعدين أنا قلت عجبتنى. شخصيه وأخلاق. مش قادر أوصف لك. فظيعه. فظيعه يا "يوسف".
جلس "يوسف" إلى جانب "شريف" مستطرداً بتهكم.
يوسف: ودى إتفاهمت معاها إزاى بقى يا أخويا؟
شريف: إسكت. دى طلعت مصريه. كانت موجوده مع مجموعه مستثمرين فى إيطاليا وعامله معاهم شغل. و إتكلمنا ونسينا الدنيا كلها وإحنا مع بعض.
يوسف: وبعدين؟ ولما نرجع مصر حتعمل إيه بقى؟
بإستراب من سؤال "يوسف" فقد كان يتوقع أن يدرك بديهياً ذلك.
شريف: هو مش فيه إختراع إسمه تليفون ونت؟ حكلمها ونتواصل مع بعض. وأكيد حنتقابل تانى.
يوسف: حتتقابل تانى فين بس؟ دى واحده عايشه فى إيطاليا وأنت فى مصر؟
شريف: متعقدهاش بقى. إحنا مفكرناش. هو كده. وخلاص. أنا مش معقد زيك.
يوسف: ماشى. أهو ده إللى باخده منك. أهو كلها بكره ولا بعده نرجع مصر ونشوف.
شريف: أنا حنام بقى وأحلم بيها يلا تصبح على خير.
يوسف مبتسما: وأنت من أهل الخير يا مجنون.
***
بعد عده أيام.
أنهى "يوسف" و"شريف" عملهم بإيطاليا بتوقيع العقود وإرسالها بالفاكس إلى مدير الشركه بالقاهره لإعتمادها فقد أتما عملهما على أكمل وجه وكللت سفرتهم بالنجاح.
تحضرا للعودة مرة أخرى خلال ساعات بعد أن إكتسب كل منهما شئ جديد. فقد تعلم "يوسف" من تلك السفرة القصيرة العديد من التفاصيل الصغيرة التى تمر بمناقشه العقود بأفكار مستحدثه أكسبته خبرة لا بأس بها. بينما فاز "شريف" بإعجاب تلك الفتاه التى قابلها بالصدفه بالحفل ليبقى بينهما وعد بالمراسله والتواصل بعد عودته.
***
دعاء.
تكرر ضيق "مرزوق" بالأيام القليله الماضيه من تشبث "دعاء" وإلتزامها مما إتفقا عليه. فهى لا تتغير ولا تشعره بثقتها به.
جلست بغرفتها تستكمل محادثتها بصوت خفيض حتى لا تنتبه لها والدتها حين أردف "مرزوق" بتملل شديد ظهر بنبرة صوته المقتضبه.
مرزوق: أنا مش عارف أنتى بتتعاملى معايا كده ليه؟
دعاء: إزاى بس يا "مرزوق"؟ ما إحنا كويسين أهو.
مرزوق: يا "دعاء" عايزك تثقى فيا شويه أكتر من كده.
نظرت نحو باب غرفتها المغلق لتستكمل بإنفعال وهى تخفض من نبرة صوتها بالرغم من ضيقها من إسلوبه المتكرر الذى يحثها على الإنفعال بالآونه الأخيرة.
دعاء: أنا واثقه فيك. بس أعمل إيه يعنى؟ لو سمحت متفتحش معايا موضوع الخروج تانى.
مرزوق: وحنفضل كده لحد إمتى؟
دعاء: لحد ما تيجى وتطلبنى رسمى من أخويا.
لانت نبرته قليلاً وهو يردف بإنصياع لطلبها.
مرزوق: ماشى يا ستى. إتقلى أنتى بس عليا.
دعاء: ده مش تقل. دى أصول.
مرزوق: الأمر لله. أدينى مستنى.
***
علا.
وضعت كوب العصير من يدها وهى تستفسر من صديقتها عن آخر التطورات بينها وبين جارها.
لمياء: إيه يا "علا" مردش عليكى لسه؟
علا: لا. ما أنا قولت لك يا "لمياء" إنتى بتنسى ولا إيه. مش قولت لك سألت عليه أخته "دعاء" قالتلى إنه مسافر.
عقدت "لمياء" ذراعيها أمام صدرها مستطرده بنبره تهكميه من تصرف "علا" السلبى.
لمياء: اااه. وأنتى ناويه تعملى إيه حتستنيه برضه على السلم؟
علا: هو أنا مش بلحق أتكلم معاه. ده يسمع الكلمتين ويقوم سايبنى وطالع على طول.
تفكرت "لمياء" قليلاً ثم أردفت.
لمياء: طب إيه رأيك تروحى له الشغل؟ إعملى نفسك رايحه تسألى على الورق.
علا: والله فكره. أنا لما يرجع من السفر أروح له و أتحجج بموضوع الشغل ده و أهى فرصه نقعد شويه مع بعض نتكلم فى أى حاجه.
أمسكت "لمياء" بكوب العصير خاصتها مرة أخرى ترتشف منه مردفه بإطمئنان.
لمياء: تمام أوى كده.
***
فرنسا.
قلبت "لامار" ببعض الملفات الموضوعه فوق سطح المكتب قبل أن تدق لمساعدتها الخاصه بالقدوم إليها.
لامار: "ليزا"!
ليزا: نعم مادموازيل.
لامار: هل يمكنك إحضار ملف شركه العطور الخاصه بمسيو "آدم" لو سمحتى؟
ليزا: على الفور مادموازيل.
خرجت "ليزا" من المكتب ليجدها "آدم" فرصه جيده ليستكمل حديثه الذى قطعه دخولها.
آدم: أظن إن إحنا كده أتمينا الصفقه دى كلها. فيه كمان نوع عطر جديد عايزين ننزله السوق. وأنا اقترحت على مجلس إداره الشركه إن التسويق بتاعه يبقى عن طريقكم برضه.
لامار: أكيد. دى حاجه تسعدنى جداً.
تنحنح "آدم" بإبتسامه لطيفه قبل أن يتقدم بطلبه الذى يؤخره منذ قدومه إلى مكتبها حتى الإنتهاء من العمل.
آدم: طيب بما إننا إنتهينا من الشغل. ممكن نحتفل ونسهر سوا الليله دى؟
لامار: أنا سيده أعمال أه. بس برضه من أصل شرقى ولما بتأخر بابا بيتضايق جدااا. أنا مش حقدر أسهر خصوصاً لوحدى. وده مش شغل. أنا ممكن أتأخر لو شغل عادى لكن شئ خاص. لا مقدرش خالص.
تفكر لوهله قبل أن يقدم إقتراحاً آخر يتقدم به للتقرب من "لامار".
آدم: خلاص ممكن نخليها غدا بقى.
بإعتذار لطيف حاولت "لامار" توضيح الأمر لـ"آدم" فهى حقاً لا تستطيع ذلك.
لامار: ضغط الشغل اليومين دول كبير أوى. أظبط نفسى إن شاء الله وأبلغك.
آدم: تمام. حستنى تليفونك.
لامار: إن شاء الله.
***
شقه حسام.
جلست "ناهد" بتوتر تطقطق من أصابعها تخبر ولدها بما قد توصلت إليه من معلومات لتردف بتوجس.
ام حسام: أنا عرفت إن "عبد المقصود" باع المصنع وحول كل فلوسه لحساب "ورد".
حسام: عمل كده ليه؟ عشان "محمد"؟
رفعت "ناهد" كتفها وهى تحرك رأسها بثقه فذلك تصرف بديهي للغايه.
ام حسام: أكيد. ملهاش سبب تانى. بس ميعرفش إنه كده سهل لنا كل حاجه.
لمعت عينا "حسام" بطمع وهو يستفسر من والدته كيف بتصرفه هذا يسهل لهم ما يخططون له.
حسام: إزاى؟
إتسعت إبتسامه "ناهد" وهى تستفيض بالشرح لما سيفعلونه ويستفيدون بكل تلك الأموال.
ام حسام: أقولك. "ورد" خلاص فكت الجبس وتقدر تتحرك لوحدها. أنا حكلمها فى الوقت المناسب و أخليها تيجى وننفذ إللى اتفقنا عليه.
زاغت عينا "حسام" بإتجاه آخر. فهو لن يفكر بالمال الآن بل عليه الفوز بتلك الجميله التى أثارت رغبته بفتنتها وعليه أن ينالها بين قبضته ولن يتركها تلك المرة مطلقاً.
حسام: أيوه كدة. هو ده الكلام المفيد. صحيح. أنتى بتعرفى الأخبار دى كلها منين؟
ام حسام: قلت لك من "نجاح". وكمان من "مصطفى" السواق الجديد إللى "عبد المقصود" جابه. ما هو يبقى جوز "نجاح". وهو إللى قالى على موضوع بيع المصنع يوم ما وصلهم للبنك.
بضحكه خبيثه قابل "حسام" تفكير والدته الشيطانى قائلاً.
حسام: مش ساهله أنتى يا ماما.
ام حسام: المهم جاهز أكلم "ورد"؟
حسام: جاهز جدااااااا.
***
مطار القاهرة.
خرجا من المطار ليستقلا إحدى سيارات الأجرة للعوده إلى بيوتهم حين أردف "يوسف".
يوسف: أنا حروح على البيت على طول أطمن على ماما وأختى "دعاء".
شريف: وأنا حرجع تانى زى قرد قطع كده لوحدى. توب علينا من العزوبيه دى بقى يا رب.
يوسف ضاحكاً: ما خلاص أهو. طلعت من السفريه بعروسه.
أغمض "شريف" عيناه لوهله وهو يرفع حاجباه للأعلى بهيام شديد.
شريف: بس هى ترضى؟
يوسف: للدرجه دى؟ خليك بس واثق فى نفسك.
شريف: أنا واثق بس مفيش حاجه بتيجى خبط لازق كده. لسه حنتكلم ونتعرف على بعض كويس بس فى أول فرصه حطلب منها الجواز على طول. عقبالك إنت كمان.
يوسف: لا ملكش دعوه بيا. أنا لسه بدرى عليا أوى.
شريف: براحتك إنت بقى. خلاص أنا بيتى قريب أهو. أشوفك بكرة فى الشركه بقى. سلام.
يوسف: إن شاء الله. سلام.
إطمئن "يوسف" على أحوال والدته وعلاجها وأخته ودراستها وأن الأمور مرت على ما يرام بغيابه ثم إستغرق بنوم عميق بعد سفرته المرهقه.
***
بيت عبد المقصود العالى.
رفع رأسه الثقيل محاولاً فتح عيناه المثقلتان من أثر المسكن الذى تناوله قبل قليل ليعتدل بجلسته متمعناً بهذا الرقم الذى يدق هاتفه قبل أن يجيب بالرد.
ابو ورد: أيوة يا أستاذ حنفى.
حنفى: صباح الخير يا "عبد المقصود" بيه. لو ممكن تيجى معانا الشهر العقارى للتسجيل النهائى للبيع؟
ابو ورد: مفيش مشكله أنا نص ساعه وأكون عندك.
حنفى: فى إنتظارك. مع السلامه.
ابو ورد: مع السلامه.
أبدل ملابسه متجهاً لمقابله المحامى لإنهاء تلك الإجراءات بتسجيل البيع النهائى بالشهر العقاري طالباً من "مصطفى" السائق أن يصطحبه إلى هناك.
***
شقه حسام.
تابع "حسام" حديث والدته بتلك المكالمه بترقب شديد حين أردفت بعيون لامعه كصياد شرس وقعت عيناه على طريدته الغافله.
ام حسام: أيوه يا "نجاح". كده. طيب تمام. تمام. مع السلامه.
أنهت المكالمه وقد تهللت أساريرها وهى تخبر ولدها بعيون خبيثه وقلب ممتلئ بالشرور.
ام حسام: خلاص يا "حسام" الفرصه جت لحد عندنا. "نجاح" لسه قايلالى إن "عبد المقصود" خرج من البيت. دى فرصتنا عشان نجيبها لحد عندنا برجليها.
حسام: كويس أوى. حتكلميها إمتى؟
أمسكت "ناهد" بهاتفها وهى تلوح به بإبتسامه عريضه للغايه.
ام حسام: حالاً. لازم أكلمها حالاً. ده أحسن وقت أكلم فيه "ورد" واغبوها مش فى البيت.
***
دقت "ناهد" برقم "ورد" التى ما أن رأت إسم زوجه أبيها يظهر بشاشه هاتفها وشعرت بإنقباض قوى بقلبها.
مدت يدها المرتجفه بتخوف أتجيب هذا الإتصال أم لا.
بروده خفيه سارت بجسدها وهى تضعه مرة أخرى بتردد.
صمت مزعج بعد إنتهاء رنين نغمه هاتفها وهى تنظر نحوه بتخوف حين دق للمرة الثانية فإنتفضت له بقوة وإنتفض قلبها معها.
أمسكت بالهاتف لتجيب بهمس متحشرج.
ورد: السلام عليكم.
تبدلت تلك الإبتسامه العريضه على وجه "ناهد" بقناع مستكين تعيس للغايه حتى نبرة صوتها تحولت بلحظات لنبرة باكيه مقهورة.
ام حسام: وعليكم السلام. إزيك يا "ورد" يا بنتى.
ورد: الحمد لله.
زادتها "ناهد" بتصنعها للبكاء الحار وهى تشكى والدها الذى قسى عليها وهى قليله الحيله لا حول لها ولا قوة.
ام حسام: شفتى يا "ورد" باباكى عمل فيا إيه؟ يرضيكى كده؟
إستجمعت "ورد" نفسها المضطربه وقد تأثرت للغايه بحزنها المزيف لتردف بإشفاق.
ورد: الصراحه يا طنط أنا مش عارفه إيه إللى حصل بالضبط. بابا مقاليش حاجه.
إرتسمت إبتسامه على ثغر "ناهد" سرعان ما تلاشت وعاد قناعها المزيف التعس.
ام حسام: أنا عايزاكى تساعدينى لو مش عشانى يبقى عشان أخوكى "محمد" ميتحرمش مننا.
رق قلبها لتلك المرأه فيبدو أن ما فعله والدها كسرها بقوة لتردف بتأثر بالغ.
ورد: طب وأنا أقدر أعمل إيه يا طنط؟
ام حسام: أنا عايزة أشوفك عشان أفهمك إللى حصل بالضبط. عشان أنتى الوحيده غاللى تقدرى تقنعى باباكى إنه يرجعنى.
ضمت "ورد" شفتيها بتفكر وهى تحاول الوصول لحل يجعلها تصلح بين والدها وزوجته لأجل أخيها الصغير.
ورد: بس؟ حشوفك فين؟ ممكن حضرتك تيجى البيت. بابا مش هنا دلوقتى؟
برفض قاطع أصرت "ناهد" بخبث شديد ألا تخطى البيت بتلك الطريقه.
ام حسام: لا طبعاً مينفعش خالص. إفرضى رجع على طول. أنا عايزاه يفتكر إن إنتى من نفسك إللى عايزة تصالحينا على بعض.
ورد: طيب أعمل إيه؟
بإستجداء شديد حاولت "ناهد" ترجى "ورد" بالقدوم إليها.
ام حسام: تعاليلى شقه "حسام". "حسام" مش هنا. أصله سافر خلاص. تعالى نقعد براحتنا ونتكلم.
تهدجت أنفاسها بقوة وهى تتذكر هذا المكان الموحش لتهتف بنفور شديد.
ورد: فين؟ لا لا. بلاش هناك يا طنط.
ام حسام: متخافيش يا "ورد" بقولك "حسام" مش هنا خلاص. ده غير إن كل إللى حصل ده كان غصب عنه. وهو من ساعتها مش قادر يسامح نفسه وسافر عشان ميضايقكيش تانى. بالله عليكى. أنا محتاجه مساعدتك. عشان خاطر "محمد".
مرغمه على القبول فلا حيله لها بالرفض خاصه بعد تأكيدها أن "حسام" عاد إلى أستراليا مرة أخرى. وربما تلك فرصه جيده لتخطى هذا الحاجز النفسى بداخلها بعد تلك الليله.
ورد: خلاص يا طنط. أنا جايه لحضرتك.
أنهت "ورد" مكالمتها مع زوجه أبيها لتبدل ملابسها مباشرة قبل التوجه لتلك الشقه بعدما إستقلت سياره أجره إلى هناك.
***
شقه حسام.
وضعت "ناهد" الهاتف من يدها وهى تنظر تجاه ولدها بنظرة إنتصار وقد علت فوق ثغرها إبتسامه جانبيه قائله بأمر.
ام حسام: جايه. حضر نفسك. النهارده حننتهى من الحكايه دى. وتردها تانى فاهم؟ لازم تتذل وتتنازل عن كل حاجه.
حسام بمكر: إلا فاهم. ده أنا فاهم أوى.
ثم تمتم بداخله برغبه وتحدى.
حسام: أخيراً. رجعتيلى تانى. فرصتى وجت لحد عندى ومش حضيعها أبداً أبداً المره دى.
ترجلت "ورد" من السياره وهى ترفع بصرها للأعلى تنظر تجاه تلك الشقه بإنقباض قلبها.
شعرت بثقل يجثم فوق صدرها وهى تتقدم بخطوة بطيئه نحو البنايه الهادئه للغايه.
رغماً عنها تساقطت دموعها الحارة تشتعل فوق وجنتيها الممتلئتين وضاق صدرها حتى أصبحت تتنفس بصعوبه بالغه.
وقفت للحظه تحث نفسها على التقدم فكل ذلك لأجل أخيها الصغير.
خطت أولى خطواتها إلى داخل البنايه إرتعاب شديد وكأنها تعيد ذكرياتها المقيته مره أخرى.
وقبل أن تخطو خطوتها التاليه شعرت بقبضه قويه تمسكها من ذراعها أشعرتها بالرعب الشديد كاد أن يتوقف قلبها معها.
رواية اشواك الورد الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
ترجلت "ورد" من السيارة وهي ترفع بصرها للأعلى تنظر تجاه تلك الشقة بانقباض قلبها.
شعرت بثقل يجثم فوق صدرها وهي تتقدم بخطوة بطيئة نحو البناية الهادئة للغايه.
رغماً عنها تساقطت دموعها الحارة تشتعل فوق وجنتيها الممتلئتين وضاق صدرها حتى أصبحت تتنفس بصعوبة بالغة.
وقفت للحظة تحث نفسها على التقدم، فكل ذلك لأجل أخيها الصغير.
خطت أولى خطواتها إلى داخل البناية بارتِعاب شديد وكأنها تعيد ذكرياتها المقيته مرة أخرى.
وقبل أن تخطو خطوتها التالية شعرت بقبضة قوية تمسكها من ذراعها أشعرتها بالرعب الشديد.
كاد أن يتوقف قلبها معها.
استدارت فجأة وقد علت عيناها نظرات مرتعِبة لتتنفس الصعداء برؤية وجهه الطيب المريح للنفس، ثم دفعت بالهواء دفعة واحدة قائلة:
ورد: بابا!
***
منذ قليل، عاد "عبد المقصود" إلى البيت بعد انتهائه من تسجيل بيع المصنع بالشهر العقاري.
باحثاً عن غاليته أولاً فلم يجدها.
أسرع منادياً "نجاح" بنبرة قلقة للغاية.
أبو ورد: نجااااح.
تقدمت "نجاح" نحوه ملبية نداءه.
نجاح: أيوه يا بيه.
أبو ورد: فين ورد؟
ادعت "نجاح" عدم معرفتها بالمرة عن مكانها.
نجاح: معرفش يا بيه، هي خرجت من شوية ومقالتش رايحة فين.
اعتراه قلق شديد، فليس من عادتها الخروج من المنزل دون إخباره بمكانها.
توجس قلبه بغيابها المفاجئ، فهو يعلم ما تخطط له هذه الحرباء للإيقاع بابنته في شراكها مع ابنها.
تغاضى تماماً عن هذا الألم، فلا شيء يساوي حماية "ورد".
اتجه نحو غرفتها مرة أخرى ليلفت نظره هاتفها الملقى بإهمال فوق الفراش.
أمسك به على الفور يقلب بمحتوياته فوجد بسجل المكالمات ما خشي بالفعل، فقد هاتفتها تلك الخبيثة منذ قليل.
أسرع نحو الخارج بدون تأخير طالباً من السائق إيصاله لبيت "حسام"، فبالتأكيد هي هناك، فليس لدى "ناهد" مكان آخر تستطيع تنفيذ به مخططاتها الشيطانية.
وبسرعة فائقة استطاع "عبد المقصود" الوصول للحَي الذي يقطن به "حسام" لينتبه لـ "ورد" التي خطت خطواتها المترددة إلى داخل البناية.
ترجل من السيارة على الفور ليلحق بها قبل صعودها إليهم ووقوعها بشباكهم.
لم تنتبه له "ورد" على الإطلاق، بينما تلاشت أنفاسه المتلاحقة إثر ركضه نحوها فأقبض بكفه بقوة على ذراعها فقد تملكه الخوف من أن تتقدم أكثر من ذلك.
تساءلت باستراب شديد لوجود والدها بهذا المكان، فكيف علم أنها هنا.
ورد: أنت إيه اللي جابك هنا يا بابا؟
مال "عبد المقصود" بجذعه للأمام قليلاً محاولاً التنفس بهدوء، فأنفاسه لاهثة للغاية ليردف بإنهاك.
أبو ورد: جيت ألحقك، والحمد لله إني لحقتك قبل ما تطلعي.
ورد: مين اللي قالك إني جايه هنا يا بابا؟
بنظرات ملامة لوجودها بجحر الثعابين بإرادتها، كيف استطاعت "ناهد" خداع تلك البريئة بمكرها وخبثها لتدفعها بالمجيء إليها.
لكن ما يهم الآن أنه لحق بها وعليه تحذيرها من تلك المرأة الخبيثة.
أبو ورد: دي حكاية طويلة، بس اللي عايز أفهمهولك أوعي تصدقي الست دي أو ابنها تاني أبداً. دول كانوا عايزين يوقعوكي ويضحكوا عليكي.
بساعدة مخيفة حاولت "ورد" تصحيح ما يعرفه والدها.
ورد: دي طنط ناهد لوحدها يا بابا، حسام سافر.
أبو ورد: متخوفينيش عليكي أكتر من كده، كفاية طيبتك الزايدة دي! دي ست عقربة كدابة! وابنها معاها فوق، أكيد كانوا مدبرين لك حاجة عشان يوقعوكي فيها وترجعي لـ حسام تاني.
تراجعت "ورد" خطوة للخلف وقد علت عيناها نظرات مذعورة للغاية.
ورد بذعر: إيه؟ لأ، لأ، أرجع له تاني لأ.
أبو ورد: طيب يلا بينا من المكان ده.
ورد: أه، يلا يا بابا، أنا حاسة إني مخنوقة أوي، حاسة إني مش قادرة أتنفس.
استقلا السيارة مع السائق الذي توجه بهما عائدًا إلى البيت وسط شعور "عبد المقصود" بالراحة والقلق معاً.
فمن جانب ارتاح قلبه للحاق بـ "ورد"، لكنه كان قلقاً متوجساً للغاية من نوايا "ناهد" و"حسام" الغادرة.
نظرت "ورد" من زجاج النافذة بصمت بعدما تخيلت لو لا قدر الله لم يستطع والدها اللحاق بها لكان الزمن أعاد نفسه مرة أخرى ووجدت نفسها مع "حسام" ووقتها لن ينقذها أحدهم من بين يديه هذه المرة.
***
اليوم التالي.
فتح "عبد المقصود" علبة الأقراص المسكنة ليتناول أحدها، فلن يترك "ورد" بمفردها مهما حدث وعليه الذهاب معها بجلستها اليوم بالمستشفى كما حددت "سماح" لها.
ارتدى ملابسه على عجل لإصطحاب غاليته، فلن يتركها للحظة تستطيع بها "ناهد" التفرد بها.
مر بغرفة "ورد" مردفاً بإعياء واضح بنبرة مهتزة حانية للغاية.
أبو ورد: صباح الخير يا وردتي.
أجابته "ورد" بتجهم واضح على ملامحها التعيسة.
ورد: صباح الخير يا بابا.
أبو ورد: مالك حبيبتي؟
لم تشأ أن تقلق والدها على حالها، لكنها كانت خائفة مرتعِبة للغاية، تتساءل بينها وبين نفسها لم صدقتها؟
لم هي دوماً ضعيفة بهذا الشكل؟
رسمت ابتسامة كاذبة على ثغرها وهي تردف مطمئنة والدها.
ورد: مفيش حاجة يا بابا أنا كويسة، هو بس يمكن من الخضة اللي اتخضيتها امبارح.
أبو ورد: أدينا رايحين للدكتورة سماح، هي بتريحك أوي.
ورد: أيوه فعلاً، أنا محتاجة أروح لها أوي.
***
شركة الأقصى.
زفر "يوسف" بقوة متمللاً من هذا الانتظار ليهتف بقله صبر.
يوسف: يا أخي سيب الموبايل من إيدك وتعالى خلينا نخلص الشغل ده.
طقطق "شريف" بأصابعه على شاشة الهاتف وقد رُسمت ابتسامة بلهاء على محياه أثناء استكماله محادثته بالهاتف ليجيب "يوسف" دون النظر نحوه منشغلاً للغاية بهاتفه.
شريف: ثواني بس، أخلص معاها وأجيلك.
يوسف: وهو أنت راضي تخلص؟ من الصبح رغي وفويسات لما صدعتوني.
شريف: يا أخي اصبر، يعني لو القمر بتاعك هو اللي بيبعتلك كنت أنا اتكلمت.
ضرب "يوسف" المكتب بكفه محاولاً التحلي بالصبر على تصرفات "شريف" وهراءاته معاً.
يوسف: اللهم طولك يا روح.
شريف: خلاص أهو، بعتلها إن فيه واحد رخم مصمم نخلص الشغل الأول.
بتهكم شديد هتف به "يوسف" بضيق متحلي ببعض المزاح وهو يقلد "شريف" قائلاً.
يوسف: لا يا شيخ، قوم يلا، ما أنت يا دوب حتخلص مع السنيوريتا بتاعتك دي وحتروح طالع لي... جعااااان.
بذات اللحظة نظر "شريف" نحو ساعته منتبهاً لموعد الغذاء.
شريف: أه والله فكرتني يا أخي، باقي قد إيه على البريك؟
وضع "يوسف" كفاه فوق رأسه استسلاماً لأفعال "شريف" الغير محتملة.
يوسف: لالالا، كده كتير عليا أوي.
***
المستشفى.
نحتاج حقيقة لأن نكون حقيقيين بالفعل نخرج مشاعرنا بأريحية دون تكلف، نتحدث دون تفكير أو قيود لما سوف يحدث، نتحدث دون حساب لغضب أو ضيق أو انفعال.
فقط نتحدث بحرية ونطلق عنان مكنونات القلب، نتحرر من الشوك ونحلق بسماء الراحة والسكون.
ولم تريد "ورد" غير ذلك لتجد غايتها بطبيبة وصديقة وكاتمة أسرار أرسلها لها الله بوقت تحتاجها به حقاً.
سردت "ورد" كل ما حدث بالأمس لـ "سماح" بكل تفاصيله، وربما استطاعت "سماح" أيضاً إخراج كل ما بداخلها من مشاعر سلبية وخوف أصابها بتلك التجربة القاسية.
سماح: وروحتي لحد البيت؟
ورد: أنا لسه حاسة إني تعبانة من امبارح، أنا مش عارفة ليه الناس كده! وليه أنا بصدقهم كده؟
سماح: إنتي طيبة، وربنا بيحبك، مش عيب نكون طيبين، لكن العيب إننا نسمح لحد باستغلالنا بالصورة دي. "ورد"، الناس دي مش سهلة، اسمعي كلام باباكي.
بِتلك المرحلة الواجب على "ورد" أن تنصاع حرفياً لوالدها حتى تطمئن أنها بعيدة عن منال سيئي النفوس، وعليها بعد ذلك الاستقلال بشخصيتها وتحكيم عقلها أكثر من ذلك، فيكفيها اعتماد على والدها فقط، وعليها أن تغير من نفسها ولكن ليس الآن، فهناك من يتربص بها وعليها تجاوز تلك الأزمة أولاً، لهذا كانت نصيحة "سماح" لها أن تنصاع لوالدها فهو أكثر دراية وأكثر حكمة.
ورد: أنتي بتقولي فيها، أنا اللي حيقولي عليه حعمله وأنا مغمضة خلاص.
سماح: الحمد لله ربنا ستر.
زاغت عينا "ورد" قليلاً ليظهر الارتباك جلياً على ملامحها الناعمة واكتست وجنتيها بحمرة خجل وهي تستطرد بنبرة خفيضة.
ورد: فيه حاجة كمان.
سماح: إيه هي؟
ورد: "يوسف" اللي كنت حكيت لك عليه.
ابتسمت "سماح" لخجلها وهي تسألها برفق محاولة اكتشاف ما بداخل خبايا قلبها.
سماح: إيه، اتقابلتم تاني؟
ورد: لأ، أنا لما كنت عندك الأسبوع اللي فات ونزلت من هنا رحت المطعم وقعدت كتير أوي أستناه مع بابا، بس مجاش، حسيت إني مخنوقة وزعلانة أوي مش عارفة ليه.
سماح: إنتي بس كان عندك أمل تقابليه تاني، ولما مشوفتيهوش زعلتي.
ورد: ممكن.
بعد انتهاء الجلسة قررت "سماح" أن "ورد" لا تحتاج إلى جلسات أخرى للإرشاد النفسي إلا إذا أرادت "ورد" ذلك بجلسات إضافية، لكن بالوقت الحالي لم تعد بحاجة لتلك الجلسات العلاجية.
***
كم هو مريح للنفس التخلص من كل تلك المشاعر السلبية وكأنما ولد المرء من جديد.
انتظر "عبد المقصود" ابنته أمام مكتب "سماح" مباشرة، فعليه ملازمتها بشدة حتى يستكمل كل ما يفكر به للاطمئنان عليها، فقد ضاق الوقت كثيراً.
أبو ورد: كده بقى أقدر أقولك حمد الله على السلامة، خلاص دي آخر جلسة في المستشفى.
ورد: الحمد لله يا بابا.
سيخرجها من كل تلك الضغوط، سيساعدها على التجاوز، سيغمرها بحنانه الذي ستحرم منه، فلم يبق سوى بعضهم البعض.
أبو ورد: ها، نتغدى زي كل مرة، ولا عايزة تغيري؟
بِتلهف غريب على نفسها هتفت بحماس.
ورد: لا لا، زي كل مرة.
اصطحبها والدها إلى المطعم بعدما قام السائق بإيصالهم إلى هناك وتركهما ليصف السيارة بعيداً عن المطعم فالزحام كان شديد للغاية.
دَلفت "ورد" تتجول بعينيها بأرجاء المطعم أولاً لا إرادياً، فربما تجده اليوم لكنه لم يظهر بعد.
اختارت نفس الطاولة ونفس المقعد تريد أن تبقى لها ذكرى ثابتة به كمن يضع ذكريات جديدة جميلة بحياتها.
***
شركة الأقصى.
أغلق "شريف" الحاسوب وهو ينظر تجاه "يوسف" قائلاً.
شريف: أنا خلصت، يلا نتغدى بقى؟
يوسف: ماشي، تمام، أنا كمان خلصت.
انتظر "شريف" أن يحفظ "يوسف" الملف بحاسوبه قبل أن يغلقه ويتوجهان للمطعم لتناول غذائهما.
ما أن اقترب "يوسف" من المطعم ورأى خيال "عبد المقصود" جالساً من بعيد شعر بقلبه يخفق بسرعة ونظر بعينيه باحثاً عنها.
سهم برؤيتها وتيبست خطواته وهو يتمعن بتلك الناعمة التي تجلس إلى جوار والدها بسحرها المتألق كأنها قطعة من الياقوت المتوهج.
أيقونة للرقة والجمال تسبح في بحور زرقاء كفستانها السماوي الناعم، كشفت ابتسامتها عن جمال من نوع خاص، جمال يخطف القلوب ويسلب العقول كعقله تماماً الذي محى كل منطقيته فور أن وقعت عيناه على ابتسامتها الخجولة التي جعلته لا إرادياً يبتسم هو الآخر دون أن يدرك ذلك.
توقف للحظات بمكانه يتابعها وهي مشغولة تماماً بقراءة تلك القائمة التي تقلبها بين كفيها الصغيرين.
رفعت رأسها لتبعد تلك الخصلة الناعمة عن وجهها مع تحرك زرقاويتيها بحركة عفوية حتى توقفت نحوه كأنما كانت تبحث عنه.
دق قلبه بعنف حتى كاد يشق صدره من قوته، فها هي تنظر إليه وتشرق ابتسامتها نحوه بخجل.
ليقطع تلك اللحظة الحالمة صوت هذا المزعج "شريف".
شريف: أخينا! الله يكرمك امشِ بقى أنا جعت.
هيام صديقه وتيبس أطرافه جعله يتابع اتجاه أنظاره ليبتسم ساخراً بنبرة مازحة.
شريف: ما قلنا كده، قلنا دوبنا من نظرة العيون الزرقاء دي محدش صدقنا.
لكزة "يوسف" بخفة يحثه على الصمت بحديثه الثرثار المزعج.
يوسف: بس بقى!
ليتحرك "يوسف" صوب "عبد المقصود" وابنته يتبعه "شريف" بصمت وابتسامة شقية.
ورد... لم تصدق عيناها، ها هو أتى مرة أخرى، ها هو ينظر إليها نفس النظرة التي أسرتها منذ أول وهلة.
دقات قلبها المتسارعة وبرودة أطرافها جعلتها بحالة فريدة لا تشعر بها إلا في وجوده هو فقط.
ماذا يحدث لها برؤيته؟
لم تشعر بالسعادة بحضوره؟
لم يخفق قلبها بتلك القوة والشدة عند رؤيته؟
تقدم "يوسف" صوب "عبد المقصود" متسائلاً بقلق.
يوسف: أبو محمد، أخبار حضرتك إيه؟
أبو ورد: يوسف! أهلاً يا ابني اتفضل.
تعلقت عيناه بها لوهلة ثم نظر تجاه والدها مستكملاً حديثه وهو يتخذ مقعده بمقابله.
يوسف: أصلي قلقت عليك لما بقيت تغيب عن الصلاة في المسجد.
أبو ورد: أصل اليومين دول فيه دوا للضغط، لما بأخده بنام مش بحس بالدنيا وبيفوتني المعاد.
يوسف: ربنا يديك الصحة، هو الأسبوع اللي فات بس أنا كنت مسافر وكنت حاجي أزور حضرتك وأطمن عليك.
أبو ورد: أنا بخير يا ابني الحمد لله.
اتخذ الحديث مجرى رسمياً للغاية ليفكر "شريف" بحيلة ليبعد "عبد المقصود" قليلاً ليفسح المجال لصديقه مع تلك الجميلة، فربما تتغير أفكاره المتحجرة تجاهها.
شريف: أبو محمد أظن العربية بتاعت حضرتك سحبها الونش بره.
انتفض "عبد المقصود" من مكانه بقلق قائلاً.
أبو ورد: ده أنا قايل لـ مصطفى السواق ميسبش العربية لأن فيه زحمة كتير بره. لا حول ولا قوة إلا بالله.
مال شريف على أذن "يوسف" هامساً.
شريف: أي خدمة، اتحلحل بكلمتين بقى قبل ما أبوها ييجي.
ثم اعتدل "شريف" غامزاً لصديقه الذي اتسعت عيناه اندهاشاً من تصرفه، هتف "شريف" بـ "عبد المقصود" لاحقاً به ليبحث عن سيارته معه.
شريف: أبو محمد أنا جاي معاك، لحظة.
لحق "شريف" بـ "عبد المقصود" ليعطي الفرصة لـ "يوسف" و "ورد" بالتعرف إلى بعضهما البعض.
***
علا.
كما اتفقت مع صديقتها "لمياء" ذهبت لمقر شركة الأقصى التي يعمل بها "يوسف" للبحث عنه وإيجاد فرصة للتحدث معه، فربما يشعر بعشقها المتيم له.
تجولت بتلك الأروقة باحثة عن "يوسف" ليخبرها أحدهم أن هذا وقت الاستراحة وربما تجده بالمطعم المقابل للشركة يتناول طعامه مع صديقه "شريف".
ابتسمت في داخلها، فربما الصدفة تلعب معها لعبة الحظ السعيد، فمقابلتها له بالمطعم ستكون أفضل بكثير عن مقابلتها له بالمكتب وربما تتاح لها الفرصة بالتحدث معه وقضاء بعض الوقت، فهذه فرصة عظيمة عليها اقتناصها.
***
المطعم.
بعد صمت دام للحظات نكست بها "ورد" عينيها بخجل مصطنعة الانشغال بحقيبتها البيضاء تعبث بها باضطراب.
استجمع "يوسف" نفسه ليبدأ بسؤالها.
يوسف: أنتي خريجة إيه؟
رفعت عينيها المتوهجتان به ليغرق ببحورهما مشدوهاً وهو يستمع لنبرتها الرقيقة وهي تجيبه خجلاً.
ورد: إدارة أعمال.
ابتلع ريقه مستكملاً حديثه بقوة يستجمع بها شتات نفسه المبعثرة.
يوسف: بجد؟ أنتي مجالك كده قريب من مجالي جداً.
ورد: والله! بس أنا مش بشتغل، مش حابة أشتغل.
يوسف: ليه؟ أهو تتسلي.
تجاوبت معه "ورد" بتلقائيتها وعفويتها المعتادة ليتابع "يوسف" حديثها باستمتاع حقيقي، فهي رقيقة ناعمة للغاية لم يقابل فتاة مثلها من قبل.
ورد: لا أنا مش بيفرق معايا خالص الجو ده، والشغل وتحقيق الذات والكلام ده. أنا بحب البيت وقعدة البيت.
يوسف: غريبة، مع إني مشفتش حد بيحب قعدة البيت دي أبداً.
تجهمت بخفة وهي تتساءل بفضول.
ورد: وده ضايقك؟
يوسف: لا بالعكس، أنا بس مبحبش أقول كده للناس تفتكرني راجعى شوية.
اتسعت ابتسامة "ورد" لتتسع ابتسامته أيضاً إثرها، فكم لها من سحر جعلته مشدوهاً بها، انفصل تماماً عن الواقع وكأن العالم قد خلا تماماً من كل ما يحيط بهم.
كانت تتحدث ويجيبها كأن لو كان بحلم غير موجود بالواقع ليهيم بها متسائلاً بداخله.
كم هي رقيقة ساحرة مميزة بكل شيء.
أفاق فجأة على صوت أنثوي شجي ينادي باسمه ليلتفت نحو مصدره باندهاش.
علا: إزيك يا يوسف؟
تعجب لرؤيتها هنا بالمطعم لينهض من جلسته باستراب.
يوسف: علا! ا.أأ... أهلاً.
نظر نحو "ورد" كما لو يعتذر نيابة عن "علا" لمقاطعة حديثها.
حدقت "علا" "ورد" بنظرات نارية متفحصة قبل أن تنحي عينيها عنها مستكملة وكأنها لا تراها بالمرة.
علا: أنا... ااا... كنت معدية من هنا بالصدفة شوفتك، قلت أسلم عليك.
بغيظ شديد من مقاطعة "علا" لجلسته مع "ورد" أرسم ابتسامة مختنقة على وجهه ثم أردف مجاملاً.
يوسف: أه، أهلاً وسهلاً، اتفضلي.
أعادت "علا" نظراتها المغتاظة تجاه "ورد" ثم وجهت حديثها لـ "يوسف" تتغنج بدلال كأن لو أن بينهما رابط ما تكيد به "ورد" التي تتابعهم باهتمام.
علا: لأ معلش بقى مرة تانية، أنا بس كنت عايزة أسألك، أخبار موضوعنا إيه؟
بِاندهاش شديد رفع "يوسف" حاجبيه وقد عقّد وجهه بعدم فهم.
يوسف: موضوعنا؟
علا: أه اللي قلت لك عليه.
يوسف متذكراً: آآه، والله لسه يا علا، أول ما حد يبلغني حاجة حقولك على طول.
علا: مش عارفة أشكرك إزاي يا يوسف بجد.
يوسف: لا شكر على واجب، اقعدي بس اشربي حاجة.
استكملت "علا" دلالها الغير مبرر وقد تعالت ضحكتها بصورة مستفزة، فيبدو أن وجود "ورد" أثار غيرتها وحنقها للغاية لتخرج شخصية غريبة حتى على نفسها.
علا: يبقى لك عندي كوباية شاي، ومتقلقش، حتاخدها حتاخدها.
أجابها "يوسف" بعفوية فهو لا يحبذ الشاي مطلقاً.
يوسف: شاي؟ بلاش الشاي.
علا: ده مفيش أحلى من الشاي، مسيري حدوقهولك من إيدي وأنت تعرف.
أنهت عبارتها وهي تنظر بتقزز تجاه "ورد" تتعمد إغاظتها، لينهي "يوسف" هذا اللقاء الذي قطع حديثه مع "ورد" غير عابئ بما أصاب "علا" اليوم.
يوسف: آه آه، إن شاء الله.
علا: سلام.
يوسف: مع السلامه.
عاد "يوسف" إلى مقعده وهو يبرر من هي تلك التي اقتحمت جلستهم بتلك الصورة دون إدراك لم عليه إيضاح ذلك ليبرر بارتباك.
يوسف: دي اااا.... "علا"... جارتنا.
أومأت "ورد" رأسها بخفة لكن ملامحها كانت تحمل ضيق شديد لا تدري لم شعرت به بمجرد رؤية تلك الفتاة تتحدث مع "يوسف" بهذا الدلال وكأن بينهما شيئاً ما يخفيانه سوياً لتردف "ورد" بحنق.
ورد: بس شكلها أكتر من مجرد جارة.
بِنفي قاطع وإصرار على إظهار ذلك لها.
يوسف: لأ، طبعاً، دي جارتنا وبس. كانت عايزاني أتوسط لها في شغل عندنا في الشركة.
دفعت "ورد" بكتفها بلا مبالاة كما لو أصابتها الغيرة من تلك الجارة لتردف بنبرة متهكمة زادتها نعومة ودلال.
ورد: عموماً متفوتش كوباية الشاي! أنا مش عارفة اللي بيشربوا الشاي دول بيحبوا فيه إيه، هو فيه زي القهوة وجمالها؟
حتى بتهكمها كانت لطيفة لذيذة للغاية، ابتسم "يوسف" لمحبتها لمعشوقته السمراء ليهتف بابتهاج.
يوسف: إنتي بتحبي القهوة؟ أنا مدمن قهوة بصراحة.
ورد: أنا كمان مقدرش أتخيل يومي من غيرها.
***
عبد المقصود.
بعد بحث كثير عن السيارة برفقة "شريف" فـ "مصطفى" السائق قد اختفى بالفعل مما أثار دهشة "شريف" الذي لم يكن يدرك ذلك وكان الأمر كله حيلة من خياله، وجدا السائق بأحد المقاهي بانتظارهم حتى ينتهوا من تناول طعامهم.
عادا مرة أخرى إلى المطعم وقد أُنهك "عبد المقصود" للغاية.
وفور أن دنا من الطاولة التي يجلس عليها "ورد" و "يوسف" شعر بألم شديد وانعدام فجائي في الرؤية وسقط مغشياً عليه.
رواية اشواك الورد الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
تباطأت خطوات "عبد المقصود" ليسقط أرضاً بوضع ساكن مريب للغاية.
لوهلة تصورت "ورد" أنها تتخيل ما حدث، لتنظر تجاه والدها باستغراب لسقوطه المفاجئ.
لهبت منتفضة بخطوات أشبه بالركض، سقط لها المقعد المجاور لها بعد اصطدامها به بدون شعور.
فلم تكن تهتم سوى لوالدها الذي سقط أرضاً.
جثت على ركبتيها بانفعال، وارتعش جسدها بقوة فور اقترابها منه.
وقد شحب وجهه للغاية، قاطعاً الأنفاس.
انهار حصنها المنيع بلحظة أمام أعينها، لتنهار له قواها وتصرخ مرتعبه وهي تهز والدها تحثه على أن يفتح عينيه وينظر إليها.
"بابا... بابا... رد عليا يا بابا!"
"فوق وكلمني!"
كانت يد "يوسف" أسرع من يدها، وهو يربت بخفة على وجنة "عبد المقصود" الشاحبة، محاولاً إفاقة هذا الرجل الطيب.
مع محاولتهم لبضع دقائق لم يتأثر بها "عبد المقصود" مطلقاً، هتف "شريف" بنبرة عقلانية عملية للغاية.
"يلا يا جماعة نوديه المستشفى."
"المستشفى قريبة أهي."
"مش لازم نسيبه كده."
وافق "يوسف" بشدة ما تفوه به "شريف"، ليميل نحو "عبد المقصود" ماداً ذراعه أسفل رأسه ليحمل جسده الضئيل فوق ذراعيه بجسارة.
ليتحرك صوب المستشفى بعجالة وهو يطلب من "ورد" بلهجة آمرة، فلا وقت للبكاء ووالدها متعب بهذا الشكل.
"يلا يا ورد ورانا على المستشفى."
اتجه "يوسف" حاملاً "عبد المقصود" الهزيل فوق ذراعيه، يساعده "شريف" على ذلك.
بينما كانت تلحقهم "ورد" بخطوات متعجلة وقلب منفطر.
***
المستشفى.
أسرع المسعفون يدفعون بأحد المقاعد المتحركة ذوي العجلات باتجاه "يوسف" الذي دلف للتو يحمل شخصاً غير واعٍ مطلقاً.
اندفع به المسعف إلى غرفة الطوارئ في الحال، يتبعه الطبيب لفحص "عبد المقصود".
انتظرت "ورد" التي تعلق بصرها بغرفة الطوارئ بهذا الرواق، لا تتمالك دموعها التي تتساقط كما لو كتب عليها الحزن بقية حياتها.
فهي لا يمر بها يوم إلا وامتتلأ بالأشواك.
تعمقت عينا "يوسف" بـ"ورد"، لكنه فضل الصمت لبعض الوقت لحين الاطمئنان على والدها وما أصابه.
لم يمر وقت بعيد حتى خرج الطبيب إليهم، وقد ارتسمت على محياه علامات الامتعاض والضيق.
التف حوله ثلاثتهم بتوجس شديد، فملامحه لا توحي بالخير مطلقاً.
زفر الطبيب بقوة وهو يتابع نظراتهم المتعجلة لمعرفة ماذا أصاب هذا الرجل، ليردف بأسف لما وصلت له حالته.
"للأسف... أنا كنت متوقع ده."
"هو ما سمعش كلامي."
"دي نوبة ألم مقدرش يستحملها."
"فاقم أغمي عليه."
تطلعت به "ورد" بذهول للحظات تحاول فهم عما يتحدث بالضبط، لتهز رأسها بجهل تام متسائلة باستغراب وتوجس.
"متوقع... متوقع إيه؟"
"ونوبة إيه؟"
"أنا مش فاهمة حاجة خالص!"
لحقها "يوسف" بسؤاله للطبيب، يحثه على التحدث بدلاً من تلك الإيحاءات الغامضة.
"قصدك إيه يا دكتور؟"
"وضح كلامك لو سمحت."
"مش مستحملة ألغاز هي."
رفع الطبيب كتفه وأهمله، موضحاً حالة "عبد المقصود" بالضبط لهم.
"للأسف... والدكم مخبي عليكم إنه مريض بالكانسر."
"ومع الأسف رافض يستجيب للعلاج."
فغرت "ورد" فاها بصدمة وهي تشهق بقوة، وضعت لها كفيها فوق فمها تمنع صوت شهقاتها العالية من الخروج.
بإنكار تام لتلك الحقيقة بمرض والدها الخبيث، رافضة تصديق هذا الحديث واعتباره ما هو إلا كذب، فأبيها سليم معافى وسيبقى إلى جوارها إلى الأبد.
"لأ... لأ طبعاً."
"لأ بابا مش عيان!"
"لأ بابا كويس."
"بابا معندوش المرض الخبيث ده!"
طرقت بكفها بضعف على باب غرفة الطوارئ بحالة من الهلع أصابتها بعدم تصديقها لتشخيص هذا الطبيب المجحف.
"قوم يا بابا... قوم قولهم إن إنت كويس!"
"على فكرة ده شوية ضغط عالي بس."
"هو كويس."
"بابا مش عيان."
"بابا مش هيسيبني لأ."
"لأ يا بابا!"
حاول الطبيب تهدئة "ورد" التي انفعلت بهلع لمعرفتها بحقيقة مرض والدها الذي أخفاه عنها، ليتأكد لماذا طلب منه "عبد المقصود" بإخفاء الأمر.
فيبدو أن "ورد" قدرتها على تحمل الصدمات ضعيفة للغاية.
نظر الطبيب باتجاه "يوسف" لمساعدته بتهدئتها قليلاً.
"مينفعش كده."
"إنتي لازم تهدّي."
"وتحاولي معانا تقنعيه إنه لازم يتعالج عشان يقدر يخف ويقوم من تاني بالسلامة."
"مش كده برضه يا حضرة ولا إيه؟"
أومأ "يوسف" بتفهم لمقصد الطبيب، ليحث "ورد" على الهدوء والتفكر بمصلحة والدها وصحته أولاً.
"أه طبعاً."
"لازم يا ورد نهدى كده ونفكر في علاجه أهم حاجة."
"أه... لازم بابا ياخد العلاج... لازم."
بقلق حقيقي ومشاعر ابن صادقة عقب "يوسف" بأمل في الله قائلاً.
"إن شاء الله هيتعالج ويبقى أحسن من الأول."
"بس مينفعش اللي إنتي فيه ده."
"لازم تهدّي هو محتاجك جنبه."
"مش تزودي عليه."
تطلعت به "ورد" تومئ بإيجاب، محاولة السيطرة على انفعالها وقلقها.
هي بالفعل تحتاج لتلك المشاعر الصادقة لتقويها وتبث بها القوة والصبر لتحمل شدة والدها وأن تبقى إلى جوار والدها الذي يحتاجها الآن.
استكمل الطبيب إيضاحه قائلاً.
"عموماً إحنا إدّيناه جرعة مسكنة قوية وعلقنا له محلول لأنه ضعيف جداً."
"بإذن الله هيفوق لكن لازم يبقى هنا تحت الملاحظة والعلاج."
"حالياً وجودكم مالهوش لزوم لأنه هينام وقت طويل وممنوع المرافق."
"تقدروا تتفضلوا دلوقتي وتيجوا بكرة في معاد الزيارة."
نظر "يوسف" تجاه "شريف" طالباً منه العودة للشركة، بينما بقى "يوسف" مرافقاً لـ"ورد" لبعض الوقت حتى يطمئنا على والدها حتى لو كان غير واعٍ لهما.
بعد انتهاء موعد الزيارة اضطرت "ورد" للخروج من المستشفى، فهي لن تبقى معه اليوم.
بنبرة محبطة للغاية تحدثت "ورد" مجاملة لـ"يوسف" الذي ترك عمله وبقي برفقة والدها حتى الآن.
"إنت تعبت أوي معانا النهارده."
"إنتي متعرفيش غلاوة والدك عندي إيه."
"ده جميل في رقبتي مقدرش أوفيه طول عمري مهما عملت."
جاهدت نفسها لتخرج فوق شفاهها ابتسامة باهتة قائلة بامتنان.
"شكراً ليك بجد."
"اتفضل معايا السواق يوصلنا بما إن طريقنا واحد."
لوح "يوسف" معترضاً على اقتحام خصوصيتها بهذا الشكل وفرض نفسه عليها لإيصاله لمنزله.
"لأ طبعاً."
"خليكي إنتي على راحتك."
"أنا هروح لوحدي."
"طب ليه؟"
"ما العربية والسواق موجودين أهم."
"اتفضل معايا."
"كفاية وقفتك من الصبح معانا."
بإيجاب أومأ "يوسف" بخفة دون الإثقال عليها لأكثر من ذلك، ليتخذ المقعد المجاور للسائق، بينما جلست "ورد" بالمقعد الخلفي، ناظرة كعادتها إلى السماء تدعو الله بالشفاء لوالدها، فهي لا تدري كيف ستكمل حياتها بدونه لو لا قدر الله حدث له أي مكروه.
أوصل السائق "يوسف" أولاً لبيته، ليتخذ طريقه لبيت "عبد المقصود" لإيصال "ورد" التي بقيت بغرفتها بقية الليلة دون الخروج منها.
***
علا.
لقاءها بـ"يوسف" اليوم لم ينمحِ للحظة واحدة، بل ظلت تتذكر رؤيته مع تلك الفتاة بالمطعم، وقد ثارت الدماء بعروقها وأخذت تنفعل بغيظ شديد لرؤيتهما معاً.
دق هاتفها لتجيب على الفور بانفعال.
"إنتي فين من الصبح؟"
"رنيت عليكي خمسمية مرة!"
"بالراحة بس... إيه اللي حصل؟"
"ها... روحتي زي ما قلت لك؟"
"متفكرنيش... أنا من ساعتها مش على بعضي والله."
"ليه إيه اللي حصل؟"
"صوتك متضايق أوي ليه كده؟"
هوت بقوة فوق الفراش تتحدث بضيق وانفعال وهي تتذكر مشهد حديثهما معاً حين دلفت للمطعم أمام أعينها كما لو أنها تراهم حقيقة أمامها الآن.
"رحت لقيته قاعد في المطعم اللي قصاد الشغل مع واحدة... يالهوي!"
"مش عارفة أقولك إيه."
"واحدة تغيظ كده!"
"ليه يعني؟"
امتعضت ملامحها بتقزز وهي تصف "ورد" بغيره شديدة.
"حاجة ملزقة عينيها ملونة وشعرها طويل كده... أوووف."
"أعمل أنا معاها إيه دي؟"
حاولت "لمياء" بث الثقة بصديقتها وهي تتساءل باشمئزاز.
"حلوة أوي يعني؟"
"وبعدين يا بنتي إنتي قمر."
"متكدبيش عليا أنا عارفة أنا إيه."
"أينعم مش حلوة أوي بس دي فظيعة."
"أخليه يبص لي إزاي بس ودي قدامه كده."
"أنا عارفة لك بقى."
"موضوعك ده متعقد كده ليه؟"
"ولا أنا كمان عارفة!"
"أديني هفكر في حاجة جديدة ونشوف."
"ماشي يا علا لما توصلي لحاجة أبقى قولولي."
"أنا عايزة أنام... هلكانة طول النهار في الشغل."
"خلاص ماشي... سلام."
"سلام."
***
شقة حسام.
أخذ يحك شعره الطويل بأصابعه وهو يتساءل بعدم فهم بعدما انتهت والدته من تلك المكالمة الطويلة.
"أيوه إيه بقى اللي حصل وخلاها مجتش امبارح؟"
"نجاح" بتقول إن "عبد المقصود" جه و"ورد" مش هناك وطلع على طول ورجع وهي معاه."
"يبقى شكله لحقها قبل ما تيجي هنا."
أغلق عينيه بتملل ثم تساءل بقلة صبر.
"وبعدين طيب... هانعمل إيه دلوقتي؟"
"إحنا ما صدقنا كانت هتيجي؟"
"استنى أفكر في حاجة تانية لأنه أكيد حذرها مننا عشان متجيش تاني لوحدها."
"ده غير إني سمعت إنه تعبان في المستشفى."
لمعت عينا "حسام" وهو يلقي بفكرته بمكر.
"هيموت يعني؟"
"يلا خلينا نخلص منه ونعرف نستفرد بيها."
"يا ريت."
***
اليوم التالي.
المستشفى.
منذ ساعات الصباح الأولى وجدت "ورد" راحتها بالتوجه للمستشفى للبقاء إلى جوار والدها الذي مازال يغط بنوم عميق.
اتخذت مقعداً إلى جواره تستمد الأمان، ليغمض جفناها غافية بعدما جافى عيونها النوم ليلتها أمس.
بعد مرور الوقت بدأ "عبد المقصود" يستفيق باستغراب، فهو لا يدري ما الذي جاء به إلى هنا.
"إيه ده... أنا فين؟"
فتحت "ورد" عينيها فور سماعها صوت والدها الحنون، لتهب إلى جواره تعاتبه على إخفائه مرضه عنها.
"كده برضه يا بابا؟"
"كده تبقى تعبان كده ومتقوليش وترفض العلاج؟"
لاحت ابتسامة منهكة فوق ثغره وهو يمسك بكفها الناعم بين راحتيه.
"هو الدكتور قالك؟"
"أيوة... إنت قلقتني عليك أوي امبارح."
"حقك عليا."
"أنا بس مكنتش عايز أقلقك كفاية اللي إنتي كنتي فيه."
قلبت "ورد" شفتيها باستياء من إهمال والدها لصحته بهذا الشكل.
"تقوم متاخدش العلاج!"
"أنا معرفش أعيش من غيرك."
"لازم تاخد العلاج عشان خاطري."
"كده غلط."
باحتساب شديد لمصابه أردف "عبد المقصود" بإيمانه بالمقدر له.
"كل واحد له أجل."
"المهم أطمن عليكِ."
"يا بابا أنا كويسة طول ما إنت كويس."
"عشان كده لازم تقعد في المستشفى وتاخد العلاج."
لم تكن تعلم أن والدها عنيد للغاية، حين هتف بها بإعياء شديد وإصرار بالرفض على البقاء.
"أنا عايز أطلع من المستشفى دلوقتي."
"وأوعدك أعمل حاجة مهمة أوي بعدها أرجع بنفسي آخد العلاج لحد ما أخف."
"تاني يا بابا!"
"أيوة اسمعي إنتي بس الكلام."
زمت شفتيها بضيق لعناد والدها وتشبثه برفضه، لتتكتف عابسة للغاية.
حين سمعا طرقات خفيفة بباب الغرفة، وأطرق "يوسف" رأسه ببطء مستأذناً للدخول.
تلاشت تلك التعبيرات العابسة ليشرق وجهها ببسمة لطيفة، وسط ترحيب "عبد المقصود" بقدومه.
"تعالى يا يوسف يا ابني."
"لأ إنت ما شاء الله عليك النهارده... أحسن كتير."
"الحمد لله."
رفع "عبد المقصود" عيناه نحو ابنته طالباً منها أن تحضر لهم أي مشروب من الخارج.
"ما تنزلي يا ورد للبوفيه تجيبي كوباية شاي ولا حاجة ليوسف."
كانت إجابتها سريعة للغاية متحلية بخجل لطيف.
"لأ حجيب له قهوة... مش كده يا أستاذ يوسف."
ابتسم "يوسف" لوَد لتذكرها حديثهم بالأمس، ثم أردف بالرفض فلا داعي للإثقال عليهم وهم بالمستشفى.
"لأ مفيش داعي تتعبى نفسك."
أعاد "عبد المقصود" عناده بإصراره بطلبه.
"لأ بقى... إنت فاكرنا بخلا ولا إيه!"
"يلا يا ورد من غير سؤال شوفي حجيبيلنا إيه."
"تمام."
تركتهم "ورد" باحثة عن (البوفيه) لإحضار القهوة ومشروب لوالدها، ليترقب "عبد المقصود" تلك الفرصة داعياً "يوسف" للجلوس بالقرب منه.
"اقعد يا يوسف."
"أنا عايزك في موضوع مهم أوي."
نبرته الجادة استرعت انتباه "يوسف" الكامل ليهتف بإنصات.
"خير... اتفضل يا أبو محمد."
بنفس متقطع وإجبار لنفسه على الحديث، أمسك "عبد المقصود" بكف "يوسف" يحدثه بحميمية أب ربما تتحلى ببعض الرجاء.
"أنا عايز أطلب منك طلب."
"ولو مش في استطاعتك عادي يا ابني أنا هفهم."
"أنا دلوقتي زي ما أنت شايف خلاص هموت."
"بعد الشر عنك متقولش كده."
"يا ابني ده أجل وأنا حاسس خلاص إن نهايتي قربت."
"لكن أنا خايف أوي على ورد."
"بنتي مش هتقدر تعيش في الدنيا دي والناس طمعانة فيها بالشكل ده."
"وأنت يا ابني شايف هي طيبة وعلى نياتها قد إيه!"
"ونفسي أطمن عليها قبل ما أموت."
ابتلع "عبد المقصود" ريقه بغصة، فلم تكن تلك هي الطريقة التي يريد بها سعادة ابنته.
لم يرد أن يحط من قدرها، لكن الوقت لن يسعفه بالانتظار ليكمل باستحياء شديد من طلبه.
"عشان كده يا ابني أنا عايزك تتجوزها!"
"تحميها وتعيش تحت جناحك وفي رعايتك."
"أنت ونعم الأخلاق والدين."
"هتعرف تصونها وتحميها."
"ولو مش هتقدر يا ابني..."
"براحتك ده طلب مش إجبار."
"فكر وبلغني بقرارك وصدقني أنا مش هازعل ولا أي حاجة لو إنت رفضت."
مجرد إحساس "يوسف" بترجي "عبد المقصود" له لم يفكر للحظة بأن يرد طلبه، حتى ولو فوق رقبته، فهو لن ينكر صنيعه وجميله معه، ليردف على الفور بدون أي تأخير.
"طلبك أمر."
"ووصيتك دين في رقبتي."
"مقدرش أرفضه."
شعور بالراحة سرى بعروقه بلحظة موافقة "يوسف"، ليستطرد موضحاً قبل عودة "ورد".
"بص يا ابني ورد باقي في عدتها من جوزها الأولاني أقل من شهر."
"بعدها على طول نكتب الكتاب عشان أطمن عليها."
إحساس بالغصة جعله ينتفض من داخله حين تذكر موضوع زواجها الأول، لكنه وعده وعداً قاطعاً بالحفاظ عليها وحمايتها.
"تمام."
"بس سيبني كام يوم أبلغ والدتي وأعمل ترتيباتي."
"وطبعاً والدتي لازم تشوف العروسة."
"تمام يا ابني وبعد زيارة ورد لوالدتك إحنا هنسافر ونرجع يوم كتب الكتاب ونعمل فرح على الضيق كده موافق."
"موافق يا عمي."
صمت "عبد المقصود" لوهلة قبل أن يكمل برجاء آخر.
"طيب ممكن نبلغها إنك طالب تتجوزها."
"عشان بس مكسرش نفسها."
"طبعاً يا عمي."
"ولا أنا هقول أي حاجة لأي حد."
إجابته للمرة الثانية أعادت الحياة لوجهه ورفعت من قدر "يوسف" لديه، ليثني متفاخراً به.
"راجل يا ابني."
"وعشمي فيك طلع في محله."
***
بعد قليل.
قدمت "ورد" فنجان القهوة لـ"يوسف" الذي ارتشافها سريعاً واستأذن منهم ليعود للشركة بعدما أصر "عبد المقصود" بالعودة للبيت وترك المستشفى.
***
شركة الأقصى.
بعد تركه للمستشفى عاد لمكتبه ليجلس بهدوء متفكراً بما اتفق مع "عبد المقصود" عليه منذ قليل.
أخذ يحدث نفسه بشرود تام دون الانتباه لـ"شريف" والمحيط من حوله.
"أنا إيه اللي عملته ده!"
"بس أنا مكنش ينفع أرفض."
"الراجل ده جميله في رقبتي ودي أقل حاجة أقدمها له."
"بنته أمانة في رقبتي."
"بس.... موضوع جوازها الأولاني ده مش عارف أبلعه!"
"بس هي فيها كل حاجة أنا عايزها شريكة حياتي."
"رقيقة وهادية وطيبة."
"أنا محتار!"
"دماغي خلاص... حتنفجر."
لم يدرك "يوسف" حين تلفظ بجملته الأخيرة بصوت عالٍ، انتبه لها "شريف".
"دماغي خلاص حتنفجر!"
"مالك يا يوسف."
"إنت مش طبيعي خالص."
"مش عارف يا شريف."
"محتار ومش عارف أفكر."
"طب ما تقولي يمكن أفيدك."
تفكر "يوسف" لبضع لحظات، فهو لن يفشي هذا السر الذي ائتمنه "عبد المقصود" عليه، ليحاول إشراك "شريف" معه بطريقة أخرى لا تمس "ورد" وتحط من قدرها أو قدر والدها.
"أصل... ااا... أبو ورد تعبان أوي."
"و... أنا كنت بفكر أطلبها منه."
"بس موضوع جوازها الأولاني ده مش قادر أعديه."
اعتدل "شريف" بجلسته وهو يتحدث بجدية لأول مرة.
"إنت عايز الحق؟"
"طبعاً."
"العيب مش فيها."
"العيب فيك إنت."
ذهل "يوسف" للغاية من رأي "شريف" الصادم.
"أنا...!!!"
"أيوة."
"ولنفترض إنها اتجوزت واحد وما اتوفتش معاه."
"تفضل طول عمرها منبوذة مستنية تموت."
"ولا يمكن واحد ييجي يعوضها عن التجربة الفاشلة دي وتعيش حياة طبيعية؟"
"أنا عن نفسي مش شايف عيب فيها."
"قولي يا يوسف..."
"غير موضوع جوازها ده، إنت شايف فيها عيب تاني؟"
تفكر "يوسف" لأقل من لحظة ليردف بإجابة قاطعة.
"الصراحة... لأ."
"يبقى بتحكم عليها بحاجة ملهاش يد فيها ليه؟"
"ما هي أكيد وقتها مكانتش عايزة تطلق وكانت عايزة تبني بيت وحياة... صح؟"
"أه."
نهض "شريف" من مقعده ليتجه صوب مكتب "يوسف" وهو يحدثه بصرامة يوضح له الضبابية التي ينظر بها إليها.
"شوف يا يوسف..."
"يا تقرب منها وتنسى الحاجز الوهمي اللي إنت حاطه ده."
"يا إما تسيبها لنصيبها."
"وواحدة زي دي مش هتتساب وألف من هيجرى وراها."
"ومش بعيد كلها شهر ولا شهرين وتلاقيها متجوزة من واحد تاني."
"ها... عندك استعداد تسيبها لواحد تاني؟"
أثارت جملة "شريف" الأخيرة إحساس دفين بداخله بأنه لا يريد أن يضيعها من يده، مهما كان السبب.
يريدها إلى جواره هو، سواء طلب والدها ذلك منه، أو طلبها هو بنفسه، فهو بالفعل يريد القرب من "ورد"، ولا يتحمل رؤيتها أو حتى التفكير بأنها ربما ترتبط بآخر.
ليهمس "يوسف" متوافقاً مع ما قاله "شريف".
"عندك حق... عندك حق يا شريف."
رواية اشواك الورد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب
لن أتركك. هكذا قالتها بداخلها وهي تقضي الوقت برفقته بداخل غرفته بعد عودتهما من المستشفى. لن تضيع دقيقة بعيدة عنه، تخشى فقدانه فهو صمام الأمان وحصنها الحامي. مجرد التفكير بمرضه يجعلها ترتعد خوفًا.
اعتمدت بكل حياتها على وجوده هو فقط. فبعد وفاة والدتها أصبحت وحيدة للغاية. قربها إليه، دللها كثيرًا وتحمل المشقة كليًا عنها. كان عقلها المدبر وموجهها الحكيم، كل خطواتها برأيه ومشورته. بدونه هي لا شيء.
تمعن "عبد المقصود" بوجه ابنته البريء يلوم نفسه على ما اقترفته يداه. فدلاله المفرط لها وخشيته دوماً عليها أكسبها سذاجة متناهية ونقاء مبالغ فيه. جعلها لا تتحرك خطوة بدونه ليسقط بأزمة خطيرة، أزمة تركها بمفردها. فكيف ستتحمل غيابه؟ كيف ستدير حياتها وشؤونها الخاصة؟
لم ينتبه أنه كان يجب عليه تركها تتعلم من خبرات الحياة ما يؤهلها لإكمالها بقوة وصلابة. ظن أنه يقوم بكل ذلك عنها لمصلحتها وحمايتها، بينما كان يضر بها دون أن يدري. حتى باختيار شريك حياتها اختار بدلاً عنها مرة وها هو يكررها مرة أخرى.
رفع جزعه مستندًا لظهر الفراش وهو يطلب من ابنته الاقتراب.
"أقعدي يا ورد عايزك في موضوع."
جلست "ورد" إلى جواره منصتة إليه باهتمام، فملامحه توحي بالجدية التامة.
"خير يا بابا."
صمت لوهلة قبل أن يلقي بخبر زواجها مرة أخرى بدون مقدمات أو تمهيد.
"يوسف.. طلب إيدك مني.. وأنا وافقت."
تسمرت "ورد" بدهشة لتلك المفاجأة غير المتوقعة بالمرة. زاغت عيناها لا تدري بما عليها أن تشعر الآن. هل تسعد لذلك أم تحزن؟
نعم، لقد شعرت تجاه هذا الشاب بالذات إحساس غريب، إحساس ممتع حلو للغاية. إحساس متفرد لم تشعر به مع من قبل حتى مع "حسام". تشعر بألفة رهيبة وكأنها تعرفه من سنوات عديدة.
لكنها بداخلها هذا التخوف. ليس تخوفاً بل ذعراً هلعاً بتفكيرها أنها يمكنها أن تعيد تلك التجربة المشؤومة مرة أخرى. هي لم تنسى بعد ما حدث بينها وبين "حسام".
شعرت بالتخبط والحيرة. أترفض زواجها من "يوسف"؟ هذا الشاب الذي دق له قلبها من نظرتها الأولى. أم توافق وتعيد تلك المأساة مرة أخرى ويكون صورة أخرى من "حسام". هل يكون هو فرصتها الذهبية في تعويض ما فاتها وتشعر معه بالحب والحنان اللذان تبحث عنهما أم سيكون صورة ثانية عن "حسام" باسم مختلف.
"بس يا بابا.. أنا لسه خايفة.. ممكن يكون زي حسام.."
قاطعها "عبد المقصود" بيقين تام لمعرفته الوطيدة بـ"يوسف" وأخلاقه.
"لا يا بنتي.. حسام أنا مكنتش أعرفه بس كنت مصدق ناهد.. لكن يوسف أنا أعرفه من زمان من وهو صغير.. عارف هو قد إيه راجل وعارف دينه وعنده أخلاق وقد المسؤولية.. وأنا هرتاح لو أنتي وافقتي يا بنتي."
كما اعتادت دوماً وبثقة عمياء بقرار والدها أردفت بدون تفكير.
"لو ده حيريحك يا بابا.. أنا موافقة."
"وأوعدك يا بنتي إنك مش حتندمي أبداً. أنا عايزك كمان متجبيش سيرة لحد خالص.. وآخر الأسبوع حنسافر أنا وأنتي إسكندريه مش حنرجع إلا يوم الفرح.. فاهمه.. أوعى تقولى لأي حد مهما كان على مكاننا."
بإستراب شديد لحرص والدها على عدم إخبار أحد بسفرهم أومأت "ورد" بالإيجاب.
"حاضر يا بابا."
عادت إلى غرفتها بعد أن خلد والدها إلى النوم لينال قسطاً من الراحة. لتحدث "سماح" بمكالمة هاتفية طويلة تسرد لها ما حدث بالتفصيل. أبلغتها بقرار والدها بزواجها من "يوسف" والتي رحبت سماح بسماع الفكرة من "ورد" ظناً منها أنه بزواجها من هذا الشخص بالذات ربما يعيد لـ"ورد" حياتها المفقودة.
***
فرنسا.
بعد عودة والدي "لامار" من سفرتهم مشتاقين لوحيدتهم الغالية، جلسوا جميعاً بجلسة عائلية دافئة.
"حبيبتي.. عملتي إيه من غيرنا الأيام اللي فاتت؟"
"شغل وشغل وشغل."
نظر "نشأت" نحو ابنته يثير فضولها بتساؤل ذي مغزى.
"ومستعدة بقى لأجازة ولا لسه؟"
"أجازة.. فين؟"
بابتسامة ينتظر رد فعلها وهو يبلغها عن سفرتهم الجديدة.
"نروح مصر!"
هتفت "لامار" بحماس شديد فقد اشتاقت للغاية لبلدها وأهلها.
"إنت خلاص حددت معاد يا بابا؟"
"أيوه.. كمان عشر أيام.. جهزي نفسك بقى."
"أكيد.. لازم أجهز نفسي.. إسكندريه وحشتني أوي."
نظرت والدتها نحوها باستنكار شديد.
"وجدك وجدتك موحشوكيش؟"
"أكيد وحشوني أمال أنا بحب إسكندريه ليه!!! لأنها شبههم وهم شبهها."
"أنا قلت أقولك قبل معاد السفر.. عشان تجهزي نفسك وتظبطي شغلك."
"شكراً يا أحلى بابا في الدنيا."
***
شقة يوسف.
حيرة أصابته عقله وسهم ضرب قلبه. أخذه تلك الياقوتة لتبعثر كل معتقداته المترسخة بعقله. لولا ما بعثرته بنقائها لكان ثابت على مبدئه ولم يهتز بكيانه شيء. لكن الحيرة بين عقله وقلبه كادت تفتك به. عاد مساءً لشقته ليدلف بهدوء وشرود غير المعتاد، فذهنه مشغول للغاية. خاصة وأن عليه إخبارهم الآن بقرار زواجه المفاجئ بعدما كان يرفض ذلك بقوة منذ أيام ليست بالبعيدة.
دعاء.. فور سماعها لصوت باب الشقة قد أغلق متيقنة بأن "يوسف" قد عاد إلى المنزل. أنهت مكالمتها مع "مرزوق" بتعجل ثم خرجت إلى "يوسف" لمقابلته كما تفعل كل يوم.
بتجهم شديد أثار فضول "دعاء" لهذا الاقتضاب المبهم.
"فين ماما يا دعاء؟"
"في أوضتها."
"طب تعالى معايا."
سارت "دعاء" خلف "يوسف" بخطوات بهلوانية وقد اتسعت حدقتاها باندهاش مصطنع لتلك الجدية والاقتضاب المسيطرين على ملامح أخيها.
دلف "يوسف" لغرفة والدته ملقياً التحية.
"السلام عليكم."
"تعالى حبيبي إنت جيت؟"
بمزاحها الطريف أرادت رسم بسمة على وجوههم المقتضبة.
"ده سؤال ولا تعجب ده ولا إيه؟!!!!!!!!.. ما هو بيكلمك أهو يا حاجة يبقى مجاش يعني وباعتك فويس..!!!!"
استدار "يوسف" ومازالت تلك الملامح الجادة مسيطرة عليه بصورة قوية ليرمقها بقوة، فهو لا يحتمل هذا النوع من المزاح الآن قائلاً باقتضاب.
"لمي لسانك.. واقعدي عايزكم في موضوع مهم."
ابتلعت "دعاء" ريقها بتخوف وهي تجلس إلى جوار والدتها الممدة فوق فراشها وهي تتمتم بقلق.
"أستر يا رب."
سحب "يوسف" نفساً عميقاً يستعد به للتحدث ثم أردف.
"مش إنتوا كنتوا عايزني أتجوز!!! أنا حتجوز."
هَلَّلت "دعاء" بسعادة وربما براحة، فقد ظنت أن الأمر يخصها لتزال تلك الصخرة التي جثمت فوق صدرها فور إعلان "يوسف" بخبر زواجه.
"أخيراً وافقت على علا؟"
نظر "يوسف" تجاه "دعاء" وهو يوضح أكثر ليصل لما يريد إخبارهم به.
"لأ.. مش علا.. واحدة تانية."
تساءلت والدته بين الفرحة والتوجس، فلم يخبرهم بخبر زواجه وهو متجهم مقتضب بهذا الشكل.
"ومين دي يا ابني بنت حد نعرفه؟"
"بنت أبو محمد يا ماما."
رفعت هامتها بسعادة، فهذا الرجل نعم من يُناسب، لكن كيف ذلك وهناك فرق شاسع بين طبقتيهما الاجتماعية.
"والله الراجل ده ونعم الناس.. بس دول يا ابني!!! يعني إحنا فين وهم فين؟"
"أنا مش عايز منهم حاجة أنا عايزها هي.. ولما تشوفيها حتحبيها أوي.. طيبة وهادية زي ما أنا عايز بالضبط."
بثقة باختيار ولدها لزوجته ومعرفتها به حق المعرفة بأنه لا يطمع بمال تلك الفتاة، وأنه لابد وأن يوضح ذلك لوالدها، شقت وجهها بابتسامة فرحة قائلة.
"خلاص يا حبيبي طالما إنت شايف كده.. خلاص.. ربنا يتمم لك على خير."
بقي إيضاح سبب زواجهم السريع، فأردف "يوسف" مستكملاً إيضاحه.
"بس والدها تعبان عشان كده حنعمل الفرح كمان شهر."
باندهاش حقيقي هذه المرة صاحت "دعاء" باستنكار.
"إيه!!!! شهر؟؟ إيه الكروته دي؟"
"هو خايف يموت الراجل تعبان جداً."
لهذا السبب إذن تفكر "يوسف" بزواجه من تلك الفتاة بتلك السرعة. فلابد أن مرض والدها هو السبب بهذا التعجل منهم جميعاً.
"ربنا يشفيه ويعافيه.. يمكن يا بنتي عايز يطمن على بنته قبل ما يموت."
"بالظبط كده يا ماما."
"طيب يا ابني لو كده نفتح أوضتك على الأوضة اللي جنبها عشان توسع ونوضبها ونجيب أوضة نوم جديدة."
"إن شاء الله.. خلي التفاصيل دي لما تشوفيها الأول."
"خلاص يا ابني إن شاء الله.. بس طالما هي عجبتك يبقى أكيد حتعجبنا."
قبّل يوسف يد والدته ورأسها فقد شعر بالراحة بعد أن أتم ما قد فكر به لإقناعهم. ثم دلف لغرفته ليقضي بقية ليلته بين أفكار سعيدة تارة ومزعجة تارة أخرى.
***
يومان يمران وقد حاولت النفوس تهيئة القلوب لما هو آت. سأجرب حظي وأتقدم. سأبحث عن سعادتي ربما.
هكذا حدث كل منهما نفسه. فبعد أن أبلغ "يوسف" والدته بأمر زواجه اتفق مع "عبد المقصود" على موعد لزيارة "ورد" لوالدته وأخته. وها قد أتى اليوم لتشعر "ورد" بتخوف عظيم من تلك الزيارة التي ستقوم بها بمفردها، فوالدها غير قادر إطلاقاً على مرافقتها، بينما والدته لا تستطيع الحركة كما أوضح "يوسف" لوالدها.
تحضر "يوسف" لإصطحاب "ورد" ماراً ببيت "عبد المقصود" بالمساء.
"أخبار حضرتك إيه النهارده؟"
"الحمد لله يا بني."
"بعد إذن حضرتك آخد "ورد" تزور والدتي زي ما اتفقنا."
"آه طبعاً.. وزي ما قلت لك إحنا مسافرين بكرة.. وحنبقى على اتصال ونرجع أنا و"ورد" يوم الفرح إن شاء الله."
"بإذن الله."
فور ذكر ذلك شعر "يوسف" بالاضطراب والتخوف لينحني بعينيه جانباً حتى لا ينتبه "عبد المقصود" للقلق الذي اجتاحه ويظن أنه يتهرب من وعده له.
صوت خطواتها جعله ينتبه لتلك الفاتنة التي كادت تشرق بضياء متوهج بفستانها الفيروزي الطويل كَـ لون عيونها اللامعة. وجد نفسه لا شعورياً يبتسم بقوة، فهي دوماً تغرقه ببحورها وتنسيه الواقع بوجودها.
صوتها الدافئ وهي توجه له حديثها جعلته يفهى وتذوب بحلق الكلمات.
"أنا جاهزة."
"آا.. أه.. يلا.. تمام."
"السواق جاهز حيوصلكم."
"مفيش داعي خالص.. ده البيت قريب."
"لأ.. كده أحسن.. عشان أبقى مطمن."
استقلا السيارة وسط صمت طويل ودقات قلب نابضة لتعلنها لحظة سعادة بقربهما معاً.
***
طرق "يوسف" الباب أولاً لينبه والدته و"دعاء" بحضورهما قبل أن يفتح الباب وهو يدعو "ورد" للدخول بابتسامة مرحباً.
"نورتي البيت.. اتفضلي."
أقبلت "دعاء" بفوضويتها المحببة ترحب بتلك الفتاة التي سيتزوجها أخيها.
"أهلاً وسهلاً."
أنهت عبارتها ببطء شديد وهي تكمل باندهاش لرقة "ورد" وجمالها لتردف بشقاوة.
"يا ابن الإيه!!!! أتاريك مش موافق على ولا عروسة من اللي بجيبهم لك!!!! أيوه يا عم.. ماشية معاك.. منورة يا قمر."
ابتسمت "ورد" على طريقة "دعاء" الودودة معها فقد شعرت بالود والألفة لها على الفور.
تحدث "يوسف" من بين أسنانه محذراً "دعاء" من مزاحها الثقيل.
"سيبيها تتعرف عليكي الأول لازم طوله لسانك دي من أولها."
"ما أنا أعملك إيه.. ما هي طلعت زي القمر.. أسكت أنا.. قوليله والله..؟!!!!"
"شكراً ليكي.. انتي اللي قمر."
أشارت لها "دعاء" بالدخول وهي تهتف بوالدتها تنبهها لوصول "يوسف" و"ورد".
"اتفضلي.. يا ماما.. يوسف وورد جم."
جلست "ورد" على أحد المقاعد بغرفة المعيشة الكبيرة وجلس "يوسف" على مقعد آخر مقابل لها، بينما دلفت "دعاء" لتساعد والدتها للخروج من غرفتها لمقابلة "ورد".
تنحنح "يوسف" معتذراً عن أسلوب أخته الأحمق.
"أنا آسف والله هي دعاء دايماً كده بتحب الهزار."
"لأ طبعاً.. آسف على إيه!!! أنا حبيتها أوي."
"معلش البيت على قد حاله.. بس إن شاء الله أظبط ظروفي ونجيب شقة تانية قريبة."
لم تشعر "ورد" بما يعتذر "يوسف" بسببه، بل شعرت براحة وسكينة كبرى لحظة أن دلفت إلى داخل البيت. أحست بالمودة التي تربطه بأخته. لم تنفر مطلقاً من مظهر البيت والأثاث البسيط، بل شعرت بالألفة والمحبة يطغيان عليه لتجيبه بصدق نابع من قلبها حقاً.
"بالعكس.. أنا حبيت الشقة هنا جداً ومريحة أوي بجد حاسة إنها فيها دفء وراحة جميلة أوي."
بساطتها وعدم تكلفها أسعدته للغاية بال من معيشتها بمستوى أعلى منه بكثير. لكنه مع ذلك لن يظلمها أيضاً. فزواجهم المفاجئ لم يستطع التخطيط له كما يجب، لذلك سيحاول جاهداً توفير كل السبل ليشعرها بالراحة مثلما كانت في بيت أبيها.
اقتربت أم "يوسف" تتكئ على عصاها ببطء وإلى جوارها ابنتها "دعاء".
"بسم الله تبارك الله.. انتي "ورد"؟"
تلقائياً فور سماع صوتها الحنون رفعت "ورد" عينيها تجاهها وارسمت ابتسامة رائعة زادتها جمالاً لشعورها بدفء تلك السيدة وحنانها النابع من ملامحها المريحة للغاية. غمرها إحساس بحنينها لأمها التي حرمت منه صغيرة، لتتخيل أنها أمها التي اشتاقت إليها.
نهضت "ورد" لتحية أم "يوسف" وهي تردف برقة.
"أيوه.. أنا "ورد"."
"اسم على مسمى حبيبتي.. ارتاحي حبيبتي اقعدي."
"شكراً."
جلست أم "يوسف" إلى جوارها متأملة إبداع الخالق في هذه الفتاة الجميلة.
"نورتينا يا بنتي.. والله والدك ده غالي علينا جداً.. كان بودنا ييجي معاكي بس إن شاء الله يقوم بالسلامة.. وينورنا إن شاء الله."
"يا رب يا طنط."
بجلسة ودودة للغاية وتجاذب لأطراف الحديث بين أربعتهم، شعرت "ورد" بأريحية غير عادية وخجل شديد بذات الوقت. تناست تماماً طيف حسام الذي غاب عن تفكيرها بوجود هذه الأسرة المحبة. لم تخلو جلستهم من بعض النظرات الجانبية لكلا من "ورد" و"يوسف" اللذان تملكهما سعادة حقيقية بوجود بعضهما البعض.
***
شقة حسام.
أخذت تضرب ساقيها بقوة غيظاً وتحسراً وهي مازالت تستكمل مكالمتها الهاتفية بصوت حاد أشبه بالصراخ الغاضب.
"إنت بتقول إيه؟؟ إمتى حصل الكلام ده؟؟ ماشي ماشي.. سلام."
ضغطت زر إنهاء المكالمة بقوة ثم ألقت بالهاتف بعيداً وهي تستدير بغضب كاد ينفث من عينيها المتوهجتان شرراً.
"شفتي!!!! أهو "عبد المقصود" ناوي يجوز "ورد"!!!!! كل حاجة حتضيع من إيدينا!!!!"
اتسعت حدقتاه بصدمة وجف حلقه بفزع. هل يمكن أن يفتضح أمره وقتها؟ بالطبع. وما الذي سيمنع ذلك؟ أتكون قد أخبرت والدها بما عجز عنه بتلك الليلة وسقطت عنها العدة بعد طلاقها؟ لا.. بالتأكيد لم تفعل. إنها خجولة للغاية ولن تتفوه بما يخص تلك الأمور مطلقاً.
لكن عليه الثبات بموقفه وأن يظهر أنها لا يمكنها الزواج لأنها مازالت بشهور العدة، وعليه الوصول إليها أولاً. فهو لن يتركها تضيع من بين يديه بتلك السهولة ليهتف بكذب.
"إيه؟؟ يجوزها.. لمين وإزاي.. دي لسه في العدة؟"
"فيه واحد اسمه "يوسف" اتقدم لها وأبوها وافق وهي دلوقتي عندهم في البيت "مصطفى" السواق لسه قايل لي كده دلوقتي."
"طب والعمل يا ماما.. أنا مش عايزها تضيع من إيدي."
لمعت عيناها ببريق غادر وهي تحسم أمرها بكراهية شديدة.
"بكرة.... لازم نجيبها إن شاء الله غصب عنها."
"إزاي؟"
"أنا حروح لهم البيت وأخليها تطلع لي وأول ما تطلع نكون مجهزين مخدر نرشه عليها ونحطها في العربية ونمشي على طول."
استحسن تلك الفكرة تماماً فهي ستكون فرصة لن تتكرر وهي غائبة عن الوعي تماماً لينفذ مخططه ويشبع رغبته بها ويثبت رجولته التي اهتزت أمامهما.
"ماشي.. تمام كده."
"أما حرقت قلبك يا "عبد المقصود".. والفلوس حاخدها حاخدها."
***
بعد انتهاء زيارتها لأسرة "يوسف" الصغيرة، اصطحبها "يوسف" لبيت والدها بإحساس مغاير تماماً لذلك الإحساس وقت ذهابهما. فرغم حديثها البسيط إلا أنها أسرته بالفعل، سحرته برقتها ونعومتها الطاغية. تذكر كلمات "شريف" وأراد بالفعل تناسي كل ما حدث معها قبل معرفته بها وسيبدأ معها حياة جديدة فهما يستحقا ذلك.
تاهت "ورد" بأفكارها وسط سعادتها بقربها من "يوسف" رغم المرات القليلة التي رأته بها، إلا أن قلبها بالفعل تعلق به. وشعرت بالراحة والأمان وسط عائلته وفي وجوده. طغى حضور "يوسف" في حياتها على "حسام" وما فعله بها بصورة مطلقة.
***
اليوم التالي.
استيقظ "عبد المقصود" لصلاة الفجر الذي حزن كثيراً لعدم قدرته للذهاب إلى المسجد في الفترة الماضية لما يسببه له الدواء بهذا النعاس وإعياءه لمرضه الذي يشتد يوماً بعد يوم.
ارتدى ملابسه وتناول حقيبته في هدوء ماراً بغرفة "ورد".
"جاهزة يا "ورد"؟"
"جاهزة يا بابا."
"أكلم السواق؟"
"لأ.. مش حنروح بالعربية.. أنا طلبت عربية بالسواق حتوصلنا إسكندريه.. يلا بينا."
تحركا من البيت دون أن يشعر بهما أي من العاملين بالبيت، لكنه فقط ترك رسالة ومبلغ من المال لـ"نجاح" لمراعاة "محمد" قبل سفرهم إلى الإسكندرية. ليستقلا السيارة إلى هناك مباشرة حيث قام "عبد المقصود" بحجز غرفة كبيرة لهما قبل سفرهما بأحد الفنادق المطلة على البحر ليصعدا إليها فور وصولهما مباشرة ليرتاحا من عناء السفر.
***
شركة الأقصى.
"أخبارك إيه يا عريس؟"
"إنت بتتريق ولا إيه؟"
بنفي لما ظنه "يوسف" فهو بالفعل سعيد لتلك الخطوة التي اتخذها "يوسف" لزواجه من "ورد".
"والله فرحان لك يا أخي.. ده أنا كمان احتمال أحصلك."
"بجد؟"
"أمال.. بصراحة البنت اللي حكيت لك عليها دي.. بدأنا نتعرف ونتكلم كل يوم تقريباً.. طلع إن دماغنا فيها حاجات كتير أوي شبه بعض.. وبفكر فعلاً أسافر عشان أطلب أيدها."
بسعادة حقيقية لما ينويته صديقه.
"حلو أوي.. ونويت إمتى تسافر؟"
"لأ.. بعد جوازك إنت الأول."
فكر "يوسف" بإقتراح ظريف للغاية قائلاً.
"ليه يعني؟ ولي أمرى!! ما تيجي نتجوز في نفس اليوم؟"
"لأ يا باشا.. إنتوا عاملين حاجة كده على الضيق إنما أنا لازم أعمل فرح تحكي عنه البلد كلها هو أنا أي حد ولا إيه؟"
"إنت حر.. إنت الخسران."
"طالما ربنا موسعها عليا ومعايا قرشين أهو نفرح بيهم وأتجوز بقى بدل ما أنا عايش لوحدي زي قرد قطع من يوم ما والدي ووالدتي اتوفوا."
"ربنا يسعدك يا شريف.. إنت تستاهل كل خير."
***
تحضرت تلك الخبيثة وولدها للذهاب إلى بيت "عبد المقصود" وقد أحضرا مخدر قوي للغاية ليخطفوا "ورد" اليوم. لكنهما أصيبا بخيبة أمل عندما أبلغتهم "نجاح" أنهم تركوا البيت دون أن يشعر بهم أحد في الصباح الباكر.
"شفتي!!!!"
"مسيرك حتقعي تحت إيدي يا "عبد المقصود".... يلا يا حسام!!!!"
عادت إلى شقة "حسام" يجرون أذيال الخيبة والحسرة على فشل مخططهم تلك المرة أيضاً.
رواية اشواك الورد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب
استشاطت “ناهد” غضباً بعد معرفتها بسفر “ورد” و”عبد المقصود” دون علم أي أحد بمكانهما.
والأدهى هو تصرف “عبد المقصود” الغريب بترك سيارته والسائق “مصطفى” الذي ينقل إليها كل تحركاته.
أخذت تبحث بكل السبل لمعرفة إلى أين ذهبوا، لكن كل سبلها ضاعت هباء ولم تتوصل لمكانهما بعد.
شعرت بقله حيلتها وأن “عبد المقصود” استطاع أن يغلبها، وقد ذهبت خططهم سدى وعادوا إلى نقطة الصفر مرة أخرى.
وقفت تعض شفتيها بغيظ وقد احتلت بإنفعال.
“أكيد أكيد فهم إحنا عايزين إيه ومش حيرجعها إلا لما العدة تخلص. صحيح “عبد المقصود” ده مطلعش سهل أبداً.”
“والله ما سيبهاله. مش حخليه يتهنى بيها.”
أمسكت “ناهد” بذراع “حسام” المنفعل قبل أن يتصرف أياً من تصرفاته الحمقاء وتخسر برعونته كل ما خططت له.
“إستنى هنا متتهورش. لازم نفكر كويس حنعمل إيه بالظبط. المهم دلوقتى نحاول نعرف هم راحوا فين.”
“أنا مش حصبر ده كله. شوفيلك حل.”
“حشوف. لازم ألاقي حل ونعرف هم راحوا فين.”
***
الإسكندرية.
تمدد “عبد المقصود” بإنهاك فوق الفراش، بينما ظلت “ورد” تنظر من نافذة الغرفة تجاه أمواج البحر المتلاطمة بمنظر طبيعي أخاذ للعقول.
اشتمت هواء البحر المنعش الذي ضربت رياحه شعرها الذهبي وهي تهتف ببهجة.
“البحر شكله جميل قوي يا بابا.”
أردف والدها بإعياء شديد وقد اهتزت نبرات صوته المتعبة.
“انزلي يا بنتي وافرحي.”
استدارت “ورد” نحو والدها ترفض ذلك بصورة قاطعة.
“لأ طبعاً مش هقدر أسيبك أنت تعبان قوي.”
أصر “عبد المقصود” بشدة أن تخرج “ورد” للحياة وتعيش كزهرة يانعة ببستان الزهور، لن تظل حبيسة الفندق رفيقة لمرضه فقط.
“لا متقلقيش عليا. أنا هاخد الدوا اللي كاتبه الدكتور ده. وأنام ولو عزتي حاجة هبقى أتصل عليكي. انتي بس خلي التليفون على طول في إيدك.”
ابتسمت “ورد” ساخرة من نفسها، فهي دوماً ما تنسى هذا الهاتف ولا تهتم به على الإطلاق.
“طيب. هحاول حاضر.”
اطمأنت على والدها أولاً، ثم خرجت بهدوء شديد لتجلس بهذا المقهى الكبير بأسفل الفندق.
نظرت باتجاه البحر تتمتع بنسمة الهواء الصافية بهدوء وراحة.
شعرت بالسكينة والانتعاش الذي تبحث عنهما بالفعل، وابتسمت في نفسها، فأخيراً بدأت الدنيا تضحك لها والسعادة بدأت تشرق وتدق بابها.
***
بعد عدة أيام.
الإسكندرية.
مرافقتها لوالدها بتلك الأيام هو ما تود فعله فقط.
هي تخشى عليه من مرضه ومعاناته التي أصبحت تتكرر كثيراً.
لكن “عبد المقصود” كان دوماً ما يصر عليها ألا تسجن نفسها معه ويطالبها بالخروج والتنفيس عن نفسها.
كانت بالفعل تنصاع له، لكن بعد أن يخلد للنوم بعد تناول علاجه الذي يسبب له الوهن والنعاس أكثر.
فتستغل “ورد” تلك الفرصة لقضاء وقتها بالأسفل بالمقهى الكبير تنظر للبحر عشقها المتيم.
جلست “ورد” ككل يوم تنظر إلى أمواج البحر المتلاطمة تصفى ذهنها تماماً بهدوء وهي تتابع الأجواء من حولها.
اقتربت منها إحدى السائحات لتتحدث معها وكأنها تسأل عن شئ ما.
“صباح الخير. هل يمكنك أن تدليني كيف يمكنني الذهاب إلى قلعة قايتباي.”
تحفزت إحدى الفتيات بالطاولة المجاورة بالاستدارة نحوهم وهي تشير بإصبعها تحاول وصف المكان الذي تريد تلك السائحة الذهاب إليه.
لكن “ورد” كانت أسرع بالإجابة عن سؤالها لتردف بفرنسية طليقة.
“يجب عليك أن تسيري بمحاذاة الشاطئ إلى أن تصلي إلى هناك، لكنك يجب أن تستقلي إحدى هذه السيارات لأن المسافة بعيدة سيرًا.”
سعدت السائحة للغاية، فقد كانت مرشدة لها بدلاً من أن تضل طريقها ببلد غريب عنها.
لتشكرها بابتسامة.
“شكراً جزيلاً لكِ.”
“لا عليكِ.”
بإعجاب شديد لما أبدته “ورد” من حديث بلغة فرنسية صحيحة للغاية لم تكن لتتوقعها خارج فرنسا كما اعتادت، خاصة هنا بمصر.
تقدمت نحو “ورد” وقد ارتسمت ابتسامة إعجاب واضحة وهي تلقي تحية الصباح على تلك الفتاة الجميلة.
“صباح الخير.”
“صباح الخير.”
مدت الفتاة بيدها معرفة نفسها أولاً لـ”ورد” قائلة.
“أنا لامار. ممكن أقعد معاكي شوية.”
وهذا ما يميز تلك الفتاة السمراء ذات الجاذبية والرقي أنها تتمتع بروح اجتماعية مبادرة وجرأة في إنشاء العلاقات بينها وبين الآخرين.
اندهشت “ورد” من تقدمها والتعرف عليها دون معرفة مسبقة بينهم.
لكنها تجاوبت معها لما أظهرته من بسمة ودودة طلت بمحياها المريح للنفس.
“أنا ورد. اتفضلي اقعدي.”
بدأت “لامار” حديثها بما استرعى انتباهها من “ورد” قائلة بتساؤل محبب.
“الصراحة مقدرتش أمنع نفسي أني أسألك. انتي إزاي بتتكلمي فرنساوي بالشكل المتقن ده.”
“بسيطة. لأن أنا أصلاً تعليمي كله كان في مدارس فرنسوي عشان كده بحب اللغة دي جداً وبتكلمها كويس.”
“ااااه. جميل قوي. أصل أنا عايشة في فرنسا مع بابا وماما. وبشتغل هناك كمان ولفت نظري قوي وانتي بتتكلمي بطلاقة كده.”
خيال “ورد” المحدود هيأ إليها أنه مثلها والعديد من الفتيات يبقون هنا ولا يسافرون ويغامرون ببلدان جديدة.
بل وينتهي طموحهم بزوج وبيت وأولاد ترعاهم.
لكن مقابلتها لفتاة تعيش وتعمل ببلد كفرنسا هو ضرب من الخيال والجنون ربما.
لكنها ما كانت دوماً تحلم بزيارة تلك البلد التي قرأت عنها بالعديد من الكتب والمجلات.
لتهتف بإنبهار ظهر جلياً على ملامحها الشفافة التي لا تخبئ ما تشعر به مطلقاً.
“بجد عايشة هناك؟!!!!!! كان نفسي أروحها بس مقدرش أسافر لوحدي.”
لم تستطع “لامار” تلك الفتاة المنفتحة والتي تعمل وتسافر أكثر مما تجلس بيتها مع أسرتها أن تدرك لم لا تقدر تلك الفتاة أن تسافر بمفردها.
لتتساءل بإندهاش وعدم فهم السبب وراء ذلك.
“ليه متقدريش تسافري لوحدك. مش فاهمه.”
“دايماً بخاف من أي حاجة جديدة.”
“انتي دارسة إيه.”
“إدارة أعمال.”
عادت “لامار” بجزعها للخلف وقد اتسعت عيناها اندهاشاً مرة أخرى لإهدار تلك الفتاة كل تلك الإمكانيات التي تمتلكها ببقائها هنا.
“كمان!!!! لااااا. انتي لازم تسافري معايا بقى. أنا عندي شركة هناك ومحتاجة حد معايا يكون فاهم إدارة أعمال.”
ضحكت “ورد” بخفة وهي ترى مجاملة “لامار” اللطيفة لها من زاوية أخرى.
فمحادثة “لامار” اللطيفة والمتحمسة معها لم تتكرر بحياتها كثيراً.
فهي دوماً بعيدة منبوذة ممن حولها، لا يتقرب منها أحد أو يبادر بحديث لطيف كهذا معها.
“شكراً ليكي على المجاملة دي. بس أنا طبعاً ورايا هنا حاجات كتير قوي أهم من الشغل. أنا مش بحب الشغل قوي.”
تهدلت ملامح “لامار” بصدمة من أن فتاة بعمرها والتي يجب أن تتحلى بالحماس للعمل وتحقيق الذات تكون تلك أفكارها ببساطة.
“معقول ده.”
“أه والله. أمال انتي هنا أجازة بقى ولا إيه.”
“أه. نزلنا كلنا نطمن على جدي وجدتي يعني أسبوعين كده ونسافر تاني.”
“إن شاء الله.”
طريقة “ورد” الهادئة الغير معتادة بالنسبة لـ”لامار” كذلك تفردها عن فتيات كثير تعاملت معهم جذب انتباهها للغاية لمعرفة شخصية تتمتع بأفكار بسيطة للغاية ومختلفة تماماً عن آرائها.
لتستكمل حديثها الشيق معها وتكتشف خبايا تلك الشخصية الناعمة الرقيقة للغاية التي تحملها “ورد”.
وبحكم طبع “لامار” الاجتماعي المميز تعرفت كثيراً إلى “ورد” وكانت جلستهم ودودة بالفعل واتفقتا أن تقضيا معظم الوقت معاً خلال وجودهم بالإسكندرية.
فقد جذبت “ورد” بطبعها الرقيق الهادئ إعجاب “لامار” لتطمئن إليها وتقترب منها أكثر وأكثر.
بينما أعجبت “ورد” بقوة شخصية “لامار” واستقلالها بذاتها الذي طالما حلمت أن تكون بمثل هذه القوة لكنها لم تستطع.
***
مرت الأيام سريعاً.
توطدت علاقة “ورد” و “لامار” بصورة قوية خلال الأسابيع الماضية للقائهم الدائم الذي قرب بينهما بصورة قوية.
التمست به كل منهما بالأخرى صديقة وأخت، فالاثنتان وحيدتان ووجدت كل منهما بالأخرى حقيقة محبة غير مزيفة إطلاقاً.
تقربت “لامار” بطبعها المقدام بصورة أكبر على “ورد” ووالدها أيضاً بعد إصرارها على زيارته عدة مرات بغرفته للاطمئنان عليه.
كما شعرت “ورد” أخيراً بإحساس مختلف لوجود صديقة من عمرها بحياتها تستطيع تفهمها والحديث معها بأريحية وود.
حتى عندما قصت “ورد” لصديقتها “لامار” عما حدث لها وزواجها من “حسام” ومأساتها معه وكذلك إقدامها على زواج آخر بعد أسبوع.
كانت تشعر بإحساس مختلف عن حديثها مع “سماح”.
فكانت تخرج ما بصدرها لصديقتها بتعبير مختلف، فمهما كانت “سماح” تتعامل معها بجانب مهني إلى حد كبير خشية من أن تؤثر بضغط سلبي عليها.
لكن استماع “لامار” لها كان ودوداً للغاية مريحاً للنفس بدون تكليف.
بل كانت تستمتع بتعبيراتها المندهشة والمصدومة والحزينة وأيضاً بلعنها لـ”حسام” وأمه بطريقة ساخرة للغاية.
تحضرت “لامار” لسفرها القريب، لكن كان عليها لقاء صديقتها أولاً لقضاء بعض الوقت معها قبل سفرها.
حين أردفت “لامار” بحماس مفرط.
“أنا كان نفسي قوي قوي أحضر الفرح وأشوفك وانتي مبسوطة بعد كل اللي حكيتيه لي عنه ده.”
“ما انتي مش راضية تطولي أجازتك شوية ومصممة تسافري بكرة.”
“ظروف شغل بابا. والشركة بتاعتي مقدرش أغيب أكتر من كده. بس طبعاً هنتواصل مع بعض بالتليفون والنت.”
تطلعت بها “ورد” بأعين حزينة، فهي بالفعل ستفتقدها للغاية.
“طبعاً يا لامار. أنا بجد مش هقدر أخسر صديقة زيك بعد ما لقيتك. أنا طول عمري لوحدي.”
“لأ خلاص انتي دلوقتي مش لوحدك وأنا معاكي في كل حاجة. ولو احتاجتيني في أي وقت حجيلك لحد عندك متقلقيش.”
“بجد.”
زمت “لامار” شفاهها معاتبة “ورد” التي مازالت لم تعرفها حق المعرفة لتؤكد عليها ذلك حقاً، فهي تعنيه بكل ما يحمل من معنى.
“طبعاً بجد. انتي لسه هتعرفيني كويس وتعرفي إن أنا قد كلمتي.”
“أنا واثقة في كده طبعاً.”
عقدت “لامار” ذراعيها أمام صدرها وهي تردف بمشاكسة لصديقتها الخجولة بنبرة مرحة ذات مغزى.
“وبعدين ده هو باقي أسبوع على فرحك يا جميل وتبقى مش فاضية لحد خااااالص.”
تورّدت وجنتا “ورد” بقوة لشدة خجلها لتردف بتهرب كما لو أنها لم تفهم قصدها الشقي.
“ااا. لأ طبعاً. أنا ما صدقت لقيت صديقة تفهمني زيك.”
“لولا موضوع جوازك ده مكنتش سبتك أبداً تقعدي هنا وأصرت تيجي ونشتغل سوا.”
“قلتلك موضوع الشغل ده مش في بالي خالص. أنا بحب البيت وقعدته.”
بإستياء واضح من سلبية وبساطة شخصية “ورد” المستكينة للظروف من حولها أردفت “لامار” بإمتعاض.
“أهو ده اللي مش عاجبني فيكي. استسلامك كده وإنك تعيشي وخلاص. فين انتي وفين ذاتك.”
بتبرير شديد لمعتقداتها وأفكارها البسيطة.
“مش معنى إني أقعد في البيت يبقى أكنى ماليش ذات ولا تفكير. بس بحب يبقى مجهودي ده للي بحبهم حواليا. وهو ده اللي بحقق فيه ذاتي بجد.”
“ربنا يوفقك يا حبيبتي. وبرضه لو حبيتي تشتغلي شركتي موجودة. فكري بس.”
“ماشي يا ستي.”
***
شركة الأقصى.
بلقاءاتهم القليلة لم يكن يظن أنه قد تعلق بها بهذا القدر.
بل ظن أن لطلب والدها عامل كبير بتفكيره به وتجهيزه للزفاف بعد أيام قليلة.
لكنه بالفعل اشتاق إليها.
تلهف قلبه لرؤيتها وهي تتسلل لداخل أعماقه دون حول منه ولا قوة.
ملكته بنعومتها التي سيطرت على قلبه ومشاعره لم يتأكد منها إلا بعد غيابها.
تمنى أن تنقضي الأيام سريعاً حتى يجتمعا معاً.
لكن مازال بقلبه بعض التخوف الذي جعل ذهنه شارداً طوال الوقت بلا تركيز.
اقترب “شريف” من “يوسف” بود شديد يطمئن على تجهيزه لزفافه القريب.
“ها إيه الأخبار جهزت الدنيا.”
أجابه “يوسف” بإقتضاب ومازال ذهنه شارداً للغاية.
“أه تمام. خلصنا توضيب الأوضة وبكرة هنزل أشتري أوضة نوم جديدة.”
بتوجس شديد أردف “شريف” متخوفاً من هذا الاقتضاب الظاهر على محيا “يوسف” ليتساءل بتخوف.
“انت ليه مش شايفك فرحان كده.”
حمل كبير يجثو على صدره يود بالفعل مشاركته معه.
ليردف مخرجاً ما بداخله حقيقة.
“حاسس زي ما أكون قلقان.”
“انت حاسس إنك اتسرعت.”
قالها “شريف” ظناً منه أنه مازال يفكر بوضع “ورد” مرة أخرى وبدأ يرفض تقبل أنها كانت متزوجة من قبل.
حين أجابه “يوسف” برفض تام.
“لا بالعكس. أنا بدأت أرتاح للـ فكرة. هي مسألة الجواز جت فجأة صحيح. بس نفسي بدأت تهدأ من ناحيتها. وكمان فكرت في كلامك كويس وإن “ورد” لازم تنسى تجربتها اللي فاتت وأنا كمان. لازم أنسى ده.”
“بس مش عارف ليه حاسس إنك مخبي عليا حاجة.”
أعاد “يوسف” جزعه للخلف وهو يزفر بقوة يريد الخلاص مما يثقل قلبه.
يريد من يتحدث معه ويخبره ما بداخله.
يريد من يرشده للصواب ويريح قلبه.
لهذا استرسل “يوسف” بالحديث فربما يشعر بالراحة.
“عارف يا شريف أنا مكنتش عايز أتكلم في الموضوع ده. بس أنت زي أخويا بالظبط وبقالنا مع بعض سنين أهو.”
شعر “شريف” أن “يوسف” يخفي أمراً بالفعل ليتساءل بإستراب.
“إيه المقدمة الطويلة دي. فيه إيه قلقتني.”
“الصراحة. أبو “ورد” لما عرف إنه تعبان وممكن يموت هو اللي طلب مني أتجوز “ورد”. واعتبرها أمانة في رقبتي وأنا طبعاً وافقت. الراجل ده أفضاله عليا كتير وجـميله في رقبتي. مقدرش أرفض له طلب.”
وقف “شريف” منتفضاً بحدة ينبه صديقه عما يقدم إليه دون أن يشعر.
ليهتف بإنفعال.
“طلب؟!!!! ده مش طلب. !!! ده عمر وعشرة وجواز. !!!”
“هو لما طلب مني أنا وافقت. بس لما راجعت نفسي ارتحت للـ فكرة. وقلت يمكن أنا عمري ما كنت أفكر بالارتباط بيها لأسباب كتير قوي وقلت لك عليها قبل كده. لكن كده ربنا قربها مني وحطني في سكتها.”
تذكر “شريف” حديث “يوسف” بالفرق الاجتماعي الكبير بينهم.
فكيف لمن بمستواه التفكير بالزواج بفتاة غنية كـ “ورد”.
ليتساءل محاولاً التأكد من فهمه الصحيح.
“انت بتتكلم إنها أغنى منك وكده. صح.”
“طبعاً. هي فين وأنا فين.”
“أنا الصراحة شايف إن ده مش سبب نهائي كان يمنع ارتباطك بيها.”
“على الأقل عمري ما كنت أتجرأ وأطلب ايدها وأكيد وقتها كانوا هيرفضوني. إيه اللي يخلي والدها يرضى بواحد على قده حيسكنها مع أمه وأخته في نفس البيت. وهي كمان. كان إيه اللي هيخليها ترضى بيا. عشان كده بقولك إن اللي حصل ده كله بس. عشان أنا وهي نعرف بعض ونتجوز.”
فكر “شريف” لبعض الوقت متيقناً من ذلك، فلكل شيء سبب.
فلولا مرض والدها ما كان ليعرض على “يوسف” الزواج منها وما كان لـ”يوسف” أن يطلبها أيضاً خشية رفضهم له.
ليهتف بتصديق لإرادة الله بأمورنا.
“تصدق صح!!! طب بيني وبينك بقى. الموضوع ده بقى. وطلب والدها بس هو اللي مخليك تكمل. ولا فيه حاجة تانية.”
دقات قلبه كانت تعلنها قبل لسانه ليردف براحة.
“الصراحة لأ. أنا ببقى مرتاح قوي وأنا جنبها. بحس إني مبسوط ومش عايز أسيبها.”
“يعني حبيتها.”
هي تلك الكلمة التي لن يهرب منها.
تلك الكلمة التي أسعدته بإدراكها.
إنه يحبها.
نعم. يحبها حقاً غير عابئ بطلب والدها أو بظروف مرت بها.
لقد امتلكت قلبه وسلبت فؤاده.
أجابه “يوسف” صراحة ببهجة محببة.
“أه. حبيتها. أنا محستش كده إلا لما سافرت مع والدها. حاسس إني عايز أشوفها وأكون قريب منها. حابب أكون معاها.”
“طب وهى.”
“مش عارف.”
بس ابتسامتها وإحنا مع بعض محسساني إنها هي كمان مبسوطة لوجودي.
“وهي عارفه إن والدها طلب منك كده.”
“لأ طبعاً.”
قفز “شريف” بإنفعال انتفض له “يوسف” لرد فعله المفاجئ وهو يهتف.
“بس يا باشا. باينة أهي. أمال يعني هتكون وافقت عليك ليه.”
“تفتكر.”
“طبعاً لازم بتحبك. ربنا يتمم لك على خير يا عريس.”
اتسعت ابتسامة “يوسف” حين تخيل موافقة “ورد” وهي تشعر مثله بحب يولد بقلبيهما وليس فرضاً عليها.
***
يوم الزفاف.
بعد أيام طوال يأتي اليوم الموعود بانتظار متلهف وقلوب متنفضة.
تجهز “عبد المقصود” وابنته للسفر اليوم عائدين إلى القاهرة لإتمام زواج “ورد” و”يوسف”.
نظر “عبد المقصود” لحقائبهم المغلقة وهو يسأل “ورد” قبل مغادرتهم.
“إيه يا ورد جاهزة خلاص.”
“أيوة يا بابا. بس اوعدني. من بكرة بقى تروح المستشفى وتبتدي العلاج.”
“اطمن عليكي النهاردة ونكتب الكتاب. وبكره إن شاء الله أنا هروح بنفسي للمستشفى لأن أنا فعلاً تعبت.”
“ربنا ما يحرمنيش منك أبدا يا بابا.”
بالرغم من إعياءه إلا أنه قد رتب كل شيء على ما يجب.
ليخبر “عبد المقصود” ابنته بما سيفعلونه الآن ليوضح لها ذلك.
“إحنا هنروح على البيت تجهزي من هناك ونروح الفندق تمام.”
دق بقلبها توتر خفي ورهبة من تكرار نفس اليوم.
يوم الزفاف.
شعرت بخوف حاولت ألا تنساق خلفه.
لتخفي هواجسها خلف ابتسامة كاذبة وهي تومئ بالإيجاب.
“إن شاء الله يا بابا.”
استقلا مرة أخرى إحدى سيارة الأجرة ليعودا بها إلى القاهرة استعداداً لحفل الزفاف اليوم.
***
شقة حسام.
انتبه “حسام” لتلك المكالمة المنتظرة حين دق هاتف والدته برقم المربية “نجاح” التي تخبر والدته بكل أخبار “عبد المقصود” وابنته.
“أيوه يا نجاح إيه الأخبار.”
“محمد كويس خالص متقلقيش عليه يا ست أم حسام. والله أنا بحب محمد كأنه ابني اللي مجبتوش وأكتر والله.”
زفرت “ناهد” بتملل وهي تنهر “نجاح” عن تلك الوصلة المسترسلة باهتمامها بهذا الطفل.
لتزمجر بقوة.
“إخلصي يا نجاح. ها. “عبد المقصود” رجع هو و”ورد” ولا لسه.”
“جايين في الطريق عشان فرحها النهارده. هو لسه مبلغنا عشان نجهز البيت.”
“ماشي يا نجاح حبقى أكلمك تاني. سلام.”
أغلقت الهاتف بغيظ وهي تقضم شفاهها بقوة.
“ده مستناش يوم واحد. دي العدة لسه خالصة إمبارح. يقوم يجوزها النهارده.”
“دوخنا وراه ومعرفناش نوصل له. اتفضلي حليهالي دلوقتي هنعمل إيه بقى.”
“الجوازة دي لا يمكن تتم. لا يمكن.”
“أيوة هنعمل إيه يعني.”
بعد تفكير لمعت في رأسها فكرة جديدة لتخرب هذه الليلة المشؤمة المسماة بليلة الزفاف.
لتجيبه بخبث.
“أنا هقولك تعمل إيه.”
رواية اشواك الورد الفصل العشرون 20 - بقلم قوت القلوب
شقه يوسف ...
لم تصدق أم يوسف عيناها وهى ترى ولدها الوحيد يستعد اليوم لزفافه.
أشارت أم يوسف تجاه غرفته الجديده بعدما أتمت الاعتناء بها على أكمل وجه هي وابنتها دعاء.
أم يوسف: كل حاجه جاهزة تمام عشان عروستك يا حبيبى. ألف ألف مبروك.
لاحت عبره بعينيها فرحاً بهذا اليوم الذى انتظرته منذ سنوات بعيدة، حلم يتحقق بزواج ابنها لتتساقط دموعها الفرحه فوق وجنتيها الممتلئتين وهى تحاول مسحها بأصبعها.
علت ملامح يوسف ابتسامه تعجب من بكاء والدته بهذا اليوم قائلاً:
يوسف: هو أنتى حتعيطى برضه؟ مش ده إللى إنتى كنتى عاوزاه؟
أم يوسف: ده من فرحتى النهارده. أخيراً يا حبيبى شوفتك عريس وفرحت بيك. عقبال دعاء هي كمان.
أتت دعاء بتلك اللحظه تقفز فرحاً وهى تحيط والدتها الحنونه بذراعيها مردفه:
دعاء: آمين يا رب.
ضحك يوسف ليظهر بياض أسنانه ويتحلى بوسامه تفوق الحد قبل أن يدفع مقدمه رأس دعاء بخفه مازحاً:
يوسف: إنتى فى إيه ولا فى إيه! خليكى فى دراستك الأول.
ضمت دعاء أصابعها وهى تشير بهم بوجه يوسف قائلاً بمزاح شقى:
دعاء: يا عم أضمن أى حاجه. ما أنا لو قمر زي ورد مكنش يهمني. لكن أختك غلبانه والله.
يوسف: بطلي غلبه وادخلي بقى حضري نفسك وساعدي ماما عشان تجهزوا وأوصلكم الفندق.
دعاء: حاضر.
تذكرت أم يوسف حجز غرفه الفندق التى سيبقى بها مع عروسه الليله لتنبه يوسف لذلك خشيه نسيان هذا الأمر فى خضم كل تلك الترتيبات.
أم يوسف: أكدت يا أبنى على حجز الأوضه فى الفندق؟
يوسف: كله تمام إن شاء الله. حجزت ثلاث أيام فى الفندق وبعدها نيجي هنا إن شاء الله.
أم يوسف: ربنا يفرحك يا حبيبى يا رب.
____________________________________
القاهرة
بعد سفر دام لعدة ساعات وصلا ورد وعبد المقصود إلى القاهرة متجهين صوب مسجد كبير مباشرة دون المرور بمنزلهم أولاً.
بالملحق الإضافي لهذا المسجد جلس يوسف وشريف ورجل آخر يبدو أنه زميلهم بالعمل في انتظار مجيء العروس كما أخبرهم يوسف لعقد قرانهما.
وهذا ما رتب له عبد المقصود بدون أي تباطؤ. أن تكون عودتهم لعقد قرآن ورد مباشرة وفي الليل يقام حفل الزفاف.
ترجل عبد المقصود من سيارته المستأجرة بإعياء واضح وشحوب مسد على وجهه المجعد ليتقدم نحوه يوسف بخطوات متعجلة يتحمد على سلامته.
يوسف: حمد الله على السلامه.
أبو ورد: الله يسلمك يا إبني.
تلاقت نظراته مع زرقاوتيها الخجلتين وهو يخصها بإبتسامته الرقيقه.
يوسف: حمد الله على السلامه.
توردت وجنتيها بقوة وهى تجيبه بصوتها الهامس.
ورد: الله يسلمك.
تراقص قلبه فرحاً بعودتها ورؤيتها قريبه إلى هذا الحد. تمعنه بها اليوم مختلف تماماً فكلها دقائق وتصبح زوجته. حلاله دون غيره.
سعادة تملكت قلبه لمجرد الفكرة فقط. لم يختلف حاله عن حالها وهى تشعر بنبضات قلبها المنتفضه برؤيته وكأنما عشقهما ولد بلحظه وتمكن من قلبيهما دون إنذار مسبق.
لكنها لا تنكر تلك الرهبه والخوف الذى إعتراها اليوم لكن مازال لديها أمل بأن مستقبلهما سيكون أفضل.
حضر المأذون لعقد القران بحضور العروسين ووالد العروس والشهود كما خطط عبد المقصود تماماً ليمنع حضور أي من منغصين الأفراح لإفساد زيجة ابنته التى يعتبرها مصدر أمانها القادم.
إحتضن شريف صديقه يقدم له التبريكات بتلك المناسبه السعيده.
شريف: ألف ألف مبروك يا عريس. ألف مبروك يا عروسه.
يوسف: الله يبارك فيك.
بتلك اللحظه المنتظرة تعلقت عينا يوسف بها برؤيه مختلفة فقد أصبحت له الآن. همس بإتجاهها بصوت عذب أطاح ببقايا صلابتها وزاد خجلها قائلاً.
يوسف: الف مبروك يا عروستي.
إبتسمت ورد بسعاده زادت من إشراق وجهها ولمعت عيناها كالفيروزتان المضيئتان بحب.
والد ورد: ألف مبروك يا حبايبى ربنا يهنيكم ويفرحكم.
بصوت خفيض للغايه دنا عبد المقصود من أذن يوسف متحدثاً بإمتنان شديد.
أبو ورد: إنت مش عارف أنا اطمنت دلوقتى قد إيه. ربنا يبارك فيك يا إبنى. أهو كده لو ربنا أخذ روحي. حموت وأنا مطمن إنها معاك.
رفع يوسف بصره تجاه عبد المقصود متفوهاً بما يعتمل بقلبه حقيقه وليس إدعاء أو مجامله.
يوسف: ورد فى قلبي قبل عنيا يا عمي ربنا يديك الصحه ويقومك لينا بالسلامه. وأتأكد إن أنا عمري ما حزعلها أو أتخلى عنها أبداً.
أبو ورد: أصيل وإبن أصول. أنا اخترت راجل بجد.
إتجه عبد المقصود بعد ذلك مباشرة إلى البيت مصطحباً ورد إلى هناك للاستعداد لحفل الزفاف بالمساء. كما عاد يوسف أيضاً برفقه أصدقائه لبيته في انتظار مرور الساعات لبدء مراسم الحفل.
____________________________________
في المساء
بيت عبد المقصود العالي
جلست لفترة طويلة تحت يد خبيرة التجميل التى أرسل والدها بطلبها لوضع لمسات الجمال التى لا تحتاجها على الإطلاق لتظهر حُسن يفوق حُسنها وتذهب بعقول المحيطين بها.
صففت لها مصففه الشعر خصلاتها الذهبيه لتنسدل على كتفيها كعناقيد من عسل أشرق وجهها بصورة تقطع الأنفاس.
وحان وقت ارتداء فستان الزفاف.
إنتظرت خبيرة التجميل وتلك المساعده الخاصه بتصفيف شعرها ومعهم الطبيبه سماح التى دعتها ورد لحضور حفل زفافها اليوم خروج ورد إليهم بعد ارتدائها فستان زفافها الأبيض البراق.
خرجت ورد إليهم وهى تنتظر بشغف رؤيه نفسها بالمرآة بعد كل ما قامت به خبيرة التجميل بوجهها وتصفيف شعرها بتلك الطريقة لكن حين نظرت بإنعكاس صورتها بالمرآة تملكها خوف شديد حينما رأت نفسها للمرة الثانيه بتلك الهيئة وفستان الزفاف.
تجهمت للغايه وتحجر ريقها واتسعت عيناها بقوة ليعلو صدرها وينخفض بصورة غير معتاده. فقد دب الذعر بجسدها جعلها ترتجف بشده.
دنت منها سماح بإبتسامتها المطمئنه لتنظر لـ ورد عبر المرآة من خلفها تحدثها بنبرتها الهادئه.
سماح: كنت عارفه إنك حتخافى. بس ده أمر طبيعي. لسه عقلك بيقارن. بس عشان ترتاحى حاولى تفصلى اليومين دول عن بعض. يوسف مش حسام يا ورد.
خشيت ورد أن تترك العنان لنفسها وتنجرف ببكاء يفسد عمل هؤلاء الخبيرات اللاتى تعبن معها للغايه لساعات مضت لتحاول ضم شفاهها بقوة والسيطرة على ألا تنساق بهذا المنحدر قائله.
ورد: بحاول. بس قلبي مقبوض أوى.
سماح: أنتى حاولى تهدى وبطلي خوف. وبقولهالك تانى. يوسف مش زي حسام.
نظرت ورد إلى سماح نظره تمنى ودعاء بداخلها بأن يكون بالفعل يوسف مختلف عن حسام وألا يعيد إليها هذه الذكرى السيئه ويمحوها تماما بذكرى جديده أجمل.
خرج الجميع من غرفتها بعد أن طلبت أن تبقى بمفردها لبعض الوقت وجدت نفسها فيها بحاجه للحديث مع صديقتها الجديدة لامار لتمسك بهاتفها وتدق برقمها الذى سجلته من قبل. هي تريد بالفعل من يمدها بتلك القوة و لامار حقاً فتاه قوية تستطيع بث تلك القوة بها.
بعد حديث دام لبضع دقائق حاولت بها لامار تهدئه نفس ورد المضطربه لتنصحها بقوة قائله.
لامار: إللى أنا حسيته يا ورد إنك فعلاً حبيتى الشخص ده. عشان كدة لازم متضيعيش فرصتك دى. إللى يلاقى حد يحبه بجد لازم يمسك فيه بإيديه وسنانه وميسيبهوش أبداً يضيع من إيده.
ورد: بس مش عارفه يا لامار أنا خايفه أوى.
لامار: بعد إللى أنتى حكيتيه ده أظن خوفك ده شئ طبيعي بس المهم تطلعي ورد القوية من جواكى. وأنا معاكى فى أي وقت تحتاجينى فيه كلمينى على طول.
ورد: أكيد يا لامار أنا ما صدقت لقيت صاحبه زيك.
____________________________________
يوسف
تألق بحلة سوداء لامعه وقميص ناصع البياض واضعاً ربطه عنق بمزيج من اللونين الأسود والفضى أظهرت وسامته الشرقيه البارزة وعيناه اللامعتان فكان مبهراً للغايه.
حث والدته وأخته على الانتهاء من تحضير نفسيهما لإيصالهما إلى الفندق أولاً قبل أن يذهب ليقل ورد من بيت أبيها.
ساعد يوسف والدته لركوب السيارة ثم انطلقت بهم السيارة المزينة نحو الفندق الذى سيقام به حفل الزفاف.
أمام الفندق. توقفت السيارة ليترجل منها يوسف أولاً ثم ساعد والدته على الخروج بخطواتها البطيئه وهى تستند على عكازها من جانب و دعاء من الجانب الآخر.
تقدمت أم يوسف و دعاء إلى الداخل لاستقبال المدعوين لهذا الحفل البسيط.
إستدار يوسف للعودة إلى السيارة مرة أخرى ليقل ورد حين استوقفه شاب ما بصورة عرضيه تفاجئ لها يوسف.
يوسف: إيه ده!
وقف حسام حائلاً بين يوسف وبين السيارة وهو يتسائل.
حسام: أستاذ يوسف؟
ضيق يوسف حاجبيه لاعتراض هذا الشاب طريقه ليجيب بإستفهام.
يوسف: أيوة أنا. مين حضرتك؟
بصورة تمثيليه للغايه ويبدو أنه ملقن تماماً ماذا سيقول وماذا سيفعل ردد بثقه وهو يشير بإتجاه منطقه هادئه بعيداً عن هؤلاء المارين جوارهم من هنا وهناك.
حسام: حقولك أنا مين. بس ممكن لو سمحت دقيقه على إنفراد.
رفع يوسف كتفيه وأهدلهما بعدم فهم وهو يسمح لـ حسام بما يطلبه.
يوسف: إتفضل.
ابتعد يوسف عن السياره قليلاً ببقعه هادئه نوعاً مستمعاً لهذا الشاب الذى أصر على محادثته بتلك الصورة المريبة قطعها حسام بحديثه على الفور.
حسام: إنت متعرفنيش. بس أنا أحب أعرفك بنفسى فى الأول. أنا حسام. إللى كنت متجوز ورد.
تلاشت تلك الابتسامه الخفيفه من وجه يوسف لتتحفز ملامحه بغضب مستتر لرؤيته أمامه خاصة بتلك الليله. تهدج صدره إنفعالاً ليهتف بغيره واضحه وغضب إعتلى نبرة صوته التى تغيرت فور معرفته بشخصيه محدثه.
يوسف: وأنت عايز منى إيه دلوقتى؟
بضحكه جانبيه مستفزة للغايه أردف حسام ساخراً يثير غضب يوسف أكثر.
حسام: مالك كده؟ اهدى يا سيدى شويه! ده أنا جاى لمصلحتك على فكره.
وجوده أطبق على أنفاسه وشعر بالغيظ من هذا المستفز ليهتف به يوسف بإنزعاج.
يوسف: مصلحتى أنا؟
رفع حسام حاجبيه وهو يغمض عيناه للحظه بهدوء مستفز ومازالت تلك الابتسامه السخيفه تعلو ثغره الساخر.
حسام: طبعاً. قلت آجى أنورك بدل ما ينضحك عليك زي ما انضحك عليا.
لم يستطع يوسف تحمله أكثر من ذلك ليصبح به بقله صبر.
يوسف: مش فاهم! قصدك إيه؟ إدخل فى الموضوع على طول لو سمحت.
حسام: حاضر. بقى أنا اتجوزت ورد وطلقتها فى نفس اليوم مسألتش نفسك ليه؟
رمقه يوسف بنظرة لا مباليه وهو يردف بتملل.
يوسف: مش عايز أعرف.
حسام: أصبر بس. عشان متنضربش إنت كمان على قفاك زيي.
كظم يوسف غيظه وهو يتحدث من بين أسنانه.
يوسف: إحترم نفسك!
تحول حسام بلحظه للإستكانه وإظهار صورة الرجل المخدوع المصدوم بزوجته بليله زفافه.
حسام: مقصدش أهينك. أنا زى ما قلتلك جاى أنورك وأنت حر. الهانم المحترمه. اكتشفت إنها كانت على علاقه مع واحد وإنها مش بنت ولما اكتشفت كده طلقتها فوراً. ولما عرفت إنك ناوي تتجوزها قلت أنصحك بدل ما يضحكوا عليك زيي وتدارى عليها على الفاضي. دي إنسانه مش محترمه ومتنفعش تكون زوجه ولا تأتمنها تشيل اسمك.
إحتدت نظرات يوسف وتوهجت عيناه ببريق غاضب. تضاربت ضربات قلبه بقوة وأخذ تنفسه يضطرب بإنفعال شديد جعله يدفع بـ حسام بقوة يزيحه عن وجهه ليتجه بخطوات متعجلة تجاه السيارة قبل أن يدخل جالساً بها صافقاً الباب بقوة من خلفه ليتحرك السائق بإتجاه بيت ورد.
زاغت عيناه بكل الاتجاهات غير مصدقاً لما سمعه للتو ليصرخ بصراخ مكتوم.
يوسف: لييييه. ليييييه.
تدارك غضبه وإلتمعت عيناه بشبح دمعه خفيه أغلق عيناه بقوة لمنعها من الظهور. فكيف سيتصرف الأن. هو بالفعل تقبل واقع زواجها من قبل. لكن ما لا يتقبله هو ان يكون مغفلاً ويصبح ساترا لأخطائها بالماضي. وماذا عن والدها. ووعده له بحمايتها. أسيحنث وعده الذى وعده إياه. أم يضحي برجولته وحميته ويبقى معها.
وقع في حيرة وتخبط هل يكمل أم يتراجع. هي الآن زوجته. لا محاله من تغيير ذلك. أسيتركها هو الآخر بليله الزفاف؟ وماذا سيحدث لها ولوالدها بعد ذلك. هل سيتحمل هذا الرجل هذه الصدمه مره أخرى؟
توقفت السيارة أمام بيت ورد لكنه بقى بمكانه لبعض الوقت متحيراً مضطرباً مختنقاً حد الموت.
لكنه في النهايه قرر أن يكمل لأجل خاطر هذا الرجل فقط.
بآليه شديدة ترجل السيارة لينتظر ورد التى جلست بداخلها بهدوء ليجلس يوسف إلى جوارها في صمت.
____________________________________
الفندق
جلست أم يوسف وإلى جوارها دعاء على أحد المناضد الدائريه المزينه.
حين أقبلت سيدتان يستئذناها للجلوس معهم لعدم وجود مكان شاغر بالقاعه.
سمحت لهم أم يوسف بمشاركتهم لمنضدتهم بترحيب شديد حين بدأت السيدتان حوارهما الذى استحوذ على انتباهها و دعاء الكامل.
_ هم لسه العرسان مجوش؟
= باين لسه. ومستعجله على إيه دلوقتى نشوف ونتفرج. أنا عارفه يا أختى بيجيبوا العرسان بالسرعه دى منين؟
_ على رأيك دى يا دوب خلصت العدة بتاعتها تقوم تتجوز بعدها على طول كده. أرزاق.
= أه يا اختى والله أرزاق.
نظرت أم يوسف لإبنتها بنظرة تساؤل وعدم فهم قبل أن تقحم نفسها بحديثهم بفضول شديد.
أم يوسف: معلش والله يا حبيبتي. إنتى بتقولى عدة. عدة إيه؟
_ هو أنتى متعرفيش ولا إيه. ما هي ورد اتجوزت واتطلقت.
أم يوسف بدهشه: اتطلقت؟
= لا هو أنتى متعرفيش. د اتطلقت تاني يوم فرحها على طول.
أم يوسف: متعرفيش ليه؟
= علمي علمك يا حبيبتي. بس يعني حيكون اتطلقت ليه؟ ربنا يستر على ولايانا.
صدمت أم يوسف مما سمعته ونظرت في دهشه لـ دعاء التى لم تقل دهشتها عن دهشه أمها لتميل على أذن والدتها تهمس بإستراب.
دعاء بهمس: ويوسف عارف كده؟
أم يوسف: مش عارفه.
صمتا تماماً بتجهم غريب طوال الحفل حتى نهايته فاليوم زفافهم ولا رجعه فيه.
انتهى حفل الزفاف وانصرف المدعويين ليصعد بعد ذلك العروسان لغرفتهما بالفندق.
____________________________________
حسام
إنتظرت ناهد عودة ابنها بترقب شديد لتلمحه من بعيد يتقدم نحوها وهو يسير بخيلاء وعجرفة لتتشدق بعيون متوحشة تنتظر خبر قتل ضحيتها.
ثقته الشديدة وابتسامته الساخرة دلت على ذلك لكنها تريد الاطمئنان بنفسها لتهز رأسها تساؤلاً لم ينتظر حسام أن تتفوه به وهو يجيبها بغرور.
حسام: حصل.
إتسعت ابتسامتها بتشفى وهى تنتظر سقوط الشاة بعد ذبحها.
أم حسام: أهو كده. ويوريني بقى. مين حيقبل الكلام ده على مراته؟ يا إما حيطلقها. يا إما حيسود عيشتها ويسيبها. وفي الحالتين إحنا الكسبانين.
حسام بضحك: أنا بدأت أخاف منك.
أم حسام: كله إلا أنت. أنت ابني حبيبي.
بضحكاتهم وسرورهم لنجاح مخططهم عاد كل منهما لشقته. وها هو حفل الزفاف انقضى ليعود عبد المقصود أيضاً لبيته منهك القوى ينتظر حلول الصباح للذهاب للمستشفى لبدء العلاج الذى تأخر به كثيراً وسيترك رعاية الطفل محمد لـ نجاح الذى ترك لها مبلغ مالي لا بأس به فهو طفل صغير لا ذنب له بما فعله به الكبار.
____________________________________
الفندق
كل خطوة كانت تخطوها ورد تدق بقلبها بفزع، لكنها ظلت تردد بداخلها عبارة واحده فقط.
"يوسف مش حسام. يوسف مش حسام. لأ لأ. اهدى بقى واطمني."
وقف يوسف أمام باب غرفتهم ناظراً نحوها بنظرات غريبه. نظرات يملؤها الحزن والأسى.
وارى عيناه عنها وهو يفتح الباب مشيراً لها بدخول الغرفه.
يوسف: ادخلي انتي غيري هدومك وأنا جاي على طول.
تعلقت عيناها به وقد تسمرت بموضعها وهى تتذكر نفس العبارة حينما قالها لها حسام. بهت وجهها وسحب للغايه وقد هربت الدماء من عروقها وهى تطابق حديث طبق الأصل بنفس الليله. ليلة الزفاف.
تهدجت أنفاسها وهى تنحي عيناها بنظراتها المشتته نحو الأرض بسرعه تحاول استجماع نفسها حتى لا تنهار. فهي بالفعل على وشك ذلك.
دلتفت لداخل الغرفه في هدوء وأغلقت الباب من خلفها لتجلس بحافة الفراش المجهز للعروسين وقد شعرت برجفه قويه تزلزل كيانها وتثلج أطرافها. شعرت بثقل يجثم فوق صدرها بقوة وبدأت آلام معدتها بالتقلص من ارتعابها الشديد بتلك اللحظه.
لم تتخيل أنها ستصاب بهذه النوبة من الذعر مع يوسف وظنت أن ما حدث مع حسام انتهى أثره في نفسها فلقد تناست الفتره الماضيه بالفعل. ماذا حدث لها الآن. لماذا تتذكر كل التفاصيل وفي هذا الوقت خصيصا.
تعلقت عيناها بباب الغرفه لبعض الوقت بانتظار إعادة للتفاصيل نفسها لليلة زفافها الماضيه.
نظرات هلعه للغاية تداركت بها نفسها لتنكس عيناها تتابع توتر يديها اللتان تفركهما ببعضهم البعض.
بعد مرور بعض الوقت قرر يوسف أن يدلف إلى الغرفه ليبدل ملابسه ويرتاح من تعب اليوم الطويل فقد أعطاها فرصه لتكون على حريتها لبعض البعض. لكن حزنه بداخله بما قد علم به اليوم جعله يقرر عدم الاقتراب منها فهو لا يقدر على تحمل ذلك. لقد فعل ذلك إكراماً لهذا الرجل الكريم.
طرق الباب برفق ليدلف بعدها إلى داخل الغرفه ليفاجئ برؤيه ورد جالسه على أحد جانبي الفراش ومازالت ترتدي فستان الزفاف الكبير.
لحظه أن دلف للداخل انتبهت له ورد لترفع رأسها تجاهه وقد اتسعت عيناها بنظرات خائفه مذعورة للغاية. تشبثت بأصابعها بمفرش السرير بقوة كمن يعصمها عن بطشه إن اقترب.
تلك النظرات الغريبه التى لم يدرك يوسف لم تنظر إليه بهذا الذعر الشديد جعله يتعجب منها للغاية لكن إحساسه بالغضب منها مازال متمكن منه ليردف بسؤال مقتضب.
يوسف: مغيرتيش هدومك ليه؟ حتنامي كده إزاي؟
حاولت ورد التنفس لكنها لم تستطيع لدرجه أن صوت تنفسها أصبح عالياً للغاية. شحوب وجهها لدرجه كبيرة ظهرت جلياً على الرغم من مساحيق التجميل التى تضعها على وجهها جعله يتسائل بقلق.
يوسف: أنتي كويسه؟
إرتعشت يداها بصوره ملحوظه فأمسكت كفيها ببعضهما البعض محاوله استمداد القوة من نفسها لتتهدج أنفاسها بصوت قوى أثار قلق يوسف لدرجه ظنه بأنها ربما تشعر بالبروده من هذا المكيف فقرر إغلاقه حتى تدفأ قليلاً.
بحث بعيناه عن ريموت التحكم الخاصة بالمكيف فوجده موضوع على الكومود بجانب ورد.
تقدم نحوها ليأخذ هذا الريموت ويطفئ المكيف الذى يشعرها بهذه البرودة، لكن لحظه رؤيته يتقدم نحوها ويقترب منها إلى هذه الدرجه تلاشت تلك القوة الظاهرة التى تخدع بها نفسها. أصابتها نوبة ذعر شديدة ظهرت على ملامحها بلحظة اقترابه وامتلت عيناها بالدموع التى انهمرت دون توقف بمجرد إحساسها بقربه.
إتسعت عيناها المرتعبه تحملق به بقوة وهى تثبتها عليه كما لو تنتظر منه رد فعل ما.
مد يوسف يده ليمسك بالريموت حينها تراجعت إلى الخلف بإنتفاضه دفعه واحده وتكورت على نفسها مثلما فعلت في هذه الليلة المشؤمه.
أمسك يوسف بالريموت ومازالت عيناه معلقتان بـ ورد مندهشاً من انتفاضتها وخوفها منه إلى هذه الدرجه وهو يغلق زر الإغلاق.
يوسف: مالك يا ورد. أنتي خايفه أوى كده ليه؟
ظلت تحملق به بصمت تام حتى ظن يوسف أنها تخشى قربه منها رغماً عنها ليردف بلهجته الحانية تتحلى بعتاب خفيف من ظنها به سوءاً.
يوسف: مش أنا إللى تخافي مني يا ورد! ولا أنا إللى أقرب منك خصوصاً فى اللحظه دى وأنتي خايفه كده! إطمني وارتاحي. نامي انتي على السرير وأنا حنام على الكرسي ده.
تابعت مسلطه عيناها نحوه وهو يتحرك مبتعداً عنها حاملاً أحد المقاعد بعيداً بأحد الزوايا بمقابله مقعد آخر ليجلس رافعاً قدميه على المقعد المقابل وأغمض عيناه في حزن متظاهراً بالنوم. فتلك الليله تختلف عما تخيله تماماً.
بدأت تشعر بالراحة والاطمئنان في نفسها شيئاً فشيئاً حتى انتظم تنفسها تمام لتنظر نحوه محدثه نفسها.
ورد: فعلا مختلف. مختلف أوى.
كبر بعينيها كثيراً لتصرفه الشهم فبمجرد رؤيه خوفها تركها على سجيتها ولم يضغط عليها مطلقاً لتزداد إعجاباً به.
إستسلمت للنوم بعد فتره لتغفو ومازالت ترتدي فستان زفافها.
بعد عدة ساعات إعتدل يوسف من نومته غير المريحه لينظر نحو ورد بعتاب محدثاً نفسه.
يوسف: ليه يا ورد. ليه ورده زيك ترمى بنفسها فى الشوك بإيديها. ليه خليتي حاجات كتير تقف بيني وبينك. أنا إزاى حبيتك كده. مش عارف. مش عارف إزاى ملاك زيك خايفه حتى أني أقرب منك. ازاى تعملي كده. إزاى؟