الثالث والثلاثون [ الموت بداية الحياة ] قبل القراءة متنساش تتفاعل رجاء على الفصل . صلوا على نبي الرحمة ... ـــــــــــــــــــــــــــ كانت جملة صغيرة القى بها حليم وسط الحديث جعلت الجميع يصمت فجأة وكأنه القى قنبلة، والأخير لم يفهم شيء هو كان يذهب لأرض الدوم بشكل مستمر في فترة من فترات حياته مع أخيه فرج، وكان يعرف منهم الكثيرون وبالطبع لن يغفل عن اشهر نسائهم .
لكن الآن هذه المرأة أمامه ترتدي ثوب لا يشبه ثياب الغجر بشيء، بل وتغطي وجهها بالكامل، وهو لا يدرك إن كانت نفسها تلك المرأة التي صادفها مرتين ربما . لكن أحمد حفيده هو يعلمه، ويعلم عقله ورأسه وتفكيره الذي يشبه تفكير الرجال من العصر الحجري، لذا أن تكون نفسها ساڤا الراقصة كان مستبعدًا أكثر من أن يكون يحيى شابًا محترمًا . لذا ابتسم بسمة واسعة وهو يحرك يده في الهواء :
_متركزوش معلش، الزمن بدأ يأثر عليا، اكيد مش هي ساڤا نفسها، بس عامة يا ولاد انا والله كنت حاسس أنه هترجعوا مش فاضيين، قولت هترجعوا بالأرض بس واضح إن مكانش عندكم وقت تشوفوا الدنيا . ختم حديثه بمزاح وهو يضحك والجميع صامت، وقد شعرت ساڨا في هذه اللحظة أن كامل أوردتها جفت من الدماء، لا تسمع سوى طنين ولا تشعر بشيء، تنظر بأعين هلعة للجد. هربت من ماضيها، وهو مصر على اللحاق بها ...
استدارت ببطء صوب أحمد والقلق يعلو ملامحها من رؤية الخزي يعلو نظراته، لكنها لم تبصر سوى غضب . غضب ولم تفهم إن كان لها أم عليها، هل هو الآن غاضب منها ؟! نظرت له بتساءل تنتظر إشارة تبرئها من كل الغضب هذا، لكن فقط نظر لها نظرة غريبة قبل أن يبعد عيونه عنها مجددًا تاركًا إياها تجلس على نيران لا تفهم ما حدث للتو، هل ... هل ندم ؟
وعند هذه الفكرة شعرت بانفاسها تقل تدريجيًا والهاجس الذي كان يخيفها طوال الوقت أصبح كثيفًا في الهواء لدرجة أنها شعرت أن قماش النقاب سيقتلها، لذا أمسكت اقرب يد لها، تضغط عليها بقوة وقد كان نفسه أحمد . استدار لها أحمد ولم يكد يتحدث بكلمة حتى قاطعته هي بصوت خافت : _عايزة اخرج... عايزة امشي .
نظر لها أحمد بعدم فهم لا يعلم ما يحدث وقبل الاستفسار عما تقصد كان جسدها ينتفض بقوة وهي تتحرك بسرعة صوب الشرفة التي كان حليم يجلس بها والجميع لا يفهمون ما حدث للتو، لكن أحمد لم يهتم بتبرير أو قول شيء وهو يلحق بها بسرعة كبيرة . في اللحظة التي شعر بها يحيى أن الأمر قد يتحرك لطريق غير محمود وهو يعلم كم أن أحمد يكون إنسان حقير في غضبه . لذا سارع في تحويل الموقف بتهكم مصطنع :
_والعة معاك يا بن تفيدة، عشان أنت الوحيد اللي كتبت الكتاب يعني وعايش، ده انا ابوها مضاني على على بياض معديش من جنبها . ضحك عيسى بصوت مرتفع وهو يراقب ملامح يحيى الحانقة، بينما نظرت له والدته بقلة حيلة : _يا بني سيب ابن خالتك في حاله بقى، ده لسه عريس ملحقش يتهنى من عينك . أكملت تفيدة على حديث سنية: _اه والله يا سنية يا ختي، ده انا ما صدقت واحدة تستحمل تعيش معاه، اياكش أحمد يتلم ونخلص . وحليم لم يوفر فرصة يقاتل
بها يحيى إلا وتدخل بسرعة : _هو كده الواد ده من صغره عينه مدورة، وأنا قولتلكم قلة تربية سنية دي هتبوظ الكل مش بس عيالها . اشاح يحيى بيده وهو يتمتم ببعض الكلمات الغاضبة وقد بدأت ضحكات الجميع تعلو عليه وعلى قتاله مع جده، وكالعادة تحول النقاش لهم .. كل ذلك وكارا تراقب يحيى ببسمة واسعة وقد أدركت للتو ما صنع، استطاع أن يبعد الجميع قدر الإمكان عما حدث، وللمرة التي لا تدرك عددها كان يحيى هو الرجل الافضل في عيونها .
هذا الرجل الذي فازت به من الحياة، أحيانًا تتساءل ما صنعت ليرزقها الله به ؟ تفاجئت وهي تبصره يستدير نحوها ببسمة صافية واسعة يمنحها إياها، وهي نظرت له بصدمة وكأنها لم تتوقع أن يحدث هذا . أما عنه غمز لها غمزة صغيرة جعلتها تبعد عيونها عنه بخجل وصوت جده يعلو في المكان : _ما تخف يا حبيبي، مش حيلتنا حاجة للوصل اللي مضيته على نفسك لابوها متصغرناش . _يا حليم عليا، أمال الأرض دي كلها هتعمل بيها ايه لو مش حيلتك حاجة ؟
_هندفن فيها . _تندفن فيها ؟؟ كل الفدادين دي تندفن فيها ؟ ليه هننثر اشلائك في المكان، هو متر في متر على جنب كده . رفع حليم حاجبه برفض من حديث يحيى : _طب وأخواتي ؟ _هو ايه اللي اخواتك، احنا هنفتحها قرافة بقى ولا ايه، من اولها قولهم الأرض حمولتها خمس جثث، مش هنمشي ندفن ال ٢٧ اخ بقى .
وفجأة اشتعل القتال بين حليم ويحيى ودخل في القتال عيسى وهو يحاول أن يبرر لشقيقه وسنية تحاول أن تظهر لوالدها أنها لم تكن تلعب وتترك أبنائها دون تربية ..... ـــــــــــــــــــــــ _أخرجت زوجتك ونفذت وعدي لك، الآن وقت تنفيذ وعدك لي . نظر حاتم صوب ريكاردو بقلق ومن ثم صوب مسلم الذي بدا في هذه الثانية لا يهتم حقًا لما سيفعل معه، فهو اخرج زوجته وحقق ما كان يطمح له والآن سيعطيهم ما يريدون .
_اختصر وأخبرني كيف تتوقع أن ننهي كل هذا ؟ وريكاردو منحه نظرة غريبة مظلمة بشكل غريب وقبل التحدث بكلمة صدح صوت في المكان وصرخة مرتفعة لامرأة قصيرة القامة تقتحم المكان وهي تصرخ باسمه وبلغة إيطالية قوية وصوت مرتفع وحركات يد عنيفة : _ريك هل وصل بك الحال والجرأة أن تحضر نساء لمنزلي، ظننتك توقفت عن هذه الأمور كما وعدتني، أنت أيها الرجل ستموت ويفنى جسدك ولن تتوقف عن هذه الأفعال، كنت اعلم اقسم أنني كنت اعلم أنك لن ......
وتوقفت باقي كلماتها في الثانية التي نهض بها ريكاردو بسرعة وهو يتحرك صوبها يلقيها فوق كتفه يكمم فمها ويخرج من المكان بأكمله وكأن هذا أكثر شيء طبيعي قد يفعله رجل بزوجته يومًا . بدا أنه يختطفها .. نظر حاتم لما حدث بتعجب ومن ثم استدار صوب مسلم وغابرييل الذي كان يجلس بكل هدوء يلعب في هاتفه أو هذا ما يظهره . _هذا شيء طبيعي، لو لم يفعل هذا لما توقفت عن الهراء .. أطلق صوتًا متعبًا وهو يصف ما يحدث :
_أحيانًا أتعجب من تحمل ريك لها، هذه المرأة ومنذ أول يوم ابصرتها فيه أقسمت وراهنت بنصف أموالي أن ريك سيحيل حياتها جحيمًا . ابتسم حاتم ساخرًا : _أرى أنك خسرت .. _بل ربحت وزادت ثروتي مليون ونصف دولار، فما اسوء من جحيم الزواج بشخص كـ ريك؟ ختم كلماته في اللحظة التي دخل بها ريك وهو يشمر أكمامه بهدوء شديد يظهر ذراعيه، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يعود للمقعد الخاص به وكأن لا شيء يحدث .
ولولا علمهم بأهمية هذه المرأة لريكاردو لخمنوا أنه دفنها وعاد . _والآن أين كنا يا رجال ؟ صحيح ماذا سنفعل لنسقطهم ؟؟ تجاهل مسلم ما حدث منذ ثواني وقد كان لا يعينه شيء سوى التأكد أنه حين يعود لن يلحق به أحدهم . _الأهم هو ما الذي تتوقعه مني لاساعدك به لأنني متأكد أنه بعد الهجوم اليوم سيتغير نظام التحكم لنظام اسوء بمرات. اتسعت بسمة ريكاردو وهو يهز رأسه ببساطة : –دع نظامهم لهم، لا اهتم بكل هذا يا عزيزي، ليس هذا ما أطمح له .
ضيق مسلم عيونه بعدم فهم وهو يعلم أن الثمن الذي سيدفعه في هذه اللحظة سيكون اغلى من مجرد اختراق نظام المكان . _ما الذي تريده ريك ؟ _لا شيء لا تستطيع فعله موس، فقط اريد منك أن تساعدني في الوصول لمن سيكون لهم الشرف في إسقاط هذه المنظمة . ضيق مسلم ما بين حاجبيه بتسائل ليردد ريكاردو بكل هدوء وهو يحمل كأس المشروب الخاص به: _اسماء كل من تم اغتيالهم على يد المنظمة أو تم اغتيال ذويهم .
اتسعت عيون حاتم بصدمة وقد بدأ يجمع في عقله خيوط ما يسعى له ريكاردو : _يا لطيف راح فيها جوليان، ابن حلال وبيستاهل . ومسلم بدأ يدرك بالفعل ما يطمح له ريكاردو لكنه صمت وتريث طويلًا قبل أن يعود بظهره للخلف يضع قدم فوق الأخرى أمام ريك، والاخير حرك عيونه لقدمه قبل أن يبتسم بسمة ساخرة . _أنت دون لعصابات صقلية، هل تتوقع منهم أن يتعاونوا معك ريكاردو وأنت قتلت من كل جماعة منهم أكثر من مائة فرد؟
أي أن ثأرهم معك يفوق ثأرهم مع المنظمة ؟ ضحك ريكاردو ضحكة صغيرة وهو يهز رأسه بهدوء : _لقد قلتها قتلت أفراد، مجرد جنود لديهم لا أهمية لهم يحصلون على الكثير منهم كل يوم، ليس كالمنظمة التي لن ترتب لمهمة اغتيال إلا إن كان الشخص ذا رتبة ثقيلة في الجماعة، ما رأيك أنت هل تعتقد أنهم قد يفضلون عدواتهم معي لأجل بعض الأفراد على كبار الجماعة .
ونعم كان ريكاردو محقًا بعض الشيء، هم لن يتركوا ثأرهم بخصوص قطع رؤوس كبيرة في الجماعة لأجل بعض الجنود الذين كان يقتلهم ريكاردو ويضع جثثهم في صناديق ورد، بمجرد اكتشافه لهم داخل جزيرته . هذا الرجل مختل، لكنه ليس متهورًا أو غبيًا وهذا كان لصالحه فوق كل شيء، طالما أنه في صفه ... _دعني أرى الأمر وسأحضر لك كل شيء بمجرد انتهائي... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى الطرف الآخر في المساء.
تركت الجميع وتحركت صوب المطبخ بعدما أخبرتهم أنها ستعد لهم بعض الحلوى، وبمجرد أن انفردت بنفسها حتى تنفست بصوت مرتفع وقد كانت تجاهد طوال الوقت كي لا تتحدث معه، مرت ساعات وقد كانت تعاند كي لا تشغله أو تقلقه، لكنها فقط تود التأكد أنهم بخير . تحركت صوب تطبيق " الواتساب". وهي تبحث عن اسمه حتى عثرت عليه، دخلت وكتبت كلمتين فقط . _مساء الخير .
ويبدو أن هذه الكلمة كانت تحمل أكثر مما تظهر لتصدم بعد دقيقة تقريبًا باتصال على أحد تطبيقات التواصل، ارتجفت وهي تشعر بكامل ضربات قلبها تشاركها الحالة . نظرت حولها بتوتر وقد فكرت في رفض المكالمة لقد تأكدت أنه بخير وإلا لما كان رد على كلمتها باتصال بهذه السرعة . صحيح ؟ لكن شوقها الذي تنكره وتلك المشاعر التي تحاول دفنها جعلتها تسارع وهي تجيب المكالمة قبل أن ينتهي وقتها وكل ما نطقته هو اسمه. _حاتم ...
وهذا كان أكثر من كافي، والله لو تغزلت به في سطور طويلة ما اهتز كيانه بهذا الشكل، كان الرجل متعطشًا لأي لفتة منها، خمس سنوات . يا الله لا يصدق أنه انتظر خمس سنوات، بل أكثر . _نور .. وهذه الكلمة التي قد يظنها البعض مجرد اختصار لاسمها، كان أكثر واشد، كان دلالًا، وحنانًا . أغمضت عيونها وهي تهمس بصوت مرتجف : _أنت كويس ومسلم ؟ ابتسم حاتم من الجانب الآخر ثم تنهد بصوت شبه مسموع ومن ثم أضاف بصوت خافت : _كويسين الحمدلله .
صمت ثواني قبل أن يضيف : _مسلم رجعها لرايانا . اتسعت عيون نورهان بصدمة تصرخ دون شعور : _بجد والله ؟ قول بجد، اوعى تكون بتكدب عليا يا حاتم بالله عليك . ابتسم حاتم بحب من نبرة الحماس والسعادة التي تخللت صوتها وقد احب هذا أكثر من الصوت الخافت الذي بدا أنها تتوسله لينطق بالكلمات . _والله ما بكدب عليكِ . بكت نورهان بسعادة لا تصدق ما تسمعه، بهذه السرعة، كانت تتوقع أن يطول الأمر اكثر، تنفست وهي تحاول الهدوء : _طيب ...
طيب هترجعوا امتى ؟ جايين تاني امتى ؟ _شو ؟ شايفك اشتاقتلنا ؟ _اوي . اتسعت عيون حاتم من الطرف الآخر وأدركت أن نورهان الآن تتحدث بحماس ولا تدرك ما تقول، لكنه لم يقف عند كلمة قد تخجلها وتحرمه صوتها . _ايه في الحقيقة، ما بعتقد بنقدر نرجع هلأ . _ليه مش بتقول مسلم رجع رايانا ؟ _هاد كان أول اشي، ما خلصنا . _قصدك ايه ؟ حاتم أنتم كويسين مش كده ؟
_والله مناح، بس هاد اشي مهم محتاجين يخلص قبل ما نقرر نرجع عمصر، بلا ما تخافي، هين إن شاء الله . وهو يعلم أنه ليس كذلك لكنها لا تحتاج لمعرفة ما هم مقبلين عليه، لذا سارع يبعد الأمر عن رأسها وهو يبعدها عن هذا الحوار : _كيفه سلسال أمي معك، عساه ما غلبك؟ ابتسمت بسمة واسعة وهي تنظر لرقبتها تراقب السلسال بحنين قبل أن تجيب . _مستنيك ترجع بالسلامة عشان تستلمه تاني . _استلمه ؟ شو مفكرتيني عطيتك ياه لتربيه؟
نور هاد سلسال مو كلب اتركه معك لأرجع وارجعه . _قصدك ايه ؟ ابتسم لا يفهم ما الصعب في حديثه: _هاد صار لالك. _ايه ؟! لا يا حاتم ده بتاعك وبتاع والدتك أنت ورثته منها مش هقدر . _شو بتاعي هاي، نورهان، أمي وقت عطتني إياه ما كانت بتطمح إني البسه، بتعرف أنه مو ذوقي، فبلا ما تقلقي من هاي النقطة . رمشت نورهان ثواني بعدم فهم من كلمات تحاول أن تجمع ما يود قوله، ليزفر حاتم يقولها مباشرة وقد كبت ضحكته منها:
_امي قالتلي وقت الاقيها لكنتها بوصيها ما بتشيله من رقبتها، بلا ما تزعليها لأمي والله كانت مرا كتير منيحة . _لا يا حاتم بتقول ايه، أنا ازعلها ليه بس أنا مش قصدي هو .... فجأة صمتت وقد اتسعت عيونها بقوة حينما أدركت الجملة التي نطق بها للتو، تحاول أن تدرك إن كان المعنى الذي يقصده هو نفسه ما فهمته . _حاتم أنت قولت ايه ؟ _شو قلت، قلت كتير أنا، حددي. _أنت.... قولت .... والدتك قالت ... كنتها، هي ...
الكلمة دي زي السوري بتاع المسلسلات ولا ليها معنى تاني عندكم . ارتجف جسدها بقوة حينما سمعت صوت ضحكته القوية من الطرف الآخر، وقد استمرت ضحكته ثواني حتى شكت أنها أخبرته طرفة أو ما شابه وما تزال يدها تفرك السلسال دون شعور . _شو معنى تاني، السوريين ولاد خال يا نور . ارتجف صوت نورهان وهي تهمس: _يعني ايه ؟ _يعني ما بتفرق، كلنا شوام وما بظن بتختلف كنتنا عن كنتهم . صمت ثواني قبل أن يضيف : _لا لحظة، إيه تصدقي أنها بتفرق .
_بجد ! _ايه هلأ لاخدت بالي، احنا كنتنا نور ما بعتقد عندهم كنة متلك، مساكين . هنا وشعرت نورهان أن كامل وجهها أصبح ساخنًا، وقد انعقد لسانها عن الجدال أو الحديث، لذا أبعدت الهاتف بسرعة تغلقه دون تفكير ومن ثم صمتت طويلًا قبل أن تتسع بسمتها دون شعور وقد بدأ شعور دخيل يغمرها بقوة شعور لا تفهم منه سوى أنها.... أنها... تريد أن تمتلك حاتم بحياتها . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس تنظر حولها لا تفهم ما يحدث في هذه اللحظة، متى جاءت ومن أحضرها، بدا الأمر كما لو أن كل ما سبق كان مجرد أضغاث احلام، وهو كان بطلها . لقد ابصرته في أحلامها يضمها وينظر لها بحنان وحب، هل ... عادت لنفس المكان القذر مجددًا، لكن لا هذه الغرفة لا تشبه تلك بأي شيء، وهي هنا ..... ترتدي على الأقل ثياب تليق بامرأة وليس أخرى لا تليق بالبعير حتى . لكن ما الذي حدث ؟
وقبل أن تبحث عن إجابة داخل عقلها عن الأمر تفاجئت بالباب يُفتح فانتفض جسدها وهي تتحفز تستدير حول نفسها بلهفة تبحث عن شيء تحمله تدافع به عن نفسها، لكن فجأة شعرت بيد تجذبها وتقيدها . صرخت وهي تشعر بالعجز مجددًا، مقيدة مجددًا، عند هذه النقطة صرخت وهي تبكي تحاول التحرر ومسلم جوارها يصرخ باسمها يحاول أن يخرجها من هذه الغمامة التي يعلمها جيدًا، يحاول أن يجعلها تنتبه لواقعها. وهي تصرخ : _لا لا ...
ومسلم يحاول اختراق فقاعتها السوداء هذه، يضمها أكثر: _لا رايانا ... أنا مسلم ... أنا مسلم ... فروشكا ... فروشكا حبيبتي أنا هنا ... أنا هنا ... فروشكا . كان يردد على مسامعها كلمات متلهفة متتالية حتى شعر بجسدها بالكامل يرتخي فجأة بين يديه فاتسعت عيونه وهو يخفف قبضته شيئًا فشيء ليكتشف أنها تجمدت تراقبه بأعين شاردة وكأنها لا تبصره وهذا ضربه في أعمق نقاط ضعفه . كانت في هذه الحالة تشبه .... تشبه ....
تشبهه هو حينما يصاب بحالته النفسية وينعزل عن العالم، وهذه الفكرة ضربته في مقتل، جعلت يصاب بالجنون، لن يسمح لهم ... ما الذي فعلوه بها، ما الذي فعلوه بها ؟ دمروه ودمروها وهو الذي اقسم بالله ألا يسمح لشيء أن يمسها بسوء، فاصابها السوء ذاتها باسوء الطرق . هنا وانهار مسلم جوار فراشها ارضًا يبكي بصوت مرتفع وهي ملقاة على الفراش جواره جامدة تحدق بالسقف في شكل جعله ينهار أشد وهو يضغط على الفراش يهمس بصوت متقطع : _أنا آسف ...
أنا آسف... بالله عليك يا رايانا سامحيني ... والله العظيم لو اعرف إن ده اللي هيحصل لكنت شيلت عيوني من قبل ما تقع عليكي، كنت بعدت عنك وسيبتك في حالك، انا اسف .. دفن وجهه منهارًا في الفراش وهو يحاول التماسك لكن أصوات بكائه وانتفاضة جسده كانت تحكي معاناة أخرى، فكرة أن تصاب هي وتعاني مما عاناه هو كانت أشد وطأة عليه من سكين بصدره .
وفي وسط انهيارات شعر بثقل على رأسه ويد تلتف حول رقبته وصوت يهمس له بكلمات ضعيفة لم تكن واضحة في البداية بسبب الضوضاء داخل عقله، لكن مع الوقت حينما بدأ يهدأ من موجة البكاء سمعها .. وشعر برأسها وهي تستند على رأسه وتضم رقبته تهمس له بصوت خافت ضعيف : _مسلم.... متزعلش . اغمض مسلم عيونه بقوة ولم يعلم مَن مِن المفترض أن يهونها على الآخر، لكنه صمت، صمت وتركها تهدأه وتربت عليه .
_أنا كويسة يا مسلم بلاش تزعل، والله أنا كويسة، محدش منهم قرب مني أنا.... صمتت حينما تحرك مسلم من مكانه بسرعة كبيرة ينهض واقفًا أمامها لتجلس هي على ركبتها فوق السرير بتفاجئ وقبل التحدث بكلمة كان مسلم يمد يده يجذبها بقوة صوب أحضانه وقد أوشك على تحطيم عظامها . _والله لاطلع عليهم كل لحظة تعب وخوف عشتيها والله ما هرحم فيهم حد يا رايانا والله ما هرحم فيهم حد . ورايانا استجابت وهي تبادله العناق وهو يخشى أن تكون هذه
لحظة ومن ثم تعود للانهيار: _فروشكا ... _نعم . _أنتِ بخير... أنتِ معايا دلوقتي ومحدش هيقدر يوصل لــ توقف وقد غص في كلماته متذكرًا وعده الاول لها أنه لن يسمح أن يمسها أحدهم بسوء فارتجف كامل جسده بغضب يضمها أكثر . _المرة دي اقسم بالله ما هسمح لحد بس يقرب منك خطوة يا رايانا . ورايانا فقط ابتسمت بسمة صغيرة وراحة بدأت تتسرب لصدرها .
قبل أن تبتعد عنه بعد دقائق قليلة تتحرك للفراش تجلس عليه ومن ثم أشارت له ليجاورها بهدوء وهو نظر لها ببسمة صغيرة . ومن ثم خلع حذاءه يصعد للفراش يقترب منها ولكنه لم يجلس جوارها، بل فقط أسند رأسه على قدمها يضمها مرتاحًا واخيرًا قبل أن يشعر بيدها تداعب خصلاته بحنان شديد . واخيرًا سمع صوتها بعد انتظار طال وهي تسأله بشرود : _هو أنت.... أنت اللي كنت في القفص ده بجد ؟
شعر مسلم فجأة بتوقف كل شيء حوله وقد خاف أن يصل لهذه اللحظة، أن يُسأل سؤال لا يمتلك من أمره أن يكذب فيه، ويخشى أن يصدق فتخافه . رفع عيونه لها يحاول الحديث وهي نظرت له بجدية تعيد السؤال وهي تنظر لعيونه هذه المرة: _أنت الشخص اللي كان واقف بيضرب الناس بالشكل ده كأنهم مش بشر يا مسلم ؟ والطريقة التي طرحت بها السؤال جعلته يدرك أن اجابته لن تعجبها بالمرة .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقدمت من باب المنزل تفتحه وهي تبحث بهاتفها عن شيء وقد كانت تركز كامل اهتمامها على ما بيدها تسمع صوت أحمد من الباب يردد بجدية : _مساء الخير يا نور فين الكل . ابتسمت نور وهي تتحرك من أمام الباب : -مساء النور، ماما وبابا راحوا كعادتهم مع خالتك وجوزها عند جدو حليم يقعدوا معاه شوية، وساڤا جوا ادخلها .
ختمت حديثها وهي تتحرك من أمامه بسرعة تاركة إياه قبل أن يرفض الدخول كعادته، منذ اليوم الذي عادوا به جميعًا من منزل حليم أول مرة وهو يرفض البقاء معهم في نفس المنزل بحجة أنهم عقدوا القرآن فقط ولم يقم لها العرس الذي يتمناه هو . وبالطبع كانت هذه مجرد حجج بعد الحوار الذي نشأ بينهما داخل شرفة جده ذلك اليوم . " قومتي ليه يا ساڤا مالك ؟! لم تستدر له ولم تتحدث بكلمة بل فقط ظلت تراقب الطريق بشرود حتى تحرك هو صوبها يجذبها
له يحاول فهم ما يحدث : " ساڤينا ؟؟ " أنا... مش ... مش هقدر اكمل كده " " كده ؟؟ " في الحياة دي، دي مش حياتي ولا شبهي ولا الناس اللي حواليا زيي ولا هيتقبلوني، أنت ... أنت مش هتفهمني انا ... توقف عن الحديث حينما أجبرها احمد على النظر له بحدة وقد خافت للحظة من نظرته التي كانت اسوء من تلك التي لمحتها بالداخل، وقبل التحدث بكلمة واحدة قاطعها بصوت حاد قاسي وهو يهمس كي لا يصل حوارهم لمن بالخارج:
" أول وآخر مرة تنطقي الكلام الاهبل ده، هما مين ؟؟ مين اللي يقبلك أو لا، وبامارة ايه يقبلوكِ أو لا، وليه تهتمي بيهم ؟! اتسعت عيون ساڤا بعدم فهم : " أنت بتقول ايه ؟؟ دول اهلك " " اهلي مش أنا، أنتِ مراتي أنا، مراتي أنا يا ساڤا خليكِ فاكرة، ومفيش حد ليه الحق يحدد حياتك حتى أنا، ولو كل مرة هتتقال كلمة هتسيبي الكل وتمشي، كده مش هتعرفي تعيشي "
وفجأة سقطت دموعها وهي تدفعه بعيدًا عنها بغيظ من بساطة حديثه وكأنه لا يفهم ما تحياه، دفعته للخلف خطوة وهي تهمس: " أنت عمرك ما هتعرف انا مريت بايه، أو حصلي ايه عشان تتكلم بكل بساطة كده، الموضوع لو سهل ليك اتفضل اخرج ... اتفضل اخرج للكل قولهم أنا مين، قولهم أنك اتجوزت رقاصة يا أحمد"
وأحمد تجمد في مكانه ولم يتحرك وقد ظهر على وجهه صدمة ورفض لكلماتها، وهي أبصرت هذه التعابير وابتسمت بسمة ظهرت في عيونها تتركه وترحل دون كلمة . ومنذ هذه اللحظة لم يبصرها حتى الآن تختبأ منه في غرفته وهو يهرب من نظراتها في شقتهم . والآن يقف أمام غرفته يراقب الباب بتردد وكأنه يخشى المواجهة في هذه اللحظة يمد يده بعد تفكير لثواني يطرق الباب فسمع صوتها يأذن له .
فتح الباب ودخل يغلقه مباشرة خلفه، وهي كانت تجلس على مقعد أسفل النافذة تراقب الحياة من خلف الستار. شاردة بالمستقبل ربما، وهو شارد كذلك بالمستقبل ... بها . اقترب منها يراقب ملامحها التي اشتاق لها من خلف النقاب، الخصلات الحمراء وبشرتها الرقيقة وعيونها التي كانت كل ما تجود عليه بها . _ساڤينا ... وانتفاضة مرت بجسدها جعلتها تستدير صوبه وهي تراقبه بعيون مصدومة وكأن وجوده هنا غريب او مرفوض . _عاملة ايه ؟ ترددت
وهي ترتب خصلاتها بهدوء : _ازيك يا أحمد . ابتسم أحمد بسمة صغيرة وهو يقترب منها والحنان يزين نظراته : _بخير طول ما أنتِ بخير . خجلت ساڤا وهي تنظر ارضًا، ثم رفعت عيونها له بعد ثواني: _كنت جاي عشان طنط ؟ هي راحت عند جدك و... _أنا لو جاي عشان طنط هاجي ادور عليها في اوضتي ؟! وبعدين هو أنا مليش في البيت غير طنط !؟ رمشت ساڤا وهي تتراجع بخجل للخلف خطوات تقدم هو ضعفها لها، مبتسمًا وكأنه يتربص بغزال في غابة .
_ليا كتير في البيت غير طنط، مراتي مثلا .. _أحمد... _عيوني ؟ _هو مش ... أنا فكرتك مش .... آخر مرة في بلكونة جدك أنت... أنا مكنش قصدي ازعلك لما قولت كده و... صمتت ثم رفعت عيونها له تتحدث بصوت خافت: _مكانش قصدي اني ازعلك لما قولتلك تخرج وتقولهم كده، ولا قصدي إني احرجك قدام حد انا بس .... صمتت حينما تقدم أحمد منها وهو يتحدث بعدم فهم : _تحرجيني ؟ _وقتها لما قولت كده كان باين عليك أنك اتعصبت .
_أنتِ مفكرة إني كنت متعصب من فكرة اني اقولهم كده عشان مكسوف من الحقيقة ؟ صمتت ولم تجد إجابة وهو ابتسم بعدم تصديق : _ساڤا أنتِ بتفكري ازاي، اولا مفيش حد ليه الحق يعرف ماضيكِ طالما خلاص توبتي وتقبلتي نفسك حاليا، محدش ليه الحق أنه يطالبك تخجلي من نفسك، ومحدش ليه الحق يعرف حاجة أنتِ مش حباه يعرفها، وانا جوزك ومتقبل أنه في فترة من الفترات كنتِ تايهة عن نفسك وعملتي كده وقفلنا الصفحة دي وخلصت . تنفس بعنف ومن ثم قال بجدية :
_أنا امبارح اتعصبت مش عشان مكسوف اقول للكل إن مراتي كانت أقوى من ظروفها وشيطانها، وايمانها كان أقوى من كل شيء وانتصرت على كل ده، انا كنت متعصب من إن الكل يعرف ويقعد يفكر فيكي بالشكل ده عشان محبش تمري على خاطر حد فيهم بالسوء . اقترب منها يضم وجهها بحنان بين كفه : _انا مش مكسوف إني متجوزك ؟ انا فخور إني متجوزك، أنتِ قدرتي تنتصري على نفسك وده اكبر جهاد يا ساڤا . سقطت دموع ساڤا على كفه فابتسم بحنان وهو يربت عليها :
_ساڤينا أنا بحبك بكل شيء ورغم كل شيء، مفيش حاجة ممكن تغير ده . نظرت ساڤا لعيونه، كان الحنان ينبعث من كل نظراته وكأن الدنيا خلت إلا منه، كان أحمد مثال اللطف والحنان في هذا العالم، وتساءلت لثواني هل يستحق امرأة بمثل كل السواد الذي يسكنها، هل يستحق بعد كل صبره هذا ان يتزوج بقايا امرأة دهستها الحياة ودمرتها ؟ _لا يا أحمد فيه، أنت معرفتش لسه كل حاجة .
تعجب أحمد حديثها ولم يفهم ما تقصد، هو يعلم بالفعل كل شيء، لكن يبدو أن ما خفي كان اعظم بالفعل. _عمرك سألت نفسك حالتي النفسية دي سببها ايه ؟؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ _يا بابا والله أنا كويسة وقاعدة في شقة ام يحيى .. ختمت حديثها وهي تنظر حولها تحاول أن تهدأ ووالدها كل خمس ثواني يتصل بها، بل وتحدث لوالد يحيى واوصاه أن يبعد ابنه عن ابنته وأخذ عهدًا عليه بذلك . _طيب يا كارا هترجعي امتى ؟
ابتسمت كارا وهي تراقب والدة يحيى تجلس وتتابع بعض البرامج التلفزيونية وتشير لها لتشاركها : _مش هتأخر يا بابا انا بس هشوف الدنيا هنا هتخلص على ايه وكمان يعني هو ... صمتت بخجل ثم أكملت : _طنط سنية كانت قالتلي ممكن اخرج معاها بكرة نشتري شوية حاجات للشقة بما إني هنا، فأنا عشان كده اتصلت بيك استأذن . سمعت تنهيدة تصل لها من طرف والدها ثم قال بعد صمت ثواني :
_ماشي يا كارا، اللي تشوفيه ويسعدك يا بنتي، أنا والله ما وافقت على مرواحك معاهم ده غير عشان شوفتك نفسك تروحي وتخرجي، وحبيت أنك تنتفسي بعيد عن الكلام اللي عمال يتقال ومزعلك الفترة دي، مش عشان جدك ولا خطيبك ولا غيرهم انا ميهمنيش في كل دول غيرك. سقطت دمعة من عيونها وهي تردد بحب : _ربنا يخليك ليا يا بابا وميحرمنيش منك يارب .
وبعد حديث استمر دقائق أغلقت المكالمة وهي مبتسمة باتساع شاردة بالمكان في الاسفل وكأنها تتعرف على حياتها القادمة مع يحيى . _لا أنا كده اغير من محظوظ عشان بسمتك دي ... انتفضت وهي تصرخ وتنظر خلفها بسرعة وخوف، ويحيى تراجع خطوات يرفع حاجبه : _ايه يا ختي شوفتي عفريت ولا ايه ؟ _يحيى حرام عليك كنت سرحانة وأنت فزعتني . امتص يحيى شفتيه بحنق : _بالله عليكِ وش بالوسامة دي يفزع ؟! والله أنتِ ما مقدرة النعمة اللي في ايدك.
ابتسمت له بسمة صغيرة تحاوره براحة لا تدري متى تسربت لها : _عندك حق . _ماما قالتلي أنك هتخرجي معاها بكرة عشان تشتروا شوية حاجات للشقة . هزت هي رأسها بخجل ولم تكد تتحدث حتى شعرت ببعض الأموال تلامس كفها، نظرت لها بعدم فهم، ثم رفعت عيونها صوبه ليردد يحيى بصوت منخفض : _هاتي اللي تحبيه يا كارا بكرة، انا اديت امي فلوس عشان تشتري هي حاجات للشقة فمتشليش هم، إنما دول ليكي لو حسيتي انك حابة تشتري حاجة تانية .
رفضت كارا وهي تعود للخلف بفزع من الأمر وكأنه يمنحها جمرة مشتعلة : _ايه؟! لا ..مينفعش يا يحيى لا، خلي فلوس معاك . _كارا دي شقتنا وانا اللي مسؤول أجهزها ودي فلوس أنا كنت محوشها عشان اجهز بيها الشقة، فده حقك و... _يحيى مش بتكلم عن الشقة انا بتكلم عن الفلوس دي، انا بابا اداني فلوس الحمدلله متقلقش مش هقدر اخد أي حاجة . فتح يحيى فمه ليعترض لكنها قاطعته فورًا :
_لا يا يحيى متحاولش لأني مش هقبل أخد اي فلوس دلوقتي، أنا معايا مصروفي لو احتجت حاجة هجيبها بيه تسلم . لم يصر يحيى وهو يرى مقدار الانزعاج على ملامحها، فقط هز رأسه واقتنع وهو يدس الأموال داخل جيبه، ثم تساءل بجدية : _تحبي نروح نشوف الدهب في يوم قبل ما ترجعي ؟ _دهب !؟ وكأن الكلام كان غريبًا عليها أو لاول مرة تتعرض لمثل هذا الموقف . _شبكتك، ايه مش هنشتري الشبكة ؟ _لا بس مجاش على بالي و...
_هو ايه اللي مجاش على بالك، كارا حبيبتي دي شبكتك لازم اجيب ليكِ الدهب والدبلة اهم حاجة عشان الكل يعرف أنك مخطوبة ليا . خجلت كارا من كلماته وقد شعرت أنها لاول مرة تمر بكل هذا، ولحظة هذه بالفعل اول مرة تمر بهذا فزواجها الاول جاءتها سكينة قبل الزفاف بأيام تلقي لها بذهبها من ولدها وانتهى الأمر . رفعت عيونها صوب يحيى بخجل ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمعت صوت قريب منهم ينادي باسم يحيى . رمشت بعدم فهم وهي تقول : _ايه ده ؟
_ايه ؟! _حد بينادي عليك . كان يحيى على وشك الرد عليها حتى ارتفع الصوت وتحركت الأعين صوب النافذة التي تقابلهم ليبصر بها فتاة تبدو على قدر كبير من الجمال ترتدي ثوب الصلاة وهي تراقب يحيى ببسمة واسعة واعين ملتمعة لم تخطأ كارا تفسيرها، وكيف تفعل وهي نفس النظرات التي تنظر بها ليحيى . _يحيى أنت رجعت امتى ؟
نظر لها يحيى ثواني وكأنه يحاول تذكر من هي، فهو لم يكن منذ ذلك النوع الودود بالطبع جوار الفتيات وربما ساهم لسانه في الأمر . وبعد صمت طويل ابتسم بسمة صغيرة محايدة : _اهلا يا شروق اخبارك ايه ؟ _الحمدلله بخير، خالتي سنية كانت بتقول أنك سافرت... قصدي يعني انكم سافرتوا أصل سألت على عيسى في مرة عشان يوصلني مشوار وهي حكت ليا . صمتت وهي تنظر ارضًا بخجل، ثم رفعت عيونها له تردد بصوت خجل وقد بدا أن جسد كارا غير ظاهر لها .
_حمدلله على سلامتكم عامة نورتوا الحارة مرة تانية والله . ابتسم لها هو بسمة مجاملة : _الله يكرمك يا شروق منورة بأهلها والله . كل ذلك وكارا تحرك عيونها بينهما وكأنها يتبادلان الركلات وهي تحرك عيونها مع الكرة . حتى استقرت في ملعب شروق التي تمسكت بسور الشرفة : _اه ... مبسوطة إني شوفتك بخير و... _ليه يا حبيبتي كان بيجاهد في أفغانستان ولا ايه، ولا يكونش أترمى أعزل على الحدود !؟
اتسعت عيون يحيى قبل الفتاة التي للتو فقط انتبهت من الجسد الذي يجاور باب الشرفة بشكل غير ظاهر لها بوضوح، أو ربما لهفتها لرؤيته بعد كل هذه الشهور اعمتها عنها . فتحت فمها بصدمة وقد شعرت بالخجل من عرض لهفتها بهذا الشكل على مسمع ومرأى شخص آخر لدرجة أن وجهها اشتد احمراره، وهذا جعل كارا تتأكد من شكوكها ويحمر وجهها هي كذلك، لكن لسبب مختلف كليًا ....
_اطمني اهو رجع اهو مش ناقص قطمة ولا دراع، بالعكس ده رجع كامل وعليه حتة زيادة كمان . صمتت قبل أن تبتسم للفتاة وهي تتقدم تحت أعين يحيى المذهولة : _خطيبته . _خطيبته ؟! _وقريب اوي مراته وأنتِ اول المعزومين باذن الله . شحب وجه الفتاة فجأة واختفى اللون منه بشكل مريب وهي تهز رأسها، وقد ارتجف جسدها بشكل جعل كارا تشفق عليها للحظات، لكنها لم تهتز فهي لن تشفق على امرأة تحلم بزوجها . _الف مبروك، عن اذنكم ماما بتنادي .
_ايوا طبعا اتفضلي . وبالفعل تحركت شروق بسرعة تدخل غرفتها تدفن نفسها بعيدًا عن الأعين تاركة كارا واقفة أمام يحيى الذي كان يرمقها بانبهار كبير : _اقسم بالله واقعة ومدلوقة، بس تعرفي أنا سعيد بـ... ولم يكد يكمل جملته حتى استدارت له كارا بغضب وغيظ شديد ودون تفكير رفعت قدمها وضربه بقوة في ركبته، ثم همست بغيظ : _هقول ايه راجل زيك زي كل الرجالة . ومن ثم تحركت تاركة إياه يتلوى بعدم فهم يحاول البحث عن الخطأ الذي ارتكبه الان:
_يا بنت المجانين، انا عملت ليكِ ايه ؟؟ لكن كارا كانت قد رحلت تاركة إياه ساقط ارضًا يتأوه بوجع : _دي حوافر حصان لا يمكن تكون رِجل بني ادم ابدا ..... ـــــــــــــــــــــــــــــ صمتت وانتظرت منه إجابة على سؤالها، لكنه فقط صمت وشعر بعدم قدرته على التفكير في حجة أو أسباب يخفف بها من اتهامه أمامها وأمام نفسه، حجة يخبرها بها يبرر بها ما كان يفعل وقتها . _أنا.... كنت .... كنت بس .... بدور على سبب عشان مقتلش حد.
ورايانا لم تفهم شيئًا ما علاقة هذا القتال بقتله لشخص آخر، ولماذا يضطر لقتل أحدهم؟ اعتدل مسلم يرفع رأسه عن قدمها وجلس أمامها ينظر في عيونها، يسألها بجدية : _رايانا ... المكان اللي كنتِ فيه ... ده .... أنا كنت فيه قبل كده و.... صمت وشعر بالتردد من أن يقص عليها ما مر به، هو لا يستطيع أن يعرضها لمثل هذا العذاب، تخيلها لما مر به عذاب بجد ذاته . _كنت محبوس زيي هناك ؟ هو ده المكان اللي حكيت ليا أنك مريت فيه بوقت صعب ؟
ومسلم وجدها تقدم له حجة مناسبة على طبق من ذهب، فقط عليه أن يقبل بها ويؤكدها، لكن هذا يعني أنه سيكون كاذبًا . _كنت .... في البداية على الأقل كنت كده بس ... بعدين أنا ... كنت واحد منهم ..زي زكي كده . شعرت رايانا بالبلاهة لثواني قبل أن تقول بصوت متردد : _واحد منهم ازاي ؟ صمت مسلم وهو ينظر أمامه بعيدًا عنها يتجنب أي تواصل بصري معها وكأنه يهرب من هذه الحقيقة، يهرب منها .. _أنا.... رايانا أنا كنت... _كنت ايه ؟!
مسلم أنت كنت ... بتعذب الناس زي ما عملوا فيا كده ؟ نظر لها مسلم بسرعة وهو يهمس بعدم فهم ونبرة بدأت تزيد الحدة بها: _عملوا ايه فيكِ ؟؟ وهي جن جنونها وهي تتخيل مسلم الحنون مثل هؤلاء الرجال الذي جردوها من ملابسها وعذبوها دون أن تأخذهم بها شفقة، لتسقط دموعها وهي تصرخ تبعد يده عنها : _هو ده اللي شاغلك ؟؟ عملوا ايه فيـــــا ؟؟ مش عملت أنت ايه في غيـــــري ؟
تفاجئ مسلم من صراخها وحاول الحديث يبرر ما حدث، يخبرها أنه يومًا لم يعذب انسانًا، لم يشارك بمثل هذه الأعمال، لم يكن هذا تخصصه من الأساس. لكن رايانا كان الضغط الذي مارسوه عليها يلعب على ثباتها وهي تتنفس بصوت مرتفع وقد شعرت بالانهيار الوشيك: _أنت عملت ايه ؟؟ أنت... أنت زيهم ... أنت واحد منهم ؟؟ مسلم أنت ازاي ؟؟ اكيد ... لا لا لا بالله عليك لا ... انا مش هقدر ... والله العظيم ما هقدر اعيش وانا عارفة أنك كنت ...
توقفت عن الحديث وهي تشعر أن غصتها منعتها من إكمال الحديث وتنفسها أصبح صعبًا، لكنها رغم ذلك أكملت حديثها باكية : _أنت عملت ايــــه ؟؟ مسلــــم .. قاطعها بصرخة منه هزت جدران المكان وهو ينفجر فجأة ودون مقدمات : _معملتـــش ... معملتـــش ... أنا معملتش أي حاجة لأي حد أنا... أنا معذبتش حد والله العظيم ما عذبت حد ... أنا.... أنا اللي كنت بتعذب كل يوم وكل ثانية، أنا....
أنا شوفت بعيوني اسوء من اللي أنتِ شوفتيه، اللي عشتي فيه يوم كان حياتي لمدة شهور ... أو يمكن سنين، أنا فقدت احساسي في وسط كل اللي عشته ... أنا... رايانا أنا.... توقف عن الحديث بعدما غلبته غصته وهو يتذكر ما عاشه . أشار على نفسه وهو يتحدث وقد بدأت عروقه تبرز من الضغط الذي يمارسه هو على نفسه في هذه اللحظة كي لا ينهار .
_أنا خرجت من بلدي عشان اعيش حياة تانية، لقيت نفسي بخسر كل حاجة، حياتي وعيلتي ونفسي واتعذبت شهور طويلة، شوفت اللي محدش يقدر يتحمله و.... توقف عن الحديث ثم قال بصوت متقطع : _عمري ما عذبت حد ولا قتلت حد، اصلا أنا تخصصي كله على نظام التأمين والاختراق و.... هما بس.... قتال الشوارع اللي في القفص ..و... كنت ... بعمل كده عشان .... خوفت غضبي يوصلني اقتل حد .
دار مكانه وهو يتحدث بعجز، قبل أن يتوقف ويقترب منها يمسكها من ذراعيها بقوة لا يشعر بها وهو يهزها يقول بصوت خرج معذبًا : _أنا كنت بخلي ساعات حاتم يربطني في السرير عشان خايف اقتل كده وانا مش في وعيي، اتعرضت لجلسات كهربا واتحبست اسابيع طويلة وبرضو مش عايز يسيبني اعيش، مش عايز يسيبني افرح، ولما فكرت أنه خلاص مات، لقيتك فرجع تاني عشان ... عشان يفكرني أنه عمر الفرح ما كان ليا ولا لامثالي .
ختم حديثه يتنفس بصعوبة من بين كلماته المتلاحقة التي نطقها دون توقف وكأن أحدهم كان يلاحقه . بدأت قبضته تخفف عن ذراعيها وهو يهمس بصوت مرتجف : _القفص وكل ده عبارة عن ناس اختاروا بنفسهم يدخلوا القفص، اختارو بنفسهم يكونوا هناك مهما اختلفت الأسباب عمري ما أجبرت حد، أنا عمري ما اذيت حد بقصد .
وهي كانت تنظر له بأعين متسعة لا تستطيع الحديث بكلمة واحدة، تراقب شخص آخر غير زوجها، روح اخر وسواد بدأ يحيط بهم ويخنقها، وكأنها تتحدث لشخص لا تعرفه، شخص لا يشبه ذلك الذي اقترنت به . _مسلم ... أنا... كفاية كده ... كفاية كده، خلينا نمشي . لكن مسلم نظر لها ثواني قبل أن يبتسم لها بسمة من فقد كل شيء وكان على استعداد ليفقد المزيد ثم همس لها بصوت واثق . _The winner takes it all ....
ختم كلماته وهو يحررها من قبضته ويتحرك بعيدًا عنها تاركًا إياها تقف مصدومة في منتصف الغرفة لا تفهم ما يحدث، من هذا وماذا فعل بمسلم .. أما عن مسلم فخرج من الغرفة ونفس الجملة التي نطق بها ترن داخل أذنه . " الفائز ينال كل شيء " وهو أن سيفعل ذلك ...
تحرك صوب الاسفل يبحث بعيونه عن غابرييل أو ريك، حتى وجد غابرييل يجلس أمام التلفاز يشاهده باسترخاء، لكنه تحرك صوبه بهدوء، يسد عليه المشهد بجسده، وقبل الاعتراض من غابرييل نطق بإصرار . _أسأل الدون الخاص بك متى يمتلك وقتًا ليجتمع مع الباقيين ....... ـــــــــــــــــــــ صباح اليوم التالي في مصر : _يعني كده خلاص فتحت القضية تاني وكل شيء تمام؟! هناخد الأرض امتى طيب وهنتصرف ازاي مع اهل الدوم ؟!
كانت كلمات نطق بها يحيى وهو يجلس أمام أحمد وهو يشعر أنه تحرر جزئيًا، لكن كل همه ما سيحدث لأهالي الدوم، هل يمكن أن يصلوا معهم لحل اوسط ؟؟ لكن يبدو أن أحمد لم يكن يعي حتى ما يحدث حوله، وكل ما يدور في عقله هو سؤال زوجته له بالأمس. السؤال الذي طرحته بعيون معذبة ونبرة مهتزة وقبل أن يخبرها أنه مهما كانت إجابة السؤال الذي تناقشه الآن فهذا لم يغير أي شيء يكنه لها . لكنها فقط تراجعت بوجع وهي تردد مقرة وكأن رفضه له أمر مسلّم
به : " خلينا نقول إن السبب حتى لو كان عادي بالنسبة ليك إلا أنه عمره ما هيكون ليا، مش هقدر اتعايش مع الحياة اللي أنت بتدور عليها، ولا هقدر امنحك بالقدر اللي أنت مستنيه من أي جواز، عشان كده .... طلقني " _أحمد يا بني، أنت معايا ؟؟ مالك يا أحمد؟؟ رفع أحمد عيونه ببطء شديد صوب وجه يحيى وقد كان يبصره ضبابًا، وكلمات زوجته تترد في رأسه، هل ينفذ لها ما تريد ويعود لدوامة البحث عن زوجة ؟! هل سيجد مثلها حتى ؟؟ هل يتقبل غيرها ؟؟
هل سيكون سعيدًا مع سؤاها ؟؟ هل سيستسلم بهذه السهولة في أهم معارك حياته ؟! أسئلة بدأت تتردد في عقله، وهو ينظر لوجه يحيى الذي شعر بالريبة والخوف عليه : _يابني مالك متخوفنيش، أنت كويس ؟! ابتسم له أحمد بسمة صغيرة وبعد تفكير لثواني في كل الأسئلة التي طرحها، أدرك شيء واحد . لا ولا ولا ولا ... ستكون لا هي الإجابة دائمًا طالما أن سؤاله يتمحور حول إمكانية تفريغ حياته من كل ما يتعلق بها.
الحياة مكسب وخسارة، والخسارة في وجودها مكسب والمكسب في رحيلها خسارة. هذه المرأة له ولن تكون لسواه . عند هذه النقطة اتسعت بسمته وهو ينهض من مكانه ويحيى يتابعه بقلق : _ولا أنت عملت ايه ؟؟ أنا مش مطمن ليك ؟ أما عن أحمد فقد ابتسم وهو يراقب يحيى يخبره بلهفة شديد : _لا، لا يا يحيى . _هو ايه اللي لا يا متخلف يا ابن تفيدة أنت، أنا جيت جنبك ؟! لكن أحمد لم يهتم وهو يتحرك من شقة يحيى صوب الخارج يردد بجدية كبيرة :
_هرجعلك بس محتاج اعمل حاجة ضروري . _حاجة ايه ؟؟ أحمد بلاش تقلقني . لكن أحمد ابتسم باتساع وهو يركض بعيدًا عنه يهتف بصوت مرتفع : _هختار مستقبلي وراحتي وراجعلك . رفع يحيى حاجبه بعدم فهم، لكنه بشكل أو بآخر أدرك أن سبب صمته وحزنه منذ الصباح كان بسبب زوجته ويبدو أنه وصل لحل بينه وبين نفسه والآن يضعه حيز التنفيذ . _طب يا سيدي متتأخرش .
ختم حديثه يعود للداخل يلقي بجسده على الفراش وهو يتنفس بصوت مرتفع وعيونه تدور بالغرفة شبه الفارغة يذكر نفسه بضرورة التحرك للانتهاء من تجهيزها لـ .... توقفت أفكاره فجأة حينما وصلته اصوات صاخبة من الخارج، اصوات ضوضاء مزعجة وصرخات جعلته يغلق عيونه، كان للتو يفكر في أنه حتى لو أصبح غني لن يترك حياته هنا . _والله لادوس عليكم بالجزمة و....
لكن اصوات الصرخات بدأت تعلو أكثر وأكثر ليزفر بضيق متحركًا صوب النافذة يغلقها حتى يرتاح من كل هذه الأصوات مذكرًا نفسه أنه ربما يحتاج لشراء نوافذ عازلة للصوت . لكن وقبل أن يغلق النافذة ارتجفت يده وشعر أن الكون بأكمله توقف حوله، وأنه ربما ما يزال على فراشه يحلم، نعم يحلم ... بل كابوس ...
كابوس مرعب لجسد أحمد ملقى أمام المنزل في بركة دماء واسعة وهناك دراجة نارية تحمل رجلين ملثمين يركضون من المكان هربًا بعدما فشل أهالي الحارة في الإمساك بهم. ظلت يده متجمدة يحدق بجسد أحمد دون أن يصدر أي ردة فعل، والجميع يصرخ والناس تولول وهو يراقب المشهد من الاعلى وكأنه يراقب مشهدًا سنمائيًا لا يدري متى قررت الحياة جعله وعائلته جزءًا من هذه المشاهد ؟!
وأحمد في الاسفل كان في طريقه في المنزل لاختيار مستقبله، لاختيار حياته القادمة معها، اختار أن يكون الرابح ويربحها هي في حياته . لكن فجأة وقبل التحرك أبصر دراجة نارية تسير على سرعة مرعبة صوبه وقبل التنحي جانبًا سمع صرخات الكل بسبب حركة الدراجة العشوائية والتي كادت تصدم أكثر من شخص .
لكن أحمد والذي ظن أنه نجى من أمام السائق المجنون شعر فجأة بوجع يضرب جانب جسده، وجع غريب بدأ يتحرك داخل جسده بالكامل، وقبل حتى اخفاض عيونه ليبصر ما حدث شعر بالمكان يظلم من حوله وجسده يصطدم بالقوة في الأرض. ومن ثم لا شيء بعدها ...... ــــــــــــــــــــ احيانًا يكون الموت بداية الحياة، والحياة نهاية الموت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!