الثاني والثلاثون [ بداية النهاية ] قبل القراءة تفاعلوا على الفصل ومتنسوش رأيكم .. صلوا على نبي الرحمة . ـــــــــــــــــــــــــــ كانت الأصوات التي تخرج من الشاشة كفية بزحزحة كل ذرة ثبات متبقية داخل دماء رايانا، كانت تتابع بأعين متسعة ودموع متجمدة لا هي تعلم إن كانت من بكائها السابق أم دموع تأبى النزول الآن.
اخذت تضغط على الهاتف بقوة وهي تتابع مسلم ونظراته في القفص، كانت الكاميرا تقترب من وجهه بشكل كبير وعيونه فارغة مظلمة تحدق في الجميع بشر. وقوفه في القفص بهذا الشكل وهو يدور به مغطى بالدماء يراقب الجموع جعلها تشعر أنها تراقب اسدًا ينتظر الفكاك ليفتك بالمتفرجين .
كانت عيونها لا تتحرك عن وجهه تبحث عن مسلم فيه، ووجدته، لم يكن مسلم ربما بل ذلك الرجل الذي كان يأتيها مساءً في غرفتها يعدها وعود وينساها في اليوم التالي لتكتشف أنه جزء مسلم، لكن ليس الجزء الواعي منه . _رائع ها ؟ رفعت عيونها ببطء صوب وجه ذلك الرجل وللعجب لم يصبح في هذه اللحظة مخيفًا لها، كان مسلم مخيفًا أكثر في هذه الثانية .
يقف وخلفه الشاشة التي تعرض صورة لمسلم وهو يحدق بشر في الجميع، أصبح ذلك الرجل فجأة اليفًا في عيونها لا يخيفها بمقدار ذرة . أبعدت عيونها عنه صوب الشاشة التي بدأت تعرض على التوالي مشهد آخر لمسلم وهو يقاتل رجل آخر. قتال منذ البداية يمسك رأسه ويضربه حتى بدأت تشعر أنه حطم جمجمته وهذا جلب موجة قيئ قوية لها وانهارت ارضًا وهي تتقيأ . راقبها مارك ببسمة ساخرة وهو يحرك عيونه في المكان : _مقزز .
رفعت عيونها له وهي تشعر بالارهاق في كامل جسدها وقد بدأ جسدها يهتز مع نظراتها بسبب الضباب الذي يحيط بها، لكنه لم يهتم : _أوه لا تفهمي الأمر بشكل خاطئ، لا اقصد تقيأك على سجادتي الثمينة والتي احبها بالمناسبة، بل اقصد على قتال مسلم هو مقزز، كنت أشاهده طوال الوقت يسعدني مشاهدة الناس يقتلون بعضهم البعض، ومسلم كان جيدًا في هذا . ورايانا تحمد الله للمرة الأولى أنها لا تفهم كلمة مما يقول سوى اسم مسلم الذي يخرج منه ثقيلًا .
أحيانًا الجهل بالاشياء يكون نجاة لك ..... ابتسم لها مارك وهو يتحرك صوبها خطوات يبث بها الرعب داخل صدرها، ولأول مرة منذ جاءت المكان نست كل خوف، ورفعت رأسها تبعد خصلاتها عن وجهها تنظر في وجهه بقوة وعيونها تشع غضب وقد أدركت للتو أن البكاء والانهزام لن يقدموا لها شيئًا . مسلم وعدها بالقدوم لأجلها، وهي لن تخشى شيء طالما أنه سيكون هنا حتى لو تسلمها جثة، ليكون بكرامتها .
جلس مارك على ركبته أمامها وهو يميل عليها، وهي لم تتراجع خطوة واحدة بل رفعت رأسها له وكأنها ستناطحه في هذه اللحظة، أما عنه ابتسم . _مثير للاهتمام . وهي لم تتحدث بكلمة فقط ابتسمت بسمة صغيرة جانبية، وكم تمنت لو يمنحها أحدهم سلاحًا الآن لكانت خرجت على الجميع وافرغت رصاصاته في كل يد مستها وجردتها من ثيابها .
_كنت أتساءل ما سبب تمسك مسلم بكِ بهذه الاستماتة، هذا الرجل كان ليموت ولا يطلب مساعدة أحدهم خاصة أنا، هذا إن اعتبرنا تهديدي بفضحي توسل للمساعدة. صمت يراقب نظرات رايانا التي كانت تطلق رصاصات صوبه : _لكن برؤيتك الآن وهذه النظرات في عيونك، علمت ما رأى فيكِ، نفسه .... ورايانا لم تفهم ما يتحدث به هذا لكنها لم تتراجع لخطوة واحدة حتى أو تفكر في الانحناء أمامه وهو اكمل :
_أوتعلمين، أنا معكم في هذا وسأساعدك للخروج، ليس فقط لأن مسلم هددني بحياتي، بل لأن امرأة مثلك لا تستحق الموت، ولأن هذا الوسخ الحقير علم كيف يلعب على نقاط ضعفي جيدًا. ختم حديثه وهو ينتفض فجأة من أمام رايانا التي لم تتراجع حتى تراقبه حتى خرج من الغرفة بعدما ألقى لها بكلمات لم تفهمها لكنها خمنت أنه يقصد أن تتناول الطعام بعدما أشار للأكل أمامها.
وغاب مارك دقائق قبل أن يعود بأدوات تنظيف ينظف المكان دون كلمة، ومن ثم أشار بعيونه صوب الطعام يأمرها بتناوله وخرج . اغلق المدخل خلفه وهو يراقب غرفته يتنفس بصوت مرتفع، يتنفس أنفاس رتيبة قبل أن تتسع بسمته وتنقلب ضحكات صاخبة، ضحكات قوية وقد علم لعبة مسلم ذلك الوغد استغل كل ذرة شبه بين هذه المرأة واخته غير الشقيقة _التي قُتلت على يد المنظمة _فقط ليضمن أنه لن يمسها بسوء .
ضحك بقوة حتى دفن وجهه بين يديه وهو يعلم الآن سبب اختياره من بين الجميع ليساعده، لم يلعب مسلم على خوفه من انكشاف لعبته، بل ضغط بكل قوته على نقطة ضعفه . تنفس بصوت مرتفع يمنع دموعه من الهبوط وصورتها وهي ممدة في دمائها أمام عيونه .
هذه المنظمة كانت تستهدف أهالي كل من يُجبر على دخولها وهو لم يكن استثناء، احضروها واجبروه على قتلها وحينما رفض عذبوه وفي النهاية قتلوها هم بطرق جعلته يتمنى لو كان هو من قتلها ورحمها، وهذا جعله عبرة لغيره كي ينفذوا الأوامر دون مناقشة . كالعزيز جوليان الذي خاف العذاب على طفلته الصغيرة وقتلها بيده دون أن يرف له جفن، وغيرهم من الكثيرون .
المنظمة هنا كانت غير آدمية تمارس كل ما تمتلك كي تنشأ بشر لا يشعرون بشيء ولا يبصرون سوى الدماء . مسح دمعة كادت تهبط منه في اللحظة التي أبصر بها زكي يقتحم الغرفة يردد بجدية : _لقد اكتشفوا هروبها من الغرفة .. حاول مارك التماسك وهو يرفع عيونه في وجه زكي، يراقبه ثواني قبل أن يتنفس بصوت عالي : _لا بأس لن يكتشف أحدهم أنها هنا، طالما أن أحدهم لم يبصرك وأنت تحضرها .
نفى زكي برأسه هو متأكد من أن أحدهم لم يبصره وقبل توضيح ذلك سمع رنين هاتف يعلو في المكان، حرك عيونه صوب الهاتف الذي احضره جديدًا يجيب بسرعة على أحد ارقام مسلم المشفرة . وقد اعتمد لهجته غير المفهومة نسبيًا لأي جهاز ترجمة قد يجعلهم يدركون حديثه : _مسلم ... _زكي اتطمنت على رايانا ؟! _أنا درك دخلت للغرفة، راح نطمن عليها ونشوف إذا راهي بخير. تنفس مسلم بصوت مرتفع وصل لزكي الذي شعر بالقلق من القادم: _واش راك راح تدير درك؟
راهُم توا اكتشفوا بلي هربت. نظر مسلم أمامه صوب السيارات التي كانت ترتص لأخذهم صوب مهبط الطائرات الرئيسي في الجزيرة، وكان يشرف غابرييل عليها بنفسه باعتباره المستشار الأول للدون " ريكاردو ". _جهز نفسك يا زكي أنا هكون عندكم في خلال ساعات . تحفز جسد زكي وهو يتحدث بحرص . _واش راك راح تسالي من كلش اليوم؟ اتسعت بسمة مسلم حينما أبصر حاتم يقترب منه وهو يصيح بينما يجهز الأسلحة :
_ولك الله يعينك على راسك الناس مجهزين قنابل يدوية، شو شايفيكم رايحين تحتلوا بلاد . اتسعت عيون زكي من الطرف الثاني وهو يبتعد خطوة عن مارك الذي كان يجهل كل ما يقال من طرف زكي : _واش يقصد حاتم يا مسلم؟ واش تخطط تدير نتا؟ ابتسم مسلم بسمة واسعة وهو يرفع يده يربت على كتفه حاتم مرددًا بكل جدية : _هجيب عاليها واطيها .... ــــــــــــــــــــــــــــــــ تحركت بسرعة صوب الباب تفتحه بضيق شديد وهو ترفع بعض الأموال وما
تزال تنظر خلفها لوالدتها : _ماما شوفي الكيكة في البوتجاز و... توقفت عن الحديث حينما استدارت وابصرت أن الطارق لم يكن حارس البناية الذي ارسلته ليحضر لها البقالة . راقبت الرجل أمامها وهي تحاول تذكره، هي تشعر أنها تعرفه، ضيقت ما بين حاجبيها، تتحدث بجدية : _ايوة اتفضل ؟ _خالي أمير هنا ؟ راقبته أميرة ثواني قبل أن تتسع عيونها وكأننا للتو فقط أدركت هويته تبتسم بعدم تصديق : _أنت أحمد مش كده ؟ وأحمد فقط
منحها بسمة ترحيبية صغيرة : _من فضلك بلغي خالي إني محتاج أقابله عشان موضوع ضروري . رمشت بعدم فهم لحديثه، لكنها هزت رأسها وهي تبتعد عن الباب تشير له بالدخول، ومن ثم تحركت بجدية صوب الداخل: _اتفضل هنادي بابا، تشرب ايه الأول؟ _ولا حاجة تسلمي، محتاج بس اكلم خالي في موضوع وهمشي على طول . وأميرة هزت رأسها بهدوء وهي تتحرك من أمامه بسرعة وأحمد ظل جالسًا يتذكر اتصال حاتم به قبل صعود الطائرة..
" ايه أحمد منيح جاوبت قبل ما نسافر" " خير يا حاتم حصل حاجة ولا ايه ؟؟ أنتم كويسين " " ايه ايه ما عليك، بس حبيت بلغك بشي بلا ما انساه، وقت روحت مع هاداك اليحيى لبيت البارو شوفت ورق وكارت خاص بابنه لجدك، بظن انه كان فيه تواصل بينه وبين الرجال في القرية، قولت بلكي بتساعدك هالمعلومة، لأني شوفت توقيع باسمه على الورق، ببعتلك صورته" _أحمد يا بني عامل ايه ؟
رفع أحمد عيونه صوب القادم وقد خرج من أفكاره على صوت امير الذي تحرك له مبتسمًا تتبعه زوجته كالعادة، وكأنها تخشى أن يتخذ زوجها قرار غير مُصدق عليه من طرفها، جلست أمامه وهي تضع قدم فوق الأخرى بهدوء تبتسم له بسمة أرستقراطية غبية : _ازيك يا أحمد عامل ايه والدتك عاملة ايه ؟
وأحمد فقط حدق فيها بضيق من جلستها وطريقتها في الحديث معه وكأنه أقل منها في المقام أو ما شابه، وهذا ما كان في الواقع هذه السيدة بأموال جده فرج أدخلت جميع أبناءها لكليات كبيرة ومدارس خاصة وتوسطت للحصول على أفضل الوظائف وكل ذلك بأموالهم وحقهم الذي تنازلوا عنه . _أنا بس جيت محتاج اتكلم مع حضرتك في حوار مهم يا خالي على انفراد لو تسمح ليا . استدار امير بتردد صوب زوجته وابتسم بسمة صغيرة : _ها .. اه طبعًا اكيـ...
_موضوع ايه ده اللي عايز تكلمه فيه ؟! اتكلم مفيش حد غريب هنا . هكذا قاطعت المرأة حديثهم وهي تنظر صوب أحمد بشكل جعل الأخير يرفع حاجبه ويزداد غيظه من هذه المرأة وتمنى لثواني لو لم تكن امرأة عجوز تحاول التصابي لكان أراها مقامها الحقيقي . _اه طبعا مفيش حد غريب العصابة كلها هنا . اتسعت عين المرأة وقد باغتها أحمد بالكلمات فجأة ويبدو أنها أخرجته عن طور هدوءه المعهود وصبره .
لكنه لم يسمح لهم بالفرصة للتفكير وهو يخرج بعض الأوراق التي حصل عليها يحيى مع حاتم يلقيها أمامهم يضع قد على الأخرى وهو يقابل تلك المرأة يستند على المقعد خلفه . _حاول المرة الجاية وأنت بتمضي وتبيع حقك وحقنا أنك تقلد خط جدي كويس، جدي حليم خطه احلى من القرف اللي أنت عامله ده . اتسعت عيون أمير وقد شحب وجهه فجأة ينظر صوب الاوراق المستقرة أمامه على الطاولة يبتسم بسمة مهتزة ينظر صوب زوجته وكأنه ينتظر منها أن تتلقفه .
_أمضى ايه و.... قاطعته زوجته وهي تميل وتسحب الورق وتنظر له بجدية : _أنت جاي بيتنا هنا عشان تهري في ايه ؟ عايز ايه بالظبط ؟ _وأنا هعوز منك ايه يا مرات خالي ؟! رفعت السيدة عيونها له بغضب شديد وقد بدا أن الكلمة قد اغضبتها أكثر إهانته السابقة واتهامه لهم : _مرات خالك ؟ أنا مش مرات خال حد .
_صدقيني الكلمة دي هي اللي خليتني اجي هنا واعرفكم اللي هيحصل عشان محدش منكم يلوم على تربية اهلي لما يلاقي نفسه مجرور في الأقسام بتهمة التزوير والاحتيال . سقط أمير على الأريكة بصدمة كبيرة يردد الكلمة بعدم تصديق : _احتيـ..احتيال ؟ _وتزوير ولسه اللي جاي احسن . نظر أمير برعب صوب زوجته وقد أدرك في هذه اللحظة أن كل ما فعله كُشف للجميع . _أنت عايز ايه ولا تقصد ايه بالزيارة دي ؟
ابتسم أحمد وهو يستدير صوب زوجة خاله وقد أدرك أن النقاش سيكون بينهما بسبب دخول أمير في صدمة جمدته . _عايز حقي وحق اخواتي وجدي وكل جدودي واولهم جدي فرج اللي مات بسببكم، عايز كل ده من عنيكم. ارتجفت يد أمير بصدمة : _أنت بتقول ايه ؟ مال ابويا و... _أبوك اللي شاركت أنك تخلص منه ؟ هنا وبدأت اعراض الصدمة تظهر على المرأة بعدما كانت متماسكة، شعرت بالمكان يدور حولها بصدمة : _أنت بتقول ايه أنت اتجننت ؟
_لا متجننتش، بقول اللي حصل، يعني مش مكفيكم أنكم بيعتوا ارض زي دي بالرخيص لشوية غجر عشان يستغلوها في أعمال غير شرعية، لا وخلصت على ابوك لما اكتشف كل ده وكان مخطط يفضحهم، ومش بس كده بعد ما خلصت على أبوك روحت وعملت تنازل باسمك وباسم جدي حليم على أساس إن الورثة بيأكدوا على بيع الأرض ؟ نفذ الهواء من المكان تقريبًا وقد شعر أمير أنه حوصر داخل دائرة نار وكل الجهات تودي لهلاكه.
وزوجته لم تعلم ما يحدث، وكيف وصل أحمد لكل ذلك، وأحمد فقط لم يتوقف على الكلمات التي نطق بها حاتم، بل اجتهد وأخذ يجمع كل الخيوط التي ستفيده . _بس وأنت بتبيع وبتتنازل نسيت إن الأرض مش بس ملك جدي فرج وجدي حليم، لا يا خالي في ٢٧ واحد وارثين الأرض دي وامضتهم لازمة، بس أنا بعذرك هتزور ازاي أمضة ٢٧ انسان وأنت عمرك ما قابلت منهم حد ونصهم ميتين والنص التاني مسافر ؟ نهض وهو يسحب الورق يبتسم لهم بسمة واسعة :
_على العموم انا بس كنت جاي اقولكم من باب العلم بالشيء وعشان تلحق تجهز ليك محامي، أنت برضو قريبي ومرضاش ليك تتسحب على خوانة من بين عيالك من غير ما تكون جاهز . وقبل التحرك أمسكت السيدة بالاوراق بسرعة وهي تنظر في عيونه باستجداء : _طب ... طب خلينا نتفاهم طيب، الموضوع مش زي ما أنت فاهم خالص احنا ... كنا مجبورين و... سحب أحمد الاوراق بقوة مرعبة حتى كادت السيدة تسقط بوجهها على الطاولة، وهو ابتسم لها بسمة صغيرة :
_أنا مش جاي اساومكم واخد حتة جاتوه لأني هسحب التورتة كلها، انا مش عبيط زيكم . اكمل بسخرية واستشفاء وحقد: _أنا جيت مخصوص هنا يا مرات خالي عشان بس اشوف النظرة دي في عيونك، نفس النظرة اللي خلتيني اشوفها في عيون أمي يوم ما اهنتيها أنتِ وعيالك، فاكرة ؟ صمت وكأنه يمنحها الفرصة لتذكر ما فعلت، ربما نست لكن أحمد لن ينسى ذلك اليوم حينما قللت من والدته أمام الجميع في تجمع بسبب خلاف بينهما .
مرت السنوات ولم ينس قسمه، وها هو الآن يستمتع بنفس النظرة وأشد، وما زال سيريهم ذلًا . رفع عيونه صوب أمير يهدر بكلمته الأخيرة قبل الرحيل: _بيني وبينكم المحاكم، هاخد حقنا من عيون اللي خلفوكم، مع احترامي لجدي... سلام يا خالي . ختم حديثه يرحل دون كلمة في اللحظة التي أبصر بها أميرة واقفة بصدمة جانبًا وتراقب ما يحدث بغير تصديق تهمس بصوت مندهش : _اللي قاله ده بجد !؟ أنتم اللي قتلتـــــــوا جـــــدو ؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ مرتفع وهو لم يهتم وهو يتحرك خارج المكان تاركًا قنبلته خلفه، خرج من البناية الفاخرة وهو ينظر لها بحقد شديد، عاشوا سنوات في نعيم هم أحق به . اخرج الهاتف يضغط على بعض الارقام قبل أن يسمع صوت من الطرف الآخر : _الو يا يحيى .. _حبيبي . _هات الكل وارجع للقاهرة، احضر العرض ...... ـــــــــــــــــــــــــــ _زكي ...
توقفت أقدام زكي في منتصف الممر وهو يستدير يبصر تحرك جوليان صوبه بتعجب، والاخير اقترب منه بلهفة وكأنه يبحث في عيونه عما ينتويه هو ومسلم . _ما الذي حدث ؟ _لا أعلم عما تتحدث أنت جوليان ؟ _هيا زكي لا تمزح معي أعلم أن مسلم لن يصمت عما يحدث فهذه المرأة تعني له الكثير كما أرى، ومن ثم أين اخفيتها ؟ الجميع هنا يبحث عنها .
اتسعت بسمة زكي بقوة ومن ثم تجاهله وهو يتحرك بعيدًا عنه فهو لا يثق في هذا الرجل الحقير الذي يعلم أنه قد يبيع أي شخص يدخل له أموالًا أكثر: _لا اعلم عمن تتحدث أنت. ومن ثم رحل بكل بساطة تاركًا جوليان مكانه، جوليان لا يفهم ما يحدث ولا يعجبه أن يكون جاهلًا بكل شيء حوله، يكره أن يُعامل بهذا الشكل، وشيطانه في هذه اللحظة اشتغل غضبه وأخبره أن يتحرك ويخبر القادة بأن مسلم يخطط مع زكي لشيء هو لا يعلمه .
لكن وقبل التحرك خطوة توقف مجددا بغضب وقد شعر بالضيق من عدم قدرته على فعل ذلك على أية حال، ليس قبل أن يفهم ما يحدث ليقرر أي جهة ستكون مصلحته . أما عن زكي فابتعد عنه بضيق شديد وهو يخرج هاتفه يجيب المكالمة التي استلمها في التو : _اهلا .. _احنا حاليا قدامنا بس وقت قليل ونكون عندك هتستنى اشارتي عشان تخرجها أول ما تستلم المكالمة مني هتخرجها يا زكي المخرج الغربي تحديدًا، وأول ما تخرج هتلاقيني مستنيك عشان استلمها منك .
_مسلم، واش راك متأكد من القرار هذا؟ ما نحبّكش تندم عليه بعد. ومسلم لم يكن يفكر فيما بعد، بل فقط يفكر في زوجته فقط : _بس خليك متأكد أنها بعيد عن اللي هيحصل ولو ... لو حصل أي حاجة بس سلمها لحاتم وأهرب يا زكي بلاش حد يعرف أنك ساعدتني عشان متتأذيش، روح مع حاتم هو هيساعدك . _راك ماكش تعاونّي نهدّى ونطمن شوية. ( أنت لا تساهم في طمئنتي)
ابتسم مسلم بسمة واسعة وهو يراقب الطريق أمامه، ٩ ساعات مرت خلال طريقهم لهنا، ايام تنقضي خلف ايام وزوجته ما تزال بين أيديهم . _سيبها على الله، انا بس هخرجها ومن بعدها بشوف هعمل ايه . _تمام . اغلق الهاتف دون كلمة ومن ثم تحرك صوب المطبخ يحضر وجبته الليلة التي يتناولها عادة مع غيره من الرجال هنا، لكنه في جميع الأحوال لم يكن قريبًا من أحد سوى رجل استرالي الجنسية وحتى هذا قتلوه قبل شهرين .
ابتسم بغضب وهو يضغط على الصينية ومن ثم تحرك صوب غرفته جلس بها وحده، وبعد دقائق طويلة خرج من الغرفة يحمل حقيبة، توجه لغرفة مارك مع طعامه لأجلها . دخل دون كلمة ليجد جسد مارك متسطحًا بكل برود على الفراش : _أرى أنك احببت غرفتي كثيرًا مؤخرًا. وابتسم زكي غير مهتمًا به : _فقط افتح لي الغرفة حتى نطعم المرأة. _هل تعتقد أنني لا اطعمها ؟ _لا بأس بالتأكد مارك .
تنهد مارك بضيق وهو يتحرك صوب باب غرفته يغلقه بقوة، غير منتبهًا لجوليان الذي كان مرابطًا أمام غرفة زكي طوال الليل ينتظر منه تحركًا وتبعه حتى هنا . والآن ابتسم حينما أبصر الباب يغلق وقد أصبح شبه متأكدًا أن الفتاة بالداخل . وفي الداخل تحرك مارك صوب المخبأ يفتحه بارقامه التي لا يعلمها في الوجود سواه هو، ومن ثم أشار لزكي صوب الباب لينظر له الأخير نظرة غير مهتمة يقترب من الباب يطرقه طرقة تحسبًا لأي شيء .
ومن ثم دخل المكان وقبل أن يدرك أحدهم ما يحدث كانت ضربة عنيفة تهبط فوق رأس زكي ليسقط الاخير في بركة دماء ارضًا تحت أعين مارك التي اتسعت برعب وهو يتراجع بسرعة للخلف قبل أن تصيبه نفس الضربة منها . ورايانا فقط تقف في منتصف الغرفة بأعين غاضبة شرسة تراقب جسد مارك وهي ترفع شمعدان معدني وتوجه صوبه وكأنها تخبره أن دورك القادم . _أيتها المختلة هل قتلتي الرجل ؟؟؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_أنت يا بني عبيط ولا شكلك كده ؟ كارا مين اللي تسافر معاك القاهرة ؟ نظرت كارا ارضًا بسرعة حينما نظر لها والدها متعجبًا ما جاء به يحيى، والاخير يحاول أن يجادله، لكن حتى هذا شعر أنه فقد الشغف له، ليس وعقله مشغول بالكثير من الأشياء . _يا عم محظوظ اسمعني وافهمني أنا والله مش بقولك كده غير عشان مضمنش حد منكم جنبها، أنتم عالم شلق ومش واثق اسيبها معاكم لوحدها .
رفعت كارا عيونها له بصدمة تحذره بنظراتها أن يتمادى في الحديث أمام والدها، والاخير لا يفهم ما يحدث . _يعني ايه ؟ أنت تقصد ايه ؟ قصدك إن أنا مش هقدر أخد بالي من بنتي ؟ ليه يا خويا عاشت السنين دي كلها معايا ازاي ؟! _انا مش جاي عشان اقلب المواجع على بنتك وافكرها بحياتها قبلي، بعدين أنت خايف من ايه بقولك اساسا هتكون مع ساڤا ونورهان وشيما، هيقعدوا مع أمي في البيت وانا هطفش لشقتي .
صمت ثم ابتسم بسمة شاعرية وهو يستدير صوب كارا يقول بحماس اشتعل فجأة : _ابقي فكريني افرجك على شقتنا يا عروسة و... وقبل اكمال كلماته انتفض محفوظ وهو يصرخ : _لا ده أنت اتجننت، اوعى تكون فاكر إني هوافق على الهبل اللي أنت بتقوله ده، على جثتي بنتي تروح معاك لوحدها يا جدع أنت. _أنت مش بتثق فيا ولا ايه يا عم محظوظ ! _والله مش بثق فيك ولا بذرة واحدة، واتفضل برة بيتي وموضوع إن بنتي تسافر معاك دي تنساها خالص سامع ولا لا ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تجلس في السيارة جوار نورهان لا تصدق ما يحدث، كيف وافق والدها على كل ذلك، لقد كان يقسم منذ ساعتين فقط أنها لن تغادر المنزل مع يحيى، والاخير نظر له بشر وتحدي ليختفي ساعة ويعود بعدها بنورهان وعيسى واتصال هاتفي مع جدها وقد بدا أن يحيى أخذ القتال بجدية وحشد أسلحته كلها . _تأكلي حاجة ؟ العربية هتقف في استراحة هنا، اجيبلك ايه ؟
نظرت له كارا ثواني قبل أن تعود بعيونها للنافذة، تراقب الطريق كانت هذه مرتها الأولى التي ترى بها العالم بعيدًا عن حدود قريتها . _شكرا انا مليش نفس .. صمتت ثواني ثم نظرت له ببسمة واسعة وهو لثواني فقط شرد في نظراتها: _يحيى هو أحنا هنروح القاهرة بجد ؟ نظر لها يحيى بحب قبل أن يردد بجدية وهو يميل برأسه: _القاهرة تتشرف إن كارا تروح ليها، بتقولي ايه أنتِ ؟
اتسعت بسمة كارا بقوة، بسمة جعلت يحيى يشرد فيها وقد أخذ عهدًا على نفسه لا ينكثه ولو بروحه، أنه سيحيا اعوامه القادمة فقط كي يرى بسمتها طوال الوقت على فمها . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ توقف الجميع على بعد صغير من مقر المنظمة وقد كانت هناك طائرة هليكوبتر تحلق فوق المنطقة، قبل أن تبدأ في الاقتراب من المجال الجوي للمنظمة والذي يعلم مسلم أنه سيستشعر أي تدخل فيه .
وبالفعل ما هي إلا دقائق وبدأت صافرات انذار باختراق المجال الجوي بطائرة غير تابعة لهم، يعلو صوت الانذار في الأجواء . ومسلم ومن معه من الرجال يقفون على بعد صغير من المنظمة، وحينها سمع صوت غابرييل يردد بجدية في الهاتف : _الآن يا عزيزي ... ومن بعد هذه الكلمة بدأت الطائرة تسقط الكثير من قنابل الدخان في المكان محدثة اصوات انفجارات كبيرة من شأنها اصدار تشتيت لحظي، كما أن الدخان سيعطل الرؤية لوقت كافي لينتهوا من كل شيء .
وبالفعل اخرج مسلم هاتفه بسرعة يتصل بزكي وهو ينتظر أن يجيبه ليخرج بها بسرعة وهم سيتولون الحراس حتى يأمنون الخروج . لكن الرنين بدأ يصدح مرة ..واثنتين ولا رد . شعر مسلم بالقلق ولم يسمح لشيطانه أن يتحكم في أفكاره وأنه ربما... ربما خانه زكي ؟ لا لا زكي ليس الشخص الذي يخشى منه . شعر بالرعب وهو يرسل رسالة مشفرة يخبر بها زكي ما يحدث وأن الوقت حان ليخرج بها، لكن لا رد، اتصل بمارك سريعًا وضربات قلبه تعلو، لكن لا رد كذلك ...
هنا وفقد مسلم كل ذرة صبر وتعقل في رأسه، يخرج سلاحه وهو يندفع بسرعة صوب المنظمة وغابرييل يحدق فيه بصدمة كبيرة : _أيها المجنون ... وعلى الطرف الآخر كان حاتم هو من يقود الطائرة ويحلق بها في مناورات حول المنظمة، وحينما سمع جملة غابرييل علم أن مسلم فقد صوابه : _ما الذي يحدث ؟ _ذلك المجنون اندفع صوب المنظمة قبل تأمين المداخل وحده . اتسعت عيون حاتم وهو يطلق سبة مرتفعة لم يفهم منها غابرييل شيئًا، لكنه لم
يهتم وهو يشير صوب الرجال : _ما الذي تنتظرونه أنتم؟ هذا الرجل إن مسه سوء سنكون وجبة ريك القادمة، الحقوا بهذا المجنون واخرجوه حي من المكان . وبالفعل بدأ رجال ريكاردو يندفعون صوب المنظمة خلف مسلم، ومعهم غابرييل الذي لحق به فقط فهذا الرجل كما فهم المسمار الأخير الذي يحتاجه ريك في نعش المنظمة، ولن يتحمل أن يعود بدونه لريكاردو فيقتلهم جميعًا .
اقترب مسلم من المنظمة يعرف طريقه صوب بوابة جانبية وقبل أن يصل لها رفع سلاحه بسرعة يصيب رصاصة في منتصف رأس الحارس ومن ثم وقبل أن يدرك ما يحدث كان باقي الحراس يسقطون ارضًا برصاصات رجال ريك ... لم يهتم مسلم لما يحدث وهو يخرج جهاز صغير يلصقه بسرعة في جهاز الامان وما هي إلا دقائق وفتح الباب بكل سهولة وقد استطاع تشويش أقفال المبنى، أجهزة كهذه لم يكن ليحصل عليها لولا العزيز ريك .
دخل بسرعة تاركًا الجميع يركضون خلفه لتأمينه وهو يتحرك صوب المبنى الرئيسي يعلم وجهته " غرفة مارك " والهاتف بيده يتصل مرات ومرات بزكي ولا رد، وهنا كل الأفكار السوداء حول اكتشافها تدافعت لعقله وقد بدأ يفقد عقله في هذه اللحظة وهو يندفع في الممرات غير مهتمًا بمن يراه، كان أشبه بعملية انتحارية وهو يلغي عقله، لكن وقبل أن يدخل لمنطقة الحراسة والغرفة داخل المبنى نفسه اتسعت عيون بصدمة وهو يبصر جسد يعرفه يقترب منه ..
جسد جوليان يركض صوبه بسرعة مرعبة وهو يحمل فوق كتفه جسد آخر... جسد زوجته فاقدة الوعي . هنا وفقد مسلم عقله وهو يهرول صوب جوليان وقبل أن يصرخ في وجهه وجد الأخير يلقي برايانا له وهو يصرخ بجنون: -خذها وغادر وتوقف عن كونك وسخ انتحاري، الآن لديك من تهتم له . اتسعت عيون مسلم ولم يفهم ما يحدث، كل شيء كان يشوشه، ما علاقة جوليان وأين زكي ومارك وما الذي حدث لرايانا. نظر لها بعدم فهم وخوف ليردد جوليان :
_فقط اضطررت لجعلها تدخل في غفوة بعدما كادت تقتل زكي في الداخل، وكذلك مارك . لم يفهم مسلم ما يعنيه جوليان ليبتسم الاخير بسخرية : _أحسنت الاختيار في النهاية، امرأة مجنونة مثلك، هيا خذها وارحل الآن لقد شتتتُ الحراس صوب الضربات التي تسقطها علينا، ارحل قبل أن يتماسكوا وحينها لا تلومن إلا نفسك . نظر له مسلم بعدم فهم، لا يفهم ما الذي يفعله جوليان ولماذا يساعده ؟ جوليان أجاب بعيون ملتمعة بقهر حينما أبصر
سؤاله الذي يدور في رأسه : _مارك محق، نحن لن نرتضي لك أن تحيا ما عشناه، جعلوني اقتل ابنتي، وهو تعذبت أخته حتى تمنى لو قتلها بنفسه، أنا لا أفعل هذا لك مسلم، بل أفعله لأجل ابنتي عسى أن ترقد روحها في سلام . وبمجرد أن ختم حديثه تراجع وهو ينظر لمسلم نظرات غريبة والاخير لا يفهم ما حدث للتو ولا ما يحدث، هل فجأة نبتت قلوب في صدور هؤلاء الرجال ؟ يبدو أنه ليس العدو الوحيد لهذه المنظمة .
جوليان فقط رماه بنظرة أخيرة قبل أن يستدير ويركض بعيدًا يتذكر اللحظة التي كان يراقب بها غرفة مارك ترقبًا للحظة التي يقتحمها بها كي يرى ما يحدث . قبل أن يسمع صوت تحطيم وصراخ مارك، لينظر حوله بتردد، يقرر اقتحام الغرفة فجأة ليقف ويصدم بامرأة تحمل شيء معدني ملوث بالدماء ومارك أمامها يحاول إجبارها على إنزاله وهي تحاول الهروب من الغرفة وفي الخلف جسد زكي ينزف حتى الموت .
انتفض جسد مارك حينما أبصر جوليان وتوتر لثواني ولم يكد يتحدث، حتى شعر باهتزاز هاتفه مرات ومرات ورنين هاتف زكي لم يتوقف، لذا شعر بالخوف من فشل كل ذلك . _جوليان ساعدني لأخذها لمسلم . نظر له جوليان بتشنج ورفض مبتسمًا بعدم تصديق : _أخذ من؟! هل جننت أنت مارك؟! هل تعاونت مع مسلم الآن؟ ألا تدرك عواقب أفعالك ؟ انفجر مارك في الصرخ وهو لا يصدق أن الوقت يداهمهم : _ماذا أنت؟؟ هل تود رؤية مسلم يقتل زوجته كما فعلت بابنتك؟!
أم تريد للمرأة أن تتعذب قبل أن تُقتل بأبشع الطرق كما حدث مع شقيقتي ؟؟ اتسعت عيون جوليان وكأن مارك ضغط على احلك نقطة داخل نفسه واستدعى كل ذكرى سوداء في عقله، ابنته أمامه تنظر له بأعين بريئة وهي تتوسله، تتمسك بقدمه وتحتمي به من الجميع، تحتمي به من كل الرجال حولها وهو فقط لم يبصر أمامه حينها سوى شقيقه مارك التي نالت من العذاب ما جعلها تتوسله أن يقتلها هو .
انتفض على صراخ مارك الذي هجم على رايانا يصيب وتر في عنقها مسقطًا إياها ارضًا: _خـــــذها ، صوب الغرب، مسلم هناك، لأجل ابنتك يا جوليان، أتوسل إليك. سقطت دموع جوليان دون شعور وفي ثواني ودون تفكير مال يحملها فوق كتفه ليسهل ركضه بها في الممرات، ولم يفكر في جهاز المراقبة أو غيره، فقط كان يركض لأجل ابنته، لربما غفرت له في الآخرة حينما يقف عاجزًا متوسلًا أمامها.
يركض تاركًا مارك خلفه يتحرك بسرعة صوب زكي الذي بدأ يتململ، يسحبه ليعالجه . دخل جوليان _بعدما ترك مسلم _للمبنى وهو يشعر أن نهايته اقتربت، سحب كل ما يخص من الأغراض ومن ثم استغل الفوضى ليركض من المكان صوب شقته يخطط لترك البلاد والاختفاء، يعلم أنهم سيجدونه، لكن عليه في البداية التأكد أنهم لن يمسوا والدته بسوء .
وقبل التحرك لينتهي من كل ذلك توقف أمام غرفة مارك ليبصر زكي يجلس وهو يمسك رأسه بوجع يردد باسم امرأة خمن أنها زوجة مسلم . وبمجرد أن أبصر زكي جوليان انتفض ينقض عليه وهو يصرخ : _رايانا... أين هي ... أين اخذتها ؟ _مع ... مسلم، سلمتها لمسلم . اتسعت عيون زكي وهو لا يصدق أن جوليان الكلب الوفي للمنظمة فعل هذا، لكن جوليان لم يكن يهتم ولم يكد يرحل بعدما أخبرهم بما فعل حتى وصلته رسالة جعلت ملامحه تنفرج فجأة وهو يبتسم
بسمة غريبة يردد بصدمة : _أيها الوغد الخبيث .... نظر له مارك بعدم فهم لتتسع بسمة جوليان وهو يلقي الحقيبة ارضًا يتنفس الصعداء وقد أبصر نهايته ووالدته أمام عيونه يردد بامتنان لأول مرة في حياته . _مسلم مسح جميع تسجلاتي وأنا اخرج زوجته، كما أنه نظف النظام من كل ما يمكن أن يديننا. صمت ثواني قبل أن يرفع رأسه صوب زكي ومارك يتحدث ببسمة واسعة وكأنه أدرك للتو: _مهلًا هل هذا يعني أن مسلم واخيرًا مدين لي بدين ؟؟
نظر زكي صوب مارك الذي زفر بصوت مرتفع وهو يلقي جسده على الفراش ينظر للسقف مرددًا بجدية : _اعتقد أنني بحاجة لعطلة طويلة في هاواي مع بعض الجميلات .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ألقى الهاتف جانبًا بعدما اهتم بتنظيف الساحة خلف جوليان، ليس لشيء سوى ردًا لجميل قدمه له، جميل لا يعلم كيف يرده له، فهو لم يساعده فقط، بل منحه حياة .
اغمض عيونه وهو يضم جسد رايانا يرفض تركها تبتعد عنه مقدار شعرة واحدة منذ أمن غابرييل خروجهم من المكان وانسحب حاتم بالطائرة بعيدًا، وها هو يتحرك مع الجميع صوب صقلية حيث يمكن أن يطمئن أن لا أحد سيتجرأ ويطئها منهم حتى لو علموا أنه هناك .
ليس لأنها مؤمنة بشكل جيد فقط، بل لأن الضربة السابقة لريكاردو كان ردها خسارة كبيرة لهم، وهم ليسوا على استعداد لللعب معه مجددًا، ليس بعدما أراهم ريكاردو كيف يمزحون معه مثل هذا المزاح الخشن . تنفس بصوت مرتفع لا يعلم للمرة الكم يتنفس رائحتها فقط كي يطمئن قلبه أنها معه، كان يضمها بقوة وهو يخفيها عن الأعين، لا يزال لم يتخطى بعد ما حدث لها، هيئتها والسترة القصيرة التي ترتديها .
سحب طرف الثوب الذي احضره لها معه، وهو يراقب ملامحها ثم مال يهمس بصوت حنون : _فروشكا، أنا هنا .... لكن هي لم تكن تعي ما يحدث، وهو شاكر لذلك مؤقتًا حتى يصل بها لبر الأمان، رفع عيونه ليبصر حاتم الذي كان شاردًا في نقطة بعيدًا: _وهلأ شو ؟ _قصدك ايه ؟ _شو بدك تساوي هلأ من بعد ما خرجتها، شايف أنه كافي هيك وخلينا نرجع ونبعد عنهم . نظر له مسلم ثواني قبل أن يجيب بجدية :
_تفتكر هيسيبوني خاصة بعد اللي عملته دلوقتي عشان اخرجها وهما خلاص عرفوا مكاني ؟ -شو بتقصد أنت؟ _قصدي مش هينفع ارجع وانا عارف أنهم لسه موجودين، المرة دي رايانا ورجعتها وهي شبه متدمرة وربنا ستر، المرة الجاية امي أو نورهان أو يحيى أو عيسى، مش هفضل مستني وانا بفكر يا ترى مين اللي عليه الدور .
انتفض جسد حاتم عند ذكر نورهان وتخيل لو أنها كانت مكان رايانا في هذه اللحظة، ليشعر بكامل جسده يسخن من الغضب، لا أحد يستحق أن يحيا ما عاشوه هم سواء كانت رايانا أو غيرها، لذا لأول مرة يوافق مسلم في الأمر وهو ينظر له بترقب قبل أن يقول بصوت هادئ . _لكان شو بتقترح أنت؟ _هخلص عليهم . _بتعرف أنه هاد الشي مستحيل. _عندك حق، على الأقل اخلص على اللي حاطنني في دماغه وننهي الجيل ده من القادة اللي جاي بقى يبدأ على نضافة.
كان مسلم يدرك في قريرة نفسه أن التخلص منهم أمر صعب، من المستحيل تقريبا فناء هذه المنظمة رغم كل اماله بذلك، لكن هم ليسوا مجرد منظمة عادية، بل متشعبة ولها جذور متأصلة صعبة القص، لكن على الأقل يتخلص ممن يتحين فرصة إيذائه . استمر الطريق طويلًا، ساعات قضاها يتأملها بلا كلل أو ملل حتى شعر بها تتململ . ضمها أكثر له وهو يهمس باسمها بلطف شديد: _فروشكا .
وهي فقط أخذت تصدر اصوات توجع وكأنها ما تزال تتلقى تلك الضربات، تشعر بالأيدي الرطبة تتحرك على جسدها، بدأت تصدر همهمات وهي تبعد الأيدي عنها وتصرخ في غفوتها ومسلم يحاول يجعلها تهدأ : _رايانا ... رايانا حبيتي... فروشكا أنا مسلم ... أنا مسلم . ورايانا اخذت تبكي وهي تصرخ، ومسلم يحاول أن يهدئها، تحرك حاتم بعيدًا عنه كي يتيح لهم فرصة الهدوء سويًا . ومسلم حاول التماسك وإخراج صوته بنبرة طبيعية : _فروشكا... أنا مسلم ..فروشكا .
بكت رايانا وهي تنادي باسمه، بينما هو جذبها له يكتم بكائه : _أنا هنا، فروشكا أنا هنا، حقك عليا، حقك عليا أنا. فتحت رايانا عيونها بعد ثواني حينما بدأت تهدأ وهي تسمع صوت مسلم قريب منها، كانت الإضاءة صعبة على عيونها، لكنها قاومت حتى ابصرته واخيرًا .. أمامها بنفس النظرة التي كان يرمقها بها طوال الوقت منذ اللحظة الأولى التي نظر لها بها ذلك اليوم في منتصف الساحة حينما كان يجابه عز الدين وهي تختبئ بين الجميع . _مسلم ..
وهو شعر وكأنه لأول مرة بعد أيام وساعات طويلة يتنفس بشكل طبيعي، اغمض عيونه يتنفس براحة شديدة : _حياته كلها، حياته يا رايانا حياتي كلها . حدقت به رايانا ثواني قبل أن تهمس بعدم وعي وكأنها ليست معه، أو كأن روحها ما تزال في ذلك المكان. _هو ... غصب عني ضربته، كان قصدي اضرب التاني ابو حلق ... بس .... هو ... جات فيه هو ... مكنتش اقصد يا مسلم . نظر لها مسلم بعدم فهم يعيد خصلاتها للخلف بحنان شديد وحب : _مين يا رايانا ؟
نظرت له بأعين زائغة لا تعلم ما يحدث حولها تهمس بصوت خافت: _هو ... زكي . ضيق ما بين حاجبيه ثم تذكر كلمات جوليان له وهو يخبره أن زوجته كادت تقتل زكي . _زكي ؟ حصل ليه ايه ؟ _كان داخل وضربته، فكرته الراجل أبو حلق . _ابو حلق ؟ كان يردد الكلمة بعدم فهم حتى قفزت صورة مارك أمام عيونه لينفجر ضحكًا دون أن يتحكم في نفسه وقد انساه التخيل ما مر به للتو، ورايانا تراقبه بعدم فهم وهو فقط يتخيل أحدهم ينادي مصارع قديم ذو بأس كمارك بـ
( أبو حلق ) _يا ريتها كانت جات في ابو حلق، بدل ما تيجي في المسكين زكي . _والله ما كنت اعرف فكرت ابو حلق داخل يضايقني تاني ويشغلي فيديوهات وحشة ليك . ومسلم اهتزت بسمته لثواني من كلماتها الأخيرة يتحدث بصوت مهتز بعض الشيء: _فيديوهات وحشة ليا ؟ نظرت له رايانا بجدية وكأنها تستشف ردات فعله، ثم همست بصوت خافت : _فيديوهات ليك وأنت بتضرب ناس في قفص .
اتسعت عيون بصدمة، مارك كان من الحقارة التي تجعله يعرض مثل هذه التسجيلات عليها، يريها جزء هو نفسه يشمئز منه . _رايانا أنا مش .... لكن رايانا لم تسمعه وهي فقط تميل برأسها تستند على كتفه وتضم ذراعه لصدرها وصمتت لا تود التحدث في هذا الأمر في هذه اللحظة، فقط تود أن ترتاح ومن ثم تفكر بأي الرجال تزوجت تحديدًا ... ومسلم شعر بالخوف من صمتها هذا، عدم جدالها، هل هذا يعني أنها لا تهتم بأي الأشخاص يكون محبة أم زهدًا ؟!
أم أنها لم تتخطى بعد وتمر بحالة جمود؟! _رايانا احنا ... أنا وأنت مش .... صمت ولم يستطع التحدث، فقط يود كلمة تطمئنه أنهما بخير، أن ما ابصرته لن يؤثر عليهما ولو غضبت منه لكن لا تجافيه . _احنا تمام يا رايانا ؟ كانت جملة قد تظهر غبية بعض الشيء، أو ربما عادية، لكنها كانت تعني الكثير له، فقط كلمة يطمئن بها أنها ما تزال تراه مسلم . وعندها فقط زادت من ضم يده لها تردد بصوت خافت رغم رجفته : _أنا بحبك يا مسلم .
ومسلم تنفس الصعداء وهو يعود برأسه للخلف، وكأنه لتوه انتهى من معركة اقوى من معارك القفص التي كان يخوضها، تنفس وكأنه ضمن الحياة بعدما كان على حافة الموت . استند برأسه على المقعد خلفه وهو يحدق في السقف ويد تضمها والأخرى تتحرك في خصلاتها بحنان . فروشكا الآن هنا، بين أحضانه آمنة ساكنة .... ألا كفى بها فوزًا . ــــــــــــــــــــــــــــ "لولاش قلبه ما يوعاش طول عمره أهو عاش عيشة الدراويش يا بنات فاتنات ما بلاش
للنظرة تاخدني في لحظة طيش " _هو ده ابوكي اللي عايز يودعنا عشان حالته خطيرة؟! كانت كلمات خرجت من فم يحيى الذي يقف مع عائلته على باب منزل جده والذي بمجرد أن خطى الجميع له ابصروا حليم يجلس في الشرفة وهو يحمل بين يديه كوب شاي ساخن وأمامه " مسجل " قديم الاصدار تصدح منه كلمات الأغنية وهو يردد بصوت مرتفع وهو يحرك رأسه بانسجام . نظرت سنية صوب يحيى بعدم فهم :
_والله يابني هو اللي كلمني أول ما عرف أنكم جايين وطلب اجيبكم ليه حتى قبل ما تستريحوا وقالي أنه حالته خطيرة . ابتسم يحيى بسخرية : _مش شايف حد حالته خطيرة هنا، غير البنات الفاتنات اللي ابوكي خايف عليهم من طيشه . ضحكت كارا بصوت مرتفع ولم تستطع التماسك بعدما أبصرت ما يحدث أمامها، ويحيى وكأنه للتو أدرك أنها معه، فمال على والدته يهمس لها بصوت خافت:
_بقولك ايه يا سنية تقولي لابوكي يحترمني شوية لأحسن المدام هنا مش عايز صورتي تتهز بسبب لسان ابوكي الطويل . _اقسم بالله ابويا ما غلط أنت ما شوفتش تربية، ده جدك اللي بتتكلم عنه يا حيوان، بعدين هو اساسا مش بيفتكرك عشان يهز صورتك، أنت بس متفكروش بيك لما يسألك أنت ابن مين، قوله ابن تفيدة لو كدة . وقبل تحدث أحدهم بكلمة انتبه لهم حليم ليضع كوب المشروب على الطاولة يردد بصوت مرتفع وبسمة واسعة وهو يفتح ذراعيه :
_ابن سنية اللي مترباش والله وحشتني يا قليل الادب ياللي مشوفتش تربية. نظر يحيا لوالدته بنظرات حانقة وقد كاد ينفجر من الغضب خاصة من الضحكة التي خرجت من كارا في الخلف : _هو ده اللي مش هيفتكرني ؟؟ ده لقطني اول واحد فيكم . وقبل تحدث سنية بكلمة كان حليم يجذب يحيى لاحصانه بحب شديد : –وحشتني يا يحيى والله . ويحيى في ثواني نسي كل شيء وذاب كل سخطه بين أحضان جده يبتسم بحب وهو يربت على ظهره : _حبيبي يا جدي الحمدلله أنك بخير .
_كنت هبقى احسن لو سنية ربيتك أنت واخوك . ومن ثم ابتعد يراقب عيسى الذي التوى ثغره بضيق، لولا جده الذي جذبه لاحضانه بحب ضاحكًا : -تعالى يا واد هنا وحشتني ووحشتني مصايبك . ابتسم عيسى بحب وهو يضم جده بالمقابل : _وأنت اكتر يا جدي . رحب حليم باحمد كذلك بمجرد أن ابصره في الخلف : _الوحيد اللي متربي في كل احفادي . ضحك احمد ضحكة صغيرة وهو ينظر بطرف عيونه صوب عيسى ويحيى وكأنه يستفزهم بحب جده . نورهان تدخلت بسرعة وحزن مصطنع :
_الله وأنا يا جدو؟؟ _أنتِ قلب جدك اهم واحدة فيهم كلهم أنتِ ومسلم .. صمت وهو يبحث بعيونه بينهم: _هو فين مسلم مش معاكم ! نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن تتحدث سنية بنبرة رتيبة بالحجة التي ذكرها لها الجميع : _رجع يصفي أعماله يا بابا وراجع على طول . هز لهم حليم رأسه وهو يرحب بالجميع داخل منزله . والجميع نقصد جميع ابنائه وازواجهم وأحفاده عدا مسلم.
جلس الجميع في البهو وارتاح حليم أمامهم بارهاق شديد وهو يمرر عيونه على الجميع ببسمة صغيرة يسعد بأجمعهم حوله وقد كانوا هم ثروته الكبرى، لكن فجأة انتبه لوجوه غريبة بينهم، ضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم . _عندنا ضيوف ولا ايه يا ولاد ؟ انتبه له يحيى بعدما كان يتحدث لكارا بهدوء، ليعتدل في جلسته : _لا يا حليم ضيوف ايه دول مراتات احفادك عقبال كده ما ربنا يطول في عمرك وتشوف عيال احفادك. _اتجوزتوا من غير ما حد يعزمني؟؟
ايه هعركم ولا ايه ؟؟ _نتجوز ايه يا جدي يسمع من بؤقك ربنا، لسه لما اورثك بالحيا أنت وأخواتك باذن الله بعدين يبقى اتجوز على نضافة بقى في قصر كده، دعواتك أنت بس . نظرت له والدته بتحذير وهي تضربه في معدته، وهو لم يهتم، وحليم يراقبهم بعدم تصديق : _امال بتقول ايه بعدين أنتم كنتوا بتشوفوا الأرض ولا بتعملوا ايه ؟!
_ما هو أنت يا حليم اللي غلطان مقولتش أنهم حلوين كده واحنا رايحين، كان حتى الواحد عمل حسابه واخد معاه دستة جاتوه وخاتم وخلص من اول يوم كان زماني دلوقتي متجوز ومخلص . ردد حليم بصدمة وبسمة غير مصدقة : _أنتم خطبتوا من الغجر؟! هز يحيى رأسه بنعم وحليم سارع ليقول بلهفة : _طب والله أنا حسيت أصل هما حلوين جدتك كانت بتغير منهم كل ما اروح ليهم . _تغير على مين يا حليم بس صلي على النبي، دي تيتة بس اللي كانت نفسها حلوة .
_قصدك ايه ؟ لوح يحيى بيده : _مقصديش . استدار حليم صوب سنية التي ادعت شرودًا كي يرحمها والدها، لكنه لم يهتم وهو يلقيها بنفس التهمة : _طول عمري اقول مش بتعرفي تربي يا سنية . وسنية لم تكد تبرر شيء حتى تحدث حليم بجدية : _هما غجر ؟؟ مين بالظبط انا اعرف فيهم ناس كتير . _ايوة يا حليم، من الغجر . اتسعت بسمة حليم بقوة وهو يراقبهم بصدمة وعدم تصديق، ويحيى لم يتركه لفضوله وهو يردد بجدية : _دي كارا خطيبتي ومراتي قريب باذن الله .
صمت ثم أشار على ساڤا التي كانت تجلس جواره احمد بهدوء تراقب ما يحدث وتستشعر الأجواء الدافئة بحنين، قبل أن تسمع يحيى يقول بجدية . _ودي تبقى ساڤا مرات أحمد، ابن المحظوظة كتب كتابه. ابتسم أحمد بحنان وهو يمسك بكف ساڤا ولم يكد يتحدث بكلمة حتى توقفت الكلمات كلها في منتصف حلقه وهو يسمع جده يردد بكلمات اوقفت الضوضاء حوله وجعلت جميع الحواس تنتبه له . _ساڤا..... رقاصة الغجر ؟؟؟؟ ـــــــــــــــــــــــــ
الحطبة الأخيرة في حفرة نيرانهم .....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!