تحميل رواية «أرض الدوم» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
قبل الوقت الحالي بعام: الصمت يعبق بالمكان، والجميع في حالة صمت، كما لو كان حدادًا على أحدهم. وفي الواقع كان... للمرة التي لا يعلمون عددها، يجمعهم جدهم. الكل بلا استثناء، ليودعهم ويلقي عليهم وصيته نفسها، التي يستطيع كل فرد بينهم ترديدها دون أن يغفل عن حرف واحد منها. صدح صوت الشيخ "حليم" الضعيف في المكان، وهو يحرك إصبعًا مرتجفًا في الهواء: _ حقي... حقي أنا وأخواتي السبعة وعشرين وصية في رقبتكم لو مت يا ولاد. نظر الجميع لبعضهم البعض، ولم يعبر أحدهم عن حنقه علنًا على مسامع الشيخ الكبير. يدرك الجميع ح...
رواية أرض الدوم الفصل الأول 1 - بقلم رحمة نبيل
قبل الوقت الحالي بعام:
الصمت يعبق بالمكان، والجميع في حالة صمت، كما لو كان حدادًا على أحدهم. وفي الواقع كان...
للمرة التي لا يعلمون عددها، يجمعهم جدهم. الكل بلا استثناء، ليودعهم ويلقي عليهم وصيته نفسها، التي يستطيع كل فرد بينهم ترديدها دون أن يغفل عن حرف واحد منها.
صدح صوت الشيخ "حليم" الضعيف في المكان، وهو يحرك إصبعًا مرتجفًا في الهواء:
_ حقي... حقي أنا وأخواتي السبعة وعشرين وصية في رقبتكم لو مت يا ولاد.
نظر الجميع لبعضهم البعض، ولم يعبر أحدهم عن حنقه علنًا على مسامع الشيخ الكبير. يدرك الجميع حساسية ذلك الأمر تحديدًا للشبه، لذا مراعاة لحالته، هزوا رؤوسهم بطاعة فقط.
إلا ذلك الذي التوى ثغره بغيظ شديد، يعبر ولأول مرة عن كل ما يدور داخل رأس كل فرد منهم:
_ يعني أنت يا حاج عندك عدد أخوات أكتر من عدد الأعضاء الدائمين لمجلس الأمم المتحدة ومعرفتوش تقفوا ليهم، وجاي علينا نفرين ونص وعايزنا نقف ليهم.
ختم حديثه يشير له ولابن خالته وأخيه الصغير. وقد كانت هذه عادة جده (والد والدته) كلما شعر بالموت يقترب، يجمعهم ليوصيهم بأرضه وأرض عائلته التي سُلبت منهم.
حرك الجد رأسه ببطء صوب المتحدث، يبلل شفتيه ثوانٍ قبل أن يهمس بصوت مسموع، وقد علت نظرة جهل عيونه وهو يبصر المتحدث الذي يجلس جواره، يخفي عنه ضوء النهار بشعره الأشعث المنتفخ بشكل مزرٍ "كيرلي"، ولحية بسيطة مع ذقن مشذبة وبشرة بيضاء مع عينين سوداوين. كل تلك المواصفات أمامه كانت تذكره بأحد لا يعلم من، لذا تساءل بصوت مرتفع:
_ أنت ابن مين يالا أنت؟ حاسس إني شوفت الملامح دي قبل كده؟
تشنجت ملامح الشاب، وارتفع طرف شفتيه بغيظ، يشير صوب امرأة تجلس جوار العجوز باكية بحسرة، وكأن روح والدها خرجت بالفعل، وكأنها لا تعلم أفعاله.
_ ابن بنتك سنية يا حاج حليم.
استدار العجوز لإبنته الباكية، والتي كانت تمتلك ملامح مشابهة للشاب، ينظر لها ثوانٍ قبل أن يردد بجدية:
_ طول عمري كنت أقول لأمك أنك متنفعيش للجواز يا سنية، شوفتي آخرة تربيتك؟ الله يسامحك يابنتي.
بكت سنية أكثر وهي تميل مقبلة يد والدها بحزن وقهر، وصوت بكائها يعلو في المكان:
_ يابابا متقولش كده، ده يحيى والله بيحبك أوي، ده الولد روحه فيك والله، هو بس يا حبة عينه من قهرته عليك بيقول كده، مش كده يا يحيى؟
رفع يحيى حاجبه وكاد ينفي حديث والدته، لولا يد ابن خالته الأكبر الذي ضغط على قدمه بقوة، يبتسم لجدهم بحب، وقد خرج صوته هادئ:
_ صح يا خالتي، ده يحيى ده روحه في جدي، هو بس مش هاين عليه جدي يتمرمط كده في آخر حياته، ومش هاين عليه تعب العيلة يضيع بسبب شوية ناس ملهمش حق فيه.
وعند ذكر هؤلاء الناس الذين يتحدث عنهم ثاني الأحفاد "أحمد"، شرد الشيخ الكبير وهو يعود برأسه للخلف:
_ ياااه، زمان قبل ٩٧ سنة...
تمتم يحيى بضيق وملل:
_ اهو بدأ...
لكن الشيخ لم يهتم وهو يكمل شروده:
_ كنا ٢٧ أخ وأخت مع بعض، أبويا كان يملك أرض كبيرة باسمه، قولتله يابا اكتب حتة باسمي أنا وأخواتي عشان نضمن مستقبلنا...
_ حتة إيه يا حاج، ده لو كتب لكل واحد فيكم متر مش هيكفيكم.
نظرت سنية صوب يحيى بغضب شديد، ليلوي الأخير ثغره بضيق، وهو يستمع لباقي حديث جده الذي يحفظه عن ظهر قلب:
_ بس أبويا رفض، قالي عايزني أكتبلك أرضي يا حيوان عشان تضيعها على الستات.
ونعم، كان هذا أكثر جزء مشوق ليحيى، الذي اتسعت بسمته بقوة، يكبت ضحكته على والد جده، ذلك الرجل المريب الذي كان يمثل شريرًا في قصص الجميع في الأسرة:
_ مش أبوك ده برضو اللي كان متجوز سبعة ومخلف منهم دستتين وربع؟
ضربه ابن خالته، ليطلق يحيى ضحكة مرتفعة وهو يرمق "أحمد" بنظرة جانبية:
_ إيه؟ ما هو الراجل عنده حق يخاف، لأحسن جدك الفاسد يضيع فلوسه على الستات زيه، فبدل ما يكتب حتة أرض لعياله، يشحتها بالمجان للغجر.
وبمجرد أن استمع الشيخ لتلك الكلمة، حتى ازداد غضبه، يحاول النهوض من الفراش صارخًا بجنون:
_ الغجر... الغجر، أخدوا أرضي وأرض أخواتي السبعة وعشرين، استغلوا أننا سافرنا كلنا على ليبيا وضحكوا على أبويا وأخدوا منه الأرض.
_ ما هو أبوك هو اللي عبيط الصراحة يا أبا الحاج حليم.
حدجت سنية ولدها بشر، لكنه لم يكن يحير هذه المرة، بل كان أصغر أبنائها والذي لم يختلف كثيرًا عن يحيى سوى أن خصلاته كانت عادية، لكنها لم تكن منسقة على أية حال، بل كانت مبعثرة، وقد كانت بشرته أشد سمارًا من يحيى الذي يجلس جواره:
_ إيه؟ غلطت أنا يعني؟ لولا أبو جدي كان زمانا من أعيان القوم دلوقتي وعندنا أراضي وفدادين، بدل ما إحنا بنكح تراب، يا أخي منه لله أبوك ده.
حرك الشيخ الكبير رأسه صوب سنية، ينظر لها نظرة أخبرتها بما يريد دون التحدث (هي لم تحسن تربية أولادها).
وقد صدق، فهي ومن بين أبناء الحاج الاثنين كانت أسوأ من تربي أبناءها، يحيى وعيسى الصغير، أسوأ مثال للتربية. يحيى كان حقيرًا وقحًا، وعيسى كان نسخة مصغرة منه لكن أشد قذارة.
لكن أكبر أبنائها العزيز والحبيب "مسلم" كان عوضًا لها عما أبصرته بأخوته.
أكثر أبنائها طيبة ونقاءً.
وبمجرد أن مرت ذكراه عقلها، تغضنت ملامحها بحزن وشوق لذلك البعيد الذي تغرب منذ سنوات، وحتى هذه اللحظة لم تقر عيونها به.
تنهدت، تنظر حولها للأسرة أكملها مجتمعة، تدعو الله أن يكون اللقاء قريبًا، أن تبصر طيف بكرها وتستشعر حضنه، تدعو الله ألا تكون الحياة قد قست عليه وأزالت قشرته الهادئة والبريئة.
***
سانت لويس _ الولايات المتحدة الأمريكية.
هنا، وفي محطة مترو قديمة مغلقة بسبب التعطل الذي أصابها منذ سنوات طويلة بسبب عاصفة ثلجية جعلها خارج الخدمة بشكل كامل، قبل إقامة شبكة قطارات بديلة أكثر أمانًا. هنا حيث تقام أشد وأقذر القتالات غير الشرعية.
تناثرت الدماء خارج الحلبة، واتسعت الأعين وتعالت الهتافات أكثر وأكثر، حتى كادت تحرك الأرض فوقهم.
ارتطمت رأس بالقفص الحديدي بقوة، ليُطبع على وجهه عليه، وقد ازدادت الصرخات حماسًا.
تنفس بعنف، وقبل أن يعتدل في وقفته ويواجه خصمه، وجد رفيقه يقترب من القفص يهمس له بجدية:
_ هل أنت بخير؟ استسلم إن لم تستطع المواصلة، لا تغامر بحياتك يا رجل.
اتسعت بسمة ذلك الرجل الذي تلقى لتوه ضربة قادرة على تحطيم جمجمة، ومن ثم ابتعد عن القفص. وقبل أن يستوعب خصمه ما يحدث، وفي خضم تحيته للجمهور، شعر بضربة قدم من الخلف أطاحت به أرضًا. ومن ثم، وقبل تحركه خطوة، وجد جسد خصمه يشرف عليه ويضربه بجنون حتى بدأت الدماء تغطي وجهه بشكل مقزز وأصبحت ملامحه غير واضحة. ورغم أن الرجل رفع كفه وأخذ يضرب الأرض معلنًا استسلامه، إلا أن الخصم لم يتوقف عن ضربه بجنون حتى شعر بعظامه تكاد تصبح فتاتًا أسفل قبضته.
اقتحم فجأة رفيقه القفص، رغم أن ذلك كان ضد القوانين القليلة الموضوعة، لكنه يدرك أن عدم تدخله الآن يعني قتل صديقه للرجل في غمرة جنونه.
سحب رفيقه بسرعة من فوق جسد أو جثة الرجل، وهو يهتف له بجدية:
_ توقف، لقد... لقد استسلم، لقد استسلم... لقد استسلم يا مســــلم، انتهينا.
تنفس مسلم بصوت مرتفع، ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع الجميع صوت إنذار قوي يصدح في المكان. وهذا الإنذار يطلق في حالة واحدة فقط... الشرطة.
وفي ثوانٍ، بدأ الجميع يهرب ويركض من المكان. ومسلم أدرك فجأة ما يحدث، ليجذب سترته السوداء يغطي بها جسده، يسحب يد رفيقه صوب الدراجة النارية ويخرج من المكان بسرعة كبيرة، مخلفًا خلفه غيمة سوداء، يسابق الزمن خارج ذلك المخبأ.
ارتفعت أصوات الأنفاس خلفه، والصرخات التي وصلت له أخبرته أن عددًا كبيرًا قد تم أسره بالفعل، وهذا يعني عدم إقامة القتالات لما يفوق شهر على الأقل حتى حصولهم على مخبأ آخر.
وهذا كان ليكون محزنًا، لولا أنه كان هو من أبلغ الشرطة بمكانهم. بعدما عامله أحد المؤسسين بتكبر وعجرفة حينما أبصر اسمه "مسلم"، لم يكن ليفوت ذلك الوسخ السخرية منه ومن اسمه ودينه وجنسيته. وحسنًا إن كان ذلك الحقير يعتقد أن مثل هذه السخرية منه قد تمر، فهو أقذر من أن يمررها، خاصة بعدما تعمد ذلك الحقير وضعه اليوم في قتال خصمًا لإسرائيلي.
اتسعت بسمته بقوة، ورفيقه يهمس بعدم تصديق وعيونه تدور على المكان، وقد ملأته الشرطة، يبصر ما يحدث خلفهم:
_ الله يعطيك العافية، الزلمة ما ضل براسه شي سليم.
اتسعت بسمة مسلم وهو يقود دراجته بسرعة كبيرة، يبتعد أكبر قدر ممكن عن ضوضاء الشرطة، وصوت رفيقه في الخلف يهتف باستمتاع:
_ آه لو يعلم هؤلاء القذرين أنك أنت من سربت معلوماتهم للشرطة، وأنك أنت أيضًا الشخص الذي يساهم في تسليمهم للمذبحة كل يوم في عملك.
ازدادت بسمة مسلم أكثر:
_ هذه غابة عزيزي، إما أن تنجو منها وتتناول الصغار، أو تكون إفطارًا للكبار.
***
وقد كانت هذه حقيقة، والوجه الآخر لمسلم، الذي امتهن في المساء القتال غير الشرعي لتفريغ غضبه وطاقته المشتعلة داخل صدره، وباقي اليوم يمتهن الاصطياد، اصطياد القذرين في هذه الغابة أُلقي بها مجبرًا.
هنا في منظمة "سانت لويس" الحكومية السرية، والتي تبنت بها الحكومة بعض المنبوذين والمساجين أصحاب المواهب الفائقة. منظمة حكومية غير رسمية تهدف للتخلص من أفراد العصابات الذين قررت الحكومة أنها لم تعد بحاجة لهم، وبشكل سري لا يفتح لهم أبواب الجحيم على يد العصابات التي تحكم العالم السفلي، ولا تفلت من أيديهم خيوط البلاد.
منظمة كان مسلم واحدًا من هؤلاء التعساء الذين حصلوا على مكانة بها نظرًا لمهارته التي اكتشفوها بها، مهارة ألقت به في غابتهم.
فأن تحيا في غابة بين الوحوش هو قدر، لكن أن تنجو بينهم هو اختيار وإرادة لا يمتلكها الكثيرون. أن تضع أمام عينيك سلامتك بين طرقات هذه الغابة لهو قرار لا يتحمله الكثيرون.
وهو كان من هؤلاء القلائل الذين تحملوه وأكثر.
ورغم أن الغابة لم تكن اختياره حينما هجر بلاده وعائلته، الغابة لم تكن محطته المشنودة حينما حمل حقائبه وودع عائلته بقلب مشتاق، لكنه أحسن التعامل مع كل حيواناتها.
_ چي ٨٧، الهدف في الغرفة الثانية انتهى وتحرك للخارج قبل أن تعمل أجهزة الإنذار، ستعمل أجهزة الإنذار بعد عشر دقائق.
والمدعو "چي ٨٧" فقط هز رأسه هزة صغيرة، يتحرك في الظلام متشحًا بالأسود رغبة منه في الاندماج بالليل. يتحرك داخل الطرقات بهدوء شديد وخطوات بالكاد محسوسة، يبتسم بسمة صغيرة جانبية وصوت رفيقه في أذنه يهتف له بالطريق الذي مهده له بالفعل. وبعد دقائق من السير بين ممرات المنزل الصغير الذي يعتزل به أحد رؤساء العصابات البولندية في جزيرة بعيدة عن البشر ظنًا أنه هرب من أيادي الحكومة التي قررت أنه لم يعد مفيدًا لهم، استطاع رفيقه العبقري أن يعثر عليه ويلتقطه.
توقف أمام الغرفة المرجوة يتحدث بصوت هامس:
_ إذن؟
_ فقط رجل وامرأة معه بالداخل، انتهي منه ولا تمس المرأة وأخرج.
نفخ چي ٨٧ بسخرية وهو يحرك يده بخفة يتحسس سلاحه، ومن ثم انتزعه بهدوء شديد يتأكد من كاتم الصوت. ومن بعدها همس كلمات قليلة مقتضبة:
_ تذهلني أخلاقك عزيزي، الإسلام هذبك والمنظمة أفسدتك.
سمع صوتًا باردًا من الطرف الآخر يهمس ببعض الكلمات العربية التي لم يفهمها ولم يحاول فهمها، لكنه يرجح أنها لا بد أن تكون سبابًا نابية يفرغ بها صديقه العربي غضبه، فقد كانت هذه طريقته على مدار أعوام طويلة، يغضب ويسبهم بالعربية ومن ثم يرحل، أو ربما كان يدعو ربه ليسقط غضبه عليهم. ونعم، كانت دعواته تتحقق، فأي غضب أكبر من عملهم هذا.
تنهد بصوت خافت حينما وصل له صوت رفيقه:
_ هيا انتهي، تبقت فقط أربع دقائق ومن بعدها سأترك الحراس لينهشوا جثتك العفنة.
_ أعلم أنك لن تفعل.
_ جربني وسترى.
ونعم، هذا ما لا يحب المراهنة عليه، فعلى مدار سنوات معرفته بصديقه العربي الغريب، لم يكن ذلك الحقير يهتم لأحد أو لشيء. هو حتى لا يهتم إن قتله أحد الرؤساء حينما يقف أمامهم متبجحًا.
زفر، يدفع الباب دون مقدمات، وقبل أن ينتبه أحدهم حتى لما حدث، كانت رصاصته تستقر في جبهة الهدف، تبعتها رصاصات غير قاتلة في الجسدين الآخرين. ومن ثم تحرك وبسرعة للخارج حسب تعليمات رفيقه العزيز، يركض بين الممرات صوب الجزء الذي تنتظره به المروحية. في اللحظة التي انطلقت بها أجهزة إنذار كفيلة على إحضار أجساد الملاعين من الجحيم، وليس فقط إحضار حراس ذلك الوغد البولندي من غرفهم.
لكن إن كانوا هم يتفوقون عليه بالعدد، فهو يتفوق عليهم بعقله، ورفيقه الذي كان هذا المكان برمته بين أصابعه.
صدح صوته في أذنه يهتف بصوت هادئ مستكين، ليس وكأن صديقه الآن بين شقي الرحى يواجه الموت:
_ على بعد سبعة أمتار ستجد المروحية فوق المبنى جهة اليمين بها حاتم، احرص على الوصول لها خلال ست دقائق لا أكثر، وإلا قُتلت برصاصة أحد الحراس.
توقفت أقدام القناص بصدمة، يهتف بتعجب من كلمات صديقه:
_ ماذا؟
_ خمس دقائق.
_ هل تمزح معي؟
_ خمس دقائق إلا عشر ثواني.
وفي ثوانٍ، ارتفعت صرخة القناص وهو يركض يتوعد لذلك الحقير الوغد الذي يتعامل معهم جميعًا بهذه الطريقة وكأنهم مجرد حيوانات:
_ مسلم، أقسم إن نجوت سأقتلك.
_ ثلاث دقائق، وسألقي كلمة على قبرك حول كم كنت وغدًا يا جوليان.
ألقى جوليان سبة لاذعة قذرة باللغة الفرنسية، لكن في الحقيقة "مسلم" لم يكن مهتمًا لسماع باقي سخطه وغضبه، وهو بالفعل أدى عمله على أكمل وجه وانتهى من مهمته. لذا أغلق الحاسوب الخاص به، يتنهد بصوت مرتفع، يتحرك عن مكتبه، يسير في شقته المظلمة والتي تقع في أعلى ناطحة سحاب تطل على المدينة في الأسفل، تكشف له أضواء مبهرة للبعض، باهتة له.
حرك عيونه في منزله الكبير الفخم والذي حصل عليه مقابل عمله، عمله الذي جاءه بشكل غريب، عمله الذي ظنه قديمًا طوق نجاته، لكنه كان مجرد قشرة وهمية تعلق به، لتغرقه في أعمق نقطة في المحيط، حيث لا ضوء ولا هواء ولا مخرج.
فجأة، خرج من هذا الهدوء الخانق على صوت اهتزاز هاتف في جيب بنطاله، معلنًا أن وقته المفضل في اليوم قد حان.
أخرجه بسرعة ولهفة كبيرة، وقد بدا أخيرًا على ملامحه تعابير تخبرك أنه إنسان حي، يشعر ويبتسم ويحزن.
وقد كان هذا الجزء الخفي من حياة مسلم، والذي استغل كل ذرة علم اكتسبها ليخفيها عن الجميع.
تنفس بصوت مرتفع وهو يضغط على عدة أزرار، يرفع الهاتف، ينتظر صوتًا على الطرف الآخر قبل أن يهمس بصوت هادئ رخيم:
_ الو.
_ مسلم يا حبيبي، عامل إيه؟
هنا، وأنهار قناع مسلم الصلب، يستند بجسده على الجدار الزجاجي خلفه، يسقط أرضًا، يضع يده أعلى رأسه، وود في هذه اللحظة أن ينفجر باكيًا ويخبرها أنه يشتاقها، بل يموت شوقًا لها، بل لهم جميعًا. يخبرها أنه حتى يشتاق لمسلم ابنها، يخبرها أن تأتي وتأخذه من هذا العالم، تخفيه كما كانت تفعل قديمًا حينما يخطئ.
_ مسلم أنت كويس؟ مالك يا بني؟ تعبان؟
خشي أن يتحدث بأي كلمة، فتحمل لها غصته وقهره واختناقه، رفع يده يمسح وجهه بقوة، يتنحنح بصوت شبه مسموع مجيبًا:
_ وحشــ... وحشتوني أوي يا ماما.
_ يا قلبي أنت وحشتني أكتر، وحشتنا كلنا، هترجع امتى يا مسلم؟ كفاية يابني غربة وشغل، إحنا محدش...
فجأة توقفت عن الحديث باكية، تهمس بصوت ساخط غاضب، وقد بدا أن تحملها انهار في هذه اللحظة:
_ كفاية يا مسلم عشر سنين يابني غربة مشوفتكش فيهم ولا مرة، أنت حتى رافض نتكلم فيديو تهون عليا، ليه كده يابني؟ ما صدقت تبعد؟ يابني ارجع وملعونة الفلوس اللي تحرمني منك ده كله، مسلم... مسلم أنت معايا.
كانت تتحدث بكلمات كثيرة لا تعي أن مسلم على الجانب الآخر كان غارقًا في موجة اكتئابه وحزنه، لا يدرك ما يجيبها به. يعطيها كامل الحق للغضب، لكنه لا يستطيع ببساطة، لا يستطيع أن يقحمهم داخل هذا العالم القذر، لا يستطيع المغامرة بالجانب الدافئ في حياته في هذه الحياة.
_ أنا... أنا... راجع قريب يا ماما.
فجأة سمع صرخة والدته المتلهفة:
_ بجد؟ بجد يا مسلم، بالله عليك يا بني قولي أنك بتتكلم بجد، بالله عليك ما تحرق قلبي عليك أكتر، هموت وأضمك وأشوفك يا مسلم، جدك برضو بيسأل عليك والكل هنا مستنيك ترجع.
ومحاربة غصته في هذه اللحظة كان أشد وطئًا من أقسى اختبار مر به:
_ بجد يا حبيبتي، هخلص بس وأقفل الشغل اللي هنا وهنزل مصر تاني، بس أقفل الشغل اللي عندي خالص عشان مرجعش تاني.
وقبل أن تجيبه والدته، سمع صوت رجولي صارخ جوار والدته يصرخ بصوت مرعب:
_ الحقي يا أم مسلم، جوزك أخذ عيسى وقفل الباب عليهم، الراجل هيخلص على الولد.
اتسعت عيون مسلم من الكلمات التي وصلت له، قبل أن ينفجر ضاحكًا بشكل غير متوقع، وكأنه كان ينتظر منهم كلمة ليعود إنسانًا مجددًا، يسمع صرخات والدته التي ركضت مع الهاتف صوب والده.
وحواراتهم الغريبة تصل لأذنه.
صرخات والده بعيسى ومحاولة يحيى البائسة أن يخرجه حيًا من تحت يده، وصوت والدته تترجى والده ليرحمه.
"ابن الـ *** ده مش كفاية باع عربيتي عشان يشتري التوك توك ده، جاي كمان يضيعه! اعمل فيك إيه، اعمل فيك إيه؟"
"يا حاج سيبه، سيبه بس ونشوف حوار التوك توك ده يا خويا، بس وهو بعيد عن إيدك."
وصوت عيسى يصدح في المكان معترضًا:
"وهو أنا بس اللي أخدت فلوس العربية؟ ما يحيى خد الجزء الكبير وفتح بيه عربية الفول بتاعته، أنتم كده مش بتيجوا غير على المكسور يا عالم يا مفترية، طب والله لأكــ..."
ومن ثم لا شيء، انقطع الخط ويبدو أن والدته نسيت أنه كان معها من الأساس.
انقطع الخط ومعه انقطع الخيط، الخيط الذي يربط عالم مسلم الباهت البارد، بنصفه الدافئ الملئ بالحياة.
وها هو يعود لذلك العالم الباهت.
رفع عيونه للظلام، يخرج سيجارة يشعلها ليكون نورها هو الضوء الوحيد في هذا الظلام، أخذ يراقبها بهدوء تحترق بين أصابعه ببطء، تمامًا كما يحترق هو ببطء في هذا العالم.
_ مؤقتًا فقط، قبل أن تحين النهاية، نهاية كل هذا.
***
في مصر، وفي نقطة معزولة عن كل الحداثة المعروفة، في نقطة لا يصل لها قانون ولا أمل ولا حياة. هناك في "أرض الدوم"، حيث لا تعلو كلمةٌ كلمة "البارو"، زعيم عشيرة غجر الدوم. الغجر الذين خلعوا عباءة من سبقوهم بكل شيء عدا التقاليد.
ها هي تقف أمام كبار البلد، تنتظر أن ينتهوا من التفكير في مصيرها. هي المرأة المغضوب عليها والتي فقدت زوجها قبل إتمام زواجهما حتى، وكُتب عليها أن تكون أرملة في مكان لا يعترف بالمرأة سوى زوجة وأم فقط.
وصوت والدها أو البارو يصدح في المكان بنبرة صاخبة جعلت بسمة غريبة ترتسم على وجهها، وهي ترفع وجهها تحرك عيونها بين جميع رجال عائلتها وصوت والدها في الخلفية يهتف بجدية:
_ كلنا عارفين أنه من المفترض وخلال أيام كان يتم زواج "رايانا"، لكن الموت كان أقرب لها من الفرح، وعشان كده اجتمعنا اليوم عشان نقرر الخطوة الجاية بما أننا وعيلة واحدة وأمرنا واحد.
وازدادت بسمتها اتساعًا من كلمات والدها، تكبت داخل صدرها صرخة مرتفعة كادت تنبثق من فمها تنشق لها الجدران، لكنها تماسكت، تمسح وبسرعة تلك الدمعة التي حاولت الهرب من قيد جفونها، تتماسك ببسمة واسعة وهي تخفض رأسها كما من المفترض أن تكون.
مسكينة، خجلة، تمتلئ بالخزي، الخزي لموت زوجها، وكأنها هي من قتلته عقب عقد القرآن بوقت قصير.
ضربات قلبها تزداد وهي تتذكر حوار والدها البارحة مع والدتها حول رغبته في عرضها على ابن العم؛ ابن العم الذي كان قديمًا حبيب الطفولة، يطاردها في كل خطوة ويتوعد لها بأنها ملكه هو فقط، قبل أن تنطلق الإشاعات حولها في العشيرة، وينبذها الجميع حتى هو.
حركت عيونها ببطء صوبه، تراقبه يجلس بكل هدوء وبرود، وقد بدا أنه لا ينوي حتى تحريك إصبع. رفعت حاجبها حينما سمعت صوت والدها يتوجه له بالحديث باعتبار أنه ابن العم الأكبر وهو الأحق باحتواء خزي ابنة عمه الوقحة التي تسببت بسوء حظها في مقتل زوجها.
_ عز الدين؟
واخيرًا شرفها ابن العم ورفع رأسه صوبها، ينظر لها نظرة غريبة، قبل أن يهتف بجدية:
_ ما بعز نفسي على بنت العم يا بارو، لكن القلب ما بيسمع غير رايده، وأنا قلبي رايد بنت العم محفوظ، ومستني الساعة المناسبة عشان أطلب إيدها.
بللت شفتيها وهي تحدق به بنظرة جعلته يدير وجهه بسرعة. وفي ثوانٍ تحولت الجلسة من بيع لعرضها وكرامتها إلى جلسة تهنئة لابن العم على زفافه الوشيك.
وهذا كان لصالحها في الواقع، إذ استدارت بهدوء دون أن تأبه لا لوالدها أو لأحدهم، تخرج من المكان وقد أعلنت انتهاء الاجتماع دون الرجوع لهم، وصدرها يغلي بالغضب، النقم والحقد على كل أفراد عشيرتها، رجالهم رجل رجل، وحتى النساء.
توقفت أقدامها تبصر بطرف عيونها العروس المنشودة والتي كانت تتجمع مع النساء جوار غرفة الاجتماع بفضول للاستمتاع بالمزاد على كرامتها.
رفعت "رايانا" رأسها عاليًا وهي تحدق بالنساء بنظرة مشتعلة، تسجل كل ما يحدث بعقلها، وتغذي شياطينها بكل المشاهد التي تبصرها.
_ معلش بقى يا رايانا باليّ¹ مبيحبش البكيّة².
"ولدي¹"
"بقايا الشيء"²
توقفت أقدام رايانا ثوانٍ تسمع كلمات زوجة عمها، تستدير لها ببطء توجه لها نظرة هادئة باردة في ظاهرها، عاصفة في باطنها، ولم تتحدث بكلمة واحدة وهي تتحرك بعيدًا عن الجميع، وأطراف فستانها الأسود تحلق خلفها، والجميع يستعيذ من شرها.
رايانا، والتي كانت منذ طفولته نذير شؤم وطاقة سلبية متحركة على قدمين، تحضر الشر والأذى والضيق أينما حلت، كانت مكروهة من الجميع منذ طفولتها، وقد تداول الكثيرون قصصًا حولها، وقد أثبت موت زوجها الشاب قبل زواجهما كل الأقاويل التي تناقلها الجميع.
أما عنها، فكانت تسير دون اهتمام بأحد، وعلى فمها بسمة غريبة، وفي عيونها نظرة شر لو أبصرها والدها لهرب لأقاصي البلاد.
ساحرة القرية.
البومة.
الغراب الأسود.
كلها ألقاب أطلقوها عليها، لكن حتى تلك الألقاب لن توفي حقها حينما ترد لهم ما فعلوه بها.
وصلت صوب غرفتها، ولم تكد تخطو لها، حتى سمعت صوت هامس لأحدهم وكأنه كان يركض، وقد كان بالفعل.
_ رايانا.
توقفت يدها كما توقف كل جزء من جسدها، تسمع صوته خلفها، تستدير له نصف استدارة بملامح واجمة. أما عنه، فابتلع ريقه يقترب منها يحاول أن يبرر ما حدث منذ ثوانٍ.
_ رايانا، أنا عارف اللي داير جوا عقلك دلوقتي، بس صدقيني أنا ما رفضت إلا عشان...
وقبل إكمال جملته، كانت تتحرك بهدوء شديد صوب غرفتها، تاركة إياه يحدث نفسه، ومن ثم أغلقت الباب بعنف في وجهه دون الاهتمام بسماع تبريره.
أما عن عز الدين، أغمض عيونه بقوة والغضب يعصف به، وصوت تنفسه يعلو في المكان، قبل أن يهرول من أمام غرفتها بجنون.
وهي، فقط دخلت غرفتها، تتحرك بها، تحرر خصلات شعرها الأسود من ضفيرتها، وقد تميزت عيونها باللون العسلي مع ملامح رقيقة ووجه أبيض. جلست أرضًا بهدوء، تستند بظهرها على فراشها، ثوانٍ مرت قبل أن تنفجر في بكاء صامت، بكاء أبت أن يسمع به أحدهم، بكت كل ما يحدث في حياتها، بكت وهي تتوعد للجميع، تقسم بأغلظ الإيمان أنها ستحقق لهم أقاويلهم وتكون هي شيطانهم.
***
سانت لويس _ بعد أيام قليلة.
توقفت السيارة بقوة أمام المقر وهبط منها بهدوء شديد، لا يعكس أفكاره الداخلية. فها هو في عقله الباطني يلعن كل وسخ ساهم في وضع حجر من حجارة هذا المبنى اللعين، وكل قذر خط كلمة في هذا المشروع.
فجأة، انتفض جسده في هزة شبه محسوسة في منتصف الممر، وهو يسمع صوتًا خلفه يهتف بمزاج سعيد، لا يدرك حقيقة من أين يأتي به:
_ العزيز مسلم، مرحبًا.
ومسلم لم يهتم حتى بالتوقف لرد التحية، وقد كان مزاجه سيئًا منذ الصبا... أو حسنًا، هو بهذا المزاج السيء منذ عشر سنوات تقريبًا، لكن رفيقه العزيز لا يهتم بمزاجه أو رغبته بالانعزال عنهم جميعًا وعدم تكوين صداقات في هذا المخبأ، ويستمر في القفز أمام عيونه كل ثانية ليكدر عليه حياته.
ابتسم الرجل وهو يقترب من مسلم بسرعة، يوازي خطواته، يكرر كلماته بلهجة أكثر لينًا، وأكثر قربًا لقلبه:
_ صباح الخير يا زلمة، شو مالك مكشّر من الصبح؟ ابتسم يمكن ربك يسترها معنا!
_ صدقني يا حاتم، آخر حاجة محتاجين تشوفوها دلوقتي هي بسمتي لأنها مش هتكون سعيدة أبدًا.
ابتسم "حاتم"، والذي كان العربي الوحيد معه في هذا الجحيم، شاب أردني من أصل فلسطيني ألقت به أمواج الحياة لهذه البلاد لينتهي به الأمر في هذا السجن معه، لكن على الأقل حاتم كان أشد قوة منه واحتفظ بجزء من إنسانيته وشخصيته، أما عنه، فحتى نفسه خسرها في خضم رحلته داخل هذا الجحيم.
_ سمعت عن قصتك مع صاحبنا الفرنسي، بيحكوا إنك كنت رح تخلّص عليه بالغلط قبل ما أخرجه من الجزيرة.
أجابه مسلم بجدية شديدة وهو ينحرف صوب الغرفة التي طُلبوا لها:
_ لا، ما كانش بالغلط ولا حاجة، كنت قاصد.
وبمجرد انتهاء كلماته، فتح الباب ليكون أول وجه يلتقي به هو ذلك الأشقر الفرنسي موضع الحديث السابق، يجلس بملامح واجمة، يصرخ بمجرد أن أبصرهم:
_ أنت أيها العربي الحقير.
_ بحكي عني ولا عنك؟
ابتسم مسلم بسمة صغيرة يتحرك داخل الغرفة وهو يراقب ذلك الفرنسي بعدم اهتمام، يجلس أمامه بهدوء يضع قدمًا فوق الأخرى، بينما حاتم يراقب الأجواء:
_ حسنًا، هذه ليست الأجواء المطلوبة بيننا كفريق، يا رجال، نحن هنا في...
فجأة، التفت له جوليان بأعين شرسة يصرخ:
_ أصمت ولا تبدأ خطبك العصماء حول السلام والهدوء وكل تلك الأمور السخيفة، بالطبع ستبرر له لأنه عربي مثلك.
_ أكيد، يعني أبرر إلك أنت ولا شو؟
_ ماذا قلت أنت؟
ابتسم له حاتم، يحاول تغطية ما قال منذ ثوانٍ:
_ قلت أي تبرير هذا عزيزي، في النهاية نحن جميعًا إخوة في الاســ...
صمت ثوانٍ، يتمتم بصوت مسموع لمسلم وهو يضع يده على فمه بحيرة:
_ آه صح، نسيت إنك ملحد.
هنا، وانفجر مسلم في ضحكات متتالية، ليتحرك حاتم صوبه يحتمي به من غضب جوليان المتقد.
أما عن الأخير، فنظر لهما بكره وضيق شديد، يتمتم كلمات فرنسية شبه مفهومة لمسلم وغير مفهومة البتة لحاتم، الذي نظر له بشك:
_ ماذا قلت جوليان؟
_ كنت ألعنكمًا سويًا.
_ هاه! ع أساس ربك رح يسمعلك؟
ونعم، تلك كانت أجواء الفريق الودية التي يجب أن تسود المكان. ثلاثة رجال من بلاد مختلفة ومن ظروف مختلفة، شيء واحد مشترك بينهم، سوء الحظ الذي أوقع بهم في أيدي هؤلاء الملاعين.
فهذا "مسلم"، شاب مصري بسيط هادئ ومسالم تحول بين أيديهم لوحش، لرجل لا اهتمام أو شغف له في هذه الحياة سوى الخروج من المكان.
وحاتم، ذلك الأردني الفلسطيني الذي هرب من ويلات صراع وحروب ودمار، ليقع في أيدي الشياطين. ولأنه كان اعتاد تقريبًا التأقلم مع أسوأ الظروف، فقد فشلت الظروف الحالية في زعزعة شخصيته.
أما عن جوليان، والذي كان من المفترض أنه هرب من حياة الفقر والضيق في بلاده بحثًا عن حياة أشد رفاهية، فلم يعني له كل ذلك شيئًا سوى أنه يكسب منه أموالًا طائلة، لذا كان الوحيد فيهم الذي تجرأ وحمل سلاحًا وهبط الساحة بنفسه، ولم يكتفِ بالتوجيهات والتحكم بالمهمة من خلف شاشة كمسلم، أو يهتم بتنظيف المكان بعد عمليات التطهير كحاتم، الذي كان بارعًا في إخفاء كل الأدلة وكأنها لم تكن، وتخطيط الانسحاب.
كان فريقًا شبه متكامل، ورغم كل الاختلافات التي يظهرونها، إلا أن ثلاثتهم كانوا من ضمن الأفضل في هذا المخبأ تقريبًا، ولكنهم ليسوا الأفضل بشكل مطلق.
_ مرحبًا يا رجال، جيد أنكم جميعًا هنا.
كانت جملة نطق بها ذلك الرجل الذي اقتحم جلستهم بلا مقدمات، يتحرك صوب المقعد في مقدمة الطاولة، يراقبهم ببسمة صغيرة:
_ بالمناسبة، أحسنتم في المهمة السابقة، كانت ناجحة كالمعتاد، وهذا بفضل جهودكم.
اشتعلت عيون جوليان وهو ينظر صوب مسلم، الذي ابتسم له بسمة واسعة غامزًا له، ليتوعد له جوليان. بينما الرجل الذي اقتحم المكان نظر لهم يردد بصوت بارد بعض الشيء:
_ رجال العصابات الألبانية تمادوا في أفعالهم، وقد حان الوقت لوضع حد لهم لا يتخطونه.
نظروا له بهدوء، ليضغط على زر في جهاز تحكم أمامه، لتُعرض لهم صورة كبيرة على الشاشة أمامهم:
_ مورينيو، الابن البكر لنائب زعيم الألبانيين، الهدف التالي.
ولم يتحدث أحدهم بكلمة. أما عن الرجل، فراقب تعابيرهم بجدية:
_ تدرك ما عليك فعله لوضع باقي الفريق على الطريق الصحيح Muss، صحيح؟
صمت مسلم ولم يجبه ولو بهزة رأس، ليتجاهله الرجل ببساطة وهو يتحرك بعيونه صوب حاتم يردد بجدية:
_ سيكون من الجيد دراسة المكان والطرق المؤدية له Tem.
هز له حاتم رأسه بنعم، وأخيرًا وجه الرجل كلامه لجوليان:
_ وأنت جوليان، سيتحدد عملك على أساس تنظيم الاثنين.
التوى ثغر حاتم بغيظ من حديثه، يردد بضيق:
_ ولك ليش هو بس اللي قلت اسمه كامل؟ يعني إحنا أسماؤنا تقيلة ع لسانك ولا شو؟
ومن حسن حظه أن لا أحد سمعه سوى مسلم، وقد كان الوحيد الذي سيفهمه في جميع الأحوال.
_ انتهينا من هذا، يمكنكم البدء في التجهز.
ختم الرجل كلماته وتحرك دون كلمة إضافية، بينما جوليان نظر لحاتم ومسلم بضيق وتحذير، يضرب الطاولة أمامه:
_ هذه المرة يا مسلم، ستكون المرة الأخيرة التي أسمح لك بالعبث معي بها، سمعت؟
ختم كلماته وتحرك خارج المكان، بينما حاتم يراقبه بضيق وغضب يتمتم كلماته ساخرًا، قبل أن تتوقف باقي الكلمات على طرف فمه حين سمع همسات مسلمه جواره وهو يقول بجدية:
_ هتكون المرة الأخيرة فعلًا، المرة الأخيرة، والمهمة الأخيرة.
***
أرض الدوم:
كانت العشيرة بالكامل على قدم وساق تستعد لزفاف ابن أخ البارو والزعيم القادم للعشيرة. الجميع يتجهز، وقد حانت أخيرًا اللحظة التي ينتظرونها بتتويج قصة الحب التي سارت والدة عز الدين تتغنى بها بين الجميع.
احتفال حضره كل فرد في العشيرة، الصغير قبل الكبير، الجميع يرقص ويحتفل. وهي تقف في نافذة غرفتها تراقب ما يحدث ببسمة باهتة غريبة، تراقب عز الدين يتراقص وكأن لا غد له، يحتفل بزفافه على الفتاة التي اختارها بعدما قضى نصف أيامه يسمعها من الغزل أحسنه رغم تجاهلها له، فهي في كل الأحوال لم تكن تحب التواجد حوله.
حتى حينما علم أن غيره تقدم للزواج بها، ثار في وجهها يخبرها أنها ملكه هو فقط ولا يمكنها أن تكون لغيره. وبالفعل في الصباح التالي، كان أول ما فعله، توجه لوالدها يمنحه مباركته على زواجها، لتكتشف لاحقًا أن والدته كانت عاملًا قويًا في رفضه لها.
هل تبتأس؟ لا.
تحزن؟ أبدًا.
تشعر بالغيرة؟ ولا بذرة واحدة.
أحبته؟ يحلم.
هي يومًا لم ينبض صدرها لرجل في رجال قبيلتها ولا خارجها، لكن إن ظن ذلك الوسخ أنه سيتحكم بحياتها أو أنه انتصر عليها أو أنها كانت لعبة له ولـ والدته، فقد أخطأ.
بينما الجميع يحتفل في الأسفل والنغمات ترتفع في الأجواء، كان هو يتراقص بين حلقة الرجال والسعادة تملئ قلبه، وقد تزوج واخيرًا، ليس من المرأة التي يحب، لكنها لم تكن أقل منها جمالًا، وهذا هوّن عليه الأمر قليلًا. في النهاية، لن يتزوج البارو المستقبلي زيجة عادية.
ربما والدته محقة بعد كل شيء، امرأة مثل رايانا ما كانت لتليق زوجة له.
وعلى ذكر رايانا، أبصرها تقتحم المكان بهدوء وخطوات رشيقة كعادتها، وقد تألقت في ثوب يختلط به الأحمر والأسود، خصلاتها تتطاير خلفها وهي تتقدم من الزفاف ببسمة واسعة غير مهتمة، حتى توقفت في منتصف الاحتفال ترى نظرات الجميع صوبها وكأن غرابًا اقتحم حفلهم السعيد، وهذا أسعدها وبقوة في الحقيقة.
أن تعكر صفو عشيرتها لهو أفضل شيء تختم به يومها.
_ اعذروني لو اقتحمت حفلكم السعيد بدون مقدمات، لكن ده مهما كان زفاف البارو المستقبلي لينا، وابن العم وحبيت أبارك ليه بنفسي.
ختمت حديثها تخرج مسدسًا حصلت عليه من مكتب والدها، تراقب الأعين تتسع بتسلية كبيرة، وقد شعر الجميع بالخطر، يتراجع البعض للخلف ويتخذ البعض لهم ساترًا منها.
أما عنها، فقد رفعت مسدسها في الهواء تطلق أربعة رصاصات دون أن تهتز لها شعرة، والجميع حولها ينتفضون مع كل رصاصة.
انتهت من إطلاق رصاصات الاحتفال كما أحبت أن تسميها، ومن ثم نظرت صوب عز الدين الذي كان وجهه شاحبًا وبقوة في هذه اللحظة:
_ مبارك يا ابن العم، صدقني تستحقها.
ختمت حديثها تتقدم صوب العروس "كارا" والتي كانت تنظر لها بأعين مترجفة، لكنها لم تهتم وهي تخلع أسورة ذهبية من يدها تلقي بها في ثوب العروس والذي كانت تستقبل به هدايا الكل، تردد ببسمة وبساطة وهي تميل عليها:
_ هديتك يا عروسة.
استقامت تنظر للجميع ببسمة صغيرة، ومن ثم استدارت وكادت ترحل بعدما انتهت مما تريد، لولا توقفها فجأة تضع يدها على رأسها وكأنها تذكرت للتو شيئًا هامًا:
_ آه صحيح، نسيت أنكم مش بتتفائلوا بالأرقام الزوجية، أربع رصاصات مش فال كويس لعريسنا.
ختمت حديثها تخرج المسدس مرة ثانية تطلق رصاصة في إضاءة المكان الرئيسية، تختم وجودها ببسمة لم يبصرها أحدهم بشكل جيد بسبب الظلام الذي بدأ يملأ الأجواء حولهم:
_ زفاف ميمون بإذن الله.
***
انتفض جسد حاتم عن المقعد وقد اتسعت عيونه بجنون، يتحرك صوب مسلم الذي كان يراقب المدينة في الأسفل من جدار شقته الزجاجي بأعين غامضة.
يجذب جسده صوبه يصرخ في وجهه بعدم فهم:
_ اش قلت؟ احكيها مرة تانية؟
_ اللي سمعته يا حاتم، ويا تكون معايا فيها يا تكون براها، بس خد بالك أنت لو براها فداه معناه أنك عليا، وأنا مش هسيب حد عليا بيتنفس.
تنفس حاتم باضطراب وهو ينظر من بين أصابعه لصديقه يحاول أن يفهم ما أوصله لتلك المرحلة من الجنون:
_ شو اللي صار؟ ليش هسّه¹؟؟
"الآن"¹
استدار له مسلم ينظر لعيونه بعيون بدت لحاتم لشخص لم ينم لحظة منذ سنوات:
_ اللي صار يا صاحبي إني خلاص تعبت من كل اللي بنعمله وكنت مستني اللحظة اللي أقدر آخد فيها خطوة. أنا مش هعيش طول عمري كده يا حاتم، أنا عايز أرجع لأهلي، مش عايز أفضل لوحدي.
وكلمة حاتم خرجت مرتجفة وهو يحاول إخفاء مشاعره المرتعبة من وحدة وشيكة بعدما وجد واخيرًا عائلة في مسلم، مسلم الذي عاش معه تسع سنوات يتلمس به دفء أخ فقده قديمًا، مسلم الذي رغم كل جموده إلا أنه كان أقرب له من نفسه:
_ أنا... أنا معك يا مسلم.
ابتسم له مسلم بسمة صغيرة يدرك ما يدور في رأس حاتم في هذه اللحظة:
_ أنت معايا يا حاتم، بس أنا محتاج لأهلي برضو.
عض حاتم شفتيه وهو يبتلع ريقه، يخفض وجهه يحاول تدارك مشاعره، وكم تمنى لو كان كمسلم يمتلك عائلة يعود لها، ما كان تأخر ثانية واحدة حتى.
هبطت دمعة من عيونه وقبل مسحها، شعر بوجهه يدفن في صدر مسلم الذي جذبه له يربت على ظهره بحنان، وقد كان حاتم يذكره بأشقائه الأصغر منه "يحيى" و"عيسى"، رغم أنه لا يصغره سوى بثلاث سنوات:
_ ومحتاجك أنت كمان جنبي يا حاتم، مش هقدر أسيبك هنا ليهم، خلينا نمشي من هنا، أنا تعبت ونفسي أعيش حياتي عادي.
مسح حاتم دموعه وحاول أن يتماسك:
_ احكيلي، أنت ناوي على إيش بالضبط، فهمني.
اتسعت بسمة مسلم بقوة، وقد كان وجود شخص كحاتم في صفه إضافة كبيرة لخطته، وعنصر آخر يضمن له نجاح ما يخطط له:
_ هحكيلك، هحكيلك بس تركز، لأن اللعبة دي لعبة النفس الطويل.
***
مرت شهور منذ أتم عز الدين زواجه من ابنة محفوظ، ومنذ تلك اللحظة لم يهدأ منزل عمها ولم يتوقف الصراخ الذي يرن بين جدرانه كل يوم بسبب شجار العروسين، والجميع يخمن أن عينًا أصابتهم.
عينًا كحيلة بلون العسل كعينها مثلًا، لكنهم يخشون التصريح بذلك علنًا، كي لا تسقط غضبها عليهم كما يعتقدون.
اتسعت بسمتها وهي تقف جوار النافذة تراقب حوش منزل عمها الذي يكشف لها عن مشاداة عز الدين مع زوجته للمرة الثالثة خلال اليوم، وفي الحقيقة هي لم تكن تتجسس أو تتبع أخبارهم، لكن ومنذ شهور وهي محرومة من الخروج من المنزل بسبب عرضها الصغير في زفاف عز الدين بعدما تلقت ضربًا مبرحًا بالفعل.
وقد كانت شرفتها هي رفيقها الوحيد، وهم تركوا كامل المنزل ولم يحلو لهم الشجار إلا أمام نافذتها.
أخذت تصفر وهي تراقب ما يحدث باستمتاع، حيث تدخلت زوجة عمها تجذب العروس من خصلاتها تتوعد لها بالويل. تنهدت بملل وهي تتحرك بعيدًا عن النافذة تسير في غرفتها تداعب خصلاتها وهي تدندن بعض النغمات الخافتة قبل أن ينتفض جسدها لاقتحام أحدهم الغرفة.
_ رايانا، بناديكِ من وقت طويل مش بتردي ليه؟
رفعت رايانا عيونها صوب المرأة تحاول أن تهدأ ضربات قلبها التي انتفضت بسبب دخولها:
_ خير يا شيما، حد في البلد حصله حاجة ومش لاقي شماعة يحط عليها مصيبته غيري؟
ابتسمت شيما تقترب منها تربت على كتفها بحنان:
_ حبيبتي، أنتِ عارفة إن الناس مش بتسكت ومش شرط كل كلامهم يكون صح.
تجاهلت كل ما قيل، فالحديث في هذا الأمر لا يؤتي ثماره، فل طالما امتاز بعض أهالي قبيلتها بالجهل، والجهل لم يجد مستقرًا له في عقولهم سواها، فتجدهم متفهمين لأي شيء سوى ما يتعلق بها.
_ خير، شرفتيني في المعتقل يعني، غريبة؟
ابتسمت المرأة بحب، وقد أدركت رايانا أنه من بعد هذه البسمة لن يعجبها ما ستسمع، وقد كان:
_ اليوم فيه عريس جاي يتفق عليكِ.
رفعت رايانا حاجبها بعدم فهم، تقترب من المرأة تراقبها بأعين غير مدركة لما سمعت:
_ يتفق؟
هزت شيما رأسها، واتسعت بسمة رايانا المصدومة:
_ مش شايفة إن فيه مرحلة نسيتوها في النص؟ اشوفه وأتعرف عليه؟ هو مين أساسًا اللي مستغني عن عمره وجاي يتقدم ليا؟
والتردد الذي ملأ وجه شيما أخبرها أن الإجابة لن تعجبها، لكن يبدو أن الإجابة كانت أصعب من أن تُنطق، لذا رددت بكلمات قليلة قبل الاختفاء من غرفتها:
_ لما يجي بليل هتشوفي بنفسك، اجهزي والبسي كويس و.... اجمعي شعرك في ضفيرة بشرايط ملونة بتكون حلوة عليكِ.
ختمت حديثها تخرج بسرعة، تاركة رايانا تضم يديها لصدرها وهي تفكر في هوية ذلك الرجل الذي تمرد على أقاويل أهل القرية وتناسى موت زوجها قبل الزفاف وخرج من عباءة الجهل والكفر والتخاريف الخاصة بشؤومها، وجاء ليتقدم لها.
لكن لمَ التعجل؟ أوليس الليل بقريب!
***
والليل لديهم هناك على الطرف الآخر من الكوكب، كان أقرب ما يكون، ليل انتظره مسلم، ليل سيتبعه نهاره المنشود وأخيرًا.
_ هذا ليس جيدًا يا رفيق، المكان هنا مظلم وغريب، متأكد من معلوماتك التي حصلت عليها Muss؟
كانت تلك كلمات جوليان التي صدحت في سماعات أذن مسلم، وقد ابتسم الأخير بسمة صغيرة يتحدث له من عربة الهروب التي تقف على بعد صغير من الكوخ الذي اقتحمه للتو، وحاتم خلف عجلة القيادة ينتظر إشارة مسلم.
_ نعم جوليان، هذا هو المكان المنشود يا عزيزي، اذهب وانتهِ من الهدف ولنرحل من هنا، أمامك عشر دقائق.
نظر حاتم صوب مسلم ويده تضغط على المقود كل ثانية أكثر، يتحدث بصوت خافت حينما أبصر مسلم يغلق الصوت بينه وبين جوليان ويدقق النظر في الحاسوب أمامه:
_ متأكد من هذه الخطوة مسلم؟ أشعر بالـ...
_ انتهينا يا حاتم، لقد أخذ الأمر منا أشهر عديدة، لن نتراجع الآن وقد حان الوقت.
ابتلع حاتم ريقه ببطء يهمس بصوت مرتجف:
_ جوليان؟
ابتسم له مسلم، وقد بدا أن لا رجعة له عن كل هذا:
_ جوليان سيكون الشاهد الوحيد على موتنا يا حاتم، سيكون الشخص الذي يبكي على قبورنا ويقسم أنه أبصر موتنا بأم عينيه.
تنفس حاتم، وقد كانت خطة مسلم التي أخذ يعد لها سنوات مكتملة، لا ينقصها سوى التنفيذ، واليوم كان اليوم الموعود، اليوم الذي انتظره مسلم سنوات طويلة وخطط له شهور.
غامت عيون حاتم بمشاعر عدة، وتردد قطعه مسلم بشراسة وهو يفتح الصوت بينه وبين جوليان الذي كان يصيح بالداخل يطلب منه الاستعداد فقد انتهى من مهمته.
لكن مسلم فتح الصوت ليصل لجوليان فقط صوت هدوء مريب.
توقفت أقدام جوليان وهو يضغط على السماعة:
_ هل تسمعني Muss؟ مسلم أين أنت؟ أخبرتك أن تتجهز لـ...
فجأة انتفض، وهو يصرخ مفزعًا حين سمع صوت رصاصات مرعبة، ومن ثم تبعتها صرخة حاتم بصوت مذبوح وبنبرة جنونية:
_ يا ويلي، لا... لا... مسلم لا...
مسلم تكتمل كلمته بسبب صوت الرصاص الصاخب الذي قطع صرخته، وجوليان فقط تجمد بأرضه، شعر في هذه اللحظة أن المكان يدور به، يتحرك بخطوات بطيئة ميتة صوب المخرج، قبل أن يصدر من جسده ردة فعل تلقائية ويهرول بجنون صوب الشاحنة التي كان من المفترض أنها تنتظره.
_ مسلـــــم... حاتــم؟
لكن بمجرد أن خطا خارج الكوخ وهرول صوب الرقعة التي تنتظره بها السيارة، شعر فجأة بحرارة مرتفعة قبل أن يندفع جسده ويتطاير للخلف بسرعة مرعبة بسبب انفجار قوي، انفجار تسبب في اصطدام جسده في إحدى الأشجار، اصطدام تسبب في سقوطه في غيبوبة طويلة، كان آخر ما أبصره قبل وقوعه بها هو صورة السيارة تحترق برفاقه، نيران كان وقودها أجساد مسلم وحاتم.
***
شددت قبضتها على صينية العصير التي أُجبرت على حملها، شعرها ما يزال هائجًا خلفها بعناد يماثل عنادها، وقد تميز ثوبها بالأسود وكأنها تنعي ذلك المسكين الذي قرر أن يجني على روحه بزواجه منها، فإن لم يمت لسوء حظها _ كما يدعي المتخلفين من قومها_ فسيموت بسبب حديثهم عنه.
_ ده اللي وصيتك بيه يا رايانا؟ قولتلك ضفيرة وألوان مبهجة.
لكن رايانا لم تجب بكلمة وهي تسمع أصوات مألوفة لها بالداخل، تنظر صوب شيما التي تحدثت بنبرة خافتة:
_ طب... ادخلي خلاص مفيش وقت والعريس جوا.
قاطعتها رايانا ببسمة صغيرة وكأنها تحاول أن تستشف بالتحديد ما تخفيه المرأة:
_ أكيد مش اللي في دماغي صح؟
لكن شيما صمتت ولم تتحدث بكلمة، وهي فقط تحركت بقوة صوب باب غرفة الضيوف تقتحمها بلا مقدمات لتتأكد من ظنها.
وفي ثوانٍ تلاشى العبوس على وجهها وارتسمت بسمة، تبصر والدها يتوسط الجلسة وجواره عمها، وزوجته وابن العم العزيز.
الآن فقط علمت سبب الشجار الأخير لهم صباحًا.
_ رايانا قربي يا بنتي ووزعي العصير على عمك والعريس.
ارتفع حاجب رايانا بسخرية من كلمات والدها:
_ عريس؟
_ ابن عمك اتقدملك وأنا وافقت.
حركت نظارتها بين الجميع حتى توقفت على زوجة عمها التي كانت لا تبدو راضية بوجودها هنا، وكأنها مجبرة على حضور هذه الجلسة، وبمعرفتها الواسعة بتلك المرأة تدرك أن ذلك كان حقيقة، زوجة عمها لا تحبها ولا تحب حتى سماع صوتها.
المرأة التي كانت صباحًا تطحن عظام الفتاة التي ارتضت بها زوجة لولدها، فما بالكم بها وهي التي لا تحب حتى أن تلمح طرفها، كان الرفض محتمًا من طرفها، كما القبول من طرف والدها.
لكن هل ترفض الآن وتضيع متعتها؟
ابتسمت بسمة واسعة خجولة تتحرك صوب الجميع توزع أكواب الشراب عليهم واحدًا تلو الآخر حتى توقفت عند عز الدين تمنحه بسمة خجولة، ردها هو ببسمة مغازلة يهمس لها:
_ تسلم ايدك يا راي...
تشنجت ملامحها من اللفظ التحببي الذي نطق به، لكنها فقط لم تتحدث وهي تقول:
_ بالهنا والشفا يا عز الدين.
تحركت تجلس جوار والدها تسمع كلمات عمها الذي باشر في عرض ما جاءوا لأجله دون تضييع ثانية واحدة:
_ امتى كتب الكتاب؟ كل شيء جاهز مش ناقص غير وجود عروستنا.
ووالدها تولى الرد عليه بسرعة لا يضيع الفرصة من يده، فما أجمل أن يتخلص من ابنته واخيرًا ولمن؟ لابن شقيقه وخليفته في زعامة العشيرة.
_ آخر الأسبوع هيكون مناسب.
تحركت عيون عز الدين صوبها يردد بجدية:
_ أهم حاجة رأي عروستنا.
نظرت أرضًا بخجل شديد، تفرك يديها ثم همست بصوت منخفض:
_ أنا بس محتاجة أفكر في الموضوع و... حاجات كتير محتاجة أفهمها ده بعد إذن البارو.
نظر لها والدها برفض شديد، لكن عمها لم يهتم وهو ينظر صوب الجميع:
_ أنا شايف نسيبهم سوا يتناقشوا في اللي حابين يتكلموا فيه واحنا جنبهم هنا.
ختم حديثه يجبر شقيقه بالتحرك معه، يجذب زوجته بالقوة ويشير لزوجة شقيقه بالتحرك، وأخيرًا خرج الجميع، واتسعت بسمة عز الدين الذي كان يراقبها بافتتان، فلا يخفي على أحدهم رغبة عز الدين القديمة بها.
في الحقيقة نصف الرجال كانوا يتمنونها زوجة لهم، لكن ذلك الظل الأسود حولها حال دون ذلك.
اعتدل في جلسته يتجهز ليفتح معها حوارًا يكسر به خجلها، لكن فجأة أبصرها تعود بظهرها للخلف تستند بمرفقيها على المقعد تضع قدم فوق الأخرى، تراقب من فوق وكأنه أصغر من أن تنظر له مباشرة، وبسمتها تتسع كل ثانية أكثر.
تردد بصوت قاسٍ وبنظرة أقسى وبلهجة اختلط فيها أصلها مع لهجتهم المستخدمة:
_ فيه مثل جميل جدتي بتحب تردده كتير.
مالت برأسها تهمس بصوت وصل له فقط:
_ لِكّور لَمّا يِلاقي اللّحِم قاسي عَ سِنّاتُه، يِروح يدوّر عَ عضمة وِسخة زَيُّه، ولَمّا يِقدَر يعضّها، يِرجع لِلّحِم ويقول: أنا بقيت قوي.
*يُقال أنه حينما تجد الكلاب اللحمة قاسية على أسنانهم يذهبون للبحث عن عضمة قذرة تماثلهم، ومن ثم وحينم يستطيعون مضغها يعودون للحم مرة ثانية ظنًا أنهم أصبحوا ندًا لها*
اتسعت بسمتها وهي ترى صدى كلماتها وصلت إليه وأدرك ما تقصد:
_ لكن لا الكلب قوي ولا اللحم لان يا عز الدين.
انتفض جسد عز الدين بشكل مرعب، لكنها لم تتحرك، فقط ظلت هادئة تراقب نظراته المشتعلة، أما عنه، اقترب منها يميل عليها وعيونه الخضراء لمعت بلمعة خطيرة:
_ بتلعبي في عداد عمرك يا راي.
لم تحرك عيونها ولم ترمش حتى وهي تهمس بصوت كاره حاقد على كل نفر منهم:
_ أي عمر يا عز؟ عمري انداس تحت رجولكم، وجوازي منك عشان زوجتك منفعتش تجيبلك الوريث لعبة خسرانة، عشان اللي متعرفوش لا أنت ولا غيرك إنّي عارفة كويس أوي إن العيب فيك.
تراجع جسده بسرعة للخلف وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه، يتنفس بشكل مرتعب لا يفهم كيف علمت هذه المعلومة وحتى زوجته لا تعلمها، تظن أن العيب منها هي.
_ عايز تتجوزني ولما أعطل زي مراتك تزيف ليا كلمتين على لسان الحكيمة وأطلع أنا كمان معيوبة على قولتكم زي مراتك، وأنت الراجل اللي ربنا لسه مرزقوش بست تقدر تشيل وريثه.
ختمت حديثها تراقب ردة فعله التي شفت غليلها منه ومن كل قذر فكر التلاعب بها. عز الدين الذي تفنن في محاولة استمالتها وإطلاق وعود لا قبل له بها بسبب والدته، احتقرها ورفضها أمام الجميع لأجل زوجته والآن حان الوقت لترد له الصفعة.
اعتدلت تتنهد بصوت مرتاح:
_ بس تعرف أنا بحب الألعاب دي، وهكملها معاك للآخر.
نظر لها بعدم فهم، أما عنها ابتسمت تكمل:
_ زوجتك تطلقها قبل ما نتجوز، مش أنا اللي أتجوز كمالة عدد يا عز الدين.
اتسعت عيونه بعدم تصديق، وهي فقط ابتسمت تتابع نظراته، قبل أن تبصر اندفاع جسده للخارج دون كلمة واحدة، تاركًا إياها تجلس تراقب خروجه ببرود قبل أن تعلو الأصوات المتسائلة في الخارج عما حدث وصوت زوجة عمها يصل لها وهي تصرخ بعز الدين:
_ انطق باللي قالته البومة دي عشان تبقى بالشكل ده؟ عملت ليك إيه؟ هاتوا شيخ يقرأ على ابني و...
فجأة صمتت بخوف حينما أبصرت جسد رايانا وهي تتوقف على باب الغرفة تراقبها بنظرات مظلمة وبسمة غريبة، ولم تهتم بهم أو بما يقال تتحرك بكل هدوء لغرفتها تغلق الباب بقوة جعلت أجساد الجميع تتنفض في الأسفل.
أما عن عز الدين، فلم ينزع عيونه عن باب غرفتها وداخله مراجل مشتعلة، وفكرة واحدة بعقله لا يتوانى عن التفكير بها، هذه المرأة لن تكون لسواه، وحينما تصبح، سيريها كيف تحترمه.
وهذا وعده.
***
الوقت الحالي.
ضغط على مقبض الحقيبة التي يجرها خلفه وهناك نظارة ضخمة تغطي عيونه، وجواره رفيقه الذي أخفى نصف وجهه بقبعة ضخمة، يتوجهان صوب بوابة التفتيش.
مد يده بجواز السفر الخاص به يراقب الشرطي وهو يتفحص كامل الأوراق، ضربات قلبه تزداد وقد شعر بقطرات عرق تسير على ظهره، وصوت خبيث يهتف له أن الأمر لن ينتهي بهذه السهولة، ليس وهو حي على الأقل.
شعر بتوتره يزداد، يحاول أن يظهر بروده، قبل أن يبتسم له شرطي المطار بسمة صغيرة يشير له بالتحرك، عبر منطقة التفتيش والجوازات، وخلفه يهرول رفيقه الذي همس بصوت غير مصدق:
_ مسلم، شُفت اللي صار؟ مش مُصدّق إنو خلص، بس ساعات وبنصير أحرار... والله مش مُصدّق!
اتسعت بسمة مسلم، لا يصدق أنه أخيرًا وبعد صبر سنوات وتخطيط لسنة كامل، محى كل دليل عليه وكل وجود لهم في هذه البلاد القذرة، أخيرًا أصبحوا أحرارًا.
جلس بمنطقة الانتظار يراقب الهاتف بشوق ورغبة قوية في الاتصال بوالدته تتدفق بين أوردته، لكنه يعلمها، يعلم أنها ستصاب بهستيريا إن فعل. عشر سنوات غياب ليسوا بالشيء الهين عليها، لذا صبر حتى يتلقى لهفتها بين أحضانه.
ارتجفت يده، يرفع عيونه يراقب المكان بالخارج بعدم تصديق، وصوت خبيث داخله يخبره أن هذا مجرد حلم يقظة والآن سيستيقظ ليجد مهمة جديدة على مكتبه.
أغمض عيونه يحاول أن ينتزع كل سواد الماضي من رأسه، لكن أصوات كثيرة تطن برأسه... صرخات استغاثة... تلاطم أمواج... أنفاس متسارعة... دعوات ورجاء... أصوات خفر السواحل... رصاصات تتطاير... ظلام الليل يحيط به والبحر أسفله يسحبه بقوة، شعر بعدم قدرته على التنفس، المياه تغطيه ويد تتعلق به تحاول جذبه للأعلى. فجأة شهق بصوت مرتفع وقد اخترق صوت حاتم غيبوبته القصيرة.
_ مسلم... مسلم ما بك... مسلم أفق.
فتح عيونه بقوة ينظر حوله وقد شعر بالمكان يضيق فوق صدره، يتنفس بسرعة وحاتم يجفف له قطرات عرقه:
_ أحسن؟
رفع له مسلم عيونه في اللحظة التي ارتفع بها صوت النداء للتوجه لبوابة الخروجة، ابتلع ريقه يهز رأسه وهو ينهض:
_ خلينا نتحرك عشان منتأخرش.
وبالفعل تحرك معه حاتم بصمت، مدركًا نقطة واحدة.
"ربما خرجوا من الجحيم، لكن الجحيم أبى أن يخرج منهم."
راقب مسلم المكان من نافذة الطائرة بأعين غائمة، حياة قديمة منسية، وأشخاص اشتاق لهم، ولا أحد يدرك ما يخفي لهم المستقبل. ما يدركه فقط أن القادم لن يكون كما سبق وعاشه في آخر عشر سنوات.
غادر بلاده شابًا في الرابعة والعشرين يحمل فوق أكتافه أحلامًا تنافس الجبال طولًا، عاد لها رجلًا في الرابعة والثلاثين يحمل من الهموم ما يفوق الجبال ثقلًا.
كانت نظرة الوداع الأخيرة لتلك البلاد محملة بدموع، دموع القهر والحسرة، دموع الحقد والكره. عشر سنوات ضاعوا من حياته، عشر سنوات دخل لهم شابًا بريئًا، خرج منهم وسخًا غارقًا بالدماء.
غادر بلاده مبتسمًا، عاد لها باكيًا.
سقطت دموعه بقوة، يحاول أن يبتعد عن ذلك الجزء الحزين برأسه، وفكرة واحدة ترن برأسه.
"ماذا جنت يداه؟"
ابتسم بسمة صغيرة سرعان ما تحولت لضحكة من بين دموعه وهو يسمع صوت موسيقى وغناء يصدح من المقعد خلفه، صوت يصف ما يحدث معه، وكأنه لم يكن الوحيد المخذول في هذه الرحلة.
أقلعت الرحلة وارتفعت الطائرة عن تلك الأراضي، وصوت واحد يتردد داخل رأس مسلم، مشهد واحد يعاد أمام عيونه.
صوت يحيى قديمًا وهو يغني له بصوت مرتفع، يتحرك خلفه في كل ركن في الغرفة يحاول أن يمنعه السفر، يغني أثناء تجهيز حقيبته:
مسافر وفاكر هترتاح هناك؟
وتاخد صحابك وحلمك معاك؟
ومامتك واختك وخالتك واوضتك؟
هينفع تسيب اللي حبك وراك؟
ضحك من بين دموعه، يا الله قلبه يرتجف شوقًا لهم، ترى كيف أصبح يحيى وعيسى الذي تركه طفلًا، والده ووالدته، ابن الخال الحبيب وجده. يقولون أن المسلم مصاب، وهو أصابه من البلاء ما ترتجف له صدور، وأخيرًا انتهى بلاؤه في هذه البلاد.
وأيًا كان البلاء الذي ينتظره في بلاده، فهو مستعد له، سيتقبله بصدر رحب.
***
وهي كانت بلاء، بلاء لكل من وقف يومًا أمامها.
هبطت درج منزلها وهي تبصر مظاهر الاحتفال في كل مكان، الكل يغني والكل يحتفل. كيف لا، واليوم زفاف عز الدين على ابنة عمه التي يتحدث الجميع عن المعروف الذي قدمه لها لإنقاذها من وحدتها، ولم يكن ليتجرأ رجل واحد على طرق منزلها.
عز الدين، البارو المستقبلي لعشيرة الدوم، أشد رجال القبيلة بأسًا، الرجل الذي كان من الشجاعة ليتصدى لكل من سولت له نفسه الاعتداء على قبيلتهم قبلًا، ها هو يتمم زواجه الثاني اليوم من ابنة عمه، كي لا يكسر خاطر البارو الحالي، وينقذ ابنة عمه من لذاعة الأحاديث التي تدور حولها بين الطرقات.
الجميع في باحة المنزل ينتظر العروس المنشودة لتأتي وتدلي بموافقتها أمامهم ليتم الزواج وتبدأ ليالي الاحتفال السبع المعروفة.
كانت أصوات الغناء ومشاهد الرقص تملأ المكان والتهاني تتقاذف فوق رأس عز الدين الذي يجلس مبتسمًا متفاخرًا بنفسه، الرجل الذي يتحدث الجميع عنه وعن قوته وبأسه.
ومن بين كل تلك الاحتفالات ظهرت أخيرًا العروس، لتعلو الزغاريد في المكان، لكن فجأة تلاشت وتوقفت النسوة، كما تجمدت الأجساد جميعها وهم يبصرون المرأة تتحرك بينهم متشحة بالأسود من رأسها لأطراف أصابعها.
تمامًا كما ظهرت في زواج عز الدين الأول، لكن هذه المرة دون مسدس، ابتسمت بسمة صغيرة تتحرك بينهم حتى وصلت لمقعدها بين الجميع، وأعين الجميع تحلق حولها بصدمة شديدة، قبل أن يتدارك عز الدين الأمر متوعدًا لها.
_ خير، وقفتوا الاحتفال؟ كملوا... فين المأذون؟
اتسعت بسمة رايانا أكثر وهي ترى نظراته، وبالفعل هرول أحد الصبية لأحضار المأذون ووالدها يتوعد لها بالويل، الجميع يحدق فيها بكره وغضب كبير، وهذا لو يعلمون يزيد من سعادتها في الواقع.
فما أجمل من إثارة غضب كل فرد من أفراد عشيرتها؟
في اللحظة التي وصل بها المأذون، أفسحوا له المجال لبدء عقد القرآن، لكن وقبل أن يستقر في مكانه، ارتفع صوت صرخة قوي بين الجميع يوقف كل
رواية أرض الدوم الفصل الثاني 2 - بقلم رحمة نبيل
كانت لحظات ينعزل بها بنفسه عن الجميع، لا يدري أيرثي نفسه أم حياته أم ينعي مستقبلًا ضبابيًا، هو الذي عانى ليصل إلى هدفه، ليصل في النهاية لحائط سد.
ابتسم بسخرية وهو يجمع أوراقه وكتبه داخل كرتون صغير، وأمام عيونه نيران تحفزه على حرق كل تلك الأوراق التي شهدت على مظلمته، لم تنطق يومًا بكلمة حق تشهد على تعبه وسهره.
أربع سنوات... أربع سنوات قضاهم داخل جامعته يكافح ويحارب، لا ينام ولا يسمح للكسل أو الفشل أن يتسرب له. أخبره الجميع أن تخصصه هو دفن حي لحياته ومستقبله، فهو من بين جميع المجالات اختار المحاسبة تخصصًا، وتوعد للجميع بنهاية يشفي بها صدره.
والآن بعد مرور أربعة سنوات حصل فيهم على المركز الأول مرتين والمركز الثاني مرتين، وختم حياته في الجامعة بامتياز مع مرتبة الشرف، ها هو أخيرًا وصل للمرحلة التي ينام بها ليلته مرتاحًا قرير العين على مرتبة الشرف الخاصة به، بعدما نال ابن عميد الكلية، وابن أخ ونائب الجامعة مكانهُ عن جدارة واستحقاق من طرف عائلته.
ابتسم بسخرية ومرارة قاسية استحكمت حلقه، وقد أضحت الصورة أمام عيونه ضبابية بسبب دموعه التي تجمعت. بعد كل ما بذله في سبيل الارتقاء بنفسه وبأسرته، ها هو يعافر ليوفر بعض القروش تكفيه شر السؤال من والده، وقد رفضته جميع الشركات لقلة خبرته.
لكن العيب في النهاية يقع فوق أكتاف "الحاجة سنية"، إذ لم تلفظه من رحمها مع خبرة سبع سنوات وشهادة زمالة من الاتحاد القومي للمحاسبين.
فجأة انتفض جسده بقوة حينما ارتفع صوت تحطيم من الخارج. زفر بضيق وقد علم أن شجارًا آخر قد نشب في الأسفل. نهض يتحرك صوب نافذته كي يغلقها ويعزل نفسه عن محيطه، لولا أن أبصر أحمد يركض بجنون في الشارع وهو يصرخ في دائرة الشجار بصوت صاخب:
"عيســـى، أبعد عنه منك ليه..."
ضيق يحيى عيونه وقد ارتفع وجيب قلبه وهو يحرك عيونه ببطء أكثر صوب الشجار، لا يتعرف على أحدهم بسبب كثرة التجمهر، وكل ما استطاع التعرف عليه هو...
"يحيى ألحق اخوك في شوية بلطجية متلميين عليه تحت يابني."
وفي ثوانٍ كان يندفع خارج المنزل يهرول في الطرقات الخاصة بالشارع، ومظهر بعض الرجال متجمعين على شقيقه الأصغر يطعنه بقوة. أبصر أحمد يحاول جذبه من بين أيديهم لولا عددهم الكبير.
بسرعة كبيرة ركض صوبهم وهو يحاول جذب عيسى خارج الشجار قبل أن يضيع ضحيتهم، ومن ثم يمكنه فعل ما يريد.
عيسى، والذي كان رغم كل أفعاله طائش، لا يستطيع رفع إصبعه في وجه حشرة صغيرة.
أصوات صراخه وأصوات النساء حوله ترتفع، وقد بدأ الشجار يحتدم أكثر وأكثر والكفة ترجح لطرف الآخرين لكثرة عددهم.
وأحمد بدا كمن تلبسه جنيّ، يضرب من أمامه دون تفكير، يحاول أن يخرج بعيسى بأقل الخسائر الممكنة.
وهناك على بداية الشارع كان يتحرك بكل هدوء، يحمل على كتفه حقيبته ويجذب أخرى، يراقب الطريق بأعين ضبابية، يشعر بالحنين يعلو داخل صدره حتى كاد يفيض ويغرق المكان حوله.
جواره يسير حاتم الذي كان يراقب كل شيء، وشعور غريب بالراحة يتسلل لصدره، دفء المكان أراحه، قبل أن ينتبه للضوضاء التي تعلو المكان.
"يا لطيف، شكله فيه واحد عمّ بنطحن بهالخناقة."
حرك مسلم عيونه ببطء صوب الشجار، قبل أن يبعدها ببرود ودون اهتمام بما يحدث:
"كبر دماغك يا حاتم خلينا نوصل للبيت بس."
وبالفعل تحرك مع حاتم يتجنب الشجار بكل برود، حتى أن أحد الأجساد اندفع صوبه ليدفعه بقدمه بملامح مقتضبة، وهو يكمل طريقه صوب البناية الخاصة به، وعقله يعرض له ملايين المشاهد حول مقابلته لعائلته. عرق بارد ملأ جبينه، وضربات قلبه تعلو كلما خطى خطوة صوب المنزل. لكن وقبل أن يرفع قدمه ليخطو للبناية، سمع صرخة هزت كامل أرجاء جسده، صرخة جمدت الدماء في عروقه.
صرخة والدته...
"حد يبلغ البوليس يا ناس عيالي هيضيعوا مني."
كانت ثوانٍ فقط، ثوانٍ رفع عيونه صوب النافذة يبصر جسد والدته يتوه بها للحظات لا يدرك عددها، ومن ثم حرك رأسه بسرعة صوب الشجار حيث تصوب والدته عيونه وتوقف قلبه ثوانٍ، يدرك في هذه اللحظة أن الأمر لم يكن مجرد شجار مزعج، بل كان شجارًا مزعجًا مع إخوته.
امتص حاتم شفتيه بشفقة على سنية التي كانت تنوح على أولادها:
"الله يعينها، مبين أنه...."
وقبل إكمال كلماته وجد حقيبة مسلم ترطم بوجهه وهو يهرول صوب الشجار بسرعة، يتحسس وجوه أشقائه الذي نسي ملامحهم تقريبًا إلا من بعض الصور، ليجد عيسى في منتصف القتال تقريبًا والجميع فوقه، ويحيى يحارب ليخرجه سالمًا.
لم يفكر لثانية وهو ينقض يسحب أحدهم من رقبته للخلف حتى كادت قبضته تحطم عظام رقبته، ومن ثم سحب الآخر يضرب رأسه بخاصته، ولا أحد يدرك هويته. لكن على الأقل أحمد يدرك أنه معهم لا عليهم، لذا بدأ يساعده في تخليص عيسى من بين أيديهم حتى عمت الفوضى المكان.
وحاتم يتابع من بعيد بأعين متسعة مصدومة، ينظر حوله لا يعلم ما عليه فعله، قبل أن يلقي الحقيبة أرضًا ويحشر جسده بين الحشود يبحث عن رفيقه ليؤازره.
"ولك! شو مالكم متجمعين على الولد بهاي الطريقة؟!"
كان يصرخ وهو يضرب من لا يعلم لأجل من لا يعلم، هو فقط يضرب من يرى مسلم يضربه، ومسلم أمامه كان قد جن جنونه وهو يضرب كل غريب أبصره في هذا الشجار، فقط ليصل حتى شقيقه الصغير.
***
تنفست الصعداء وقد هربت أخيرًا من المنزل دون أن يقف والدها أمامها ويخنقها كما المعتاد، فما حدث في عقد قرآنها مع عز الدين لم يمر الكرام.
البارو أعلن غضبه على الجميع، وقد استغرقوا وقتًا طويلًا لضحد كل الأقوال حول حقيقة عز الدين وإظهار أن زوجته هي المرأة الفاسدة التي أرادت إفساد صورة البارو المستقبلي. ولم يضيع عز الدين وقته وهو يلتقط له امرأة أخرى يتزوجها كي يثبت للجميع أن العيب الوحيد به هو مثاليته فقط.
أغلقت البوابة ببطء وهي تتحرك بعيدًا عنها بسرعة صوب مكانها المفضل، لكن ما كادت تعبر عتبة منزل عمها حتى شعرت بيد قوية تجذبها للداخل، يد لم تمنح لها حتى حق الصراخ، وهي تكمم فمها تسحبها بسرعة صوب غرفة جانبية للغلال، وهي فقط تحاول إدراك ما يحدث. لكن فجأة وجدت نفسها في غرفة الغلال مع زوجة عمها وابنها وشقيقاتها.
اتسعت بسمة زوجة عمها وهي تبصر صدمتها، تشعر بانتصار أخيرًا على ساحرة الغجر. تقترب منها وهي تشمر أكمامها:
"فكرك هتخربي حياة ابني وتفلتي منها؟!"
تراجعت ريانا للخلف بحذر تبتسم بسمة صغيرة غريبة، بسمة واثقة، رغم أنها داخلها ترتعد من الخوف، بل تبكي رعبًا من مظهرهم، لكنها تدرك يقينًا أن سبيل نجاتها من أيديهم في هذه اللحظة هي عقولهم والأوهام التي كانوا مقتنعين بها على مر عقود.
"وفكرك أنتِ هسيبك في حالك لو قربتي مني بسوء؟!"
لكن يبدو أن غضب وحقد المرأة جعلوها حصينة أمام الأحاديث التي تناقلت عنها، لذا أخذت تحرك عيونها حول نفسها وهي تبحث عن مخرج لها من المكان، ورعب كبير بدأ يتملك منها وهي تبصر الجميع يتحرك صوبها، وعز الدين يقف بعيدًا يضم يديه لصدره يراقب العرض الممتع ببسمة جعلت جسدها يرتجف.
نظرت لهم بأعين مرتجفة وقد أبت أن تخرج توسلًا من فمها، فقط تعود للخلف وهي تراهم يحيطون بها، في الوقت الذي بدأت ذكرى قديمة تهاجمها.
فتية صغار يطاردونها وحجارة غليظة تتقاذف عليها، وكلمات مترامية حول الساحرة والمشعوذة تلاحقها. لكن الفرق أنها في طفولتها هربت منهم واحتمت بغرفتها. وهنا لم يكن لها مكان تحتمي بها، سوى أنها ومع أول ضربة تلقتها تقوقعت على نفسها بسرعة تحمي نفسها، تتلقى ضرباتهم بصمت دون صرخة واحدة حتى، وكأن لا صدى لضرباتهم بجسدها سوى اهتزاز بسيط.
ودمعة وراء الأخرى بدأت تسقط من عيونها تشعر باهتزاز جسدها وهي تتسطح أرضًا تخفي جسدها ووجهها، تأمل أن يملوا سريعًا من ضربها حتى تنعزل بنفسها تضمد جروحها لنفسها، تحاول أن تعزل نفسها عما يحدث لها، بالتفكير في مستقبل أكثر إشراقًا، حيث هي بعيدًا عن كل هؤلاء مع شخص يحميها، شخص يموت لأجلها، شخص يرد الصفعة برصاصة.
***
فتحت الباب بسرعة وهي تضم عيسى برعب، تنظر له باكية تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، تتحسسه وجهه بحثًا عن جروحه، أو ربما بحثًا عن جزء بلا جروح بوجهه.
"كده يا عيسى؟؟ ياما قولتلك يا بني تسيبك من أم التوكتوك ده اللي مش جايلنا من وراه غير وجع القلب، ليه كده يابني عجبك اللي حصل؟؟ احمد ربنا إن أبوك مش هنا."
صمتت حينما أبصرت وجه ابنها الجامد والمصدوم، لا تفهم ما به:
"مالك يا عيسى، فيه ايه؟؟ يحيى فين هو وابن خالتك حد حصل ليهم حاجة؟!"
ابتلع عيسى ريقه وهو يشير للأسفل دون كلمة، يتذكر ذلك الشخص الذي جذبه من الشجار يأمره بالرحيل بسرعة.
وسنية دفعته وهي تتحرك بسرعة وقد اكتفت من المراقبة، تهرول خارج المنزل تتأكد أن الجميع بخير.
أما عن الخارج، فبمجرد أن انتهى الشجار أمسك مسلم أحد الرجال يجذبه صوبه وكأنه يناطحه، يهمس بصوت أرسل قشعريرة في جسد الآخر:
"قول للي معاك أي واحد توسوس ليه نفسه يقرب من عيلتي أنا هخلي أمنيته أن عربية تفرمه أحسن من اللي هعمله فيه، واضح كلامي؟!"
أومأ الرجل بسرعة يتحرك بعيدًا بسرعة، بينما مسلم نفض يده يستدير بسرعة صوب يحيى يتأكد أنه بخير، بينما يحيى كان يتأكد أن أحمد بخير، ومن ثم استدار يبحث عن عيسى الذي اختفى فجأة من بينهم.
"الندل سابنا في الخناقة اللي هو حطنا فيها و..."
فجأة توقفت كلماته على طرف شفتيه وهو يبصر أمامه هيئة مألوفة لرجل يبتسم له بسمة حنونة محبة. رجفة سريعة مرت بجسد يحيى وقد ظن لثوانٍ أن ما يراه ليس سوى لـحاجته المثيرة للشفقة مؤخرًا لوجود سند له.
لكن كل ظنونه تلاشت مع كلمات مسلم الذي اقترب يهمس بصوت حنون محب:
"يوحا حبيبي وحشتني."
ارتجف جسد يحيى بقوة وهو ينظر خلفه لأحمد الذي لم يكن أقل منه صدمة، يعيد نظراته لذلك الـ... لنسخة أخيه الباهتة.
وقد خرجت كلماته بشك:
"مسلم؟!"
سقطت دمعة مسلم وشعر بقلبه يتفتت وهو يهمس بصوت باكي:
"وحشتني يا يحيى."
وفي ثوانٍ كان يحيى يندفع لمسلم وهو يصرخ بعدم تصديق:
"مسلم؟؟ مسلم؟ أنت... مسلم يا أحمد... مسلم."
وما بقي في نفسه كلمة لينطق بها، فقد تكفلت كل دمعة شوق كبتها يومًا بالتعبير عن حالته، وهو يضم شقيقه أكثر وكأنه يخشى إن تركه يتلاشى طيفه ويعود دونه مجددًا.
انهار يحيى بين أحضان مسلم الذي لم يكن فقط مجرد شقيق، بل كان وما زال القدوة الصديق منذ كانا طفلين لا يفرق بينهما سوى خمسة أعوام.
همس بصوت باكي وقد ارتجفت يد مسلم بقوة:
"وحشتني اوي، وحشتني اوي يا يحيى، وحشتني أوي، أنا.... أنا... أنا آسف... حقك عليا."
ولا يعلم علام كان يعتذر ولمن؟! لنفسه التي أضاعها في حياة اختارها في لحظة يأس، أم لشقيقه الذي تركه في أكثر الفترات التي كان يحتاجه بها، أم لعائلته التي تخلى عنها عشر سنوات دون إشارة واحدة توحي بوجوده فعليًا.
"بالله عليك ما تغيب تاني، بالله عليك ما تسيبنا تاني يا مسلم، أوعى تكسر ضهري بغيابك تاني يا مسلم."
"مســ... مسلم ..ابني؟؟ مسلم؟؟ ده مسلم؟!"
كانت كلمات مرتجفة خارجة من فم السيدة سنية التي توقفت خطواتها على بوابة المنزل بعدما سمعت كلمات يحيى ترتجف وهي تراقب ذلك الجسد الضخم الذي لا يشبه بأي شكل ولدها ضعيف البنية، وجه خشن وملامح قاسية لا تمت لبراءة وطيبة ملامح مسلم بشيء، لا شيء من هذا الشخص يشبه ولدها الذي ودعته في نفس المكان قبل عشر سنوات، لا شيء به يشبه مسلم سوى عيونه.
رفع مسلم عيونه صوب والدته، وكل ما كبته من انهيار قبل ثوانٍ بصعوبة بين أحضان يحيى انفجر انهيارًا أسفل أقدام والدته وهو يهرول صوبها باكيًا كطفل صغير عاد مجروحًا من الروضة:
"مامـــا.."
وهي كلمة واحدة ما استطاع النطق به قبل أن ينفجر في بكاء حار يلقي بنفسه بين أحضانها وكأنه يشتكي لها ما حدث ببكاء فقط، يقص عليها معاناته دون كلمات فعلية.
وهي فقط أخذت ثوانٍ مصدومة قبل أن تنفجر باكية تقبل وجهه وتشتمه بجنون تبحث به عن ولدها، وقد كان اللقاء حارًا ومؤثرًا لدرجة أن بعض المارة بدأوا يتوقفون في طريقهم يتابعون ما يحدث بصدمة وتأثر.
وحاتم فقط يقف جانبًا يراقب ما يحدث مبتسمًا، يعتقد ربما لو كان يمتلك عائلة، ربما... ربما كانوا افتقدوه بنفس المقدار.
تحرك أحمد بسرعة يعانق مسلم لا يصدق أنه أخيرًا أبصره بعد كل هذه السنوات، وعيسى الذي تعجب ذلك الشخص في البداية خاصة أنه سافر حينما كان في التاسعة فقط، إلا أن عناق واحد من مسلم جعله يشعر بأمان وراحة كبيرة.
ومن شجار وشغب تحولت الأجواء في الحارة لاحتفال وترحيب بعودة الغائب من بعد سنوات طويلة.
***
"كلامك اللي بتقوليه ملهوش دليل يا ريانا عشان تتهمي زوجة عمك وابن عمك، وأنا مينفعش إني احاسبهم على شيء مفيش دليل عليه و..."
تلاشت كلمات والدها حينما تجاهلته بكل بساطة وتركته يتحدث ورحلت بكل صفاقة ووقاحة - حسب ظنه - تتحرك صوب غرفتها وعيونها تلمع بانكسار وشر، تقسم أن تطلقه على الجميع، وكأن آثار الضربات على جسدها ليست دليلًا، وكأن كلمتها ليست دليلًا.
كان أخبار والدها منذ البداية فكرة سيئة من الأساس، والآن نأتي للفكرة الجيدة.
ستُحيل ليل عشيرتها نهارًا... وقد كان.
حريق هائل التهم ربع أراضي القرية في الطرف الشمالي، ومن العجيب أن الأضرار أصابت فقط أرض عمها بشكل غامض وبفعل غامض ويد غامضة.
والشخص صاحب اليد الغامضة، كان يقف هناك على بعد يساوي نفس البعد الذي كان يقفه عز الدين بينما تتعرض للضرب من والدته وشقيقاتها، تضم يديها بنفس الوضعية التي كان يقف بها، تراقب انعكاس النيران داخل عيونها، ونظرات الذعر في أعين الجميع وصرخات والدته وشقيقاتها؛ اللواتي بعن كل ما يمتلكن للمشاركة في حصاد الأرض، يعلو في المكان فيطربها.
اتسعت بسمتها تجلس أرضًا أسفل شجرة بعيدة بعض الشيء تضم قدميها لجسدها تراقب ما يحدث باستمتاع شديد وبسمة صغيرة.
لم تشعر بذرة شفقة وهي تتحرك صوب سيارة والدها تفرغها من الوقود ومن ثم تتحرك صوب الأراضي تحرقها، وكأن طاقة سوداء بداخلها هي ما دفعتها لذلك، وكلما شعرت بالتردد والخوف مما ستفعل ذكرت نفسها بكل ما حدث لها على أيديهم. كان غضبها وحقدها يغزيها ويحركها. ربما كانت حقيرة، لكنها على الأقل أثلجت صدرها برؤية النساء يصرخن صرخات كبتتها هي أثناء ضربهن لها.
ربما كانت ضعيفة لتصد ضرباتهم، لكنها لم تكن جبانة لتمررها.
فجأة سمعت صوتًا خلفها يهمس بحقد:
"أنتِ اللي عملتي كده صح؟!"
ابتسمت دون أن تنظر خلفها، فقط تراقب المكان دون أن ترفع عيونها، تسمع صوت القش يتحطم أسفل خطواته الغاضبة، توقف أمامها يهتف بصوت غاضب صاخب:
"انطقي أنتِ اللي عملتي كده؟!"
رفعت عيونها له ببرود وضيق ثم عادت بنظراتها صوب الحريق تحاول أن تبصر شيء من خلف ظهره:
"أنك تسأل أسئلة أنت عارف اجابتها مضيعة للوقت يا عز الدين."
مال عز الدين يجذب ذراعها بقوة يجبرها على الوقوف وقد فعلت دون مقاومة بسبب وجع جسدها بالكامل:
"أنتِ ايه يا شيخة، شيطانة، غراب أسود مدخلتيش حياة حد غير لما خربتيها، بومة زي ما الكل كان بيقول عنك، كل ده عشان رفضت اتجوزك زمان، للدرجة دي الموضوع قاتلك، إني ارفضك وجعك للدرجة دي؟! بس تعرفي أمي كان عندها حق، أنت خراب على كل اللي بيشوفك."
كانت تراقبه بصمت كعادتها، وقد اعتادت طوال حياتها أن يكون ردها الوحيد على كل ما يحدث لها هو الصمت. تصمت وتبتسم لهم تلك البسمة التي يراها الجميع مريضة، لكنها كانت مجرد غطاء تخفي خلفه مشاعر غضب وحزن وقهر.
شيطان؟! ربما.
غراب أسود؟! هكذا يقولون.
خراب؟! احتمال.
لا تهتم بالتحديد بالألقاب فطالما أنهم لن يتوقفوا عن نعتها بها، إذن لتتصرف على هذا الأساس.
نظر لها عز الدين باشمئزاز كبير جعل أحشائها تتلوى بقوة، ليس وكأن نظرة أو رأي عز الدين قد يؤثروا بها، لكن أن يرمقها رجل ولو كان عز الدين بهذه النظرة المستحقرة المشمئزة كان سيئًا للغاية.
"أنتِ مقرفة يا رايانا، صدقيني حياتك الجاية هتكون جحيم عليكِ وأنا بنفسي هتأكد أنك تعيشي أسود أيام حياتك بدون خلاص، أصل مين اللي هيورط نفسه مع واحدة زيك شكل وبس، مفيش حد في العشيرة هيقبل في يوم يرتبط بشيطان زيك، حد بسوادك وحقدك."
مال عليها أكثر تحت عيونها الجامدة رغم النيران التي كانت مشتعلة بها من الداخل:
"مفيش راجل واحد على وش الأرض هيقرب منك، سامعة يا ريانا، هتعيشي وتموتي وحيدة من غير ما كلب يرفع عيونه فيكِ، لأن لو مش ليا، فأنتِ مش هتكوني لغيري، وخلينا نشوف مين ممكن يقرب منك؟!"
ختم حديثه ينفض يدها بقوة وقد اشتعل وجهه بالغضب، يبصق أرضًا بازدراء، يتحرك ليتدارك الخسائر مع عائلته بعدما أطفئوا الحريق بالفعل وقد تم إخماده.
تاركًا إياها تقف بهدوء وأعين شاردة في الدخان أمامها. عيون حمراء ليس غضبًا، لكن قهرًا، دموع قليلة بدأت تتساقط من عيونها، وقد أدركت في هذه اللحظة أنها انجرفت بعيدًا خلف غضبها، أبصرت بقايا الحريق أمامها وكأنها أدركت فجأة فداحة ما فعلت، لكنهم أطفئوا الحريق في النهاية.
وهي متى تخمد نيرانها؟!
كانت متجمدة بأرضها وصوته الداخلي يرن في رأسها مرارًا وتكرارًا حتى كاد يصمها:
"وخلينا نشوف مين ممكن يقرب منك؟؟؟؟؟"
***
"مسلم؟!"
كانت نظرات التعجب والصدمة تدور حوله، هنا في منزل طفولته الذي لم يتغير به الكثير. جميع أفراد أسرته تجمعوا داخل المنزل، والمقصود بجميع أفراد أسرته هم أسرة والدته تحديدًا.
الجميع جاء يلتحق بالصفوف الأولى لمشاهدة الغائب الذي رحل شابًا وعاد... حسنًا، لا يدرك أحد كيف عاد بالتحديد. كان مسلم شاب نحيف مع ملامح صافية نقية، أما هذا بملامحه الخشنة وجسده الضخم نسبيًا وخصلاته السوداء التي استطالت أكثر وأكثر، وعيونه البنية التي بدت أشد سوادًا، كان تقريبًا شخصًا آخر.
"لو كنت أعرف أنك هترجع بالشكل ده يا مسلم أنا والله كنت استنيتك."
كانت كلمات خرجت هائمة من فم "نورهان" التي كانت تراقبه ببسمة واسعة وأعين ملتمعة تشعر بضربات قلبها تكاد تخرج من صدرها من هول ما ترى، وقد اشتعل الحماس فيها وهي تراقب مسلم وكأنها معجبة بفكرة امتلاكها شخصًا في عائلتها بهذا الجسد الضخم.
تلوت ملامح شقيقها "أحمد" وهو يزجرها بنظرة قاسية لتخفض وجهها بسرعة خجلة، مترددة مبررة:
"ده اخويا يا أحمد مالك... اخويا والله."
اتسعت بسمة مسلم بقوة وهو يتحرك صوبها يجاورها يضمها بحنان:
"ملكش دعوة باحمد يا نونو، قولي اللي تحبيه يا قلبي، بعدين اتجوزتي مين وامتى؟ أنا سايبك هايمة بالسي في بتاعك عشان تشتغلي وقولت هرجع ألاقيكِ مستقلة في حياتك وحققتي حلمك."
ابتسم أحمد بسخرية لاذعة وضيق شديد ملأ نفسه حين اتجه الحديث لهذه النقطة:
"اتجوزت سيد الرجال يا خويا، اتجوزت زميلها في الشركة اللي كانت بتشتغل فيها، عيل ابن..."
منعته نورهان من الحديث وهي تنظر له بغضب مرددة بكلمة حادة وهي تشير بعيونها صوب الغريب الذي كان يجلس بينهم ولم يكن سوى حاتم:
"أحمد لو سمحت."
حرك مسلم عيونه صوب حاتم الذي لم يكن يعي حتى ما يحدث معهم، يجلس مع والدته التي تعهدت على إخراجه من أسفل يديها نصف طن.
"يا خالة، خلّيها... والله ما في داعي، اقسم إني مو جوعان... هاد بط؟"
زفر أحمد بقوة يبعد وجهه عن شقيقته، ولم يفهم مسلم ما يحدث، لكن بنظرة صغيرة صوب يحيى أدرك أن الكثير فاته خلال هذه السنوات، عشر سنوات لم تكن قليلة في النهاية.
"ايه اللي حصل بالظبط وانا مش هنا، حاسس فيكم حاجة غريبة؟"
نظر يحيى حوله بسخرية شديدة يميل بيديه على ركبتيه يتشدق مبتسمًا بحسرة:
"حاجة غريبة؟ لا، هو الغريب فعلاً أنك تكون طبيعي في بيتنا."
أشار على الجميع حوله ببسمة ساخرة:
"أنت بعونك يارب قاعد دلوقتي مع أكبر أربع فشلة فيكي يا مصر. أستاذ أحمد محامي مع وقف التنفيذ وشغال على عربية فول الصبح، أنا محاسب على الله وشغال على نفس عربية الفول بس بعد الضهر."
أشار على نورهان ببسمة:
"أختك العبيطة اللي سابت وظيفتها عشان تتجوز راجل ابن..."
صمت حينما رمته نورها بنظرة مرعبة، لكن إن ظنت أن يحيى بمثل تفهم أحمد فقد أخطأت، إذ ضرب كفيه ببعضهما البعض يلقي لها بالكلمات بنغمة ساخرة:
"ايه يا ختي بتبصيلي كده ليه؟ ما كل حاجة على عينك يا تاجر وكل الناس عارفة أنك متجوزة راجل ابن *** مترباش ومحدش طايقة حتى أنتِ."
صمت يشير بعصبية مبالغ بها صوب عيسى ساخرًا:
"واخوك بعد ما شاف اللي حصل لينا في التعليم حلف يمين ما هو داخل ثانوي ودخل صنايع وسقط، وبقى سواق توك توك قد الدنيا."
ما هذا؟ ما الذي يحدث حوله، فهو آخر ما يتذكره قبل الرحيل أنه ترك أحمد على وشك أن يكون "وكيل نيابة كما كان يحلم"، ويحيى كان واثقًا أنه سيعود ليجده معلمًا بالجامعة، نورهان سيدة أعمال ذكية في مجالها، وعيسى... حسنًا، عيسى كان سيكون سائق "توكتوك" في جميع الأحوال. فهذا حلمه منذ أول مرة أبصر بها التوكتوك في طفولته.
ولمَ اللوم وهو نفسه لم يحقق ما سافر لأجله؟ يبدو أن عيسى كان الوحيد الذي حقق أحلامه من بينهم جميعًا.
أبصر يحيى ما يعلو وجه شقيقه فاشفق عليه أنه عاد ليجد كل تلك الفوضى هنا، لذا حاول التهوين عليه:
"سيبك يا عم أنت مننا، خلينا فيك وأنت بسم الله ما شاء الله بقيت.... بقيت قد الدنيا، أنا قولت والله الأمل فيك بعد ما جد جدك ضيع فرصتنا في الثراء الفاحش، قولي بقى يا ابو المسالم رجعت بكام مليون؟"
رفع مسلم عيونه ليحيى ثوانٍ قبل أن يهمس بتردد:
"عشرين."
اتسعت عيون الجميع بصدمة والتحفوا حوله بانبهار من الكلمة، وأحمد ردد بترقب وقد بدا أن لعابه سيسيل من التخيل، والكلمة خرجت منه بصعوبة:
"مليون؟!"
نفى مسلم برأسه يبلل شفتيه ثوانٍ فقط:
"ألف."
بدأ الحماس يتراجع في النفوس وعيسى يتمسك بآخر أمل:
"دولار؟"
"جنيه."
تراجع الجميع مجددًا لمقاعدهم بصدمة مما سمعوا. غربة أكثر من عشر سنوات وهذا ما عاد به، عشرون ألفًا؟! نظر الجميع لبعضهم البعض وأطلق يحيى ضحكة مرتفعة وهو يحرك كتفيه بسخرية:
"هي حصلتك في الغربة ولا إيه؟"
لم يفهم مسلم ما يقصد:
"حصلتني؟"
مال أحمد يضيق عيونه بجدية يطرح سؤالًا ساخرًا عليه:
"الخيبة يا خويا. فكرك يا مسلم ليه محدش فينا حقق حلمه اللي سيبتنا بيه؟"
رمش مسلم لا يجد إجابة ليبدأ يحيى مشيرًا صوب أحمد:
"الأستاذ أحمد أول ما قدم الورق بتاعه وجدك جابله وسايط تدخله رئاسة جمهورية مش بس نيابة، وكان واقف على التوقيع بس... تعرف إيه اللي حصل؟"
ابتسم أحمد بحسرة وقد كان هذا الجزء الكوميدي في قصته يكمل عن يحيى:
"قام انقلاب داخلي على الحكومة وتم إقالتهم كلهم، وكل اللي جابتهم وسايط نصهم هربان والنص التاني ع البورش (السجن)."
اتسعت عيون مسلم بصدمة ويحيى يكمل ما حدث لهم:
"وأنا كنت دايماً بطلع الأول واتخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف تفتكر ليه مبقتش معيد؟ عشان ابن عميد الكلية وابن أخو نائب الجامعة قرر فجأة يجتهد في السنة بتاعتي بعد ما سقط سنة وطلع الأول علينا وقرروا أنه حرام واحد يبقى أهله ماسكين الجامعة، صعلوك زيي يطلع الأول عليه."
أشار صوب نورهان بغضب:
"واختك المتخلفة دي بعد ما رفضت نص رجالة البلد ربنا وقعها في راجل حيوان مطفحها المر في كاسات وكل يومين تغضب وتتخانق معاه ولسه ماسكة فيه تمسك عيسى بالتوكتوك رغم أنه كل يوم ياخد علقة بسببه."
ختم حديثه ببسمة واسعة يشير له:
"وأنت اهو شرفت عشان نكمل الصورة، عيلة فاشلة مفيش واحد فينا نجح بالصدفة حتى."
صمت مسلم بصدمة وهو يستمع لما حدث، واتضح أنه لم يكن الوحيد الذي عانى بينهم. دفن وجهه بين يديه وهو يفكر هل يخبرهم بكل الملايين التي يمتلكها والتي أقسم ألا يمسها يومًا فلا يريد أن يلمسها أو يقترب منها؟
تنهد بصوت مرتفع ولا يدري السبب إلا أنه تذكر آخر عضو في مجموعتهم قديمًا والتي لم يأت أحد على ذكرها، حبيبة الطفولة وجارته.
"هي.... دنيا فين؟"
اتسعت بسمة يحيى بشكل جعله يتيقن أن القادم لن يكون جيدًا له. وقد كان.
"أتقصد السيدة الفاضلة أم جودي ويونس؟ ادعيلها ربنا يقومها بالسلامة من حملها التالت."
نعم، يبدو أن الكثير فاته أثناء غيابه. هو لا يهتم عامة بأمر دنيا كثيرًا، لم يكن يتوقع أن تنتظره عشر سنوات، لكنه فقط كان عاتبًا أنها لم تفكر يومًا في تسمية طفلها باسمه.
نظر حوله لعائلته التي يبدو أنها كانت تضع أملًا كبيرًا على عودته، وهذا ما يؤلمه. هل سيضطر للمس ما أقسم ألا يقترب منه؟
مسح وجهه وهو يدفن وجهه بين يديه يفكر بجدية في الأمر، فما يراه الآن لا يحتمل أن يدعي الفضيلة، وينبذ ما جناه خلال سنوات عمله في تلك المنظمة.
هو لم يكذب، فهو عاد فقط بعشرين ألفًا وهذا كان ما كسبه بداية سفره قبل سحبه قسرًا للمنظمة التي جنى بها ملايين لا تلتهما النيران.
بلل شفتيه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى ارتفع صوت والدته المبتهجة والتي لم تتلاشى بسمتها منذ أبصرته:
"مسلم يا حبيبي جدك اتصل بيا وبيقول عايز يشوفنا كلنا وأولنا أنت، مش مصدق يا حبيبي أنك رجعت وأصر يشوفك دلوقتي."
أطلق يحيى ضحكة مرتفعة لم يفهمها مسلم يحرك كتفه بمزاح وكأنه يرقص:
"تلاقيه سمع أن الجيش بتاع التحرير زاد جندي، جدك بدأ يخطط للزحف إلى أرض الدوم..."
ضيق مسلم ما بين حاجبيه بعدم فهم:
"أرض الدوم؟"
***
أرض الدوم، حيث يقام احتفال تأسيسها بعد كل تلك السنوات التي استطاع بها غجر الدوم أخيرًا العثور على وطن لهم وأصبح تحت أيديهم رسميًا، وطنًا ومستقرًا. وها هم في الأسفل يحتفلون ناشرين كل صور البهجة المعروفة لديهم، النساء ترتدي الأثواب الملونة بالأحمر والأصفر يطلقون خصلاته الطويلة المزينة بشرائط بنفس اللون، والرجال كذلك يرتدون أثوابًا بيضاء يوزعون الفواكه والمشاريب والدفوف تضرب في أنحاء المكان.
احتفال تقليدي مائة بالمائة لا يفسده طقس ولا وجودها. فنعم، كانت مسجونة بغرفتها بأمر من والدها، فمنذ طفولتها حُرمت من حضور جميع احتفالات قومها وخاصة هذا الاحتفال تحديدًا، خوفًا من طاقتها السوداء. طوال سنوات عمرها السبعة وعشرين اضطرت للوقوف بالنافذة تراقبهم ببكاء تارة وحسرة تارة أخرى.
ورغم أن والدها لم يكن من داعمي فكرة شعوذتها، إلا أنه كان يفضل تلاشي كل الحديث والمشاكل التي تحضر بحضورها، لذا كان يحرص على منعها من الحضور كي لا تفسد احتفالات شعبه.
راقبت الألعاب النارية تضيء المكان، والأنغام تعلو والرقصات التقليدية تملأ الساحة والضحكات تعلو.
ضحكات القوم على أطلال حياتها.
ونعم، ذكرى التأسيس أحضرت لها ذكريات لا تحبذ تذكرها، ذكرى بداية قصتها وشرارة الخرافات المتعلقة بها.
سنوات طويلة منذ ذلك اليوم لكنها تتذكر كل حدث به ليس كما لو أنها أبصرت ما حدث من رحم والدتها، لكن لأن الجميع لا ينفك يذكرها ببداية شؤمها.
كانت الاحتفالات تعلو في المكان والجميع يتراقص ويهنئون بعضهم البعض بذكرى تأسيس أرض الدوم، وفجأة من بين الاحتفالات، قطعت صرخة صوت الاحتفالات، صرخة لم تشق الحشود ولم تصل سوى له.
البارو... انتفض جسده متحركًا صوب زوجته التي سقطت بين النساء وقد جاءها المخاض، أقبل ولده الحبيب واختار يومًا عظيمًا كسنوية العشيرة لينير البلاد ويحمل الراية من خلف والده.
وبالفعل، سُحبت زوجته للغرفة وقد ارتفعت صرخاتها والجميع التف حول زعيمهم يشاركونه الفرحة والتهاني وأصوات الزغاريد تعلو، لكن فجأة كل ذلك توقف مع صدوح صرخة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن صرخة زوجة البارو...
خرجت الحكيمة والتي كانت تحمل بين يديها جسد الصغير داميًا تصرخ بفزع:
"مَرا البارو خَنّقِت النَفَس، رُوحها طَفِت." (زوجة البارو لا تتنفس، ولا تتحرك، لقد... ماتت).
ومن بعد هذه الكلمات وقبل انتشار حالة حداد بين الجميع أضاءت السماء حولهم، لكن هذه المرة ليس بأضواء الاحتفال، بل بنيران حريق اشتعل فجأة بسبب شرود امرأة عن ولدها وتحركه صوب الألعاب النارية، واشتعل المكان بالكامل.
والبارو في المنتصف وويله زوجته وويله عشيرته.
ركض الجميع يصرخ ويحاول إطفاء المكان وقد خسروا الكثير خلال ذلك اليوم. جاءت روح للحياة، وفنت قبالتها أرواح أخرى أكثر.
والأشد والأمر على الجميع وأولهم البارو، أن كل ذلك لم يكن لأجل وريثه، فبعد انتهاء كل هذا اكتشفوا أنه لم يكن ولدًا، بل كانت..... فتاة.
ومن ثم، بدأت سلسلة التشاؤم منها ومن كل خطوة تخطوها، وأصبحت كل كارثة تُنسب لها، ولو مرت بمزرعة يومًا، ونفقت بها ماشية بعد شهرين لقالوا أن مرورها قبل شهرين هو السبب. كان قومها خاصة كبار السن يؤمنون بالتخاريف المتوارثة وقراءة الطالع، وقد تنبأت امرأة عجوز لها يومًا نبوءة أنها ستكون سبب فناء تلك العشيرة.
وحسنًا، هي مسلمة تؤمن بالله وتدرك أن كل تلك تخاريف وأن المنجمين كذبوا ولو صدقوا، لكن كم تمنت أن يصدق حديثها ويفنى شعبها بيدها.
تكرههم وتمقتهم وتكره كل نفس يتنفسونه، وكل فرحة بنوها على حزنها وحسرتها.
يُقال أن كل قصة لها شرير، وهي كانت شريرة لقصص جميع أفراد عشيرتها.
في الواقع، تستمتع بذلك كثيرًا، وإن ظنوا أنها ستدعهم يسعدون على أنقاض تعاستها فقد أخطأوا. ليس والجميع ينظر لها بعين السخرية والشفقة.
ابتسمت لنفسها أمام المرآة وهي تراقب ملامحها، جمال دُفن تحت ركام الشائعات.
لكنها لا تهتم، هي شاكرة أن هذه التراهات ستبعد عنها رجال عشيرتها، فإن كان مقدرًا لها الزواج بأحدهم فلتعش عزباء ما حييت أفضل.
تحركت خارج المنزل من الباب الخلفي الذي تجاهل والدها غلقه لأنه يعلم أنها في كل الأحوال لن تتجرأ وتتخطاه، ليس اليوم على الأقل.
خرجت تتمايل بثوب يتكون من جزء علوي أسود بأكمام تغطي كامل ذراعيها، والجزء السفلي من الفستان مكون من عدة ألوان تتناسب مع شرائط شعرها الذي عقدته للخلف.
تحركت بخطوات رشيقة صوب ساحة القرية وهي تراقب الجميع يحتفل ويرقص، حتى وصلت لمنتصف الساحة وقد توقفت الحركة حولها لكن الموسيقى لم تفعل.
اتسعت بسمتها وهي ترفع يديها تحركها في الهواء، قبل أن تتجمد فجأة تحرك عيونها عليهم تراهم يراقبونها بحذر وقد بدأ بعض الصغار يتخفون خلف والدتهم، تدرك ريانا أن قصص ما قبل النوم التي تخوف بها النساء الصغار لا تخلو من ذكرها.
ابتسمت بسخرية رغم الوجع الذي أصابها، وهي ترفرف بفستانها على صوت الموسيقى، ولم تحرك سوى كتفها بحركات رشيقة تأبى أن تستعرض جسدها أمامهم بالرقص، تشاركهم احتفال لم يدعوها له أحد.
وبمجرد أن بدأت الرقص توقفت الحركة من حولها رغم استمرار الموسيقى.
ابتسمت بسمة صغيرة حينما وجدت الجمع ينفض من حولها وأصبحت وحدها في منتصف الساحة منبوذة كالعادة، لذا خمنت أن قومها تركوا لها شرف إحياء الاحتفال وحدها، ومن هي لترفض هذا الشرف؟!
لذا استغلت الفرصة وغنت الأنشودة الوحيدة التي تحفظها، صوتها بدأ يصدح بقوة بكلمات تراثية قوية وهي تشاركهم الغناء والاحتفال.
لكن بدا أن أي ممن حولها لم يقدر فنها ذلك، لكنها رغم ذلك لم تتوقف عن الغناء وهي تدور في المكان تغمض عيونها وتحرك يديها وفستانها تنشر ألوانها وبهجتها، والجميع حولها يراقبها بصدمة كبيرة ووجوه شاحبة.
"حد يوقف اللي بيحصل."
"فين البارو؟"
"البنت دي تخطت كل حدودها، لازم تتربى."
وصوت غنائها يتردد في المكان وهي تدور في منتصف الساحة تميل بحركات تقليدية وتحرك يديها وتصفق تنشد باندماج، والجميع حولها يشهق ويراقب بعيون متسعة.
بينما البارو يراقبها بوجه أحمر يشير لزوجته بسحبها بعيدًا، وعز الدين يبتسم بسمة لا معنى لها يرتشف من كوب العصير الخاص بها ببرود.
"مش هتستريح غير لما تتعلق في شجرة وتتجلد أو يولعوا فيها حية."
وريانا لم تتوقف عن الإنشاد وهي تفتح عيونها تحدق في الجميع عند جزء معين من أنشودتها تشير على الجميع، ليتراجعوا وكأن كلماتها ستلتصق بهم.
وأخيرًا توقفت عن الغناء وهي تتنفس بصوت مرتفع بين الجميع، تراقب ثوانٍ قبل أن تبتسم لهم بسمة واسعة ترفع طرفي فستانها وتتحرك صوب طاولة المشروبات تلتقط عصيرًا لها ومن ثم رفعت يدها في الهواء تردد وهي تعطيهم ظهرها:
"Baxtali dromesko dives!" (عيد وطني سعيد)
ومن ثم رحلت دون كلمة والجميع شاحبي الأوجه يراقبون ما حدث منذ ثوانٍ لا أحد امتلك القدرة على الحديث حتى، وكل ما يدور بالأذهان أن هذه الساحرة جاءت للتو تتراقص في ساحة الاحتفال وتغني لهم. المشكلة لم تكن هنا.
بل المشكلة كانت أنها كانت تتراقص لهم في ساحة الاحتفال وتغني لهم "أنشودة الجنائز".
***
"واخيرًا كمل الشمل وشوفتكم كلكم قبل ما اموت يا ولاد؟"
كان يحيى متكئًا بظهره للخلف على مقعده وهو يتثائب بملل، يعلم كل ما سيقال بعد ذلك ولم يخيب جده ظنه وهو يدخل في صلب الأمر مباشرة.
"أخيرًا بقى ليا عزوة تجيب ليا حقي."
تعجب مسلم ما يسمع ونظر للجميع حوله وقد بدا أنهم في هذه اللحظة لا يهتمون بما يقال، عدا حاتم الذي اندمج مع جده بشكل كبير.
"الله يطوّلنا بعُمرك يا حجّ، إنت بس أشِّر واحنا بننفّذ."
ابتسم الشيخ "حليم" يربت على يد حاتم بحب وحنان شديد:
"تعيش يا بني يا ريتك كنت حفيدي بدالهم والله."
ختم حديثه يشير بكلماته صوب يحيى وعيسى ليلتوي ثغر عيسى بضيق ويتعجب مسلم ما يحدث:
"أنا مش فاهم فيه ايه؟ مالك يا جدي وحق ايه اللي عايزنا نجيبه؟ حد عملك حاجة؟"
نظر له يحيى محذرًا أن يسأل ذلك السؤال، لكن كان الأوان قد فات بالفعل وقد تنهد حليم بحنين شديد يرتاح بجسده على الفراش:
"ياه الموضوع يابني بدأ من ٩٧ سنة من وقت ما الغجر دخلوا أرضنا ونهبوا حقنا أنا وأخواتي."
لوح يحيى بيده في الهواء مبتسمًا بسخرية وتحسر على حالتهم:
"احكي يا شهرزاد... كاكي يا عيسى."
لم يفهم مسلم ما يحدث ولا ما يقول شقيقه:
"ما تهدى يا بني لما أشوف إيه اللي بيحصل!! جدك ماله ومين ده اللي أخد حقه؟ هو أنا فاتني كتير أوي كده؟"
أجابه أحمد بضيق وهو يتسطح على الأريكة:
"ده حوار جدك طلع فيه بقاله سبع سنين، وكأنه فجأة افتكر إن ليه أرض حد سرقها منه."
"أرض حد سرقها منه؟ ازاي مش فاهم، هو مش جدي باع الأرض من زمان أساسًا؟"
أجابته نورهان بجدية شديدة:
"ده اللي كنا نعرفه بس، من سنين جدك مرة واحدة تعب ووصى أنه عايز يندفن في أرضه، ولما سألناه حكى لينا أن الأرض اللي كان عليها بيته القديم دي أساسًا ملكه والغجر أخدوها منه ووضع يد."
ردد مسلم الكلمة بصدمة لا يصدق ما يسمع وكأن جده كان يحتفظ بكل تلك الأسرار ليخرجها في نهاية حياته لهم لإثارة بعض التشويق على رتابتهم:
"غجر؟"
"غجر الدوم.." وكانت تلك كلمة نطق بها حليم وهو يهتف بصوت مرتجف بسبب مرضه يشير لمسلم أن يقترب منه ليفعل الأخير بسرعة يمسك يدها يقبلها بحنان، وشرع الشيخ يقص عليه ما حدث:
"من سنين أبويا رفض يدينا حقنا في الأرض أنا وأخواتي وظلمنا، وسلم أراضينا للغجر يقيموا عليها فترة وبعدين هيتحركوا، وأنا اشتريت منه أرضي اللي بنيت عليها بيتي القديم، لكن مع الوقت..."
صمت يبتلع ريقه وهو يتذكر ما حدث لهم قديمًا:
"مع الوقت بدأ الغجر يمدوا جذورهم في الأراضي اللي حواليهم ولما جدك اعترض أخدوها بالقوة وبوضع اليد ورغم أنه كان معاه ورق يثبت ملكيته لكل الأملاك دي إلا أنها مرة واحدة اختفت وعرفت أن البارو بتاعهم هو اللي أخدها، ومات أبويا بحسرته."
ابتلع ريقه يكمل بحسرة:
"بدأوا يتملكوا كل أراضي أبويا وأجدادي قدام عيونا ومقدرناش نعمل حاجة لأنهم هددونا وخرجونا حتى من البيوت اللي اشتريناها وأخدوها وضع يد، وأنا طلعت من بيتي اللي تعبت فيه بسببهم..."
هبطت دمعة من عيونه وهو ينظر بعين مسلم وقد شعر داخله أن مسلم هو خلاصه بعد الله:
"أنا مش عايز أي حاجة منهم غير... أرضي اللي أنا اشتريتها بفلوسي وتعبي عايز أندفن جنب أبويا يا مسلم، هات لي أرضي وادفنّي هناك يا ابني، استغلوا إن إخواتي سافرنا ليبيا نشوف شغل وأخدوا حقنا."
اشتعلت عيون مسلم بقوة وقد ارتجف جسده غضبًا وبدا في هذه اللحظة أشد سوداوية وأشد وحشية، بدا وكأن مسلم اختفى وعاد ذلك الحقير الذي ظن أنه دفنه، للحياة مجددًا.
أما عن يحيى فقد اعتدل يضيق ما بين حاجبيه بتعجب مما يسمع لاول مرة:
"لحظة معلش يعني الأرض اللي أخدوها منك مش بس الأرض اللي عليها البيت، يعني القرية كلها ملكك أنت وأخواتك؟ وأنت وأخواتك كنتم في ليبيا بتعملوا إيه يا حاج حليم؟ بتفرضوا حصار عليها؟"
ونعم، كانت تلك معلومة جديدة يخبرها للجميع، وكأنه كان يكتمها حتى يخرجها لمن يقدرها، ويحيى لم يصمت بل تساءل بجدية وعيون بدأت تضيق يدرك أن ما يحدث أكبر من مجرد بضعة فدانات سُلبت:
"الأرض اللي اتاخدت دي كام فدان بالضبط يا حاج حليم؟"
نظر له حليم وقد أبصر لأول مرة تفاعلًا جادًا من طرف يحيى، يقول بجدية:
"١٢٩ فدان."
"اللهم صلي على النبي."
اتسعت عيون أحمد وهو يطلق صفيرًا مرتفعًا ينظر لجميع أبناء خالته وقد كادت العيون تخرج من محاجرها، كان الجد طوال الفترة السابقة لا يتحدث سوى عن أرضه التي دفع ثمنها وسُلبت منه، ولم يذكر شيء حول أن كامل القرية مسجلة باسم والده وأجداده.
"١٢٨ فدان سيبتوهم كده من غير حتى محاولة واحدة."
كانت كلمات أحمد المصدوم من سلبية جده وإخوته.
تأوه الشيخ بوجع وهو يعتدل بمساعدة حاتم الذي كان يستمع لكل ما يحصل وهو يبصر حكاية وطنه تتكرر في شكل مصغر، ضيوف يتحولون لأيادي جشعة تنهب أراضيهم، لماذا ليس متعجبًا يا ترى، لكن ربما الأمر هنا مختلف قليلًا.
"حاولنا ورفعنا قضايا وجدك فرج الله يرحمه كان ماشي بنفسه في الموضوع، بس للأسف مكانش معانا الورق اللي يثبت كلامنا لأنه معاهم، وجدك فرج كان بيحاول يوصله بس ربك استرد أمانته قبل ما يوصل لحاجة."
ونعم، كانت هذه الحقيقة فشقيق جده "فرج" كان أشدهم مكرًا وأكثرهم عجرفة وكان ذا رتبة عالية في الدولة وكذلك جده "حليم" الذي كان سابقًا ضابطًا في الجيش، لكن حتى كل تلك المعارف لم تستطع أن تقدم لهم شيء بلا دليل.
"الموضوع كله في الورق أنا مش عايز منهم غير أرضي واني أندفن في مقابر العيلة هناك."
اعتدل يحيى في جلسته يردد ببسمة صغيرة:
"مش عايز منهم غير إيه يا حُلم؟ لا يا حاج معلش حقنا هيرجع كله ولو هما بقى بلطجية فاحنا محدش فينا متربي غير مسلم أساسًا."
تشنجت ملامح حاتم وهو ينظر بسخرية صوب مسلم وقد ابتسم له الأخير بسمة محذرة جعلته يصمت، بينما حليم ردد بيقين:
"عارف يابني أن محدش فيكم متربي، بنتي سنية من يومها وهي مش فالحة في حاجة ولا عرفت تربي واحد فيكم."
ومسلم يجلس جوار جده يدعي التعقل والهدوء، لكن داخله كانت طواحين عقله تعمل بسرعة كبيرة وهو يفكر فيما سمع، لا يهتم بالأراضي والأملاك ولم يكن ليلتفت لكل ذلك لولا رجاء جده أن يدفن بأرضه و....
صمت صوت عقله قبل أن يبتسم بسمة جعلت ضربات قلب حاتم تقرع بخوف يدعو الله بصدره أن يديم عليهم نعمة مسلم (المتربي) كما يردد الجميع، لكن ما نطق به مسلم وهو يتخذ وضعية Muss في هذه اللحظة جعله ينطق الشهادة مدركًا أن القادم لن يسر عدوًا ولا رفيقًا.
"احكيلي بقى يا جدي كل حاجة فاكرها عن.... قولتلي اسمها إيه؟"
ردد عيسى بحماس وقد أبصر مستقبله في ثوانٍ أمام عيونه، بعدما يصل ثريًا يمتلك أسطولًا من (التكاتك):
"أرض الدوم، اسمها أرض الدوم يا شقيق."
اتسعت بسمة مسلم بشدة يهز رأسه وقد بدأ عقله يعمل في اتجاهات عديدة:
"أرض الدوم، احكيلي عنهم يا جدي.........."
رواية أرض الدوم الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل
نقرات سريعة على لوحة المفاتيح، وعيونه تتحرك بسرعة كبيرة على الكلمات التي تمر أمامه بسرعة كبيرة، وبسمة صغيرة ممتدة على فمه، والضوء ينعكس في عدسات نظراته التي تركز على الحاسوب أمامه.
والجميع حوله يشاهدون بعدم فهم، عدا حاتم والذي كان يدرك أن رفيقه الآن في خضم احتلال ذلك المكان بنقرة زر، وقد تميز العزيز مسلم في الأمن السيبراني حيث يمكنه احتلال العالم في بضعة ساعات وكلما تقدمت التكنولوجيا وتمكنت من حياة البعض تمكن هو أكثر من السيطرة على كل ما يحيطه، وكل هذا بفضل خبرة عشرة سنوات في هذا المجال وإتاحة أعلى الإمكانيات بين قبضته.
بدأت العديد من النوافذ الإلكترونية تعرض على الحاسوب أمام الجميع، ولا أحد يفهم ما يفعل.
بينما مسلم بدأ يحرك رقبته يمينًا ويسارًا وملامح الضيق اتضحت أكثر على وجهه:
_ اللي خايف منه حصل للأسف.
نظر الجميع له بعدم فهم وترقب، ليس وكأنهم يدركون بالفعل ما يبصرون في هذا الحاسوب.
بينما بادر عيسى يتحدث بانبهار وهو ما يزال ينظر للشاشة المضاءة أمامه والبسمة مرتسمة على فمه وقد لمعت فكرة داخل رأسه يتوسم بأخيه خيرًا وهو يقترح:
_ بقولك ايه يا حبيب اخوك، تعرف تهكرلي لعبة كده لو طلبت منك؟
رفع مسلم عيونه صوب عيسى وتحركت جميع العيون نحوه، وهو فقط تراجع لا يفهم ما حدث، لكنه ابتسم بغباء:
_ لو مش هتعرف خلاص يعني أنا بس قولت اوفر فلوس السايبر و...
_ ولا، مش نقصاك الله يكرمك الواحد على آخره، فعدي يومك ماشي؟ عدي يومك.
كانت تلك كلمات يحيي وهو يدفع يضرب على رقبة عيسى، ومن ثم نظر صوب الحاسوب يهتف بجدية:
_ حصل ايه يا بشمهندس طمني؟
ابتسم مسلم بسمة صغيرة وقد اشتاق لهذه الكلمة والتي لم يناديه بها أحدهم منذ سنوات طويلة، لكنه رغم ذلك أجاب بصوت شارد في الشاشة أمامه:
_ القرية دي برة دايرتي للاسف.
نظر له الجميع بعدم فهم حتى تحدث أحمد بتخمين وقد كان حديث مسلم المشفر اصعب من استيعاب الجميع:
_ أنت مترشح لمجلس النواب ولا ايه؟
ضرب يحيى كتفه بضيق يصرخ وقد نفذ صبره:
_ بقولك ايه خد عيسى وروح خد لفة معاه بالتوكتوك، يلا لغاية ما نخلص وهننادي ليكم.
_ الله ما أنا مش فاهم يعني ايه برة دايرتي دي؟!
صرخ يحيى في وجهه بصرامة وضيق ونفاذ صبر وقد كان كل شيء يضغط على أعصابه:
_ مش فاهم يبقى تخرس لغاية ما نتنيل نفهم كلنا.
التوى وجه احمد بضيق وغضب من يحيى والذي كان طوال الوقت متجبرًا على الجميع ليس وكأنه أكبرهم، بينما الأخير زفر يستدير صوب مسلم يصرخ بحنق:
_ وأنت التاني ما تنطق يعني ايه برة دايرتك دي؟ اتكلم كلام نفهمه الله يكرمك أظن مستويات الذكاء هنا مش محتاجة تلميح.
رفع مسلم رأسه ببطء وبشكل خطير صوب يحيى الذي توتر من نظراته وقد كانت غريبة مخيفة، يبتسم بتردد:
_ معلش يعني فهمنا، اعتبرنا حمير سارحة في الغيط.
اعترض أحمد كلماته بضيق:
_ أنا مش حمار.
فتح يحيى فمه وكاد يجيبه لولا مسلم الذي أوقفه بيده يخرج سيجارة يشعلها:
_ خلصنا يا يحيى، ركزوا معايا عشان نخلص من الحوار ده في أسرع وقت و....
_ أنت من امتى بتدخن بالشكل ده يا مسلم؟
كانت جملة استوقفه بها أحمد بحزن على ما حدث لابن خالته والذي كان يمكن أن يقضي ليلته بالمشفى إن مر به دخان سيجار بالخطأ، والآن يجلس بينهم أنهى سيجارتين في أقل من ثلاث ساعات وكأنه في سباق لقتل نفسه.
نظر له مسلم ثواني وقد خُيل لأحمد أنه أبصر لحظة ضعف وحسرة سرعان ما تلاشت خلف غيمات اللامبالاة التي ملئت عيونه، يبعد عيونه عنهم يحركها بملل على الحاسوب أمامه:
_ قولتلكم كويس أنها جات على قد التدخين يا أحمد.
ولم يدرك أحد مقدار الوجع داخل نبرته الغير مهتمة، سوى حاتم، حاتم والذي كان يدرك كل ما يدور داخل نفس مسلم، يبصر العصبية التي يخفيها خلف نقرات حادة على لوحة المفاتيح، الغضب الذي يدفنه خلف بسمات ساخرة.
أما عن مسلم فارتجف جسده ومرت لمحة قديمة لحياة أُجبر عليها.
جسد هزيل يجلس في ظلام سجن ضيق مع العشرات من أمثاله وصوت الصراخ يعلو والقتال يشتد حول قطع خبز جافة.
حينما كان الحصول على الخمر أسهل من الماء، والوصول للسجائر والمخدرات أيسر من كسرة خبز، فإما أن تحيا بكامل وعيك داخل هذا القبر وتجن، أو تغيّب عقلك بمخدرات وسيجارة، وهو أختار أهونهما.
خرج من شروده على ضغطة يد جذبته من ظلمه حاول الخروج منها، لكن ربما لم تخرج هي منه.
_ مسلم، يحيي بيكلمك.
كان مسلم ينظر صوب حاتم الذي مده بالدعم مبتسمًا بمؤازرة بينما هو نظر صوب يحيى الذي كان يحدق فيه بعيون مصدومة من مقدار الوجع الذي أبصره فجأة في عيون شقيقه.
يحدق في عيونه بوجع كبير وكأنه يستجوبه بصمت، استجواب لم يكن مسلم مستعد ليخوضه في هذه اللحظة، وقد هرب من والدته والجميع بمجرد أن حل الليل كي لا يرى نظراتهم نحوه.
تنحنح مسلم وهو يلقي السيجارة أرضًا بضيق:
_ خارج دايرتي، يعني ملهاش نظام اخترقه، ملهاش مركز معلومات أخد منه اللي عايزه، القرية شكل اللي فيها عايشين في القرن اللي فات، مفيش حاجات كتير عنها، بس عنوانها وأخبار قديمة عن الصراع عليها والقضايا اللي عملها جدي واخواته زمان.
هز أحمد رأسه بهدوء شديد:
_ جدي قال كتير أنهم حاولوا اكتر من مرة يوصلوا ولو لحل وسط، لكن دايما كانوا بيرفضوا النقاش أو الحوار.
شعر يحيى أن الأمر يزداد سوءًا، كان الأمل كله في إمكانية مسلم مساعدتهم بأي معلومات من شأنها إنقاذهم من هذه الورطة.
_ ودلوقتي هنعمل ايه؟
كانت تلك جملة عيسى التي كسر بها صمت الجميع، لتتحرك جميع النظرات صوب مسلم الذي نهض يتنفس بصوت مرتفع:
_ برة دايرتي، لكن مش برة ايدي.
ولم يفهم الكل ما يقصده مسلم، ليردد الأخير بجدية كبيرة:
_ بكرة اجهزوا هنتحرك على أرض الدوم.
***
تجلس بهدوء وهي تداعب خصلات شعر جدتها التي كانت تستريح برأسها على قدم رايانا، تبتسم لها الأخيرة بحب وهي تردد لها ترنيمة قديمة كانت جدتها معتادة على غنائها لها منذ طفولتها، فإلى جانب زوجة والدها كانت جدتها هي اليد الثانية التي اعتنت بها.
_ شَمِرت باللي كان بالحفل يا رايانا.
ابتسمت رايانا بسمة صغيرة وهي تحاول أن تتلاشى نتائج ذلك اليوم، الجميع بالفعل وبخها وليس فقط والدها، ناهيك عن نظرات الازدراء التي كانت تتلقاها كلمة أبصرت نفر في الطريق.
_ لا تِوَجّعي راسِك بيه يا جدة، روحي تهنا… الحفل راح وما يِسوى وجع القلب.
ابتسمت لها الجدة بحنان شديد تقبل كفها التي تداعب خصلاتها البيضاء:
_ كيف ما أوجّعش قلبي، والبَخت فيكِ يا حَبيبِة جدتك؟ يا بْنَيّتي، خَلّيكِ بعيد عن زَعَل أبوكِ، وتهني يا رُوح جدتك.
_ الوحيدة اللي تتمنى الهنا لي يا جدة، الكل يتمنى هلاكي اليوم قبل بكرة.
_ لأنهم ميعرفوش رايانا يا بنيتي.
سقطت دمعة رايانا وهي تشعر بالوجع يسكن قلبها وقد ظنت أنها تجنبت كل ذلك منذ سنوات:
_ بكفاية اللي يعرفوه عني عشان ما يكرهوا ظلي.
_ وأنتِ ما بتتوصي في الأمر يا بنيتي، ما بتتركي مناسبة إلا وتثبتي ليهم ظنهم.
سقطت دمعة رايانا، تمسحها بسرعة قبل أن تتمادى دموعها وتتابع بلا توقف:
_ معتقدش أي شيء ممكن يغير رأيهم، اللي حصل حصل وسوء النية اتفرض من لما كنت طفل في المهد يا جدة، ما بعتقد إن شبابي بيشفع ليا عندهم اللي فشلت طفولتي فيه.
أبصرت جدتها مقدار الوجع الذي اتسم على وجهها، تدرك أن الصغيرة عانت منذ اللحظة الأولى لوالدتها، من نبذ وكره وحقد.
_ إيش تبغي بيهم يا بْنيّتي؟ خَلّيكِ، جدتك تقولك… البَخت ما يِقفّش على باب واحد. بكرة يِجي اللي عينه تشوف نورِك، ويعرف قدرك، ويقول هادي البِنيّة ما في زيّها.
صمتت تربت عليها بحنان وعيونها التي كانت تشبه عيون رايانا مع لون أشد ندرة:
_ رايانا، ما في مِثلِها بين بنات حَوَى كُلّهم…، يِقف قدّام الخَلق، ويقول أنا اللي اتفَتَن بعيون رايانا.
اتسعت بسمة رايانا وتساقطت دموعها أكثر لجمال الحلم البعيد الذي تقصه الجدة، كانت الجدة ومنذ سنوات امرأة حكيمة تدرك من الحياة ما لا يدرك غيرها، الآن هذه الكلمات التي تنطقها على مسامعها تبدو أشد استحالة من تلك القصص الخيالية التي اعتادت أن تقصها عليها في الطفولة.
_ إن شاء الله يا جدة، إن شاء الله ....
***
في الصباح الباكر.
كانت السيارة تتحرك بسرعة مرعبة على الطريق فمنذ فجر اليوم تحرك مسلم بالسيارة يحمل معه رفقته لأجل البدء بالخطوة الأولى في خطتهم للحصول على أرض جده، أو بالأحرى أجداده...
وحديثهم الأخير مع جدهم يتردد في أذنه.
_ أملي في الله ثم فيك يا ولدي، رجعلي ارضي ومش عايز منهم أي حاجة تاني، ربنا يبعدهم عننا.
اقترب منه يحيى وهو يمسك كفه يقبله بسرعة وحب أرعب حليم الذي جذب كفه بسرعة مخافة أن يأكله يحيى، بينما الأخير ابتسم له بسمة صغيرة:
_ ايه يا حُلم خايف ليه؟ ما قولتلك إني رايح معاه ومش راجع غير بحقك أنت واعضاء مجلس جامعة الدول العربية عضو عضو.
رفع حليم عيونه صوب مسلم يجذب ذراعه حتى أجبره أن يميل بالقرب من فمه هامسا بصوت منخفض ويده ترتعش من أثر الزمان:
_ لو ...حصل يا بني ومقدرتش تعمل حاجة معاهم، سيب ليهم اخوك يعملوا فيه ما بدا ليهم، اهو ميكونش مشوارك راح على الفاضي، لهم حاجة الله يكرمك مترجعش بيه.
وقبل أن يجيب مسلم عليه مال عليهم أحمد بسرعة جعلت حليم يصرخ وهو يتمسك بمرفق مسلم الذي وبخ يحيى بنظراته، بينما الأخير تجاهله وهو ينظر لحليم بجدية:
_ متخلنيش اجي احجر عليك يا حليم، خلينا حلوين، احنا هنرجع باذن الله الـ ١٢٩ فدان بتوعك، أنت ليك البيت بتاعك وتربتك في مدافن العيلة، والباقي بتاعنا احنا، ولو حد من اخواتك اتكلم قوله أننا هنعملهم تربة جنبك، اتفقنا؟
هز حليم رأسه وهو يتمسك بمسلم، بينما يحيى يقرب رأسه منه بمزاح خشن، ليدفعه مسلم في رأسه بغضب وهو يضم رأس جده لصدره بحنان:
_ ما تبطل رخامتك بقى يا اخي، سيبك منه يا جدي أنت بس ادعيلنا وباذن الله ربك مش هيرجعنا مكسورين الخاطر.
والآن ها هم في طريقهم لأرض الدوم.
يجلس في الأمام ويقود بجنون وبسرعة كبيرة، جواره حاتم، وفي الخلف أحمد مع عيسى ويحيي.
وصوت صراخ عيسى المرتعب من تحرك السيارة الغير مستقر على تلك الأرض الغير ممهدة بالمرة يعلو في المكان:
_ يا عم أنت براحة، والله كنت جيت وراكم بالتوكتوك بتاعي اكرملي.
رماه يحيى بسخرية وهو يتمسك بالسيارة وكأنه سيخرج من النافذة إن غفل عن التمسك:
_ هتيجي من القاهرة لهنا بالتوكتوك؟
_ أي حاجة احسن من الهم اللي أنا فيه ده، بعدين يا عم أنت ما تبطئ شوية امال لو كانت عربيتك، دي إيجار يابا، اقسم بالله الواد حودة لو العربية اتخدشت خدش هيطلع عين اللي خلفوني ده واخد بطاقتي رهن عنده.
لكن مسلم لم يكن يستمع له، بل فقط قاد السيارة على الطريق الغير ممهدة وهو يحدق بالخريطة الإلكترونية أمامه بانتباه شديد:
_ خلاص هانت باقي كيلو حسب الـ GBS.
نظر الجميع لبعضهم البعض وصمتوا خوفًا من التحدث بكلمة تزيد من جنون مسلم.
أحمد يذكر ربه، وعيسى يفكر فيمن سيرث التوكتوك الخاص به إن مات، أما عن يحيى فكان يتحسر على حلمه بالثراء الفاحش وشراء الجامعة وتحويلها لحظيرة ضخمة يربي بها بعض المواشي وينتفع بلحومها والبانها أكثر من انتفاعه بشهادة الجامعة.
حاتم في الأمام ينظر لهاتفه وهو يرتشف بعض قطرات العصير الذي يحمله يصور كل شيء يمر به، كل شجرة وكل زرعة وكل زهرة، وفجأة انتفض بحماس يصور بعض الماشية التي مرت جوارهم حينما اقتربوا من منطقة ريفية.
_ بيقولوا الغجر دول بناتهم حلوين صح الكلام ده يا يحيى؟
كانت كلمات تلقائية خرجت من عيسى وكأنه يبحث عن شيء يخفي خوفه أسفله، لكن فجأة انتفض الجميع من توقف السيارة المفاجئ لهم، وقد اندفعت الأجساد للأمام بشكل مخيف، وقبل أن يستفسر أحدهم عن شيء تحدث مسلم كلمات بطيئة بلهجة غاضبة وصوت يقطر سوادًا:
_ قبل ما تدب رجليكم في القرية دي، حذاري ألمح حد فيكم قرب من بنت أو رفع عينه في أي ست هناك سامعين؟
نظر له الجميع بعدم فهم ليس وكأنهم سينقضون على النساء بمجرد أن يبصروهن، لكن ملامح مسلم السوداوية في هذه اللحظات كانت تخبرهم أن يهزوا رؤوسهم بنعم وفقط وكذلك فعلوا.
_ اطمن يا مسلم اكيد يعني مش هنسيب كل بنات القاهرة ونروح لبنات الغجر، مليش أنا في الغجر.
وكانت جملة ممازحة من أحمد الذي حاول أن يكسر صلابة مسلم، لكن الأخير لم يستجب لهذه المزحة وهو يضرب المقود بجدية وعصبية غير مبررة:
_ ليك ولا ملكش يا أحمد، محدش فينا هيقرب أو يتكلم أو يتعامل مع أي ست، موضوعنا مش مع الستات وقضيتنا مش مع حد غير البارو بتاعهم ورجالته، مش عايز ست تدخل في الحوار كله.
وبالفعل هز الجميع رؤوسهم دون كلمة واحدة، وأكمل مسلم طريقه بهدوء شديد.
بدأت سرعة السيارة تبطئ شيئًا فشيء حتى توقفت بالكامل حينما قابلهم جدول مياه يقطع الطريق، هبط مسلم من السيارة يحدق بالطريق خلف جدول المياه، وصوت حاتم في الخلف يصدح بجدية:
_ لماذا توقفت هنا؟!
_ نهاية الطريق.
_ ماذا تقصد بنهاية الطريق؟ هل هذه هي أرض جدك؟
رفع مسلم الهاتف أمام عيونه يفحصه بجدية، بينما عيسى في الخلف يحاول ترجمة ما يسمع منهما، يمتص شفتيه بتأثر وهو يحرك نظراته بين مسلم وحاتم والبسمة مرتسمة على وجهه باتساع:
_ بسم الله ماشاء الله، اخوك بقى يتكلم خواجاتي يا يحيى.
تشنج احمد بسخرية من كلماته:
_ ده انجليزي يا عيسى عادي.
_ يعني مش خواجاتي؟
كانت كلمات جاهلة تشدق بها عيسى، وقد كاد أحمد يفتح فمه ليوضح له الأمر، لولا يحيى الذي قاطعه بضيق:
_ يا عم احمد أنت بتشرح ايه، ده غبي كان بيغش اسمه من رقم الجلوس اللي على الديسك وبيكتبه غلط في الآخر.
تشنج عيسى وعيونه قد لمعت بالغضب، يبتسم بسمة مغتاظة وقد شعر برغبة في تشويه وجه يحيى ذلك الحقير اللئيم:
_ والحلو بقى عمل ايه بشاهدته؟ لفتها وحطتها في دولاب جدك جنب شهادة أحمد ومسلم ونورهان، على الأقل أنت بتكلم اسطا قد الدنيا يمتلك من الأملاك عدد واحد توكتوك باسمه، أنت بقى ايه املاكك اللي باسمك غير التليفون القسط اللي معاك؟!
اشتعلت عيون يحيي وهو يصرخ بجنون:
_ ولاا اقسم بالله أنا....
_ بس منك ليه مش ناقص صداع.
كانت جملة مسلم الذي نطق بها وهو مايزال ينظر للهاتف بين يديه يراقبه بأعين ضيقة يحاول أن ينتهي من بحثه، قبل أن يرفع عيونه صوب الجدول يدور حوله بالنظر حتى أبصر وأخيرًا ما يبحث عنه:
_ المفروض بعد الترعة دي على الجنب التاني هنلاقي القرية اللي عايزينها.
تذمر عيسى بضيق من كل ما يحدث معهم وقد سئم، كان يظن أن الثراء سهل، لكن اتضح أن الوصول لأسطول التكاتك الخاصة به ليس بالهين:
_ أنا مش فاهم هو الراجل اللي اختار الأرض دي كان مستخبي من ايه بالضبط، احنا بقالنا ساعات في الطريق بنطلع جبال ونغوص في بحيرات، ده احنا كنا روحنا نقبنا عن الاندلس أسهل يا أخي.
قلب يحيى عيونه وهو يتحرك بعيدًا عنه يشمر أكمامه بجدية يستسلم واخيرًا عن التعليق على تصرفات عيسى التي تستفزه:
_ تمام أنا مش هتكلم معاه تاني، حد غيري يحلّق على البقرة الشاردة دي عشان همسكه ارميه في الترعة.
فتح عيسى فمه للرد، لولا يد أحمد الذي جذب ثوبه من الخلف بعصبية شديد يتحرك معه صوب الجسر الصغير الذي كان يعلو المجرى وقد سبقهم مسلم بالفعل يبتسم على تصرفاتهم والتي كانت تعيد له الحياة قليلًا.
يقف على بداية المجرى يتأكد أن الجميع خلفه وحينما خطى له شعر أنه غير ثابت، لذا تحدث بجدية:
_ خدوا بالكم الجسر ده شكله مش ثابت.
ومن ثم تحرك بسرعة يحاول التوازن وخلفه عيسى من ثم احمد ومن بعدهم حاتم ويحيي، الجميع يسير بحذر شديد حتى لا يسقط بهم الممر داخل مجرى المياه، وبالفعل وحينما كادوا يصلون بخير واخيرًا لنهايته، شعر عيسى فجأة بشيء يتحرك داخل بنطاله، توقف فجأة ينظر حوله وقد اتسعت عيونه بصدمة.
ثواني كانت قبل أن يصرخ وهو ينتفض يحاول أن يبعد ذلك الشعور بشيء يسير على جلده، يقفز على الجسر الغير مستقر من الأساس، ومسلم يصرخ به:
_ أنت يا غبي بتعمل ايه، عيسى أهدى فيه ايه اااا....
ولم يُقدر لباقي كلماته أن تكتمل وقد اندفع له عيسى يصرخ برعب، لدرجة أنه لم يبصر أين يخطو وسقط على مسلم ملقيًا إياه في المياه أسفله، وكاد يلحق به لولا أنه تمسك بأول شيء أبصره ....بنطال أحمد، لينتزعه بالكامل ويسقط به في المجرى يتبعه أحمد الذي وجد نفسه في ثواني بـ(شورت) فقط، ومن ثم شعر ببرودة المياه تضربه.
كل هذا وحاتم يراقب مع يحيي ما يحدث بأعين متسعة دون القدرة على التدخل، رفع يحيي يده بسرعة يشكل حاجزًا لحماية شعره وهو يهرول على الجسر حتى وصل للطرف الآخر سالمًا، وحاتم ما يزال يقف في المنتصف لا يدري ما يفعل.
يلحق بيحيى وينجو بثياب جافة، أم يحاول إنقاذ عيسى من الغرق على يد مسلم وأحمد؟
وفي المياه كان مسلم يمسك برأس عيسى يقسم أن يغرقها أسفل المياه، وأحمد يحاول مساعدته، وحاتم يصرخ بهم أن يتوقفوا ويخرجوا ...
كل هذا وعيسى كان يستخدم بنطال أحمد كسلاح يلوح به في الهواء يصرخ كما لو كان سلسال حديدي، يهددهم به أن يبتعدوا عنه وإلا خنقهم به.
ومسلم يحاول جذب البنطل منه ليطعمه إياه، وأحمد فقط كل ما يريده هو أن يأخذه ليستر به عري جزئه السفلي.
بينما حاتم يميل على مجرى المياه يمد يده وهو يصرخ بهم أن يخرجوا وينتهوا من كل هذا.
_اطلعوا أول إشي من المي، وبعدين بتقدر تتخلّص منه… مشان ما يموت مبلول.
ويحيى يتمتم بغيظ وهو ينفض ثوبه بضيق:
_ سيبه يربيه.
_مو هذا أخوك الصغير؟! شو هالبرود اللي عندك؟!
ابتسم له يحيى بسمة صغيرة مستفزة ولم يهتم بالرد يراقب ما يحدث وصوت صراخ مسلم يرن في المكان بشكل مرعب وأحمد يحاول النجاة ببنطاله.
فجأة سمع الجميع صوت اصطدام قوي لتتوقف الحركة فجأة وتتحرك الأعين ببطء صوب الخلف حيث مصدر الصوت، ليكتشفوا باسوء الطرق الممكنة أن كل هذا كان يحدث على مرأى ومسمع من شخص آخر، شخص يقف بعيدًا يحمل بين يديه كتاب ضخم يراقب ما يحدث بملامح مصدومة وأعين متسعة.
نظر الجميع لبعضهم البعض ثواني، ومسلم فقط رفع عيونه صوب الزائر الغريب الذي قاطع جلسته قبل تقطيع جسد أخيه الأصغر، ليبصر في هذه اللحظة ظل امرأة....فاتنة.
***
قبل ساعة واحدة من كل ذلك:
حملت كتاب جدها العزيز وقد قررت الخروج لرحلة تأملها المعتاد، تزفر بضيق من ثقل الكتاب، ليس وكأنها تحب قراءة تاريخ قبيلتها العزيزة، هي فقط أرادت أخذ شيء تدافع به عن نفسها تحسبًا لحدوث شيء كآخر مرة، سلاح لا يثير الإنتباه، أوليست الكتب أسلحة كذلك؟!
كادت تخطو خارج المنزل حتى سمعت صوت ينادي باسمها يوقفها:
_ راي، على فين؟
قلبت عيونها بضيق تبتلع دلاله بصعوبة، لكنه للأسف لم يتحرك من حلقها، لذا استدارت وبصقت كلماتها في وجه المتحدث:
_ أي داهية بعيد عن وشك هتكون كافية.
ابتسم عز الدين بسخرية يقترب منها يرفع يده على وشك لمسها:
_ بس ده مكانش رأيك زمان يا راي...
_ يانا ...رايانا، مش راي، مش بحب حد يناديني بالاسم ده خاصة لو كان الحد ده سمج وسخيف واسمه عز الدين، ومن ثم زمان ده كان في خيالك المريض أنا والله مش طيقاك من وقت ما كنت بتف عليك وأنا صغيرة، بس أنت اللي موهوم.
وكادت ترحل لولا أنه توقف أمامها يمنعها الرحيل ينظر لعيونها بجدية وقد شعر بالغضب من كلماتها وطريقتها الفجة في التعامل:
_ هتبطلي امتى طريقتك دي؟ راي أنا لسه عند طلبي، هسامحك وانسى اللي عملتيه لو موافقة أنا ممكن انسى كل اللي حصل و......
لكن رايانا قررت أنها اكتفت من سماع نفس الجملة التي يقررها على مسامعها منذ يوم عقد القرآن غير المكتمل، حتى بعدما تزوج أخرى.
رحلت تاركة إياه يراقبها بصدمة من وقاحتها وكأنه ليس موجود.
أما عنها فهي لم تفعل سوى أنها تصرفت معه التصرف ذاته الذي يعاملها به أبناء عشيرتها.
ضمت الكتاب بقوة تتحرك صوب مكانها المفضل تتحدى أحدهم أن يقطع عليها رحلتها التأملية التي تحيا لأجلها، وبعد سير عشرين دقيقة تقريبًا وصلت أخيرًا تتنفس الصعداء وهي تغمض عيونها براحة، لكن سرعان ما فتحت عين واحدة حين تناهى لمسامعها صوت غريب، بل أصوات إن تحرت الدقة.
فتحت عيونها لتبصر مشهدًا غريبًا وبشدة، تشنجت ملامحها أسفل الغطاء الذي يخفي نصف وجهها، تخفي نفسها عن أعين القوم.
فجأة هدأ الضجيج وتحولت خمسة أزواج من الأعين نحوها، والجميع يراقب بصمت وصدمة وتحفز غريب، وهي تراقبهم بتوتر تتراجع للخلف بريبة تضم الكتاب "سلاحها الفتاك" لصدرها تستعد لإشهاره أمام أيٍ كان من يتجرأ على تخطي منطقتها الآمنة.
وبعد صمت ظنت أنه سيمتد للأبد سمعت صوت رجولي هادئ يخرج من رجل بشعر كثيف وهو يبتسم لها بلطف يلوح بيده:
_ صباح الخير يا قمر، أنتِ من هنا؟
ونعم كانت أكثر جملة غبية قد يبدأ بها يحيى حديث مع امرأة أبصرتهم في هذه اللحظة على أطراف قرية يقطنها الغجر والتي تبدو واحدة منهم بالنظر لثوبها وشعرها.
مال حاتم على يحيى يهمس بصوت منخفض وهو يدور بعينيه بفضول على رايانا التي بدأت تضيق عيونها بسبب نظراته:
_ ما بظن هاي جملة تنحكى لبنت لساتك شايفها هسه.
ختم حديثه يقترب من رايانا بهدوء يحاول أن يبدأ الحديث بشكل لائق أكثر لربما ساعدتهم في هذه الرحلة المريبة كذلك واوصلتهم لهدفهم:
_ الله يعطيكِ العافية يا آنسة، بدي عذبك معي و....
وقبل إكمال جملته شعر حاتم بصخرة ترطم بوجهه تسقطه ارضًا بعنف شديد لترن صرخاته في الإرجاء وتتسع الأعين بصدمة من سرعة ردة الفعل التي بذلتها تلك الفتاة.
بينما رايانا والتي لم تتردد في استخدام سلاحها "الكتاب" كانت تقف متحفزة تراقبه بشر بعد تلك النظرات المتفحصة التي وجهها لها، ولم تكد تتخذ ردة فعل للخلف حتى أبصرت الثاني يقترب بسرعة من الاول وهو يصرخ بصدمة وكأنه على وشك ضربها:
_ أنتِ مجنونة يا بت أنتِ، مالـــك كده، هو عملك ايـــ....
ويبدو أن يحيى لم يحسن اختيار كلماته للمرة الثانية وكان مصيره أن يسقط بنفس الضربة جوار حاتم والذي كان ما يزال يمسك رأسه يصرخ من الوجع.
كل ذلك تحت أعين مسلم الذي راقب ما تفعل الفتاة بهم، تسقطهم واحدًا تلو الآخر ارضًا بكتاب؟
وهو اشتد غضبه في هذه اللحظة، ليس من الفتاة وما فعلته بهم، بل من أخيه وحاتم لإخافتهم الفتاة، وزاد الطين بلة صرخات يحيى بها، ردد بغضب وصوت لم يتحكم به:
_ يحيـــــــــــى...
رفعت رايانا عيونها بسرعة صوب مسلم الذي سبح بمهارة صوب حافة الجسر يتمسك به ونظرات ممتلئة بالتوعد وصراخه ما يزال يصدح في المكان بلغة أجنبية:
_ هل من المفترض أن أكرر حديثي عليكم؟! ماذا اخبرتكم عن التعامل مع نساء هذا المكان؟
رفع عيونه صوب تلك الفتاة التي كانت تتابعه وهو يقترب من الجسر بتحفز لا تفهم كلماته، القليل ربما فهي لم تتلقى تعليم كافي يكفيها لتفهم كامل جملته، لكنها خمنت أنه غاضب ... منها ربما.
أبصرت رايانا في اللحظة التي ارتفع بها نصف جسد مسلم أكثر جسد رجولي مرعب أبصرته منذ ولادتها، شعرت بجفاف فمها من الخوف تتخيل ضربة واحدة منه والتي قد تصيبها بعمى في أفضل الأحوال، حتى كتاب جدها المسكين لن يصمد أمامه.
ابتلعت ريقها وهي تراه يستقر واخيرًا على الجسر يتحرك صوبها بشر واضح في عيونه، كان الرجل يبدو ....مرعبًا حتى أنها ارتجفت وشعرت بالدموع تلسع عيونها مما يمكن أن يفعل بها، وكردة فعل وقائية من جسدها ركضت بسرعة ليس هربًا منه، بل ركضًا صوب الجسر تجذب خطاف الامان بسرعة تسقط الجسر في ثواني مجددًا ومعه مسلم الذي اتسعت عيونه حينما شعر بجسده يصطدم مجددًا بالمياه، ولم يدرك ما يحدث إلا حينما وجدها تركض بسرعة بعيدًا عنه وكان آخر ما أبصره هو عيون كحيلة تنظر له بشر وتشفي، وخصلات شعر ترفرف خلفها وكأنها تخرج لها لسانها.
***
يجلس على طاولة صغيرة في ركن المقهى الصغير الذي يتوسط ساحة القرية، المقهى الذي كان سابقًا كل وسائل الترفيه في المكان، حيث كانت تقام به عروض خفة يد، ورقص وغيرها.
ورغم أن الكثير تغير في القرية منذ عقود، إلا أن ورثة هذا المكان أبوا إلا أن يحيوا ذكراه الأولى، واستمرت العروض نفسها، صباحًا ومساءً بلا توقف، ورغم أن الكثير من النساء توقفن عن امتهان الرقص منذ عقود كذلك، كما توقفن عن زيارة القرى في قوافل لامتاع المشاهدين، إلا أن القليل كان يعتز بنفسه وبتراثه ورقصاتهم التقليدية.
وكانت "سافا" واحدة منهن، بل أفضلُهن، المرأة التي يرتص رجال القبيلة بأكملها أسفل أقدامها طمعًا في نظرة منها، وهي فقط تلقيهم ببسمة مزدرية وترحل.
الآن على المسرح الذي يتوسط المقهى تتحرك بخفة ويتحرك حولها شعرها الأحمر وثوبها الذي يماثل لون شعرها، تبتسم لهذا وتغمز لهذا فتنال صيحة وتنهيدة متحمسة من الرجال الذين تركوا نصف أعمالهم وجاءوا فقط لمراقبة عرضها الصباحي.
غناء ورقص هكذا قضى ربع رجال عشيرته صباحهم، بينما الباقيين من المتعففين يقضونه في العمل، وإن سألتموه أي الطريقتين يفضل سيخبركم الأولى...
ابتسم وهو يبصر غمزة سافا له، تتحرك صوبه وهي تميل عليه هامسة:
_ مش بعادتك تحضر الصباح يا بارو...
اتسعت بسمة عز الدين وهو يخرج بعض النقود يدسها في ثوبها:
_ مش بفوت نظرة من عيونك يا سافا.
اتسعت بسمة سافا وهي تنظر صوب الأموال التي دسها لها، لتخرجها بسرعة تدسها في ثوبه مجددًا بهدوء:
_ خلي ليك الفلوس يا بارو ممكن تحتاجهم في علاجك ربنا يشفيك.
احمر وجه عز الدين يحاول أن يحتفظ بابتسامته، كي لا يكسبها نقطة في مرماه:
_ ست بمكانتك يا سافا تستحي ترفع عيونها في أسيادها.
_ وايه اللي هيجيب أسيادي في المكان الزبالة ده بس يا بارو؟!
ختمت حديثها بغمزة وهي تعود لتكمل عرضها باستمتاع بعدما أفسدت صباح عز الدين وابصرت احمرار وجهه الذي كاد يوصله للأنفجار، لكن هل تهتم؟
لا ....أكملت عرضها وهي تبصره يتحرك من مكانه بوجه مشتعل ونظرات حانقة، لتنفخ بعدم اهتمام، تستكمل عرضها بهدوء شديد وراحة بعدما أبعدته عن المكان.
وحينما انتهت على التصفيق، لكنها لم تهتم وهي تتحرك بسرعة تنزع معطف طويل من يد أحد الرجال العاملين بالمقهى:
_ شكرا..
_ رايحة فين لسه فيه عرض كمان و....
_ ابقى اعمله أنت يا جود أنا خلصت انهاردة، هبعتلك حد ياخد اتعابي، سلام.
ختمت كلماتها تخرج من المقهى تتنفس واخيرًا هواء نقي بعيدًا عن الأنفاس القذرة التي كانت تحيطها، تضم المعطف لها تتحرك بين الطرقات بسرعة وهي تدعو ألا تكون قد تأخرت على موعدها و....
توقفت أفكارها وهي تشعر بجسد يصطدم بها بقوة، رفعت رأسها كي تصرخ، لكنها توقفت وهي تبتسم بصدمة:
_ راي كنت لسه جيالك عند الترعة و....
ولم تكد تكمل كلماتها حتى وجدت راي تجذب يدها بسرعة بعيدًا عن الطريق تبحث عن ركن لا يبصرهم به أحد وقد بدت شاحبة بشكل مريب جعل أعين سافا تتحفز بشر:
_ راي مالك، حد مسك بسوء؟ الحيوان عز الدين عمل ليكِ حاجة تاني؟
نظرت راي خلفها بتوتر أن يكون ذلك الضخم قد لحق بها، تبتلع ريقها، قبل أن تنظر صوب رفيقتها العزيزة والوحيدة تقريبًا، الفتاة التي لم تخش على نفسها قرب المشعوذة راي، المرأة الأكثر رغبة من رجال القرية، صديقة للمرأة الأشد نبذًا منهم.
_ أنا ... أنا....ساف أنا فيه غريب في القرية وأنا..غلطت ووقعته في الترعة و....
كانت تتحدث بكلمات متقطعة يصعب على سافا أن تفهم لها من غرض، لذا زفرت الأخيرة وهي تجذب يدها بجدية كبيرة:
_ خلينا نروح بيتي نتكلم احسن من الكلام هنا وتحكي ليا اللي حصل مع الغريب بالضبط يا رايان.
ومن ثم تحركت بها من الطرق الخلفية للقرية، كي لا يبصر أحدهم ابنة البارو وهي ترافق راقصة القبيلة، شيء لا تريده لها سافا، يكفي رايانا نبذًا لتحمل على عاتقها أمر يراه والدها حقيرًا منحطًا...
***
بعد ساعات قليلة، كان يجلس متبجحًا في الغرفة أمام عمه ينتظر رده، على ما القاه ووالده منذ ثواني.
_ قصدك ايه يا عز الدين؟
_ قصدي اللي سمعته يا عمي، ليا حق عندك يا بارو والحق مردود وأنت سيد العالمين.
رفع البارو حاجبه يراقب عز الدين بترقب، بينما الأخير يستند بوجود والده جواره والكثير من حلفائه في القرية وقد تشدق أحدهم بجدية كبيرة وكلمات حادة يساند بها موقف عز الدين:
_ بنتك مش بس خربت زواجها من عز الدين يا بارو لا افترت عليه وفهمت زوجته السابقة أنه العيب منه لأجل ما تلاقي حجة تهرب بيها من الزواج، والله وحده يعلم ليه مرضتش تتم زواجها منه.
انتفض البارو بغضب شديد وقد اشتد الغضب في عيونه صارخًا بجنون:
_ جابـــــــــــر، عرض بنتي خط أحمر ليك ولكل الرجال في المجلس، ولو طلبتوا تتجمعوا معايا عشان تتكلموا في عرضي وشرفي فاتفضلوا فضوا المجلس.
كانت كلماته حادة قوية غاضبة وقد فاض به الكيل من كل ما يلتصق بابنته منذ طفولتها، حتى أنه كاد يصدق ما يقال عنها من كثرة ترديد الجميع الأمر.
_ بنتي أشرف بنت بالعشيرة كلها، وكل الرجال تتمنى ضفرها ما بتطوله و....
_ بتكدب على نفسك يا بارو ولا علينا؟
كانت كلمات قاطعه بها أخيه والذي كانت نيران حسرته على ولده تحركه وتعميه عن كل ما يحيطه.
كل هذا حدث في اللحظة التي توقفت بها رايانا أمام باب المجلس بعدما قررت أخبار والدها بوجود غرباء في القرية، كي يأخذ حذره، لكن توقفت على بداية المجلس تسمع ما يدور بالعقول عنها.
تنظر لعز الدين بملامح باردة وعيون معذبة، والحقد يشتعل داخل صدرها، ومازال عمها لا يتوانى عن تحطيم ما تبقى بها.
_ بنتك يا بارو ما في راجل واحد يتمناها زوجة، ولا يجرأ يفكر فيها زوجة، الكل خايف على عمره، والوحيد اللي فكر في كده غير ولدي، تحت التراب حاليا، اصحى وبص حواليك واستوعب إن رايانا مجرد ذنب، ذنب هتفضل شايلة العمر كله.
_ ذنب احسن من عار يا عمي.
وكانت هذه الكلمات تخرج من فم رايانا، وهي تراقب الجميع بأعين خيل لهم أنها تحولت للاسود من شدة الغضب الذي تنبض به كل خلية من جسدها، ابتسمت وهي تتحرك داخل المجلس تتجاهل جميع الرجال في المكان وقد ارتجف جسدها بحقد على الجميع ولولا وجود والدها في المكان لكانت احرقته بهم.
_ الذنب حله التوبه، لكن العار حله الدفن يا عمي.
نظر لها عز الدين بغضب، وهي فقط ابتسمت تكمل بجدية:
_ صدقني أنا ممتنة لكل جاهل متخلف نشر فكرة إني أذى لكل الرجالة، الشكر لله ثم ليه إنه كفاني شر الرجال امثالك أنت وابنك.
_ رايــــــانــــــا.
ولم تكن الصرخة صادرة سوى من والدها الذي أبصر نظرات الازدراء التي وجهت له من الجميع في هذه اللحظة بسبب تصرفاتها:
_ أعتذري من عمك ومن الرجال كلهم وانصرفي لغرفتك لغاية ما نخلص، وليا حساب معاكِ.
نظرت له رايانا ثواني بملامح جامدة، ولم تتحدث بكلمة وهي تحرك عيونها على الجميع وقد بدا أنها حقًا فقدت كل ذرة إحساس يمكن أن تمتلكها يومًا، لا حزن، لا حسرة، فقط غضب وحقد وكره.
_ الحساب يجمع يا بارو، بالاذن.
وكان هذا إعلان غير مباشر منها بعدم رغبتها في الاعتذار لا من عمها أو من الرجال، رحلت وخلفت خلفها حرب وهدوء قاتل بين الجميع وقد أدرك البارو في هذه اللحظة أن ابنته ستكون سبب نهايته في هذه العشيرة، وهذا ما لن يسمح به.
التفت صوب عز الدين الذي كان يتابع خروج رايانا بأعين خبيثة ونظرات غريبة من الجميع، جعلت البارو يتنهد بصوت مرتفع:
_ ايه يرضيك يا عز الدين لأجل ما نقفل الموضوع كله.
رفع عز الدين عيونه ببطء صوب البارو، ينظر لوالده نظرة صغيرة، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بكل جدية يوجه نظرة متحدية لعمه:
_ نكمل من مكان ما وقفنا يا بارو، وزفافي ببنتك يتم ...
***
كان يجلس أسفل الشجرة وهو يراقب الثياب التي نثرها مع الجميع كي تجف قبل أن يكملوا رحلتهم، يرفع عيونه صوب أحمد الذي يعصر ثيابه بقوة وهو يرتدي فقط (شورت) قصير مع ثوب ابيض علوي كان يرتديه أسفل سترته، ومن ثم أخذ ينفض الثياب بقوة:
_ لو حد عنده غسيل تاني قبل ما اخلص.
ختم حديثه يلقي السترة على بعض الفروع تجف، ومن ثم شرع يفعل المثل بالبنطال الخاص به، ويحيى يراقبه بسخرية:
_ متدخلش بس الابيض في الألوان الله يكرمك.
_ ياض أنت حد قبل كده قالك أن دمك سم، والله اسمع مني بجد أنت مش لايق عليك كوميدي، مش سكتك، عيسى دمه خفيف اكتر والله.
ابتسم عيسى بفخر وكأنه للتو نال وسامًا، وفي الواقع كانت هذه حقيقة، فمن ناحية كان يحيى أقلهم مزاحًا واشدهم ضيقًا من كل شيء، واستفزازًا لأي شخص.
بينما عيسى العزيز صاحب التاسعة عشر عامًا، كان فقط يحيا لأجل الضحك والطعام والنوم والتوكتوك بالطبع، وكان من المفترض أن ثالثهما مسلم أكثرهم هدوءًا وتعقلًا سابقًا.
وأحمد كان منطقيًا أغلب الوقت هادئًا حالمًا بعض الشيء.
كان مسلم يتابع ما يحدث وهو يبتسم لهم جميعًا، قبل أن يبصر بطرف عيونه شيئًا ساقطًا ارضًا لينهض ويتحرك ناحيته يميل ببطء يلتقط ذلك الشيء والذي أدرك في اللحظة التي رفعه أمام عيونه أنه..
_ شو هاد خلخال؟ لمين هاد؟!
استدار صوب حاتم الذي كان فوق بالمعنى الحرفي يميل على يده بقوة، دفع مسلم رأسه بسخرية لاذعة وهو يدس الخلخال في جيب بنطاله:
_ بتاعي يا حاتم وقع مني.
أنهى حديثه يتحرك صوب الشجرة يرى إن جفت سترته يتحسسها وحينما شعر أنها أصبحت مناسبة بالفعل للأرتداء نزع ثوبه الاسود والذي كان مايزال رطبًا يلقيه على الشجرة ولم يكد يرتدي قميصه الاسود حتى سمع شهقة من خلفه وصوت يصدح مصدومًا:
_ مسلم ايه اللي في ضهرك ده ؟؟
توقفت يده في الهواء واسودت نظراته بشكل غريب يغمض عيونه، وقد أخذ صدره يرتفع بسرعة كبيرة يرتدي القميص دون كلمة واحدة يخفي بها ظهره بسرعة.
_ خلينا نكمل طريقنا قبل ما الدنيا تليل.
ومن ثم مال بسرعة يرتدي حذاءه يشير لهم ليتبعوه، والجميع نظر صوب حاتم الذي هز رأسه بضيق ويأس يتحرك خلف مسلم ولا أحد يفهم ما يحدث هنا.
وفي هذه اللحظة أدرك الجميع أن مسلم لم يتغير فقط، بل أُستبدل برجل آخر....
***
بدأت الشمس تغرب بالفعل والساحة التي تتوسط القرية تمتلئ ببعض الأفراد الذين يحبون الجلوس مساء والسهر على ضوء القمر ويقيمون احتفالات بلا مناسبة معينة.
ومن بين التجمعات هذه ظهر تجمع لبعض الغرباء الذي تغلغلوا للقرية مثيرين أنظار الجميع حولهم، خاصة النساء اللواتي كن متعجبات مظهر الرجال وطريقة ثيابهم، ويبدو الأمر كما لو أنهن لم يبصرن رجالًا من قبل.
توقفت الأحاديث والضحكات وعم صمت طويل في الساحة حتى أن سقوط قشة كان ليحدث دوي عنيف في المكان، وهذا الصمت والانتباه لهم جعل الريبة والخوف من القادم يصيب بعضهم كأحمد وعيسى.
لكن يحيى لم يكن يهتم، بل فقط دار في المكان يقدر حجم ثروتهم القادمة يشمر أكمام سترته وكأنه يستعد لمعركة، وحاتم جواره يتحسس سلاحه والذي حصل عليه بشكل غير قانوني بالطبع كخاصة مسلم، أما عن مسلم فلم يهتم أو يلتفت لأحد، بل اكمل سيره دون أن يهتز وكل خطوة منه بدت كما لو أنها تهز الأرض من تحت اقدام الجميع.
وأخيرًا توقفت في منتصف الساحة ينظر حوله للجميع بعيون باردة كالصقيع مبتسمًا بسمة كبيرة غريبة:
_ فين البارو بتاعكم؟
عند البارو..
كان يجلس مع زوجته في البهو الكبير الخاص بمنزله الذي كان مبنيًا على مساحة واسعة والذي كان في الأساس منزل عمدة القرية قديمًا.
انتفضت المرأة مما سمعت للتو ترفض كل ما قيل:
_ أنت بتقول ايه يا بارو؟ زواج ايه اللي تكمله، الراجل معيوب و....
_ اخرسي يا شيما، ابن اختي مش معيوب، رايانا وزوجته اللي عملوا كل الحوارات دي عشان يوقفوا الجواز.
_ وأنت مصدق كلام اخوك وابنه؟
_ ومصدقوش ليه؟
_ عشان هما مش بيحبوا بنتك وهيظلموها يا بارو، بلاش ترمي البنت ليهم، مرات اخوك واخوك وابن اخوك شخصيا محدش فيهم طايق البنت واكيد بعد اللي حصل مش هيمرروه على خير وأنت بنفسك شوفت اللي عملته زوجة اخوك ليها.
نظر لها البارو يرفض لكل تلك التكهنات التي تستبقها، لكنه لم يهتم هو أعطى لهم كلمته، لكنه فقط ينتظر الوقت المناسب حتى يتناسى الجميع ما حدث سابقًا، ومن ثم يعلن زفاف ابنته بعز الدين.
في اللحظة التي انتهى بها الحوار أو أنهاه هو بشكل مستبد، اقتحم أحد رجاله المنزل بسرعة يصيح بنبرة مرتفعة:
_ بارو ...ناس غريبة في القرية بيسألوا عنك.
انتفض جسد البارو بريبة فآخر مرة اقتحم بها غريب قريتهم لم يأت بخير، كان مجرد صحفي جاء بالشر والسوء ولم تنتهي زيارته على خير وكانت كارثة في ذلك الوقت.
ركض البارو بسرعة خلف الرجل وهو يأمر زوجته بحدة:
_ الزمي البيت واياكِ تتحركي، وانتبهي رايانا تخرج من البيت.
في اللحظة ذاتها التي كان يلقي على زوجته أوامره بالانتباه إلى ابنته وعدم السماح لها بالخروج، كانت رايانا بالفعل تسير في القرية تخفي نصف وجهها بغطاء اسود تتحرك بالسر صوب منزل سافا كي تكمل معها حديثهما لهذا الصباح حول الغرباء..
لكن يبدو أنهم خرجوا من أفكارها وتجسدوا في الواقع، إذ أنها تبصر الآن أمام عيونها الغرباء في منتصف الساحة وقد تجمع حولهم العديد من أهالي القرية، أخذت تخفي وجهها بريبة وهي تدور حول الجميع تختفي خلف بعض النسوة ترمقهم بفضول، تمرر عيونها بينهم حتى توقفت عليه.
ذلك الرجل المرعب من الصباح، بهيئته الـ ...مخيفة.
كانت عيون مسلم تتحرك بين الجميع ينتظر أن تصل رسالته للبارو، يدرك أن لا طريقة سلمية ستؤتي ثمارها مع هؤلاء القوم وقد سبق وحاول جده لعقود طويلة، قضايا ونقاشات ومؤتمرات، ولا شيء نفعهم.
إذن الحل هو الهجوم وبقذارة.
أخذ يحرك عيونه بين الجميع يراقب ملامحهم بلا اهتمام حتى توقفت فجأة على عيون جعلته يوليها كامل اهتمامه ويميل برأسه ويطيل النظر فيها أكثر من غيرها، كانت عيون مألوفة له وبشدة.
ولم تكن العيون سوى لرايانا التي وبمجرد أن توقفت عيونه عليها شعرت بتوقف ضربات قلبها كذلك وتجمدت في مكانها رعبًا أن يرد لها ما فعلته صباحًا، لذا بسرعة أخفت جسدها خلف امرأة ممتلئة الجسد بشكل ملحوظ جعله يبتسم يكبت ضحكة لم تكن لتلائم ما يحدث بأي شكل من الأشكال.
أما عنها فقد كانت تراقب رأسه التي مالت ببطء وهو يحدق فيها باهتمام لتشعر خدودها تشتعل من الخجل رغم أنها لا تظهر لأحد، تحركت من مكانها بسرعة تختفي من أمامه..
وهو فقط أخذ يحرك عيونه معها ولم يعلم في الواقع سبب ذلك، لكنه فقط أخذ يتابعها دون القدرة على رفع عيونه عنها، كل ذلك وهو لم يبصر منها سوى عيونها، ولم يسمع حتى صوتها.
وبعد ثواني من التحديق تذكرها جيدًا، وقد رفع حاجبها واشتدت نظراته بشكل أظهر لها ما وصل له في أفكاره، فابتعدت بسرعة من أمامه وقد سقط قلبها رعبًا من نظرته.
ابتلع ريقه وهو ما يزال يتابعها وكأنه نسي للحظات سبب وجوده في المكان هنا، حتى اقترب منه حاتم يهمس له بصوت منخفض لا يلحظه أحدهم:
_ أخبرني ما شعورك وأنت أول من خرق قواعدك عزيزي مسلم؟
رفع مسلم عيونه بسرعة صوب حاتم ليبتسم له الأخير يردد عليه جملته السابقة:
_ لا نظرة ولا كلمة مع امرأة، وأنت يا اخي تضم المرأة بعيونك.
انتفض مسلم من تعبير رفيقه وابعد عيونه بسرعة عن الفتاة وهو ينتبه لمن حوله يعود وجهه للجمود من جديد، يحاول أن يبعد أفكاره عن الفتاة وقد عزى انشغاله ذلك بأنه فضول حولها فقط ...وقد كان في الواقع.
دقائق قليلة وعمت صيحات وهمسات ارتفعت في الإرجاء باسم البارو، ليدرك مسلم أن من ينتظره جاء واخيرًا.
البارو...
_ مين أنتم وبتعملوا ايه في ارضنا؟
أطلق يحيى ضحكة مرتفعة على كلمته لم يستطع كبتها، ضحكة جعلت جميع الرؤوس تلتفت له، ليوقفها يحيى بسرعة وهو ينظر له بسخرية:
_ الحرامي لما يصدق أنه باشا.
صمت ثم ألقى له بكلمته دون أن يستطيع كبت كلماته:
_ أما أنت بجح ابن....
لكن يد أحمد والذي يدرك أفعال وكلام يحيى حالوا ما دون إكمال كلماته، وصوت الشهقات يعلو حولهم.
نظر له البارو بعدم فهم يدور بعيونه بينهم وقد بدأ يستشعر ذبذبات غير مريحة في الأجواء لذا هتف بصوت مرتفع يتلقى الدعم:
رواية أرض الدوم الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل
لا تعلم السبب الذي جعلها تتحرك من بين الجموع وتهرول خلفهم بسرعة قبل أن تفقد أثرهم.
فضول؟ ربما.
انبهار؟ حتمًا.
بالله عليكم هذا الرجل كسر يد عز الدين بقبضة يده فقط، سبب كافي لتنجذب لذلك الضوء الذي يلوح من بين ثيابه السوداء ونظراته المرعبة.
ابتسمت وهي تراقبهم من بعيد وقد أعادت غطاء وجهها تخفي به ما ظهر منها عدا عيونها، تسمع أصوات الصيحات في الساحة خلفها وقد أدركت أن منزلها سيكون عامرًا اليوم بالحشود وأن القادم سيكون جحيمًا على القبيلة بأكملها.
جيد إذن سيجد القوم شيء.
توقفت حينما ابصرتهم يقتربون من منزل تعلمه تمام العلم، كيف لا وهو كان في وقتٍ من الأوقات ملجئها الذي تختبأ به من والدها حينما تخفق، وتختبأ به من الجميع حينما تضيق بها الحياة، قبل أن يعلم عز الدين المكان لتغيره مخافة أن يستغل وجودها به وحدها يومًا ويتجرأ عليها.
توقفت على بُعد صغير أمام المنزل تتابع الجميع بأعين فضولية حتى توقفت عليه.
ملامح شرسة، خصلات طويلة مبعثرة، وعضلات تكاد تقسم أن ذراعه فقط اضخم من فخذ عز الدين النحيف.
ابتسمت على الفكرة وشعور عامر بالانتشاء ينتشر داخلها، ليس لوجود رجال غرباء وسيمين في قريتها، بل لأن هناك ما يكدر صفو القرية _ وتحديدًا عز الدين _ غيرها.
فجأة وبينما كانت شاردة في ذلك الرجل، اختفى دون أثر وكأنه لم يكن، وارتفع صوت اصطدام رصاصة بالشجرة أمامها، وقبل تحريك عيونها لتستوعب ما يحدث، وجدت فجأة جسدها يُسحب من خلف الشجرة بشكل مرعب، حتى أنها أطلقت صرخة لا تدري كيف خرجت منها.
ولم تكد تدرك ما حدث لها، حتى شعرت بشيء معدني بارد على رأسها ويد تلتف حول رقبتها.
اتسعت عيونها بسرعة تحركها صوب تلك الذراع، نفسها الذراع التي كانت تشكرها منذ ثواني لكسر يد عز الدين، الآن تلتف حول رقبتها تحاول أن تخنقها.
ومسلم الذي تفاجئ من أن المتسلل كان امرأة، اتسعت عيونه ولم يكد يبعد يده عنها، حتى انطلقت صرخة متفاجئة منه أكثر منها متوجعة وهو يشعر بأسنان حادة تغرز في ذراعه.
"يابنت ال..."
ولم يكد يستوعب الوجع الذي امتد على طول ذراعه، حتى استغلت هي الوضع، تبتعد عنه بسرعة تخرج في ثواني سكين صغير توجهه لصدره مباشرة.
وهو اتسعت عيونه وصوت حاتم خلفه يصدح وهو يراقب بأعين متسعة واستمتاع غير محدود:
"يا لطيف يا الله."
أصبح الوضع كالتالي، هو ينظر لها مصدومًا وما زال سلاحه مرفوعًا عليها دون شعور، وهي ترفع سكين تجاه صدره.
تهمس بصوت منخفض:
"نزل سلاحك."
مال مسلم برأسه مبتسمًا بسمة غريبة، جعلتها تتوتر لثواني لا تدرك مغزى تلك البسمة حتى.
والجميع في الخلف يتابعون بانتباه شديد ما يحدث، ولم يحرك أحدهم إصبعًا حتى، ولا يدركون كيف يتصرفون في هذا الموقف.
"الله ينجدنا منها، هالبنت ما حدا بقدر عليها غير ربّنا."
كانت جملة صغيرة نطق بها حاتم قبل أن يهتف أحمد بصوت منخفض:
"المفروض نتدخل؟"
"نتدخل إيه يا حبيبي واحد بمسدس وواحدة بمطوة، هنتدخل بينهم نعمل إيه؟ ولا نتدخل بإيه؟ بالجدعنة؟"
كانت جملة يحيى التي نطقها بسخرية وهو يشير صوب الحرب الباردة التي كانت تمارس في هذه اللحظة، لكن عيسى ابتسم بسعادة وهو ينظر صوب رايانا:
"أنا عامة هشجع القمر دي، لو قتلت أخوكم هتجوزها فدية."
مال يحيى يجذب رأس عيسى صوبه يقبلها بهدوء ومن ثم ربت عليه بلطف وكأنه يتعامل مع طفل:
"بس يا حبيبي ربنا يهديك."
اعتدل في وقفته بضيق ثم همس بصوت خافت:
"أنا الكبير، أنا اللي هتجوزها."
عند مسلم كان أول من أنزل سلاحه وهو ينظر لها بأعين هادئة يرفع حاجبه بضيق من وقوفها بهذا الشكل أمامه دون حتى أن تتراجع أو تخجل، استفزته بجرأتها التي تلتمع في عيونها.
وفي الحقيقة كانت تلك الجرأة تقبع خلفها فتاة مرتعشة من الخوف والندم لما فعلته الآن.
"متتقوليش إن رجالة قريتك خافوا يواجهوا بنفسهم وبعتوا بنت؟!"
لكن رايانا على عكسه لم تخفض سلاحها، بل ضغطت أكثر على صدره وكأنها على وشك ثقبه بسكينها الصغير مبتسمة بسمة صغيرة:
"رجالة قريتي؟"
كانت جملة ساخرة وودت لو تضحك على كلمته فهي في الواقع لم تبصر رجلًا في قريتها من قبل، هذا إن استثنت وجودهم.
لكن كلماتها لم تكن ساخرة لمسلم بل شعر بها تتحداه بها، لذا رفع حاجبه بترقب:
"أنتِ نفس البنت اللي كانت الصبح عند البحيرة مش كده؟"
حسنًا حتى مسلم نفسه تفاجئ من تغير مسار الحديث فجأة، لم يدرك حتى كيف انزلقت الكلمات من فمه، لكن رؤية عيونها مرة ثانية ذكرته بما حدث صباحًا، وكيف نزعت حبل الجسر وأسقطته.
وهي بمجرد أن سمعت كلمته لمع موقف الصباح في عقلها وتراجعت بحذر، وهي تنظر حولها للجميع بتردد.
كانت لحظة فقط شردت بها عن مسلم ليرفع الأخير يده بسرعة ينتزع منها السكين يلقيه بعيدًا في ثواني، وهي نظرت له بصدمة ليبتسم لها بسمة صغيرة وهو يميل قليلًا حتى أصبح في طولها تقريبًا يهمس بصوت خافت ببحة غريبة وقد شعر بالحنق منها ومن قومها:
"لا يليق بالنساء حمل الأسلحة آنستي، وبالطبع لا يليق بهن أن يكن بمثل وقاحتك في الوقوف هكذا مع خمسة رجال غرباء، صحيح؟"
رمشت رايانا بعدم فهم مما قال، كلمات قليلة ربما هي ما استطاعت التقاطها، لكنها فقط شردت به ثواني، ملامحه عن قرب، وصوته الذي أصابها برعشة، رعشة خوف وقد شعرت لأول مرة بأن أحدهم قد يؤذيها بسهولة، ابتلعت ريقها وهي ترفع عيونها له تحدق فيه ثواني وقد شردت في نظراته، تبصر عيونه التي بدأت تضيق أكثر.
وهو أدرك فجأة أن كلماته خرجت بلغة ربما لا تفهمها، لذا ردد بهدوء وبصوت خرج منه محذرًا وهو يضغط على حروفه:
"معتقدش أنه وجودك هنا بين خمس رجالة شيء صح، ولا أنتِ شايفة إيه؟"
نظرت له وهي ما تزال شاردة بوجهه لا تفهم ما تفعل ولا سبب صمتها، لكن فجأة انتفض جسدها انتفاضة شبه محسوسة وهي تسمع صوته يهتف بنبرة شرسة:
"اتحركي من هنا، ومتقربيش من البيت ده تاني."
نظرت رايانا حولها للرجال الذي كانوا يتابعون باهتمام ما يحدث، ولم تكد تفتح فمها بكلمة حتى هتف مسلم بصوت قوي:
"اتحـــــــــــــركي."
انتفضت للخلف وهي تنظر له بصدمة سرعان ما تحولت لغضب شديد من صراخه، ورغم ذلك لم تتحدث بكلمة، تستدير بسرعة تتحرك من المكان ركضًا وهي ترفع غطاء وجهها الذي سقط في غفلة عنها.
تاركة مسلم يراقبها بجسد مشدود لا يفهم ما بها هذه الفتاة المريبة، تنفس يحاول إبعادها عن تفكيره، وهو يستدير صوب الجميع ليبصر نظراتهم الغريبة صوبه، وفي الواقع نظراتهم تلك كانت السبب الرئيسي في صرفها بهذه الطريقة.
عيسى يرمقه بضيق وحنق، وأحمد بتعجب، ويحيى بتفاجئ، وحاتم بريبة من هيئته ليصرخ بهم مسلم:
"فيه إيه أنتم كمان؟"
انتفض الجميع وهم يتحركون داخل المنزل بسرعة يتجنبون مسلم في هذه الحالة، بينما مسلم تنفس بعنف بمسح وجهه، يبعد يده عن عيونه ليبصر نظرات حاتم له.
"ماذا؟"
"لا أنا فقط ما زلت متعجبًا لما حدث."
"وما الذي حدث يا ترى سيد حاتم؟"
ابتسم له حاتم بسمة مستفزة وهو يهز رأسه:
"تحدثت مع امرأة أكثر من كلمة واحدة، شيء يُحسب لها."
ختم حديثه يدخل من الباب ومسلم ظل واقفًا في مكانه يتابعه بأعين باردة، وداخله جملة حاتم ما تزال تتردد، استدار ببطء صوب الخلف ينظر للطريق الذي سارت به هذه المرأة، قبل أن يبعدها عن رأسه ويتحرك للداخل بسرعة وكأنه يمنع نفسه حتى من الانشغال بالتفكير في شيء غير ما جاء لأجله.
هو هنا لهدف سيحققه ويرحل.
"شايف إن ده حل؟"
رفع والدها عيونه لها وقد كان يشعر بالعجز في هذه اللحظة، منقسم لنصفين، نصف يشعر بالعار لما هو مقدم عليه بشأن ابنته، ونصف آخر يشجعه ليقطع ألسنة من يتحدث بالسوء عنها.
"كارا يا بنتي، أنا بحاول أعمل كده عشان أساعدك، أنتِ شوفتي بعيونك اللي القبيلة بتقوله عنك بعد طلاقك من عز الدين."
ابتسمت كارا بحقد وغيظ شديد، وهي تتذكر الشجار الذي نشب في عقد قرانه قبل فترة من الزمن حينما دمر حياتها وركض ليتزوج برايانا، رايانا التي كان لها الفضل بعد الله في حصولها على الطلاق.
هي لم تخبر والدها ولم تخبر أحدهم، لكنها هي من أرسلت رسالة لرايانا تنبأها فيها برغبة عز الدين في الزواج بها، وتوسلتها أن تحررها منه وقد كان، لكن ما لم تدركه أن والدته لم تكن لتسمح لها بعيش حياة هانئة لتغدو في القرية تردد على مسامع الجميع أنها امرأة لا تنجب، وحسنًا كادت تصدق الأمر، لولا رسالة من مجهول تخبرها ما حدث ومكيدة زوجها.
مجهول تعرفه هي والجميع في الواقع.
"شايف زواجي من راجل أكبر مني بـ 16 سنة، حل يا بابا؟"
بلل محفوظ شفتيه بعجز، وهو يحاول التفكير في حل لابنته، فرغم ما فعلته في الزواج لم يتوقف الجميع عن ترديد تلك الإشاعات ولا مجال لدرئها سوى بالزواج وإحضار صغار يكذبون أحاديث عز الدين ووللدته، ولا رجل يقبل الزواج بها بعد ما حدث.
"كارا أنا..."
"لا يا بابا أنا مش هكرر غلط زمان، عز الدين كان نور مبهر جذبني ليه من غير ما أحس وفجأة لقيته نار، مش هرمي نفسي مرة تانية في شيء أسوأ."
"بس أنا... أنا بالفعل قلت للراجل كلمة يا كارا وخلاص هما هيكونوا هنا بعد أيام عشان نتفق."
انتفض جسد كارا من مكانها بغضب تصرخ في وجه والدها دون أن تتحكم في نفسها:
"دي حياتي إزاي تاخد قرار بالنيابة عني؟ أنت مستوعب المصايب اللي عمال تحطني فيها كل شوية؟"
انتفض جسد والدها وقد اكتفى من تدليلها يصرخ بالمقابل في غضب شديد:
"خلصنا يا كارا اللي قلته هو اللي هيحصل، الظاهر إني دلعتك زيادة، لكن خلاص انتهينا، اجهزي العريس هيكون هنا بعد أيام قليلة."
ختم حديثه يرحل بسرعة من أمامها قبل أن يضعف بسبب نظراتها، يقنع نفسه أن كل ذلك لأجلها، أن كل ما يفعله الآن كي ينقذها من نفسها، من وحدتها، من نبذ قريتهم لها، لا ينقصه أن تكون ابنته رايانا أخرى.
وكارا فقط ظلت واقفة بأعين دامعة، تشعر بجسدها يرتجف من شدة الغضب والنقم على كل ما يحدث، كل هذا بسببه، بسبب ذلك الحقير عز الدين الذي لم يكتف بتدمير حياتها سابقًا، ليجعلها دمارًا بعدما خرج منها.
ضربت الطاولة بغضب حتى شعرت بوجع مريع ينتشر من أصابعها لباقي قدمها وهي تكتم بكاءها صارخة:
"الله ياخذك يا عز الدين."
وصلت للمنزل تتحرك بسرعة صوب الجهة الخلفية تنظر صوب النافذة الخاصة بها، ومن ثم حركت عيونها في المكان حولها تقفز بسرعة على الشجرة الصغيرة التي تجاور المنزل ولم تكد تتسلق للغرفة، حتى سمعت صوتًا يأتي من نافذة قريبة في الطابق الأرضي، صوت تعلمه جيدًا.
عز الدين.
ابتسمت وهي تترك الشجرة وتتحرك بسرعة صوب النافذة، تحاول ألا تحدث صوتًا وهي تبصر في الداخل جميع الرجال يجلسون في اجتماع ورائحة الغضب تفوح من المكان، لكن كل ذلك لم تهتم به وهي بالفعل تعلم أن هذا سيحدث.
كل ما اهتمت به هو صرخات عز الدين المرتفعة والحكيم أمامه يحاول أن يحرك يده.
صرخاته تهز الجدران كطفل صغير سقط للتو.
"ما تخف إيدك شوية."
زفر الحكيم بسخرية من أفعال عز الدين:
"ده مجرد التواء عايز يترد."
"وأنت كل ده لسه مردتوش، خلصني وغور."
كبتت رايانا ضحكتها بصعوبة ولم تكد تتحرك مبتسمة لتنام قريرة العين للمرة الأولى حتى سمعت صوت عز الدين وهو يصرخ بصوت مرتفع قائلًا:
"إحنا هنعمل إيه يا بارو؟ أنت بجد هتسيبهم في البيت ده؟ أنت كده بتديهم الفرصة يقعدوا بينا وشوية شوية هياخدوا الأرض اللي حوالين البيت."
رفع والدها عيونه ينظر لعز الدين وقد بدا أن تلك لم تكن أفكار ومخاوف عز الدين فقط، بل شاركه بها كل من بالغرفة، لذا ابتسم والدها بسمة لم تطمئن لها:
"ومين قال إني هسيبهم يتهنوا بيه؟ كل شبر في الأرض دي بما فيهم بيت المريدي ملكنا، أنا بس بدي نفسي فرصة أفكر ليهم في حل."
ارتفع حاجب رايانا وهي تمنح كامل انتباهها لوالدها تحاول إدراك ما يفكر به في هذه اللحظة، ورغم رفضها لفكرة أن أحدهم قد يخرجها من منزلها، إلا أنها كانت تكره أن يتعامل والدها وكأنه رئيس عصابة.
"الشباب دول مش هيطولوا كتير في أرضنا، في خلال أيام هكون متصرف ومخرجهم منها."
تحدث أحدهم يطرح مخاوفه علنية أمام الجميع:
"لكن يا بارو أنت شوفت الشاب اللي معاهم، شكلهم مش سهل و..."
"وإحنا من امتى كان بيهمنا شكلهم ولا مش شكلهم يا راضي، الأرض دي أرضنا اللي ورثناها، سواء عجبهم أو لا، ومش معنى إني سكتّهم واخدوا بيت المريدي يبقى هسمحلهم يطولوا في الضيافة دي."
رفعت رايانا حاجبها ولم تهتم كثيرًا، تدرك ما يفعله الجميع هنا، فهم يفعلون ما يرغبون به دون وضع اعتبارات لأي شيء، تنهدت بصوت مرتفع، تتحرك حتى تدخل المنزل من الباب الأمامي بعدما أدركت أن والدها في خضم اجتماع ولن يشعر بشيء، لكن ما كادت تتحرك خطوة واحدة حتى سمعت صوت عز الدين يردد بفحيح وصل لها:
"سيب الموضوع ده عليا يا عمي، واعتقد ده ممكن يكون أفضل مهر أقدمه لبنت عمي ولا إيه رأيك؟"
توقفت ضربات قلب رايانا من الكلمات التي سمعتها، تنتظر سماع صوت والدها، أي اعتراض، لكن كل ما وصل لها هي همهمة وموافقة صامتة من طرف والدها، تنفست بعنف وهي تتحرك بسرعة راكضة صوب غرفتها، تشعر بطنين الغضب يعلو داخل رأسها واللون الأحمر يلوح في الأفق.
"على جثتي يا عز الدين... أو على جثتك..."
تحركوا داخل المنزل حيث كان الظلام يملئ أركانه، عيسى يتمسك بثوب يحيى الذي كان يدفعه بغيظ وهو يحاول أن يتخلص من قبضته المحكمة:
"يا حبيبي سيبني مش عارف أمشي بسببك مكلبش فيا كده ليه؟"
نظر عيسى حوله، كان المكان مظلم حتى لموضع قدم، لذا زاد من التصاقه بيحيى الذي نفخ وهو يدفعه بغضب أكثر وقد بدأت أصواتهم تعلو.
ومسلم يتحسس الجدار بحثًا عن أي زر للأضواء، وبمجرد أن وجده ضغط عليه، على أمل أن يكون نظام الإضاءة ما يزال يعمل حتى الآن.
لكن بمجرد أن ضغط عليه انفجر المصباح الذي يعلو رأس حاتم ليطلق حاتم صرخة مرتفعة وهو يقفز ليتمسك بأقرب شخص له والذي كان يحيى:
"يا لطيف يا الله."
وبهذا الشكل أصبح كلًا من حاتم وعيسى يتمسكان بيحيى الذي مد يديه يضمهما كأم تضم صغارها يردد وهو يربت عليهم بسخرية، يحدق في ظهر مسلم الذي بالكاد يبصره:
"كده برضو يا خويا خوفت الولاد، اسم الله عليكم يا حبايبي."
تحدث أحمد وهو يتحسس طريقه بصعوبة:
"البيت شكله متفتحش من وقت ما جدك سابه، أعتقد مش هنعرف نبات هنا النهارده."
زفر يحيى وهو يبعد عنه عيسى وخاتم بغيظ:
"أوعى يا عم أنت وهو، آمال يعني هنقعد فين؟"
تنفس مسلم بصوت مرتفع وهو ينقر على بعض الأزرار في هاتفه بسرعة كبيرة ومن ثم هتف بجدية:
"هنفرش أي حاجة قدام البيت لغاية ما الدنيا تتظبط، ونخلص اللي جينا عشانه."
تحدث أحمد بجدية وهو يقترب من أحد النوافذ يحاول فتحها، وفشل بعد عدة محاولات:
"وإحنا هنعمل كده إزاي يا مسلم أنت مقلتش لينا أي حاجة تفهمنا اللي بتفكر فيه."
رفع مسلم عيونه لهم وهو ينظر حوله ثواني قبل أن يهتف بجدية مشيرًا للمنزل حولهم والذي كان مكون من ثلاث طوابق:
"هقولكم بس نركز شوية والموضوع هيخلص أسرع مما تتخيلوا."
نظر له الجميع بعدم فهم، لكنه تحرك صوب النافذة يجذب المقبض بقوة ليفشل، لذا ضربه بقدمه بغيظ شديد ليحطمه، ثم دفع بقايا النافذة للخارج يتنفس براحة مبتسمًا وقد أضاءت أعمدة الإنارة في الخارج المنزل والجميع خلفه متسعي الأعين من تصرفاته عدا حاتم الذي اقترب من النافذة يجلس جوارها.
أما عن مسلم اغمض عيونه يتنفس براحة شديدة واخيرًا:
"لو اللي في دماغي تم زي ما أنا عايز هيخلص الحوار كله في يومين بالكتير."
ولم يستوعب الجميع ما يقول، بينما حاتم ابتسم بسمة واسعة وهو يدرك ما يفكر به مسلم.
"هنقتحم بيت البارو الليلة."
الهدوء الليل، كتابك المفضل على ضوء خافت في الغرفة، وسهرة مميزة مع بطلك المفضل في اللحظة الأشد قربًا لقلبك، لهي الحياة التي تود أن تُسجن بها مدى الحياة.
تنهدت بصوت مرتفع حين وصلت لذلك الجزء الذي تطمح له حين قرأتها الرواية، وحسنًا هذه المرة ليست استثناءً، ورغم أنها تقريبًا حفظت كلمات الكتاب بأكمله كلمة كلمة عن ظهر قلب، فقد كان هو كل ما تمتلكه من القصص العاطفية والذي أهدته لها سافا قديمًا في مراهقتها فكانت تعيده مرات ومرات ولم تمل ولن تفعل، فمن هي لتمل وجود الرجل الوحيد في حياتها والذي للسخرية كان بطلًا في رواية يراها والدها سخيفة.
وحينما وصلت للحظة الحاسمة تركت الكتاب بسرعة كبيرة وكأنه جمرة مشتعلة وهرولت ببسمة واسعة صوب المطبخ تجمع في رأسها ما ستحضره لأجل سهرة اليوم، البعض الحلوى وربما القليل من الفاكهة، ولن يضيرها بعض من بقايا طعام العشاء المتبقي.
حسبت الوقت الذي تحتاجه بعيدًا عن أحضان كتابها لتحصل على ما تريد، دخلت المطبخ بسرعة. أخذت تتحرك في كل مكان تحضر ما تريد.
انتهت تقريبًا مما تريد وتبقى شيء وحيد للحصول عليه.
استدارت صوب خزانة المطبخ تصل الجزء المفضل لها والحلوى المفضلة لها على الإطلاق تلتقط منها الكثير، وحينما انتهت نظرت للغنيمة بسعادة تتوسطهم حلوياها المفضلة "الفَروشكا"¹. التقطت واحدة تلقيها في فمها ولم تكد تمضغها حتى سمعت ضوضاء تأتي من النافذة الواسعة التي تقبع خلفها.
رمشت بتوتر وهي تحرك يدها بتوتر على الطاولة أسفلها تبحث عن شيء تدافع به عن نفسها، وفمها مغلق بقطعة كبيرة من حلوة الفَروشكا.
حسنًا على الأقل ستموت ميتة حلوة بطعم الفَروشكا.
¹ الفَروشكا: حلوى تُصنع من السميد والعسل وبعض المكسرات وتُشكل على هيئة كرات، تقدم في العادة في المناسبات السعيدة كالأفراح.
كانت الساعة المنتظرة وهم يتحركون جميعهم صوب المنزل الذي عرفوه يخص البارو.
"طب افرضوا مطلعش بيته؟ إيه اللي يخليني متأكدين إن البيت ده بتاعه؟"
كانت كلمات عيسى الذي كان مترددًا في اللحاق بهم، وفي الواقع كان سببه الوحيد في الذهاب معهم لمثل هذه المهمة الانتحارية هو أنه لم يرغب في البقاء وحده في ذلك البيت المرعب الذي كان يخص جده.
توقف مسلم ونظر حوله لجميع المنازل والتي كانت عادية تقريبًا تتكون من طابق أو إثنان ربما، عدا منزل واحد يتوسط القرية يتكون من أربعة طوابق ذو شرفات كبيرة وبناء فخم وساحة أمامية كبيرة، ومن ثم نظر لعيسى وهو يضع يده على فمه يدعي التفكير:
"تصدق صح؟ يا ترى ليه متأكدين كده إن البيت الوحيد الكبير والفخم في القرية يبقى بيت زعيمهم، شيء غريب والله، إيه رأيك نخبط عليهم ونسأل؟"
"هيكون أحسن بدل ما ندخل على حد بالغلط."
مسح مسلم وجهه وهو يكتم صرخة كادت تفلت منه، بينما يحيى قال بسرعة وهو يشير صوب عيسى:
"أهو شوفت عشان أبوك بيقولي إنني بظلمه وباجي عليه من غير سبب."
صمت قبل أن يقول بعد تفكير قصير:
"أنا كده فعلًا، بس هو برضو مستفز، سواق توكتوك على الفاضي، لا معاه مطوة ولا مدرج شعره ولا عنده قطع في حاجبه ومش صايع وبيتعلم عليه من كل سواقين التكاتك اللي في المنطقة، عيل مستفز."
نظر له عيسى بغيظ شديد وفتح فمه ليصرخ في وجهه، لولا مسلم الذي جذبه بسرعة صوب صدره يكتم صوته وهو ينظر بتحذير ليحيى:
"يا بني اخرس بقى الولد اطول منك أساسًا، اتلم شوية مش هسيب اللي جاي عشانه وافضل أفصل بينكم كل شوية."
نظر عيسى صوب مسلم يشكو له بضيق تصرفات يحيى:
"شوفت أخوك اللي مترباش؟"
قبل مسلم رأسه وهو يراضيه:
"حقك عليا يا عيسى محدش فينا اتربى والله غير أحمد، حتى حاتم ناقص ترباية برضو، لو كان محترم كان ضربني رصاصة لما اقترحت ننزل مصر."
اتسعت عيون حاتم والذي كان يلتزم الصمت تاركًا لهم الفرصة لحل مشاكلهم سويًا:
"إيه، شو دخل حاتم بينكم هسا؟ إنتو عيلة مش متربية! وشو دخلني فيكم؟"
نظر له مسلم بغضب، ومن ثم نظر صوب أحمد الذي كان صامتًا بملل وقد اعتاد كل هذه الحوارات منذ فترة طويلة، تحديدًا منذ قررت والدتها أن تختار عائلة المريدي لتولد بها.
"هندخل ونخلص ولا والله أروح أنام أنا مش متعود على السهر ده."
كانت تلك جملة أحمد الحانقة والغاضبة منهم، ليرميه مسلم بضيق:
"اتفضلوا حتى المتربي نطق بسببكم، اتنيلوا اتحركوا معايا خلينا نتحرك."
تحدث عيسى بتفكير وهو يعرض عليهم أي سبب للتراجع:
"طب إحنا بندور على إيه؟ مش يمكن ولعوا في عقود الملكية أساسًا؟ أصل ليه يخلوا معاهم دليل على سرقتهم؟"
"أي ورق ملكية نثبت أنه مزور أو ممكن يكونوا متخلفين ومعاهم عقود ملكية جدك، أي حاجة تنفعنا يا عيسى مش هنقعد نتفرج عليهم."
هز عيسى رأسه ولم يقتنع بعد بالأمر لكنه لحق بهم على أية حال، ومسلم يتحدث بجدية:
"هندخل من شباك المطبخ."
نظر له الجميع بعدم فهم وهم يتبعونه بعيدًا عن مقدمة المنزل يتحركون لنقطة عمياء بعيدة كذلك عن أعين الناس حولهم.
وأول سؤال تردد على لسان احمد:
"شباك المطبخ؟ وأنت عرفته منين ده؟"
ابتسم مسلم وهو يتوقف أمام الجزء الخلفي للمنزل، ينظر له ببسمة واسعة وقد صدقت كلماته بوجود شرفة كبيرة في المطبخ، فرصة جميلة لكل لص أراد اقتحام المنزل، والشكر لله بالطبع، ثم للمهندس العبقري الذي صمم هذا المنزل.
"كان فيه صحفي جه قبل كده للقرية هنا وصور فيها فيديوهات قبل ما يحب واحدة من الستات هنا ويهرب بيها من عيلتها."
كان يتحدث وهو يفتح النافذة بهدوء حريصًا ألا يصدر أي صوت قد يجلب الانتباه لهم، والجميع _ عدا حاتم_ يراقبونه بصدمة لحصوله على تلك المعلومة.
"لا معلش فيديوهات إيه؟ أنا بحثت قبل كده وملقتش أي فيديو عن القرية دي وحتى جوجل لما كتبت عليه اسمها طلعلي في البحث (أرض الحاج برعي وأولاده لزراعة الدوم)."
ضحك مسلم ضحكة صغيرة ولم يجب وهو ينتهي واخيرًا من فتح النافذة وهذا يذكره بالبحث عن مصمم المنزل وتوجيه شكر له بعدما ينتهي كل هذا.
تولى حاتم شرح الأمر ببساطة للجميع:
"فيه صحفي حكى بمقال إنه زار القرية وكل البيوت فيها، وأخوك دخل على المقال، جاب اسمه، وبعدين فتّش عنه وسحب كل الداتا تبعته."
نظر الجميع بانبهار لمسلم، فنعم لم يكن خبرته بالتكنولوجيا شيء جديد عليهم وقد كانت هذه هواياته منذ صغره حتى التحق بكلية الهندسة مجال التكنولوجيا، لكنه لم يكن من قبل بهذه الاحترافية.
"أنت بس لو تسمع كلامي وتفتح سايبر² والله لتكسب فلوس أكتر من تمن الأرض اللي هتموتوا بعض عليها."
وكان ذلك الاقتراح الذي لا ينفك عيسى يقترحه على شقيقه بعدما أبصر ما يستطيع فعله على أزرار الحاسوب غير كتابة اسمه وتغيير خلفية الحاسوب لورود صفراء.
"شكرًا يا عيسى لما أفكر أتقاعد وأريح دماغي هفتح سايبر وأوقفك فيه، ودلوقتي اهدوا وركزوا معايا عشان مش عايز غلط ومش عايز أي جذب انتباه ولا أي حركة غبية واحدة سامعين؟"
كان يتحدث بنبرة شديدة اللهجة وهو يمرر عيونه على الجميع، والكل يستمع لكلماته باهتمام شديد حتى أمرهم بصوت خافت أن يتبعوه للداخل.
كان هو أول من يدفع باب النافذة، ويتحرك داخل المطبخ ببطء وحذر شديد يستكشف لهم المكان قبل إعطائهم إشارة الدخول.
وفي أثناء بحثه عن أي خطر قد يبصرونه خلال رحلة إحضار صك الملكية، أو أي أوراق، أبصرها.
تقف أمامه بأعين متسعة وفم ممتلئ بالطعام وقد جمعت شعرها بشكل غريب فوق رأسها وقد بدا مبعثرًا أكثر، ترتدي عباءة طويلة واسعة، ملونة وسخيفة.
ولحظة صمت طويلة، أطول مما يجب مرت على الاثنين وهما يحدقان ببعضها البعض دون أن يتجرأ أحدهما على قول كلمة.
شعر مسلم أنه لأول مرة عاجز عن التصرف وقد توقف عقله في ثواني، وقد تلاشت كل أفكاره في هذه اللحظة حول خطته التي وضعها في حالة أبصر أحدهم في طريقه.
نظر حوله وهي فقط تراقبه بأعين متسعة وما دار بعقلها في هذه اللحظة أكثر شيء سخيف قد يطرأ على رأس امرأة وهي تقف في مطبخ منزلها بعد منتصف الليل أمام مقتحم "هذا الرجل يشبه بشكل غريب بطل روايتها المفضل".
ابتلعت الحلوى بسرعة وهي تحاول الحديث بكلمة أو الصراخ، ويبدو أن مسلم أدرك نيتها في ذلك ليرفع إصبعه أمام فمه يشير لها محذرًا أن تتحدث بكلمة، وهي لم تكن تهتم حتى بتحذيره، كل ما كان يمنعها من الصراخ هو الطعام في فمها، لذا مضغت قطعة الفَروشكا بسرعة وفتحت فمها للصراخ لولا مسلم الذي اندفع لها وكان أول ما طرأ في رأسه ليصمتها هو حشر قطعة أخرى من الحلوى جوارها في فمها.
اتسعت عيون رايانا بصدمة من فعلته واستدارت بسرعة تبحث بعيونها عن السكين، لكن لم تكد تتحرك خطوة حتى أمسك مسلم بها وهو يجذبها صوبه يكتم فمها يميل عليها من الخلف محذرًا بصوت مرعب:
"صدقيني لو مكانك مكنتش هعمل الحركة الغبية دي."
حاولت رايانا إبعاد يده لتبتلع الحلوى وتتحدث، لكنه رفض وهو يهمس بصوت خافت:
"اسمك إيه؟"
لم يكن سؤالًا حضّره له في الواقع، لكنه أول ما فكر له بمجرد أن رآها للمرة الثالثة، أو ربما كانت الرابعة، ولا يدري السبب لكن بشكل أو بآخر هو يراها في كل مكان في هذه القرية تقريبًا.
وهذا لا يعجبه البتة.
حاولت رايانا دفعه بعيدًا عنها والغضب كان يغلي داخلها بقوة، مشهد كهذا كانت لتحبه إن كان بكتاب وليس بالواقع، هي كل ما تفكر فيه في هذه اللحظة هو الاستدارة وغرز أظافرها في عينيه.
همس لها مسلم بصوت مسموع لها فقط:
"هشيل إيدي براحة ومش هتنطقي بكلمة، اتفقنا؟"
وهي أومأت بطاعة ترغب فقط في إبعاد يده عنها، وحينما فعل ذلك ابتلعت بسرعة الحلوى ومن ثم نظرت له بغضب شديد ورفعت يدها على حين غرة تمسك أحد الأطباق جوارها، لكن مسلم كان متيقظًا على حركاتها وأمسك بسرعة يدها وهو ينظر للطبق بسخرية:
"صدقيني دي حركة غبية مبرر تستخدميها قصاد أي حد، في الوقت اللي لفيتي فيه تدوري على حاجة تضربيني بيها، كان ممكن تغافليني وتضربيني في رجلي مثلا توقعيني وبعدين تجري تنادي حد."
هل يعلمها الآن أسلوب الدفاع عن النفس. ضده؟
وهو قرأ أفكارها فابتسم بسمة صغيرة لا تعلم سببها، لكن في لحظة شعرت رايانا أن هذه كانت أكثر بسمة صادقة لطيفة وُجهت لها يومًا، هذا إن لم تحتسب بسمات جدتها لها.
"أكيد مش ضدي يا...."
صمت يكرر نفس سؤاله المطروح:
"اسمك إيه؟"
نظرت له بعدائية ولم تتحدث باسمها، بل همست له بنبرة غاضبة بعدما أبعدت ذلك الإعجاب السخيف والذي بالطبع نابع من عقلها الوردي الذي يحلم بقصة تشبه روايتها ربما:
"معتقدش اسمي يخصك في حاجة، وامشي من هنا بدل ما أصرخ وألم الكل عليك دلوقتي."
"ومعملتيش كده ليه من الأول؟"
كان سؤالًا جادًا بعدما اعتدل في وقفته أمامها وقد علا الجمود ملامحه مجددًا، ليتعجب بسمتها الصغيرة والغريبة:
"اعتبره رد جميل على كسر إيد عز الدين."
اتسعت عيونه من كلماتها ولم يكد يتحدث بكلمة لفهم ما تقصد، حتى سمع الاثنان صوت يتحرك في طرقات المنزل لينظر مسلم صوب الباب بسرعة وفي ثواني وقبل التحرك أو قول كلمة وجد طبقًا يُدفع لصدره ليتمسك به بسرعة دون وعي، ومن ثم شعر بيد الفتاة تجذبه بسرعة صوب الشرفة تشير له بالرحيل.
وهو ما يزال يحمل طبق الحلوى الذي كانت تحمله منذ ثواني لضربه، أشارت له وهي تهمس بتوتر:
"امشي من هنا، امشي قبل ما حد يشوفك بسرعة."
نظر لها مسلم ثواني يبصر في عيونها خوفًا غريبًا، بالتأكيد ليس خوفًا عليه، لكنه رغم ذلك أمسك الطبق بقوة دون شعور وتحدث بلهفة وانتباه قبل المغادرة:
"أنتِ خايفة ليه كده؟"
ورايانا التي كانت تنظر صوب الباب برعب، استدارت له فجأة بأعين مصدومة من كلماته، شعور غريب ملأ جسدها في هذه اللحظة وهي تراه وقد التقط خوفها، ومهلًا، هل كانت نبرته حمائية في هذه اللحظة؟ هل يحاول أن يحتل مكانة بطل روايتها الشهم في قلبها؟
ابتلعت ريقها وهي تدفعه بسرعة صوب النافذة وهي تهمس بصوت منخفض:
"اعتبره رد جميل زي ما قولت، المرة الجاية مش هيكون فيه جميل أردّه، امشي من هنا عشان دول مش هيسموا عليك."
ختمت كلماتها وهي تتحرك صوب باب المطبخ لتوقف أيًا كان القادم عن اكتشاف وجوده قبل رحيله.
أما عن مسلم فقد ظل واقفًا في مكانه يحدق في أثرها بفضول شديد، يحاول معرفة أو فهم ما حدث منذ ثواني.
لكنه في النهاية خرج من المكان يحمل داخله حيرة، ومشاعر حمائية غريبة، وطبق حلوى.
تحركت داخل غرفتها بخطوات مرتجفة لا تدري ما يحدث، غادرتها للحصول على بعض الطعام يدفئ برد معدتها حينما يغمرها بطل الرواية هي والبطلة بمشاعر جارفة، لتعود بلا طعام وبدفء فاق دفء البطل الذي كانت تطمح به.
رفعت عيونها للكتاب الذي كان موجودًا على الفراش ولا تدري هل كان الأمر بسبب ما مرت به، أم أن بطل الرواية في هذه اللحظة أصبح باهتًا؟
هزت رأسها تطرد تلك الأفكار وتطرد معها نظرة ذلك الرجل، وصوته وهو يسألها إن كان هناك ما تخاف.
لكنها لم تستطع طرد بسمتها التي رُسمت بلا شعور على فمها وهي تفكر أن هذا أول شخص في الحياة يسألها إن كانت خائفة، ارتجف صدرها من شعور الأمان الذي غمرها به في ثواني وهو المقتحم الذي جاء ينتوي سوءًا لهم.
يا للسخرية!
وقعت عيونها على نفسها في المرآة لتتسع عيونها بصدمة من مظهرها، هل كانت تقف أمام الرجل بهذا الشكل؟ اقتربت بسرعة من المرآة وهي تتحسس خصلاتها التي جمعتها بشكل فوضوي فوق رأسها وعباءة جدتها التي تحب النوم بها بسبب قماشتها الرقيقة والقطنية.
"إيه المنظر ده؟"
شعرت برغبة عارمة في ضرب المرآة وتحطيم رأسها من هذا المظهر، لكن توقفت فجأة وهي تفكر أن لا بأس أن يراها هكذا، فهي لا تطمح لنيل إعجابه على أية حال صحيح؟
تحركت صوب النافذة تزفر بضيق شديد، تنهي الليلة في هذه المحطة، ستنام و....
توقفت عن الحديث وهي تبصر "منزل المريدي" يلوح بعيدًا في الأفق، أخذت تنظر له طويلًا لا تعلم السبب، قبل أن تغلق النافذة وتتحرك صوب الفراش تغلق هذا الجزء من أفكارها، تخفي جسدها بين الأغطية تغمض عيونها محاولة النوم، لكن فجأة شعرت باهتزاز هاتفها الذي تخفيه تحت الوسادة.
ضيقت عيونها فلا أحد يعلم رقمها هذا سوى القليل فقط، ومن سوء حظها كان هو من القليل.
عز الدين...
"شكلك بلبس جدتي جميل، بس في المستقبل مش هحب زوجتي تلبس ليا اللبس ده لما تكون معايا فاقترح تتعودي على لبس تاني بحبه أكتر."
انتفضت من مكانها بسرعة وهي تنظر للرسالة بأعين متقدة ووجه أحمر خجل حينما تدفقت العديد من الصور التي يتحدث عنها لرأسها، واشتعل رأسها بغضب لجرأة الحديث الذي يخوضه معها بلا وجه حق كأنها إحدى جواري الحرملك الخاص به، تنتظر منه إشارة لتشرف جناحه.
غلى الدم في عروقها وهي تكتب بأحرف مشتعلة ردها قبل أن ترسلها وتلقي الهاتف بعيدًا عن يدها، ثم سحبت الغطاء فوق رأسها وهي تهمس بغضب:
"اليوم اللي هكون فيه زوجتك يا عز الدين هيبقى يوم جنازتي."
ربما كانت قديمًا حمقاء لتعتقد أن عز الدين هو سبيل نجاتها من أقاويل قبيلتها، لكنها الآن يمكنها العيش منبوذة بينهم، على أن تحيا مبجلة مع ذلك الرجل.
أغمضت عيونها وهي تغرق في نومة تدعو ربها ألا يلوثها وجهه في أحلامها.
أما عند عز الدين كان يجلس في باحة المنزل ينظر لنافذتها وهو يدخن بشراهة مبتسمًا بسمة واسعة حينما أبصرها شاردة، ولم يقاوم أن يرسل لها رسالة ليبصر ردة فعلها والتي لم تروقه البتة وهو يبصر ردها بكلمات شعر فيها بغضبها "لو بتحبهم كده وصي مرات عمي تشتري لمراتك، بلاش تحرم نفسك من شيء، ولو يا سيدي عايز البسهم أنت ولو ملقيتش مقاسك فجدتي عندها عبايات تانية ممكن تيجي على مقاسك".
ضغط على الهاتف بقوة وبسمة سوداء ارتسمت على وجهه، وإن كانت تظن أن ردها ذلك سيمنعه عنها فقد أخطأت، هذه المرأة له منذ ولادتها، ألقى السيجارة أرضًا بقوة يطحنها لاعنًا حظه الذي جعله يفقدها في لحظة طيش منه.
رايانا "جميلة جميلات الدوم"، المرأة الأشد جمالًا والاتعس حظًا، وهو.
لم يهتم لما يقال عنها، بل بشكل أو بآخر ساهم به كي يبعد عنها كل من يفكر في الاقتراب منها ويجعل فرص اقترانها بآخر مستحيلة.
أغمض عيونه وهو يعود لسنوات مراهقتها، حينما كانت حلوة لينة بين أصابعه.
دخلت رايانا المنزل بوجه أحمر وعيون باكية وهي تبحث في الجوار عن وجه والدها تستنجد به، لكن لم تبصر من الجميع سواه هو.
تقدم عز الدين صوبها بسرعة يهتف بصدمة حينما رأى الجرح الذي كان يعلو جبهتها:
"راي مالك؟"
نزلت دموع راي وهي تهرول صوبه تختبأ به ممن كان يطاردها باكية بصوت متقطع:
"عز الدين، فيه عيال برة ضربوني بحجارة في راسي، أنا... معملتش ليهم حاجة والله، هما..."
صمتت وهي تنظر له لعيون باكية تشير للباب بأمل تحتمي به:
"هما لسه برة اطلع ليهم، أنا مش عارفة فين بابا، أطلع أنت ليهم قبل ما يهربوا."
رفع عز الدين حاجبه من كلماتها وهو يقترب منها أكثر بشكل جعلها تتراجع للخلف، لكن أوقفها يتحسس جبينها بحنان:
"عملتي إيه يا راي عشان العيال يعملوا كده؟"
نفت رايانا برأسها وهي تحاول الحديث من بين دموعها أنها لم تخطأ، لكن هو لم يمنحها الفرصة لذلك وهو يجذبها لأحضانه بحنان يربت عليها:
"خلاص متخافيش محدش منهم هيقدر يأذيكِ هنا، بس حاولي متستفزيش حد."
دفعته رايانا بقوة وهي تصرخ بصوت مرتجف مشيرة للخارج وقد خرج صوتها متقطع لشدة البكاء والانفعال الواضح عليها:
"هما... بقولك... أنا... عز الدين هما اللي ضربوني من غير سبب... من غير سبب بقولك لسه برة... أنا معملتش حاجة والله العظيم ما عملت حاجة."
"أكيد مش هيضربوكي من غير سبب يا راي."
سقطت دموع رايانا أكثر وهي تتمسك بكم ثوبه تجذبه صوب الباب تستنجد به لأخذ حقها، تود أن تحتمي بأي كان ولو كان جدارًا متداعيًا كعز الدين:
"والله يا عز ما عملت ليهم حاجة، تعالى قبل ما يمشوا أنا عرفت هما مين تعالى الله يكرمك..."
قاطع شهقاتها وهو يزفر بملل يبعد أناملها عن ثوبه، ومن ثم تحدث بجدية موبخًا:
"رايانا أكبري شوية محدش هيأذيكِ من غير سبب، أي كان اللي عملتيه عشان تستفزيهم بطليه ومحدش هيجي جنبك تاني."
ختم حديثه وهو يقترب منها مجددًا يخرج منديلًا كي يجفف الدماء التي تسيل من جبينها، لكن بمجرد أن لمس جبينها ضربت يده بقوة وهي تصرخ في وجهه منفجرة في بكاء حاد:
"أنا معملتش ليهم حاجة، أنا معملتش حاجة لحد، مش بأذي حد، ومش عايزة منك حاجة لما بابا يجي أنا هقوله."
ختمت حديثها تهرول بسرعة صوب غرفة جدتها وهي تنفجر في بكاء حاد بين أحضانها تنتظر أن يعود والدها لينتقم لها، وليته لم يعد فعودته كانت كغيابه، ورده كان كعز الدين، بل أسوأ.
نهض عز الدين من باحة منزله ينفض ثوبه وينفض ذكرياته القديمة، يعض الأنامل ندمًا، كانت رايانا قديمًا فتاة مطيعة لو كان فقط أظهر لها للحظة واحدة أنه يهتم لها وسينتقم ممن جرحها، لكانت تنام هذه الليلة بين ذراعيه بدل أن يتقلب على فراشه البارد، مع زوجة لا يرغبها يتلمس وجودها بالأخرى.
طال انتظار الجميع بعيدًا عن النافذة ينتظرون الإشارة بالتحرك صوب المنزل، لكن لا شيء وصل لهم فقط صمت، وحركة غريبة من النافذة، حتى أن يحيى بدأ يلاعب أحمد لعبة الصراع باليد لتسلية الوقت.
وفجأة انتفض الجميع بعد مرور دقائق طويلة وهم يبصرون مسلم يخرج من النافذة بسرعة كبيرة يضم بين يديه شيئًا.
اتسعت بسمة عيسى وهو يراقب يد مسلم الذي بدا كما لو أنه يحمل شيئًا، والآن فقط أصبح تأخره منطقيًا لهم:
"ده شكلها عملها ولا إيه؟ مسلم كان رجولة وخلص المصلحة لوحده وجاب ورق الملكية ولا إيه؟"
نظر الجميع باهتمام صوب مسلم الذي اقترب منهم ببسمة ناعسة بسيطة حتى توقف أمامهم وهو ينظر لهم بأعين ملتمعة غريبة يضم بين يديه ما حسبوه صك الملكية، لكنه كان. طبق حلوى؟
مدّ يحيى يده يلتقط كرة من كرات الفَروشكا، يحركها بين يديه قبل أن يقربها من عيونه متحدثًا بترقب:
"إيه ده؟ زلابية؟ هو جدك كان كاتب عقود الملكية على ورق زبدة؟"
ختم حديثه وهو يلقي الحلوى داخل فمه يشعر بها تذوب، يهز رأسه استحسانًا، بينما عيسى اقترب بسرعة يختطف قطعتين يتناولهم بنهم ومسلم يتحدث بجدية:
"مش هنعرف ننفذ الخطة النهارده، فيه ناس صاحية في البيت دلوقتي ومش هنقدر نعمل حاجة."
التقط أحمد قطعة حلوى يتناولها بفضول بعدما أبصر تلذذ عيسى بها، يمضغها باستمتاع لا يفهم ما حدث في الداخل لينتهي الأمر بمسلم يحمل طبق حلوى أمامهم:
"أنت لو كنت بتقتحم قويدر³ مكنتش خرجت لينا بطبق حلويات، بسبوسة دي؟"
مد حاتم يده بفضول وهو يتناول قطعة متلذذًا وقد بدا أن طبق الحلوى كان تعويضًا مناسبًا للجميع بعدما فسدت الليلة.
"شو اسم هالحلو اللي جبته؟ بتقدر تفوت تجيبلنا كمان؟"
مد يده يلتقط واحدة ثانية لولا يد مسلم الذي تصرف عكس طبيعته وهو يضرب يده بغضب يلتقط آخر قطعتين يدفعهما في فمه دفعة واحدة يتذوقهما بتلذذ:
"مش بيت أمي هو هدخل أجيب ليكم تاني، خلينا نمشي من هنا الأول."
"أيوة بس أنا مش فاهم إيه اللي حصل عشان تخرج بطبق حلويات، يعني استخسرت تخرج بإيدك فاضية ولا إيه؟"
كان صوت أحمد الذي لم يفهم حتى هذه اللحظة ما حدث، لكن مسلم جذبه من ثيابه وهو يتحرك به بعيدًا عن المكان يتجاهل التحدث في كيف وصل طبق الحلوى ليده، هو لن يخبره أن فتاة ذات ثوب غريب منحته ذلك الطبق وهي تدفعه منه النافذة بعيدًا عن الأعين.
وعند هذه الفكرة ضحك ضحكة صغيرة يخفيها عن الأعين، ومازال الطبق فارغًا في يده، حسنًا على الأقل لم يخرجوا من المكان خاليين الوفاض.
³ قويدر: اسم محل حلوى شهير.
"جدة صباح الخير."
انتفض جسد الجدة والتي كانت تجلس جوار النافذة منذ الصباح تستقبل أشعة الشمس ببسمة صغيرة، قبل أن تسمع صوت رايانا جوارها.
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تشير لها:
"قربي يا بنيتي، عسى إشراقتك تدوم، بس مين السبب في الإشراقة الصباحية دي؟"
ورايانا والتي لم تكن تشعر حتى أنها مبتسمة، أو سعيدة إلا عندما أخبرتها جدتها، ضيقت عيونها تقترب منها بعدم فهم:
"عادي يا جدة، بس اليوم صباح جميل وكنت بفكر أروح البحيرة أقرأ كتاب هناك."
ابتسمت لها الجدة وهي تربت على كتفها بحب شديد وعيونها تنظر لوجهها كما لو أنها تنظر لأعماق روحها:
"حسيت كأنه شمسك طلعت يا بنيتي."
بهت وجه رايانا من كلمات جدتها، ولم تفهم مقصدها، لكن وقبل أن تستفسر عن معنى كلماتها سمعت صوتًا في الخارج جعل ملامحها تتغضن، التوى ثغرها بضيق وهي تهمس بصوت منخفض:
"طيب يا جدة هبلغ شيما تجهزلك الفطار وأنا هشوف سافا، وعلى الضهرية همر عليكِ عشان أساعدك في الحمام، تمام؟"
ابتسمت لها الجدة تربت على يدها بحنان شديد، قبل أن تحرك رأسها وتشير لها بالذهاب:
"روحي يا رايانا، اعملي اللي بتحبيه يا بنتي وأنا هستناكِ."
اتسعت بسمة رايانا تميل مقبلة وجنتها، ثم خرجت بسرعة من الغرفة تتحرك للمطبخ دون الالتفات مخافة أن تبصره بالخطأ، لكنها لم تكد تهرب صوب المطبخ حتى سمعت صوته وهو يوقفها:
"رايانا..."
توقفت أقدامها تزفر بغضب شديد، ولم تتعب نفسها بالاستدارة، فقط لفت رأسها تنظر له ببرود:
"صباح الخير يا عز الدين، خير حلمان بينا، من الصبح ناطط لينا كده ليه؟"
وتجاهل عز الدين وقاحتها مبتسمًا:
"من ناحية حلمان فأنا فعلاً طول الليل مش بحلم غير بيكِ يا رايانا."
كان صوته منخفضًا وعيونه تدور عليها بحب واضح، لتبتسم هي له بسخرية:
"ابقى نام على وضوء واستعيذ بالله قبل النوم يا عز، لأن صدقني أنا لو فعلًا هيكون ليا الاختيار أظهر ليك في حلم مش هيكون سعيد أبدًا."
ختمت حديثها وكادت تتحرك لولا يد عز الدين الذي جذب مرفقها بسرعة، يتحرك بها أسفل الدرج بسرعة بعيدًا عن الأعين وهو يضغطها للجدار كاتمًا أنفاسها بشكل جعل صدمة قوية تصيبها وهي تراقبه بأعين متسعة:
"أنا جبت أخري منك يا رايانا، كل شوية أقول هتعقل وهتسكت، لكن بتزيدي في أفعالك، اعقلي واعرفي أنه مهما حصل آخرتك هتكون معايا، فنوفر على بعض."
حاولت رايانا مقاومته، لكن أنى لها المقاومة وهو يضغط على جسدها للجدار بقوة حتى شعرت بعظامها تئن أسفل ضغطه، قاومت دموع العجز تحاول الحديث وهو فقط يكبت كلماتها.
ارتجفة مرتعبة وموجة غثيان هاجمتها فجأة، تحاول الصراخ، وصدمة جرأته عليها في وضح النهار وفي منزلها ترعبها من بساطة أذيته لها دون شعور أحدهم.
مال يستند على جبينها بخاصته وهو يتكلم بصوت خافت وعيونه تلتمع بعشق كبير لها:
"وفري كل الوجع ده علينا يا رايانا لأني مش هسيبك لغيري، مش بعد كل السنوات اللي صبرت نفسي فيها وأنا شايفك بتكبري كل يوم قدامي."
ارتجف جسد رايانا من وعوده، وحاولت أن تفلت منه، أن تمسك بالمزهرية التي تقبع على بعد صغير منها، لكن عجزت عن تحريك يدها، ولا تدرك السبب لكن فجأة سمعت صوتًا يتردد في أذنها، صوت قريب للغاية.
ونبرة رخيمة تهمس لها "صدقيني دي حركة غبية مبرر تستخدميها قصاد أي حد، في الوقت اللي لفيتي فيه تدوري على حاجة تضربيني بيها، كان ممكن في الوقت ده تغافليني وتضربيني في رجلي مثلا توقعيني وبعدين تجري تنادي حد."
وفي ثواني وكأن جسدها اتبع تعليماته رفعت قدمها تضرب عز الدين في قدمه بقوة جعلت الأخير يطلق صرخة مرتفعة رنت في المنزل بأكمله، لكنها لم تنتظر لتبصر بعيونها ما فعلت وهي تهرول بسرعة خارج المنزل وقد كادت تسقط عدة مرات تبحث بعيونها عن والدها باكية، لكن فجأة ذكريات قديمة لها وهي تهرول لوالدها باكية طرأت على رأسها لتدرك أن والدها لم يكن ليحرك ساكنًا ضد عز الدين، توقفت في ساحة المنزل بيأس وهي تتنفس بتعب ولم تكد تتمالك نفسها حتى شعرت بيد عز الدين تمسك مرفقها بقوة صارخًا:
"أنتِ اتجننتي يا...."
ومجددًا ضربة في نفس المكان، وهذه المرة ركضت بالكامل من المنزل، ركضت بعيدًا عنه خوفًا أن يكون خلفها، وفي ثواني شعرت أن لا ملجأ لها لتتحرك دون شعور صوب المكان الوحيد الذي كانت متأكدة أن عز الدين لن يتبعها له، ولم تفكر في أية عواقب، كل ما أدركته أنها هناك ستحتمي.
كانت تهرول حتى وصلت أخيرًا لمنزل المريدي وهي تتنفس بصوت مرتفع، وكانت أول ما تبصر عيونها، هو جسد عضلي ضخم معلق بالشجرة يمارس تمارين بسرعة كبيرة يرفع جسده معتمدًا على ذراعيه، لا عجب أن تلك الذراع كادت تحطم يد عز البارحة.
وحسنًا كان الأمر سخيفًا، لكنها نست أنها كانت تبكي حتى وهي تشرد به غير واعية لشيء حولها.
أما عن مسلم فقد استيقظ منذ الصباح وترك الجميع نائمين ينتظر وصول ما طلبه البارحة لأجل إعادة إعمار المنزل، وقرر أن ينتظر وصول الطرد في الخارج ريثما يمارس بعض التمارين الصباحية.
بدأ يتصبب عرقًا في اللحظة التي بدأ يتسرب له من بين شباب ذكرياته صورة ظنها خيال لثواني، لكن وحينما طال وجود الخيال ترك فرع الشجرة العتيقة وهو يتوقف على الأرض أمامها ينظر لها بعدم فهم.
بينما هي مسحت دموعها بسرعة وبشكل جذب انتباهه ليضيق ما بين حاجبيه، وهو يحدق بها ولا يعلم ما عليه فعله في هذه اللحظة، لكن طريقتها وهي تقف هناك تفرك يديها وهي تنظر خلفها كل ثانية أثارت ريبته.
"فيه إيه؟ حد بيجري وراكِ؟"
كان سؤالًا ربما يبدو غبيًا، فمن سيركض خلفها في وضح النهار بين أهلها وعشيرتها، لكن النظرة التي تبعت سؤاله جعلت جسده يشتد كوتر بتحفز كبير يقترب منها خطوات قليلة بشك.
وهي فقط واقفة مكانه لا يدرك سبب قدومها لمكانه، لكن ارتجافة جسدها ورائحة الخوف التي تنبعث من جسدها جعلت شعور غريب يندفع بين أوردته.
وما تلى ذلك أرعبه، حينما انفجرت في بكاء حار مرتعب وهي تقف مرتجفة مكانها.
تقدم منها بسرعة وصدمة ولم يكد يصل لها حتى وجد جسدها يشتد بشكل مرعب حين صدح صوت رجولي في المكان، صوت جعل جسدها يتجمد وعيونها تتسع برعب وهي تهتف بشحوب:
"الـبـارو......"
رواية أرض الدوم الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل
صوت الهواء حال دون سماعه لما قيل.
كلمة خرجت في ثوانٍ قبل أن تتلفت بسرعة حول نفسها، تحاول البحث عن مكان تختفي به عن أعين والدها، والذي لن ينتظر رؤيتها هنا ليكسر لها أقدامها.
مسلم فقط يراقبها بعدم فهم. يلاحظ علامات الخوف التي ملأت وجهها، وهي تكاد تبكي خوفًا، قبل أن ترفع له عيونًا ملتمعة بالدموع:
_ البارو هنا.
وفي ثوانٍ أدرك سبب خوفها. كانت خائفة من الرجل، ولا يدرك إن كان هو نفسه من يركض خلفها أم لا. لكنه فقط أشار دون وعي صوب غرفة صغيرة مجاورة للشجرة، كان يستخدمها جده سابقًا في التخزين:
_ ادخلي هنا.
رفعت عيونها له، وفي ثوانٍ فقط مرت نظرة غريبة جعلت أوصالها ترتجف، لكنها اختفت فجأة وهي تهز رأسها وتتحرك صوب المنزل بسرعة، تدعو الله ألا يكتشف والدها وجودها.
أمسكت مقبض الباب تحاول أن تفتحه، وضربات قلبها تزداد. ويبدو أن توترها وتعرق قبضتها كانا سببًا في عرقلة دخولها. ازداد توترها وهي تحاول دفع الباب بقوة، وعيونها تحدق في مدخل ساحة المنزل. تكاد تبكي خوفًا، ومسلم فقط يتابع ما يحدث بصدمة من تصرفاتها وخوفها الكبير.
تحرك صوبها بهدوء. لترفع عيونها له باتساع، تهمس بصوت منخفض خرج منها ضعيفًا:
_ مش بيفتح.
ولوهلة كاد يبتسم على الكلمة. أشار لها بعيونه أن تبتعد للخلف. وبمجرد أن فعلت، أمسك مقبض الباب حاول جذبه ولم يستطع. يبدو أن الزمن لم يترك فقط أثره على البشر.
تنهد بضيق، يدفع الباب بقدمه ومن ثم فتحه بسهولة. يشير لها لتدخل، وهي ابتسمت تزج جسدها للداخل بكل تهور، دون حتى معرفة أين هي، ولماذا هنا، ولماذا حتى تثق بغريب وتتبعه فيما يقول.
أما عن مسلم، تنهد وهو يجذب الباب. ولم يكد يتحرك ليحضر شيئًا يغلقه، حتى وجد جسد البارو يهيمن على المكان. فغطى بجسده مدخل الغرفة وهو يضع يديه في جيبه بهدوء:
_ صباح الخير. حلمت بيا ولا إيه؟
رفع البارو عيونه لذلك الشاب أمامه. لا يبدو غريرًا يمكن تهديده كجده، ولا أحمقًا يمكن خداعه. وهذا ما سيصعب عمله.
_ أنا جيتلك نتكلم بعيد عن الكل وعن ضغط أهالي القرية. قولي اللي عايزه عشان نخلص كل ده.
مرر مسلم عيونه على الرجل أمامه، يفكر في عقله عن علاقته في الفتاة خلفه لتخافه بهذه الطريقة. وخمن أنها ربما تكون ابنته، لكن من الوارد أن تكون عاملة لديه كذلك.
هز رأسه يبعد تلك الأفكار عن رأسه وهو يجيب دون أن يتحرك خطوة واحدة عن الباب، مخافة أن تظهر الفتاة في الداخل لهذا الرجل.
وحسنًا، شعر لثوانٍ وكأنه مراهق يخفي حبيبته في مدخل البناية عن أعين والدها. ليس وكأنه فعلها من قبل، فهو آخر امرأة لمسها كانت نورهان، أو والدته في عناق بسيط.
_ أعتقد أني بلغتك امبارح أنا عايز إيه منك يا... بارو.
تلفظ بالكلمة الأخيرة وكأنها سبة، وليس لقبًا تسيل لأجله دماء أبناء القرية. والأخير نظر له بغضب:
_ اللي أنت طلبته ده تنساه، لأنه مستحيل نسيب بيوتنا وأرضنا و...
_ أرضنا؟ دي أرضنا إحنا. مش معنى إن بنيت إنت وأهلك حمامين وعشة على أرض جدي تبقى أرضك.
تنفس البارو بغضب ولم يتحدث أو يجب لثوانٍ، وهو يطيل النظر لمسلم الذي كان... ضخمًا بعض الشيء. وهذا لم يكن يخيفه بقدر نظراته. فهو هنا يمتلك من الرجال أشدهم بأسًا، لكن نظرات هذا الشاب تخبرك أنه لا يخفي لك خيرًا.
_ أكيد مش هتيجي بعد السنين دي كلها تخرج عائلات وناس كتير من بيوتهم، أطفال وستات وكبار سن، كل ده هخرجهم من هنا يروحوا فين؟
ابتسمت رايانا من الداخل بسخرية لاذعة، وهي تحاول تمالك ضحكاتها. والدها الآن أقرب لرجل شريف يدافع عن قومه، لكنه في الواقع مجرد رجل يلهث خلف منصبه، والذي تعلم والجميع يعلم أنه سيدهس أسفل الأقدام لو حدث وخرجوا من هنا.
لحظة. هل تتمنى الخروج من هنا؟
بالتفكير في الأمر لحظة، فنعم هي ترغب وبشدة مغادرة هذه القرية التي كانت حدودها بمثابة سياج يخنقها.
_ يارب يخرجكم كلكم نفر نفر زي الكلاب.
طال صمت مسلم قبل أن يهز رأسه ببساطة، يبتسم بسمة صغيرة:
_ عندك حق. هكون واطي أوي لو عملت كده.
ابتسم البارو يتنفس الصعداء، يرى ملامح التفهم على وجه مسلم. لكن الأخير أكمل سريعًا قبل أن تجرف أمواج الأخلاق هذا الرجل بعيدًا عنه:
_ أه، ثواني. أنا فعلًا واطي، فتمام. أنا عادي، معنديش مشكلة مع كل الدراما اللي ذكرتها دي. دي مشكلتك إنت والناس اللي معاك، اتصرفوا زي ما خليت جدي وإخواته يتصرفوا زمان برضو. شوف أي مكان ملوش صاحب وخذُه، وضع يد أو تسوّل في أي مكان.
اتسعت عيون البارو بصدمة كبيرة من كلمات مسلم، الذي ابتسم له بسمة باردة يتابع ردود أفعاله. وشعر فجأة البارو بأن الهواء حوله أصبح فجأة قليلًا، يتحدث بصوت منخفض:
_ أنت... مش... ملكش الحق تعمل كده أساسًا. أنت بتتكلم كأنك بتملك المكان ليه؟
_ أنا فعلًا بملكه يا بارو. الأرض اللي أنت واقف عليها وكل شبر في المكان هنا باسم عيلة المريدي. بس تعرف، أنا ممكن أعملك حاجة كده عشان تعبك إنك تيجي بنفسك وتكلمني وتبعت أسلوب كويس معايا.
رفع البارو عيونه له بلهفة، ليبتسم له مسلم بلطف:
_ أنا موافق تفضلوا في بيوتكم وأرضنا لأجل النساء والأطفال وكبار السن زي ما قولت، بس...
وانتظر البارو تكملة الحديث، والذي أصابه كرصاصة في منتصف الصدر:
_ بالإيجار.
اتسعت عيون رايانا وهي تبتسم بصدمة مما سمعت. تتحرك ببطء صوب الباب بعدما كانت مختبئة جانبًا في ركن الغرفة خوفًا من أعين والدها. اقتربت تنظر من بين فتحات الباب الشبه متحطم، تشفي صدرها برؤية والدها يقف مصدومًا، عاجزًا أمام ذلك الـ... الرجل.
كان رجلًا، شيء غريب تبصره في بلدتها، وبطلًا كبيرًا في هذه اللحظة داخل عيونها. الرجل الذي شفى صدرها وهي ترى والدها لأول مرة يقف بوضع الضعيف المغلوب على أمره، العاجز عن رفع إصبع. يقف مثلما كانت تقف هي أمامه وأمام الجميع. هو بالطبع بطل.
_ أنت... بتقول إيه؟ أنت اتجننت؟
_ ده عرض لفترة محدودة يا تلحقه يا انسى إني قولت حاجة، وبرضو هرجع أرضي.
تنفس البارو بصعوبة شديدة، وقد شعر أن الأمر يتجه لمنحدر لا قبل له لهث.
_ طب اسمع، عشان أنا مش هكون بالكرم ده في المستقبل. عايز بيت جدك، خذه كده كده محدش هنا بيستخدمه. والأرض اللي حواليه تقدر تاخدها. وده كان اللي يملكه جدك قبل ما يسيبه ويمشي.
_ قصدك قبل ما تطفشه إنت منه.
تنفس البارو بضيق شديد من ذلك الشاب:
_ اللي عندي قولته. يا تقبل بيه يا تلم شوية البلطجية اللي جايبهم وتمشي.
_ صدقني، مشكلتك كلها مش هتكون في شوية البلطجية اللي أنا جايبهم لو فضلت تعاند في قضية متخصكش.
اشتعلت عيون البارو، وشعر في هذه اللحظة بالغضب يملأ كافة أوردة جسده، ينظر لعيون مسلم الذي كان يتابعه ببرود شديد، ينتظر منه رحيلًا.
والرجل فقط ابتسم بسمة صغيرة يهز رأسه هزة بالكاد محسوسة، يحرك عيونه في المكان حوله، قبل أن تتوقف على الغرفة التي يخفيها خلفه، لتشعر رايانا في هذه اللحظة بقلبها يتوقف، وهي تبتعد عن الباب بسرعة كبيرة.
والبارو فقد هُيئ له أنه أبصر ظلًا يتحرك داخل المنزل، ولم يكد يتساءل عنه، ليتدخل في هذه اللحظة صوت في الخلف يصدح بجدية:
_ في إشي صاير معك مسلم؟ شو بده هالزلمة؟
رفع مسلم عيونه صوب حاتم، يبتسم له بسمة صغيرة وهو يراه يقترب منه بتحفز وعيونه تدور على البارو وكأنه يستعد للانقضاض عليه:
_ لا مفيش. البارو كان ماشي أساسًا دلوقتي.
تنفس البارو بصوت مرتفع، وقد شعر حاتم في هذه اللحظة أن البارو سيخرج دخانًا من أذنه في أي لحظة، لكنه لم يتحدث.
بينما البارو ابتسم بسمة صغيرة لم تكن تخفي خلفها حسن نية أو سلام حتى:
_ أنا قولت أعمل ب أصلي يا ولاد المريدي واتكلم معاكم بالحسنى، لكن واضح إن جدك موضحش ليكم إحنا مين وممكن نعمل إيه للي هيجي علينا.
_ هتعمل إيه يعني يا أخ إنت؟ بعدين مش معنى إن جدي كان متربي وسكت ومشي بهدوء، إننا نكون زيه.
ونعم، كان هذا يحيى الذي لم يكن يفوت فرصة واحدة إلا وأوضح للجميع أن لا أحد منهم نال ثانية تربية أو ذرة أدب.
وفي ثوانٍ وجد البارو نفسه محاطًا بالخمسة، يقفون أمامه بنظرات مخيفة والعداء يقفز من العيون، وقد خرجوا جميعًا على صوت حاتم.
ابتلع ريقه وقد وجد أن الفرصة الأخيرة التي وضعها لهم قد استنفذوها بغباء.
عدل من وضعية سترته، يشير برأسه:
_ يبقى أنتم اللي جنيتوا على نفسكم يا ولاد المريدي. أخذتم فرصة تخرجوا من المولد بشوية حمص، بس الواضح إن الغباء وراثة في العيلة دي...
وقبل أن يضيف كلمة إضافية، كان طرف ثوبه بين قبضة يحيى الذي جذبه نحوه يتحدث بصوت محذر وعيون مشتعلة:
_ لا خلي ليك شوية الحمص، أنا هاخد علبة المولد كلها. وأقولك حتى شوية الحمص اللي مسلم كان هيسيبهم ليك هديهم لعيسى. وكلمة كمان هطفحك الـ...
_ يحيــــــى.
توقفت كلمات يحيى بسبب كلمات مسلم، الذي نظر ببسمة واسعة خبيثة صوب البارو، والذي أخفى بكل سهولة ارتجافة كادت تصيبه حينما وجد نفسها في مواجهة يحيى مباشرة.
_ سيب الراجل يا يحيى، عيب. عايزة يقول الحاج حليم مرباش أحفاده؟
رفع يحيى نظره لمسلم الذي حذره بنظرة صغيرة، قبل أن يترك يحيى ثوب البارو بهدوء، يعدل منه مجددًا باعتذار ضمني، يربت على كتفه بهدوء:
_ لا مؤاخذة يا حاج. ما أنت برضو اللي مُهزق، ابقى احترم سنك بعد كده عشان احترمك.
اتسعت بسمة مسلم وهو ينظر صوب البارو، الذي احمر وجهه بقوة وكأنه يكبت صرخاته في هذه اللحظة، يتوعد داخله برد ما حدث له ويلات.
_ بارك الله تربيتك يا يحيى. نورتنا يا بارو، أتمنى المرة الجاية لما تيجي تزورنا تبلغنا قبلها عشان نعمل الواجب معاك.
مرر البارو عيونه بين الجميع، بداية من أحمد الذي كان ما يزال نصف نائم في هذه اللحظة يحاول إدراك ما يحدث حوله، وعيسى الذي كان متحفزًا جوار يحيى، ويحيى نفسه الذي بدا كمن ينتظر إشارة الهجوم، بينما حاتم جاور مسلم الذي قاد الهجوم تقريبًا.
ابتسم لهم البارو بسمة واسعة يهز رأسه، ودون كلمة واحدة تحرك، وقد اختمر اقتراح عز الدين في رأسه. كان يرفضه رغبة في حل الأمر بشكل ودي، لكن يبدو أن أبناء المريدي لم يحملوا على كفتهم نفس الرغبة، واختاروا الحرب وسيلة.
وبمجرد رحيل البارو بالكامل، أطلق يحيى سبة نابية مرتفعة، جعلت مسلم يرميه بنظرة مشتعلة يصرخ في وجهه:
_ يحيـــى! ما تتربى شوية، إحنا مش لوحدنا هنا.
لم يفهم أحد ما قال مسلم في هذه اللحظة، لكن مسلم لم يهتم وهو يبتعد عن باب الغرفة الصغيرة يفتح على مصراعيه، ينظر داخله باحثًا عنها بعيونه ليجدها تقف بعيدًا عن الباب بأعين متسعة مما سمعت منذ ثوانٍ. لأول مرة في حياتها تبصر وتسمع أحدهم يتحدث لوالدها بهذه الطريقة دون أن يخشاه. لأول مرة تشعر أن والدها كان... بشريًا مثلها، شخصًا هناك من يعلوه قوة.
_ اخرجي خلاص، مشي.
رفعت عيونها له تنظر له نظرة تعجبها هو. كانت نظرة انبهار، و... راحة.
وفي الخارج نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم مما يحدث، يميلون برؤوسهم يحاولون النظر من خلف جسد مسلم، لكن الأخير استدار لهم بأعين حادة:
_ فيه إيه؟
اعتدل الجميع بسرعة، يبصرون مسلم وهو يبتعد عن الباب بهدوء. وفي ثوانٍ كانت تطل هي منه بهدوء وهي تخفض رأسها أرضًا.
وفي ثوانٍ تطايرت الظنون وملأ الشك الأجواء، وحلقت النظرات المرتابة نحو مسلم ورايانا التي كانت تقف خلفه وكأنها تحتمي به منهم.
وأحمد نطق كلمته الأولى منذ استيقظ:
_ إيه اللي بيحصل هنا؟
***
خرجت بسرعة وهي تنظر لساعة يدها تحاول إدراك الوقت. وقد قضت معظم اليوم في العمل داخل المقهى حتى أصبح الوقت مجهولًا لها. توقفت فجأة في طريقها حينما سمعت صوتًا يناديها في الخلف.
استدارت ببطء تبصره يقترب منها بهدوء وبسمة صغيرة، وذراعه تقبع في رباط أبيض بعد حادثة الأمس على يد الغريب.
_ خلصتي شغل ولا إيه؟
_ جيت متأخر يا عز الدين.
ابتسم عز الدين بسمة واسعة وهو يقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى شعرة واحدة تقريبًا:
_ لا، ما هو أنا مش عايزك عشان الشغل. أنا بس كنت محتاج منك خدمة.
رفعت حاجبها بعدم فهم ليبتسم لها بسمة ملتوية بعض الشيء:
_ النهاردة عيد ميلاد مراتي وكنت حابب أشتري ليها هدية، وإنتِ عارفة إني مليش أوي في الحاجات دي، فممكن تساعديني أعمل ليها مفاجأة؟
وحسنًا، هي يومًا لم تدرك سبب دوران عز الدين حولها طوال الوقت. والجميع في القرية يدرك بحبه البائس لرايانا. ورغم زواجه من اثنتين إلا أن ذلك لم يمنعه أن يحب ثالثة ويدور حول رابعة. كان الرجل مقززًا.
تنهدت بصوت مرتفع:
_ إيه رأيك تتربى يا عز الدين وتفضل جنب مراتك؟ معتقدش هيكون فيه مفاجأة ليها أكبر من كده. قولتلك مليون مرة اللي في دماغك ناحيتي ده تمحيه.
ولم تكد تتحرك خطوة حتى أمسك يدها بقوة وهو يجذبها له محذرًا:
_ إنتِ بتتخطي حدودك يا سافا، متنسيش نفسك، إنتِ مجرد راقصة غجر.
_ ابقى قول الكلام ده لنفسك كل ما تستهويك تيجي تكلمني.
جذبت ذراعها من بين يديه وهي تتحرك بسرعة بعيدًا عنه، تشعر بالنيران تشتعل في صدرها. وقد فكرت أن تستدير وتعود لصفعه، لكنها فقط واصلت الطريق صوب المنزل. وبمجرد أن دخلته، أغلقته بقوة تتنفس واخيرًا الصعداء.
تحركت صوب الأريكة الخاصة بها تشغل التلفاز، تحدث صوتًا صاخبًا في المكان تقتل به أصوات رأسها. ومن ثم تحركت بسرعة في المكان تخرج من الثلاجة قالب حلوى ضخم، تجلس في أرضية المطبخ تضمه لها قبل أن تبدأ في تناوله بشكل غريب، وكأنها تخرج كل ذرة توتر به. ويدها تتحرك على هاتفها تضغط على اسم تنتظر الرد من الجهة الأخرى.
لكن بعد دقائق طويلة ومحاولات عديدة، فشلت في الوصول للطرف الآخر. ابتلعت ما بفمها بصعوبة وهي تترك ما بيدها أرضًا، متحركة بسرعة صوب المرحاض تغسل وجهها بعنف كبير، تزيل كل الألوان التي كانت تضعها عليه، تزيل القشرة التي أخفت بها ملامحها، القشرة التي تمحي خلفها كل معالم لسافا التي لا يعلمها سوى شخص واحد.
رفعت عيونها صوب المرآة تحدق في السواد الذي يحيط عيونها، ووجهها الشاحب، وشفتيها المرتجفة تهمس بصوت مرتجف:
_ الله يلعنكم كلكم.
***
_ شكرًا.
كانت كلمة صغيرة همست بها وهي تنظر صوب مسلم تحاول تجنب النظر صوب الباقيين، تخشى أن ترى نظرة تقتلها، يكفيها نظرات قومها لتزيدها بنظرات الغرباء لها.
غبية، وقد تسرعت باللجوء له وها هي تنال جزائها.
ومسلم لم يهتم لما تقول وهو يميل قليلًا يحاول معرفة ما حدث لها حين جاءته هذا الصباح مرتجفة:
_ كنتِ خايفة ليه؟
تعجبت رايانا وهي ترفع عيونها له بعدم فهم. هل ما يزال يتذكر الحالة التي أتت بها بعد هذه المواجهة مع والدها؟ وما لم تعلمه أنه لم ينسى حتى أثناء حواره مع البارو ارتجافة جسدها وتحرك حدقتيها بتوتر.
_ مفيش حاجة. كان... فيه... كلب بيجري ورايا و... فكان أول مكان ظهر في وشي هنا.
مال حاتم يهمس بصوت منخفض لأحمد وقد علا الشكل وجهه:
_ ما بتبين إنها من النوع اللي بخاف من الكلاب.
ابتسم أحمد وهو يراقب مسلم الذي كان يبدو في هذه اللحظة أكثر من مجرد مهتم بالفتاة.
أما عن مسلم فابتسم بسخرية:
_ كلب؟
هزت رأسها وهي تحاول الخروج من هنا، وقد بدأ الجو يصبح خانقًا لها. لو أبصرها أحدهم، سيرافق لقب مشعوذة لقب آخر لا تحب أن تسمعه.
رفعت عيونها صوب مسلم ولم تكد تتحدث بكلمة حتى مال مسلم فجأة صوبها، لتتسع عيونها وهي تتراجع خطوة للخلف. أما أنه فابتسم بسمة صغيرة ينظر صوب يدها بنظرات ظهرت لها باردة بشكل غريب:
_ والكلب هو اللي ساب الأثر اللي على إيدك ده؟
لم تفهم لثوانٍ ما يقصد. هي فقط حركت عيونها ببطء صوب يدها تتأملها بعدم فهم، حتى أدركت ما يتحدث عنه، أثر قبضة عز الدين على يدها.
أخفت يدها بتوتر ترفع عيونها له وقد أدركت أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. فتحت فمها لتصرخ في وجهها، لولا أن قاطعها وهو يستقيم بجسده مجددًا يتراجع للخلف:
_ أنتِ تقربي إيه للبارو؟
رمشت لا تفهم تغييره للموضوع بهذه السرعة. تحرك عيونه على من حولهم، والجميع صامت لا يفهمون ما يحدث.
هل تخبره أنها ابنته؟ هل هي كذلك حقًا؟
صمتت ولم تتحدث بكلمة، ليعلم أنها لن تنطق بكلمة:
_ اسمك إيه؟
للمرة التي لا يعرف عددها يطرح نفسه السؤال. ليس فضولًا في معرفة اسمها، أو رغبة في التقرب لها عن طريق الأمر، لكنه كان يعتمد مبدأ في حياته، الاسم مفتاح الشخص. هو إن علم اسمها سيعلم كل ما يدور حولها.
أما عنها، رفعت عيونها له تبتسم له بسمة صغيرة:
_ أتمنى تكون الفَروشكا عجبتك. اعتبرها عربون شكر على جدعنتك معايا.
ختمت حديثها وهي تنظر له نظرة أخيرة. ومن ثم حركت عيونها على الجميع، تتحرك من أمامهم بسرعة وخطوات شبه مهرولة، وقد أزاحت قناع القوة الذي كانت ترتديه أمامه، تبتلع ريقها بتوتر وتتنفس الصعداء.
بينما هو راقبها بعدم فهم يهتف بصوت منخفض:
_ فروشكا؟
تحدث عيسى بعدم فهم وهو يفرك عيونه يطرد بقايا النعاس الذي يحاول التمسك بزمام الأمور مجددًا:
_ فريسكا إيه؟
_ شكل الزلابية بتاعة امبارح طلعت مش زلابية.
وكانت تلك جملة أحمد وهو يخمن ما دار الحديث حوله، ليبتسم مسلم الذي تحرك وهو يشير لحاتم:
_ حاتم تعالى معايا هنتحرك لأول البلد عشان نستلم الحاجات اللي طلبتها. شركة الشحن مش هتقدر تدخل المكان هنا. وأنتم التلاتة حاولوا تنضفوا شوية في البيت لغاية ما نرجع.
رفع يحيى حاجبه باعتراض:
_ ننضف إيه؟ ده جدك شخصيًا لو شاف حالة البيت مش هيستنضف يندفن فيه. أنا شايف نبني بيت من الأول أحسن.
مر مسلم جواره يضرب رأسه بضيق وهو يهتف بجدية:
_ اخلص بطل كلام واتنيل روّق البيت عشان نفوق للي جاي.
نظر صوب أحمد يهتف بجدية:
_ أحمد عينك عليهم هما الاتنين. مهتمك أرجع ألاقي البيت سليم وهما عايشين.
_ صعب بس هحاول.
ربت مسلم على كتفه بجدية وبسمة مؤازرة:
_ واثق فيك يا أحمد. قدها بإذن الله. يلا يا حاتم.
وحاتم فقط زفر بضيق وهو يتحرك معه يتمتم بكلمات مغتاظة مما يحدث حوله، تاركًا الجميع خلفه يحدقون في رحيلهم حتى اختفوا. ومن ثم استدار لهم أحمد يبتسم بهدوء:
_ نبدأ بسم الله.
***
توقفت أمام منزلها تتنهد بتعب شديد وهي تضع الهاتف بين رأسها وكتفها تخرج المفتاح من حقيبتها.
دست المفتاح في الباب وهي تتحدث بصوت خافت في الهاتف:
_ اقعد أعمل إيه يعني يا ماما؟ كلهم مشيوا خلاص، هفضل لوحدي أعمل إيه، خليني في بيتي أحسن.
ختمت حديثها تدفع الباب بهدوء وهي تضع الحقائب التي تحملها جانبًا تلقي المفتاح على الطاولة، وهي تغلق الباب بهدوء تميل بنصف جسدها لخلع الحذاء:
_ هروّق الشقة وأشوف دنيتي ولو حبيتي هاجي بليل وا...
توقفت عن الحديث في اللحظة التي تناهى لسمعها صوت أنثوي يقترب من المكان، صوت يهتف بلغة غير مفهومة لها.
رمشت بعدم فهم وهي ترفع عيونها لتبصر امرأة تخرج من غرفة نومها ترتدي ثوب المرحاض الخاص بها، وهي تهتف كلمات بلغة غير مفهومة لها، لكنها تألفها، تعلمها جيدًا ولا تفهمها.
اللغة الروسية التي يعمل زوجها مترجمًا لها.
فجأة وكأن عقلها شكل لها حاجزًا أمام أذنها، فلم تعد تسمع سوى أصوات مكتومة فقط تخرج من الفتاة التي تقف أمامها تردد كلمات كثيرة لا تفهمها، كلمات لا تدرك منها سوى اسمه... اسم زوجها فقط هي ما استطاعت تمييزه.
انتفض جسدها وهي تدير رأسها في المكان والذي شعرت به لوهلة غريبًا مرعبًا لا تنتمي له، تدعو ربها أن تكون أخطأت المنزل، تبصر مكانًا باهتًا.
يومًا لم تنتمي له، لكنها فقط كانت تكابر، كانت تعاند نفسها والجميع، تعاند كي لا يلومها أحد على اختيارها الذي عارضتهم جميعًا لأجله.
أبت أن تظهر لهم فشلها فخسرت نفسها.
شعرت بالمكان يدور بها وكادت تغرق في موجة سوداء لولا أن انتشلها أخيرًا صوته الذي صدر من باب المنزل.
استدارت بسرعة وبأعين ضبابية وشفاه مرتجفة، لتبصر زوجها بأعين متسعة وهو يحمل بعض الحقائب التي تحمل اسم أحد المطاعم وحقيبة أخرى بها... خمر؟
ارتفعت عصارة مرة في معدتها صوب فمها وشعرت أنها ستتقيأ في هذه اللحظة، وعادل فقط أسقط ما كان يحمل وهو يهتف باسمها بصوت مرتجف:
_ نورهان؟ أنتِ جيتي امتى؟ مش كنتِ بايتة الأسبوع ده عشان أخوكِ راجع من السفر؟
هل يلومها لعودتها؟
سقطت دموع نورهان وهي تشعر ببرودة تزحف لأوصالها وقد فقدت إحساسها، لا تشعر بشيء ولا تفهم شيئًا، ربما كان كل ذلك حلمًا وستستيقظ منه.
أما عن عادل فكان يقف متجمدًا مكانه لا يأتي بأي حركة، يراقبها بعجز وعيونه على الفتاة التي تقف أمام غرفته. تحرك بسرعة صوب زوجته وهو يتحدث بجدية:
_ نورهان دي... دي... أولغا، تبقى... المفروض كان فيه لقاء ليها بس واحنا في الطريق لبسها باظ وأنا اقترحت يعني أجيبها و...
توقف عن الحديث وهو يبصر نورهان تبعد يده وقد بدأت دموعها تنهمر، وهي تدفعه بقوة واشمئزاز:
_ لا متلمسنيش، أبعد عني... أبعد عنـــــــــي.
ابتعد عادل عنها بسرعة وهو يرفع يده مرتعبًا من صراخها:
_ طب أهدى الله يكرمك ووطي صوتك، هتعملي حوار على الفاضي.
رفعت نورهان عيونها له بشراسة وهي تصرخ بصوت مرتفع وجنون:
_ على الفاضي؟ على الفاضي؟ جايب نسوان البيت وتقولي على الفاضــــــي؟
كانت تصرخ وقد كادت تصاب بالجنون، وهو فقط يقف أمامها عاجزًا عن تهدئتها، تشير صوب الروسية التي رغم عدم فهمها لما يحدث إلا أنها خمنت بسرعة كبيرة ما جرى في المكان لتتحرك صوب ملابسها بسرعة كبيرة.
أما عن عادل فقد بدأ غضبه يعلو وهو يصرخ بها في المقابل:
_ أه، على الفاضي. إيه قفشتينا في أوضة النوم؟ ما تسكتي خليني أفهمك اللي...
وقبل إكمال حديثه انتفض بسبب الصفعة التي هبطت على وجهه من نورهان وهي تلقي أمامه كلمات جعلت الدماء تغلي داخل عروقه، باكية بانهيار وقد خرجت كلماتها بصعوبة من بين شهقاتها.
_ بقى أنا يا ابن الـ*** أقف قدام أهلي كلهم عشانك وأسيب شغلي عشانك وأقف قدام الدنيا كلها عشانك، وتيجي في الآخر تخوني؟
كان عادل جامدًا مكانه من الصدمة، ولم يشعر أحدهم بخروج الفتاة بسرعة كبيرة.
أما عنها، ظلت واقفة أمامه ترفع إصبعها أمام وجهه وهي تهتف بصوت مختنق غاضب تحاول التغلب على غصتها:
_ أقسم بربي لكون مطفاحك المر اللي شربته ليا يا عادل يا ابن أنعام. أمك ماشية تتباهى بيك قدام الكل ولا كأنك ملك. أنا هوريكم إنتوا الاتنين.
ولم تكد تتحرك بعيدًا عنه حتى وجدته يجذبها من حجابها بقوة وهو يرد لها الصفعة باثنتين ويصرخ في وجهها بكلمات نابية، وهي تحاول الإفلات منه صارخة بصوت مرتفع اجتمع عليه أهل البناية كلهم، ومن ضمنهم والدته والتي كانت تسكن في الشقة المجاورة وظنت في البداية أن هذا شجار عادي كما اعتادت منهم.
لكن حينما وصلت للشقة توقفت متجمدة مما أبصرته، لتتحرك صوب ولدها تصرخ برعب:
_ أنت بتعمل إيه عادل، سيبها هتموت في إيدك يا بني.
وبصعوبة استطاعت هي وبعض الرجال إخراج نورهان من يده، وقد بدأ بعض الرجال يكيلون له اللكمات وارتفعت حدة الأجواء، وسحبت النساء نورهان من المكان.
ونورهان فقط أخذت حقيبتها تدفع الجميع بعيدًا عنها وهي تركض خارج المكان بأكمله، تبكي في الطرقات تحاول أن تعيد حجابها مثلما كان ويدها ترتجف، تفكر في المكان الذي ستذهب له، ترتجف من فكرة مواجهة أهلها بهذا المظهر، تقسم أن والدها قد يقتل عادل ويضيع المتبقي من حياته، ووالدتها ستنهار.
ارتجفت وهي تسير في الطرقات باكية بمظهر رث غريب جذب انتباه الجميع.
تشعر بالعجز والحيرة، وقد شعرت جميع الطرق مغلقة فجأة أمام عيونها، والغضب ينبض بعروقها، وكم وجدت لو عادت وأخرجت قلبه بين يديها.
تنفست بصعوبة وهي تخرج بسرعة هاتفها تحرك أصابعها عليه بيد مرتجفة وهي تتصل بأول من خطر على رأسها:
_ الو يا جدو... تعرف تبعت ليا عنوان بيتك القديم؟
***
كان يسير بهدوء في المكان وهو ينظر لهاتفه الذي كان يقود الطريق صوب بداية الطريق حيث ينتظره عامل التوصيل.
لكن كلما مر بأحدهم توقف لينظر لهم بأعين فضولية، والبعض بكره. ومسلم فقط ينظر للهاتف دون اهتمام، بينما حاتم يحاول فهم ما يدور العقول حوله.
_ شكله أهل هالقرية مش راحبين فينا يا مسلم.
رفع مسلم عيونه يحركها على الجميع حوله قبل أن يبتسم لهم بسمة واسعة وهو يعيد عيونه مجددًا للهاتف:
_ كون متأكد من كده.
هز حاتم رأسه وهو ينظر حوله بفضول شديد للمكان والجميع قبل أن تضيق عيونه وهو يحدق في جهة معينة يردد بشرود:
_ مش هيّ نفس البنت اللي كانت معك قبل شوي؟
رفع مسلم عيونه بعدم فهم لحاتم قبل أن يشير له الأخير بعيونه صوب جهة، حرك عيونه بهدوء حتى استقرت عليها، نفسها الفتاة، الفتاة التي تخرج له بكل مكان تقريبًا، تتحرك بخطوات سريعة بعيدًا عن تجمع بعض النساء بعد ما يبدو أنه كان مشاداة مع امرأة أخرى.
هز رأسه وهو يكمل طريقه بهدوء لولا أن انتبه لزيادة سرعة خطواتها وكأنها تهرب من شيء. لم يفهم ما يحدث، ولم يهتم كثيرًا، فهو منذ أبصرها وهي تهرب من شيء.
لكن وقبل إكمال طريقه سمع أحاديث مترامية جوار أذنه بكلمات غريبة لم يلتقط منها سوى القليل ليردد بعدم فهم:
_ الله لا يسامحك على كل خراب كنتِ سبب فيه.
توقفت أقدام رايانا فجأة وهي تستدير صوب المرأة ترميها بنظرة غاضبة مصدومة من دعوتها:
_ على حد علمي أنك أنتِ اللي خربتي بيتك بنفسك. إيه دخلني في خيانة جوزك ليكِ؟
اشتعل غضب المرأة وقد بدأ البعض يجتمع على الأصوات المرتفعة، والجميع يتهامس حولهما حتى شعرت المرأة بحقيقة أسرارها تتعرى على مرأى ومسمع الجميع، لذا تحدثت بأول ما خطر في رأسها بقهر:
_ مش بعيد تكوني أنتِ اللي ساحرة لينا عشان يسيبني.
_ وأنا يوم ما أسحر لراجل هيكون جوزك؟
ختمت رايانا حديثها وقد اكتفت مما يحدث ولم ترد أن تطيل الحديث. يكفيها هذا القدر اليوم، تركض قبل أن تلاحقها همسات أكثر، وقد شعرت فجأة باختناق، تشعر بغصة تقف في حلقها، مهما ظنت أنها لا تهتم إلا أنها كانت تفعل.
ولم تكد تتحرك حتى سمعت صرخة المرأة:
_ كلنا هنا عارفين إنك شيطان ومش بتطيقي حد يكون سعيد. والله أعلم كنتِ سبب في خراب كام بيت في القرية.
لكن كانت رايانا قد تحركت بالفعل ولم تهتم بالتوقف للرد. وقد علمتها سنوات العيش بين أهالي قريتها، أن البعض يكفيه التجاهل ردًا.
البعض لا يلقيك بالكلمات السامة لأنه يكرهك، بل يفعل ذلك رغبة في رؤية أحدهم يحيا حياة أسوأ من خاصته.
أما عن مسلم فلم يشعر أنه توقف يتابع ما يحدث إلا حينما ردد حاتم بعدم فهم:
_ شيطان؟
كانت الكلمة وقعها قوي على مسلم، سبق وسمع البعض يدعوه بنفس الكلمة مرات قليلة ربما، لكن أن يطلق أحدهم الكلمة على فتاة مثل تلك الفتاة كان مريبًا.
نظر صوب حاتم والذي استمع لنفس الأحاديث المترامية ليهز الأخير كتفه بعدم فهم.
ومسلم فقط توقف ينظر لرايانا التي كانت تسرع الخطى بعيدًا عن الجميع وكأن جني يطاردها.
وكاد يرحل يحاول إبعاد الفتاة الغريبة عن رأسه، لولا أن تجمد في أرضه وهو يرى طفل صغير يميل أرضًا ويحمل صخرة يتلاعب بها قليلًا وكأنه يختبر حدتها، ثم وجه نظره صوب جهة معينة يتحضر لقذفها، والعجب أن الهدف لم يكن سوى.... فورشكا.
كانت رايانا تتحرك بعيدًا عن كلمات النساء التي سئمت من كثرة ما سمعتها، تتجنب التوقف والشجار كالعادة.
لكن في منتصف طريقها وقعت عيونها عليه مجددًا.
نظرت له بشرود وقد شعرت لثوانٍ أنها تتخيله، شردت به دون شعور ولم تستفق سوى على صرخته وهو يركض صوبها بسرعة كبيرة وكلمة واحدة هي ما خرجت منه قبل أن تشعر بيده تقبض على ذراعها واضعًا إياها خلف ظهره.
_ إيــــــــاك.
انتفض جسدها كما انتفض الطفل الذي كان يحمل الصخرة، وهو ينظر له برعب، كان مسلم مقارنة بحجم طفل، ضخم مرعب.
ألقى الصغير الصخرة أرضًا باكيًا بصوت مرتفع مهرولًا صوب والدته التي ضمته بخوف شديد:
_ فيه إيه؟ أنت بتزعق كده ليه للولد؟
فتح مسلم عيونه بصدمة وهو يصرخ في المرأة دون وعي:
_ أنتِ كمان بتسألي؟ ده كان ماسك طوبة (صخرة) قد راسه وعايز يرميها بيها.
وجاءه أغرب رد قد يسمع يومًا:
_ وأنت خايف أوي كده ليه عليها؟ هي جات على ابني يعني؟ بعدين ده عيل صغير.
شعر مسلم بالجنون من رد المرأة ولم يسمع شيء بعد ردها وهو يبصرها تسحب الطفل ترمق الفتاة خلفه بحذر، تبتعد بابنها بسرعة من أمامه وقد تركت جملتها صدى غريب في الأجواء.
لكن ما كادت تتم خطوتها بالثانية حتى وجد حجارة تتطاير من خلفه لظهر المرأة. ابتعد بسرعة عن مرمى الهدف لتلك الفتاة وهو يراها تحدق في ظهر المرأة بشر تصرخ بنبرة حادة:
_ لا، مجاتش عليه، ولا جات عليا كمان.
ولم تكد تميل لتحمل الحجارة الثانية حتى ألقى هو نفسه أمامها يرفع ذراعيه في الهواء بحركة لا يدرك سببها، لكنه فعلها ربما شفقة بالمرأة التي شحب وجهها وهي تحمل طفلها وتركض تقرأ المعوذتين وكأنها تواجه ساحرًا.
أما عن رايانا فقط ألقت الحجارة أرضًا ونفضت يدها بهدوء، قبل أن ترفع عيونها له تنظر له نظرة بريئة لم تكن تليق بها في هذه اللحظات أبدًا.
_ هو إيه اللي بيحصل هنا؟ هو أنتم بتمشوا تضربوا بعض بالطوب هنا عادي!
ورايانا فقط كانت تنظر له بلا كلمة وهو فقط يقف أمامها يهمس بجنون وقد كاد يفقد عقله:
_ أنتِ مش بتردي ليه؟
وكل ما خرج منها في هذه اللحظة كان كلمة صغيرة وبسمة صادقة لأول مرة تخرج منها مرتجفة، تهمس بصوت خافت وعيون ملتمعة:
_ شكرًا ليك.
ومن بعد هذه الكلمات اختفت من أمامه بسرعة وهي تحث الخطى بعيدًا عنه وكأنه هو من كان يحمل الصخرة ليلقي بها، وهو فقط ما يزال واقفًا يراقب هروبها منه بتعجب شديد وعقل يعمل محللًا ما يحدث حوله.
هذه الفتاة وهذه القرية وكل ما يدور حوله يصيبونه بالحيرة.
فجأة وأثناء رحيلها استدارت رايانا تنظر له نظرة متوارية لتكتشف أنه يحدق بظهرها، فابتعدت عيونها بسرعة تهرول صوب منزل سافا تبتعد به عن أعين الجميع.
ومسلم فقط يراقبها بصمت وتفكير.
_ رح تضل تطلع بالبنت لباقي اليوم؟ يلا نتحرّك يا مسلم.
استدار له مسلم ينظر له ثوانٍ قبل أن يتحرك معه بهدوء دون كلمة واحدة أو تعليق، فقط رفع هاتفه يدفن وجهه به ليبتعد عن أسئلة حاتم التي تدور في عيونه، وإن كان هرب من أسئلة حاتم فلم يكن ليهرب من تعليقاته.
_ ضل يحكيلنا ما نتعامل مع نسوان هالقرية، وأول ما داس برجله فيها صار مسحور بالبنت!
استدار له مسلم بغضب:
_ حاتم.
_ ايش؟ كذبت أنا؟
_ اخلص وعدي يوم.
_ إيه بنمرره لعيونك.
ابتسم مسلم له بسمة صغيرة وهو يجذبه بمزاح خشن يشكر ربه أن منحه رفيقًا لرحلته، وأن الرفيق كان حاتم، فيا حظ من نال حاتم رفيقًا...
***
_ أنت يا بني مش هتتمزج النهاردة غير لما أكسر عضمك؟ مش قولتلك متجيش على سكتي يابا؟!
نفخ أحمد بغضب شديد وهو يستدير للخلف صوب البهو حيث ترك يحيى للتنظيف وقد وكّل عيسى تنظيف الطابق العلوي، فقط كي يفصلهما عن بعضهما، لكن يبدو أن شياطين الأخوين لن تهدأ ولو كان بينهما بعد المشرق والمغرب.
ألقى ما بيده وهو يتحرك صوب الخارج يزفر بحنق:
_ خير يا أستاذ يحيى، إيه اللي حصل المرة دي؟
أشار يحيى صوب الغبار الذي هبط له من الأعلى بالخطأ ولوث جزء كان قد نظفه:
_ مش كل ما أخلص حتة يبوظها، والله أطلع أرميه من فوق.
تحدث عيسى من الأعلى بصوت مرتفع وهو يستند على السور بضيق:
_ ما قولت معلش إيه؟ هنفضل نعيد كل شوية؟
ألقى يحيى المكنسة التي كانت بيده وهو يركض صوب الطابق العلوي لولا يد أحمد الذي منعه بسرعة:
_ ولو طلعت لك دلوقتي هطفحك معلش دي. هعمل بيها إيه معلش دي يا خويا؟ هنضف بيها البيت؟ إنزل نضف اللي بوظته لأحسن أقسم بالله لأطلـ...
كتم أحمد فمه بقوة وهو يصرخ:
_ ولا ما تتربى شوية أنت، محدش قادر ليك؟ ماشي، تشوط في اللي قدامك، لسانك ده عايز يتقص، مش عارف تكمل جملة من غير شتيمة، لا عامل حساب الكبير ولا عامل حساب حد.
نظر له يحيى بعدما هدأ قليلًا يفكر في حديث أحمد يتحدث بجدية:
_ مين الكبير؟
رفع أحمد حاجبه بضيق شديد، قبل أن يخرج من جيبه بعض الجنيهات يدسها داخل جيب يحيى، والأخير نظر للأموال بكبرياء:
_ أنا سكوتي أغلى من الفلوس اللي حطتها في جيبي دي على فكرة، مش أقل من ٥٠٠ جنيه.
_ دي مش عشان سكوتك يا حبيبي، ده عشان تروح تشتري لينا أي مسحوق غسيل ننضف بيه الأرضية.
رفع يحيى حاجبه بسخرية أكبر:
_ والله؟ أنت ليه محسسني إننا بننضف شاليه الإسكندرية وهخرج أشتري لينا اللي عايزة من المحل على الناصية؟ أنت واعي إحنا فين؟ أنا لو خرجت للناس اللي برة دي أقولهم عايز مسحوق غسيل ممكن مرجعش ليكم تاني.
ابتسم له احمد بسمة واسعة:
_ بالظبط.
اشتد غضب يحيى وهو يدفع أحمد للخلف بحدة، وقد نظر للأعلى صوب عيسى يشير على رقبته بحركة الذبح، بينما عيسى تراجع بريبة من ملامح يحيى المجنونة.
ويحيى تحرك خارج المنزل وهو يتمتم بكلمات غاضبة حانقة يتوعد أن يشمل الجميع في انتقامه، الجامعة، مسؤولي الجامعة، أحمد، عيسى، جده، والكابتن مدحت شلبي الذي لم يستقبل مداخلة هاتفية له سابقًا كي يُسب جميع لاعبي فريقه بعد الخسارة، كله سيُحاسب.
زفر يتحرك بين طرقات المكان يبحث عن أي محل قد يساعده في شراء منظفات أرضيات، يخرج الأموال التي دسها أحمد في جيبه يبتسم بسخرية، ومن ثم أكمل سيره.
وبالطبع لم يكن بحاجة للتحدث عن كم النظرات التي وجهها له الجميع من حوله في هذه اللحظة، وكأنه شيطان يتحرك بينهم.
لكن لو كان يحيى تحديدًا يهتم بالنظرات التي يواجهها البعض له، لكان الآن فتى صالح مستقيم، لكنه لا يفعل باختصار.
توقف أمام محل كبير جعله يتعجب وجوده في مثل هذه القرية وهو فقط كان يفكر أنهم يعيشون في القرن السابق. دخل محل ضخم أشبه بمول تجاري مصغر.
أخذ يسير في كل مكان يبحث عما يريد يلتقط بعض أكياس المقرمشات يتناولها بهدوء وهو يدور بعيونه على الأرفف المتناثرة في كل مكان، حتى وصل أخيرًا لمبتغاه، نفض كفه من بقايا المقرمشات وهو يجذب أول عبوة وقعت عيونه عليها.
وبالفعل سحبها، لكن ما لم ينتبه له أنه في اللحظة التي سحب بها العبوة سقطت أخرى كانت تجاورها على الجانب الآخر، وهو لم يكن ليهتم بكل ذلك لولا سماعه صرخة مرتفعة وصلت له من الطرف الآخر.
نظر يحيى حوله بريبة وهو يضم عبوة المسحوق تحت ذراعه بينما ما يزال كيس المقرمشات يقبع بين يديه يتناول منه القليل، حتى وصل للطرف الآخر، يبصر امرأة تقف وهي تمسك رأسها بوجع وجوارها تقبع عبوة مسحوق أخرى ساقطة... هو أسقطها.
ابتسم بسمة صغيرة وهو يراها ترفع عيونها له.
_ لا مؤاخذة يا مودمزيل.
وهكذا فقط انتهى من اعتذاره وهو يستدير بكل هدوء ليرحل ويدفع ثمن ما اشترى، لولا شعوره فجأة بشيء صلب يصطدم بظهره، توقف فجأة وقد اشتعل غضبه في ثوانٍ، يستدير ببرود صوب الفتاة التي نهضت تنفض ثوبها تحمل ما اشترت وهي تمر من جواره بسخرية:
_ لامؤاخذة يا قليل الذوق.
كانت كلمات قليلة فقط قبل أن تختفي من أمامه تاركة إياه يتابعها بغضب شديد، ويقسم بالله لولا أنها فتاة لكان حطم رأسها.
تحرك صوب الاستقبال ليدفع المبلغ المستحق وهو ما يزال يتناول المقرمشات بغضب شديد، ليجدها تقف أمامه مباشرة في الصف.
تنهد بصوت مرتفع وهو يتجاوزها وكأنها غير موجودة بمجرد أن حان دورها يضع عبوة المسحوق على الطاولة أمام الرجل:
_ بكام؟
رمقته الفتاة بغضب شديد وهي تهمس كلمات كثيرة لم يفهم منها شيء لكنه يمكنه القسم أنها كانت تسبه الآن.
بينما الرجل الذي كان يقف أمام ماكينة الأموال نظر له بشك:
_ أنت شكلك غريب، أنت من أولاد المريدي؟
_ على حسب هتعملي خصم ولا بتسأل عشان تقل أدبك؟
التوى فم الرجل يسحب عبوة المسحوق جانبًا يهتف بصوت حاد:
_ وكمان عندك الجرأة تيجي وتدخل محلاتنا وتشتري منها؟
_ وقاحة.
وكانت تلك الكلمة خارجة من فم الفتاة خلفه ليستدير لها بسخرية:
_ إيه هتغنوا وتردوا على بعض؟ خلصني وقولي بكام البتاع ده خليني أمشي؟
_ قولت ليك بضاعتي متحرمة عليكم.
_ ليه كانت مرات أبويا؟
اتسعت عيون الرجل بينما الفتاة في الخلف كبتت ضحكتها بصعوبة وهي تهمس بضيق مصطنع:
_ خلصنا يا عم رجب خد منه الفلوس وخليه يمشي، ده شغل متدخلش فيه أي حاجة تانية.
امتص يحيى شفتيه بتأثر:
_ ما شاء الله فيه ناس فيكم بتفكر أهو. اسمع الكلام يا عم رجب business is business اسمع مني أنا خريج تجارة وكنت بقفل المادة دي.
نظر له الرجل بعدم فهم، لكنه تجاوز عن الأمر يسحب العبوة وهو يزفر بضيق:
_ لأجل خاطرك بس يا كارا.
تناول يحيى بعض المقرمشات وهو يدور بعيونه على "كارا"، يردد بنبرة منخفضة متسائلة بجدية:
_ اسمك ده ولا ماركة عربية؟
رفعت عيونها له ترمقه بشر، ليبتسم وهو يخرج بعض الأموال من جيب بنطاله، يضعها على الكاشير وهو ما يزال ينظر لها مرددًا بصوت بارد متكبر:
_ خلي الباقي عشانك يا عم رجب.
_ أخلي إيه؟ الفلوس يا دوبك مع تمن كيس التسالي اللي أخدته.
ويحيى أخذ العبوة ببساطة يتناول آخر رقاقات المقرمشات وهو يتحرك ببساطة:
_ خلاص خليها عليك أنت المرة دي يا عم رجب، أنا خلاص بقيت زبون عندك، سلام.
ومن ثم خرج ببساطة من المكان بعدما ألقى نظرة أخيرة على كارا التي ظلت تنظر له بعدم فهم وهو فقط ابتسم لها ببساطة يغمز لها غمزة صغيرة قبل أن تبعد عيونها عنه بخجل كبير، وغضب، وهي تنظر أرضًا بتوتر.
وهو غادر ضحكاته تتبعه، تاركة أثر في نفس كارا التي ظلت مكانها تنظر لأثره بشرود وعدم فهم لهذا الشخص المريب، كان بالأمس حينما واجهوا البارو مرعبين، والآن كان... غريبًا.
***
يقف على جانب البحيرة ينتظر أن يبصر سيارة الشحن، يستنشق دخان سيجارته بكل نهم، وعيونه معلقة بالبحيرة شاردًا، جسده كان في المكان مع حاتم يدّعي صبرًا، بينما روحه كانت هناك.
محيط هادر وظلام دامس ومياه باردة، وصرخات مرتفعة، وملايين الدعوات...
مسلم ذلك الشاب الذي يأس الحياة وقرر السير بطريق الغربة ليصل لما يريد على أمل العودة بأموال طائلة لعائلته، تنقل بتأشيرة سياحية لإحدى دول أمريكا اللاتينية وهناك انضم لشبكة تهريب للولايات المتحدة الأمريكية، شبكة تهريب كان من المفترض أن تكون برًا لكن في النهاية استقروا لإرسال الجميع بحرًا لتقليل المخاطر. واتضح فيما بعد أن تقليل المخاطر كان على المنظمة وليس عليهم، لكنهم لم يدركوا ذلك إلا حينما وجدوا أنفسهم يصارعون الموت، كلٌ يتشبث بمن يجاورُه وهو لا يعلم حتى اسمه، لكنه كان قشة يتمسك بها.
الكثير والكثير من الرجال بدأوا يتساقطون على طول الطريق، وهو فقط يسبح ويسبح لأجل حياته، حتى أبصر في طريقه فتاة لا يتذكر حتى جنسيتها، كل ما يتذكره أنها كانت صغيرة بالكاد أتمت الثامنة عشر، تحاول النجاة من بين الأمواج وقد بدا أنها لا تجيد العوم، أخذت تصرخ بكلمات لا يفهمها.
اقترب بسرعة وهو يرى الجميع قد ابتعد بالفعل لينجو بنفسه وهي ما تزال تتمسك بالمركب شبه الغارقة باكية تصرخ بأحدهم أن ينقذها.
عاد لها بسرعة وهو يصرخ بها أن تعطيه يدها، يصرخ بالإنجليزية على أمل أن تكون تفهمه.
والفتاة فقط تصرخ وتبكي بكلمات كثيرة لا يعلمها، اقترب أكثر يجذب يدها:
_ فقط تمسكي بي، تمسكي بي، هيا تعالي، اتركي المركب هو يغرق.
والفتاة فقط استمرت في الصراخ بكلمات تمنى لو علمها، أمسك يدها بالقوة وهو يجبرها على التمسك به، لكنها قاومت متمسكة بالمركب باكية، المياه تزداد برودة وهو يشعر بالعجز والجميع يبتعدون.
وفي لحظة يأس رحل وتركها حينما شعر بتجمد أطرافه وبداية انهياره، لكنه وبمجرد أن سبح بعيدًا عنها أتت في رأسه صورة لنورهان وهي تتمسك به باكية يوم كادت تغرق في البحر تصرخ في وجهه: "مش هنزل بحر تاني، ومش هروح معاكم بحر تاني، كنت هموت وأنتم محدش أخد باله، محدش فيكم شدني من الموجة، أنا لو مرمية في نص البحر معاكم يبقى الله يرحمني".
توقف عن السباحة وقد شعر بالاختناق وهو يتخيل أن نورهان هي من تتمسك بذلك المركب وحدها في ظلام البحر وبرودة المياه، ليرتجف بعنف وهو يعود لها بسرعة يجذبها بعيدًا عن المركب صارخًا بجنون في وجهها:
_ اتركيه أيتها المجنونة، سيغرق بكِ، تمسككِ به الآن هلاك وليس نجاة.
والفتاة يبدو أنها قد دخلت في نوبة فزع وهي تضربه وتصرخ صرخات مرتفعة تتمسك أكثر بالمركب، وهو يأس منها ليضرب يدها بقوة حتى شعر أنه كسر ذراعها، يجذبها معه بسرعة بعيدًا عن المركب، وهي تبكي وتصرخ، وهو فقط يسبح وقد أصبحت أطرافه متجمدة لدرجة أنه لا يشعر بها، وهي تزيد من حمله.
كل ثانية يتساقط أحدهم ويستسلم، وهو لولا أنه كان يحمل الفتاة فوق أكتافه الآن لفقَد الأمل واستسلم منذ فترة طويلة، وهنا أدرك أنه لم يكن هو سبيل نجاته، بل كانت هي وسيلة استمراره.
وبعد ساعات كانت أطول ساعات حياته، بكى وكاد يتوقف ويستسلم، وصل واخيرًا للشاطئ، وصل يتحسس يابسة أسفل أنامله التي كانت قد انكمشت من كثرة بقائه في المياه، وصل واخيرًا.
وصل مع جثتها...
_ مسلم، الطرد الخاص فيك وصل.
وكانت جملة حاتم في هذه اللحظة طوق نجاة أخرجه من أفكاره التي ابتلعته، ينظر ليده التي كانت قد احترقت تقريبًا من السيجارة، يتنهد بصوت مرتفع يلقي بقاياها أرضًا.
_ طب خلينا نعدي الجسر نستلمه ونرجع بسرعة قبل ما يخلصوا على بعض.
***
كانت تجلس وهي تستمع لحكايات صديقتها عن ذلك الغريب الشجاع الذي فعل ما لم يفعله والدها يومًا لأجلها، كانت المسكينة ممتنة لأقل العطايا التي يقدمها لها الآخرون، سعيدة ومبتهجة لا تصدق ما حدث معها.
_ وقف للولد وأمه وصرخ فيهم عشاني، عشان الولد ميأذنيش يا سافا، تفتكري لو كان موجودة وأنا صغيرة كان ممكن يحميني برضو؟
ابتسمت سافا بسمة صغيرة لأجلها، وقد كانت نبرة حديثها متحمسة وبشدة، ضمت رايانا يديها لصدرها بسعادة مما حدث لها:
_ كان لازم تشوفيه وهو بيكلم البارو وبيسكته والبارو منطقش بكلمة واحدة قدامه، كان.... كان....
صمتت وكأنها عجزت عن إيجاد وصف لما كان عليه ذلك الغريب الذي لا تدري له اسم حتى.
لكن يبدو أن سافا كانت تعلم جيدًا ما كان عليه هذا الشخص:
_ كان راجل.
نظرت له رايانا بعدم فهم وبراءة، ورغم كل الأقاويل التي تتناثر في القرية عليها، ورغم كل أفعالها التي لا تخرج إلا من شيطان كما يقولون، كانت رايانا أشد النساء براءة في هذا المكان، ربما لهذا كانوا يكرهون اختلافها عنهم.
_ أيوة.. كان راجل.
صمتت تبتسم بسمة صغيرة وهي تتذكر تصديه لوالدها وهو يقف أمام الباب الخاص بالغرفة الصغيرة فقط كي لا يسمح له برؤيتها، مساعدته أمام الطفل ووالدته.
كان الرجل يدفع _ دون علمه _ مشاعر كثيرة لصدرها.
تنهدت سافا بصوت مرتفع:
_ تفتكري ممكن ياخدوا أرضنا بجد يا رايانا؟
_ بس دي أرضهم يا سافا.
رفعت سافا حاجبها باعتراض لتوضح لها رايانا الأمر:
_ جدي حكى ليا كل شيء، هي دي فعلاً أرضهم، و...
صمتت بخجل من فكرة أن جدها هو من كان صاحب فكرة أخذ الأرض لهم واستقرارهم، بالطبع لم يكن المخطط هو الاستيلاء عليها دون وجه حق، لكن هذا ما آلت له الأمور في النهاية.
_ يعني لو أخذوا الأرض هتكوني سعيدة؟
نهضت رايانا وهي تتجهز للرحيل:
_ ده حلمي، أتحرر من الأرض دي يا سافا، أتحرر من القرية وأهلها والحياة دي كلها، فأنا من قلبي بتمنى ليهم التوفيق في اللي بيعملوه.
ختمت حديثها تخفي ملامح وجهها وهي تبتسم لصديقتها بحب:
_ ممكن أنا وأنتِ في يوم نتحرر من كل اللي حوالينا يا سافا، تخيلي نخرج من الجحيم ده ونعيش؟
ابتسمت سافا بسمة صغيرة لم تكن متفائلة بقدرها، لكنها فقط ابتسمت تودع رفيقتها مع وعد بلقاء قريب.
بينما رايانا تحركت في القرية بسرعة وقد فاتها الغروب قبل العودة لمنزلها، إذ يبدو أن الحديث مع صديقتها قد شغلها عن الإحساس بالوقت.
وصلت واخيرًا بعد مسيرة للمنزل تتسحب على أطراف أصابعها، صوب الشجرة التي تؤدي لغرفتها، لكن قبل الصعود تحركت بفضول صوب النافذة كالعادة التي امتلكتها منذ طفولتها، تتلصص على والدها بفضول.
لكن لم تجد أحدهم في الغرفة لتدرك أن لا اجتماعات اليوم.
لم تهتم وهي تتحرك لتصعد الشجرة، وبالفعل بمجرد أن صعدت عليها وقبل التحرك لغرفتها أبصرت من الأعلى الكثير من رجال والدها يتجمعون على جانب المنزل ملتحفين بأغطية وجه غريبة.
رمشت بتفكير وهي تطيل النظر بهم والفضول يكاد يقتلها، حسنًا كانت لتفترض حسن النية وأن هذا الاجتماع ليس لسوء، لو لم يكن عز الدين يترأسهم.
ظلت جالسة وهي تتابع ما يحدث منتظرة أن تصل للب الموضوع، والذي اتضح في الثانية التي اقترب منهم رجلان يحملان العديد من العبوات البلاستيكية، مالت برأسها لا تفهم ما يحدث، لكن ضربات قلبها ازدادت بقوة.
وفي ثانية اتضح لها ما يخطط له عز الدين حينما نطق الأخير بما جعل عيونها تتسع بصدمة كبيرة:
_ عايز الصبح يطلع عليهم وهم رمــــــاد.....
***
انتهى الخمسة من ترتيب المنزل وقد استغرق مسلم ساعات في تعديل كهرباء المنزل وتركيب مصابيح جديدة ونظام مراقبة حول المنزل، وقد أحضر الكثير من الأغراض لتأمين المنزل وإخوته.
وأخيرًا تنفس الخمسة الصعداء وهو يسقطون تباعًا على الأريكة التي كانت تقبع في بهو المنزل يتنفسون بتعب شديد.
وعيسى يهمس بارهاق شديد:
_ أنا جعان أوي.
هز يحيى رأسه يوافقه بصوت منخفض:
_ اصبر دلوقتي مسلم يقوم يشوّح لينا كام لمبة ويقلي لينا كام كاميرا من اللي بعت يشتريهم مخصوص.
كان مسلم في هذه اللحظة قد خلع ثوبه يلقي به جانبًا يبحث في الحقيبة الخاصة به عن ثوب نظيف:
_ بدل ما أنت قاعد تنكت كده ممكن تدخل المطبخ تعملنا أي حاجة نأكلها.
_ مطبخ إيه يا حبيبي، هو أنت قاعد فين؟ البيت فاضي مفيش فيه أي أكل، وبدل ما تطلب لينا أكل رايح تجيب أجهزة كهربائية، إنت بتجهز عروسة؟
استدار له مسلم وهو ينفض ثوبه بقوة بغية إخفاء الانكماش الذي نتج عن وضعه بطريقة عشوائية في الحقيبة:
_ يا عم هخرج والله أشتري ليكم أكل، اصبر بس خليني أشوف حاجة ينفع ألبسها.
_ محدش هيرضى يبيع ليك حاجة يا مسلم.
كانت تلك كلمات أحمد، ليصحح له يحيى:
_ روح لعم رجب قوله بس إنك تبعي.
رفع له مسلم عيونه بعدم فهم:
_ مين عم رجب؟
_ راجل بخيل عنده هايبر ماركت في نص البلد كده، هتلاقي عنده حاجات كتير هات أسهل حاجة تتعمل وتعالى.
هز مسلم رأسه، وقد اهتدى واخيرًا لثوب علوي من اللون الأسود بأكمام طويلة، بينما عيسى يتابعه باهتمام شديد:
_ لو عايز أعمل عضلات زي بتاعتك دي أعمل إيه؟
نظر له يحيى بسخرية شديدة وهو يرتشف بعض المياه التي حصل عليها من الصنبور رغم شكه أنها مياه مسمومة، لكنه لم يكن يمتلك خيارًا.
_ الحل الوحيد عشان تعمل عضلات زي مسلم، إنك تبلع مسلم شخصيًا يا عيسى.
نظر له عيسى بضيق وهو يصرخ في وجهه:
_ وإنت مالك أنت؟ أنا بكلم أخويا.
_ وأنا يعني كنت جوز خالتك؟ ما أنا برضو أخوك الكبير و....
تلاشت باقي الكلمات عن أذن مسلم الذي ابتعد عنهم صوب المنزل يحرك رأسه بيأس، تغير العالم بأكمله خلال العشر سنوات، لكن عيسى ويحيى مايزالان كما هما.
فتح الباب يسمع صوت حاتم يلحق به بسرعة، نظر للخلف وهو يرفع طرف أكمامه، وبمجرد أن استدار ليتحرك أبصر شيئًا جعل عيونه تتسع بعدم فهم.
تحرك خارج المنزل بخطوات مرتابة، قبل أن يزيد من خطواته، في اللحظة التي سمع بها الجميع صوت باكٍ يرن في المكان.
ركض مسلم بسرعة كبيرة مرتعبًا من هيئة الفتاة التي أبصرها تعبر ساحة المنزل الأمامية باكية مبعثرة الهيئة ومجروحة، اتسعت عيونه وهو يتلقاها بين ذراعيه بفزع، وصوت مصدوم صدح خلفه برعب:
_ نورهـــــــــان؟؟
***
تركنا الماضي والماضي أبى تركنا...
دمتم سالمين.
رحمة نبيل
رواية أرض الدوم الفصل السادس 6 - بقلم رحمة نبيل
كانت أفكارها طول رحلتها الطويلة تدور كالمطاحن داخل عقلها، جسدها ما يزال يرتجف، وذكرياتها ما تزال تدور في رأسها. تجلس في السيارة بجسد متجمد ووجه شاحب مصدوم وأعين متسعة بوجع، والدموع تغطي كامل وجهها.
الجميع حذرها منه، الجميع أبصر حقيقته، الجميع رأى ما يخفيه خلف ملامحه الوسيمة وكلماته الراقية، الجميع فعل، عداها.
سقطت دموعها أكثر، وصوت صراخ أحمد يوم وافقت على زواجها ما يزال يرن في أذنها وهو يحرك يديه في الهواء بجنون.
"بتقولي إيه يا نورهان؟ ده؟! بعد كل اللي اتقدموا ليكي؟"
"وماله ده يا أحمد؟"
اشتد جنون أحمد وهو يقترب منها لتتراجع خوفًا، مما جعله يتوقف بصدمة وقد شعر بالعجز وهو يلمح الانبهار الصارخ في عيونها بصورة "عادل" التي يرسمها أمام الجميع.
"مش شبهك يا نورهان، مش شبهنا، الراجل ده عمره ما هيكون الراجل اللي يقدرك ويسعدك. يا نورهان أنتِ أختي وأنا مش حابب إنك توصلي لمرحلة تكرهي فيها نفسك بسبب الحيوان ده، ده مريض مش بيحب يشوف حد فوقه، وهينزلك لسابع أرض عشان تكوني دايما أقل منه."
رفعت عيونها له باكية تستغل حبه لها: "مين قالك كده يا أحمد؟ عادل إنسان محترم و..."
"كل ده صورة راسمها عليكِ، بالله عليكِ يا نور لو ليا مكانة في قلبك ما تعملي في نفسك كده، أنتِ تستحقي أحسن منه، تستحقي اللي يدوس على نفسه بالجزمة عشان بس تبتسمي، مش اللي يدوس عليكِ عشان يستريح."
خرجت من شرودها والدموع تزداد، جسدها يهتز على المقعد الخلفي للسيارة وهي تبكي بصوت شبه مسموع. بدأ يرتفع شيئًا فشيء حتى أخرجها السائق من دوامة حسرتها بشفقة.
"ده الآخر يا مدام مش هقدر أكمل من الترعة اللي قدام، بس عامة العنوان اللي حطيتيه مش بعيد، ممكن تعدي الجسر واسألي."
هزت نورهان رأسها وهي تفتح حقيبتها بيد مرتجفة، تخرج أموال لم تعدها، حتى وإن أرادت بسبب ضبابية الرؤية.
هبطت من السيارة تتحرك صوب الجسر وهي تنظر حولها بخوف وقد بدأ الظلام ينتشر في المكان. تتحرك عليه ببطء وحذر، وصوت شهقاتها يرتفع. كل خطوة تأخذها في حياتها يثبت غباءها، ما كان عليها المجيء لهذا المكان، ما كان عليها أن تغامر بالقدوم دون معرفة أحدهم. لكن فكرة عودتها للمنزل بهذا المظهر كانت مستبعدة. كانت في أمس الحاجة لوجود أشقائها جوارها، وكأنها تبحث عن سند تبكي عليه.
أخذت تسير وهي تستدل بالموقع الذي أرسله لها جدها، ومن حسن حظها أن منزل المريدي كان يقع على أطراف القرية، ولم تحتج للبحث طويلًا. فقط سألت البعض ولم يساعدها سوى بعض الأطفال الذين أشاروا لها على الطريق ونظرات الفضول تحلق حولها. سارت حتى أبصرت المنزل الذي كانت تراه طوال الوقت في صور جدها القديمة.
وبمجرد أن أبصرته تحركت صوبه بأقدام مرتجفة وصوت بكائها يزيد وحزنها يطفو أكثر. ولم تكد تتحرك صوب البوابة الداخلية حتى أبصرته.
في اللحظة التي أبصرت أول شخص منهم هتفت باكية وهي تنتفض من القهر:
"مسلم."
اتسعت عيون مسلم مهرولًا صوب نورهان في اللحظة التي انهارت بها بين أحضانه باكية. وصوت أحمد صدح من الخلف بصدمة ورعب كبير:
"نورهان؟!"
رفعت نورهان عيونها عن حضن مسلم وهي تبصر شحوب وجه أحمد الذي بمجرد أن أدرك حقيقة وجودها حتى هرول صوبها بسرعة يجذبها بعنف غير مقصود من أحضان مسلم. يمرر عيونه على جسدها ووجهها وهي تقف باكية أمامهم وشعور الخزي يملأها. تنظر له بندم وكل ما استطاعت نطقه هو:
"كان عندك حق يا أحمد، داسني يا أحمد، داسني عشان يستريح."
في اللحظة التي انتهت بها من كلماتها ارتفعت سبة نابية لأول مرة تخرج من فم أحمد الذي اسود وجهه بقوة وهو يبصر وجه شقيقته وهيئتها. وبدون كلمة واحدة انطلق بخطوات مهرولة صوب الباب وهو يصرخ:
"قسماً بالله لكون قاتله، والله العظيم ما هرحمه."
ولم يكد يعبر البوابة حتى هرول له حاتم والذي كان الوحيد في هذه اللحظة واعيًا. وقد غمرت موجة غضب الجميع، حيث هرول بسرعة كبيرة صوب أحمد وهو يمسك جسده بصعوبة يصرخ برعب من ملامح أحمد:
"أحمد استغفر ربك، مش هيك بتتأخذ الحقوق يا أخوي. استغفر واهدَ وروّق، خليك تفكر بعقلانية."
لكن أحمد كان يحاول الإفلات من يد حاتم وهو يناضل للتحرك صوب عادل والتخلص منه. ويحيى الذي خرج من صدمته بما حدث لشقيقته، هرول بسرعة كبيرة صوب أحمد يعين حاتم على تقييده:
"أحمد اهدى، اهدى هتروح فين دلوقتي يا بني آدم أنت؟"
ضربه أحمد وهو يصرخ بقهر:
"هروح فين يعني؟ هروح أطلع عين اللي خلفوه، أقسم بالله ما هسيبه يتهنى لحظة."
صمت قبل أن يتحدث بانكسار وهو يشير على نورهان التي كانت في هذه اللحظة تبكي بين أحضان مسلم:
"ده ضربها، ابن الـ... أيده معلمة على وشها يا يحيى، ضرب أختي، استقوى عليها."
امسكه يحيى بيد مرتجفة من شدة الغضب، ولو أخبره أحدهم أنه سيكون صوت العقل في موقف كهذا لأنفجر ضاحكًا. لكن مظهر أحمد كان مرعبًا، ليصرخ يحيى بيأس وخوف من تهور أحمد:
"هي أختنا برضو، ما هي أختنا يا أحمد، وأقسم بالله ما هنسيب حقها، بس أنت أهدى، أحمد أهدى الله يكرمك."
كان أحمد يحاول الإفلات من بين يديّ يحيى وحاتم الذي كبله بسرعة يستغل طوله الذي يماثل أحمد، ويحيى فقط يقف أمامه يردد بقهر وهو يمسك بين يديه وجه أحمد يجبره على النظر له:
"أهدى والله هناخد حقها، بس أنت أهدى."
كل هذا ومسلم فقط يضم له نورهان وهو يربت على رأسها بهدوء وحنان شديد. ونورهان فقط منهارة من رؤية ما حدث لأحمد، تتمسك بثوب مسلم بخوف مما يحدث.
بينما مسلم فقط يربت عليها بهدوء شديد يُحسد عليه، والجحيم مشتعل داخل صدره. ويقسم بالله لولا وجود نورهان في هذه اللحظة، لكان ذهب إلى ذلك الوسخ ووضع رصاصته في صدره وصدر كل من يعترض طريقه.
أما عن عيسى فقد كان يقف جوار نورهان ومسلم وهو يمسك يد نورهان ينظر لها بخوف يحاول تهدئتها مبصرًا ارتجافها:
"خلاص يا نونو مفيش حاجة، إحنا هنا كلنا، والله أروح استناه قدام شغله وأعدي عليه بالتوكتوك."
ابتسمت نورهان من بين بكائها، لتشعر بمسلم يبعدها عنه، مانحًا إياها لعيسى هاتفًا بهدوء:
"خدها جوا يا عيسى واحنا هنحصلك."
وعيسى بالفعل ضمها له بحنان وهو يجرها بالاجبار للداخل يحاول التحدث بما يضحكها. وفكرة أن أحدهم أذى أختهم كانت تخنقه. وآه لو تعلم نورهان أنه لم يكن يمزح حين أشار لرغبته في دهس زوجها أسفل عجلات التوكتوك الخاص به.
راقب مسلم تحرك أخته للداخل، نورهان العزيزة والتي كانت تصغره بعام واحد، لتكون أختًا له ولجميع أشقائه بالرضاعة.
تحرك بسرعة صوب أحمد الذي كان يصرخ بصوت جهوري في المكان:
"مش هستنى ثانية واحدة يا يحيى، ولا ثانية هستناها وأنا شايف أختي جاية بالمنظر ده، والله أعلم إيه اللي وصلها للحالة دي، ويا عالم كانت أول مرة يضربها ولا لأ."
لم يكد يحيى يتحدث حتى تدخل مسلم وهو يدفعه جانبًا بملامح وجه ربما ظهرت جامدة بعض الشيء، لكن ذلك الحريق المستعر في عيونه، لم يكن يدعم الصورة الجامدة بالمرة.
جذب أحمد من ثوبه بغضب وهو يقربه منه بعنف:
"هتعمله إيه؟"
"هقتله."
وكانت كلمة مباشرة دون ذرة تفكير. بينما مسلم ابتسم بسمة صغيرة، يمد يده لحافظة سلاحه، يخرجه منه ومن ثم رفع كف أحمد ليضعه به:
"اتفضل روح اقتله وضيع عمرك عشان واحد زبالة ميستاهلش، خلي اختك تضرب نفسها بالجزمة كل يوم أنها لجأت ليك."
نظر أحمد صوب المسدس بين يده يضغط عليه بقوة، وصوت مسلم يصدح في المكان بنبرة مظلمة:
"بتعرف تستخدم المسدس ولا أقولك تستخدمه إزاي؟"
رفع أحمد عيونه لمسلم بقهر وعجز، ليجذبه مسلم لأحضانه بقوة وهو يربت عليه، وأحمد أنهار صارخًا بوجع بين أحضانه:
"أختي يا مسلم، أختي..."
"حقها هيرجع، وأقسم بالله هيرجع بزيادة يا أحمد، حتى لو كان آخر حاجة هعملها في حياتي كلها."
***
بمجرد أن أبصرت ابتعاد جميع الرجال عن المكان الذي كانت تختبئ به، حتى لم تشعر بقدمها وهي تهرول بجنون خارج منزلها.
تهرول صوب وجهة تعلمها، ولا تصدق أن قذارة عز الدين وصلت به لهذه النقطة، يود إحراق المنزل بمن فيه؟ يقتلهم؟
ارتجف قلبها برعب كبير وهي تركض لا تهتم بالنظرات صوبها، تدرك أن نهاية ما تفعله لن تكون جيدة، لكنها لا تستطيع الجلوس بينما تراقب أحدهم يخطط لقتل آخر، خاصة لو كان ذلك الآخر هو رجل يكره قومها وساعدها مرات، رجل قد كان يمثل لها سبيلًا للخلاص.
أول من مد لها يد العون.
ركضت بسرعة وهي تنحرف في طرق ملتوية تدرك أنها ستوصلها بشكل أسرع صوب بيت المريدي، تدعو ربها ألا يكون عز الدين قد سبقها لهم.
وبمجرد أن لاح المنزل أمامها حتى اتسعت بسمتها وهي تزيد من ركضها، أكثر حتى شعرت بالأنفاس تنحسر عن صدرها، وأخيرًا وصلت. وقبل التحدث بكلمة سقطت أرضًا بقوة بسبب تعرقلها لينتفض جسد مسلم نحوها بسرعة وخوف قبل أن يدرك حتى من سقط، يردد دون إدراك لما يخرج منه:
"بسم الله."
لكن يده التي كادت تلتقطها توقفت في منتصف الطريق حين أدرك ما الجميع. ابتلع ريقه يبصرها تتحدث بصوت مرتفع جعل الأربعة في الخارج ينظرون نحوها بصدمة.
"جايين... ورايا... عز الدين... عز الدين."
كانت تصرخ وهي تشير للطريق خلفها وانفاسها الضحلة لم تساعد في إخراج الكلمات بشكل صحيح، تبتلع ريقها بصعوبة، وضربات قلبها تعلو، تحاول موازنة أنفاسها لخروج جملة كاملة. وقد كان أول من انتبه لها هو مسلم الذي شعر بالغضب فجأة يتحرك صوبها أكثر بتحفز:
"عز الدين مين؟ وعملك إيه؟"
وقد كان هذا أول ما خطر على رأسه، أنها تستنجد به من ذلك الرجل الذي أشارت إليه في حديثها المتقطع، تستنجد به من رجل، ربما هو نفسه من جاءت مرتعبة منه بالصباح.
رفعت رايانا رأسها له بسرعة ليتجمد جسد مسلم من الرعب المتكون في عيونها، ولم يدرك أن ذلك الرعب في هذه اللحظة، لم يكن على نفسها، بل عليهم.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشير للطريق:
"عز الدين جمع رجال البارو وجايين يولعوا في البيت."
وفي ثواني تجمد المكان حول الأربعة رجال وقد توقف أحمد عن الصراخ والحركة ونظر بسرعة صوب مسلم الذي شعر بدمائه تغلي مما يحدث. وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة أبصروا أجساد تقترب من بداية الطريق، ظلال غير واضحة لكنها كانت كافية لتخبرهم نية هذه الظلال.
وقبل أن يفكر أحدهم فيما يحدث حوله، هرول مسلم بسرعة صوب رايانا يجذبها من يدها بحدة جعلتها تنهض دون كلمة واحدة وهو يهرول بها صوب المنزل يدخلها بعيدًا عما سيحدث، يخفيها عن الجميع ولا يدرك السبب.
ألقى بها في المنزل حيث كان يجلس عيسى يربت على نورهان يتحدث بصوت حاد:
"عيسى خليك هنا وخد بالك من الاتنين، أوعى حد يقرب منهم، على جثتك يا عيسى فاهم؟"
وعيسى لم يفهم ما يحدث، لكنه نهض فورًا يومأ بطاعة وهو يتحرك بسرعة صوب الباب يغلقه خلف مسلم لا يفهم ما يحدث، يستدير صوب رايانا التي كانت شاحبة الوجه تتنفس بصوت مرتفع وهي ما تزال تنظر صوب الباب بعدم فهم لما حدث منذ ثواني.
لقد... لقد... فكر بها وبسلامتها وسط كل شيء؟
***
وفي الخارج تحرك يحيى بسرعة صوب الجزء الخلفي من المنزل مع حاتم تاركًا أحمد مع مسلم لتولي البوابة الأمامية.
ومسلم فقط أخرج سلاحه وهو يجهز وعيونه مثبتة على الطريق يبصر رجالًا يتحركون صوبهم يحملون الكثير من العبوات البلاستيكية، إذن الفتاة لم تكذب.
وفي الخلف كان حاتم يجهز سلاحه هو الآخر وهو ينظر له بدقة يتحدث بجدية ليحيى:
"يحيى ضل وراي، بالله عليك لا تتهور! خلّينا نمـ..."
لكن قبل إكمال جملته وجد يحيى يميل لتحطيم مقعد قديم وسط الأغراض التالفة التي كانت تملئ الساحة الخلفية للمنزل.
حطم المقعد واستخلص منه أحد أقدامه، يحركها في الهواء ببسمة واسعة:
"حاتم بيك دخيلك لا تاكل راسي، اللي يجي على وشك ليك واللي يجي قدامي ليا، اتفقنا؟"
ابتسم حاتم له بسمة صغيرة وقبل صدور كلمة الاتفاق من فمه أبصر ظلالًا تتحرك بخفة في الخلف، وقد بدأت رائحة وقود تملئ المكان، إذن بدأوا بالفعل في تنفيذ خطتهم.
وقبيل التفكير في الخطوة التالية كان يحيى يركض بجنون وهو يظهر من خلف الجدار، وفي لحظة سمع حاتم صوت اصطدام العصا برأس أحدهم وصرخة مرتفعة تعلو في المكان.
ليبتسم وهو يدس المسدس بجيبه وقد قرر خوض المعركة بطريقة يحيى لتقليل الأضرار، انتزع قدم المقعد الثانية وهو يتحرك خلف يحيى ليبصر الأخير يكاد يحطم رؤوس كل من يقابله.
"والله ما بستغرب إشي… بالأخير أخو مسلم."
وعند مسلم نفسه، أبصر بالفعل تحركهم صوب الجهة الخلفية وكأنهم يبحثون عن الظلام للانتهاء مما يريدون، البعض منهم كان بالفعل قد وصل للساحة الخلفية، والبعض الآخر كان يدور حول المنزل، ربما بحثًا عن نقطة عمياء.
ومسلم كان أسرع له من اكتشافه لتلك النقطة، فجأة وجد الرجل نفسه ممددًا أرضًا وقد سُحق وجهه بالأرضية الترابية الخشنة، وجسد ثقيل يشرف عليه. حاول رفع عيونه ليبصر ما حدث وصوت صراخه الفزع يخرج منه بلا هوادة، لكن قبل أن يرفع رأسه كان مسلم قد طحنها بالفعل في الأرض ليسقط الرجل دون كلمة إضافية.
ولم يكد مسلم يتحرك عنه حتى شعر بضربة قوية على رأسه من الخلف، تأوه بصوت مرتفع ولم يكد يستدر له، حتى هجم أحمد على الرجل من خلفه وهو يجذبه بعيدًا عن مسلم خانقًا إياه من رقبته بعنف شديد.
ومسلم أخذ ثواني يحاول فيها التوازن والتماسك بسبب الدوار الذي أصابه، قبل أن ينهض ويمسك أحدهم ينكب عليه بضربات جعلت الأخير يفقد إحساسه بوجهه، وكأن مسلم قد وُضع بقفص قتال مرة أخرى ويقاتل لأجل حياته.
ومن بين الضربات أمام عيونه أبصر أحدهم يركض للخلف وهو يحمل سلاحًا لذا نهض بسرعة كبيرة يستند على السور الخارجي.
يخرج سلاحه بسرعة وثواني فقط حتى تماسك مجددًا، يركض صوب الرجل الذي انحرف للساحة الخلفية ورفع سلاحه بسرعة يوجهه صوب ظهر حاتم، وبلا مقدمات صدح صوت رصاصة في المكان بأكمله.
***
في الداخل انتفضت رايانا في وقفتها التي لم تتحرك منها منذ تركها مسلم، بينما نورهان نهضت بسرعة وبرعب وهي تتحرك صوب الباب تصرخ بخوف، لولا عيسى الذي أوقفها بسرعة:
"أنتِ رايحة فين؟"
"أبعد يا عيسى فيه صوت ضرب نار برة، أبعد خليني أشوف حصل إيه."
لكن عيسى رفض التحرك من أمام الباب يشير لها بالعودة:
"لا طبعًا محدش منكم أنتم الاتنين هيتحرك من هنا لغاية ما مسلم والكل يرجعوا، أكيد مش هسيبكم تخرجوا في الـ..."
وقبل إكمال كلماته سمع الاثنان صوت الفتاة أخيرًا وهي تشير صوب نافذة في البهو تطل على الجزء الخلفي:
"فيه... فيه حريق."
وفي ثواني اتسعت العيون ونسي عيسى كل شيء وهو يفتح الباب ويندفع بسرعة صوب الخارج صارخًا بعدم فهم يتحرك صوب الساحة الخلفية، تتبعه رايانا التي لم تتوقف لثانية وقد ارتجف صدرها برعب من إمكانية نجاح خطة عز الدين، وتلاشي أملها وأمنها.
وبينما ظلت نورهان في مكانها حتى وجدت نفسها وحيدة لتركض خلفهم.
وبمجرد أن وصل الثلاثة للجزء الخلفي في المنزل أبصروا الجميع يحاولون إطفاء النيران التي بدأت تلتهم الأثاث القديم بأكمله والذي كان الوقود يفوح منه.
توقفت أقدام رايانا ثواني قبل أن تهرول مجددًا صوب المنزل والجميع يركض في جميع الاتجاهات لإبعاد باقي الأثاث الخشبي عن الحريق حتى لا يمتد للمنزل نفسه.
حدث كل شيء في لحظة واحدة فبمجرد أن خرجت رصاصة مسلم لتصيب ذراع الرجل استغل رفيقه انشغال الجميع بالرصاص وأشعل في إحدى الطاولات الممتلئة بالوقود، ومن ثم هرول يتبعه الباقين بسرعة كبيرة.
تحركت رايانا داخل المنزل وهي تبحث بعيونها عن شيء يساعدها في إطفاء الحريق، وكان أول ما وقع عيونها عليه بعض الأغطية القديمة التي كانت تغطي الأثاث قبل تنظيف المنزل.
حملت واحدة وهي تسعل بقوة بسبب الغبار الذي يقبع فوقها، ومن ثم ركضت للحريق تقفز من بين الجميع صوبه وهي تضرب الغطاء بالأثاث المشتعل.
تحاول إطفاء الحريق ويدها ترتعش، والمثير للسخرية، أن هذه المرة هي الأولى التي تحاول إطفاء حريق وليس إشعالها.
لحظات قبل أن يبصرها مسلم لتتسع عيونه، وهو يركض صوبها يجذبها من خصرها بعيدًا عن الحريق ينتزع منها الغطاء صارخًا بغضب وتوبيخ:
"ابعدي من هنا، عيسى..."
نظر عيسى صوبهم برعب ليفهم فجأة ما حدث، لكن رايانا نظرت له بشر من صراخه لا تفهم سبب صراخه:
"أنا بحاول أساعد."
"بقولك ابعدي من هنا، اخرجي."
اشتعل وجهها بغضب شديد تبتسم له بضيق وقد شعرت برغبة قوية في دفعه داخل الحريق والقهر يملأ صدرها وقد ظنته لوهلة أنه مختلف عن الجميع.
دفعته بقوة وغضب وكأنها تنفس عن ضيقها في تلك الدفعة التي لم تكن شيء بالنسبة له، سوى أنه نظر لمكان يدها بضيق وغضب كبير ولم يكد يتحدث بكلمة، حتى قالت وهي ترفع عيونها له بشر:
"أنا اللي غلطانة، كنت سبتكم تولعوا كلكم، أنت زيك زيهم، تستاهل اللي بيحصل ليك."
رماها مسلم بنظرة مميتة، قبل أن يتحرك ليخمد الحريق تاركًا إياها تقف في مكانها وهي تراقبه بقهر.
ولم تكد تتحرك حتى أبصرها، ليهتف باسم عيسى مرة ثانية:
"خدها ودخلها البيت هي ونورهان، اخلص يا عيسى."
وبالفعل تحرك عيسى صوبها وهو يشير لها بالتحرك، لترفع إصبعها محذرة إياه الاقتراب:
"إياك تلمسني وإلا والله لأندمك على..."
لكن عيسى جذبها من ثوبها مع نورهان بقوة للداخل:
"صدقيني أي كان اللي هتعمليه مش هيجي حاجة جنب اللي مسلم هيعمله فيا."
وكانت المرة الثانية التي ينطق اسمه أمامها، لتدرك في هذه اللحظة أن هذا الرجل الغريب المخيف كان... مسلم.
تحركت معه وهي تنظر لمسلم الذي بدأ يحرك الجميع لإخماد الحريق.
والأخير رمقها بقسوة وتحذير أن تسير مع عيسى، لتبعد عيونها عنه بغضب شديد.
نورهان جوارها تنظر للجميع بخوف شديد من تعرض أحدهم للأذى.
ونعم كان هذا استقبالًا حافلًا لها هنا.
***
كان التوتر يعلو في المكان بشكل مريب، وقد جلس عز الدين مقابل عمه ومعه والده ينتظر وصول الرجال له بالخبر الذي ينتظرونه.
يقضون ليلتهم في دار الاجتماعات خارج منزل البارو.
ومن ثم تحدث الأخير بصوت قلق بعض الشيء:
"خايف اللي أنت باعتهم دول يغلطوا في حاجة ويلبسونا كلنا مصيبة يا عز الدين."
رفع له عز الدين رأسه بعدما كان منشغلًا بهاتفه، يبتسم له بثقة كبيرة:
"متقلقش كل شيء جاهز، ومن ثم إحنا بس هنولع في البيت ونمشيهم مش هنأذي حد يا بارو."
هز البارو رأسه ولم يبصر بسمة عز الدين التي علت وجهه، ويبدو أنه لم يدرك ما يدور داخل رأس ابن شقيقه، ولا شقيقه نفسه الذي كان يتابع ما يحدث ببسمة واضحة مخيفة.
مال على ابنه يهمس بصوت منخفض:
"قولتلك متقولش ليه على الخطة ده جبان وهيبوظ لينا الدنيا كلها."
رفع عز الدين عيونه للبارو الذي تحرك يقف جوار النافذة وكأنه يترقب عودة جنوده من الحرب منتصرين.
"عمي ده آخر شخص تشيل همه، اطمن أنت كمان لسه دوره جاي في القايمة، بس خلينا نخلص من أحفاد المريدي دول وأفوق ليه."
فجأة أبصر عز الدين انتفاض جسد عمه الذي تحرك عن النافذة يهتف بجدية:
"رجعوا أهم، افتح الباب ليهم بسرعة يا عز قبل ما حد يلمحهم وتبقى مصيبة."
تحرك عز الدين بسرعة صوب الباب وهو يفتحه مفسحًا الطريق أمام رجاله، لتتسع عيونه بصدمة وهو يبصر عودتهم محطمين تقريبًا وأحدهم قد تلقى رصاصة في ذراعه.
"إيه ده؟ إيه اللي حصل ده؟"
تحدث أحد الرجال وهو يساعد رفيقه المصاب في الجلوس على مقاعد المجلس:
"منعرفش يا باشا إحنا أول ما وصلنا لقيناهم مستنينا وكأنهم كانوا عارفين إننا رايحين، وعينك ما تشوف إلا النور، فيهم واحد عامل زي التور الهايج نزل ضرب فينا، والراجل اللي كان بيكلم البارو في الساحة ده شكله مجنون نزل ضرب في رضا لما كسر دماغه، وبعدين ضرب سمير رصاصة في دراعه."
كان عز الدين يسمع ما يقال بأعين متسعة وقد ظهر الهلع واضحًا على وجه البارو الذي تحدث بصدمة مشيرًا للرجل المصاب:
"وأنت جايبه هنا ليه يا متخلف أنت، كنت رحت بيه لأي حكيم يعالجه أنت عايز تجيب لينا بلوة؟"
مال عز الدين يتجاهل كلمات عمه، يقترب من رجاله الجالسين بانهزام:
"يعني الموضوع فشل؟"
ابتلع الرجل ريقه ينفي برأسه:
"إحنا قبل ما نهرب ولعنا في شوية كراكيب ورا البيت كنا رامينا عليهم بنزين، ولو حظنا حلو فممكن في خلال دقايق تمسك الحريق في البيت."
ابتسم له عز الدين بسمة صغيرة وهو يربت على كتفه:
"ادعي يكون حظكم حلو عشان أنتم مش مستعدين للي ممكن أعمله فيكم لو طلع حظكم وحش وشوية الكلاب دول علموا عليكم بالمنظر ده من غير فايدة."
"هنعـمل إيه يا عز الدين؟"
رفع عز الدين رأسه لعمه وقد سأم منه ينفخ بضيق:
"هنستنى لما نسمع خبر منهم يا عمي، اطمن كل حاجة هتمشي زي ما عايزين ولو اضطريت أخلص عليهم واحد واحد وأدفنهم بإيدي في البيت."
ختم حديثه وهو يشرد أمامه وقد انتشر الغضب في صدره، وكرامته ما تزال ترتجف تحت وطأة يد مسلم، يقسم بالله أن يذيقهم مرارة الاقتراب منه.
***
دخل الجميع للمنزل منهكين بمجرد أن أخمدوا الحريق بصعوبة، وقد تعرض جزء كبير من الساحة الخلفية للدمار قبل أن يسيطروا على الحريق.
تنفس مسلم وقد شعر بكامل بدنه ينتفض من الغضب، تجرأوا ووصلت بهم القذارة لهذه النقطة، جاؤوا يحرقون المنزل بمن فيه دون أن ترتجف بهم عضلة. ولولا ستر الله عليهم وحضور تلك الفتاة لما كان أحدهم انتبه لما يحدث إلا حينما ينتهي كل شيء.
وعلى ذكر تلك الفتاة كان أول شيء يقع عيونه عليه بمجرد دخوله مع الجميع، بدأت الأجساد تتساقط بقوة أرضًا، ونورهان تنظر لهم بخوف تطمئن أن الجميع بخير حتى وصلت لمسلم تتلمس ذراعه بخوف:
"أنت بخير يا حبيبي؟"
ابتسم لها مسلم بحب وهو يضمها له بحنان يربت على ظهرها بلطف، ثم مال يقبل رأسها:
"أنا بخير يا نونو، متقلقيش كلنا بخير."
تحدث يحيى بصوت مرهق وهو ممدد على الأريكة:
"كذاب ده نص دراعه اتحرق."
نظرت له نورهان بخوف، ومسلم فقط يحاول إبعاد ذراعه عنها، وهي مرتعبة تبحث عن إصابته. وكل ذلك يحدث تحت أعين رايانا التي كانت تحدق فيما يحدث أمامهما بمشاعر مختلطة، مشاعر ترأستهم غيرة صغيرة لعدم حصولها يومًا على حنان كذلك الذي يصدر من مسلم للفتاة التي لا تعلم هويتها له. لم يسبق لها أن ضمها والدها بهذا الحنان، لم يسبق أن ربت أحدهم على ظهرها بهذه الطريقة.
فجأة نظر مسلم صوبها بنظرة وترتها خوفًا أن يكون قرأ مشاعرها الداخلية بسهولة، لكنه فقط ردد بهدوء:
"شكرًا ليكي يا..."
صمت مسلم ثواني قبل أن يقول بهدوء:
"فروشكا."
نظرت له رايانا بعدم فهم ليبتسم لها بلطف:
"مش ده اسمك برضه؟"
تشنجت ملامحها:
"فروشكا؟"
هز رأسه لها بهدوء شديد وهو يساعد نورهان للجلوس، ومن ثم مر بنظره على الجميع:
"الحمد لله كل شيء عدى على خير بستر ربنا ومساعدتك، وفي الواقع أنا مش عارف غرضك من ورا المساعدة دي إيه، لكني ممتن ليكي، فشكرًا جدًا."
ختم كلامه وهو يقف أمامها، بينما هي رفعت عيونها له تنظر لعيونه بتشوش، وقد كانت هذه سابقة في حياتها، رجل يشكرها على شيء فعلته له، أو شخص بشكل عام سعيد من شيء فعلته وهي من اعتادت أن تنال دعوات وتقريع وغضب لما تفعل طوال الوقت.
ابتسمت بسمة واسعة جعلت أعين مسلم تلتمع يبتسم بدوره بتعجب لسبب تلك البسمة الواسعة وكأنه للتو أعطاها وسام.
"لا عادي، مفيش شكر ولا حاجة، أنا أي حاجة ضد عز الدين بتفرحني."
تعجب من كلماتها بشدة:
"ده نفسه الشاب اللي كسرت ليه دراعه؟"
"أيوة هو نفسه عز الدين، هو يبقى..."
صمتت قبل أن تتحدث بهويته، تخشى إخباره أنه ابن عمها، رغم علمها أنه ربما خمن هويتها بسبب وجودها في منزل البارو، لكنها تفضل اللعب في الجزء الآمن.
"هو إنسان مش كويس ومحدش بيحبه هنا غير البارو لأنه هيمسك القبيلة من بعده، وعشان كده طايح في الكل."
"وأنتِ؟"
كان سؤال مجهول الهوية لترفع عيونها له بعدما كانت تحفضها لتخفي الحقيقة التي تلمع بوضوح في عيونها:
"أنا؟"
"أنتِ من ضمن الكل اللي طايح فيهم؟"
ارتجف صدر رايانا تبعد عيونها بسرعة لتبصر الجميع اهتمامهم ونظراتهم صوبها وترقبهم لهذا النقاش. مسلم يومًا لم يبدِ اهتمامًا لأحد، حتى حاتم استغرق الأمر منه سنوات طويلة كي يصل لمكانة لدى مسلم تؤهله ليكون شخصًا هامًا يخشى عليه مسلم.
لكن هذه الفتاة لم يستغرق الأمر منها أيامًا حتى لتجعل مسلم يسير خلفها يلملم مشاكلها.
ورغم رغبتها القوية في قول نعم، رغبتها الطاغية في البكاء أمامه أن عز الدين كابوس لها، إلا أنها ابتسمت تقول ببساطة:
"ميقدرش يعمل كده."
رفع مسلم حاجبه، ولم يضغط عليها قبل أن يتحرك يلقي بجسده على المقعد:
"عرفتي منين حوار الحريقة ده، وليه ساعدتيني؟"
حركت رايانا عيونها بين الجميع وقد كان شعور أن تكون مراقبة من جميع الأعين شيء مزعج، لذا تململت في وقتها تقول بجدية:
"أنا بس... برد ليك جميل الصبح وكمان... زي ما قولتلك أي حاجة ضد عز الدين أنا معاها."
ولم تكد تتحرك حتى أوقفها مسلم بهدوء:
"فروشكا..."
توقفت وهي تتنفس بصعوبة من كلمته تلك تستدير نصف استدارة له، ليبتسم هو لها يطمئنها وقد شعر أن هذا أقل ما يرد به جميلها:
"شكرًا تاني، ولو حصل واحتاجتي شيء إحنا كلنا هنا متتردديش إنك تخلينا نرد جميلك ده."
شردت ببسمته، تتنفس بصوت شبه مسموع، تتحرك بسرعة خارج المنزل وقد كان آخر ما وصل لمسامعها صوت عيسى الصغير الذي تحدث بجدية:
"رجعنا للبداية، هناكل إيه أنا جعان ومفيش أكل و...."
ومن ثم ابتعدت عنهم تسير في طريق عودتها للمنزل تدعو ربها ألا يكون والدها أو أحدهم قد شعر بغيابها، لكن فجأة توقفت في منتصف الطريق وهي تتنفس بضيق شديد، تنحرف لطريق آخر تسب نفسها:
"والله آخرتها الليلة على إيد البارو يا رايانا."
توقفت أمام منزل صغير لطيف تحيط به حديقة صغيرة، ومن ثم رفعت يدها تطرق بقوة.
وداخل المنزل.
انتفضت من مكانها على الأريكة وهي تركض صوب الباب الذي كاد يتحطم تحت وطأة الطارق تركض برعب في أرجاء المنزل تحمل أول سكين أبصرته ومن ثم فتحت الباب بغضب تنظر صوب الطارق بتهديد، قبل أن تنزل يدها تنظر بصدمة وعدم فهم لرايانا.
"راي؟ بتعملي إيه دلوقتي هنا؟"
دخلت رايانا المنزل بسرعة وهي تدفعها مغلقة الباب خلفها متحدثة بجدية وهي تتحرك صوب المطبخ:
"عندك أكل هنا؟"
نظرت سافا في أثرها بصدمة كبيرة تتحرك معها صوب المطبخ:
"هما حرموكِ من الأكل في البيت؟"
اقتحمت رايانا المطبخ وهي تخرج كل ما يقابلها من الأطعمة، ونعم كانت سافا تمتلك الكثير بالفعل، فبسبب حالتها واضطراب الطعام الذي تعاني منه، كانت الفتاة تحتفظ بالكثير من الأطعمة المتنوعة في منزلها.
"محتاجة مساعدتك نجهز شوية وجبات كده."
"شوية وجبات؟ أنتِ اتعديتي مني؟"
كانت تتحدث بشك وسخرية وهي تبصر الكثير من الطعام يرتص أمامها في المطبخ، قبل أن تبدأ رايانا في تسخينه وهي تتحدث بتردد:
"مش ليا الأكل."
"أمال لمين؟"
تركت رايانا الطعام ليسخن وهي تنظر للأطباق أمامها تدعي انشغالًا بالطعام:
"ده لـ... لـ..."
"رايانا أنتِ بتخوفيني، لمين الأكل عملتي إيه تاني يا كارثة أنتِ؟"
***
بعدما هدأت الأجواء في المنزل، شعر حاتم أن وجوده أصبح في هذه اللحظة ثقيلًا مرفوضًا لوجود شقيقتهم، لذا نهض بهدوء يتنحنح.
"بما إنه الأمور تمام، رح أروح أقعد برا شوي و..."
قاطعه مسلم وهو ينظر له بجدية يدرك جيدًا ما يفكر به صديقه:
"استنى يا حاتم لو سمحت."
"ما بزبط هيك يا مسلم… بظن إنكم كعيلة لازم يكون عندكم خصوصية شوي. رح أستنى برا لحد ما تخلصوا."
ابتسم له مسلم يجذبه ليجلس بحنق:
"اقعد يا حاتم هنتفق بس على النظام بعدين اخرج زي ما تحب."
نظر حاتم لهم بخجل وهو يجلس مجددًا، بينما نورهان ما تزال ساكنة في أحضان أحمد الذي رغم أنهم أخمدوا حرائق المنزل، إلا أن حرائق صدره لم يخفت لهيبها حتى ولو بذرة واحدة.
تنفس بصعوبة وهو يسمع صوت مسلم يردد بجدية:
"حاتم هتفضل في أوضة الضيوف اللي تحت هنا معلش لغاية ما نرتب ليك الملحق اللي برة."
وحاتم تفهم الأمر يهز رأسه بهدوء موافقًا:
"لو بدك… بنام برا اليوم، ما عليك مني."
"لا البيت كبير، نورهان هتاخد أوضة في الدور الثاني وأحمد ويحيى ياخدوا الأوضة اللي جنبها، وأنا وعيسى هناخد أوضة الضيوف اللي جنبك تحت هنا، هنمشي الدنيا لغاية ما نشوف هنعمل إيه."
كان يتحدث ومن ثم استقرت عيونه على جسد نورهان التي كانت ما تزال دموعها تهبط ببطء، تتمسك بشارة شقيقها بحزن، وما زالت الأحداث تتوالى داخل عقلها.
وحاتم وجد أنها فرصة مناسبة للانسحاب، يتحدث بصوت منخفض:
"رح أروح أدور على ميّ… وإذا لقيت أكل بجيبه، ما رح أتأخر."
هنا لم يصر عليه مسلم الذي أبى أن يطلع غريب _ ولو كان رفيق روحه_ على أسرار أخته.
بمجرد خروج حاتم تنهد مسلم ينظر صوب نورهان بلطف:
"احكي يا نورهان، قولي اللي حصل بالضبط وعايز من الأول عشان أشوف هنعمل إيه في الحيوان ده."
ارتجف جسد نورهان، يتحدث يحيى بضيق بمجرد أن رأى دموعها تسيل مجددًا:
"تقول إيه يا مسلم، كل حاجة واضحة، جوزها ده أساسًا زبالة، من أول ما اتجوزها وهو كل يوم يطلع ليها بحاجة تنزلها سابع أرض، أمرها تسيب شغلها، واجبرها تقطع علاقاتها بصحاب كتير ليها تحت مسمى غيرة، ولولا الملامة كان قالها تقطع علاقتها بينا إحنا كمان."
زادت دموع نورهان وهي ترتجف بين أحضان شقيقها، وكلمات يحيى كانت صحيحة بشكل مرعب، كانت غبية لتمرير كل ما فعله معها طوال هذه السنوات.
تحرك مسلم بهدوء حتى استقر أمامها أرضًا على ركبتيه، يبصر رأسها المستند على صدر أحمد يربت عليه بحب:
"ليه يا نور، ليه تستحملي كل ده؟ حبيته؟"
ازدادت دموع نورهان بقوة وهي تنفي برأسها تهمس بصوت مذبوح:
"اتوهمت إني بحبه يا مسلم، قبل الجواز كنت موهومة ومنبهرة بيه، بس... بس بعد ما عاشرته حسيت إني عمري ما حبيته لحظة، بس..."
"بس إيه؟"
"خفت، خفت أشتكي أو أتكلم بكلمة يتقال إن ده اختياري وإني السبب فيه، خوفت أتقل على أهلي وأدخلهم في مشاكلي، وهو... هو مكانش بالسوء ده، لغاية ما..."
صمتت وازدادت دموعها ليجن أحمد وهو يرفع رأسها له:
"لغاية ما إيه يا نورهان؟"
انفجرت نورهان في البكاء وهي تدفن وجهها بين يديها:
"خاني وطلع بيجيب ستات بيتنا يا أحمد، ولما واجهته ضربني لولا الجيران لحقوني بالعافية كان زمانه مخلص عليا."
ارتجفت يد أحمد التي كانت تضم شقيقته وعيسى نظر لها بحزن وهو ما يزال يربت على رأسها بلطف:
"معلش يا نور والله العظيم ما يستاهل ضفرك، أنتِ كنت حاجة كبيرة على واحد زيه."
لكن نورهان بكت أكثر من كلماته، إذ بدا أن الجميع أبصر قذارته الداخلية حتى الصغير عيسى، الجميع عداها.
أبعدها أحمد بهدوء شديد وهو ينظر لمسلم الذي ما يزال جالسًا أرضًا متجمدًا:
"أظن كده خلصت يا مسلم، أنا هرجع القاهرة، ومش راجع غير لما أخد حق اختي."
ولم يكد يتحرك حتى أمسك مسلم يده بعدما نهض:
"استنى بس يا أحمد وكل اللي أنت عايزه هيحصل، بس اصبر عشان ضربه مش هيطفي ناري."
نظر له يحيى بغضب:
"امال هتعمل إيه يعني يا مسلم هتسيبه يضرب أختنا بالمنظر ده ونسقفله؟"
ابتسم مسلم وهو ينظر لنورهان يهتف بصوت خافت غريب ومخيف:
"معاكِ اكونت الفيس بتاعه يا نور؟"
نظرت له نورهان بعدم فهم والجميع أرهف السمع له، بينما هو تحرك بهدوء صوب حقيبته يحضرها ملقيًا إياها على الطاولة أمامه، يفتح حاسوبه سريعًا وبنقرات عالمة فتحه ثم رفع عيونه لها:
"إيه اسم الاكونت بتاعه؟"
لم تفهم نور ما يريده ورغم ذلك تحركت مع الجميع يلتفون حوله بفضول شديد تهمس لمسلم باسم الصفحة الخاصة بزوجها على التطبيق، وضربات قلبها تعلو بقوة.
ومسلم ينقل خلفها الحروف بمهارة شديدة لتظهر له عدة نتائج أخذ يحركها أمام عيونها حتى أوقفته وهي تشير لصورة تعلو الشاشة:
"دي... هي دي صفحته."
ابتسم مسلم بقوة وهو يدخل صفحته بسرعة يتحرك بها وهو يأخذ بعض المعلومات منها، يتحرك بين الصفحات ويبحث عن أمور كثيرة والشاشة أمامه تتغير بسرعة كبيرة.
ولا أحد يفهم ما يحدث، وعيسى فقط يراقب بانبهار كبير يتحدث ليحيى:
"أخوك بيعمله عمل على ضهر الكيبورد."
ويحيى فقط ابتسم بسعادة رغم أنه لا يفهم ما يحدث والجميع يراقب الشاشة في انتظار نتيجة ما يحدث.
أما عن مسلم فقد أغلق التطبيق الأول وفتح آخر وأخذ يدخل بعض الأكواد، بها يصنع أشياء غير مفهومة.
قبل أن يتحدث بجدية دون رفع عيونه عن الشاشة حتى:
"هو سؤال غريب شوية، بس أحمد قال إنك كنتِ زميلة ليه في شركة الترجمة، تعرفي إيميل الشغل بتاع جوزك؟"
نظرت له نورهان ثواني قبل أن تهز رأسها ببسمة واسعة:
"أيوة أعرفه لأن الشركة معتمدة نظام الإيميل الثابت، بمعنى إن الإيميل عبارة أول حرف من اسم الشخص واسم والده، بعدين @ اسم الشركة، وهو اسمه عادل مرزوق، وكنا شغالين في شركة اسمها روشينا."
ومن ثم أخذت تخبره حروف اسم الشركة ليكون دقيقًا، وهو أخذ يكتب خلفها قبل أن تتسع بسمته وهو يراقب ما ظهر له على الشاشة.
وفي ثواني بدأ يكتب كلمات سريعة بلغة جهلها الجميع، لكن هي فقط من علمتها، وكيف لا وهي كانت غارقة بها... الروسية.
أما عن يحيى فقد فتح عيونه بانبهار:
"ده شكله هيطلع عمل بجد ولا إيه؟"
وبعد عشر دقائق تقريبًا انتهى مسلم من كتابة بعض الكلمات وجهز بريدًا إلكترونيًا متكاملًا استطاع دسّه داخل شركة العمل الخاصة بعادل، وقد أشار لجميع المديرين والموظفين في البريد ومن ثم ضغط على كلمة إرسال.
ثم خرج منه يتحدث بهدوء:
"رقم جوزك واتس."
ونورهان جلست جواره تخبره الرقم بحماس شديد، وهو ينقل خلفها الرقم، ومن ثم دخل بسرعة أرسل له رسالة بها رابط صغيرة وكتب عليه رسالة صغيرة:
"عادل إيه اللي بيحصل ده؟ أنت عملت إيه؟"
كانت رسالة صغيرة ومحاولة أصغر أما أن تنجح ويوفر عليه عناء اختراق ملفه الشخصي بطرق قد تأخذ وقت طويل، أو يتجه لخطة ثانية.
صمت وهو يراقب الشاشة والجميع حوله مسلوبي الأنفاس يتابعون ما يحدث بترقب وقد بدأت ضربات القلب تزداد كما لو أنهم ينتظرون هدف فريقهم المفضل في الثانية الأخيرة في المباراة.
وما هي إلا دقائق وظهرت علامة قراءة على الرسالة، وجاءهم رد عادل فورًا:
"حصل إيه؟ وأنت مين؟ فيه إيه؟"
لكن مسلم لم يجبه وترك الفضول والخوف يلعبان به، وشخص مر بحالة انفصال وفضيحة داخل بنايته سيمتلك من الريبة والخوف ما يجعله يتناسى كافة الاحتياطات ويضغط على رابط مجهول من رقم غريب.
وقد كان.
اتسعت بسمة مسلم بقوة حينما ضغط عادل بالفعل على الرابط الذي أرسله له، ودون ثانية انتظار كان يسحب جميع بيانات عادل لحاسوبه، محادثاته صوره والكثير والكثير مما يخفي على هاتفه، دقائق حتى أصبح مسلم يمتلك نسخة من كافة بياناته.
وكل ما استطاع عيسى النطق به بعد رؤيته لما حدث:
"أنا عايز اللينك اللي بعتّه ليه ده يا مسلم."
نظر له يحيى بضيق وهو يركز بنظراته على الشاشة أمامه:
"بقولك إيه يا باشمهندس، هو أنا ممكن أجيبلك اكونت حد كده تفرمت أمه؟"
"مين بالضبط؟"
اتسعت بسمة يحيى الخبيثة وهو يهتف بجدية:
"عميد الكلية."
ابتسم مسلم له وهو ينتهي مما يعمل عليه يهز رأسه بيأس منهم، وبعد خمسة عشر دقيقة أخرى كان مسلم قد انتهى مما يريد وقد ظهر خط تحميل أمام الجميع يراقبونه بفضول وبعد ثواني انتهى ليضغط مسلم ضغطة أخيرة، وفي لحظات أبصر الجميع ما فعل.. محادثات خارجة مع بعض السائحات، تهديد لبعض النساء، صور فاسقة مع الكثير من النساء، الكثير والكثير من المحادثات مع زملاء العمل حول فساد الشركة، سب في كل المديرين وكل الموظفين وغيرها من الأمور التي حصل عليها من هاتف عادل، وأخرى كانت من صنع يده.
كل ذلك تم نشره على الصفحة الخاصة بعادل نفسه، وتم إرسالها في مجموعات العمل الخاصة، والبريد الإلكتروني الذي أرسله للجميع يعبر به عن كرهه لكل من بالشركة ورغبته في المغادرة بعدما حصل على فرصة أفضل مع منافس أكبر.
اتسعت بسمة مسلم وتنهد براحة وهو يغلق حاسوبه بهدوء شديد ينظر للجميع الذي ابتعدوا عنه بخوف شديد وأخذوا جانبًا، وقد أخرج عيسى هاتفه بسرعة ينقر عليه بأعين متسعة جعلت أحمد يتساءل بعدم فهم:
"بتعمل إيه يا عيسى؟"
أجاب عيسى بجدية وهو ينظر للهاتف بتوتر:
"هعمل بلوك لمسلم من عندي."
أطلق مسلم ضحكات مرتفعة عليه بينما يحيى ضرب رقبته بسخرية:
"وهو مسلم هيعمل إيه بالشات "محادثة" بتاعك مع رابطة سائقي تكاتك حي المقطم؟"
"يعمل ولا ميعملش أقسم بالله ما هفتح أي لينك أخوك يبعته ليا تاني، أقولك أنا هبيع التليفون وأجيب نوكيا وأبقوا وروني هتاخدوا منه إيه."
ارتجف فم نورهان إشارة لرغبتها في البكاء قبل أن تلقي نفسها بين أحضان مسلم وهي تهتف بسعادة وتأثر:
"ربنا يديمك ليا يا مسلم وميحرمنيش من أي حد فيكم يارب."
"تمام ده ردك على موضوع الخيانة يا مسلم، بس موضوع إنه ضربها ده مش هعديه."
كانت كلمات أحمد الذي هدأ غضبه قليلًا ربما، لكن صدره ما يزال مشتعلًا بالضيق والعصبية والكره، فرفع له مسلم رأسه مبتسمًا ومين قالك أن الموضوع هيعدي كده يا أحمد ده بس كان رد على بهدلتها كل السنين اللي فاتت وأنه ضيع حلمها، إنما موضوع الضرب ده لسه.
هز يحيى رأسه موافقًا:
"بالضبط مش إحنا اللي نسكت على ضرب الحيوان ده لأختنا عشان واحدة من الشارع مـ..."
"روسية."
كانت كلمة قاطعت بها نورهان حديث يحيى، لينظر لها الآخر ببلاهة:
"ها؟"
"كان بيخوني مع روسية يا يحيى تخيل؟"
ابتسم يحيى بحسرة وضيق وعلت عيونه نظرة وكأنه على وشك البكاء:
"مش عايز أتخيل والله عشان هزعل أوي إن الروسية وافقت على جوزك وأنا كنت ببعت ليهم هاي بيبلكوني."
نظر له مسلم وهو يردد ببسمة ساخرة:
"وأنت كنت بتبعت ليهم هاي ليه؟"
"ها... أه... أصل كنت يعني... بنمي اللغة معاهم، سمعت إن سوق الروسيات... قصدي يعني سوق الترجمة الروسي ماشي دلوقتي و... إحنا في إيه ولا في إيه يا مسلم بتقولك خانها مع روسية، إحنا نروح ليه بكرة نديله العلقة التمام لغاية ما يعترف على مكان الروسية."
زاد اهتمام عيسى بحديث شقيقه يتساءل بفضول:
"واحنا هنعمل إيه بالروسية؟"
"هتجوزها انتقامًا للي عمله حبيبها في أختي."
نهضت نورهان وانقضت بالضرب على يحيى الذي أخذ يصرخ مبعدًا إياها عنه بصعوبة وهي مصرة على تشويه ملامحه بأظافرها:
"يا ختي كنتِ اتشطرتي على جوزك بدل ما عينه زاغت للمستورد."
لم يهتم أحمد بما يفعلونه، بل كان شاكرًا لاستفزاز يحيى لأول مرة، إذ صرف انتباه شقيقته عن حسرتها وقهرها، ينظر صوب مسلم بجدية:
"هنروح بكرة ليه؟"
هز مسلم رأسه بجدية وهو يتمم بصوت منخفض وتفكير:
"هنروح كلنا بكرة ونسيب عيسى هنا مع نورهان لغاية ما نشوف هنعمل إيه لجوزها، ومش هنرجع غير وهو مطلقها."
اعترض عيسى على حديثه بقوة يقول بجدية:
"لا مش هقعد هنا وأنتم بتضربوه هناك، دي أختي زي ما هي أختكم، ولا أنتم مستقلين بيا؟"
زفر أحمد بضيق:
"مينفعش نسيب نورهان هنا لوحدها، يعني لو أخدناك معانا مين يفضل معاها؟ أو ناخد نورهان نفسها معانا وخلاص."
ثواني وسمع الجميع صوت طرق بسيط على الباب المفتوح، وصوت أنثوي يصدح بنبرة خافتة بعض الشيء.
"السلام عليكم...."
***
"ها إيه رأيك؟"
رفعت عيونها لوالدها وهي ترفع الأكواب عن الطاولة بعدما رحل الضيوف، ليسارع والدها يستفسر عن رأيها في "العريس" الذي أحضره لها كي يكون أداة في يده يضحد بها أحاديث جميع أهالي القرية.
رفعت عيونها لوالدها ولم تتحدث بكلمة فهي في جميع الأحوال، لن يغير رأيها من رأي والدها شيئًا، مجرد "تحصيل حاصل" كما يقال.
لكنها أجابت بهدوء:
"كويس."
سار والدها خلفها صوب المطبخ وكأنه لم يعجب بردها هذا، يتمنى نظرة رضى تصلح بعضًا من جلد ذاته وقلقه عليها:
"كويس بس؟ الراجل الصراحة زي الفل، مش باين عليه سن ولا غيره ومش طالب أي حاجة غير إنك تكوني مبسوطة."
تركت "كارا" ما بيدها على الطاولة وهي تنظر له بأعين موجوعة مكسورة:
"بس أنا مش مبسوطة يا بابا."
توتر والدها وشعر بالعجز لأجلها، ما بين نارين كان، كاد أن يبكي بعجز، ابتلع ريقه وهو يحاول التبرير لنفسه أمام نفسه قبل التبرير لها.
"يـابنتي أنا مش باقي ليكِ العمر كله، ونفسي أطمن عليكِ، وأنتِ شوفتي بنفسك اللي حصل، ومفيش راجل ممكن يفكر يـ..."
"مش عايزة يا بابا، مش عايزة أتزوج هنعيش أنا وأنت وبس و...."
"ولما أموت أسيبك لمين يا كارا؟ يابنتي ريحي قلبي أنا أقسم بالله فيا اللي مكفيني، وكمان الراجل مستعجل وأنا حددت معاه الفرح بعد أسبوعين فجهزي نفسك وده آخر كلام يا كارا."
ختم حديثه تاركًا إياها تقف في المكان وهي تراقب رحيله بدموع، تسقط أرضًا مستندة بظهرها على الجدار، تضم رأسها بين يديها تشعر بالمكان يضيق بها، وانفاسها أصبحت ضحلة أكثر أكثر.
أغمضت عيونها باكية:
"يارب مش هستحمل تاني، كفاية الحياة اللي عيشتها مع الأول، مش هستحمل أكثر."
***
استدار الجميع صوب الباب يبصرون الفتاة نفسها مع أخرى تقف جوارها تفوقها طولًا، مع شعر أحمر اللون وعيون خضراء باهتة بعض الشيء وملامح حادة أكثر من رايانا.
وجوارها كانت رايانا بخصلاتها السوداء الغجرية تضم لصدرها حقيبة وهي تنظر أرضًا بهدوء، تحاول أن تجد مدخلًا لما جاءت لأجله، لا تدرك سبب ما فعلته، لكنها فعلت في النهاية وأتت، ربما أشفقت عليهم.
وربما أرادت... بكل يأس وإثارة للشفقة ألا تخسر الشخص الوحيد الذي اهتم بها، تشتري وده ربما، لا تدري لكنها تتصرف بطيش بدافع الشعور بالانتماء لظل يحميها.
ابتلعت ريقها وهي تنظر بتوتر صوب سافا لا تعلم كيف تتحدث، لكن سافا لم تهتم وهي تتحرك داخل المنزل بهدوء شديد حتى وصلت للبهو حيث يجلس الجميع تضع الحقيبة التي كانت تحملها على الطاولة أمامهم، ومن ثم عادت تأخذ الحقيبة التي بيد رايانا منها تضعها كذلك جوار حقيبتها.
ثم استقامت تبتسم بكل بساطة وبرود:
"بالهنا والشفا يا جماعة وليلة سعيدة."
وبهذه البساطة انتهت حديثها وهي تتحرك صوب الباب تجذب ذراع رايانا التي كانت تسير وهي تنظر لهم بتوتر وبسمة صغيرة، بينما الجميع ما يزال لا يفهم ما حدث الآن.
وكادوا يخرجون من المكان لولا صوت مسلم الذي خرج دون شعور والذي شعر بتسرعه فجأة بعدما خرجت كلماته دون حسبان:
"فروشكا لحظة."
توقفت رايانا بسرعة، بينما استدارت لها سافا بتشنج تهمس بعدم فهم:
"فروشكا؟"
توترت رايانا وهي تستدير لتبصر مسلم يتحرك صوبهم وهو يردد بجدية وعبوس صغير:
"كنت... حابب أعتذر ليكِ عن اللي حصل قبل ما تمشي وعصبيتي عليكِ وقت الحريق، وكمان أشكرك مرة تانية على مساعدتك و... على الأكل اللي جبتيه."
صمت وهو لا يدري ما دفعه لإيقافها أو التحدث معها، لكن كل ما يعرفه أنه كان يشعر بالذنب للصراخ بوجهها بعد مساعدتها لهم، والمثير للغضب أكثر أنه لم يتذكر صراخه بوجهها إلا بعدما انتهى مما يؤرقه بشأن عادل:
"تعبتي نفسك، إحنا كنا أكلنا ومش مضطرة تعملي كده."
مالت سافا برأسها وهي تنظر للخلف صوب الجميع الذي تحركوا صوب الأطباق يفتحون علب الطعام بلهفة وجوع، والجميع كان المقصود بهم عيسى ويحيى وأحمد.
"اه ما هو واضح فعلًا، معلش اعتبرها وجبة خفيفة قبل النوم."
استدار مسلم صوب الخلف ليبصر ما يفعلون فاغمض عيونه بضيق:
"الله يسامحكم."
وأحمد الذي أدرك أن الجميع ينظر إليهم اعتدل بسرعة وهو يخرج هاتفه بسرعة يدعي انشغالًا به فأطلقت سافا ضحكة مرتفعة عليه، جعلته يرفع عيونه بها لاول مرة منذ دخلت.
فبُهت وجهه حين غمزت له غمزة صغيرة مبتسمة بسمة ملتوية، لتتسع عيونه وهو يراقبها بصدمة، بينما هي اتسعت بسمتها أكثر له فابعد عيونه عنها مغتاظًا... مفتونًا، يستعيذ ربه من فتنتها للمرأة.
أما عنها فابتسمت بسمة صغيرة وهي تهتف بنبرة رقيقة:
"بالهنا والشفا يا جماعة."
استدارت صوب رايانا وهي ترى أن مسلم لديه ما يتحدث به، ولثواني أبصرت عيونه التي كانت لا تتحرك عن رفيقتها رغم حضورها القوي، سافا والتي كانت تتفوق على نساء الغجر اجمعين بمظهرها وجسدها ودلالها، تليها رايانا بالمظهر، لكن الغريب أن هناك من قاوم سحرها لحساب رايانا، وهذا... أسعدها وبشدة.
على المكر ملامحها وهي تميل على أذن رايانا تهمس لها:
"هنتظرك برة يا... فروشكا."
ختمت حديثها ترفع عيونها صوب أحمد الذي كان ما يزال يراقبها متسع الأعين فابتسمت له بسمة أخيرة وهي تتحرك بدلال للخارج، تاركة إياه يتابعها بأنفاس مسلوبة من جرأتها ومظهرها الناري.
يسمع عيسى يردد بانبهار:
"طلع الغجر عندهم ساحرات بجد."
انتبه مسلم لرايانا وهو يردد بجدية:
"كنت طالب منك خدمة."
تفاجأت رايانا من كلماته وتوترت وهي تعود للخلف تتحرك أكبر مسافة بينهما، وشعور القلق داخل صدرها في حضور البشر ما يزال ينغزها.
"مني أنا؟ خدمة إيه؟"
أبصر في هذه الثانية تراجعها ليعلم داخله أن هناك ما يسبب القلق لهذه الفتاة، لكنه رغم ذلك تحدث بهدوء شديد وهو ينظر بعيدًا عنها وكأنه يجبر عيونه على عدم الخضوع في مظهرها أو تأملها لفترة أطول من ثواني غير محسوبة.
"بكرة أنا وأخواتي مضطرين نرجع القاهرة، فكنا يعني... بصي أنا معرفش حد هنا ممكن أثق فيه غيرك ياخد باله منها لغاية ما نرجع."
كان يتحدث وهو يشير صوب نورهان التي كانت تصارع عيسى في هذه اللحظة على قطعة طعام، ومن ثم عادت لمسلم مجددًا تهتف بذهول:
"بتثق فيا أنا؟"
"معرفش حد هنا غيرك والكل بيتمنى لينا الأذى، ومش هقدر آخدها معانا القاهرة بسبب شوية حوارات، فلو تقدري تفرغي نفسك بكرة تكوني معاها هكون شاكر ليكي."
شعرت بقلبها ينتفض من كم المشاعر التي هاجمته دون مقدمات، شخص ينظر لها نظرة آدمية، نظرة شخص موثوق به، وليس شخص تخفي أطفالك منه، شخص يراها... إنسان يستحق التعامل بآدمية.
ارتجفت شفتيها وهي تشعر بالصدمة مما قال، وهو لم يفهم للحظة ما يحدث يقول بسرعة:
"لو حابة تجيبي صاحبتك اللي كانت معاكِ برضو مفيش مشكلة."
وحسنًا ربما كان متهورًا حقيرًا، كي يأمن على شقيقته مع امرأة لا يعلم لها من هوية، بل ويشك أنها ابنة عدوه، امرأة من قوم يتمنون موتهم كل ثانية، لكن أولم تثبت مرات عديدة أنها أهلٌ للثقة؟
شعر فجأة بتسرعه وقد فكر لثواني في سحب نورهان معهم للقاهرة وتركها مع عائلتهم، لكن قاطعته رايانا عن أفكاره وهي تهز رأسها بلهفة:
"أنا... موافقة أكيد متقلقش أنا هكون معاها... طول اليوم."
كاد يسحب عرضه لولا رؤيته للمعان عيونها، لمعان ذكره يومًا بلمعان عيونه حينما ترك له والده يومًا يحيى ليعتني به وحده، مرددًا أنه يثق به، وأنه أصبح رجلًا يستطيع الاهتمام بشقيقه، نفس اللمعة، لمعة الشعور بالتقدير.
وشعور خانق داخله منعه من إلغاء عرضه المتهور، يهز رأسه بجدية وهو يتنحنح:
"تمام، إحنا هنتحرك بكرة الصبح."
"هكون هنا من الصبح."
كانت تتحدث ببسمة واسعة وسعادة غريبة حاولت إخفاءها وهي تتحرك للخلف:
"أنا همشي عشان اتأخرت على البيت و..."
ولم تكد تستدير حتى أوقفها مجددًا:
"فروشكا."
نبض قلبها مجددًا لذلك الاسم الغريب الذي يسميها به منذ أطعمته الفَروشكا، نظرت له بترقب ليقول بهدوء وتوتر لا يدرك سبب رغبته في قول تلك الكلمات، لكنه أراد ببساطة قولها، خاصة وقد أبصر في هذه الفتاة طفلة صغيرة تسعى للاهتمام.
خرجت نبرته حنونة لطيفة كما لو كان يتحدث لنورهان:
"عايزة حاجة من القاهرة أجيبها ليكي معايا؟"
وحسنًا إن سقطت الآن أرضًا باكية بحسرة فلن يلومها أحدهم، كان هذا أول فعل إنسان وأشدهم رقة يصدر من شخص تجاهها، ربما لأنه لا يعرفها، ولا يعلم ما يتداوله الجميع عنه.
ربما لأنه لم يبصر رايانا التي تظهرها للجميع، أو ربما لأنه أبصر رايانا التي يصر الجميع على غض الطرف عنها.
منعت دموعها بصعوبة تخفض رأسها تنفي رغبتها في شيء بحركات بسيطة، ومن ثم هتفت بكلمة خرجت مصحوبة بغصة مختنقة باكية، تعجبها مسلم:
"شكرًا."
تحركت بسرعة صوب الباب، لكن ما كادت تخرج منه حتى توقفت للمرة الثالثة بعدما أمسكت بالمقبض بقوة حتى شعرت بكفها يكاد يتمزق.
تستدير ببطء لتراه ما يزال يحدق فيها باهتمام، نظرت له ثواني قبل أن تهمس بصوت متردد خجل:
"هو أنت.... ممكن... تشتري ليا حاجة فعلًا؟"
تعجب مسلم تغييرها لرأيها، لكنه فقط هز رأسه ببساطة يجيب دون تفكير مبتسمًا بتشجيع بعدما أبصر ترددها وخجلها، وقد نسى مجددًا القاعدة الواحدة التي وضعها قبل مجيئهم هنا.
"أتمنى."
تتمنى؟ الغريب أن لا أحد سابقًا اهتم بما تتمناه هي، لا أحد من عائلتها فكر يومًا فيما ترغب هي به، وها هو مجرد غريب وضع بها ثقته وساندها، ويسألها ما تتمنى.
فركت يدها تنظر في عيونه التي كان يحاول ألا ينظر بها لها، تهمس بصوت منخفض بحلم قديم ظنت أنه تلاشى مع هموم حياتها، لكن سؤاله أعاده لها، وهي لم ترغب في إضاعة فرصة حصولها على ما تريد.
"فيه... بلورة كده بتكون فيها عروسة بتنور وفيها تلج بيتحرك فيها و.... أنا هدفعلك تمنها، لو قدرت تجيبها ليا و...."
قاطعها ببسمة صغيرة لطيفة:
"تأمري، اعتبريها معاكِ."
اشتد احمرار وجه رايانا وقد نظرت له نظرة في هذه اللحظة يقسم بالله أنها سترافقه سنوات في أحلامه، ومن ثم منحته بسمة صغيرة تهز رأسها بحماس شديد:
"شكرًا ليك."
وما كادت تتحرك حتى أوقفها للمرة الرابعة والأخيرة ربما لهذه الليلة:
"هتكون المرة الأخيرة اللي أسألك فيها اسمك إيه؟"
توقفت تجيبه وقد استدارت له نصف استدارة تبتسم بسمة صغيرة:
"فروشكا."
"أنا مسلم."
منحته بسمة صغيرة تهز رأسها بإيجاب، ثم همست:
"عارفة."
ومن ثم غادرت بسرعة المكان تاركة إياه يحدق في ظهره بفضول قاتل، هذه المرأة غريبة و... مثيرة للاهتمام.
نظر خلفه للجميع ليجد أنهم كانوا قد انقضوا بالفعل على الطعام، فرك خصلاته بتعب وهو يتحرك يلقي بجسده على الأريكة يسحب إحدى علب الطعام صوبه يراقبها بصمت وكأنه يبحث فيها عن أثر صاحبتها، ومن ثم شرع يتناول الطعام في اللحظة التي دخل بها حاتم وهو يردد بجدية:
"ما لقيت أكل نقدر نعتمد عليه، والناس هون غريبين بصراحة، بس جبت شويّة تسالي ومَيّ… استنى! هاد دجاج هنيك؟؟ بتاكلوا دجاج؟"
ابتسم مسلم وهو يشير بيده صوب الطاولة:
"أنجز قبل ما يخلصوا على الأكل."
تحرك حاتم بسرعة يسحب علبة طعام له، ليبصر نورهان تأكل مع الجميع فتراجع بخجل من التصرف بوقاحة أمامها، لكنها ابتسمت بسمة صغيرة وهي تدفع علبة صوبه تضع بها قطعة دجاج وهي تردد بصوت خافت:
"بالهنا والشفا."
سحب العلبة بخجل وهو يجلس جوار مسلم الذي رفع حاجبه بسخرية من رفيقه يتحدث بصوت منخفض:
"كل يا حاتم، كل واتغذى عشان بكرة عندنا مشوار مهم."
"عن أي مشوار بتحكي؟"
"صد رد للقاهرة."
***
هو خط تتخطاه وينتهي كل شيء.
دمتم سالمين.
رحمة نبيل.
رواية أرض الدوم الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل
كانت تجلس أمام جدتها تنتظر منها أي إشارة قبول أو أي رد يريحها، لكن ملامح جدتها كانت غريبة وهي تراقبها بأعين شعرت بها رايانا كما لو أنها تخترق روحها.
"رأيك إيه يا جدة هتساعديني؟"
تنهدت العجوز وهي تحرك حبات سبحتها بين أناملها، تردد بعض الاستغفارات والأدعية، ترفع عيونها لحفيدتها التي كانت عيونها تلتمع برجاء.
"اسمه إيه يا رايانا؟"
اتسعت عيون رايانا من كلمات جدتها، تتراجع بصدمة للخلف. كان سبب وجودها في غرفة جدتها في هذا الوقت من الليل هو رغبتها في مساعدة جدتها لتدبير سبب غيابها غدًا طوال اليوم، لكن جدتها، وبعد صمت طويل، لم تنطق سوى بسؤال غريب.
"اسم؟ اسم مين؟"
"اسم اللي مخلي عيونك تلمع يا بنيتي، ومخلي وشك ينور."
وهي فقط أنكرت ما يقال بإصرار شديد:
"مفيش اسم يا جدة، أنا بس كنت... هخرج مع سافا بكرة ومحتاجة أبعد عن البيت أتنفس وخايفة البارو..."
صمتت حين أبصرت عيون جدتها تضيق بشكل مريب جعلها تشعر أنها شفافة أمامها. هي لم يسبق أن كذبت على جدتها، لم يسبق أن أخفت عنها شيئًا، فلماذا تنكر الآن ما يحدث؟ هل خوفًا من رفض جدتها لما تفعل؟ أم خوفًا من اكتشاف جدتها ما تحاول هي إنكاره؟ وما الذي تحاول إنكاره؟ مشاعر مثيرة للشفقة ورغبة غبية في البقاء جوار ذلك الشعور بالدفء والأمان؟ هي إنسان مثير للشفقة يبحث عن الأمان في كل عين تقابله، وأخيرًا، حينما وجد ذلك الأمان، وجده في الشخص الخطأ، الشخص الذي لا يجوز حتى الاقتراب من محيطه.
"النور اللي في القلوب صعب العيون تنكره يا رايانا، ونورك مغطي على ملامحك يا بنيتي."
أمسكت كف رايانا بين يديها المجعدة وهي تهتف بكلمات صغيرة خافتة تربت عليها بحب:
"طريق السعادة طويل يا رايانا ومش الكل بيكون عنده القوة يوصله، متيأسيش، ولو بعد سنين أكيد هتلاقي النور في النهاية بس كملي الطريق وبكرة يجي اللي يمسك إيدك ويسحبك معاه للنور."
نظرت رايانا ليد جدتها التي كانت ترتجف بهدوء بسبب العمر، ترفعها مقبلة إياها وهي تهمس بصوت منخفض وقد شردت فجأة، تشعر باستحالة الخلاص من بين أنياب قومها، وصوت عز الدين وهو يطالب بها يؤرق مضجعها:
"أنا خايفة أموت وأنا بحاول يا جدة، خايفة أموت قبل ما أوصل للنور، أموت في الضلمة... لوحدي."
ختمت كلماتها وقد هبطت دمعة على خدها تشعر بصدرها يرتجف من الرعب. الفكرة التي كانت ترعبها طوال الوقت ما تزال تراودها، تبحث بين الوجوه عن المنقذ، ولم تجد سوى جزارين ينتظرون سقوطها لينهالوا عليها بالذبح.
ابتسمت لها جدتها تربت على خصلاتها بحنان شديد:
"روحي بكرة يا رايانا مكان ما تحبي، روحي دوري على نورك، واطمني يا بنيتي، ربك عمره ما هيرضى ليكِ الوجع، وبكرة تقولي جدتي قالت."
هتفت رايانا وهي تضم قدم جدتها بريبة:
"خايفة البارو يجبرني على عز الدين، خايفة يكون نهاية صبري عز الدين."
"مش عز الدين اللي هيعتني بزرعة رقيقة زيك يا رايانا، فيه شخص تاني مستني اللحظة المناسبة عشان يقطفك من الأرض البور، ويغرسك في أرضه، أرض خصبة مناسبة ليكِ يا بنيتي."
سقطت دمعتها وقد ارتسمت بسمة صغيرة على فمها، ولا تدري السبب. لكن أول صورة أبصرتها بعد حديث جدتها كانت صورته. ربما لأنه الوحيد الذي علمته من الرجال حقًا، ربما لأنها حتى هذه اللحظة لم تبصر شخصًا يشع لطفًا وحنانًا مثله، ربما...
"وهو ده ممكن يكون موجود يا جدة؟"
"موجود يا بنيتي ومنتظرك."
***
يجلس أسفل الشجرة العملاقة أمام المنزل مستندًا عليها وهو يراقب السماء بنظرات ضبابية، شاردًا بالمستقبل، تائهًا بالماضي. ترك الغربة خلفه وهرب، لكنها لم تتركه لحظة.
ما يزال يرفض النوم زيارة جفونه، يعاني من أرق مريع منذ سنوات، حتى أن الحال وصل به للنوم بالأدوية التي كادت تدمر جسده. أصبح جسده لا يتقبل النوم أكثر من ثلاث ساعات، أربعة ربما. كلما أغلق عينيه أبصر جثثًا مترامية، الكثير من الدماء، والكثير من الصراخ يرن داخل أذنه.
رائحة الرطوبة والعفن في ذلك السجن ما يزال يزكم أنفه، سجن صغير بلا منفذ للتنفس سوى فتحة صغيرة، نفسها الفتحة التي كان يستخدمها الجميع كمنارة لهم في ظلمات السجن.
لا يدرك ما أخطأ به. هو فقط، وبمجرد أن وصل للشاطئ، وجد الكثير من الأيدي تنتزعه بقوة عن الأرض يجرونه بعيدًا عن جثة الفتاة التي خرج بها بعد رحلته الطويلة. يُجر ويُلقى به في غرفة صغيرة وأحدهم يصرخ في أذنه بكلمات لم تكن واضحة في البداية قبل أن يدرك ما يحدث.
كان متهمًا باختراق حدود البلاد، ودخولها بشكل غير شرعي. سألوه العديد من الأسئلة التي لم يكن يدرك سببها: تخصصه، عمله، من ساعده، كيف وصل.
ظن أنهم سيعيدونه لبلاده، لكنهم لم يفعلوا. للأسف الشديد، لم يفعلوا كما فعلوا مع أغلبهم، بل احتفظوا به لسبب غير معلوم. ومن ثم ألقوا به في هذه الغرفة العفنة منذ أيام... شهور... لا يدري في الواقع. لكنه يدرك أنه كان يحسب مواعيد صلواته طبقًا للشمس التي تظهر من النافذة الصغيرة.
فجأة انتفض جسده بقوة على صراخ مرتفع في الغرفة. حرك عينيه بهدوء في المكان وهو يبحث عن مصدر الصراخ ليبصر رجلًا ضخم الجسد يتعدى بالضرب على امرأة في أحد أركان السجن، والجميع يتابع دون تدخل.
نظر حوله يبحث عن شخص ليتدخل، لكن لا أحد تجرأ ونهض. ربما فقدوا كل شعور إنساني داخل صدرهم، حتى أصبح هكذا مشهد لا يعني لهم شيئًا. وبحسبة بسيطة أدرك مسلم أن لا فرصة له أمام الرجل. هو هزيل ضعيف ازداد ضعفًا الأيام السابقة، والرجل كان ضخمًا.
كاد يستسلم ويدعي العمى والصمم كالجميع، لولا أن صوت المرأة ازداد حدة يجلد ضميره وإنسانيته. استند على الجدار يحاول النهوض وهو يتحرك صوب الرجل بتردد يهتف بصوت متردد:
"ما... ما الذي تفعله بها؟ دع المرأة وشأنها."
لكن الرجل لم يهتم به وهو يكمل ضرب في المرأة بشكل غريب، ليتحرك له مسلم يهتف بصوت مرتفع أكثر:
"ألا تسمع؟ أخبرتك دع المرأة وشأنها."
استدار له الرجل ورمقه باستخفاف يبتسم له بسمة مرعبة، قبل أن يعود بنظرة للمرأة:
"ارحل من هنا يا صغير، ارحل قبل أن أتركها وتكون أنت ضحيتي اليوم."
ارتجفت يد مسلم وهو ينظر للرجل بكره ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت المرأة يخرج مرتجفًا من أسفل الرجل وهي تتوسله بخفوت:
"أرجوك... ساعدني... طفلي."
نظر لها مسلم بعدم فهم لثوانٍ قبل أن تتسع عيونه وهو يبصر المرأة عن قرب وقد كان انتفاخ بطنها واضحًا للأعمى. كانت المرأة حاملًا، وكانت تصارع خنزيرًا لأجل الاحتفاظ بالقليل من الطعام كي تنجو بطفلها.
اقترب مسلم وهو يتحدث بصوت زادت حدته:
"أخبرتك أن تدع المرأة وشأنها، ألا تسمع؟ المرأة حامل أيها الحقير."
لكن الرجل استدار فقط يدفع مسلم بقوة صارخًا:
"ابتعد من وجهي."
تراجع مسلم بسرعة وهو يبصر الرجل ينقض على المرأة مجددًا عازمًا على انتزاع الطعام منها، لينظر مسلم حوله بعجز قبل أن يميل ويحمل أحد الدلاء الملقاة في المكان ومن ثم ودون تفكير ركض للرجل وهبط بالدلو المعدني فوق رأسه بضربات متتابعة وبجنون. ولم توقفه رؤية دماء الرجل التي انفجرت في أرجاء الغرفة، بل أخذ يضربه بجنون وقد بدا أنه دخل في حالة هيستيرية، حتى أن المرأة التي كانت تستنجد به أطلقت صرخة وهي تبتعد لأقصى ركن في الغرفة تلقي بما في يدها من طعام له.
ومسلم لا يبصر شيئًا، ولا يعي بما يحدث حوله. كان عقله أشبه بغرفة مظلمة بها وحوش تنهش كامل تعقله وهدوئه. فقد كل ذرة إنسانية له، ولم يتوقف عن ضرب الرجل إلا حينما سحبه بعض الحراس بقوة بعيدًا عنه، يسحبونه خارج الغرفة وكان آخر ما أبصره بأعين متسعة هو جثة الرجل، الجثة الأولى له، ولم تكن الأخيرة.
"أزعجتك؟"
رفع مسلم عينيه صوب الشخص الذي أخرجه من أفكاره، ليبصر نورهان تقف أمامه وهي تبتسم له بسمة صغيرة تحمل بين يديها غطاء تمده له.
ابتسم لها بحنان يأخذ الغطاء وهو يتحرك جانبًا يشير لها لتقترب، وقد فعلت جلست جواره فاحاطها بالغطاء وبذراعه وهي فقط صمتت تتذكر طفولتهم.
"هو كان لازم نكبر يا مسلم؟"
نظر لها ليبصرها تحدق به بعيون دامعة، تتنفس بصوت منخفض:
"فاكر زمان كنت بتقول ليا إيه؟ في يوم الأيام اختياراتك هتخرب حياتك يا نور، واهي خربتها يا مسلم."
"بعد الشر عليكِ، الحياة لسه مليانة ولسه قدامك كتير، واحمدي ربنا أن الموضوع وصل لهنا يا نور."
هبطت دمعتها وهي تهتف بصوت موجوع وبسمة ساخرة ارتسمت على فمها من وضعها الحالي:
"وصل لهنا؟ هو كان ممكن يوصل لأبعد من هنا يا مسلم؟"
"ربك مش بيقدر غير الخير يا قلبي، تخيلي كان يحصل اللي حصل وأنتِ معاكِ أطفال وتتبهدلي ويتبهدلوا هما؟"
صمتت ونظرت أرضًا دون أن تتحدث، وقد شردت عيونها بشكل غريب، ليشعر هو بالريبة والإدراك لثوانٍ، يتساءل بجدية وكأنه تذكر شيئًا ما يبعدها عنه بلطف:
"هو أنتِ اتجوزتي امتى يا نور؟"
ابتلعت ريقها بهدوء وهي تهتف بصوت منخفض:
"من... خمس سنين."
"خمس سنين ومفيش أطفال؟"
لم يكن من عادة مسلم أن يتدخل فيما لا يخصه، لكن نورهان كانت شفافة بشكل مخيف، بريئة منذ طفولتها وهذا ما كان يجعله يخشى عليها، ولقربهما في العمر كان طوال الوقت يحرص على الاهتمام لها، أخته العزيزة التي تصغره فقط بعام واحد، رفيقة حياته، شاركته كل سنوات الدراسة حتى وصلوا للجامعة اختارت نفس تخصصه، لتشعر بأنه لا يناسبها لتغيره لاحقًا وتختار لغات وتتخصص في اللغة الفرنسية.
الآن وبعدما عاد أبصر أنها أخذت الكثير من القرارات الغبية في غيابه.
"نور فيه حاجة المفروض أعرفها؟"
نظرت نورهان ليدها قبل أن تسقط دموعها ببطء وهي تتحدث بصوت خافت خجل:
"أنا... هو... أنا كنت... مسلم غصب عني والله بس... عادل كان مثالي قبل الجواز، وحتى بعد الجواز كان كأنه خرج من أحلامي، فارس الأحلام اللي قعدت أقرأ عنه وأحلم بيه، كأنه خرج من عقلي وأفكاري، قررنا في بداية الجواز نأخر الخلفة شوية لما نستقر و..."
رفعت عيونها له تحاول أن تخبره لما يدور في رأسها ليريحها من أفكارها:
"فجأة اتغير كأنه... كأنه شخص تاني، اتحول وبقى راجل تاني غير اللي عرفته يا مسلم."
"مش يمكن اللي اتجوزتيه هو الراجل التاني يا نور واللي ظهر بعدين هو عادل الحقيقي؟"
"ده اللي اكتشفته بعدين، خوفت أتكلم مع حد عشان ده كان اختياري اللي عاندت الكل عشانه، وأنت... أنت مكنتش جنبي عشان تقولي إني غلطانة، كلهم قالولي بس فكرت أنهم مش فاهميني أنت الوحيد اللي كنت بتفهمني يا مسلم."
نظر مسلم بعيدًا عنها يجاهد كي لا ينهار، لا يرى حقًا لغربته أي فائدة سوى حاتم، صديقه الحبيب وأخيه.
"بعد فترة قالي أبطل وسيلة منع الحمل و....قولتله إني عملت كده، بس أنا معملتش، خوفت أجيب أطفال ويكون هو أبوهم، خوفت يا مسلم ومش عارفة كنت مستنية إيه، كنت مستنية يتصلح بس محصلش."
صمتت وهي تنظر له بدموع، ليجذبها له بحب ولطف يربت على ظهرها بحنان، يتنفس بصوت منخفض، يقبل رأسها:
"خلاص يا نور، خلصت يا قلبي، خلصت خلاص، أنا مش هرجع غير لما يطلقك بكرة."
صمت وهو ينظر لها بتردد:
"ولا أنتِ حابة إيه؟"
"يطلقني يا مسلم، مش عايزة أكون على ذمته يوم زيادة، أنا قرفانة من نفسي بسببه."
"يبقى اعتبريه حصل."
رفعت عيونها له وهي تبصر لمعة غريبة:
"أنت هتعمل إيه فيه تاني؟"
ابتسم لها بسمة صغيرة وهو يربت عليها بلطف:
"بلاش عشان تعرفي تنامي من غير كوابيس."
***
أخرجت رأسها من باب المنزل تنظر حولها وكأنها تتأكد أن عز الدين لا ينتظرها كالعادة ليفسد عليها صباحها، وحينما اطمأنت لذلك تنفست الصعداء تتحرك بسرعة بعيدًا عن المنزل بعدما تدبرت مع جدتها حجة غياب لها طوال اليوم.
وقد قررت جدتها إخبار والدها أنها أرسلتها لمنزل أحد رفاقها لتعني بهم لغياب أحفادها اليوم.
أمسكت الحقيبة بين يديها بقوة وهي تهرول تدعو ألا يبصرها أحد. وقد أشرقت الشمس منذ دقائق قليلة فقط، تتحرك بين الطرقات شبه الفارغة، حتى وصلت لوجهتها (بيت المريدي).
توقفت تنظر للساحة الأمامية للمنزل، وقد توقفت لثوانٍ تفكر أنها جاءت مبكرًا أكثر مما طُلب منها. لذا تراجعت مجددًا للخلف وقد قررت أن تجلس هنا أسفل الشجرة تنتظر استيقاظ الجميع، أو ربما تعود للمنزل، لكن عودتها للمنزل قد تجعلها عرضة لعز ووالدها وربما لا تستطيع الرجوع مجددًا هنا.
تحركت بهدوء صوب الشجرة وهي تنظر للمنزل تحاول إيجاد أي دلالة على استيقاظ أحدهم، لكن كانت الأجواء الهادئة حول المنزل أخبرتها أنهم ربما ما يزالون نائمين.
استدارت بهدوء ولم تكد تقترب من الشجرة حتى سمعت صوتًا رخيمًا يهتف بخفوت:
"جاية بدري كده ليه؟"
أطلقت رايانا صرخة فزع وهي تستدير بسرعة صوب الصوت الصادر من الشجرة، لكنها لم تكد تفعل حتى تعرقلت بحجارة في الأرض وسقطت تتدحرج على ركبتها بقوة، تطلق تأوهًا مرتفعًا.
وهو فقط يجلس أسفل الشجرة يراقبها بصدمة دون التحرك خطوة واحدة، ينتظر أن تتماسك ومن ثم تنهض مجددًا.
وبالفعل بعد دقائق، رفعت رايانا عيونها له وهي تتمسك بركبتيها، تتراجع للخلف بسرعة تحت عيونه المتعجبة:
"أنت... أنت هنا من امتى؟"
"من امبارح."
وكانت إجابة بسيطة خرجت من فم مسلم الذي كان ينتظر أن تعتدل، لكنها استمرت تحدق به بعيون متسعة، جعلته ينظر حوله بريبة، قبل أن يبتسم بسمة صغيرة.
بسمة جعلتها تتراجع أكثر بريبة منه، أما عنه فتماسك ينهض من مكانه يبتعد عن الشجرة وهو يشير لها لتتحرك وتجلس على الحصير الذي كان يجلس عليه منذ ثوانٍ، إشارة صامتة منه لها أن تتحرك لها وهو ابتعد عن المكان يتيح لها الفرصة لتتنفس.
وقد كان، نهضت بهدوء تضم حقيبتها لصدرها، تتحرك صوب الشجرة حتى جلست على الفرع تنظر له بريبة.
"أنا... جيت بدري عشان... قولت... أنا صحيت بدري فقولت أجي بدري، مش... لو تحب ممكن تروح تكمل نوم عادي أنا هستنى لغاية ما الكل يصحى هنا."
كانت تتحدث بتوتر تعهده للمرة الأولى في نفسها أمام أحدهم، وهو فقط رفع حاجبه يضيق عينيه يتحرك حتى استقر أمامها على بعد مسافة مناسبة يجلس القرفصاء أمامها يهتف بجدية:
"أنا مش بنام بليل يا فروشكا عشان أنام بالنهار، ومن ثم معتقدش أنه من الذوق أسيب ضيف يقعد لوحده وأروح أنام، زي ما هو غلط أقعد معاكِ لوحدنا كده، والدك لو عرف أكيد مش هيمررها ليكِ."
توترت رايانا وهي لا تدري مقصده، يتحدث كلمات وعكسها في جملة واحدة وكأنه يدور حول نقطة معينة، أما عنه فأخذ يراقبها باهتمام، قبل أن يتنهد وهو يتحدث بجدية:
"أنتِ بنت البارو مش كده؟"
رفعت عيونها له بصدمة كبيرة، وقد شحب وجهها، وكأن الأمر لم يكن معروفًا، وكأن الحقيقة لم تكن واضحة منذ أبصرها في مطبخ منزل البارو في منتصف الليل. ولوهلة تمنت أن يظنها خادمة أو أي شيء عدا ابنة البارو، لا تعلم السبب، لكنها تدرك أن حقيقتها كانت ستكون عائقًا لها معهم، معه، الشخص الوحيد الذي عاملها كإنسانة طبيعية للمرة الأولى.
أما عنه فقد حصل على إجابته من نظرة عيونها المصدومة.
ونعم، رغم أن الأمر لم يكن صعب الاكتشاف، إلا أن شعور بغيض ملأ صدره وهو يدرك الحقيقة، يبتسم بسمة صغيرة:
"البارو لو عرف أنك هنا مش هيكون سعيد خالص يا فروشكا."
أجابت وهي تفرك ركبتها دون شعور تنظر أرضًا وقد خرج صوتها مكتومًا بشكل غريب:
"هو طول الوقت مش سعيد، فمش هتفرق."
رفع حاجبه بعدم فهم وقد شعر بشيء غير مريح في نبرتها، شيء جعله ينظر لها مطولًا قبل أن يهمس دون شعور منه:
"هو بيأذيكِ؟"
سؤال لا يدري بدافع الفضول أم الاستغلال أم الشفقة، لكنه في كل الأحوال نطقه دون شعور، ليبصرها ترفع عيونها تنظر له نظرات طويلة، جعلته يتراجع وهو يعتدل في وقفته يستدير بعيدًا عنها يتجاهل السؤال الذي طرحه وكأنه فقد الشغف في الإجابة، وفي الواقع لم يكن أيٌ مما يحدث يعجبه بأي شكل من الأشكال، يكره أن يقحم النساء فيما يفعل.
أخطأ حينما طلب منها المساعدة، والآن بمعرفته أنها ابنة البارو أصبح ترك نورهان معها أمرًا غير مقبول، لذا تنفس بصوت مرتفع وقد قرر الاستدارة الآن والاعتذار منها ويخبرها أن نورهان ستعود معهم للقاهرة.
وبالفعل استدار وكاد يقول الكلمات التي حضرها، ليتفاجئ بها وهي تنهض تمد له يدها بالحقيبة بسرعة قبل أن تتراجع:
"فطار عشان... معتقدش فيه أكل هنا لسه، ليك وللكل."
تجمد مسلم في هذه اللحظة وهو ينظر ليدها والحقيبة التي تتوسطها، يلتقطها دون قدرة على الرفض، وقد شعر فجأة بالعجز عن نطق كلمة واحدة مما كان يفكر بها. لقد جمحته بأفعالها.
اشتد غضبه من نفسه ومنها ومن كل شيء يحدث له، ينظر لها بضيق شديد لا يدري سببه قبل أن يتحدث بجدية ونبرة خشنة بعض الشيء:
"غلط يا فروشكا، أكبر غلط."
نظرت له بعدم فهم وهو ضغط على الحقيبة بقوة وكأنه يضغط على رقبته، ينظر لها بعينيه جادة يبتسم بسمة صغيرة:
"تعاملك اللطيف مع أشخاص متعرفيش نيتهم تجاهك أكبر غلط ممكن ترتكبيه في حق نفسك، إياكِ تدي لحد الأمان أو تثقي في حد."
رمشت رايانا بعدم فهم. هل يعتقد هذا الرجل أنها بهذا اللطف الذي يتخيلها به؟ هل يتخيلها فتاة لطيفة تتحرك موزعة لطفها وبراءتها على الجميع؟
"تعامل لطيف؟"
كانت الكلمة غريبة عليها، تبتسم بعدم تصديق:
"أنت شايف إني بتعامل بشكل لطيف؟"
ختمت حديثها ببسمة أشد اتساعًا جعلته يضيق ما بين حاجبيه، تضم يديها أمامها بلطف شديد ترسم له الصورة التي تخيلها عنها وكأنه نسي للحظة ما فعلته به في أول لقاءين.
"شكرًا للنصيحة، لكن أنا بعرف امتى أكون لطيفة وامتى لأ."
قالت الكلمة الأخيرة في اللحظة التي شعر بها مسلم بشيء يلمس جسده، اخفض عينيه ببطء صوب معدته يراها تثبت سكينًا صغيرًا آخر على بطنه، وما زالت بسمتها اللطيفة مرتسمة على فمها.
"ولو شايف إن الفطار اللي في إيدك ده لطف، فأنت غلطان، دي صدقة."
سحبت السكين بعيدًا عن جسده وهي تتحرك بهدوء شديد بعيدًا عنه صوب الشجرة تاركة إياه ينظر لأثرها بنفس الصدمة، لكن بدأت الصدمة تتلاشى ويحل محلها بسمة.... صغيرة.
***
استيقظ يتحرك خارج الغرفة التي كان يسكنها طوال الليل، يفرك عينيه بتعب شديد وقد أصاب المنبه الذي ضبطته مسلم الأمس، يدرك جيدًا أن حاتم لن يستيقظ إلا إن وضع له منبه يوقظه.
خرج البهو يبصر امرأة تقف به وهي تجلس أرضًا تبحث في الحقائب التي اشتراها البارحة من المحل، توقف ثوانٍ يحاول معرفة من أحضر نساء للمنزل، قبل أن تضربه حقيقة ما حدث البارحة، ليضرب رأسه بضيق.
يستدير بسرعة لينصرف من أمامها، لولا صوتها الذي خرج بهدوء:
"صباح الخير."
توقفت أقدام حاتم وهو يستدير بهدوء للخلف صوبها يتنحنح بصوت خافت مبتسمًا بسمة صغيرة:
"صباح الخير آنسة."
ابتسمت نورهان بسمة صغيرة سرعان ما انقلبت بضحكة قصيرة وهي تكمل بحثها في الحقائب أمامها:
"آنسة؟ ياريت ما كنا غلبنا كل ده."
عض حاتم لسانه بغضب وقد شعر بغباء شديد وهو يتحدث معها، يحاول أن يصحح خطأه:
"ما كان قصدي، صدقيني، الكلمة طلعت مني عفوي وما انتبهت."
"عادي يعني هي مش شتيمة عشان كل ده، هي أمنية بس مش أكتر."
صمتت وهي تستدير. له تردد بجدية:
"هو أنت مجبتش أي حاجة معاك ينفع تتعمل فطار؟ مش عارفة أعمل أكل للكل."
توتر حاتم من كلماتها وهو يجيب بعدم فهم:
"ها؟ شو؟ آه... والله مش عارف صراحة، كنت جايب شغلات بس مش متذكر شو بالظبط."
ابتسمت له بسمة صغيرة صافية، بسمة لم يبصرها منذ اليوم الأول له في مصر، اللحظة التي أبصرها بها بكل لطفها ورقتها، قبل أن يدرك حقيقة أنها تكبره بعامين تقريبًا ومتزوجة.
"هو ما بستاهل هالشي لو بتعرفي."
أبعدت نورهان عيونها عن الأغراض بعدم فهم لكلماته، أما عنه فقد أغمض عينيه بغضب وهو يتراجع للخلف يزيح خصلاته البنية جانبًا وقد ظهرت عيونه التي تتميز بلون أزرق باهت بعض الشيء مع بشرة بيضاء تميل للحنطية بسبب تعرضها للشمس.
وفي الواقع حاتم لا يدري كيف ولماذا لكنه شعر برغبة قوية في قول تلك الكلمات، شعر برغبة قوية في التخفيف عنها بعدما أبصر انهيارها.
"ما بستاهل إنك تحزني ولا تلومي حالك عليه، اختاري اللي بتحزني عليه بعناية يا آنسة، وطبعًا مش هو ولا أمثاله."
ختم حديثه وتحرك بسرعة من أمامها لتوقفه وهي تقول بنبرة ساخرة مختنقة:
"أنا مش آنسة."
ابتسم دون أن يستدير لها مجيبًا ببساطة:
"بمجرد ما بتتحرري منه، بتكوني."
ومن ثم تحرك بسرعة خارج المكان بحثًا عن مسلم تاركًا إياها تنظر لأثره بتعجب، لكنها فكرت في حديثه بجدية، هل يستحق عادل كل هذا الحزن حقًا؟ والإجابة كانت واضحة، يمكنها أن تحزن على سقوط خنزير في بركة وحله واختناقه حتى الموت، ولا تحزن على عادل الحقير لحظة واحدة.
وفي هذه اللحظة قررت أن عادل انتهى وبشكل نهائي من حياتها، وقد اكتفت من الرجال وصحبتهم.
***
كان يقف بعيدًا عن المنزل يحاول الحصول على إشارة في هاتفه، قبل أن يزفر بضيق، حتى الآن لم يخبر والديه بما حدث مع شقيقته، والأخيرة جاءت دون التفكير للحظة في إعلامهم بسبب حالتها.
زفر يدس الهاتف في جيب بناطله وقد قرر المرور على منزله قبل العودة وشرح كل ما حدث، والآن عليه العودة للمنزل ليلحق بالجميع.
لكن وقبل فعل ذلك توقفت أقدامه، وهو يبصر فتاة يعلمها جيدًا، أو ربما ليس جيدًا، فهو في النهاية أبصرها مرة واحدة، لكنها كانت كافية لتطبع صورة المرأة في عقله.
راقبها تخرج من مكان يبدو مقهى له، وخلفها يتحرك رجل وهو يتحدث لها بكلمات وهي تزفر بضيق وقد بدا أنها تتعرض للمضايقة.
لذا دون تفكير تحرك صوبهم بسرعة كبيرة وهو يتحدث بهدوء:
"معذرة بس فيه حاجة يا استاذ؟"
رفع الاثنان عيونهما لأحمد الذي اقترب منهم بملامح مقتضبة تبدو حادة خشنة.
بينما الرجل الذي كان يزعج سافا رفع حاجبه بعدم فهم:
"وأنت مالك؟ أنت مين أساسًا عشان تتدخل؟"
نظر له من الأعلى والأسفل مقيمًا وكأنه يرى إن كان يستحق اهتمامه حتى:
"امشي هنا وملكش دعوة بشغل حد."
"شغل إيه؟ مش ملاحظ أنك بتضايق الآنسة؟"
ارتفع حاجب سافا هذه المرة ببسمة واسعة مغرية وكأنها تبصر شيئًا يعجبها، وفي الواقع قد كان.
"ده شغل أنت بتدخل ليه؟"
رفع أحمد عيونه ينظر للمقهى خلف ظهورهم ليبصر لافتة مكتوب عليها أن المكان لم يكن مقهى فقط، بل "كازينو" كذلك.
ارتفع حاجبه بغضب:
"شغل إيه في المكان ده؟ بعدين الآنسة أساسًا شكلها مش مبسوط وأنت بتكلمها في الموضوع ده، اتفضل امشي وسيبها في حالها."
كاد الرجل يفتح فمه، لكن قاطعه صوت سافا التي تحدث بصوت حاد ولم ترفع عيونها حتى عن أحمد:
"خلصـــــنـــا، قولت مش هعمل إيه شغل دلوقتي صرف نفسك، ويلا امشي."
نظر لهم الرجل بضيق شديد، قبل أن ينسحب بعد ثوانٍ تاركًا الاثنان ينظران في أثره.
وسافا نظرت لأحمد ببسمة صغيرة:
"بشكرك يا استاذ على مساعدتك."
"لا ولا يهمك، لو بتضايقك الشخص ده باستمرار يفضل تبلغي حد من أهلك بالموضوع، والأفضل لو متقربيش من الأماكن المشبوهة دي، مش كويس عشانك."
ارتفع حاجب سافا وقد ارتسمت بسمة خبيثة على فمها:
"عندك حق، أنا بس كنت مضطرة أجي انهاردة، بس مش هتتكرر، شكرا يا..."
صمتت بتلميح تنتظر سماع اسمه، ليهتف الأخير بجدية:
"أحمد."
"سافا، اتشرفت بيك."
ولم تنتظر سماع رده، وهي تتحرك بهدوء بعيدًا عنه تلقي بآخر كلماتها:
"هنتقابل تاني أكيد يا أحمد، يومك سعيد."
ومن ثم سارت أمامه بخطوات متمهلة قوية بعض الشيء مليئة بالدلال، مما جعله يبعد عيونه عنها وقد تعجب نفسه وتدخله، لكنه أقنع ذاته أن هذا ما كان سيفعله أي رجل، لأجل الشرف والرجولة، وليس لأجل فتنتها الغير عادية مثلًا.
أبعد كل ذلك عن رأسه وهو يهرول للمنزل كي يلحق بالآخرين للقاهرة.
***
بعد ساعات كان صوت محركات السيارة هو ما يسمع الجميع في الأرجاء بعدما قادها مسلم بشكل مرعب وهو لا يبصر أمامه سوى دماء عادل، وجواره حاتم يحاول أن يتجنبه في هذه الحالة.
وفي الخلف كان عيسى نائمًا بفم مفتوح ورأسه مستندة على قدم يحيى الذي كان يربت على رأسها بلطف وهو يتحدث بجدية لمسلم:
"هنروح ليه فين؟ البيت ولا الشغل؟"
"شغل إيه بقى هو بعد اللي أخوك عمله بقى فيه شغل؟"
كانت جملة أحمد الذي يجلس على جمر مشتعل لا يتخيل متى تصبح رقبة عادل بين يديه.
ومسلم وافقه الرأي يتحدث بجدية وبهدوء:
"وكمان البيت مش هينفع، أكيد فيه جيران وأهله ساكنين جنبه، هنعمل شوشرة على الفاضي محتاجين مكان بعيد عن العيون."
صمت الجميع وكأنهم يفكرون فيما يجب أن يفعلون. ورغم أن صوت العقل كان يندد بكل تلك الأفعال العنيفة إلا أن المنطق تلاشى عند تذكر جروح وجه نورهان.
وبالحديث عن نورهان تساءل أحدهم بقلق:
"أنت واثق يا مسلم في البنت اللي مع نورهان في البيت؟ خايف لا تكون متفقة مع حد منهم يروح يأذيها عشان يمسكونا من أيدينا اللي بتوجعنا..."
"متقلقش أنا واثق أنها عمرها ما هتعمل حاجة ليها."
ولو سألته كيف يثق بالأمر، لن يستطيع الإجابة، فهو بالطبع لن يخبرهم أن ثقته تلك نابعة من يقينه أن فروشكا لن تضر نورهان، بل إن استطاعت ستحميها من قومها أنفسهم، وبالطبع لن يخبرهم أن فروشكا هي نفسها ابنة البارو.
ومجددًا لا يدرك سبب ثقته بها، لكنه ومنذ النظرة الأولى لها أدرك أن مثل تلك المرأة لا تخدع.
تحدث بهدوء شديد وهو يمحو كل تلك الأفكار من عقله ببساطة:
"إحنا ممكن نستدرجه لمكان بعيد عن الكل ونخلص الحوار."
"حاسس إننا عصابة بس لغرض شريف."
نظر مسلم في المرآة ليحيى متسائلًا:
"وأنت زعلان عشان حاسس أننا عصابة؟"
"لا زعلان عشان لغرض شريف."
هز مسلم رأسه بسخرية من شقيقه وأكمل قيادة السيارة وهو يفكر في رايانا والحوار القصير الذي نشأ بينهما في الصباح، وفجأة وفي وسط انغماسه في أفكاره أدرك أنه عاد للنقطة التي يرفض الاقتراب منها.
وحاتم ينظر له بطرف عينيه قبل أن يحدق للطريق من النافذة، يشرد بالحياة وبما يحدث له، يبحث حوله عن هدف يحيا لأجله، لا هدف ولا حياة مستقرة ولا شيء ليفعله في هذه الحياة.
لا شيء سوى العيش فقط، حسنًا على الأقل هو حي، والشكر لله، ثم لمسلم.
لولا مساعدة مسلم له لكان لقى حتفه داخل ذلك السجن القذر الذي يختبرون به قدرات كل إنسان على التحمل، وإن نجوت منه وجدوا لك سبيلًا آخر لنزع كل ذرة إنسانية بداخلك لأجل ملائمتك للمنظمة، ولم يعلموا أنه رأى ما تشيب له الرؤوس، أبصر الكثير في بلاده قبل أن يهجرها بحثًا عن مستقرًا بين أحضان الغربة.
هناك في ذلك السجن المظلم، سمع صوت أحدهم يقترب منه يتحدث له بكلمات غير مفهومة، لذا تجاهله حاتم وهو ينظر أمامه، لكن يبدو أن الشاب الذي جاوره كان يتحدث معه بأمر هام، لدرجة أن تجاهله له جعل جنونه يشتعل وهو يلكمه.
وحاتم كان يجلس على جمر ينتظر شيئًا يفرغ به غضبه، لذا نهض في ثوانٍ انقض على الشاب بشكل مرعب فاجأ الأخير، والذي لم يمتلك حتى أدنى قوة للمقاومة.
قتال استمر من طرف حاتم فقط وهو يصرخ بكلمات غاضبة وقد جن جنونه، حتى سحبه الحراس بعيدًا عن الشاب بصعوبة، يجرونه خارج السجن وصوت صراخ حاتم ما يزال يصدح في المكان بلغة عربية غير مفهومة لهم، وقد كان أغلب الظن أنه يتوسلهم الرحمة والمغفرة ليتركوه وشأنه.
"يلعن أبوكم ولاد ***، مفكرين الدنيا خاضعة إلكم، وما قدّمتوا للعالم غير الخراب والدمار."
ويبدو أن "توسل حاتم للرحمة" وصل لمسامع شخص استطاع تمييز كلماته بسهولة.
مسلم، الذي كان في هذه اللحظة أحد أفراد المنظمة منذ عامين تقريبًا بعدما أبصر الجحيم، يرى الحراس يجذبون شابًا هزيل الجسد صوب الغرفة التي قضوا بها على آخر ذرات شعور بداخله.
أخذ ينظر لحاتم الذي لم يصمت للحظة واحدة وهو يضرب هذا بسبب ذلك:
"إذا كنتوا زلام خلّوني بحالي، وبفرجيكم شو بقدر أعمل."
ولأول مرة منذ سنوات يشعر مسلم بالألفة وهو يسمع هذه الكلمات، رغم أنها كانت سبابًا نابية فقط، وقبل تقدم الحراس خطوة إضافية صوب الغرفة السوداء، أوقفهم مسلم بسرعة.
"مهلًا إلى أين؟"
"سيدي لقد كاد يقتل أحد الـفتيان في الداخل، سيتم أخذه للغرفة السوداء طبقًا للقواعد."
رفع مسلم حاجبه وهو يمد يده يسحب حاتم وهو يردد بجدية:
"دعوه لي لقد انتهت فترة الاختبار الخاصة به."
نظر الجميع لبعضهم البعض دون فهم، ولم يكد أحدهم يعترض على كلماته، حتى جذب مسلم حاتم معه وقد أخذ الأخير يقاوم وهو يحاول سحب يده.
"دع يدي، من أعطى لكم الحق في معاملتنا كحيوانات، هل تظنون أن لا رادع لكم."
توقف مسلم في أحد الممرات بعدما ابتعد عن الحراس يدرك أن فعلته لن تمر مرور الكرام، قد يتعرض للمساءلة، ربما للعقاب، لكنه لم يعد يهتم، أو إن تحرينا الدقة، هو لم يعد يشعر. كثرة التعذيب الذي تلقاه على أيديهم جعل جسده يألف الألم أكثر من الراحة، الوجع أكثر من السكينة، أيًا كان ما سيتلقاه منهم، كان قد اتخذ قراره، لن يترك لهم حاتم يعبثون به، كما فعلوا معه، ليس وقد وجد أخيرًا شخصًا يشعر معه بالألفة، ألفة تساوي ألفته للوجع.
"وأنت بقى اللي هتكون الرادع ليهم؟"
اتسعت عيون حاتم بصدمة كبيرة وهو يسمع رد مسلم عليه، ونظر حوله بعدم فهم، قبل أن يعود بعيونه صوب مسلم، يشعر صدره يرتجف ولم يكن يعتقد يومًا أنه سيكون بهذه السعادة حينما يسمع أحدهم يحدثه العربية، ليس بعد شهرين تقريبًا من الصمت بين مئات الغربيين.
ابتسم بعدم تصديق مرددًا بأمل ويقين:
"مصري؟"
ابتسم له مسلم بسمة صغيرة باهتة بعض الشيء وقد أسعدته الكلمة التي تحدث بها وكأنه نسي في خضم حياته أنه كان مصريًا، ردد بهدوء يمد يده له:
"مسلم."
وحاتم تحدث بلهفة كبيرة وسعادة:
"وأنا كمان مسلم."
ابتسم له مسلم بسمة أوسع بعض الشيء وربما كانت تلك البسمة هي أكبر بسمات مسلم طوال سنوات معرفته بحاتم:
"أنا اسمي مسلم."
نظر حاتم ليد مسلم بلهفة أكبر وقد تمسك به تمسك الغريق بالقشة، يتعلق بيده وقد لمعت عيونه، يشعر أنه وجد شخصًا يفهمه في المكان، ينقذه من ظلمات هذه الجدران، أولم يفعل منذ ثوانٍ؟
"حاتم، أخوك حاتم فلسطيني أردني."
استفاق حاتم من أفكاره وهو يرى أمامه عيونه شطيرة جبن وخضار ومسلم يبتسم له بهدوء:
"حاتم، إيه مش هتفطر؟"
رفع حاتم عينيه لمسلم يلتقط منه الشطيرة ببسمة صغيرة يدرك أنه لا يتهم بأي الأهداف يتبع في حياته، وأي الطرق يسلك، طالما أنه مع مسلم، فهو اكتفى به، أخوه الذي أهدته الحياة له، شخص لن يخسره ولو بروحه، ليس بعدما شعر للحظات يائسة أنه يمتلك شخصًا يخاف عليه، شخص يحبه، ورغم كل البرودة التي كان مسلم يصدرها له وللجميع في المنظمة إلا أن حاتم يدرك يقينًا، أن مسلم كان يهتم به حينها أكثر مما يظهر، كان مسلم ينظر له نفس نظراته هو له.. أخ وسبيل نجاة.
"لا طبعًا، رح أفطر، شكرًا."
و لم يكن الشكر الأخير للطعام، بل كان شكرًا لكل شيء، فلا يدري لولا رحمة الله به أن أرسل له مسلم منذ ثمان سنوات، أين كان ليكون الآن؟ ربما جيفة عفنة في أحد سجون المنظمة.
***
"متأكد من كلامك يا عز الدين؟"
"الرجالة بلغوني أنهم شافوهم كلهم خارجين من البيت وفضلوا وراهم لغاية ما وصلوا لبداية القرية وعبروا الجسر واتحركوا بعربية بعيد عن القرية."
اتسعت بسمة البارو بأمل كبير وقد شعر فجأة أن همًا قد أزيح عن كاهله يجلس على الأريكة يتنفس الصعداء واخيرًا:
"الظاهر إن خطتك نجحت يا عز الدين وخافوا على نفسهم ومشوا."
ابتسم عز الدين بسخرية متوارية من سذاجة عمه، لكنه رغم ذلك لم يرد أن يظهر هشاشة خطته التي دمرها بعض الأغبياء:
"أكيد يا بارو، بلغتك مرات كتيرة إن أمن القرية طول ما هو في أيدي متقلقش، بس فيه حاجة محتاجين نعملها عشان نقفل أي باب رجوع ليهم."
نظر له البارو بفضول وقد اعتدل شقيقه في جلسته ينصت لولده باهتمام شديد.
وعز الدين ابتسم ببساطة يقترح عليهم ما يفكر به:
"بيت المريدي يتقفل بالضبة والمفتاح نهائيًا، وقريب نشيله كله."
ابتسم البارو مستحسنًا الفكرة وقد شعر بالراحة تنتشر لأوصاله، ينظر لشقيقه بسعادة يشاركه به الأخيرة، قبل أن يتحدث شقيقه:
"وبما إن الموضوع انتهى يا بارو، جه الوقت تنفذ وعدك."
نظر له البارو بعدم فهم، ليوضح له عز الدين ما يبتغيه:
"رايانا... تكون زوجتي يا بارو."
صمت وهو ينظر لوالده وكأنه كان هناك اتفاق ضمني مسبق على الأمر، يطيل النظر في عيون البارو الذي كان يبدو محتارًا وكأنه يرفض الأمر، لا يعلم لكنه كان يشعر أنه بعد كل ما حدث، لم يكن عز الدين هو الرجل الأصلح لابنته.
"أيوة بس أنت بالفعل متجوز يا عز الدين ومراتك بـ"
"وايه يعيبني في كده؟"
كانت كلمة قاطع بها كلمات البارو وكأن وضع رايانا أقل من السماح له بالنقاش ووضع شروط، وكأنه يقدم له جميلًا بالزواج من ابنته.
"متجوز مرتين، وده أول بخت لرايانا و...."
انتفض عز الدين واقفًا وهو يحدق في عمه برفض للاتجاه الذي تسير له المحادثة:
"ده مكانش وعدك ليا يا بارو."
"أنا موعدتش بشيء يا عز الدين غير أني هفكر، بنتي لسه أول بختها أكيد صعب أجوزها لواحد متجوز مرتين قبلها."
انتفض والد عز الدين بغضب وهو يصرخ:
"كلمتك كانت قدام الكل يا بارو، أعتقد مش هيكون كويس ليك ترجع فيها خاصة دلوقتي."
نظر لها البارو ثوانٍ وهو يحاول أن يتمالك تعابير وجهه ولا يظهر غضبه الذي يموج بداخله، هو لم يعدهم بكلمة واحدة، فقط صمت وهم اتخذوا صمته موافقة.
"خلوني أشوف الدنيا وأسأل رايانا وأرد ليكم خبر."
اعترض عز الدين يعلم أن الاختيار لو ترك بيد رايانا بين أن تتزوجه أو تحيا عزباء طوال حياتها، لحزمت أمتعتها وذهبت لحياة الرهبان في جبال الصين على أن تتزوجه، وهذا كان من شأنه أن يوقفه، لكن لا شيء خلق في هذه الحياة قد يوقفه عن الوصول لرايانا، وحينما يصل لها، سيجد طرقًا ليصل لقلبها كذلك.
***
كانت تجلس أمامها بصمت وهي لا تدري ما الذي يجب أن تتحدث به معها تشعر بالريبة فهي يومًا لم تحصل على رفيقة أو شخص تتحدث له، سوى جدتها وسافا فقط.
وهذه الآن، المرأة التي لا تدري علاقتها بمسلم والجميع، تجلس هناك صامتة بشرود.
وهي خافت أن تقطع شرودها ذلك وتحطم لحظتها مع نفسها، وفي الواقع كانت نورهان فقط شاردة فيما يمكن أن يحدث بعد ذلك، هي لم تخطط لحياتها بعد طلاقها، هل تعود للقاهرة وتواجه الجميع وتحاول النجاة بينهم، أم تظل هنا في عالم لا تعلم عنه شيئًا هربًا من الجميع وحديثهم؟
"لو عندك فرصة أنك تختاري حياتك بعد قرار مصيري، أما تواجهي الكل أو تهربي منهم، هتختاري إيه؟"
ولم تدرك أن سؤالها خرج بصوت مرتفع، مما جعل رايانا تنظر حولها بتعجب من ذلك السؤال، هل تأخذ رأيها الآن؟ أم بتفكر بصوت مرتفع؟
صمتت خوفًا من الرد لتكتشف بعدها أن الفتاة لا توجه لها حديثًا.
لكن نورهان رفعت رأسها لها تتحدث ببسمة صغيرة:
"اسمك فروشكا مش كده؟"
ابتسمت رايانا بسمة صغيرة ولم تنفِ أو تؤكد المعلومة، ونورهان ظنت أن صمتها تأكيد، هي سمعت مسلم يناديها فروشكا لتتعجب بهدوء من الاسم:
"يعني إيه فروشكا أساسًا؟"
"نوع حلويات مشهور عندنا في الأعياد والمناسبات."
"شكله حلو أوي لدرجة يسموكِ على اسمه، بس عامة اسم مختلف وجميل."
ورايانا لم توضح شيئًا وهي تهتف بصوت منخفض:
"لو تحبي ممكن أعملك تدوقي."
"معرفش ممكن أكون موجودة لوقت ما أدوق أو لا بس عامة شكرًا على ذوقك، أنا اسمي نورهان بالمناسبة ناديني نور."
ورايانا كانت كطفلة صغيرة تتعرف على عالم جديد تهز رأسها بصمت دون القدرة على التحاور معها، ونورهان لم تصمت وهي تتحدث بجدية:
"مقولتيش رأيك هتواجهي ولا تريحي دماغك وتهربي؟"
ونعم هنا أدركت رايانا أن الفتاة تتحدث لها بجدية:
"أنا طول عمري بواجه، لأني مش بيكون عندي اختيار الهروب، لكن لو في إيدي أهرب لغاية ما الكل ينساني ههرب وأستريح من معارك المواجهة."
وكان هذا رأي نابع من كل تجاربها مع المواجهات مع قريتها، لكن نورهان شعرت أنها ربما كانت إشارة، ومن رد رايانا تعشمت في حكمتها خيرًا، لذا ابتسمت وهي تقول ببساطة:
"طب لو... فيه شخص خدعك وإذاكِ، أذى كبير ولسنين هل ممكن تفكري تسامحيه أو يكون فيه فرصة تانية معاكِ، ولا قرار الفراق بيكون أحسن قرار؟"
رفعت لها رايانا حاجبها بعدم فهم:
"آذاني لسنين؟ وأنا هستنى سنين ليه على أذاه؟ كون أنه فكر يأذيني مرة ده كافي ليا عشان آخد الخطوة اللي بعدها."
"واللي هي إيه؟ الفراق ولا..."
"الانتقام، هرد ليه أذاه وبعدين يبقى أشوف الفراق، بس مش قبل ما آخد حقي."
اشتعلت عيون نورهان وهي تسمع رد رايانا وقد شعرت في هذه اللحظة أنها بالفعل أخطأت في عدم أخذ حقها من عادل قبل اللجوء لأخوتها.
"أنتِ عندك حق، أنا إزاي كنت جبانة كده عشان آخد حقي، بس معلش هيروح مني فين."
ابتسمت وقد شعرت بالسعادة للتحدث مع رايانا في هذا الأمر، تريد معرفة أين قد يصل بهم الحديث وما يجب فعله:
"طب لو الشخص اللي إذاكِ ده قابلتيه مرة ولو صدفة، ممكن تنتقمي إزاي؟"
ورايانا لم تكن تفهم مغزى الحديث لكنها أجابت ببساطة:
"على حسب إيه اللي هيرضيني، بس أول حاجة ممكن أعملها إني أضربه."
اتسعت بسمة نورهان أكثر تردد الكلمة بإعجاب وكأنها تخيلت للحظة عادل أسفل يده وهي توسع ضربًا:
"أضربه؟"
هزت رايانا رأسها بنعم، أما عن نورهان ابتسمت أكثر وهي تنظر لها:
"شكرًا يا فروشكا، ساعدتيني كتير."
"العفو."
نظرت نورهان حولها وهي تفكر في شيء ما قبل أن تتحدث بجدية:
"بقولك إيه هو مفيش سوق هنا أشتري منه حاجات للبيت، مفيش أكل ولا فيه حاجة هنا، ممكن تاخديني سوق نشتري منه أي حاجة؟"
نظرت لها رايانا بتردد لم تكن تعلم إن كان يجب فعله ذلك أم لا، وخشيت أن يعارض مسلم إن علم برغبة قريبته، لكنها رغم ذلك هزت رأسها بحسنًا.
***
"مفهوم ولا أعيد كلامي تاني؟"
كان الجميع ينظر بصدمة لما قال مسلم وقد بدا لهم مرعبًا للحظات، وقد وضع خطة استدراج عادل بعيدًا عن الأعين كي يشفوا صدورهم، نعم كان الأمر إجراميًا وغير مقبول بالكامل، لكنه لم يكن ينوي الالتزام بالأخلاقيات على أية حال بعدما تجاوز حدوده كرجل وضرب أخته.
والرد الوحيد الذي وصل له كان رد حاتم المتحمس وبشدة لتنفيذ الأمر، ورغم أن لا جمل له ولا ناقة في الأمر إلا أنه ردد بصوت قوي:
"جاهزين، لا تشيل هم، حطني عَ البداية والباقي عليّ."
نظر الجميع لحاتم متعجبين حماسته.
وعيسى ينظر له بعدم فهم:
"إيه الحماس ده يا حاتم؟ أنت رايح تدوس الراجل مش تتكرم؟"
شاركه يحيى الحماس وهو يضرب كتف حاتم بخفة:
"سيبك من ابو قلب طيب ده يا حاتم، عايزك تساويه بالاسفلت رايح جاي، أما أشوف إيه اللي بيعجب الروسيات فيه ابن الـ*** ده."
نظر الجميع صوب يحيى ثوانٍ قبل أن يتحدث أحمد بجدية:
"أنت معانا ليه يا يحيى؟ إحنا هنا عشان موضوع نور، متهزرش عشان مش فايق."
"يا عم أحمد هتفرق معاك؟ يعني هو أخينا هيغير طريقة الدوسة يعني ما كده سحلة وكده سحلة، المهم خلصونا."
زفر أحمد ولم يكد يعترض حتى قاطعهم مسلم الذي هبط من السيارة مع الجميع وتركوها مع حاتم فقط، يشير له بهدوء:
"حاتم تعلم ما عليك فعله، لن تمسه بسوء فقط بالكاد ضربة تسقطه أرضًا كي تقنعه بالركوب معك، اخترتك للأمر خصيصًا لأنه لا يعرفك كما أنني لا أثق بأخلاق أحدهم وتحكمه في ذاته غيرك."
صمت ينظر حوله ثم أكمل بجدية:
"وكمان لأنك الوحيد اللي شكلك ابن ناس ملكش في المشاكل وهو يعرفنا كلنا أساسًا وهيشك."
ابتسم حاتم وهو يجهز السيارة بسرعة مرعبة وكأنه على وشك اقتحام ميدان سباق:
"حطّ ببطنك بطيخة."
ضرب مسلم على السيارة وهو يشير له بالتحرك:
"ربنا يستر، أتوكل على الله."
وبالفعل تحرك حاتم بسرعة، والجميع يراقبه بأعين حريصة قلقة، وأحمد يهمس بشك:
"واثق في الموضوع يا مسلم، حاتم هيقدر يخلص الحوار بدون مشاكل؟"
"كنت واثق، بس حاليًا ربنا يستر."
ومن ثم راقب الجميع خطة مسلم وهي تقع في حيز التنفيذ، وقد كانت الخطة كالتالي، تظاهر حاتم باصطدام خفيف في الرجل ومن ثم يصر على اصطحابه للمستشفى، وهناك يتبعونه هم بسيارة أجرة حتى يصلون لمكان التجمع.
والآن في لحظة انصراف الموظفين، كان الجميع يضع أملًا على مغادرة الرجل للعمل بعدما خسر كل شيء تقريبًا، خاصة أن إشارة هاتفه كانت ما تزال تشير على وجوده داخل العمل.
نظروا لبعضهم البعض بترقب وقد استمر الانتظار قرابة النصف ساعة حتى لمحه يحيى وهو يخرج من العمل بوجه وملامح منقبضة، فسحب الهاتف من مسلم يتحدث بجدية:
"اهوه يا حاتم حلق على البهيمة اللي لسه خارجة من الشركة ولابس بني ده، والله ما عارف بيبصوا عليه إزاي، طب نورهان وعبيطة، الروسيات إيه مبررهم؟"
زفر مسلم بضيق وهو ينتزع منه الهاتف بضيق شديد:
"مش هنخلص يا يحيى مش هنخلص، حاتم خلصنا."
"علم وينفذ."
وبالفعل انتظر حاتم حتى استقر الرجل خارج الشركة ينظر يمينًا ويسارًا ولم يكد يتحرك صوب سيارته التي تنتظر في الجراج المقابل للشركة، حتى تحرك له حاتم صوبه بسرعة مرعبة وصوت مسلم يرن في السيارة بالتعليمات:
"فقط ضربة صغيرة حـلكن حاتم كان بالفعل قد صدم جسد عادل بقوة متوسط ضربت جسد الأخير على الأرضية الخشنة بقوة جعلته يتدحرج لمتر أمام السيارة."
ليضع مسلم يده على رأسه:
"يا مصيبتك يا مسلم."
أما عند حاتم فاوقف السيارة بسرعة وهو يهبط منها بعدما أبصر تجمع الجميع حول عادل الذي كان يحاول النهوض وهو يتأوه بوجع.
"يا متخلف يا أعمى، إيه مش شايف قدامك؟"
"بعتذر منك، ما انتبهتلك، الشمس كانت معمية عيوني."
رفع له عادل عينيه بضيق وغضب وقد كان هذا ما ينقص يومه لتفسد حياته، يلوح بيده غاضبًا:
"شمس إيه وقرف إيه على دماغك، أصل أنا ناقصك أساسًا و...."
قاطعه أحد الرجال في الطريق:
"خلاص يا بني استهدى بالله الشاب قالك مشافش، وبعدين شكله مش من هنا ومعرفش حاجة، والغريب أعمى يا بني خلاص."
"اه والله يا عمّي، أنا فعلًا مو من هون."
مال بسرعة يساعد عادل لينهض وهو ينظر لذلك الذي اختارته نورهان كي تفنى معه حياتها:
"خلّيني أساعدك نروح عَ المشفى، عشان حدّا يفحصك."
حاول عادل جذب ذراعه من بين يديه يرفض بضيق وهو يشعر بالهواء يكاد يرفض الدخول لرئتيه، كان لا يستطيع التنفس بشكل طبيعي منذ ما حدث منذ الصباح، أو بالأحرى منذ الأمس وقد انقلب عالمه بالكامل.
لكن حاتم لم يسمح له بالاعتراض وهو يجذبه بقوة صوب السيارة يعتذر للجميع ويشكرهم، وبالفعل تحرك بالسيارة دون الالتفات لاعتراضات عادل.
ينظر خلفه في المرآة يبصر السيارة التي صعد لها الجميع تلحق بهم، ليبتسم بسمة صغيرة وهو ينظر بطرف عينيه صوب عادل الذي بدا كما لو أنه سُحب لدوامة بعيدة.
***
انتهت من شراء ما تريد بالكامل والفضل يعود لتلك الفتاة معها والتي بدت على معرفة وثيقة بكل من في القرية، رغم نظراتهم لها وكأنهم يخشونها، لكن ربما هذا لمكانة رفيعة لها بينهم، كأميرة مثلًا.
ولم تدرك أنها كانت الساحرة في الواقع.
"شكرًا يا فوفو تعبتك معايا."
ونعم على مدار اليوم اعتمدت نورهان اسم فروشكا بل وصنعت لها تدليلًا، ابتسمت لها رايانا بخجل وسعادة خفية داخل صدرها لا تصدق أنها صنعت للتو صداقة بهذه السهولة، شخص لا ينظر لها بخوف ولا ريبة، الشخص الأول الذي تصادقه بعد سافا، هذا إن وصفت علاقتها بسافا صداقة، فقد كان الأمر أعمق من هذا بكثير.
وهذا يذكرها برغبتها العميقة في الذهاب لسافا بعد عودة الجميع لتخبرها بما حدث معها.
"العفو."
كانت كلمة صغيرة نطقت بها وكأنها لا تدري حقًا كيف تتعامل مع رفقة، كيف يتصرف الأشخاص حول أشخاص لا ينظرون لهم باستحقار؟ أما عن نورهان ابتسمت تتحدث بهدوء شديد:
"أنتِ كام سنة كده؟"
نظرت لها ثوانٍ تهمس بهدوء:
"٢٧ سنة."
"العمر كله يارب، كده اعتبريني أختك الكبيرة، أنا ٣٣ سنة."
ونظرة رايانا المتعجبة لها أخبرتها أنها لا تصدق هذا العمر، فنورهان في الواقع، كانت صغيرة كما لو أنها فتاة في الجامعة، قصيرة القامة مع ملامح صغيرة بيضاء وعيون خضراء مع حجاب تخفي أسفله خصلات سمراء.
دخل الاثنين لحدود منزل المريدي وأخيرًا.
"إيه بتبص ليه كده؟"
"لا أصل مش باين عليكِ الـ"
ولم تكد تكمل حديثها حتى قاطعها صرخة حادة أوقفت الحديث وفي المقابل توقفت قلب رايانا وهي تبصر جسد عز الدين الذي يقف أمام المنزل بعدما أغلقه بسلسلة حديدية ظنًا أنهم رحلوا:
"أنـــــــتِ بتعملي إيه هنا؟ ومين دي؟"
تنفست رايانا بصوت مرتفع وهي تتقدم نورهان بسرعة تخفيها خلفها وقد ملئت عيونها شراسة وهي تتحدث بصوت هادئ:
"معتقدش أنه يخصك أنا بعمل إيه أو مين دي؟"
"ميـ إيه؟ ميخصنيش؟ لا يا حلوة يخصني ويخصني ويخصني، أنتِ هتبقي مراتي."
كان يتحدث وهو يقترب منها حتى توقف أمامها لتنظر له بكره وقد ارتجف جسدها اشمئزازً من مجرد فكرة كونه زوجًا لها:
"عشم إبليس في الجنة يا عز الدين."
ابتسم عز الدين بسمة مخيفة جمدت دمائها:
"هنشوف."
حرك عينيه صوب نورهان التي كانت تتابع من خلف رايانا تود التحرك صوب المنزل لتبتعد عن ذلك الرجل المريب وتجذب معها رايانا كذلك.
لكن عز الدين قاطع كل ذلك وهو يتساءل:
"مين دي؟ واحدة من أحفاد المريدي؟ إيه سابوها ضمان مع البيت ولا إيه، وايه اللي بتعمليه معاها أساسًا؟"
"قولتك ملكش دعوة."
"لا يا بنت عمي ليا دعوة أكتر مما تتخيلي وابقي شوفي هتقولي إيه لابوكِ لما يعرف أنك ماشية في القرية مع حفيدة المريدي و...."
فجأة صمت وكأنه أدرك شيئًا ما، يقترب منها بعيون ضيقة وقد ثار صدره بغضب كبير يهمس بنبرة خطيرة:
"استني كده أنتِ إيه علاقتك بيهم أساسًا؟ الشخص اللي نبههم على الحريقة كان أنتِ؟"
اشتد ملامح رايانا شراسة وهي تهتف بجنون:
"اه يا عز الدين كان أنا هتعمل إيه؟ إيه عايز تولع في بيوت الناس، إيه هتشتغل قــ...."
توقفت عن الحديث بمجرد أن حطت صفعة من يد عز الدين على وجهها، اتسعت عيونها بقوة وقد شعرت بالإهانة ترفع عيونها له ببطء ولم تكد تتحدث بكلمة حتى جذبها عز الدين من يدها بقوة وعنف مخيف بعيدًا عن المنزل وهي تصرخ تحاول الإفلات منه ونبرة التوعد هي كل ما سمعت نورهان وهو يصرخ في وجهها:
"الأحسن ليكِ تفكري هتقولي إيه لابوكِ على اللي عملتيه معانا، أيامك الجاية هتكون سواد يا رايانا وأنا بنفسي اللي هوريكِ الويـــــــــــل."
ارتجف جسد نورهان وهي تتحرك بسرعة صوب المنزل تخرج هاتفها تحاول الاتصال بمسلم لتخبره ما يحدث، لكن فجأة توقفت بصدمة حينما أبصرت بوابة المنزل مغلق بسلاسل حديدية وهي بالخارج وقد بدأ الليل يجن عليها.
نظرت حولها للمكان والقرية الغريبة، هي هنا وحدها دون رفيق خارج المنزل، ألقت الحقائب التي كانت بيدها أرضًا تتمسك بالهاتف تحاول الاتصال بهم وكأنهم طوق النجاة لها.
***
"أنت وقفت هنا ليه؟"
كان سؤال خرج من فم عادل، وهو يحدق بالطريق الفارغ حوله وكأنهم على مشارف الصحراء، ولم يكد يتبعه بكلمة إضافية حتى وجد الباب جواره يُفتح بعنف وجسده يُجذب للخارج ليقابل أول وجه.. أحمد الذي ابتسم له بسمة مخيفة.
"دولا والله زمان يا ***."
اتسعت عيون عادل وهو ينظر لأحمد، ولمن خلفه يبصر الجميع عيسى ويحيى، وشاب آخر يبدو خطيرًا. استدار بسرعة يحاول العودة هربًا للسيارة، لولا أن السائق هبط وهو يشمر أكمامه مبتسمًا.
تراجع بعيدًا عنهم وهو يتحدث بريبة:
"أحمد... خلينا نتكلم بالعقل يا أحمد، اختك هي اللي قلت أدبها عليا و..."
وقبل إكمال جملته كان أحمد ينقض عليه بقوة يحطم فكه، وصوته يصدح في المكان:
"بتخونها وترفع ايدك عليها؟ ليه جايبها من الشارع يا حيوان."
حاول عادل التحدث، لكن يحيى أمسكه من رقبته وهو يعاجله بلكمة جعلته يصطدم في السيارة، وحاتم يتابع بهدوء تاركًا لهم فرصة الانتقام كما يريدون.
عيسى يضرب ويحيى يمسك به، ومن ثم يحيى يضرب وأحمد يمسك به، كل ذلك ومسلم يراقب حتى انتهى الجميع منه تاركين إياه بلا حول ولا قوة أرضًا.
اقترب منه مسلم وراقبه ثوانٍ يميل جالسًا القرفصاء جواره يخرج هاتفه ينقر على بعض الأزرار قبل أن يرفع هاتفه في وجه عادل الذي كان يفتح عينيه بصعوبة، لكن بمجرد أن أبصر ما يُعرض على هاتف مسلم حتى انتفض جسده انتفاضة مؤلمة، جعلت مسلم يبتسم وقد احتفظ بآخر ورقة له، فيديو حقير كان يراسل به فتاة يحتفظ به العزيز عادل على هاتفه لا يدري تفاخرًا أم لتهديد المرأة معه به.
"طبعًا أنت عارف إن اللي حصل ده لو حد عرف بيه، هخليك أشهر من أي تريند في مصر، مش كده؟"
نظر له عادل بفزع:
"أنت... أنت إزاي... مين اللي.... وصلت للفيديو ده إزاي؟"
"نفس الطريقة اللي وصلت بيها لكل بلاويك، ورقة طلاق اختي توصلي على البيت انهاردة قبل بكرة."
رمقه بعدم فهم وتشوش يحاول معرفة هويته:
"اختك؟ أنت....مسلم؟"
"الله ينور عليك."
ومن بعد هذه الكلمة كانت لكمة مسلم تحطم فكه بالكامل وهو ينهض ساحبًا هاتف عادل يفتح مكالمات الطوارئ يتصل بالإسعاف يبلغهم بمكان تواجده، ومن ثم أشار للجميع بالتحرك.
نظر نظرة أخيرة صوب عادل الذي كان يأن ويتأوه أرضًا وحده، وفي الواقع مشهد كهذا كان ليثير غضبه سابقًا وإنسانيته ويرفضه رفضًا قاطعًا، لكن الآن.. حسنًا الآن هذا يرضيه وبشدة.
صعد الجميع للسيارة يتحركون بها بعيدًا عن المكان وقد تنفس أحمد وكأنه أخيرًا وصل للراحة المرجوة، وحاتم يتحرك بهم خارج المكان بأكمله.
في نيته التوجه صوب الطريق للقرية، لولا صوت مسلم الذي ردد بجدية:
"فيه حاجة حابب أشتريها قبل ما نرجع، ابقى اقف عند أي محل هدايا."
نظر في المرآة يتحدث بجدية:
"كلمت نور يا أحمد اطمنت عليها؟"
"لا مكانش فيه وقت، هتصل بيها."
هز مسلم رأسه وهو يستند على المقعد خلفه، يتنفس بهدوء مغمضًا عينيه وأول ما أبصره هو صورتها وهي تبتسم بخجل تطالبه بتلك الهدية الصغيرة.
***
كان يجلس في بهو منزله مع زوجته وهو يتحدث معها محاولًا إقناعها بأمر الزواج الذي شعر بنفسه يُجبر عليه قبل ابنته، لكن فجأة انتفض الجميع على صوت صرخات مرتفعة قادمة من الخارج.
نهض البارو بسرعة وبصدمة كبيرة وقد تعرف على صوت الصرخات التي تصدح في المكان، ولم يكد يركض صوب الباب ليتبين له ما يحدث.
عز الدين يجذب رايانا من خصلاتها بشكل عنيف مهين قبل أن يلقي بها أرضًا ومن ثم انكب عليها بصفعات وقد باغتها قبل أن تتمكن من الدفاع عن نفسها.
يضربها بجنون وهي فقط تحاول الدفاع عن نفسها صارخة، وهو فقط يستغل كل صفعة ليخرج بها إحباطه من تجاهلها له، وسخريتها منه وتقليلها منه، كان ينتقم منها على كل لحظة عذاب عاشها بسببها.
صرخت شيما وهي تركض صوبه تدفعه من صدره بجنون تجذب رايانا لصدرها بعنف:
"ابعد... ابعد عنها أنت اتجننت."
صرخ عز الدين وهو يتنفس وقد بدأ يشعر براحة كبيرة حينما أفرغ فيها كل ضيقه:
"ما هو أنتم لو تعبتوا نفسكم في تربيتها مكانش حصل ده كله."
ختم حديثه وهو يتجهز لجذبها من بين أحضان شيما، وهي فقط صامتة جامدة تتلقى الضربات دون كلمة واحدة.
بينما البارو وقبل اقترابه منها خطوة ثانية اندفع له يدفعه للخلف بعنف صارخًا:
"عــــز الديـــن أنت اتجننت؟ إزاي تتجرأ تلمس بنتي بالشكل ده، أنت فـــــاكر نفسك ميـــــن؟"
رفع عز الدين عينيه في وجه عمه وهو يبتسم بسخرية:
"فاكر نفسي مين؟ فاكر نفسي الراجل اللي هيربي بنتك اللي معرفتش تربيها."
نظر لرايانا التي كانت تستند على صدر شيما دون حركة واحدة، بوجه جامد، وملامح شاحبة:
"بنتك هي اللي قالت ليهم على حوار الحريق، ومش بس كده دي كمان رايحة جاية على بيت المريدي والله أعلم بتعمل معاهم إيـ..."
"عــــــز الديــــــن، اخـــــرس وألزم حدودك."
نظر له عز الدين بغضب شديد وقد اشتد ضيق صدره من عمه وبلغ منتهاه:
"ماشي يا عمي هلزم حدودي، بس متنساش أنت تعرف بنتك حدودها، لأني مش هقبل مراتي تتصرف بالشكل ده والمرة الجاية هيكون بموتها."
ختم حديثه وهو يتحرك خارج المنزل بغضب شديد تاركًا البارو يراقب خروجه بعصبية شديدة، بينما شيما سارعت تجذب رايانا بخوف وهي تحفزها للتحرك، تخبرها أن تلحق بها صوب غرفتها تجنبها والدها في هذه اللحظة.
وبالفعل بمجرد أن دخلت غرفتها تحركت للفراش دون كلمة واحدة، تنزل أسفل غطائها، تجذبه تخفي به كامل جسدها، وقد بدأت دموعها تتساقط بقوة وتنفسها يضيق حتى شعرت أنها لا تستطيع سحب شهيق.
***
توقف أمام رفوف ممتلئة بكرات الثلج المنيرة، نفس الهدية التي طلبتها، يحرك عينيه على كل الأنواع أمامه بحيرة، أخبرته أن يحضر لها واحدة، لكنها لم تحدد أيهم تريد، راقصة باليه أم دب صغير أم زوجين يتراقصان؟
كان يسمع صوت أحمد في الخلف وهو يتذمر من عدم قدرته على الوصول لهاتف شقيقته، تنهد يمد يده يلتقط واحدة متوسطة الحجم بها فتاة صغيرة تحمل بين كفيها فراشة ملونة تضيء بألوان متعددة ويتحرك بها كرات ثلج صناعية.
ابتسم يتحرك صوب منطقة الاستقبال ليد
رواية أرض الدوم الفصل الثامن 8 - بقلم رحمة نبيل
بداية يوم جديد، ومع مشارف فجر جديد، كانت تجلس جوار النافذة وهي تضم قدميها لصدرها، تنظر الخارج بأعين دامعة، تحاول أن تنام، لكن الخوف مما ينتظرها في ظلمة أحلامها حال ما دون ذلك.
أصوات تتكرر في أذنها، وهمسات خافته ولمسات تجعل جسدها يرتجف.
"هنروح نشتري شوكولاتة ونرجع بسرعة متقلقيش."
وليتها فعلت، ليتها شعرت بالقلق، ليتها فهمت ما يحدث، لكن حتى حينما كان يتلمسها بشكل غير مناسب لم تكن تفهم ما يحدث ولم تبعد عيونها عن قطعة الحلوى التي أحضرها لها، لم تفهم ولم تدرك ما يحدث لها، أدركت ما حدث فقط بعد سنوات طويلة، سنوات طويلة كانت تتنقل بين أيادي كثيرة وكأنهم اتفقوا على تشارك غفلتها، وصغر عمرها وقلة معرفتها بما يفعلونه، اتفقوا خفية على استغلال كل براءة داخلها لينالوا متعة لحظية تمنحها لهم فتاة صغيرة لم تتخطى الخامسة من عمرها.
ارتجفت يدها وهي تستند على الجدار جوارها تنهض بصعوبة وقد أخذت قدمها ترتجف وهي تتحرك في ظلام منزلها، ظلام كان أشد رحمة عليها من نورهم، عتمة اخفت ندوبها.
تتحرك بقدم مرتجفة صوب مطبخها تفتح الثلاثة تخرج منها بعض الطعام تجذبه بين أحضانها وهي تجلس ارضًا، قبل أن تنقض عليه تتناول دون توقف، تتناول كل ما تقع يدها عليها، وهي تمسح دموعها.
كان الطعام منذ طفولتها وسيلة جيدة لتفريغ كامل الضغط في نفسها، تأكل وتأكل حتى تصل لمرحلة لا تقدر فيها على التنفس.
هرولت صوب المرحاض وهي تدفع أصابعها في فمها تجبر نفسها على التقيؤ، وقد رفض جسدها كمية الطعام التي تحاول سحقها داخل معدتها.
واخيرًا انهارت ارضًا ترتجف وهي تضم نفسها تحاول أن تزحف بعيدًا عن أرضية المرحاض، لكنها في النهاية يأست لتستقر هناك وهي تحدق في السقف بأعين شاخصة.
تهمس كلمات خافتة غير واضحة وصوت كان يخرج بنبرة باكية، ودموع تتسابق على وجهها.
" سقفي للعصفورة....سقفي للعصفورة ."
كانت تردد الكلمات وهي تتذكر صوت ذكوري يتردد في أذنها بنبرة لاهثة يشير على عصفورة صغيرة في قفص معلق في السقف، يشير عليها مبتسمًا:
"يلا يا سافا، سقفي للعصفورة."
ونعم كانت تفعل بكل براءة، وكيف لا وهي جاءت خصيصًا معه لمنزله الذي خلى من سواه لأجل رؤية العصفور الذي لا ينفك أن يزقزق كلما صفقت له، تصفق ويغرد، لتدرك لاحقًا أنه لم يكن يغرد سعادة بالتصفيق، بل حسرة على اغتيال براءتها بلمسات صاحبه.
حتى العصفور كان يدرك ما يحدث وهي كانت جاهلة.
ظلت ساعات حتى شعرت أن جسدها تيبس من جلستها، لذا نهضت بصعوبة وهي تتحرك صوب غرفتها تحاول التماسك، تنظر للقمر الذي كان ينير غرفتها على استحياء وكأنه يخجل من كسر عتمة قلبها.
دارت بعيونها في المكان، قبل أن تلقي نفسها على الفراش تجذب الغطاء على جسدها، تتنفس بصوت منخفض مرتجف وصوتها كان يخرج باكيًا بكلمات غير مفهومة، لكنها وبعد ليلة صعبة اخيرًا سقطت في غفوة طويلة، وكم تمنت ألا تستيقظ منها.
***
ويبدو أن الليل لم يكن قاسيًا فقط على سافا، فعلى جانب آخر كانت تجلس رايانا على الفراش وهي تبكي تنادي اسم والدتها، والدتها التي لم تبصرها ولم تشعر بحنانها.
لكنها كانت تدرك داخلها أنها ربما، ربما كانت متواجدة لم تكن لتقبل بما ينالها من ظلم، ربما لم تكن لتفعل، أو ربما هي أوهام تتمسك بها لتحيا، لتكمل.
"ماما....يا ماما."
كان جسدها ما يزال يأن من الضربات التي وجهها لها عز الدين، ضربات لم تمس جسدها فقط بل كبريائها، أن تُضرب من عز الدين على مرأى ومسمع من والدها، حطمها كما لم يفعل شيء.
شعور أن والدها لن يحرك ساكنًا وهي تُضرب أو حتى تُقتل أمام عيونه، جعلها تبكي بصوت مرتفع وشهقات أخذت ترن في المكان.
إن لم يكن والدها جدار حماية فأنى لها من ضربات الحياة من منفذ؟
تضم قدميها لصدرها وصوت بكائها كان يصدح في المكان ترفض أن تجيب على أحد أو أن تسمح لأحدهم بالدخول، حتى سمعت صوتًا خافتًا ضعيفًا يهمس لها من الخارج:
"رايانا يا بنيتي، افتحي لجدتك، لا توجعي قلبي يا بنتي."
سقطت دموع رايانا أكثر هي تزيد من بكائها، تأبى أن تواجه جدتها بهذه الحالة، والجدة في الخارج تحاول أن تجبرها على فتح الباب، تنظر لولدها بغضب:
"الله ينتقم منكم كلكم، الله ينتقم منكم كلكم، البنت هتموت بسببكم، وربي اغضب عليك ليوم الدين، البنت لو حصل ليها حاجة اغضب عليك ليوم الدين ولو بينك وبين الجنة رضايا ما أنا راضية عنك يا عزيز."
ختمت حديثها الذي ألقته في وجه البارو تتحرك تاركة الأخير يحدق فيها بصدمة كبيرة وجواره شيما التي كانت تراقب من يحدث بحزن وقلب منفطر على صوت بكاء رايانا.
نظرت لزوجها بغضب وضيق شديد، قبل أن تركض تاركة إياه وحده يواجه باب غرفة ابنته المكسورة.
اقترب منه ورفع يده ولم يكد يطرق على الباب حتى استمع لصوت بكاء رايانا وهي تنادي والدتها، أبعد يده عن الباب بغضب من كل ما يحدث حوله وقد استنفذ كل ما يحدث طاقة صبره على عز الدين ووالده.
ابتعد عن الباب بحزن من صوت بكاء طفلته، وهو يتحرك بعيدًا بتعب وقد شعر أن كل شيء حوله يستنزفه.
أما عن رايانا في الداخل شعرت بنفسها تختنق، لذا نهضت عن الفراش وهي تتحرك صوب الشرفة الخاصة بها تجلس بها تحاول التنفس بشكل طبيعي وقد وقعت عيونها على منزل عمها لتزداد دموعها، لكن هذه المرأة لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع غضب.
تراقب المنزل بعيون باكية شاردة بشكل غريب، قبل أن تبعد عيونها صوب السماء تراقبها وقد شعرت للحظات باليأس، اليأس من كل شيء، ظنت أنه ربما يومًا ما، ربما يومًا ما تخرج من هذا السجن، لكن يبدو أنه قُدر لها الموت به، بلا منفذ ولا منقذ.
***
"أنت اتجننت؟؟ مسلم أعقل أنت حصل ليك ايه؟؟ هتروح ليهم ازاي لوحدك ؟! دول ممكن يخلصوا عليك."
ضغط مسلم على الحقيبة بيده وهو ينظر صوب أحمد يدرك أنه محق، لكنه ومنذ علم من نورهان ما حدث وقد اشتعلت نيران داخل صدره، تنفس بصعوبة وهو يرفع عيونه بالجميع:
"عايز اعمل ايه ؟؟ نبات برة انهاردة عشان خايفين نروح نكلمهم في بيتهم ؟؟"
كانت حجة حقيرة ليتحرك صوب المنزل يتفقدها، وقد بدا أن لا نوم له اليوم إن لم يطمئن عليها.
"طب ما نكسر السلسلة اللي محطوطة على الباب."
كان جملة أحمد الذي تعجب مقدار الشر النابض من ملامح مسلم، أجاب حاتم وهو يتحسس السلسلة بهدوء والتي كانت غليظة وبقوة:
"ما بظن هالسلاسل المعدنية ممكن تنكسر، ما إلها حل غير الصهر."
مسح يحيى وجهه بضيق وهو يجلس على الدرج الخاص بالمنزل:
"أو نروح البيت ليهم نـ.."
صمت وهو ينظر لنورهان التي كانت تجلس جواره يتحدث بجدية:
"سدي ودانك."
"ده على أساس أنك مكسوف تشتم قدامي ؟؟"
"لا بس عشان مسلم مش بيحب اجرح مشاعر البنات بلساني."
قلب مسلم عيونه بضيق وقد انتهى من كل هذا يتحرك صوب البوابة وقد شمر اكمامه دون كلمة، والغضب المستعر في عيونه، ولم يكد حاتم يتحرك خطوة خلفه حتى صاح بصوت مرتفع دون الالتفات له حتى:
"لا تلحق بي حاتم."
ومن ثم تركه يتقدم صوب المنزل بقلب مثقل بالغضب والضيق، وإن سأله أحدهم ما الذي يشعره بالغضب، قفل منزلهم بهذا الشكل وكأنهم اليد العليا، أم ضرب الخسيس لفروشكا، فسيقول أن كلاهما، فهو لا يرتضي لامرأة أن تُمس بسوء وخاصة بسببه.
لكنه يعلم في أعمق نقطة داخله، نقطة صغيرة جدًا ينكرها، أن الأمر ليس كذلك، وأن غلق المنزل لا يعينه بقدر ما أصابه ضرب الفتاة بالجنون، يمكنه تحطيم الباب بالكامل ولا يهتم.
كان يعلم أن هذه الفتاة ومنذ أول مرة لمح وجهها أنها ستسبب له الكثير من المشاكل، لكنه ورغم معرفته هذه لم يستطع تجنبها أو تجاهل نظراتها التي تتوسل حمايته.
كانت عيونها تتوسله العطف والمساعدة، رغم حركات جسدها المتمردة والتي تشعرك أنها على وشك الهجوم عليك.
تنفس بحدة يتوقف أمام منزل البارو ينظر للحقيبة بيده والتي أحضرها لها خصيصًا يشعر بالغباء والضيق من نفسه وقد تجاوز حدوده بكثير من الخطوات، وشيء داخله يخبره أنه يرتكب خطأ كبير، لكن ذلك الشيء لم يتمكن من صفعه الصفعة التي ستوقف جنونه.
استقام بجسده أمام منزل البارو ينظر له بأعين غائمة، قبل أن يتحرك بكل هدوء الداخل دون الاهتمام بأحد، هذه المرة دخله من الباب الأمامي، يتوقف أمام الباب الذي كان مفتوحا على مصراعيه كالعادة، ولم يدخل قبل أن يطرق بابه بقوة.
وفي المنزل المجاور حيث يسكن عز الدين.
تحركت والدته داخل المنزل بسرعة كبيرة بعدما كانت جالسة في الساحة الأمامية للمنزل مع بعض النسوة، تهتف بلهفة:
"عز يا عز..."
خرجت زوجة عز الدين من الغرفة وهي تنظر لها بعدم فهم لهذه اللهفة:
"خير يا أمي، فيه حاجة ولا ايه ؟!"
صرخت المرأة في وجهها بفظاظة:
"وأنت مالك، انجري جوا ونادي جوزك."
والفتاة نظرت لها بكره شديد، وكأنها تبتغي انقضاضًا على رقبتها تخرج روحها بين يديها، لكنها رسمت الطاعة رغم ذلك وابتسمت تتحرك بهدوء للداخل، وما هي إلا ثواني ووجدت عز يخرج بملامح متأففه:
"خير مصيبة ايه تاني اللي جاية بيها ياما ؟!"
انكمشت ملامح والدته بضيق شديد من فظاظته وتحدثه معها وكأنها شيء لا يستحق الاحترام، وكل ذلك منذ اليوم الذي منعته به من التقدم والحصول على رايانا حينما جاءهم بلهفة يخبرهم برغبته في الزواج بها.
"خير يا قلب أمك، بس وانا برة شوفت واحد من أحفاد المريدي داخل بيت عمك وشكله مش ناوي خير."
أسود وجه عز الدين بعدم فهم:
"واحد من أحفاد المريدي ؟!"
"أيوة يا خويا نفس الجدع اللي كسر دراعك."
وعند هذه الكلمة كانت كما لو أنها تنتقم منه وقاحته معها، لكنه لم يهتم وهو يدفعها جانبًا يركض خارج المنزل بسرعة دون حتى أن يتوقف لأرتداء الحذاء.
وصل لمنزل عمه الذي كان يجاوره.
ليجد مسلم قد دخل بالفعل لمنتصف البهو حيث كان يجلس عمه مع جدته وزوجته الثانية.
"أنت بتعمل ايه هنا يا جدع أنت ؟! ايه البجاحة اللي تخليك تيجي لغاية بيتنا بالشكل ده."
ومسلم لم يحرك ساكنًا وهو يضغط على الحقيبة قبضته حتى كادت البلورة في الداخل تتهشم تحت وطأة ضغطه، لولا خوفه من ذلك.
ظلت أنظاره معلقة على البارو دون أن يهتم بوجود عز، يهتف بجدية وبهدوء شديد:
"مش جاي اعمل مشاكل ولا أفزع نساء يا بارو، بيتك ليه حرمته، وانا بحترمه مش زيكم، عشان كده بهدوء محتاج مفتاح القفل اللي على باب بيت جدي."
رفع البارو حاجبه بضيق وقد تذكر ذلك اليوم الذي ذهب فيه يسأله الرحيل بهدوء وسخر منه هو ومن معه، لا يزال يتذكر وقاحة بعضهم، لذا ابتسم بسخرية:
"ولو معملتش كده هتعمل ايه ؟؟"
"افضل متوصلش معايا للنقطة دي، أنا لغاية دلوقتي بتعامل بتربية اهلي ليا، بلاش توصلني لمرحلة تربيتي لنفسي."
رفع البارو حاجبه بسخرية:
"ويا ترى ايه هي تربيتك دي يا ابن المريدي ؟!"
"نفس تربيتكم بس على اسود كده، تربية زبالة يا بارو."
ختم حديثه في اللحظة التي هجم فيها عز الدين عليه وهو يصرخ بجنون:
"أنت فاكر نفسك مين يا ...."
وقبل إكمال كلماته أبعد مسلم الحقيبة بعيدًا عن مرمى يده وكأنه يحميها من لمسات عز القذرة، ثم رفع قدمه يضرب معدة الأخير مسقطًا إياه ارضًا لتتعالى صرخاته في المكان.
كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع الجميع وقد ارتفع صوت مسلم بتحذير:
"أنا قولت مش عايز اعمل حاجة احترامًا لنساء بيتك يا بارو، بس الواضح أنكم اساسًا لا تعرفوا حرمة ولا بتحترموا نساء."
ختم حديثه وهو ينظر لعز الدين بغضب وقد خمن أنه هو نفسه الرجل الذي ذكرته نورهان، طويل البنية نحيف بعض الشيء مع أعين ملونة وملامح حادة ولحية كثيفة بعض الشيء، كل مواصفات ذلك القذر تنطبق على عز الدين وهذا يذكره أن يضعه على قائمة أولوياته بعدما ينتهي من هذا ويحضر مفتاح المنزل.
ويطمئن عليها.
وبالحديث عنها، كانت تجلس في الشرفة وهي تضم نفسها في أرضيتها ترفض الخروج أو السماع لأحد، حتى فجأة قفزت ضربات صدرها بشكل غريب حين تناهى لمسامعها صرخات وصوت تعلمه جيدًا.
انتفضت من مكانها بشكل مرعب وهي تركض خارج الغرفة بسرعة وقد كان الخوف هو سيد المشاعر التي تتصارع داخلها، وصوت وسوس لها أن عز الدين والرجال أمسكوا بمسلم واذوه.
تحركت صوب السور الخاص بالدرج والرعب يسكن عيونها قبل أن يتلاشى ببطء وتتسع عيونها بشكل كبير وهي تبصر مسلم يمسك رقبة عز الدين، والأخير يتحرك بين يديه بشكل مريع كدجاجة تلفظ آخر أنفاسها بعد الذبح.
ابتسمت بسمة واسعة وقد كان هذا مشهد تحب رؤيته لتنام نومة هنئية بدل النوم باكية.
أما عن مسلم فضغط ضغطة إضافية على رقبة وهو يبتسم له بسمة واسعة كانت بسمة مجنون في لحظات اعترافه باكثر جرائمه ترويعًا:
"أنت لو استمريت بالقذارة دي كتير فصدقني محدش هيدفنك غيري، بلاش تختبر صبري لأنه مش موجود، وبلاش تختبر كرمي لأنك مش هتلاقيه."
أخذ عز الدين يحاول التحرك بين يديّ مسلم، في اللحظة التي اقترب بها البارو وهو يصرخ به أن يتركه قبل أن يلفظ أنفاسه بين قبضته، لكن مسلم رفع عيونه للبارو بهدوء وبرود شديد وفي خلال ذلك ابصرها.
تقف وهي تحدق فيه بعيون منبهرة كالعادة وكأنها ترى في اذيته لعز الدين أسمى افعاله، لكن إلى جانب الدموع لم يغفل عن علامات وجهها التي تدل أنها لم تتلقى مجرد صفعة كما ذكرت نورهان.
ودون شعور ضغط أكثر على رقبة عز الدين وقد اسودت نظراته، وعز الدين يصرخ والجميع ينوح حوله أن يتركه، لكنه فقط كان ينظر لرايانا وكأنه ينتظر منها هي الصفح، ينتظر منه هي كلمة واحدة تخبره أنها تسامحه ليتنفس يومًا اضافيًا في هذه الحياة.
وهي فقط كانت تراقب بجمود لا تفهم ما يحدث فقط تتنفس ودموعها تهبط بقوة قبل أن تتغير نظراتها لخوف حينما بدأت حركة عز الدين تخمد شيئًا فشيء فصرخت وهي تركض للاسف.
وعند هذه النقطة تركه مسلم بقوة لدرجة اصطدمت رأسه فى الارض بعنف، ليسقط عز الدين يتلوى ارضًا وهو يسعل بقوة وقد حال لون وجهه للأزرق، أبصر لتوه الموت بعيونه قبل أن ينجو بصعوبة.
أما عن مسلم نظر للبارو نظرة باردة يبعد عيونه بهدوء عن رايانا وكأنه لا يعرفها:
"المفتاح."
نظر له البارو بغضب وقد اشتد كرهه لذلك الرجل يهتف بصوت قوي وجنون:
"اللي بتعمله ده مش هيعدي بالساهل."
ومسلم لم يهتم بالرد فقط ظل ينظر له، قبل أن يتحرك البارو صوب المكتب الخاص به ليحضر المفتاح وطواحين عقله تدوي بقوة.
أما عن مسلم فنظر صوب رايانا بعيون باردة بعض الشيء:
"أنتِ كويسة ؟!"
ارتجفت وهي تنظر حولها للجميع وهو يتحدث معها دون أن يحاول إخفاء الامر، وفي الواقع لم يكن أحد منتبه لما يحدث فقد انشغلت شيما في محاولة مساعدة عز الدين الذي كان شبه فاقد للوعي، بينما كان المستمع الوحيد لهم هي جدتها التي راقبت ما يحدث بهدوء غريب وبسمة صغيرة.
هزت رايانا رأسها بهدوء وقبل قول كلمة، وجدت حقيبة ملونة بين أحضانها وقد دفعها لها دون كلمة واحدة، وقد كانت هذه أغرب طريقة يمنح بها أحدهم آخر هدية.
تلقتها بين أحضانها بعدم فهم، تفتحها بتسائل قبل أن تشهق بصوت شبه مسموع ولم تكد تتوجه له بكلمة حتى جاء والدها يلقي له بالمفتاح.
ليلتقطه مسلم وهو يبتسم له:
"كان ممكن نوفر كل الدراما دي على أهل بيتك يا بارو، بس الواضح إنك مستبيع."
ختم حديثه بنبرة حادة، قبل أن يستدير ويرحل بكل بساطة دون كلمة إضافية ولا حتى نظرة، بينما رايانا تقف في الخلف وهي تضم الحقيبة بحرص لصدرها وقد لمعت عيونها بدموع، ولأول مرة لم تكن دموعها حزنًا، بل كانت سعادة.
تراقب رحيله بأعين دامعة قبل أن تتساقط دمعة صغيرة تهمس بصوت منخفض تدرك أنه لن يصل له:
"شكرًا يا مسلم......."
***
يجلس بعيدًا تاركًا لهم حرية التحدث مع اختهم وقد احتل بجسده المقعد أسفل الشجرة التي تحيط المنزل بفروعها الضخمة، تلك الشجرة التي قاومت طوال سنوات رغم كل الذبول الذي كاد يتمكن منها.
ينظر بهدوء صوب الجميع يراقب نورهان التي كانت مستقرة بين أحضان احمد يربت عليها بهدوء.
"يعني خلاص هيطلقني يا أحمد ؟!"
نظر لها احمد ثواني قبل أن يتحدث بهدوء يترك لها الإختيار حتى اللحظة الأخيرة:
"أنتِ حابة ايه يا نور ؟!"
سقطت دموع نورهان بقوة وهي تطلق شهقة صغيرة جعلت حاتم يبعد عيونه بسرعة ينظر ارضًا متظاهرًا بتأمل الأرض أسفل أقدامه، وصوتها يصله متقطعًا:
"حابة لو ترجعلي سنيني اللي ضيعتها عليه يا أحمد، صعبان عليا حياتي واللي عملته فيها..."
ضغط حاتم على الغصن الذي كان يتلاعب به ارضًا، يرفع عيونه ببطء صوبها يراقبها تستكين بين أحضان أحمد بهدوء شديد رغم انتفضاض جسدها ببكاء هادئ.
وأحمد ابتسم بسمة صغيرة:
"يعني ضيعتي نص عمرك بقرار غلط، هتضيعي باقيته بالعياط على القرار ده ؟! هتفوقي امتى لنفسك وحياتك يا نور ؟؟"
رفعت لها نورهان عيونها الباكية تتساءل بأمل:
"تفتكر فيه أمل ؟؟"
"طول ما أنتِ مترددة كده لا، لكن لو رجعتي نور أختي اللي محدش يقدر عليها هيكون فيه أمل، بعدين الحياة مش هتقف وخاصة لو بسبب واحد زي ده، فوقي كده يا نونو وبكرة يجي اللي ينسيكِ الحيوان ده وكل اللي قبله."
ابتسمت نورهان بحسرة وسخرية لاذعة:
"يجي ايه بس يا أحمد أنا كبرتي خلاص، أنا هتم الـ ٣٣ كمان شهرين."
أبعدها احمد بضيق وهو ينظر لها من أسفل رموشه:
"قصدك ايه يعني ؟! بتلقحي عليا ؟؟ ده انا لسه مدخلتش دنيا وتميت الـ ٣٥ سنة من شهر."
امتص يحيى شفتيه وهو يستند على درجات المنزل خلفه ينظر للسماء:
"كان زمانك دلوقتي عندك عيلين قد عيسى لو كنت اتربيت وطاوعت ابوك واتجوزت."
"ولا خليك في نفسك، بعدين عيسى ايه اللي اجيب عيلين قده ؟!"
تدخل عيسى في الحديث بضيق وقد ظن أنه يسخر منه:
"ماله يعني عيسى مشرفش ولا ايه ؟!"
"يابني تشرف ايه هو انا هتقدم ليك ؟! ده أنت ١٩ سنة اجيب اتنين قدك امتى ؟؟"
ابتسم يحيى يخمن بسماجة:
"يمكن توأم."
رماه أحمد بضيق ولم يعلق يتنهد بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه:
"يارب توب عليا من عيال خالتي سنية، حتى الوحيد اللي كان فالح فيكم فسد في الغربة."
نظر فجأة صوب حاتم الذي كان يلعب شاردًا بشكل غريب، يخرجه من شروده يجذبه للحوار معهم متسائلًا.
"هو مسلم كان بيتشغل ايه يا حاتم في الغربة عشان يرجع بالمنظر ده ؟؟"
رفع له حاتم عيونه وكأنه لم يدرك أن الحديث له سوى الآن حينما شعر بجميع العيون عليه.
وعلق يحيى بإدراك:
"تقريبا كان قال شغال في شركة هندسة مش كده ؟!"
ابتسم لهم حاتم بسمة صغيرة حاول أن يخفي بها سخريته من براءة أفكارهم حول مسلم، يهز رأسه بهدوء وهو يفرك خصلاته بحيرة:
"آه، آه صحيح، كان يشتغل مهندس بشركة، بس بيئة الشغل كانت قاسية شوي، فغيّرت مسلم شوية."
لوح يحيى ساخرًا:
"شويّ؟؟ شويّ ايه يا ابو الشباب؟! أنت شكلك مشوفتش مسلم اخويا كان عامل ازاي زمان ؟؟"
وهذه كانت حقيقة، لم يكن لحاتم الفرصة لرؤية أو التعامل مع مسلم القديم اللطيف، لم يبصر منه سوى الجزء الذي صنعته المنظمة، الجزء المظلم من روحه بعدما تخلصوا من كل ذرة شفقة وبراءة في جسده، لا يزال يتذكر أول مرة أبصر مسلم في قفص قتال، كان وقتها مختلًا، وهذه لم تكن كلمة مجازية، فلقد تسبب مسلم في ذلك القتال يومها في أصابة نصف الرجال بالاشمئزاز، وقد بذل هو شخصيًا الكثير ليحتفظ بغدائه داخل معدته ذلك اليوم.
كان مسلم مرعبًا وما يزال، رغم أنهم ومنذ عاد لمصر أصبح...طبيعيًا.
"لا، ما سبق إلي وتعرّفت عليه قبل، من أول ما عرفته وهو هيك زي ما هو."
امتص يحيى شفتيه بحسرة امرأة عجوز تُشهد النساء على ولدها الحبيب قبل أن تغيره زوجته الشريرة عليها.
"مسلم ده حبيب قلبي كان عامل زي النسمة، مكان ما تحطه بتلاقيه، في أي تجمع يقعد ساكت مبتسم وهادي، تقوله كلمة يقولك حاضر، تشتمه يقولك الله يسامحك، تشكر فيه يقولك والله ابدا أنت احسن مني."
كان يصف مسلم وهو يشعر بالحسرة على ذلك المسلم القديم:
"كان رفيع ومفيش فيه عضلة واحدة زي....زي عيسى كده."
ختم حديثه وهو يشير على عيسى الذي كان يجلس وهو يستمع بهدوء، قبل أن يجد نفسه مضرب مثل ليحيى، عيسى والذي كان طويل القامة أكثر من يحيى ونحيف بعض الشيء رماه بنظرة غاضبة، لكن يحيى لم يهتم وهو يكمل.
"كان أكثر إنسان مسالم في الحياة، يلا الله يمسي ولاد الـ ... اللي علموا عليه وخلوه كده."
وحاتم شعر أنهم يتحدثون عن شخص آخر، فهو لا يستطيع تخيل مسلم كما يخبره يحيى بأي شكل من الأشكال، مسلم والذي حتى كان يتخيله في طفولته بعضلات وملامح قاسية باردة، الآن يأتي يحيى ليحطم كل ذلك.
"بس مسلم طول الوقت كان معصّب وبارد، زي ما هو هسا."
"يا معصب ايه، بقولك نسمة، نسمة."
ختم حديثه في اللحظة التي أبصر بها الجميع اقتراب مسلم منهم، بملامح غاضبة وجسد مشتد وأعين سوداء وكأنه على وشك قتل أحدهم.
يتحرك صوب الباب دون كلمة واحدة يخرج المفتاح يفتح الباب ببساطة ومن ثم اندفع للداخل بهدوء وهو يردد:
"بيا ادخلوا."
وهكذا انتهى النقاش بالنسبة له وترك الجميع خلفه يحدق بأثره بعدم فهم قبل أن يتحدث حاتم معلقًا على وصف يحيى السابق لمسلم قديمًا.
"متأكد إنك كنت تحكي عن مسلم؟"
***
أغلقت كافة مخارج ومداخل غرفتها وكأنها ترفض ضمنيًا أن يبصر أحدهم كنزها، قلبها ينتفض بشوف وحماس، حماس لم تشعر به منذ أول مرة أبصرت تلك البلورة في فيلم قديم مع جدتها.
ابتسمت بسمة صغيرة تراقب الحقيبة تتحرك بسرعة لتغلق نور غرفتها بالكامل تفسح المجال أمام ضوء البلورة لينطلق في المكان بحرية.
وضعتها على الفراش وجلست أمامها تراقب الحقيبة ببسمة تخرج ما بها ببطء وحرص تخشى خدش صغير، تراقب البلورة بهدوء قبل أن تحرك أصابعها تتحسس الجزء السفلي حتى عثرت أناملها على الزر الخاص بالتشغيل.
ضغطت عليه لينتشر بعدها ضوء ملون في المكان وقد بدأت ذرات الثلج الصناعية في الداخل تتحرك، وفتاة صغيرة ترتدي فستان مزهر تحمل فراشة بين كفيها تدور في المكان وصوت موسيقى هادئ يخرج من البلورة.
وهي فقط تجلس القرفصاء على فراشها تراقبها دون لحظة ملل، دورة خلف الثانية وهي تحدق في البلورة بسعادة قبل أن تهبط دموع لم تكن تشعر أنها تملئ عيونها، دموع حسرة وهي تتلمس البلورة بسعادة وقهر، كانت شيء طلبته وبكت لأجله قديمًا.
شيء تمنته وكانت على استعداد لدفع كل ما تمتلك من القروش التي خبئتها لأجله، لا تزال تتذكر ركضها صوب والدها وهي تتوسله بكل عزيز وغالي أن يحضر لها هذه البلورة، وصراخه في وجهها وقتها بضيق.
"رايانا انضجي شوية، مش كل حاجة تشوفيها تبكي عشانها، قولت لا يبقى لا، خلصنا."
ورحل. رحل قبل أن تبرر له ببراءة أن هذا كان أول شيء تطالبه به، وسيكون الأخير، لكنه رحل قبل أن تفعل.
ضمت البلورة وهي تميل على فراشها تبكي بحزن، تبكي شفقة على نفسها، وهي ترتجي من غريب شيء كانت تتمناه من والدها، غريب لم ينس طلب طلبته منه في لحظة يأس.
ضمت البلورة وكأنها تضم لها رايانا الصغيرة، تلك التي كانت تبصر في والدها بطلًا، في عز سندًا، في قبيلتها عائلة، في العالم املًا.
لكن أيًا من ذلك لم يحدث، فهل تخونها نظرتها مجددًا بعدما أبصرت في "مسلم" حلمًا ومنقذًا، وهل تأمل للحصول على اكثر من مجرد بلورة منه؟
هل الأمر بسبب أنها لأول مرة تبصر رجلًا، يحمل من الصفات ما يفتن النساء وخاصة النساء المحرومات من كل معاني الحنان والدعم، نساء مثيرات للشفقة مثلها؟
***
"شو فيك يا مسلم؟ من وقت ما رجعت وإنت ما مبين على بعضك."
ترك مسلم ثوبه على الفراش وهو يستدير لحاتم ينظر له بصمت، قبل أن يجلس على الفراش المقابل لخاصة حاتم، بعدما ترك الغرفة لعيسى بحجة أنه يحتاج التحدث مع حاتم قليلًا، وفي الحقيقة كان يهرب من شقيقه مخافة أن يبصر ظلامه.
هو حتى هذه اللحظة لم ينم يومًا مع أحدهم بسبب كوابيسه التي يصرخ بها أو يستيقظ منها لاهثًا مشوشًا قد يتسبب في أذية من حوله رغم أنه لم يفعلها يومًا ولم يدع ظلامه يتحكم به، لكنه يخشى أن تكون مرته الأولى مع عزيز.
"لا شيء حاتم كل شيء بخير."
ونعم اختار مسلم التحدث بالإنجليزية، إذن المتحدث لم يكن مسلم في هذه اللحظة، بل كان نفس الرجل الذي دفنوه قبل ترك الجحيم.
"لا تبدو لي بخير الآن مسلم."
"كل ما في الأمر أنني لا أحب ما يحدث و... أريد الانتهاء من كل ذلك بأسرع وقت، هؤلاء الأشخاص لا يروق لي التعامل معهم."
"هؤلاء الأشخاص، أم هذه المرأة ؟!"
رفع مسلم عيونه في وجه حاتم يرمقه بنظرات محذرة، ليتحرك الأخير وهو يقترب منه بتحذير وقد بدا أنه يفهم ما يحدث:
"مسلم أنت لن تحييها بمساعدتك لكل امرأة تقابلها، لن تحيــــيّ المـــرأة بمساعدتك لكل فتاة تحتاج المساعدة، أفق مسلم ولا تدفعنك الشفقة صوب فتاة قد تسيء فهم دوافعك وتجرحها قبل جرح نفسك."
نظر مسلم لحاتم وقد ظهر العذاب واضحًا على ملامحه، ارتجفت يده وهو يمسح وجهه يدفن رأسه بين كفيه، يحاول أن يمسح ذكرى موتها بين ذراعيه.
لحظة وصوله للشاطئ يحمل جثة فتاة لا يعلم لها من اسم أو هوية أو جنسية حتى، فتاة ماتت بسببه ربما.
"ربما لو ... لو تركتها متشبثة بالمركب آنذاك...ربما كانت حية الآن، ربما ... كان عليّ ألا أجبرها على المحاولة، ربما كانت المحاولة موتًا في حالتها، والجبن نجاة."
أمسك حاتم رأس مسلم بين يديه وهو ينظر في عيونه بتحذير من الانجراف في تلك النقطة مجددًا، ليس بعدما تجاوزها بالفعل مرات ومرات:
"مسلم اسمعني وتوقف عن تلك الكلمات، لقد فعلت ما املاه عليك ضميرك وقتها، كانت ستموت في كلا الحالتين، الفرق أنها وجدت يابسة تُدفن فيها، بدلًا من أن ينتهي بها الحال كوجبة للأسماك، فلا تحمل نفسك ما لا يد لك به، ولا تسارع للعب دور البطولة في حياة كل امرأة مظلومة."
نظر له مسلم بأعين ضبابية بينما حاتم كان يدرك أن مساعدة مسلم لتلك الفتاة، وحمايته لها لم يكن إلا لأنه يشعر بالذنب، يسعى لمساعدة كل امرأة وكأنه يساعد تلك الفتاة التي ماتت بين ذراعيه.
أما عن مسلم كان عقله في نقطة بعيدة، تلك الفتاة، بسمتها لأبسط الاشياء، رقتها وهشاشتها، رغم كل ما تفعله، كانت هشة بشكل جعله يخشى أذيتها إن اقترب، هل كانت كل تلك الحمائية التي اندفعت لاوردته، وكل ذلك الغضب الذي أصابه لأجل رؤية جروحها مجرد شعور بالذنب كما يقول حاتم؟
ونعم كان ذلك أكثر التفسيرات المقبولة لما يحدث معه منذ جاء، فلا يعقل أنه سقط في حبها منذ النظرة الأولى.....
ابتسم بسمة صغيرة على سخافة الفكرة التي بدأت تنخر بعقله، يرفع وجهه صوب حاتم الذي ما يزال يمسكه بين كفيه وكأنه يأبى تركه كي لا تهجم تلك الأفكار مجددًا لعقل مسلم.
لكن وقبل تحرك أحدهم خطوة، سمعوا صوتًا آتيًا من جهة الباب ونبرة خبيثة تصدح في الغرفة:
"أنا برضو قولت المشاعر الجياشة اللي بينكم دي لا يمكن تكون صداقة صافية، اكيد فيه حاجة شوائب بتعكر الصفو ده."
استدار له حاتم بعدم فهم:
"شو ؟؟"
"شو ايه هتعملي فيها شامي ؟! ما كله بقى واضح، اصلا مسلم من صغره كان ضعيف من ناحية اللهجة الشامية وكان نفسه في واحدة شامية بس واضح أنها جات فيك."
اتسعت عيون حاتم حينما فهم فجأة ما يقصد ينتفض بعيدًا عن مسلم صارخًا بنبرة جهورية جعلت المكان يهتز من حولهم:
"ولــــــــــك، شو مفكّرني؟ إنت قاعد بتحكي مع رجل وسيّد رجال، رجل مستقيم، والحمد لله رب العالمين."
رمش حاتم بعدم فهم وهو ينظر صوب مسلم الذي هز رأسه بيأس وقد بدا أن حاتم لم يلتقط مزاح يحيى الخشن، يتحرك صوبه يرفع إصبعه في وجه يحيى الذي تراجع خارج الغرفة بعدم فهم:
"إذا كنت حاسبني من هالنوع، فأنت غلطان غلطة عمر، أنا رجل كـ..."
"هو فيه ايه ؟؟"
فجأة عم الصمت في المكان حينما صدح صوت نورهان في المنزل والتي كانت تقف جوار عيسى في البهو تحدق فيهم بعدم فهم، لتتسع عيون حاتم وهو يرفع عيونه لها يدعو ربه ألا تكون قد سمعت شيئًا.
أما عن يحيى فقد نظر لها دون فهم:
"معرفش أنا كنت بهزر معاهم و....."
وباقي الكلمات لم تجد لها مفرًا من كف حاتم الذي كبتها قبل خروجها وهو يزجر يحيى وقد خرجت كلماته وهو يضغط على أسنانه محذرًا:
"مش كل الحكي بينحكى."
أبعد يحيى يد حاتم وهو ينظر صوب مسلم الذي انفجر في الضحك على فراشه في الخلف:
"هو صاحبك ده عبيط ؟!"
لكن مسلم لم يستطع الرد بسبب ضحكاته التي كانت ترن في المكان بأكمله، وأحمد لا يفهم ما يتحدث به الجميع.
"هتفهمونا فيه ايه ولا هنفضل زي عواجيز الفرح كده ؟!"
تماسك مسلم نفسه وهو يتحرك صوب حاتم يجذبه بعيدًا عن يحيى، يتنفس بصوت غير مستقر بسبب بقايا الضحك التي تسكن صوته:
"ولا حاجة سيبكم منهم وركزوا معايا عشان نشوف هنعمل ايه في اللي جاي."
"بدك تحكي هيك ؟!"
لم يفهم مسلم تعليق حاتم لينظر لنفسه ليجد أنه نسي ارتداء قميصه بعد خلع ثوبه، لكنه هز رأسه بهدوء:
"وايه يعني محدش غريب."
نظر حاتم صوب نورهان التي تحركت لتجلس على الأريكة بهدوء ودون كلمة، يدفع مسلم للغرفة بحدة:
"روح والبس شي أحسن وأكثر حشمة، استحي يا زلمة."
نظر له مسلم دون فهم وقد دفعه حاتم الغرفة يغلقها بقوة، بينما يحيى ابتسم بسمة خبيثة وهو يرى نظرات حاتم المترددة صوب نورهان، يميل على عيسى يهتف بصوت خافت متحفز لضرب حاتم ربما:
"شكل فيه حاجة بتحصل من ورانا يا عيسى."
"مين ؟؟ هو مسلم قالك هيعمل ايه مع البارو ولا ايه ؟!"
رمقه يحيى بغيظ وهو يدفعه:
"مسلم ايه وبارو ايه ....غور يلا غور من هنا، غلطتي اني بكلم واحد زيك."
صمت وهو ينظر صوب الباب وفي عقله يفكر في القادم، ويبدو أن هذه لم تكن فقط أفكار يحيى، بل شاركه بها جميع المتواجدين.
مسلم قد حرك مياه البارو الراكدة، والله وحده يعلم علاما ينتوي لهم؟
***
لا يعلم حتى سبب استيقاظه صباحًا بهذا النشاط، لكن الأمر أنه شعر بالملل الشديد ولم يعتد على هذا الخمول لوقت طويل من قبل، كان يخرج ويذهب لأي مكان يخطر على رأسه في القاهرة، أما هنا فقد كانت اماكن الترفيه محدودة، تتمثل في محل العم رجب الذي لا ينفك يبصر وجهه حتى يلتوي بالضيق ويتأفف ويذكر ربه مئات المرات في الثانية الواحدة.
أخذ يسير بين طرقات القرية وقد كان الوقت مبكرًا حتى أن لا أحد من اخوته استيقظ سوى مسلم الذي يعتقد أنه لم ينم لحظة.
تنهد بصوت مرتفع وهو يربت على خصلات شعره التي بدأت تستغيث من إهماله لها، لكن يده كانت مغلولة ومنتجات العناية بخصلاته لم تكن متوفرة.
وها هو في رحلة أخرى لمحل العم رجب ليحصل له على أي شيء يصمت به أنين ضميره الـ "كيرلي".
دخل منذ الصباح يرفع كفه في الهواء يلقي تحية للرجل الذي كان يحمل سبحته بين أنامله يردد اذكاره:
"صباح الخير يا عم رجب."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفر الله."
"اللهم قوي ايمانك يا عم رجب والله، الوحيد اللي بيذكر ربه في المكان ده."
ختم حديثه ولم يتوقف ثانية وهو يتحرك بين ممرات المحل يبحث بعيونه عن شيء ربما ينفعه، منتجات بمكونات معينة، لكنه لم يصل لشيء، لذا عاد مرة أخرى صوب العم رجب يردد بجدية وهو يشير للمحل خلفه:
"بقولك يا عم رجب الاقيش عندك أي شامبو أو بلسم يكون خالي من السلفات ؟!"
رفع الرجل عيونه ليحيى بعدم فهم لما نطق به:
"خالي من ايه ؟!"
"السلفات."
"هما بقى يحطوا السلفات¹ في الشامبو ؟؟ بيعملوها ازاي دي ؟!"
ابتسم له يحيى بسمة واسعة على كلماته، يهز رأسه وهو يجذب رأس العم رجب عبر المكتب يقبلها ومن ثم ربت على كتفه وكأنه يتعامل مع عيسى:
"قولي فين قسم الصابون السايل يا عم رجب ؟!"
والرجل لم يفهم فعلة يحيى، وقد كانت هذه عادة لدى الأخير، لكن الرجل لم يراها إلا حركة احترام وتقدير، لذا أصابه بعض الرضا وهو يشير صوب جزء صغير في نهاية المحل:
"الرف اللي في آخر الممر اللي هناك ده هتلاقي كل الصابون السايل والشامبو اللي عايزه."
هز يحيى رأسه وهو يتحرك يضرب كف بكف يهمس بحنق وضيق:
"يارب توب علينا يارب ونخلص من الهم ده."
تحرك بين الارفف يبحث عن أي منتج قد ينقذ ما يمكن إنقاذه من خصلاته التي فسدت بالكامل، لكن كل ما وجده كان بعض الصابون السائل والقليل من المنتجات الكميائية التي كانت ستدمر شعره أكثر من مساعدته، لكنه تنهد بضيق وهو يلتقطها عن الارفف بلا شعور يضعها أسفل ذراعه، يتحرك يلتقط العديد من المنتجات الأخرى التي ربما يحتاجها الباقيين.
وأثناء ذلك وصل له صوت شبه مسموع من الطرف الآخر للممر، صوت بدا غاضبًا حانقًا.
اقترب بهدوء من الصوت، وهو ما يزال يحمل ما يريد بين يديه وأسفل ذراعيه، حتى وصل لمكان يبصر به المشهد الغريب.
رجل كبير في العمر ربما في عقده الخامس، يتحدث مع الفتاة نفسها التي ابصرها قبل أيام في نفس المكان، ويبدو أن الحوار بينهما لم يكن وديًا على الإطلاق.
استمع بهدوء وهو يلتقط عبوة تسالي من الرف جواره يقلبها بين كفيه قبل أن يراقب بفضول شديد.
"لو سمحت أبعد عن طريقي وبلاش شوشرة في المكان، أنا مش فاهمة أنت بتراقبني ولا ايه ؟!"
"كارا افهمي أنا فعلا بحبك، ومش شايف استجابة من جهتك لمحاولاتي؟!"
رفعت كارا عيونها له تتأمل تجاعيد وجهه التي بدأت تظهر على أطراف عيونه، وخصلاته التي بدأت تتلون بالشيب، لا تكرهه ولا تلومه فالعمر ليس بيده، لكن أوليس القبول أساس الموافقة، هي لا تستطيع إرغام نفسها على حبه.
"للاسف مش قادرة افكر فيك، غير راجل كبير لو شوفته في الطريق هحترمه وهناديه يا عمي."
اتسعت عيون الرجل وقد أدركت أنها أصابت وترًا حساسًا لديه، لكنه هو من ضغط عليها وقد كان تقدمه لها أشبه بإجبارها عليه، لم يتفهم كل تلميحاتها بعدم القبول وأصر على المواصلة.
مد الرجل يده وهو يمسك مرفقها بقوة يجذبها له بتحذير:
"كلها أيام قليلة ولما تشوفيني هتناديني بجوزي يا كارا، الموضوع مش بمزاجك تـ"
"ايه القرف ده ؟؟"
كانت كلمة قاطعت هذا الجو المشحون بينهما، بتدخل سريع من يحيى الذي اعتدل حينما أبصر مسك الرجل لها بهذه الطريقة التي أوضحت ملامحها أنها لم تكن مريحة كليًا.
"قدك دي عشان تكلمها كده يا حاج ؟؟"
استدار الراجل ليحيى الذي تحرك صوبهما وهو يرفع حاجبه للرجل:
"سيب البنت واتكسف على سنك يا عم."
نظر له الرجل بنظرات حادة غاضبة ولم يكد ينفجر في وجهه، حتى تحدثت كارا وهي تحاول جذبه ذراعها من بين يديه:
"أبعد عني بقى، اوعى سيب ايدي."
"كارا أنا..."
لكن يحيى لم يدع له الفرصة وهو يخرج المنظفات من أسفل ذراعه يمدها لكارا:
"امسكي كده يا مودمزيل."
نظرت له كارا بعدم فهم ومن ثم نظرت ليدها التي ما تزال بين أنامل الرجل وكأنها تخبره "أمسك بماذا ؟؟"
وهو أجاب سؤالها الصامت بضيق:
"بأيدك التانية بلاش استهبال."
ومن ثم دفع المنتجات لها لتمسك بالفعل بيدها الحرة بصدمة، وهو ترك عبوة التسالي على الرف جواره، رفع أصابعه ينفض يده من فتات الطعام في ثوبه، ومن ثم مد يده يمسك يد الرجل يضغط عليها بقوة لدرجة أنه أطلق تأوهًا مرتفع يترك يد كارا، التي تراجعت بسرعة للخلف تضم اغراض يحيى بسرعة لصدرها وكأنها تحتمي بها.
أما عن يحيى وقف بينهما وبين الرجل قبل أن يقرر الأخير أخذ خطوة أخرى تجاهها.
"مش عيب لما تعامل واحدة قد عيالك بالشكل ده ؟!"
نظر الرجل له نظرة محمومة غاضبة وكأنه على وشك الانقضاض عليه، لكنه وبحسبة سريعة أدرك أن لا مجال له أمام هذا الشباب والذي عرفه بمجرد رؤيته... حفيد المريدي.
"أنت متدخلش في اللي ملكش فيه، وأنتِ يا كارا حوارنا لسه مخلصش."
ختم حديثه ينفض ثوبه بغضب قبل أن يتحرك بسرعة بعيدًا عن الجميع وقد قرر أن اليوم إما أن يضع البارو حدًا لوجود هؤلاء الغرباء أو يضع هو حدًا لهم بنفسه.
أما عن يحيى فقط راقبه يتحرك بسخرية قبل أن يستدير صوب كارا ينظر لها وهو يضيق عيونه عليها، أما عنها فكانت تضم المنتجات لصدرها بفزع، اقترب منها خطوات قليلة اخذت هي تعود مثلها للخلف، قبل أن يتوقف أمامها ينتزع عنها أغراضه:
"ايه يا امي مكلبشة في الشامبو كده ليه، الرف مليان زيه."
نظر لشعرها ثواني قبل أن ينظر لها مجددًا:
"أنتِ بتستخدمي الشامبو ده ؟!"
وهي فقط لم تكن تفهم عبثية الحوار ولا ما يتحدث به، لكنها فقط هزت رأسها بنعم ليتنهد هو بضيق وهو يحدق بالعبوات في يده كأنها ستهجم عليه:
"هو اللي خلى شعرك مزيت كده ؟!"
اتسعت عيونها بصدمة وهي ترفع يدها تتحسس خصلاتها برعب من تلك الفكرة، وقد غسلته قبل خروجها ووضعت عليه بعض الزيوت الطبيعية.
ولم تكد تصرخ فيه على كلماته حتى هز رأسه بيأس وكأنه يودع خصلاته العزيزة:
"الله يبشرك بالخير، صدقيني لو العداوة وصلت لشعري، أنتِ وكل قبيلتك هتزعلوا مني جامد، واولكم عم رجب اللي قاعد هناك ده."
ختم حديثه ومن ثم نظر لها نظرة سريعة يردد بجدية:
"اه صحيح بلاش تبقي تجادلي كبار السن كتير، عشان عقلهم ساعات بيفلت منهم."
تحرك بعد كلماته بعيدًا عنها تاركًا إياها تراقب حركاته بصدمة كبيرة، قبل أن ترتسم بسمة غير مصدقة على فمها:
"مجنون ده ؟!"
أما عنه تحرك بهدوء بعيدًا عن المكان، قبل أن يعود لها فجأة بشكل افزعها، ينتزع باقي عبوة التسالي عن الرف يتناول منها بهدوء وهو مايزال يرمقها بتقييم.
ومن ثم رحل مجددًا وهي ما تزال واقفة تناول التفكير فيما يمكن أن يكون داخل عقل هذا الشاب الغريب .....
*سلفات¹ (السليف): هي زوجة أخ زوجك.
***
"يحدُثُ أحيانًا أن ندفع الثّمن مرّتين، مرّة للحصول على الشيء، وأخرىٰ للتّخلص منه."
هرولت من المنزل قبل استيقاظ احدهم، تدرك أن والدها سيحرم عليها أن تخطو خارج المنزل بعد المشهد السينمائي الذي قدمه عز البارحة.
وعند ذكر عز الدين ابتسمت وهي تتذكر حركاته بين قبضة مسلم، شفي صدرها واجبر كسرها بما رأته، ابتسمت أكثر وهي تبصر منزل المريدي يقترب منها، تقبض على حفنة أموال تحتفظ بها منذ سنوات ولم تفكر يومًا في تبذيرها على شيء، ببساطة لأنها لم تشتهي شيئًا يومًا.
والشيء الوحيد الذي ابتغته جاءها، وها هي في طريقها لتسدد ثمنه بكل امتنان و .... خجل.
توقفت حين أبصرته جانب الشجرة كما اعتادت، يتدرب بعنف شديد وكأنه يبتغي الانتحار من قوة حركاته.
توقفت بعيدًا بعض الشيء تنظر له بتردد تخشى أن تقاطع تمارينه الصباحية، لكن الوقت لم يكن في صالحها.
لذا اقتربت بتردد وهي تتحدث بصوت خافت:
"صباح الخير."
توقفت يد مسلم في الطريق بعدما كان يقوم بتمارين الضغط على الأرضية أسفله، يرفع عيونه لها ببطء وقد كاد العرق يسقط داخل عيونه ويخفي الرؤية عنه.
لكن رغم ذلك اعتدل وهو يمسح العرق عن وجهه، ينظر لها بصمت وكلمات حاتم تترد في أذنه منذ البارحة، حتى أصبح لا يدرك الحقيقة.
هل كانت رغبته القديمة هي ما يدفعه لمساعدتها، أم كان شيء آخر يجهله؟
نظرتها وبسمتها اللطيفة هذه اصابوه في مقتل وشعر بشعور مرّ في حلقه، هذه الفتاة هشة لدرجة يخشى عليها من الاقتراب أكثر وهو حاد من كل الجهات.
"صباح الخير."
خرجت جافة باردة بعض الشيء، لتصبها في مقتل وهي ترفع عيونها له بتردد تردد بصوت خافت بعض الشيء:
"أنا... بضايقك ؟؟"
"امممممهمهة بسيطة لم تفهم منها إن كانت إجابة أم مجرد إعلام أنه يستمع لها، لكنها أكملت بهدوء واحراج وقد شعرت نفس الشعور الذي كان يؤرق مضجعها طوال الوقت.
شعور أن وجودها ثقيل على من حولها وخانق.. ومرفوض.
مسلم ودون أن يعلم حتى وبينما كان يحاول أن يجنبها الاقتراب منه، جرحها بدفعها لنقطة مظلمة كانت تهرول منها.
قاومت دموعها بصعوبة ولم تدري حتى سبب شعورها برغبة البكاء لأجل الضيق من وجودها على ملامحه، ربما لأنها... لأنها شعرت لمرة في حياتها أن هناك من يتقبلها ويثق بها، أن هناك من يحنو عليها، وهذا الشخص كان مسلم، لكن يبدو أن حالتها كانت مثيرة للشفقة لتشعر بهكذا مشاعر من شخص لم تبصره إلا منذ أيام قليلة فقط.
اخرجت الأموال وهي تحاول التسلح ببرودها وجمودها الذي تغطي به نفسها على مرأى قومها لكن مسيرتها خرجت مهتزة بشكل مثير للشفقة:
"أنا بس حبيت ادفعلك تمن البلورة واشكرك، تعبتك معايا."
ختمت حديثها وهي تمد يدها له تنتظر أن يلتقط الأموال لترحل، لكنه فقط نظر للمال بين أناملها ثواني، قبل أن يرفع عيونه لها برفض وضيق شديد.
"تدفعي تمنها ؟!"
"اكيد يعني مش هاخد شيء منك مجانًا."
اشتعل الغضب في صدره من نبرتها، لكنه ابتلع ريقه بهدوء وهو يتحرك صوب المقعد أسفل الشجرة يمسك بزجاجة المياه يرتشفها كلها دون توقف حتى انتهى منها، ثم تنفس بصوت مرتفع يجيبها ببرود دون أن يستدير لها:
"مبارك عليكِ البلورة، اعتبريها رد جميل على مساعدتك لينا، وأنك اخدتي بالك من نور في غيابنا، وبكده نكون خالصين."
"خالصين ؟!"
اخرجت نبرتها موجوعة مكسورة دون شعور، وهو فقط اغمض عيونه بضيق شديد يضغط على الزجاجة بيده، يرفض الخوض في هذا الأمر، الفتاة خلفه ابنة عدوه، غريبة، هشة، لا يمكنه السماح لها بالانغماس في هذا، التقرب منه أكثر من ذلك، هذا خاطئ.
هو تعهد لنفسه ألا يرف بجفنه لامرأة هنا، هو لن ينخرط في مثل تلك الأمور.
استدار بهدوء يبتسم لها بسمة صغيرة وقد رأى أن ينهي هذه اللعبة من بدايتها يرفض أن يخوض علاقة ولو كانت صداقة وود مع امرأة.
"أيوة يا فروشكا، أنتِ ساعدتيني وأنا رديت ليكِ مساعدتك، وبكده خالصين."
كانت تراقبه بعيونها التي امتلئت ضبابًا ودموع ابت أن تهبط أمام عيونها وقد كان أكثر ما جرحها، أنها وبكل حمق... تمنت لو يكون منقذًا لها من كل ذلك.
تمنت وليتها لم تترك للأمل سبيلًا في صدرها.
ابتسمت له بسمة باردة تجيبه بنفس النبرة التي حرص هو على التحدث بها:
"لا ما هو لو هنمشيها واحدة واحدة، فأنت لسه ليك عندي دين، أنا بس ساعدت مرتين وأنت ساعدتني اكتر، عشان كده..."
ختمت حديثها وهي تقترب منها ترفع كفه وهي ما تزال تنظر داخل عيونه بشر ولم تعلم هل تلومه على أحلامها وآمالها التي تحطمت، أم تلوم نفسها على شعورها بالأمل في حياة كحياتها.
أمسكت يده تفتحها وهي تدس بها الأموال تردف بهدوء:
"شكرًا على البلورة بالمناسبة ذوقك حلو، وبكده بقى نكون فعلًا خالصين."
تركت يده ببطء وهو ما يزال ينظر لها بجمود، أما عنها فابتسمت بسمة صغيرة، تقول بجدية:
"ابقى خلي بالك بس وأنت بتعامل غيرك متحاولش تظهر بصورة الأمير وأنت مش شبه الأمراء في شيء."
"أنا عمري ما كنت أمير يا فروشكا، أنا طول عمري كنت الشرير، بس الواضح أنك كنتِ مستنية الأمير في حياتك لدرجة معرفتيش تميزيه صح."
ابتسمت له بسمة واسعة تخفي خلفها انكسارًا.
"مين قالك اني شوفتك في يوم أمير ؟! مترسمش لنفسك صورة أنا محطتكش فيها، أنا لو في يوم هحلم بأمير مش هيكون أنت."
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه وهي ما تزال تنظر له، قبل أن تستدير وترحل بهدوء، جاءته بالأمل ورحلت بالخيبة.
وهو راقب رحيلها بغضب يتحدث دون وعي:
"فروشكا."
توقفت ولم تستدر تسمعه يردد بصوت خرج منه خافتًا حتى شعرت أنه يتحدث لنفسه، وهو فقط نطق بقلق أن تُترك أمام مدفع قومها دون حصولها على مساعدة فقط لأجل كلماته الغبية وكلمات حاتم الحقيرة التي تصدح في رأسه:
"لو .... لو في يوم احتاجتي أي شيء أو... مساعدة.. أنتِ عارفة طريق بيتنا."
ارتجفت شفاهها وهي تتحدث بجدية تستدير له نصف استدارة تبتسم له بسمة ضربته في منتصف صدره، حتى شعر بالاختناق وهي تهمس بجدية:
"معتقدش إن هيكون فيه مقابل معايا وقتها، أنا عيشت سنين من غير مساعدتك."
صمتت ثم رددت ببساطة وهي تحرك كتفها مبتسمة له بسمة صغيرة بسيطة:
"Na manvis in aishib baqi jiv heek yekun mashkal, delvi manvis law marra yanjhu." (ولا أعتقد أن عيش باقي حياتي بنفس الشكل سيكون مشكلة، في الحقيقة اتمنى لو ينجحون ذات مرة.)
ومن ثم اختفى آخر أثر لها، تاركة إياه يقف في منتصف الساحة يراقبها باختناق وقد شعر فجأة أنه ليس قادرًا على التنفس بشكل صحيح، يضغط على الأموال بين قبضته، رفع يده الأخرى يمسح وجهه وقد ارتجفت لثواني وهو يحاول تمالك نفسه.
هذا أفضل لهما، هو لا يرتضي أن يستغل حاجتها لشخص جوارها ويجذبها لظلمته، وهو لن يتمكن من منحها سوى مجرد شفقة وشعور حمائية تلقائي.
نظر للأموال بيده بحزن وكأنه يعتذر لصاحبتها على تصرفه بلؤمه، لكنه في النهاية استقر أن هذا أفضل لهما... أو هذا ما تمناه في الواقع.
***
توقفت أقدامه في منتصف الطريق يستند بكفيه على ركبتيه وهو مايزال يتنفس بصوت مرتفع، استيقظ منذ ساعات وقد كان ثقل يعلو صدره، لذا لجأ للشيء الوحيد الذي يريحه، الركض.
ركض بعيدًا عن المنزل وعن القرية، يركض صوب طرف القرية يتجنب الاصطدام بشخص يعكر صفو أفكاره في هذه اللحظة.
تنفس بصوت مرتفع وهو يتنفس براحة وقد كان صوت المياه المتحركة أمامه وصوت الطيور في المكان يجلب سكينة لصدره لم يتخيل يومًا أن يمتلكها.
جلس على صخرة أسفل إحدى الأشجار الوارفة على طرف البحيرة، يراقب المكان بعين غائمة قبل أن يسمع صوت رنين هاتفه.
رفع الهاتف أمام عيونه بهدوء وهو يبصر اسم والده ينير الشاشة، وها هي لحظة المواجهة حانت.
سارع بالرد على المكالمة وقد حاول بالفعل التواصل معه سابقًا ولم يفلح، حتى حينما توجهوا للقاهرة للتخلص من ذلك القذر عادل، أعادهم مسلم بسرعة بسبب ما أخبرتهم به نور.
"السلام عليكم يا حاج."
"أحمد ايه اللي حصـــــل ده ؟! اللي سمعته ده صح ؟!"
أبعد أحمد الهاتف وقد كاد صراخ والده يصم آذانه وهو لا يلومه، بل يعطيه كامل الحق وقد تناسى الجميع في غمرة غضبهم بالأمس اخبار الجميع بما حدث.
"اسمع بس يا بابا هشرحلك اللي حصل..."
"تشــــــرح ايه ؟! تشــــــرح ايه يا محترم ما أنا خلاص مبقاش ليا قيمة، بقيت طيشة في حياتكم، أختك تطلق ومعرفش غير من ورقة الطلاق اللي وصلت البيت، وأختك..... أختك نفسها فين يا استاذ أحمد يا محترم ؟؟"
تنفس أحمد وهو يمسح وجهه يحاول التحدث بكلمة لكن صرخات والده لم تكن تتوقف، إذ أخذ يصرخ بجنون حتى شعر أنه سيصاب بالمرض في أي لحظة، ولم يعطه حتى فرصة التحدث، وجواره والدته تحاول التحدث معه وتهدئته، وهو مستمر بالصراخ:
"دلوقتي تجيب اختك وتجيلي أما نشوف الهبل ده، و..."
"بابا نورهان مش هينفع ترجع دلوقتي القاهرة هي نفسيا اساسا مش جاهزة ترجع ولا تواجه."
"أنت يا بني هتجنني، بقولك ارجع مع اختك وإلا والله يا أحمد لاجيلك أنا بنفسي، أنا خلاص جبت أخري منكم ومن تصرفاتكم، أنا تعبت منكم ومن كل اللي بتعملوه فيا و...."
كان يصرخ ويصرخ وأحمد يستمع له وهو يضغط على عيونه يحاول أن يتدارك غضب والده، وصوت تنفسه هو ما يصدر منه مقابل صرخات والده.
فتح عيونه ينظر للسماء يحاول أن يتحدث بكلمة لشرح له ما حدث، لكن فجأة توقفت الكلمات في حلقه وغص بها حتى كاد يختنق وهو يبصر مشهدًا أمامه جعل وجهه يشتعل وعيونه تكاد تخرج من محاجرهما.
فجأة ومن العدم، وجد جسد يخرج من المياه أمامه لامرأة ترتدي ثوب أصفر ملتصق بجسدها وهي تصعد على درجات الجسر بعدما كانت تسبح بعيدًا عن أعين القوم، أو هذا ما كانت تظنه، قبل أن تبصر أحمد أمامها مباشرة وتصدح صرخة لها في أرجاء المكان بأكمله وكأنها للتو أبصرت وحشًا.
وأحمد تجمد ولم يستطع تحريك اصبع وهو يسمع صرخة والده على الجانب الآخر:
"أحمد ايه الصـــــــوت ده ؟؟ أنت بتعمـــــــــل ايــــــــــه ؟!"
***
دخلت منزلها بخطوات مهرولة وقد كانت عيونها تحرقها من كبت بكائها، لا تلومه والله لا تفعل، فماذا كانت تتوقع من رجل لا تعرفه وهو لا يعرف عنها سوى أنها ابنة الرجل الذي سلبهم أرضهم.
والدها وابن عمها وعمها ورجال قومها، لم يمنحوها ذلك الأمان الذي تبحث عنه، لتتوقع الحصول عليه من غريب.
هل كانت تتوقع منه مساعدة أكثر مما قدم بالفعل؟ هو كان من الكرم ليساعدها فيما سبق وساعدها به من الأساس، فلا تستطيع لومه.
بل تلوم نفسها لما فعلت بها، دفعت بنفسها صوبه بكل يأس، تبحث به عن منقذ لها من قومها، تبحث عنه عند شخص هو أبعد ما يكون عن منقذ أو فارس أو أمير، كان الشرير كما قال، الرجل الذي جاء ليدمر حياتهم أجمعين، لكنها لم تهتم.
دخلت غرفة جدتها التي كانت تجلس كعادتها على فراشها ترتشف من أشعة الشمس ما يعيد لبشرتها إشراقة وصحة، تمسك بين يديها مصحفًا تقرأ منها.
ورايانا فقط تحركت صوبها تصعد على الفراش دون كلمة تضع رأسها على فخذ جدتها بصمت تلعق جروحها بهدوء.
وجدتها ابتسمت تربت على رأسها تهمس بحب:
"مين طفى شمسك يا رايانا ؟!"
رفعت رايانا عيونها صوب جدتها وقد امتلئت بالدموع تجاهد لتكبتها بصعوبة:
"شمسي عمرها ما طلعت بيوم يا جدة لأجل ما تنطفي."
"وشمس البارحة يا بنيتي ؟؟"
نظرت لها رايانا بعدم فهم لتبتسم جدتها وهي تردد بصوت حنون وأمل:
"أول ما شوفته، شوفت نورك يا رايانا."
هنا ولم تتمكن رايانا من كبت دموعها لتنفجر باكية، لا تدري السبب لكن خيبة الأمل كانت أكبر مما يمكنها التحمل:
"نوري مطفي من يوم ولادتي يا جدتي، نوري مطفي ومعتقدش حد ممكن ينوره، هفضل في العتمة ليوم دفني، يمكن يكون قبري أحن عليا منهم."
ابتسمت الجدة وهي تداعب خصلاتها بلطف شديد:
"طول عمري لما بشوفك في احلامي بشوف وشك منور، نورك موجود يا بنيتي محتاج اللي يضلل عليه زي الشمعة لأجل ما ينطفي، ومين يدري مش يمكن الأيد اللي بتضلل عليكِ تتمد ليكِ قريب ؟!"
ابتسمت رايانا بسمة حزينة وكم تمنت لو كانت كلمات جدتها حقيقة، لو كان العالم يمثل وردية وإشراقة كلماتها.
لكنها لم تكن، جدتها كانت متفائلة طوال الوقت، هي ستظل في العتمة حتى تموت وقد أدركت ذلك منذ لحظة ولادتها.
صمتت وهي تغمض عيونها تستكين بين أحضان جدتها وقد سلمت أمرها لله، هي ستحيا كما كانت تحيا قبل وجوده، ستحيا لأجل البقاء بعقلها بين قومها.
وعلى ذكر قومها، فُتح الباب وسمعت صوت خطوات شيما تقترب من الفراش وهي تتساءل بخفوت:
"رجعت ؟! كنت بدور عليها في كل مكان."
فتحت رايانا عيونها وهي تنظر لزوجة والدها، كانت الشخص الثاني الذي يعاملها بحنان في هذه الحياة بعد جدتها، المرأة التي لم يرزقها الله بطفل من صلبها، لتتخذ من الصغيرة المنبوذة طفلة تعوض بها حاجتها للأمومة.
"خير يا شيما ؟!"
كانت تتحدث بإرهاق وقد شعرت أن مواجهة الصباح استنفذت كل طاقتها، قبل أن تسمع صوت الأخيرة الذي خرج متردد بشدة وهي تهمس بصوت خافت:
"رايانا ابوكِ طلب مني اساعدك تجهزي."
"اجهز لايه ؟!"
كانت كلمة تلقت عليها رصاصة بدلًا من ردًا وهي تسمع صوت شيما الذي خرج مختنقًا بغصة بكاء وضيق لأجلها، وقد شعرت أنها خسرت في الدفاع عن ابنتها التي لم تلدها.
"عز الدين اقنع ابوكِ بعد اللي حصل امبارح أنه مينفعش يسيبك كده، و..... جايين بعد الضهر عشان كتب كتابك عليه......."
***
"إنَّ الكلمةَ لتبكي بكاءً يُرى، وإنَّ الحرفَ لَيَئِنُّ أنينًا يُسمَع!"
- الرافعيّ.
رواية أرض الدوم الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
رواية أرض الدوم الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل
الفصل التاسع [تصرفات غير محسوبة ]
كان الصمت يعم المكان لا شيء غير صوت قطرات المياه التي تصطدم بالارضية أسفل جسد ساڤا، وصوت انفاس احمد، وصوت صراخ والده على الطرف الآخر وقد رسم له شيطانه اسوء وأكثر المشاهد القذرة التي يمكن أن ترتسم في عقل إنسان بعد سماع صرخة أنثوية تصدر أثناء حديثه مع ولده .
_ أحمد أنطق فيه ايه !!
وعلى هذه الكلمات استفاق أحمد وهو يستدير بسرعة يعطي ظهره لسافا التي ركضت وهي تلتقط معطفها الذي جاءت به، تنظر له نظرة مرتعشة وقد ارتفعت مرارة داخل حلقها تخفي جسدها بالمعطف بسرعة .
_ أنت...هنا ...بتعمل ايه ؟؟ وهنا من امتى ؟؟
وصوت والد أحمد هو ما أجاب عليها :
_ تعمل ايه وفين ؟؟ أحمـــــد ..
وأحمد يحاول أن يتمالك نفسه وهو يهتف بصوت منخفض :
_ مفيش حاجة يا بابا هو بس ...حصل سوء فهم .
- سوء فهم ايه، ده سوء تربية وأنت الصادق، النهاردة يا أحمد الاقيك أنت وأختك قدامي واتفضل روح شوف بلاويك وشوف هتستر عليها ازاي .
ختم حديثه يغلق الهاتف بقوة وقد شعر به أحمد وكأنه يصفعه بكلماته تلك، ينظر للهاتف بصدمة :
_ استــ...استر ايه ؟؟
كان يراقب الهاتف بصدمة وقد خشي حتى الاستدارة ليقرر الرحيل دون حتى الاستدارة بفضول لينظر خلفه لما آلت إليه الأمور، يتحرك بسرعة بعيدًا عنها وقد قرر الرحيل من أمامها بسرعة .
لكنها فجأة أوقفته بسرعة وهي تهتف بجدية :
_ أنت بتهرب ليه ؟؟ اقف مكانك .
توقفت أقدام أحمد وهو يغمض عيونه يجاهد نفسه كي لا يستدير، وصوت تنفسه أصبح واضحًا :
_ آسف مكانش قصدي، أنا مكنتش اعرف أنك موجودة في المكان اساسًا .
_ أنت هنا من امتى وبتعمل ايه ؟؟
اغمض أحمد عيونه بضيق وقد كره الوقوف بهذا الشكل يعطيها ظهره مخافة الاستدارة .
أما عنها ابتسمت بسمة بسمة صغيرة وهي تتحدث بجدية :
_ مش مكسوف لما تقف وتفضل تتفرج على البنات بالشكل ده ؟!
اتسعت عيون أحمد بصدمة وهو يستغفر ربه من كلمات هذه المرأة التي يبدو أنها لا تراقب ما يخرج منها ولا تدرك ما تقوله :
_ لا مش مكسوف لأني ببساطة معملتش اللي أنتِ بتقولي عليه دلوقتي، ده بس في خيالك المريض .
رددت سافا الكلمة ببسمة متعجبة :
_ خيالي المريض !؟
ابتسم على نبرتها التي خرجت وكأنه للتو سبها أو ما شابه، لكنه لم يهتم وهو يهز رأسه ومازال يعطيها ظهره، لتقرر هي أنها اكتفت من هذا العبث تتحرك دون كلمة واحدة تقف أمامه بلا مقدمات لينتفض هو للخلف يطلق صرخة مرتفعة متسع الأعين، قبل أن يهدأ حينما أبصرها وقد ارتدت ثوب علوي فوق ثوبها المبتل تقف متخصرة مبتسمة بسخرية :
_ أنت عندك فوبيا من البنات ولا ايه ؟؟
نظر لها بعدم فهم وهي اقتربت منه بسرعة خطوات تراجع هو ضعفها للخلف بسرعة، يشير لها بيده محذرًا :
_ مكانك ومتقربيش خطوة كمان لو سمحتي، ثم الغلط هنا غلطك أنتِ ده مش مكان ممكن حد ينزل يعوم فيه بالشكل المستهتر ده، احتمالية أي راجل يجي ويشوفك كبيرة و...
قاطعت كلماته وهي تغمز له ببسمة صغيرة :
_ بتغير ولا ايه؟؟
وأحمد توقف عن الحديث بصدمة كبيرة من طريقتها وكلماتها:
_ نعم !!
اقتربت منه وهي تنظر له بمزاح حاولت أن تخفيه خلف نظرات لطيفة جادة :
_ لو وعدتني بحمام سباحة في بيتنا بعد الجواز مش هاجي اعوم هنا تاني .
_ نعم ؟!
_ ها هتيجي امتى ؟!
_ اجي ؟!
_ تطلب ايدي .
_ اطلب ايدك ؟!
ابتسمت وهي ترى نظراته وقد شعرت أنها إن ضغطت عليه ثواني قد ينفجر من الاحراج من الموقف برمته، لذا تراجعت للخلف تحرر وثاقه الذي كانت تكبله بنظراتها، تمسك خصلاتها الحمراء وهي تنفضها بقوة في المكان، ومن ثم رفعت رأسها له :
_ على العموم يعني أنا بكون فاضية كل يوم العصر حدد ميعاد وهات الحاج وشرفني، تحب اسيبلك عنواني ولا تعرف توصلي ؟!
كانت هذه طريقة رائعة لتخفي بها خوفها الفطري من نظرات الرجال .
نظر لها أحمد بضيق شديد من طريقتها في الحديث وقد شعر بصدره ينبض بالغضب منها وملامح الصدمة ما يزال أثرها ظاهر على وجهه :
_ أنتِ بتقولي ايه ؟؟
- هترجع في كلمتك يا أحمد ولا ايه ؟!
نظر لها أحمد بغضب ولم يكد يتحدث، حتى انتزعت هي الهاتف الذي كان يمسكه بين كفه منذ ثواني تضغط على بعض الأزرار بسرعة، ومن ثم صدح صوت رنين يأتي من حقيبة معلقة في شجرة جانبهما، لتتحرك صوب الهاتف تخرجه تبتسم وهي تغلق الرنين :
_ هسجلك، ابقى سجلني بقى عندك، فاكر اسمي ؟!
نظر لها برفض لما تتحدث به، ينظر بطرف عيونه لرقمها الذي يعلو هاتفه، ومن ثم نظر لها ببرود شديد، وهي ابتسمت له بسمة بسيطة :
_ أنت طيب اوي يا أحمد تعرف كده ؟؟ عمري ما شوفت رجالة طيبين زيك كده في حياتي كلها .
ابتسم بسخرية شديدة من كلماتها وهو يدس الهاتف داخل بنطاله يؤجل التفكير في حديثها في هذه اللحظة :
_ وده عرفتيه بقى من مشيتي ولا من وقفتي ؟؟
ابتسمت على سخريته وهي تقترب منه تهمس بجدية مشيرة بطرف عيونها لجيبه حيث يستريح هاتفه :
_ لا من تليفونك، مفيش راجل دلوقتي مش بيعمل باسوورد على تليفونه يا أحمد، بجد طيب وعلى نياتك، اتمنى الحياة متغيركش يا بني .
تشنجت ملامح أحمد وهو ينظر لها من طرف قدمها لجذور شعرها، قبل أن يردد برفض وسخرية :
- ابنك ؟؟
ابتسمت له بهدوء ولم تتحدث بكلمة وهي تحمل الحقيبة تنظر في ساعة الهاتف الخاص بها :
_ كان نفسي استمر في الحوار الجميل ده كتير، بس بعتذر مشغولة حاليا، اشوفك على خير، ابقى كلمني لو احتجت حاجة، سجلني متنساش، سيڤو، أو ساڤ اللي تشوفه .
ختمت حديثها بغمزة وهي ترتدي الحقيبة تهرول بسرعة بعيدًا عنه ببسمة واحدة ولو جاء أحدهم وواجها بسؤال بسيط " لماذا فعلت هذا وتحدثت معه بهذا الشكل " ستقول أنها...لا تعلم ببساطة.
فقط شعرت ...وفعلت .
أما عنه فظل ينظر لاثرها بتعجب وصدمة من افعالها، يتنفس بشكل غير منتظم يحرك يده بخصلاته وهو يلتفت حول نفسه مغمضًا عيونه وكأنه يتحضر لمعركة .
_ يارب خرجنا من المكان ده بعقلنا .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ شو ذنبي أنا؟ كنت بس بحاول أساعدك وأفوقك.
كان مسلم يمسك ثوب حاتم بغضب وضيق لا يدرك كان من نفسه أو من حاتم أو من أفعاله ولؤمه مع فروشكا ؟!
_ مش أنت اللي قولت أبعدها عني ؟!
_ولك، أنا بدي أتحمّل مصايبك؟ قلتلك تأكّد من مشاعرك، شو دخلني فيك أنت وياها ؟؟
تدخلت نورهان في هذه اللحظة بعدما خرجت من المطبخ لتبصر ما يحدث منذ الصباح، لا تفهم سبب غضب مسلم بهذا الشكل الغريب :
_ مسلم فيه ايه ؟؟ مالك ماسك صاحبك كده ليه ؟؟
اعتدل حاتم بسرعة وهو يدفع يد مسلم عنه بضيق، قبل أن يستدير صوب نورهان يتحدث بجدية مطلقة :
_ أخوكي يا آنسة مجنون، بنصحكم تلحقوه بالمساعدة بسرعة.
رفع مسلم حاجبه وهو يجلس على الأريكة خلفه، بينما شعرت نورهان بالغضب والشرارات التي كانت منتشرة في المكان بأكمله، تقترب من مسلم بعدم فهم :
_ مسلم مالك ؟؟ أنت كويس ؟!
ومسلم فقط تحدث بكلمة واحدة وصفت كل ما يعصف برأسه:
_ فروشكا .
ورغم أنه من داخله كان يدرك أن ما فعل كان الصحيح، وأن هذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية، لا يمكنه تعليق فتاة لا ذنب لها به لأجل أمراضه النفسية وشعوره القذر بالذنب تجاه أي امرأة مقهورة .
تنفس بصوت مرتفع بينما نورهان نظرت صوب حاتم الذي جلس على الأريكة بعيدًا عن يد مسلم .
_ لا تطّلعي فيّ هيك، هو مجنون من حاله، أقسم بالله هاد بدون أي تدخّل بشري.
ابتسمت نورهان وجاهدت ضحكتها وهي تقترب من مسلم أكثر تربت عليه بحنان :
_ مالك بس يا مسلم أنت ايه اللي معصبك دلوقتي ؟!
اشاح مسلم بيده في ضيق واضح :
_ مش متعصب ولا حاجة .
_ لا واضح فعلا .
مسح مسلم وجهه، يتنفس بصوت مرتفع، دافنًا وجهه بين يديه وصمت طويلًا وكأنه يفكر في شيء، يحاول الوصول لهدوء يجعله يستمر .
بينما نورهان تعجبت من جدية الموقف وهي من كادت تمازحه ظنًا أن الأمر لا يتعدى مجرد شجار مع حاتم.
حركت عيونها بهدوء صوب الأخير الذي تفاجئ من نظرتها، لكن المفاجأة التي أوقفت قلبه لثواني هي نطقها لاسمه مجردًا وبهدوء :
_ حاتم ؟؟؟
اعتدل حاتم ببطء وكأنه يرفض أن يتلقى اسمه منها منحنيًا على عقبيه، يرفع عيونه لها ببطء يحاول أن يظهر لها بمظهر محايد متجاهلًا قلبه الذي كان يرتجف كما المشرد في شتاء ديسمبر.
_ نعم ؟!
_ ايه اللي بيحصل بالظبط؟! مسلم ماله ؟! حصل حاجة ؟!
ظل حاتم ينظر لها ثواني قبل أن يستفيق على ما يفعل يبعد عيونه عنها ببطء ومن ثم هز رأسه بهدوء وهو ينظر لمسلم :
_ لا تخافي، بكثير من الأحيان بحتاج قعدة صمت طويلة مع حاله عشان يعيد التفكير بشغلة معيّنة، رح يكون بخير إن شاء الله.
ظلت تنظر له ثواني وكأنها لا تثق بكلماته، لكنه اكتفى من أن يكون تحت مجهرها ينهض من مكانه يتحرك صوب مسلم بعدما أبصر ابتعادها عنه بهدوء، يجلس القرفصاء أمام مسلم يتحدث بصوت هادئ :
_ مسلم ما الذي تريده أنت الآن ؟! إذا كان الأمر يحزنك بهذا الشكل يمكنك الذهاب لها واخبارها أنك لم تقصد ما قلته .
ومسلم استمر بالصمت، وكل ما كان يوجعه في هذه اللحظة، ليس كلماته التي نطق بها، بل نظراتها عقب كلماته، لماذا كان من الصعب رؤية نظرتها هذه ؟؟
نظرت له وكأنه....خذلها، حطمها ؟ وهل فعل حقًا ؟!
يحاول إقناع ذاته أن هذا أفضل شيء لهما، كي لا تجرفه شفقته بعيدًا، ولا يجذبها تعلقها أكثر، هذا أفضل لهما .
لذا أبعد يده عن وجهه ينظر لوجه حاتم، الوجه ذاته الذي كان يبصره بعد كل موجة غضب تتملكه، كل انكسار يمر به، نفى وهو يبصر خوف حاتم في عيونه :
_ لا، فقط ...كرهت...كرهت أنني بدوت للحظة كما لو أنني...خذلتها .
وتفهم حاتم ما يريد فما أقسى من خذلان شخص كان يتوسم بك خيرًا .
_ لا تقلق سينتهي كل هذا وتنسى .
_ نعم وبخصوص هذا، أين الجميع ؟! نحتاج لرؤية ما سنفعله لقد تعطل الأمر بشكل كافي بالفعل .
رفع عيونه صوب نورهان التي بدا أنها أدركت ما يقبع خلف حزنه، تهز كتفها بعدم علم :
_ معرفش، أحمد راح يجري بيقول هيفرغ طاقة، ويحيى ...
صمتت وهي لا تتذكر سبب خروج يحيى فهي لم تبصره على أية حال .
ابتسم مسلم بقلة حيلة :
_ راح يفرغ صبري أكيد .
ابتسمت له بقلة حيلة، بينما مسلم، نهض وتحرك صوب الداخل يردد بكلمات هادئة:
_ هروح اصحي عيسى، وأنت يا حاتم روح شوف يحيى فين خلينا نخلص من اللي بيحصل ده .
هز حاتم رأسه وهو يراقبه يتحرك صوب الداخل وقبل التحرك للخارج كي لا يظل وحده معها، سمعها تردد بهدوء :
_ شكرًا ليك .
رفع حاتم عيونه لها بعدم فهم فابتسمت بسمة صغيرة جعلته يشرد دون شعور، قبل أن تفيقه صفعة حقيقة ما هو وما هي وما وضعهما يهز رأسه بهدوء .
_ كنت قلقانة طول السنين دي على مسلم أنه لوحده، أنت متعرفش كان هادي ازاي والكل بيخاف عليه حد يأذيه، لأنه مكانش بيرد الأذى بأذى وكان بيعديها، كنا خايفين يكون لوحده .
ابتسم حاتم بسمة ساخرة، ليس من وصفها لمسلم القديم فهو بدأ يتقبل تلك الصورة وإن كانت لا تتفق مع شكل مسلم الحالي، لكنه قد يتماشى مع الأمر يومًا ما .
لكن تلك البسمة الساخرة كانت لقولها، تشكره هو لانه كان بجوار مسلم .
_ بالحقيقة، إنتِ لازم تشكري مسلم، لأنه كان معي طول الوقت. هو اللي كان يحميني منهم، وكان جنبي مش العكس. لو إني واقف قدّامك هلّق وحيّ، فهالفضل للله أولًا، وبعدين لوجود مسلم معي. عشان هيك… الشكر أنا بوجّهه لمسلم.
ابتسمت له نورهان بسمة واسعة جعلته يبتسم بدوره بسمة شبه ملحوظة، وهي فقط رددت بجدية :
_ ربنا يديمكم لبعض يارب .
_ آمين .
_ هروح اشوف أكل اجهزه، تحب شيء معين؟؟
ابتسم بسمة مؤدبة وهو يتحرك صوب الخارج وقد رأى أن وقوفه معها قد طال بشكل غير مقبول :
_ أي إشي منك بكون طيب، وتسلم إيديك سلف، اسمحيلي أستأذن وأروح أدوّر على يحيى.
ويبدو أنه كان معتادًا على الجمل المجاملة لدرجة أنه لم يستوعب حتى ما نطق، تاركًا جملته في الهواء تحدث صدى داخل عقل نورهان، تلك المرأة التي تلقت لتوها ...قطرة من غيث اهتمام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس في غرفتها وما تزال صدمة ما أخبرتها به شيما يتردد في أذنها، لا تصدق أن والدها فعلها، بعد كل ما حدث فعل الأمر دون إرادتها .
لكن هل تغضب منه ؟! والله تخطت هذه المشاعر السطحية منذ زمن طويل، تحديدًا منذ أدركت أن والدها مغلول اليدين أمام عمها وعز الدين، والدها لم يكن بهذه القسوة هو فقط كان ...سلبيًا، ويا ليته كان قاسيًا عليها، فالقاسي يلين احيانًا، لكن السلبي يظل طوال حياته تابعًا لغيره، وفي حالتها ورغم رفض والدها الذي يقفز من نظراته، وخاصة بعد ما تلقته البارحة من ضربٍ، إلا أنه خضع مجددًا لرغبة عمها وعز الدين .
_ رايانا...
كانت كلمة مترددة خرجت من فم شيما التي نظرت لها بخوف وعدم ثقة للقادم، تمسك بين يديها ثوب من اللون الأحمر مع بعض الخيوط الذهبية، ثوب يضيق من الخصر ويتسع من التنورة :
_ عز الدين بعتلك الفستان، وأكد تخرجي بيه اليوم .
نظرت صوب الثوب وشعرت به يخرج لسانه لها، بالطبع سيخاف عز الدين من إعادة ما حدث سابقًا في آخر عقد قرآن لهما، حينما افلتت منه بفضيحة كارا التي دبرت لها، واليوم كيف السبيل للنجاة من قيده ؟!
_ أنا...قلبي واجعني عليكِ يا بنتي يشهد ربنا إني بعتبرك بنتي، بس نعمل ايه، البارو قال كلمته، لو فيه أي شيء أقدر اساعدك بيه أو...
قاطعتها رايانا وهي ترفع عيونها لها وقد هبطت دمعة على خدها دون شعور تهتف بصوت منخفض وهي تتحرك صوبها :
_ قولي للبارو إني هجهز على الموعد يا شيما، وشكرًا ليكِ لوقفتك معايا، بس من هنا مفيش حد هيقدر يساعدني من اللي هيحصل .
ختمت حديثها تأخذ الثوب بهدوء وهي تتحرك صوب المرحاض الصغير الذي خصصته في ركن غرفتها تغلق الباب بهدوء وهي تستند عليه بظهره وقد شعرت بكره أكثر وغضب يتضخم داخل صدرها، تكره عز الدين، بل تمقته، وفكرة أن تحيا معه المتبقي من حياتها، كانت مرعبة .
لثواني ثواني فقط شعرت برغبتها على الموت أهون لها من لمس عز الدين لها تحت مسمى زوجته.
أغمضت عيونها وقد ازداد انهمار دموعها أكثر وأكثر، حتى شعرت أنها لم تعد قادرة على البكاء أكثر، تنهض من أرضية المرحاض تتحرك صوب المرآة الصغيرة تنظر لوجهها ساخرة.
هل ظنت أن الابتسامة تلك كانت لها، بل كانت الحياة تضحك عليها في الواقع .
سمعت صوت شيما من الخارج يهتف بهدوء :
_ رايانا تليفونك بيرن يا بنتي، مش عارفة مين رقم غريب ...
رفعت رايانا عيونها صوب الباب، تتحرك للخارج وهي تفكر فيمن يمكن أن يتصل بها في هذا الوقت وقد كان القليل فقط يمتلك رقم هاتفها، وحين أبصرت الرقم أدركت هوية صاحبه والذي كانت لا تحتفظ به على هاتفها مخافة أن يقع بين يدي والدها .
استقبلت المكالمة بسرعة ولهفة وهي تهتف بصوت متقطع :
_ ساڤا ...البارو هيجوزني لعز الدين اليوم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان نائمًا بعمق شديد وهو يتحرك على الفراش مبتسمًا وكأنه يرى اجمل أحلامه تتحول لواقع، كان هذا قبل أن يشعر بيد تربت على خصلاته بلطف وحنان، وفي الواقع لم يكن ليشك ثواني أن هذه يد يحيى .
بل كان مسلم وقد صدق حين سمع صوته يصدح بهدوء :
_ عيسى، عيسى اصحى أنت مصلتش الفجر امبارح، قوم صلي .
فتح عيسى عيونه بصعوبة وهو ينظر حوله ثواني، لتعود له ذاكرته في ثواني ويتذكر ما يحدث، ينتفض عن نومته ينظر حول نفسه :
_ فيه ايه ؟؟ حد هجم تاني ؟!
ابتسم له مسلم بسمة حنونة وهو يربت عليه بلطف :
_ متقلقش حتى لو حد هجم مش هسمح ليهم يقلقوا منامك يا عيسى، يلا فوق عشان تصلي ونشوف هنعمل ايه .
ولم يكد يتحرك حتى أمسك عيسى يده بسرعة وهو يتحدث بصوت خافت وكأنه وجد أخيرًا فرصته لنطق ما أراد قوله منذ أبصر مسلم ذلك اليوم أمام المنزل يدافع عنه .
_ مسلم .
توقف مسلم بعدم فهم وهو يعود مرة أخرى للجلوس على الفراش أمامه:
_ نعم يا عيسى، فيه حاجة ولا ايه ؟!
ابتسم عيسى بسمة صغيرة مترددة، قبل أن يرفع عيونه له يتحدث بصوت خافت وكأنه يجد مشكلة في التعبير عن مشاعره بسهولةء يخجل من الأمر ربما .
_ أنا....يمكن كنت صغير لما مشيت بس .... أنا عمري ما نسيتك وعمري ما حسيتك غريب في يوم، دايمًا كنت موجود بينا، ودايمًا كنت بقول لصحابي إني عندي اخويا مسلم اكبر من الكل واحسن حد في الدنيا، من صغري كنت قدوة ليا ولسه نفس الشيء، يمكن لما جيت مرحبتش بيك زي يحيى بس ....أنا عمري ما نسيتك يا مسلم .
امتلئت عيونه بدموع وهو يبتسم بسمة صغيرة حزينة :
_ أنت طول الوقت كنت معايا في المدرسة وفي كل مكان، كل كلمة كنت بنطقها كانت فيها اسمك، بلاش تمشي تاني يا مسلم .
تأوه مسلم من كلمات عيسى الصغير والذي تركه طفل في التاسعة من عمره، وغفل عن مراحل كثيرة في حياته كان يمكنه التواجد بها معه، ضمه له بحب شديد وهو يقبل رأسه بحنان شديد :
_ يا عيسى أنت عمرك ما كنت اخويا، من صغرك وأنت ابني، من أول ما كنت بتتشعلق بيا عشان اشتري ليك أي حاجة حلوة، ولما كنت بتستخبى فيا من ابوك عشان متنضربش .
سقطت دموع عيسى وهو ينفجر في بكاء حار يردد من بين بكائه في محاولة للخروج من شجنه وكأنه لا يصدق أن مسلم قد عاد بالفعل :
_ من وقت ما أنت مشيت ملقيتش حد استخبى فيه من ابوك، يحيى كان بيسلمني ليه عشان مينضربش.
ابتسم مسلم وهو يزيد من ضمه بيد مرتجفة، يحرك يده صعودًا وهبوطًا، يعتصر قلبه حسرة على سنواته التي اضاعها وحياته التي فقدها، فلا هو حقق شيئًا بغربته، ولا هو عاش حياته مع عائلته، ويقسم بالله حتى لو كان عاد من غربته ناجحًا، فلا الغربة ستغنيه عن عائلته، ولا الأموال ستعوض حياته ...
_ متقلقش خلاص محدش هيقرب منك تاني يا عيسى.
_ حتى يحيى ؟!
كانت كلمة ممازحة خرجت من بين دموعه، ليضحك مسلم بصوت خافت :
_ حتى يحيى، لو رفع صباع في وشك تاني تعالى قولي .
_ والله وده على أساس أن يحيى ده ابن مرات ابوك أنت وهو، ولا ابن جوز امكم ؟؟
وبالطبع لم يكن أحدهم بحاجة لرفع رأسه ليدرك المتحدث، فلا أحد سوى يحيى قد يخرج هذه الكلمات أو يقتحم جلستهم بهذه الطريقة .
_ طب تعرف أنت وهو، والله خسارة فيكم الطعمية السخنة اللي جبتها ليكم .
رفع عيسى عيونه صوب يحيى وقد كانت ملتمعة بالدموع، ليعتدل يحيى بتعجب وهو يقترب منهم يحضر ما أمسك جانبًا :
_ ايه ده ؟؟ عيسى أنت بتعيط عشان ابوك بيلسوعك"يضربك" بتوكة الحزام وأنا مش بدافع عنك ؟!
رماه عيسى بغضب، ليبتسم له يحيى باستفزاز ولم يكد يتحدث بكلمة إضافية حتى اصمته مسلم وهو يضربه على رأسه بضيق :
_ بلاش ترخم على اخوك يا يحيى، أنت عايش حياتك تقرف اللي حواليك، والله العظيم أنا مشفق على بنت الناس اللي هتضطر تعيش معاك أنت ولسانك في بيت واحد .
رفع يحيى حاجبه بتشنج، ثم سحب قرطاس " الطعمية " التي حصل عليها بصعوبة من البائع الذي كان يرفض بيعه أي شيء .
ألقى القرص الساخن في فمه بتلذذ :
_ اللي هترضى بيا، ترضى بيا زي ما أنا كده بلساني، بعدين لساني ده مش هيبقى ليها، هيبقى لأي ابن...
صمت حين أبصر نظرات مسلم المحذرة من نطق أي كلمة خارجة وقد كان يكره أن شقيقه لا ينفك ينطق كلمة دون إهانة، ليتراجع يحيى بضيق :
_ استريح يا مسلم لأن اكيد مش هعمل حاجة لمراتي، لساني ده هيكون لأي واحد تسول ليه نفسه يقرب منها .
_ وأنت بقى هتحميها بلسانك ؟؟
كانت جملة مسلم بعدما نهض وهو يتحرك للخارج ساخرًا ويحيى يلقي الجملة في أعقابه بضيق :
_ سيبنا ليك العضلات يا حبيبي، ابقى أضرب اللي هيقرب من مراتك .
توقف مسلم ينظر له من فوق كتفه مبتسمًا:
_ ده اللي هيحصل فعلًا، و يا ريت تيجي على قد الضرب يا يوحا.
_ ايه هتقتله ؟!
_ أمنية بعيدة عنهم يا حبيبي .
ختم حديثه يخرج من المكان تاركًا يحيى ينظر لاثره بصدمة من كلماته، ويبدو أنه كل ثانية يعيش الصدمة ذاتها لتغير مسلم بهذا الشكل .
_ اخوك ده مش مظبوط من وقت ما رجع تحسهم كده بدلوه، تفتكر ابوك هيرضى لو اقترحنا عليه يحلل لمسلم DNA و....ولا سيب قرص الطعمية يا حيوان .
كانت كلمات قاطع بها أفكاره حول مسلم حينما وجد يد عيسى تمتد لقرطاس " الطعمية " الساخنة بين يديه، ليلتقطها عيسى بسرعة وهو يهرول خارج الغرفة ويحيى يتبعه وصوت صرخات الاثنين تصدح في المكان وقد أقام يحيى قيامتهم جميعًا في هذه اللحظة لأجل قرص طعمية ساخن ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت للمنزل بسرعة تنظر له ولم تكد تخطو داخله حتى سمعت صوتًا في الخلف يصدح بنبرة مشمئزة :
_ اقفي عندك، أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين ؟!
أغمضت ساڤا عيونها وهي تتنفس بعمق تحاول أن تهدأ، كان هذا اسوء من تقابله في هذه اللحظة، كانت قادمة لرايانا تخشى الاصطدام بعز الدين ويا ليتها اصطدمت به، على الأقل كانت ستصمته ببضع كلمات وينتهي الأمر، لكن هذه ....لا قبل لها بالتحدث مع أمثالها الذين ينحدرون اخلاقيًا أكثر من الراقصات .
_ خير، تم تعيينك حارس لبيت البارو ومحدش بلغنا ؟!
ابتسمت والدة عز الدين وهي تنظر لها من أعلى لاسفل باستحقار :
_ بتعملي ايه هنا يا ساڤا، معتقدش إن ليكِ حاجة تخصك هنا .
مالت ساڤا على عقبيها وهي تنظر في عيون المرأة بنظرة مرعبة، قبل أن تهمس :
_ سُكينة، عشان تعيشي في القرية دي بسمعتك اللي بتحاولي تفرضيها بين الناس عشان ينسوا اصلك، هما حاجتين المفروض تعمليهم، أول شيء تستمري في سحرك لزوجك، وتاني حاجة تتلاشي التعامل معايا، لأن يا سُكينة مبروم على مبروم ميلفش .
ختمت حديثها تعتدل في وقفتها وقد تركت رسالة واضحة للمرأة التي ارتجف جسدها بقوة من الكلمات، تحاول أن تتماسك، ترفع عيونها صوب ساڤا تهمس بصوت خافت محذر :
_ صدقيني اللعب معايا مش آمن يا ساڤا، اللي بتعمليه ده مش هيقدم من مكانتك ولا يأخر من مكانتي.
ابتسمت لها ساڤا بسمة مرعبة وقد بدا أن السواد بينهما لم يكن وليد اللحظة أو اليوم، بدا أن هناك غيمة سوداء قديمة تحلق فوق الرؤوس .
_ الغريب أنك فاكرة إن مكانتك اتغيرت عشان بس اتجوزتي أخو البارو، لكن يا سُكينة، في مهنتنا الرقاصة هتفضل طول عمرها رقاصة، والـ....
صمتت وهي تنظر لها من أعلى لأسفل لتشعر سُكينة برجفة على عمودها الفقري، وتراجعت شاحبة الوجه، لتبتسم لها سافا بسمة صغيرة :
_ أعتقد أنتِ فهمتي قصدي، مش محتاجة اوضحكلك مين تاني ممكن افهمه قصدي لو لمحتك قريبة مني، أو فكرتي تقربي من رايانا .
رفعت سُكينة حاجبها بعدم فهم :
_ رايانا ؟! أنتِ مالك برايانا ؟؟
_ ميخصكيش، اتعدلي لأحسن تلاقي نفسك بكرة شغالة تلمي النقطة من تحتي يا سُكينة .
ختمت حديثها تتحرك بسرعة داخل منزل البارو دون اهتمام لأحدهم، فالبارو لا بد أنه خارج المنزل في هذه اللحظة لأجل ترتيبات عقد القرآن المزعوم اليوم، وداخل المنزل لا خطر سوى البارو .
رحلت تاركة سُكينة تقف مكانها وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول أن تتجاوز ما قيل منذ ثواني، وقد اسودت عيونها بشكل مرعب تلاحق ساڤا بنظراتها وقد بدا أنها في هذه اللحظة قادرة على إحراقها حية .
ـــــــــــــــــــــــــــ
_ مش فاهم أنت عايز مننا ايه ؟!
نظر مسلم صوب يحيى والذي بدى أنه المتحدث الرسمي للجميع هنا، فكلما أرادوا الاعتراض على شيء كان هو أول من يصرح به من الجالسين .
_ ولا حاجة أنا مش عايز منكم غير أنك تسكت والله يا يحيى .
انكمشت ملامح يحيى بضيق من كلمات مسلم، ينظر صوب أحمد وكأنه يشكو له بصمت، ليجد أن أحمد شارد بعيدًا عن الجميع، فنسيّ أمر مسلم وتحول صوب أحمد يضيق عيونه وهو يتحدث بجدية :
_ ولاا انت بتحب يا أحمد؟!
انتفض أحمد ينظر له بصدمة بينما نورهان اتسعت عيونها وهي تنظر صوب شقيقها بتسائل :
_ بيحب ؟! بجد يا أحمد ؟!
كان الأمر صدمة فشقيقها الذي انعزل وزهد النساء منذ سنوات طويلة ها هو الآن يحب امرأة أخرى.
_ بحب ايه ؟؟ أنتِ هتصدقي يحيى ؟!
ختم حديثه وهو يهبط بكفه على رقبة يحيى الذي انتفض يصرخ بعصبية، وقبل احتدام الموقف، تدخل مسلم بسرعة :
_ بس أنت وهو، مالك يا احمد فيه ايه ؟؟
_ ابويا أتصل النهاردة وعرف كل حاجة حصلت ومصّر نرجع أنا ونورهان القاهرة انهاردة .
نظرت له نورهان بخوف شديد، بينما مسلم نظر له ينتظر أن يخبره ما حدث بالتحديد، فأخبرهم بالفعل كل شيء وقد تجاهل ذكر ما حدث مع ساڤا .
تنهد مسلم بصوت مرتفع وهو يخرج هاتفه، ينهض من المكان :
_ أنا هكلم جوز خالتي وأنتم اهدوا شوية ..
وبالفعل اختفى تاركًا إياهم جالسين وحدهم، وكلهم ينظرون لبعضهم البعض بصمت، نورهان تشعر بالريبة والخوف من العودة الآن.
تخشى الاصطدام بطليقها، ليست مستعدة بعد، وتخشى مواجهة أهلها بفشلها في الاختيار الوحيد الذي اتخذته بنفسها .
بينما كان هو يجلس بعيدًا ينظر ارضًا يحاول ألا يتدخل في حديثهم، يبصر بطرف عيونه خوفها وارتجافة يدها، ورغم أنه لم يشارك في ضرب زوجه كي لا يظهر أي اهتمام بالأمر، فهو من المفترض أنه لا يعنيه، إلا أن ضربه بالسيارة اطفأ الكثير من نيرانه .
دقائق مرت قبل أن يسمع الجميع صوت مسلم وهو يتحرك للداخل :
_ حاضر يا عمي، متقلقش كلهم في عيوني، هنخلص الحوار ونرجع، كلها ايام بس وهتلاقيهم قدامك، في أمان الله مع السلامة .
ختم حديثه يغلق الهاتف وهو ينظر للجميع وقد حلقت العيون صوبه، وأحمد يراقبه باهتمام :
_ عملت ايه ؟!
_ خلاص الموضوع انتهى، قولتله تفضلوا هنا لغاية ما الدنيا تهدى ونخلص الموضوع .
_ واقتنع عادي ؟!
_ أيوة لأني بلغته إن الحوار خلاص خلص .
نظر له الجميع بعدم فهم :
_ وهو فعلا خلص ؟!
كانت جملة عيسى التي نطق بها بعدم فهم ليجيبه مسلم بهدوء شديد وقد جلس أمامهم، ينظر لهم يستدعي كل لحظة انتباه حتى نطق واخيرًا .
_ اليوم هندخل بيت البارو، بس المرة دي غير، ولهدف تاني خالص ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تراقبها بصدمة وهي تمسكها عن التحرك خطوة واحدة لا تصدق أن رايانا قد استسلمت للأمر الواقع بالفعل، لا تصدق أنها الآن تقف أمامها ترتدي فستان عقد قرآنها على عز الدين .
_ رايانا أنتِ بخير ؟؟
_ لا .
كانت كلمة نطقت بها وهي تراقب نفسها في المرآة، لا تصدق أنها صبرت كل ذلك وحاربت لأجل نفس النهاية التي فُرضت عليها منذ البداية .
لا تدري أكان العيب بآمالها العالية، أم الخطأ في القتال لأجل شيء سيحدث في كل الأحوال، كانت معركة خاسرة منذ البداية لكنها اختارت الاكمال بها .
_ هو ممكن حفيد المريدي الـ...
_ لا، لا يا ساڤا، دي مش معركة حد غيري وانا خلاص خسرتها، ثم هيعمل ايه حفيد المريدي؟! هيجي يوقف زواجي ده منطقي يعني ؟!
ترددت ساڤا ولم تكن تدرك ما يجب فعله في الواقع، كان الأمر معقدًا، وكان عز الدين خنزير لا كرامة له .
_ ممكن يخطف عز الدين أو يخطفك، أو يقتل عز الدين .
ابتسمت بسخرية وهي تنظر لنفسها بحسرة، وقد تذكرت كلمات جدتها حينما أخبرتها أن عز الدين ليست اليد التي ستعتني بها، عز الدين ليس الشخص الذي سيعتني بنبتتها، لكن اتضح في النهاية أن مصيرها كان الذبلان منذ البداية.
_ طيب ....طيب هتسيبي روحِك وتسلّمي؟ هترمي حالِك فـ نار عزّ الدين بإيدِك؟
نظرت لها رايانا بعدم إدراك لما ستفعل، لكنها تدرك من داخلها أن هذه معركتها هي، وأن انتظار فارس أو أمير ليخرجها من هذا المأزق هو مجرد مشاهد في التلفاز أو الروايات، هنا في الواقع هي المنقذ الوحيد لنفسها، لكن ماذا تفعل وقد وضع الجميع قدرها بين قبضة عز الدين .
_ هخوض معركتي للنهاية، وهتكون محاولتي الأخيرة.
_ أنا ممكن أتدخل واخرب الجواز على دماغهم لو تحبي ولو هضرب عز الدين بالنار بين الكل .
ابتسمت رايانا وكم تمنت أن يحدث ما قالته ساڤا، لكنها ليست حقيرة لتقلب كبار عشيرتها على ساڤا وهي تدرك أنهم سيحيلون حياتها لجحيم إن فعلت ما تقول .
_ لا يا ساڤا الموضوع المرة دي هينتهي للمرة الأخيرة، المرة الأخيرة اللي هيحاول فيها عز الدين يقرب مني، ويا يبعد عني للأبد، يا تنتهي الليلة وأنا زوجته .
_ مش فاهمة رايانا متخوفنيش ناوية على ايه ؟!
ابتسمت رايانا بغضب شديد وحسرة والحزن كان أقرب لها من الغضب، تحاول أن تهدأ:
_ هعمل الحاجة الوحيدة اللي بعرف اعملها .
ستحيل الليلة لجحيم على الجميع وأولهم عز الدين .
اليوم ستكسره أمام الجميع وتحرم نفسها عليه، وإن كان عز الدين يمتلك ذرة رجولة، فاليوم ستكون نهاية محاولاته للحصول عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ظلام الليلة وحينما بدا أن أهالي أرض الدوم خلدوا لنومهم، تحرك مسلم وحده مع أحمد وحاتم صوب منزل البارو، تاركين خلفهم يحيى مع نورهان وعيسى تحسبًا لتعدي أحدهم عليهم، وقد كان جنون يحيى في القتال كافيًا ليحمي الجميع إلى جانب عيسى بالطبع .
توقف أمام المنزل بتعجب حينما أبصر الكثير حول المنزل والتجمعات تملئ المكان .
_ عشان هيك كانت القرية شبه خالية، الكل مستنّينا هون.
تحدث أحمد بعدم فهم للوضع الحالي :
_ طب ايه نرجع ونيجي يوم تاني ؟!
ومسلم الذي كان يرافقهم مرتديًا الأسود بالكامل مع قبعة تخفي نصف ملامحه وعلى ظهره حقيبة بها كل ما يمكن أن يحتاجه لليوم .
- بالعكس، دي فرصتنا .
_ إزاي لا مؤاخذة ؟!
_ واضح إن فيه مناسبة والكل مجتمع فسهل ندخل .
صمت يستدير صوبهما يغمز لهما بجدية وبسمة واسعة :
_ الاندماج أسهل من التخفي .
ختم حديثه وهو يخفض القبعة يتحرك صوب الباب الأمامي للمنزل تحت أعين الاثنين المتسعة من جنون مسلم، حتى أن أحمد نظر صوب حاتم بتسائل ليحرك الأخير كتفه :
_ لا تطلّع عليّ هيك، هاد أخوك.
ختم حديثه يلحق بمسلم يدعو ربه أن يخرجوا سالمين دون خسائر، وأحمد لم يجد بد من اللحاق بهم .
وبالفعل وبسبب كثرة الاعداد لم يلحظ أحدهم تقريبًا دخول الثلاثة، والذين بمجرد أن وطئوا للبهو حتى ابصروا الاضواء في كل مكان ونصف القرية تقريبًا مجتمعة للاحتفال بمناسبة ما، ولم يهتم أحدهم بالتفكير في سبب اجتماعهم، وقد أشار مسلم بعيونه لهم أن ينتشروا لتنفيذ الخطة .
وبالفعل تحرك كل واحد منهم في اتجاه لذرع كاميرات المراقبة ومسجلات الصوت، فهم لن يغامروا بالدخول هنا والتفتيش بين أوراقهم، بل سيعلمون قبلًا أين يخفي ذلك الرجل ما يخصهم قبل الهجوم .
كان أحمد يتحرك في المكان وهو يبحث عن مكان يزرع به أول ميكرفون مع كاميرا، ليبصر بطرف عيونه تجمع الرجال في أحد الأركان وتحدثهم بحماس حول راقصة اليوم وكأنهم على وشك الحصول على وليمة ينهالون عليها .
وفي الحقيقة لم يهتم أحمد بالأمر كثيرًا وقد نبذ منذ مراهقته هذه الأمور المثيرة للاشمئزاز، لكنه توقف فجأة حينما تناهى لمسامعه اسمًا خُيّل له أنه يعلمه جيدًا .
_ ساڤا ؟؟
أبعد عيونه عن المكان الذي ذرع به الميكرفون، وهو يحركها بهدوء صوب منتصف الساحة حيث تقدم في هذه اللحظة امرأة تتزين بثوب طويل بدى تقليديًا مع تنورة من ألوان متعددة، ورغم أن الثوب كان يبدو ساترًا ليس كما ألف عن الراقصات، إلا أنها كانت .....ترقص بحركات غريبة خمن أنها رقصات تخصهم.
أما عن ساڤا فهي لم تكن تقبل الذهاب لإحياء أي زفاف ولم تكن تقبل بالرقص خارج المقهى، لكنها اليوم تحديدًا قبلت عرض عز الدين الذي هدف به لإذلالها، فقط لتكون جوار رايانا التي لا تعلم حتى الآن ما تنتوي عليه .
لذا ومع انطلاق صوت الموسيقى الفلكلورية تحركت بين الجميع وقد صدح صوتها القوي الساحر يرن بنغمات احتفالية بين الجميع وهي تدور في حركات سريعة، كانت راقصة غجرية ترقص كما يرقص الغجر في القوافل عادة، حركات رشيقة خفيفة لكنها كانت كافية لإثارة بعض الرجال الذين لا يفكرون سوى في شهواتهم القذرة .
توقفت في منتصف الساحة وهي تحرك كتفها بخفة كبيرة، تنظر بنظرات ربما ظنها الجميع مغرية صوب عز الدين الذي كان يتوسط البهو كملك ينتظر جاريته لتركع أمامه .
ابتسمت وهي تتحرك صوبه وهي ما تزال تغني بصوت مرتفع وتحرك كتفها وقدمها بحركات معروفة، حتى وصلت أمامه ترفع قدمها تضعها على الطاولة أمامه بشكل جعل أعين الأخير تلتمع وهو يميل للمس قدمها، لكنها رفعتها تضرب بها يده في حركة مهينة أخفاها هو بإطلاق ضحكة صاخبة حاول إظهارها مستمتعة .
بينما هي تجاهلته والغضب والاحتقار ينمو داخل صدرها تكمل عرضها تنتظر حضور رايانا لمعرفة الخطوة التالية، وبينما كانت تدور راقصة في المكان ابصرته يقف في أحد الأركان وهو يراقبها مصدومًا مما تفعل، لتتوقف ثواني فقط قبل أن تتجاهله بهدوء وتكمل فقرتها .
أما عن أحمد فابتسم بسخرية لاذعة، وهو يتحرك في المكان بسرعة ينتهي مما جاء لأجله .
وعلى الطرف الآخر كان حاتم يدور بين الجميع يبتسم لهذا وذاك وهو يدس يده يضع ميكرفون تحت طاولة، وكاميرا في ركن بعيد جوار مزهرية .
ومسلم كذلك كاد أن ينتهي وهو يتحرك صوب ممر يمتد جوار الدرج لينتهي كما جاء لاجله، لكن فجأة توقفت أقدامه حينما سمع صوت المرأة يصدح في المكان :
_ العروس وصلت .
ومن ثم انطلقت الزغاريد في المكان بأكمله، كان زفافًا إذن، حسنًا هذا يبرر هذه الزينة والأضواء المبالغ بها، وكاد يتحرك غير مهتمًا بما يحدث لولا أن أبصرها تهبط الدرج بهدوء والنساء يحفونها .
توقف قلبه فجأة وشعر بعدم قدرته على التنفس وهو يحاول فهم ما يحدث، هذه ....هذه ...العروس ...هي العروس ...العروس كانت .
_ فروشكا ؟؟؟؟
ورايانا في هذه اللحظة كانت كما لو أنها تقاد لحبل المشنقة، ترى القاضي والجلاد ينتظرونها لتنفيذ حكم الاعدام .
اقتربت وهي تهدأ ضربات قلبها التي بدأت تصم جميع الاصوات حولها، الموسيقى والغناء والتصفيق والزغاريد، كل شيء اختفى ولم يبقى سوى صوت المأذون الخاص بالقرية الذي هتف بصوت قوي بمجرد أن ابصرها.
" الحمدُ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة﴾
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا﴾
أما بعد… فقد قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج…»
كانت جمل متقطعة تصل لها وهي تتحرك صوبهم ببطء وكأنها تؤخر موتها فقط، لكنه كان حتميًا في النهاية .
جلست واخيرًا أمام عز الدين وصوت المأذون يصدح في المكان بكلمات جعلت أعين مسلم تتسع أكثر بجنون لا يصدق أنها تفعلها، تتزوج الرجل الذي كانت تردد قبل أيام قليلة فقط أنها تكرهه، أنها في صف من يكرهه.
الآن يجبرونها على الزواج منه ؟!
نظر لوجهها وابصر جمود ارعبه، تسليم بما يحدث، كانت ...تشبهه أكثر مما ظن .
_ عز الدين هل قبلتَ الزواج بـ رايانا بنت عزيز على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى الصداق المسمّى بينكما.
ابتسم عز الدين وقد شعر في هذه اللحظة أنه أمسك بنجمة من السماء حلم طفولته ومراهقته وشبابه وحياته بأكملها يتحقق، رايانا ستصبح زوجته، خرجت كلماته مرتجفة محبة :
_ أقبل.
تراجع مسلم للخلف وقد شعر بأنه على وشك الاختناق مما يرى، كانت الفتاة مستسلمة بشكل مرعب، نفس الاستسلام الذي أظهره حينما أدرك أن لا مفر من العذاب .
ارتجفت يده وهو ينظر حوله بعجز يبحث عن شيء يوقف به ما يحدث، لا يمكنها، لا يمكنها أن تفعل، أن تتزوج به، أن تُجبر عليه، أن...لا يمكن لفروشكا أن تكون زوجة لهذا الرجل الذي لا تبغض شخص آخر بقدره .
لا يمكنها أن تستسلم كما فعل هو مسبقًا، لا يمكنها أن تقتل نفسها بهذه الطريقة .
_رايانا هل قبلتِ الزواج بـ عز الدين على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى الصداق المسمّى بينكما؟!
صمت وصمتت كل الأصوات حولهما، تجمدت عيونها وهي تحدق في الأرض أمامها دون كلمة واحدة .
الجميع ينتظر منها كلمة، مسلم وساڤا، والدها وعز الدين والجميع فقط يترقب الموافقة .
حتى نطقت أخيرًا وبكل هدوء :
_ لا، مش موافقة يا شيخ .
وفي ثواني ارتفعت الهمسات في المكان وقد على الاستنكار وانتفض عز الدين وهو يصرخ بجنون لا يصدق أنها تفعلها للمرة الثانية، ترفضه صراحة هذه المرة أمام الجميع .
_ أنت اتجنيتي بتقولي ايه أنتِ، رايانا مش وقت هزارك البايخ، ردي على الشيخ اخلصي .
نظرت رايانا للشيخ بهدوء وبرود شديد :
_ وأنا رديت عليه، مش موافقة على الجواز من عز الدين يا شيخ، هل هتقبل على نفسك تجوزني ليه بالغصب زي ما هو قبل على نفسه يتجوزني غصب .
استغفر الشيخ بصوت خافت وهو ينظر للجميع، لينتفض البارو وقد بدأت العيون تتحرك صوبه، يتحرك صوب ابنته، وقد شعر بالعار يملئ نظرات الجميع صوبه .
_ رايانا يا بنتي ايه اللي بتقوليه ده ؟!
_ اللي سمعته والكل سمعه، ولو لسه محدش سمعه فخليني اسمع الكل .
صمتت تحرك عيونها بين الجميع قبل أن تصيح بصوت قوي وقد أدركت أن لا منقذ لها من هذا سوى نفسها :
- أنا برفض الزواج من عز الدين، ولو هو هيقبل على نفسه يعيش مع ست كرهاه وكارهة شوفته، والشيخ هيقبل على نفسه يزوج بكر دون رضاها فكملوا في الجواز لأن على جثتي اتجوز عز الدين برضايا.
ختمت حديثها وهي تخرج بسرعة من ثوبها سكينها المفضل توجهه صوب رقبتها وهي تصرخ :
_ على جثتي اكون زوجة ليه يـــا بــــارو .
أما عن مسلم فكان يتابع ما يحدث وقد اهتز قلبه داخل صدره بقوة مما أبصر منذ ثواني، لقد فعلتها، فعلت ما عجز هو عنه قديمًا اعترضت مصيرها الذي وضعه لها الجميع .
شعر بارتجافة صدره، هذه المرأة كانت مبهرة أكثر مما ظن يومًا، يتابعها ببسمة فخورة وكأنه يبصر ابنته تخطو أولى خطواتها، حتى أبصر السكين الذي وضعته على رقبتها فانتفض برعب وكاد يتحرك صوبها بتهور لولا يد أحمد الذي امسكه يتحدث بحدة :
_ أنت رايح فين ؟؟ مسلم اتجنيت؟! خلينا نخرج من هنا قبل ما حد يشوفنا .
ومسلم فقط كان يحدق بها، برعب لم يدركه سوى في هذه اللحظة، يراقب يدها التي ورغم نظراتها الجامدة كانت ترتجف .
ابتلع ريقه يحاول الإفلات من يد أحمد لا يعلم ما سيفعل، لكنه لن يتركها تهدد حياتها لأجل شخص كعز الدين .
تقدم حاتم حينما أبصر ما يحدث يهتف بصوت منخفض :
_ مسلم بالله عليك لا تفعل، هيا لنرحل ودعهم يحلون مشاكلهم .
ومسلم فقط استدار ينظر لحاتم بشر يهمس من أسفل أنفاسه وقد كان فكرة ترك الفتاة تواجه الجميع وحدها شيء يمكن أن يفعله ميتًا فقط:
_ لن اتركها وحدها بينهم حاتم.
اتسعت عيون حاتم من الشر الذي سكن وجهه مسلم، في اللحظة التي أعلن بها الشيخ أن الأمر انتهى .
_ وأنا مش هخالف شرع ربنا وازوج واحدة دون رضاها، الزواج هيكون باطل، عن اذنك يا بارو ولما تتأكد أن العروس موافقة يبقى لينا كلام تاني .
ختم حديثه يرحل وقد كان رحيله بمثابة إعلان صامت لانتصار رايانا، أما عن عز الدين فنظر لرايانا نظرة جعلتها تدرك أن عز الدين سيقتلها بعدما تنتهي هذه الليلة .
وبالفعل رفع عز الدين ذراعيه وهو يصرخ في الجميع حوله :
_ رفضتي الزواج مني يا رايانا، ماشي براحتك بس قسمًا بالله ما هتكون لغيري، رايانا من اليوم متحرمة على أي راجل فيكم، وأي حد هيتجرأ ويقرب بس منها هعتبره بيعاديني .
تشنجت ملامح أحمد بصدمة من الهراء الذي سمعه، لا يصدق أن أحدهم قد يصل بالدناءة لهذه المرحلة، والغريب أن الجميع صمت ولم يجادله أحد في كلماته، حتى والدها.
أما عن عز فنظر لرايانا التي كانت ترتجف بصدمة ودموعها متجمدة في عيونها يهمس لها بشر :
_ عيشي وحيدة حقيرة مفيش راجل هيقرب منك يا رايانا، دي كانت فرصتك الأخيرة، بس اقسم بالله ما هقرب منك تاني ولا هيقرب منك راجل، خلاص يا رايانا، خلصنـــا .
ارتجفت يد رايانا التي تحمل السكين وقد سقطت دموعها دون شعور، ليس حزنًا على رجال تنبذهم من الأساس، بل قهرًا على مستقبل ضاع منها فقط لأنها وُلدت بينهم .
اقترب منها عز الدين لترفع السكين بسرعة تهدده بها، فتوقف مبتسمًا بسخرية :
_ مصيرك بقى اسود من الليل يا رايانا هتتمني لو كنتِ وافقتي تتجوزينـ...
وقبل إكمال جملته انطلقت رصاصة تستقر في ذراعه في ثواني، هدر بصرخات متوجعة على إثرها وهو يسقط ارضًا صارخًا وقد على الهرج والمرج من حوله والجميع يركض في كل مكان .
أما عن رايانا فقد أطلقت صرخة مرتفعة وهي تلقي السكين بسرعة مرتعبة، تتراجع للخلف بصدمة تتحرك بعيدًا عنه للخلف، لتقع عيونها فجأة عليه .
اتسعت بصدمة تدرك وجوده هناك، جوار الدرج يحمل مسدسه وتعبير أسود غطى وجهه وهو ينظر لجسد عز الدين، قبل أن يسحبه من معه بالقوة للخارج، وكان آخر نظرة موجهة لها، نظرة شعرت بها ...وعدًا وعهدًا صامتًا .
وفي هذه اللحظة تنفست رايانا وقد شعرت أن اليد التي كانت تخنقها، قد شُلت .
حركت عيونها للمنزل حولها، تراقب الجميع يركض ويصرخ وقد حدث ما توعدت به، تحول زفافها لكارثة وللمرة الثانية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت اتجننت، اتجننت يا مسلم ايه اللي هببته ده، بتضرب على الراجل نار ؟؟ ضربــــــتــــه رصــــاصـــة ؟! عشـــــان ايــــه ؟!
كانت صرخات أحمد بعدما استقر الجميع داخل المنزل، بينما مسلم فقط يجلس على المقعد بهدوء يستند بيديه على قدمه، ينظر أمامه دون كلمة، وقد سأل نفسه السؤال ذاته، لأجل ماذا ؟!
والإجابة في الواقع لم تكن مجهولة، بل كان يدركها جيدًا، لكنه خشي الاعتراف بها بصوت مرتفع .
ولم يدرك أنه بالفعل نطقها وانتهى الأمر:
_ كان بيبص ليها بشكل مش كويس، كان هيأذيها بعد كده .
جُن جنون أحمد وهو يصرخ بعدم فهم لطريقة تعامل مسلم التي لا تشبههم :
_ فقولت تشغله عنها برصاصة، يا زين ما فكرت فيه يا ابن خالتي .
ومسلم لم يهتم بالرد، يعلم أنه أخطأ وتهور، للمرة الأولى يتخذ خطوة دون تفكير، لأجلها، لكنه لو عاد به الزمن يقسم أنه لم يكن ليغير شيئًا، هو وإن كان قد رحل بهدوء بعدما رفضت فروشكا الزواج به، يدرك يقينًا أن ذكر بصفات عز الدين لن يوقفه شيء عن ضربها، لم يستطع المغامرة بذلك .
_ مسلم أنت واعي باللي عملته ؟!
وكانت تلك الجملة من يحيى الذي يبصر شقيقه لأول مرة بهذه الملامح السوداوية، بدا أن هذه نسخة لم يكن أحدهم مستعد لرؤيتها عن قرب، الجميع _ عدا حاتم_ ينظرون له باستنكار .
لذا نهض مسلم من مكانه دون كلمة واحدة يتركهم وهو يتحرك خارج المكان بسرعة تاركًا إياهم يحدقون في أثره بصدمة وعدم فهم .
وأحمد يحرك خصلاته بجنون :
_ هنعمل ايه في المصيبة دي؟؟ ده لو كان حد لمح مسلم يبقى خلاص ركبنا كلنا الغلط وبقى عندهم حجة يرمونا في السجن كلنا .
تحدث حاتم بصوت منخفض وهو يحاول تهدئة الأوضاع .
_ لا تخاف، ما رح يصير شي.
نظر له الجميع وقد حلقت الأسئلة واضحة فوق رؤوسهم ليتنفس هو بصوت مرتفع :
_ الموضوع بسيط لا تعقدوها، ما رح يصير شي .
ولم يفهم أحدهم سبب هذا الهدوء والثقة وكأنه يتحدث عن شيء مألوف وليس رصاصة أخرجها مسلم من مسدس لا يعلمون من أين احضروه، نعم لم تكن الرصاصة الأولى وقد أصاب قبلًا أحد المعتدين على منزلهم رصاصة سطحية لإنقاذهم، لكن وقتها كانت الرصاصة مبررة، ماذا عن الآن ؟؟
أما عن حاتم فكان يراقب خروج مسلم بصدمة كبيرة وفي عيونه نظرة فزعة مما رأى في نظرات مسلم .
_ يارب سلّم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبينما كان السكوت يسبق العاصفة في منزل مسلم، كانت العاصفة نفسها تضرب بمنزل البارو ومن به .
التوتر يعلو في المكان وصرخات عز الدين تهز ارجاء المنزل، الهرج والمرج في كل مكان، والحكيم يحاول إخراج الرصاصة، والبارو يشاهد بصدمة ما يحدث، لا أحد يفهم ما حدث فجأة وكأن سحابة سوداء اصطدمت بالمنزل لتفسد الاحتفال بكارثة .
بدأ الجميع يخرج من المنزل ويرحل برعب شديد مخافة أن يمسهم سوء وكأن الاقتراب من هذا المنطقة يعني هلاكهم .
وهذه كانت تمامًا أفكارها، إذ اندفعت سُكينة فجأة صوب رايانا ترفع كفها لصفعها بقوة وهي تصرخ :
_ الله يحمينا منك يا شوم، ابني ..ابني كان هيموت بسببك، خلصتي على جوزك الأول والدور على ابني .
ولم تكد ترفع يدها لتصفعها الصفعة الثانية حتى تلقت هي الصفعة في المقابل، رايانا والتي كانت ما تزال في صدمتها لم تحرك إصبعًا واحدًا، بل راقبت بصدمة ساڤا التي انقضت عليها بالصفعات وهي تصرخ بوجهها :
_ الشوم دي تبقى الدجالة اللي سحرت لراجل غبي عشان يتجوزها وينسى أصلها الزبالة يا سُكينة .
ختمت حديثها ليعم الصمت فجأة في المكان وقد شحب وجه سكينة وهي ترى نظرات زوجها والجميع عليها، ارتجفت يدها وهي تحرك عيونها بتوتر بين الجميع قبل أن تصرخ :
_ الرقاصة ...الرقاصة دي تبقى أنتِ، ومفيش رقاصة غيرك في المكان كله، كلنا في القرية عارفين أصلك وعارفين أنكِ بتبيعي نفسك للي يـ....
ومجددًا اصمتتها صفعة عن إكمال الحديث، وهذه المرة لم تكن ساڤا، بل كانت رايانا التي جذبتها من حجابها بجنون وهي تهمس في وجهها بنبرة منخفضة مرعبة :
_ خدي ابنك وامشي من هنا، بدل المرة دي والله ما هتكون أرضكم بس اللي هتولع يا مرت عمي .
نظرت لها سُكينة برعب شديد من نظرتها، ارتجفت وقد تراجعت للخلف بسرعة تنظر صوب زوجها بخوف كبير:
_ خلينا ...نمشي من هنا، أنا مش ...مش قادرة اقف في البيت ده اكتر من كده، خلينا نمشي .
وبالفعل تحركت بسرعة صوب زوجها تجذب يده وتشير له بمساعدة ابنها وتتحرك معه للخارج، وعز الدين لم يكن ينتبه لكل ما يحدث ولم يهتم بشيء سوى التخلص من الوجع بكتفه، لكن والده لم يكن كذلك، كانت نظراته لسُكينة مريبة وغريبة .
وبمجرد أن فرغ المنزل إلا من أهله وساڤا، نظرت الأخيرة لهم وتوقفت نظراتها على وجه رايانا التي هزت لها رأسها لترحل.
لذا تنهدت بصوت منخفض وهي تحرك خصلاتها بهدوء :
_ أعتقد الليلة انتهت، اعتبروا الرقصة هدية لرايانا، ليلة سعيدة يا بارو .
وهكذا رحلت بكل بساطة وكأن لا شيء حدث، كانت لليلة بمثابة كارثة على الجميع تقريبًا .
رحل الجميع ولم يتبقى سوى أصحاب المنزل، وكل ذلك والبارو صامت لا يتحدث بكلمة، لكن هل تلومه رايانا ؟؟ بل تلوم ضعفه وقلة حيلته أمام عمها وابنه .
نظرت له بخيبة أمل قبل أن تتحرك بهدوء خارج المنزل ليوقفها البارو بصوت ميت وكأنه قادم من بئر سحيق :
_ على فين ؟!
_ أي مكان اقدر اتنفس فيه يا ....بارو.
ختمت حديثها وهي تتحرك بسرعة خارج المنزل تاركة الجميع في صمت قاتل، حاولت شيما التحدث لكسر هذا الصمت، تتحرك صوب زوجها تشفق عليه من نفسه :
_ بارو تحـ
لكن قاطعها صوت الجدة وهي تبتسم بسمة متحسرة :
_ اتمنى تكون ليلتك انتهت النهاية اللي استنتها يا بني .
نظر لها البارو بأعين شاردة وقد بدا أنه ليس في هذا العالم معهم، يفكر في سؤال واحد، ما الذي جناه الليلة ؟؟
هو البارحة ذهب بالفعل لعز الدين ليخبره عن رفضه صراحة لهذا الزواج ويقطع أي سبيل له، هذا كان قبل أن يلقي عز الدين اوارقه بقذارة مهددًا بمستقبله مقابل زواجه من ابنته .
نهضت الجدة وهي تتحرك ببطء صوب باب غرفتها تردد بصوت مرتفع :
_ أوكلت امري لله في أولادي، ربي يهديكم لنفسكم قبل أولادكم، ربي يهديكم، ربنا ياخدني قبل ما أغضب عليكم ليوم الدين .
تبع حديثها صوت اغلاق الباب بقوة، وشيما تراقب البارو بتردد قبل أن تقرر التحرك لتنظيف المنزل بصمت، تاركة إياه وحده مع أفكاره وضميره ..
جلس بقلة حيلة ارضًا ينظر حوله في المنزل يبحث عن شيء، لا يدرك ما هو من الأساس، لكنه في النهاية استسلم أن ذلك الشيء الذي يبحث عنه قد أضاعه هو كما أضاع كل شيء في حياته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف أمام المنزل مع جارتها تسمع آخر أخبار القرية، لا تصدق ما حدث .
ابتسمت بسمة واسعة تردد بحماس شديد :
_ يعني الزواج محصلش ؟؟ عز الدين متجوزش رايانا بجد ؟
_ أيوة، الزواج كله من أوله خرب فوق دماغهم، اساسا الكل عارف إن ده مصير أي شخص يفكر يقرب من رايانا، ربنا يسترها علينا و.....
صمتت الفتاة عن الحديث وهي تتحدث بعدم فهم :
_ أنتِ مبتسمة وسعيدة ليه ؟؟ معقولة لسه بتحبي عز الدين يا كارا ؟؟
رفعت كارا حاجبها بسخرية لاذعة :
_ لسه بحب عز الدين ؟؟ أنا محبتش عز الدين من البداية، الله يجحمه مع أمثاله، أنا سعيدة إن رايانا مدخلتش جحيم عز الدين .
رفعت الفتاة حاجبها بضيق من كلمات كارا، لكنها أرجعت الأمر ربما لما سبق وحدث بينهما في نهاية زواجهما، لذا لم تهتم كثيرًا واكملت حديثها بفضول شديد :
_ بس تعرفي الرصاصة اللي صابت عز الدين في الاحتفال دي غريبة، اراهنك أما كان واحد من أحفاد المريدي اللي عمل كده عشان يفسد الاحتفال، اصل مين يتجرأ ويوقف زواج بالشكل ده غيرهم في القرية ؟!
كادت كارا تقلب عيونها بضيق من الأقاويل التي تتمحور حول اولاد المريدي وقد بدا أن بالقرية منافس لرايانا لينسبون له أي كارثة تحدث حتى لو كانت كارثة طبيعية، لكنها فجأة أدركت شيء وجملة جارتها تتردد في أذنها بقوة جعلتها تفكير في شيء بصمت.
_ مين يتجرأ ويوقف جواز في القرية غيرهم ؟؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام منزلهم وقد كانت تعلم أن وجودها الآن في هذه اللحظة خاطئًا خاصة بعد النظرة التي تلقتها في منتصف صدرها حينما كانت تتراقص في حفل الزفاف .
نظرت للهاتف بين أصابعها بتردد، هي تدرك أن هذا الهاتف ما هو إلا حجة غبية فقط لتأتي وتراه، ولا تعلم السبب لكنها بدت كما لو كانت تتطلع لرؤية نظرة شفقة أو اشمئزاز في عيونه .
طرقت الباب بهدوء وقد كان البهو بالكامل ظاهرًا أمامها بسبب الباب المفتوح على مصراعيه، تحركت جميع الأنظار نحوها في ثواني، لتفرد ظهرها وهي تنظر لهم ببسمة صغيرة :
_ آسفة لو ازعجتكم في وقت غير مناسب .
نظر لها الجميع بعدم فهم وقد كان التوتر الذي تركه مسلم ما يزال قائمًا، لكن أول من استفاق كان نورهان التي نهضت تتحدث ببسمة صغيرة :
_ لا ابدًا اتفضلي، فيه حاجة نقدر نساعدك فيها ؟!
كانت نورهان تتعامل كما لو أنها تجلس في منزلها في القاهرة وجاءتها جارة تطلب مساعدة .
مسح أحمد وجهه بضيق شديد مما يحدث، وقد أصبح المكان بمن فيه كصخرة مستقرة على صدره، لذا تحرك يجذب نورهان للخلف يقف أمامها مخفيًا عنها ساڤا، وهو يتحدث بصوت هادئ بارد بعض الشيء وعيونه التي تشبه خاصة شقيقته كانت تلتمع بنظرة لم تفهمها ساڤا ولم تتعب نفسها في تفسيرها :
_ اتفضلي، نساعدك ازاي ؟!
ابتسمت ساڤا بسمة صغيرة وهي ترفع حاجبها :
_ تساعدني ؟؟ وأنا لو محتاجة مساعدة هجيلكم ليه ؟!
تشنجت ملامح أحمد وقد شعر الجميع باندلاع شرارات وشحنات مجهولة في الهواء، كانت النظرات تتقازف بين الاثنين.
_ ايه السبب اللي يخليكِ تشرفينا في وقت زي ده في الليل ؟؟ معتقدش فيه بنات محترمة تخرج في وقت زي ده .
كانت كلماته الأخيرة مبطنة بسخرية لاذعة ولا يدرك السبب في نطقها، لكنه لم يستوعب ما نطق به إلا بعدما خرج من فمه، فاتسعت عيونه وهو ينظر للجميع خلفه، يتنحنح يحاول تحسين ما قال :
_ قصدي يعني مش ...
لكن هي قاطعته وهي تتحرك صوبه تمسك كفه ليشعر أحمد برعشة في يده يحاول جذب يده بسرعة لكنها غافلته وهي تضع هاتف بين يديه بسرعة كبيرة تبتسم له وهي تقرب وجهها بعض الشيء منه :
_ لما تعملوا مصيبة مرة تانية، ابقى بص وراك يا أحمد.
نظر أحمد ليده يبصر هاتف عرفه في ثواني وقد كان هاتف مسلم، ربما سقط أثناء جذبهم العنيف له للخارج .
أما عن ساڤا فحررت يده بهدوء شديد وهي تستقيم مبتسمة :
_ كنت سعيدة بوجودكم في الزفاف انهاردة وقت عرضي بالمناسبة، وشكرا على اللي عملتوه مع عز الدين .
ضغط أحمد على الهاتف بقوة غاضبًا من برودها ووقاحتها في التحدث عن عرضها بهذه البساطة أمام الجميع الذين لا يفهمون ما تتحدث عنه، حتى حاتم الذي لم يلتفت للراقصة ولم يبصرها حتى .
رفع عيونه لها وهو يهمس بصوت منخفض :
_ العفو، واحنا مشوفناش عروض ولا غيره، معلش أصل احنا مش من مشجعي الرقص .
كانت الجملة الأخيرة لها فقط بالكاد وصلت لمسامعها، لتبتسم له بسمة باردة موجوعة جعلته يشعر بالحقارة فجأة، لذا أخفى الهاتف في جيبه يبعد عيونه عنها :
_ شكرًا عامة على مساعدتك .
توقف عن الحديث وقد شعر بالتوتر من نظرتها وهو يقول أول ما خطر في رأسه في هذه اللحظة بعدما أبصر نظرتها له :
- تحبي اوصلك ؟؟
رفعت ساڤا حاجبها بصدمة من كلماته، وهو نفسه صُدم بما قال منذ ثواني، وقد ادرك أنه لا يصلح بأي حال من الأحوال في التحدث مع النساء .
وساڤا التي تفاجئت بعرضه هزت رأسها بسخرية شديدة، لكنها ابتسمت ببراءة جعلته يراقبها متسع الأعين:
_ يعني أنا مش حابة ...مش حابة ازعجكم، لكن لو تكرمت يعني ممكن بس توصلني لمركز البلد لأن المنطقة اللي قبل البيت دي فاضية وانا بنت لوحدي في الوقت ده وخايفة على نفسي .
ختمت حديثها وهي ترمش له بشكل جعله يكاد ينفجر ضاحًكا لولا صدمته التي عرقلت الضحكات في حلقه .
مسح وجهه لا يصدق ما تقول، لا يصدق ...يقسم بالله أنه صدقها لثواني .
نظر خلفه ببسمة غير مصدقة، لكن لا أحد كان يبصر ما يبصره هو، وقبل التحدث بكلمة انتفض يحيى يعرض بكل رجولة وفداء :
_ لا طبعا ازاي ميصحش أنا هروح اوصل القمر دي وبالمرة اشوف مسلم و....
قاطعه أحمد وهو يستدير مشيرًا له بإصبعه:
_ اقعد ...اقعد، خليك هنا مش ناقصين قرف منك أنت كمان .
رفع يحيى حاجبه وارتفع طرف شفتيه بتشنج :
_ قرف مني أنا كمان ؟؟ ليه قولتلك تعالى غيرلي البامبرز ؟؟
ضحكت ساڤا بصوت مرتفع ليستدير لها أحمد يتحدث بعصبية من تصرفات يحيى اللامسؤولة، يشير لها بصوت خرج غاضبًا دون إرادته :
_ اتفضلي قدامي .
نظرت له ساڤا ببسمة صغيرة لا تصدق أنه وافق بالفعل، يبدو أن الرجل كان يمتلك من الأخلاق أكثر مما تعتقد هي .
مالت برأسها تنظر له ببراءة :
_ مش هتعبك معايا كده ؟؟
_ اتفـــضـــلي .
كانت كلمة خرجت من أسفل أسنانه، لتهز رأسها بهدوء وهي تتحرك أمامه، بينما هو تبعها وهو يزفر بصوت مرتفع ينظر للسماء يطلب العون من ربه على هذه الحياة التي سقط بها بعدما كان يحيا بهدوء في عالمه الخاص ....
وبمجرد خروجهم تحدثت نورهان ببسمة واسعة :
_ هي دي اللي أحمد بيحبها ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تتحرك بشرود ورأسها لا ينفك يعيد عليها نظراته الأخيرة لها، كانت تشعر برجفة قوية في جسدها بالكامل، ورغم كل أفكارها السوداء انتهت الليلة نهاية ...جيدة نوعًا ما .
توقفت واخيرًا عند البحيرة التي كانت تحب الاختلاء بنفسها عندها، ولأول مرة تقترب منها مساءً بعدما كانت تخشى التواجد جوارها في ذلك الوقت .
لكن الآن بدت البحرية أكثر أمانًا لها، تنفست بصوت مرتفع وهي تفتح ذراعيها تغمض عيونها بهدوء شديد تحاول أن تُهدأ ضجيج عقلها وكلمات حادة تتردد داخل أذنها .
" عيشي وحيدة حقيرة مفيش راجل هيقرب منك يا رايانا، دي كانت فرصتك الأخيرة، بس اقسم بالله ما هقرب منك تاني ولا هيقرب منك راجل، خلاص يا رايانا، خلصنـــا ."
"مصيرك بقى اسود من الليل يا رايانا "
" رفضتي الزواج مني يا رايانا، ماشي براحتك بس قسمًا بالله ما هتكون لغيري، رايانا من اليوم متحرمة على أي راجل فيكم، ولي حد هيتجرأ ويقرب بس منها هعتبره بيعاديني ."
شعرت بدموعها تهبط دون شعور منها وقد بدأت شهقاتها ترتفع، والله لا تحزن عليهم، والله لا تعترض على قدرها، لكنها فقط حزينة أن حكم عليها بالوحدة فقط لأجل افكار وأوهام لا يد لها بها .
أما عنه ..
يجلس وهو يحدق بها دون أن يصدر صوتًا يقدر لحظات صمتها ورغبتها بالانعزال ذاتها، لذا صمت وظل يراقبها ولا يدري السبب في عدم ذهابه من المكان بأكمله، لكنه فقط يرفض ....
يرفض تركها في هذا الليل وحدها، وبهذه الحالة، لم تكن تبدو له متزنة و...
وقبل أن تكتمل أفكاره في عقله حول ماهية قدومها في هذا الوقت شعر بجسده يتجمد فجأة والحياة تتوقف حوله، وانفاسه توقفت كذلك داخل صدره حتى شعر بأنه سيختنق، كانت لحظة ارتجف بها كامل جسده قبل أن ينتفض يصرخ بجنون وهو يركض صوب المياه يرى جسدها الذي سقط لتوه فيه .....
ــــــــــــــــــــــــ
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية