تحميل رواية «عشق الملاك» PDF
بقلم علياء بطرس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل بسيط في أحد الأحياء الشعبية في مدينة القاهرة، تستيقظ بطلتنا على صوت المنبه المزعج. أخذت تتمطى في سريرها، مدت يديها بتكاسل لتطفئ المنبه. رفعت الغطاء وخرجت ذاهبة للاستحمام قبل الذهاب لجامعتها. في طريقها، وجدت جدتها تعد الفطور. قامت باحتضانها وتقبيلها. "صباح الفل والعسل والياسمين على أحلى فوزية فيكي يا جمهورية." قهقهت جدتها. "يا صباح القشطة عليكي يا ملوكة يا بكاشة. يلا شهلي بسرعة قبل الفطار ما يبرد." كادت أن تذهب، لكنها عادت وتساألت. "هو جدو فين؟ لسه نايم…." وكادت أن تذهب لغرفته ظناً منها أ...
رواية عشق الملاك الفصل الأول 1 - بقلم علياء بطرس
في منزل بسيط في أحد الأحياء الشعبية في مدينة القاهرة، تستيقظ بطلتنا على صوت المنبه المزعج. أخذت تتمطى في سريرها، مدت يديها بتكاسل لتطفئ المنبه. رفعت الغطاء وخرجت ذاهبة للاستحمام قبل الذهاب لجامعتها.
في طريقها، وجدت جدتها تعد الفطور. قامت باحتضانها وتقبيلها.
"صباح الفل والعسل والياسمين على أحلى فوزية فيكي يا جمهورية."
قهقهت جدتها.
"يا صباح القشطة عليكي يا ملوكة يا بكاشة. يلا شهلي بسرعة قبل الفطار ما يبرد."
كادت أن تذهب، لكنها عادت وتساألت.
"هو جدو فين؟ لسه نايم…."
وكادت أن تذهب لغرفته ظناً منها أنه ما زال نائم، إلا أن قاطعتها جدتها.
"لا يا حبيبتي، جدك فطر ونزل بدري. ما أنتي عارفة شغله، لازم يكون هناك قبل الموظفين."
"أه صح نسيت. بس إن شاء الله بكرة أشتغل وأريحه من التعب ده."
قالتها بفخر شديد.
"يلا بلاش غلبة، أنتي خلصي سنة أولى الأول وبعدين اتكلمي."
شهقت ملاك بصدمة.
"انتي بتتريقي عليا يا تيتة؟ ماشي، أنا هسكت بس عشان انتي تيتة وأنا طيبة وقلبي أبيض."
وذهبت للاستحمام، وخرجت وارتدت بنطال جينز ثلجي وبلوزة سوداء واسعة قليلاً تصل لنصف فخذيها، يتوسطها حزام فضي وبوت رياضي أبيض وحقيبة جانبية سوداء. جلبت كتبها وخرجت تودع جدتها.
"يلا يا تيتة ادعيلي والنبي، النهاردة آخر امتحان والمادة رخمة والدكتور بتاعها أرخم. بس خلاص هانت، النهاردة آخر امتحان وبعد كده شهرين إجازة. ياه…."
قاطعتها جدتها.
"يا بنت بلاش رغي، اتأخرتي. يلا ربنا معاكي ويبعد عنك اللي يكرهوكي، قادر يا كريم."
في مكان آخر وتحديداً في شركة AS للعقارات والبناء. في هذا البناء الضخم المتكون من عشرات الطوابق والأف العمال الذين يعملون كخلية نحل. فلا مجال للاستهتار أو تضييع الوقت، فمديرهم لا يرحم. ففي هذا الصرح العملاق نجد أكثر من مئات الأقسام والمكاتب. وفي آخر طابق حيث الإدارة العامة المتكونة من قاعة اجتماعات كبيرة جداً ومكتب لأمجد كبير بعض الشيء ومكتب للسكرتيرة الخاصة به.
وفي مكتب آخر، أقل ما يقال عنه أنه فخم كأنه صمم لرئيس دولة ليس لرجل أعمال. فهو مصنوع من الخشب والجلد، واسع جداً يحتوي على طاولة اجتماعات ومكتبة تضم مئات الكتب وعدة أطقم كنب جلدية فاخرة.
وعلى هذا المكتب الكبير نجد هذا الكائن الضخم، عريض المنكبين، حاد الملامح، عاقد الحاجبين، وعيناه كصقر سوف ينقض على فريسته. يجلس على كرسيه الوثير يدخن من دخانه الفاخر ويدقق النظر في الملف الموجود بين يديه.
ويقطع هذا الصمت دخول أمجد المفاجئ.
"هو ما فيش باب تخبط عليه يا حيوان؟ إنت داخل كده ليه؟"
قالها أدهم بصوت عالٍ ممزوج بغضب واضح.
لكن مقابل ذلك، قابله أمجد بقهقهة كعادته.
"هو أنا عمري دخلت عليك المكتب وخبطت على الباب؟ ما أظنش إنه حصل. ما علينا، كنت عايزك في موضوع."
تأفف أدهم من ابن عمه وعادته السيئة.
"نعم، اخلص قول عايز إيه؟ أنا مش فاضيلك…."
"إيه يا كبير؟ خلقك ضيق ليه؟ روق كده واطلب لي قهوة من السكرتيرة القمر اللي بره، يا بختك بيها. م…"
كاد أن يكمل، إلى أن جهر أدهم بصوته الغليظ.
"أمجد، لو جاي عشان تهزر أنا مش فاضيلك. ورايا شغل عايز أخلصه وعندي اجتماع كمان ساعة. اخلص وقول جاي ليه."
بلع أمجد ريقه خوفاً من غضب ابن عمه وقال بصوت منخفض.
"حاضر، هقول بس روق عشان الموضوع مش عاوز عصبيتك."
زفر أدهم بعدم رضا من أمجد.
"اخلص، إنت لسه هتقول مقدمات."
"بص في عم حسن، السواق بتاع الموظفين، إنت عارفه. النهاردة جاني وقالي إنه عنده بنته بتدرس هندسة ومن أوائل الجامعة وعندها شهرين إجازة. عايزة تيجي تتدرب عندنا. وقبل ما تقولي إنه التدريب مش دلوقتي وبتاع طلاب آخر سنة، أنا قلت له الكلام ده وهو اترجاني. وأنا بصراحة، الراجل له جميل في رقبتي وما عرفتش أقول له لأ. وأنا مش عايز منك إلا إنك توافق وبس. وهما شهرين والبنت ترجع جامعتها. وأي حاجة تحصل أنا المسؤول عنها…. ها، قولت إيه؟"
أخذ أدهم نفس من سيجارته الفاخرة ونفخها بضيق قائلاً.
"يعني إنت عشان الراجل تبرعلك بشوية دم في الحادثة بتاعتك خلاص بقى له جمايل عليك؟ ما إنت زودت المرتب بتاعه الضعف. عموماً، أنا مش موافق. اطلع برة."
"هو إيه اللي مش موافق وأطلع برة؟ وبعدين الراجل كتر خيره، مش أحسن من اللي ماسألش فيا إلا بعد أسبوع."
"وكنت عايزني أعملك إيه يعني،،، وأنا أصلاً كنت مسافر ولما وصلت عرفت بالحصل ورحتلك.،، وبعدين ما كنتش أعرف إنك شايل فقلبك كده."
قال الأخيرة بسخرية واضحة.
أخذ أمجد نفسًا عميقًا.
"ما علينا، بص البنت. أنا شفت أوراقها، البنت شاطرة جدًا وبتتكلم لغات إنجليزي وفرنساوي وألماني. أنا هستفيد من وجودها معايا. بلاش عند وخلاص."
نفخ أدهم بعدم رضا. فهو غير متفرغ لهذه الأمور التافهة من وجهة نظره، فلديه ما هو أهم. فهو دائمًا ما يقول إن وقته بملايين.
"أمجد بص، إنت ليك في الشركة دي زي ما أنا ليا بالظبط. فعشان كده اعمل اللي انته عايزه، بس أنا مش مقتنع. وأي مشكلة تحصل من بنت السواق، إنت المسؤول. قدامي ويلا روح مكتبك جهز نفسك للاجتماع ومتنساش تجيب ملف الكومباوند بتاع التجمع الخامس. لازم نعمل دراسة شاملة. يلا اطلع برة."
خرج أمجد من مكتب أدهم متوجهًا لمكتبه لإنهاء الأعمال المترتبة عليه.
في جامعة ملاك، نجدها تخرج من قاعة الامتحان تزفر براحة لأنها أخيرًا انتهت من الامتحانات. سحبت هاتفها ذو الطراز القديم بعض الشيء من حقيبتها، لتهاتف جدتها وتطمئن عليها. فاتصلت بها عدة مرات فلم تجب عليها. تسرب الرعب إلى قلبها وأخذت تسرع في الخطوات حتى تخرج من الجامعة لتعود إلى بيتها لتطمئن على جدتها خوفًا من أن يكون حدث لها أي مكروه. وأثناء مسيرها ارتطمت بشيء صلب. رفعت رأسها إذا بهذا الجاسر الذي تكره الجامعة بسببه، ينظر إليها نظرات وقحة. وسرعان ما ابتعدت عنه وسارت في طريقها وهي تشتمه في سرها.
أما جاسر، تأملها وهي ذاهبة.
"هتروحي مني فين؟ هتيجي بالذوق بالعافية. هتيجي وهاخد اللي أنا عايزه."
وذهب لصديقه الذي أوكله أن يصور الذي حدث منذ قليل ليستخدمه في الضغط على ملاك. فهي الفتاة الوحيدة التي رفضته. فهو جاسر الحداد، ابن رجل الأعمال المشهور مدحت الحداد. كيف لفتاة فقيرة كملاك أن تقول له لا.
وفي بيت ملاك، نجدها تفتح الباب وهي تلهث وصدرها يعلو ويهبط من شدة التعب بسبب الركض. رمت حقيبتها على أحد الكراسي القريبة وأخذت تبحث عن جدتها. إذا بها تجدها تؤدي صلاتها. زفرت ملاك براحة، فقد خافت على جدتها جدًا لأنها مريضة سكر. وما أن أنهت صلاتها حتى ارتمت في حجرها تعاتبها.
"كده يا تيتة تخضيني عليكي؟ والنبي ما تعملي كده تاني. لما أتصل بيكي ردي بسرعة، ما تخوفنيش عليكي يا فوفو."
"ما تأخذنيش يا بنتي، كانت عندي جارتنا أم عماد بتشرب معايا القهوة وما سمعتوش. ولما شفته كنت هأتصل بيكي بس فصل شحن ونسيت أشحنه وأكلمك. سيبك مني وقوليلي امتحانك كان عامل إيه…."
أخذت تحدث جدتها بحماس بما جاءها بالامتحان.
"وبس هو ده اللي حصل. بس ما تخفيش، الأولى كالعادة. هو أنا أي حد؟ ده أنا ملاك محمد حسن."
قهقهت جدتها.
"طب يلا يا ملاك محمد حسن، روحي غيري هدومك أكون أنا جهزت الأكل. جدك زمانه على وصول."
"حاضر، دقيقة وأكون عندك في المطبخ أساعدك."
وبعد ما يقارب الساعة، وصل الحاج حسن إلى بيته يحمل في يديه بعض من مستلزمات البيت. وما أن فتح الباب حتى قابلته ملاك حاضنة إياه مقبلة جبهته.
"هات عنك يا جدو يا عسل. يلا بسرعة غير هدومك عشان أنا عملالك صنية بطاطس بالفراخ هتاكل صوابعك وراها……"
وقبل أن تكمل قاطعه جدها.
"إنتي اللي عاملاها ولا جدتك؟"
قالت بتذمر وعبوس كالاطفال.
"هو أنا وجدتي مش واحد ولا إيه؟ وبعدين أنا اللي سخنتها وعملت السلطة وحطيت الأطباق على السفرة. هو يعني ده مش كفاية؟"
قبلها جدها على خدها الذي يشبه خد البيبي.
"خلاص ولاتزعلي، خلينا ناكل وليكي عندي خبر حلو."
"هو إيه الخبر ده يا جدو؟ قولي دلوقتي عشان تفتح نفسي على الأكل."
قالتها بعبوس ونظرت إليه كجرو وديع، نظرات تجعل الحجر يلين لها.
"لا متبصليش كده، مش هضعف ومش هقلك."
وبعد تناول الغداء، جلس الحاج حسن يتناول الشاي وملاك تهز قدميها وفضولها يأكلها تريد أن تعرف ما هو الخبر الذي سيقوله جدها.
حتى هبت واقفة قائلة.
"يلا يا جدو ادينا أكلنا وشربنا شاي، يلا قول والنبي."
تنهد الحاج حسن باستمتاع على فتاه الصغيرة المتحمسة لمعرفة الخبر.
"النهاردة البشمهندس أمجد، ابن عم صاحب الشركة، كلمني…."
"أيوه وقالك إيه ها…"
"قالي خليها تيجي من بكرة تدرب تحت إشرافي."
قفزت ملاك فرحة بهذا الخبر واحتضنت جدها وقبلته. فهي تريد أن تتدرب وتستثمر وقت فراغها. صحيح أنهم شهرين فقط، ولكن ستحاول أن تتعلم كل شيء يفيدها في دراستها في هذه المدة.
قالت الحاجة فوزية.
"وهو البشمهندس أمجد ده محترم يعني؟ كويس نقدر نأمن على البنت تتدرب عنده شهرين يا حج؟"
أجابها الحاج حسن.
"أيوه، ده أنا أضمنه برقبتي. راجل محترم وبيحب الناس مش زي ابن عمه أعوذ بالله، على طول مكشر وعصبي ومش طايق نفسه. عكس ابن عمه البشمهندس أمجد خالص. يلا الحمد لله البنت هتدرب مع راجل كويس."
ثم وجه كلامه لملاك.
"بصي يا حبيبتي، بكرة على 8 بالدقيقة تكوني على باب الشركة وتسألي على مكتب المستر أمجد عند الاستقبال. هو ساب لهم خبر عنك. عاوزك تبيضي وشي ومتعمليش مشاكل، ومتخفيش، وخليكي قوية، وأوعي تقربي من مكتب البشمهندس أدهم ده راجل شراني وايده طايلة وإحنا مش قده يا بنتي. خليكي مع مستر أمجد وبس تمام."
"حاضر يا جدو، اللي انتا عاوزه هيحصل وما تخفش عليا. أنا رايحة أتدرب وخلاص، ما ليش في أي حاجة تانية."
وأخذ الحاج حسن يحدثهم عن يومه، فهو سائق للموظفين في شركة أدهم السيوفي. وحدثتهم ملاك أيضًا عن يومها وامتحانها. إلى أن حل المساء وذهب الجميع إلى فراشه. أما ملاك، كانت كطفل صغير ينتظر يوم العيد بحماس. إلى أن غطت بنوم عميق بعد تفكير بما سوف يحدث معها غدًا.
رواية عشق الملاك الفصل الثاني 2 - بقلم علياء بطرس
في صباح اليوم التالي استيقظت ملاك مبكراً على غير عادتها، فهي بالكاد نامت في ساعات الفجر الأولى. كانت تنتظر شروق الشمس حتى تذهب للتدريب وترى شركة AS، فقد سمعت عنها من جدها كثيراً، وسمعت عنها أيضاً من التلفاز والمجلات الخاصة بالمشاهير.
دخلت ملاك المطبخ لتحضر الفطور لها ولجدتها، فجدها عمله يحتم عليه الخروج مبكراً.
انتهت ملاك من تحضير الفطور وذهبت لغرفة جدتها. طرقت الباب عدة مرات فلم تسمع رداً. عقدت حاجبيها، هل يعقل أن جدتي نائمة إلى هذه الساعة؟ هذا ما دار في عقلها قبل أن تفتح الباب لتجد جدتها تغط في نومٍ عميق. ابتسمت بحب وأغلقت الباب وعادت للمطبخ. تناولت بعض اللقيمات وذهبت للاستحمام.
خرجت وارتدت فستاناً من اللون الأسود من القماش الثقيل بعض الشيء نظراً لبرودة الطقس، يصل إلى تحت ركبتيها بقليل. ارتدت عليه جاكيت من الجينز ذو اللون الفاتح تصل لخصرها، وارتدت معه حذاء مريح من اللون الأبيض وحقيبة جانبية بنية اللون متوسطة الحجم. قصت شعرها كذيل حصان ووضعت القليل من مساحيق التجميل، فهي لا تحبذها كثيراً.
خرجت من المنزل متوجهة لمكان تدريبها. وبعد قرابة الساعة توقف التاكسي الذي يقل ملاك أمام شركة AS. ترجلت ملاك من التاكسي بعد أن نولت السائق الأجرة. وقفت كالبلهاء بأعين متسعة تنظر إلى هذه الشركة. كانت تعلم أنها شركة كبيرة، لكن ليس بهذا القدر. ظلت على هذا الحال عدة دقائق حتى انتبهت إلى نفسها وسارت باتجاه الشركة.
وما أن دخلت حتى ازداد انبهارها بالمكان. فهي ترى الطابق الأول فقط والذي يحتوي على مئات الموظفين، بعضهم يجلس على أجهزة الحاسوب، والبعض الآخر يقف إلى جانب ماكينات الطباعة، والبعض الآخر يجيب على الاتصالات. فيبدو أن هذا الطابق مخصص للاستعلامات فقط. جالت بنظرها بالمكان فرأت ثلاث فتيات واقفات خلف مكتب ويلبسن نفس اللبس، فخمنت أنهن موظفات الاستقبال. سارت باتجاههن.
وما أن وصلت حتى نتحت بخفوت:
"صباح الخير."
ردت عليها الموظفة بلباقة شديدة:
"صباح النور يا فندم. اتفضلي، إزاي أقدر أخدمك؟"
ابتسمت لها ملاك:
"أنا ليا معاد مع مستر أمجد."
"هو حضرتك ملاك محمد؟"
أماءت ملاك بالإيجاب:
"آه يا فندم. هو في انتظارك. بلغنا أول ما توصلي تطلعي له فوراً."
"طيب، هو في الدور الكام وفين الأسانسير؟"
"هو في الدور 45 يا فندم. والأسانسير في آخر الممر على الشمال. استخدمي الأسانسير الخاص بالإدارة."
"إزاي يعني خاص بالإدارة؟ مش فاهمة."
"بصي حضرتك، الموظفين في الطوابق اللي فوق ليهم أسانسير معين بيستخدموه، بس مستر أدهم وأمجد ليهم أسانسير خاص."
"طب وأنا هعرفه إزاي؟"
"هتلاقي مكتوب عليه. وبعدين في كذا أسانسير لونهم واحد، بس هو هتلاقي لونه مختلف."
"طيب، شكراً تعبتك معايا."
قالتها ملاك بابتسامة بشوشة.
"عفواً يا فندم، مع السلامة."
سارت ملاك بالاتجاه الذي وصفته لها الموظفة، وإذا بها تجد الأسانسير الخاص بالإدارة. ضغطت عليه ودخلت وضغطت على الرقم 45. فتحرك المصعد بها، وما هي إلا ثوانٍ وتوقف المصعد. خرجت ملاك ووجدت نفسها أمام طابق لا يوجد به أحد. في بداية الأمر ظنت أنها ليست في الطابق الصحيح. إذا بها تلمح فتاة تقوم بطباعة بعض الأوراق. فذهبت إليها.
"صباح الخير، هو فين مكتب مستر أمجد؟"
التفتت إليها السكرتيرة عاقدة حاجبيها:
"إنتي ملاك صح؟"
"آه أنا. انتي تعرفيني؟"
"آه ياستي أعرفك. مستر أمجد قلي عنك."
مدت يديها لتصافح ملاك:
"أنا مها، سكرتيرة مستر أمجد. ومبسوطة إنك حتكوني معانا الفترة اللي جاية."
صافحتها ملاك بابتسامة بشوشة كعادتها:
"وأنا والله مبسوطة أوي إني هتدرب هنا وأشغل وقتي بحاجة مفيدة."
"تعالي ياستي أعرفك على مستر أمجد. قلي أول ما تيجي خليها تدخلي على طول."
طرقت مها عدة طرقات حتى سمعت أمجد يأذن لها بالدخول:
"ملاك بنت عم حسن وصلت."
"دخليها بسرعة."
طرقت ملاك الباب ودلفت للداخل، وإذا بأمجد يقف يمد لها يده ليصافحها:
"أهلاً وسهلاً بالمهندسة ملاك، نورتي الشركة."
وأشار لها لتجلس على الكرسي المقابل لمكتبه.
"ها يا ملاك، تشربي إيه؟"
بالكاد خرج صوتها من شدة التوتر:
"لا يا فندم، شكراً لحضرتك. مش عاوزة حاجة."
قهقه أمجد عليها:
"إيه يا بنتي، يا فندم وحضرتك دي؟ أنا ما بحبش الرسميات. وبعدين عم حسن بيعتبرني ابنه."
ثم أكمل بجدية:
"بصي، انتي هتدربي معايا ومع مها. حاجة كده على قدك يعني. هتشوفي تصاميم مباني وهتشوفي بنصممها إزاي، جودة البناء والمواد والحاجات دي. هتستفيدي جداً معانا."
"إن شاء الله يا فندم. أكون عند حسن ظنك. عن إذنك."
"ملاك، هو انتي عندك كام سنة؟"
"19 سنة."
"ده انتي صغيرة على الهندسة خالص. وإيه اللي خلاكي عاوزة تدربي؟ ما لسا بدري على الحكاية دي."
أجابته ملاك بخفوت:
"أصل أنا عندي شهرين إجازة وحابة إني أستفيد من الوقت ده أحسن من قعدة البيت. وحتى لما كنت صغيرة، فالإجازة بتعلم أي حاجة. وأنا في ثانوي اتعلمت لغات. أنا بشوف إنه كدة أحسن من إني أقعد ما أعملش حاجة."
"والله برافو عليكِ. ياريت الكل يعمل زيك."
اكتفت ملاك بالابتسامة له واستأذنت وخرجت.
وجدت مها تقوم بالعمل على جهاز اللابتوب الخاص بها، فجلست بجوارها تشاهدها. وبعد قليل انتهت مها والتفتت إلى ملاك:
"ها يا ملاك، احكيلي عنك. عاوزة أتعرف عليكي. ده لو عندك مانع."
ضحكت عليها ملاك بخفة:
"لأ طبعاً معنديش. بصي يا ستي، أنا ملاك محمد حسن…"
قاطعتها مها:
"استني، هو انتي مش بنت عم حسن؟"
"لأ، أنا بنت ابنه. ماما ماتت وهي بتولدني بسبب خطأ طبي. وبابا مات في حادثة عربية وأنا عندي خمس سنين. وعايشة في حي شعبي مع جدي حسن وجدتي فوزية. وعندي 19 سنة وبدرس هندسة في جامعة القاهرة. أي أسئلة تانية؟"
ضحكت مها على خفة دم ملاك:
"أنا يا ستي اسمي مها حربي، عندي 29 سنة. متجوزة وعندي ولدين. الكبير سيف عنده 6 سنين والصغير أمير وعنده 3 سنين. وجوزي بيشتغل في بنك. وساكنة في المعادي."
"هو انتي بقالك قد إيه بتشتغلي هنا؟"
أجابتها مها وهي تنظر للأوراق التي أمامها:
"بقالي تقريباً 6 سنين."
"طب ليه ما فيش حد في الدور ده غير مكتبك ومكتب مستر أمجد؟ وليه ما فيش موظفين زي الدور الأرضي اللي تحت؟"
"لأ، فيه مكتب مستر أدهم هناك أهو، بس انتي ما شفتيهوش. وبعدين دي تعليمات مستر أدهم. بيحب الهدوء في شغله، عشان كده ممنوع أي حد يطلع هنا إلا لو فيه حاجة مهمة جداً."
ثم أكملت حديثهما في سياق الهندسة والسكرتارية وأمور أخرى. فملاك أخذت بعض الملفات الخاصة بالأعمار وترجمتها لعدة لغات لمساعدة مها.
***
في مكتب أدهم، نجده يجلس على مكتبه بأريحية، يدخن من سيجارته الفاخرة التي شكلت سحابة فوقه. يدقق في الملف الذي بين يديه حتى استمع إلى طرقات على باب مكتبه، فقال بصوته الرخيم:
"ادخل."
دخلت سكرتيرته سالي بفستانها الأسود القصير الذي يصل إلى نصف فخذيها وذو الصدر المفتوح وعاري الأكتاف. تتهادى في مشيتها بمياعة تقصدها لإغراء مديرها. وقفت أمام مكتبه وانحنت للأمام قليلاً حتى يظهر صدرها أكثر. ثم قالت بدلال:
"مستر أدهم، الملف ده محتاج توقيعك."
تأفف أدهم بصوت مسموع وأخذ منها الملف ووضعه جانباً وقال:
"هشوفه بعدين. اطلعي برة."
اقتربت منه سالي بوقاحة واستندت بيديها على مكتبه فظهر صدرها بسخاء:
"مش عاوز مني حاجة تانية؟"
"لما أعوز هبقى أقول لك. برا."
قال أدهم الأخيرة بقوة أرعبتها. وقبل أن تصل باب المكتب:
"اتصلي لي بأمجد خليه يجي لي."
"حاضر يا فندم."
وبعد عدة دقائق دلف أمجد مكتب أدهم وكعادته لم يطرق الباب:
"هو إنت ما بتعرفش حاجة اسمها ذوق؟ ليه ما خبطتش على الباب."
تجاهله أمجد وجلس على الكرسي المقابل لمكتبه:
"ها، طلبتني يا أسطا؟ عاوز إيه؟"
قال أدهم بتقزز واضح على معالم وجهه الحادة:
"يخربيت ألفاظك يا شيخ! إيه أسطا دي؟ شايفني سواق اللي خلفوك."
تنهد أدهم قبل أن يكمل:
"ها، عملت إيه في فكرة الفندق الجديد؟ جبت فكرة جديدة؟"
خبط أمجد مقدمة رأسه كعلامة النسيان:
"تصدق نسيت خالص. اديني كام يوم وأكون جبت فكرة جديدة."
جهر به أدهم:
"كام يوم إيه؟ الاجتماع بعد بكرة الظهر. لازم تكون جبت فكرة وتكون اتعرضت عليا قبل ده وأكون وافقت عليها. معاك لغاية بكرة بالليل. اتصرف."
"حاضر. هحاول. وانت كمان لو جت فكرة في دماغك قولي."
"أنا لو فيا دماغ للتفكير ما كنتش طلبت من واحد خايب زيك. وبعدين مش فكرة إننا نبني فندق على جزيرة وسط البحر مش فكرتك. يلا شوف بقى هتعمل إيه. ومعاك لغاية بكرة بالليل. يا تعتبر المشروع ملغي."
"حاضر. هحاول. أي أوامر تانية؟"
"اطلع برا."
"هو إنت ليه كل ما أشوفك تقولي اطلع برة؟ ده أنا زي ابن عمك برضه."
ثم وقف ذاهباً لمكتبه. وقبل أن يصل للباب:
"آه صحيح، نسيت أقول لك. ماما عزماك على العشا النهارده. ما تتأخرش زي عوايدك."
ثم خرج عائداً لمكتبه يفكر في فكرة للفندق. وما أن رأى ملاك حتى خطرت في باله فكرة:
"ملاك، ممكن أطلب منك خدمة؟ لو عملتيها هتكوني عملتي فيا جميل مش هنساه."
أجابته ملاك بابتسامة:
"لو هقدر أكيد مش هتأخر."
"تعالي على المكتب أشرح لك."
دلفت ملاك إلى الداخل خلف أمجد وهي تتساءل، يا ترى ما هي الخدمة التي يريدها منها؟ جلست على الكرسي المقابل لمكتبه. ثم قال لها أمجد:
"أنا هستغل إنك موجودة عشان تساعديني. بصي، في عندنا فكرة مشروع عاوزين نعمله مختلف شوية. عشان كده قلنا هنعمله على جزيرة وسط البحر. بس لغاية دلوقتي مش لاقي فكرة لشكل المبنى. عاوز حاجة تكون مختلفة عن الموجود وفي نفس الوقت تكون حلوة. ها، في فدماغك حاجة؟"
"والله انت فاجئتني. هفكر وأرد عليك. إمتى عاوز الفكرة تكون جاهزة؟"
"معايا لغاية بكرة بالليل."
"خلاص. بكرة الصبح هيكون على مكتبك مجموعة أفكار إن شاء الله تعجبك."
خرجت ملاك لتجد مها تنتظرها. تريد أن تعرف ما هي الخدمة التي طلبها مستر أمجد من ملاك، فقصت عليها ملاك ما حدث.
***
في مكان آخر، في أحد المطاعم الفاخرة المخصصة للناس من ذوي الطبقة المخملية، نجد فتاة شقراء تجلس مع مجموعة فتيات. فهذه داليا زهران، ابنة عمة أدهم وأمجد.
قالت صديقتها سها:
"إمتى هتتخطبي لأدهم يا داليا؟"
أجابتها داليا بتعالي:
"أدهم مش فاضي اليومين دول خالص. عنده شوية مشاريع هيخلصها، وإن شاء الله هنتخطب ونتجوز على طول."
قالت صديقتها الأخرى أروى:
"بس إحنا ولا مرة شفنا ليكي صورة معاه على غلاف مجلة، أو موجودة معاه في عشاء عمل مثلاً. المفروض إنك خطيبته، فلازم تكوني موجودة معاه."
تاففت داليا من حديث صديقتها المحرج بالنسبة لها:
"إحنا دايماً بنتقابل، يعني مثلاً النهاردة معزومين على العشاء أنا وهو عند طنط سلوى، أم أمجد."
قالت صديقتها الأخرى شاهي بنبرة واضح عليها الشماتة:
"بيقولوا إنه كل يوم بيسهر مع واحدة شكل. وما بياخدهمش على القصر بتاعه، بياخدهم على شقة في الزمالك."
خبطت داليا بقوة على الطاولة بتوتر:
"الكلام ده كدب مش صحيح. كله إشاعات من المنافسين بتوعه."
ثم أكملت داليا بضيق واضح:
"هو ما فيش سيرة غيري أنا وأدهم ولا إيه."
وبالكاد استطاعت أن تغير الموضوع الذي سبب لها إحراجاً، فهي رأت نظرات السخرية المصوبة نحوها.
رواية عشق الملاك الفصل الثالث 3 - بقلم علياء بطرس
مساءً، وصلت ملاك لبيتها لتجد جدتها تضع الطعام على طاولة السفرة. احتضنتها قائلة:
"مساء الفل على أحلى تيتة في الدنيا، ها عاملة إيه على العشا؟ أصلي هموت من الجوع."
أجابتها جدتها بابتسامة:
"عاملة مكرونة تستاهل بقك، يلا غيري هدومك أكون أنا سخنت الشوربة."
"هو جدو هيتأخر يا تيتة؟"
"آه يا حبيبتي هيتأخر، قال لي إنه عاوز يزور واحد صحبه في المستشفى، بس زمانه على وصول مش هيتأخر."
بعد ساعة، كانت تجلس ملاك تشاهد التلفاز مع جدتها، وإذا بجدها يدخل. وقفت ملاك:
"حمد لله على السلامة يا جدو، غير هدومك أكون سخنتلك العشا."
وقبل أن تذهب، أوقفها جدها قائلاً:
"لا يا بنتي، أكلت عند صاحبي في المستشفى، أصر إني آكل معاه. أنا هغير هدومي، تكوني عملتي لي كوباية شاي من إيديك الحلوة دي."
"حاضر يا أحلى جدو في العالم، من عيوني."
"تسلم عيونك القمر يا قمر."
وبعد فترة، كان يجلس معهم يتبادلون أطراف الحديث.
حتى سألت ملاك:
"هو ليه يا جدو أنا ما أنزلش معاك الصبح وأرجع معاك بالليل بدل ما أنزل لوحدي وأرجع لوحدي؟"
أجابها جدها بعد أن وضع كوب الشاي من يديه على الطاولة التي أمامه:
"عشان يا بنتي أنا الصبح بروح الشركة بستلم الميكروباص وبلف على الموظفين ووديهم الشركة، وآخر النهار بوصلهم لبيوتهم وبرجع الميكروباص للشركة، عشان كده لو هتيجي معايا هتتعبي وهتتأخري."
"طيب ليه ما تخليش الميكروباص معاك ليه ترجعوه على الشركة؟"
"عشان ده عهدة وحقُه فلوس كتير، وإنتي شايفة الحتة اللي ساكنين فيها ممكن يتسرق أو يتكسر شباك أو عيل صغير يبوظه، وأنا مش ناقص. سيبك مني وقولي لي عملتي إيه النهاردة؟"
أخذت تحدث جدها بحماس بما حدث معها كطفل صغير يحدث والده ما حدث معه في أول يوم مدرسة.
"وأه، والمستر أمجد طلب مني إني أجيب له فكرة مبنى لفندق."
"برافو حبيبة جدو، عاوزك دايما كده."
"يلا تصبحوا على خير، عاوزة أقوم أرسم شوية التصاميم اللي في دماغي عشان أسلمها لمستر أمجد بكرة."
قالت جملتها، وقبلت رأس جدها وجدتها، ودخلت إلى غرفتها وجلست على مكتبها الصغير وبدأت ترسم.
***
وفي مكان آخر، في فيلا كبيرة جداً، واضح على ساكنيها الثراء، فهي ملك لأمجد السيوفي. وفي الداخل، وتحديداً في غرفة الطعام، نجد السيدة سلوى تترأس الطاولة، وعلى يمينها ابنها أمجد، وبجانبه عمته فريال هانم والدة داليا. وعلى يسار السيدة سلوى، أدهم، والتصقت به داليا. وأثناء تناولهم للطعام، أمسكت داليا قطعة لحم وقربتها من فم أدهم وقالت بدلع غير لائق عليها:
"خد دي من إيدي يا دودي."
أبعد أدهم يدها عن فمه قائلاً بحزم:
"أولاً، أنا مبآكلش اللحمة. ثانياً، والأهم، أنا اسمي أدهم."
تجاهلت داليا ضحكات أمجد، ودست الشوكة في قطعة فراخ ووضعتها قبالة فم أدهم للمرة الثانية قائلة بمياعة:
"ما بتاكلش اللحمة يبقى بتاكل فراخ؟ يلا يا أدهومي."
أزاح أدهم يديها وقال بصوت عالٍ ممزوج بغضب:
"ما باكلش لا فراخ ولا لحمة، وأنا مش أدهومة حد، وخصوصاً إنتي يا بنت فريال هانم."
قال جملته الأخيرة بسخرية وهو ينظر لوالدتها فريال. وهب واقفاً مغادراً المكان، وقبل أن يغادر:
"أمجد، خلص أكل وحصلني على المكتب."
نظرت داليا بغضب على أمجد الذي يحاول أن يخبئ ضحكته على الموقف التي تعرضت له منذ قليل.
"إيه يا أمجد، المسرحية عجبتك؟"
قهقه أمجد بشدة وبالكاد استطاع أن يلاحق أنفاسه. وقف يقلد صوت أدهم بقوله:
"أنا مش أدهومة حد."
"دي بصراحة تحفة، عجبتني."
قالت فريال بحدة للسيدة سلوى:
"إيه يا سلوى، عاجبك اللي ابنك بيعمله؟ بيتريق على بنتي، دي جزاتها إنها عايزة تاكل أدهم."
قالت السيدة سلوى:
"ليه هو أدهم صغير عشان حد ياكله؟ وبعدين أدهم ما بياكلش غير سلطة، وهي عايزة تأكله فراخ ولحمة."
وقف أمجد قائلاً:
"أنا في المكتب يا ماما، ابعتي لنا القهوة، ويا ريت محدش يزعجنا."
وجه نظره لداليا كأنه قصدها بالقول.
بعد قرابة الساعة، ترددت داليا بالدخول للمكتب خوفاً من أن يحرجها أدهم وتصبح محط للاستهزاء من أمجد. طرقت الباب ولم تنتظر إذن للدخول، لتفتح الباب وتدلف للداخل. وما إن رآها أدهم حتى تأفف بصوت مسموع، متمتماً ببعض الكلمات غير المفهومة.
قال أمجد لها:
"هو مش أنا قلت مش عاوز حد يزعجنا؟ إيه ما بتفهميش عربي؟"
تجاهلته داليا وجلست قبالة أدهم، واضعة قدماً فوق أخرى قاصدة إظهار مفاتنها لأدهم، ولكن ذهبت محاولاتها أدراج الرياح عندما وجدت أدهم يجذب جاكيته ويخرج من المكتب، بل من الفيلا بأكملها.
قال أمجد لداليا قاصداً استفزازها:
"لو فضلتِ على الحال ده، مش بعيد يولع فيكي عشان يرتاح منك. اللي زيك يحب اللي تتقل عليه وتلاوعه، مش اللي تبقى لازقة فيه."
وقبل أن يغادر هو أيضاً المكتب، التفت لها قائلاً:
"التقل صنعة يا بنت عمتي، يا رب الرسالة تكون وصلت."
زفرت داليا بضيق، فهي في كل مرة تتقرب بها من أدهم تفشل، ولكنها لن تيأس، ستظل تسعى خلف هذا الحلم بالنسبة لها حتى يتحقق مهما كلفها الأمر.
***
وفي صباح اليوم التالي، نجد ملاك تجلس مع مها تنتظر مجيء أمجد لتريه الرسومات وتأخذ رأيه. وبعد عدة دقائق، وصل أمجد وألقى تحية الصباح. وما إن رأى ملاك حتى سألها:
"ها، قولي إنك جبتي أفكار جديدة."
ابتسمت ملاك:
"طبعاً، وكذا تصميم، يارب يعجبوا حضرتك."
"هاتيهم ورايا على المكتب."
ما إن دخل حتى دلفت خلفه ملاك، تمسك في يديها عدة تصاميم وتمدها له. جلست قبالته وقالت بوجه بشوش:
"يارب يعجبوا حضرتك، أنا قلت بما إن الفندق وسط البحر، ممكن نعمل تصميم من الحاجات الموجودة في البحر، بص ده مثلاً على شكل قوقعة، وده على شكل صدفة، وده على شكل سفينة، وده على شكل لؤلؤة."
صفر أمجد بإعجاب:
"إنتي بجد مبدعة ورسماهم بطريقة حلوة جداً، بصي، أنا أكتر واحد عاجبني القوقعة، شكله تحفة. أنا شوية وهقولك إنهي واحد هنعتمد. شكراً ليكي بجد."
"العفو، ما عملتش حاجة، المهم إنهم عجبوا حضرتك. عن إذنك."
وبعد قليل، كان يقتحم مكتب أدهم الذي كان يعمل على الحاسوب الخاص به:
"تصدق، أنا من هنا ورايح هقفل الباب بالمفتاح عشان أعلمك تخبط قبل ما تدخل."
"سيبك من الباب دلوقتي وشوف الجمال اللي هنا."
ثم مد الرسومات على أدهم، الذي بدوره أعجب بالتصاميم:
"بص، هو الشغل حلو جداً، بس ده مش شغلك، إنت مش بالذكاء ده، استعنت بمين المرة دي؟"
"لو حزرت مين، ليك عندي اللي إنت عاوزه."
"المهندس رؤوف؟"
"لأ، لأ."
"المهندس طلعت؟"
"لأ، لأ."
"غلبت، مش عارف، قول."
"بس الأول قولي إنهي تصميم عجبك أكتر حاجة، أنا بالنسبة لي القوقعة حاجة تحفة وجديدة ومناسبة للمكان والفكرة."
"وأنا كمان عجبتني جداً ومرسومة بطريقة تحفة. ها مين بقى اللي رسم دول؟"
"ملاك بنت عم حسن السواق."
"اللي جت تدرب عندك من كام يوم؟ ليه، هيا في سنة كام؟"
"دي لسه في سنة أولى وعندها 19 سنة، بس بجد موهوبة، أول ما قلت لها عن الفكرة عملتهم لي."
استغرب أدهم قليلاً كيف لطالبة في هذا العمر أن تقوم بكل هذا الإبداع.
"خلاص، اعتمد القوقعة وخلي المهندسين يبدأوا شغل عليه من دلوقتي، مفيش وقت."
"حاضر، هبدأ من دلوقتي. صحيح، إنت مبارح بعد ما مشيت من عندنا رحت فين؟"
"سهرت في نايت كلوب وبعدين روحت."
"روحت على القصر ولا على شقة الزمالك؟"
قال الأخيرة بغمزة، فهم أدهم قصدها.
"لأ يا فالح، على القصر، ماليش اليومين دول مزاج في حاجة."
تركه أمجد وعاد إلى مكتبه ليباشر عمله، وأبلغ ملاك أن المدير أعجب بتصميم القوقعة.
وانتهى اليوم هكذا.
***
وبعد مرور ثلاثة أسابيع على تدريب ملاك في الشركة، إلى الآن لم تقابل أدهم ولم تره. وفي حين كانت تجلس مع مها تتصفح بعض الأوراق بتمعن، وإذا بهاتف مها يرن. وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى صرخت وأصبحت تبكي. حاولت ملاك أن تعرف منها ما حدث، فلم تعطيها مجالاً للتدخل.
لامجد مسرعة، وما إن رأى حالتها حتى سألها:
"مالك يا مها، في إيه، بتعيطي ليه؟ إيه اللي حصل؟"
"ابني... ابني... عامل... حادثة... وهو... راجع... من المدرسة... اتصلوا بيا من... المستشفى... أنا لازم أروح، أرجوك."
"خلاص، اهدي، وأنا هخلي السواق يوصلك، اهدي."
مسحت مها دموعها:
"شكراً ليك بجد، وأنا هقول لملاك تحضر الاجتماع مكاني، هي فاهمة كل حاجة، وأصلاً إنت مش هتحتاجني في حاجة، أنا لازم أمشي، عن إذنك."
خرجت من مكتب أمجد ووجدت ملاك تبكي لبكائها:
"ملاك، أنا لازم أمشي، ابني عمل حادثة، إنتي احضري الاجتماع مكاني، كل حاجة على اللابتوب، وإنتي أصلاً فاهمة كل حاجة، ومستر أمجد مش هيحتاجك، بس خليكي معاه عشان لو حصل حاجة."
وخرجت مسرعة لتطمئن على طفلها.
وبعد ما يقارب ساعة ونصف، كانت ملاك تقف في قاعة الاجتماعات بالقرب من مستر أمجد مع بعض رجال الأعمال ينتظرون قدوم أدهم. وكان أمجد يقلب في الأوراق وكأنه تذكر شيئاً. التفت إلى ملاك:
"ملاك، بسرعة، قبل ما يوصل أدهم، على المكتب بتاعي في ملف لونه أسود، هاتيه وتعالي بسرعة."
هبت ملاك واقفة، تمشي بسرعة في طريقها لمكتب مستر أمجد، وإذا بها تصطدم بشيء صلب، تـوأهت منه وكادت أن تقع، فتمسكت بذراع الشخص. وإذا به يحدق بها. هل هي بشر أم ملاك؟ نزل على الأرض جميلة، لا بل فاتنة. وجهها الأبيض الذي يشبه وجه الطفل الصغير، وعيناها الرماديتان اللتان ترقرقت الدموع بداخلهما من فرط التوتر، ورموشها الكثيفة، وشفتيها المتنكرزتان المرتجفتان كحبات فراولة جاهزة للأكل، شعرها المنساب على وجهها، جسدها المتناسق ذو المنحنيات المثيرة. أخذت تتمتم بعبارات الأسف. لا يعلم منذ متى وهو يحدق بها. أفاق على صوتها المرتجف:
"أنا... آسفة... مقصـدش... بس... مستر..."
قاطعها قائلاً بهدوء على غير عادته، فهيأتها المرتعبة وجسدها الذي يرتجف لم يدفعه للعصبية:
"إنتي مين؟"
أجابته بصوت بالكاد سمعه:
"أنا ملاك محمد، بتدرب مع مستر أمجد."
هز رأسه بالإيجاب. تركها وأكمل طريقه للقاعة ذاهباً للاجتماع، وهي ذهبت مسرعة لمكتب مستر أمجد لجلب الملف.
رواية عشق الملاك الفصل الرابع 4 - بقلم علياء بطرس
في قاعة الاجتماعات، نجد أمجد يشرح لهم المشروع وأبعاده والخطة التي يجب السير عليها. لاحظ أمجد تركيز أدهم مع ملاك، فهو يجزم أنه لم يسمع من الاجتماع ولو كلمة واحدة. فهو يعرف ابن عمه لا ينجذب لأي فتاة، فدائماً الفتيات هن التي تنجذب له. ابتسم داخله، فيبدو أنه سيقع في الغرام قريبًا.
أما أدهم، فكانت عيناه لا تتزحزح عن ملاك، كأنه مسحور بها. لا يسمع ولا يرى غيرها، يتابع حركاتها العفوية، حتى رمشة عينيها لم يرَ أرق منها في حياته. وما زاد الطين بلة قضمها لشفتيها التي أصبحت حمراء، الشئ الذي جعله يبتلع ريقه.
وقبل أن يتحدث لينهي الاجتماع ليتخلص من وجودها أمامه، تحدث أحد رجال الأعمال:
"الفكرة يا مستر أمجد تحفة، جبتها إزاي؟"
ضحك أمجد وهو يشير بيده اتجاه ملاك:
"والله الفكرة مش ليا، الفكرة لملاك، هي طالبة هندسة شاطرة."
افترس الرجل ملاك بنظرات جريئة، لاحظها أدهم.
قال الرجل بوقاحة:
"بصراحة، الجمال ده كله طبيعي يطلع منه كده."
تلطخ وجه ملاك بالحمرة، وارتجفت شفتيها من التوتر. وانسحبت من القاعة، فنظرات الرجل لم تريحها. وذهبت مسرعة لمكتب مها.
في القاعة، سأل الرجل:
"هي مشيت ليه؟ هو أنا قلت حاجة غلط؟"
وقبل أن يجيبه أمجد، قال أدهم:
"الاجتماع خلص، نشفكم الأسبوع الجاي، مع السلامة."
وخرج متجهاً إلى مكتبه، حتى أنه لم يصافحهم، فهي عادته. لا يهتم لأحد.
وبعد ما يقارب الساعة في مكتب السكرتيرة مها، نجد ملاك تهاتفها:
"الو، ازيك يا مها؟ طمنيني سيف عامل إيه؟"
"الحمد لله، الموضوع بسيط، غرزتين في دماغه وبس، ابن الكلب، ساب ركبي."
ضحكت عليها ملاك:
"لو جوزك سمعك هيعلقك."
"قوليلي، حضرتي الاجتماع؟"
"آه حضرته، كنت أنا وقلتي واحد."
"بقولك، شوفتي مستر أدهم؟"
توترت ملاك فور ذكره، لا تعرف ما السبب.
"آه، شوفته."
"مز، صح؟ يخربيته!"
شهقت ملاك بخجل:
"عيب، اللي انتي بتقوليه ده، وبعدين على فكرة مش حلو أوي يعني، عادي."
"يا لهوي، أدهم مش حلو؟ أمال مين الحلو يا ست ملاك؟ صبحي بتاع الشاي؟"
ضحكت ملاك:
"لأ، مش لدرجة صبحي بتاع الشاي، هو أحلى بصراحة... عموماً، أنا قولت أطمن عليكي وعلى سيف، هبقى أكلمك بالليل، اوكي؟ باي."
تذكرت ملاك نظرات أدهم المصوبة نحوها التي أربكتها كثيرًا. تذكرت ملامح وجهه الحادة، أنفه المرفوع بشموخ، فكيه المنحوتان، ذقنه التي زينت وجهه بطريقة جميلة، عيناه الحادتان اللتان افترساتها. نهرت نفسها بشدة على هذا التفكير.
أخذت ترتب الأوراق الموجودة على مكتب مها، ومسكت ورقة بيضاء وأخذت ترسم بعض التصاميم، فهذه عادتها في وقت الفراغ، وتدندن بعض الأغاني المحببة لها.
أما في مكتب أدهم، مر قرابة الساعة وهو يقرأ نفس الورقة، بدت له وكأنها طلاسم لا يفهم منها شيئًا. صورة ملاك لم تفارق خياله.
"جرى إيه؟ هي أول مرة أشوف ست حلوة؟"
وبدا وكأنه يبرر لنفسه التفكير بها:
"هي بس عشانها رقيقة بزيادة وما حولتش إنها تتقرب مني زي ما كل الستات بتعمل معايا، وأنا بقالي فترة بعيد عن أي ست، بقيت بفكر في أي حد."
هذا ما أقنع به نفسه. ثم أخذ نفسًا عميقًا وأمسك الملف وبدأ يقرأه محاولًا التركيز.
**مساءً**
في أحد النوادي الليلية التي يتردد عليها الأغنياء، نجد أدهم يجلس على البار ويرتشف من كأس الفودكا الفاخر، وعيناه تجوب في المكان كصقر. وصورة وجه ملاك الطفولي لم تفارق خياله. زفر بضيق، فهو هنا لينساها.
اقتربت منه إحدى فتيات المكان بثوبها الضيق القصير، كان يظهر أكثر ما يخفي. جلست بجانبه قائلة بمياعة:
"ازيك يا أدهم بيه... بتشرب إيه... فودكا؟ أنا بحبها أوي، اطلبي كاس."
زفر أدهم بضيق وأشار للعامل بأن يحضر لها ما طلبت. اقتربت منه الفتاة ووضعت يدها على كتفه وقالت بجرأة مبالغ فيها:
"إيه رأيك نقضي الليلة مع بعض؟ أنا شقتي جاهزة."
نظر لها أدهم بطرف عينه، ثم أنزل يدها عنه وقال بخفوت مخيف:
"مش أدهم السيوفي اللي وحدة شمال ورخيصة زيك تتجمل عليه في شقتها، وبعدين أنا كنت معاكي قبل كده وأنا مش بدوق حاجة مرتين. مش عاوز أشوف وشك تاني."
ثم دفعها، وكادت أن تسقط أرضًا لولا أنها وازنت نفسها وفرت هاربة من أمامه.
وبعد قرابة الساعتين، كان يدخل إلى شقته المخصصة للنزواته التي لا تنتهي، في يده فتاة. سحبها خلفه إلى غرفة النوم. وما أن دخلها حتى جذب الفتاة وألقاها على السرير. خلع قميصه وألقاه أرضًا بإهمال، وبقي عاري الصدر، وانقض عليها كأسد جائع. وأثناء جماعة لها، قال بصوت مغيب بسبب الخمر الذي شربه:
"ملاك."
أرادت الفتاة أن تجاريه بالكلام:
"أيوه يا أدهم."
"هو انتي حلوة كده ليه؟"
"عشان بحبك وعاوزة الليلة دي تبقى أحلى ليلة في حياتي."
عند هذا الحد، جن جنون أدهم وبدأ يضاجعها بقوة، وعض رقبتها وصدرها بجنون، وكأنه لم يجامع نساء من قبل.
بعد ما يقارب الساعتين، نهض أدهم عن الفتاة بعد أن أتى لها بنزيف، وهو يلهث:
"قومي البسي واخرجي، هتلاقي السواق تحت، خليه يوصلك. وفي فلوس على الطربيزة برا، خديهم، وما شفتش وشك مرة تانية."
أسرعت الفتاة بارتداء ملابسها وهي مرعبة من هيئته الغاضبة. وما هي إلا ثوانٍ معدودة، كانت تخرج من باب شقته، حامدة ربها أنها على قيد الحياة.
أما أدهم، دخل ليستحم. وقف تحت المياه الباردة، لعلها تبرد النيران المندلعة بداخله. وما أن تذكر أنه تخيل الفتاة بملاك، يثور أكثر. منذ متى وهو يتخيل فتاة؟ هذه الفتاة أصبحت خطر عليه، يجب أن يتجنبها. أقنع نفسه بهذه الفكرة، فطالما أنها بعيدة عن نظره، سوف ينساها.
وبعد عدة دقائق، كان يخرج من العمارة الموجودة بها شقته، متوجهاً إلى قصره.
**في صباح اليوم التالي**
كانت ملاك تدخل إلى الشركة، فكانت ترتدي... وصلت للإسانسير، ضغطت عليه، ففتح لها بعد عدة ثوانٍ. وقبل أن ينغلق، وجدت شخصًا يضع يديه على بابه، وإذا به أدهم يدلف بطلته المهلكة. كان يرتدي بدلة كلاسيكية سوداء وقميصًا أبيض وربطة عنق سوداء. توترت ملاك من تواجدها معه في مكان واحد. التصقت بحائط المصعد حتى تجعل مسافة أكبر بينهما.
أما أدهم، كان مستمتعًا بوجودها معه. وما هي إلا لحظة، حتى وصل المصعد إلى الطابق الأخير. تنفست ملاك الصعداء فور خروجها من المصعد، فهي ستتجنبه مثلما قال لها جدها.
أما أدهم، كان يقف مكانه، فرائحتها لا تزال موجودة بالمكان، وكأنه نسي ما وعد نفسه به وهو تجنبها ونسيانها. سار باتجاه مكتبه. وما أن رأته سكرتيرته سالي، حتى هبت واقفة تدلي عليه جدوله اليومي، حتى قاطعها قائلاً بحدة:
"هاتيلي القهوة بتاعتي وملف مشروع الفندق الجديد."
"حاضر يا فندم، حاجة تانية؟"
قالتها بمياعة مصطنعة.
"لأ، لما أعوز منك حاجة تانية هبقى أقولك."
خرجت سالي إلى مكتبها وغابت لدقائق، ثم عادت حاملة كوب القهوة والملف المطلوب. وضعتهم على الطاولة وخرجت. وما أن خرجت، حتى وجدت هاتفها يرن. التفتت يمينًا ويسارًا، خوفًا من أن يسمعها أحد.
"الو، ازيك يا داليا هانم؟"
"ها، فيه أخبار جديدة عندك؟"
"لأ، ما فيه جديد، بس النهاردة عنده غداء عمل مع شركة الصياد، بس لسه مش معروف مين اللي هيحضر، مستر أدهم ولا مستر أمجد. أول ما أعرف هبلغك."
"برافو عليكي، بلغيني بكل اللي بيحصل أول بأول، يلا سلام."
وفي مكتب مها السكرتيرة، نجد ملاك تنهي بعض الأعمال الموكلة لمها، فهي اضطرت للغياب اليوم بسبب حادث ابنها. فأمجد سمح لها بالمكوث معه حتى يخف ويستعيد صحته. وعندما كانت تعمل باجتهاد، استدعاها أمجد. فدخلت له بعد أن طرقت الباب وأذن لها بالدخول. وقفت قبالته باحترام:
"تفضل حضرتك، طلبتني؟"
"آه، معلش هتعبك معايا، عاوزك تاخدي الملفات دي لمكتب مستر أدهم تخليه يمضيهم وهاتيهم، معلش هتعبك."
توترت ملاك فور علمها أنها ستقابله. أجابت باقتضاب:
"لأ، ما فيش تعب."
تناولت الملفات من على مكتب أمجد وخرجت متجهة نحو مكتب أدهم. عندما وصلت، لم تجد السكرتيرة على مكتبها، فوقفت قليلاً تفكر، هل تنتظرها أم ستطرق عليه الباب؟ وفي هذه الأثناء، شاهدها أدهم من على شاشة كاميرات المراقبة الموجودة في مكتبه. شبح ابتسامة لاح على ثغره. فور سماعه لطرقات رقيقة مثلها على الباب، استعاد جموده وقال بصوته الغليظ:
"ادخل."
ما أن سمعت ملاك صوته، حتى ارتجف قلبها. ضغطت على مقبض الباب بيدها الصغيرة وفتحته. دخلت إلى مكتبه. تهللت أسارير أدهم من الداخل. حاول قدر المستطاع إخفاءه. سارت ببطء متجهة نحو مكتبه، تأكل شفتيها، فهذه حركتها المعتادة عندما تتوتر، مما أشعل النار بداخل أدهم. حاول تجاهل حركتها.
قالت بهدوء، وكان واضح التوتر عليها من ارتجاف صوتها:
"مستر امجد بيطلب من حضرتك تمضي الأوراق دي."
وما أن خرج صوتها الرقيق، حتى خارت قواه وأغمض عينيه ليتمالك نفسه. مد يده لتناول الملفات من يديها المرتجفتين.
قال لها بهدوء:
"طيب، خليهم، همضيهم وابعتهم، اتفضلي انتي."
أسرعت ملاك بخطواتها حتى تخرج من مكتبه. تنفست الصعداء فور خروجها. وما أن رأتها سالي، حتى قالت بتعالي:
"انتي مين ودخلتي عند مستر أدهم إزاي من غير ما تستأذني مني؟"
أجابتها ملاك:
"أنا ملاك، بتدرب عند مستر أمجد، وجبت ملفات لمستر أدهم، بس انتي مكنتيش موجودة عشان أستأذن منك."
تركتها ملاك وعادت إلى مكتبها وأبلغت مستر أمجد أنه سيمضي على الملفات ويرسلها. ثم جلست على المكتب ترسم وتدندن كعادتها.
وفي مكتب أدهم، انتهى من توقيع الملفات التي أرسلها أمجد. وما أن انتهى، كاد أن يرسلهن مع سالي، حتى تراجع وقرر أن يذهب بنفسه، فالدقيقة التي تواجدت فيها بمكتبه لم تكفيه. جلب الملفات واتجه نحو مكتب أمجد. وعندما رأته سالي، هبت واقفة وهي تنظر إليه، منذ متى وهو يذهب لأمجد أو يذهب لأحد؟ جلست وتابعت عملها ولم تعير الموقف اهتمامًا.
قبل أن يدخل إلى مكتب السكرتيرة مها، استمع إلى صوتها وهي تدندن بخفوت. فوقف، جذب هاتفه من جيب بنطاله والتقط لها صورة ودسها مرة أخرى في جيبه. أخذ يراقبها. وما أن لاحظت ملاك وجوده، شهقت خوفًا من تواجده، فهي ما تعلمه أنه لا يأتي إلى مكتب مستر أمجد. وعندما لاحظ توترها، تركها ودخل لأمجد. الذي بدوره استغرب من وجود أدهم في مكتبه:
"أدهم السيوفي بجلالة قدره في مكتبي المتواضع؟ إيه اللي بيحصل بالظبط؟"
أجابه أدهم بسخرية:
"حبيت أريحك."
"يا حنين، من إمتى الكلام ده؟"
"دي الملفات اللي بعتهالي، وغداء العمل اللي مع شركة الصياد، انت اللي هتحضره وتخلص معاهم، وأنا هجهز للاجتماع بتاع بكرة."
قال هذه الجملة وخرج من مكتب أمجد. فلم يجد ملاك في الخارج. لعن حظه في سره، فهو فعل هذا الشئ الذي ليس من عادته الذهاب لأحد، فقط من أجل رؤيتها. فعاد إلى مكتبه، واضح على ملامحه الغضب. دخل وصفق الباب خلفه.
أما عند ملاك، فهي وقفت في زاوية مقابلة لمكتب مها، تنتظر خروجه حتى لا تراه. وما أن خرج من مكتب أمجد وابتعد، حتى عادت لتكمل ما كانت تفعله قبل مجيئه، فهو يوترها جدًا، لا تعلم ما السبب.
بعد عدة ساعات، قد جاء موعد استراحة الغداء، فنزل جميع الموظفين إلى كافيتريا الشركة. وقبل ذهاب سالي للغداء، طرقت على أدهم الباب فأذن لها بالدخول.
قالت بدلع:
"مستر أدهم، أنا نازلة أتغدى، تحب أطلب لك أكل قبل ما أنزل؟"
"لأ، مش عاوز."
خلع جاكيته وحل ربطة عنقه، وحل أول ثلاث أزرار من قميصه. ووقف يدخن قبالة الحائط الزجاجي وينظر إلى الشارع ومدخل شركته وجزء من كافيتريا الشركة. جال بنظره بإهمال، وإذا بنظره يتوقف عليها وهي تجلس مع أحدهم. هرع لأحد الأدراج ليجذب المنظار، وضعه على عينيه لتظهر له ملاك تتناول الغداء مع جدها، ويوجد شخصًا آخر يجلس معهم، ولكن وجهه لم يكن باينًا بشكل واضح. ظل يراقبها وهي تطعم جدها وتشاكسه، ابتسم تلقائيًا لابتسامتها. وما هي إلا لحظة، حتى زالت ابتسامته لأنه عرف هوية الشخص الجالس معهم، فهو موظف لديه يعمل في الحسابات، لديه تاريخ مشرف مع النساء. أقسم أنه سوف يبعده عنها، فهي من الآن تخصه. ظل يراقبها حتى انتهت الاستراحة وصعدت إلى مكتب أمجد. شاهدها على كاميرات المراقبة عندما دخلت إلى المكتب.
جلس على مكتبه وأراح ظهره للوراء وأغمض عينيه، يتذكر وجهها الطفولي، عينيها الساحرتان، شفتيها المتنكرتان، وجسدها المنحوت ببراعة. وأخذ يتخيلها كيف ستكون وهي بين يديه وفي أحضانه. ابتسم بمكر على أفكاره المنحرفة.
أخرج هاتفه وهاتف المساعد والحارس الشخصي له:
"أيوه يا شريف، تعالي على المكتب."
وبعد قرابة 10 دقائق، حتى طرق الباب شريف، فأذن له أدهم بالدخول. وقف شريف ينتظر التعليمات. فقال له أدهم:
"اقعد، واقف ليه؟"
جلس شريف، ثم أكمل أدهم بصوت هادئ:
"أول حاجة، في موظف اسمه عادل مهران بيشتغل في الحسابات، عاوزك تنقله فرع إسكندرية، مش عاوزه يعتب القاهرة خالص. وتاني حاجة، في الحاج حسن سواق الموظفين، ليه بنت بتدرب فالشركة مع أمجد، عاوزك تجيبلي كل حاجة عنها من يوم ما تولدت لغاية دلوقتي. وعاوز واحد يراقبها على طول، ما تغبش عن عينه لحظة، أعرف كل تحركاتها أول بأول. وأهم حاجة، مش عاوز حد يعرف بالموضوع ده ومش عاوزها تحس بأي حاجة. وآه، عاوز سجل يومي بكل مكالمتها، فاهم؟"
"فاهم يا فندم، تأمرني بحاجة تانية؟"
"لأ، روح انت دلوقتي، وبالليل يكون كل المعلومات اللي طلبتها عندي."
رواية عشق الملاك الفصل الخامس 5 - بقلم علياء بطرس
كانت ملاك تصعد درجات سلم بيتها المتهالك.
وقبل أن تصل إلى شقتها، شهقت ملاك بفزع عندما ظهر أمامها فجأة جارها عماد. شاب في 26 من عمره.
قال لها وهو مبتسم بهيام:
“سلامتك من الخضة يا ست البنات،، ازيك يا آنسة ملاك”
عقدت ملاك حاجبيها ونظرت إليه بتوجس. فهو قليل الاحتكاك بالجميع، وخاصة النساء. فلا تتذكر آخر مرة رأته فيها.
قالت بهدوء:
“خير يا أستاذ عماد، في حاجة؟”
تنهد بحب:
“كل خير يا ست البنات. أنا بس شفتك طالعة على السلم فحبيت أقولك مساء الخير”
“مساء النور” قالتها بإقتضاب ودلفت إلى داخل شقتها.
تمتمت ملاك بخفوت:
“إيه الراجل الغريب ده،،،،، لا وايه ده مش حاطط ريحة ده مستحمى بيها”
“يا تيتة،،،، يا فوفو،، انتي فين؟”
أتاها صوت جدتها من المطبخ:
“أنا هنا يا ملوكة، في المطبخ”
دخلت إليها ملاك:
“مساء الجمال يا عسل. ها، عاملة إيه النهاردة على الغدا؟”
“بامية،،،، عارفة كى مابتحبيهاش عشان كده عملت لك طبق مكرونة”
“تصدقي انتي أحلى تيتة في الدنيا. أنا هروح أغير هدومي وأجي أساعدك. يكون جدي وصل”
وبعد ما يقارب ثلاث ساعات، كانت ملاك تجلس مع جديها على نشرة الأخبار التي يتابعها جدها باستمرار.
كانت ملاك تجلس بملل حتى رأت صورة أدهم وعلى جانبه أمجد على التلفاز. انتبهت لما يقال حيث قال المذيع:
“رجل الأعمال المشهور أدهم السيوفي وشريكه وابن عمه أمجد السيوفي قد وضعا حجر الأساس لفندق الأول من نوعه في الشرق الأوسط. وأوضح لنا أن صاحب فكرة الفندق شخص موهوب”
ابتسمت ملاك بخفوت. ولا تعلم لماذا ابتسمت. هل لأن الفكرة فكرتها؟ أم لأن أدهم قال عنها موهبة؟
نفت هذا التفكير من رأسها فوراً. وانتبهت على صوت جدها:
“مش هو ده الفندق اللي البشمهندس أمجد خد فكرته منك يا ملاك؟”
أجابته بتعلثم:
“مش عارفة يا جدو، عن أي فندق بيتكلموا. هما كل يوم بيعملوا فندق شكل. مش عارفة إذا هو أو لأ”
هبت واقفة حتى لا يلاحظ جدها ارتباكها. وقبلت رأس جدتها وجدها وذهبت لغرفتها.
وما أن أغلقت الباب على نفسها حتى ارتمت على سريرها وتفكر:
“طيب أنا ليه كل ما أسمع اسمه أحس إنه قلبي بترعش وبقى مش على بعضي. معقول أكون حبيته….. لا لا لا. إيه اللي بفكر فيه ده. مستحيل. أنا فين وهو فين. وبعدين أنا أصلاً شفته تلات مرات على بعض.،،،، تؤتؤتؤ. برضو لما بشوفه ببقى عايزة أستخبى من نظراته. وبعدين اللي زي أدهم ده عرف ستات بعدد شعر راسه. منهم عارضات أزياء وبنات أغنية. إيه أنا؟ بلا خيبة. هو أصلاً فاضل أسبوع واحد تدريب وخلاص وكل واحد يروح لحاله. هو أحسن كده. نامي يا ملاك بلاش تحلمي أحلام مش قدك. اللي بيبص فوق أوي بتتكسر رقبته”
تنهدت بيأس وجذبت الغطاء عليها في محاولة منها أن تنام حتى لا تفكر في شيء.
*******************
في أحد القصور الفخمة المتكونة من حديقة شاسعة الاتساع وعدة حمامات سباحة وأسطبل لأندر الخيول وكراج للسيارات يضم عشرات السيارات، بعضها قديم الطراز وبعضها دفع رباعي وبعضها الفارهة الرياضية وأخرى الكلاسيكية.
ومن الداخل نجد عشرات الغرف المليئة بالأثاث الفاخر وصالة رياضية مليئة بالأجهزة الرياضية الحديثة.
وفي داخل غرفة المكتب نجد أدهم يجلس بأريحية على كرسيه الوثير يراجع بعض الملفات.
وقطع تركيزه طرقات متتالية على باب مكتبه.
دخل حارسه الشخصي شريف بعد أن أذن له أدهم بالدخول.
“خير يا شريف، في حاجة؟”
تقدم شريف من مكتب أدهم واضعاً الملف الذي في يده على المكتب:
“ده الملف فيه كل البيانات عن ملاك حسن ومعاه ملف مكالماتها و……”
“فيه إيه يا شريف، ماتقول على طول”
“في واحد معاها في الجامعة عينه منها بس هي مش مدياه مجال. يبقى ابن مدحت الحداد”
كز أدهم على أسنانه فور تخيله لأحد أنه نظر إليها. ولكنه تمالك نفسه فور تذكره لوجود شريف.
“خلاص يا شريف، روح أنت. وخلي عينك على الولد ده”
سحب أدهم نفساً من سيجاره الفاخر وأمسك بالملف الذي به معلومات عنها وأخذ يقرأ بصوت خافت متمهلاً.
“ملاك محمد حسن، عندها 19 سنة. أمها ماتت وهي بتولدها وأبوها مات وهي عندها خمس سنين. عايشة مع جدها وجدتها فحي………. ،،، بتدرس هندسة في جامعة القاهرة وملهاش صحاب. من البيت للجامعة ومن الجامعة للبيت”
ثم تناول صوراً لها مرفقة مع الملف وتأملها. كم هي جميلة؟ لم يرَ أرق منها. لقد انقلب حاله فور رؤيته لها.
ثم تناول ملف مكالماتها. فلم تكن تتصل بأحد سوى جدها وجدتها ومؤخراً مها سكرتيرة أمجد.
ابتسم فور ظهور فكرة في باله. أخذ رقم هاتفها من الملف وضغط على زر الاتصال. وضع هاتفه على أذنه. فكان يسمع جرس لكن لا أحد يرد.
نظر في الساعة المعلقة على حائط مكتبه. وجدها العاشرة. أيعقل أن تكون نائمة مبكراً؟
اتصل مرة أخرى ولكنه ظن أنه مثل سابقتها لن ترد. حتى أتاه صوتها الرقيق الناعس:
“الو….. الو….. الو….. الووووو”
وعندما لم تجد رداً، أغلقت الاتصال.
ضحك أدهم:
“يعني أدهم السيوفي اللي محدش يستجرى يرفع عينه في عيني، عيلة صغيرة تقفل السكة في وشي. ماشي يا ست ملاك، الحساب يجمع”
ثم انتصب واقفاً متجهاً إلى غرفة نومه ليستحم ثم يخلد للنوم.
وما أن دخل غرفته تأملها:
“يا ترى ممكن ملاك تنام على السرير ده في يوم من الأيام؟”
ثم استطرد قائلاً:
“إيه اللي بقوله ده؟ مش لما أعرف أتكلم معاها الأول. كل أما تشوفني تترعب كأنها شايفة عفريت. معرفش إيه اللي مخوفها مني”
ثم دخل إلى الحمام وغاب بعض الوقت. وخرج وهو ينشف شعره بمنشفة. وكان يرتدي بنطال قطني مريح وبقي عاري الصدر. فظهرت عضلات صدره وبطنه المكتنزة.
رمى المنشفة أرضاً. ثم دس حاله تحت غطائه الوثير.
وبعد ساعتين بقي يتقلب فيها. ثم اعتدل جالساً:
“إيه ده؟ أنا لو كنت أعرف إني لما أسمع صوتها مش هعرف أنام مكنتش اتصلت من أساسه. ركز يا أدهم، مفيش ملاك دلوقتي. نام. بكرة هتشوفها. خلاص نام”
وبعد قرابة الساعة، كان يغط في نوم عميق.
وفي الصباح، بينما أدهم نائم، نجد ملاك تدلف للداخل تحمل بيديها صينية عليها بعض أصناف الفطور وكأسين من العصير ووردة حمراء. وكانت ترتدي.
ثم أمسكت الوردة. مررتها على وجه أدهم وعلى صدره وبطنه.
“أدهم حبيبي، يلا قوم. أنا جهزت لك الفطار”
ثم اقتربت منه وقبلته على خده. وقبل أن تقبل خده الثاني، شهقت ملاك بذعر عندما وجدت نفسها أسفل أدهم.
“إنتي بتستغلي إني نايم وبتبوسيني؟ وياريتك بتبوسي صح”
“ليه إن شاء الله؟ هي البوسة الصح إزاي بقى؟”
اقترب منها أدهم. ثم تناول شفتيها بين شفتيه وأخذ يمتص شفتيها تارة العلوية وتارة السفلية. ويداه الخبيرة تتحسس تقاسيم جسدها الأنثوي المثير.
ابتعد عنها عندما أحس بأنها بحاجة للهواء.
شهقت ملاك بقوة كأنها كانت تغرق.
دفن أدهم دفن في عنقها المرمري، ممتصاً ومقبلاً جلدها الرقيق الناعم. تأوهت ملاك من فرط مشاعرها. ولكن تأوهها دفع أدهم للجنون وجعله يتعمق أكثر. تاركاً علامات زرقاء وأخرى بنفسجية.
ابتسم على علامات ملكيته التي تلونت بها رقبتها البيضاء. ثم عاد إلى ملاذه شفتيها يمتصها بقوة. مدخلاً لسانه داخل فمها الكرزي الصغير مستكشفاً إياه. ويداه تعتصران صدرها الطري. خرجت منها تأوهات من فرط الرغبة أودت بعقل أدهم بالجحيم. وشرع بخلع ملابسها.
“ادهم،،،، ادهم،،،،،، ادهم”
فزع أدهم من نومه. وإذ بأمجد يقف قبالته. نظر إليه بغضب.
“فيه إيه؟”
“سلامتك. بقالي ساعة بصحيك. الظاهر إنك كنت بتحلم ومش عايز تصحى”
“معلش، ما سمعتش. إنت إيه اللي جابك هنا؟”
“أبداً، قلت أعدي عليك نروح مع بعض على الشركة. يلا جهز وأنا هستناك تحت. متتأخرش”
خرج أمجد. مسح أدهم وجهه بضيق.
“لأ، أنا النهاردة لازم أشوف حل في الموضوع ده. لازم….. مينفعش أفضل كده. أنا هتجنن خلاص”
ثم ابتسم فور تذكره لهذا الحلم. ثم ضغط على أسنانه. فلو لم يأتِ أمجد لاكمل هذا الحلم الجميل.
نهض ليستحم لعل المياه تطفئ النار التي أشعلتها تلك الصغيرة بداخله. ثم نزل لأمجد بعد أن ارتدى بدلته السوداء الفاخرة والساعة الثمينة ورش من عطره الذي يزيد من وسامته. واستقل السيارة مع أمجد متجهاً للشركة.
بعد ساعتين في مكتبه، نجده يشاهد شاشة هاتفه يراقب مكتب أمجد. ينتظر مجيئها. فلا يوجد أحد في مكتب السكرتيرة سوى مها.
نظر إلى ساعة يده ذات الماركة العالمية وزفر بضيق. فهي تأخرت على موعدها قرابة الساعتين.
ثم شرع بالاتصال على أحدهم.
“ها يا شريف، هي فين؟ مجتش الشركة ليه؟ هي في البيت؟”
“لا يا فندم، هي في الجامعة دلوقتي”
“طيب بلّغني بتحركاتها أول بأول. وخليها تحت عينك. ولو حسيت إنها محتاجة مساعدة، أدخل فوراً”
“حاضر يا فندم”
وقف متنصباً من على كرسيه متوجهاً للحمام الملحق بمكتبه ليغسل وجهه. لعلّه يستطيع السيطرة على ضيقه. فهو كان ينتظر رؤيتها.
ثم خرج وعاد ليجلس على مكتبه في محاولة منه لدمج نفسه بالعمل.
وبعد قرابة الساعة، رن هاتفه فوجد أن المتصل شريف. أجابه بسرعة خوفاً من أن يكون حدث شيء لها.
“فيه حاجة يا شريف؟ ملاك حصلها حاجة؟”
“لا يا فندم، هي بخير. بس هي دلوقتي ركبت تاكسي وفطريقها للشركة”
قفل أدهم سريعاً. ثم وقف مستنداً على زجاج مكتبه المطل على مدخل الشركة. ينتظر قدومها.
وبعد قرابة النصف ساعة، كانت ملاك تنزل من التاكسي وتدلف إلى الشركة. فكانت ترتدي بنطال جينز أسود وبلوزة بيضاء وجاكيت جلد أسود فيه سحابات فضية وحقيبة سوداء وبوت رياضي أبيض. وتركت العنان لشعرها.
ابتسم أدهم لرؤيتها. وأمسك هاتفه لرؤيتها عبر كاميرات المراقبة الموصولة بهاتفه.
وعندما صعدت للاسانسير، وجدها تنظر لنفسها في المرآة الموجودة داخل المصعد.
ثم وصلت لمكتب مها وحضنتها. ثم أخذت تحدثها عن أشياء لم يسمعها أدهم. فلعن غباءه. كان يجب عليه نصب مايكروفون مع كاميرا المراقبة حتى يسمع ما تقول.
قطع اندماجه بها دخول سكرتيرته سالي تمسك بيديها عدة ملفات. قالت بدلع مصطنع غير لائق:
“مستر أدهم، الورق ده محتاج إمضاء حضرتك”
“هاتيه. واطلعي برا”
ثم قال بغموض:
“سالي….. هو اللي بيوصل معلوماتي لحد. أنا هعمل فيه إيه؟”
بلعت ريقها بخوف أن يكون كشفها بأنها تراقبه لصالح داليا. قالت بتعلثم:
“مش فاهمة حضرتك تقصد إيه”
“لا، مفيش حاجة. على شغلك. ويا ريت اللبس ده تخليه للسهر. بلاش للشغل. عشان أدهم السيوفي ما بيدقش من الحاجة مرتين. إنتي فاهمة أنا أقصد إيه. على مكتبك”
وفي مكتب مها نجد ملاك تقرأ بعض الملفات.
حتى قاطعتها مها:
“إنتي اتأخرتي ليه النهاردة يا ملاك؟ أنا افتكرتك مش جاية”
“اتأخرت عشان رحت على الجامعة أشوف الدرجات نزلت ولا لسه”
“وها نازلة؟”
“مش كلهم. في مواد نزلت ومواد كمان يومين. وفي مواد بداية الترم الثاني”
“طيب واللى نزل جبتي فيه كام؟ ولا عايزة تاكلي عليا الحلاوة؟”
ضحكت ملاك:
“لأ، مش هاكل عليكي الحلاوة. همك على بطنك. لما أجيب امتياز في كل المواد هبقى أجيب لك شنطة شوكولاتة”
كادت مها أن تتحدث. فقاطعها دخول أدهم المفاجئ. وقف أدهم ينظر لملاك وكأن مها غير موجودة. ينظر لها من شعرها حتى قدميها.
توترت ملاك من نظراته لها. فأخذت تقضم شفتيها بأسنانها اللؤلؤية الجميلة. واصطبغ وجهها بالحمرة مما زاد النار المشتعلة بداخل الواقف أمامها. ليتساءل داخله: هل طعم شفتيها مثل الحلم أم أطعم؟
وزعت مها نظراتها بين ملاك وأدهم وهي تبتسم. فيبدو أنه سيولد حب جديد هنا.
تنحنحت حتى تلفت انتباههم. انتبه أدهم لنفسه. فدخل لأمجد الذي تفاجأ بوجوده في مكتبه. ولكنه عرف سبب مجيئه الذي يكافح أدهم لاخفاءه.
“ها؟ إيه اللي جابك المرة دي؟”
“ما تتكلمش كلام إنت مش قده. ثم أكمل بتعلثم جاهد إخفاءه. أنا بس قلت دلوقتي بتكون مشغول. فقلت أنا هاجيلك”
“ما أنا دايماً بكون مشغول. بتبعتلي إيه اللي جد؟”
“أمجد، إيه؟”
ابتسم أمجد بسخرية عليه. فهو لم يرَ أدهم متخبطاً ومتوتراً من قبل.
“طيب خلاص، اهدى. أخلي ملاك تعمل لك قهوة. ثم أكمل بخبث. أصل عليها قهوة يا أدهم. لازم تدوقها. هتعجبك صدقني”
جز أدهم على أسنانه حتى ظهرت عروق رقبته علامة على عصبيته. ثم تحدث بهدوء مخيف:
“وهي بتعمل لك قهوة من امتى ها؟ ليه جاية تتدرب ولا تعمل لجنابك قهوة؟”
قهقه أمجد على غيرة ابن عمه الواضحة.
“دام إنك واقع كده، ما تقولها قبل ما تطير لغيرك وهتبقى خسرتها”
“ده اللي يفكر يبصلها همحيه من على وش الدنيا”
قطعت حديثهم مها:
“مستر أمجد، الملفات دي لازم تراجعها وتمضيها”
وقفت مها بجانب مكتب أمجد. فاستغل أدهم وجود ملاك بمفردها. فخرج. ابتسم أمجد عليه.
وفي الخارج، نجد ملاك تنظر لبعض التصاميم. ولم تلاحظ وجود أدهم. وصل لها راحته الممزوجة برائحة الدخان. فهبت واقفة تنظر إليه. ظهر شبح ابتسامة على شفتيه فور تذكره لحلم الصباح. ونظر لعنقها الأبيض المرمري الخالي من علاماته.
تنحنح ليخرج صوته:
“إزيك يا ملاك؟”
هزت ملاك رأسها بالإيجاب. فحبالها الصوتية قد شلت من وجوده.
لاحظ أدهم سكوتها:
“هو إنتي ساكتة ليه؟ في حاجة تعباكي؟”
هزت رأسها بالنفي.
زفر أدهم يريد سماع صوتها. وقبل أن يتحدث، خرجت مها من مكتب أمجد. فلعن أدهم حظه. فدائماً لا يستطيع أن يخلو بها قليلاً. فأكمل طريقه عائداً لمكتبه.
جلست مها بجانب ملاك التي كانت شبه مغيبة.
لكزتها في كتفها:
“هو في إيه؟”
“مفيش حاجة… هيكون.. فيه إيه؟” أجابتها بصوت مرتجف متعلثم.
“لأ، فيه وفيه حاجات كتير. هو مستر أدهم كان بيبص لك كده ليه؟ أنا بقالي هنا سنين ولا مرة شفته عتب المكتب ده. ولا مرة شفته مرتبك كده. هو في بينكم حاجة؟”
وضعت ملاك يديها المرتجفتين على فم مها لاسكاتها.
“هش، وطي صوتك. بعدين مستر أمجد يسمع… بصي، هقولك. ما أنا مليش حد غيرك أقوله”
“بصي، قبل ما دماغك الجزمة دي تروح مكان كده ولا كده. أنا مفيش حاجة بيني وبينه. بس هو لما يشوفني يفضل باصصلي كده زي ما شفتي. ماعرفش ليه”
أردفت مها:
“طيب وإنتي؟”
“مش عارفة إيه اللي بيحصلي يا مها. مع إني شفته كام مرة. بس لما بشوفه بتوتر وقلبي بيدق بسرعة وببقى عايزة أستخبى من نظراته. بس بنفس الوقت ببقى مبسوطة من جوايا من نظراته ليا. مش عارفة متلخبطة. مش عارفة أفكر”
ابتسمت مها:
“يبقى وقعتي وحبيتيه”
نهرتها ملاك:
“لأ طبعاً. مفيش الكلام ده”
ثم أكملت بيأس:
“حتى لو كنت بحبه. هو إنتي مش شايفة هو فين وأنا فين؟ أنا لو بعت نفسي بكل حاجة بملكها مش هجيب ثمن بدلة من بدله يا مها. هو من عالم وأنا من عالم تاني. وبعدين ده أدهم السيوفي. شاف ستات بعدد شعر راسه. وكلهم ممثلات وعارضات أزياء وبنات وزراء. أنا أجي إيه جنبهم. الحب اللي بتتكلمي عليه ده لازم يكون فيه تكافؤ. وأنا بيني وبينه مفيش تكافؤ ولو 1%”
تنهدت.
“أنا كلها يومين وخلاص هرجع الجامعة وهسيب التدريب في الشركة ومش هشوفه تاني. لازم أنساه”
“لأ طبعاً. هو إنتي ما شفتيش نظراته ليكي عاملة إزاي؟ ده باين إنه معجب بيكي. ده إذا كان ما بيحبكيش زي إنتي ما بتحبيه. وبعدين إنتي مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟ ده إنتي قمر وصغيرة. وكفاية إنك لسه خام”
“خام… إزاي يعني مش فاهمة؟”
“يعني أدهم كل اللي اتعرف عليهم كانوا عارفين رجالة من قبله. بس إنتي لأ. هو أول راجل في حياتك. ودي حاجة تخليه يموت فيكي. وبعدين إحنا ممكن نسويّه على نار هادية”
“هو اللي زي أدهم ده ينفع معاه نار هادية؟ اسكتي بلا خيبة”
“كل الرجالة يا حبيبتي نقطة ضعفهم الدلع. ويحبوا نظرية شوق ولا تدوق. وإنتي هتعملي معاه كده”
“لأ طبعاً. إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟ أنا مش بتاعة الكلام ده. وبعدين لو شوفتيني من شوية بقيت عاملة زي الكتكوت المبلول قدامه. ده سألني إزيك معرفتش أرد. تقوليلي أدلع وماعرفش إيه”
“هو سألك إزيك؟ ده عمره ما عملها. ده واقع لشوشته يا عبيطة”
قطع حديثهن خروج أمجد ممسكاً ببعض الملفات بيده.
“ملاك، معلش هتعبك. عايزك تاخدي الملفات دي لمستر أدهم يراجعهم ويمضيهم. وتجبيهم معاكي. مش هعرف أبعت مها عشان عاوزها في شغل”
نظرت ملاك لمها. فنظرت لها بمعنى اذهبي.
أخذت ملاك الملفات واتجهت لمكتب أدهم.
دخل أمجد مكتبه واتصل على رقم من التلفون الأرضي.
“بص عشان تعرف إني جدع. أنا بعتهالك دلوقتي معاها شوية ملفات. استغل إنت الوضع بمعرفتك. سلام”
وصلت ملاك لمكتب السكرتيرة سالي. تنحنحت لجذب انتباهها.
“عاوزة أدخل لمستر أدهم”
نظرت لها سالي من أخمص قدميها حتى رأسها.
“عاوزة إيه من مستر أدهم؟ هو دلوقتي مشغول”
“عاوزاه يرجع الملفات دي ويوقعهم”
جذبت منها سالي الملفات بقوة.
“هاتيهم. أنا هدخلهم. لأن مستر أدهم قالي ما أدخلش عنده حد خالص. و….”
قاطع حديثها المتعجرف خروج أدهم المفاجئ. فهو شاهد ما حدث عبر شاشة المراقبة. فهي كانت ستذهب.
نظر لسالي نظرة أرعبتها. ثم قال بصوته الأجش:
“إيه اللي بيحصل هنا؟ صوتك عالي ليه يا سالي؟”
“أبداً يا فندم. البنت دي جايبة لحضرتك ملفات. وأنا قلت لها أدخلهم لك عشان متزعجش حضرتك”
وجه كلامه لملاك:
“هاتي الملفات وحصليني”
وبعد عدة ثوانٍ، نجد ملاك تقف قبالة مكتب أدهم. تضع يدها مكان قلبها لتهدئة دقاته.
“هتفضلي واقفة كده كتير؟” هذا ما قاله أدهم ليزيد من توترها. فتقدمت ببطء. لاحظه أدهم وجلست بعيداً نوعاً ما عنه.
وأخذ يقلب في الملفات ببطء شديد وهو ينظر لها. وما أن أخذت تعض شفتيها. سرت بداخله قشعريرة لا يعلم من أين أتت.
أراد كسر السكوت. فسألها:
“هو إنتي في سنة كام يا ملاك؟”
تنحنحت ملاك بخفوت باحثة عن صوتها الذي اختفى.
“أنا في سنة أولى”
“وعندك كام سنة؟”
“19 سنة”
انتبه أدهم لفارق العمر. فهو ليس قليل. فهو حوالي 15 سنة. هل ستقبل به أم ستبحث عن من هو من جيلها؟
وبدون مقدمات سألها:
“لو اتقدم لك راجل عنده 34 سنة، توافقي عليه؟”
استغربت ملاك من سؤاله. فهي لم تفهم قصده. فالسؤال فظنت أنه يرشحها عروساً لأحد أصدقائه. امتلأت عيناها الجميلتان بالدموع. حاولت إخفائها حتى لا تظهر أمامه ويفضح أمرها.
أجابته بخفوت:
“مش عارفة. لو راجل كويس ويحترمني، ممكن أوافق. العمر مش مقياس في الحياة”
ثم هبت واقفة.
“أنا آسفة. مضطرة إني أمشي. افتكرت حاجة. هبقى أرجع آخد الملفات لما تخلص منها. عن إذن حضرتك”
ثم خرجت من مكتبه مسرعة حتى لا يرى دموعها.
عقد أدهم حاجبيه من ذهابها المفاجئ.
“معقول تكون زعلت من السؤال؟”
وما هي إلا لحظات حتى أتاه اتصال من أمجد.
“تصدق إن واحدة زي ملاك خسارة فيك. يعني أنا أبعتهالك عشان تتكلم معاها ترجع من عندك بتعيط”
“استنى، أنا مش فاهم حاجة. ملاك بتعيط؟”
“أيوه يا فالح. ملاك اللي بتعيط. عملتلها إيه؟ انطق”
“والله ما عملت حاجة. أنا سألتها عندك كام سنة وفسنة كا….. استنى، معقول تكون زعلت عشان قلت لها لو اتقدم لك حد عنده 34 سنة توافقي؟ بس الموضوع ما يزعلش”
“ما يزعلش مع الناس الجهلة زيك. بس اللي زي ملاك رقيقة جداً. تزعل من النسمة. أقفل بلا خيبة. قال عايزها تحبه على إيه؟ بلا وكسة”
زمجر أدهم بغضب.
“أمجد، أنا ساكت لك من الصبح. ما تخلينيش أجي أطلعه على جثتك. بلا أزرق. عايزك تبعتهالي عشان الملفات. أنا هتصرف معاها. أحاول أصلح اللي عملته”
“حاضر. استنى عليها تهدى شوية وهبعتهالك”
عند ملاك ومها:
“يا بنتي كفاية عياط. الموضوع مش مستاهل كل ده”
مسحت دموعها بظهر يدها كطفل صغير.
“يعني إيه مش مستاهل؟ عايز يجوزني واحد صاحبه وتقولي مش مستاهل؟”
“هو قال لك واحد صاحبي؟”
“لأ، بس قالي لو اتقدم لك حد عنده 34 سنة توافقي. يقصد إيه بالكلام ده؟”
ضحكت مها على سذاجة ملاك.
“يا هبلة، ده يقصد نفسه. هو في حد غيره عنده 34 سنة؟ ده هو بس بيشوف ردك من تحت لتحت عشان يعني في بينكم فرق في العمر. يا عبيطة. يعني هو ناوي يتجوزك. وإنتي قاعدة بتعيطي”
مسحت دموعها بفرحة ظاهرة على تقاسيم وجهها اللطيف الذي أصبح واضحاً عليه آثار البكاء.
“بجد يا مها؟ يقصد كده؟ خايفة أتأمل على الفاضي”
وفي هذه اللحظة، اتصل أمجد بهاتف مها وطلب منها إرسال ملاك لجلب الملفات من مكتب أدهم.
أغلقت مها والتفتت إلى ملاك:
“قومي بسرعة اغسلي وشك وزبطي نفسك عشان هتروحي تجيبي الملفات من عند مستر أدهم. يلا بلاش يشوفك وإنتي خدودك ومناخيرك حمرا. مع إنك حلوة كده”
ذهبت ملاك للحمام وهندمت مظهرها. ولكنها لم تستطع أن تخفي الحمرة من على خدودها وأنفها الصغير.
وبعد عدة دقائق، كانت تطرق على باب مكتبه. فدلفت بعد أن سمعت صوته الغليظ يأذن لها بالدخول.
توجهت ملاك نحو مكتبه بتوتر كان واضحاً عليها.
تأملها أدهم. فأثار البكاء لا تزال واضحة على أنفها الصغير. فلا يزال أحمر.
وقف أدهم. اتجه نحوها. توقف أمامها حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى مسافة صغيرة.
“تعالي نقعد هنا. عايز أتكلم معاكي شوية”
وضع يده خلف ظهرها وهو يدفعها للأمام بلطف للجلوس على الكنبة الجلدية الجانبية.
نفضت ملاك يده من على ظهرها. واصطبغ وجهها الصغير بالحمرة من فرط خجلها.
ابتسم أدهم على خجلها. فهو لم يرى الخجل في حياته. فكل النساء يتعاملن معه بمنتهى الوقاحة وقلة الحياء.
جلست ملاك مرتبكة من قرب أدهم لها. فهي لم تقترب من أي رجل في حياتها.
“ها بقى حابة تشربي إيه؟”
قالت بخفوت:
“مرسي”
تجاهل إجابتها واتجه إلى الثلاجة الصغيرة الموجودة في أحد أركان المكتب وجذب زجاجتان من العصير.
ثم عاد ليجلس بجوارها.
“تحبي برتقال ولا كوكتيل؟”
“برتقال”
فتحها وأعطاها لها. ثم عاد ليبدل عصير الكوكتيل بالبرتقال. فهو سيشرب مما ستشرب منه هي.
“اشربي العصير عشان نتكلم”
ارتشفت بضع قطرات من العصير. ثم نظرت. ووجدته مدققاً بها كأنه يحفظ تفاصيل وجهها. ازداد توترها. وأخذت تقضم شفتيها بحركة غير مقصودة. غير مبالية بالنار التي اندلعت بداخل الجالس بجانبها.
شرب أدهم العصير دفعة واحدة. علّها تبرد النار التي أشعلتها تلك الصغيرة بدون قصد.
“ملاك، إنتي في حد في حياتك؟”
ارتجف قلب ملاك أثر جملته. وأخذت تعض شفتيها بقوة حتى لا يظهر ارتجافها. كان يود أن يمد يده ليحرر شفتيها من بين أسنانها.
أخذت أنفاسه تعلو وتهبط من فعلتها. وقال لها بخبث لم تفهمه:
“لو هتفضلي تعضي في شفايفك كده، أنا مش ضامن نفسي. مش هقدر أمسك أعصابي”
نظرت له ببلاهة وقالت بخفوت:
“تمسك أعصابك من إيه؟ مش فاهمة. هو أنا ضايقتك في حاجة من غير ما أقصد؟”
“ما هي المشكلة إنك مش قاصدة”
هبت ملاك واقفة من فرط توترها.
“أنا لازم آخد الملفات وأمشي”
أمسك أدهم ذراعها بلطف.
“تمشي تروحي فين؟ أنا لسه مخلصتش كلامي”
نفضت يده عن ذراعها.
“طيب ممكن تقول بسرعة عشان عايزة أمشي”
وقبل أن يتحدث، طرقت الباب السكرتيرة سالي. فابتعدت ملاك عن أدهم بمسافة لا بأس بها. ثم أذن لها أدهم بالدخول.
“مستر أدهم، ممكن حضرتك تمضيلي الملف ده”
” هاتيه. همضيه بعدين. دلوقتي مش فاضي. عندي شغل ضروري”
وضعت سالي الملف. ورمقت ملاك نظرات متفحصة. وخرجت.
“ممكن تقولي حضرتك عايز مني إيه؟”
أغمض أدهم عينيه باستمتاع لصوتها العذب. لو يبقى هكذا يستمع لصوتها الرقيق.
“خلاص. هبقى أقول لك بعدين. خدي الملفات دي لأمجد. وقولي له شكراً”
وصلت ملاك لمكتب مستر أمجد. وأعطته الملفات. وأبلغته برسالة أدهم.
ثم خرجت لتقص على مها ما حدث معها مساءً.
في بيت ملاك بعد تناول العشاء. تحدث جدها بهدوء. والابتسامة لا تفارق وجهه. عقدت ملاك حاجبيها. فهناك شيء غريب يحدث. هي لا تعلمه. حتى تحدث جدها قائلاً:
“النهاردة اتقدملك عريس”
قفز قلب ملاك من الفكرة.
“أنا يا جدو؟ عايزة أكمل تعليمي. وبعدين أنا لسه صغيرة. ولا إنت عايز تخلص مني وخلاص؟”
“إيه يا بنتي الكلام ده؟ أنا أحطك في عيني لغاية آخر يوم في عمري. وبعدين إنتي مش عايزة تعرفي مين العريس؟”
قالت الحاجة فوزية:
“الأستاذ عماد جارنا،، ها إيه رأيك نقول مبروك؟”
“استني يا حجة. خلينا نسمع ردها”
“أنا هفكر وأرد عليكم. تصبحوا على خير”
اتجهت إلى غرفتها وأحكمت قفل الباب. ودفنت وجهها في الوسادة حتى تُسمع شهقاتها.
“أنا ماكنش لازم أتأمل. أنا اللي زيي ما ينفعش تتجوز إلا اللي زي عماد. يارتني ما رحت على الشركة ولا شفتك”
مسحت دموعها.
“أنا بكرة هروح لآخر مرة. أصلاً فاضل كام يوم على الجامعة وخلاص. أنا هوافق على عماد. اهو أفضل جنب جدو وتيتة. ولازم أنسى إني شفت أدهم”
هذا ما أقنعت به نفسها قبل أن تغط في نوم عميق في محاولة منها لعدم التفكير.
رواية عشق الملاك الفصل السادس 6 - بقلم علياء بطرس
صباحاً في الشركة.
دلفت ملاك بحالتها الباهتة، عيناها متورمتان، حتى أنها لم تنتقي ملابسها بعناية كالعادة.
"صباح الخير يا مها."
"صباح القشطة، مال وشك عامل كده؟ وبعدين اتأخرتي ليه؟"
"آه... اصلي منمتش كويس امبارح. وبعدين أنا جيت عشان أسلم عليكي، خلاص هرجع الجامعة. وجيت عشان أشكر مستر أمجد، هو في مكتبه."
"أيوه في مكتبه."
طَرقت ملاك باباً ودلفت بعد أن أذن لها أمجد بالدخول.
"صباح الخير يا مستر أمجد، أنا جيت النهاردة عشان أشكرك، أنا خلاص هرجع الجامعة."
"ترجعي الجامعة؟ بس انتي مكملتيش شهرين."
"آه عارفة، فاضل كام يوم بس خلاص. يدوب الحق أجهز نفسي للترم التاني. فشكراً على كل حاجة، أنا اتعلمت حاجات كتير معاك، أشوف وشك بخير. عن إذنك."
"ملاك، خدي دي ورقة تثبت إنك اتدربتي عندنا وكنتي طالبة ممتازة، هتفيدك. بس خلي مستر أدهم يمضيها."
"لأ... أقصد يعني ملوش لزوم، أنا لسا قدامي كتير، لو احتاجتها هبقى أجي لحضرتك تكتبهالي. عن إذن حضرتك."
خرجت ملاك ودعت مها بالدموع.
"أنا هبقى أكلمك، خدي بالك من نفسك ومن عيالك. باي."
وقفت ملاك قبالة الأسانسير قبل أن تضغط عليه، وهي تلتفت إلى باب مكتبه، تود أن تراه، تود أن تشم رائحته وتحتضنه ولو لمرة واحدة في حياتها. تود قول الكثير له، لكن لا، لن تفعل، فهي من عالم وهو من عالم، فقريباً ستصبح ملكاً لغيره. تمنت لو أنه لا يوجد فروق بينهم، تمنت أشياء كثيرة، ولكن أمنياتها مستحيلة. تنهدت بألم ومسحت دموعها وخرجت من الشركة. وقبل أن تصعد للتاكسي، نظرت لنافذة مكتبه، لعلها تراه لآخر مرة. ركبت التاكسي مودعة حبها الذي مات قبل أن يولد.
وصلت ملاك لمنزلها، لا تدري كيف ومتى وصلت، فهي لم تحتضن جدتها كعادتها. دخلت لغرفتها وقفلت الباب على نفسها وارتمت على سريرها تحاول أن تتخيل حياتها القادمة.
***
عودة إلى الشركة.
كان أدهم يراقب أجهزة المراقبة، فهو لم يرها. دلفت إلى الشركة في موعدها. فاتصل بمساعده شريف.
"ملاك فين دلوقتي؟"
"طلعت على الشركة وخرجت منها بعد شوية وراحت البيت وما خرجتش، بس..."
"بس إيه؟ انطق."
"شكلها يا فندم مكنش طبيعي، كأنها معيطة أو في حاجة مزعلاها، لأنها كانت ماشية زي التايهة."
أغلق أدهم الهاتف واتصل بأمجد وقال بعصبية وصوت عالٍ:
"ثواني وألاقيك واقف قدامي."
أخذ يرزع غرفة المكتب ذهاباً وإياباً، وابيضت مفاصل يده من كثرة الضغط عليها، وكادت أن تتهشم أسنانه من كثرة الضغط. وإذا بأمجد يقتحم المكتب بسرعة.
"إيه يا أدهم؟ في إيه؟ خضتني."
"هو سؤال، إيه اللي بيحصل مع ملاك؟ كانت هنا وقعدت شوية وبعد كده خرجت وشكلها كان معيطة، عاوز أعرف إيه اللي حصل."
"محصلش حاجة، هي جت النهاردة عشان تشكرني وخرجت لأنه خلصوا الشهرين بتوعها. وأنا تحججت بورقة إنها تدربت عندنا وقلتلها تمضيها من عندك. بس هي اتوترت ورفضت وخرجت، بس ده اللي حصل. بس ملاك حساسة شوية، تلاقيها عيطت وهي بتسلم على مها."
تنهد أدهم ولكنه لم يهدأ.
"أنا في مكتبي، لو احتجتني كلمني."
***
وفي الخارج، نجد سالي تضغط على أحد الأرقام وتقول بخفوت:
"أيوه يا داليا هانم."
ثم أتاها الرد في الهاتف.
"عاوزة أقولك حاجة، مستر أدهم متعصب على الآخر وصوته عالي، بس الموضوع مش موضوع شغل."
"هعرف وأقولك."
وبعد عدة أيام، يكاد أدهم يجن فيها، فهو لم يرها منذ أيام، فقط يستمع لصوتها عندما يتصل عليها دون أن تتكلم. فكان واضح على صوتها التعب.
***
في منزل ملاك.
قبل أن تذهب لجامعتها، كانت ترتدي.
وقبل أن تخرج، انتبهت لجدها الذي ينادي عليها.
عقدت حاجبيها وسألت بقلق:
"جدو، إنت ليه مش في شغلك؟ تعبان؟ أجيبلك دكتور؟"
"لأ يا بنتي، أنا النهاردة إجازة. مش عاوز أعطلك. فاول يوم ليكي بس حابب أعرف رأيك في موضوع أستاذ عماد."
تنهدت ملاك بحزن فور تذكرها لما هي مقبلة عليه.
"لما آجي يا جدو هبقى أقولك قراري النهائي، أنا لازم أمشي دلوقتي."
قبلت رأس جدها وخرجت.
وصلت جامعتها، وإذا بها تجد اسمها على لوحة الشرف، فهي أصبحت الأولى على دفعتها، ولكنها لم تفرح ككل سنة، وكأنه انتزع الفرح من قلبها. دخلت ملاك إلى محاضرتها، وبعد انتهائها وهي في طريقها، اعترض طريقها جاسر. حاولت تفاديه، ولكنه عرقل طريقها.
"إزيك يا عسل." قالها بابتسامة سمجة.
"نعم، عاوز إيه؟ إنت ما بتزهقش؟"
"لأ ما بزهقش منك، بس قبل ما تمشي عاوز أوريكي حاجة، يمكن تغير رأيك."
ثم أخرج هاتفه وضغط عليه، وإذا بصور مع ملاك بأوضاع مخلة. شهقت ملاك وامتلأت عيناها بالدموع.
"يا سافل يا قليل الأدب."
"بلاش تتهوري، لو نفذتي اللي أقول عليه محدش هيعرف بحاجة. أما بقى لو نشفتي دماغك الحلوة دي، هتلاقي الصور دي مغرقة الجامعة، ومش بس كده لأ... هبعتهم على الحتة المعفنة اللي ساكنة فيها عشان أهلك يتفضحوا في الحتة كلها ويشوفوا البنت المؤدبة الشريفة بتعمل إيه، وهبعتهم على الشركة اللي جدك بيشتغل فيها."
"عاوز إيه؟" قالتها بصوت مهزوز.
مد لها ورقة مكتوب بها عنوان.
"النهاردة في العنوان ده، دخلتك يا حلوة، بس أنا جدع وهجوزك عرفي. هستناكي على الساعة 6 بالدقيقة. سلام يا مدام جاسر مقدماً."
ذهب وهو يقهقه بقوة، غير مبالٍ بالتي انهارت على الكرسي المجاور لها. ماذا ستفعل في هذه المصيبة التي حلت على رأسها؟ فلا يمكنها فعل ذلك، ولا يمكنها إخبار جدها بأي شيء، وأيضاً لا تستطيع تحمل هذه الفضيحة الشنيعة. وضعت يديها على فمها لتكتم شهقاتها التي تعالت. أخذت تفكر بمن ستستعين. وبعد وقت من التفكير، أخذت هاتفها وضغطت عليه بيدين مرتجفتين.
"أيوه يا مها، أنا في مصيبة، الحقيني، مش عارفة أعمل إيه."
"اهدي، في إيه؟ إنتي فين؟"
"أنا في الجامعة، عاوزة أقابلك ضروري."
"خلاص، كمان نص ساعة بريك الغدا، هقابلك في الكافيه اللي جنب الشركة."
"خلاص، أنا هستناكي هناك."
وبعد ساعة.
"هو ده اللي حصل بالضبط." هذا ما قالته ملاك بعد أن قصت ما حدث لمها.
"بصي، إنتي بلغي الشرطة."
"يا نهار أسود! هو إنتي عاوزاني أتفضح؟ يا مها، ده واحد ملوش كبير مسنود على أبوه، وأنا مش قده، ده ممكن ينفذ تهديده."
ثم أخذت تنحب بشدة.
حاولت مها أن تهدئها.
"بصي... مفيش حل إلا إنك تقولي لجدك وهو يبلغ الشرطة. هو ده أنسب حل."
قاطع حديثها اتصال أمجد.
هبت مها واقفة.
"معلش يا ملاك، مستر أمجد بيتصل ولازم أرجع على الشغل. اعملي اللي قلت عليه، هو ده أنسب حل."
ذهبت مها وتركت ملاك تنحب بشدة.
بعد عدة دقائق، كانت مها تقف أمام مكتب أدهم مترددة بإخباره بما حدث، إلى أن حسمت أمرها بإخباره، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يحل هذه المشكلة. دخلت سالي تخبر أدهم بوجود مها.
عقد أدهم حاجبيه مستغرباً من وجودها، فطلب من سالي إدخالها.
"لو هتفضلي ساكتة، اتفضلي على مكتبك، أنا عندي شغل."
هذا الذي قاله أدهم ليخرج مها من صمتها الذي طال دون أن تتحدث.
ثم قالت بدون مقدمات:
"مستر أدهم، إنت بتحب ملاك؟"
وقف أدهم وأولاها ظهره حتى لا ترى تعابير وجهه بعد هذا السؤال.
"إنتي جاية تعطليني عشان تهزري؟"
"أنا مش جاية أهزر، ملاك في مصيبة محدش هيحلها غير حضرتك، بس لو..."
لم يتركها أدهم لتكمل قبل أن يجهر بها.
"انطقي، ملاك مالها؟ مصيبة إيه؟"
"هقولك على كل حاجة." هذا ما قالته مها قبل أن تبدأ أن تقص عليه ما حدثته به ملاك بدون إنقاص.
"بس في حاجة كمان حصلت معاها، إنت لازم تعرفها." أكملت مها بعد نظرات أدهم الغاضبة.
"في عريس متقدم لملاك، وهي المفروض تقول رأيها، بس هي قالتلي إنها هتوافق."
ثم أردفت وهي خائفة من شكل أدهم الغاضب، فكان حقاً مرعب.
"وفي كمان حاجة لازم تكون عارفها."
ضغط أدهم على أسنانه محاولاً تمالك نفسه من ألا يقوم بتكسير عظام هذه الواقفة أمامه.
"اخلصي، قولي كل اللي عندك مرة واحدة."
تنحنحت بخفوت قبل أن تفجر هذه القنبلة.
"ملاك بتحبك حضرتك."
شبح ابتسامة لاحت لشفتيه من هذا الخبر، لكن سرعان ما اختفى فور تذكره لمصيبتها.
"خلاص، روحي إنتي، وأنا هتصرف."
خرجت مها متجهة لمكتبها بعد أن تنفست الصعداء، فأدهم سيحل الموضوع للأبد.
أمسك أدهم هاتفه وضغط على اتصال أحدهم.
"جاسر الحداد، عاوز أعرف هو فين دلوقتي، معاك نص ساعة تكون عارف. وملاك متغيبش عن عينك، لو راحت مكان غير طريق بيتهم، تفضل وارها خطوة بخطوة من غير ما تحس بيك. لو هتغيب عن عينك، همحيك عن وش الدنيا، إنت واللي معاك، إنت فاهم."
أغلق الهاتف ثم ألقاه على الحائط، فأصبح قطعاً. أخذ صدره يعلو ويهبط من فرط غضبه. يزداد غضبه فور تخيله أن هذا الحقير سيؤذيها. شد خصلات شعره بقوة. وما هي إلا دقائق باتصال رجاله تفيد بدخول ملاك طريق غير طريق منزلها.
"ابعتلي العنوان، وأنا جاي حالاً، متغبش عن عينك."
تناول سلاحه من الدرج وأخذ متعلقاته وهب مسرعاً. وفور خروجه من المصعد، أخذ يركض، مما زاد حيرة الموظفين من مظهره، فكان شعره مشعثاً وبدلته غير مهندمة. أهذا أدهم الذي يعد مقياساً لأناقة الرجال ويركض كالمجنون؟ فدائماً كان يمشي بهدوء مخيف. صعد مكان السائق في سيارته الفارهة، مما زاد حيرة الحرس. كان يطوي الأرض تحته من شدة السرعة. عدة حوادث تفاداها باعجوبة، يريد أن يلتحق بها قبل أن تقع تحت يدي هذا الحقير.
***
عند ملاك.
كانت تقف أمام باب الشقة التي وصفها جاسر، لا تدري كيف وصلت لهنا، ففي هذه الشقة ستكتب نهايتها. ارتجفت يدها قبل أن تضرب الجرس. ثانية، ثلاثة، خمس ثوانٍ. كان جاسر يفتح الباب وينظر إليها بواقحة. ونظر لساعة يده.
"معادك مظبوط يا قلبي، خش برجلك اليمين يا عروسة."
وقفت ملاك تنظر للشقة وإلى زجاجات الخمر. تقاوم رغبتها بالصراخ، فكانت تنحب بصمت. فاقت على أنفاس ساخنة تلفح رقبتها الرقيقة. انتفضت وتراجعت للخلف. لسوء حظها، لم يكن خلفها سوى الكنبة لتقع عليها. هجم عليها جاسر وحاول أن يقبلها. أخذت ملاك تهز رأسها لابعاد شفتيه المقززة عنها، وركلته بقدميها وحبالها الصوتية قاربت أن تنقطع من كثرة الصراخ.
وصل أدهم ورجاله للبناية التي توجد بها شقة جاسر. صعد للأعلى مستخدماً السلم وليس المصعد، حتى يسمع أي صوت يدل على وجودها، كالصراخ أو البكاء. وقبل أن يصل للطابق الرابع، وصل لسماعه صوت صراخ مكتوم. اقترب من باب الشقة، فعرف أن الصوت خارجاً منها. ركله مرة واحدة ففتح على مصرعيه، فوقع تحت أنظاره ملاك التي يعتليها هذا الحقير وقد مزق جزء من ملابسها العلوية. أشار لرجاله بالوقوف حتى لا يشاهدوا مظهرها المزري. هجم عليه أدهم وأخذ يسدد له اللكمات حتى أرداه أرضاً وهو ينزف من جميع أنحاء وجهه. وجه إشارة لرجاله بأخذه. ثم انخفض للتي كانت منطوية في الزاوية تضم قدميها لصدرها الذي ظهر جزء منه بسبب تمزيق ملابسها. تنحب بشدة وجسدها النحيل يرتجف. كان صوت بكائها يقطع نياط القلب. ضمها لصدره مشدداً التفاف يديه حول جسدها الصغير وأخذ يربت على ظهرها ويمسد على شعرها الحريري محاولاً تهدئتها.
"شششش، خلاص، محصلش حاجة. أنا هنا، مش هيقدر يعملك حاجة، خلاص بقى بلاش عياط."
ظل يربت على ظهرها حتى هدأت. وضع إصبعه تحت ذقنها مجبراً إياها النظر إليه. وما إن وقعت عيناها في عينيه حتى اخفضت بصرها خجلاً منه، فهي في موقف محرج جداً. تململت بين يديه حتى يتركها. وقع بصر أدهم على صدرها الأبيض الشفاف الذي ظهر بسخاء من بلوزتها الممزقة. بلع ريقه بصعوبة محاولاً أن يتمالك نفسه. وقف ثم أوقفها. لاحظ أنها تضع يدها على صدرها محاولة لملمة ملابسها الممزقة مخفضة بصرها خجلاً. خلع أدهم جاكيت بدلته ولبسه لها. ضحك أدهم بشدة على مظهرها، فبدت وكأنها غارقة بها. استمر بالضحك على مظهرها الظريف بالنسبة له. حدقت ملاك بضحكته، فهذه أول مرة تراه يضحك، فكل مرة كانت تراه كانت ملامح وجهه حادة. تباً، لقد زاد وسامة على وسامته. فيجب عليه ألا يضحك أمام أحد. أفاقت من تفكيرها عليه وهو يغلق أزرار بدلته عليها قائلاً بمشاكسة لتخفيف إحراجها مشيراً إلى حجم بدلته عليها:
"مكنتش عارف إنك صغيرة كده."
جعدت وجهها بطريقة ظريفة محببة.
"أنا مش صغيرة، إنت اللي ضخم زيادة."
أمسك يدها وسار بها للباب. وقبل أن يخرج.
"اللي حصل هنا هيفضل هنا، محدش هيعرف حاجة."
نزل بها لأسفل تحت نظرات الحرس. اختبأت ملاك بظهره محاولة التواري عن أنظارهم. ابتسم أدهم على خجلها. أدخلها السيارة بالمقعد الأمامي وجلس خلف عجلة القيادة، فهو لا يريد أن يحرجها بوجود السائق.
تحنحت ملاك بخفوت لجلب انتباهه.
"هو إنت عملت فيه إيه؟"
فهم أدهم أنها تسأل عن جاسر بسبب الصور. أجابها مطمئناً:
"متخافيش، أنا هاخد منه الصور وهحرقها و..."
قاطعته ملاك قائلة:
"بس ما تبصش عليهم."
عقد حاجبيه مدعياً عدم الفهم.
"ما أبصش ليه؟ مش فاهم."
أجابته ملاك بتعلثم.
"عشان... عشان... عشان..."
قاطعها أدهم.
"عشان إيه؟ قولي متتكسفيش."
قالت ملاك بخفوت وهي تعض شفتاها.
"عشان الصور قليلة الأدب."
هز رأسه أدهم مدعياً التفهم وأكمل طريقه.
"أدهم."
اندلعت نار بداخله فور تذكره لندائها له، فهذا الحلم الجميل. فقرر ألا يرد حتى يستمتع باسمه من بين هاتين الشفتين.
"أدهم، إنت سامعني؟"
همهم أدهم بخفوت.
أكملت ملاك.
"هو إحنا رايحين فين؟"
"هنروح الفندق نغيري لبسك ده وتظبطي شكلك وتاكلي أي حاجة، ولا عاوزة ترجعي البيت كده؟"
اخفضت ملاك بصرها خجلاً، فكانت على حافة الهاوية.
لاحظ أدهم ذلك فقال مخففاً عنها.
"اللي حصل حصل خلاص، بس بعد كده لو أي حاجة حصلت تيجي تقوليلي، يعني لو مها ما جتش وقالتلي، كان الله أعلم إيه اللي حصل."
وصل أدهم للفندق، أوقف سيارته المتبوعة بسيارات الحرس ودخل بها من مدخل الطوارئ حتى لا يراها أحد بصحبته، فهي أصبحت من ممتلكاته الشخصية، لا يجب أن ينظر إليها أحد، فهي فاتنة جداً. كل من يراها يعجب بجمالها. متذكراً كم الرجال الذي عرف بإعجابهم بها. وصل إلى الجناح المخصص له. توقف عندما أحس أن ملاك سحبت يدها من يده.
"إحنا جينا هنا ومدخلناش على الريسبشن، كده ممكن مدير الفندق يبلغ عننا."
ابتسم أدهم على سذاجة صغيرته. اقترب منها قائلاً بصوت غليظ هامس ثار القشعريرة داخل جسد هذه المسكينة.
"اللي واقف قدامك هو صاحب الفندق، ما تخافيش."
شهقت ملاك.
"بجد ده بتاعك؟"
أومأ لها أدهم بالإيجاب. ثم تقدم ليفتح الباب الخاص بجناحه. فغرّت ملاك فمها واتسعت حدقة عيناها من جمال المنظر الذي رأته.
تنهدت ملاك على صوته الذي أخرجها من بلاهتها.
"عجبك؟"
"بجد تحفة، يجنن."
"ادخلي جوا، هتلاقي طقم على السرير، خدي شاور وأنا هستناكي برا، خلصي بسرعة."
أومأت له ملاك إيجاباً، ثم دخلت. وجدت على السرير.
وبعد قرابة النصف ساعة، كانت تخرج من باب الجناح. وجدت أدهم قد بدل ملابسه إلى أخرى كاجوال.
أمسك يدها وسار بها باتجاه المصعد. حاولت سحب يدها الصغيرة من يده الغليظة، لكنها فشلت. توقف المصعد قبالة مدخل المطعم الخاص بالفندق، ولكنه كان خالياً جداً من الناس. كانت تود أن تسأله، ولكنها فضلت السكوت. توقف عند طاولة تتوسط المطعم. سحب لها الكرسي كي تجلس، ثم جلس قبالتها.
"تحبي تاكلي إيه؟"
أجابته بخفوت.
"أي حاجة، مش مهم، أنا أصلاً مش جعانة أوي."
"خلاص، هطلبلك بيتزا. بتحبيها بإيه؟"
"بالسجق." قالتها بخجل.
ابتسم لطفولتها. ثم قال للنادل.
"هات بيتزا بالسجق وعصير برتقال فريش، وأنا الأكل بتاعي."
نظرت له ملاك بعدم فهم، ثم سألت.
"هو إنت مش هتاكل بيتزا؟ وبعدين يعني إيه الأكل بتاعي؟"
"أنا ما باكلش الأكل ده، أنا أكلي أغلبُه ني وسلطة."
هزت رأسها بتفهم. ثم أخذت حقيبتها تبحث عن هاتفها.
قاطعها أدهم.
"بتدوري على إيه؟"
"على تليفوني، عاوزة أكلم جدو دلوقتي، قلقان عليا، عاوزة أطمنه."
"متخافيش، أمجد كلمه."
جحظت عيناها خوفاً من أن يكون أدهم أخبر أمجد بشيء، الذي بدوره سيخبر جدها.
انتبه أدهم لحالها ثم أكمل مفهماً.
"متخافيش، محدش عرف بحاجة، أنا قلت لأمجد يتصل بجدك ويقوله إنه عنده شغل كتير النهاردة وعاوزك تساعدي مها وهتتأخري شوية، وهو هيوصلك."
خطرت فبال أدهم فكرة من أفكاره الشيطانية. أخرج هاتفه وكأنه يتصفح به، وضغط على زر الاتصال بها. ثوانٍ وصدحت نغمة هاتف قديم في المكان. سحبت ملاك هاتفها من الحقيبة ونظرت للرقم، ولكنها كتمته ووضعته جانباً.
"ليه مش عاوزة تردي؟"
"ده رقم بيتصل بيا، وبفتح خط، محدش بيرد. معرفش مين."
أخذ منها الهاتف.
"هاتي، أشوف، أنا هتصل بيه وأعرف لمين."
اتصل من هاتفها الصغير مثلها على هاتفه. نظرت ملاك ببلاهة لهاتفه الذي يرن، وفهمت عندما شاهدت ابتسامة مرسومة على شفتيه.
سألته بهدوء.
"هو إنت جبت رقمي منين؟"
قبل أن يجيبها كان النادل يضع الطعام على الطاولة.
"خلينا ناكل وبعدين نتكلم."
وبعد تناولهم الطعام سألها أدهم.
"أخبار العريس إيه؟"
اتسعت حدقتا عيناها بشدة.
"هو إنت عرفت منين؟"
أجابها وهو ضاغطاً على فكيه بقوة.
"النهاردة بالليل تقولي لجدك إنك مش عاوزاه، يا أما ورحمة أمي لأقتله وأريح جدك."
هزت رأسها بالإيجاب، فمظهره وهو غاضب لا يحمل مجالاً للنقاش.
"هو إنتي ليه ملكيش صحاب يا ملاك؟"
"لأ، كان ليا صاحبة من وأنا في الابتدائي، بس لما وصلنا ثانوية عامة سافرت هي وعيلتها أوروبا، ومن بعدها معرفش أخبارها إيه."
"طيب وإنتي في الجامعة ليه ملكيش صحاب؟"
"أصل كل البنات اللي تعرفت عليهم في الجامعة أسلوبهم معجبنيش."
"إزاي مش فاهم؟"
أرجعت بيدها خصلات شعرها الحريري خلف أذنها.
"اللي أقصدُه إنه في بنات تلاقيها بتكلم واحد، ولما تتخانق معاه تروح لواحد غيره، ولما تزعل من التاني تروح للتالت، وأنا بحبش ده. أقصد إن البنت تحب شاب والشاب ده يكون بيحبها وفي ثقة بينهم، ده أنا مش ضده. فعشان كده كل اللي قابلتهم من النوع الأولاني، بس أنا دلوقتي صاحبتي مها."
فجأة وبدون مقدمات قال.
"تتجوزيني؟"
شهقت ملاك بصدمة. هل الذي تسمعه صحيح؟ هل أدهم يطلب يدها للزواج؟ ظلت هكذا عدة دقائق حتى هز أدهم يدها بخفة ليفيقها.
"مالك متنحة كده ليه؟ معرفتش ردك؟"
اصطبغ وجه ملاك بالحمرة خجلاً واخفضت رأسها.
ابتسم قائلاً.
"اعتبر إن السكوت علامة الرضا."
ثم أردف قائلاً.
"خلاص، أنا بكرة هكلم جدك."
أجابته بسرعة.
"لأ، أوعى تعمل كده... أقصد يعني، سبني أنا أفتح الموضوع معاه بعدين، مش دلوقتي."
حاول أدهم جاهداً التحكم في أعصابه.
"ليه مش دلوقتي؟"
"عشان... عشان يعني العريس اللي كان متقدملي، مش عاوزة جدو يشك إني رفضته عشانك، بلاش يزعل مني، لإن لغاية دلوقتي مش لاقية سبب الرفض اللي أقدر أقنعه بيه."
"وهتكلميه إمتى عشان أبقى عارف؟"
"مش عارفة، بس أكيد عاوزلي أسبوعين على الأقل عشان يكون نسي الموضوع."
"نعم... أسبوعين؟... هو أسبوع واحد، مش هستنى غيره."
"طيب." أجابته بامتعاض، فهي لا تريد جدها أن يعلم بما حدث بينها وبين أدهم. قد أوصاها كثيراً أن تبتعد عنه، ستصبح بنظره لا تسمع كلامه، وهذا أكثر شيء يغضب جدها.
بعد قليل في سيارة أمجد. كان يتولى القيادة. وفي الخلف يجلس أدهم، وفي جانبه ملاك. وإذا بأدهم يقول لها شيئاً بالهمس لتبتسم.
كان هذا تحت أنظار أمجد المراقب لهم من أول الطريق.
تحنح قائلاً.
"جرى إيه يا أدهم باشا، راعي وجودي طيب، ده أنا سنجل وغلبان ومعنديش حد أوشوشه."
لكزه أدهم في كتفه.
"خليك في حالك، وبعدين إنت رامي ودانك وعنيك معانا ليه؟ أنا غلطان إني استعنت بواحد رزل زيك. سوق وإنت ساكت."
وبعد مدة وصلت لمنزلها. وقبل أن تهم بالنزول، أمسك يدها أدهم وقال بخفوت.
"هكلمك بالليل، خدي بالك من نفسك."
صعدت ملاك لمنزلها. فكانت الساعة قرابة التاسعة والنصف. وجدت جدها وجدتها جالسين على يشاهدون نشرة الأخبار. فقالت بمرح.
"مساء الخير على أحلى جدين في العالم."
ثم قبلت جدها وجدتها. سألها جدها.
"أتأخرتي يا حبيبتي؟ قلقت عليكي."
أجابته ملاك.
"أصل حصل شغل مفاجئ، ومستر أمجد طلب مني إني أساعد مها، وهو هيوصلني بالليل."
انتبهت جدتها لشيء قائلة.
"مش ده الطقم اللي نزلتي بيه الصبح يا ملاك؟"
أجابت ملاك بتعلثم.
"أصل... أصل مها وهي بتصب عصير دلقت عليا وبهدلت هدومي، وكان عندها طقم بالمكتب احتياطي للطوارئ، فلبسته، والوسخ خدته عشان تغسله."
ثم تظاهرت بالنعاس حتى تهرب من أسئلة جدها وجدتها، حتى انتصبت واقفة.
"يلا يا جماعة، تصبحوا على خير، وأه يا تيتة متصحنيش بكرة بدري، معنديش جامعة."
كادت أن تذهب قبل أن يستوقفها جدها متسائلاً.
"معرفتيش ردك على الأستاذ عماد يا ملاك؟"
توترت ملاك من الموضوع، ثم أجابت بهدوء.
"أنا فكرت ومش موافقة، أنا لسا قدامي سنين جامعة، وبعدين أنا مش شايفة إني قد المسؤولية في كل شيء، قسمة ونصيب."
ثم دخلت غرفتها واقفلت الباب. ارتمت على سريرها وابتسامة السعادة مزينة ثغرها الكرزي الصغير. فتحول أسوأ يوم في حياتها لأجمل يوم في حياتها. أبْـدلت ملابسها لبجامة نوم مريحة ودثرت نفسها بالغطاء جيداً، وأمسكت هاتفها تنتظر اتصاله. مرت قرابة الساعة ولم يتصل. وضعت الهاتف جانباً، فيبدو أنه نسيها وخلد للنوم. ولكن تبخرت ظنونها فور أن ارتج الهاتف باتصاله. أجابت بخفوت حتى لا يسمع جديها.
"مساء الخير."
"مساء العسل، ها حصل إيه؟"
"مفيش، بس شوية أسئلة من جدو على شوية من تيتة، وعدى الموضوع."
وبعد مدة من الحديث، غفت ملاك والهاتف بيدها، فوصل له صوت أنفاسها. تمنى لو أنها نائمة على صدره يشتم رائحتها التي أسكرته بدون خمر. أقفل الهاتف ووضعه بجانبه، وغط هو الآخر بنوم عميق.
رواية عشق الملاك الفصل السابع 7 - بقلم علياء بطرس
تلملمت ملاك على صوت هاتفها. التقطته ووضعته على أذنها دون النظر لهوية المتصل، وقالت بصوت ناعس رقيق:
"ألو."
أتاها صوته الغليظ:
"صباح الخير."
هبت ملاك ونظرت لهاتفها فوجدته هو.
"صباح النور."
ضحك أدهم:
"واضح إنك لسه نايمة يا كسولة."
"أصل النهاردة معنديش جامعة فقلت أقضيها نوم. انت بتعمل إيه؟"
"أنا رايح على الشركة. حبيت أسمع صوتك قبل ما أبدأ يومي. هكلمك في بريك الغدا، اوكي؟ مع السلامة."
"أوكي. خد بالك من نفسك."
أغلقت الهاتف وأخذت تقفز على السرير حتى أصبحت تلهث من التعب، والابتسامة تزين وجهها الصغير. وخرجت لتشاكس جدتها قليلاً.
بعد قرابة الساعتين في الشركة، نجد أدهم يدلف لمكتب أمجد.
"إيه ده؟"
ضحك أمجد:
"أيوة اللي جابك. كنت بتتحجج بيها مش هنا."
لم يجبه أدهم وألقى على الطاولة علبة هاتف جديد.
"أيه ده؟"
قال أدهم مستهزئًا:
"أدي علبة صلصة لـ طنط سلوى عشان تعملك مكرونة بيها. انت شايف إيه؟"
قال الأخير بصوت عالٍ:
"أنا شايف موبايل جديد. لمين ده؟"
"ليا."
"لأ مش ليك. ده لملاك."
"الله يسهله. بدأت الهدايا والحاجات الجامدة." اتبع جملته بغمزة مشاكسة.
"وجايبه ليا ليه؟ متدهالها."
عض أدهم شفتيه متمالكًا أعصابه، فابن عمه يجعله يغضب في ثوانٍ.
"أمجد، متستظرفش. انت هتديه لجدها وتقوله إنه هدية منك عشان ملاك أدتك فكرة للمشروع والفكرة عجبت المستثمرين. ولو النهاردة بالليل الموبايل ما كانش معاها، انت المسئول قدامي."
وخرج متجهًا لمكتبه. وجد مساعده شريف ينتظره.
"ها يا شريف، إيه حصل؟"
مد له شريف فلاشة وقال:
"دي الفلاشة اللي عليها صور...."
كاد أن يكمل حتى نظر له أدهم نظرة آخرسته.
"والولد، حصله إيه؟"
"بقى مش قادر يقف على رجليه. مفيش في جسمه حتة سليمة. رميناه على باب مستشفى حكومي. عاوزله شهرين عشان يقدر يرجع زي الأول."
هز أدهم رأسه متفهمًا وأخذ نفسًا من سيجاره الفاخر.
"تمام. في حاجة عاوزها منك. اسمعني كويس. في مدرس اسمه عماد جار الحاج حسن. عاوزك تقابله وتسفره على الكويت وتمسكه أي مدرسة هناك وتجهزله عربية وبيت له ولأمه. عاوزك تزغلل عينيه خلال يومين. مش عاوزه في مصر كلها. انت فاهم؟"
"فاهم يا فندم. تؤمرني بحاجة تانية؟"
"لأ. روح انت وانزل على الحسابات. في شيك بمليون جنيه ليك وللرجالة."
"يدوم عزك يا بيه."
جلس أدهم على كرسيه الوثير يتابع بعض الملفات. وبعده قرابة الأربع ساعات، حرك رقبته التي تشنجت من الجلوس لفترة، فخرج منها صوت طقطقة. انتصب واقفًا، استند بكتفه يتطلع لمدخل شركته وجزء من الكافتيريا المليئة بالموظفين. فهذا وقت الاستراحة.
أمسك هاتفه للاتصال بها. وبعد عدة ثوانٍ أتاه صوتها الرقيق.
"مساء الخير."
"مساء النور. عامل إيه؟"
"تمام...."
قاطعه دخول أمجد المفاجئ.
"لعڼ أدهم تحت لسانه من أسلوب ابن عمه وأشار له بمعنى اتحدث معها."
أماء له أمجد مشاكسًا وقال بصوت عالٍ متعمدًا حتى تسمعه ملاك:
"أدهم بيكلم مين؟ أكيد داليا."
ضغط أدهم على كاتم الصوت وقال:
"انت اتجننت؟ إيه اللي بتقوله ده؟ داليا مين وقرف مين؟"
"أصل حبيت أحط التاتش بتاعي. الملف اللي طلبته على المكتب. سلام يا روميو."
أعاد وأمسك بهاتفه.
"كنا بنقول إيه قبل ما يدخل الثور ده؟"
ضحكت ملاك.
"حرام عليك والله. مستر أمجد ده عسل أوي."
"جن جنونه."
"نعم، مين ده اللي عسل؟"
انتبهت ملاك لما قالته.
"اقصد يعني...."
قاطعها هاتفًا:
"اقصدك ولا مش قصدك؟ مسمعكيش بتجيبي سيرة راجل تاني. لو اتكررت مرة تانية، هيحصل كويس."
رفرفت ملاك برموشها محاولة ألا تنزل دموعها، فهي لم تتوقع أن تكون ردة فعله هكذا. ثم قالت بصوت خافت واضح عليه التوتر:
"أنا مضطرة إني أقفل. تيتة بتنده عليا. مع السلامة."
أغلقت الهاتف وانخرطت في نوبة بكاء مريرة. فهو أساء فهمها، فهي لا يمكن أن ترى رجلًا غيره.
ألقى أدهم هاتفه على المكتب. لعن غضبه. هو يعلم أنها لم تقصد، ولكنه لم يتحمل ذكرها لاسم رجل آخر حتى لو كان ابن عمه أمجد.
في أحد النوادي الرياضية المخصصة لأصحاب الطبقة المخملية، نجد داليا تركض على جهاز الركض، واضعة السماعات في أذنيها تستمع لبعض الأغاني الأجنبية. نزلت عن الجهاز ونشفت حبات العرق المتناثرة على جبهتها وعنقها المرمري. ثم اتجهت للحديقة لتجلس مع صديقاتها. وصل لسماعها حديث إحداهن التي تعمدت أن ترفع صوتها لتسمع داليا.
"بقولوا شافوه امبارح داخل المطعم بتاع الفندق بتاعه اللي على النيل وكان ماسك في إيده بنت صغيرة. وايه، زي القمر."
تجاهلت داليا حديثها وجلست قائلة بضيق واضح فشلت في إخفائه:
"إيه يا بنات، بتتكلموا في إيه؟"
قالت صديقتها شاهي بطريقة مستهزئة:
"ما أظنش إن الموضوع هيعجبك لو عرفتي كنا بنتكلم في إيه. هتزعلي. والزعل وحش عشانك."
ابتسمت داليا بتصنع:
"حتى لو هيزعلني، أحب أعرف صحابي بيتكلموا في إيه. ولما شافوني جاية، غيروا الموضوع." قالتها وهي تنظر لصديقتها سها.
فقالت الأخيرة:
"أنا هقولك. أصل الشغالة بتاعتنا ابنها بيشتغل جرسون في مطعم الفندق بتاع أدهم اللي على النيل. قال إنه امبارح كان جايب معاه واحدة زي القمر وصغيرة، متجيش 20 سنة. لأ، وايه، طلعها على الجناح بتاعه اللي ممنوع أي حد يدخله. وفضل واقف لها على الباب كأنه بيحرصها. وحجز المطعم كله عشان يفضلوا براحتهم. ها، عرفتي بتتكلمي في إيه؟ بس ضروري أعرف رأيك في الكلام ده."
ضغطت داليا على أسنانها حتى لا تقوم وتمزق شعر المسماة سها، وبالكاد تمالكت نفسها.
"هي دي أول مرة أدهم يصاحب واحدة عاوز يتسلى بيها يومين ويرميها بعدين. انتي قولتي خدها على الأوتيل يعني عشان إيه؟ أكيد خد اللي هو عاوزه. وبعدين أدهم، في كل مرة بيحب يكون لوحده. في كل مكان بروحه بيحجز المكان كله."
قالت صديقتها سها:
"طالما واخدها تسلية، ليه ما خدهاش على شقة الزمالك؟ وبعدين ليه يعني ياخدها على المطعم بتاعه قدام كل الموظفين؟ أكيد الموضوع فيه إن."
صرخت بها داليا:
"مفيش واحدة تليق إنها تكون مرات أدهم السيوفي غيري. وبعدين الأيام بينا وهنشوف. وصدقوني قريب أوي هبعتلكم دعوة فرحنا."
ثم هبت واقفة لتختفي عن نظرات المسميات صديقاتها. وما أن ذهبت، انفجرن صديقاتها بالضحك. فهن يعرفن أنها تكذب، ولكن مهلاً لينتظرن ويشاهدن اعترافها بفشلها الذريع.
كانت داليا تقود سيارتها بسرعة كبيرة. ثم اصطفت بسيارتها الفارهة جانبًا وأمسكت هاتفها لتحدث جاسوستها سالي.
"وأنا بديكي فلوس قد كده عشان أفضل نايمة على وداني؟ ده أنا هوديكي فستين داهية."
"ليه يا داليا هانم؟ أنا كل حاجة بعرفها بقولهالك على طول سواء كانت تافه أو مهمة. مفيش حاجة حصلت وأنا ما بلغتش حضرتك بيها و...."
قاطعتها داليا بصراخ حاد:
"لما أدهم يكون مصاحب واحدة وأنا معرفش يبقى انتي مش عارفة تشوفي شغلك كويس."
"لو مصاحب واحدة من الشركة، أنا أول واحدة هعرف. لو من برا الشركة هعرف منين؟ ما أعتقدش إنها من الشركة لأنه مانع الموظفين إنهم يطلعوا للدور ده."
"لأ لأ. مش من الشركة. لآني عرفت إنها لسه صغيرة مش مخلصة جامعة. لو عرفتي أو سمعتي أي حاجة، بلغيني فورًا."
جذبت داليا خصلات شعرها الأشقر القصيرة بعنف.
"مش هسيب واحدة تانية تاخدك مني يا أدهم. لو وصلت إني أخلص عليها، هخلص عليها. بس انت وفلوسك ليا. لازم أفكر بسرعة وألاقي حل قبل ما تيجي واحدة غيري وتاخده على الجاهز."
هذا ما حدث به نفسها قبل أن تنطلق بسيارتها إلى منزلها.
عند أدهم، كان ممسكًا بهاتفه مترددًا، يود أن يتصل بها ويعتذر عن أسلوبه الفظ معها، ولكن كبرياءه منعه. وأمنى نفسه أنه سيحدثها ليلاً ليسألها عن رأيها في الهاتف. ابتسم.
مساء في بيت ملاك. كانت تجلس على مكتبها الصغير تتابع دراستها، فهي لم تكن يومًا مقصرة في ذلك. وصل إلى سمعها صوت جدها وهبت ذاهبة إليها. احتضنته وقبلت رأسه.
"مساء الجمال على أحلى أبو علي."
ابتسم لها جده.
"مساء العسل. عندي ليكي هدية هتعجبك أوي."
عقدت ملاك حاجبيها.
"هدية إيه؟" وأخذت تنظر إلى جوانب جدها فلم تجد شيئًا.
ضحك جدها عليها.
"هتلاقيها على طاولة السفرة."
أسرعت ملاك لهناك، وإذا بها تجد هاتفًا من أحدث طراز. عادت لجدها وهي فاغرة فمها وجاحظة عيناه.
"ده ليا يا جدو؟ بس ده غالي أوي. جبت ثمنه منين؟"
"ده مش مني. ده من مستر أمجد هدية ليكي عشان اديتك فكرة للمشروع وعجبت المستثمرين."
قفزت ملاك بفرح وهي محتضنة علبة الهاتف.
"أنا هروح أشغله وأحط الخط بتاعي فيه."
ثم ذهبت مسرعة لغرفتها، ولكنها عندما فتحته ازدادت دهشتها من جماله. دمعت عيناها بفرح. وما أن فتحته حتى وجدت صورة لها خلفية للهاتف وهي تبتسم. تذكرت هذه الصورة، فهذه في مكتب أمجد. شغلت الهاتف وكانت تعبث به حتى جاءتها رسالة من أدهم.
"عجبك الموبايل؟"
شهقت ملاك وردت عليه برسالة مماثلة:
"هو الموبايل منك مش من مستر أمجد؟"
"لأ مني. أنا قلت لأمجد يقول لجدك اللي قاله عشان أضمن إنه يوصلك. ها، عجبك؟"
قبل أن تجيب كان يتصل به. ردت عليه بصوتها الناعم.
"مرسي على الموبايل."
"عفوًا. بس يارب يكون عاجبك."
"ده تحفة، يجنن يا أدهم. بس ليه ده بالذات؟ وعرفت إني بحب الذهبي منين؟"
"ده بالذات عشان امبارح واحنا في المطعم قولتيلي موبايلك حلو. وعرفت منين إنك بتحبي اللون الذهبي؟ أسف، مش هقدر أقول عشان دي مصادري الخاصة. مينفعش أكشف عنها."
"بس ده غالي أوي. انت عارف سعره كام ده؟"
ضحك أدهم عليها، فيبدو أنها لا تعلم حجم ثروته.
"لأ مش عارف سعره كام."
"كده يجي بتاع 25,000 جنيه."
"لو كان بمليون جنيه هجيب لك أي حاجة عاجباكي." ثم أكمل: "ها، عليكي جامعة بكرة؟"
"عندي جامعة. بس إيه؟ قولي مش اتفقنا مش هتخبي حاجة عليا بعد كده؟"
"أصل خاېفة أقابل جاسر."
"أولًا اسمه ميجيش على لسانك. لأ هو ولا أي راجل تاني. وثانيًا، هو أصلًا قدامه شهرين لحد ما يعرف يقف على رجليه من اللي اتعمل فيه. ما تخفيش."
"ربنا يخليك ليا." قالتها بخجل وصوت خافت.
أجابها أدهم بخبث:
"كده حاف؟"
أجابته ببراءة غير مصطنعة:
"قلي، عاوزني أعملك إيه وأنا أعمل."
أكمل أدهم بخبث:
"اللي أنا عاوزه مينفعش إلا لما نتجوز. بس تقدري تديني تصبيرة كده أسلك نفسي بيها."
عقدت حاجبيها بدهشة.
"تصبيرة إزاي؟ مش فاهمة."
استشف أدهم من الحديث معها أنها خام أكثر من اللازم ويجب أن يعلمها كل شيء. وما أجمل تعليم هذه الأشياء بالنسبة له، وخاصة لهذه الصغيرة. أكمل قائلًا:
"لما نتقابل هبقى أقولك التصبيرة إزاي. ودلوقتي روحي نامي عندك جامعة الصبح. وأي حاجة تحصل، بلغيني بيها فورًا. اتفقنا؟"
"تصبح على خير."
بعد يومين.
ذهبت ملاك إلى جامعتها. ارتدت جاكيت أبيض وبنطال جينز أزرق وبوت رياضي أسود. أنهت محاضراتها واتجهت للخارج، فاليوم ستذهب للشركة لرؤية أدهم. وبعد قرابة النصف ساعة، دلفت ملاك للشركة وصعدت للطابق الأخير. كادت أن تتوجه لأدهم، ولكن تذكرت وجود سكرتيرته سالي المتعجرفة. نظرت في ساعة يدها فوجدت أنه اقترب موعد استراحة الغداء. إذا ستذهب لمها ثم لأدهم.
دخلت لمكتب مها فوجدتها مندمجة بعملها ولم تنتبه لدخول ملاك. تقدمت منها بهدوء حتى لا تشعر بها. ثم قالت بصوت عالٍ:
"مها؟"
شهقت مها ووضعت يدها على قلبها.
"يخرب بيتك، خضتيني. منك لله يا ملاك يا بنت عم حسن. أشوف فيكي يوم."
ضحكت ملاك حتى أدمعت عيناها، فمظهر مها وهي مذعورة مضحك جدًا.
بعد أن هدأت مها:
"إيه اللي جابك يا قردة؟"
"القردة جاية تتطمن عليكي."
ضيقت مها عيناها بمعنى عدم التصديق.
"جاية تتطمني عليا ولا على سي أدهم بتاعك؟"
عضت ملاك شفتيها وقد اصطبغ وجهها بحمرة قانية.
"لأ جاية عشان سي أدهم بتاعي."
"ها، إيه أخباركم مع بعض؟" قالت ملاك بابتسامة حالمة.
"زي السمنة على العسل. ما كنتش أعرف إني بحبه أوي كده."
"الله يسهله. وبتتكلموا؟"
هزت ملاك رأسها بالإيجاب.
"بس ما يعرفش إني جاية النهارده. عاملاله مفاجأة."
"هو انتي رحتي له ولا لسه؟"
"لأ لسه. على بريك الغداء عشان مش عاوزة السكرتيرة المعفنة اللي عنده تشوفني."
"والنبي يا ملاك، اطلبي من مستر أدهم إنه يطردها أو ينقلها. أنا أشوف العمى ولا أشوفها. يا باي على تقل دمها."
جعدت ملاك وجهها بطريقة محببة.
"يعني أنا لما أطلب منه يطردها هيطردها؟"
"أيوه يختي. لما تدلعي هيقول حاضر وهو مش واخد باله."
"إزاي يعني؟ مش فاهمة."
"يعني دلوقتي لما تروحي له، اعملي حركتين. يعني مثلًا، حطي إيديك العسل دي على كتفه وبصيله بطريقة كده. ولا العبي في زراير القميص بتاعه. يا لهوي! أوعي تعملي الحركة دي، أحسن مستر أدهم ميضمنش تدخلي آنسة تخرجي مدام وحامل."
شهقت ملاك بخجل. أمسكت بعض الأقلام الموجودة على الطاولة بجوارها وقذفتها نحو مها.
"ما كنتش أعرف إنك قليلة الأدب كده."
"الجواز يا ختي بيخلي المؤدب منحرف. المهم، جه معاد البريك. هتروحي دلوقتي؟"
"أيوه. بس تروح العقربة السكرتيرة."
وبعد قليل في مكتب أدهم. كان خالع جاكيت البدلة وربطة عنقه، وتارك أول ثلاث أزرار من قميصه مفتوحة. ويولي ظهره للباب ويدخن من سيجاره الفاخر ويراجع ملف أزرق اللون في يده. سمع طرقات خفيفة على بابه. عقد حاجبيه، فسالي ذهبت لتناول الغذاء وأمجد ليس من عادته أن يطرق الباب. أذن للطارق بالدخول، وبقي على حاله ولم يلتفت للباب. عندما فتح، وقفت ملاك قرابة مكتبه تنتظره يستدير.
"انتظر أدهم."
تحدث الضيف ولكن طال، بصعوبة فهو... جلست على الكرسي واخفضت رأسها خجلاً.
قهقه أدهم على خجلها المحبب بالنسبة له.
"لو هتفضلي حمرا كده، أنا مش ضامن نفسي."
ثم أكمل:
"إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
تنحت ملاك بخفوت تبحث عن صوتها.
"قلت أجاي أشوفك. لو مش فاضي أنا ممكن أجي وقت تاني."
"أنا لو عندي اجتماع مع رئيس الدولة هلغيه عشان خاطر عيونك."
وقف متجها لسماعة الهاتف.
"تحبي تاكلي إيه؟"
"لأ مرسي. أنا أكلت في الجامعة مش جعانة. لو انت هتاكل اطلب لنفسك متعملش حسابي."
أرجع أدهم السماعة مكانها. ثم اتجه للثلاجة الموجودة بأحد أركان مكتبه وجذب زجاجتان من عصير البرتقال. فأصبحت ثلاجته لا يوجد بها سوى عصير برتقال. جلس بالقرب منها وفتح لها زجاجة العصير.
ارتشفت ملاك منه القليل تحت نظرات أدهم المتفحصة.
"بتبصلي كده ليه؟"
اقترب منها لحد كبير حتى أصبح لا يفصل بينهم سوى انشات.
"معجب في حاجة؟"
وضعت يدها مكان قلبها لتهدئته. حتى انفتح الباب على مصراعيه.
رواية عشق الملاك الفصل الثامن 8 - بقلم علياء بطرس
فتحت الباب على مصراعيه، وطلت منه داليا بثوبها القصير الأزرق ذي فتحة على الفخذ، تحمل بيدها صندوقاً واضحاً أنه يحوي طعاماً من أحد أشهر المطاعم.
"ادهم حبيبي، أنا جبتلك أكل معايا، عارفة إنك مش بتاكل..."
بترت باقي جملتها فور ملاحظتها لوجود فتاة كان ادهم يقبلها، هذا ما ظنته.
تقدمت منهما وهي ترمق ملاك بنظرات متفحصة حاقدة. انتصب ادهم واقفاً، واضعاً يديه في جيب بنطاله، يرمق داليا بحقد دفين.
اندفعت داليا لتعانق ادهم تحت نظرات ملاك.
"ادهومي، حبيبي، ازيك؟ جبتلك أكل معايا. عارفة إنك مش بتاكل في البريك."
أزاح ادهم ذراعيها عن كتفيه.
وقبل أن يجيبها، سألت بعجرفة مشيرة لملاك بطرف إصبعها كعلامة تقزز:
"مين الأمورة دي؟"
ابتسمت لها ملاك باقتضاب، ومدت لها يدها لتصافحها.
"أنا ملاك."
تجاهلت داليا يد ملاك الممدودة، وأجابته بتعالٍ قاصدة إغاظتها:
"أنا داليا زهران، خطيبة ادهم."
نظرت ملاك لادهم، فوجدته ينظر لداليا وتعابير وجهه خالية، وكأنه يؤيد كلامها.
أمسكت ملاك حقيبتها وخرجت مسرعة، وعيناها تفيض بالدموع. اتجهت لمكتب مها، وجدتها تصل لتوها من الاستراحة. احتضنتها مها.
"مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ إيه اللي حصل؟"
لم تتلقى منها إجابة سوى النحيب. ربتت على ظهرها بحنان متمتمة ببعض الكلمات المهدئة والمطمئنة. وبعد بعض الوقت، هدأت ملاك قليلاً. ناولتها مها كوب ماء، ارتشفت منه قليلاً.
"ها، قوليلي إيه اللي حصل؟"
انخرطت ملاك بنوبة بكاء جديدة، قائلة بصوت متقطع أثر نحيبها:
"ادهم... مش... بيحبني... خاطب... وحدة... تانية... شفتها... وهي... بتحضنه... قدامي..."
قضبت مها حاجبيها، فعلى حد علمها، ادهم لم يكن في يوم من الأيام على علاقة رسمية بفتاة.
"خطيبته مين دي؟"
قالت ملاك ببكاء:
"اسمها... داليا... كانت... جايلاله... المكتب..."
ضحكت مها بشدة على ملاك، فالواضح أن داليا استطاعت الضحك عليها.
قوست ملاك شفتيها كالطفلة، قائلة بعتاب:
"يعني أنا جاية أشكيلك، تقوم تضحكي عليا؟"
وهمت أن تذهب، أمسكت مها بيدها وأجلستها عنوة على الكرسي.
"يا عبيطة، وإنتي صدقتي الكلام ده؟ دي بتقول الكلمتين دول في كل مكان. أصلاً مستر ادهم ما بيكرهش حد في حياته قدها هي وأمها. هي بس لما شافتِك حلوة وزي القمر وقاعدة مع مستر ادهم، الغيرة أكلتها وقالت الكلمتين دول عشان تغيظك."
سألتها ملاك وقد هدأ نحيبها بعض الشيء بعد كلام مها:
"طب ليه هو فضل ساكت وما حاولش يوضحلي ده؟ فضل باصصلها ومتكلمش."
"وهو أصلاً زهق من كدبتها دي اللي في كل مكان تقولها. وأكيد هو هيقولك على كل حاجة، تلاقيه خلاكي تخرجي ومسك في زمارة رقبتها. اصبري بس إنتي."
"طيب ليه هي بتكدب وبتقول إنهم مخطوبين طالما مفيش حاجة بينهم؟"
"هو إنتي هبلة ولا شكلك كده؟ هو إنتي عايزها تفرط في العز ده كله؟ دي لو اتجوزت مستر ادهم هيكون تحت إيدها ماكينة فلوس تصرف منها وما تخلصش."
مطت ملاك شفتيها بيأس، فيبدو أنها لن تهنأ بحياتها مع ادهم.
في مكتب ادهم، وما إن خرجت ملاك، حتى هب ادهم وأمسك بذراع داليا العاري، ضاغطاً عليه، مما جعلها تصرخ من الألم، وهتف من بين أسنانه وضاغطاً على فكيه:
"إيه اللي إنتي قولتيه من شوية ده؟ هو أنا خطبتك وأنا مش واخد بالي؟"
قالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً، فمظهره وهو غاضب مرعب:
"هو... هو... مش إحنا لما كنا صغيرين، خالو سليم قالك لما تكبر تتجوزني، وإنت كبرت وما غيرتش رأيك، يبقى فضلنا مخطوبين."
زاد ادهم من ضغطه على يدها حتى استمع لصوت طقطقة عظامها.
"الكلام ده من 20 سنة وأنا عيل. وبعدين بابا اللي هو خالك قالي لما تكبروا لو حبتوا بعض اتجوزوا، بس إنتي مش من النوع اللي يتحب. لا إنتي ولا أمك فريال هانم. وبعدين أنا عندي أعيش عمري كله عازب، أعيش راهب، ولا أتجوز وأدي اسمي لواحدة وسخة زيك، فاهمة؟"
نظرت له داليا بغضب، وقالت بهستيريا:
"مالي فيا إيه؟ مش عاجبك؟ وعلى الأقل أحسن من الجربوعة اللي كانت قاعدة... آآآه!"
صرخت به عندما صفعها ادهم، ثم أمسكها من خصلات شعرها الشقراء، وقال بصوت أشبه بفحيح الأفاعي بجانب أذنها:
"كلمة تانية عليها، مش هيبقى عندك لسان تتكلمي بيه. ورحمة أمي لو عرفت إنك قربتي منها، لكون ماسحِك من على وش الأرض. غوري!"
قال الأخيرة ودفعها لتقع على الأريكة المجاورة. وقفت، وأمسكت حقيبتها، وخرجت وهي توعد لملاك.
أخرج ادهم هاتفه من جيب بنطاله ليهاتف مساعده شريف، ثوانٍ وأتاه صوته:
"شريف، اسمع اللي هقوله ونفذه بالحرف..."
أغلق هاتفه وألقاه على طاولة المكتب. ضرب مقدمة رأسه، وكأنه نسي شيئاً. عاود وأمسك بهاتفه ليفتح كاميرا المراقبة ليشاهد أين ذهبت بعدما خرجت من مكتبه، فوجدها جالسة على مكتب مها. دس هاتفه في جيب بنطاله واتجه لها.
اقتحم مكتب مها وجذب ملاك من يدها دون إعطائها مجالاً للاعتراض. بقي يسوقها خلفه وكأنها مغيبة.
دلف مكتبه تحت نظرات سالي المستغربة لما يحدث أمام عينيها.
أجلس ادهم ملاك على الكرسي وجلس مقابلتها، وعيناه تجوب تفاصيل وجهها الطفولي الواضح عليه البكاء، وأنفها الجميل الذي تشرب بالحمرة بسبب البكاء. مرر إبهامه الغليظ عليه. دفعت ملاك يده بعيداً. ابتسم ادهم على فعلتها، فيبدو أنها مازالت غاضبة.
أحاط وجهها الصغير بيديه.
"هو إنتي لسه زعلانة منها ومن اللي قالته؟"
"يعني عاوزني أعملك إيه؟ أتحزم وأرقص؟"
قالتها ولم تقصد شيئاً مما دار في عقل ذاك الماكر الذي يقف أمامها.
قال بخبث:
"يا ريت، ده يوم المنى اللي تتحزمي وترقصيلي."
كاد وجهها يحترق من الحمرة.
"هو إنت بجد عايز تخطبها؟"
قالت جملتها بصوت أقرب للبُكاء.
"أنا لو عايز أخطب وأتجوز، مش هتجوز غيرك. وبعدين إنتي اللي على طول جريتي، كنتِ استني وشوفي إيه اللي حصل."
نظرت له بعدم تصديق:
"هيكون حصل إيه يعني؟ زعقت لها شوية."
"هي دي غيرة ولا أنا غلطان؟"
أجابته ملاك بخجل:
"هو إنت مش قولتلي إني ملكك وليك لوحدك؟ يبقى إنت كمان ملكي وليا لوحدي."
ابتسم لجملتها، فصغيرته تريده مثلما يريدها.
"فعلاً، أنا ليكي لوحدك."
قالها وعيناه مسلطة على شفتيها.
قام واتجه ليجلب اللابتوب الخاص به، وشغل شريط سجل كاميرا مكتبه ليريها.
صعقت ملاك مما رأت، فلم تتوقع أن يقوم بضرب داليا هكذا. ثم نظرت له بتوجس، وقالت بصوت خافت:
"هو... إنت... ممكن تضربني في يوم من الأيام؟"
اقترب منها وهو ينظر لعيناها الجميلة.
"لو هتعملي مشاكل، هضربك. بس هضربك على... ولا أقولك، بعدين تعرفي أحسن."
تنحنح ليكمل بشكل جاد:
"ها، اتكلمتي مع جدك؟"
أخفضت ملاك رأسها، فهي متخوفة من هذه المواجهة.
"لأ... أقصد يعني... هكلمه النهاردة بالليل."
هز ادهم رأسه متفهماً.
دنا منها قليلاً، وقبل جبهتها، كاد أن يغمى عليها من قربه. ثم نزل لخدها وقبله على مهل. وقبل أن يهبط إلى شفتيها، دفعته ملاك وابتعدت عنه.
قالت بتوتر أخفقَت في إخفائه:
"مينفعش..... اللي .... إنت ..... بتعمله... مش كل شوية ... تعمل كده...."
جذبت خصلات شعرها الحريرية خلف أذنها، محاولة منها لإخفاء توترها. اقترب منها وهي أخذت بالتراجع، حتى أصبح جسدها الصغير بين جسمه العضلي العريض الصلب وبين الحائط. ثم قال بمكر، فشكلها وهي خجلة مسلٍ بالنسبة له:
"هو إيه اللي مينفعش اللي بعمله كل شوية."
قالت بتعلثم، فقربه يشتتها:
"إنك..... تفضل .... تقرب كده ... وتحاول .. إنك تبوس......."
بترت جملتها فور إدراكها ما كانت ستقوله.
"هو يعني لما أبوس خطيبتي فيها حاجة."
أخفضت ملاك جسدها قليلاً لتهرب من حصاره من تحت يده المستندة على الحائط، ثم قالت بشجاعة مزيفة:
"أنا مش خطيبتك."
"ما أنا قولتلك أجي أطلبك من جدك، بس إنتي اللي بتأجلي، مش عارف ليه."
"هو يعني عشان بقولك استنى شوية، خلاص بقيت أنا اللي مش عايزة؟ وبعدين حتى لو اتخطبنا، مينفعش تبوسني."
قالت الأخيرة بخجل.
"طيب حاضر، هحاول أمسك نفسي لحد ما نتجوز."
أمسكت ملاك حقيبتها.
"أنا لازم أمشي، اتأخرت على تيتة. أنا قلت لها إني هاجي أسلم على مها وأمشي على طول. اتأخرت."
تأفف ادهم، فهو لا يريدها أن تذهب. ثم سأل بخبث:
"هو إنتي جيتي عشان مها وبس؟"
أرفق جملته بغمزة مشاكسة.
ارتبكت ملاك، وانعقد لسانها، ولم تستطع أن تجيبه. ففرت هاربة من نظراته الخبيثة وخرجت من الشركة. بعد عدة قرابة النصف ساعة، وصلت لبيتها. وقبل أن تفتح باب منزلها، انفتح باب شقة جارتها أم عماد.
"منك لله يا ملاك! خليتي ابني عايز يهاجر ويطفش، عايزانا نسيب حتتنا والناس اللي ربتنا بينهم. منك لله، كله بسببك! هنروح نعيش في غربة. منك لله!"
عادت إلى منزلها وهي تكرر دعوتها على ملاك.
دَلفت ملاك إلى شقتهم وهي مازالت مصدومة من هول ما سمعت. هل جارها الأستاذ عماد قرر الهجرة بسبب رفضها الزواج منه؟
وجدت جدتها جالسة على أحد الكراسي القريبة تنظر لها بعتاب.
ركعت ملاك على ركبتيها أمام جدتها، وقالت بدموع:
"والله يا تيتة ما كنت أقصد إن ده يحصل. أنا مش عايزة ده يحصل بسببي. والنبي يا تيتة قولي حاجة، متفضليش ساكتة."
ربتت الحاجة فوزية على ظهر حفيدتها بحنان.
"متزعليش نفسك يا بنتي، ده قسمة ونصيب. بس أنا خايفة جدك يزعل منك لما يعرف."
وقفت ملاك متصنمة وهي تتخيل موقف جدها، فهي كانت مقررة أن تفاتحه اليوم بموضوع ادهم، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
دَلفت لغرفتها وأمسكت هاتفها.
"ادهم، أنا ما كنتش أقصد كده. أنا مش عايزهم يهاجروا بسببي."
قالت جملتها بدموع. وصل صوتها لادهم.
"اهدي وفهميني إيه اللي حصل، وأنا هحاول أحل كل حاجة."
"جارنا الأستاذ عماد عايز ياخد مامته ويهاجر بسببي عشان رفضت اتجوزه."
تأفف ادهم، فيبدو أنها تصدق كل شيء بسهولة.
"مين اللي قالك الكلام ده؟"
"مامته قالتلي الكلام ده."
"طيب اهدي، وأنا هتصرف."
أغلق معها واتصل بأحد ما.
"أيوه يا شريف، عايزك تتصل باللي اسمه عماد ده، تخليه يروح بيت الحاج حسن ويقول لهم إنه الشغل ده كان جايله قبل شهرين وكان في الفترة دي بيفكر، فاهمني؟ وبلغني باللي يحصل."
مساءً، دلف الحاج حسن لغرفة ملاك، فهي رفضت تناول العشاء معهم.
"ها يا حبيبة جدو، ليه مش راضية تاكلي؟"
جذبت خصلات شعرها خلف أذنها وحاولت تحاشي النظر لجدها متعللة بالكتب التي أمامها.
"آآآصلي مش جعانة يا جدو."
ابتسم الحاج حسن لابنته.
"هو إنتي متعرفيش إني أعرفك لما تكدبي؟ ها، قوليلي، مش راضية تحطي عينك في عين جدك ليه؟"
"بص، أنا هقولك على كل حاجة. أنا خفت إنك تكون زعلت مني عشان الأستاذ عماد هاجر. هو ومامته، خفت تلومني وتقول إنه بسببي."
طبطب الحاج حسن على كتفها.
"أولاً، هو ما هاجرش بسببك. هو كان جايله عقد عمل في الكويت من شهرين وكان بيفكر في الموضوع من قبل ما يتقدملك. هو كلمني النهاردة وشرحلي كل حاجة. ثانياً، كل شيء قسمة ونصيب، وأنا مستحيل أزعل منك."
نظرت له ملاك بتوتر، مترددة هل تخبره بقصتها مع ادهم أم تنتظر قليلاً. لاحظ جدها ذلك فسألها:
"في حاجة تانية عايزة تقوليها؟"
"آه... لأ... مش دلوقتي يا جدو، بعدين هبقى أقولك."
جاهدت لتظهر صوتها طبيعياً.
بعد قليلاً، انتبهت ملاك على اتصال ادهم. أجابته بصوتها الرقيق.
"مساء الخير."
"مساء العسل، عاملة إيه؟"
"بخير الحمد لله."
"إيه حصل؟ اتكلمتي مع جدك؟"
تعلثمت ولم تستطع الرد.
"خلاص بقى، متتكلميش معاه. أنا هتكلم معاه وأريحك."
قالت بسرعة:
"لأ، أوعى تعمل كده. جدو ممكن يزعل مني."
"والله أنا بقالي قد إيه بستنى إنك تكلميه، وإنتي بتأجلي؟ خلاص سيبي الموضوع عليا."
"ادهم، عشان خاطري، متعملش كده. إنت مش فاهم حاجة."
"خلاص، فهميني وقوليلي إنتي."
قالها بنفاذ صبر.
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآقالت: "أصل جدو لما روحت اتدرب في الشركة بتاعتك قالي مقربش من مكتبك أو أقرب من مكان إنت فيه، عشان كده مش عاوزاه يحس إني مش بسمع كلامه. أنا كل ما ببص في عينيه قلبي بيوجعني إني لسه بكذب عليه."
"وهو جدك قالك تبعدي عني؟ ليه قالك الكلام ده؟"
"أيوه، قالي إن إيدك طايلة وإن... احم... إننا مش قدك، وإنك مبترحميش اللي بيقع تحت إيدك."
عض ادهم شفتيه كاتماً غضبه من جدها، فهو يشوه سمعته أمامها.
"تمام، أنا هتصرف. تصبحي على خير."
كادت أن تتحدث، ولكنها وجدت أنهى المكالمة.
*****************
يا ترى إيه اللي هيحصل؟ وإيه اللي ادهم هيعمل؟
لسه الأحداث القادمة مشوقة أكتر.
رواية عشق الملاك الفصل التاسع 9 - بقلم علياء بطرس
قال أمجد: "اه صحيح، أنا امبارح روحت النايت كلاب وسألت عليك، قالولي إنك بقالك فترة مش بتروح. هو أدهم السيوفي اكتفى باللي في إيده ولا إيه؟" وأردف جملته بغمزة مشاكسة.
أجاب أدهم: "اه فعلاً بقالي فترة ما رحتش..." ثم أكمل محاولاً تغيير الموضوع: "جهز نفسك للاجتماع، ومتنساش تجيب ملف كومباوند الصحراوي. عاوز أعرف ليه ما اتسلمش للمشتري لغاية دلوقتي."
***
في جامعة، كانت ملاك تجلس في كافيه الجامعة تنتظر ميعاد المحاضرة الثانية. كانت تقرأ في كتاب ما وتدوّن الملاحظات على ورقة. كانت ترتدي بلوزة بيضاء عليها جاكيت باللون الأسود وبنطال جينز أزرق.
أثناء انشغالها بقراءتها، شعرت بأحد يسحب الكرسي الذي بجوارها ويجلس عليه. وما إن رفعت رأسها لترى من هذا المزعج الذي اقتحم خصوصيتها دون إذنها، حتى قبضت حاجبيها، فرأت داليا التي جلست.
خلعت داليا نظارتها الشمسية ذات الماركة العالمية، ووضعت قدماً على أخرى بتعالي.
قالت داليا: "إزيك يا ملاك؟ أصلي جيت لوحدة صاحبتي هنا وشوفتك وأنا خارجة، فقولت أسلم عليكي."
لم تتلقَّ من ملاك جواباً، ثم أكملت داليا وكأنها سمعت رداً: "إزيك مع أدهم؟ إن شاء الله يكون بيحبك زي ما إنتي بتحبيه. أصل أدهم عنده عقدة نفسية من الحب عشان أمه، يا حرام. أصلها ما حبتش جوزها اللي هو خالي أبو أدهم، مع إن خالي كان بيعشقها، بيموت فيها. بس أدهم حلف إنه مش هيحب في حياته، أصله شايف كل الستات خاينين زيها... هو إنتي ساكتة ليه؟"
تنحنت ملاك، ولا تدري ما الذي ستقوله لها.
ردت ملاك: "عاوزاني أقول إيه؟ أنا أصلاً ما يهمنيش كل اللي بتقوليه. أنا لغاية دلوقتي ما شفتش حاجة تزعلني من أدهم."
ابتسمت داليا بجمود، فلن تسمح بضياع مجهودها هباءً منثوراً.
قالت داليا: "عاوزة أثبت لك صحة كلامي، بصي كده."
مدت الهاتف لها لتريها شيئاً ما، ولكن ملاك هبت واقفة ولملمت أغراضها وذهبت قبل أن تشاهد شيئاً، فهي لن تصدق هذه الفتاة مهما قالت.
ضربت داليا الطاولة بقوة من شدة غضبها، فهذه المحاولة فشلت بها، ولكنها لن تيأس.
صرخت داليا: "مش داليا زهران اللي تدخل معركة وتطلع منها خسرانة. يا أنا يا إنتي يا بنت السواق. أدهم ده بتاعي أنا، مش هسمح إنك تاخديه، لو حصل إني اقتلك."
ارتدت نظارتها وغادرت الجامعة مسرعة، ولم تلاحظ الذي كان يستمع لكل شيء ويصوره بكاميرا جواله.
***
عودة للشركة.
في قاعة الاجتماعات، نجد أدهم يترأس الطاولة ويستمع للمهندس الذي يشرح شيئاً ما على الشاشة الكبيرة المضاءة التي تتوسط القاعة الكبيرة.
هب أدهم واقفاً وهتف بصوت عالٍ: "يعني إيه الكلام ده؟ إيه يعني مصنع الحديد مش ملاحق شغل؟ وليه أنا ما عنديش خبر بالقصة دي؟"
أجابه المهندس وهو مخفضاً رأسه احتراماً وخوفاً: "والله يا مستر أدهم، إحنا قولنا لمستر أمجد وهو قال لنا إنه هيتصرف."
التفت أدهم لأمجد، وطالعه بنظرات حارقة. حك ذقنه وقال بهدوء مغاير لما بداخله: "فهمني يا مستر أمجد."
تنحنح أمجد: "أنا قلت إني هتصرف، بس بعدين. لما سألت، كانت اتحلت ومحدش بلغني إنها رجعت تاني."
ضرب أدهم بيده على الطاولة حتى كادت تتكسر من قوة ضربته.
قال أدهم: "العمال في المصنع زادت للضعف، واشتغلوا كمان ساعات إضافية بنفس المرتب، ما فيش زيادة. ولو التأخير أثر على معاد تسليم الكومباوند، هعتبر إني منسحب من المشروع. أنا سمعة شركتي في السوق هي الأهم. اتفضلوا، كل واحد على شغله. الاجتماع انتهى."
جلس أدهم بعد انصراف الجميع، يعمل على حاسوبه الشخصي. أتاه اتصال هاتفي، فأجاب على الفور.
قال أدهم: "خير يا شريف؟ في حاجة حصلت مع ملاك؟... اممم، وملاك كويسة؟... طيب، هي فين دلوقتي؟... خليك جنبها، وأوعى تحس بيك. وابعت لي التسجيل."
ثوانٍ واتاه فيديو، وما إن شاهده حتى ظهرت عروق رقبته وابيضت مفاصل يده من الضغط عليها.
صرخ أدهم: "ورحمة أمي اللي بتشوهي سمعتها قبل سمعتي، ما هرحمك لا إنتي ولا أمك."
اتصل بملاك فلم ترد عليه، وعاد الاتصال بها ولكنها أغلقت المكالمة. بدأ الغضب يتزايد بداخله، فهو يريد الاطمئنان عليها وهي تتجاهله.
أتته رسالة منها، فتحها بسرعة.
قرأ أدهم: "حبيبي... أنا آسفة، أنا في المحاضرة مش هقدر أرد عليك دلوقتي. لما أخرج هكلمك."
ذهب غضبه أدراج الرياح فور قراءته لرسالتها، وأكثر ما استمتع به كلمة "حبيبي"، فهذه الصغيرة تستطيع السيطرة عليه بسرعة.
خطرت في باله فكرة، قرر أن ينفذها. أخذ متعلقاته الشخصية وخرج، وأبلغ السكرتيرة أن تلغي كافة المواعيد.
بعد قرابة النصف ساعة، اصطفت سيارته الفارهة متبوعة بسيارات الحرس الخاص به. أنزل زجاج سيارته الأسود قليلاً ليتمكن من رؤيتها. وما هي إلا دقائق، كانت تخرج من جامعتها متجهة للجهة الأخرى من الشارع لتوقف تاكسي ليوصلها لبيتها.
تقدم أدهم من موضع وقوفها، وأخرج رأسه قليلاً من زجاج سيارته.
قال أدهم: "ينفع أنول الشرف وأتغدى مع جناب سيادتك؟"
وضعت ملاك يدها على فمها الذي انفرج من هول المفاجأة. نظرت على يمينها ويسارها قبل أن تصعد، فهي تريد أن تبقى بقربه وتريد أن تحدثه بما حدث معها وما قالته داليا لها.
فتح لها أدهم الباب، جلست بجانبه. قفز قلب أدهم، فهو أول مرة يريد قرب أحد.
أغلق الشباك الفاصل بينه وبين السائق ليستطيع التحدث معها بأريحية.
سألته ملاك بخفوت: "هو إحنا رايحين فين؟"
اقترب منها وقال بصوت أجش: "إنتي عاوزة تروحي فين؟"
أجابت ملاك: "أنا بسأل بجد، وخدني فين؟"
قال أدهم: "الأسباب كتيرة، عاوز أتكلم معاكي وأتغدى معاكي وأقعد شوية معاكي."
قالت ملاك: "طب مش عاوزة نتأخر عشان تيتة ما تقلقش عليا."
هز أدهم رأسه متفهماً.
أخرجت ملاك هاتفها واتصلت بجدتها، ووضعت إصبعها على فمها مشيرة لأدهم بأن لا يتحدث.
قالت ملاك في الهاتف: "مساء الخير يا تيتة، إزيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟... أنا بس هتأخر شوية.... لأ، ما تقلقيش عليا، هيا شوية عشان... عشان... آه، عشان عندي بحث في المكتبة في الجامعة وعاوزة أعمله، والمكتبة زحمة وكده. وأنا أول ما هخلص هكلمك.... تسلم إيدك يا حبيبتي، أنا مش هتأخر. باي يا حبيبتي."
لاحظ أدهم ملامحها التي اكتست بالحزن. اقترب منها.
قال أدهم: "مالك؟ إيه اللي زعلك؟"
نظرت ملاك في عينيه وقالت بصدق: "أصل أول مرة أكذب على تيتة. أنا بقيت بكذب كتير عليهم وبستغل إنهم بيصدقوني."
ربت أدهم على كتفها بحنان.
قال أدهم: "خلاص، من هنا ورايح مش مضطرة إنك تكذبي عليهم. وفكي التكشيرة العسل دي، حتى وإنتي مكشرة عاوزة تتاكلي. يلا، وصلنا."
أمسك أدهم يديها ودخل للمطعم الفاخر، ولكنه كان خالياً من الناس. سار بها باتجاه الطاولة، سحب لها الكرسي وأجلسها. جلس قبالتها. كانت ملاك تتطلع إلى المطعم بإعجاب.
لاحظ أدهم ذلك.
قال أدهم: "ها، عجبك المكان؟"
أجابت ملاك: "اه، حلو جداً. بس ليه هو فاضي؟"
قال أدهم: "عشان أنا اللي طلبت."
نظرت له ملاك بتعجب.
قالت ملاك: "وصاحب المطعم رضيلك إنك تكون لوحدك؟ أصل إنت كده هتخسره."
ضحك أدهم عليها، ومال عليها قائلاً بخفوت مصطنع: "أقول لك كلمة سر؟ أصل أنا صاحب المطعم."
قالت ملاك: "بجد؟"
أومأ لها أدهم بالإيجاب. وهمت أن تسأله سؤالاً آخر، ولكن قاطعها النادل الذي يحمل عدة صحون في يده ويتبعه آخر. وضعوا الأطباق على الطاولة.
شهقت ملاك بدهشة، فهذا طعامها المفضل.
قالت ملاك: "هو إنت عرفت إني بحب الجمبري إزاي؟"
أجاب أدهم: "بنفس الطريقة اللي عرفت بيها لونك المفضل. يلا، عاوز الأطباق دي تتنسف فوراً."
جحظت عيناها الرماديتان.
قالت ملاك: "يا لهوي! كل ده أنا هاكله لوحدي؟ حد قال لك عني فيل؟ ده إنت جايب جمبري مشوي ومقلي وشوربة جمبري. لأ، كده كتير عليا. أنا هحاول آكل اللي هقدر عليه، وكمان تيتة عاملة لي أكل، يعني مش هقدر أتقل." قالت جملتها الأخيرة بعبوس كالطفال، جعلته يود أن يلتهمها.
ضحك أدهم على طفولتها.
قال أدهم: "خلاص، كلي اللي هتقدري عليه، ولما تروحي البيت كلي اللي تقدري عليه."
بدأت ملاك بالأكل بنهم، فهي كانت تشعر بالجوع حقاً. نظر لها أدهم بتعجب، فكل الفتيات اللاتي عرفهن كن يهتمن بكل لقمة يأكلنها، لكن هذه الصغيرة يبدو أنها لا تهتم بأمور الرشاقة وما شابه. كانت تأكل وتتلذذ وتمصمص أصابعها بعد كل لقمة، مما جعل أدهم يزدرد ريقه، فهذه الصغيرة تثيره بطريقة عجيبة.
لاحظت ملاك شرود أدهم.
قالت ملاك: "هو إنت مش هتاكل معايا؟ إنت ما أكلتش غير سلطة ونازل شارب ميه وبس."
رد أدهم: "لأ، أنا ما بأكلش إلا سلطة والأكل اللي شبه نيء وبس."
أمسكت ملاك قطعة صغيرة من الجمبري المشوي وقربتها من فمه.
قالت ملاك: "هتاكل دي مني؟ وما تقول لي ما ينفعش، دي مشوية يعني مفيش دهون."
نظر لها أدهم بحب، وفتح فمه ليدها والتهام القطعة منها، وعض إصبع يدها. شهقت ملاك فور شعورها لأسنانها القاسية على يديها، وسحبت يدها بسرعة.
قالت ملاك: "دي جزاتي إني بأكلك؟ تعضني؟ الحق عليا."
رد أدهم: "إنتي عاوزة تأكليني من الأكل ده، يبقى تستحملي اللي يحصل."
بعد عدة دقائق، تنفست ملاك بصعوبة، فهي أكلت حتى كادت بطنها تنفجر.
قالت ملاك: "هقوم أغسل إيدي. الحمام فين؟"
أشار لها بالاتجاه المناسب. وبعد دقيقتان، كانت تجلس مقابله.
قالت ملاك: "مرسي على العزومة دي، بجد أنا عمري ما أكلت بالشكل ده."
سأل أدهم: "هو إنتي ما بتعمليش رجيم زي كل الستات ليه؟"
دهشت ملاك ونظرت لنفسها، هل يراها سمينة؟
قالت ملاك بحزن: "هو أنا تخينة لدرجة إني أعمل رجيم؟"
رد أدهم: "لأ... لأ، مش كده. أنا أصلي كل الستات اللي شفتهم لما بياكلوا بيقيسوا كم سعر في كل لقمة وبيعملوا رياضة وكده. إنتي لأ، عشان كده سألت."
قالت ملاك: "لأ، أنا بعمل رجيم بس لما بحس إني تخنت زيادة. هو يعني لازم أخس؟" سألته وترقبت إجابته.
رد أدهم: "لأ، ما تخسيش. كده جسمك يجنن." قالها بخبث ونظرات لعوب.
اصطبغ وجهها بالحمرة القانية، ولكن بسبب تغزله بها وليس بما كان يقصده.
تنحنت ملاك.
قالت ملاك: "كنت عاوزة أقول لك حاجة حصلت معي النهاردة. بعد ما خلصت المحاضرة الأولى، كان فاضل نص ساعة على المحاضرة الثانية، نزلت وقعدت في كافتيريا الجامعة، ولما كنت قاعدة، لقيت داليا جاية وقعدت معايا."
ادعى أدهم عدم العلم.
قال أدهم: "داليا؟ وكانت بتعمل إيه في الجامعة عندك؟ وقالت إيه؟"
قالت ملاك: "كانت جاية لوحدة صاحبتها، وقالت يعني إنك... أدهم... مش بتحبني وعندك عقدة نفسية من مامتك عشان ما كانتش بتحب باباك، وإنك قلت إن كل الستات خاينين. وكانت عاوزة توريني حاجة على الموبايل، بس أنا سبتها وقمت وبس. هو ده اللي حصل."
ابتسم أدهم لها، فهي لم تخبئ عنه شيئاً، قالت له كل ما حدث.
أمسك يدها الموضوعة على الطاولة، فسرت قشعريرة في سائر جسدها. قال لها بنظرات تفيض حباً: "ملاك، أنا بحبك."
أغمضت ملاك عينيها، وكأنها أغمي عليها. هي تعرف أنه يحبها، ولكنها لم تتوقع أن يقولها.
أخرجها من صدمتها.
قال أدهم: "ساكتة ليه؟"
قالت ملاك بصوت مرتجف: "هقول إيه؟"
قال أدهم: "واحد بيقول لك بحبك، المفروض إنك تقولين له إيه؟"
اخفضت رأسها، فجرأتها لم تسعفها بقول هذه الكلمة.
أراد أدهم التسلية معها.
قال أدهم: "صحيح، إنتي النهاردة بعتي لي رسالة. معلش، النظارة ما كانتش معايا، أصل أنا من كتر ما بقعد على اللابتوب وبقرأ ملفات، نظري بقى ضعيف شوية. عاوزك تقريهالي."
ردت ملاك: "لأ، أنا بس كنت بقول لك إني في المحاضرة ومش عارفة أرد وبس."
قال أدهم: "لأ... لأ... لأ، أنا بحب أركز في كل التفاصيل. عاوزك تقريهالي كلمة كلمة."
مد لها هاتفه لتقرأ الرسالة، وشرعت بقرأتها، ولم يصل لها نيته الخبيثة.
قرأت ملاك: "حبيبي... أنا آسفة، أنا في المحاضرة مش هقدر أرد عليك دلوقتي. لما أخرج هكلمك."
"كمان مرة وبس؟"
ضيقت ملاك حاجبيها، وكادت أن تقرأها، ولكنها لاحظت كلمتها العفوية التي قالتها دون قصد. احمرت خدودها فور تذكرها أنه استطاع الضحاك عليها وجعلها تقولها بملء إرادتها.
عضت شفتيها بحرج، وجالت بعينيها في المكان حتى تتجنب نظراته المتفحصة.
قالت ملاك: "احم... أنا عاوزة أمشي، اتأخرت على تيتة."
أمسك أدهم يدها الصغيرة وضمها داخل يده الغليظة.
في داخل السيارة، استدارت إليه وأخرجت هاتفها وفتحته.
قالت ملاك: "هي الصورة دي إنت جبتها منين؟"
لم يجيبها أدهم، بل أخرج هاتفه وأراها نفس الصورة.
شهقت ملاك بدهشة، وأخذت تقارن بين الصورتين.
قالت ملاك: "هو إنت جبته إزاي؟"
أجاب أدهم: "فمرة كنت جاي على مكتب أمجد وكنتي قاعدة بترسمي وبتغني، وأنا صورتك من غير ما تاخدي بالك. تصدقي لو قلت لك أنا من يوم ما فتحت الشركة دي ما دخلتش مكتب أمجد، بس لما كنتي في مكتبه كنت بتحجج بأي حاجة عشان أروح عنده."
لاحظ أدهم شرودها. اقترب منها مكملاً بصوت أجش: "إنتي عملتي فيا إيه؟ بقيت مش على بعضي. ببقى عاوز أفضل جنبك، مش عاوزك تغيبي عن عيني. لما بتكوني قدامي ببقى ماسك نفسي بالعافية. لقوم وأكلك. إنتي سحرتيلي، بقيت مش شايف غيرك ولا عاوز في الدنيا دي غيرك. إنتي بجد ملاك ونزلت من السما ليا لوحدي."
كانت ملاك مغيبة، مغمضة عينيها، كأنها فوق سحابة تحلق في السماء. فهذه أول مرة تسمع هذا الكلام من أحد. ارتجفت شفتيها من فرط التوتر. عضت شفتيها لتتمالك نفسها.
اندلعت النار بداخل الجالس بجوارها. اقترب منها، قبلها جانب شفتيها، قال بصوت خافت أجش مليء بالرغبة: "افتحي بقك يا ملاكي."
أفرجت ملاك بين شفتيها تلقائياً.
ابتسم عليها، فيبدو أنه يستطيع أن يسيطر عليها في هذه النقطة.
قبل شفتيها بهدوء، ثم تحولت قبلته لشغف. تناول شفتيها تارة يمتصها وتارة يعضها بلطف. أدخل لسانه داخل فمها الكرزي الصغير، مكتشفاً إياه. كانا وكأنهما في عالم لوحدهم، لا يوجد به أحد غيرهم. كان يمتص شفتيها بنهم، فطعمها أشهى بكثير من الحلم. ابتعد عنها بصعوبة فور شعوره بأنها بحاجة للهواء.
شهقت ملاك بقوة، وكأنها كانت ستغرق. وضع جبينه على جبينها. وقبل أن يعاود قبلته، وضعت ملاك يدها على فمها لتمنعه. ابتسم أدهم على فعلتها، قبل يدها ثم جبينها قائلاً بجانب أذنها: "أنا آسف إني خلفت بوعدي وأقربت قبل ما نتجوز، بس والله مش قادر أمسك نفسي عنك."
نظر لشفتيها التي انتفخت أثر عبثه.
عضت شفتيها فور أن لاحظت نظراته مسلطة على شفتيها.
قالت ملاك: "لو شفتك بتعضي شفايفك دي تاني، هعتبر إن دي دعوة صريحة إني أعيد اللي كنت بعمله من شوية." اتبع جملتها بغمزة مشاكسة.
قالت ملاك: "نزلني على أول الشارع، مش هينفع توصلني للبيت."
هز رأسه متفهماً. وقبل أن يجيبها، أتاه اتصال من أمجد.
قال أدهم: "أيوه يا زفت... اممم... هما مش معادهم كان الأسبوع الجاي؟... طيب، جهز لهم دليل سياحي وابعتو على الغردقة، وقعدهم في الفندق الجديد، وخليه يفسحهم لحد ما يزهقوا. مش هما اللي جايين بدري؟ عاوزين يعملوا سياحة؟ بس الشغل هيبقى هنا في مصر مش في الغردقة. هو كده، إن كان عاجبهم. اسمع اللي بقول لك عليه، هما اللي عاوزيننا مش إحنا اللي عاوزينهم. تمام، هات الورق معاك واسبقني على القصر، أنا شوية وهكون هناك."
نظر اتجاه ملاك، وجدها تنظر إليه بشرود. اقترب منها.
قال أدهم: "حلو مش كده؟ أنا عارف نفسي."
ردت ملاك: "بس أنا ما ببصش عليك عشانك حلو."
قال أدهم: "امال بتبصي عليا عشان إيه؟"
أجابت ملاك: "اصل إنت لما بتشتغل بتبقى بني آدم تاني خالص."
عقد حاجبيه بحيرة.
قال أدهم: "إزاي يعني؟ مش فاهم."
قالت ملاك: "تبقى كده عصبي، وكلمتك ما بتقبلش نقاش."
رد أدهم: "الشغل عاوز كده. لو كنت ضعيف ما كنتش وصلت للي أنا فيه دلوقتي."
ابتسمت له ملاك، فهو يعجبها بكل حالاته. لم ترَ أجمل منه، فهو وسيم جداً، وخاصة عندما يبتسم يصبح أكثر وسامة.
أفاقت من تأملها به عندما أوقف السائق السيارة على جانب الطريق، قبل موقع بيتها بمسافة معقولة. همت أن تفتح الباب لتنزل. أمسك أدهم يدها.
قال أدهم: "هتوحشيني."
لم تجبه، ونزلت من السيارة. اتجهت للطريق المعاكس وأكملت طريقها تحت نظراته العاشقة.
بعد قليل، في قصر أدهم، نجد أمجد يجلس على مقعد في حديقة القصر الواسعة، يمسك بعض الملفات. وبجانبه يجلس أدهم يراجع الملفات ويوقعها. وبعد الانتهاء، يقف أمجد للذهاب.
قال أمجد: "أنا هخلي الورق معايا، وبكرة هبعته للمحاسب. أه صحيح، هو إنت هتاخدني فين النهاردة عشان ألبس حاجة مناسبة للمكان اللي رايحنو؟"
رد أدهم: "أمجد، إنت معفن في أي حاجة تلبسها، بس على العموم البس بدلة شيك وخلاص."
هم أمجد بالذهاب، ولكنه اقترب من أدهم قليلاً، مدققاً في وجهه.
قال أدهم: "إيه؟ بتبص لي كده ليه؟"
رد أمجد: "هو إنت كنت فين؟"
قال أدهم: "ملكش فيه."
اقترب منه أمجد هامساً: "اصل المزة اللي كنت معاها، الروج بتاعها لسه على وشك."
هب أدهم واقفاً، يمسح وجهه بيده بعشوائية، مما جعل أمجد ينخرط في نوبة ضحك أغضبت أدهم. فتركه ودخل للداخل. وفور دخوله لمكتبه، توجه للمرآة الموجودة على الحائط، فوجد بقايا أحمر شفاه موجودة بجانب شفتيه. لعقها بلسانه وأغمض عينيه متذكراً طعم شفتيها وارتجاف جسدها الأبيض بين يديه. ابتسم بانتشاء، وتنهد فور تذكره للحرب التي ستدور بعد قليل، فلن يكون الموضوع سهلاً.
***
بعد عدة ساعات، نجد ملاك تجلس بجانب جدتها بعد أن تناولت كمية ليست بقليلة من الحواوشي الإسكندراني التي أعدته جدتها لها. قالت وهي تضع يدها على بطنها التي أصبحت منتفخة: "آه ياني يا تيتة، مش قادرة أتنفس. في حد يعمل حواوشي بالطعامة دي؟"
قهقهت جدتها.
قالت جدتها: "هو إنتي يا بنتي أكلتي حاجة؟ ده الأكل زي ما تحط زي ما يتشال. ده إنتي يدوب أكلتي كام حتة."
ردت ملاك: "هو إنتي عاوزاني آكل الطبق كله عشان أكون أكلت؟ أنا مش قادرة أتنفس، أنا حاسة إني هفضل أسبوع من غير أكل."
قرع جرس الباب أثناء حديثهن. همت الجدة أن تقوم لتفتح الباب، فوجدت ملاك تقوم قبلها.
قالت ملاك: "خليكي يا تيتة، أنا هفتح. خليني أحرك البالونة دي." مشيرة إلى بطنها.
فتحت الباب، ولكنها صعقت مما رأت أمامها. رأت أدهم واقفاً بشموخ كعادته، مرتدياً بدلته الكلاسيكية الفاخرة، وبجانبه أمجد الذي يحمل باقة الورد وعلبة من الشوكولاتة الفاخرة. فغرت فمها وجحظت عيناها بطريقة مضحكة. بقيت على هذا الحال عدة ثوانٍ قبل أن تهتف بسرعة: "أدهم! ما تهزرش، إنت جاي هنا تعمل إيه؟"
قالت جدتها: "مين على الباب يا ملوكة؟"
قالت ملاك بصوت شبه مسموع: "ده... ده... ده... ده ولا حد يا تيتة...."
قال الحاج حسن: "أهلاً وسهلاً يا أدهم بيه، أهلاً يا أمجد بيه، اتفضلوا. معلش، هيا ملاك كده متعرفش تتصرف." وقبل أن يسير أدهم خلف جدها، دنا من أذنها.
قال أدهم: "حلوة قوي وإنتي منكوشة يا حبيبتي. قهوتي سادة."
أكمل طريقه خلف أمجد. نظرت ملاك لنفسها، فكانت ترتدي بنطال منزلي مريح وكنزة رمادية اللون وشعرها أشعث قليلاً.
قال الحاج حسن: "اعملي قهوة يا حاجة."
اتجهت الحاجة فوزية لصنع القهوة، وبقيت ملاك واقفة بجانب الباب تحاول الاستماع لما يدور في الداخل، ولكن جدها أغلق الباب بإحكام.
قال الحاج حسن بوجه بشوش: "أهلاً وسهلاً، نورتوا البيت."
قال أمجد بابتسامة، ولكز أدهم في الخفاء: "النور نورك يا عم حسن، البيت منور بأصحابه." وهمس في أذنه بصوت كاد مسموعاً: "هو إنت اللي جاي تخطب ولا أنا؟ قول أي حاجة وبعدين نزل رجلك دي، إنت مش في شركتك، عيب."
دخلت الحاجة فوزية تحمل صينية القهوة ومعها بعض الحلوى، وضعتها على الطاولة الصغيرة، وانسحبت من الغرفة لتركهم على راحتهم.
تنحنح أدهم وقال بصوت واثقاً: "أنا عارف إنك مستغرب من الزيارة دي، بس أنا هدخل في الموضوع على طول. أنا جاي أطلب إيد حفيدتك ملاك."
دهش الحاج حسن من طلبه، فهو بالكاد يلقي التحية على موظفيه، كيف يأتي إلى هذه الحارة الشعبية البسيطة ويطلب يد حفيدته؟ بقي على هذا الحال من التفكير حتى أتاه صوت أمجد.
قال أمجد: "ها يا عم حسن، قولت إيه؟ أنا مش عاوز أخرج من هنا إلا وأنا قرأت فاتحة. أنا بقول لك أهو."
رد الحاج حسن: "والله يا بني مش عارف أقولك إيه."
قال أمجد: "قول اللي إنت عاوزه، إحنا في بيتك وجاهزين نسمعك."
قال الحاج حسن: "والله الرأي الأول والأخير لملاك، هي اللي هتعيش معاه مش أنا. بس من واجبي أنصحها، وهي حرة."
تهللت أسارير أدهم، فظن أنه ظفر بها، حتى أتاه صوت جدها.
قال الحاج حسن: "بس أنا اللي أعرفه إن البشمهندس أدهم نزواته ما بتخلصش وكل يوم مع واحدة، وأنا ما أرضاش إن حفيدتي اللي طلعت بيها من الدنيا تبقى مجرد رقم. وكمان إنت مش شايف إنها صغيرة عليك شوية؟"
ضغط أدهم على فكيه محاولاً تمالك نفسه، فلا يريد أن تندلع مشكلة مع جدها من أول مقابلة.
قال أدهم: "لو سمحت انتبه لكلامك. وبعدين لو حفيدتك مجرد رقم، فهي رقم واحد لأنها أول وحدة أنا أدخل بيتها وأتقدم لها، وأظن إنتا عارف الكلام ده كويس. والنسبة لفرق السن، لأ، مش كبير ولا حاجة. أهم حاجة الاتفاق والتفاهم. وبعدين اسألها، يمكن ما يكونش عندها اعتراض على الموضوع ده."
قال الحاج حسن: "خلاص، كام يوم هأقولك قراري وقرارها."
قال أدهم: "تمام، أنا هنتظر الكام يوم دول."
انتصب أدهم متجهاً للباب دون إلقاء التحية، واتبعه أمجد مغلقاً الباب خلفه. اتجهت الحاجة فوزية وملاك لجدها لمعرفة سبب الزيارة.
سألت الحاجة فوزية: "ها يا حج، مين البهوات دول وجايين ليه؟"
قال الحاج حسن: "دول أدهم بيه وأمجد بيه، صحاب الشركة اللي بشتغل فيها، وجايين يطلبوا إيد ملاك." قال جملته وهو ينظر لها، وظهرت معالم التفاجؤ على وجهها.
سألت الحاجة فوزية: "هو مين جاي يخطبها؟ البشمهندس أمجد ولا ابن عمه التاني ده؟"
قال الحاج حسن: "لأ يا حاجة، ابن عمه التاني. مش عارف أعمل إيه. إنتي إيه رأيك يا ملاك؟"
احمرت خدودها توتراً من نظرات جدها المتفحصة.
قالت ملاك: "اللي تشوفه يا جدو، مش عارفة."
سأل الحاج حسن: "هو إيه اللي يخلي واحد زي أدهم يجي يخطب واحدة زيك يا ملاك؟"
قاطعته الحاجة فوزية تنهره بعنف: "هو إنت مش شايف جمالها وأدبها ورقتها؟ دي تعجب الملك."
هز الحاج حسن رأسه.
قال الحاج حسن: "عموماً، أنا كمان يومين هأقوله قراري الأخير، بما إن ملاك معندهاش رأي."
ركضت ملاك لغرفتها لتحاول استيعاب ما حدث منذ قليل. هل أدهم تقدم لها بالفعل؟ هل جدها سيرفض أم سيقبل؟ لا تعلم ماذا ستفعل إن رفض جدها، فهي ليس لها القدرة أن تعترض، فجدها في حياتها قبل أن تعرف أدهم حتى، لو كانت تحبه. بقيت تفكر حتى دلفت لها جدتها تحمل كوبين من الشاي.
قالت الحاجة فوزية: "جدك نام، وأنا قلت أجاي أشرب الشاي مع حبيبتي اللي كبرت وبقى يجيلها عرسان."
أمسكت ملاك بكوبين الشاي ووضعتهما على الطاولة الصغيرة الموجودة بجانب سريرها.
سألت الحاجة فوزية: "ها يا حبيبتي، قولي لي إيه رأيك في اللي حصل من شوية؟ وما تقوليش مش عارفة عشان بقالي كام يوم شايفة عنيكي الحلوة دي بتلمع."
عضت ملاك شفتيها خجلاً واخفضت رأسها قبل أن تتحدث.
قالت ملاك: "بصي يا تيتة، أنا هقول لك على كل حاجة." وأخذت تحدث جدتها ما حدث معها منذ أول مرة قابلت أدهم فيها، دون أن تتطرق إلى حركاته قليلة الأدب وبعض الأمور الأخرى.
قالت ملاك: "وهو ده اللي حصل كله. أنا عارفة إني غلطت لما خبيت عليكي وعلى جدو، بس ما كنتش عارفة أقول حاجة لأن جدو حذرني منه. بس والله يا تيتة، هو طيب وبيحبني وما زعلنيش ولا مرة."
ردت الحاجة فوزية: "كبرتي يا ضنايا وبقيتي تعرفي الحب. لو كان كويس، ادعي إنه يكون من نصيبك. ولو كان وحش، ادعي ربنا يشيل حبه من قلبك. يلا، أنا هسيبك تنامي ونكمل كلامنا بكرة."
سألت ملاك: "تيتة، هو جدو هيقول رده لأدهم إمتى؟"
قالت الحاجة فوزية: "بكرة الجمعة، وبعده السبت إجازة. أكيد يوم الأحد. يلا تصبحي على خير."
خرجت الحاجة فوزية ودلفت لغرفتها.
سأل الحاج حسن: "ها يا حاجة، طمنيني. قالت لك إيه؟"
قالت الحاجة فوزية: "اصبر يا حج، هأقولك على كل حاجة. البنت بتحبه، والواد بيحبها. وكانوا يعني متكلمين مع بعض، بس متعرفش إنه جاي يخطبها. ياه يا حج، لو شفت عينيها وهي بتلمع إزاي لما كانت بتتكلم عنه، فكرتني بعنيين مامتها الله يرحمها. بس ما عرفتش، إنت رأيك إيه؟"
تنهد الحاج حسن.
قال الحاج حسن: "والله مش عارف يا حاجة. الراجل مقتدر وعنده فلوس تكفي مصر كلها، واللي عارفه ومتأكد منه إنه هيعيش البنت عيشة تانية غير دي، هيجيب لها نجوم السما لو طلبت. بس..."
قالت الحاجة فوزية: "بس إيه يا حج؟ بتاع ستات؟ مهو خلاص هيتجوز. وبعدين مش إنت بتقول عمره ما ارتبط بوحدة رسمي وكل اللي يعرفهم يوم ولا يومين وخلاص؟ يبقى إنت تكلمه وتحط شروط عليه عشان نضمنه."
قال الحاج حسن: "ما هو ده اللي كنت عايز أقوله. الراجل إيده طايلة، ولو معنا مية ضمان، ما نقدرش نقف قصاده. مش عارف أفكر. خايف أوافق أظلمه معاه، وخايف أرفض برضو أظلمه لأنه بيحبها."
قالت الحاجة فوزية: "بص، هو لو بيحبها بجد، أكيد مش هيزعلها وهيحطها جوه عينه."
قال الحاج حسن: "هو إحنا إزاي هنتأكد يا حاجة؟"
قالت الحاجة فوزية: "أنا عندي الحل. اسمع، هأقولك إيه..."
رواية عشق الملاك الفصل العاشر 10 - بقلم علياء بطرس
صباحاً في الشركة نجد الحاج حسن يجلس في مكتب أدهم ومعهم أمجد.
"ها يا حج حسن، طمنا، إيه رأيك فموضوع أدهم وملاك؟" قالها أمجد وهو يطالع أدهم الذي بدا عليه التوتر.
"أنا موافق."
ابتسم أدهم حتى بانت أسنانه اللؤلؤية، فاقترب أن يمتلك حبيبته.
"بس أنا ليا شرطين."
"وأنا جاهز لكل اللي تطلبه حضرتك، ومستعد أكتب لها مؤخر يضمن حقها، من مليون لمية لو تحب." قالها أدهم بثقة معتاد عليها في الحديث مع الآخرين.
"بس إحنا مش عاوزين مؤخر كبير، حفيدتي زيها زي أي بنت في منطقتنا، حتى لو هتتجوز واحد زي حضرتك."
ضيق أدهم حاجبيه مستغرباً.
"امال إيه شروطك؟"
"أول حاجة ملاك تكمل تعليمها، يعني حتى لو اتجوزتوا وخلفته، عاوزها تكمل تعليمها، وعاوزك انت اللي تشجعها، ده حلمها وحلم أبوها من قبلها."
"وأنا عاوز ده، عاوز يبقى لها مستقبل وكرير خاص بيها. والشرط التاني..."
"عاوزك تثبت لي إنك بتحبها، مش عاجباك وخلاص."
"إزاي يعني مش فاهم؟ هو في إثبات إني عاوز أتجوزها وأديها اسمي وتبقى أم عيالي؟"
"آه، في."
"اللي هو إزاي بقى؟"
"عاوزك تيجي تعيش عندنا في المنطقة شهرين، عاوز أشوف هتقدر تتحمل العيشة اللي ملاك عشتها ولا لأ. تكون ملاك خلصت 19 ودخلت 20 وتتجوز."
"وقلت إيه؟" قال أمجد.
"بس يا عم حسن..." قاطعه أدهم.
"لو ده هيثبت لك إن بحبها، فأنا جاهز. أنا أصلاً كنت شاري الشقة بتاعة الأستاذ عماد، وكنت ناوي أكتبها باسم ملاك، بس كنت مستني الوقت المناسب. وأنا من النهاردة هسكن عندك."
نظر الحاج حسن لأمجد.
"تشهد على الكلام ده يا بشمهندس أمجد، دي أمانة في رقبتك."
"أشهد وأضمن يا عم حسن على كل الكلام ده، وملاك من النهاردة أختي."
"خلاص، أنا النهاردة هاجي أنا وأمجد وطنط سلوى (ماما أمجد)، أنا أهلي كلهم متوفيين، هنجيب الشبكة والدبل ونقرأ الفاتحة ونكتب الكتاب، وبعد شهرين الدخلة."
"وأنا موافق، مستنيكم النهاردة بالليل."
جلس أمجد أمام أدهم بعد انصراف الحاج حسن.
"هو انت بجد هتسكن عندهم؟"
"أيوه، لو ده هيثبت إن بحبها، هسكن عندهم شهرين، وهيبقوا أحلى شهرين ممكن أقضيهم في حياتي." قالها وابتسامة لعوب تزين وجهه.
"هو انت ناوي على إيه؟" أرفق جملته بغمزته المشاكسة المعتادة.
"ناوي على كل خير طبعاً. اتصل بمامتك بلغها تجهز نفسها، وقول لها متقولش حاجة قدام حد، مش ناقص فريال وبنتها، خلي الواحد يفضل مبسوط ورايق."
***
مساءً في منزل ملاك.
نجدها تفتح الباب لأدهم وعائلته. كانت ترتدي تنورة سوداء قصيرة ذو حزام عريض على الخصر، وقميص بني منقط بالأسود ذو ربطة على العنق، وحذاء مغلق أسود ذو رقبة قصيرة وكعب متوسط الارتفاع.
أعطاها أدهم باقة الورد الحمراء الجميلة. كانت طلته رائعة بحلته السوداء المعتادة. دلف للداخل، وبعده أم أمجد، وبعده أمجد.
جلسوا جميعاً في الصالون.
دلف ملاك تحمل في يدها صينية عليها العصير. قدمته للجميع وجلست بجانب جدتها. شدت تنورتها للأسفل التي ارتفعت قليلاً بسبب جلوسها.
"ما شاء الله، عروستك زي القمر يا أدهم." قالها أمجد مشاكساً.
"آه والله يا ماما، معاكي حق، دي خسارة فيه." نظر له أدهم نظرة أسكتته.
"معلش يا جماعة، ابني بيحب يهزر ويرخم على أدهم، بس أدهم مفيش منه، مش هتلاقي حد أحن ولا أطيب من قلبه."
لكز أمجد أمه في الخفاء.
"أبوس إيدك بلاش كدب، هو انتي مش شايفة تكشيرته اللي مش عاوزة تتفك حتى وهو بيتجوز، عشان كده ادخلي في الموضوع بسرعة."
تنحنحت سلوى.
"إحنا النهاردة جايين عشان نخطب القمر دي لابني أدهم."
قال الحاج حسن.
"واحنا موافقين."
"يبقى خلاص، خلينا نقرأ الفاتحة." قالتها السيدة سلوى وهي تنظر لملاك بإعجاب.
قرأ الجميع الفاتحة تحت نظرات أدهم لملاك التي أربكتها وزادت من توترها. وجاء المأذون وكتب الكتاب وأصبحت زوجته شرعاً. تبادلوا المباركات مع الجميع.
"يلا يا أدهم، لبس عروستك المحابس." قالتها سلوى.
أخرج أدهم من العلبة خاتم ماس مزدوج رائع.
أمسك يديها الناعمتين وألبسهما في بنصرها وقبل يدها. ثم أخرج دبلته وأعطاها لملاك لتلبسه له.
"امسكت يديه بيدين مرتجفتين ووضعتها في إصبعه."
ثم أخرج علبة قطيفة مخملية بها طقم ماس جميل جداً.
"ألبسها شبكتها ثم قبل جبينها."
همست ملاك بخفوت.
"بس كده كتير، كفاية الخاتم."
ابتسم لها.
ثم أخرج علبة أخرى وبها طقم ماس لا يقل جمالاً عن سابقه.
"ده هدية مني ليكي."
"بس كده كتير، أنا مش عاوزة كل ده." قالتها بصدق وهي تنظر لعينيه.
ابتسم وجذب علبة أخرى وبها طقم ماس بنفس مواصفات الأطقم السابقة، ولكنه ذو طابع قديم قليلاً.
"ده بقى غير كل اللي فات، ده من مامتي، كانت ناوية تديه لمراتي بس ماتت قبل اليوم ده... الله يرحمها."
ابتسمت ملاك له بحب.
اقتربت منها والدة أمجد وهي تمد لها عقد ماس رائع.
"والله يا بنتي، أنا ما كنت أعرف، كنت جبت حاجة أكبر، بس اعمل إيه؟ محدش بلغني. إن شاء الله في الفرح أجيب لك حاجة أحلى بكتير."
لكزت الحاجة فوزية كتف زوجها وقالت بخفوت.
"هو إيه العيلة دي؟ كل هداياها ألماس وتقول مش قد المقام."
"الناس اللي زي دي، الحاجات اللي بملايين متجيش حاجة بالنسبة لهم."
جلسوا قليلاً قبل أن يغادر الجميع. اتجهت ملاك مع أدهم لباب الشقة.
"دنا من أذنها قليلاً."
"مبروك يا ملاكي."
ارتبكت ملاك وأجابته بخفوت.
"الله يبارك فيك.. تصبح على خير."
وأغلقت الباب سريعاً.
دلف أدهم لشقيقته الجديدة، فهو أمر رجاله بتنظيفها وفرشها. وجدها لا بأس بها، ولكنها صغيرة جداً بالنسبة للقصر الذي كان يعيش فيه.
دلف لداخل غرفة النوم وخلع ملابسه ودخل للحمام لينعم بحمام دافئ. خرج بعد قليل يلف منشفة كبيرة سوداء على خصره ومنشفة موضوعة على رقبته ينشف بها شعره المبلل. ارتدى بنطال قطني رمادي اللون وبقي عاري الصدر. تسطح على سريره الجديد، حاول النوم ولكنه فشل. خرج لشرفة غرفته وجلس على الكرسي الموجود وأخذ يدخن بشراهة. لحظات وانتبه لوقوف ملاك في الشرفة الملاصقة لشرفته. لم يتوقع أن الحظ سيخدمه ويجعل شرفته ملتصقة بشرفتها. اقترب منها بهدوء، وجدها تتأمل الخاتم الموجود في يدها، تارة تبتسم وتارة تقبل الخاتم. اقترب منها ودنا هامساً في أذنها.
"للدرجة دي مبسوطة بالخطوبة؟"
شهقت ملاك بفزع واضعة يدها على قلبها لتهدئتها.
"حرام عليك يا أدهم، خضتني."
وما إن هدأت حتى اصطبغ وجهها بالحمرة فور ملاحظته أنه عاري الصدر. استدارت وأولته ظهرها.
"انت إيه اللي عامله ده؟ ادخل البس حاجة، مينفعش اللي انت بتعمله."
ابتسم أدهم على خجلها ودخل أدهم وارتدى تيشيرت وخرج لها مرة أخرى.
"كويس كده؟"
هزت رأسها بالإيجاب.
"ها، الخاتم عاجبك؟"
نظرت للخاتم بحب.
"ده تحفة، عجبني جداً لدرجة إني مش عاوزة أبطل أبص عليه."
"أنا حاولت أجيب حاجة بسيطة عشان عارفك بتحبي البساطة."
"هو انت بجد هتسكن هنا شهرين؟"
"أيوه، وفيها إيه دي؟"
"لأ، مفيش، بس هنا غير المكان اللي كنت عايش فيه."
"لو ده يثبت لجدك إني بحبك، مستعد أسكن هنا العمر كله، بس على فكرة المكان مش بطال."
صمتت قليلاً قبل أن تهتف.
"هو انت ليه ما نمتش لغاية دلوقتي؟"
"معرفتش أنام وحبيبتي ومراتي بيني وبينها بس حيطة ومش عارف آخدها في حضني. وبعدين انتي ليه مانمتيش لغاية دلوقتي؟"
"أصل لما ببقى مبسوطة ما بعرفش أنام." قالتها والابتسامة تزين ثغرها.
"يعني انتي مبسوطة عشان اتخطبنا؟" هزت رأسها بالإيجاب.
نظر للكوب الموجود في يدها، أخذه منها دون إذنها، ووضع شفتيه مكان شفتيه.
"النسكافيه بتاعك حلو أوي زيك بالظبط."
"خلاص، وقت ما تحب، قولي وأنا أعملك زيه."
وضعت ملاك يدها تحت ذقنها وأخذت تتأمله في التيشيرت الذي يرتديه، أظهرت عضلات صدره المتصلبة وشعره الأشعث غير المهندم، عضلات ذراعيه التي كادت أن تمزق التيشيرت.
التفت إليها أدهم ولاحظ شرودها.
اقترب منها حتى اختلطت أنفاسهم.
"سرحانة في إيه؟"
قالت وهي ما زالت في شرودها.
"هو انت بتعرف تشيل كام كيلو؟" قال بصوت هادئ حتى تبقى في شرودها.
"لغاية 200 لو تحبي."
"يعني هتعرف تشلني؟"
ابتسم أدهم وقفز لشرفتها ووضع يد خلف ركبتيها ويده الأخرى خلف ظهرها وحملها بخفة، فهي خفيفة جداً. فاقت ملاك من شرودها وهي بين ذراعيه، أخذت تحرك قدميها.
"أدهم إيه اللي انت بتعمله؟ نزلني، لحد يشوفنا."
"محدش له حاجة عندي، مراتي وحر فيها."
"أدهم نزلني، لو تيتة وجدو شافونا هيزعلوا مني أوي."
أنزلها أدهم أرضاً ووضع يديه على خصرها وقبل جبينها.
شعر بيدها الرقيقة على صدره العريض.
"أدهم امشي عشان خاطري، والنبي مش عاوزة جدو أو تيتة يشوفوك هنا."
انصاع أدهم لطلبها مجبراً حتى لا يسبب لها إحراجاً.
تنحنحت ملاك.
"أدهم، هو إيه اسم مامتك؟"
عقد أدهم حاجبيه من سؤالها.
"مامي اسمها سيلين.. بتسألي ليه؟"
"أبداً، كنت حابة أعرف بس، اسمها حلو جداً."
"وانتي بقى اسم مامتك إيه؟"
"اسم مامي فدوى."
"هو امك مصرية؟"
"آه طبعاً مصرية، بتسأل ليه؟"
"أصل ملامح وشك أجنبية."
"أنا هفهمك، أصل تيتة أم مامتي من روسيا وجت مصر سياحة وشافت جدو أبو مامتي لأنه كان بيشتغل دليل سياحي وحبوا بعض واتجوزوا."
بدت شهية جداً وهي تتحدث، لو يظل هكذا يستمع إليها لساعات لن يمل منها. كان يود أن يحملها ويأخذها لسريره لتصبح زوجته قولاً وفعلاً. زفر بقوة محاولاً تمالك نفسه، فال فكرة نفسها تثيره.
"أنا بقول ندخل ننام عشان ثانية كمان ومش هسيبك."
"تصبح على خير.. عاوز حاجة قبل ما أنام؟"
"آه، عاوز."
"عاوز إيه؟"
اقترب منها وقال.
"عاوزك تقوليلي بحبك يا أدهم."
أخفضت ملاك رأسها واقتربت من أذنه قائلة بصوتها الناعم.
"بحبك يا أدهم."
وفرت هاربة من الشرفة. عض أدهم شفتيه غيظاً، فبعد هذه الجملة كان يود أن يلتقط شفتيها الناعمتين ولكنها هربت. عاد لغرفته ودثر نفسه بالغطاء. حاول النوم كثيراً، ولكن صوت أنفاسها في أذنه لم يساعد الموضوع عليه، وقولها لكلمة بحبك بهذه الرقة جعلته يجن. قفز من سريره متجهاً إلى شرفتها، وما إن دلف إلى غرفتها حتى اندلعت النيران بداخله، فكانت ترتدي بيجامة نوم قصيرة وانحصرت للأعلى، فكشفت عن فخذيها الناعمتين، وهذا الغطاء اللعين يبدو وكأنه اتفق عليه، فهو الآخر وقع من على جسدها. أخذ يتمتم.
"أنا إيه اللي جابني هنا؟ كلمة بحبك أهون بكتير من اللي شايفه ده. اعمل إيه بس؟"
اقترب منها فوجدها تغط في نومٍ عميق. أغلق الباب بالمفتاح بهدوء خوفاً من مجيء جدها أو جدتها فجأة. اقترب من سريرها ودس نفسه في جوارها. رفع رأسها بهدوء ووضعه على صدره. تململت في نومتها قليلاً ثم عادت لثباتها مرة أخرى. ولكنها فعلت شيئاً جعله يكاد يفقد آخر ذرة تحمل. وضعت قدمها على قدميه. حاول أدهم تنظيم أنفاسه قليلاً ليسيطر على نفسه. جذب الغطاء عليهما واحتضنها بتملك. ابتسم على أفكاره المجنونة.
"آهو كده أحسن من بلاش." قالها بصوت خافت.
صباحاً.
استيقظ أدهم على صوت ضوضاء وأصوات باعة متجولون وأصوات أبواق السيارات وأغاني شعبية. قبض حاجبيه بانزعاج، ثم تذكر مكان وجوده. وما إن فتح عينيه حتى كاد يجن من جمال المنظر، فحبيبته نائمة على صدره وشعرها الحريري متناثر حولها، رموشها الجميلة الكثيفة وخدودها الحمراء أثر النوم وفمها الكرزي الصغير. اقترب منها وأخذ قبلة خاطفة حتى لا تستيقظ أميرته النائمة. وضعها بهدوء على الوسادة وانسحب من غرفتها عائداً إلى شقته.
بعد قليل.
استيقظت ملاك وأحست ببرودة فراشها وكانت تشم رائحته في غرفتها، ولكنها كذبت نفسها. جلبت هاتفها لترى الساعة فوجدت السابعة والنصف. بدلت ملابسها وقبل أن تخرج صدح هاتفها باتصال أدهم.
"صباح الخير." قالتها بصوتها الرقيق.
جاءها صوت أدهم الأجش.
"صباح الفل والعسل والياسمين.. عاملة إيه؟"
"كويسة الحمد لله، وانت عامل إيه؟ نمت كويس؟"
تذكر أدهم ليلته.
"تصدقي لو قلت لك إني عمري ما نمت كويس كده."
قضبت ملاك حاجبيها بعدم تصديق، فصوت ضوضاء حارتهم مزعج جداً، ولكنها أجابت باقتضاب.
"طيب كويس... فطرت؟"
"لأ، أنا مفطرتش بس بشرب قهوة."
"طيب، أنا هعمل فطار، تيجي تفطر معايا أنا وتيتة؟"
"خلاص، قبل ما أنزل الشغل هعدي عليكِ أفطر معاكي."
أغلقت ملاك وخرجت وجدت البيت هادئاً. ضيقت بين حاجبيها المرسومان وأخذت تبحث عن جدتها، فوجدتها قد وضعت الفطور على الطاولة وعادت لتكمل نوم. ابتسمت ملاك على جدتها، فأصبحت بسبب أدويتها الكثيرة تنام كثيراً.
اتجهت ملاك لتعد كوبين من النسكافيه، واحد لها والآخر لأدهم. عادت لغرفتها، ارتدت بيجامة منزلية باللون الأسود متكونة من بنطال وبلوزة كم طويل وعليها جاكيت رقيق، وارتدت خفها المنزلي على شكل قطة ورفعت شعرها على شكل كعكة فوضوية وتركت بعض الخصلات الشاردة على جبهتها وعنقها.
في شقة أدهم.
نجده يخرج من الغرفة التي خصصها لأجهزة الرياضة. كان يرتدي تي شيرت أبيض وشورت أسود وحذاء رياضي باللونين، واضعاً منشفة صغيرة على رقبته يمسح بها عرقه الذي تصبب منه. كان متجهاً ليأخذ حماماً، ولكنه اتجه للباب فور سماعه لجرس الباب. وجد ملاك تنظر له بتفحص، فكان مظهره جميل. قضمت شفتيها، فهذه عادتها. رفع إبهامه ليحرر شفتيها من وطأة أسنانها وخطف قبلة سريعة. احمرت خدودها بسبب فعلته. دنا منها وقال بجانب أذنها.
"أنا قلت لك قبل كده، لو شفتك بتعضي شفايفك دي تاني، هعتبر إن دي دعوة صريحة منك إني أبوسهم."
أخفضت ملاك رأسها خجلاً ثم قالت بخفوت وهي تحاول أن لا تجعل عيناها تلتقي بعينيه.
"أنا جهزت الفطار، غير هدومك وتعال."
ولم تعطيه مجالاً للرد وفرت مسرعة من أمامه.
وبعد قرابة النصف ساعة كان يجلس معها على طاولة السفرة الموجود عليها بعض الأصناف كالجبن ومربى الفراولة الذي تحبه ملاك والبيض المسلوق وشرائح اللانشون وأصناف أخرى وضعتها ملاك لتجعلها سفرة جميلة. تناولت شريحة من الخبز دهنت عليه المربى وقربته من أدهم، جذبها من يدها وقربها من فمها، التقطت جزء منها وأنزلته، ولكنه بقي بجانب شفتيها قليل من المربى. كان يود أن يلعقها بلسانه، ولكن وجود جدتها معهم في المنزل لم يساعده على ذلك. شرب أدهم من كوب النسكافيه الذي أعدته له ملاك. انتصب متجهاً للباب ثم التفت إليها متسائلاً.
"هو انتي مش رايحة الجامعة؟"
"لأ، أنا النهاردة معنديش جامعة."
دنا منها وقبل جبينها واتجه لعمله.