تحميل رواية «نوح الباشا» PDF
بقلم ندا الشرقاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في اسكندرية كانت تقف موج في خلفها البحر وأمامها طاولة تعم بالاسماك وهي تهتف قائلة "اوزن يا مدام ،دا بتاع انهارده طازة تحبي تشوفي "قامت بفتح السمك بحترافيه من اخر راسها وهيا تشير إلى التي تقوم بالشراء وتهز راسها بمعنى اتري لكن قاطعها هجوم رجل يدعى على نفسه "مُعلم السوق " هتف وهو يشير لها بعصاه ويرفع احد حاجبه الغليظة _يالا يابت من هنا مفيش بيع سمك هنا هبطت موج عن الحجر الكبير الذي تقف عليه هاتفه بهدوء ما قبل العاصفة _ليه بس يا معلم احنا زعلناك في حاجة هتف الرجل الجشع وهو يضع يده اليمنى على مقدمه...
رواية نوح الباشا الفصل الأول 1 - بقلم ندا الشرقاوي
في اسكندرية
كانت تقف موج في خلفها البحر وأمامها طاولة تعم بالاسماك وهي تهتف قائلة "اوزن يا مدام ،دا بتاع انهارده طازة تحبي تشوفي "قامت بفتح السمك بحترافيه من اخر راسها وهيا تشير إلى التي تقوم بالشراء وتهز راسها بمعنى اتري لكن قاطعها هجوم رجل يدعى على نفسه "مُعلم السوق " هتف وهو يشير لها بعصاه ويرفع احد حاجبه الغليظة
_يالا يابت من هنا مفيش بيع سمك هنا
هبطت موج عن الحجر الكبير الذي تقف عليه هاتفه بهدوء ما قبل العاصفة
_ليه بس يا معلم احنا زعلناك في حاجة
هتف الرجل الجشع وهو يضع يده اليمنى على مقدمه بَطْنُه ،بعد ما بصق ما في جوفه على الارض بكل قذاره
_اه يا روح امك مبتدفعيش زيك زي الناس ياختي وكل برغوت على قد دمه
قامت بعدل حجابها على رأسها وعبايتها التي تفوح منها رائحة السمك
_ولية الغلط يا معلم بس أنا لحد دلوقتي مغلطش فيك اقف معوج واتكلم عدل ولا علشان وليه
رد عليها بكل قسوة وعصبيه
_أنا يا بت تقوليلي كده مكنوش يومين يا روح امك اللي قعدتِهم هنا والكُل بيشتكي منك امال لو قعدتي شهر هتعملي اي إن شاء الله
تمتمت وهى تحاول مجاريته وعدم الوقوع في المصائب من أول أيامها في هذا السوق
_يا معلم استهدى بالله بس هنروحوا فين أنت عارف ملناش اللي البحر والكام السمكة اللي رزقي منها
رد بغلاظه وجشع
_خلاص يبقا تدفعي
_ادفع يا معلم ،الفرفشه بكام؟
وضع يده في جيبه واليد الاخرى مسح على شاربه
المعلم وحط ايده على صدره والايد التانيه بيعدل شاربه
_150 جنيه كُل يوم
وضعت يدها على صدرها كان نوع من الدهشة والاستغراب
_لية إن شاء الله قاعده في مطاعم اسكندرية ولا اي هو أنا ببيع كام كيلو علشان تاخد 150 جنية
رد بقلة صبر
_هتدفعي ولا تغوري
ودت بهدوء
_يا معلم الكلام أخد وعطى برده أنا زي بنتك عاوزة أكلها حلال، حرام عليك
تمتم بعصبية
_يالا ياختي من هنا بقا مش ناقصين قرف
اقترب بعصاه، تخبطها الأرض بخفة لكن بصوتٍ يحمل التهديد، وجميع رجاله التفّوا حوله كالسياج، يملؤون المكان بالعتمة رغم ضوء الشمس.
نظر إلى طاولة السمك بعينٍ ضيقة، وكأنها تحدٍ شخصي، ثم هتف بصوتٍ أجش:
-خلوها ما تقومش تاني!
تقدّم خطوة، رفع عصاه، وأشار بها إشارة حاسمة، فتحرّك الرجال كأنهم ذئاب جائعة.
كانت تقف بثبات غريب رغم الارتجاف في أطرافها، مدت يدها بسرعة نحو الطاولة، وقفت أمامها كأنها جدار، نظرت إليه بعين فيها خوف بس كمان فيها نار:
-على جثتي… الطربيزة دي رزقي، وإنت أول واحد عارف ده.
لكن المعلم ابتسم، ابتسامة لا يوجد بها رحمة، وعدّل شاربه بطرف سبّابته، وقال:
-والحياة إلا سوق… اللي مش دافع، ملوش مكان فيها يا عنيا.
تصلّبت في مكانها، وكأنّ الأرض التصقت بأقدامها. رغم اضطراب أنفاسها، لم تتزحزح. نظرت حولها للحظة، والناس صامتون، عيونهم تنظر ولا تتدخل.
أحد الرجال تقدّم بخطى سريعة، مدّ يده نحو السمك المتناثر، فصرخت:
-ما تلمسش حاجة مش بتاعتك، دا عرقي أنا حراام عليكم
ارتبك لحظة، لكنه نظر نحو المعلم ينتظر إشارة.
المعلم لفّ العصا في إيده، وضرب بيها الأرض من جديد، ثم قال:
-قلبك جامد أهو… بس جامد على الفاضي، السوق ليه قوانينه، وأنتِ بقيتي زيادة على اللزوم.
ردت بصوت مرتعش لكنه متحدي
-زيادة؟أنتوا جايين تستقوا على بنت لوحدها عاوزه تاكل لقمة حلال ولا اقطع من جسمي وادي كلاب السكك ! سيبوني وأنا عمري ما هاخد من حد ولا هابص في رزق حد بس إنتو بتموتوا الضعيف فاكرين إن مفيش اقوى منكم .
لم يهتم أحد لكلامها واقترب احد الرجال جذب الطاولة من طرفها بعنف فتأرجحت اندفعت موج تمسكها بقوة ،لكن كتفيها ترتعش ،نظرت لهم نظرة طويلة وقالت
-لو هتوقعها… توقعني أنا معاها!
هتف المعلم بغضب
-ملناش في ضرب الحريم ،اخلصوا
في أقل من دقيقة، أبعدوا “موج” عن الطاولة، ثم هدموها بعنف حتى تناثر السمك على الأرض.
كانت تنظر إليهم ودموعها تملأ عينيها، عاجزة عن التدخل.
نظرت إلى السمك الذي كان يسبح قبل لحظات بجانبها، وهو يرتطم الآن بالأرض، يتخبط محاولًا النجاة، لكن لا حيلة له… ولا لها.
اصطفّوا بجانب معلمهم بعد أن أنهوا عملهم
نظر المعلم إلى “موج” الجالسة على الأرض، لا تقوى على الحراك، ثم هتف بصوتٍ قاسٍ
-علشان تتعلمي المره الجاية متكابريش مع الكبير يا حليتها ….ثم هتف للجميع..يلا يا عم أنت وهو كُل واحد على فرشته
………………..
"في ڤيڤي، على ضفاف بحيرة جنيف، غرب سويسرا"
كان يوجد مبنى ضخم، لا تعلم كم عدد الأدوار فيه أو الغرف، من شدّة ضخامته واتساعه. بدا وكأنه نُحت من قلب الزمن، يلامس الغيم من علوه، وتنعكس صورته كاملة على صفحة الماء الهادئة أمامه.
خلف نوافذه الزجاجية، كانت الحركة لا تهدأ. رجال ونساء يدخلون ويخرجون، وجوههم تحمل ملامح الجدية والانشغال، وكأن كل خطوة منهم تُغيّر شيئًا في هذا العالم.
ذلك المبنى كان مقرًّا لأكبر شركة أزياء في العالم"Valmira".
لكن خلف هذا الضخامة والثراء الفاحش
كان هناك طابق لا يصل إليه أحد بسهولة،وغرفة لا تُفتح إلا بمفتاحٍ واحد، لا يحمله إلا شخص واحد من يثق به رئيس هذه المجموعة
في داخل هذه الغرفة نجد شاب في أواخر العشرينيات يجلس على مقعده في يده قلم كُل من بنظر إليه يقوم "قلم" لكن عندما يقع القلم في يده يصبح سحر مثلا عصاه الساحر ،أمامه ورقه بيضاء في داخلها فستانًا من كثر جمالة ينطق ويخرج من الورقه ،كان من غير أكمام ذو فتحة صدر واسعه يصل إلى بعد الركبة بقليل يتميز بفتحة من الجنب الايمن تصل إلى أعلى الركبة كان باللون الأحمر الناري يتوسطه عند الخصر حزام رقيق جدا مرصع بقطع من الألماس
وضع القلم على المكتب وامسك الورقة ورفعها لاعلى وهو ينظر إليها بعمق ثم قهقة بقوة وهو يتذكر ليلة أمس
"عودة للماضي"
كانت غرفة الاجتماعات مكتظة بأهم الشخصيات في البلاد، فالكل اجتمع لتوقيع واحدة من أكبر الصفقات، والأنظار كانت تتجه نحو من سيظفر بها. في صدر القاعة جلست لجنة التحكيم، وعلى رأسها الشخص المخوَّل باتخاذ القرار النهائي.
رفعت اللجنة رؤوسها عن الأوراق وقد بدت عليها الحيرة؛ فالتنافس بين الشركتين كان شديدًا والدقة في التفاصيل تكاد لا تُصدَّق.
هتف رئيس اللجنة بلهجته:
— شو معقول! التنافس بينكم عالي جدًا، بس التصميم الأخير هو اللي راح يحدد المالك.
تم فتح التصميم الأخير… وفي لحظة صمت مهيبة، بدت علامات الدهشة على الوجوه. التصميم أبهر الجميع بسعته، تنسيقه، وقوة ألوانه الجريئة التي عكست رؤية مبتكرة وشجاعة.
ابتسم رئيس اللجنة وأعلن:
— صفقة اليوم، وكما في كل مرة… تذهب لشركة “Valmira”، المملوكة لرجل الأعمال والمصمم العالمي نوح الباشا.
"عودة للحاضر"
كان يستعيد الذكريات وهو يهتف لنفسه "لا أحد يقدر على نوح الباشا"
أضاء ضوء خافت شاشة اللابتوب أمامه، وهو يتابع بثبات رسائل مشفرة وصلت لتوه.
صوت رسالة جديدة دخل، فتحها بتركيز، وكانت تحذيرًا مبطّنًا:
-إياك تستهين، في عيون تراقبك أكثر مما تتخيل.
قفل اللابتوب بقوة، ونهض واقفًا، يمشي بخطوات طويلة في الغرفة الفسيحة، وعيناه تحملان عاصفة من الأفكار.
ثم أخرج هاتفه، واتصل بصوت حازم:
-أريد تقريرًا كاملاً عن كل تحركات المنافسين خلال 24 ساعة القادمة… ولا تترك شيء للصدفة.”
نظر إلى المرآة الكبيرة، وتحدث لنفسه بصوت منخفض لكنه قوي:
-نوح، ده مش بس تصميم، دي لعبة… واللعبة دي لازم ألعبها بذكاء أو أموت في المحاولة……
يتبع
الفصل الثاني من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثاني 2 - بقلم ندا الشرقاوي
صوت رسالة جديدة دخل، فتحها بتركيز، وكانت تحذيرًا مبطّنًا:
-إياك تستهين، في عيون تراقبك أكثر مما تتخيل.
قفل اللابتوب بقوة، ونهض واقفًا، يمشي بخطوات طويلة في الغرفة الفسيحة، وعيناه تحملان عاصفة من الأفكار.
ثم أخرج هاتفه، واتصل بصوت حازم:
-أريد تقريرًا كاملاً عن كل تحركات المنافسين خلال 24 ساعة القادمة… ولا تترك شيء للصدفة.
نظر إلى المرآة الكبيرة، وتحدث لنفسه بصوت منخفض لكنه قوي:
-نوح، ده مش بس تصميم، دي لعبة… واللعبة دي لازم ألعبها بذكاء أو أموت في المحاولة……لازم أنزل مصر أشوف الحياة هناك بس أنا بره من زمان أوي ..معرفش هما نقلوا ولا لسه في مكانهم أنا حتى مكلفتش خاطر إني اعرف احوالهم بس هما اللي عملوا فيا كده
عودة إلى الماضي
منذ اثني عشر عامًا…
في ذلك اليوم، ظهرت نتيجة الثانوية العامة لنوح، الفتى الذي عُرف بين الجميع بذكائه وقوّته ومهارته العالية في دراسته.
كان أفراد العائلة يجلسون على أعصابهم، يترقبون لحظة ظهور الشهادة، بينما ظل نوح صامتًا، مشغول الفكر، لا يشغل باله بالنتيجة نفسها، بل بالكارثة التي تنتظره عقب إعلانها.
مضت عشر دقائق… ثم خمس أخرى…
حتى علت الأصوات في الشارع، ضجّة من الفرح، صياح وزغاريد، وكأن الحي بأكمله يحتفل.
صرخ والده من الخارج بصوتٍ حماسيّ متسارع
-افتح يا نوح بسرعه يلا بسرعه
ابتلع نوح ريقه بصعوبة، وكأن شيئًا ثقيلًا يعيق حلقه.
أخرج هاتفه، فتح التطبيق المختص بالنتائج، وأدخل الكود الخاص به.
ثوانٍ معدودة مرّت، لكنها بدت كأنها دهرٌ كامل…
ثم ظهرت النتيجة:
“نوح عبدالعظيم الباشا – ٩٦٪ علمي رياضة”
في لحظة، تعالت الزغاريد في المنزل، وارتفعت أصوات التهاني، وتحوّل الترقب إلى بهجة عارمة.
أسرع والده إليه، واحتضنه بفخر، فيما انفجرت والدته بالبكاء من شدة الفرح
هتف والده بصوتٍ يملؤه الزهو والاعتزاز
-مبروك مبروك يا بشمهندس كده رسمي بقا
ثم تابع بصوتٍ أعلى، وكأنّه يعلن الخبر للعالم بأسره
- …المهندس نوح عبدالعظيم الباشا
رد نوح بهدوء ما قبل العاصفة
-احم الله يبارك في حضرتك
هتفت شقيقته الأصغر
-مالك يا نوح أنت مش مبسوط
رد نوح بحيره وهو ينظر لوالده الذي يطالعه بدقه
-هااا لا فرحان
رتب والده على كتفيه وهو يقول
-كده بقا نقدم في اجدعها كلية هندسة في اسكندرية
تشجع نوح وهو يتمتم ويجاهد على خروج صوته لكن دق الباب وبدات المباركات ولم يستطيع الحديث مع والده
حتى جاء المساء ،هدأ ضجيج التهاني، وسكنت الزغاريد، وبقي في الجو صدى فرحة لم تكتمل داخل صدر نوح.
جلس الأب في صدر الصالون، يرتشف قهوته بطريقته المعتادة، يضع ساقًا على ساق، وعيناه تلمعان بفخرٍ لا يُخفى.
ثم نادى بصوته العميق:
-تعال يا نوح ،نبدأ نفكر في التنسيق
دلف نوح الغرفة بخطى ثابتة، لكن قلبه يتقلب كصفحات كتاب تحت عاصفة. جلس أمام والده بصمتٍ مريب.
قال الأب بثقة لا تقبل نقاشًا:
-طبعًا هندسة القاهرة تروح تقعد هناك مستقبلها مضمون ،قسم كهرباء أو عمارة ،هاا ايه رايك ؟
نظر إليه نوح طويلًا، ثم نطق بصوت هادئ، لكنّه يحمل صلابة غير مألوفة
-أنا مش ناوي أقدم هندسة يا بابا
تجمّدت يد الأب في الهواء، وكأن الزمن توقف وضع قهوته امامه حتى يستوعب ما قاله ولده ، ثم قال ببطء:
-ايه؟؟؟
رفع نوح رأسه، وقال بوضوح:
-أنا عاوز أدرس تصميم أزياء يعني أدخل فنون التطبيقية
ساد الصمت للحظات، ثم ضحك الأب بسخرية قصيرة:
-أنت بتتكلم بجد ؟؟ تصميم ايه ؟ أنت جايب ٩٦٪ علشان تروح ترسم فساتين
-مش فساتين ،دا فن حقيقي ،أنا مش هقدر اعيش غير وأنا بعمل الحاجة اللي بحبها
ارتفع صوت الأب فجأة، وانقلب وجهه:
-ده كلام فاضي ،شغل عيال هو ،هو انا صرفت عليك وكبرتك وعلمتك علشان بحلم باليوم اللي اشوفك فيه مهندس مش تضيع مستقبلك بايدك
نهض نوح واقفًا، عينه لا تهرب من عيني والده، وقال بصوت منخفض لكن حاسم:
-أنا مقدر كل دا بس دي حياتي أنا ،أنا اللي هعيش وأدرس وأشتغل مش اعيش حياة غيري مقدرش يحققها فا احققها أنا
اتسعت عينا الأب من الغضب، وصاح:
-تحقق حاجة غيرك معرفش يحققها ؟؟
رد نوح بتردد
-أنا اسف بس دي الحقيقة حضرتك عملت كل دا علشان أنا احقق اللي حضرتك كنت عاوز تبقى فيه ،لان حضرتك مجموعك مجابش هندسة ودخلت حاسبات عاوزني اعيش حلمك ليه ؟؟واعيش حياتك اللي حضرتك مقدرتش تعملها ،مع احترامي لحضرتك أنت اه عملت علشاني كتير وصبرت كتير وصرفت عليا المفروض علشان تشوفي مبسوط مش علشان اعيش حياة مش حياتي ،أنا مش أنت
في لحظةٍ خاطفة، رفع الأب يده، وسقطت صفعة قوية على وجه نوح، دوّى صداها في قلبه قبل أن تدوّي في أذنه.
تجمّد مكانه، مذهولًا، وعيناه اتسعتا من الصدمة… لم تكن الصفعة هي الألم الحقيقي، بل الخذلان.
امتزج وجهه بين الاحمرار والذهول، وشعر بوخز الخزي ينهش داخله، كأن كل كرامته انهارت فجأة أمام أعزّ الناس إليه.
نظر إلى والده نظرة طويلة… لم تكن نظرة كره، بل وداعٍ صامت.
ثم قال بصوت منخفض، مكسور… لكنه ثابت:
– كنت أتمنى تسمعني… مش تضربني.
استدار ومشى بهدوء… خطواته كانت بطيئة، لكنها ثابتة، وكأن كل خطوة تُحفر في الأرض طريقًا لا رجعة منه.
لم ينظر خلفه، لم يرد أن يرى وجه من كسر شيئًا داخله للأبد.
كانت تلك اللحظة… لحظة ميلاد رجل جديد. رجل قرر أن يصنع مجده بيده، ولو كلّفه ذلك الغربة عن الوطن… وعن الأهل.
"عودة للحاضر"
تذكر تلك الصفعة التي يتذكرها كل دقيقة وكل ثانية لا يعلم كيف ينسى ؟؟كيف يتخطى؟اهو المخطئ؟أم والده الذي لم يحتويه ؟
وقف واخذه معطفه وخرج من الشركة باكملها يحاول البحث عن الراحة لكنه لم يجدها مر اثنا عشر عامًا
…………….
الإسكندرية
كانت موج تجلس في غرفتها الضيقة التي استأجرتها مؤخرًا في أحد الأحياء الشعبية القريبة من البحر، ظهرها مستند إلى الحائط المتقشّر، ويديها متشابكتان في حضنها.
لم تكن تعرف ما تفعل، وإلى أين ستقودها خطواتها القادمة.
لا مأوى حقيقي، لا عائلة تحتضنها، لا حبيب يطمئنها، ولا صديق يشدّ على يدها… كانت وحيدة، تمامًا كصخرة نُسيت على الشاطئ.
كل ما تعرفه عن الحياة هو البحر… والسمك.
مدّت يدها إلى جيبها وأخرجت ما جمعته من عملها اليومي، قطعًا معدنية وأوراقًا قليلة.
بدأت تعدّها ببطء كمن يحصي أنفاسه:
-٣٢٠ جنية
ثم تمتمت بسخرية مريرة:
-وبعدين يا موج ؟ هتفضلي البحر يمرجح فيكِ لحد امته ؟هتفضلي تجري من هنا لهنا ،شكلك مكتوب عليكِ الشقى يا بنت صبحية
نهضت واتجهت نحو الفراش المهترئ، رفعت المرتبة وأخرجت كيسًا أسود اللون، وضعت فيه مال اليوم بعد أن احتضنته لحظة بابتسامة صغيرة، وكأنها تربّت على قلبها.
عدّت ما فيه:
-١٥٠٠ جنية
رقم لا يعني شيئًا للكثيرين، لكنه بالنسبة لها أملٌ في الاستمرار.
أخذت عشرين جنيهًا فقط، ووضعت البقية، ثم ارتدت عباءتها الباهتة، وخرجت إلى الشارع.
هبطت الدرجات بخفّة المعتادة على الرحيل، وتوجّهت إلى السوق القريب.
وقفت أمام عربة طماطم متواضعة، وقالت بصوت خافت:
-عاوزة حبيتين طماطم ،ياخالتي
نظرت إليها المرأة الجالسة خلف العربة ، وهي تعوّج فمها:
-حبيتين ياختي ،أنتِ كل يوم على كدة
تنهدت موج، وردّت بهدوء بارد:
-يا خالة ،هو أنا باخد ببلاش ؟ما بتاخدي فلوسك ،مالك بقا ؟ولا شايفة نفسك قاعده في كارفور ؟أنتِ فارشة في السوق أوزني واخلصي
رمقتها المرأة بنظرة جانبية، ثم وضعت الطماطم في كيس صغير:
-اتنين جنية ونص ياختي
أخرجت موج ثلاث جنيهات، وقالت بابتسامة سمجة قاصدة :
-ايدك على النص جنية .. اصل هجيب نص كيس ملح
أعطتها المرأة النصف جنيه، وهي تتمتم بسخرية:
-خدي ياختي … ولا كأنك بتقطعي من لحمك
تحركت موج وهي تتمتم في نفسها، نظراتها تائهة بين وجوه الناس، وصوت قلبها يتردّد داخله عجبًا عليهم لا يعلمون كيف يدخل الجنية إلى جيبي ..ربنا الرزاق
قطعت الطريق إلى أقرب بقالة صغيرة، ثم عادت تسير بخطى بطيئة نحو البيت، تحمل كيسها كأنه كنز.
لكن قبل أن تصل إلى باب البناية…
توقفت فجأة عندما رايك وجه تعرفه جيدًا هتفت بصدمة كان يخرج بؤبؤ عينها من مكانة
-عمتي ؟؟؟؟؟؟؟
يتبع
الفصل الثالث من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثالث 3 - بقلم ندا الشرقاوي
همست بدهشة
-بص يابابا ،شوف نوح بقا عامل ازاي؟
نظر الاب الهاتف ،يقارن ملامحه منذ اثناعشر عامًا والان ،ذالك الطفل الذي كان يسير معه يصل إلى كتفيه ،الان اصبح رجلا طويل القمه عريض المنكبين ،انفه الحاد ،عيناه التي تنظر نظرة قوية هتف بهمس طفيف
-نوح
وقف عبدالعظيم عن مقعده وترك المجلس ودلف إلى غرفة نوح
جلست الام بحسرة على ما حدث لهم ،جلس بجانبها سامح زوج سما ،صديق نوح منذ الطفولة ،إلى الان لم يعرف نوح من هو زوج اخته!!.
…………………….
دلف نوح إلى جناحه في الفندق، وخلع قميصه وهو يشعر بحرارة تتصاعد من جسده. اتجه إلى الحمام بخطوات مرهقة، خلع ملابسه وصعد إلى كابينة الاستحمام. ملأها بالماء الدافئ، وأضف بعض المنتجات العطرية التي تنبعث منها رائحة جميلة تُشعره بالاسترخاء.
غمر جسده في الماء، وغطس بوجهه للحظات، ثم رفعه وهو يتنهد بتعب واضح.
أسند ظهره إلى الجدار، مدّ يده إلى جانب المغسلة، تناول لفافته، وأشعلها. أخذ نفسًا عميقًا، ثم أطلق الدخان بقوة وكأنه يطرد شيئًا عالقًا في صدره
شرد قليله في هذه البحرية الجميله التي خطفت انظاره واعجب بها ،سرح قليلًا بتفكيره حتى شرد في افكاره الوقحه
فاق على صوت الباب ،خرج من المرحاض وأخذ منشفته يضعها حول خصره ومنشفه اخرى صغيره يجفف بها شعره .
فتح الباب وهو منشغل بتجفيف شعره ،سمع حديث معتصم يقول
-ياشيخ طب استر نفسك افرض معايا حد غريب
رد ببرود
-والغريب يطلع لحد اوضة نومي ليه ،مش ناقص هوسه
دلف معتصم وهو يغلق الباب بقدمه
-طب ايه بقا مش هنفوق ،تروح للحج وتفتحوا صفحه جديده ،ونفتح هنا مقر جديد للشركة
دلف نوح إلى الداخل وخرج بعد دقائق يرتدي بنطال اسود ومازال عاري الصدر
-معتقدش إني افضل في مصر يا معتصم ،شكلي هرجع على سويسرا
اقترب معتصم هاتفًا بغضب
-تاني ترجع تاني كفايه ٨ سنين في سويسرا ،طب أنا يا اخي ومعنديش حد اعيش معاه ولا يخاف عليا ،بس حق اهلك عليك فين هااا ،حقهم وأنت اتناشر سنة بعيد عنهم .
نظر إليه نوح ولم يتحدث
…………
كانت موج تجلس على حافة البحر على الرمال،ياتي الموج تستنشق رائحته ،تنظر إلى الماء تتمنى أن تدفع نفسها إلى الماء ،لكن ماذا ؟هل تنتهي حياتها بكُفر ؟لا لا .
اقترب منها سيدة عجوزه بشرتها تحكي ما فعل بها الزمن ،كل تجاعيد تكون بسبب شئ ،مدت يدها تعطيها البطاطا المهروسة
-شكرًا يا خالة متحرمش منك
ابتسمت السيدة بحب
-العفو يابنتي ،ربنا يسعدك دنيا واخرى يارب ويرزقك بابن الحلال
ابتسمت موج ابتسامة باهتة وهي تأخذ البطاطا من يد العجوز، ثم نظرت إليها نظرة امتنانٍ صامتة، وكأن الكلمات لا تكفي.
جلست السيدة بجانبها بصمت، تنظر هي الأخرى إلى البحر، كأنهما تشتركان في حزنٍ قديم لا يُقال
قالت العجوز بنبرة هادئة، فيها دفء الأمهات
-البحر واسع يا بنتي، بس ما فيش وسع ولا حضن أحن من ربك.
نظرت إليها موج، وعيناها تلمعان بشيءٍ يشبه الدموع
-أنا تعبت يا خالة… تعبت من الانتظار، ومن الوحدة، ومن وجع ملوش صوت.
وضعت العجوز يدها على يدها، وربتت عليها برفق
-عارفة يا بنتي، كل وجع له وقت، وكل هم له آخر. ماتخليش الشيطان يضحك عليكي، ويخليكي تفكري تسيبي الدنيا وإنتي زعلانة،يمكن الفرج قريب، أقرب مما تتخيلي
صمتت موج، ونظرت للبحر مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن نداءه قويًا كما قبل، بل صار صوته أخف، وكأنه تراجع خطوة للخلف.
أخذت لقمة من البطاطا، وابتسمت في صمت، لأول مرة منذ أيام
……………..
بعد مرور أسبوع
كانت الأجواء مستقرة إلى حد ما ،موج تحاول تجنب الراجل الغليظ ،تحاول كسب الاموال حتى تبدا ما كانت تتمناه
وقف امامها نوح بهيئته الجباره وهتف بصوت اجش
-ممكن سمك يا انسه
رفعت موج نظرها إلى مصدر الصوت ،عقدت حاجبها بغرابه من هذا الرجل الثري الذي يريد أن يقوم بالشراء منها
يالله كم وسيم
فاقت على صوته مره اخره وهو ينظر بخبث
-السمك يا انسه
ردت بتوتر
-اه يا باشا اومر ،اوزن كام كيلو
كاد نوح أن ينطق ويقول أنه يريده باكمله لكن ستفهم خطًا وأنه يريد اعطائها حسنه
-عاوز خمسه كيلو
ابتسمت موج بفرحه وبدات تضع السمك في الاناء والفرحة تغمرها
انتهت موج من الميزان واعتطهم لنوح الذي اخرج المال واعطى لها الثمن
هتفت بهدوء
-دقيقة تاخد الباقي
هتف نوح بهدوء
-لا لا خليه وغادر نوح وهى تنادي عليه بصوت عالي …ياباشا …الباقي….
ايه الراجل الغريب دا
……………..
وصل نوح إلى الفيلا الذي اشتراها له معتصم ويقيموا سويًا
فتح نوح باب الفيلا بخطوات بطيئة دلف ، خلع سترته وضع المفاتيح على الطاولة، ونظر إلى كيس السمك الذي لا يزال في يده.
مرر أصابعه على البلاستيك، كأنها تمس أثر صوتها المرتبك حين نادت عليه
-الباقي يا باشا
اتجه إلى المطبخ، غسَل يديه جيدا ، وبدأ في تجهيز السمك كأنه يطهو لأول مرة بشغف نادر،قطع الليمون، نثر التوابل، وضع شرائح الفلفل والثوم، وكأن في كل خطوة يحاول نسيان شئ من حياته أو يتذكر
وقف لحظة يتأمل السمك وهو يتحمر في الزيت، تفوح الرائحة في المكان، تعيد له ذكرى قديمة – أمي كانت تحب السمك بنفس الطريقة ،تعلمتها منها
اخرج السمك وضعه في اناء كبير ورضع عليه شرائح من الطماطم والبصل ووضعه في الفرن لدقائق
جلس عند الطاولة، أخرج طبقًا بسيطًا، وقام بالاتصال على معتصم حتى يهبط
هبط معتصم وهو يستنشق رائحة السمك ويقول
-ايوه ايوه ياسيف ايه الروايح دي
ابتسم نوح له وهتف
-ادخل هات الصنية من الفرن وجبت عيش من الفرن ايه حكايه
ابتسم معتصم وقهقة عليه
-الله الله نوح الباشا بنفسه ،نزل جاب سمك وعيش من الفرن
بعد دقائق كانوا يستمتعوا بالطعام ، لكن عينه تسرح نحو النافذة، وكأن البحر بينادي عليه… أو صوت موج لم يعرف
ثم ابتسم، لأول مرة من أيام، ابتسامة حقيقية… فيها شيء من الراحة… وشيء من الفضول
………………
في منزل موج كانت تجلس على الفراش تقوم بعد المال والفرحة تغمرها
-الله الله ٧٠٠٠ جنيه يا حبيبي يا الله اخيرا
اخذت المال وهى تقبله وتشكر ربها عليه وتهلهل
-الحمد لله يا رب الحمد لله
وقفت وقامت بتغير ملابسها إلى بنطال اسود وقميص جينز يتوسط البنطال حزام لونه كحلي ،عقدت خصلاتها على هيئه زيل حصان
تهبط الدرج مسرعة، لا تنتظر المصعد، لا تنظر خلفها،حقيبتها على كتفها، والمال بداخلها… وقلبها يركض قبل قدميها.
تخرج إلى الشارع بخطى متحمّسة، تعبر الرصيف دون أن تتوقف، لا تنظر يمينًا ولا يسارًا
لقطة من زاوية منخفضة، عجلات سيارة تندفع بسرعة
-ااااه ……..
يتبع
الفصل السادس من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الرابع 4 - بقلم ندا الشرقاوي
رد نوح بجدية
-جوزها ……..كنت مسافر وهيا اختفت وانا قلبت مصر عليها ،فجاه أن والدي تعب وزي ما أنت شايف
هتف الطبيب
-طب حضرتك اي اوراق شخصيه للمدام علشان لحد دلوقتي مش عارفين نتصرف ..وبعدين هنستنى المدام تفوق ..لان دي حادثة وفي محضر مفتوح
اوما له نوح وغادر الطبيب وقف نوح يهاتف احدهم وهو يخبره ماذا يفعل ،ثم وقف ينظر إلى الزجاج الذي يفصل بينه وبينها ،جسدها الممتد على الفراش ،الكثير من الاجهزة بجانبها ،والاسلاك محاطه بجسدها ،ذراعها الملفوف بجبيرة طبيعة ،وجهها الكدمات تملئ باللون الازرق الداكن ،تخيل صوتها وهى تنادي عليه اثناء شرائه للاسماك ابتسم ابتسامه خفيفه ،ثم عاد إلى والدته حتى لا يشعر أحد بالوضع .
بعد مرور أكثر ما ساعتين ،كان والد نوح قد فاق ودلفوا إليه
كان نوح يقف أمام الباب يمسك بالمقبض ،قلبه يؤلمه يدلف أم لا !؟
وفي النهاية فتح الباب والقى نظره إلى والده الذي نظر إليه بلهفه وشوق
اقترب نوح بهدوء وجلس بجانبه على الفراش ورقع يده يقربها من فاه ليقبلها
-حمدالله على السلامة يا بابا
اغرورقت عين عبدالعظيم من كثرة الندم الذي يملئ قلبه ،فهو سبب الغربة وظلم نوح وهتف
-سامحني يابني
هتف نوح سريعًا وهو يضع يده على فاه
-لا يا بابا متقولش كده ،اللي حصل حصل
دق الباب ودلف معتصم وهو يقول
-السلام عليكم،حمدلله على سلامة حضرتك يا فندم
-الله يسلمك يابني
ونظر بغرابه إليهم ،من هذا؟نظر إليه نوح وهتف
-دا معتصم يا والدي سبب في كُل اللي أنا فيه
حمحم معتصم بإحراج
-لا دا كرم ربنا مش أكتر ،فرصة سعيدة جدًا بحضراتكم ،نوح عاوزك في شغل
أوما له نوح وخرج معه ،فتح معتصم الملف
-دا الوقت اللي لقناه في الاوضة ،شهادة ميلاد ليها وبطاقة ،وكمان اعلان لكورسات تعلم لغة فرنسية وبس ،بس اوضه ايه يا نوح حرفيا الفراخ متقعدش فيها ،حيطة مشققة ،مرتبه طالع عنيها ،حصيرة مشوفتهاش من ساعه بيت جدي،بوتجاز اتنين شعله صغير
اغمض نوح عينه على ما تفوه به معتصم ،لقد عانت كثير هذه الجميله ،التقط منه البطاقة وهو يقول بصوت هامس
-موج…موج
تحدث معتصم بغرابة
-عاوز افهم بقا في اي ؟ومين دي ؟….اوعى تكون دي اللي أنت …
قاطعه نوح قائلًا
-ايوه هيا يا معتصم ،تعال معايا
سار معه معتصم حتى وقف امام غرفتها طالعها بنظرات غريبة ،هذه الفتاه من سرقت قلب صديقه ،الان لا تشعر با شئ نهائي،نبضات قلبها على الجهاز هي من تطمنه
هتف نوح
-تتصرف يا معتصم وتجبلي قسيمة جواز باسمي واسمها
نظر إليه بصدمة وكاد بؤبؤ عينه يخرج من مكانه
-أنت عاوزني ازور يا نوح ؟
رد عليه ساخرًا
-هيا أول مره ولا اي يا صاصا ،في ساعتين تتشقلب وتجبلي العقد علشان اقدمه للمستشفى،يلا
غادر معتصم وهو يضرب كف على كف على ما يفكر به صديقة ،ايعقل وقع بالحب في اقل من اسبوع ؟لا لا لقد فقد عقله تمامًا .
بعد مرور اسبوع
كان الوضع استقر والد نوح غادر المشفى ونوح يمر عليهم للاطمئنان لكنه مقيم في المشفى سرًا
في غرفة موج كان نوح يجلس على المقعد امامها فهو منذ يومان وهو يظل بجانبها طوال اليوم ويغادر اخر الليل ليبدل ملابسه ويرتاح قليلًا ويعود في الصباح
وقف معتصم امام الغرفة ودق الباب ودلف
-هتفضل كدة لحد امته هيا بقالها أكتر من أسبوع في غيبوبة ،وأنت مش بتتحرك من هنا وبعدين !؟
شرد نوح قليلًا وهمس فهو محق اغلق حياته عليها
-معرفش يا معتصم مستنيها تفوق في اي لحظة
-ولو فاقت يا نوح هتقولها ايه ؟وأنت مين ؟
وقف نوح وهو يضع يده في جيبه واخذ نفس عميقًا
-معرفش بس بنسبة كبيرة هتكون فاقدة الذاكره ،هخدها على الفيلا
صدم معتصم بشده وهتف وهو يجز على اسنانه
-أنت متخلف تاخدها فين ؟أنت صدقت نفسك ولا ايه أنت مش جوزها دا عقد مزور يا بيه ،فوق يا نوح
غادر معتصم وهو يغلي من الغضب، خطواته تُحدث صدى ثقيلًا في قلب نوح. لأول مرة يرى صديقه يفكر بهذا الشكل
وضع يده على خصلات شعرها برفقٍ غاضب، كأنّه يُعاتب نفسه من خلال ملامستها. تنهد بحرقة، وحدّق في ملامحها الصامتة التي لا تُجيد سوى الصمت الآن
جلس بجانبها على الفراش، يُداعب خصلاتها البنية الناعمة، كأنّه يخشى أن يرهقها أو يجرحها. نظر إلى رموشها الكثيفة، كأنّها تحرس عينيها من العالم، ثم تأمل بشرتها القمحاوية التي ازدادت شحوبًا، لكنها ما زالت تحتفظ بجمالها، وكأن الزمن توقّف عندها
حدّق في ملامحها طويلًا، كأنه يبحث عن أي علامة حياة تدل انها سوف تستيقظ
أغمض عينيه للحظة، شعر بأن الغرفة تختنق، وأن كل شيء من حوله يذكره بماذا فعل .
مرّ يومٌ… تلاه آخر، ثم آخر، حتى مضى شهرٌ كامل على دخول موج إلى المشفى.
كان نوح يجلس على مقعده المعتاد بجانب سريرها، يرمق ملامحها بصمتٍ ممتزج بالحب والاشتياق، لا يفهم كيف وصل إلى هذه المرحلة من التعلّق… يعشق فتاةً تتوسّد الغياب، ترقد بلا حراك، لا تدري من هو، ولا تشعر بوجوده.
كانت الدقائق تمر عليه كأنها دهور، ثقيلة وبطيئة، كل لحظة تمضي بجانبها كانت تسرق شيئًا من روحه. مدّ كفه ليمسك بكفها، يضمّه برفق، كأنّ لمسته دعاء صامت. أغمض عينيه بتعب، يحاول أن يهرب للحظة من مرارة الانتظار، لكن قلبه ظل معلقًا بها، لا يعرف راحة إلا حين تتنفس.
وفجأة، شعر بلمسةٍ ضعيفة على كفه… لمسة خفيفة، لكنها أربكت كل شيء داخله. فتح عينيه بسرعة، ظنّ للحظة أنه يتخيل، لكنه نظر إلى يدها، فوجد أناملها تغلق برفق على كفه، كأنها تتمسك به من عالمٍ آخر.
ارتجف صدره، وامتدت يده المرتبكة لتضغط زر الاستدعاء بجوار الفراش، ثم صرخ بانفعالٍ امتزج بالخوف والأمل
-ضغطت على ايدي ..حاسه بيا
دخل الطبيب سريعًا، اقترب منها وبدأ بفحصها بانتباه، ثم التفت إلى نوح بابتسامة مطمئنة، وقال
-حاجة كويسة جدا ،مدام موج بدات تستجيب ودا معناه انها بدات ترجع للحياه من هنا لبكره ممكن تفوق ..
لكن قبل أن يُكمل الطبيب كلماته، قاطعه نوح وهو يحدّق فيها بدهشة، فقد لمح رمشة خفيفة في جفونها…
اقترب أكثر، ركع بجوارها، صوته خرج هامسًا يتقطع بين الرجاء والدهشة
-موج …سمعاني …موج
بدأت جفونها تفتح قليلًا… ضوء خافت دخل إلى عينيها لأول مرة منذ شهر. عيناها تائهتان، باهتتان، كأنها لا تزال على الحافة بين عالمين
اقترب الطبيب منها ومسك كفيها ليقول
-مدام موج …لو سمعاني اضغطي على ايدي
ضغطت موج على يده وقامت بفتح عينها بضعف حتى هتفت بهمس
-اااه …
ابتسم نوح بسعاده ،لقد عادت ،عادت يا نوح ،ثم همس لنفسه ،اهدا يا نوح فالطريق مازال طويل
بعد مرور الوقت والكثير من الفحوصات للاطمئنان عليها
جلس نوح بمفرده مع موج
كانت موج تطالعه بنظرات غريبة وهو يشعر بذالك
قطع هو الصمت وهتف
-حاسه بحاجه غريبة صح ؟
اومات له براسها بهدوء
-بصي يا موج أنتِ ضاع منك سنه اللي أنتِ مش فاكره فيها حاجه ،السنه دي أنا ظهرت فيها علقتنا كانت غريبة وبسرعه لان أنا كنت حابب تكوني جمبي في اسرع وقت بس في حاجه
هتفت موج بغرابة
-حاجة ايه ؟
حمحم نوح بخفوت وهو يمرر يده في شعره بتوتر ،كأن الأفكار تتزاحم في رأسه ولا يجد لها مخرجًا ،كانت عيناه معلقين بعينيها ،مرتبك،خائف .
صمت لحظة ،أخذ نفسًا متقطعًا ،ثم نطق بصوت عالي
-نتجوز
يتبع
الفصل الثامن من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الخامس 5 - بقلم ندا الشرقاوي
صمت لحظة ،أخذ نفسًا متقطعًا ،ثم نطق بصوت عالي
-نتجوز
عقدت موج حاجبيها ،كيف نتزوج وأنت تقول إنك زوجي ؟أنا من قفد عقلي أم أنت ؟
-هو أنا اللي فقدت الذاكره ولا أنت يا ….
اقترب من الفراش وجلس على طرفه وهتف
-كل دا ومتعرفيش اسمي …أنا نوح يا موج …نــوح
ظلت تردد الاسم في عقلها ..نوح …يالله اسمه جميل وهيئته اجمل ،فاقت على حديثه
-موج أنا وأنتِ قبل كتب الكتاب بيومين أنتِ عملتي حادثة ،وكان لازم اقول كده للمستشفى لان أنتِ ملكيش حد تقدري تقولي مقطوعه من شجرة ،فا أنا الوحيد اللي معاكِ وعلشان لازم ليكِ راحه تامة فا هتيجي معايا الفيلا
قاطعت حديثه بغرابه
-فيلا ..أنت مين يا نوح ؟أنا كل اللي فكراه اني قاعده في اوصت فوق السطوح ببيع سمك وبس ،عرفتك ازاي وازاي قدرت احبك ،واحنا الفرق بينا زي اللي على الشط واللي في المحيط ،إزاي ممكن افهم
رفع انامه يضعها علو مقدمه انفه بتوتر وهتف
-حبتيني يا موج وأنا كمان حبيتك،ادي نفسك فرصه طيب تحبيني من الأول بس وأنتِ مراتي ،تكوني جمبي علشان اخد بالي منك أنتِ شايفه حالتك وفي نفس الوقت مينفعش تكوني معايا من غير جواز ولا اي
شردت قليلا وهتفت
-عندك حق
في صباح اليوم التالي، وقف نوح أمام بوابة المشفى، يحمل بين يديه وردة بيضاء، كأنها رمزية لبداية جديدة، نقية كصفحة لم يُكتب فيها شيء بعد،كان وجهه يحمل ملامح الترقب والقلق، وكأن قلبه يخشى من ردٍّ لا يشتهيه.
خرجت موج بخطى مترددة بمساعدة المرضى ، تتلفّت يمينًا ويسارًا، كأنها تبحث عن ذاتها الضائعة بين أروقة الذاكرة الممزّقة،وحين وقعت عيناها على نوح، ارتجف شيء بداخلها، لا تعرف له اسمًا، لكنه مألوف… دافئ.
ابتسم نوح ومدّ يده بالوردة نحوها، وقال بنبرة هادئة
-مستعدة نبدأ من جديد
أخذت الوردة ببطء، حدّقت فيها لحظة، ثم همست بصوت خافت، أقرب إلى حديث القلب
-معرفش بس هدي نفسي ونفسك فرصة يمكن أنت صح معرفش واثقه فيك ليه !!؟
لم يجبها، فقد كانت نظراته كافية، نظرات امتلأت حنانًا وصدقًا، كأن عينيه وحدهما تتكلمان نيابة عن كل الكلمات.
فتح لها باب السيارة، ساعدها على الجلوس، ثم استدار إلى مقعده وانطلقا سويًّا نحو الفيلا
كان الطريق صامتًا، لكن داخل كلٍّ منهما ضجيج من الأسئلة والمشاعر المتراكمة… رغبة في الفهم، وخوف من الحقيقة،حين وصلا، هبط سريعًا من السيارة ليقوم بفتح الباب لها وقام بحملها بين يده ،نظرت له بدهشه من فعلته لكن نظرت إلى المكان ،تحدّق بذهول في فخامتها واتساعها، كل شيء فيها يبدو بعيدًا عن عالمها القديم. همست بدهشة
-أنا هعيش هنا !؟
أجاب نوح وهو يسير إلى الداخل
-من اللحظة دي ،دا بيتك
دلف بخطوات بطيئة، تنظر حولها كما ينظر غريب إلى مدينة لا يعرفها،كان نوح صامت ينظر إليها فقط
وقف نوح وهو ينظر إلى المعتصم الذي يطالعه بغضب وبجانبه المأذون
التفتت إليهم باستغراب، وقالت ببطء
– في أي…؟
اقترب منهم بخطوات واثقة، لكن صوته جاء هادئًا، متماسكًا
– المأذون والشهود جاهزون، يا نوح بيه
رمشت موج بعينين تملؤهما الحيرة، نظرت إلى نوح تبحث في ملامحه عن تفسير، لكنه لم يجبها، بل اقترب من اقرب مقعد اجلسها عليه وأمسك بكفّها برفق، ثم قال بنبرة منخفضة
-زي ما وعدتك مش هتقعدي معايا الا في الحلال
ثم نظر إلى المعتصم وأومأ برأسه:
– نبدأ.
جلس الجميع، وبدأ المأذون يتلو ما يلزم، والأصوات تتداخل، والقلوب تنبض بتسارع…موج ما تزال في حالة من الذهول، لكنّها لم تسحب يدها، ولم تعترض، كأن قلبها سبق عقلها بخطوات
سألها المأذون السؤال المعتاد، فنظرت إلى نوح، فابتسم لها ابتسامة تحمل الطمأنينة كلها، فأومأت بالموافقة
وفي لحظات… كُتب الكتاب…أصبحت موج رسميًا زوجة
وحين انتهى كل شيء، وقف نوح أمامها، همس وهو يضع يدها بين يديه:
-من انهارده احنا سوا
بعد أن انتهت مراسم كتب الكتاب، وتبادل الحضور التهاني والمباركات، صمت ثقيل بين العيون، كأن الكلمات تُخفي خلفها شيئًا لم يُقال بعد.
كان معتصم واقفًا إلى جوار أحد الشهود، يراقب نوم وهو يهمس بكلمات رقيقة لموج، وتلك الابتسامة الهادئة التي ارتسمت على وجهه… كانت كافية لإشعال نيران الأسئلة داخله
اقترب المعتصم منه ببطء، ثم قال بصوت خافت لا يسمعه سواهما
– ممكن نتكلم كلمتين… على انفراد، يا نوح بيه؟
رفع نوح رأسه، نظر إليه بصمت لحظة، ثم أومأ بخفة، وتوجها سويًا إلى ركنٍ هادئ من الفيلا، بعيدًا عن العيون.
وقف المعتصم مكتف اليدين، ونظر إلى نوح نظرة فيها أكثر من سؤال، ثم قال بنبرة جامدة
– أنا مش فاهم… ليه كل ده؟ ليه من غير ما ترجعلي، من غير حتى ما تقوللي؟!فجاه تكلمني تقولي هات مأذون على البيت كده يا نوح من امته حد فينا بياخد قرار من غير التاني
أجابه نوح بهدوء
– ماكنش وقت كلام يا معتـصم… كنت محتاج أتصرف بسرعة…حقك عليا بجد
رفع حاجبيه بدهشة مستنكرة
– تتصرف؟! تتجوزها فجأة؟ وأنا فين من اللي بيحصل؟ أنا أكتر واحد واقف جنبك، عارفك من سنين… وإنت تخبي عني ليه؟
سكت لحظة، ثم تابع بصوت منخفض مليء بالمرارة
– بتحبها للدرجة دي؟
نظر نوح في عينيه مطولًا، ثم تنفّس ببطء وقال
– آه… بحبها…بس الموضوع أكبر من كده. البنت دي ماعندهاش حد، وفاقدة الذاكرة، ولو ماوقفتش جمبها دلوقتي، محدش هيقدر يحميها أنا ماكنتش بس بكتب كتابي… كنت بديها أمان،تقدر تقولي لو قولتلها الحقيقة هتروح فين ؟حتى لو لسه موصلتش لدرجة الحب كفاية إني مرتاح
– وأنت شايف إني كده صح تقرر بسرعة؟
نوح ابتسم ابتسامة حزينة
– بعض القرارات… ماينفعش تتشارك،كنت محتاج أختار، واخترت.
سكت معتصم للحظة، ثم أومأ برأسه ببطء، وقال
– تمام يا نوح… بس افتكر إن الموضوع صعب ،البنت دي لما ترجع لها الذاكرة صدقني الدنيا هتتشقلب
ربت نوح على كتفه وقال بصوت خافت
– عارف يا صاحبي… وعارف كمان إني مديون لك بكتيـر
-متقولش كده يا نوح احنا اخوات،طب واهلك هتقولهم؟
رد نوح سريعًا
-لا لا محدش المفروض يعرف الفترة دي ،هيقولوا عليا ايه ،خليه بينا لحد حتى لما ترجع العلاقة بينا كويس
بعد انصراف معاصم ،عاد نوح إلى الداخل، حيث كانت تجلس تحمل في عينيها ملامح الإرهاق، والتشتت، والدهشة التي لم تهدأ بعد منذ لحظة دخولها هذا العالم الجديد
نظرت إليه أن اقترب، فابتسم، تلك الابتسامة التي بدأت تألفها، وبدأ قلبها يستكين لها رغم كل الغموض
قال لها بصوت خافت، كأنما يخشى أن يثقل على قلبها
– تعالي… ترتاحي شوية، يوم طويل واكيد تعبتي
هزّت رأسها بخفة، لكنها لم تتحرك. كانت قدماها ثقيلتين، كأن جسدها لا يزال غير مصدّق لما حدث
اقترب منها خطوة أخرى، ثم همس بنبرة دافئة
– تعالي، أنا هوصّلك
ثم دون أن ينتظر إذنًا، انحنى نحوها برفق ،مد ذراعيه ،ورفعها عن المقعد بخفة كما تُرفع زهرة خشيت عليها من السقوط
شهقت موج بخفة، تملّكها الارتباك، لكنها لم تعترض، بل وجدت نفسها تستسلم بين يديه، وكأن حضنه وطن مؤقت، تحتمي فيه من الضياع
قالت بصوت خافت وهي تنظر إليه
– أنا مش متعودة على كده…
أجابها بابتسامة صافية:
– وأنا مش متعود أشيل حد غيرك
صعد بها الدرج ببطء، كل خطوة تحمل داخلها وعدًا خفيًا بالأمان لم يكن الأمر جسديًا فقط… كأن روحًا تُسند روحًا أخرى أنهكها الحياه
وحين وصلا إلى جناح واسع يطل على الحديقة، فتح بقدمه الباب، ودلف بها، ثم وضعها فوق السرير الكبير بلطف، كأنها شيء ثمين يخشى عليه من الكسر
عدّل الوسادة خلف رأسها، ثم جلس على طرف السرير، نظر إلى عينيها طويلًا، ثم قال بصوت أقرب إلى الهمس
– نامي شوية، ولما تصحي… نبدأ حكايتنا سوا
همست موج، بعينين مبللتين بشيء لا تدري إن كان دموعًا أم حنينًا:
– معاك
مدّ يده وربّت على يدها برقة، ثم قال
– وأنا وعدت إني أكون أمانك… ومش هخلف وعدي.
ثم تركها لترتاح، بينما قلبه كان ممتلئًا برغبة صادقة… أن يجعلها تنتمي لهذا المكان.
هبط إلى الأسفل بخطوات متثاقلة، ودلف إلى مكتبه بصمت. جلس على المقعد الجلدي الوثير، لكن الراحة لم تعرف طريقها إلى قلبه،كان هناك شيء ثقيل يُطبق على صدره… شعور لم يعتده، ربما لأنه لم يكذب يومًا… واليوم كذب.
كذب في أكثر شيء تمنى لو كان صادقًا… في أكثر شيء تمنى لو كان حقيقة
مدّ يده إلى الهاتف الموضوع على الطاولة، عندما لمعت شاشته بإشعارٍ جديد،فتح الهاتف بتوجّس، وما إن رأى ما فيه حتى تسارعت أنفاسه…لم يكن ما رآه في الحسبان.
ظل يحدّق في الشاشة طويلاً، عينيه لا ترمش……
يتبع
الفصل التاسع من هنا
رواية نوح الباشا الفصل السادس 6 - بقلم ندا الشرقاوي
-إيه، تاني عاوزة تيجي ولا إيه؟
لكن جاءه الرد الصادم، بصوت متوتر
-الحقني يا نوح
هبّ نوح واقف عن مقعده ، وجهه محتقن من الغضب والقلق في آنٍ واحد
– إنتِ فين دلوقتي؟ قولي بسرعة!
كان حديثها ضعيف والقلق يتخلخل بداخلها وهتفت
– أنا عند الكوبري القديم… جنب الورشة المقفولة اللي فيها باب أزرق، جنب المكان اللي ببيع فيه السمك ،بس أنا شوفتها يا نوح شوفتها
نوح شدّ نفسه وقال بحدة
– أوعي تتحركي من مكانك، أنا جاي حالًا،مسافة الطريق
أغلق الهاتف وخطف مفاتيحه وركض وكأن النار تلتق به ،كان الجميع ينظر إليه بغرابه من هيئته قابل معتصم في طريقه للخروج ولكن لم يستمع له لكن ركض خلفه ،قلبه ينبض بقوة في كل خطوة ،نفسه سريع لكن قدمه أسرع من التفكير ،صعد إلى سيارته وصعد معتصم بجانبه وهو يقول
-في اي مالك طالع دي الطور كده
رد نوح بعصبيه وهو يضرب يده بالمقود بقوة
-موج …خرجت من البيت وقاعده خايفه في مكان جمب اللي كانت شغاله فيه
كان يقود بسرعة عالية وسط تكدس السير ،قام بالاتصال عليها حتى يقوم باطمئنانها ،هتف بحنو حتى تشعر بالأمان
-موج أنا جاي …متخافيش …قربت عليكِ
هتفت والارتعاشة تسيطر عليها، والذكريات تستولي عليها
-لسه موجودة يا نوح ….خايفة منها
كان قلبه يعتصر ألمًا وهو يرى خوفها جليًّا، لم يصدق أن تكون بهذا الرعب
-قربت قربت
كان معتصم يشاهد الموقف عاجزًا عن الكلام، مصدومًا بما حدث لصديقه،وبالحياة التي أوقفت به في هذا المكان، وهذه الفتاة التي ظهرت فجأة في حياته فغيرت كل شيء رأسًا على عقب.
لم يطل الوقت، والسيارة السوداء تشقّ الازدحام سريعًا، ونوح يحدّق عبر الزجاج، عيناه لا تفارقان العمود الذي يضيئ والباب الأزرق الذي أخبرته عنه.
حين اقترب، صف سيارته وهبط سريعًا يليه معتصم ،رأى موج جالسة بمفردها، منكمشة على نفسها، ترتجف من الخوف، عيناها تتفحّصان المكان كما لو كان كل ظلّ قد يحمل خطرًا،قلب نوح تخطّى كل نبضة، شعور بالأمان ملأ صدره فجأة،ظهرت امامه عندما وجدته يركض يبحث عندها،لم يعرف كيف وصل إليها وكيف سكنت حضنه لا يعمل ،ما يعلمه انها معه فقط
-متخافيش …أنا هنا …مفيش حد هيجي جنبك
كان يحدثها بصوت هادئ ودافئ ويحرك يده على ظهرها بحنو،لم تتحمل موج ما حدث ،وعندما احتضنها نوح، شعرت أنها فقدت كل توازنها، وغاصت في عالم من الظلام،في اللحظة التي التقت فيها بجسده، ارتجف جسدها، واغمضت عينيها، لتسقط فاقدة الوعي بين ذراعيه،قبض عليها برفق، قلبه يخفق بقوة.
جاء معتصم سريعًا وهو يقول
-شلها يا نوح ويلا بينا ،نوح البيت بعيد عن هنا ،بيت اهلك قريب يلا بينا على هناك
أومأ نوح برأسه، وحمل موج بين ذراعيه بحذر، ثم وضعها في المقعد الخلفي للسيارة جلس بجانبها، يمسح عنها الغبار والارتجاف، بينما تولى معتصم القيادة بصمت، متفهمًا جدية الموقف.
بعد دقائق قليلة، توقفت السيارة أمام منزل والد نوح هبط نوح من السيارة وهو لا يزال يحمل موج برفق، بينما توجه معتصم إلى الجرس ودقّه،فتحت الباب وفاء، وابتسمت عندما رأت نوح، لكن دهشت عندما وجدته يحمل فتاه ،ضربت على صدرها قائلة
-يا مصبتي
هز راسه برفض وهو يقول بخوف
-لا لا مش وقته صدمات ،دخليني
فتحت له الطريق ودلف إلى غرفته التي أول مره يدخلها منذ اثنا عشر عامًا ،وضعها على الفراش وحاول افاقها لكن كان دون جدوى ،خرج سريعًا
-عاوز برفان اي حاجه ريحتها قوية
نهضت والدته مسرعةً إلى الداخل، واندفعت بين الغرف لتأتي بالعطر الذي طلبه،أثناء ذلك، جلس نوح بجانب موج، يراقب أنفاسها المرتجفة يلمس خصلات شعرها برفق، وهو ينتظر أن تستعيد وعيها عادت والدته بعد لحظات، تحمل الزجاجة بين يديها، وأعطتها له على الفور. فتح نوح الغطاء، وجعل رائحة العطر تتسلل نحو موج، محاولةً إثارة حواسها وإعادتها إلى الواقع،شيئًا فشيئًا، بدأت عينا موج تفتحان ببطء، تنظر حولها وتلمح نوح إلى جانبها، يداه ثابتتان حولها بحذر نهض عن صدره ارتياحٌ عميق، وهمس
-حمدلله على السلامة ..كده الخضة دي ،كل ما تعوزي تهربي يغمى عليكي
تسللت والدته إلى الخارج وجدت معتصم في انتظارهم
-عاوزه اعرف في اي يابني ومين دي
تحدث معتصم بجدية
-دي مراته
نظرت إليه بصدمه وهتفت
-مراته ؟نوح اتجوز كمان
حاول معتصم تهديتها وقص عليها جميع ما حدث حتى لا تخطأ أمام موج بشئ ،لان نوح متواجد في مصر منذ شهران فقط وليس عامين كما أخبر موج
تفهمت والداته الوضع لكن بداخلها حزن شديد على ما فعله ولدها ،بدا حياته الزوجية بكذب واليقين بداخلها أن هذه الزيجة سوف تنتهي ولن تستمر ،
في الداخل كانت موج تجلس على الفراش وهى تطمئان أن نوح بجانبها ،هتف وهو يحاول الحديث بدون عصبية
-عاوز أعرف حاجة وحده ،ايه اللي وداكي هناك يا موج ،ازاي تسيبي البيت وتخرجي لوحدك ومين سمحلك تخرجي
حاولت تهديته وتمتمت
-كنت عاوزه افتكر اي حاجه يا نوح أنا زهقت عاوزه افتكر
ضم نوح قبضتي يديه بعصبية من تصرف موج وما حدث لها، وكان على وشك الكلام عندما طرق الباب، ودخلت والدته إلى الغرفة،دبّ الرعب في قلبه، خائفًا من أن تتصرف والدته تصرفًا غير لائق، أو توجه له لومًا بسبب الموقف
-حمدلله على السلامة يا حبيبتي
طبعا مش فكراني بس أنا عرفاكي ومعلش لو مشوفنيش بس عمك عبدالعظيم كان في المستشفى بقاله فترة
كانت تتحدث وكأن قمر ابنتها
حمد نوح ربه على حديث والدته وتفهمها ،ردت موج
-الله يسلم حضرتك ،اسفه والله إني مش فاكره حضرتك
-لا ياحبيبتي ولا يهمك بكره تفتكري يا حبيبتي
شعر نوح بالم في قلبه عندما تذكر انها عندما تتذكر سوف تتركه بمفرده
بعد كثير من الحديث معهم وموج شعرت بحنين ودفئ العائلة ،شكر نوح ربه أن والده كان في عمله واضطر للعمل لوقت طويل.
مر اليوم عليهم جميعًا وعاد نوح وموج إلى منزلهم كان الجو صامت ومشحون بالغضب من نوح والخرف من موج ،جلس نوح على الفراش بعد ما خلع قميصه وجدها تخرج من الغرفه وهى تجفف خصلاتها وتهرب منه ،وقف امامها وهتف
-كفاية هروب بقا
شعرت بالتوتر والقلق من حديثه وكانت تهرب منه بعينها وتمتمت
-اهرب اي يا نوح ،في اي
صاح بها بعصبية وهتف وهو يحجزها بين الحائط وصدره
-نزلتي ليه يا مووج انطقي واي سبب خوفك من عمتك اول مرع اشوفك كده
-……..
-انطقي يا موج
يتبع
الفصل الثاني عشر من هنا
رواية نوح الباشا الفصل السابع 7 - بقلم ندا الشرقاوي
-نـــزلــتــي لـــيــه ....يا مووج انطقي واي سبب خوفك من عمتك اول مره اشوفك كده
-........
-انطقي يا موج
هتفت بكل ما تحمله من برود
-مفيش يا نوح
تحركت بعيد عنه ،هو مازال يقف مكانه ،استدار لها وامسكها بإحكام من يدها و رد بعصبية
-موج أنتِ لحد دلوقتي مشوفتيش غضبي ،تلاشي غضبي يا موج ،علشان ساعتها هتزعلي ،خليكِ في الحنية وبس
كانت تُحاول فك يدها من قبضة يده القوية وهى تُتمتم
-أنت مالك يا نوح ،سبني في حالي بقا ،روح شوف شغلك وحياتك متعملش نفسك خايف عليا
ترك معصمها بدهشة من حديثها ، وهى انشغلت في تدليك معصمها من قبضتهُ هتف وهو يطالعها بصدمة
-معملش نفسي خايف عليكِ؟؟؟أنتِ بتقولي اي ،أنتِ اتجننتي ولا اي ؟
-لا متجننتش ،لكن خلاص بقا سبني في حالي ،اقولك تعال نطلق وخلاص كُل واحد يروح لحاله
ابتعد عنها وهو يستمع إلى حديثها الذي يشعلل غضبه
اغمض عينه وهو يُحاول تهدئة نفسه قبل أن يثور عليها وتحرك إلى الباب وقال
-هسيبك دلوقتي ،علشان لو جيت نحيتك صدقيني يا موج غضبي يحرقك ويحرقني
ولم تستمع إلا إلى صوت الباب وهو يغلقه بقوه ،جلست أرضًا وهى لا تعلم لماذا فعلت هكذا ؟تثير غضبه لماذا ؟ليس له دخل يريد فقط أن تكون مطمئنّه ،كُل شئ مُشوش بداخلها
في الأسفل دلف إلى غرفة مكتبة ،يحاول ضبط أنفاسه قبل أن يصعد إليها مره اخره ويُحطم رأسها على ما تفوهت به،جلس وهو يُفكر ماذا يفعل ثم بعد حين تذكر ذالك اليوم المشئوم
"عودة للماضي"
-ما تنطق يا روح أمك ،احنا هـ نتحايل عليك ولا ايه !؟
كان ذلك حديث نوح إلى يقف أمام شاب في بداية الثلاثينات ،الدماء تسيل من انفه أثر ضربة نوح له ،جرح في جبهته ،الكدمات تظهر عليه كا لوحة فنية يُرسمها صاحبها بكُل مزاج .
-والله يا باشا معرفش حاجة كُل اللي اعرفه ،أن وحده ست أدتني صورة بنت وقالتلي أخبطها بس كده،لكن هي مين ؟واشمعنا البنت ؟والله العظيم ما اعرف
اقترب نوح وهو يقبض عليه من تلابيب ثوبه الذي لم يتبقى منه إلا قليل ،كثير من القطع .
رفع يده حتى يلكمه مرةً أخرى ،لكن أمسك مُعتصم يده وهتف
-كفاية يا نوح ،الولا هيموت في ايك سيبه أو سلمه ،هو معندوش معلومات تانية خلاص خد علقة مخدهاش حمار في مطلع
تركهُ نوح وهو يزفر بتعب وعصبية ،جلس على المقعد وهو يقول
-بُص ياض أنتَ،أنا ولا بلطجي ولا قطاع طرق ،بس أعرف اجيب حقي،يعني مش خواجه،هسيبك تطلع من هنا واحمد ربك ،وبوس ايدك وش وضهر أنها عايشة ،غير كده كان زمانك ،في متر في متر و الدبان الأزرق ميعرفش لجثتك طريق ،عرفت إنك عندك عيال عاوز تربيهم ،بلاش تبقى تربيتهم بفلوس حرام ،علشان هتقعد تزرع تزرع وتسقي بحرام متفكرش إنك في الأخر هـ تحصد حلال ،لا هـ تحصد حرام ،خرجه يا معتصم ،وطبعًا هو عارف لو اتكلم هيحصل اي ،يا رقبته يا رقبته برده .
بعد قليل دخل مُعتصم وهو ينظر إلى حال صديقه الذي تغير كثيرًا
-وبعدين يا نوح !؟طب ليه مشيته ؟وبعدين ليه مقصرتش المسافات وجبت عمتها وعرفت منها إلي أنت عاوزه
شبك أصابعه يده في بعضها ووضعها خلف رأسه وهو يأخذ نفس عميق ثم تنهد قائلًا
-معرفش ،صدقني معرفش حابب أعرف كُل حاجة منها يا مُعتصم ،أنا مش عارف أيه اللي حصلي ،حالي اتشقلب فجأه ،بدأت اندم إني نزلت مصر ،حاسس إني ببرظ حياتها في نفس الوقت حبتها والله ،وبرده حابب أعرف كُل حاجة منها وبراحه
أشفق على حاله وما وصل له ورتب على منكبيه ،ثم شعر بالخجل مما سيقول ،رد بتوتر
-نـــوح ...هو أنت.....يعني قربت منها!!!؟
نظر إليه نوح سريعًا وهو يقول
-لا واللهِ ،مقربتش منها غير حضن وبوسه على رأسها وبس ،أنا مش ندل للدرجة يا معتصم إني اقرب منها ،اه مراتي وبموافقتها بس مقدرش اخدها كده ،لما تفوق وتتأكد انها بتحبني وعاوزه تكمل معايا ،غير كده هرجع سويسرا مقدرش اقعد هنا تاني .
"عودة للحاضر "
فاق على صوت فتح الباب دون طرقه علم أنها كان يعطيها ظهره وينظر إلى الزجاج الذي يظهر منه الحديقة الواسعة ،أغمض عينه بتعب مما يحدث معه ،يعلم انها سوف تعتذر وهو سوف يقبل الأعتذار وهكذا تنتهي الأمور.
اقتربت وهى تحاول إخراج صوتها
-نــــوح
استدار لها ووجهُ خالي من اي تعبيرات ،يرسم الشدة والحزم على ملامه ،تاهت في ملامحه ،غاضب،وجهه مصبوغ باللون الأحمر لكن هيئته جبارة ،خصلات شعره الكثيفه التي تعشقها عندما يضع رأسه على فخذيها وتقوم بتدليك شعره ،شفتاه التي تهبط على وجنتها تشعُر بالحراره والمشاعر ،عينه التي لا ترى فيها غير الحنو .
كان ينظر إليها وهو يعلم انها تحدق به ،هتف بكُل برود
-حضرتك هتفضلي تبصلي كده وخلاص ،خير يا مدام !؟ في كلام تاني جاية تقوليله ؟ولا حابه ارن على المأذون
وقفت امامه كالمُذنبه ،تشعر بالخجل من حديثها معه تمتم سريعًا
-نوح ممكن متزعلش مني ،أنا بجد اسفه
-اسفه دي لما تدوسي على رجلي ،لما توقعي عليا فنجان قهوه ،مش تدوسي على قلبي يا مدام
-نوح ،أنا مَكونتش أقصد ،بس أنا كُنت متلغبطه من اللي حصل هناك وكمان لما روحنا عند اهلك أنا بجد حاسه بلغبطه في كُل حاجه ،حاسه إني كُنت حاجه وبقيت حاجه
أخذ نفس عميقًا قلبه لا يُريد أن يقسى عليها ،لكن ماذا يفعل ؟
-خلاص يا موج ،حصل خير تقدري تتفضلي علشان عندي شُغل
-لا لا شُغل ايه بس أنت هتيجي تقعد تكملي الحكاية وقفنا عند بتاع الدهب
كانت تتحدث وهى يمسك كفه وتسير بإتجاه الأريكة لطيفة الملمس ،جلست ومازلت تمسك بكفه وهو واقف ينظر إليها بصمت ،نظرت إليه بمعنى "اجلس "
جلس بجانبها وهو يقول
-خير ؟
عبثت وهى تقول
-لا لا وش البرود دا مش لايق عليك لو سمحت ارجع نوح ...نوحــي أنا
عقد حاجبه وهو يستمع لهذه الكلمه للمره الاولى "نوحــي أنا"،لكن لم يُعقب حتى لا تشعر بالخجل
-طب ارجعي ورا كده حبه علشان اخد راحتي شويه
فعلت ما قاله ،وهو اقترب وضع راسه على ساقها ،وضع هي يدها على خصلاته ،لكنه هتف بتحذير
-هحكي لكن أنتِ كمان هتحكي ،اتفقنا ولا اقوم؟
-لا لا احكي وأنا هحكي
-حاضر هحكي بُصي يا ستِ لما خرجت من عند بتاع الدهب بعد ما دلني على مكان الشغل
"عودة للماضي "
ركب نوح عربة مخصَّصة لنقل المواشي متجهة إلى الفيوم، وكانت تضجّ بأصوات الناس ورائحة القشّ والغبار،جلس في زاوية قريبة من مؤخرة العربة، يضم حقيبته الصغيرة إلى صدره كأنها أثمن ما يملك.
ألقى بنظره على الوجوه من حوله،فلاح يرتدي جلبابًا باهت اللون، امرأة مسنّة تشدّ إلى صدرها قفّة مملوءة بما تيسّر،وأطفال يتشاجرون على كسرة خبز،كانت العربة تهتزّ مع كل حفرة في الطريق الترابي، والريح تدفع بالغبار إلى الداخل ،كان ينظر إليهم وإلى نفسه بدهشة كانهم في أحد الأفلام الذي يُشاهدها
وفي تلك الفوضى، كان نوح يشعر بالغربة، غير أنّ في قلبه بصيصاً من نور،يؤمن به ،كانت ثقة بانه سوف يصل هى من تقوده وليست قدميه ،قال في نفسه
{الفيوم ليست بعيدة... لعلّها تكون بداية جديدة. لعلّي أجد هناك ما ابحث عنه أو طرف خيط جديد لأبدأ منه}
بعد قليل كانت العربة تقف أمام مزوعة المواشي ،نزل نوح وأقترب من أحد الأفراد الذين يقفون على الباب الكبير ،وهتف
-السلام عليكم،أنا نوح
قاطعه الرجل وهو يقول
-اهلا نوح من طرف عم عبدالله بتاع الدهب
أجابه نوح سريعًا
-اه أنا نوح
اوما له الرجل وصار ونوح بجانبه حتى وقف في أخر المزرعة وهو يقول
-بص بقا يا عم نوح ،عاوزين همتك مع الرجاله هتشيلوا كل شكاير العلف دي تنقلوها جوه ،وهنشوفلك سكن مع الرجاله ،هم معانا بقا
ألقى نوحُ الحقيبة على كتفه إحكامًا، ثم شدّ سيرها كأنّه يثبت قلبه معها،كانت الشمس تعلو ببطء، تلمع على سنابل بعيدة وتصبغ الغبار بلونٍ ذهبيّ خفيف ،في الحظيرة، ترصت الشِّكائر كجدارٍ خشن، وارتفع من المكان مزيجُ رائحة القشّ وحبوب الذرة المجروشة.
تقدّم نوح، وضع كفّيه تحت أول شوال، جرّه باندفاعةٍ حذرة، ثم رفعه إلى كتفه،غاص القماش الخشن في رقبته، فشدّ على أسنانه واتّخذ خطوة ثابتة،كانت الأقدام تُحدث صوتًا على الأرض المبلّلة قريبًا من الساقية، والرجال يتناوبون الصعود والنزول كنبضٍ واحد.
بعد انتهاء اليوم ،كان نوح يشعر بالإرهاق والتعب ،وجد نفسه يجلس في غرفه بها فراش حديد مثل فراش الزنزانه ،حمام صغير للغايه ،فرش رديئ،وفوق هذا سوف يقاسمه شخص في هذه الغرفة لكنه في أجازه
وقف أمام المراه ونظر إلى ملامح وجهه الباهته فهى لم ينعم بفراش للنوم منذ ليلتين ،خلع عنه كنزته ولم ظهره بانامله شعر بالالم ،استدار قليلًا ليرى بعض الخدوش على ظهره ،جلس أرضاً وانفجر في البكاء على حاله .
"عودة للحاضر "
كان يسرد عليها ما حدث معه بالتفصيل ،كانت تنظر إليه وهى تشعُر بالالم على ما حدث معه ؟وكم عانى في حياته
من يرى هيئته ،يظن انه رجل أعمال منذ النشأ،وأنه ولد في فاه معلقة من ذهب وليس أنه بدا من تحت الصفر .
عم الصمت عليهم وهو ينظر إلى عينها ومازال يضع راسه على ساقيها ،وهى تلاعب خصلاته ،ابتسم لها ابتسامه باهته وهو يظن انه جرحه قد غلق،لكن فتح اليوم ونزف .
تنهّد بعُمق وأغلق جفونه ،ثواني وشعر بأناملها تسير على وجهه وتوقف على لحيته الخفيفه ،تمتمت بهدوء
-نــــوح.....أنت كويس؟؟
فتح عينه ببطء ورفع يده يمسك كفاها يقربه من فاه ليقبلها بحنو
-أنا كويس ،ماتقلقيش
حاول تغير الحديث حتى يُغير الجو
-يلا الدور عليكِ ،أحكيلي
-حاضر يا نوح ،هحكيلك
لكن قاطعهم طرق الباب ،اعتدل نوح في جلسته وسمح لها بالدخول،كانت كريمة مساعدة المنزل
-نوح بيه في حد بره بيسأل على حضرتك
رد عليها نوح بغرابة ،لأول مره يأتي زائر لمنزله
-مين يا كريمة
-معرفش والله ،دا باين عليه اجنبي عمال يرطم بالانجليزي ،مفهمتش منه غير مستر نوح مستر نوح
قهقت موج على حديث كريمة وحمدت ربها أن جاء هذا الشخص حتى ينقذها من الحديث ،استمعت نوح يقول لها
-هقوم أشوف مين على الباب
ثم استطرد بحذر
-ارجع تكوني مكانك سامعه
خرج نوح من المكتب وهو يهندم ملابسه وخصلاته التي افسدتها له صغيرته ،وقف أمام الباب ،وجد شخص يقف يعطيه ظهره
-اتفضل يا فندم ،نوح الباشا
التفت له الشخص وعلى وجهه ابتسامه خبيثه وهتف
-كيفك عـــزيـــزي نـــوح
-...............
.....................
في أحد المناطق الشعبية
كانت تجلس سيدة كهِلة ،لكن الخُبث والمكر يظهران عليها،مثل علامة الصلاة ،تَقول بكُل غل
-ملقتهاش بنت ال*^*
صاح بها ابنها بصوت عالٍ وقال
-يعني اي ملقتهاش،وبعد ما خبطها راحت فين ،أنا قولت هتمو*ت بعد الحادثه دي ،لا وكمان ساعة ما شوفتيها اختفت،عاملة زي عفريت العلبة في ثانية متلقهاش،بس هترجع مسيرها هترجع
-هترجع لأزم ترجع ........
الفصل الثالث عشر من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثامن 8 - بقلم ندا الشرقاوي
-كيفك عـــزيـــزي نـــوح
نظر إليه نوح نظرة ثاقبة وهتف بسخريةٍ
-مرحب عدوي ،سليمان ،ماذا تُريد؟
كان سُليمان ينظر إليه بغل فـ نوح هو الوحيد الذي يقف امامه في عمله ،والمصمم الذي تفوق عليه على مدار السنين
-علمتُ أنك تزوجت،لذلك أرد أن اوهنئك،أنت بخيل نوح لا تُريد أن تُضيفني في منزلك المُتواضع ،وتُعرفني على العروس الشرقية
كاد نوح أن يقبض على ثوبه لكن قاطعه صوت موج وهى تقول
-مين يا نوح ؟؟
تقرب سُليمان من أذن نوح وتمتم بصوت منخفض
-الفتاة تصيح يا نوح ،هل تعلم أنك تكذب عليها ؟
خفف نوح قبضته عليه حتى لا يفسد كُل ما يسعى إليه ،ورتب على منكبيه ودلف وهو يرى موج تنتظره في منتصف الصالون
-مفيش يا حبيبي دا سليمان صحبي في سويسرا ،لما عرف جه يباركلي على الجواز
تقدم سُليمان وهو يَمُد يده لموج حتى يصافحها لكن يد نوح كانت اسرع ليهتف ببرود
-بعتذر يا صديقي لا تُصافح الرجال
كانت موج لا تفهم اللغه لذلك كانت تقف تنظر إليهم فقط ،وهزت رأسها لسُليمان علامةً على الترحيب به ،اخبرت نوح انها سوف تُجلب لهم بعض المُقبلات والمشاريب
-ماذا تُريد يا سُليمان ،هُنا ليس َ مكانٍ للحديث عن العمل ،أو الصفقات هذا منزلي من يدخله حبيبي وليك عَدوي ،وبالنسبة لأمرآتي فهي خط أحمر من يقترب منها أجعل بيني وبينه بحر من الدماء ،لذلك فكر قبل خطوتك
وضع سُليمان قدم فوق الأخرى ،وهو يبتسم بإنتصار انه وجد من يُخاف عليه "نوح الباشا"،فهو يبحث عن هذا الخيط منذ أعوام .
-يا عزيزي أنا فقط أريد أن نتعامل معًا ،نُأسس معًا شركة
وقف نوح وهو يصيح بصوت عالٍ
-شركة فاسدة ،تدعم الفساد ،تحت عنوان الشرف ومن الداخل عدم الشرف
قال سليمان وهو يعدّل ياقة بدلته ببرود
– لمَ التضخيم يا عزيزي؟ إنها شركة في ظاهرها مشرّفة، اسمها لامع، أما باطنها فهو المنجم الحقيقي،مناقصات صورية، فواتير مزوّرة، وغسيل أموال خلف ستار “مشروعات خيرية”،أنت لا عليك سوى التوقيع، والتصميم حتى نخفي كل شئ ورا تصاميمك المبهرة ،أما البقية فأمرها محسوم.
تقدّم نوح، وصوته يجلجل كالرعد
– شركة فاسدة إذن… رشاوى لمسؤولين، تلاعُب في الحسابات، غسيل أموال ،نوح الباشا لا يمس اسمه شئ قذر
ابتسم سليمان ابتسامة باردة، فيها شيء من التحدي
– أسميه ذكاءً في التجارة، إذا كُنت لا تُريد أن نخلط عمل التصاميم مع الشركع سوف نعمل في شئ أخر ، سنفتح ذراعًا خيرية توزّع أشياء للفقراء في الشتاء أمام عدسات الصحافة، بينما تمرّ الملايين في عقود التموين والصيانة،لدينا من يبرّد الدفاتر، ولدينا من يوقّع من فوق ومن أسفل أمّا أنت، يا باشا، فستكون الوجه الشريف لنا اسمك وتاريخك وصلاتك… ذلك ما يلمّعنا،في وقت قصير يلمع أسمك في مصر
قبض نوح كفيه بقوة
– واسمي؟ وبيتي؟
ثم استطرد
لقد قلت لك هنا حدوده لا تُمسّ،تُريد تدمير شباب وأجيال قادمة
أمال سليمان رأسه وغمغم بثقة
– حدودك ستتّسع إذا أحسنت اللعب،ولا تظن أني جئت أترجّى، بل جئت أعرض معادلةً ومعها ثمن الرفض لديّ ملفات على كُل شئ فاسد ، وإن فتحتها فسيُسحق كل من يظن نفسه بعيدًا عن النار،السوق على وشك أن يُقسم، ومن يقف خارجه يؤكل
اقترب نوح منه، وعيناه تقدحان شررًا:
– أتُهدّدني؟ في بيتي؟أريد أن أكل يا سليمان ،أنا "نوح الباشا" استمع جيدًا إلى حديثي ،نوح الباشا لا يُهزم
رفع سليمان كفّه بهدوء، وصوته هابط كهمس الثعابين يلدع فقط
– بل أصف لك الحقيقة،شركتنا، إن وُلدت، ستسيطر على المناقصات الإقليمية: نحن من نحدّد الأسعار، نحن من نخترع المواصفات، نبدّل الملصقات على السلع الفاسدة، ونغسل الخراب ببيانات صحفية وصور براقة،والجماهير تصفّق،وفي كُل هذا المخدِرات التي تدخل إلي البلد عن طريق السُفن التي سوف نستوردها
ازداد صوت نوح صلابة
– أتبيعون أرواح الفقراء وتسمّون ذلك استثمارًا؟
اقترب سليمان حتى كاد يلامسه، وقال بابتسامة ثابتة:
– تلك هي قواعد اللعبة،الأيدي التي لا تتّسخ، لا تُمسك الثروات،أمامك اختيار يا باشا أن تكون سيد الإمبراطورية، أو أن تبقى الشريف المعزول حتى يتداعى من حوله كل شيء هذا العقد أمامك… توقيعك وحده يحوّله إلى كيان في غضون يومين وتذكّر… لك أحباب، وحكمتك تحميهم أكثر من غضبك
رفع نوح العقد ببطء، قلّب صفحاته ثم ألقاه على الطاولة بازدراء:
– أنا اسمي يهتز له كُل من هب ودب ،لا احتاج إلى مال ملوث ،ثروتي إذا بدا اولادي واحفادي واولاد احفاد في الانفاق منها لن تنتهي ،يوم يتلوّث اسمي، هو يوم أُدفن في التراب. غادر، يا سليمان،تحذير اخر أي يد تمتدّ إلى بيتي، أقطعها قبل أن تلامسه
تراجع سليمان خطوتين، وعيناه تلمعان ببرود
– أعشق الرجال العنيدين… لأن سقوطهم أمتع فكّر جيدًا، يا باشا السوق لا ينتظر أحدًا
غادر سليمان وترك نوح يؤكل من الداخل يُفكر في المستقبل ،جائت موج سريعًا عندما استمعت لصوت الباب يغلق ،كانت تستمع إلى حديثهم وصوتهم العالٍ ،لكن ارتعبت من الأقتراب
اقترب منه وجدته يقف يضع يده على راسه يُحاول أن يُهدئ نفسه ،وضعت يدها على ظهره
-نوح
استدار نوح سريعًا وهو يراها الخوف والرعب على وجهها ،ضمها إلى صدره بقوة خوفًا أن يفقدها ،كاد أن يكسر عظامها بين يده ،كانت ترتب على ظهره وهى تشعر بحرارة جسدة ،كأن درجة الحرارة مرتفعة
كان يتمتم بكلمات خافتة
-مش هتسبيني ،أنا لما صدقت لقيتك ….مينفعش تمشي….محدش هياخدك مني …سامعه
كانت تستمع إليه ويدها تسير على ظهره تحاول تهدئته
-كان عاوز ايه الراجل دا ؟ دا أكيد مش صحبك
ابعدها عنه قليلًا وهتف بصوت عالٍ
-ملكيش دعوه عاوز اي …ملكيش دعوه بيه …انسيه يا مووج
ابتعد عنها وغادر المكان باكمله وهى تقف في دهشه مما حدث
………………….
انتهى اليوم ونوح مازال في الخارج ،حاولت موج الوصول إليه لكن ترك هاتفه في المنزل ،حاولت الاتصال بمُعتصم لكن دون فائدة هاتفه خارج الخدمة
في نهار يوم جديد
كانت سيارة نوح تسكن أمام منزل والده غفل في السيارة لأن وصل في وقت متأخر،فاق على صوت أحد يدق بيده على زجاج السيارة ،حاول نوح فتح جفونه وأثر النوم على وجهه
وجد والده من يدق ،فتح الباب وهبط وهو يعدل ثوبه
-مدخلتش جوه ليه يا نوح
حك نوح رأسه بحرج وهتف
-جيت متأخر محبتش أزعج حضرتك
هتف والده بحنو لأول مره
-اي يا نوح يابني ،البيت دا بيتك ،ادخل يانوح الست والدتك جوه ،أنا هروح أخلص مشوار أنت اكيد محتاج وفاء ادخل
غادر والده دون سماع رده ،كان نوح يتمنى أن ينعم بعناق والده ،لا يتذكر أخر مره عانقه ،شعر بنغزة في قلبه لكن حمد ربه على وجوده في حياته
دق الباب وانتظر والدته ،فتحت الباب وهى تقول
-نسيت حاجة يا عبدالعظيم
ثم استطردت
-نـــوح!!
-اسف يا أمي لو جيت فجأه وكمان بدري بس أنا بايت في العربيه من الساعه ٢ بليل
ردت بحنو وحدثته كانه طفل وليس شاب
-ليه يا حبيب أمك ،مخبطش وصحتني ليه ،تفضل نايم في العربيه كده يا نوح ،تعال يا حبيبي
دخل نوح وهو يشعر أن بداخله حمل ثقيل على قلبه وجع ينهش كُل جزء في جسده
تحدثت وفاء بحنو
-بص بقا أنا هجهز الفطار ونقعد نفطر أنا وأنت لحد ما ابوك يجي
-لا لا مليش نفس للاكل ،أنا عاوز أقعد معاكِ بس
شعرت وفاء بنبرة حديثه الحزينة ،ابتسمت قائلة
-تعال يا حبيبي
جلست وفاء وجلس نوح بجانبها وهو مازال لا يعمل ماذا يقول !؟
حاولت وفاء بدأ الحديث
-أنت زعلان مع مراتك يا حبيبي !؟
-هااا لا يأمي ،موج مبتزعلنيش
-أمال مالك يا قلب أمك ،شايل الهم ليه يا حبيبي ،فضفض لأمك
أخد نفس عميق وهتف
-تعبان يا أمي أوى ،حاسس إن الدنيا كلها جاية عليا ،خايف على مراتي أوي ،أمي لو حصل ليا حاجة موج أمانه في رقبتكم
شعرت بوجع في قلبها عندما سمعت حديثة ،تفقد ابنها بعد كُل هذا الأنتظار ،لا لا .
-أنت بتقول ايه يا حبيبي ،بعد الشر عليك ،دا أنت هتفرح بعيالك وتجوزهم وتشوف احفادك كمان
ابتسم نصف ابتسامه وقال
-مش باين يا أمي أنا مش خايف ،بس كُل خوفي إني هبعد عنكم بعد ما لقتكم وابعد عنها ،أنا حبتها يا أمي والله
عانقته والدته بقوة وعبراتها تسيل على وجهها ،كانت دعوة لنوح حتى يبكي هو الأخر ويخرج ما بداخله ،كانت ترتب على ظهره وهى تتمتم ….
-لا يا قلب …أمك….أنت نور عيني يا نوح ….مالك ياحبيبي
احكيلي يا حبيبي ….أنا أمك ستر وغطا عليك
………….
كانت موج لم يغفل لها جفن ،تحاول والوصول إلى نوح ،أول معتصم ،لا تعلم إلى أين غادر ،ماذا حدث له !؟
جائت لها فكرة ،ارتد روبها فوق منامتها وخرجت من الڤيلا ،وصلت إلى باب الڤيلا وجدت الحارس
-علاء …تعرف عنوان أهل نوح صح
اوما له براسه ،وهتف
-ايوه يا هانم اعرف العنوان
ردت سريعًا
-هغير بسرعة وتاخدني توديني هناك تمام
-تمام يا هانم بس….
الفصل الرابع عشر من هنا
رواية نوح الباشا الفصل التاسع 9 - بقلم ندا الشرقاوي
-تمام يا هانم ،بس البيه منبه إن حضرتك متخرجيش من غير أزنه
-معلش يا علاء ،بس نوح سايب تلفونه وحاجته ولازم اروحله ومتقلقش على مسؤليتي الخاصة وأنا هتعامل مع نوح
...بعد مرور دقائق كانت في غرفتها تقف أمام الملابس ،تضع سبابتها على شفتيها السفلية ،تحاول تنسيق الملابس ،فـ نوح من يفعل كُل شئ ،أخرجت بنطال قماش لونه أبيض ،مع كنزه لونها أصفر ،وحقيبة لونها بني .
بعد دقائق كانت تجلس في السيارة ،كانت الأفكار تتزاحم في رأسها كأنهم أشخاص في سباق ،من يستحوز عليها هو الفائز .
...........
وقفت السيارة أمام منزل عبدالعظيم الباشا ،نزلت موج وأخبرت علاء أن يعود إلى المنزل ،وجدت سيارة نوح أمام المنزل ابتسمت بسعادة .
دقت الباب والحماس بداخلها ،شعورها بالخوف والقلق على نوح قل قليلًا ،وجاء شعور الأمان والطمأنينة
فتح الباب وكان نوح نظر إليها بدهشة
-موج؟ أنتِ عرفتي مكانِي منين
رفعت حاجبها له وهتفت
-ايه مكنتش عاوزني اجي ،ولا هتفضل مختفي
هم بالحديث لكن جاء والده من الخلف وهو يقول
-تعالي يا بنتي اتفضلي
كاد أن يخرج بؤبؤ عين نوح من الصدمة والده من يتحدث ،شعرت موج بالخجل لأنها أول مره تراه ،جاء والده وقف بجانب نوح وهو يقول
-ادخلي هتفضلي على الباب ادخلي يا بنتي
دلفت موج وهى تذهل من هيئة نوح ،مال عبدالعظيم على نوح وقال
-ربنا يعينك يابني ويحنن قلبها عليك لما تفتكر
ودخل
تحيّر نوح من الحديث وتغير والده ،هم بالحديث إلى نفسه
-لا لا ،اهدى يا نوح دا كده البرج اللي في دماغي هيطير والله
ظل ساكن في مكانة ،حتى سمع صوت والدته تقول
-هتفضل واقف تكلم نفسك كتير ..مراتك جوه يا بيه ..والباب مفتوح نص الشارع بيتفرج
نظر إليها واوما براسه ودخل ،كانت موج تنظر ليه كانها سوف تنتقم منه على قلقها وخوفها .
-بصي بقا أنا هحضرلك الفطار احنا لسه شايلين الأكل من شويه ،وكمان انهارده الجمعة زمان سامح وسما ونوح جايين
كان ذلك صوت وفاء وهى تتحدث مع موج ،كانت علامات الأستفهام بداخل موج ،حتى صاح نوح قائلًا
-سما تبقى أختي يا موج وسامح جوزها أما نوح دا ابنهم الصغير .
ثم استطرد
-تعالي يا موج
سارت معه حتى وصل إلى المطبخ ،وقف أمام الأواني الزجاجية،وأمسك قطعه الخبز وضع بداخلها مُكعب من الجبن الأبيض
-اتكلم يا نوح ...في اي ..؟ليه سبتني ومشيت؟ومين الراجل دا
قاطعها نوح بوضع الطعام داخل فاها منعها من استكمال الحديث،رد عليها
-كلي يا موج
بعد ثواني عاودت الحديث مره أخرى
-نوح أنا عاوزه افهم لي...
قاطعها مره أخرى بوضع قطعه الخيار في فمها
-اي رغي رغي رغي ،افصلي يا موج ،هحكيلك بس لما نروح اهدي بقا
عبثت في وجهه وصمتت ،دهش من حالتها وهتف
-مالك ؟
-أصل أنا عاوزه طماطم مش خيار
رمش نوح مرتين من حديثها الذي كان في غاية الجدية،وتحدث بنبرة جادة بشكل كوميدي
-لا لا حضرتك زبونة صعبة
قام بفتح التلاجة وبدأ في رحلة البحث عن البندورة ،وجد عُلبة صغيره بها بندورة صغيرة أخرجها وهتف
-طماطم شيري ،في تلاجة أمي ،هما انحرفوا للدرجة
-هتديني المطاطم ولا امشي لسه عندي مشاغل
ابتسم على حديثها كانها في حارة شعبية تشتري من بائع ،اقترب منها بحبه من البندورة وهتف
-يا خبر دا أنا اخد الطماطم وأغسلها واقطعها وأكلهالك كمان يا هانم
وضع البندورة في فمها وأخذت نصفها ،وأخذ هو الأخر النص الأخر ،ثم تمتم بلذة
-أطعم طماطم كلتها في حياتي
كانت تشعر بالخجل من قربه منها ،زوجها ولكن لا يقترب منها بهذا الشكل ،أصبحت وجنتها مصبوغه باللون الأحمر مثل البندورة
كاد أن يقترب منها أكثر حتى أستمع صوت والدته
-يا نوح سما جت
اغمض عينه وهو يقول
-الله يسامك يا أمي بتقطعي عليا لحظات مبشوفهاش في الڤيلا
جاء الصغير سريعًا على المطبخ وهو يقول
-خالو نوح خالو نوح
رفعة نوح من الأرض وأسكنه في حضنه
-حبيب خالو نوح
نظر نوح الصغير إلى موج وهتف
-العروسة صح ،تيتا وفاء قالتلي ،خالو هيا هتجيب بيبي زي مامي برده ،هيكون فين بيبي وبيبي كتير كتير
وصع نوح كفه على فاه وهتف
-ايه يا نوح أنت بالع راديو ولا اي ،ولا اتعديت من موج .
ضربته موج بخفه في كتفه حتى يصمت ،ونظرت إلى الصغير وقالت
-أنت جميل أوي يا نوح
رفع نوح الصغير ياقة قميصه وهتف بغرور
-عارف عارف ،تيتا وفاء بتقولي كده إني شبه خالو
-سبحان الله نفس غرور خالك
قهقة نوح على حديثها وخرجا من المطبخ وجد سامح ينظر إليه بخبث ويقول
-اجتماع المطابخ دي أما حلوه بشكل
وضع نوح ،نوح الصغير على قدم سامح وهتف
-ملكش دعوة خليك في اللي معاك يا ظريف
اقتربت سما من أخيها وعانقته بحب والفرحة تغمرها على عودته لهم والفرح يفيض من عينيها لعودته بينهم بعد طول غياب.
جلسوا جميعًا في الصالون،الأم تضحك على أحاديثهم، وسامح يلقي النكات، وموج تحمل في يدها سندويشًا صغيرًا وتشاركهم
رواية نوح الباشا الفصل العاشر 10 - بقلم ندا الشرقاوي
وامرأته سوف اتمتع بها وامتلكها قبله ،وهذا ما يزبح الرجُل الشرقي، امراته .
السواد يملئ المكان ،والقلب ملغم بالكُره والحقد ،عالم بعيد عن الحلال ،عقارب في هيئة بشر .
……….
في صباح يوم جديد في منزل "الباشا"
كانت وفاء تقف في المطبخ تحضر الكثير من الأطعمة ،الفرحة تغمرها اليوم سوف تطل الشمس على منزل"الباشا"،منذ مغادرة نوح والظَلام تَمكن من المنزل ،والأن بعد أثنا عشر عامًا عادت العائلة كما كانت ،بل زادت أفرادًا .
كان "عبدالعظيم "يستند بجِذعه على الحائط في مقدمة المطبخ ،يستنشق رائحة الطعام التي كانت يستنشقها منذُ أعوام .
هل زوجته سوف تسامحهُ على ما حدث منه !؟غياب طفلها أعوام وعوده شاب مقبل على الثلاثين من عُمره ؟لكن هو طفله معها ،كان يُريد أن يكون مهندساً مشهورًا ،لكن عاد وهو يحقق حلمه ويتفوق على الجميع ،يكفي أنه فعل شئ يُحبه .
-مالك يا عبدالعظيم هتفضل واقف تبصلي كده كتير ولا ايه ؟
كانت "وفاء"تتحدث وهى تقطع حبةً البصل،تُلاحظ نظراته دون كَلام.
عقد يداه أمام صدره وأخذ نفس عميق واردف
-حاسس إني واقف في المطبخ من اتناشر سنة ،ريحة الفول اللي بتعمليه بمزاج علشان خاطر نوح بيحبه ،بعد ما نوح مشي كُنتِ بتعمليه مره في الشهر ممكن ،العسل والطحينة اللي صحيتي مخصوص نزلتي جبتيه من نفس الراجل اللي نوح كان بيجيب من عنده ،قد ايه أنا ظلمتك قبل ما أظلم نُوح ،كُنت سبب إني ابعد ابنك عنك سنين .
كانت "وفاء"تستمع له كان الجرح ينزف من جديد ،وليس جرح أغلق عليه مُنذ أعوام ،أغمضت عينيها بشدة،وهى تتذكر أول يوم ترك فيه نوح المنزل كيف مر عليهم .
-خلاص بقا يا عبدالعظيم ،اللي حصل حصل ،المُهم أن احنا سوا وخلاص ،يلا بقا نكمل الفطار ،لحد ما يصحوا الولاد .
اقترب منها وهو يمسك الفراش الذي يضعه على السُفرة وهم بالحديث
-البنت اللي أبنك اتجوزها دي لو رجعت ليها الذاكرة تبقى كارثه على راس ابنك ،هو اللي هينضر
اقتربت سريعًا وضع كفها على فاه وهتفت
-باس أسكت لتسمعك،هو هيتصرف ،الصراحة البنت كويسه ولطيفة وشكلها يا حبة عيني عاشت أيام زفت ،معرفش ايه اللي حصل بس هو هيحصل مشكلة لما تفتكر بس خير ،يارب تكون حبته .
………….
في غرفة "نوح"
كانت "موج" استيقظت قبل عدة دقائق ،وقفت أمام مكتب نوح وجدت عليه جميع كُتب الثانويه العامة مازلت في مكانها،كأنه أمس ،جلست على المقعد وقامت بفتح أحد الأدراج ،أخرجت دفتر صغير ،يغمره الأتربه والغبار .
أخذت محرمة تُزيل الأتربة ،وقامت بفتح الصفحةُ الأولى وجدت تصميمات نوح القديمة ،وأسفل كُل تصميم يوجد بعض الجُمل تصف التصميم .
كان التصميمُ كَنزةً صغيرةً من الصوف الناعم، نُسجت بخيوطٍ متشابكةٍ كأنها تحتضن الدفء،كانت الألوان تُبرزها كأنها واقعية .
وتوالت الصفحاتُ بعد ذلك، فإذا بها تَكشفُ عن تصميمٍ لطفلة صغيرة،فستانٍ رقيقٍ يزدانُ بزهورٍ مطرَّزةٍ على أطرافه، يبعث في الناظر إحساسًا بالبراءة والبهجة.
أسفله يُدون بعضُ الكلمآت "سوف يَكون هذا أول رِداء لطفلتي الأولى ،أول من يضع على جسدها الصغير ،مثل عناقي الأول لها ،سوف يكون الرِداء الأول لها "
"نوح والدك أيُها الصغيرة سوف أنتظرك على أحر من الجمر ،سوف أختار والدتك بعناية واضحة ،حتى أقع في حُبها مرتين ،مرة عند اللقاء بها ،وأخرى عندما تأتي أنتِ"
كانت منسجمة مع الكلمات ،لم تشعُر به عند إفاقته من النوم ،وجاء خلفها وجدها تقرأ كلماته ،تمتم بهدوء حتى لا يخيفها
-عجبك الكلام ؟
استدارت ونظرت لوجه ،خُصلاته الغير مرتبه ،دقنه التي أصبحت أجمل عندما كبُرت قليلًا ،ابتسامته الخفيفة ،وهتفت .
-جميل أوي
أراد مشاكستها ،رد
-أنا ولا الكلام ؟؟
رد عليه بمرح
-أكيد الكلام يعني
أستمع حديث والدته من الخارج وهى تقول "يلا يا نوح ،يا موج الفطار يا ولاد ،يا سامح أنت وسما ،حد يشوف نوح الصغير ها يصحى ولا زي كل مره"
ابتسم نوح بسعادة وتعالت صوت ضحكته ،حتى نظرت إليه موج بغرابه وهتفت
-غريبة بتضحك على اي ؟
ابتسم حتى ظهرت أسنانه بوضوح
-أصل وأنا صغير كانت أمي على طول تصحينى كده ،يلا يا عبدالعظيم يلا يا ولاد الفطار جاهز ،يا عمي حد يشوف نوح هيقوم ولا لا ،تقريبا كده نوح الصغير كبر وجه بدالي نسخه تانية نوح ابن سما ،تقريبًا كده الزمن بيعيد نفسه من تاني،يلا قومي غيري هدومك عقبال ما اصحي نوح ،وهنرجع الڤيلا بعد الفطار ،كفاية كده علشان عندي شُغل .
قال ذلك واقترب يضُم وجهها بين يده يقبل وجنتيها ،ثم اتجهه إلى نوح .
…………
بعد مرور عشرين دقيقة ،كان الجميع يجلس حول السُفرة ،عبدالعظيم على المُقدمة على يمينه نوح ،وموج ،على اليسار سامح ،وسما ،و وفاء .
كانت وفاء كُل دقيقة تقف تضع الطعام في طبق نوح لاحظ الجميع سعادتها بعودة نوح .
هتف سامح بجدية
-نوح أنت ناوي تفضل في مصر ولا ترجع سويسرا تاني؟
نظرت وفاء إلى نوح بصدمة ،كيف !؟يتركها مره أخرى ؟انتظرت رده .
أخذ نوح كأس الماء ارتشف منه القليل ثم هتف
-لا ناوي أشتغل هنا أكتر ،بس سويسرا حاجة تانية عالم الموضة حاجة بعيدة عن مصر طبعًا ،بس شركة سويسرا شغاله طبيعي كأني موجود بالظبط ،وكُل شهر أو أكتر أسافر كام يوم
ونظر إلى موج قائلًا
-وبالمره أعمل شهر عسل كُل فترة
اكتفت موج بابتسامه بسيطة ،وقامت سما بالتصفيق له
-ايوه ياعم الرومنسي
ابتسم نوح على حديثها ،وظل الحديث بينهم حتى انتهوا من الفطور .
بعد قليل استأذن نوح وموج ،لأن نوح يلتزم بمواعيد عمل .
……………
بعد مرور عدة ساعات
كان "نوح" في مكتبة ،ينظر إلى الأوراق التي أمامه ،دق الباب ودلف مُعتصم بعد ما سمح له بالدخول
-فينك ياعم هو الجواز بيخطف كده ؟
-لا ياعم ،أصلي بايت في البيت القديم مع أمي وأبويا وأختي جت ،وكمان موج ،المُهم سليمان جالي البيت
صدم معتصم من حديثه وجلس على أقرب مقعد وهتف
-يعني إي جالك البيت ،هي البجاحة وصلت لحد كده ولا اي .
-هو دا اللي حصل ،علشان كده عاوزك تزود الحراسة على موج من غير ما تحس وعلى الڤيلًا ،وعاوز كاميرات في كُل رُكن في الشركة ،حتى مكان البوفية والمطاعم اللي تحت تمام يا معتصم .
أوما له معتصم برأسه وهو يفهم خطورة الموقف جيدًا وهتف
-طب كويس جدًا ،المهم بقا الشركة في سويسرا لازم تسافر تقعد على الأقل كام يوم هناك متنساش إن دي الشركة الأم حاول تسافر ،علشان الناس اللي هناك متفكش من ادينا .
-فاهم يا معتصم حاضر في أقرب وقت هسافر
غادر معتصم وقد ارتسم على وجهه مزيجٌ من العزم والاطمئنان، ظل نوح جالسًا أمام مكتبه، يطالع الأوراق بعينٍ دقيقة، يتفحّص الأرقام والتصميمات كأنّه ينقّب عن سرٍّ خفيّ.
………….
عاد نوحُ من عمله وقد أرخى الليلُ ستاره على المدينة، كان الشارعُ يزين بأضوائه الخافتة، ودلف إلى المنزل وهو يشعر بثقل يومٍ طويل.
ما لبث أن لاح له أثرُ ضوءٍ دافئٍ يتسلّل من تحت بابِ الغرفةِ التي اعتاد أن يجلسوا فيها ،ضوءٌ خافتٌ، ورائحةُ قهوةٍ بلمسةِ ياسمينٍ، وأنغامٌ هادئةٌ تترنّم في الخلفية.
دلف نوح وهنا هدأت الموسيقى كأنّها تنتظر لحظته، فرأى موج قد أعدّت له مفاجأةً بسيطةً،سفرة صغيرة على الأرض، وسجادةٌ ناعمة، ووسائدٌ متناثرة، وشموعٌ تترنّم بلهيبٍ صغير.
كانت موجٌ تقفُ قبالته بزيٍّ يرتاحُ له نور الشمع، وعيناهما تلتقيان قبل أن يعلنا أي كلمة.
وقف نوح للحظةٍ يتأمّل ثم ابتسم ابتسامةً خففها التعب، ومال إليها بخطواتٍ هادئة.
— إنتِ عاملة كده ليه؟
قالها نوحُ بلهجة، وكأن السؤال ليس عن السبب بل عن الاحداث
ردّت موج بصوتٍ منخفض ومليء بالمزاح والصدق
— عشان اشتقتلك وأحبّك ترجع تلاقي مكان يعيّش القلب شوية.
اقترب نوحُ منها حتى وصل إليها مدّت موجُ يدها لتمسك كفَّه، فلمسَها بحب وأغلق على يدها بحب ؛ كان اللمسُ قصيرًا لكنه كان كفيلاً بأن يوقظ أشياءَ منسية.
— تعال قعد معايا هنا شوية، خلِّي الدنيا برا تمشي.
قالت وهي تشير إلى الوسائد.
جلسا متقابلين، فمدّ نوحُ ظهره على الوسائد، ومدّت هي قدمها لتستلقي متمددةً وكأنهما في سماءٍ صغيرةٍ خاصّةٍ بهما.
التقت أنفاسُهما؛ وكان الكلام بينهما ينزلق إلى همساتٍ تكادُ تكون مسموعة
— أنا كنت بفكّر فيك طول النهار.. وانتِ عارفة قد ايه؟
لم تَكن هناك عجلةٌ؛ كانت اللحظات تُطوى كما تُطوى صفحات كتابٍ محبوب.
يقاصّان أحاديثٍ صغيرةً عن نهارِه وعن ما صنعَتْه، وعن أغربِ حلمٍ رآه أحدهما.
ثم مال نوحُ في اتجاهِ موج، ولم تكن سوى قُبلةٍ هادئةٍ، طويلةٍ بما يكفي لتخبرَ أنّ الكلام قد اكتفى للحظة.
-نوووح …..نوح….
فاق نوح من غفوته ونظر أمامه وجد نفسه في السيارة لم ينزل ،وكان جميع ما يحدث هو مُجرد حُلم فقط .
وجه الحديث لنفسه
-اخرتها بتحلم بيها وأنت صاحي ،كمان نادت علي في وقت رخم ماشي يا موج .
خرج من السيارة وهو ينظر إلى الأعلى وجدها تطل عليه من الشرفة
-طالع يا موج ،كان معايا مُكالمة شُغل بس
……………..
-لقتها لقيت العنوان
هبت واقفه عن مقعدها وهى تسرع إليه وتقول
-انطق ياض …لقتها فين المخفيه دي …هيا ولا خد شبها
_لا هيا …لقتها قاعدة في بيت واحد اسمه نوح الباشا ….
الفصل السادس عشر من هنا