تحميل رواية «نوح الباشا» PDF
بقلم ندا الشرقاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في اسكندرية كانت تقف موج في خلفها البحر وأمامها طاولة تعم بالاسماك وهي تهتف قائلة "اوزن يا مدام ،دا بتاع انهارده طازة تحبي تشوفي "قامت بفتح السمك بحترافيه من اخر راسها وهيا تشير إلى التي تقوم بالشراء وتهز راسها بمعنى اتري لكن قاطعها هجوم رجل يدعى على نفسه "مُعلم السوق " هتف وهو يشير لها بعصاه ويرفع احد حاجبه الغليظة _يالا يابت من هنا مفيش بيع سمك هنا هبطت موج عن الحجر الكبير الذي تقف عليه هاتفه بهدوء ما قبل العاصفة _ليه بس يا معلم احنا زعلناك في حاجة هتف الرجل الجشع وهو يضع يده اليمنى على مقدمه...
رواية نوح الباشا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندا الشرقاوي
غريبة يا موج إنك متجوزة الشخص اللي قتل أبوكي
ضحكتها اختفت فجأة،لم تعطي اي رد فعل ،وقعت باقة الورد ،لم تصدر صوت لها ،مازلت الجُملة تتردد في اذنيها
"متجوزة اللي قتل ابوكي"
ضحكت ضحكة صغيرة ،مكسورة،اغرورقت عينها بالدموع ،لا تُصدق ،مقلب عما تعتقد !!
هزت رأسها بالرفض ،هو لم يعرف اباها من اين اتى ذلك .
قتل؟؟؟
لا لا ،ليست قادرة على تكوين صورة للمشهد .
لم تصدق من حرمها من حنان الحياه هو من يُعطيها الحنان الأن !
تذكرت عندما علمت بأن والدها توفى بعد السفر .
ولم تراه بس شاهدت العزاء فقط ،جلست على اقرب مقعد وهى ترى قدميها ترتعش بشدة ،دقات قلبها تسمعها بوضوح ،كاد قلبها ينخلع من صدرها وبين ضلوعها ،سندت راسها على المقعد وبدأت عبراتها تنهمر على وجنتها ،كأن الحادث الأن وليس من عدة سنوات .
رن جرس المنزل مرة أخرى ،كانت في عالم تاني بعيد عن الحياة ،كانت تتذكر والدها وكُل ما مرت بعد منذ ثماني سنوات منذ مغادرت والدها الحياة ،فاقت على صوت الجرس الذي لم ينتهي .
وقفت سريعًا وقامت بتخبئة الكارت في ملابسها ووضعت الباقة وراء الأريكة .
واتجهت إلى الباب قامت بالفتح تظن أخد الحراس ،لكن وجدت نوح يقول
-نسيت ورق مهم مرتش ابعت حد ياخده غيري
لكن توقف عن الحديث عندما وجد وجهها منتفخ من البكاء وعينها تتجمع بالدموع
اقترب سريعًا وكوب وجهها بين يده وقال بحنو واضع
-مالك ؟ حصل اي
رفعت عينها في وجهه وهى لا تقدر على فعل شئ تريد أن تصرخ لتفهم ماهذا ،لكن هتفت بكُل برود
-مفيش كنت بعمل فطار وفتحت علبت الشطه بالغلط فا عملت عيني
رد سريعًا وهو يعرف أنها تكذب
-بتكذبي ليك ،موج مستحيل أنتِ بتعيطي علشان اللي حصل امبارح ،حبيبي هعملك اللي أنتِ عاوزاه
ردت بكل غضب
-سبني في حالي واطلع هات ورقك يا نوح
-لا بجد أنتِ مش طبيعية
هدرت به بصوت ٍ عالٍ وقالت
-ليه شايفني مجنونة ولا بشد في شعري ولا بقطع في جسمي
صدم من حدثها وقال
-موج حصل اي؟ أنتِ في اي .
-قولتلك سبني في حالي أنت اي مبتفهمش؟؟؟
رد بكُل صدمة وغضب
-أنا مبفهمش ،أنتِ شكلك من كتر الدلع دماغك لسعت أنا غلطان اوعي
وقفت لحظة، عينيها مليئة بالدموع،ثم دلفت إلى المطبخ دون حديث وهو صعد إلى الأعلى .
********
بعد مرور ساعات .....
في الحي الذي يسكن به عائلة نوح وعلي البركة .....
دق جرس الباب،خرجت أميرة من غُرفتها وهى تُسدل الطرحة على شعرها وتُهتف بصوتٍ عالٍ
-ميين !!!
جاء الرد من الخارج وقالت
-أنا خالتك نعمة يا أميرة ومعايا علي.
وعندما نطقت الأسم خفق قلبها بشدة ،لكن همست لنفسها قائلة "خلاص علي انتهى بالنسبالي"
شردت لثواني وفاقت على صوت نعمه تقول
-يابت افتحي أنتِ نمتي ولا ايه !!؟
قامت بفتح الباب وقالت
-لا ياخالتي كنت بجيب الطرحة ،منورة ياخالتي
تقدم علي ووضع راسه عند الباب نظرًا لوقوف والدته وقال مبتسمًا
-مفيش منور يا علوه
ردت ببرود
-لا مفيش،ببتسامة هوليود اسميل دي
ثم استطردت
-اتفضلوا عقبال ما انادي ابويا.
جاء الحج كامل على صوتهم وقال
-أنا جيت اهو ،اهلا وسهلًا بالست ام علي وعلي ،اتفضلوا دا احنا زارنا النبي
دلفوا وجلس الجميع ووضع علي الشوكولاه وباقة الورد على الطاولة .
نظرت أميرة إلى الباقة وجدتها ورد باللون الافندر ،ابتسمت ابتسامه باهته وتذكرت
"عودة للماضي"
"منذ اثنا عشر عامًا "
عندما كانت في العاشرة من عُمرها وعلي يكبُرها سنًا ،كانوا يجلسوا في ارضيه الشارع على مفرش كبير يُسمى "حصيرة" تمسك لعبتها .
جلس علي بجانبها وقال لها
-مبتلعبيش ليه مع البنات
هتفت مُجيبه
-لا تعبت رجلي وجعتني وبعدين قولت العب بالعروسة شويه،مكملتش الماتش ليه مع نوح والباقي
أجابها ببساطة
-عادي قولت اجي ارتاح شويه ،بصي جبتلك ورده
ابتسمت ابتسامه واسعه وهتفت
-الله جميله اوي بس لو تكون لونها بنفسجي
رد باستغراب
-بنفسجي ازاي يعني
قالت بتردد
-معرفش في لون كده قريب من البنفسجي
قهقة قائلًا
-قصدك لافندر
-اه هو دا
ابتسم قائلًا
-هبقى اجبلك لافندر يا أميرة .
فاقت من شرودها على صوت والدها وهو يقول
-الشاي يا أميرة
ردت نعيمة قائلة
-لا نخليه شربات يا حج كامل
هتفت أميرة ساخرة
-ليه ياخالتي أنتِ راحه الحج،بس لسه بدري .
-طول عمرها دمها شربات البت دي ولا ايه يا ما
كان ذالك حديث علي الذي يرى احمرار وجهها وغضبها منه
-بس يا ولا أميرة ،طول عمرها ست البنات
هتف كامل بهدوء
-تسلمي يا ست ام علي ،بس برده معرفتش سبب الشربات
اعتدلت في جلستها وقالت بكُل وقار
-بص ياحج كامل ،أنت عارفنا من زمان واحنا جيران ويشهد الله علينا انكم أعز الجيرة
-تسلم يا حجه وأنتم والله أعز الناس
-طيب ياحج وأميرة بيتي وعلي ابنك،وأنا جايه اطلب ايد أميرة لعلي.
اتسعت عينا أميرة دهشة وكأن الكلمات سقطت عليها فجأة، فتسمّرت في مكانها، لا تصدّق ما سمعت.
شعرت بدقّات قلبها تتسارع، ونظرت إلى والدها بارتباكٍ واضح.
أما الحاج كامل فظل صامتًا لثوانٍ ثم قال بهدوء وحزم
-الرأي رأي العروسة... أميرة هي اللي تقول موافقة ولا لأ.
ازدادت دهشتها، واختلطت مشاعرها بين الصدمة والارتباك، وهي تحاول استيعاب ما يحدث،لكن تزكرت عندما تركها دون حديث.
ردت بكُل هدوء
-الجواز دا نصيب وأنا نصيبي مش مع علي،ربنا يرزقه ببنت الحلال،طلبك مرفوض ياعلي .
وقفت وهو يعدل قميصه وقال
-كُنت عارف إنه مرفوض ،بس أنا مش ماشي قدامي على البلكونة نتكلم كلمتين
ردت بهدوء
-الكلام مفيش منه فايده أنا رافضه .
هتفت نعمه وهى تقول
-يابنتي الكلام اخد وعطا برده .
-أنتِ هتتحايلي عليها يا ما قدامي يابت على البلكونة،عن اذنك ياعم كامل
*********
-قول ياعلي اللي عندك ادينا دخلنا البلكونة ،وعلى فكرة وفر كلامك علشان مش هغير رأيه
زفر علي بقوة وقال
-أنتِ مبتزهقيش ولا ايه لوكلوك لوكلوك في اي ياما اهدي على نفسك ،خليني اقول الكلمتين ،بصي يا أميرة أنا عارف إني غلط لما سبتك من غير ما اقول حاجه ،بس كنت هقول ايه يا أميره أنا مكنتش عارف أنا رايح وراجع امته،وبعدين خوفت خوفت اوقفك جمبي من غير حاجة ،كُنت هقولك ايه استنيتي وهتستني قد اي يابنت الناس،ولا كنت هقول لابوكي ايه جاي اخطب بنتك وأنا اصلا معييش حق دسته الجاتو اللي هدخل بيها عليكم.
ردت وهى بداخلها وجه ينهش قلبها
-مش مببر يا علي،أنت متعرفش أنا كنت عامله ازاي الفترة دي،أنت سبتني ومبصتش وراك عاوزني أنا دلوقتي أقولك ماشي موافقه ،دا بعينك ياعلي .
-وافقي يا أميرة واديني وادي نفسك فرصة،فرصة أخيرة اديها ليا وصدقيني مش هتندمي،وبعدين لو موافقتيش مش هتتجوزي ولا أنا هتجوز ،يبقى ليه نعنس؟ وأمي تفضل تقولي يا باير في الراحة والجايه وأنا الصراحة راجل بتكسف
كانت أميرة تنصت إليه بجدية مصطنعة، تحاول التماسك، لكن شفتيها كانتا ترتجفان كتمت ضحكتها خفضت بصرها قليلًا، ثم رفعته إليه سريعًا وكأنها تحسم أمرها
-أنت مستفز أوي على فكرة ..يعني ايه نعنس دي
ابتسم وقال
-اهو شوفتي؟؟حتى الضحكة حلوه ،اديني فرصة يابنت عم كامل.
سكتت لحظات عدّلت وضعها، أخذت نفسًا عميقًا كأنها تقبل على قرار مصيري، ثم قالت بنبرة حازمة تخالف ما في عينيها من مرح
-خلاص هديك فرصة ياعلي .
وتركته واقفا مكانه، يبتسم ابتسامة عريضة غير مصدق أن كلمة واحدة كانت كفيلة بتغيير كل شيء
**********
داخل شركة الباشا ،كان الجميع يعمل بكُل ما عنده من جد واجتهاد .
في غُرفة الأجتماعات ،كان نوح يقف يقوم بالشرح للمتدربين ،لكن يشعر بالإختناق.
وقف قليلًا يرتشف القليل من الماء،ثم أكمل الشرح ،لكن بعد مرور دقيقتين ،قام بفك رابطة العنق قليلًا وهتف
-معلش يا شباب نكمل بعد ساعة ،خدو رست لو سمحت .
أوما الجميع له على الموافقة نظرًا لتعبه وغادروا الغرفة ما عدا وحدة تُسمى لمار
هتفت بكُل دلع مقزز
-مستر نوح،تحب اجيب حاجة لحضرتك تشربها
رد نوح بكِل هدوء
-لا شكرًا ممكن تسبيني لوحدك،ولو احتاجتي حاجة أنا عارف هعمل اي ،اه صحيح
-نعم يا مستر أومر
-ياريت بعد كده تاخدي بالك من تصرفاتك يا انسه ،علشان صدقيني هتطلعي خسرانه ساامعه
صمتت وحاولت تصنع انها لا تفهم شىء
-مش فاهمة قصّد حضرتك
رد مؤكدًا حديثه
-لا فاهمة قصدي كويس،اتفضلي سبيني لوحدي .
-تمام يا مستر .
*********
خرجت موج من المنزل متجه إلى الحرس وسألت قائلة
-مين اللي جاب الورد دا ؟؟
هتفت أحمد قائلًا
-معرفش والله يا فندم ،هو واحد بموتسكل وقال انه لحضرتك،حته حب يسلمه بنفسه بس طبعًا رفضنا علشان حضرتك عارفة التعليمات
ردت بكُل عصبيه
-ايوه من انهي مكان يعني ؟ مش عارفين اي حاجة ؟ امال لزمتكم ايه هنا!!!؟؟؟
-يا هانم أنا مُهمتي احمي حضرتك مش اعرف محل الورد وبعدين افتكرت إني نوح باشا اللي باعته
غادرت موج دون أن تنطق بكلمة، كانت تركض لا تخطو خطواتٍ طبيعية
دلفت إلى المنزل وأغلقت الباب على عجل، ثم جلست خلفه تبكي بصوتٍ عالٍ وتصرخ
***********
وقف عند باب الشقه ،واسند كتفه على الباب وقال بنبرة هادئة تخالطها ابتسامة
-هو أنا دلوقتي،خطيب ولا تحت الأختبار
ابتسمت أميرة قائلة
-لا تحت المراقبة المشددة
ضحك بخفوت وقال
-حلو أنا بحب الكاميرات
ثم استطرد قائلًا
-شوفتي إني لسه فاكر الافندر
ابتسمت بخفة وقالت
-اه شوفت
-عمري ما انسى حاجة تبعك يا أميرتي،وصدقيني عمرك نا هتندمي على الفرصة التانية
أخذت نفس عميق وقالت
-اتمنى يا علي.
*********
مر اليوم بسلام على الجميع منهم من يشعر بالسعادة ومنهم من يشعر بالضيق والخوف والقهر .
عاد نوح إلى البيت بعد طول يوم، يشعر بتعبه يثقل كتفيه، لكنه وجد شيئًا يخفف من وطأة كل الأحداث كانت مستغرقة في النوم على الأريكة، ووجهها هادئًا رغم ما مرّت به من توتر ومشاعر.
اقترب بصمت مدّ يده برفق ليحرّك الشال الذي غطّى وجهها قليلاً، وضبطه بحيث لا يزعجها ثم حملها برفق من مكانها، وصعد بها إلى الأعلى وضعها على السرير، وغطّاها بشالها مرة أخرى بعناية، كأن كل حركة منه تحمل حماية وحنانًا صامتًا.
جلس قليلاً بجانبها، يراقب تنفسها الهادئ، يشعر بأن هذا الهدوء البسيط هو أعظم مكافأة ليوم متعب.
بداخله يشعر بالحزن لأول مره يعود إلى المنزل ولم تكن في استقباله.
نهض بهدوء، تاركًا لها المساحة لتستريح بينما قلبه يخفف من ثقل الأحداث الماضية بعين مُتعبه وسكونٍ مؤقت.
*********
في الساعة الثالثة بعد مُنتصف الليل .....
كانت ليلى تقف في شرفة غرفتها في الفندق ،تتحدث في الهاتف مع مُعتصم،غارقين في الحديث .
كانت تضحك بصوتٍ عالٍ،لكن لحظات ووقع الكوب من يدها
هتف مُعتصم سريعًا
-ليلى ايه الصوت دا أنتِ كويسة؟؟
ردت سريعًا والخوف بداخلها
-معتصم أنا شايفة بابا قدام الفندق
......الحقني يا معتصم .... هياخدوني......
رواية نوح الباشا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم ندا الشرقاوي
ردت سريعًا والخوف بداخلها
-معتصم أنا شايفة بابا قدام الفندق
……الحقني يا معتصم …. هياخدوني……
اعتدل سريعًا في جلسته وصدح صوته الذي خرج بصعوبه بعدما بلع ريقه
-دخل الفندق ولا لسه ؟
كانت عينها متعلقه بابيها تنظر له فقط ،تراه وهو يلقي نظره على المنطقة بأكملها .
في نفس الوقت كان مُعتصم يرتدي اي شيء يراه وهى مع في المُكالمه .
تحدث سريعًا
-أنتِ فين ؟؟
اجابت على الفور
-مكاني في البلكونة .
-أنتِ غبيه لسه واقفه ،ادخلي بسرعة جهزي شنطتك سيبي
لبسك هاتي ورقك وبس .
كانت عاجزة على الحديث ،أطرافها ترتجف ،عينها متعلقة بابيها ،ثوانٍ ورأت اخاها يأتي هو الأخر .
هتفت وشفتها ترتجف كانها تقيم في القطب الجليدي
-مايكل هنا !! مايكل هنا يا معتصم .
اجاب بعصبية
-ادخلي يا متخلفة ادخلي
في الوقت الحالي رفع مايكل نظره إلى الأعلى وجدها في الشرفة ،ركض إلى المدخل سريعًا وخلفه والدها .
في هذا الوقت كان مُعتصم في السيارة يسابق الجميع لا يُهمه شيء .
تمتم بصوتٍ يملأ القلق والخوف والرهبة من فقدنها
-ليلى ….حبيبتي اطلعي من الأوضه
ردت وعبراتها تملئ وجهها
-مش قادره..رجلي يا معتصم …مش قادره امشي .
ضربَ معتصمُ المقودَ بقوّةٍ، فارتجّت السيارة تحت قبضته، وارتفع صوته صارخًا من شدّة الغضب وقِلّة الحيلة.
كان قلبه يخفق بعنف وعقله يتصارع مع خوفٍ ينهش روحه؛ لا يدري أيَّ قرارٍ يتّخذ ولا كيف ينقذها وهي تنزلق من بين يديه لحظةً بعد أخرى
مسح على وجهه بهدوء وقال
-ادخلي الحمام واقفلي الباب بالمفتاح من جوه أنا قربت اوصل
وصل له صوت الدق على الباب،كادو ينزعوا الباب من مكانه ،اسرعت بالدخول إلى المرحاض وهى ترتجف .
في الخارج كان يقف مُدير الفندق معهم وهو يقول
-يافندم مينفعش كده احنا فندق محترم ،يافندم غلط
كان مايكل لا يستمع لاحد يُحاول كسر الباب وهو يقول
-افتحي يا ليلى عارف انك جوه،هكسر الباب على دماغك .
خرجَ بعضُ نزلاء الفندق على أثر صوته، يفتحون الأبواب بحذرٍ ودهشة، بينما بدأ من في الطابق يتبادلون الهمسات القلقة، تتساءل أعينهم قبل ألسنتهم عمّا يحدث، وقد خيّم التوتر على المكان كله.
ثوانٍ وكسر الباب دلف جرجس إلى الداخل يبحث عنها والجميع خلفه .
جاء الامن الذي وَبخهم مُديرهم على اِخْتفاءهُم ،يحاولوا الإِمسَاك بمايكل لكن لكم كُل منها بقوة نظرًا لهيئته ،ذاك الشاب الذي يفصل شابين ،عضلاته التي تملىء جسده ،خصلاته الصفراء لكن مُجعده كما ينطبق عليها"كيرلي".
ثوانٍ من الاشتباك بينهم ،وهى في الداخل تكتم شهقتها بقوة.
لكن بضربه قوية من مايكل على باب المرحاض فتح سريعًا ،ودلف وهو يراها تحتضن نفسها وترتجف ،اقترب معه والدها ليدلف ويمسكها من خصلاتها بقبضة قوية ويقول
-بتهربي مننا ،بتهربي والمسيح يا ليلى ما هسيبك هنا دقيقه
كانت تبكي وهى تُحاول تخبئة وجهها منهم لكن كان مايكل اسرع وهبط بصفعة قوية على وجدتها جعلتها تصرخ بقوة .
ثوانٍ ودلف الكثير من النزلاء وقاموا بالمشاجره مع مايكل ووالدها وهتف احدهم
-سيبينك طايح في الكل زي اللي داخل زري*بيه أنت والخواجه اللي في ايدك دا
وبدات المشاجرة بين الجميع ،في هذا الوقت الحالي ،دخل مُعتصم ومعه الشرطة وقف الجميع عندما راو الشرطه واقترب معتصم ينزل يد جرجس بقوة عن ليلى واحتمت ليلى في معتصم وهى تمسك في قميصه .
صاح الضابط
-ايه اللي بيحصل هنا .
تحدث مايكل
-أنا جاي اخد اختي لقيتهم اتهجموا عليا ،أنا عاوز اخد اختب وامشي
خرجت ليلى من خلف معتصم وهى تقول
-أنا مش عاوزه اروح معاهم ياحضرة الظابط ،أنا حرة ،أنا مســلمــة!!!!!!
صدم كُل من مايكل ومعتصم وجرجس،اما الباقي لا يدرون بشيء وينظرون بغرابة ما علاقة ما يحدث بانها مسلمة!!؟
اقترب مايكل سريعًا ليحاول اخذها من خلف معتصم لكن أسرع معتصم وضربه بقوه بجبهته في انفه مما جعله يتراجع إلى الخلف .
صاح الضابط مره اخرى
-كده أنا هخدكم كلكم على الحجز لحد ما يبان ليكم صاحب،شايف انها عائليه فا نحلها ونخلص اطلعي يا انيه فهمينا حصل اي ؟.
خرجت ليلى وهى تهتز خوفًا مما يحدث،ثم قالت
-يا حضرة الظابط،أنا كُنت مسيحيه لكن اسلمت وكمان والله اسلمت بجد واهى الورق اللي بيقول كده
هرولت سريعًا إلى حقيبتها لتُجلب منها بَعض الأوراق التي تُثبت انها مُسلمة ،وضعتها في يد الضابط وهى تمسح عبراتها بباطن كفيها.
بدأت الضابط في القرأه وعلم انها الأن مُسلمة واسمها "ليلى جرجس"
"الديانة/مُســـلــمة"
أغلق الأوراق وقال بأسف
-أستاذ جرجس ،ماتقدرش تاخد الآنسه لانها أولًا مش قاصر وثانيًا مُسلمة ،هيا عاوزه تيجي معاك يكون برضاها مش غصب عنها .
ثم وجهه حديثه إلى مُعتصم الذي يظهر على وجهه علامات الاندهاش من إسلام ليلى ،وقال
-حضرتك مين بقا
رد معتصم قائلًا
-أنا خطبها وكتب الكتاب بإذن الله يوم الخميس الجاي .
كان يتحدث والسعادة تغمره وعيناه تنطق من الفرح .
بعد كثيرٍ من الإجراءات والاستجوابات، ومع انصراف الجميع وذهاب أهلها عاد الهدوء يخيم على المكان شيئًا فشيئًا.
ولم يبقَ سوى معتصم وليلى، وقد بدت عليها علامات الإرهاق والخوف، بينما كان هو يتأملها بعينين يملؤهما القلق والحرص.
أصرّ معتصم على ضرورة تغيير مكان إقامتها، تحسّبًا لعودة أهلها مرةً أخرى، فقد كان يخشى أن يقدموا على إيذائها أو الضغط عليها بعد ما حدث.
اقترب منها وقال بصوتٍ خافتٍ لكنه حازم
-لازم تمشي يا ليلى هنا مش آمان عليكي
هزّت ليلى رأسها موافقة، وقد اختلط في عينيها الامتنان بالطمأنينة.
كان قلبها مثقلًا بالأحداث، لكنها شعرت لأول مرة أن هناك من يقف إلى جوارها بحق يحميها دون مقابل، ويشاركها طريقها الجديد بثباتٍ ويقين.
غادرا المكان بهدوء، وكلٌّ منهما يدرك أن ما ينتظرهما ليس سهلًا، لكنهما كانا على استعداد لمواجهة القادم معًا
*************
في إشراق يوم جديد على الجميل ،استيقظت موج من نومها وهى تَشعُر بثُق على جسدها،وجدته نوم يضمها بقوة ،كأنه يخشى أن تهرب منه .
لأول مره يتملّكها شعور الاشمئزاز من قُربه ،اتنفضت من فراشها سريعًا حتى هو انتفض منها عندما وقفت دون اي اشارة أو سبب.
مسح عينه محاولًا التخلّص من أثر النوم ،وقال بقلق
-في اي مالك ؟ أنتِ تعبانة ؟
هتفت بكلمة واحده
-لا
ثم غادرت سريعًا إلى المرحاض ،وقف عن الفراش وهو يُتمتم " استغفر الله العظيم يارب ،استغفرالله العظيم يارب "
ثم حدث نفسه قائلًا "تكونش حامل ودي هرمونات حمل ،يمكن برده "
ارتسمت على وجهه ابتسامه واسعه وأسرع إلى المرحاض ،دق عليها عدة مرات لكن دون فائدة .
دق مره أخرى وقال
-موج!! أنتِ كويسة … موج …
جاءه من الداخل صوتٌ خافت يكاد لا يُسمَع
-ايوه.
تحرّك المقبض ببطء، ثم فُتح الباب أخيرًا ،ظهرت موج أمامه شاحبة الوجه، تتكئ على الباب وقد بدت عليها علامات الضيق والإرهاق
خطت خطوةً واحدة، ثم اختل توازنها فجأة، فمال جسدها إلى الأمام
اتّسعت عيناه فزعًا، واندفع نحوها وهو يصرخ باسمها
-موج
لكن جسدها كان قد هوى بين يديه، وقد فقدت قدرتها على الوقوف.
***********
جسد ضعيف يتمدد على الفراش ،وهي في كامل وعيها ، غير أن آثار الخوف والإنهاك كانت باديةً على ملامحها.
لم تنطق بكلمة، بل تنظر إليهم بشرودٍ وقلق، كأنها تحاول استيعاب ما جرى
تحدث نوح إلى الطبيق وقال بقلق
-مالها يا دكتور
رد الأخر بعملية هادئة
-هبوط حاد في الدورة الدموية ،وبعدين لازم تاخد بالها من صحتها لأن لقدر الله ممكن يحصل ايه مضاعفات تانية ،ولو مش علشانها يبقا علشان البيبي.
اتّسعت عيناها بصدمةٍ مفاجئة، وتجمّدت ملامحها للحظة، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد!
تجمّعت الدموع في عينيها سريعًا، وانفجرت باكية وقد اختلط الخوف بالدهشة والارتباك.
أما نوح، فبقي واقفًا مكانه وقد ارتسمت على وجهه ملامح ذهولٍ سرعان ما تحوّلت إلى سعادةٍ غامرة، كأن قلبه أدرك الخبر قبل عقله.
اقترب منها بهدوء، ونظر إليها بعينين تلمعان بالفرح والطمأنينة بينما كانت هي ما تزال تبكي، غير قادرة على استيعاب التحوّل المفاجئ الذي غيّر كل شيء
هتفت بكلمة واحدة
-في الشهر الكام؟
رد الطبيب
-في أول الشهر التاني
سألت بكُل برود وقسوة
-يعني ينفع أنزل الجنين؟
دُهش كُل من الطبيب ونوح ،الذي شعر كان دلو من الثلج سكب عليه .
واقترب منها وقال
-أنتِ بتهزري ولا ايه ؟؟؟
وجهت الحديث للطبيب مرة أخرى
-ينفع أنزل الجنين ؟؟؟
رد بكُل اسف
-ينفع ،لكن أنا مبعملش العمليات دي ربنا اراد إن يكون في طفل جواكي يعني اراد ليه الحياة مينفعش أنا اقتل الطفل دا ،بعتذر يا مدام ،شوفي دكتور تاني،ونصيحة إنك تحاول تغيري رأيك علشان عقاب ربنا بيكون كبير أوى .
غادر الطبيب ،وكان نوح ينظر إلى موج بكُل غضب ووجه صبغ باللون الأحمر ،وهى تنظر اليه بكُل برود .
قرب وجهه منها حتى بقى بينه وبينها القليل من المسافة وقال
-أنتِ بتفكري في ايه ؟؟؟ أنا عملت ايه لكل دا ؟ اللي جواكي ذنبه ايه أصلا؟؟؟ أنتِ ليه بتعملي كده .
-هو كده ودا اللي هيحصل يا نوح ، مش هسيبه ،أنا حرة مش عاوزك منك حاجة ومش عاوزك حاجة تربطني بيك ،سااامع !.
أخذ نوح نفسً عميقٍ وابتعد عنها وأخذ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا ،يضع يده على خصلاته كاد ان يُمزق خصلاته من شدة الغضب .
اقترب منها سريعًا مما جعلها تنكمش في نفسها وقال
-متخافيش مش هضربك عمري ما اعملها أنا خارج بره ،نص ساعه وهدخل تكوني غيرتي رأيك
ثم استطرد بتهديد
-وإلا واللي بيعز ويزل يا موج ،هخلي حياتك أسود من قرن الخروب ،هخليها جحيم يا موج ،جحييمم.
خرج نوح من الغرفة وهبط من الدور باكمله إلى الأسفل ،بيمنا هي ظلت في الغرفة تضم نفسها بقوة وتقول ببكاء
-كان نفسي فيك من زمان أوي ،بس زي ما حرمني منه ،هحرمه منك ،أنا اسفه .
دقائق ودلفت أحد الممرضات وفي يدها باقة ورد وقالت
-الورد دا لحضرتك يا مدام .
قفزت موج عن الفراش سريعًا وقد استغربت حالتها الممرضة لكن لم تعقب غير بالخوف عليها وقالت
-براحة يا مدام كنت هجيبه ليكي .
هزت رأسها موج بالموافقة ،وخرجت الممرضة وجلست موج وفي يدها الباقة تقبض عليها كأنها تمسك المُتهم .
وجدت الكارت أخذته وقامت برمي الباقة في أرضية الغُرفة
قامت بفتحه وكانت هذه المرة وجدت
"يا خسارة ها تخلفي كمان من اللي قتل أبوكي"
رواية نوح الباشا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم ندا الشرقاوي
"يا خسارة ها تخلفي كمان من اللي قتل أبوكي"
تسارعت نبضات قلّبها ،وشرعت في البُكاء لا تعلم مرة أخرى أم المرة العاشرة،صوت شهقاتها تتعالى ،شَعرت بأنها تختنق من قلة أخذ نفسها الذي أصبح معدوم للغاية.
وقع الكارت من يدها وظلت تسعل بقوة وكأن شيء يقف في حلقها،بدأت بالضغط على زر المُساعدة .
جاء الطبيب يركض وطقم المُساعدين،كانت تسعل بقوة وعينها تمتلئ بالدموع .
الورود مُتساقطة أرضًا ،هى تمسك في الفراش بقوة ،بداو في إسعافها وإنقاذها سريعًا.
في هذا الوقت،كان نوح قد انبه ضميره على أخافها منه وحديثه معها بنبرة حادة ،قرر الصُعود إيها ومُحاولة الحديث مرة أخرى.
يسير في الممر الطويل في نهايته انحناء يستدير معه ،ثم وجد ازدحام شديد أمام الغرفة،ركض بكامل قوته ،ليدلف وجدهم يسعفونها .
وجهها شاحب اللون ،عينيها تتغورق بالدموع،خصلاتها متجمعة ويتوسطها العرق ،وجبهتها، وكأنها كانت تحت المطر.
وقف ينظر إليها بصدمة ودهشة شديد،مرّت ثوانٍ وقد عادت إلى طبيعتها ،لكن تقف على الكارت في يدها بقوة .
تقدم نوح من الفراش وجلس بجانبها يُطالعها بدهشة ،حاول بانامله إعادة خُصلاتها عن جبهتها ،وجدها تنظر إليه والدموع تتجمع في عينها مرة أخرى.
همس ليها بحنو
-أهدى وهعملك اللي نفسك فيه والله،كل الزعل دا مني صح،طب السبب ايه طيب،وأنا أعملك اللي أنتِ عاوزاه.
لمح الورد التي تتناثر على الأرض ويدها التي تقف بشدةٍ على الكارت.
رفع يدها وقرّبها من يدها ليضمها ويُحاول فتحها ،لكن اسرعت هيا وأغلقت بقوة وقالت
-سبني وأطلع بره !.
-مش هسيبك، الورد دا مين بعته وايه الكارت دا ،هاتي الكارت يا موج.
-لا.
كان ردها قاطع وحاد،لكن أصر إصرار شديد وقام بتثبيت يدها بقوة تحت عصبيتها و صراخها الشديد عليه .
ونجح في أخذه ووقف يَبعُد عنها حتى يستطيع القراءه ،وقفت هى تجري خلفه ،رفع يده إلى الأعلى واليد الأخرى كان يُحاول ابعادها .
أخد يقرى الكارت بدقة
" يا خسارة ها تخلفي كمان من اللي قتل أبوكي"
عقد حاجبيه بقوة كاد أن يلتصقا ببعضها من غرابة ما قرأ،ثم القى نظرة عليها وجد العبرات تنهمر من عينها كأنها شلالات وليست قنوات دمعية .
ارتعشت يده ،وهبطت براحة مثيرة للدهشة،وكأن الأعصاب تأكلت ،وقعت الورقة ،وبدأت نظراتها لها ،بين الإستغراب والدهشة والصدمة.
أما هيا فجلست أرضًا تضم قدميها أمام صدرها وعقدت يدها عليها وبدأت في البُكاء بصمت .
رفع يده بهدوء يمسح على وجهه من قطرات العرق التي تصب منه ،ثم اقترب ونزل لمستواها ولم يقُل سوى جُملة
-أنتِ مصدقة الكلام دا ؟
ارتعش جسدها رعشة قوية ،وهزت رأسها دلالة على تصديقها للحديث.
امسكها بقوة من ذراعيها وشرع في هزَّها بكُل ما أوتي من قوّة وهتف
-ردي عليا ،قولي .
-ايوه مصدقة .
هدر بيها بصوتٍ عالٍ
-ايه دليلك ؟؟؟؟ هااا أنا عمري ما شوفت أبوكي أصلا
صاحت بنبرة مماثلة
-وهو اللي هيبعتلي ايه غير انه مُتأكد ما هو أنتَ أكيد عملت كده ،هااا هيبعتلي كده ليه
-وهو لو أنا عملت كده كنت فين كُل السنين دي ،وليه اتجوزتك أصلا ،فوقي يا موج أنتِ بتقولي ابوكي سافر من ٨ سنين يعني كنت أنا داخل أولى جامعة يعني كُنت لسه مسافر أنتِ عبيطة بقا .
فأمسكتْ بيده وأبعدتْها عنها بعنف، ثم صاحت بصوتٍ عالٍ، والدموع تنهمر على وجنتيها
-معرفش معرفش.
صرخ في وجهها بقوة ،وأحمر وجهه من كثرة الغضب
-لما أنتِ ما تعرفيش ،صدقتي ليه ؟؟؟ هااا ؟ صدقتي كلام أصلا استحالة يكون صح ،أنتِ بترمي مصيبة عليا ؟؟
ثم استطرد واقترب منها مره أخرى ،وعيناه تقدحان شرارًا
-جالك من الورد دا قبل كده ؟؟؟
صمتت ولم تتحدث ،لكن قال لها بصوتٍ مرتفع
-اخلصي؟؟؟ انطقي بدل ما أعمل جريمة بجد!
-ايوه ،جالي امبارح
رمقها بعينين داميتين من شدة الأنفعال ،وقال
-الكارت كان بيقول ايه
-غريبة يا موج إنك متجوزة الشخص اللي قتل أبوكي
-العربية تحت هتوصلك البيت
قاطعته قائلة
-لا مش هرجع على البيت
هتف بها بحدة
-هترجعي ورجلك فوق رقبتك كمان ،علشان مكسرش دماغك سامعه .
ولم تمضِ سوى لحظاتٍ حتى صفع الباب بعنفٍ من فرط غضبه .
********
في عمارة فاخرة في الزمالك ....
في الطابق الخامس .....داخل إحد الشُقق ،كانت تجلس ليلى وبجوارها مُعتصم .
كان يُمسك بقطعة من الثلج يُمرِّرها برفقٍ على خدها، يُخفف بها أثرَ الصَّفعة التي نالتها من مايكل ،كانت تبكي بصمتٍ لكن مُنكسرة من الداخل،بينما هو يُداوي ألمها بنظراتٍ يملؤها الحنان .
اقترب منها قليلًا وقال بصوتٍ خافتٍ مطمئن
-أهدى خلاص ،أنتِ معايا في آمان .
ثم استطرد وهو يجز على اسنانه بقوةٍ
-اه لو كُنت عرفت انه ضربك واحنا هناك كُنت كسرت ايده .
وبدا يلن مرة أخرى في حديثه
-حقك عليا يا ليلى.
ثم أعاد تمرير الثلج بحذرٍ أشد، كأنّه يخشى أن يزيد ألمها، وقد ارتسم في عينيه وعدٌ صامتٌ بالحماية.
وبعد ثوانٍ معدودة ،تذكر إسلامها ،وقال بتعجب
-ليلى ليه مقولتيش إنك أسلمتي !؟
رفعت كفيها لتزيل عبراتها التي تستقر على وجنتها ،وأخذت نفسًا عميقا واردفت
-كان نفسي أعملها مفاجئه بس منهم لله بوظوا ليا كُل حاجة .
-أحلى مفاجئه والله .
همّت بالحديث مرّةً أخرى، لكن قاطعها رنينُ الجرس المرتفع، وكأنّ الطارق قد وضع إصبعه عليه ولم يرفعه
انكمشت ليلى على نفسها، وقد تذكرت أن عائلتها قد عادة مرك أخرى.
بدأ مُعتصم في تهدئتها والهمس لها ببعض الكلمات المليئة بالحنو ووقف مُتجهًا إلى الباب ،ونظر من العين السحرية وجد نوح ،قام بالفتحِ سريعًا وجده يكاد أن تخرج النيران من وجهه ،بلع ريقه بصعوبة وهو يظن أن بالفعل هُناك كارثة .
هتف سريعًا والقلق بدأ يتغلغل بداخله
-حصل ايه ؟؟ مالك ؟
دلف نوح وهو إلى الأن لا يعرف شيء نهائيًا ،حتى انه ظن أن مقلب من أحدهم لكن لا أحدث سوف يفعل ذلك .
-موج متهماني إني أنا قتلت ابوها...
صدما ليلى ومُعتصم وصاحو في صوتٍ واحد
-اييييه
جلس نوح على أقرب مقعد ومد يده يأخذ كوب الماء ليرتشف منه القليل ،فالان حلقه مثل الصحراء .
-دا اللي حصل ،موج جالها ورد على البيت امبارح وكان فيه رساله بتقول أنتِ اتجوزتِ اللي قتل ابوكي ؟؟ أنا رجعت ولقتها فعلاً زعلانة بس قولت يمكن علشان موقف حصل بينا في الشركة ،لكن لما صحيت لقيتها برده زي ما هيا ومش على بعضها نهائي ،لحد ما وقعت ف الحمام وجريت بيها على المستشفى،عرفت انها حامل ،الفرحة مكانتش سيعاني لحد ما نطقت وقالت انها عاوزه تنزل الجنين،قولت مش معقول علشان موقف تافهه دي كده نزلت وسبتها رجعت لقتها مُنهاره تمامًا وبرده في كارت تانيه ،المشكلة انها فعلًا مصدقة ،طب إزاي وأنا عُمري ما عرفت ابوها يا جماعة ابوها مات من ٨ سنين أنا كُنت عيل أصلا
كان معتصم ينظر له بحيرة من الحديث ،كيف يحدث ذلك ،فا لقاء نوح وموج كان صدفة طبيعية ،ثوانٍ وتمتمت ليلى مُتسائلة وهى تتذكر كُل شيء
-نوح أنت سافرت هجرة غير شرعية صح ؟؟
أجاب عليها وهو يرفع منكبيه دلالة على عدم الفهم
-ايوه بس ايه العلاقة !
-موج كانت قالتلي إن باباها كان مسافر هجرة غير شرعية أصلا .
رد عليها مُعتصم مُتسأل والحيرة كانت مُسيطرة على الجميع
-ايه ايه العلاقة بقا ؟
وقفت عن الأريكة ،ورفعت خصلاتها لأعلى وظلت تسير ذهابًا وإيابًا،تُحاول ربط الأحداث ببعضها .
ثم تحدثت سريعًا
-نوح ،مُعتصم أنتم يوم السفر كان معاكم ناس كبيرة ولا كلكم في سن بعض ،ولو في ناس حصل اشتباك ولا لا !؟؟
أخذ نفس عميقًا حتى توسع صدره ثم زفره بهدوء وقال
-لا عما اعتقد كُنا شباب مفيش رجالة كبار ،بس ايه العلاقة
رمشت عدةٍ مرات ،وجلست بالقُرب منهم ،وكانو ينسطوا إليها ،حتى تحدثت
-الموضوع فيه لعبة،سليمان بيلعب من السجن ،هو عارف إنك كُنت مسافر هجرة غير شرعية وكمان هو جاب تاريخ موج كله فا عرف إن باباها زيك ولأن السنين متقاربة أنت من ٨ سنين وباباها برده كان من نفس المُده بس فرق في الشهور أو الأيام .
فا طبعًا هو حب يبوظ الدنيا عليكم ويبدا بموج أن يستغل ضعفها ولحد ما تكتشفوا الحقيقة،تكون موج بوظت علاقتها بيك من كلامها أول لقدر الله دي ما بتقول الجنين نزل فا هو خد بوطه على قفاك ، بس كده دا اللي أنا استنتجته،علشان كده أنت لازم تجيب الورق اللي بيثبت إن أصلا باباها مكنش معاك على المركب .
-يا بنت الصايعة .
اردف بها مُعتصم وهو ينظر لها بدهشة من قوة المُلاحظة التي أجابت بها ،ثم ادرك الموقف فا اعتذر على ما قاله .
وقف نوح عن مقعديه ،ليقفا معه وتسأل مُعتصم
-على فين ؟؟
-مشوار سريع ،مش هتاخر،موج في المستشفى ياريت تاخدوها على البيت قبل ما تفكر تهرب ولو هربت مشوفش وشكم أنتم الأتنين سامعين ؟
-احم سامعين .
ثم أكمل مُعتصم في صوتٍ ضعيف يكاد أن يسمع
-هو يخلف وأنا البس
نغزته ليلى بيدها حتى يصمت ،ثم غادر نوح سريعًا قبل أن يتلاقى بسؤال منهما .
*************
في منزل عبدالعظيم الباشا …
كانت وفاء تقف في المطبخ تُعد الطعام ،وتخزن الخضراوات تحضيرًا لقدوم شهر رمضان المُبارك ،ثم استمعت صوت سما وهى تُحدث نوح الصغير
-يا حبيبي، لما تلعب على التابلت أو الفون، فيه شوية حاجات لازم نراعيها
تسأل الصغير بفضول
-زي إيه يا ماما؟
احتضنك كفه الصغير بين كفّها وقالت
-أول حاجة، ما تديش اي حد اسمك أو عنوان بيتنا أو صورك لأي حد حتى لو قال لك إنه هيكون صاحبك
رد عليها بحيرة
-حتى لو قالوا هيبقى صاحبي؟
-حتى كده يا حبيبي، لازم نستأذن قبل ما نكلم أي حد، ولا نوافق على أي حاجة من غير ما تقول ليا أول لبابا
-طيب… يعني ما أقولش لأحد حاجة عن البيت أو المدرسة
-بالظبط! وكمان الألعاب اللي تلعبها لازم تكون مناسبة لعمرك، وما نلعبش حاجات فيها عنف نهائي ،لأزم قبل اي لعبه تنزلها تيجي توريني وأنا اشوفها وبعدين اسمحلك تلعب ولا لا عشان دماغك تبقى هادية ونقدر نعيش كويس يا نوح ،لازم تترف كُل حاجة في سنها المعقول
هز نوح رأسه بتفهم وقال
-تمام يا ماما، فهمت
قبلته على وجنتيه وقالت بسعادة
-شطور يا حبيب ماما وأي حاجة غريبة أو مخيفة تشوفها، تجي على طول تقول لي، ما تخافش.
ثم استطردت
-هقوم أشوف تيتا خلي بالك من صفا .
دلفت إلى المطبخ وقالت بمزاح
-كُل سنة لازم التخزين بقا ما نجيب كله صابح يا ماما .
-يا حبيبتي الحاجة بتغلى في رمضان وكمان مش علشان الغلى ،طول ما الحاجة كتيرة في البيت دا بيكون أحسن وكمان علشان اودي لمرات أخوكي ،أنتِ عارفة دا أول رمضان ليهم ،وكمان عاوزه اكلم نوح علشان يفطروا معانا أول يوم .
سالت بحيرة
-ماما هو نوح مجابش ليكِ سيرة أو أنتِ متكلمتيش معاه في حكاية حمل وكده .
رفعت يدها عند منكبيها وقالت سريعًا
-لا يابنتي حد الله ،متكلمتش في الموضوع دا خالص ،مع إن جوازهم بقاله فترة كبيرة بس يابنتي احنا ملناش دعوة ،سبيهم براحتهم وكمان هما بعيد عننا فا البنت لسه مخدتش علينا علشان نفتح الموضوع ،بصي خلينا بعيد عن الموضوع دا وخلاص .
-عندك حق ،يلا نكمل الغدا علشان سامح وبابا.
************
-تصدق والله ضحكتني ،مش بطلنا مقالب العيال دي يا سليمان ولا اي؟
كان سليمان جالسًا خلف القضبان الحديدية، مسندًا ظهره إلى الجدار البارد، وعيناه معلّقتان بنوح بشر من بين الفتحات الضيقة.
بدا وجهه ساكنًا على نحوٍ يثير الريبة، كأنّه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن وفجأة ومن دون مقدّمات، انفجر ضاحكًا.
ضحكةٌ عالية طويلة، ارتدّ صداها بين الحديد والجدران،التفت الحراس نحوه في دهشة، أمّا هو فلم يرمش له جفن.
اقترب من القضبان، وأمسك بها، وحدّق في نوح بنظرةٍ لامعة غامضة، ثم قال بصوتٍ يختلط فيه السخرية بالتحدّي
-عجبتك؟ اي رأيك
-إلا عجبتني ،أوي كمان دا أنا صدقتك أصلًا ،تصدق فكرت اشغلك مُنتج هتمشي في الحوار .
-طبعًا بس قولي نفسية المدام عاملة ايه دلوقتي؟
-المدام فل الفل ،دي مدام نوح الباشا يعني مش هتقع ،اقولك ولو وقعت هتقع في حُضني ،أكبر شويه يا سليمان بدل شُغل النسوان دا بقا ،اللعب من تحت التربيزة دا شغل نسوان،عن اذنك بقا علشان الحق احتفل مع المدام بالجنين ،الباشا الصغير اللي هيفضل أعلى منك كمان حته وهو مجاش لسه على الدنيا .
ما إن أنهى نوح كلماته حتى ارتسمت على وجه سليمان نظرةٌ مشتعلة بالغضب والكره.
اشتدّت قبضتاه على القضبان الحديدية حتى ابيضّت مفاصله، وبرزت عروقه من شدّة التوتر، وعيناه تتبّعان نوحًا بحدّة كأنهما توشكـان على افتراسه.
أما نوح، فاكتفى بابتسامةٍ باردةٍ واثقة، ثم استدار بخطواتٍ ثابتة، وترك خلفه صدى كلماته ترن في أذن سليمان، ومضى دون أن يلتفت،لكن التفت لثوانٍ
-بقولك ايه ،خاتم الماظ ولا انسيال .
ضرب سُليمان على القضبان بقوة ،فا رد نوح مرة ثانية
-يبقا عقد أحسن ،سلام يا سُلم اه رمضان مُبارك مع انك يهودي حقير.
***********
داخل فيلا نوح الباشا ….
دلفت موج وهى تستند على ليلى التي تحتويها بذراعيها ،كانت في وعيها لكن في نفس الوقت غائبة عن الوعي ،كان مُعتصم خلفهم يمسك حقيبة الدواء .
جلست موج على الأريكة التي تتوسط غرفة الأستقبال ،نظر مُعتصم إلى ليلى يُريد الحديث لكن نظرت له ليلى وهزت رأسها بالرفض ،لكن لم يستمع لحديثها .
وضع الحقيبة على المنضدة وأخذ نفس ثم زفره وقال
-على فكرة أنتِ ظالمه .
عقدة حاجبيها بقوة حتى تجعدت جبهتها وقالت
-أنا ظالمة؟؟
-ايوه ظالمة ،صدقتي كلام عبيط من واحد حقير أصلا ،إزاي أصلا تصدقي كدت ولا بتعلقي خبتك على حد تاني ،ايه اللي جاب ابوكي لنوح ،في ثواني بيعتي الثقة والحب وكُل حاجة اتبخرت وصدقتي ورقه لو ادتها لعيل هيقولي ايه العبط دا .
نوح أنا لما خدت كُل اللي وراه واللي قدامه كان واثق إن في حاجة غلط وأنت في ثانيه صدقتي ،بجد أنتِ صعبانة عليا ،عاوزك تقتلي روح علشان ورقة .
أنا ماشي هروح أشوف صحبي اللي ضيعتي فرحته بابنه .
-أنا جيت محدش هيتحرك ………..
رواية نوح الباشا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم ندا الشرقاوي
-أنا جيت محدش هيتحرك ………..
رفعت نظرها إليه ،القت نظرة سريعة ثم خفضت مرّة أخرى،أقترب مُعتصم من نوح بلهفة وقلق ،ثم قال
-كُنت فين دا كله وتلفونك مقفول.
رفع نوح يده اليُمنى وكان بها بعض الأوراق ،ورفع له منكبيه ببساطة ،وتقدم منهم ووضع الورق أمام موج وهى تنظر إليه بعدم فهم ،هتفت قائلة بمشاعر جافة
-ايه دا؟؟
جلس نوح ثم وضع قدم على الأخرى ،ورفع قميصه إلى ساعديه ،وقال بثقة
-مش هقولك دليل برئتي والشغل دا،أنا كُل اللي حصل أصلًا ميدخُلش دماغي بجنية،وقلة ثقتك دي نقص عندك مش عندي .
الورق دا في اسماء الناس اللي كانوا معايا على المركب وقبل ما تنطقي وتقولي أفرض زورت ،لا الورق سليم وكمان في ورق السفر بتاع ابوكي ،لأن بالصدفة سافرنا عند نفس الراجل .
اقترب مُعتصم وهو يشُعر بالغرابة من أين آتى بهذه الأوراق ،وهتف
-جبت الورق دا منين؟؟؟
"منذ ثلاث ساعات "
"في بحري "
وقف نوح أمام أحد المنازل القديمة ،التي أهلكتها الرطوبة ،وسقطت مُعظم الشرف السكنية ،دهانها اللذي تَشقق وظهر القلب البُنى،تقدم ووجد ثلاث درجات يهبطهم حتى يدلف إلى مدخل المنزل،كانت أحدّهم مَشقُوقة ،وضع قدمه لكن انزلقت سريعًا ،وسند نفسه إلى الحائط .
تقدم إلى الداخل ،ثم وقف أمام أحد الشُقق الأرضية ،دق الباب عدة مرات،جاء صوت رجلٌ مُسن من الداخل يردف
-حاضر يالي على الباب ،الدنيا مطارتش .
فتح الباب ذلك المُسن الذي يتكأ على عصاه الخشبية ،ويرتدي نظارة طبية ،ضيق العجوز عينه وقال
-خير يابني أنت مين؟
ابتسم نوح ابتسامه واسعه وقال
-ازيك يا عم زكريا !؟
-بخير الحمد لله يابني .
-ممكن أدخل عاوز اتكلم معاك في موضوع مُهم ،مش هاخد من وقتك أكتر من عشر دقايق.
رد عليه زكريات وهو يفتح له ضلفة الباب
-اتفضل .
دلف نوح إلى الداخل ،ثم جلس ،واراد زكريا أن يضيفه بكوبًا من الشاي لكن شكره نوح على حسن استضافته
وبدا يقُص عليه رحلته وبدأ زكريا أن يتذكره .
رد زكريا وهو يعدل نظارته
-افتكرتك أنت الولا اللي كُنت هتخانق معاه علشان مصمم يسافر هو وصحبه على نفس المركب ،صح؟؟
ضحك نوح وقال
-بالظبط كده ، قلبك أسود أوي ياعم زكريا
ثم استطرد
-أنا محتاج منك خدمه وهديك اللي أنت عاوزه .
-اؤمر
-حضرتك زمان كُنت بتكتب اسماءنا كُلنا في ورقة واسم المركب وكمان اليوم والتواريخ صح
-صح
-عاوز الورق دا ،ينفع
ابتسم العجوز ولم يسال عن السبب بل قال له في هدوء
-عنيا بس كده
ثم نهض ببطء، متكئًا على عصاه، يسند جسده الواهن إلى الحائط، وخطا خطواتٍ متثاقلة نحو الداخل.
غاب دقائق قليلة، لم يُسمع خلالها سوى حركته الخافتة في الغرفة،ثم عاد يحمل في يده أوراقًا صفراء قديمة، وقد بدت عليها آثار الزمن
مدّها إليه قائلًا
— تفضل، هذه أوراق السنة كلها
تناول نوح الأوراق بكلتا يديه، ونظر إلى العجوز بعينين يملؤهما الامتنان، ثم قال بصوتٍ خافت
— شكرًا
أومأ العجوز برأسه في صمت، بينما بدا نوح يقلب الأوراق صفحةً صفحة، متفحصًا ما فيها بعنايةٍ شديدة كأنما يبحث عن شيءٍ بعينه.
كانت عيناه تجولان بين الأسماء والتواريخ، وتتوقفان عند كل سطر بدقة.
وفجأة، توقفت أنامله عند ورقةٍ بعينها،حدّق بها طويلًا وقد انعقد حاجباه في تركيز،كانت تضم اسمه، وإلى جواره اسم مُعتصم شعر بقلبه يخفق أسرع فأعاد قراءة السطور مرةً أخرى ليتأكد.
ثم أخذ يتأمل بقية الأسماء المسجلة في الصفحة نفسها، فاكتشف أن أعمار من كانوا معهم في تلك السنة كانت صغيرة جميعهم كانوا أحداثًا لم يتجاوزوا سنّ الصبا عندها تغيّر وجهه قليلًا، وضعها على جنبً .
" الآن "
-دا اللي حصل وبالصدفه لقيت اسم ابوكي في ورق تاني كان بعد سفري ب ٣ شهور ،الورق عندك اهو وأنتِ حره عن اذنكم .
وأسرع نوح من حركته ليتجه إلى المكتب ،دلف وأغلق الباب سريعًا ليرتمي أرضًا وقلبه ينهش مما حدث ،وبدأ يتذكر باقي الحديث الذي لم يُخبرها به نظرًا لعدم سوء حالتها.
"منذ ثلاث ساعات"
ثوانٍ ووجهه حديثه إلى زكريا وقال
-عم زكريا هو في حد كان مسافر في نفس السنة وحصل اشتباك على المركب ومات فيها واحد !!؟
تغير وجهه زكريا ،وبدأ يسعل بقوة ،أسرع نوح إليه بالماء التي بجانبه ،وبدا بتدليك ظهره بهدوء ،حتى يقدر على أخذ نفسه ،وقد كان .
ارتشف زكريا من الماء وقال
-أنت عرفت الكلام دا إزاي؟؟
-عاوز اعرف ايه اللي حصل ؟
بدا زكريا يروي القصة
-يابني هو كان راجل مش كبير أوي قول أول الاربعين كده بس الزمن كان جاي عليه أوي ،و معندوش غير بنته ،وكان عاوز يسافر قولتله ماشي،وسفرته وكانت سفريه غم،حصل خناقة بين الرجالة على المركب ،قام الراجل زي اي راجل شهم يحوش ،بس للأسف واحد من الرجالة غزه بالمطوه في قلبه .
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماته كأن الهواء نفسه تجمّد في المكان، تصلّب نوح في موضعه، وشحب وجهه فجأة واتسعت عيناه في ذهولٍ لم يستطع إخفاءه.
شعر كأن الأرض تجمدت تحته، وأن الكلمات التي سمعها لم تكن مجرد حكاية، بل صاعقة نزلت على صدره،انحبس صوته في حلقه، وتيبّست أصابعه حول الأوراق التي كان يمسك بها، حتى كادت تسقط من بين يديه وقال
-اييييه؟؟
-هو دا اللي حصل وساعتها خوفنا ندخل في سين وجيم يابني المركب كملت ورجعت أنا بالراجل تاني على مصر ،كفنته أنا وكام واحد من الرجاله وطلعنا على بيت اهله وقولنا انه مات موته ربنا وإكرام الميت دفنه وطلع التسريح ودفنا واهله غلابه مشكوش أصلا ،إلا بنته كانت بتجري ورا النعش وإلا تكشف تشوفه.
"الآن "
مسح على وجهه بحزن على ما عانت به زوجته وهى في هذا السن ،بالطبع منزعج منها لكن لم يقدر على قول الحديث حتى لا يجرحها أكثر .
مر اليوم على الجميع ثقيلاً كأنّه عام كامل،معتصم وليلى سيغادران، والحزن بداخلهم عليهم،موج صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب عليها، كعادتها حين تضيق بها الدنيا، تحبس دموعها خلف جدرانٍ اعتادت أن تشهد ضعفها.
أمّا نوح بقى في المكتب، يتظاهر بالانشغال، يحدّق في الأوراق دون أن يقرأ حرفًا يحاول إقناع نفسه أن المسافة حلّ وأن الابتعاد أهون من المواجهة.
وذاك أوّل يوم يبيت فيه الاثنان بعيدًا عن بعضهما.
ليلٌ ثقيل سيهبط على البيت،السرير في غرفة موج سيبدو أوسع مما يجب، والهدوء في المكتب سيخنق نوح أكثر مما يريحه،كلاهما سيحاول النوم، وكلاهما سيبقى مستيقظًا…
**************
في الحارة ….
كانت تقف أميرة في الشرفة وتمسك في يدها حبل زينة رمضان وعلي يقف في الشُرفة آلتيّ امامها ،قامت بربط الحبل في قطعه من الخشب قم القتها في شُرفة علي .
نظر إليها وقال
-اله اله بقينا نروح الجيم بقا على كده
نظرت له بتعالِ وتفاخر وقالت
-طبعًا يابني بدأت أشيل عشرة كيلو ف تحسن .
-أمال أنتِ هتقوليلي ،نشيطة طول عمرك ياميرو
-اه ياخويا بس أنت اللي أعمى
جاء ليتحدث لكن قاطعه صوت طفل في الشارع يقول
-ما تخلص ياعم علي عاوزين نربط الزينة بقا أنت قاعد تحب في البلكونة
-ياض يا حوكشة أنت لازم تقطع عليا كده ،روخ بول لعم سامح يطلع من بلكونة نوح الباشا علشان يربط الحبل دا عنده
ركض الصبي وهو يقول
-هوا يا ابو علي .
خرج سامح من الشرفه وقال
-سامع صوتك من جوه والله ولا كانك قاعد معايا .
-حبيبي يا سموحه خد بقا اربط من عندك
-هات
*************
استيقظت موج على أشعة الشمس التي تسللت إلى غُرفتها فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقلٍ في قلبها وهي تتذكّر ما حدث بينها وبين نوح في الليلة الماضية،بقيت لحظاتٍ تحدّق في السقف، وكأنها تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها وتستجمع شجاعتها.
نهضت بهدوء، واتجهت إلى الحمّام وقفت تحت الماء الدافئ، تشعر وكأن قطراته تغسل عنها شيئًا من الحزن والندم كانت تستعيد كلماتها القاسية ونبرة صوتها المرتفعة وأدركت في أعماقها أنها أخطأت وأن العناد لا يبني بيتًا ولا يحفظ مودة
بعد أن انتهت ارتدت ثيابًا نظيفة وفرشت سجادة الصلاة، وأدّت صلاة الصبح بخشوع أطالت السجود، تدعو الله أن يصلح ما بينها وبين زوجها، وأن يمنحها الحكمة والسكينة.
ثم جلست قليلًا وضعت يدها برفق على بطنها وربّتت عليها بحنان، وكأنها تخاطب صغيرها الذي لم يتظهر له ملامح بعد همست له بكلماتٍ دافئة، تعده بأن تكون أمًّا صالحة، وبأن تحافظ على بيته وأبيه شعرت حينها بأن مسؤوليتها أكبر من غضبٍ عابر، وأن عليها أن تبادر بالصلح،وتعتذر كانه امامها أنها فكرة في إجهاضه
تنفّست بعمق، وقررت أن تعتذر لنوح وأن تبدأ يومًا جديدًا بروحٍ مختلفة نهضت، ورتبت شعرها وارتدت ملابسها بعناية، ثم اتجهت إلى المطبخ لتُعِدّ الفطور كانت تريد أن يكون صباحهما بداية صفحةٍ بيضاء، تُكتب بحبٍّ وصبرٍ وتفاهم
بدأت تعد الطعام وتتنقل في المطبخ بخفة الفراشة ،أعدت البيض المقلي والمسلوق ،ووضع الكثير من أنواع الجبن لأنها تعلم كم يعشق الجبن نوح ،بعد دقائق بدأت تُحول الطعام إلى السفرة ،ثم اتجهت إلى المكتب قامت بالدق أولًا لكن لم يظهر اي رد ،بدأت في فتح الباب لكن أغلقته عندما أستمعت لصوت باب الفيلا .
ركضت سريعًا لكن قابلها هو بخوف وقال
-براحة براحة .
أسرعت في الحديث وقالت
-نوح أنا اسفه عارفة إني كنت غبيه وكنت صعبة وحقك حته إنك تطلق…
وضع إبهامه على فاها وقال
-هششش… كُل سنة وأنتِ طيبة ،رمضان مُبارك عليكِ
صدمت من الحديث ،كانت تتوقع أن يُبخها فهي أخطأت كثيرًا
-نوح أنا ..
-أنتِ ايه ،خلاص اقفلي الصفحه علشان منجرحش بعض أكتر من كده وأياكي ثم اياكي تشكي فيا يا موج تاني
ثم أخر يده الأخر من خلف ظهره ظهر فانوس يتلألأ بين كفيه ، كان فانوسًا تقليديّ الطراز مصنوعًا من النحاس المصقول، تتداخل على جوانبه نقوشٌ عربية دقيقة، محفورة بعناية كأنها خيوط ضوء متشابكة.
ابتسمت ابتسامه واسعه وعانقته بقوة ،أغلق يده عليها كاد أن يكسر عظمها بين يده من كثره الإشتياق .
************
دق جرس الباب ،كانت أميرة تقف أمام المرأه تتزين لأن علي قادم للجلوس معاها ،ركضت إلى الباب وقامت بالفتخ والابتسامه تملئ وجهها لكن دهشت وقالت
-علاء!!!!!!!
رواية نوح الباشا الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الخامس والثلاثون35والاخير بقلم ندا الشرقاوي
والابتسامه تملئ وجهها لكن دهشت وقالت
-علاء!!!!!!!
كان يقف في يده باقة من الزهور ،ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة حتى ظهر ضاحكيه ،اليد الأخرى بها طبق من الحلاى الشرقي،تمتم والضحكة مازلت ترتسم
-أنا قولت ،الشياطين تسلسلت فا أكيد النفوس هديت وجيت طالب العفو بقا ،ولو على ماما أنا مش هخليها تدخل في حياتنا تاني ابدا ،هاا اي رايك يا أميرتي؟
-يا عين أميرتك
هتف بها علي وهو يقف على أول الطابق يفصل بينهم درجات السلم،يقف يسند بنصفه العُلوي على الحائط،وضع ساعده أمام صدره ،كان يقف بهيبة ومظهر رجولي .
أما هذه الخائفة التي لم تقدر على أخذ موقف لا تعلم تندهش من وجود خطيبها السابق،أم ترتجف خوفًا من خطيبها الحالي ،يا الهي لقد أجتمع الاثنان،وسوف ترى وجه علي الأخر.
فَك علي يده ،ثم وضعها في جيبه وصعد الدرج ،درجة تلي الأخرى ،حتى وقف أمام على وأخرج يده ليقوم بعدل ياقةُ القميص،وقال بسخريةٍ
-خير يا كابتن ،شايف ورد وحلويات ،شكلك متلغبط في العنوان ،طهور سيد ابن أم سيد الدور التالت مش التاني !
وضعت يدها على فاها تكتُم ضحكتها ،لكن لم تُكملها نظر إليها نظرة ثاقبه جعلتها تقف مثل الجُندي.
صاح علاء بصوتٍ عالٍ،وعصبية
-في ايه يا أستاذ أنت؟؟ واحد وجاي لخطبته؟ أنت مالك .
-خا اي خطبته ؟
ثم نظر إلى أميرة واستطرد متسائلًا بسخريةٍ
-هو الأخ دا خطيبك ؟
هزت رأسها بقوة نافيه معرفةً هذا الشخص ،رقع يده لأعلى وقال
-وشهد شاهدٌ من أهلِها
أخذ علي طبقَ الحلويات من يده، ثم ضربه به على وجهه،وحين جاء علاء ليتحدّث، كان عليٌّ أسرعَ منه، فضربه بجبينه في مقدّمة أنفه، مما جعله يشعر بالدوار.
اقتربت أميرة سريعًا تمسك يده وقالت
-خلاص ياعلي سيبه ،هيموت في ايدك ،سيبه
-اوعى من وشي الساعة دي بدل ما اديكي بونيه ،اخليكي حاطه بلاشر طبيعي ،اخفي يابت .
دلفت إلى الداخل سريعًا فهو كان في قمة غضبه ،في هذا الوقت كان علاء يَسُبه بأقذر الكلمات البذيئة ،لم يهتم عليّ وظل يلكمهُ بقوةٍ ،حتى خرج الدماء من جانب فاه .
تركه ليرتطم بالأرض ،رفع عليّ سبابته أمام وجه وقال
-لو شوفتك مهوب ناحيه البيت هنا تاني أو المنطقة ،صدقني هندمك على اليوم اللي اتولدت فيه ،أميرة مراتي فاهم يا حيله
هز علاء رأسه وهو يتألم بقوة،لكن صدح صوت علي وقال
-رد ياض فاهم
-فاهم...فاهم
**********
بعد مرور أربع ساعات ....
كان يقف نوح أمام سيارته يقوم بفتح الباب لـ موج ،التي تُقهقه على هيئته
-اضحكي اضحكي ،أنا بجد مش عارف أنا إزاي جيت
-خلاص بقا يا نوح ،راضيه أنت عارف مُعتصم دماغه طاقه لوحدها ،قال يعني أنت مش عارف طالع لمين !؟
عقد حاجبيه كأنه لا يعلم شيء وقال
-تقصدي ايه يعني ،لا طبعًا أنا مش مجنون
نظرت إليه كانها تقول حقًا !؟
تمتم مره أخرى بصوتٍ منخفض
-مجنون اه ،لكن مش زيه ،أنا على خفيف
ضحكتِ الأخرى بصوتٍ عالٍ، ضحكةً امتدت لثوانٍ عدّة، مما أثار استغرابَ نوح فتتبّع بنظره موضعَ نظرها،
ليجد مُعتصم قادمًا من مسافة غير بعيدة،كان يرتدي شورتًا أبيض يصل إلى الركبة، وقميصًا باللون نفسه.
وكانت تسير إلى جواره ليلى ترتدي فستانًا طويلًا بلونٍ سماويٍّ فاتح ذا أكمامٍ طويلة وتطريزٍ ناعمٍ عند الأكمام والصدر، وقد نسّقت معه حجابًا أبيض وحذاءً أنيق بلونٍ هادئ، في هيئةٍ بسيطةٍ راقية تليق بمناسبة عقد قرانهما.
ضَرب نوح كَفٍ على كَف وقال
-اتفضلي جاي يكتب كتابه بشورت البيه فاكر نفسه على البلاج
جاء مُعتصم وهو يضع كف ليلى بكفه ،كأنه يَخشىَ أن تهرب ،هتف وهو يبتسم
-طبعًا مبسوطين صح بالمفاجأة
-مفاجاة ايه يا حيوان ،حد يبلغ حد بكتب كتابه قبلها بساعة ونص
-احمد ربنا انت مش قبلها بربع ساعة ،لولا أن ليلى عاوزه تكون أنت وكِلها كُنت كتبت لوحدي ،ما أنت عارفني أموت في الندالة بدل ما ليها علاقة بليلتي .
كانوا يتحدثوا غافلين عن الآخرين الذين يتبادلا القُبلات والعناق بمناسبة أرتداء ليلى الحجاب
ابتسم نوح بحب أخوى ،كم تمنى أنها تدخل الإسلام،ولم يُفاتحها في هذا ابدا،كان على يقين أنها سوف تدخل من حديثها عن الإسلام وتعلقها بكُل شيء يَخص الدين الإسلامي .
-مبروك الحجاب يا ليلى
-الله يبارك فيك يا نوح ،تسلم .
-طب اي هنقضيها سلامات ولا ايه ،عاوز اكتب كتابي ،عاوز افطر أول يوم رمضان من إيد مراتي يا جدعان
رد نوح ساخرًا
-اتفضلي عاوز يتجوز علشان يخليها تطبخ يوم الصباحيه
قهقة ليلى وأجابت
-دا بعينه يا عم ،وبعدين أنا وحده مليش في الطبخ
-كمان هتجوز على فشنك
تدخلت موج في الحديث حتى تفصل بينهم وقالت
-طب نكتب الكتاب وبعدين ربنا يحلها وقبل ما جنابك تاخد برد بالشورت دا الناس بتبص عليك فكراك مجنون
ضحك مُعتصم وشرع يُغيظها، فأخرج طرفَ لسانه قائلًا
-ملكيش دعوة دبلتها مدفياني
مسح نوح على وجه وهتف
-اطلع يامعتصم اطلع يا حبيبي .
وبعد قليلٍ من الوقت، كان مُعتصم يضع يده في يد نوح، وكلٌّ منهما يردّد خلف المأذون كلمات العقد في وقارٍ وتركيز،وبين كُل ثانية وأخرى كان يلقي نظره إلى ليلى التي تجلس تضم قدميها بقوة ،ترتجف قليلًا ،تشعُر بالرهبة والخوف والفرح كان شعور لم تقدر تحديده إلا وهو شيء يجعل القلب يخفق ،وما إن انتهى المأذون من إتمام الزيجة حتى شرع في قوله المشهور
{بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير}
وفي تِلك الأجواء المليئة بالفرح، خطفت موجُ المنديلَ في خِفّةٍ مفاجئة، مما أثار الضحك بين الحاضرين، وتبدّل الموقف الرسميّ إلى لحظةٍ عفويّةٍ زادته بهجةً وسرورًا.
وقف نوح وقام بشد مُعتصم إليه ليُعانقه بحب أخوي ،رتب الأخر على ضهره بحنو ،وقال له نوح بصوتٍ يكاد يكون أن يُسمع
-مبروك ياحبيب أخوك ،عقبال ما أشيل عيالك
رد عليه الأخر بمزاح
-تسع شهور من دلوقتي وأسلمك عيل .
وخزه في كتفه على سبيل المرح،وكانت موج تُبارك وتُهنئ ليلى التي كان نظرها يتعلق بمُعتصم .
ثوانٍ ووقف مُعتصم أمام ليلى ،يبتسم لها بفرحه ،مشاعر مختطلة بينهم ،لكن قطع الصمت نوح وهو يقول بمرحٍ
-شيل يا طويل العُمر شيل
فتح معتصم ذراعيه على اتساعهما، كأنّه يفتح لها قلبه قبل حضنه، فما كان من ليلى إلا أن اندفعت نحوه في شوقٍ مكتوم، تدخل إلى حضنه .
فأطبق عليها بذراعين ثابتتين، يضمّها بقوة ٍ ممزوجةٍ بالحنان، كأنّه يخشى أن يفلت منه ذلك الحلم الذي إلى الأن لم يُصدق أنه واقع
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت موجٍ بالزغاريد تطلقها عاليةً متهلّلة، ارتج المكان بفرحها، وانكسرت هيبة الصمت على أنغام البهجة .
همس لها في اذنيها
-دُمتي لي سند وضهر وعزوه وعوض يا ليلى
اقترب نوح من موج وانحنى لمُستواها نظرًا لقصر قمتها وقال
-مليش نفس أخد حضن أنا كمان ولا ايه
دخلت موج إلى حصنه وأغلق عليها يد على ظهرها والأخرى تحتضن بطنها التي تحمل صغيره أو صغيرته .
************
هاتوا الفوانيس يا ولاد
هاتو الفوانيس يا ولاد
هاتوا الفوانيس هانزف عريس يا ولاد
هيكون فرحوا تلاتين ليله
هنغني ونعمل هوليله
وهنشبع من حلوياته
هاتو الفوانيس يا ولاد هاتو الفوانيس
يقف مُعتصم على سُلم من الحديد ،يمسك بيده خيطًا يلتف حوله الزينه ،وعلى الجنب الأخر يقف علي يمسك بيده الزينة المضيئة ،يقوم بلفها حول العمود الذي يتوسط الفيلا من الداخل .
جاء نوح من الداخل وهو يمسك بيده حزمه من اللزق وصدح بصوتٍ عالٍ
-حط حته صغيره يا مُعتصم مش ناقصه تبوظبي الحيطه ،مش عارف ايه حنة شيماء اللي عملتوها في الفيلا دي .
التقطها منه مُعتصم ،وقال بنفاذ صبر
-ياعم بقا ،طلعتوا عيني، دا حته الصباحية بتاعتي .
تحدث علي بضجر وهو يُحاول تشغيل الزينة بالزر اليدوي ،يُشغلها تارة ويغمضه تارة ،حته جعل إضاءتها تجعل أَلم في العين
-لا لا بجد تعبت عمود بيت دا ولا عمارة خمستاشر دور
خرجت وفاء من المطبخ وهى تحمل أحد الأطباق وترفع يدها الأخرى في وجهه
-الله أكبر خمسه وخميسه يا خويا ،أنت جاي تحسد الولا ولا ايه
-ياخالتي مش القصد ،أنا زهقت أنا لفيت يجي ١٥٠ متر لحد دلوقتي ،دا أنا ناقص تلفوني مع الزينة .
قهقة نوح بصوتٍ عالٍ وقال
-طب خلاص سيب الزينة كفايه اللي اتعمل
ثم وجهه حديثه بصرامه لمعتصم
-علله يا مُعتصم اسمع صوت شنيور ولا تهوب ناحية الحيطة سامع
-سامع سامع
هدر بيها مُعتصم وهو يتأفف
أمام في الخارج كان سامح يقوم بوضع الطاولات في مُنتصف الحديقة الواسعة ، يرتّبها بعناية ويحرص على أن تكون متناسقة في صفوفٍ أنيقة استعدادًا للإفطار ، وكانت سما تساعده، تنشر المفارش البيضاء المزيّنة بالرسوم الرمضانية المعتادة أهِلّةٌ ذهبية، وفوانيس ملوّنة، ونجومٌ صغيرة تتلألأ تحت ضوء المصابيح المعلّقة بين الأشجار .
وفي تلك الأثناء ،خرجت أميرة من الداخل تحمل صَنية كبيرة ً يتوسطها الكثير من الأكواب الزُجاجية الطويله ،وقد انعكس عليها وهج الشمس المائل إلى الغروب .
بعدها جاءت موج تمسك بيدٍ إناءً مملوءًا بعصير الكركديه الأحمر ،وفي اليد الأخرى إناء عصير العرقسوس الداكن اللون ،وبين لحظةٍ والثانية تُقرب أنفها من الإناء لتتفقد الرائحة ، ثم تبتعد سريعًا وهى تعقد حاجبيها بشيءٍ من التقزّز ،قبل أن تُتمتم ضاحكة
- معرفش بيشربوه إزاي !
وما هي إلا دقائق ،وكانت امتلأت الحديقة بحركة دافئة،رائحة الطعام التي تتسلل من المطبخ ،صوت الأطباق التي يتناغم مع صوت ضحكتهم .
بعد مرور عشر دقائق كانت المائدة جاهزة لاستقبال الجميع،لأول مره مُنذ ثماني سنوات يجلس نوح مع عائلة لتناول الإفطار في رمضان ،جلس عبدالعظيم على رأس المائدة ،على يمينه وفاء بجانبها سما وسامح وصغارهم ،أما على الجنب الشمال كان يجلس نوح بجانبه موج بجانبها ليلى ثم معتصم ثم علي وختمت بأميرة .
وما هي إلا دقائق وصدح صوت المؤذن في الأفق
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدًا رسول الله
أشهد أن محمدًا رسول الله
معلنًا دخول وقت المغرب وداعيًا إلى الصلاة والفلاح،سكنَت الحركة في الحديقة لحظةً، وكأن الجميع أنصت لذلك النداء العذب
تبادل نوح وموج نظرةً سريعة، ثم تمتمت أميرة بالدعاء وهي ترفع كفّيها بخشوع،أما ليلى فكان ما يحدث جديد عليها لكن تشعر بالسعادة ،وفاء تدعي لهم جميعًا وأن الله يقر عينها برؤيه حفيدها .
ومع انتهاء الأذان، ارتفعت همسات {اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا}وامتدّت الأيدي إلى التمر وأكواب الماء، فيما اكتست الحديقة سكينةً جميلة لا يقطعها إلا صوت ارتشافٍ خفيفٍ وابتسامات رضا
-جماعة جوزين حمام هنا طيب ،أنا راجل عريس برده
وقفت وفاء عن مقعدها وأخذت صحن الحمام ووضعته أمام معتصم ورتبت على ظهره وقالت
-كُل ياقلب أمك كُل أنت محتاج تتغذا
رفع يده إلى الأعلى وقال
-يخليكي ليا يا فوفا
كان نوح يُطعم موج في فاها بحرص شديد حتى يطمئن عليها وأنها تأكل جيدًا .
تحدث مُعتصم إلى نوح بهدوء
-بقولك يابني
انتبه له نوح، وترك ما في يده على عجل، ثم تقدّم نحوه بخطواتٍ سريعة وقال
-امر يا حج
نظر إليه أبوه بعينين يختلط فيهما العتاب بالمحبة، وقال بصوتٍ خافت
-بحق الشهر الكريم ما تكون شايل مني
تغيّر وجه نوح، واقترب أكثر حتى صار على بُعد خطوةٍ واحدة ثم انحنى وقبّل رأس أبيه بكل تقدير، وقال بصوتٍ هادئ مليء بالحنو
-أزعل منك إزاي يا حج؟ ده أنت بركتي وسندي لو موتّني يا حج أنا راضي رضاك عندي بالدنيا وما فيها، وأنا عمري ما أشيل منك في قلبي حاجة،عارف إن اي حاجة حصلت كانت خوف عليا ،وبعدين أنا جايلي عيل في الطريق أكيد هيجي في يوم واقف قصاده علشان مصلحته
ارتجفت فاه عبدالعظيم قليلًا، ومدّ يده يربّت على كتف ابنه، وقال
-بالله عليك ما تقف قصاده غير لما تسمعه ،ربنا يرضى عنك يا نوح، ويصلح حالك ويبارك فيك
فابتسم نوح ابتسامةً صافية وبقي لحظةً ممسكًا بيد أبيه، كأنّه يطمئن قلبه قبل أن يعود إلى ما كان يفعل، وقد امتلأت الأجواء بدفءٍ خفيّ لا يُرى، لكن يُحَسّ في النظرات والسكوت.
بعد إنهاء الطعام ،بدأ الجميع في المُساعدة وحمل الأطباق وتنظيم كُل شيء ،لكن حمل نوح الأطباق من يد موج وقال
-اقعد يا جميل ،كفاية عليك كده
-اقعدي يا ست موج أصل الباشا بيحب النحنحه
كان ذلك صوت علي الذي يقف يتمسخر على نوح ،حته وكزه نوح في بطنه قائلًا
-اللي متغاظ مننا يعمل زينا ،بس مش هتعمل علشان أنت خاطب يعع
ردت أميرة
-هيا خاطب دي شتيمة ولا ايه يا نوح
-لا ياستي أنا مالي،بصوا أنا هدخل الأطباق ومحدش ليه دعوة بمراتي
في الجنب الأخر كان يقف مُعتصم بجانب ليلى ،وقال
-ايه رايك في رمضان بقا
أخذت نفسًا عميقًا وقالت بحب
-حاجة كده تخلي القلب بيرفرف زي الجناحات بالظبط،بجد يا معتصم حاسه إني مكنتش عايشه خالص وإن أنا اتولدت من جديد أول ما اتحط جنب اسمي مُسلمة ،ماتتخيلش الفرحة اللي دخلت قلبي لما لبست الحجاب حسيت إني مش خايفه وإني حره .
رفع يدها إلى فاه وقبلها بحنو وقال
-ربنا يديمك في حياتي يا ليلى ويقدرني واسعدك .
جاء سامح وهو يضع يده على كتف سما ويقول ساخرًا
-يا سلام على حبي وحبك وعدي ومكتوبلي أحبك .
ردت سما ضاحكه
-بس يا سامح مترخمش عليهم .
تمتم سامح قائلًا
-حبوا في بعض حبوا كلها سنه بالكتير وتبدا فين البامبرز فين البزازه طب حد جاب بسكوت
اقترب مُعتصم يضع يده على فاه وقال
-بس أسكت اسكت سبني انصدم لوحدي .
وبينما كانت الضحكات لا تزال تتردّد في أرجاء الحديقة، واندفع نوح إلى الخارج، وعلى كتفه الصغير نوح، يرفعه عاليًا كأنّه كنزٌ يخشى أن يمسّه الهواء.
كان الصغير قابضًا على قميصه بكلتا يديه، يضحك بملء قلبه، وعيناه تلمعان ببريقٍ بريء
توقّف هيجي نوح في منتصف الحديقة، ورفع حاجبيه في مرحٍ ثم قال بصوتٍ جهوريٍّ مليء بالحماس
-يلا نلعب كوره نوح عاوز يلعب
ضحك معتصم وهو يصفّق بيديه قائلًا
-جامد نفسي اللعب من زمان ،خلي بالك الولا يقع بس
أما موج فوضعت يدها على فمها تضحك، بينما تقدّم نوح بخطوةٍ وهو يهزّ رأسه مبتسمًا
-أحلى حاجة في اليوم والله ضحكتك
ثم أنزل الصغير ،وأمسك به من جانبيه، ثم أخذ يدور به في الهواء برفقٍ وثبات، وضحكات نوح الصغير تعلى في المكان .
دقائق وجاء علي ويمسك في يده الكُره ويقول
-هنقسم فريقين أنا ونوح ومعتصم وسامح ونوح الصغير
وقفت أميرة وهى تصع يدها في خصرها وقالت
-واحنا بقا
نظر إليها وقال
-اقعدي يابت ،انتو شجعوا وخلاص .
-ماشي يا علي.
بعد دقائق
تقدّم نحو نخلتين عاليتين تتوسّطان الحديقة، وقف تحت إحداهما، رفع ذراعيه وبدأ يلفّ الحبل حول الجذع بإحكام، يشدّه مرةً بعد أخرى ، حتى تأكد من ثباته ثم سار بالحبل مشدودًا إلى النخلة المقابلة، حيث عقده بقوةٍ مماثلة، وجذبه بيديه ليتأكد أنه صار مستقيمًا ومشدودًا بقوةٍ.
صفّق نوح بيديه ضاحكًا وقال
-شكل الموضوع جد أوي
ابتسم علي نصف ابتسامة، ثم خلع ساعته ووضعها على الطاولة القريبة، وأشار بيده قائلاً
-يلا فريقين بقا يا رجالة
في ناحيةٍ من الحبل وقف علي ونوح، كتفًا إلى كتف، وفي الجهة الأخرى اصطفّ سامح ومعتصم، وقد انضم إليهما نوح الصغير، الذي أمسك الكره بيده ،ثم قام برميها في المنتصف وبدأ اللعب
انفجرت البنات ضحكًا وهنّ يقفن جانبا، تصفقن وتطلقن عبارات التشجيع قالت أميرة
-شدّ يا علي!
تليها ليلى
-يلا يا معتصم ورّيهم!
تليها سما
-سامح… رجّعها ورا!
وكان صوت موج أعلى الجميع، تشجع هنا وتضحك هناك، وتصيح بأسم نوح بقوة ،بينما ليلى تمسك بيد أميرة وهما تتابعان المشهد بعينين متألقتين.
أما في الطرف البعيد من الحديقة، فكان عبدالعظيم جالسًا على مقعدٍ خشبيٍّ بجوار وفاء،يميل قليلًا إلى الخلف، يراقب المشهد بعينين يملؤهما الرضا، بينما وفاء تبتسم وتقول بصوتٍ دافئ
-ربنا يفرح قلبكم يا عيالي يارب،عارف يا عبدالعظيم الولا معتصم دا حاسه انه بقا عيل من عيالي
-فعلًا راجل جدع ،ربنا يسترها معاه يارب ويرزقه بعزوه من العيال تملى عليه بيته
الآن تسمع ضحكات عالية ،قلوبٌ تفرح بشدة،بيتٍ يحتضن الجميع تحت سقفًا واحد وسماء واحده،دونت هذه اللحظة في ذاكرة كُل منهما .
ثوانِ وانتهى اللعب ثم وقف مُعتصم على أحد المقاعد وفتح هاتفه حتى يأخذ صوره تذكاريه لهم تجمّع الجميع سريعًا يقترب بعضهم من بعض حتى كادوا يلتصقون، كتفٌ إلى كتف وضحكةٌ إلى جوار ضحكة بينما انحنى نوح قليلًا ليحتضن موج تحت ذراعه في عفويةٍ محبّبة، فمالت عليه مبتسمة، وقد أشرق وجهها بسعادةٍ هادئة ،بينما جاء نوح الصغير يرفع ذقنه عاليًا ليبدو أطول مما هو عليه حتى قهقة الجميع عليه .
ثبّت معتصم الهاتف، وعدّ بصوتٍ مرتفع
-واحد… اثنان… ثلاثة…
وفي اللحظة التي اتّجهت فيها العيون كلّها نحو العدسة، وتجمّدت الضحكات على الشفاه انطلقت ومضةٌ صغيرة حابسةً داخلها دفءَ تلك الليلة، وحبها،وأمانها
في صورةٍ واحدة ستكون شاهدًا على تجمع عائلة حول الفرح، لا يشغلها في تلك اللحظة سوى أن تكون معًا