تحميل رواية «نوح الباشا» PDF
بقلم ندا الشرقاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في اسكندرية كانت تقف موج في خلفها البحر وأمامها طاولة تعم بالاسماك وهي تهتف قائلة "اوزن يا مدام ،دا بتاع انهارده طازة تحبي تشوفي "قامت بفتح السمك بحترافيه من اخر راسها وهيا تشير إلى التي تقوم بالشراء وتهز راسها بمعنى اتري لكن قاطعها هجوم رجل يدعى على نفسه "مُعلم السوق " هتف وهو يشير لها بعصاه ويرفع احد حاجبه الغليظة _يالا يابت من هنا مفيش بيع سمك هنا هبطت موج عن الحجر الكبير الذي تقف عليه هاتفه بهدوء ما قبل العاصفة _ليه بس يا معلم احنا زعلناك في حاجة هتف الرجل الجشع وهو يضع يده اليمنى على مقدمه...
رواية نوح الباشا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندا الشرقاوي
متجبيش سيرته الخاين الخسيس عد"يم الشرف
وبعدين اتجوزه إزاي وأنا
مــســيــحــية..........
فتحت فاها من الصدمة ،لم يكن لديها علم أن ليلى تنتمي للديانة المسيحية ، صُدمت فقط ،عم الصمت على المكان وكانت مازلت ليلى تَنظُر إليها مُبتسمه ،وهى ترى دهشتها عندما علمت بديانتها ،لكن استطالت موج في صدمتها ،حتى شَعرت ليلى بالإحراج فهمست بهدوء
-موج!.... هو أنا دايقتك في حاجة ؟ هو أنتِ عندك مُشكلة في ديانتي !.
أسرعت موج في الحديث وهى تلعن غباءها وصدمتها في نفس الحال
-لا يا حبيبتي متقوليش كده ،دي ديانتك محدش ليه علاقة بيها ،بس اتصدمت مش أكتر .
بدأت ليلى تفرك يدها في بعض من صدمة موج ،لكن أدركت انه حقها ،وقالت
-أنتِ مصدومة صح ؟ على فكرة عارفة إنك هتقولي إن عادي مُسلم يتزوج من مسيحية ودا صح في دين الإسلام ،لكن مسلمة لا يجوز ليها التزوج من مسيحي ،علشان الأطفال بيتبعوا ديانة الأب مش الأم .
ابتسمت الأخرى وتحدثت
-طب بدل ما أنتِ عارفة كدة ،لية مش موافقة على الجواز من معتصم .
سكتت قليلًا وبدأت تنظر إلى الأركان لا تدري ماذا تقول لكن تمتمت
-بُصي مش فكرة رافضة فكرة إني مش واثقة إني لسه مش عارفة أخد الخطوة،عارفة يعني أي تتجوزي حد أنتِ ديانة وهو ديانة مش تقليل ولا حاجة ،لكن كأنك بتجيبي سمكة تحطيها في صحرا والعكس صحيح ودي وجهه نظري الشخصية وعارفة كمان إن سيدنا مُحمد تزوج من السيدة ماريا القبطية ،لكن اللي ميفرقش بين مُسلم ومسيحي الخيانة يا موج
أخذت نفس عميق واستطردت الحديث
-أنا مش ضد الإسلام، بالعكس.. أنا قريت كتير عنه، يمكن أكتر من ناس مسلمة نفسها، وأكتر حاجة شدتني فيه هي التسامح،فاكرة آية بتقول (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)حسّيت إنها مش مجرد كلام، دي روح دين كامل بيقولك اختار بعقلك وقلبك، من غير ضغط ولا خوف.
مدت يدها تلتقط كأس الماء لترتشف منه القليل وأكملت بنبرة هادئة تحمل وراءها وجعًا دفينًا
-عرفتي إني معنديش مشكلة بس مشكلتي في مُعتصم نفسه ،على فكرة أنا أكيد هيحصل مواجهه كبيرة جدًا في فكرة إني اتجوز واحد غير ديانتي بس على اتم استعداد إني اواجهه إلا إني اتجوز واحد كداب وخاين .
كانت موج تتابعها في صمت، وفي داخلها شعور بالسعادة يغمرها؛ ترى أمامها فتاة ناضجة تعرف ما تريد، لا تخاف من الناس بقدر ما تخاف أن تخسر نفسها،ابتسمت موج بخفة وقالت وهي تميل برأسها قليلًا
-يمكن عشان كده ربنا بيحب القلوب اللي صافية، اللي بتختار الصح حتى لو الطريق صعب
رفعت ليلى عينيها نحوها مبتسمة ابتسامة صغيرة، لكنها مليئة بالامتنان، وقالت بصوت خافت
-يمكن... يمكن ربنا بيختبرنا في الناس اللي بنحبهم، علشان يعرف إحنا بنختار بعقلنا ولا بقلوبنا
ساد الصمت من جديد، لكن هذه المرة كان صمتًا مريحًا، يشبه سكون ما بعد العاصفة
رن جرس المنزل ،وقفت موج وهى تقول
-اهو الأستاذ شرف يارب يكون جايب أكل حلو بقا كده
ابتسمت ليلى على مشاكسة موج ونظرت لها وهى تراها مُتجهه ناحية الباب ،قامت بالفتح وجدته يمسك الأكياس يضعها على وجهه ويقول بمزاح
-أنا مين
هتفت ضاحكه
-ادخل يا حبيبي بدل ما حد من الجيران يشوفك يقولوا علينا اي
دلف وهو يدعي الغضب وقال
-ملكيش في الطيب نصيب أنتِ ،جبت شوية كباب وكفته وفراخ مشوية ايه تُحفة من مطعم جمبنا هنا .
وضع الأكياس على الطاولة ،وتنهد بخفة بعد ما جلبها جميعًا،ودلفت موج سريعًا إلى المطبخ،يعلو وجهها الحماس وهي تحمل الأواني في يديها، فوضعتها برفق على الطاولة التي بدأت تفوح منها روائح الطعام الشهية حتى قبل أن تُفتح الأكياس.
بدأ نوح يفتح كيس تلو الأخر، وكلما أخرج طبقًا ازداد المكان دفئًا بالحياة.
تصاعد بخار الطعام في الهواء ممزوجًا برائحة التوابل، فتراقصت في الأنفاس وأيقظت الجوع في النفوس.
الألوان الزاهية للأطعمة كانت تُبهج العين قبل أن تبهج الذوق الأرز الذهبي، والصلصات الحمراء، وقطع اللحم التي تتلألأ تحت الضوء بالكثير من الطرق المصنوعة منها.
ابتسمت موج وهي ترتب الأطباق في انسجام، وقالت ممازحة
-واضح إن القاعدة على السُفرة هتكون صباحي ،الأكل شكله يشهي فعلًا .
ابتسم نوح لها ومد يده يُجلب قطعه من الكُفتة يضعها في الطحينة ثم مدها إلى فاها وقال
-بالهنا والشفا يا حبيبي
ثم وجهه حديثه إلى ليلى قائلًا
-متقوليش إنك مكسوفة يلا يا ليلى أنتِ بقالك سنين مكلتيش أكل مصري .
ابتسمت ليلى وخلعت عنها سترتها وتقدمت وهى تقوم بسحب أحد المقاعد لتجلس قائلة
-لا أنا هتعامل متخافش.
...................
في الجهه الأخرى .........
أمام أحد المساجد الواقعة في شارع ملك حنفي،خرج رَجُل في أوائل الستين من عُمره ،يتوكأ على عصا ،يسير بمحاذاة الحائط ،مُتجهًا نحو منزله بعد ما أتم صلاته في المسجد .
خرج خلفه علي ،أسرع في إرتداء حذائه على عجله ،ثم اتجه نحو وهو يُنادي بصوتٍ مُرتفع قليلًا حتى لا يُلفت الأنظار
-عم كامل .....عم كامل
وقف الرَجُل واستدار له قليلًا ،ثم رفع أنامله ليُعدَّ نظارته وقال
-مين؟؟؟
دقق في النظر إليه أكثر حتى قال
-علي ؟؟؟ علي ابن نعيمه .
أوما له علي براسه وتقدم منه ،مد يده يمسك كفه ليُقبله قائلًا
-عامل اي يا عم كامل ،ليك وَحشه واللهِ.
رتب على منكبيه وابتسم ابتسامة خفيفة، قبل أن يقول بنبرةٍ يغلبها الحنان والمزاح وقال
-الحمد لله يابني ....فينك كده؟ روحت قولت عدولي ،أوعى يا ولا تكون اتجوزت وحده من بلاد بره ؟؟
ابتسم علي حتى بدت انيابه الضاحكة وهزّ رأسه نافيًا، وقال وهو ما يزال يبتسم
-لسه يا عمّي، مفيش جواز ولا حاجة... كنت مشغول شوية بس، والدنيا خدتني،بس رجعت علشان أكمل نصي التاني
ابتسم الرجل ابتسامة أكثر دفئًا، وملامحه انفرجت كأنها تذكرَت أيامًا مضت، ثم قال في هدوء
– أهم حاجة إنك بخير يا بني... الدنيا بتجري، بس الأصول ما تتغيرش، ربنا يرزقك ببنت الحلال يارب .
رد وهو ينظر إليه بخبث
-ما بنت الحلال موجودة بس في عائق في النص عاوزين نزيحه
عقد العجوز حاجبه وقال في دهشة
-خير يا بني مين بنت الحلال ؟لو نصيبك هتاخده يا علي .
رفع علي يده يعدل سُترته وهمس
-نصيبي يا عم كامل بس نقول ايه بقا ،ما علينا عم كامل بنت الحلال تبقى أميرة بنتك.
اتسعت عين عم كامل بدهشة خافته، وبقي صامتًا لثوانٍ كأنه يحاول التأكد مما سمعه.
ارتسمت على وجهه ملامح حيرةٍ وشيء من الذهول، ثم قال بنبرةٍ مترددة
-أميرة بنتي؟؟؟ إزاي يا علي؟ بس أميرة فرحها كمان شهرين .
خفض علي بصره إلى الأرض، يعبث بأطراف سترته في توترٍ واضح، ثم زفر ببطء كأنه يُلقي ثقلًا من صدره، وقال بهدوءٍ موجع
-بس محصلش نصيب عادي جدًا ميحصلش نصيب ،كتر من العرايس بتفركش قبل الفرح بأيام مش شهرين يا عم كامل
-وأنا مش موافقه يا علي ،هو الجواز بالغصب
كان ذلك صوت أنثوي مميز يعرفه علي جيدًا، لكن لم يلقي اي رد فعل وجهه حديثه إلى الرجل مرة ثانية وقال
-راجع كلامي يا عم كامل وأظن أنا أولى ببنت حتتي من الغريب ولا اي
انهى كلامه وهو ينظر إلى أميرة بكُل برود وغادر .
اقتربت أميرة من أباها وأمسكت بيده وقالت
-يلا يا بابا نروح ،علشان دا مجنون .
...............
بعد إنهاء الطعام …..
جلسوا جميعًا يحتسوا الشاي ،كانت ليلى سعيدة بمعرفة موج والعكس .
تحدثت ليلى وهى تضع الفنجان على المنضدة
-نوح أنت ناوي على ايه ،أنت قولت إنك معاك حوالي ٢٢٠ الف صح كده ؟
انتبه نوح لها ورد
-ايوه دا المبلغ اللي معايا
ردت بكُل حكمة
-طب المبلغ دا لو اتحط في البنك هيجيب فلوس كويسة أوي ،اي رايك .
صمت نوح لثوانٍ ثم قال
-عارف يا ليلى بس أكيد مش هقعد استنى اللي هيجي من البنك ،أنتِ عرفاني مبحبش القاعدة والأيد اللي مش شغاله مش حلوه.
تحدثت موج سريعًا وهى تصفق من الفرح
-جالي فكرة تُحفة .
مظر إليها نوح بغرابة ليقول بصدمة
-ربنا يحميكي من الهبل يا حبيبتي،قولي
عبثت في نظراتها لكن لم ترد الأن بدأت في شرح فكرتها
-نوح أنت معروف جدًا وأكيد السوشيل ميدايا دلوقتي هتتقلب عليك لما يعرفوا إنك مبقتش نوح الباشا اللي هما يعرفوه ،نوخ أنت هتدي كورسات تعليم التصميم،وكمان أنا عرفت من ليلى إنها هيا اللي كانت بتسوق وماسكه جميل الصفح بتاعتكم في سويسرا ،يعني تقدروا تعملوا شُغل هنا كويس وبالذات لو واحد زيك ليه مركزة واسمه مسمع بره مصر ،ولما تعمل كورس كمان بفلوس تعتبر رمزيه خالص دا هيخلي الكلام عليك كتير وفي نفس الوقت هيتطلب شغل كتير.
كان يُنصت إلى حديثها بدقة؛ فكل ما تقوله صحيح، وفكرتها جديدة، ويظنّ أنه لا يوجد أي مصمّم عالمي قد نفّذ مثل هذه الفكرة من قبل.
وهكذا سيتمكّن من متابعة مهنته، وفي الوقت نفسه يكسب المال لمنزله.
أُعجب بتفكيرها وبحرصها عليه، فهي تريد مصلحته وتفكر فيه دائمًا
قامت ليلى بالتصقيف بحرارة وقالت
-فكرة تُحفة تستاهلي عليها مليون جنية
ابتسمت موج ونظرت إلى نوح وقالت بحنو
-معايا الأحسن من المليون .
رد لها الابتسامه وهو سعيد في داخله .
هتفت ليلى
-خلاص احنا من بكره نبدا وأنا لما أروح هنزل الإعلان ،بس في مشكلة هياخدوا الكورس فين!؟؟
ردت موج بكل هدوء
-هنا في البيت
هز نوح رأسه دلالة على الرفض
-لا يا موج مينفعش إزاي الشغل يكون هنا ،اي هكتم على نفسك وأنتِ في بيتك ،لا هنشوف مكان تاني .
ردت بكُل عقلنية ووضوح تُحاول أن تُقنعه
-يا نوح افهم ،لو اجرنا مكان هياخد فلوس كتير واحنا محتاجين الفلوس،بص طب نبدا ٣ شهور في البيت هنا ولما الحال يظبط تعمل ورشة خاصة بيك ،هااا اي رايكم
همست ليلى مؤكدة حديث موج
-الصراحة عندها حق ،خلاص بقا يا نوح وافق .
هز رأسه بيأس منهم ومن إصرارهم عليه ووافق في النهاية .
………….
انتهى اليوم على الجميع؛
منهم من يضع رأسه على الوسادة مطمئنًّا،
ومنهم من يؤلمه قلبه ويُرهقه التفكير حتى يغوص في النوم
………….
في الصباح الباكر…
استيقظت وهي تُحاول تفتيح عينيها من أثر النُّعاس، نظرت بجانبها فلم تجده، فتملّكها شعور غريب من القلق.
جلست على حافة السرير، تنفّست بعمق، ثم قامت لترتدي رداءها وتستعيد شيئًا من حيويتها.
وما إن بدأت تتحرك حتى انقطع النور فجأة، فتوقّفت في مكانها لحظة تتأمل الظلام الذي غمر الغرفة.
فكّرت أن تفتح باب الشقّة لترى هل انقطع التيار عندها فقط أم في العمارة كلّها!!!.
التقطت خمارها بخفة، وضعته على رأسها، وتقدّمت بخطوات حذرة نحو الباب،قامت بفتح الباب لكن صرخت فجأة
-اااه
الفصل السابع والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندا الشرقاوي
التقطت خمارها بخفة، وضعته على رأسها، وتقدّمت بخطوات حذرة نحو الباب،قامت بفتح الباب لكن صرخت فجأة
-اااه
صرخت بعلو صوتها وهى ترى جسم غريب يرتدي رداء أسود اللون ،وجميع الإنارة مُغلقة ،دبّ الخوف بداخلها وتراجع جسدها تلقائيًا حتى التصقت ظهرها بالجدار البارد، وأنفاسها تتسارع مع كل خطوة ترجعها وقالت
-اعوز بالله من الشيطان الرجيم ،إنصرف إنصرف ..!
كانت الكلمات تخرج متقطعة من بين شفتيها المرتجفتين، بينما يديها تشدّ الخمار على رأسها كأنها تستمد منه الطمأنينة.
عم الصمت على المكان للحظة، لا يُسمع سوى دقات قلبها التي تكاد تخرق الصمت.
ثم... صوت خافت، أشبه بحفيف قماش، تسرّب من عند الباب
-متخافيش يا مدام ،أنا لمياء جارتك في الشقة اللي جمبك ،وطلعت أشوف النور قطع عندي ولا في العُمارة كُلها.
مدّت يدها المرتجفة نحو الهاتف الذي سقط أرضًا من شدّة الخضة التقطته ببطء، ثم حمحمت بخجل بعدما أدركت ما حدث،لقد صرخت بصوتٍ عالٍ حقًا.
همست لنفسها وهي تبتسم بتوتر
-يا فضحتك يا موج ،ايه اللي هببته دا هتقول عليا مجنونة.
ثم همست بصوتٍ عالٍ
-أنا اسفة جدًا بس أنا اتخضيت والله ،حقك عليا ،اتفضلي .
ابتسمت لمياء من أسفل النِقاب الذي ترتديه وردت
-لا ولا يهمك خالص ،دا طبيعي،العُمارة ضلمة وأنا لابسه أسود في أسود فا حقك تتخضي .
ردت موج وهى تبتسم بهدوء
-لا عادي والله ،أهلًا بيكِ اتفضلي طيب .
-لا يا حبيبتي تسلمي مرة تانية بإذن الله .
ردت سريعًا
-لا لا إزاي اتفضلي حتى لحد ما النور يجي طيب .
اومأت لها برأسها ودلفت وهى تقول
-السلام عليكم .
ردت عليها موج السلام ،ثم أغلقت الباب ودلفت خلفها وهى تُرحِّب بها ببضع كلماتٍ اللطيفة .
اقتربت من النافذة لتقوم بفتحِها حتى يُنير المكان ضوء الشمس .
ثم جلست على المَقعد المُجاور لها وابتسمت وهى تخلع عنها الخِمار وقالت
-أنا موج ساكنة هنا جديد ،بجد اتبسط إن في حد معايا هنا .
ردت لمياء وهى ترفع عنها نِقابها
-وأنا تقريبًا جاية قبلت بشوية لأن أنا لما جيت مكنش في حد في الدور غيري ،بجد أحسن حاجة إني لقيت حد ،بدل ما بقعد لوحدي لحد ما إبراهيم يرجع ،وأنتِ متجوزة بقالك قد اي بقا.
وقفت موج عن مقعدها وهى تقول
-بقالي أسبوع تقريبًا ،دقيقه وحدة
ولجت إلى المطبخ وهى تسير ببطء شديد وفي يدها تمسك الهاتف والإضاءة منه .
فتحت الثلاجة وأخرجت إبريق العصير ،ثم فتحت الجزء العُلوي أخرجت عُلبة الثلج وحدثت نفسها قائلة" كويس التلج مفكش "
سكبت في كأس زُجاجي ووضعت القليل من المكسرات في أحد الأواني وبعض الحلويات .
خرجت وهى تحمل الصينيّة،وضعتها أمامها وهى تقول
-اتفضلي يا حبيبتي .
ردت عليها مبتسمة
-غلبتي نفسك ليه كده يا حبيبتي،تسلمي .
-لا تعب ولا حاجة تعبك راحة ،ادينا قاعدين لما نشوف النور هيجي امته ،واهو نتعرف .
.................
أمام ڤيلا نوح الباشا سابقًا .......
كان يقف نوح أمام الڤيلا ينظر إليها من الخارج ويتذكر كيف كان يقضي يومه مع موج هُنا .
"عودة للماضي"
كانت تَركُض منه سريعًا وهو خلفها ،لم يُسرع من خطواته لكن يُظهر لها أنه يركض خلفها ،كان يفعل ذلك ليرى ويسمع ضحتها التي تهز الأركان جميعًا .
ترتدي فستانًا صيفيًا بالون الأزرق الفاتح الذي يطلقوا عليه "بيبي بلو"،يصل إلى رُكبتها يتطاير بجانبها من أثر الركض ،لكن صرخت فجأه ،ووقعت في ثانية.
أسرع في خطوته واندفع نحوها، تكاد أنفاسه تتلاحق من الخوف أكثر من الركض.
كانت ما تزال على الأرض، يدها تمسك بركبتها والألم واضح في ملامحها.
انحنى بجانبها دون تردد، وصوته خرج مرتجفًا
-حصل اي اتعورتي؟؟؟ بتوجع ؟؟
رفع الفستان قليلًا ليرى مكان الجرح ،وجد بعض الخدش وكدمة بسيطه ،أخذ نفسه وهو يحمد ربه وقال
-بسيطة الحمد لله
رفعت رأسها نحوه، عينيها الواسعتين تلمعان بخليط من الدهشة والدموع، وقالت بصوت خافت
-بس وجعتني
مدّ يده ببطء، يد أسفل ظهرها والأخرى أسفل ساقيها وساعدها على الجلوس على ساقه
. شعر بأنفاسها المتقطعة قريبة منه، وشاهد كيف التصق الغبار بطرف فستانها الأزرق الفاتح، وكيف تلاشت خفة اللحظة في عينيها
قال بصوت مبحوح
-معلش من الوقعة بس ،هو تقريبًا رجلك التوت تحتك
كان يعلم أنه شيء خفيف لكن قلبه كان يضجّ بالقلق، ليس على قدمها فقط، بل على هذا الارتباك الذي تعرض له ، كأنه خائف من أن تكون قد تأذت أمامه أكثر من أي شيء آخر
حاول الوقوف وهى مازلت في حُضنه ،وقف أخيرًا وهو يَضُمها إلى صدره ،ثوانٍ وبدأ يدور بها في منتصف الحديقة ،وتبدل صوتها الحزين إلى ضحكات عالية مرة أخرى ،ولمعت عينها بالفرح وأختفت الدموع.
"عودة للحاضر"
فاق على صوت أحمد وهو بتقدم منه ويبتسم ابتسامه واسعه وقال
-نوح باشا ،نورت بيتك ومكانك يا باشا ،الڤيلا كانت ضالمة من ساعت ما سبتها .
صافحه نوح مُبتسمًا وقال
-تسلم يا أحمد ،ربنا يخليك
ثم استطرد
-ادي خبر لمُعتصم إني موجود وعاوز اقابله.
هتف الأخر بغرابة
-مُعتصم بيه مش هنا يا باشا ،من ساعة ما جنابك مشيت ومحدش دخل الڤيلا .
عقد حاجبيه بغرابة وهتف
-غريبة ،وأنتم مفيش حرس معاه؟؟
-لا يا بيه هو قالنا نفضل في الڤيلًا زي النظام القديم .
-تمام يا أحمد تسلم،هتعوز حاجة
-اله؟ نوح بيه هو حضرتك مش هتدخل ؟؟
ابتسم نوح قائلًا
-لا يا أحمد بس هرجع قريب ،ادعيلي.
-يارب يا باشا ترجع وتنور الدنيا أنت والمدام،ويرزقك ربنا بالذرية الصالحة يارب .
تمتم وهى يُردد كلمة
-يارب،يارب.
...............
-ماما ماما ماما....يخي قرفتني بماما بتاعتك دي.
هب واقفًا عن مقعده وهو يعدل نظارته ويقول بعصبية
-أميرة ،في ايه أنا مسمحلكيش تتكلمي عن ماما بالطريقة دي .
-فيها إني حاسه إني مخطوبة لامك مش ليك.
تحدث سريعًا بكُل برود
-في اي يا أميرة،أمي وعاوزة مصلحتي وبعدين باخد رأيها .
هتفت بعصبية وصوتٍ عالٍ
-تاخد رأيها في اللي يُخصك وبس لكن اللي يُخصني لا يا حضرة المُحترم، وأنت أمك مالها بمرتب شُغلي اللي هو بتاعي أنا ؟!!!
-هيا مقالتش غير إنك تساهمي في مصاريف البيت ،يعني بالنص بينا ،كفاية إنك هتشتغلي ودا هياخد من وقت البيت .
ظل يتحدث وُبرر وهى تُفكر في شيء واحد علي ،عندما عرضت عليه المُساعدة ببعض المال ،ورفض بشدة وغضب منها وعاتبها ،كيف تُفكر انه يوف يأخذ منها مال ،وقال لها بالنص" فلوسك ليكِ،وحتى لو جه عليا الزمن ،عُمري ما أمد إيدي على فلوسك ".
في هذه اللحظة وضعت يدها على الخاتم الذي يُزين إصبعها وقامت بخلعه ،ثم وضعته على المنضدة وقالت
-روح هاتلك وحدة تفصيل على ذوق ماما يا عيون ماما .
نظر لها للحظة ،نظرة مليئة بالغضب والوجع في نفس الوقت،كأن الحديث يقف في حلقه ،ولا يقدر على الخُروج .
مد يدع ببطء على الطاولة أخذ الخاتم ،صوته المعدني الخفيف وهو يتحرك على الخشب كان آخر شيء كسر الصمت بينهم .
وقف مكانه لثوانٍ ،يتنفس بعمق ،ثم أتجه نحو الباب وخرج دون الالتفات لها .
ظلت مكانها،عينها على المنضدة ،تضع إصبعها على الأصبع الذي كان فيه الخاتم ،لم تشعر بالبروده أو الحُزن .
كل ما تشعر به هو أفكار تملىء رأسها لا تعلم ماذا تفعل !!!!.
دلف والدها وهو ينظر إليها بحزن وقال
-ليه كده يا بنتي ؟؟؟ أنتِ عملتي كده علشان علي.
هتفت سريعًا دون تفكير
-لا بابا، لا علي ولا غير علي ،يلغوا تفكيري،أنا اللي غلط يا بابا لما فكرت في واحد كُل حاجة برأي والدته ،دا وصلت لدرجة لو خرجنا بتقوله اكلها فين وروحوا فين ،يا بابا علاء شخص كويس جدًا جدًا ،لكن للاسف مامته ها تدمره دا لو لسه مدمرش ،بس كده أحسن بدل ما كُنت اتجوز وارجع من تاني أسبوع ،ربنا يعينه على والدته ،عن إذنك .
وقفت عن مقعدها ودلفت إلى غُرفتها سريعًا ،والدها ينظر لها بحزن ويدعي لها بصلاح الحال.
..........
وقف أمام الباب بشموخ واضح على هيئته، لم يكن هذا جديدًا عليه.
مدّ يده إلى جرس المنزل وضغطه، ثم وقف في مكانه ينتظر.
ثانية تلو الأخرى مرّت ببطء، ولم يأتِ أي رد،ضغط الجرس مرة أخرى، لكن الصمت ظلّ يملأ المكان.
أخرج جواله واتصل به، سمع رنين الهاتف يتردد من الداخل، لكن دون جدوى.
عاود الاتصال مرة أخرى، نفس النتيجة.
اقترب أكثر، وبدأ يدق على الباب بقوة، صوته يرتفع وهو يهتف
-مُعتصم افتح أنا عارف إنك جوه ،افتح يا مُعتصم .
ظل يدق على الباب لكن دون نتيجة،اقترب يضع أذنه على الباب ،حتى يستطيع سماع اي شيء ،يدل انه بالداخل ،لكن الصمت سيد المكان .
القلق كان هو المستحوذ عليه ،وأخذ قرار بكسر الباب ،ابتعد عن الباب خطوتين ،ثم اندفع سريعًا ليرتطم به قوة ،فعل هكذا مرتين حتى انكسر باب المنزل ،نظر إلى أرجاء الصالون ،ثوانٍ ووقعت عينه عليه يتسطح في مُنتصف الصالون ،جسده ساكن ،وجهه شاحب والعرق يَصُب على جبينه .
تحرك سريعًا إليه ،جلس أمامه رفعه عن الأرض وضرب على وجنته بخفه وهو يتمتم
-مُعتصم ،مُعتصم،فووق ….
لكن دون فائدة،وقف عن الأرض ورفعه ليضعه على الأريكة ،ثم تحرك إلى المطبخ ،وقف يبحث سريعًا عن شيء حلو .
ظل يبحث في الأدراج وعندما يأس ،وضع الكثير من السكر في الماء وجاء ليخرج من المطبخ ،لكن تذكر انه فاقد الوعي والماء يجعله يختنق في مجرى السوائل .
دلف إلى غُرفة النوم يبحث عن حُقنة Glucagon،وجدها أخرًا ،خرج سريعًا ووقف يملىء الحُقنة بعناية ودقة .
بدأ في إعطاءه الحُقنة ،جلس بجانبه وهى ينظر إلى ساعته ،دقائق مرت كأنها دهر ،يقف بجانبه لا يغفل له طرف عين .
يُراقب أنفاسه المُتقطعة كُلما يرتفع صدره كانه يأخذ من روحه .
كانت الحقنة ما تزال في يده، والقلق في قلبه يتضاعف مع كل ثانية تمرّ دون حركة منها.
ثوانٍ وارتجف أصابعه قليلًا ، وانفرجت شفتاها عن أنفاس خافتة، انحنى بسرعة صوته مبحوح وهو يناديه
-مُعتصم ،سامعني ؟؟؟؟
بدأ يرتجف جُفونه وتفتح ببطء،ثوانٍ وعاد له وعيه ،وضع يده على جبينه يتحسسه ببطء يشعر بصداع في رأسه .
فتح عينه جيدًا نظر له بصدمة وقال
-نوح ؟؟؟
حمحم نوح بتوتر شديد وقال بهدوء
-أولًا اسف إني اقتحمت عليك خصوصياتك وكسرت الباب ،لكن قلقت لما لقيت صوت التلفون في الشقة وأنت مبتردش ،تقريبًا كده كالعادة نسيت تاخد الأنسولين.
هتف بتعب
-تقريبًا كده .
وقف نوح عن مقعده واتجه إلى الباب وهو يقول
-لينا كلام يا معتصم لكن لما تفوق كده ،مع السلامة
وغادر نوح وبقى مُعتصم يسرح في أفكاره
فتح الباب بمُفتاحه الخاص به ...
دلف إلى الداخل وهو يُنادي عليها بصوتٍ عالٍ ،لكن استمع إلى صوت الماء ،علم أنها في المرحاض .
نظر إلى الطاولة الصغيرة التي تتوسط غُرفة المعيشة ،وجد عليها كأسين من العصير وطبقان منّ الحلويات.
عقد حاجبيه بغرابه ثم أمال رأسه قليلًا وهو يحدّق باستفهام .
ولج إلى غُرفة النوم يُبدل ملابسه إلى ملابس أكثر راحة ،دقائق وأنقطع صوت الماء ،وفتح الباب خرجت وهى ترتدي رداء الأستحمام ،وتضع منشفة صغيرة على خصلاتها .
ابتسمت إبتسامة واسعة عند رؤيته ،وأسرعت خطواتها لتسكن في حضنه الدافئ ،فضّمها بقوةٍ كأنه يخشى أن تفلت منه .
غمرت وجهها في عنقه ،فارتجف كيانه ،تحت دفئ أنفاسهما ،كأن يسرى في جسده شعور غريب كنسمةٍ مشحونة بالدفئ .
تذكر شيء ، فارتسمت على وجهه ملامح حيرة ممزوجة بالدهشة وقال
-حبيبي ،كان عندك حد هنا !؟؟
هزت رأسها وهى على نفس الوضع ، بدا كمن يحاول فكّ لغز لا معنى له ثم همس
-ايوه ما أنا مش هفك اللغز ،مين جالك هنا ،غريبة أمي كلمتني وأنا راجع بس مقالتش إنها أو حد من البيت جالك .
رفعت رأسها قليلًا وقالت بنبرة هادئة
-ايه ما محدش من البيت كان هنا
انعقدت نظراته عليها، كأنه ينتظر تفسيرًا منطقيًا لما سمع
-ايوه مين ؟؟؟ ليلى مثلًا .
هزت رأسها دلالة عن النفي والرفض ، تنفّس ببطء وهو يزفر عدم الفهم وهتف بنبرة حادة
-ما تردي يا موج ؟؟ هفضل أسحب كَلمة في كلمة ، مين كان هنا .
عبست لثوانٍ وهى ترى نبرة صوته الحادة ،تملمت في حضنه تُريد النزول ،أنزلها برفق ،ثم جلس على مقعد صغير بجانب التسريحة.
أسند يده على رُكبته مُنتظر الرد وهى مازلت تعبس في وجهه ،دون إجابة.
رفع يده يمسح على وجهه بهدوء ،ثم زيف الإبتسامة وقال
-قولي يا بنتي مين كان هنا ،هسحب كلمة كلمة ولا اي يا موج ايه الشغل دا .
تحدثت سريعًا
-جارتنا اللي في الشقة اللي جمبنا ،صحيت من النوم لقيت النور قاطع ،فتحت الباب لقتها في وشي واتخضيت لأن العمارة كانت ضلمة وبعدين حبيت أضايقها و قعدت شوية وبعدين مشيت بس كده .
هتف بكلمة واحدة قبل أن يُغادر الغُرفة مُتجهًا إلى المرحاض
-تمام .
قطّبت حاجبيها من رد فعله ،مُتأكدة أن يوجد شيء حدث معه في الخارج ،سوف تعرفه لكن ليس الأن .
بدأت في إرتداء ملابسها بهدوء ،ثم أدخلت قابس مجفف الشعر في المقبس وبدأت تُصفّف شعرها بهدوء .
بعدما أنتهت توجهت إلى المطبخ لتعُد الطعام ،أخرجت ما تحتاجه من المُبرد وبدأت في التجهيز .
بعد مرور دقائق ،رن جرس الباب ....
تركت ما بيدها ثم وضعت يدها تحت صنبور الماء لتُنظفها ،خرجت وهى تلتقط خِمارها عن الطاولة ،نظر من العين السحرية وجدتها ليلى .
فتحت الباب وهى تقوم بمِزاح
-واللهِ واللهِ حماتك لو نعرفها هتموت فيكِ كدة .
ردت عليها بنفس المزاح وهى تدلف إلى الداخل
-ايوه يا بت ما ابنها بيعشقني تقوليش عملاله عمل .
قهقة موج على حديثها وأغلقت الباب ،وضعت خِمارها في مكانه .
تحدثت ليلى وهى تضع الحاسوب أمامها وتضع القابس في المقبس المُجاور
-الأستاذ فين ؟؟ أنا ظبط كُل حاجة وكمان في ناس ححزت .
اتسعت عينها بقوةٍ وفرحة في نفس الحال وأسرعت خطواتها لتجلس بجانبها وقالت
-بجد والنبي ؟؟؟ يعني هيبدا شُغل من بكرة .
هزت رأسها الأخرى بفرحٍ مثلها
-ايوه كُل حاجة اتظبطت ،وكمان ناس كتير أوي حجزو مش مصدقين إن نوح عبدالعظيم الباشا اللي هيدي الكورس بنفسه .
وقفت سريعًا وهى تشُم رائحة تعرفها جيدًا وهرولت إلى المطبخ وقالت
-يا خرابي الأكل اتحرق .
أغلقت النار بسرعة ،وأمسكت معلقة خشبية ترى إلى التصق الطعام بأرضية الإناء أم لا .
لكن لم يلتصق،ثوانٍ ورصت الطعام على صنية كبيرة ،وملئت دلو الماء .
وخرجت وضعتها على الطاولة وهى تقول
-يلا يا ليلى سيبي اللي في ايدك وتعال ،نوح يلا علشان الأكل
تحدث من الداخل وهو يقول
-مش جعان ،كلو أنتم وأنا هخلص وأجي .
غمرها شُعور بالعجز أمام عناده وتبدلت ملامحها بملامح خيبةٍ خفيفة ،ثم خطت نحو الغُرفة ،دلفت وجدته يرتدي كنزته ثم يُصفف شعره .
عقدت يدها أمام صدرها مُتسائلة
-أنت اكلت بره يا نوح ؟؟
ظل متحفظًا ببروده وقال
-لا بس مليش نفس .
ردت مُتسائلة مرة أخرى
-يعني ايه ملكش نفس ؟؟؟ الساعة داخلة على ٦ المغرب وأنت بره من بدري معرفش كُنت فين ،وبتقول ماكلتش وجاي تقولي ملكش نفس ؟؟؟ في اي يا نوح مالك .
هتف بنبرة أكثر حدية
-في اي يا موج ؟؟ أنتِ هتردي كلمة بكلمة ،وبعدين قولتلك مش جعان خلاص
ردت بنبرة غاضبة لكن مليئة بالزعل
-أحسن ،متاكلش ،خليك كدة .
خرجت وهى تغلق باب الغُرفة بقوة ،كاد أن يخلع من مكانه .
مسح على وجهه بهدوء وهو يزفر ،وقال
-استغفر الله العظيم يارب ،طب هيا مالها اتنرفز عليها ليه .
خرج خلفها سريعًا ،وجدها جلست بجانب ليلى وقامت بسكب المكرونة في الطبق، ورتّبت إلى جوارها قطع الدجاج المقلية، ثم قرّبت إليها طبق الثومية والسلطة برفق.
قام بشد المقعد المُجاور لها وهى يغمر بطرف عينه إلى ليلى التي فهمت سريعًا وقالت
-فين الطبق التالت يا موج ،معملتيش حساب نوح
ردت بصوتٍ هادئ ،وهى تُدوَّر المكرونة على شوكتها
-قال مش جعان .
جلس وهى يأخذ منها الشوكة يضعها في فمه مُستمتع بطعمها وقال
-مش لازمني طبق هاكل أنا وحبيبي سوا ،ولا اي
مدت يدها تلتقط شوكة أخرى وفعلت مثل سابق وقبل أن تضعها في فمها قالت ببرود وهى تُريد غرز الشوكة في إصبعه
-براحتك كُل يلا .
.................
في المبنى الذي يسكن به مُعتصم ......
كان يجلس يضع انامله على جبينه ،يتذكر كُل شيء حدث عندما رأى نوح
"عـــــودة للمـــاضــي"
"منذ ثماني سنوات"
كان يجلس نوح بجانب مُعتصم يقوموا بعد المال ورقة ورقة ،الإبتسامة لا تُفارق وجههم .
تحدث نوح وهو يضع أخر ورقة على الأخرى
-كده ١٠ الف جنية واللي معايا اللي جاي بيهم من أسكندرية يعملوا ١٠ زيهم ،كده نقدر ندفع الفلوس ونسافر صح كده .
رد مُعتصم وهو في حيرة
-الأول كان كُل همنا نجمع فلوس ،دلوقتي هنروح سويسرا نعمل ايه يا نوح ؟ وهنعيش إزاي وهنروح على مين أصلا ؟
رد عليه نوح
-بص كان عندي بنت زي أختي كده بكلمها وهيا في سويسرا عايشه هناك تقريبًا هيا دلوقتي عندها ١٨ سنة أصغر مننا ب ٤ سنين ،بس دماغها حلوة أوي وكمان بره بيشتغلوا من صغرهم حتى لو حاجة بسيطه بس أنا مكلمتهاش من ساعة ما قفلت تلفوني وغيرت كُل حاجة علشان أهلي مايعرفوش ليا مكان، بس أكيد هعرف أوصلها معايا اسم الأكونت بتاعها،اشرب الشاي لحد ما أشوف
أمسك معتصم كوب الشاي بين يديه بهدوء، يراقب بخارَه المتصاعد وهو ينساب في الهواء، ارتشف رشفة صغيرة، ثم رفع نظره إلى نوح، الذي كان قد انشغل تمامًا بهاتفه.
جلس نوح في صمت، أصابعه تتحرك سريعًا فوق الشاشة، يتنقّل بين الصفحات والحسابات القديمة، كأنه يحاول إعادة وصل خيوطٍ انقطعت منذ زمن.
مرّت دقائق طويلة، لم يُسمع فيها سوى صوت ارتشاف الشاي بين حينٍ وآخر، وصوت نقرات خفيفة على شاشة الهاتف.
وأخيرًا، توقّف نوح فجأة، اتسعت عيناه قليلًا، وابتسم ابتسامة خفيفة وهو يقول بصوتٍ يكاد يُسمع
-لقيتها .... لقيتها ليلى جورج
رفع معتصم حاجبيه في دهشة، ووضع كوبه برفق على الطاولة أمامه، ثم قال
-متأكد إنها هيا؟؟ هيا مسيحية
أومأ نوح برأسه ببطء، وبدت في عينيه لمعة غريبة بين الدهشة والحنين، قبل أن يضيف بصوتٍ خافت
-هيا ، هيا ليلى ،اه مسيحية بس بنت لطيفة أوي اينعم لما عرفتها كانت عندها ١٤ سنة بس هيا مهاجرة برة مصر من سنين وكانت بتحب تسالني عن مصر ومتابعة شغلي اللي كنت بعمله بس ما شاء الله كبرت اهي .
لم يهتم مُعتصم بالحديث كثير كُل إهتمامه المُساعدة منها ،هتف
-طب ما تبعتلها مستني ايه .
توقف نوح لحظة، يحدّق في الشاشة، يفكر إن كان من الصواب أن يفعل ذلك الآن.
مرّت في ذهنه صور قديمة، وضحكات بعيدة، ثم تنفّس بعمق، وضغط زر التسجيل.
خرج صوته عبر الهاتف بنبرة تجمع بين الارتباك والقلق :
– إزيك يا ليلى ..... أنا نوح، نوح الباشا اللي كان بيكلمك زمان... اللي كان بيصمم حاجات دايمًا، فاكرة؟
أرسل الرسالة، وألقى الهاتف على الطاولة كمن أنهى خطوة ثقيلة،ظلّ معتصم يراقبه في صمت، بينما الوقت يمرّ ببطء.
لم تمضِ سوى لحظات قليلة حتى لاحظ نوح حركة على الشاشة ،كانت قد رأت الرسالة،نظر إلى معتصم الذي لم يقل شيئًا
وفجأة...
اهتز الهاتف بين يديه، وظهر على الشاشة إشعار بالاتصال منها
حدّق نوح في الشاشة مذهولًا، نظر لمعتصم، ثم إلى الهاتف من جديد، وصوته خرج همسًا بدهشة:
– دي بتتصل...
رد عليه مُعتصم سريعًا
-رد ياعم أنت لسه تنصدم ،خلينا نشوف المصلحة .
ضغط نوح على الزر ليجدها ظهرت أمامه على الشاشة وهى تكون بفرحة كبيرة
-نووح ..... نوح.... بجد i miss you so much ،كل دا يا نوح قفلت كتير نوح ،واللهِ كُنت عاوزه أنزل مصر ادور عليك
قهقة نوح عليها وتحدث وهو سعيد
- العربي بتاعك بقى تُحفة يا ليلى فين أيام ما كُنتِ بتقوليلي أنتِ يابت
ضحكت على حديثه وبدأو في الحديث واستمعت ليلى له ،وماذا حدث معه منذ مُغادرة منزله من أربع سنوات ،ومُعتصم يُتابع الحديث من بعيد .
"عودة للحاضر"
تذكر كم كان يستمع إلى صوت ليلى لأول مرة ،وعلاقته بنوح وعملهم طوال أربع سنوات لتجميع المال .
فاق على صوت دق على الباب،وقف عن الأريكة فهو ظل مكانه من لحظة مُغادرة نوح ،اتجه ناحية الباب وقام بالفتح ،وجد سُليمان امامه يقول
-نوح كان بيعمل اي عندك يا مُعتصم ؟؟،
قطّب حاجبيه بغرابة وقال
-احنا فينا من الشغل دا يا سليمان ولا ايه ؟؟؟ بتراقبني !
تحدث سليمان وهو يُغلق الباب
-الشغل مفهوش حدود يا معتصم ،نوح بيعمل اي هنا
رد ساخرًا
-لازم ميبقاش في حدود ،علشان شُغل و**خ،ونوح كان هنا ليه أنا نفسي معرفش ،حد وقعد يخبط ولما مردتش رن عليا سمع صوت التلفون فا كتر خيره بقا ابن حلال مصفي أوي كسر الباب لاقني أغمى عليا بسبب السكر وفوقني ومشي .
رفع سبابته محذرًا ،وقال
-عارف لو كُنت بتكدب يا..
قاطعة بنبرة قوية وقال
-مبكدبش يا سليمان ومش معتصم اللي يخاف يعني وبعدين زيارتك مش مسموح بيها اتفضل علشان عاوز أنام نتقابل يوم العملية ،حدد وابعتلي المكان وعلى فكرة رامي واقف على الشغل معانا .
لمعت عين سليمان بفرحة وقال
-بجد وافق إزاي ؟؟؟
-إزاي دي شغلتي أنا ،يلا مع السلامة
..............
في منزل نوح...
كان يجلس يستمع إلى حديث ليلى بدقة ،كانت تشرح له طبيعة العمل وموج تجلس تستمع هى الأخرى.
بعد أنتهاء الحديث ،أخرجت ليلى ظرف كبير وضعته أمامه وقالت
-أول دفعة
عقد حاجبه قائلًا
-دفعة اي !!! أنتِ كمان خدتي الفلوس مُقدم ؟؟
ردت بثقة
-طبعًا وهما واثقين جدًا كمان ،ودفعوا وهما مبسوطين عارف يعني اي أقولهم إن نوح الباشا هيدي كورس والكورس مودته شهر ونص ب ٥٠٠٠ جنية يعني كمان هما هيخلصوا وهيحتاجوا يكملوا ،وأكيد ي نوح هتلاقي فيهم ناس موهوبة لما ترجع كُل حاجة يمكن تختار منهم ناس تشتغل معاك ،وبعدين احنا هنجرب مع عشرة بس .
استمع نوح إلى كلامها وهو لا يزال مستندًا إلى مقعده، يرمقها بنظرة يغلب عليها التفكير أكثر من الاعتراض.
ساد الصمت للحظات، كأنه يوازن الأمور في ذهنه، ثم قال بنبرة هادئة
-تمام يا ليلى... طالما همّ مقتنعين كده، نبدأ بالتجربة. عشرة كفاية كبداية، ونشوف هيطلع منهم إيه
ابتسمت ليلى ابتسامة رضا وقد شعرت بأنها نجحت في إقناعه، وقالت بخفة ظلها المعتادة
-هو كده الكلام، وأنا متأكدة إنك لما تشوف الناس بنفسك هتغير رأيك كمان.
ضحك نوح بخفة وقال
-نشوف يا ست ليلى... بس ما تورطينيش بحد مش قد الكلام.
وقفت ليلى تجمع أوراقها وأشياءها، وقالت وهي تتجه نحو الباب
-ولا يهمك يا باشا، كله متظبط. أنا هكلمك بكرة أظبطلك المواعيد.
ثم قالت لموج
-هتعوزي حاجة
ابتسمت موج قائلة
-تسلميلي ،خلي بالك من نفسك .
أومت برأسه،وخرجت من المنزل ،أُغلق الباب خلفها حتى ساد الصمت من جديد، وأطلق نوح تنهيدة خفيفة، كأنه يستعد لمرحلة جديدة لا يدري إن كانت ستنتهي بالنجاح أم بالخيبة.
جاء ليتحدث لكن نظرت إليه ، واتجهت ناحية الغُرفة، همس لنفسه
-نكد الجواز بدأ.
دلف خلفها وأغلق الباب ،وقال
-مالك
جلست على الفراش ثم رفعت الغطاء لتضعه على وجهها وتقول
-مفيش
ضرب كف على كف وقال
-موج بلاش قمص
هبت واقفه عن الفراش وقالت
-قمص؟؟؟ أنا مقموصة يانوح ؟؟ مهو حقي لما جوزي يكون من الصبح برة وراجع المغرب وكلامه واقف كده وكمان مرنش عليا طول اليوم يبقى دا ايه يا أستاذ ؟؟؟؟
نظر إليها بعينين يملؤهما الندم والحنين، وصوته هذه المرّة كان هادئًا، صادقًا، يحمل في نبراته رغبةً خفيّة في إصلاح ما انكسر،ثم قال مبتسمًا
-يبقى أكيد كُنت بعمل حاجة ومشغول ولما أجي هحكيلك ،بس حقك عليا بجد أنا كُنت مدايق أوي وفعلًا أنا اتنرفزت عليكٍ وأنتٍ ملكيش ذنب .
رمقته بنظرةٍ جانبيّة، ما زال في عينيها أثر العتاب، غير أنّ ملامحها بدأت تذوب شيئًا فشيئًا.
وبعد لحظة صمتٍ قصيرة، ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامة خجولة، تحمل في طيّاتها الموافقة
مدّ يده إليها بخفّة، فاقتربت منه فضمّها إلى صدره عناقًا صادقًا أنهى ما تبقّى من البعد بينهما ثم قال ضاحكًا
-تعالي بقى نبدأ صفحة جديدة… على قد كوب آيس كوفي محترم
دخلَا سويًا، هو يُحضّر المكوّنات على عجل، وهي تضحك عليه كلما أخطأ في مزج السكر بالحليب وبينما كان يهمّ بصبّ القهوة في الكوب، قالت مبتسمة
-بس الفيلم الأجنبي لأ… النهارده عايزة مسلسل تركي
ضحك وقال
-طيب خلاص، بس اختاري مسلسل ما يكونش فيه ١٠٠ حلقة!،علشان حلقة بتجر حلقة
أجابته وهى ترفع حاجبها بمزاح
-ما بوعدكش يا نوحي
بعد الأنتهاء من عمل المشروب ، جلسا معًا على الأريكة، يحمل كلٌّ منهما كوبه والأنوار خافتة، والمسلسل يبدأ بموسيقاه الهادئة.
ضحكات خفيفة تتسلل بينهما، وحديث جانبي لا يخلو من الدلال والرومانسية.
وهكذا انقضى اليوم؛ بهدوءٍ ودفءٍ يشبهان تصالحًا صادقًا لا يحتاج إلى كثير من الكلام
الفصل الثامن والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندا الشرقاوي
مرت الأيام.....
وكانت موج كُل ليلة تقوم بفعل أشياء جديدة حتى تُظهر الشقة برونق وشَكل جميل ،حتى إنها قامت بدهن الحائط بنفسها مما آثار جنون نوح ،عندما يستيقظ كُل يوم يراها تفعل شيء يُثيره عن كُل مره .
اليوم هو أول أيام تدريب نوح للطلاب ،وقفت موج تُعد السُفرة وضعت الأقلام والدفاتر وبعض الصور التي سوف يقوم نوح بالشرح عليها .
كان نوح يسند بذراعه على الحائط تَذكر أحد المواقف .
"عودة قبل يومان"
كانت تقف على السلم الحديدي تمسك في يدها الرولة تكوم بالدهان اللون الأبيض وهى تُتمتم أحد الأغاني التي لا تتذكر كلمتها،كانت ترتدي سُلبت قماش من اللون الأزرق ،تلطّخت أطرافها ببقعٍ من الطلاء،.
تغمس الرولة في إناء من الصاج عميق به اللون الأبيض ثم رفعته من جديد، لتسحب به خطًا طويلًا على الحائط،كانت تتحرّك بثقة، كأنها تعرف تمامًا ما تفعله، وكأن الجدار نفسه ينتظر لمستها الأخيرة ليبدو أجمل.
وقفت قليلًا، قامت بمسح عرق جبينها بظاهر يدها، ونظرت إلى ما أنجزته،ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت بصوت عالٍ تُحدث نفسها غافلة عن الذي يُراقبها في صمت
-فاضل شوية... وهكمل
وضع سبابته في فاه يقوم بالتصفير بصوتٍ عالٍ لها ثم قال
-الله ينور يا سطا والله،سكنتين معجون لوز اللوز .
استدارت نحو الصوت وكان اللوت يُلطخ وجهها قالت وهى تنظر له بعبث
-ياسطا !!؟ شايفني لابسه سُلبت قماش وكُلي بويا
اقترب وهو يقطّب حاجبيه بغرابة وضع يده أعلى خصره وقال مُبتسمًا
-أمال أنتِ عاملة ايه يا روحي ؟ شايف وحدة قمورة لابسه سُلبت أزرق قماش،رفعه شعرها لفوق ومنزله خصلة على كُل جنب الدهان عامل على وشها شويه بس ملامح جميلة أوي ،عيون مسحوبة ،شفايف متحدده ولا أجدعها قلم لبلاينر ،تقدري تقولي بعاكس بكُل جراءة .
ابتسمت وهى تهُز له كتفيها وقالت
-لا حقك ما أنت دافع ،مش كاتب مهر ومؤخر
هبطت درجة عن السُلم ، ثم مسحت بقعة دهان على خدّها دون أن تنتبه، فازدادت اتساخًا.
تنهدت بضيق مُفتعل، بينما كان هو يراقبها بابتسامة جانبية لا تُفارق وجهه، وكأنه مستمتع بكل حركة منها.
قالت وهي تشير بالرولة ناحيته
-ايوه يعني جاي تعاكس ولا جاي اشوف الشغل ماشي إزاي .
رفع حاجبيه ونفخ صدره بثقة مبالغ فيها
-طبعا طبعا جاي أشوف الشغل ،بس شغل عالي ونضيف أوي ..... بس اللي واقل قدام الشغل حاجة تانية خالص نصافك اي ،عود اي ،لا حلوة أول.
ضحكت رغمًا عنها، وحاولت تُخفي الابتسامة وهي تعاود الصعود على السلم،أمسك هو بقاعدة السلم من الأسفل دون أن تطلب منه ،وقال بنبرة فيها جدّ على خفة
-خدي بالك السلم دا،رجلة بتتهز،خلي بالك تقعي تُبقى مُصيبة.
نظرت لأسفل ولمحت في عينه الأهتمام والحُب الصريح، رقّت نبرة صوتها قليلًا، كأنها وجدت في كلامه شيء حرّك بداخلها نقطة ضعف صغيرة
-مطمنة طول ما أنت ماسك .
"عودة للحاضر "
-هتفضل واقف تبص عليا كتير
ثم أكملت حديثها .....أكيد مُعجب بجمالي الخيالي والجذاب
قهقه بصوتٍ عالٍ على حديثها فهي في كُل الأوقات تُريد الحديث بالمزح وكأن الجدية كلمة لا وجود لها في قاموسها،كان ضحكها خفيفًا كنسمة.
اقترب منها بخطوات هادئة،رافعًا يده أمامه كمن يُقدم دليلًا في محكمة لطيفة قدم اليُمنى عن اليُسرى وكان بها كنزة سوداء ،تقدم خطوة أخرى ثم فعل مرة ثانيه مع الكنزة الاخرى وكانت باللون الأبيض وكأنه يقيم عرض أزياء مصغّر مخصص لها وحدها.
رفعت إصبع إبهامها لتلمس شفتها السفلى، حركة تفكير تعرف تمامًا أنه يضعف أمامها حين تفعلها، ثم أمالت رأسها قليلاً وهي تتفحصه بعينين تحاولان التظاهر بالجدية... دون فائدة طبعًا.
-بص هو الأبيض حلو أوي عليك،بس بردة الأسود بيكون تحفة ،نوح بص بصراحة كده كُل حاجة عليك حلوة .
ابتسم ابتسامة واسعة حتى ظهرت غمازتيه وقال
-اعتبر دي معاكسة .
جادت لتتحدث لكن قاطعهم صوت جرس الباب ،نظرت إلى هيئتها وجدت نفسها بمنامة حريرية ،سارت إلى الداخل سريعًا وهى تقول
-البس الأسود يا نوح ،وافتح الباب
-حاضر حاضر .
ارتدى كنزته سريعًا وتقدم إلى الباب قام بالفتح ،وجد ليلى في المُقدمة وخلفها مجموعة من الشباب والبنات
-في معادي أهو متأخرتش ثانية صح استاهل اقبض مرتبي في أول الشهر
رفع نوح يده أمام وجهه ونظر إلى ساعتة اليد الخاصة به وقال وهو يرفع أحد حاجبية
-تأخير ٢٥ ثانية بالظبط
ابتسم وهو يكمل حديثه .... ....اتفضلوا يا شباب أهل بيكم .
************
سلامًا على قلبٍ تجمد من ثقل المشاعر ،امتلأ بالخوف والقلق والفراق ،ألمٍ غائر لا تلتحمه الخيوط والإبرة ،يلتحم بالتقاء قلبين حتى يعود كما كان ،قلبًا واحدًا ونبضًا واحدًا ،حتى يتشاركا النفس.
ويتقاسما الوجع قبل الفرح ،ويستندا إلى بعضهما كأن الفقد لا يعرف طريقهما ،وكأن الخوف يذوب حين تلتقي الأرواح ،وتطمئنّ بأن لها وطنًا في صدر الأخر .
عبَراتٌ تتناثر على وجنتها بغزارة ،عيناها تصرخان من شدة البُكاء ،فيما يُحيط الأحمرار بهما كدائرة مؤلمة لا تهدأ .
كانت ترتجف بصمت،تُحاول أن تهدأ،وتلتقط أنفاسها المتقطعة ،لكن الحُزن يضغط على صدرها كصخرة لا ترحم وكأن العالم كله انكمش حول ألمها وحدها.
-وبعدين معاكِ يا بنتي هتفضلي كده لحد امته،ولا أنتِ مستنيه حد مُعين .
قال جُملته الأخير بوضوح وهو يقف أمام غُرفتها ينظر إليها بعيون ثاقبه.
رفعت يدها سريعًا تمحي عبراتها وهى تُحاول أخذ نفسها وقالت
-حد حد مين يابابا ،مفيش حاجة أنا بس تعبانة شوية ،ومر بكره هنزل الشُغل كفاية قاعدة في البيت .
اعتدل في وقفته، وأطلق زفرة طويلة بدا معها وكأنه يحاول السيطرة على قلقٍ يكاد يفضحه.
لم يقتنع بكلامها، غير أنه آثر ألّا يضغط عليها أكثر تقدّم خطوة نحو الباب، وصوته حين خرج كان هادئًا، لكن نبرته حملت قلق أبٍ يعرف أن خلف الصمت عاصفة
-بنتي... أنا أبوكي وعارفك من قبل ما تعارفي نفسك،ايه التعب اللي بيجي فجأة ودموع من غير سبب؟ هو ده اللي مقلقني،لو في حاجة... أي حاجة... أنا واقف جمبك. ما تستنيش الدنيا توقعك وتيجي تقوليلي متأخر،متخليش الحزن يسرق عمرك
خفضت بصرها أرضًا، وعجزت عن النظر في عينيه، وكأن كلماته أصابت موضعًا موجعًا في قلبها،شعر بترددها، لكنه لم يشأ أن يزداد الأمر ثقلًا عليها استدار مبتعدًا، وقال وهو على وشك الخروج
-على العموم... الأكل جاهز لو جعانة تعالي كلي ولو مش جعانة... كلي برضه ما بحبش أشوفك ضعيفة.
مضى بخطوات بطيئة، تاركًا الباب نصف مفتوح نصف أمل في أن تناديه ونصف خوف من أن تغلقه تمامًا.
وما إن غاب عن ناظرها، حتى خفُتَت قوتها دفعة واحدة، فجلست على حافة السرير ثم ارتمت عليه، تحيط وسادتها بذراعيها كمن يحاول كتم صرخة داخله همست لنفسها بصوت مكسور
-يا ريت يا بابا الموضوع بسيط زي ما أنت فاكر،تعبت يا بابا تعبت عاوزاه ومش عاوزاه.
...........
وقفت في المطبخ تُعِدّ لهم بعض المشروبات والمقبّلات، بينما كانت تسمع صوت زوجها يرحّب بالضيوف ويُحسن وفادتهم،ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة كلما استمعت إلى حديثه اللطيف وأسلوبه اللبق.
وحين انتهت من التجهيز، أمسكت الصينية وهمّت بالخروج
تقدّمت خطوةً بعد خطوة حتى بلغت أوّل زاوية تُطلّ على غرفة الاستقبال، حيث بات بإمكانها رؤية الوجوه بوضوح.
استوقفها مظهر إحدى الفتيات؛ كان في ملامحها ما يشبه شيئًا مألوفًا شيئًا رأته من قبل،وضعت الصينية على منضدة قريبة، وأخذت تُحاول استرجاع ذاكرتها، تبحث بين ملامح تلك الفتاة عن السبب الذي جعل قلبها يخفق فجأة... حتى تذكّرت
"عـــــــــودة للمــــــاضي"
-أوزن يا مدام ،كام كيلو !؟
-أوزني اتنين كيلو
أومأت برأسها بالموافقة ، وحرّكت الميزان بخفة اعتادت عليها من كثرة العمل،وبعد ما أنتهت من الوزن وضعت السمك في الكيس الأسود ومدّت يدها للسيدة ،لكن بالخطأ لمست يدها ،وكأن لمسها كان جريمة هتفت السيدة بصوتٍ عالٍ
-اي يا حيوانة مش تاخدي بالك
تجمّدت موج لثانية، كأن الصوت ضربها في صدرها رمشت ببطء، ثم رفعت رأسها وحدقت بالسيدة اشتعل الغضب في عينيها وهي تقول
-حيوانة!!؟؟؟ أنتِ فكراني جربة ولا ايه
ردت السيدة بكُل تعالٍ وضجر
-ايدك كلها في السمك وجايه تلمسي ايدي ،أنتِ فاكره نفسك اي ،متسويش تكوني خدامة عندي .
ضغطت شفتيها بقوة، ثم أمسكت الإناء بيد، وباليد الأخرى قبضت بقوة على ياقة ملابس السيدة، مما جعلها تتسمر في مكانها بصدمة،اقتربت منها وقالت موج بحدّة
-خدامة !!!؟ أنا أنضف منك ومن عالم زي مش عشرة زيك ،ساامعة
ثم دفعتها بقوة فتراجعت السيدة عدة خطوات ،وقالت موج بإشمئزاز
-يلا مببعش سمك نضيف لناس زبالة .
وساد الصمت للحظة قبل أن يعود السوق يضجّ من جديد.
"عـــودة للحــــاضـــر"
أمسكت الصنية مرة ثانية وتقدمت بخطوات هادئة حتى وقفت أمامهم وقالت
-السلام عليكم ،منورين
ابتسموا لها ابتسامه واسعه ووقف نوح بجانبها يُقدمها لهم وقال
-اقدملكم مدام موج الباشا مراتي .
ابتسمت موج له برقة، ثم التفتت نحو السيدة التي تُشبه عليها هي الأخرى، لكن وجهها تغيّر فجأة، وصوتها خرج حادًا وقاطعًا
-برّه .
سادت الدهشة المكان؛ السيدة تجمّدت، والوجوه حولها اتّسعت من المفاجأة حتى نوح نفسه هتف بارتباك وحرج
-موج في اي يا حبيبتي ؟!
لكن موج لم تغير نبرتها، ورفعت إبهامها تشير نحو الباب وهي تكرر بوضوح
-برّا؟؟؟ أظن سمعتي كويس صح ؟
ثم أكملت دون أن تترك فرصة لأحد ليتكلم، بصوت مليء بالقوة والقهر المكبوت
وقبل اي سؤال أول دفاع أول حتى ظُلم ، الأستاذة دي ،جت أشترت مني سمك اه يا جماعة أنا كُنت ببيع سمك فاكره صح ولمست ايدك بالغلط غصب عني قولتلي يا حيوانة، وكمان قولتلي إني مستهلش حتى اشتغل عندك خدامه صح؟؟؟
سكتت لحظة، تنظر مباشرة في عيني السيدة، ثم قالت بحدة وكرامة عالية
-أنا بقولك بقا أنتِ مينفعش تدخلي بيتي أنا مبدخلش اي حد يلا براااا
تجمّدت السيدة في مكانها، نظراتها تهتزّ بين موج وبين نوح، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
حاولت تبرّر، تفتح فمها لتقول أي شيء ينقذ ما تبقى من هيبتها، لكن الكلمات خذلتها وقالت
-أنا.... أنا ،،، يا أستاذ نوح
لكن موج رفعت يدها لتوقفها، دون حتى أن تنظر إليها
-مفيش أنا ... الباب من هنا
التفتت الأنظار إلى نوح؛ كان بين صدمتين صدمته من وقاحة السيدة ومن فعلها مع موج قبل سابق ،وصدمته الأكبر من قوة زوجته وحديثها لا يصح ما تفعله لكن لن يُقلل منها أمام الضيوف ،مرّر يده على شعره بتوتر، ثم اقترب خطوة من موج وهمس لها بقلق
-ممكن تعدي علشان الناس قاعدة .
التفتت له موج، وملامحها لينة له وحده، لكنها ثابتة أمام الجميع
-لا اللي يهني بره بيتي مينفعش يدخل بيتي
تحركت السيدة بخطوات ثقيلة، تحمل معها كل الغرور الذي انهار للتوّ.
وحتى وهي تقترب من الباب، لم تستطع منع نفسها من الالتفات،نظرت إلى موج نظرة حقد مكتوم... لكن موج لم تعطها قيمة، اكتفت بالنظر لها نظرة هادئة، ثابتة، نظرة شخص يعرف قيمته.
ما إن أغلقت الباب خلفها ،ابتسمت موج ابتسامه واسعه وقالت بخجل شديد
-أنا بعتذر ليكم جميعًا على الموقف دا مكنش ينفع يحصل كده في أول يوم أول مكنش يصح يحصل كده نهائي لكن مبحبش حد يقلل من قمتي ،بمعنى اصح اللي يصوني اصونه واللي يهني اهينه .
ثم استطردت
-ممكن تبدأوا الكورس براحتكم خالص ،عن إذنكم.
غادرت لتتركهم على راحتهم .
*********
لا ندري إن كانت هذه نهاية حديث ،أم بدايه ...
لكننا اليوم سنضع النقاط على الحروف اليوم ،سوف تشهد السماء على ما يدور فى أرضها ،لا نعلم من سيموت ومن سيظل ،لكن الحق سوف ينتصر حتى ولو بعد قرن وأكثر .
خيوط تتشابك واليوم سيكون خيط صحيح من أوله لأخره ،سوف ينبض قلب مات وهى حي ،اليوم البداية وليست النهاية.
وقف أمام المراه يُصفف خُصلاته بعدما قام بحلق لحيته،وبعد الإنتهاء اتجه للخزانة ،كان يوم خزنة صغيرة خلف الملابس قام بوضع الرقم السري لا يعرفه أحدًا سواه، أطلقت الخزنة صوت يدل على تأكيد الرقم .
فتحها كان يوجد بعض الأوراق وعُلبة قطيفة سوداء أخرجها وقام يفتحها ،أخرج سلاحه الشخصي ضمه إلى صدره كأنه يَضُم عزيز له ثم قام بوضعه في جنبه الأيسر ،وارتدى كنزته البيضاء وعليها سترة سوداء .
أهتز هاتفه على المنضدة وأنارت الشاشة الصغيرة وظهر أسم سُليمان ،شد فكه في حركة بالكاد تلحظ،غضب هادئ لكن مُثير ،سحب نفسًا عميقًا ،زفيره أطول قليلًا من المُعتاد ،ثم امتدّت يده يلتقط الهاتف وضغط على رز الرد ،وقال
-الو
جاءه الرد من سُليمان قائلًا
-فينك يا مُعتصم ؟؟ كُلنا جاهزين،ورامي كمان في المينا ،يلا عاوزين نخلص والحاجة تدخل
-حاضر يا سليمان أنا نازل من البيت اهو ،كُل حاجة تمام عندك ؟؟
-ايوه تمام،ورامي خد باقي فلوسه كمان مرضيش ياخد بعد ما البضاعة تدخل البلد .
رد وهو يُشعل لفافته
-ما أنت عارف رامي يا سليمان يحب ياخد حقه بسرعة
- طيب يلا .
-حاضر.
*******
-طيب خلّونا نبدأ مع بعض خطوة بخطوة،قدامي هنا المانيكان اللي هنشتغل عليه طول الكورس،أنا مش بس هوريكم إزاي نرسم أو نقص لأ!!
المهم إزاي نفهم الجسم، إزاي نقرأ الخطوط، وإزاي نخلق تصميم يعيش ويتنفّس فاهمين ؟؟؟
هز رأسهم جميعًا وجميعهم ينظروا لنوح بكُل إهتمام ،ثم استطرد في تكميل حديثه
-أول حاجة ببص عليها خط الكتف هو ده اللي بيحدد توازن القطعة كلها بعدها بننزل على الخصر لاحظوا إن أي تعديل بسيط هنا ممكن يغيّر شكل التصميم بالكامل بالضيق أول التوسيع .
توقف دقيقة ليرتشف من فنجانه وأكمل حديثه
-وأنا شغال هتلاقوني دايمًا بلمس القماش، بسمع صوته لأني بصدق إن القماش لو اتفهم صح، هيقولك هو عايز يتقص إزاي،مش مُجرد إننا نمسك قماشه ونقص لان احنا بنصمم الأول إيدك وهى بتمشى بالقلم بتحس إن قلبك هو اللي بيشتغل مش إيدك ،التصميم الحاجة الوحيدة اللي بتشتغل وبتستمتع كمان .
ثم مرر يده على أحد التصاميم بخفة ،بحركة واثقة توضح بداية المرحلة القادمة،وقال لنبرة ثابتة
-وده كان الأساس دلوقتي هنكمل الشرح خطوة خطوة، وكل جزء هتلاقوه أوضح لما نشتغل بإيدينا.
بدأ يتحرك بينهم وهو يشرح ويوضح النقاط المُهمة ،والعين عليه.
وعين واحدة تقف في نهاية المكان عين موج تنظر له بكُل حب وفخر ،نظرات هادئة بداخلها حُب .
شعر نوح بالنظرة ،فاكتفى بإنه يُكمّل كلامه ويبتسم في صمت .
********
-كده خمسة كيلو سكر ،زيهم مكرونة،وكام فرخة على دكر بط مع الديك الرومي وكمان هعدي على المحل اجيب البيض والجبن والحلويات من عند الحلواني وكده حلو أوي
ثم واصلت الحديث وهى تُفكر
-اجيب ايه تاني يا عبدالعظيم .
كان عبدالعظيم يجلس ويمسك في يده الجرنال الورقي،خلع نظارة الطبية وقال
-كفاية يا وفاء ،دا خزين شهر مش زيارة وبعدين أفرض ملقتيش مكان تحطي كُل دا .
قالت بحيرة شديدة
-معرفش يا عبدالعظيم،بس دي أول مرة أروح لابني عاوزك أخد زيارة تشرف كده .
ضرب كف على كف وهو يقول
-يا وفاء تشرفي اي هى مراته ليها أهل ولا احنا لينا حد ،كفاية اللي جبته ويلا علشان تلحقي بقا دا المغرب بيأذن .
-حاضر
تابعت حديثها بصوتٍ عالٍ
-يلا يا نوح علشان نروح لخالو
مدّ عبدالعظيم يده في جيبه بخفه ،كانه يبحث من شيء ضائع ،وما إن لامست يده ما يُريد ،حتى سحب يده ببطء فإذا به يُخرج رُزمة كبيرة من النقود وضعهم في يدها وقال
-ايدي دول لموج في اديها قوللها النقطه من عمك،متأخرة شوية بس أنا قولت اسبهم براحتهم بدل ما نروح بدري .
نظرت له وفاء بدهشة من كثرة المال وقالت
-كتير أوي يا عبدالعظيم دول
رد بكُل حزن والم
-دي أقل حاجة ،احنا مدناش حاجة خالص يا وفاء
ردّت بهدوء
-حاضر
*************
مرت الساعات وأصبحت الساعة الحادي عشر قبل مُنتصف الليل .
غادرت والدة نوح بعد قضاء الكثير من الوقت معًا ،وعناد نوح وموج في عدم أخذ المال من وفاء لكن اقنعتهم وفاء إنها ليست مُساعدة بل هدية الزفاف .
-اتبسط انهارده ؟؟
كان سؤالًا طرحته موج على نوح في نهاية اليوم وهى تضع الأشياء في المُبرد .
أجاب بكُل صراحة
-جدًا يا موج ،أنتِ مش مُتخيلة أنا بكون فرحان قد اي وأنا ماسك قلم ،القلم دا حياتي .
-يارب تكون فرحان على طول يا نوح
-يارب ،على فكرة حجزتك في أكاديمية كويسة أوي تاخدي الكورس اللي أنتِ عاوزة
ردت
-ليه يا نوح ،أنا صرفت نظر أصلًا وبعدين أحنا عاوزين نجمع فلوس مش نصرفها
رد بكُل حكمة
-يا حبيبتي الفلوس دلوقتي ملهاش قيمة نهائي المهم نستثمر الفلوس في المكان الصح ،الفلوس عادية ورق وبس لكن الأستثمار دا أهم
همت بالحديث لكن قاطعهم صوت جرس الباب ،قوس حاجبيه دلالة على الغرابة وقال
-مين جاي دلوقتي ؟ طلبتي حاجه من اي محل ؟
رفعت منكبيها وهى ترفض ،اوما لها واتجه إلى الخارج وهى تقف على بُعد عدة خطوات،فتح الباب وجد أحمد يقول
-نوح بيه الحقنا مُعتصم باشا في المستشفى اضرب عليه نار..............
الفصل التاسع والعشرون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندا الشرقاوي
نوح بيه الحقنا مُعتصم باشا في المستشفى اضرب عليه نار
تجمّد نوح مكانه، وكأن الزمن وقف للحظة ،عيونه اتسعت، وملامحه تتحد بين ذهول وخوف حاول يستوعب الحديث، لكن قلبه سبق عقله، يدق بسرعة كأنها بتدفعه إنه يتحرك قبل ما يفهم
شعر بحرارة شديدة في صدرهُ، خليط بين القلق والصدمة مع الغضب من نفسه انه كان بمفرده ،صوت أحمد يُردد في اذنه كصدى صوت .
سأل بصوتٍ منبوح يكاد يُخرج من حلقه
-امتى؟وإزاي؟؟ حالته ايه طيب؟؟
كان أحمد يلقط انفاسه بصعوبة وهو يضع يده على صدره ،ثم قال
-كان في تسليم بضاعة انهارده بين مُعتصم بيه وسليمان بيه
وقع الخبر بصدمة أكبر على نوح ، وكأن الكلمات تذبحه بسكين تلم بارد الحواف ،وهو يظن أن مُعتصم له يد في تلك العمليات المشبوهة .
جاءت موج من الخلف وهى تقفل ردائها الشتوي بإحكام ،وقالت وهى تمسك بذراعه
-نوح ؟؟ صدمتك دلوقتي ملهاش لازمه لازم تلحقه يلا ؟؟ مُعتصم محتاجك دلوقتي .
هز رأسه لها عدة مرات وأخد مفاتيحه وخرج وخلفه أحمد ،لم ينتظر المصعد كان يهبط على الدرج كُل درجتين في خطوة واحدة .
******************
في مُستشفى الألماني بالأسكندرية .....
داخل غُرفة العمليات ....
كانت الإضاءه البيضاء الساطعة تسقط عموديًا على الفراش الذي يتوسط الغُرفة وجميع الأطراف الأخرى مُظلمة .
رائحة المُطهرات القوية تملئ المكان ، أجهزة منتشرة حول الفراش ،ألوان شاشاتها المتوهجة تتحرك بنبضات ثابتة
شاشة للمؤشرات الحيوية تعرض خطوطًا خضراء ترتفع وتهبط بإيقاع منتظم ،جهاز تنفس آلي يصدر صوتٍ خافتًا مع كُل نبضة هواء يرسلها .
المُعدات المعدنية تُضع على التربيزة صغيرة تتحرك بسهولة .
ينام مُعتصم على الفراش بلا حيلة ،جسد ساكن كأنت غائب في عالم آخر ،لا يشعر بمن حولة .
همسات الأطباء حوله،احتكاك القفازات،صوت الأجهزة ،كُل شيء يوحي بأن كُل ثانية في غاية الأهمية .
فوق رأس مُعتصم كانت تقف أحدهم تضع قناع التنفس لتوصيل الأكسجين.
الحركة محسوبة لكن الدقة كانت المسيطرة على الموقف ،كان الطبيب يقف بحذر بجانب زراعه الأيمن ،كُل التركيز على كتفه لأن الرصاصة قريبة من عظمة الترقوة ،حرك الطبيب الملقط ببطء داخل عظمه ،الزمن أصبح أبطء ،ثواني معدودة وخرج الملقط يمسك بالرصاصة ،تنهد الجميع براحة عند هذه اللحظة .
^^^^^^^^^^^^^^
مر الوقت ببطئ كانك تقف بجانب لوحًا من الثلج الصلب تنتظره يذوب هكذا يمُر الوقت ...
يقف نوح أمام الغرفة ينتظر بفارغ الصبر لا يعرف حالته ،لكن يدعي من كُل قلبه أن يكون بخير وغير ذلك لا يُهم .
سمع خطوات سريعة بإتجاهُ ،رفع نظره إلى الصوت وجد ليلى وموج قادمين إليه والقلق يظهر عليهم .
اقتربت ليلى تمسح بذراعه وتقول باستعطاف
-مُعتصم يا نوح ؟؟ مُعتصم فين ؟ضربوه بالنار
رتب نوح على كفيها وهو يُحاول تهدئتها وقال
-أهدي يا ليلى أنا قاعد معرفش حاجة ،لسه الدكتور مطلعش
ثم استطرد وهو يُحاول أنها تجلس على أحد المقاعد
-أقعد بس وارتاحي وخير يا ليلى خير
كان القلق يتسلل إلى قلب ليلى كغصنِ جافّ يرتطم بصدرك بقوة ،يشتد بها الزعر كُلما فكرت في احتمالية فُقدانه ،لا تمتلك شيء سوا أن ترفع يدها تدعي ربها، وأن يطمئن قلبها برؤيته ....
وقفت موج كجدار يحمي نوح من الانهيار ،تسنده كتف بكتف ،كأنها تخشى أن يفلت من بين يدها .
كان يضغط على معصمها بقوة ظهر فيها عروق يده .
وقفت تُتمتم له ببعض الكلمات المعبرة " متخافش، هيكون كويس"......"اطمن.."
ثوانٍ وجاء الطبيب من بعيد ،اعتدل نوح عن الحائط وسال بكُل لهفه وخوف
-طمني يا دكتور ،هو كويس صح، عايش؟؟
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة وقال
-اطمئن عدينا مرحلة الخطر الحمد لله وهو دلوقتي نقلوه الغرفة بتاعته ،وحالته مستقره،بس حابب اقولك إن الجرح هياخد وقت شوية علشان يلمّ،لإن زي ما أنت عارف مريض السكر بيكون عنده التئام الجروح أبطأ من الطبيعي الإصابة كانت في الكتف اليمين،قريب من عظمة الترقوة،واشتغلنا كويس والحمد لله الأمور مستقرة ،المهم دلوقتي إننا نتابع حالته والجرح أول بأول والف سلامة عليه .
أثناء حديث الطبيب وجد الشرطة تأتي من بعيد ،اقترب رجل ومعه اثنان ،وقفت ليلى ثم وقفت بجانب نوح وهى تهمس له
-هما هيخدو مُعتصم يا نوح .
رتب على كفيها وقال بنفس نبرة الصوت
-اقعدي مكانك وأهدي .
ثم اتجهه إليهم وقبل الحديث كان الضابط يُحدث الطبيب وقال الطبيب نفس الحديث .
وعلم أن مُعتصم سوا يفيق من أثر المُخدر بعد ساعة .
كان يقف نوح كانه يقف على جمر ،قلق للغاية ،لكن لم يصبر اتجه ناحيه الضابط وقال وهو يُقدم نفسه
-نوح الباشا صاحب شركات الباشا جروب للتصميم،صاحب مُعتصم
صافحه الضابط بكُل احترام وقال بصوتٍ حازم
-أهلاً بيك يا نوح بيه.
قبل ما تتكلم أو تسأل، أنا عارف كويس حضرتك ناوي تقول إيه بس لازم أوضحلك إن مُعتصم اتقبض عليه متلبّس في العملية أثناء تهريب مواد مخدّرة،وكمان سليمان اعترف عليه فور وصوله للقسم ومتنساش إن سليمان مش مصري يعني أجنبي، وده يسهّل خروجه من القضية ويتلبّس الاتهام لمعتصم،فنصيحتي ليك شوف محامي كويس ،غير كده هتتعب نفسك من غير فايدة، لأن التهمة ثابتة عليه.
أومأ له نوح شاكرًا بنبرة متماسكة، ثم التفت وغادر ما إن ابتعد قليلًا حتى عاد ليقف بجانب البنات ،واضعًا يده على كتف ليلى مطمئنًا إياها وهو يقول بصوت منخفض لكن حاسم
-ما تقلقيش... أنا مش هقف ساكت هبدأ أكلم كل الناس اللي أعرفهم، وهستعين بأكتر من محامي،اللي حصل لمعتصم مش هيعدّي كده، وهعمل اللي أقدر عليه لحد آخر نفس،أنا واثق إن معتصم ميعملش كده ،العيش والملح ميهونش غير على ولاد الحر*ام ومحدش فينا ابن حر*ام .
أخرج نوح هاتفه من جيب معطفه بملامح ثابتة تُخفي ما يعتمل داخله من قلق، ثم ابتعد خطوة عنهم كي لا يرهقهما بما سيقوم ويسمع . رفع الهاتف إلى أذنه وبدأ يتحدث بنبرة رسمية واضحة ،مع أكثر من مُحاميِ ويقص ما يعرفه من معلومات ،ويقول أنه يريدهم في الوقت الحال في ظرف ساعة وسوف يدفع كل ما يريده .
^^^^^^^^^^^^^
بعد مرور ساعة …..
قامت الممرضة تبليغهم بأن مُعتصم فاق من أثر المُخدر ،فرح الجميع وبالأخص نوح كانت روحه عادت إليه من جديد،أخبرهم الطبيب أن ينتظروا قليلًا حتى يقوم بالكشف عليه .
مرت الثواني والدقائق …..ثم فتح الباب وأذن لهم بالدخول
دخلت ليلى وموج أولًا .
كان مُعتصم ممدّدًا على الفراش، شاحب الوجه، أنفاسه هادئة لكنها مُرهَقة، وكأنه ينام بعد معركة طويلة
وقفت ليلى عند طرف السرير، تبلع ريقها بصعوبة،أول ما لفت نظرها هى ضمادة سميكة تلتف حول كتفه الأيمن ، تحيط بها آثار احمرار وكأن النار ما زالت تتشبث بجلده.
المحلول بجوار الفراش يُقطر قطرات بسيطه تسير في الأنبوبة الطوية لتستقر في جسده ،كان يوجد أيضًا بعض الكدمات .
اقتربت موج ببطء، تنظر للأسلاك المتصلة بصدره وذراعه…
يظهر ضعيفًا رغم كل القوة التي تعرفها عنه.
لكن حتى بهذا الضعف… كان يبدو كمن انتصر على النار.
-نوح…..نووح…عاوز ..نوح!!!
كانت هذه كلماته من وقت الإفاقة ،خرجت موج سريعًا وجدت نوح يقف أمام الباب ،عبراته مُتحجرة داخل عينه،يُقدم خطوة ويؤخر خطوة .
-نوح ،ادخل واقف ليه ؟ مُعتصم عاوزك ؟
هتف بكُل حُزن
-قلبي بيقولي إنه معملش حاجة لكن العقل يوزن برده ،كل الدلائل ضده .
-ادخل يانوح ،نفهم منه كُل حاجة هو عاوزك .
دلف نوح وخلفه موج ،خطواته متردده كأنه يدخل على جرح يخشى فتحه وليس باب ،ما إن اقترب حتى تلاقت العيون حزينة ،صامته ،ثقيله كان مُعتصم ينظر إليه بحزن شديد،كان الأخر ينظر بعتاب واشتياق ، وكأن كُل الكلام العالق بينهم يتكدّس في صدورهم ولا يجد طريقه للخروج ،حاول مُعتصم يرفع يده السليمة لنوح ،مد نوح يده له على الفور وأغلق مُعتصم على يده بكُل قوته .
نوح شعر بالحرارة الخفيفة في يد مُعتصم، حرارة تعب… وحرارة خوف،
صوته اختنق، لكنه تمكّن بصعوبة أن يقول
-حمد لله على السلامة .
ابتسم مُعتصم ابتسامه باهته وقال
-الله يسلمك،جيت ليه يا نوح؟ وأنت عارف إني مذنب؟
هدر نوح به بكُل ما في صدره من حديث يولمه
-جاي اتأكد وعندي يقين إنك معملتش كده ،قولي يا معتصم إنك معملتش كده إنه كابووس قول يا معتصم إنك محطتش إيدك في ايد عدوي علشان تدمر جيل كامل .
كانت عيناه ترتجف، وصوته يخون قوّته، وكأن كل ما دفنه لوقت طويل خرج دفعة واحدة
معتصم لم يستطع رفع رأسه، أخذ نفسًا مُنهكًا ثم قال
-ليلى البوليس بره ،خليه يدخل .
خرجت ليلى صامته تُبلغهم أنه فاق ويُمكنهم الدخول،دلفوا جميعًا وجلس الجميع وبدأ مُعتصم في أخذ نفس عميقًا وقال
-عارف إن المفروض تقبضوا عليا
هتف الضابط قائلًا
-معتصم يوسف ،قدامك محضر رسمي بتوجهه التهمه إليك،ايه ردك على كُل ما هو منسوب إليك إنك شاركت سليمان بن سالم في إدخال ونخل مواد مُخدرة داخل البلد؟ وإنك على علم بالعمليه وشريك فيها بأمضتك على كُل الأوراق وساهمت بشركت نوح الباشا سابقًا …
سكت الضابط لحظة، يراقب ملامح معتصم المتعبة، ثم أكمل بصرامة
-عاوز اسم أقوالك بكُل وضوح وبدون لف ولا دوان وخلي بالك إن كان المفروض التحقيق يكون في القيم لكن علشان ظروفك الصحية وهتخرج من هنا على القسم .
أخذ نفس عميق وقال
-دلوقتي أقدر اتكلم .
أومآ لو برأسه دلالة على الموافقة .
بدا مُعتصم بالحديث وقال
-الحكاية بدأت لما نقلت كل أملاك نوح بأسمي بس أنا هحكي من الأول .
"عـــــودة للمــــاضــــي"
في أحد الأيام ….
وجد مُعتصم أحد العملاء يخرج من مكتب نوح وهو يلتفت حوله كأنه فعل جريمة ،فتقدم منه وقال
-خير يا صبري في حاجة .
هتف بكُل توتر
-هاا لا ابدا يا مُعتصم بيه دا كان الباشا بيمضي علم شوية ورق ،استاذن أنا
اقترب مُعتصم وقال وهو يرتب على كتفه
-لا تستأذن على فين وريني الورق كده ابص بصه هو دا ورق المكن الجديد
بلع صبري ريقه بصعوبه وقال
-ماتتعبش نفسك يا مُعتصم بيه أنا خلصت الدنيا
امسك مُعتصم الملف وشده بكُل قوة وهو يقول
-ايه مالك متبت عليه كده ليه فستان أمك وأنا معرفش ولا اي .
أخذ الملف وضعه على الطاولة وبدأ يلقي نظرة على كُل ورقه ،حتى وقعت بيده ورقة عقد تنازل عن كُل ممتلكات نوح الباشا إلى سليمان بن سالم .
رفع الورقه أمام عينه ودهش أكثر عندما وجد توقيع نوح على الورق ،كان سوف يكون طعم في شيباك سليمان ،قام بتقطيع الورقه إلى مئة قطعة حتى تأكد أن لا يوجد كلمة ترتبط بالأخرى
ثم التف لصبري الذي يصب عرقًا من جميع انحاء جسده ويتمنى الأرض تنشق وتبتلعه ،وضع يده على عنقه وكان الأخر يشعر بالأختناق وأن نفسه ينسحب منه
رفع الورقة أمام عينيه، وما إن وقع بصره على التوقيع في أسفلها حتى اتّسعت حدقتاه بدهشة أكبر وهو توقيع نوح
تجمّد لثانية، وكأن الهواء انقطع من حوله،لو كانت الورقة قد وصلَت لسليمان لكان نوح الآن مجرّد طُعم في شِباكه.
لم يتردّد لحظة مزّق الورقة بعنف قطعة بعد أخرى، حتى تحوّلت بين يديه إلى ما مائة قطعة صغيرة لا يمكن تجميعها أو فهم حرف واحد منها،ألقى بقاياها على الطاولة، متنفسًا غضبًا مكتومًا.
ثم استدار نحو صبري كان الرجل يصب عرقًا من كل موضع في جسده، كتفاه ترتجفان، وعيونه تبحث عن أي مهرب، كأن الأرض لو انشقّت للحظة كان سيقفز إليها دون تفكير.
اقترب منه ببطء ووضع يده على عنقه.
لم يضغط لكن مجرد اللمسة كانت كافية ليشعر صبري وكأن الأكسجين ينسحب من رئتيه وكأن قبضته على الحياة بدأت تتراخى حلقه ينقبض وأنفاسه تتقطع.
حاول الحديث وكان وجهه أحمر من ضغط مُعتصم الذي يزداد بالتدريج لكن سبقه معتصم قائلًا
-هطلع بروحك دلوقتي يا ابن *** ،بتستغفل الراجل اللي فاتحلك بيتك وبتطعنه في ضهره ، دا أنا هدفنك مكانك
هتف بصوت متقطع
-يا معتص…معتصم …بيه طب …. سبني وأنا اقولك
تركه معتصم ،وقع صبري أرضًا وظل يسعل بقوة من شدة الألم وقال بخوف
-أنا عملت …كده علشان خايف ..عليه
-خايف عليه من اي يا ***
-اسمعني يابيه ،يا اسلم الورقة يا رقبة نوح باشا قصدها وأنا خوفت على الباشا ،وأنا راجل معنديش ضهر أنا عندي عيال
-هتقبل عليهم الحرام ،قوم أمشي يا صبري واللي حصل دا محدش يعرفه ولا الجن الأزرق ،وقول لسليمان إنك لسه معرفتش تمضي نوح
أومآ له صبري وفر هاربًا من أمامه وقف معتصم يسبهم جميعًا وقال
-ماشي يا نوح … الحب عمااك لازم تفوق علشان هتغرق
"عـــودة للــــحاضــــر "
-ودا كان أول الحديث يا حضرة الظابط
كان نوح يستمع والصدمة تحتله ،كان ينظر إليه بصمت .
هتف الضابط
-كمل يا معتصم،لأن لسه احنا مدخلناش في الموضوع
-حاضر ،بعد كده حصل اللي حصل حولت كُل حاجة من اسم نوح لأسمي بتوكيل من نوح كان عامله ليا .
وبعدين سليمان عرف ولما عرف
"عــــودة للمــــاضـــي"
رن هاتفه، وكان المُتصل سليمان رفع معتصم الهاتف، وبمجرد ما قرأ الاسم على الشاشة، ابتسم ابتسامة واسعه صوته كان عالي وهو يضحك وقال
— كنت حاسس.
ضحكته استمرت وهو يحس بشعور غريب بين المفاجأة والارتياح، وكأن كل شيء صار متوقع رغم أنه لم يكن متأكد،لكن الهدف الأن في مرماه.
فتح الخط وقال
-الو
جاءه الرد بهدوء مألوف
-إزيك يا معتصم
رد معتصم وكأنه لا يعلم من المُتصل، وهو يلوّح بعصبية طفيفة على الهاتف
-مين؟
ضحك الصوت الآخر ساخرًا
-مش عارف صوتي؟
رد معتصم بحدة مع لمسة من المزاح
-ليه خطبتي وأنا معرفش؟؟ مين؟
ابتسم الصوت من الطرف الآخر قبل أن يعلن هويته
-أنا سليمان
اهتف معتصم بتعجب وفضول
-ليه اصطبح بيك يا سليمان؟ خير؟
رد سليمان بسرعة، وكأن لديه خطة جاهزة
-شغل، وقبل الاعتراض متحسسنيش إنك ماشي بالحلال اي رأيك ننضم لبعض ونشغل ونعمل الشغل اللي كان نوح رفضه؟
تردد معتصم لثانية، لكنه سرعان ما قرر
-موافق، بس النسبة ففتي ففتي.
ضحك سليمان
-أنت عاوز النص؟
أجاب معتصم بحزم وجرأة
-جدع، نص التورتايه.
وبينما أنهوا المكالمة، جلس معتصم على أريكته، يشعر بمزيج من الحماس والخطر، وكأن الباب إلى عالم جديد قد فتح للتو أمامه، سوف تكون جهنم.
الفصل الثلاثون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندا الشرقاوي
ضحك سليمان
-أنت عاوز النص؟
أجاب معتصم بحزم وجرأة
-جدع، نص التورتايه.
وبينما أنهوا المكالمة، جلس معتصم على أريكته، يشعر بمزيج من الحماس والخطر، وكأن الباب إلى عالم جديد قد فتح للتو أمامه، سوف تكون جهنم......
" عـــودة للحــــاضــــر "
-ووافقت أشتغل معاه ،وهو طبعًا كان مصمم إن رامي هو اللي يدخل الشحنة مصر لأنه الوحيد اللي يقدر على كده
علشان كده ...
كان نوح ينظر إليه بكُل دقة لم يرمش له ومش أو جفن ،ليلى الفرحة تغمرها وهيا تستمع والحقيقة تظهر رويدًا رويدًا ،موج تلقي نظره على نوح ثم معتصم ،ترى السعادة في عين نوح ليس من أجل المال بل من أجل صديقه الذي لم يخونه لم تظهر الحقيقة إلى الأن لكن الخيط الأول ظهر .
-كمل يا معتصم أنت لحد الأن مدخلتش في القضية .
أخذ نفس عميقًا كأنه يملأ صدره بالهواء دفعة واحدة،ثم اطلقه ببطئ شديد،كانت لحظة ثقيلة لكن سوف تظهر الحقيقة وينعم هو بالراحة ، وقال بصوت ثابت
"عــــودة للحــــاضـــر"
في ....
Brazilian coffee stores
وكان من أشهر الكافيهات في اسكندرية ،قديمًا كان مقهى متوسط لكن مع مرور السنين توسع وأشتهر أكثر،ديكور هادئ وقديم وتقليدي إلى حد ما لكن له رائحة خاصة ،وأثريات قديمة جميلة تعطي للمكان نكهة خاصة .
كان يجلس مُعتصم يضع قدم فوق الآخرى ،يحتسي قهوته ،أمامه رامي شارد تمامًا ،يلعب بالمعلقه في كوب الشاي .
هتف مُعتصم بعدما وضع الفنجان على الطاولة
-ايه اللي محيرك بس يا رامي،الحوار سهل صدقني،ولو في ضرر ليك مش هقولك عليه .
بدأ رامي يطرقع أصابعه وهو مازال شارد، غارقًا في أفكاره ،لكن فاق على نبرة مُعتصم وقال
-يا معتصم أنا امضتي على الورق إني أنا شريك في دخول الشحنة .
-افهم يا رامي ،في الأجتماع أنت هتدايق وتنفعل إن إزاي نوح مش موجود ،وأنا هفضل أقنع فيك بس أنت هترفض وهتمشي ،بعد كد أنا هقرل لسليمان إنك وافق ومضيت والورق معايا وبكده سليمان هيطمن ويبدا يقول على معاد الشحنة وأنت هتبقى موجود .
-ماشي يا معتصم همشي وراك وربنا يستر ونشوف اخرتها ايه
ضحك مُعتصم وقال
-اخرتها لوز اللوز وكاجو كمان .
"عـــــودة للحاضـــر"
-ودا كان اتفاقي مع رامي ،وهو اللي بلغ البوليس،وأظن كل الأوراق ملقتوش حاجه تخص رامي ،بعتذر على الإطالة بس دي حكاية سنين كان بيحاول سليمان يعملها ،وانهارده كانت نهاية الحكاية .
"عاد إلى ذكرياته منذ ٩ ساعات"
الميناء مكتظة بالحركة؛ رجال كثيرون يتنقلون بين البواخر والسفن، كل منهم يحمل شيئًا أو يراقب تحميل البضائع.
البضائع متناثرة على الأرصفة، صناديق كبيرة أصوات الحبال تصطدم بالسفن، وعجلات العربات تدور على الرصيف، بينما الصيادون والعمال يصرخون لإعطاء أوامر، والأجواء تعج بالحركة والنشاط.
البحر يلمع بجوار السفن، والرياح تحمل رائحة الملح والبضائع.
يقف سليمان يضع أحد لفائفه بين شفتاه يُراقب الجو جيدًا ،ينظر إلى كُل ركن يُحاول أن يطمئن،لأن يشعر بالخيانة لكن يردد أن مُعتصم غبيًا لا يغدر به .
ثانية.....
الثانية ........
الثالثة...........
صوت صفارات الإنذار يعلو فجأه في الميناء،أضواء حمراء تخرج من أعلى السيارات، والرجال يصرخون ويحاولون الاحتماء بين الصناديق والسفن وكل منهم يُخرج سلاحهُ.
لم يكن هناك وقت للتفكير، أصوات الطلقات تتصاعد، النار تتبادل بين الطرفين.
اختبئ سليمان خلف أحد العمدان ومعتصم هكذا ،صاح سليمان وهو يصوب على رجال الشرطه
-بتغدر بيااا يا معتصم ، مش هقع لوحدي.... سااااامع
كان معتصم يُحاول تلاشي الطلقات وهو يقول بكل غضب
-مش أنا اللي أخون العيش والملح يا ق*ذر
دوّى الرصاص في أرجاء المكان، وارتدّ صداه بين الأعمدة الحجرية، فاختلط الدخان بالغبار وضاق النفس في الصدور.
قهقه سليمان قهقهة قصيرة جافة، ثم قال وهو يخرج نصف جسده من خلف العمود مصوّبًا سلاحه
— لا عملت وسلمتني يا معتصم
أطلق رصاصة أخرى فمرت بمحاذاة معتصم، فارتجف جسده وأدرك أن اللحظة توشك أن تحسم حاول التقدم نحوه، وهو يقول بصوت متقطع:
— عملت واللي يجي على اخويا اكل قلبه حي ،اللي يرشني بالمايه ارشه بالد....
لم يُمهله سليمان فرصة تكميل الحديث تجمّدت ملامحه، واستقرت يده وكأن القرار قد اتُّخذ منذ زمن بعيد ضغط على الزناد بلا تردد.
انطلقت الرصاصة، وأصابت معتصم في كتفه الأيمن فسقط أرضًا، وسلاحه يفلت من يده حدّق في سقف المكان بعينين ذاهلتين، وهمس بصوت خافت:
— أنا ...مش ... خا..ين
حاول سليمان الهروب قبل أن تلقي القبض عليه ،استغل الشباك بين الشرطة ورجاله ،لكن ارتفعت أصوات الشرطة تقترب فتراجع سليمان إلى الظلال، لكن وضع السلاح على رأسه
-سلم نفسك مفيش داعي للهروب .
"الإفاقة من الماضي"
"الأن"
توقف الزمن عند هذه اللحظة ، لا يُهم المال أو الثروات كل ما يُهم نوح أن صديقه لم يطعنه .
الذهول على وجه الجميع ،والنصر والفرح يملئ وجوههم كحبات البذور في سطح الفراولة .
انهى حديثه ،وتحدث الضابط بعملية وقال
-لو الكلام اللي قولته دا يبقى أقدر اطلعك من القضيه شاهد ملك ،هنحتاج إن أنت بعد فترة العلاج تطلع من هنا معانا علشان نقفل القضيه،وهنحتاج الورق اللي بيقول كُل الكلام اللي قولته وطبعًا التوكيل والتسجيلات اللي بينك وبين سليمان وكمان رامي .
رد مُعتصم بكُل جدية
-أنا تحت امركم وكُل حاجة أنا هبلغ نوح بمكانها
-تمام .
غادر كُل من رجال الشُرطة ،وتبقى الأقارب " نوح ،موج،ليلى "
صمت عم على المكان ،حتى إذا وقعت إبرة سوف يستمعوا إلى صوتها ،حاولت موج فك هذا الجو المشحون ،ترى تبادُل النظرات بينهم .
هتفت بمزاج وهى تعدل ياقة قميص نوح
-نوح بيقولك الف سلامة عليك يا مُعتصم ،وانه كان واثق إنك عمرك ما تخونه
قهقة الجميع على حديثها وهى تُحاول التكلم على لسانٍ نوح
وقف نوح ورتب على رأسها قائلًا
-ليا لسان يا مدام ،اقعدي بقا
اقترب من الفراش الذي يمكث عليه مُعتصم ،جلس على طرف الفراش،رتب على كتفه السليم وقال مُبتسمًا
-الف سلامة عليك ياصحبي، وحقك عليا ،مش عارف أقولك ايه ،انقذت حياتي وأنا اللي فكرتك بتخوني،لكن صدقني كان جوايا شعور إن في حاجة غلط .
ابتسم مُعتصم ابتسامة واسعه وقالَ مُمازحًا
-على فكرة بقا أنا تعبت جدًا في الشهر ونص دول يا تعوضني بغدا يا ببطة حلوة كده ترمي ٦٥ كيلو
كان يتحدّث ويُلقي بنظره إلى ليلى ،فارتسمت ابتسامة اعلى وجه نوح لحديثه ،لم يفقد حسّه الفُكاهي حتى وهو مريض .
تمتمت ليلى قائلة
-معرفش هما كانوا بيزغزغوك في العمليات ولا اي
غمز وقال
-ما تيجي وأنا اقولك .
*********
"بعد مرور خمسة عشر يومًا"
خرج مُعتصم من المشفى على خير ،وتوجه مُباشرةً إلى قسم الشرطى لإغلاق ملف القضية.
نقل نوح مقرّ عشّ الزوجية إلى مقره الأصلي في فيلّا "نوح الباشا" ،وقد شدّد مُعتصم عليه انه لم تطأ قدماه إلى الفيلا مُنذ مُغادرتهم منها ، لا لأنه مجرّد صديق، فهما أخوان لا فرق بينهما، بل لأن للمنزل الآن سيّدة، وذلك حفاظًا على حُرمة البيت .
وبإلحاحٍ لطيف، أقنعت موج نوح بشراء الشقّة، لتكون لهما مكانًا آخر يلجآن إليه حين تقتضي الأيام
كما أبلغ نوح الشباب بأن فترة التدريب التي كان يمنحها في المنزل ستُنقل إلى الشركة الأم لنوح الباشا، وأن من يجتازها بنجاح سيكون له نصيب من العمل ضمن الشركة بذات المقابل الذي تقرّر من قبل.
********
كانت تقف أمام المقهى الذي اخبرها به في رسالته النصية ،تتأفف عن تأخره عن موعده ،إلى أن لمحته من بعيد يأتي نحوها ، في يده باقة من الورد الجوري الأحمر ،كان يرتدي بنطال جينز أسود ،وكنزة سوداء برقبه عالية ،و معطفًا أسود زاد هيئته وقارًا وأناقة
وفي لحظة، تبدّلت ملامحها من غضبٍ مكتوم إلى ابتسامةٍ رقيقة
اقترب منها ،وهو يلقي نظره سريعة في ساعته ،ثم قال مُبتسمًا
-عارف اتأخرت نص ساعة ،بس عقبال ما قطفت الورد ،وأنتِ عارفه الورد في شوك ميغركيش حلاوته لكن هو كده الحلو دايما صعب ،وكمان لما طلعته وبعدين لفيته في أحلى بوكيه دا كُله بوقت برده ولا اي يا لي لي .
ابتسمت بخجل حتى أحمرت وجنتها ،أخذت منه الباقة وقالت
-شكلها جميل أوي يا مُعصتم .
-عيونك اللي حلوه.
حمحمت بخجل ،فبادر بفتح باب المقهى ،مُبدلًا مجرى الحديث،أو لعله يُغير المكان .
دلف وقام بأخذ معطفها ليضعه على مقعدها ،وكانت هذا موقف رائع منه، شكرته ثم جلست .
جاء النادل وأخذ طلباتهم ،نظر إليها مُعتصم بحب ،وقال دون مُقدمات
-ليلى،أنتِ عارفة إني بحبك ،متنكريش دا يمكن مقولتهاش قبل كده بس أكيد الحُب مش بكلمة بحبك ،ليلى قبل ما تتكلمي أنا عارف النقطة العالقه بينا ،وهى الديانة ،بس أنتِ عارفة أنه مش حرام أن المُسلم يتجوز مسيحيه ،وأظن دي حاجة متعبكيش صح .
قاطعته قائلة
-لكن في دين الإسلام إن الأولاد يتبعوا دين ابوهم .
-صح ،واظن هما هيتربوا تربيهم سليمة .
ردت بكُل وضوح
-معتصم أنا مش معترضة ،أنت عارف إني بحب الأسلام وقرأت فيه كتير ،وموج كلمتني فيه برده .
-بس أنا موافقة على الجواز يا مُعتصم .
ما إن نطقت بموافقتها، حتى تجمّد معتصم لوهلة، كأن الكلمات احتاجت وقتًا لتصل إلى قلبه.
ثم اتّسعت عيناه بدهشةٍ لم يُحسن إخفاءها، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة صادقة تشبه فرحة طفل نال أمنيته أخيرًا.
تنفّس بعمق، وكأن ثقلًا كان على صدره فانزاح دفعةً واحدة ولمعت عيناه بامتنان دافئ.
مرّر يده على وجهه في محاولة فاشلة لاحتواء سعادته، ثم قال بصوتٍ خافت غلبته الرجفة
-بجد؟... يعني موافقة؟
اقترب خطوة، لا يصدق أن اللحظة صارت حقيقة، وقد غمرته طمأنينة لم يعرفها من قبل؛ طمأنينة رجلٍ وجد قلبًا يشاركه الطريق، لا تردّد فيه ولا خوف.
احتضن كفيها بيده وقبلها بكُل حنو ،كانت السعادة هى المسيطرة على الموقف ،كُل منهما يسمع نبضات قلب الأخر .
جاء النادل ليضع القهوة امامهم لكن هز مُعتصم راسه بالرفض وقال
-لا لا… قهوة ايه… نزل شربات ياعم البت رضيت عليا .
كانت نبرة صوته عالية إلى حد ما ،حتى استمع الجميع وضحكوا على حديثه ،ثم استطرد قائلًا
-ونزل شربات للناس العسل دي
***********
"في فيلّا نوح "
كان نوح قد دعا الأسرة بأكملها إلى الغدا ،تجمع الجميع على المائدة وكانت موج هى من تولت مهمة إعداد الطعام.
اقترب نوح من موج وقال
-الله ايه الروايح التُحفة دي بجد
وضعت الصحن من الإناء على المائدة واقتربت تقف بجانبه وقالت
-بجد حلو الأكل
رد عبدالعظيم قائلا
-تسلم ايدك يا بنتي ،تعبناكي معانا والله
-على اي يا عمو حاجة بسيطة والله ،دا البيت نور والله .
هتفت وفاء
-مرات ابني طلعت شاطرة في كُل حاجة ما شاء الله
ردت سما
-طبعًا
رد نوح بغيرة لطيفة ،وقال مبتسمًا
-ايه يا حبايبي المدح اللي شغال دا أنا بس اللي بمدح هنا ،اهي احمرت اهي
هتف سامح
-طب اقعدوا بقا علشان أنا جعان موت
جلسوا جميعًا حول المائدة ، وكان في المكان أجواءٌ من الألفة والمرح.
تعالت الضحكات، وتبادلوا النكات، وكانت الجلسة دافئة كما اعتادوها دائمًا.
أما نوح فكان يميل بين الحين والآخر نحو موج، يهمس لها بكلماتٍ لا يسمعها سواها، فتبتسم بخجل بينما يلاحظ الآخرون ذلك دون تعليق، مكتفين بابتساماتٍ ذات معنى،يدعو ربهم أن يحفظهم ويرزقهم بالذرية الصالحة .
**********
بعد انتهاء اليوم ومغادرة العائلة، أغلق نوح الباب خلفهم، ثم أطلق زفيرًا عميقًا، كأنما يستعدّ لما هو آتٍ الآن.
خلعت موج توكة الشعر التي كانت تجمع خصلاتها، فانفرج شعرها على كتفيها، ثم نزعت الكنزة التي كانت ترتديها، لتبقى بكنزةٍ قطنية خفيفة.
تأففت بضيقٍ مكتوم وتقدّمت خطوة نحوه رافعةً سبابتها أمام وجهه، وقالت بنبرةٍ غاضبة ومهددة في نفس الوقت
-نوح ،مش عاوزة اسمع صوت ولا عاوزه اتخانق ساامع !!
رفع حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة، وعلى شفتيه ابتسامة حاول أن يخفي بها ارتباكه، وقال بهدوءٍ يناقض حدّة الموقف
-مالك كده ما تهدي على نفسك يا موج.
اقتربت لتقبض على كنزته بقوة وقالت
-أنت عاوز تفهمني إني برده غلطانة يا نوح ؟؟ يعني لما ادخل والقي وحده عمالة تعاكس في جوزي يبقا دا اسمه ايه ؟؟؟ هااا
-قولتلك إن محصلش حاجة ،البت اتكعبلت وأنا لحقتها بس كده
-لا دي بتستعبط ،اللي مش قد الكعب ميلبسهوش، يعني أنا شيفاها وأنا قاعده عماله تبصلك واخرتها تتكعبل في حضنك ليه يعني ،نوح أنا مش طايقه البت دي ويا تشوف حد تاني يديهم الكورس يا البنت تمشي
-اهدي علشان كده مش هنوصل لحل وسط خلي بالك وبعدين من امته بتتدخلي في شُغلي يا موج ،سبيني احل المواضيع بطريقتي ،وأعرفي إني عمري ما اعمل حاجة تجرحك على فكرة
-ولا تعمل ،بس ساعتها يا نوح هستعمل طقم السكاكين اللي جوه دا
توقّفت الكلمات في حلقه، وبلع ريقه بصعوبةٍ واضحة فيما اختفت ابتسامته تمامًا لم ينطق بحرف، واكتفى بتتبعها بعينيه.
أما هي، فاستدارت على عقب دون أن تمنحه فرصة للرد، ومضت بخطواتٍ سريعة نحو الدرج تاركةً إيّاه واقفًا في مكانه، يدرك أن العاصفة لم تنتهِ بعد وأن الصمت هذه المرة كان أبلغ من أي دفاع.
ظل يُتابعها إلى أن اختفت تمامًا وانفجر ضاحكًا على غضبها وغيرتها عليه .
*************
في غُرفة تُسمى " الزنزانة "
كان سُليمان يجلس وهو يضع أحد لفائفه بين شفتاه ،أطلق زفرةً امتزجت بالدخان،يحدث نفسه قائلًا
-سوف أخرج من هنا يا نوح ، سوف انتقم منك في زوجتك التي تعشقها حتى تقع على عاتقك .
أخر هااتف صغير من جيبه جاء له في الطعام ،ورن على أحد الأرقام …. بعد ثواني جاء له الرد
- سيدي
رد عليه بجملة واحدة
-قوم بتنفيذ ما قولته في الصباح الباكر .
-أمرك سيدي .
أغلق الهاتف وهو ينظر إلى القضبان العاليه التي تُظهر منها ضوء خفيف
-اقتربت النهاية يا نوح .
***********
أمام الفندق الذي تُقيم به "ليلى" وقفت سيارة مُعتصم أمامه .
نظرت ليلى إلى المقعد الخلفي لتأخذ باقة الورد وكان مُعتصم ينظر إليها باستمتاع.
تذكر شيئا لم يرد إزعاجها لكن يجب أن يتحدث
-ليلى طب واهلك
اجابت سريعًا
-معتصم أنت عارف الموضوع دا بالنسبالي ،بلاش تفتحه تاني أنا مليش اهل تمام ،عاوز تتجوزني كده تمام مش عاوز أنت حر
تنفس بعمق وقال
-بتفهميني غلط ليه يا ليلى،أنا بس بعرفك يمكن تديهم خبر .
-لا يا معتصم اعتبرني لوحدي مليش أهل ،وبعدين أنت فاكر انه سهل إن اتجوزك وهما عارفين معتصم الدنيا هتتقلب عليا يوم ما يعرفوا إني اتجوزت مسلم .
-خلاص يا ليلى مش هنتكلم في الموضوع تاني ،وأنا بكره هقابل نوح في الشركة ،هتيجي ؟
-اه هاجي عندي حاجات هوديها الشركة .
ابتسم لها ابتسامه واسعه وودعها ،وهبطت من السيارة متجه إلى مدخل الفندق ظل امام الفندق إلى أن دلفت ،ثم غادر.
***********
مر اليوم على الجميع بسلام ،منهم من يُفكر في الخير والأخر في الشر ،ومنهم من يُشاكس الأخر والأخر مستمتع بالمشاكسة .
*******
في صباح يوم جديد
كان نوح يقف أمام المراه يقوم بربط رابطه العنق الخاصة به ،يرها تنزعج من الإضاءه العالية ،لكن هو من فعل هذا يشاكسها.
دقيقه وفتح هاتفه ليقوم بتشغيل موسيقى صاخبة،وعالية الصوت وبدأ يدندن معاها .
انزعجت تمامًا حتى بعدت الغطاء عنها ووقفت على الفراش وهى تعبث وقالت
-نوووح أنت فاكر نفسك في الفرح ولا اي احنا سبعة الصبح
رد بكُل برود
-حبيبي اي دا ؟ أنا صحيتك
هتفت بكُل عصبية
-أنت صحيتني وصحيت البلاد المجاورة كمان لو سمحت اقفل الموسيقى دي والنور بقا عاوزه أنام
-لا أصل مزاجي عالي خالص ،عندي كورس .
هبطت عن الفراش واتجهت إليه وهى في ذروة غضبها ، حتى خُيّل له أن النيران توشك أن تشتعل من عينيها واذنيها .
أمسكت ربطة عنقه بقوة، وجذبتها بعنف ثم قامت بفتح أزرار قميصه لتخلعه عنه.
ولم تكتفِ بذلك، بل تناولت مقصًا، وشرعت تقصّ القميص دون تردد، حتى لم يعد صالحًا لشيء.
كان يُشاهدها بكُل صدمة وذهول ،وغادرت كانها لم تفعل شيء
هتف بكُل وضوح
-يا بنت المجنونة .
***********
مرت ساعة وأكثر وغادر نوح بعدما تشاجر مره اخرى مع موج .
دق جرس الباب وقفت موج عن المقعد وهى تكون لنفسها
-هو رجع تاني والله المره دي بقا هرشه بصابون سايل .
قامت بفتح الباب وجدت أحد الحراس وفي يده باقة ورد ليقول
-الورد دا جه لحضرتك مع مندوب شحن .
قامت بشكره وأخذت الباقة وقامت بغلق الباب .
وقالت
-باعت ورد يا نوح مااشي برده هتمشيها ام شعر اصفر دي.
وجدت كارت صغر في منتصف الباقة ابتسمت وامسكت الكارت وقامت بفتحة وهى تشعر بالسعادة لكن تبدلت الابتسامة لصدمة ووقعت الباقة قرأت
"غريبة يا موج إنك متجوزة الشخص اللي قتل أبوكي
الفصل الحادي والثلاثون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندا الشرقاوي
غريبة يا موج إنك متجوزة الشخص اللي قتل أبوكي
ضحكتها اختفت فجأة،لم تعطي اي رد فعل ،وقعت باقة الورد ،لم تصدر صوت لها ،مازلت الجُملة تتردد في اذنيها
"متجوزة اللي قتل ابوكي"
ضحكت ضحكة صغيرة ،مكسورة،اغرورقت عينها بالدموع ،لا تُصدق ،مقلب عما تعتقد !!
هزت رأسها بالرفض ،هو لم يعرف اباها من اين اتى ذلك .
قتل؟؟؟
لا لا ،ليست قادرة على تكوين صورة للمشهد .
لم تصدق من حرمها من حنان الحياه هو من يُعطيها الحنان الأن !
تذكرت عندما علمت بأن والدها توفى بعد السفر .
ولم تراه بس شاهدت العزاء فقط ،جلست على اقرب مقعد وهى ترى قدميها ترتعش بشدة ،دقات قلبها تسمعها بوضوح ،كاد قلبها ينخلع من صدرها وبين ضلوعها ،سندت راسها على المقعد وبدأت عبراتها تنهمر على وجنتها ،كأن الحادث الأن وليس من عدة سنوات .
رن جرس المنزل مرة أخرى ،كانت في عالم تاني بعيد عن الحياة ،كانت تتذكر والدها وكُل ما مرت بعد منذ ثماني سنوات منذ مغادرت والدها الحياة ،فاقت على صوت الجرس الذي لم ينتهي .
وقفت سريعًا وقامت بتخبئة الكارت في ملابسها ووضعت الباقة وراء الأريكة .
واتجهت إلى الباب قامت بالفتح تظن أخد الحراس ،لكن وجدت نوح يقول
-نسيت ورق مهم مرتش ابعت حد ياخده غيري
لكن توقف عن الحديث عندما وجد وجهها منتفخ من البكاء وعينها تتجمع بالدموع
اقترب سريعًا وكوب وجهها بين يده وقال بحنو واضع
-مالك ؟ حصل اي
رفعت عينها في وجهه وهى لا تقدر على فعل شئ تريد أن تصرخ لتفهم ماهذا ،لكن هتفت بكُل برود
-مفيش كنت بعمل فطار وفتحت علبت الشطه بالغلط فا عملت عيني
رد سريعًا وهو يعرف أنها تكذب
-بتكذبي ليك ،موج مستحيل أنتِ بتعيطي علشان اللي حصل امبارح ،حبيبي هعملك اللي أنتِ عاوزاه
ردت بكل غضب
-سبني في حالي واطلع هات ورقك يا نوح
-لا بجد أنتِ مش طبيعية
هدرت به بصوت ٍ عالٍ وقالت
-ليه شايفني مجنونة ولا بشد في شعري ولا بقطع في جسمي
صدم من حدثها وقال
-موج حصل اي؟ أنتِ في اي .
-قولتلك سبني في حالي أنت اي مبتفهمش؟؟؟
رد بكُل صدمة وغضب
-أنا مبفهمش ،أنتِ شكلك من كتر الدلع دماغك لسعت أنا غلطان اوعي
وقفت لحظة، عينيها مليئة بالدموع،ثم دلفت إلى المطبخ دون حديث وهو صعد إلى الأعلى .
********
بعد مرور ساعات .....
في الحي الذي يسكن به عائلة نوح وعلي البركة .....
دق جرس الباب،خرجت أميرة من غُرفتها وهى تُسدل الطرحة على شعرها وتُهتف بصوتٍ عالٍ
-ميين !!!
جاء الرد من الخارج وقالت
-أنا خالتك نعمة يا أميرة ومعايا علي.
وعندما نطقت الأسم خفق قلبها بشدة ،لكن همست لنفسها قائلة "خلاص علي انتهى بالنسبالي"
شردت لثواني وفاقت على صوت نعمه تقول
-يابت افتحي أنتِ نمتي ولا ايه !!؟
قامت بفتح الباب وقالت
-لا ياخالتي كنت بجيب الطرحة ،منورة ياخالتي
تقدم علي ووضع راسه عند الباب نظرًا لوقوف والدته وقال مبتسمًا
-مفيش منور يا علوه
ردت ببرود
-لا مفيش،ببتسامة هوليود اسميل دي
ثم استطردت
-اتفضلوا عقبال ما انادي ابويا.
جاء الحج كامل على صوتهم وقال
-أنا جيت اهو ،اهلا وسهلًا بالست ام علي وعلي ،اتفضلوا دا احنا زارنا النبي
دلفوا وجلس الجميع ووضع علي الشوكولاه وباقة الورد على الطاولة .
نظرت أميرة إلى الباقة وجدتها ورد باللون الافندر ،ابتسمت ابتسامه باهته وتذكرت
"عودة للماضي"
"منذ اثنا عشر عامًا "
عندما كانت في العاشرة من عُمرها وعلي يكبُرها سنًا ،كانوا يجلسوا في ارضيه الشارع على مفرش كبير يُسمى "حصيرة" تمسك لعبتها .
جلس علي بجانبها وقال لها
-مبتلعبيش ليه مع البنات
هتفت مُجيبه
-لا تعبت رجلي وجعتني وبعدين قولت العب بالعروسة شويه،مكملتش الماتش ليه مع نوح والباقي
أجابها ببساطة
-عادي قولت اجي ارتاح شويه ،بصي جبتلك ورده
ابتسمت ابتسامه واسعه وهتفت
-الله جميله اوي بس لو تكون لونها بنفسجي
رد باستغراب
-بنفسجي ازاي يعني
قالت بتردد
-معرفش في لون كده قريب من البنفسجي
قهقة قائلًا
-قصدك لافندر
-اه هو دا
ابتسم قائلًا
-هبقى اجبلك لافندر يا أميرة .
فاقت من شرودها على صوت والدها وهو يقول
-الشاي يا أميرة
ردت نعيمة قائلة
-لا نخليه شربات يا حج كامل
هتفت أميرة ساخرة
-ليه ياخالتي أنتِ راحه الحج،بس لسه بدري .
-طول عمرها دمها شربات البت دي ولا ايه يا ما
كان ذالك حديث علي الذي يرى احمرار وجهها وغضبها منه
-بس يا ولا أميرة ،طول عمرها ست البنات
هتف كامل بهدوء
-تسلمي يا ست ام علي ،بس برده معرفتش سبب الشربات
اعتدلت في جلستها وقالت بكُل وقار
-بص ياحج كامل ،أنت عارفنا من زمان واحنا جيران ويشهد الله علينا انكم أعز الجيرة
-تسلم يا حجه وأنتم والله أعز الناس
-طيب ياحج وأميرة بيتي وعلي ابنك،وأنا جايه اطلب ايد أميرة لعلي.
اتسعت عينا أميرة دهشة وكأن الكلمات سقطت عليها فجأة، فتسمّرت في مكانها، لا تصدّق ما سمعت.
شعرت بدقّات قلبها تتسارع، ونظرت إلى والدها بارتباكٍ واضح.
أما الحاج كامل فظل صامتًا لثوانٍ ثم قال بهدوء وحزم
-الرأي رأي العروسة... أميرة هي اللي تقول موافقة ولا لأ.
ازدادت دهشتها، واختلطت مشاعرها بين الصدمة والارتباك، وهي تحاول استيعاب ما يحدث،لكن تزكرت عندما تركها دون حديث.
ردت بكُل هدوء
-الجواز دا نصيب وأنا نصيبي مش مع علي،ربنا يرزقه ببنت الحلال،طلبك مرفوض ياعلي .
وقفت وهو يعدل قميصه وقال
-كُنت عارف إنه مرفوض ،بس أنا مش ماشي قدامي على البلكونة نتكلم كلمتين
ردت بهدوء
-الكلام مفيش منه فايده أنا رافضه .
هتفت نعمه وهى تقول
-يابنتي الكلام اخد وعطا برده .
-أنتِ هتتحايلي عليها يا ما قدامي يابت على البلكونة،عن اذنك ياعم كامل
*********
-قول ياعلي اللي عندك ادينا دخلنا البلكونة ،وعلى فكرة وفر كلامك علشان مش هغير رأيه
زفر علي بقوة وقال
-أنتِ مبتزهقيش ولا ايه لوكلوك لوكلوك في اي ياما اهدي على نفسك ،خليني اقول الكلمتين ،بصي يا أميرة أنا عارف إني غلط لما سبتك من غير ما اقول حاجه ،بس كنت هقول ايه يا أميره أنا مكنتش عارف أنا رايح وراجع امته،وبعدين خوفت خوفت اوقفك جمبي من غير حاجة ،كُنت هقولك ايه استنيتي وهتستني قد اي يابنت الناس،ولا كنت هقول لابوكي ايه جاي اخطب بنتك وأنا اصلا معييش حق دسته الجاتو اللي هدخل بيها عليكم.
ردت وهى بداخلها وجه ينهش قلبها
-مش مببر يا علي،أنت متعرفش أنا كنت عامله ازاي الفترة دي،أنت سبتني ومبصتش وراك عاوزني أنا دلوقتي أقولك ماشي موافقه ،دا بعينك ياعلي .
-وافقي يا أميرة واديني وادي نفسك فرصة،فرصة أخيرة اديها ليا وصدقيني مش هتندمي،وبعدين لو موافقتيش مش هتتجوزي ولا أنا هتجوز ،يبقى ليه نعنس؟ وأمي تفضل تقولي يا باير في الراحة والجايه وأنا الصراحة راجل بتكسف
كانت أميرة تنصت إليه بجدية مصطنعة، تحاول التماسك، لكن شفتيها كانتا ترتجفان كتمت ضحكتها خفضت بصرها قليلًا، ثم رفعته إليه سريعًا وكأنها تحسم أمرها
-أنت مستفز أوي على فكرة ..يعني ايه نعنس دي
ابتسم وقال
-اهو شوفتي؟؟حتى الضحكة حلوه ،اديني فرصة يابنت عم كامل.
سكتت لحظات عدّلت وضعها، أخذت نفسًا عميقًا كأنها تقبل على قرار مصيري، ثم قالت بنبرة حازمة تخالف ما في عينيها من مرح
-خلاص هديك فرصة ياعلي .
وتركته واقفا مكانه، يبتسم ابتسامة عريضة غير مصدق أن كلمة واحدة كانت كفيلة بتغيير كل شيء
**********
داخل شركة الباشا ،كان الجميع يعمل بكُل ما عنده من جد واجتهاد .
في غُرفة الأجتماعات ،كان نوح يقف يقوم بالشرح للمتدربين ،لكن يشعر بالإختناق.
وقف قليلًا يرتشف القليل من الماء،ثم أكمل الشرح ،لكن بعد مرور دقيقتين ،قام بفك رابطة العنق قليلًا وهتف
-معلش يا شباب نكمل بعد ساعة ،خدو رست لو سمحت .
أوما الجميع له على الموافقة نظرًا لتعبه وغادروا الغرفة ما عدا وحدة تُسمى لمار
هتفت بكُل دلع مقزز
-مستر نوح،تحب اجيب حاجة لحضرتك تشربها
رد نوح بكِل هدوء
-لا شكرًا ممكن تسبيني لوحدك،ولو احتاجتي حاجة أنا عارف هعمل اي ،اه صحيح
-نعم يا مستر أومر
-ياريت بعد كده تاخدي بالك من تصرفاتك يا انسه ،علشان صدقيني هتطلعي خسرانه ساامعه
صمتت وحاولت تصنع انها لا تفهم شىء
-مش فاهمة قصّد حضرتك
رد مؤكدًا حديثه
-لا فاهمة قصدي كويس،اتفضلي سبيني لوحدي .
-تمام يا مستر .
*********
خرجت موج من المنزل متجه إلى الحرس وسألت قائلة
-مين اللي جاب الورد دا ؟؟
هتفت أحمد قائلًا
-معرفش والله يا فندم ،هو واحد بموتسكل وقال انه لحضرتك،حته حب يسلمه بنفسه بس طبعًا رفضنا علشان حضرتك عارفة التعليمات
ردت بكُل عصبيه
-ايوه من انهي مكان يعني ؟ مش عارفين اي حاجة ؟ امال لزمتكم ايه هنا!!!؟؟؟
-يا هانم أنا مُهمتي احمي حضرتك مش اعرف محل الورد وبعدين افتكرت إني نوح باشا اللي باعته
غادرت موج دون أن تنطق بكلمة، كانت تركض لا تخطو خطواتٍ طبيعية
دلفت إلى المنزل وأغلقت الباب على عجل، ثم جلست خلفه تبكي بصوتٍ عالٍ وتصرخ
***********
وقف عند باب الشقه ،واسند كتفه على الباب وقال بنبرة هادئة تخالطها ابتسامة
-هو أنا دلوقتي،خطيب ولا تحت الأختبار
ابتسمت أميرة قائلة
-لا تحت المراقبة المشددة
ضحك بخفوت وقال
-حلو أنا بحب الكاميرات
ثم استطرد قائلًا
-شوفتي إني لسه فاكر الافندر
ابتسمت بخفة وقالت
-اه شوفت
-عمري ما انسى حاجة تبعك يا أميرتي،وصدقيني عمرك نا هتندمي على الفرصة التانية
أخذت نفس عميق وقالت
-اتمنى يا علي.
*********
مر اليوم بسلام على الجميع منهم من يشعر بالسعادة ومنهم من يشعر بالضيق والخوف والقهر .
عاد نوح إلى البيت بعد طول يوم، يشعر بتعبه يثقل كتفيه، لكنه وجد شيئًا يخفف من وطأة كل الأحداث كانت مستغرقة في النوم على الأريكة، ووجهها هادئًا رغم ما مرّت به من توتر ومشاعر.
اقترب بصمت مدّ يده برفق ليحرّك الشال الذي غطّى وجهها قليلاً، وضبطه بحيث لا يزعجها ثم حملها برفق من مكانها، وصعد بها إلى الأعلى وضعها على السرير، وغطّاها بشالها مرة أخرى بعناية، كأن كل حركة منه تحمل حماية وحنانًا صامتًا.
جلس قليلاً بجانبها، يراقب تنفسها الهادئ، يشعر بأن هذا الهدوء البسيط هو أعظم مكافأة ليوم متعب.
بداخله يشعر بالحزن لأول مره يعود إلى المنزل ولم تكن في استقباله.
نهض بهدوء، تاركًا لها المساحة لتستريح بينما قلبه يخفف من ثقل الأحداث الماضية بعين مُتعبه وسكونٍ مؤقت.
*********
في الساعة الثالثة بعد مُنتصف الليل .....
كانت ليلى تقف في شرفة غرفتها في الفندق ،تتحدث في الهاتف مع مُعتصم،غارقين في الحديث .
كانت تضحك بصوتٍ عالٍ،لكن لحظات ووقع الكوب من يدها
هتف مُعتصم سريعًا
-ليلى ايه الصوت دا أنتِ كويسة؟؟
ردت سريعًا والخوف بداخلها
-معتصم أنا شايفة بابا قدام الفندق
......الحقني يا معتصم .... هياخدوني......
الفصل الثاني والثلاثون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم ندا الشرقاوي
ردت سريعًا والخوف بداخلها
-معتصم أنا شايفة بابا قدام الفندق
……الحقني يا معتصم …. هياخدوني……
اعتدل سريعًا في جلسته وصدح صوته الذي خرج بصعوبه بعدما بلع ريقه
-دخل الفندق ولا لسه ؟
كانت عينها متعلقه بابيها تنظر له فقط ،تراه وهو يلقي نظره على المنطقة بأكملها .
في نفس الوقت كان مُعتصم يرتدي اي شيء يراه وهى مع في المُكالمه .
تحدث سريعًا
-أنتِ فين ؟؟
اجابت على الفور
-مكاني في البلكونة .
-أنتِ غبيه لسه واقفه ،ادخلي بسرعة جهزي شنطتك سيبي
لبسك هاتي ورقك وبس .
كانت عاجزة على الحديث ،أطرافها ترتجف ،عينها متعلقة بابيها ،ثوانٍ ورأت اخاها يأتي هو الأخر .
هتفت وشفتها ترتجف كانها تقيم في القطب الجليدي
-مايكل هنا !! مايكل هنا يا معتصم .
اجاب بعصبية
-ادخلي يا متخلفة ادخلي
في الوقت الحالي رفع مايكل نظره إلى الأعلى وجدها في الشرفة ،ركض إلى المدخل سريعًا وخلفه والدها .
في هذا الوقت كان مُعتصم في السيارة يسابق الجميع لا يُهمه شيء .
تمتم بصوتٍ يملأ القلق والخوف والرهبة من فقدنها
-ليلى ….حبيبتي اطلعي من الأوضه
ردت وعبراتها تملئ وجهها
-مش قادره..رجلي يا معتصم …مش قادره امشي .
ضربَ معتصمُ المقودَ بقوّةٍ، فارتجّت السيارة تحت قبضته، وارتفع صوته صارخًا من شدّة الغضب وقِلّة الحيلة.
كان قلبه يخفق بعنف وعقله يتصارع مع خوفٍ ينهش روحه؛ لا يدري أيَّ قرارٍ يتّخذ ولا كيف ينقذها وهي تنزلق من بين يديه لحظةً بعد أخرى
مسح على وجهه بهدوء وقال
-ادخلي الحمام واقفلي الباب بالمفتاح من جوه أنا قربت اوصل
وصل له صوت الدق على الباب،كادو ينزعوا الباب من مكانه ،اسرعت بالدخول إلى المرحاض وهى ترتجف .
في الخارج كان يقف مُدير الفندق معهم وهو يقول
-يافندم مينفعش كده احنا فندق محترم ،يافندم غلط
كان مايكل لا يستمع لاحد يُحاول كسر الباب وهو يقول
-افتحي يا ليلى عارف انك جوه،هكسر الباب على دماغك .
خرجَ بعضُ نزلاء الفندق على أثر صوته، يفتحون الأبواب بحذرٍ ودهشة، بينما بدأ من في الطابق يتبادلون الهمسات القلقة، تتساءل أعينهم قبل ألسنتهم عمّا يحدث، وقد خيّم التوتر على المكان كله.
ثوانٍ وكسر الباب دلف جرجس إلى الداخل يبحث عنها والجميع خلفه .
جاء الامن الذي وَبخهم مُديرهم على اِخْتفاءهُم ،يحاولوا الإِمسَاك بمايكل لكن لكم كُل منها بقوة نظرًا لهيئته ،ذاك الشاب الذي يفصل شابين ،عضلاته التي تملىء جسده ،خصلاته الصفراء لكن مُجعده كما ينطبق عليها"كيرلي".
ثوانٍ من الاشتباك بينهم ،وهى في الداخل تكتم شهقتها بقوة.
لكن بضربه قوية من مايكل على باب المرحاض فتح سريعًا ،ودلف وهو يراها تحتضن نفسها وترتجف ،اقترب معه والدها ليدلف ويمسكها من خصلاتها بقبضة قوية ويقول
-بتهربي مننا ،بتهربي والمسيح يا ليلى ما هسيبك هنا دقيقه
كانت تبكي وهى تُحاول تخبئة وجهها منهم لكن كان مايكل اسرع وهبط بصفعة قوية على وجدتها جعلتها تصرخ بقوة .
ثوانٍ ودلف الكثير من النزلاء وقاموا بالمشاجره مع مايكل ووالدها وهتف احدهم
-سيبينك طايح في الكل زي اللي داخل زري*بيه أنت والخواجه اللي في ايدك دا
وبدات المشاجرة بين الجميع ،في هذا الوقت الحالي ،دخل مُعتصم ومعه الشرطة وقف الجميع عندما راو الشرطه واقترب معتصم ينزل يد جرجس بقوة عن ليلى واحتمت ليلى في معتصم وهى تمسك في قميصه .
صاح الضابط
-ايه اللي بيحصل هنا .
تحدث مايكل
-أنا جاي اخد اختي لقيتهم اتهجموا عليا ،أنا عاوز اخد اختب وامشي
خرجت ليلى من خلف معتصم وهى تقول
-أنا مش عاوزه اروح معاهم ياحضرة الظابط ،أنا حرة ،أنا مســلمــة!!!!!!
صدم كُل من مايكل ومعتصم وجرجس،اما الباقي لا يدرون بشيء وينظرون بغرابة ما علاقة ما يحدث بانها مسلمة!!؟
اقترب مايكل سريعًا ليحاول اخذها من خلف معتصم لكن أسرع معتصم وضربه بقوه بجبهته في انفه مما جعله يتراجع إلى الخلف .
صاح الضابط مره اخرى
-كده أنا هخدكم كلكم على الحجز لحد ما يبان ليكم صاحب،شايف انها عائليه فا نحلها ونخلص اطلعي يا انيه فهمينا حصل اي ؟.
خرجت ليلى وهى تهتز خوفًا مما يحدث،ثم قالت
-يا حضرة الظابط،أنا كُنت مسيحيه لكن اسلمت وكمان والله اسلمت بجد واهى الورق اللي بيقول كده
هرولت سريعًا إلى حقيبتها لتُجلب منها بَعض الأوراق التي تُثبت انها مُسلمة ،وضعتها في يد الضابط وهى تمسح عبراتها بباطن كفيها.
بدأت الضابط في القرأه وعلم انها الأن مُسلمة واسمها "ليلى جرجس"
"الديانة/مُســـلــمة"
أغلق الأوراق وقال بأسف
-أستاذ جرجس ،ماتقدرش تاخد الآنسه لانها أولًا مش قاصر وثانيًا مُسلمة ،هيا عاوزه تيجي معاك يكون برضاها مش غصب عنها .
ثم وجهه حديثه إلى مُعتصم الذي يظهر على وجهه علامات الاندهاش من إسلام ليلى ،وقال
-حضرتك مين بقا
رد معتصم قائلًا
-أنا خطبها وكتب الكتاب بإذن الله يوم الخميس الجاي .
كان يتحدث والسعادة تغمره وعيناه تنطق من الفرح .
بعد كثيرٍ من الإجراءات والاستجوابات، ومع انصراف الجميع وذهاب أهلها عاد الهدوء يخيم على المكان شيئًا فشيئًا.
ولم يبقَ سوى معتصم وليلى، وقد بدت عليها علامات الإرهاق والخوف، بينما كان هو يتأملها بعينين يملؤهما القلق والحرص.
أصرّ معتصم على ضرورة تغيير مكان إقامتها، تحسّبًا لعودة أهلها مرةً أخرى، فقد كان يخشى أن يقدموا على إيذائها أو الضغط عليها بعد ما حدث.
اقترب منها وقال بصوتٍ خافتٍ لكنه حازم
-لازم تمشي من هنا يا ليلى هنا مش آمان عليكي
هزّت ليلى رأسها موافقة، وقد اختلط في عينيها الامتنان بالطمأنينة.
كان قلبها مثقلًا بالأحداث، لكنها شعرت لأول مرة أن هناك من يقف إلى جوارها بحق يحميها دون مقابل، ويشاركها طريقها الجديد بثباتٍ ويقين.
غادرا المكان بهدوء، وكلٌّ منهما يدرك أن ما ينتظرهما ليس سهلًا، لكنهما كانا على استعداد لمواجهة القادم معًا
*************
في إشراق يوم جديد على الجميل ،استيقظت موج من نومها وهى تَشعُر بثُق على جسدها،وجدته نوم يضمها بقوة ،كأنه يخشى أن تهرب منه .
لأول مره يتملّكها شعور الاشمئزاز من قُربه ،اتنفضت من فراشها سريعًا حتى هو انتفض منها عندما وقفت دون اي اشارة أو سبب.
مسح عينه محاولًا التخلّص من أثر النوم ،وقال بقلق
-في اي مالك ؟ أنتِ تعبانة ؟
هتفت بكلمة واحده
-لا
ثم غادرت سريعًا إلى المرحاض ،وقف عن الفراش وهو يُتمتم " استغفر الله العظيم يارب ،استغفرالله العظيم يارب "
ثم حدث نفسه قائلًا "تكونش حامل ودي هرمونات حمل ،يمكن برده "
ارتسمت على وجهه ابتسامه واسعه وأسرع إلى المرحاض ،دق عليها عدة مرات لكن دون فائدة .
دق مره أخرى وقال
-موج!! أنتِ كويسة … موج …
جاءه من الداخل صوتٌ خافت يكاد لا يُسمَع
-ايوه.
تحرّك المقبض ببطء، ثم فُتح الباب أخيرًا ،ظهرت موج أمامه شاحبة الوجه، تتكئ على الباب وقد بدت عليها علامات الضيق والإرهاق
خطت خطوةً واحدة، ثم اختل توازنها فجأة، فمال جسدها إلى الأمام
اتّسعت عيناه فزعًا، واندفع نحوها وهو يصرخ باسمها
-موج
لكن جسدها كان قد هوى بين يديه، وقد فقدت قدرتها على الوقوف.
***********
جسد ضعيف يتمدد على الفراش ،وهي في كامل وعيها ، غير أن آثار الخوف والإنهاك كانت باديةً على ملامحها.
لم تنطق بكلمة، بل تنظر إليهم بشرودٍ وقلق، كأنها تحاول استيعاب ما جرى
تحدث نوح إلى الطبيق وقال بقلق
-مالها يا دكتور
رد الأخر بعملية هادئة
-هبوط حاد في الدورة الدموية ،وبعدين لازم تاخد بالها من صحتها لأن لقدر الله ممكن يحصل ايه مضاعفات تانية ،ولو مش علشانها يبقا علشان البيبي.
اتّسعت عيناها بصدمةٍ مفاجئة، وتجمّدت ملامحها للحظة، وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد!
تجمّعت الدموع في عينيها سريعًا، وانفجرت باكية وقد اختلط الخوف بالدهشة والارتباك.
أما نوح، فبقي واقفًا مكانه وقد ارتسمت على وجهه ملامح ذهولٍ سرعان ما تحوّلت إلى سعادةٍ غامرة، كأن قلبه أدرك الخبر قبل عقله.
اقترب منها بهدوء، ونظر إليها بعينين تلمعان بالفرح والطمأنينة بينما كانت هي ما تزال تبكي، غير قادرة على استيعاب التحوّل المفاجئ الذي غيّر كل شيء
هتفت بكلمة واحدة
-في الشهر الكام؟
رد الطبيب
-في أول الشهر التاني
سألت بكُل برود وقسوة
-يعني ينفع أنزل الجنين؟
دُهش كُل من الطبيب ونوح ،الذي شعر كان دلو من الثلج سكب عليه .
واقترب منها وقال
-أنتِ بتهزري ولا ايه ؟؟؟
وجهت الحديث للطبيب مرة أخرى
-ينفع أنزل الجنين ؟؟؟
رد بكُل اسف
-ينفع ،لكن أنا مبعملش العمليات دي ربنا اراد إن يكون في طفل جواكي يعني اراد ليه الحياة مينفعش أنا اقتل الطفل دا ،بعتذر يا مدام ،شوفي دكتور تاني،ونصيحة إنك تحاول تغيري رأيك علشان عقاب ربنا بيكون كبير أوى .
غادر الطبيب ،وكان نوح ينظر إلى موج بكُل غضب ووجه صبغ باللون الأحمر ،وهى تنظر اليه بكُل برود .
قرب وجهه منها حتى بقى بينه وبينها القليل من المسافة وقال
-أنتِ بتفكري في ايه ؟؟؟ أنا عملت ايه لكل دا ؟ اللي جواكي ذنبه ايه أصلا؟؟؟ أنتِ ليه بتعملي كده .
-هو كده ودا اللي هيحصل يا نوح ، مش هسيبه ،أنا حرة مش عاوزك منك حاجة ومش عاوزك حاجة تربطني بيك ،سااامع !.
أخذ نوح نفسً عميقٍ وابتعد عنها وأخذ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا ،يضع يده على خصلاته كاد ان يُمزق خصلاته من شدة الغضب .
اقترب منها سريعًا مما جعلها تنكمش في نفسها وقال
-متخافيش مش هضربك عمري ما اعملها أنا خارج بره ،نص ساعه وهدخل تكوني غيرتي رأيك
ثم استطرد بتهديد
-وإلا واللي بيعز ويزل يا موج ،هخلي حياتك أسود من قرن الخروب ،هخليها جحيم يا موج ،جحييمم.
خرج نوح من الغرفة وهبط من الدور باكمله إلى الأسفل ،بيمنا هي ظلت في الغرفة تضم نفسها بقوة وتقول ببكاء
-كان نفسي فيك من زمان أوي ،بس زي ما حرمني منه ،هحرمه منك ،أنا اسفه .
دقائق ودلفت أحد الممرضات وفي يدها باقة ورد وقالت
-الورد دا لحضرتك يا مدام .
قفزت موج عن الفراش سريعًا وقد استغربت حالتها الممرضة لكن لم تعقب غير بالخوف عليها وقالت
-براحة يا مدام كنت هجيبه ليكي .
هزت رأسها موج بالموافقة ،وخرجت الممرضة وجلست موج وفي يدها الباقة تقبض عليها كأنها تمسك المُتهم .
وجدت الكارت أخذته وقامت برمي الباقة في أرضية الغُرفة
قامت بفتحه وكانت هذه المرة وجدت
"يا خسارة ها تخلفي كمان من اللي قتل أبوكي"
الفصل الثالث والثلاثون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم ندا الشرقاوي
"يا خسارة ها تخلفي كمان من اللي قتل أبوكي"
تسارعت نبضات قلّبها ،وشرعت في البُكاء لا تعلم مرة أخرى أم المرة العاشرة،صوت شهقاتها تتعالى ،شَعرت بأنها تختنق من قلة أخذ نفسها الذي أصبح معدوم للغاية.
وقع الكارت من يدها وظلت تسعل بقوة وكأن شيء يقف في حلقها،بدأت بالضغط على زر المُساعدة .
جاء الطبيب يركض وطقم المُساعدين،كانت تسعل بقوة وعينها تمتلئ بالدموع .
الورود مُتساقطة أرضًا ،هى تمسك في الفراش بقوة ،بداو في إسعافها وإنقاذها سريعًا.
في هذا الوقت،كان نوح قد انبه ضميره على أخافها منه وحديثه معها بنبرة حادة ،قرر الصُعود إيها ومُحاولة الحديث مرة أخرى.
يسير في الممر الطويل في نهايته انحناء يستدير معه ،ثم وجد ازدحام شديد أمام الغرفة،ركض بكامل قوته ،ليدلف وجدهم يسعفونها .
وجهها شاحب اللون ،عينيها تتغورق بالدموع،خصلاتها متجمعة ويتوسطها العرق ،وجبهتها، وكأنها كانت تحت المطر.
وقف ينظر إليها بصدمة ودهشة شديد،مرّت ثوانٍ وقد عادت إلى طبيعتها ،لكن تقف على الكارت في يدها بقوة .
تقدم نوح من الفراش وجلس بجانبها يُطالعها بدهشة ،حاول بانامله إعادة خُصلاتها عن جبهتها ،وجدها تنظر إليه والدموع تتجمع في عينها مرة أخرى.
همس ليها بحنو
-أهدى وهعملك اللي نفسك فيه والله،كل الزعل دا مني صح،طب السبب ايه طيب،وأنا أعملك اللي أنتِ عاوزاه.
لمح الورد التي تتناثر على الأرض ويدها التي تقف بشدةٍ على الكارت.
رفع يدها وقرّبها من يدها ليضمها ويُحاول فتحها ،لكن اسرعت هيا وأغلقت بقوة وقالت
-سبني وأطلع بره !.
-مش هسيبك، الورد دا مين بعته وايه الكارت دا ،هاتي الكارت يا موج.
-لا.
كان ردها قاطع وحاد،لكن أصر إصرار شديد وقام بتثبيت يدها بقوة تحت عصبيتها و صراخها الشديد عليه .
ونجح في أخذه ووقف يَبعُد عنها حتى يستطيع القراءه ،وقفت هى تجري خلفه ،رفع يده إلى الأعلى واليد الأخرى كان يُحاول ابعادها .
أخد يقرى الكارت بدقة
" يا خسارة ها تخلفي كمان من اللي قتل أبوكي"
عقد حاجبيه بقوة كاد أن يلتصقا ببعضها من غرابة ما قرأ،ثم القى نظرة عليها وجد العبرات تنهمر من عينها كأنها شلالات وليست قنوات دمعية .
ارتعشت يده ،وهبطت براحة مثيرة للدهشة،وكأن الأعصاب تأكلت ،وقعت الورقة ،وبدأت نظراتها لها ،بين الإستغراب والدهشة والصدمة.
أما هيا فجلست أرضًا تضم قدميها أمام صدرها وعقدت يدها عليها وبدأت في البُكاء بصمت .
رفع يده بهدوء يمسح على وجهه من قطرات العرق التي تصب منه ،ثم اقترب ونزل لمستواها ولم يقُل سوى جُملة
-أنتِ مصدقة الكلام دا ؟
ارتعش جسدها رعشة قوية ،وهزت رأسها دلالة على تصديقها للحديث.
امسكها بقوة من ذراعيها وشرع في هزَّها بكُل ما أوتي من قوّة وهتف
-ردي عليا ،قولي .
-ايوه مصدقة .
هدر بيها بصوتٍ عالٍ
-ايه دليلك ؟؟؟؟ هااا أنا عمري ما شوفت أبوكي أصلا
صاحت بنبرة مماثلة
-وهو اللي هيبعتلي ايه غير انه مُتأكد ما هو أنتَ أكيد عملت كده ،هااا هيبعتلي كده ليه
-وهو لو أنا عملت كده كنت فين كُل السنين دي ،وليه اتجوزتك أصلا ،فوقي يا موج أنتِ بتقولي ابوكي سافر من ٨ سنين يعني كنت أنا داخل أولى جامعة يعني كُنت لسه مسافر أنتِ عبيطة بقا .
فأمسكتْ بيده وأبعدتْها عنها بعنف، ثم صاحت بصوتٍ عالٍ، والدموع تنهمر على وجنتيها
-معرفش معرفش.
صرخ في وجهها بقوة ،وأحمر وجهه من كثرة الغضب
-لما أنتِ ما تعرفيش ،صدقتي ليه ؟؟؟ هااا ؟ صدقتي كلام أصلا استحالة يكون صح ،أنتِ بترمي مصيبة عليا ؟؟
ثم استطرد واقترب منها مره أخرى ،وعيناه تقدحان شرارًا
-جالك من الورد دا قبل كده ؟؟؟
صمتت ولم تتحدث ،لكن قال لها بصوتٍ مرتفع
-اخلصي؟؟؟ انطقي بدل ما أعمل جريمة بجد!
-ايوه ،جالي امبارح
رمقها بعينين داميتين من شدة الأنفعال ،وقال
-الكارت كان بيقول ايه
-غريبة يا موج إنك متجوزة الشخص اللي قتل أبوكي
-العربية تحت هتوصلك البيت
قاطعته قائلة
-لا مش هرجع على البيت
هتف بها بحدة
-هترجعي ورجلك فوق رقبتك كمان ،علشان مكسرش دماغك سامعه .
ولم تمضِ سوى لحظاتٍ حتى صفع الباب بعنفٍ من فرط غضبه .
********
في عمارة فاخرة في الزمالك ....
في الطابق الخامس .....داخل إحد الشُقق ،كانت تجلس ليلى وبجوارها مُعتصم .
كان يُمسك بقطعة من الثلج يُمرِّرها برفقٍ على خدها، يُخفف بها أثرَ الصَّفعة التي نالتها من مايكل ،كانت تبكي بصمتٍ لكن مُنكسرة من الداخل،بينما هو يُداوي ألمها بنظراتٍ يملؤها الحنان .
اقترب منها قليلًا وقال بصوتٍ خافتٍ مطمئن
-أهدى خلاص ،أنتِ معايا في آمان .
ثم استطرد وهو يجز على اسنانه بقوةٍ
-اه لو كُنت عرفت انه ضربك واحنا هناك كُنت كسرت ايده .
وبدا يلن مرة أخرى في حديثه
-حقك عليا يا ليلى.
ثم أعاد تمرير الثلج بحذرٍ أشد، كأنّه يخشى أن يزيد ألمها، وقد ارتسم في عينيه وعدٌ صامتٌ بالحماية.
وبعد ثوانٍ معدودة ،تذكر إسلامها ،وقال بتعجب
-ليلى ليه مقولتيش إنك أسلمتي !؟
رفعت كفيها لتزيل عبراتها التي تستقر على وجنتها ،وأخذت نفسًا عميقا واردفت
-كان نفسي أعملها مفاجئه بس منهم لله بوظوا ليا كُل حاجة .
-أحلى مفاجئه والله .
همّت بالحديث مرّةً أخرى، لكن قاطعها رنينُ الجرس المرتفع، وكأنّ الطارق قد وضع إصبعه عليه ولم يرفعه
انكمشت ليلى على نفسها، وقد تذكرت أن عائلتها قد عادة مرك أخرى.
بدأ مُعتصم في تهدئتها والهمس لها ببعض الكلمات المليئة بالحنو ووقف مُتجهًا إلى الباب ،ونظر من العين السحرية وجد نوح ،قام بالفتحِ سريعًا وجده يكاد أن تخرج النيران من وجهه ،بلع ريقه بصعوبة وهو يظن أن بالفعل هُناك كارثة .
هتف سريعًا والقلق بدأ يتغلغل بداخله
-حصل ايه ؟؟ مالك ؟
دلف نوح وهو إلى الأن لا يعرف شيء نهائيًا ،حتى انه ظن أن مقلب من أحدهم لكن لا أحدث سوف يفعل ذلك .
-موج متهماني إني أنا قتلت ابوها...
صدما ليلى ومُعتصم وصاحو في صوتٍ واحد
-اييييه
جلس نوح على أقرب مقعد ومد يده يأخذ كوب الماء ليرتشف منه القليل ،فالان حلقه مثل الصحراء .
-دا اللي حصل ،موج جالها ورد على البيت امبارح وكان فيه رساله بتقول أنتِ اتجوزتِ اللي قتل ابوكي ؟؟ أنا رجعت ولقتها فعلاً زعلانة بس قولت يمكن علشان موقف حصل بينا في الشركة ،لكن لما صحيت لقيتها برده زي ما هيا ومش على بعضها نهائي ،لحد ما وقعت ف الحمام وجريت بيها على المستشفى،عرفت انها حامل ،الفرحة مكانتش سيعاني لحد ما نطقت وقالت انها عاوزه تنزل الجنين،قولت مش معقول علشان موقف تافهه دي كده نزلت وسبتها رجعت لقتها مُنهاره تمامًا وبرده في كارت تانيه ،المشكلة انها فعلًا مصدقة ،طب إزاي وأنا عُمري ما عرفت ابوها يا جماعة ابوها مات من ٨ سنين أنا كُنت عيل أصلا
كان معتصم ينظر له بحيرة من الحديث ،كيف يحدث ذلك ،فا لقاء نوح وموج كان صدفة طبيعية ،ثوانٍ وتمتمت ليلى مُتسائلة وهى تتذكر كُل شيء
-نوح أنت سافرت هجرة غير شرعية صح ؟؟
أجاب عليها وهو يرفع منكبيه دلالة على عدم الفهم
-ايوه بس ايه العلاقة !
-موج كانت قالتلي إن باباها كان مسافر هجرة غير شرعية أصلا .
رد عليها مُعتصم مُتسأل والحيرة كانت مُسيطرة على الجميع
-ايه ايه العلاقة بقا ؟
وقفت عن الأريكة ،ورفعت خصلاتها لأعلى وظلت تسير ذهابًا وإيابًا،تُحاول ربط الأحداث ببعضها .
ثم تحدثت سريعًا
-نوح ،مُعتصم أنتم يوم السفر كان معاكم ناس كبيرة ولا كلكم في سن بعض ،ولو في ناس حصل اشتباك ولا لا !؟؟
أخذ نفس عميقًا حتى توسع صدره ثم زفره بهدوء وقال
-لا عما اعتقد كُنا شباب مفيش رجالة كبار ،بس ايه العلاقة
رمشت عدةٍ مرات ،وجلست بالقُرب منهم ،وكانو ينسطوا إليها ،حتى تحدثت
-الموضوع فيه لعبة،سليمان بيلعب من السجن ،هو عارف إنك كُنت مسافر هجرة غير شرعية وكمان هو جاب تاريخ موج كله فا عرف إن باباها زيك ولأن السنين متقاربة أنت من ٨ سنين وباباها برده كان من نفس المُده بس فرق في الشهور أو الأيام .
فا طبعًا هو حب يبوظ الدنيا عليكم ويبدا بموج أن يستغل ضعفها ولحد ما تكتشفوا الحقيقة،تكون موج بوظت علاقتها بيك من كلامها أول لقدر الله دي ما بتقول الجنين نزل فا هو خد بوطه على قفاك ، بس كده دا اللي أنا استنتجته،علشان كده أنت لازم تجيب الورق اللي بيثبت إن أصلا باباها مكنش معاك على المركب .
-يا بنت الصايعة .
اردف بها مُعتصم وهو ينظر لها بدهشة من قوة المُلاحظة التي أجابت بها ،ثم ادرك الموقف فا اعتذر على ما قاله .
وقف نوح عن مقعديه ،ليقفا معه وتسأل مُعتصم
-على فين ؟؟
-مشوار سريع ،مش هتاخر،موج في المستشفى ياريت تاخدوها على البيت قبل ما تفكر تهرب ولو هربت مشوفش وشكم أنتم الأتنين سامعين ؟
-احم سامعين .
ثم أكمل مُعتصم في صوتٍ ضعيف يكاد أن يسمع
-هو يخلف وأنا البس
نغزته ليلى بيدها حتى يصمت ،ثم غادر نوح سريعًا قبل أن يتلاقى بسؤال منهما .
*************
في منزل عبدالعظيم الباشا …
كانت وفاء تقف في المطبخ تُعد الطعام ،وتخزن الخضراوات تحضيرًا لقدوم شهر رمضان المُبارك ،ثم استمعت صوت سما وهى تُحدث نوح الصغير
-يا حبيبي، لما تلعب على التابلت أو الفون، فيه شوية حاجات لازم نراعيها
تسأل الصغير بفضول
-زي إيه يا ماما؟
احتضنك كفه الصغير بين كفّها وقالت
-أول حاجة، ما تديش اي حد اسمك أو عنوان بيتنا أو صورك لأي حد حتى لو قال لك إنه هيكون صاحبك
رد عليها بحيرة
-حتى لو قالوا هيبقى صاحبي؟
-حتى كده يا حبيبي، لازم نستأذن قبل ما نكلم أي حد، ولا نوافق على أي حاجة من غير ما تقول ليا أول لبابا
-طيب… يعني ما أقولش لأحد حاجة عن البيت أو المدرسة
-بالظبط! وكمان الألعاب اللي تلعبها لازم تكون مناسبة لعمرك، وما نلعبش حاجات فيها عنف نهائي ،لأزم قبل اي لعبه تنزلها تيجي توريني وأنا اشوفها وبعدين اسمحلك تلعب ولا لا عشان دماغك تبقى هادية ونقدر نعيش كويس يا نوح ،لازم تترف كُل حاجة في سنها المعقول
هز نوح رأسه بتفهم وقال
-تمام يا ماما، فهمت
قبلته على وجنتيه وقالت بسعادة
-شطور يا حبيب ماما وأي حاجة غريبة أو مخيفة تشوفها، تجي على طول تقول لي، ما تخافش.
ثم استطردت
-هقوم أشوف تيتا خلي بالك من صفا .
دلفت إلى المطبخ وقالت بمزاح
-كُل سنة لازم التخزين بقا ما نجيب كله صابح يا ماما .
-يا حبيبتي الحاجة بتغلى في رمضان وكمان مش علشان الغلى ،طول ما الحاجة كتيرة في البيت دا بيكون أحسن وكمان علشان اودي لمرات أخوكي ،أنتِ عارفة دا أول رمضان ليهم ،وكمان عاوزه اكلم نوح علشان يفطروا معانا أول يوم .
سالت بحيرة
-ماما هو نوح مجابش ليكِ سيرة أو أنتِ متكلمتيش معاه في حكاية حمل وكده .
رفعت يدها عند منكبيها وقالت سريعًا
-لا يابنتي حد الله ،متكلمتش في الموضوع دا خالص ،مع إن جوازهم بقاله فترة كبيرة بس يابنتي احنا ملناش دعوة ،سبيهم براحتهم وكمان هما بعيد عننا فا البنت لسه مخدتش علينا علشان نفتح الموضوع ،بصي خلينا بعيد عن الموضوع دا وخلاص .
-عندك حق ،يلا نكمل الغدا علشان سامح وبابا.
************
-تصدق والله ضحكتني ،مش بطلنا مقالب العيال دي يا سليمان ولا اي؟
كان سليمان جالسًا خلف القضبان الحديدية، مسندًا ظهره إلى الجدار البارد، وعيناه معلّقتان بنوح بشر من بين الفتحات الضيقة.
بدا وجهه ساكنًا على نحوٍ يثير الريبة، كأنّه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن وفجأة ومن دون مقدّمات، انفجر ضاحكًا.
ضحكةٌ عالية طويلة، ارتدّ صداها بين الحديد والجدران،التفت الحراس نحوه في دهشة، أمّا هو فلم يرمش له جفن.
اقترب من القضبان، وأمسك بها، وحدّق في نوح بنظرةٍ لامعة غامضة، ثم قال بصوتٍ يختلط فيه السخرية بالتحدّي
-عجبتك؟ اي رأيك
-إلا عجبتني ،أوي كمان دا أنا صدقتك أصلًا ،تصدق فكرت اشغلك مُنتج هتمشي في الحوار .
-طبعًا بس قولي نفسية المدام عاملة ايه دلوقتي؟
-المدام فل الفل ،دي مدام نوح الباشا يعني مش هتقع ،اقولك ولو وقعت هتقع في حُضني ،أكبر شويه يا سليمان بدل شُغل النسوان دا بقا ،اللعب من تحت التربيزة دا شغل نسوان،عن اذنك بقا علشان الحق احتفل مع المدام بالجنين ،الباشا الصغير اللي هيفضل أعلى منك كمان حته وهو مجاش لسه على الدنيا .
ما إن أنهى نوح كلماته حتى ارتسمت على وجه سليمان نظرةٌ مشتعلة بالغضب والكره.
اشتدّت قبضتاه على القضبان الحديدية حتى ابيضّت مفاصله، وبرزت عروقه من شدّة التوتر، وعيناه تتبّعان نوحًا بحدّة كأنهما توشكـان على افتراسه.
أما نوح، فاكتفى بابتسامةٍ باردةٍ واثقة، ثم استدار بخطواتٍ ثابتة، وترك خلفه صدى كلماته ترن في أذن سليمان، ومضى دون أن يلتفت،لكن التفت لثوانٍ
-بقولك ايه ،خاتم الماظ ولا انسيال .
ضرب سُليمان على القضبان بقوة ،فا رد نوح مرة ثانية
-يبقا عقد أحسن ،سلام يا سُلم اه رمضان مُبارك مع انك يهودي حقير.
***********
داخل فيلا نوح الباشا ….
دلفت موج وهى تستند على ليلى التي تحتويها بذراعيها ،كانت في وعيها لكن في نفس الوقت غائبة عن الوعي ،كان مُعتصم خلفهم يمسك حقيبة الدواء .
جلست موج على الأريكة التي تتوسط غرفة الأستقبال ،نظر مُعتصم إلى ليلى يُريد الحديث لكن نظرت له ليلى وهزت رأسها بالرفض ،لكن لم يستمع لحديثها .
وضع الحقيبة على المنضدة وأخذ نفس ثم زفره وقال
-على فكرة أنتِ ظالمه .
عقدة حاجبيها بقوة حتى تجعدت جبهتها وقالت
-أنا ظالمة؟؟
-ايوه ظالمة ،صدقتي كلام عبيط من واحد حقير أصلا ،إزاي أصلا تصدقي كدت ولا بتعلقي خبتك على حد تاني ،ايه اللي جاب ابوكي لنوح ،في ثواني بيعتي الثقة والحب وكُل حاجة اتبخرت وصدقتي ورقه لو ادتها لعيل هيقولي ايه العبط دا .
نوح أنا لما خدت كُل اللي وراه واللي قدامه كان واثق إن في حاجة غلط وأنت في ثانيه صدقتي ،بجد أنتِ صعبانة عليا ،عاوزك تقتلي روح علشان ورقة .
أنا ماشي هروح أشوف صحبي اللي ضيعتي فرحته بابنه .
-أنا جيت محدش هيتحرك من هنا ………..
الفصل الرابع والثلاثون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم ندا الشرقاوي
-أنا جيت محدش هيتحرك من هنا ………..
رفعت نظرها إليه ،القت نظرة سريعة ثم خفضت مرّة أخرى،أقترب مُعتصم من نوح بلهفة وقلق ،ثم قال
-كُنت فين دا كله وتلفونك مقفول.
رفع نوح يده اليُمنى وكان بها بعض الأوراق ،ورفع له منكبيه ببساطة ،وتقدم منهم ووضع الورق أمام موج وهى تنظر إليه بعدم فهم ،هتفت قائلة بمشاعر جافة
-ايه دا؟؟
جلس نوح ثم وضع قدم على الأخرى ،ورفع قميصه إلى ساعديه ،وقال بثقة
-مش هقولك دليل برئتي والشغل دا،أنا كُل اللي حصل أصلًا ميدخُلش دماغي بجنية،وقلة ثقتك دي نقص عندك مش عندي .
الورق دا في اسماء الناس اللي كانوا معايا على المركب وقبل ما تنطقي وتقولي أفرض زورت ،لا الورق سليم وكمان في ورق السفر بتاع ابوكي ،لأن بالصدفة سافرنا عند نفس الراجل .
اقترب مُعتصم وهو يشُعر بالغرابة من أين آتى بهذه الأوراق ،وهتف
-جبت الورق دا منين؟؟؟
"منذ ثلاث ساعات "
"في بحري "
وقف نوح أمام أحد المنازل القديمة ،التي أهلكتها الرطوبة ،وسقطت مُعظم الشرف السكنية ،دهانها اللذي تَشقق وظهر القلب البُنى،تقدم ووجد ثلاث درجات يهبطهم حتى يدلف إلى مدخل المنزل،كانت أحدّهم مَشقُوقة ،وضع قدمه لكن انزلقت سريعًا ،وسند نفسه إلى الحائط .
تقدم إلى الداخل ،ثم وقف أمام أحد الشُقق الأرضية ،دق الباب عدة مرات،جاء صوت رجلٌ مُسن من الداخل يردف
-حاضر يالي على الباب ،الدنيا مطارتش .
فتح الباب ذلك المُسن الذي يتكأ على عصاه الخشبية ،ويرتدي نظارة طبية ،ضيق العجوز عينه وقال
-خير يابني أنت مين؟
ابتسم نوح ابتسامه واسعه وقال
-ازيك يا عم زكريا !؟
-بخير الحمد لله يابني .
-ممكن أدخل عاوز اتكلم معاك في موضوع مُهم ،مش هاخد من وقتك أكتر من عشر دقايق.
رد عليه زكريات وهو يفتح له ضلفة الباب
-اتفضل .
دلف نوح إلى الداخل ،ثم جلس ،واراد زكريا أن يضيفه بكوبًا من الشاي لكن شكره نوح على حسن استضافته
وبدا يقُص عليه رحلته وبدأ زكريا أن يتذكره .
رد زكريا وهو يعدل نظارته
-افتكرتك أنت الولا اللي كُنت هتخانق معاه علشان مصمم يسافر هو وصحبه على نفس المركب ،صح؟؟
ضحك نوح وقال
-بالظبط كده ، قلبك أسود أوي ياعم زكريا
ثم استطرد
-أنا محتاج منك خدمه وهديك اللي أنت عاوزه .
-اؤمر
-حضرتك زمان كُنت بتكتب اسماءنا كُلنا في ورقة واسم المركب وكمان اليوم والتواريخ صح
-صح
-عاوز الورق دا ،ينفع
ابتسم العجوز ولم يسال عن السبب بل قال له في هدوء
-عنيا بس كده
ثم نهض ببطء، متكئًا على عصاه، يسند جسده الواهن إلى الحائط، وخطا خطواتٍ متثاقلة نحو الداخل.
غاب دقائق قليلة، لم يُسمع خلالها سوى حركته الخافتة في الغرفة،ثم عاد يحمل في يده أوراقًا صفراء قديمة، وقد بدت عليها آثار الزمن
مدّها إليه قائلًا
— تفضل، هذه أوراق السنة كلها
تناول نوح الأوراق بكلتا يديه، ونظر إلى العجوز بعينين يملؤهما الامتنان، ثم قال بصوتٍ خافت
— شكرًا
أومأ العجوز برأسه في صمت، بينما بدا نوح يقلب الأوراق صفحةً صفحة، متفحصًا ما فيها بعنايةٍ شديدة كأنما يبحث عن شيءٍ بعينه.
كانت عيناه تجولان بين الأسماء والتواريخ، وتتوقفان عند كل سطر بدقة.
وفجأة، توقفت أنامله عند ورقةٍ بعينها،حدّق بها طويلًا وقد انعقد حاجباه في تركيز،كانت تضم اسمه، وإلى جواره اسم مُعتصم شعر بقلبه يخفق أسرع فأعاد قراءة السطور مرةً أخرى ليتأكد.
ثم أخذ يتأمل بقية الأسماء المسجلة في الصفحة نفسها، فاكتشف أن أعمار من كانوا معهم في تلك السنة كانت صغيرة جميعهم كانوا أحداثًا لم يتجاوزوا سنّ الصبا عندها تغيّر وجهه قليلًا، وضعها على جنبً .
" الآن "
-دا اللي حصل وبالصدفه لقيت اسم ابوكي في ورق تاني كان بعد سفري ب ٣ شهور ،الورق عندك اهو وأنتِ حره عن اذنكم .
وأسرع نوح من حركته ليتجه إلى المكتب ،دلف وأغلق الباب سريعًا ليرتمي أرضًا وقلبه ينهش مما حدث ،وبدأ يتذكر باقي الحديث الذي لم يُخبرها به نظرًا لعدم سوء حالتها.
"منذ ثلاث ساعات"
ثوانٍ ووجهه حديثه إلى زكريا وقال
-عم زكريا هو في حد كان مسافر في نفس السنة وحصل اشتباك على المركب ومات فيها واحد !!؟
تغير وجهه زكريا ،وبدأ يسعل بقوة ،أسرع نوح إليه بالماء التي بجانبه ،وبدا بتدليك ظهره بهدوء ،حتى يقدر على أخذ نفسه ،وقد كان .
ارتشف زكريا من الماء وقال
-أنت عرفت الكلام دا إزاي؟؟
-عاوز اعرف ايه اللي حصل ؟
بدا زكريا يروي القصة
-يابني هو كان راجل مش كبير أوي قول أول الاربعين كده بس الزمن كان جاي عليه أوي ،و معندوش غير بنته ،وكان عاوز يسافر قولتله ماشي،وسفرته وكانت سفريه غم،حصل خناقة بين الرجالة على المركب ،قام الراجل زي اي راجل شهم يحوش ،بس للأسف واحد من الرجالة غزه بالمطوه في قلبه .
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماته كأن الهواء نفسه تجمّد في المكان، تصلّب نوح في موضعه، وشحب وجهه فجأة واتسعت عيناه في ذهولٍ لم يستطع إخفاءه.
شعر كأن الأرض تجمدت تحته، وأن الكلمات التي سمعها لم تكن مجرد حكاية، بل صاعقة نزلت على صدره،انحبس صوته في حلقه، وتيبّست أصابعه حول الأوراق التي كان يمسك بها، حتى كادت تسقط من بين يديه وقال
-اييييه؟؟
-هو دا اللي حصل وساعتها خوفنا ندخل في سين وجيم يابني المركب كملت ورجعت أنا بالراجل تاني على مصر ،كفنته أنا وكام واحد من الرجاله وطلعنا على بيت اهله وقولنا انه مات موته ربنا وإكرام الميت دفنه وطلع التسريح ودفنا واهله غلابه مشكوش أصلا ،إلا بنته كانت بتجري ورا النعش وإلا تكشف تشوفه.
"الآن "
مسح على وجهه بحزن على ما عانت به زوجته وهى في هذا السن ،بالطبع منزعج منها لكن لم يقدر على قول الحديث حتى لا يجرحها أكثر .
مر اليوم على الجميع ثقيلاً كأنّه عام كامل،معتصم وليلى سيغادران، والحزن بداخلهم عليهم،موج صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب عليها، كعادتها حين تضيق بها الدنيا، تحبس دموعها خلف جدرانٍ اعتادت أن تشهد ضعفها.
أمّا نوح بقى في المكتب، يتظاهر بالانشغال، يحدّق في الأوراق دون أن يقرأ حرفًا يحاول إقناع نفسه أن المسافة حلّ وأن الابتعاد أهون من المواجهة.
وذاك أوّل يوم يبيت فيه الاثنان بعيدًا عن بعضهما.
ليلٌ ثقيل سيهبط على البيت،السرير في غرفة موج سيبدو أوسع مما يجب، والهدوء في المكتب سيخنق نوح أكثر مما يريحه،كلاهما سيحاول النوم، وكلاهما سيبقى مستيقظًا…
**************
في الحارة ….
كانت تقف أميرة في الشرفة وتمسك في يدها حبل زينة رمضان وعلي يقف في الشُرفة آلتيّ امامها ،قامت بربط الحبل في قطعه من الخشب قم القتها في شُرفة علي .
نظر إليها وقال
-اله اله بقينا نروح الجيم بقا على كده
نظرت له بتعالِ وتفاخر وقالت
-طبعًا يابني بدأت أشيل عشرة كيلو ف تحسن .
-أمال أنتِ هتقوليلي ،نشيطة طول عمرك ياميرو
-اه ياخويا بس أنت اللي أعمى
جاء ليتحدث لكن قاطعه صوت طفل في الشارع يقول
-ما تخلص ياعم علي عاوزين نربط الزينة بقا أنت قاعد تحب في البلكونة
-ياض يا حوكشة أنت لازم تقطع عليا كده ،روخ بول لعم سامح يطلع من بلكونة نوح الباشا علشان يربط الحبل دا عنده
ركض الصبي وهو يقول
-هوا يا ابو علي .
خرج سامح من الشرفه وقال
-سامع صوتك من جوه والله ولا كانك قاعد معايا .
-حبيبي يا سموحه خد بقا اربط من عندك
-هات
*************
استيقظت موج على أشعة الشمس التي تسللت إلى غُرفتها فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقلٍ في قلبها وهي تتذكّر ما حدث بينها وبين نوح في الليلة الماضية،بقيت لحظاتٍ تحدّق في السقف، وكأنها تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها وتستجمع شجاعتها.
نهضت بهدوء، واتجهت إلى الحمّام وقفت تحت الماء الدافئ، تشعر وكأن قطراته تغسل عنها شيئًا من الحزن والندم كانت تستعيد كلماتها القاسية ونبرة صوتها المرتفعة وأدركت في أعماقها أنها أخطأت وأن العناد لا يبني بيتًا ولا يحفظ مودة
بعد أن انتهت ارتدت ثيابًا نظيفة وفرشت سجادة الصلاة، وأدّت صلاة الصبح بخشوع أطالت السجود، تدعو الله أن يصلح ما بينها وبين زوجها، وأن يمنحها الحكمة والسكينة.
ثم جلست قليلًا وضعت يدها برفق على بطنها وربّتت عليها بحنان، وكأنها تخاطب صغيرها الذي لم يتظهر له ملامح بعد همست له بكلماتٍ دافئة، تعده بأن تكون أمًّا صالحة، وبأن تحافظ على بيته وأبيه شعرت حينها بأن مسؤوليتها أكبر من غضبٍ عابر، وأن عليها أن تبادر بالصلح،وتعتذر كانه امامها أنها فكرة في إجهاضه
تنفّست بعمق، وقررت أن تعتذر لنوح وأن تبدأ يومًا جديدًا بروحٍ مختلفة نهضت، ورتبت شعرها وارتدت ملابسها بعناية، ثم اتجهت إلى المطبخ لتُعِدّ الفطور كانت تريد أن يكون صباحهما بداية صفحةٍ بيضاء، تُكتب بحبٍّ وصبرٍ وتفاهم
بدأت تعد الطعام وتتنقل في المطبخ بخفة الفراشة ،أعدت البيض المقلي والمسلوق ،ووضع الكثير من أنواع الجبن لأنها تعلم كم يعشق الجبن نوح ،بعد دقائق بدأت تُحول الطعام إلى السفرة ،ثم اتجهت إلى المكتب قامت بالدق أولًا لكن لم يظهر اي رد ،بدأت في فتح الباب لكن أغلقته عندما أستمعت لصوت باب الفيلا .
ركضت سريعًا لكن قابلها هو بخوف وقال
-براحة براحة .
أسرعت في الحديث وقالت
-نوح أنا اسفه عارفة إني كنت غبيه وكنت صعبة وحقك حته إنك تطلق…
وضع إبهامه على فاها وقال
-هششش… كُل سنة وأنتِ طيبة ،رمضان مُبارك عليكِ
صدمت من الحديث ،كانت تتوقع أن يُبخها فهي أخطأت كثيرًا
-نوح أنا ..
-أنتِ ايه ،خلاص اقفلي الصفحه علشان منجرحش بعض أكتر من كده وأياكي ثم اياكي تشكي فيا يا موج تاني
ثم أخر يده الأخر من خلف ظهره ظهر فانوس يتلألأ بين كفيه ، كان فانوسًا تقليديّ الطراز مصنوعًا من النحاس المصقول، تتداخل على جوانبه نقوشٌ عربية دقيقة، محفورة بعناية كأنها خيوط ضوء متشابكة.
ابتسمت ابتسامه واسعه وعانقته بقوة ،أغلق يده عليها كاد أن يكسر عظمها بين يده من كثره الإشتياق .
************
دق جرس الباب ،كانت أميرة تقف أمام المرأه تتزين لأن علي قادم للجلوس معاها ،ركضت إلى الباب وقامت بالفتخ والابتسامه تملئ وجهها لكن دهشت وقالت
-علاء!!!!!!!
الفصل الخامس والثلاثون من هنا
رواية نوح الباشا الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندا الشرقاوي
رواية نوح الباشا الفصل الخامس والثلاثون35والاخير بقلم ندا الشرقاوي
والابتسامه تملئ وجهها لكن دهشت وقالت
-علاء!!!!!!!
كان يقف في يده باقة من الزهور ،ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة حتى ظهر ضاحكيه ،اليد الأخرى بها طبق من الحلاى الشرقي،تمتم والضحكة مازلت ترتسم
-أنا قولت ،الشياطين تسلسلت فا أكيد النفوس هديت وجيت طالب العفو بقا ،ولو على ماما أنا مش هخليها تدخل في حياتنا تاني ابدا ،هاا اي رايك يا أميرتي؟
-يا عين أميرتك
هتف بها علي وهو يقف على أول الطابق يفصل بينهم درجات السلم،يقف يسند بنصفه العُلوي على الحائط،وضع ساعده أمام صدره ،كان يقف بهيبة ومظهر رجولي .
أما هذه الخائفة التي لم تقدر على أخذ موقف لا تعلم تندهش من وجود خطيبها السابق،أم ترتجف خوفًا من خطيبها الحالي ،يا الهي لقد أجتمع الاثنان،وسوف ترى وجه علي الأخر.
فَك علي يده ،ثم وضعها في جيبه وصعد الدرج ،درجة تلي الأخرى ،حتى وقف أمام على وأخرج يده ليقوم بعدل ياقةُ القميص،وقال بسخريةٍ
-خير يا كابتن ،شايف ورد وحلويات ،شكلك متلغبط في العنوان ،طهور سيد ابن أم سيد الدور التالت مش التاني !
وضعت يدها على فاها تكتُم ضحكتها ،لكن لم تُكملها نظر إليها نظرة ثاقبه جعلتها تقف مثل الجُندي.
صاح علاء بصوتٍ عالٍ،وعصبية
-في ايه يا أستاذ أنت؟؟ واحد وجاي لخطبته؟ أنت مالك .
-خا اي خطبته ؟
ثم نظر إلى أميرة واستطرد متسائلًا بسخريةٍ
-هو الأخ دا خطيبك ؟
هزت رأسها بقوة نافيه معرفةً هذا الشخص ،رقع يده لأعلى وقال
-وشهد شاهدٌ من أهلِها
أخذ علي طبقَ الحلويات من يده، ثم ضربه به على وجهه،وحين جاء علاء ليتحدّث، كان عليٌّ أسرعَ منه، فضربه بجبينه في مقدّمة أنفه، مما جعله يشعر بالدوار.
اقتربت أميرة سريعًا تمسك يده وقالت
-خلاص ياعلي سيبه ،هيموت في ايدك ،سيبه
-اوعى من وشي الساعة دي بدل ما اديكي بونيه ،اخليكي حاطه بلاشر طبيعي ،اخفي يابت .
دلفت إلى الداخل سريعًا فهو كان في قمة غضبه ،في هذا الوقت كان علاء يَسُبه بأقذر الكلمات البذيئة ،لم يهتم عليّ وظل يلكمهُ بقوةٍ ،حتى خرج الدماء من جانب فاه .
تركه ليرتطم بالأرض ،رفع عليّ سبابته أمام وجه وقال
-لو شوفتك مهوب ناحيه البيت هنا تاني أو المنطقة ،صدقني هندمك على اليوم اللي اتولدت فيه ،أميرة مراتي فاهم يا حيله
هز علاء رأسه وهو يتألم بقوة،لكن صدح صوت علي وقال
-رد ياض فاهم
-فاهم...فاهم
**********
بعد مرور أربع ساعات ....
كان يقف نوح أمام سيارته يقوم بفتح الباب لـ موج ،التي تُقهقه على هيئته
-اضحكي اضحكي ،أنا بجد مش عارف أنا إزاي جيت
-خلاص بقا يا نوح ،راضيه أنت عارف مُعتصم دماغه طاقه لوحدها ،قال يعني أنت مش عارف طالع لمين !؟
عقد حاجبيه كأنه لا يعلم شيء وقال
-تقصدي ايه يعني ،لا طبعًا أنا مش مجنون
نظرت إليه كانها تقول حقًا !؟
تمتم مره أخرى بصوتٍ منخفض
-مجنون اه ،لكن مش زيه ،أنا على خفيف
ضحكتِ الأخرى بصوتٍ عالٍ، ضحكةً امتدت لثوانٍ عدّة، مما أثار استغرابَ نوح فتتبّع بنظره موضعَ نظرها،
ليجد مُعتصم قادمًا من مسافة غير بعيدة،كان يرتدي شورتًا أبيض يصل إلى الركبة، وقميصًا باللون نفسه.
وكانت تسير إلى جواره ليلى ترتدي فستانًا طويلًا بلونٍ سماويٍّ فاتح ذا أكمامٍ طويلة وتطريزٍ ناعمٍ عند الأكمام والصدر، وقد نسّقت معه حجابًا أبيض وحذاءً أنيق بلونٍ هادئ، في هيئةٍ بسيطةٍ راقية تليق بمناسبة عقد قرانهما.
ضَرب نوح كَفٍ على كَف وقال
-اتفضلي جاي يكتب كتابه بشورت البيه فاكر نفسه على البلاج
جاء مُعتصم وهو يضع كف ليلى بكفه ،كأنه يَخشىَ أن تهرب ،هتف وهو يبتسم
-طبعًا مبسوطين صح بالمفاجأة
-مفاجاة ايه يا حيوان ،حد يبلغ حد بكتب كتابه قبلها بساعة ونص
-احمد ربنا انت مش قبلها بربع ساعة ،لولا أن ليلى عاوزه تكون أنت وكِلها كُنت كتبت لوحدي ،ما أنت عارفني أموت في الندالة بدل ما ليها علاقة بليلتي .
كانوا يتحدثوا غافلين عن الآخرين الذين يتبادلا القُبلات والعناق بمناسبة أرتداء ليلى الحجاب
ابتسم نوح بحب أخوى ،كم تمنى أنها تدخل الإسلام،ولم يُفاتحها في هذا ابدا،كان على يقين أنها سوف تدخل من حديثها عن الإسلام وتعلقها بكُل شيء يَخص الدين الإسلامي .
-مبروك الحجاب يا ليلى
-الله يبارك فيك يا نوح ،تسلم .
-طب اي هنقضيها سلامات ولا ايه ،عاوز اكتب كتابي ،عاوز افطر أول يوم رمضان من إيد مراتي يا جدعان
رد نوح ساخرًا
-اتفضلي عاوز يتجوز علشان يخليها تطبخ يوم الصباحيه
قهقة ليلى وأجابت
-دا بعينه يا عم ،وبعدين أنا وحده مليش في الطبخ
-كمان هتجوز على فشنك
تدخلت موج في الحديث حتى تفصل بينهم وقالت
-طب نكتب الكتاب وبعدين ربنا يحلها وقبل ما جنابك تاخد برد بالشورت دا الناس بتبص عليك فكراك مجنون
ضحك مُعتصم وشرع يُغيظها، فأخرج طرفَ لسانه قائلًا
-ملكيش دعوة دبلتها مدفياني
مسح نوح على وجه وهتف
-اطلع يامعتصم اطلع يا حبيبي .
وبعد قليلٍ من الوقت، كان مُعتصم يضع يده في يد نوح، وكلٌّ منهما يردّد خلف المأذون كلمات العقد في وقارٍ وتركيز،وبين كُل ثانية وأخرى كان يلقي نظره إلى ليلى التي تجلس تضم قدميها بقوة ،ترتجف قليلًا ،تشعُر بالرهبة والخوف والفرح كان شعور لم تقدر تحديده إلا وهو شيء يجعل القلب يخفق ،وما إن انتهى المأذون من إتمام الزيجة حتى شرع في قوله المشهور
{بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير}
وفي تِلك الأجواء المليئة بالفرح، خطفت موجُ المنديلَ في خِفّةٍ مفاجئة، مما أثار الضحك بين الحاضرين، وتبدّل الموقف الرسميّ إلى لحظةٍ عفويّةٍ زادته بهجةً وسرورًا.
وقف نوح وقام بشد مُعتصم إليه ليُعانقه بحب أخوي ،رتب الأخر على ضهره بحنو ،وقال له نوح بصوتٍ يكاد يكون أن يُسمع
-مبروك ياحبيب أخوك ،عقبال ما أشيل عيالك
رد عليه الأخر بمزاح
-تسع شهور من دلوقتي وأسلمك عيل .
وخزه في كتفه على سبيل المرح،وكانت موج تُبارك وتُهنئ ليلى التي كان نظرها يتعلق بمُعتصم .
ثوانٍ ووقف مُعتصم أمام ليلى ،يبتسم لها بفرحه ،مشاعر مختطلة بينهم ،لكن قطع الصمت نوح وهو يقول بمرحٍ
-شيل يا طويل العُمر شيل
فتح معتصم ذراعيه على اتساعهما، كأنّه يفتح لها قلبه قبل حضنه، فما كان من ليلى إلا أن اندفعت نحوه في شوقٍ مكتوم، تدخل إلى حضنه .
فأطبق عليها بذراعين ثابتتين، يضمّها بقوة ٍ ممزوجةٍ بالحنان، كأنّه يخشى أن يفلت منه ذلك الحلم الذي إلى الأن لم يُصدق أنه واقع
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت موجٍ بالزغاريد تطلقها عاليةً متهلّلة، ارتج المكان بفرحها، وانكسرت هيبة الصمت على أنغام البهجة .
همس لها في اذنيها
-دُمتي لي سند وضهر وعزوه وعوض يا ليلى
اقترب نوح من موج وانحنى لمُستواها نظرًا لقصر قمتها وقال
-مليش نفس أخد حضن أنا كمان ولا ايه
دخلت موج إلى حصنه وأغلق عليها يد على ظهرها والأخرى تحتضن بطنها التي تحمل صغيره أو صغيرته .
************
هاتوا الفوانيس يا ولاد
هاتو الفوانيس يا ولاد
هاتوا الفوانيس هانزف عريس يا ولاد
هيكون فرحوا تلاتين ليله
هنغني ونعمل هوليله
وهنشبع من حلوياته
هاتو الفوانيس يا ولاد هاتو الفوانيس
يقف مُعتصم على سُلم من الحديد ،يمسك بيده خيطًا يلتف حوله الزينه ،وعلى الجنب الأخر يقف علي يمسك بيده الزينة المضيئة ،يقوم بلفها حول العمود الذي يتوسط الفيلا من الداخل .
جاء نوح من الداخل وهو يمسك بيده حزمه من اللزق وصدح بصوتٍ عالٍ
-حط حته صغيره يا مُعتصم مش ناقصه تبوظبي الحيطه ،مش عارف ايه حنة شيماء اللي عملتوها في الفيلا دي .
التقطها منه مُعتصم ،وقال بنفاذ صبر
-ياعم بقا ،طلعتوا عيني، دا حته الصباحية بتاعتي .
تحدث علي بضجر وهو يُحاول تشغيل الزينة بالزر اليدوي ،يُشغلها تارة ويغمضه تارة ،حته جعل إضاءتها تجعل أَلم في العين
-لا لا بجد تعبت عمود بيت دا ولا عمارة خمستاشر دور
خرجت وفاء من المطبخ وهى تحمل أحد الأطباق وترفع يدها الأخرى في وجهه
-الله أكبر خمسه وخميسه يا خويا ،أنت جاي تحسد الولا ولا ايه
-ياخالتي مش القصد ،أنا زهقت أنا لفيت يجي ١٥٠ متر لحد دلوقتي ،دا أنا ناقص تلفوني مع الزينة .
قهقة نوح بصوتٍ عالٍ وقال
-طب خلاص سيب الزينة كفايه اللي اتعمل
ثم وجهه حديثه بصرامه لمعتصم
-علله يا مُعتصم اسمع صوت شنيور ولا تهوب ناحية الحيطة سامع
-سامع سامع
هدر بيها مُعتصم وهو يتأفف
أمام في الخارج كان سامح يقوم بوضع الطاولات في مُنتصف الحديقة الواسعة ، يرتّبها بعناية ويحرص على أن تكون متناسقة في صفوفٍ أنيقة استعدادًا للإفطار ، وكانت سما تساعده، تنشر المفارش البيضاء المزيّنة بالرسوم الرمضانية المعتادة أهِلّةٌ ذهبية، وفوانيس ملوّنة، ونجومٌ صغيرة تتلألأ تحت ضوء المصابيح المعلّقة بين الأشجار .
وفي تلك الأثناء ،خرجت أميرة من الداخل تحمل صَنية كبيرة ً يتوسطها الكثير من الأكواب الزُجاجية الطويله ،وقد انعكس عليها وهج الشمس المائل إلى الغروب .
بعدها جاءت موج تمسك بيدٍ إناءً مملوءًا بعصير الكركديه الأحمر ،وفي اليد الأخرى إناء عصير العرقسوس الداكن اللون ،وبين لحظةٍ والثانية تُقرب أنفها من الإناء لتتفقد الرائحة ، ثم تبتعد سريعًا وهى تعقد حاجبيها بشيءٍ من التقزّز ،قبل أن تُتمتم ضاحكة
- معرفش بيشربوه إزاي !
وما هي إلا دقائق ،وكانت امتلأت الحديقة بحركة دافئة،رائحة الطعام التي تتسلل من المطبخ ،صوت الأطباق التي يتناغم مع صوت ضحكتهم .
بعد مرور عشر دقائق كانت المائدة جاهزة لاستقبال الجميع،لأول مره مُنذ ثماني سنوات يجلس نوح مع عائلة لتناول الإفطار في رمضان ،جلس عبدالعظيم على رأس المائدة ،على يمينه وفاء بجانبها سما وسامح وصغارهم ،أما على الجنب الشمال كان يجلس نوح بجانبه موج بجانبها ليلى ثم معتصم ثم علي وختمت بأميرة .
وما هي إلا دقائق وصدح صوت المؤذن في الأفق
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدًا رسول الله
أشهد أن محمدًا رسول الله
معلنًا دخول وقت المغرب وداعيًا إلى الصلاة والفلاح،سكنَت الحركة في الحديقة لحظةً، وكأن الجميع أنصت لذلك النداء العذب
تبادل نوح وموج نظرةً سريعة، ثم تمتمت أميرة بالدعاء وهي ترفع كفّيها بخشوع،أما ليلى فكان ما يحدث جديد عليها لكن تشعر بالسعادة ،وفاء تدعي لهم جميعًا وأن الله يقر عينها برؤيه حفيدها .
ومع انتهاء الأذان، ارتفعت همسات {اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا}وامتدّت الأيدي إلى التمر وأكواب الماء، فيما اكتست الحديقة سكينةً جميلة لا يقطعها إلا صوت ارتشافٍ خفيفٍ وابتسامات رضا
-جماعة جوزين حمام هنا طيب ،أنا راجل عريس برده
وقفت وفاء عن مقعدها وأخذت صحن الحمام ووضعته أمام معتصم ورتبت على ظهره وقالت
-كُل ياقلب أمك كُل أنت محتاج تتغذا
رفع يده إلى الأعلى وقال
-يخليكي ليا يا فوفا
كان نوح يُطعم موج في فاها بحرص شديد حتى يطمئن عليها وأنها تأكل جيدًا .
تحدث مُعتصم إلى نوح بهدوء
-بقولك يابني
انتبه له نوح، وترك ما في يده على عجل، ثم تقدّم نحوه بخطواتٍ سريعة وقال
-امر يا حج
نظر إليه أبوه بعينين يختلط فيهما العتاب بالمحبة، وقال بصوتٍ خافت
-بحق الشهر الكريم ما تكون شايل مني
تغيّر وجه نوح، واقترب أكثر حتى صار على بُعد خطوةٍ واحدة ثم انحنى وقبّل رأس أبيه بكل تقدير، وقال بصوتٍ هادئ مليء بالحنو
-أزعل منك إزاي يا حج؟ ده أنت بركتي وسندي لو موتّني يا حج أنا راضي رضاك عندي بالدنيا وما فيها، وأنا عمري ما أشيل منك في قلبي حاجة،عارف إن اي حاجة حصلت كانت خوف عليا ،وبعدين أنا جايلي عيل في الطريق أكيد هيجي في يوم واقف قصاده علشان مصلحته
ارتجفت فاه عبدالعظيم قليلًا، ومدّ يده يربّت على كتف ابنه، وقال
-بالله عليك ما تقف قصاده غير لما تسمعه ،ربنا يرضى عنك يا نوح، ويصلح حالك ويبارك فيك
فابتسم نوح ابتسامةً صافية وبقي لحظةً ممسكًا بيد أبيه، كأنّه يطمئن قلبه قبل أن يعود إلى ما كان يفعل، وقد امتلأت الأجواء بدفءٍ خفيّ لا يُرى، لكن يُحَسّ في النظرات والسكوت.
بعد إنهاء الطعام ،بدأ الجميع في المُساعدة وحمل الأطباق وتنظيم كُل شيء ،لكن حمل نوح الأطباق من يد موج وقال
-اقعد يا جميل ،كفاية عليك كده
-اقعدي يا ست موج أصل الباشا بيحب النحنحه
كان ذلك صوت علي الذي يقف يتمسخر على نوح ،حته وكزه نوح في بطنه قائلًا
-اللي متغاظ مننا يعمل زينا ،بس مش هتعمل علشان أنت خاطب يعع
ردت أميرة
-هيا خاطب دي شتيمة ولا ايه يا نوح
-لا ياستي أنا مالي،بصوا أنا هدخل الأطباق ومحدش ليه دعوة بمراتي
في الجنب الأخر كان يقف مُعتصم بجانب ليلى ،وقال
-ايه رايك في رمضان بقا
أخذت نفسًا عميقًا وقالت بحب
-حاجة كده تخلي القلب بيرفرف زي الجناحات بالظبط،بجد يا معتصم حاسه إني مكنتش عايشه خالص وإن أنا اتولدت من جديد أول ما اتحط جنب اسمي مُسلمة ،ماتتخيلش الفرحة اللي دخلت قلبي لما لبست الحجاب حسيت إني مش خايفه وإني حره .
رفع يدها إلى فاه وقبلها بحنو وقال
-ربنا يديمك في حياتي يا ليلى ويقدرني واسعدك .
جاء سامح وهو يضع يده على كتف سما ويقول ساخرًا
-يا سلام على حبي وحبك وعدي ومكتوبلي أحبك .
ردت سما ضاحكه
-بس يا سامح مترخمش عليهم .
تمتم سامح قائلًا
-حبوا في بعض حبوا كلها سنه بالكتير وتبدا فين البامبرز فين البزازه طب حد جاب بسكوت
اقترب مُعتصم يضع يده على فاه وقال
-بس أسكت اسكت سبني انصدم لوحدي .
وبينما كانت الضحكات لا تزال تتردّد في أرجاء الحديقة، واندفع نوح إلى الخارج، وعلى كتفه الصغير نوح، يرفعه عاليًا كأنّه كنزٌ يخشى أن يمسّه الهواء.
كان الصغير قابضًا على قميصه بكلتا يديه، يضحك بملء قلبه، وعيناه تلمعان ببريقٍ بريء
توقّف هيجي نوح في منتصف الحديقة، ورفع حاجبيه في مرحٍ ثم قال بصوتٍ جهوريٍّ مليء بالحماس
-يلا نلعب كوره نوح عاوز يلعب
ضحك معتصم وهو يصفّق بيديه قائلًا
-جامد نفسي اللعب من زمان ،خلي بالك الولا يقع بس
أما موج فوضعت يدها على فمها تضحك، بينما تقدّم نوح بخطوةٍ وهو يهزّ رأسه مبتسمًا
-أحلى حاجة في اليوم والله ضحكتك
ثم أنزل الصغير ،وأمسك به من جانبيه، ثم أخذ يدور به في الهواء برفقٍ وثبات، وضحكات نوح الصغير تعلى في المكان .
دقائق وجاء علي ويمسك في يده الكُره ويقول
-هنقسم فريقين أنا ونوح ومعتصم وسامح ونوح الصغير
وقفت أميرة وهى تصع يدها في خصرها وقالت
-واحنا بقا
نظر إليها وقال
-اقعدي يابت ،انتو شجعوا وخلاص .
-ماشي يا علي.
بعد دقائق
تقدّم نحو نخلتين عاليتين تتوسّطان الحديقة، وقف تحت إحداهما، رفع ذراعيه وبدأ يلفّ الحبل حول الجذع بإحكام، يشدّه مرةً بعد أخرى ، حتى تأكد من ثباته ثم سار بالحبل مشدودًا إلى النخلة المقابلة، حيث عقده بقوةٍ مماثلة، وجذبه بيديه ليتأكد أنه صار مستقيمًا ومشدودًا بقوةٍ.
صفّق نوح بيديه ضاحكًا وقال
-شكل الموضوع جد أوي
ابتسم علي نصف ابتسامة، ثم خلع ساعته ووضعها على الطاولة القريبة، وأشار بيده قائلاً
-يلا فريقين بقا يا رجالة
في ناحيةٍ من الحبل وقف علي ونوح، كتفًا إلى كتف، وفي الجهة الأخرى اصطفّ سامح ومعتصم، وقد انضم إليهما نوح الصغير، الذي أمسك الكره بيده ،ثم قام برميها في المنتصف وبدأ اللعب
انفجرت البنات ضحكًا وهنّ يقفن جانبا، تصفقن وتطلقن عبارات التشجيع قالت أميرة
-شدّ يا علي!
تليها ليلى
-يلا يا معتصم ورّيهم!
تليها سما
-سامح… رجّعها ورا!
وكان صوت موج أعلى الجميع، تشجع هنا وتضحك هناك، وتصيح بأسم نوح بقوة ،بينما ليلى تمسك بيد أميرة وهما تتابعان المشهد بعينين متألقتين.
أما في الطرف البعيد من الحديقة، فكان عبدالعظيم جالسًا على مقعدٍ خشبيٍّ بجوار وفاء،يميل قليلًا إلى الخلف، يراقب المشهد بعينين يملؤهما الرضا، بينما وفاء تبتسم وتقول بصوتٍ دافئ
-ربنا يفرح قلبكم يا عيالي يارب،عارف يا عبدالعظيم الولا معتصم دا حاسه انه بقا عيل من عيالي
-فعلًا راجل جدع ،ربنا يسترها معاه يارب ويرزقه بعزوه من العيال تملى عليه بيته
الآن تسمع ضحكات عالية ،قلوبٌ تفرح بشدة،بيتٍ يحتضن الجميع تحت سقفًا واحد وسماء واحده،دونت هذه اللحظة في ذاكرة كُل منهما .
ثوانِ وانتهى اللعب ثم وقف مُعتصم على أحد المقاعد وفتح هاتفه حتى يأخذ صوره تذكاريه لهم تجمّع الجميع سريعًا يقترب بعضهم من بعض حتى كادوا يلتصقون، كتفٌ إلى كتف وضحكةٌ إلى جوار ضحكة بينما انحنى نوح قليلًا ليحتضن موج تحت ذراعه في عفويةٍ محبّبة، فمالت عليه مبتسمة، وقد أشرق وجهها بسعادةٍ هادئة ،بينما جاء نوح الصغير يرفع ذقنه عاليًا ليبدو أطول مما هو عليه حتى قهقة الجميع عليه .
ثبّت معتصم الهاتف، وعدّ بصوتٍ مرتفع
-واحد… اثنان… ثلاثة…
وفي اللحظة التي اتّجهت فيها العيون كلّها نحو العدسة، وتجمّدت الضحكات على الشفاه انطلقت ومضةٌ صغيرة حابسةً داخلها دفءَ تلك الليلة، وحبها،وأمانها
في صورةٍ واحدة ستكون شاهدًا على تجمع عائلة حول الفرح، لا يشغلها في تلك اللحظة سوى أن تكون معًا
تمت